Advertisement

القانون في الطب 003


بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله وَسَلام على عباده الْمُؤمنِينَ وَإِذ قد وَفينَا بِمَا وعدنا من تصنيف كتبنَا فِي الطِّبّ الَّتِي الأول مِنْهَا فِي الْأُصُول الْكُلية وَالثَّانِي مِنْهَا الْمَجْمُوع فِي الْأَدْوِيَة المفردة وَالثَّالِث مِنْهَا فِي الْأَمْرَاض الْجُزْئِيَّة وحان لنا أَن نذْكر فِي هَذَا الْكتاب الرَّابِع الْأَمْرَاض الَّتِي لَا تختصّ بعضو بِعَيْنِه والزينة ونستوفي الْكَلَام فِي ذَلِك وَقَسمنَا هَذَا الْكتاب على سَبْعَة فنون وكل فنّ يشْتَمل على عدَّة مقالات وكل مقَالَة تشْتَمل على فُصُول. الْفَنّ الأول الحميات يشْتَمل هَذَا الْفَنّ على مقالتين: الْمقَالة الأولى فصل فِي مَاهِيَّة الحمَّى فَنَقُول الحُمَّى حرارة غَرِيبَة تشتعل فِي الْقلب وتنبت مِنْهُ بتوسط الرّوح وَالدَّم فِي الشرايين وَالْعُرُوق فِي جَمِيع الْبدن فنشتعل فِيهِ اشتعالاً لَا يضر بالأفعال الطبيعية لَا كحرارة الْغَضَب والتعب. إِذا لم تبلغ أَن تتشبث وتؤف بِالْفِعْلِ وَمن النَّاس من قسّم الحُمّى إِلَى قسمَيْنِ أوّلين: إِلَى حُمَّى مرض وَإِلَى حُمَّى عرض وَجعل حُمِّيات الأورام من جنس حمى الْعرض وَمعنى قَوْلهم هَذَا أَن الحُمَّى المرضيّة مَا لَيْسَ بَينهَا وَبَين السَّبَب الَّذِي لَيْسَ بِمَرَض وَاسِطَة كحمّى العفونة فَإِن العفونة سَببهَا بِلَا وَاسِطَة وَلَيْسَت العفونة فِي نَفسهَا مَرضا بل هُوَ سَبَب مرض. وَأما حمَى الورم فَإِنَّهُ عَارض للورم يكون مَعَ كَون الورم تَابعا لَهُ والورم مرض فِي نَفسه ولمناقش أَن يَقُول: أَنه إِن كانْ حُمَّى الورم يتبع حرارته وَيلْزم من وَجَعه فَيُشبه أَن يكون حُمى عرض وَحِينَئِذٍ يشبه أَن يكون كثيرا من حُمَّيات الْيَوْم حميات عرض وَإِن كَانَ يتبع العفونة الَّتِي فِي الورم فالورم لَيْسَ بِسَبَب لَهَا أولى من حَيْثُ هُوَ ورم بل من حَيْثُ العفونة الَّتِي فِيهِ فسببها الَّذِي بِالذَّاتِ هُوَ العفونة والورم لَيْسَ بِسَبَب لَهَا إِلَّا بِالْعرضِ وَتقول: إِن لم يعن بحُمى عرض هَذَا بل عَنى أَنَّهَا تَابِعَة للورم وجودهَا بِوُجُود الورم. فَكَذَلِك حَال حُمِّيات العفونة بِالْقِيَاسِ إِلَى العفونة لَكِن الِاشْتِغَال بأمثال هَذِه المناقشات مِمَّا لَا يجدي فِي علم الطِّبّ شَيْئا وَيجْعَل الطَّبِيب متخطياً من صناعته إِلَى مبَاحث رُبمَا شغلته عَن صناعته فلنجر على مَا اُعْتِيدَ من ذَلِك فَنَقُول: لتكن حميات الأورام والسدد حمّيات الْعرض ولنقل أَنه لما كَانَ جَمِيع مَا فِي بدن الْإِنْسَان ثَلَاثَة أَجنَاس أَعْضَاء حاوية لما فِيهِ من الرطوبات والأرواح قياسها قِيَاس حيطان الْحمام ورطوبات محوّية وقياسها قِيَاس مياه الْحمام وأرواح نفسانية وحيوانية وطبيعية وأبخرة مبثوثة وقياسها قِيَاس هَوَاء الْحمام فالمشتعل بالحرارة الغريبة اشتعالاً أولياً وَهُوَ الَّذِي إِذا طفئ هُوَ برد مَا يجاوره وَإِذا برد مَا يجاوره لم يجب أَن يطفأ هُوَ بل يُمكن أَن يبْقى وَأَن يعود فيسخن مَا يجاوره. يكون أحد هَذِه الْأَجْسَام الثَّلَاثَة الَّتِي لَا تُوجد فِي
(3/5)

الْإِنْسَان جِنْسا جسمانياً خَارِجا عَنْهَا فَإِن تشبّث الحُمَى بالأعضاء الْأَصْلِيَّة التشبث الأول كَمَا يتشبث الْحَرِيق مثلا بحيطان الْحمام أَو بزق الْحداد أَو بِقدر الطباخ فَذَلِك جنس من الحميات يُسمى: حمى دق. وَإِن تشبَّثت الْحمى تشبّثها الأولي بالأخلاط ثمَّ فَشَتْ مِنْهَا فِي الْأَعْضَاء كَمَا يتَّفق أَن يصبّ المَاء الْحَار فِي الحمّامات فتحمى جدرانه بِسَبَبِهِ أَو مرقة حارة فِي الْقدر فتحمى الْقدر بِسَبَبِهَا فَذَلِك جنس من الحمّيات تسمى: حمى خلط وَإِن تشبّثت الحمّى تشبثها الأولي بالأرواح والأبخرة ثمَّ فَشَتْ مِنْهَا فِي الْأَعْضَاء والأخلاط كَمَا يتَّفق أَن يصير إِلَى الْحمام هَوَاء حَار ويوقد فِيهِ فيسخن هواؤه ثمَّ فَشَتْ مِنْهَا فِي الْأَعْضَاء والأخلاط كَمَا يتَّفق أَن يصير إِلَى الْحمام هَوَاء حَار ويوقد فِيهِ فيسخن هواؤه فيتأدى إِلَى المَاء وَإِلَى الْحِيطَان فَذَلِك جنس من الحميات تسمى: حمى يَوْم لِأَنَّهَا متشبّثة بِشَيْء لطيف يتَحَلَّل بِسُرْعَة وقلّما تجاوزت يَوْمًا بليلته إِن لم تستحل إِلَى جنس آخر من الحميات فَهَذِهِ قسْمَة للحمّيات بِالْوَجْهِ الْقَرِيب من الْقِسْمَة الْوَاقِعَة بالفصول. وَقد تقسم الحميات من جِهَات أُخْرَى فَيُقَال: إِن من الحميات حمّيات حادة وَمِنْهَا غير حادة وَمِنْهَا مزمنة وَمِنْهَا غير مزمنة وَمِنْهَا ليليّة وَمِنْهَا نهارية وَمِنْهَا سليمَة مُسْتَقِيمَة وَمِنْهَا ذَات أَعْرَاض مُنكرَة وَمِنْهَا مفترة وَمِنْهَا لَازِمَة. وَمن اللَّازِمَة مَا لَهَا إشتدادات وسورات وَمِنْهَا مَا هِيَ متشابهة وَمِنْهَا حارة وَمِنْهَا بَارِدَة ذَات نافض أَو قُشَعريرة وَمِنْهَا بسيطة وَمِنْهَا مركّبة. فصل فِي المستعدّين للحميات قَالُوا: إِن أشدَ الْأَبدَان اسْتِعْدَادًا للحميّات هِيَ: الْأَبدَان الحارة الرّطبَة وخصوصاً إِذا كَانَت الرُّطُوبَة أقوى من الْحَرَارَة وَهَؤُلَاء يكونُونَ منتني الْعرق وَالْبَوْل وَالْبرَاز والأبدان الحارة الْيَابِسَة أَيْضا مستعدة للحمّيات الحادة تبتدئ يوميّة ثمَّ تسرع إِلَى العفن والاحتراق وَرُبمَا أوقعت فِي الدق. ويتلوهما الَّتِي يتساوى فِيهَا الرُّطُوبَة واليبوسة وتستولي الْحَرَارَة وَهَذَانِ من جنس مَا يَبْتَدِئ فِيهِ حمى البخار الْحَار ثمَّ تنْتَقل إِلَى حُمى الْخَلْط ثمَّ الَّتِي يتساوى فِيهَا الحرّ وَالْبرد وتكثر الرُّطُوبَة وَهَذِه إِنَّمَا تعرض لَهَا حميات العفونة فِي أَكثر الْأَمر ابْتِدَاء والأبدان الْبَارِدَة الرّطبَة والأبدان الْيَابِسَة أبعد الْأَبدَان من الحميات وخصوصاً اليومية. فصل فِي أَوْقَات الحميات إنَ للحمّيات أوقاتاً كَمَا لسَائِر الْأَمْرَاض من ابْتِدَاء وصعود ووقوف عِنْد الْمُنْتَهى وانحطاط وَقد تكون هَذِه الْأَوْقَات كلّية وَقد تكون جزئية بِحَسب نوبَة نوبَة والمخاطرة من الِابْتِدَاء إِلَى الِانْتِهَاء. وَأما عِنْد الانحطاط فَلَا يهْلك عليل من نفس الحمّى إِلَّا لما نذكرهُ من السَّبَب والابتداء هُوَ وَقت اختناق الْحَرَارَة الغريزية عَن
(3/6)

الْمَادَّة الغامرة فِي الْعُضْو وَقت مَا لَا يكون يظْهر للنضج أَو خِلَافه المفاد للنضج أثر والابتداء مَوْجُود فِي كلِّ مرض وَلَكِن رُبمَا خَفِي خفاءة فِي سونوخس والصرع والسكتة وَإِذا كَانَ الِابْتِدَاء خفِيا قَلِيل الْأَعْرَاض ظن أَنه لَا ابْتِدَاء فِيهِ وَكَذَلِكَ رُبمَا رُؤِيَ فِي الْيَوْم الأول من الحمِّيات الحادة غمامة أَو عَلامَة نضج فيظن أَنه لم يكن لَهَا ابْتِدَاء وَلَيْسَ كَذَلِك والتزيّد هُوَ وَقت مَا تتحرك فِيهِ الْحَرَارَة الغريزية لمقاومة الْمَادَّة حَرَكَة ظَاهِرَة فتظهر عَلَامَات النضج أَو عَلَامَات المضاد للنضج والانتهاء هُوَ الْوَقْت الَّذِي يشتدّ الْقِتَال فِيهِ بَين الطبيعة والمادة ة وَيظْهر حَال استعلاء أَحدهمَا على الآخر وَهُوَ وَقت الملحمة ومدتها فِي ذَوَات النوائب الحارة نوبَة وَاحِدَة وَلَا يعرف إِلَّا بِالَّتِي يَليهَا أَو نوبتان وَيعرف فِي الثَّالِثَة مِنْهَا لَا يزِيد عَلَيْهِمَا فِي الْأَكْثَر إِلَّا فِي الْأَمْرَاض المزمنة فَرُبمَا تشابهت نَوَائِب كَثِيرَة فِي جَمِيع أَحْكَامهَا وَهُنَاكَ عِنْد الْمُنْتَهى يتم آثَار النضج وضده. والانحطاط هُوَ وَقت مَا تكون الْحَرَارَة الغريزية قد استولت على الْمَادَّة فقهرتها فَهِيَ فِي تَفْرِيق شملها شَيْئا بعد شَيْء وَحِينَئِذٍ تَجف حرارة الْبَاطِن وتنتقص إِلَى الْأَطْرَاف حَتَّى تحلل. وَكَثِيرًا مَا تغلظ فالمنتهى يخْتَلف فِي الْأَمْرَاض فالأمراض الحادة جدا أبعد مُنْتَهَاهَا إِلَى أَرْبَعَة أَيَّام وحميات الْيَوْم من هَذِه الْجُمْلَة إِلَّا أَنَّهَا لَا تعد حادة فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي فِي حِدة الْمَرَض أَن يكون منتهاه قَرِيبا بل يكون من الْأَمْرَاض ذَوَات الْخطر ويتلوها الْأَمْرَاض الحادة مُطلقًا لَا جدا وَهِي الَّتِي مُنْتَهَاهَا إِلَى سَبْعَة أَيَّام مثل: المحرقة وَالْغِب اللَّازِمَة وَمِنْهَا مَا هِيَ أقلّ حدّة من ذَلِك وَهِي الَّتِي مُنْتَهَاهَا إِلَى أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَمَا بعد ذَلِك فَهِيَ حادة المزمنات إِلَى الْحَادِي وَالْعِشْرين ثمَّ المزمنات إِلَى أَرْبَعِينَ وَسِتِّينَ وَمَا فَوق ذَلِك. وَمَعْرِفَة الْأَمْرَاض الحادة فِي مراتبها والمزمنة نافعة فِي تَدْبِير غذَاء المرضى على مَا سَنذكرُهُ وَكثير من الحميات يَسْتَوْفِي الِابْتِدَاء والتزيد والانتهاء فِي نوبَة وَاحِدَة وتنوب الْأُخْرَى منحطة والحميات أَيْضا تخْتَلف فِي هَذِه الْأَزْمِنَة فَمِنْهَا مَا يطول تزيدها وَمِنْهَا مَا يطول انحطاطها. فصل فِي تعرف أَوْقَات الْمَرَض وخصوصاً الْمُنْتَهى تتعرف أَوْقَات الْمَرَض الْكُلية مَرة من نوع الْمَرَض فَإِن التشنج الْيَابِس والصرع والسكتة والخناق من الحادة جدا وَالْغِب الْخَالِصَة والمحرقة حادة لَا جدا وَالرّبع والفالج من المزمنة. ومَرة من حَرَكَة الْمَرَض فَإِنَّهُ إِن كَانَت النوائب قَصِيرَة دلّ على أَن الْمُنْتَهى قريب كالغب الْخَالِصَة. فَإِن زمَان نوائبها من ثَلَاث سَاعَات إِلَى أَربع عشرَة سَاعَة وَإِن كَانَت طَوِيلَة دلّت على أَن الْمَادَّة غَلِيظَة والمنتهى بعيد كالغب غير الْخَالِصَة وَإِن لم يكن هُنَاكَ نَوَائِب بل كَانَت مادتها حارة كسونوخس فالمرض حاد وَإِن كَانَت مادتها غَلِيظَة بَارِدَة وَإِلَى غلظ فالمرض غير حاد.
(3/7)

وَمرَّة من السحنة فَإِنَّهَا إِذا تحركت بِسُرْعَة وضمر الْوَجْه والشراسيف فالمرض حاد وَإِن بقيت بِحَالِهَا فالمرض لَيْسَ بذلك الحاد. وَمرَّة من الْقُوَّة هَل أسْرع إِلَيْهَا الضعْف فَيكون الْمَرَض حاداً أَو لم يظْهر ذَلِك فَيكون الْمَرَض غير حاد. وَمرَّة من السن والفصل فَإِن السن الْحَار والفصلين الحارين يسْرع فِيهَا مُنْتَهى الْأَمْرَاض وَفِي الْأَسْنَان الْبَارِدَة والفصلين الباردين يبطئ مُنْتَهى الْأَمْرَاض وَكَذَلِكَ حَال الْبلدَانِ. وَمن النبض فَإِنَّهُ إِذا كَانَ سَرِيعا متواتراً عَظِيما فالمرض حاد وَإِلَّا فَهُوَ غير حاد وَمن النافض فَإِنَّهُ إِذا كَانَ طَوِيل الْمدَّة فالمرض إِلَى زمَان وَإِن كَانَ قصر الْمدَّة فالمرض إِلَى حِدة وَإِذا لم يكن نافض الْبَتَّةَ فَهُوَ أقصر جنسه. وَقد تتعرف أَوْقَات الْمَرَض من جِهَة أَوْقَات النوائب فَإِنَّهَا إِذا كَانَت مستمرة على التَّقَدُّم متفاضلة فَإِنَّهُ يتَقَدَّم تفاضلاً آخِذا إِلَى الازدياد فالمرض فِي التزيّد وَذَلِكَ أَن من الْأَمْرَاض مَا يجْرِي إِلَى أخر أَوْقَاتهَا على التزيد وَقد يكون من جنس الغب وَمن جنس الْمُوَاظبَة وَإِن كَانَت قد وقفت بعد التَّقَدُّم ووقفت الفضول فيوشك أَن يكون الْمَرَض فِي الْمُنْتَهى وَإِن تَأَخَّرت فالمرض فِي الانحطاط والحافظة لساعة وَاحِدَة طَوِيلَة الْمدَّة وَكَذَلِكَ يتعرف حَال الْأَوْقَات من تزايد أَعْرَاض الْحمى ووقوفها ونقصانها وَمن تزيد نوبتها فِي طولهَا وقصرها وَرُبمَا تخالفت وَلم تتشابه. وَقد تتعرف من حَال الاستفراغات فَإِنَّهُ إِذا عرض فِي نوبَة مَا عرق أَو إسهال وَكَانَت النّوبَة الَّتِي بعْدهَا فِي مثل شدَّة الأولى أَو فَوْقهَا فالاستفراغ للكثرة لَا للقوة وَالْمَرَض يُؤذن بطول وَقد تتعرف من جِهَة النضج وضد النضج على مَا ذَكرْنَاهُ. مثلا: إِذا ظهر نفث مَعَ نضج مَاء أَو بَوْل فِيهِ غمامة مَا فَهُوَ أول التزيد ثمَّ إِذا كثر ذَلِك وَظهر أَو ضِدّه فَهُوَ الْمُنْتَهى وَأَيْضًا إِذا ظهر النضج أَو خِلَافه سَرِيعا من نفث أَو غمامة فَاعْلَم أَن الْمُنْتَهى قريب وَإِن تَأَخّر فَاعْلَم أَن الْمُنْتَهى بعيد. وَأما تعرف الْأَوْقَات الْجُزْئِيَّة فَإِن وَقت النّوبَة هُوَ الْوَقْت الَّذِي ينضغط فِيهِ النبض وَقد علمت مَعْنَاهُ ويكمد لون الْأَطْرَاف ويبرد الْأَطْرَاف خَاصَّة طرف الْأذن وَالْأنف إِلَى الْوَقْت الَّذِي يحس فِيهِ بانتشاره الْحَرَارَة وَرُبمَا صحب الِابْتِدَاء تغير لون وكسل وغم وإبطاء حركات وسبات واسترخاء جفن وَثقل كَلَام وقشعريرة بَين الْكَتِفَيْنِ والصلب وَرُبمَا عرض لَهُ فِيهِ نافض قوي وَرُبمَا عرض سيلان الرِّيق واختلاج الصدغين وطنين الْأُذُنَيْنِ وعطاس وتمدد أَعْضَاء الْبدن وَأَشد مَا تضعف الْقُوَّة تضعف فِي الِابْتِدَاء وَفِي الِانْتِهَاء وَوقت التزيد نصفه الأول هُوَ الْوَقْت الَّذِي يَأْخُذ النبض فِي الظُّهُور والعظم وَفِي السرعة وتنتشر الْحَرَارَة فِي جَمِيع الْبدن على السوَاء وَنصفه الْأَخير هُوَ الْوَقْت الَّذِي لَا تزَال هَذِه الْحَرَارَة
(3/8)

المنتشرة بالاستواء تتزيّد وَوقت الِانْتِهَاء هُوَ الْوَقْت الَّذِي تبقى فِيهِ الْحَرَارَة والأعراض بِحَالِهَا. وَيكون النبض أعظم مَا يكون وَأَشد سرعَة وتوتراً وَوقت الانحطاط هُوَ الْوَقْت الَّذِي يبتدي فِيهِ النُّقْصَان وَيَأْخُذ النبض يعتدل وَيَسْتَوِي ثمَّ الَّذِي يَأْخُذ فِيهِ الْبدن يعرق وَيُؤَدِّي إِلَى الإقلاع وَكَثِيرًا مَا يعرض عِنْد الْمَوْت حَال كالانحطاط وَكَانَ الْمَرِيض قد أقبل وَيجب أَن لَا يشْتَغل بذلك بل يتعرف حَال النبض هَل عظم وَقَوي وَإِذا رَأَيْت أَن تضرب لَك مثلا من الغب فِي أَكثر الْأَحْوَال يَبْتَدِئ فِيهِ قشعريرة ثمَّ برد ونافض ثمَّ يسكن النافض ويقلّ الْبرد وَيَأْخُذ فِي التسخّن ثمَّ يَسْتَوِي التسخّن ثمَّ يتزيّد ثمَّ يقف ثمَّ يَأْخُذ ينتقص إِلَى أَن يقْلع وَاعْلَم أَن الْمَرَض تطول مدَّته إِمَّا لِكَثْرَة الْمَادَّة وَإِمَّا لغلظها وَإِمَّا لبردها وَقد يعين عَلَيْهِ الزَّمَان والبلد الْبَارِد وَضعف الْحَرَارَة الغريزية واستحصاف الْجلد. فصل كَلَام كلّي فِي حميات الْيَوْم إِن أَسبَاب كلّ أَصْنَاف حمّى يَوْم هِيَ الْأَسْبَاب الْبَادِيَة المسخنة بِالذَّاتِ أَو المسخّنة بِالْعرضِ من جملَة الملاقيات والمتناولات والانفعالات الْبَدَنِيَّة والنفسانية وَمن الأوجاع والأورام الظَّاهِرَة وَقد يكون مِنْهَا من السدد مَا لَيْسَ سَببه ببادٍ وَلَا يبلغ أَسبَابهَا باشتدادها إِلَى أَن تجَاوز مَا يشعل الرّوح فَإِنَّهَا إِن جَاوَزت ذَلِك أوقعت فِي الدق أَو فِي ضرب من حميات الأخلاط نذكرهُ فَإِن الْأَسْبَاب الْبَادِيَة قد تحرّك كثيرا المتقادمة فَإِن حركتها إِلَى العفونة كَانَت حمّيات عفونة وَمن النَّاس من زعم أَن حُمى يَوْم لَا يكون إِلَّا من بعد تَعب الْبدن أَو الرّوح وَذَلِكَ غلط وَهَذِه الحمّيات فِي أَكثر الْأَمر تَزُول فِي يَوْم وَاحِد وقلّما تجَاوز ثَلَاثَة أَيَّام فان جَاوَزت ذَلِك الْقدر حدث من أمرهَا أَنَّهَا انْتَقَلت وَمعنى الِانْتِقَال أَن تشبث الْحَرَارَة جَاوز الرّوح إِلَى بدن أَو خلط على أَن من النَّاس من ذكر أَنَّهَا رُبمَا بقيت سِتَّة أَيَّام وَانْقَضَت انْقِضَاء تَاما لَا يكون مثله لَو كَانَ قد انْتقل إِلَى جنس آخر وَهَذِه الحُمَى سهلة العلاج صعبة الْمعرفَة وَكَذَلِكَ ابْتِدَاء الدِق وأسرع النَّاس وقوعاً فِي حميات الْيَوْم وأشدَّهم تضرراً بهَا أَن غلظ عَلَيْهِ فِيهَا من كَانَ الْحَار الْيَابِس أغلب. عَلَيْهِ فيتأدى بِسُرْعَة إِلَى الدق والغبّ ثمَّ الْحَار الَّذِي الرطب أغلب عَلَيْهِ فيتأدى بِسُرْعَة إِلَى حُمَى العفونة ثمَّ الَّذِي الْحَار فِيهِ أَكثر ثمَّ الَّذِي الْيَابِس فِيهِ أَكثر وَمن كَانَ حَار المزاج يابسه فَإِنَّهُ إِذا عرض لَهُ جوع وقارنه سهر أَو تَعب نفساني أَو تَعب بدني أسْرع إِلَيْهِ حُمى يَوْم مَعَ قشعريرة مَا فَإِن لم يتدارك وَيطْعم فيالحال أسْرع إِلَيْهِ حمّى العفونة. العلامات: أما العلامات الخاصية بحميات الْيَوْم المميزة لَهَا عَن الحميات الْأُخْرَى فَنَقُول: من
(3/9)

خواصها أَنَّهَا لَا تكون من الْأَسْبَاب المتقادمة وَلَا تبتدئ بتضاغط وَهُوَ أَنَّهَا لَا تبتدئ فِي أَكثر الْأَمر بنافض وَبرد أَطْرَاف وغؤر حرارة وميل إِلَى الكسل وَالنَّوْم وغؤر نبض واختلافه وصغره بل رُبمَا عرض فِي ابتدائها شَبيه بالبرد أَو قشعريرة ونخس بِسَبَب بخار كيموس رَدِيء وتزول بِسُرْعَة. وَقد يعرض فِي الندرة نافض لِكَثْرَة الأبخرة المؤذية للعضل بنخسها كَثْرَة مفرطة وَيكون اشتعاله غير لاذع قشف بل طيبا كحرارة بدن المتعب والسكران. وَإِذا كَانَ الْبَوْل فِي الْيَوْم الأول نضيجاً والنبض حسنا فاحكم أَنه حُمًى يَوْم وَذَلِكَ لأنَّ الْبَوْل لَا يتَغَيَّر فِيهِ من حَيْثُ هِيَ حُمَى يَوْم وَيكون فعله نضيجاً غير مائل إِلَى لون خلط وَرُبمَا كَانَت غمامة مُتَعَلقَة وَرُبمَا كَانَت طافية حَسَنَة اللَّوْن فَإِذا اتّفق أَن لَا يعتدل لَونه فَإِن قوامه يكون وَإِن لم يكن هُنَاكَ حُمَى مِمَّا سنذكر فِي التعبية وَنَحْوهَا والنبض يكون إِلَى توتر وَقُوَّة وَعظم إِلَّا فِيمَا يكون عَن الانفعالات المضعفة وَإِلَّا أَن يكون فِي فَم الْمعدة خلط يلذع أَو برد أَو سَبَب آخر مِمَّا يصغر النبض عَن الحُمى وقلّما يخْتَلف. فَإِن اخْتلف كَانَ لَهُ نظام فَإِن خَالف فِي ذَلِك فلسبب آخر تقدم الحمّي أَو قارنها مثل التَّعَب الشَّديد أَو اللاذع الشَّديد فِي الأحشاء وَنَحْو ذَلِك. وَقد يعرض أَن يصلب لبرد شَدِيد مكثف مبرِّد أَو حرارة شمس شَدِيدَة مجففة أَو لتعب شَدِيد مجفف أَو جوع أَو سهر أَو غمّ أَو استفراغ وَقد يسْرع فِيهِ الانبساط ويبطؤ الانقباض وَلَا يسْرع أَكثر من الطبيعي إِلَّا فِي الندرة وَسُرْعَة قَليلَة لِأَن الْحَاجة إِلَى الترويح فِيهِ أشدّ من الْحَاجة إِلَى إِخْرَاج البخار الْفَاسِد فَإِن البخار فِيهَا لَيْسَ فَاسِدا بقياسه إِلَى المعتدل بل سخيفاً بقياسه إِلَيْهِ. وَإِذا أشكل عَليّ. النبض وانقباضه فتعرف من التنفس والنبض يعود بعد إقلاعها إِلَى الْعَادة الطبيعية لَهُ فِي ذَلِك الْبدن وَهَذِه عَلامَة جَيِّدَة وَاعْلَم بِالْجُمْلَةِ أَنه كلما كَانَ الْبَوْل والنبض جيدا دلّ على أَن الحمّى يومية وَإِذا لم يكن لم يجب أَن لَا تكون يومية فَإِنَّهُ كثيرا مَا يكون فِيهَا الْبَوْل منصبغإً والنبض مُخْتَلفا وضعيفاً وصغيراً. وَمِمَّا يدلّ على أَنَّهَا حمّى يَوْم أَن يكون ابْتِدَاؤُهَا هيّناً ليّناً وَيكون تزيّدها لَا يزِيد على ساعتين وَلَا يصحب مُنْتَهَاهَا أَعْرَاض شَدِيدَة وحمّى العفونة بالضدّ وَأَن لَا يعرض فِيهَا الْأَعْرَاض الصعبة وَلَا سُورَة حرارة شَدِيدَة ويقلّ مَعهَا الأوجاع فَإِذا كَانَ مَعهَا صداع أَو وجع لم يكن ثَابتا لَازِما بعد إقلاعها وَهَذَا يدلّ على أَنَّهَا يومية وَأكْثر إقلاعها يكون بعرق وبنداوة وتشبه الْعرق الطبيعي لَيْسَ
(3/10)

الخلطي وَلَيْسَ بشديد الإفراط فِي الكمية بل قريب من الْعرق الطبيعي فِي قدره كَمَا هُوَ قريب مِنْهُ فِي كيفيته. فَإِن رَأَيْت عَرَقاً كثيرا فالحُمى غير يومية وَمِمَّا يجرّب بِهِ حُمّى يَوْم أَن يدْخل صَاحبهَا الحمّام فَإِذا أحدث فِيهِ الْمكْث كالقشعريرة الْغَيْر الْمُعْتَادَة علم أَن الحمّى حمّى عفونة وَأخرج صَاحبهَا من الحمّام فِي الْحَال وَإِن لم يُغير من حَاله شَيْئا فَهِيَ حمّى يَوْم. عَلَامَات انْتِقَال حمّى يَوْم: حمّى يَوْم إِذا كَانَت تَقْتَضِي أَن يغذّى صَاحبهَا فَأَخْطَأَ الطَّبِيب عَلَيْهِ فَلم يغذه انْتَقَلت فِي الْأَبدَان المرارية إِلَى الدق والمحرقة وَفِي الْأَبدَان اللحمية إِلَى سونوخس الَّتِي بِلَا عفونة. وَرُبمَا انْتَقَلت إِلَى الَّتِي بالعفونة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت تحْتَاج إِلَى مَعُونَة فِي تفتيح المسام وتخلخل الْجِسْم فَلم يفعل اشتعلت فِي الأخلاط المحتبسة فِي الْبدن اشتعال مَا يسخّن بِقُوَّة وَمَا يعفن. دَلِيل ذَلِك أَن ينحط من غير عَرَق أَو نداوة أَو مَعَ عَرَق من غير نقاء بالعَرَق وَيكون الانحطاط متطاولاَ متعشراً من غير نقاء النبض بل يبْقى فِي النبض شَيْء وَيبقى الصداع إِن كَانَ وَهَذَا كُله يدل على انتقالها إِلَى حمى عفونة الْخَلْط أَو الدق وَإِن كَانَت الْأَسْبَاب شَدِيدَة وَطَالَ لبثها انْتَقَلت إِلَى الدقية فَإِن انْتَقَلت إِلَى الدق رَأَيْت مِجس الشريان حاراً جدا وَرَأَيْت الحمّى متشابهة فِي الْأَعْضَاء كلهَا تزداد على الامتلاء. وَعند أَخذ الطَّعَام حاراً وَرَأَيْت النبض حَافِظًا للإستواء مَعَ صلابة وَصغر وَرَأَيْت سَائِر مَا نقُوله من عَلَامَات الدق وَإِذا انْتَقَلت إِلَى جنس من حميات الدَّم يُسمى: سونوخس غير عفنية رَأَيْت الامتلاء وازدياد الْحَرَارَة وانتفخ الْوَجْه وَإِذا انْتَقَلت إِلَى حميات العفونة ظهر الاقشعرار وَاخْتلف النبض وَصغر وَظهر التضاغط وَكَانَت الْحَرَارَة لاذعة يابسة واشتدت الْأَعْرَاض. وَأما الْبَوْل فَرُبمَا بَقِي فِيهِ نضج من الْقَدِيم وَفِي الْأَكْثَر لَا يظْهر نضج. فصل فِي معالجات حمّى يَوْم بِضَرْب كلي جَمِيع أَصْحَاب الحميات اليومية يجب أَن يُورد على أبدانهم مَا يغذو غذَاء جيدا مَعَ سرعَة الهضم لِأَن المحموم عليل والعليل مؤف لَكِن بَعضهم يرخص لَهُ فِي الترفّه فِيهِ كصاحب التعبي والغمي والجوعي وَالَّذين فِي أبدانهم مرار كَثِيرَة وَمن يشكو قشعريرة فِي الِابْتِدَاء ويعلل بلقم طَعَام مغموس فِي مَاء أَو فِي شراب ليَكُون أنفذ وَهَؤُلَاء يغذون وَلَو فِي ابْتِدَاء الحمّى وَبَعْضهمْ يمْنَع الترفه فِيهِ ويشار عَلَيْهِ بالتلطيف مثل: السّديّ والاستحصافي والورمي وَالْأولَى أَن يُؤَخر التغذية إِلَى الانحطاط خلا من استثنيناه وَالْمَاء الْبَارِد يجب أَن لَا يمْنَع فِي أول الْأَمر لِأَن الْقُوَّة قَوِيَّة فَلَا يخَاف ضعفها وَهُوَ أفضل علاج
(3/11)

فِي التبريد لَكِن إِن كَانَ هُنَاكَ ضعف فِي الأحشاء أَو كَانَت الْحمى قد امتدت أَو كَانَت سدية فَالْأولى أَن لَا يكثر مِنْهُ. وَالْحمام يكثر المشورة بِهِ عَلَيْهِم عِنْد انْقِضَاء نوبتهم فِي حمّيات الْيَوْم لأغراض مِنْهَا الترطيب وَمِنْهَا التعريق وخلخلة المسام وَمِنْهَا التبريد فِي ثَانِي الْحَال وَيمْنَع حَيْثُ يخَاف وُقُوع العفونة. وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يجنب الْحمام صَاحب السدد مِنْهَا فَرُبمَا ثوّر الْحمام مَرضا عفونياً وَكَذَلِكَ التخمي إِلَّا فِي آخر الْأَمر. وَعند اتساع المسام وانحدار التُّخمَة فهنالك أَيْضا يجب أَن يحمّم وَصَاحب الزُّكَام لَا يحمم إِلَّا أَن يكون احتراقياً وَجَمِيع أَصْحَاب حمّيات الْيَوْم يجب أَن لَا يطيلوا اللّّبْث فِي هَوَاء الْحمام بل فِي مَائه مَا أَحبُّوا إِلَّا صَاحب الاستحصاف والتكاثف فَلهُ أَن يُطِيل اللّّبْث فِي هَوَاء الْحمام حَتَّى يعرق وَأما التمريخ فَإِذا كَانَ صبا وطلاء فَقَط سدد المسام وَأخر كل حمى يَوْم كائنة عَن سدة ظَاهِرَة أَو باطنة فَإِن قدم صَاحبهَا الدَّلْك فتحهَا ثمَّ إِن صَادف رُطُوبَة كَثِيرَة حللها وَإِن صَادف رُطُوبَة قَليلَة جفّف الْبدن وَأما الاستفراغ فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهُم إِلَّا صَاحب السدد الامتلائي فصل فِي أَصْنَاف حمى يَوْم حُميات الْيَوْم مِنْهَا مَا ينْسب إِلَى أَحْوَال نفسانية وَمِنْهَا مَا ينْسب إِلَى أَحْوَال بدنية وَمِنْهَا مَا ينْسب إِلَى أُمُور تطرأ من خَارج والمنسوبة إِلَى الْأَحْوَال النفسانية مِنْهَا الغمية والهمية والفكرية والغضبية والسهرية والنومية والفرحية والفزعية والتعبية والمنسوبة إِلَى الْأَحْوَال الْبَدَنِيَّة مِنْهَا مَا ينْسب إِلَى أُمُور هِيَ أَفعَال وحركات وأضدادها وَمِنْهَا مَا ينْسب إِلَى غير أَفعَال وحركات وأضدادها. والمنسوبة إِلَى أُمُور هِيَ حركات وأضدادها هِيَ التعبية والراحية والاستفراغية وَمِنْهَا حُمى يَوْم وجعية وَحمى يَوْم غشيية وَمِنْهَا الجوعية وَمِنْهَا العطشية والمنسوبة إِلَى غير الْأَفْعَال مِنْهَا السددية وَمِنْهَا التخمية وَمِنْهَا الورمية وَمِنْهَا القشفية وَأما المنسوبة إِلَى أُمُور تطرأ من خَارج فَمثل الاحتراقية احتراق الشَّمْس وَمثل البردية والاستحصافية والاغتسالية فلنذكر وَاحِدًا وَاحِدًا مِنْهَا بعلاجه. فصل فِي حمى غمية قد يعرض من حَرَكَة الرّوح إِلَى دَاخل واحتقانها فِيهِ لفرط الْغم حمّى روحية علاماتها نارية الْبَوْل وحدته حَتَّى إِن صَاحبه يحس بحدته بِسَبَب غَلَبَة اليبس وَتَكون حَرَكَة الْعين إِلَى غموض وَتَكون الْعين غائرة للتحلل مَعَ سُكُون وفتور وَيكون الْوَجْه إِلَى الصُّفْرَة لغؤر الْحَرَارَة والنبض إِلَى صغر وَضعف وَرُبمَا مَال إِلَى صلابة.
(3/12)

علاجاتها: يجب أَن يكثر دُخُول الآبزن وَيجْعَل أَكثر قَصده فِي الاستحمام مَاء الحمّام دون هوائه وَيكثر التمريخ بعد ذَلِك فَإِن الدّهن أَنْفَع لَهُ من الْحمام ويشتغل بالمفرِّجات والعطر الْبَارِد وليوضع على صَدره أطلية مبرِّدة من اللعابات والعصارات والمياه الطّيبَة وليسقوا شرابًا كثير المزاج فَإِنَّهُ نِعم الدَّوَاء لَهُم. فصل فِي حمَى يَوْم همّية قد يعرض من كَثْرَة الاهتمام بِشَيْء مَطْلُوب حَرَكَة عنيفة للروح مسخّنة موقعة فِي حُمى. علاماتها تشبه عَلامَة الغمّية إلاَ أَن حَرَكَة الْعين مَعَ غؤرها للتحلّل تكون نَحْو الْخَارِج وَلَا يكون النبض خاملاً منخفضاً بل يكون فِيهِ مَعَ ضعف إِن كَانَ بِهِ شهوق مَا وعلاجها نَحْو علاج الغمية. فصل فِي حُّمَى يَوْم فكريّة قد يعرض من كَثْرَة الفكرة فِي الْأُمُور حمّى تشبه الهمّية والغمّية إِلَّا أَن حَرَكَة الْعين تكون معتدلة لَا إِلَى غموض وَلَا إِلَى خُرُوج وَتَكون مائلة إِلَى الغؤر وَيكون النبض مُخْتَلفا فِي الشهوق والغموض وَأكْثر مَا يكون يكون معتدلاً وَيكون الْوَجْه إِلَى الصُّفْرَة وعلاجها علاج الهمّية. فصل فِي حمى يَوْم غضبية قد يعرض لفرط حَرَكَة الرّوح إِلَى خَارج فِي حَال الْغَضَب سخونة مفرطة ويتشبث بِالروحِ حمى. الْعَلامَة احمرار الْوَجْه إِلَّا أَن يخالطه فزع فيصفر وانتفاخ الْوَجْه شَبيه بِمَا ينتفخ فِي الرَّقَبَة وَتَكون العينان محمرتين جاحظتين لشدَّة حَرَكَة الرّوح إِلَى خَارج وَرُبمَا عرض لبَعْضهِم رعدة بحركة خلطٍ أَو لضعف طباع وَيكون المَاء أَحْمَر حاداً يحس بحدته وَله أدنى بصيص وَيكون النبض ضخماً ممتلئاً شاهقاً متواتراً. المعالجات: هُوَ تسكينهم وشغلهم بالمفرحات من الحكايات وَالسَّمَاع الطّيب واللعب والمناظر العجيبة وإدخالهم الْحمام فِي مَاء فاتر غير كثير الْحَرَارَة وتمرخهم تمريخاً كثيرا بدهن كثير فَذَلِك أوفق لَهُم من المَاء الْحَار وتغذيتهم بِمَا يبرد ويرطب ومنعهم الشَّرَاب أصلا فَلَا سَبِيل لَهُم إِلَيْهِ. فصل فِي حمى يَوْم سهرية قد يعرض أَيْضا من السهر حمى يَوْم وعلاماتها تقدم السهر وَثقل
(3/13)

الأجفان فَلَا يكَاد يفتحها وغؤور الْعين للتحلل وتهيج الجفن لفساد الْغذَاء ولكثرة البخار وكدورة الْبَوْل لعدم الهضم وَضعف النبض وصفرة الْوَجْه لسوء الهضم وانتفاخه للتهيج وَسُوء الهضم لكنه لَيْسَ مَعَ حمرَة كَمَا للغضبية. العلاج: علاجها التوديع والتسكين والتنويم وتنطيل الرَّأْس بِمَا يبرد ويرطب وَالْحمام الرطب والأغذية الجيدة الكيموس والمروخات المرطبة وَالشرَاب من أَنْفَع الْأَشْيَاء لَهُم يسقونه بِلَا توق إِلَّا أَن يكون صداع. فصل فِي حمي يَوْم نومية وراحية إِن الرّوح قد يتَحَلَّل عَنْهَا بخارات حارة باليقظة وَالْحَرَكَة فَإِذا طَال النّوم والراحة لم يتَحَلَّل وَعرض مِنْهَا تسخن الرّوح وحماه. الْعَلامَة: يدل عَلَيْهَا سبوق النّوم والراحة الْكَثِيرَة وخصوصاً مَا لم يكن فِي الْعَادة وَوَقع خلاف الْعَادة وَيدل عَلَيْهِ امتلاء بخاري من النبض. العلاج: علاجه التعريق فِي هَوَاء الْحمام والاغتسال المعتدل بِالْمَاءِ الْحَار وَقلة الْغذَاء وإمالته إِلَى مَا يبرد ويرطب والرياضة المعتدلة وَلَا يجب أَن يشْربُوا. فصل فِي حمى يَوْم فرحية قد يعرض من الْفَرح المفرط الْحمى مثل مَا يعرض من الْغَضَب وعلاماتها قريبَة من عَلَامَات الغضبية إِلَّا أَن الْعين تكون سخنتها سخنة الفرحان غير سخنة الغضبان وَيكون التَّوَاتُر فِي النبض أقل. العلاج: - علاجها قريب من علاج الغضبية وَقد فَرغْنَا من بَيَان ذَلِك. فصل فِي حمى يَوْم فزعيًة قد يعرض من الْفَزع حمى يَوْم على سَبِيل مَا يعرض من الغمّ فَإِن نِسْبَة الْفَزع إِلَى الْغم نِسْبَة الْغَضَب إِلَى الْفَرح من جِهَة أَن حَرَكَة الْفَزع إِلَى دَاخل وَالْغَضَب إِلَى خَارج وَيكون دفْعَة والآخران بتدريج. الْعَلامَة: قريبَة من عَلامَة الغمية إِلَّا أَن الِاخْتِلَاف فِي النبض أَشد وسخنة الْعين سخنة مرعوب.
(3/14)

العلاج: يقرب علاجها من علاج الغميّة وَيجب أَن يُؤمن الْخَوْف وَيُؤْتى بالبشائر وَالشرَاب نَافِع لَهُ. فصل فِي حمّى يَوْم تعبيّة إِن التَّعَب قد يُبَالغ فِي تسخين الرّوح حَتَّى تصير حمّى ضارة بالأفعال وَأكْثر مضرته وَحمله هُوَ على الحيوانية والنفسانية. العلامات: عَلَامَات التعبيّة تقدم التَّعَب وَزِيَادَة سخونة المفاصل على غَيرهَا ومسّ إعياء ويبس فِي الْبدن وَرُبمَا عرض فِي آخرهَا نداوة إِن كَانَ التَّعَب معتدلاً وَلم يكن فِيهِ حرّ مجفف أَو برد مَانع للعرق وَإِن كَانَ التَّعَب مفرطاً قل التَنَدِّي والتعرُّق وَرُبمَا تبعه سعال يَابِس بمشاركة الرئة وَيكون نبضه صَغِيرا ضَعِيفا وَرُبمَا مَال إِلَى صلابة وَالْبَوْل أصفر حاداً حاراً بِسَبَب الْحَرَكَة رَقِيقا بِسَبَب التَّحَلُّل. العلاج: علاجهم الرَّاحَة أَو الاستحمام والإبزن والتمريخ بعده خُصُوصا على المفاصل والتناول من الطَّعَام الْحسن الكيموس المرطّب مِقْدَار مَا يهضمونه من جنس لُحُوم الفراريج والجداء والسمك الرضراضي وَلِأَن قوتهم ضَعِيفَة فَلَا يجب أَن يتوقعوا أَن يهضموا مَا يهضمونه فِي حَال الصِّحَّة بل دونه وَلذَلِك إِن اغتذوا بِمَا يغذو قَلِيله كثيرا مثل مَا ذَكرْنَاهُ وَمثل صفرَة الْبيض النيمبرشت وَخصي الديوك كَانَ جيدا وَزعم بَعضهم أَن صَاحب الإعياء يجب أَن يلطف تَدْبيره أَكثر من غَيره وَلَيْسَ ذَلِك صَوَاب وَيجب أَن يتناولوا من الْفَوَاكِه الرّطبَة ويشربوا الشَّرَاب الْكثير المزاج إِن كَانُوا معتادين والجلاّب وَنَحْوه. وَإِن لم يَكُونُوا معتادين وَيجب أَن يكون تمريخهم أَكثر من تمريخ غَيرهم بالدهن ليرطب أعضاءهم ومفاصلهم المجففة وَأَيْضًا ليرخّي مَا لحقها من التمدّد ودهن البنفسج من أفضل الأدهان لَهُم وَيُحب أَن يعمّ تمريخه الْبدن وخصوصاً الرَّأْس والعنق وخرز الصلب والمفاصل كلهَا وخصوصاً بعد الاستحمام وَيجب أَن يُوطأ مفرشهم ويعطر ثِيَابهمْ ومجلسهم وَإِن احْتَاجَ إِلَى معاودة الحمّام لبَقيَّة مَا عاودوا جَمِيع مَا رسم فِي بَابه. فصل فِي حمى يَوْم استفراغية أَنه قد يعرض من اضْطِرَاب الأخلاط عِنْد الإسهال حَرَكَة للروح مفرطة تشعل فِيهَا حمى وَأَكْثَره الإعياء الَّذِي يتبعهُ وَقد يَفْعَله بالأدوية المسهلة بِمَا يسخن وَقد يتبع الفصد بِمَا يزِيل من رُطُوبَة الأبخرة ودمويتها إِلَى صيرورتها دخانية مرارية. العلاج: يجب أَن يتلطف فِي حبس الطبيعة بِمَا هُوَ مَعْلُوم فِي أبوابه وَأَن يغذى العليل بِمَا يُقَوي أَكثر مِقْدَار مَا يهضم بِمَا يبرد ويرطب وَقد جعل فِيهِ قوابض وَيجْعَل على
(3/15)

الْمعدة الضمادات والنطولات المقومة مسخنة غير مفترة فَإِن كل فاتر يرخّي ويحلل الْقُوَّة وَمن هَذِه الْجُمْلَة صوفة مغموسة فِي دهن الناردين أَو دهن أبرد مِنْهُ مُطيب ويعصر حَتَّى يُفَارِقهُ أثر الدّهن وَيجْعَل على الْقلب والكبد مَا يبرد. فصل فِي حمى يَوْم وجعية إِن الوجع قد يسخن الرّوح حَتَّى تشتعل حمى. علاماتها: الوجع فِي الرَّأْس وَالْعين أَو الْأذن أَو السن المفاصل أَو الْأَطْرَاف والقولنج والبواسير أَو غير ذَلِك من أوجاع الدماميل. العلاج: تَدْبِير الوجع بِمَا يجب فِي بَابه ثمَّ يعالج بعلاج التعبية وَإِن خيف من سقِِي الشَّرَاب حَرَكَة من الوجع لم يسق. فصل فِي حمى يَوْم غشيية قد تعرض لمن يُغشى عَلَيْهِ لاضطراب حركات الرّوح سخونة تنْقَلب حمى وَرُبمَا بقيت مِنْهَا الْعَلامَة: مقاربة الغشي وَسُقُوط الْقُوَّة من غير عَلَامَات الحمّيات الْأُخْرَى الْخَارِجَة عَن حمّيات الْيَوْم وَيكون النبض فِيهَا مُخْتَلف الْأَحْوَال فَتَارَة تسْقط وَتبطل حِين مَا يغلب الْبرد وَتارَة تسرع وَتظهر عِنْد اسْتِيلَاء الْحَرَارَة وتشبه نبض أَصْحَاب الذبول المخشف فِي صلابته مَعَ دورية. العلاج: علاجها علاج الغشي وإطعام أغذية سريعة الهضم حَسَنَة الكيموس مِمَّا علمت وَإِن احتجت أَن تسقيه شرابًا فعلت وَلم تبال من الْحمى فَإِذا تخلص من الغشي وَبقيت الْحمى الشبيهة بالذبولية عولج بِمَا هُوَ القانون من التبريد والترطيب. فصل فِي حمّى يَوْم جوعية قد تحتد البخارات فِي الْبدن إِذا لم يجد الْغذَاء فتولد الْحمى وَيكون نبضه ضَعِيفا صَغِيرا وَرُبمَا مَال إِلَى صلابة. العلاج: الْإِطْعَام أما فِي الْحمى فَمثل حسو متخذ من كشك الشّعير مَعَ الْبُقُول وَبعده الأغذية الجيدة المقوّية ويحمّم ويصبّ على رَأسه مَاء فاتر كثير وَيجْلس فِيهِ ويرطب بدنه بِمثل دهن البنفسج
(3/16)

فصل فِي حمى يَوْم عطشية هَذِه قريبَة من الجوعية وَهِي أولى بِأَن يحدث لفقدان مَا تسكن بِهِ من المَاء حرارة قَوِيَّة فِي الأبخرة. العلاج: سقِِي المَاء الْبَارِد ومياه الْفَوَاكِه الْبَارِدَة وخصوصاً مَاء الرُّمَّان وترطيب الْبدن بالإبزن فَإِن أمكنه الاستحمام بِالْمَاءِ الْبَارِد فعل. فصل فِي حمى يَوْم سددية السدد قد تكون فِي مسام الْجلد لقشفه وَقْفَة اغتساله وَكَثْرَة اغبرار ولبرد ولاغتسال بمياه مقبضة ولإحراق شمس وَقد يكون فِي لِيف الْعُرُوق وسواقيها وفوّهاتها ومجاريها وَإِذا قل حمى يَوْم سددية فَإِنَّمَا يشار إِلَى هَذَا الصِّنْف فَإِنَّهُ يعرض أَن يقلل التَّحَلُّل وَيكثر الامتلاء والاحتقان ويعدم التنفّس ويجتمع بخار كثير حَار لَا يتحلّل فَيحدث حرارة مفرطة. فَمَا دَامَ اشتعالها فِي أَضْعَف الأجرام وَهُوَ الرّوح كَانَ حمّى يَوْم فَإِن اشتعلت فِي الدَّم كَانَ الضَّرْب الْمَشْهُور من سونوخس وسنذكره وَهُوَ الَّذِي يكون من جملَة حميات الأخلاط لَيْسَ للعفونة بل للاشتعال والغليان والسخونة. فَإِن أدّى ذَلِك إِلَى عفونة توجبها السدّة وَعدم التنفس انْتقل إِلَى حمّيات العفونة وَمثل هَذِه السلّة إِمَّا أَن يكون من كَثْرَة الأخلاط وَالدَّم وَإِمَّا من غلظها وَإِمَّا من لزوجتها وَإِمَّا لوُقُوع شَيْء من أَسبَاب السدّة فِي الْآلَة لَا فِي المجرى مثل: برد يقبض أَو ورم يضغط أَو نَبَات شَيْء أَو غير ذَلِك مِمَّا عَلَيْك أَن تتذكّره. وَهَذِه الحمّى من بَين حمّيات الْيَوْم قلّما تنْتَقل إِلَى الدِّق لِأَن الْبدن فِيهَا كثير الْمَادَّة وَهَذِه الْحمى أَيْضا يكون فِيهَا عَطش والتهاب وَلُزُوم حرارة وقارورة متوسطة بَين الناريّة والقُتمة وَهَذِه الحمّى صعبة التَّفَرُّق قريبَة الشّبَه من حميات الأخلاط وَهَذِه الْحمى قد تبقى إِلَى الثَّالِث فَمَا بعده إِن كَانَت السدة كَثِيرَة قَوِيَّة وَلَيْسَت بتكاثفية واستحصافية من خَارج وَإِن كَانَت قَليلَة أسْرع إقلاعها إِن لم يَقع خطأ وَهَذِه الحمّى من بَين حميات الْيَوْم قد تتعرض وتعاود لثبات السدّة الَّتِي هِيَ الْعلَّة فَيكون كَأَن لَهَا نَوَائِب وَهَذِه الحمّى كثيرا مَا تنْتَقل إِلَى الْبرد والاقشعرار فيدلّ على أَنَّهَا قد صَارَت عفونية والسدية إِذا أحدثت وجعاً بعد الفصد فِي جَانب الْبدن الْأَيْسَر لم يكن بدّ من إِعَادَة الفصد لَا سِيمَا إِذا سكنت الْحمى ودام الوجع. العلامات: إِذا عرض حمّى يَوْم لَا عَن سَبَب بادٍ وَكَانَت طَوِيلَة الانحطاط فأحدس أَنَّهَا سدديّة وخصوصاً إِذا انحطت بِلَا استفراغ نداوة ويؤكد حدسك
(3/17)

عَلَامَات الامتلاء. وَفِي الْأَبدَان الْكَثِيرَة الدَّم والمولّدة لَهُ أَو غَلِيظَة الأخلاط لزجتها وَيفرق بَينهَا أما إِن كَانَت السدد فِيهِ بِسَبَب غلظ الأخلاط ولزوجتها دلّت عَلَيْهِ العلامات الْمَعْلُومَة لَهما وَلم يكن هُنَاكَ انتفاخ من الْبدن وتمدد وَحُمرَة وَبِالْجُمْلَةِ عَلَامَات الْكَثْرَة وَمَا كَانَ السَّبَب فِيهِ الامتلاء كَانَت عَلَامَات الامتلاء من حمرَة الْوَجْه ودرور الْعُرُوق والانتفاخ والتمدد وَغير ذَلِك ظَاهِرَة فِي الْبدن وَإِن أفرطت السدد كَانَ النبض صَغِيرا وَإِن لم يفرط لم يجب أَن يصغر النبض. العلاج: إِن كَانَ السَّبَب كَثْرَة الأخلاط والامتلاء فَيجب أَن تبادر إِلَى الفصد والاستفراغ وَإِن لم يفصد وَلم يحم بعد فَهُوَ خير وَإِذا حم فالتوقف أوفق إِلَّا أَن تكون ضَرُورَة فَإِن الفصد قد يجْرِي الأخلاط ويخلط بَينهَا فَإِن لم يكن بُد فَلَا يجب أَن تُؤخر الفصد والاستفراغ ثمَّ يشْتَغل بِمَا يفتح السدد وينقي المجاري وَلَا تبادر قبل الاستفراغ إِلَى التفتيح وتنقية المجاري فَإِن ذَلِك رُبمَا صَار سَببا لانجذاب الأخلاط دفْعَة إِلَى بعض المجاري واللجوج. فِيهَا وَذَلِكَ مِمَّا فِيهِ أخطار كَثِيرَة وَرُبمَا زَادَت فِي السدد إِن كَانَت غَلِيظَة وخاصة إِن كَانَت المنافذ فِي خلقتها ضيقَة. على أنَ الفصد أَيْضا والاستفراغ قد يُخرج الفضول الدخانية الفاعلة وباحتقانها هَذِه الحمّى وَإِن لم تحس بِكَثْرَة الأخلاط بل أحسست بالسدد وَأَنَّهَا حَادِثَة عَن غلظها ولزوجتها فَرُبمَا لم تحتج إِلَى فضل. فصد واستفراغ بل احتجت إِلَى التفتيح. والتفتيح هُوَ بالجوالي من الأغذية والأدوية وَلما كَانَت الْعلَّة حمى فَلَيْسَ يُمكن أَن يرجع فِي التفتيح إِلَى الجوالي الحارة بل مَا بَين السكنجبين الساذج إِلَى السكنجبين الْبزورِي وَمن مَاء الهندبا إِلَى مَاء الرازيانج والغذاء مِمَّا فِيهِ غسل وَلَيْسَ فِيهِ لزوجة مثل: كشك الشّعير وَالسكر مَعَ أَنه قريب من الْغذَاء فَفِيهِ تفتيح وجلاء فَلَا بَأْس بِأَن يخلط بكشك الشّعير. ثمَّ يجب أَن تنظر إِذا استفرغت إِن وَجب استفراغه وَفتحت بِمثل مَا ذَكرْنَاهُ هَل نقصت الْحمى ووهنت وَهل إِن كَانَت قد تنوب ضعفت نوبتها الثَّانِيَة عَن الأولى وَنظرت إِلَى الْبَوْل فَوَجَدته لَيْسَ عديم النضج وَفِي النبض فَوَجَدته لَا يدلّ على عفونة استمررت على هَذَا التَّدْبِير وأدخلت العليل فِي الْيَوْم الثَّالِث بعد النّوبَة فِي الحمّام وَقت تراخي النّوبَة المنتظرة إِن كَانَت إِلَى خمس سَاعَات ومرخته ودلكته بأَشْيَاء فِيهَا جلاء معتدل مثل مَا بَين دَقِيق الباقلا إِلَى دَقِيق الكرسنة ودقيق أصل السوسن والزراوند المعجون بِشَيْء من الْعَسَل وَالْمَاء.
(3/18)

وَإِن جسرت على أقوى من ذَلِك فرغوة البورق وَإِن حدس أَن الحمّام يُغير من طبعه شَيْئا وَيحدث كقشعريرة لم يلبث فِيهِ طرفَة عين فَإِن هَذِه السدة لَيست من جنس مَا يفتحها الْحمام فَإِذا خرج من الحمّام فَلَا يجب أَن يقرب طَعَاما وَلَا شرابًا إِلَّا بعد أَمن من النّوبَة. فَإِن أوجب الْحَال أَن يطعم شَيْئا وَلم يضر سقِِي مَا فِيهِ تفتيح مثل: مَاء الشّعير الرَّقِيق الْكثير المَاء الْقَلِيل الشّعير الْكثير الطَّبْخ مطبوخاً مَعَ كرفس فَإِن لم تعاوده النّوبَة فحمّمه ثَانِيًا إِن اشْتهى ذَلِك واغذه وَإِن نابت نَاقِصَة من النّوبَة الأولى وَكَانَ الْبَوْل جيدا فثق بِصِحَّة العلاج وقلّة السدد وعالجه بعد إقلاعها بِمثل مَا عَالَجت واغذه وَإِن جَاءَت التَّوْبَة كَمَا كَانَت أَو أقوى من ذَلِك وَالْبَوْل لَيْسَ كَمَا يجب فالعلة إِلَى العفن والعلاج علاج العفن حَسْبَمَا تعلم ذَلِك. فصل فِي حمى يومٍ تخمية امتلائية قد يحدث من التخم أبخرة رَدِيئَة تشتعل حرارة وتلتهب الرّوح حَتَّى وخصوصاً فِي الْأَبدَان المرارية وَالَّتِي لَيست بواسعة المسام فَإِن أَكثر فضولها يبخر أبخرة دخانية ويقل فِيهَا الجشاء الحامض وَأَقل النَّاس اسْتِعْدَادًا لَهَا هم الَّذين يَأْخُذُونَ بعد التُّخمَة فِي الرياضة وَالْحَرَكَة والتشمس والاستحمام بَعْدَمَا عرض لَهُم من هَذَا فتكثر فيهم البخارات الدخانية وخصوصاً إِذا كَانَ بأبدانهم وجع ولذع وخصوصاً فِي أحشائهم. وَأما عَن مَادَّة الجشاء الحامض فقلما تتفق أَن تتولد حمى وَإِن تولدت كَانَت ضَعِيفَة بل لن تتولد ويظن الْمُتَوَلد مَعَ الجشاء الحامض أَنه لسَبَب غير التُّخمَة وَهَؤُلَاء إِذا انْطَلَقت طبائعهم انتفعوا جدا وزالت حُماهم لانتقاص العضل الدخاني. وَيخْتَلف علاج من تحتبس طَبِيعَته مِنْهُم وَمن تستطلق وَمن حُم من تخمة ولانت طَبِيعَته مجلسين ثَلَاثَة ثمَّ افتصد قوي عَلَيْهِ الإسهال وَرُبمَا صَار كبدياً يحد عَلَيْهِ الخفقان وَسَوَاد اللِّسَان وَيُشبه أَعْرَاض حمى الامتلاء اليومية أَعْرَاض الْحمى المطبقة فيحمر العينان وَالْوَجْه جدا وَيكون التهاب شَدِيد ويعظم النبض ويسرع وتحمر القارورة ثمَّ أَكثر مَا تبقى ثَلَاثَة أَيَّام. وَاعْلَم أَن حمى التخمية قد تَأتي بأدوار أَرْبَعَة أَو سَبْعَة وَمَعَ ذَلِك تكون حُمى يَوْم وَلَكِن نبضه يكون صَحِيحا. العلامات: علاماته تغير الجشاء إِلَى حموضة أَو دخانية فَإِذا تغير الجشاء إِلَى الصِّحَّة آذن بالبرد وَبَوْل هَؤُلَاءِ عديم النضج مائي وَإِذا سَبَب التُّخمَة سهراً كَانَ فِي وُجُوههم تهيج. وَفِي أجفانهم ثقل. العلاج: صَاحب هَذِه التُّخمَة لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون طَبِيعَته غير منطلقه وَإِمَّا أَن تكون
(3/19)

طَبِيعَته منطلقة فَإِن كَانَت طَبِيعَته غير منطلقة فبالحري أَن يطلقهَا وَإِن كَانَ شَيْء من الطَّعَام والثقل بَاقِيا فِي الْمعدة فَيجب أَن يقيئه ثمَّ يُطلقهُ وَينظر أَيْن يجد الثّقل فَيعرف هَل الأصوب استفراغها بالحقن والحمولات أَو بأَشْيَاء تشرب من فَوق ليسهل أَو ليحط أَو ليهضم وَيدل على الصَّوَاب من جَمِيع ذَلِك حَال الجشاء فَرُبمَا احتجت إِن كَانَ الطَّعَام وَاقِفًا من فَوق ويتعذر الْقَيْء أَن لَا يلْتَفت إِلَى الْحمى وَيسْتَعْمل الفلافلي ليحدر ويحط مَعَ الهضم أَو يسْتَعْمل مَا هُوَ أَضْعَف مِنْهُ وَيسْتَعْمل النطولات والأضمدة الهاضمة الْمَعْرُوفَة فِي بَاب الهضم والمطلقة الْمَعْرُوفَة فِي بَاب الْإِطْلَاق. فَإِذا انحدر فإمَّا أَن يخرج بِنَفسِهِ وَإِمَّا أَن يعان بحمول ويجاع عَلَيْهِ حَتَّى لَا يبْقى شبهه فِي بطلَان التُّخمَة ثمَّ يتَنَاوَل الْغذَاء الْخَفِيف السَّرِيع الهضم الْجيد الكيموس والفزع إِلَى النّوم والجوع مِمَّا يَكْفِي الْمُؤْنَة فِي الْخَفِيف من الامتلائي. فَإِن كَانَت الطبيعة منطلقة نظرت هَل الشَّيْء الَّذِي يستفرغ هُوَ الشَّيْء الَّذِي فسد فَإِن كَانَ ذَلِك فَلَا يحبس حَتَّى يستفرغه عَن آخِره وانتظر انحطاط النّوبَة وَأدْخلهُ حِينَئِذٍ الحمّام وغذه إِلَّا أَن يكون هُنَاكَ إفراط يجحف بِالْقُوَّةِ فَلَا تدخله الْحمام بل غذه وقو معدته بالأشياء الَّتِي تعلمهَا ورسم لَك بَعْضهَا فِي بَاب الإسهالية. وَمن ذَلِك صوف مغموس فِي زَيْت فِيهِ قُوَّة الافسنتين أَو فِي دهن ناردين بعد أَن يكون قد عصر وفارَقهُ جلّ الدّهن وَإِن دَامَ الانطلاق وَوجدت مَا يخرج من غير جنس مَا فسد اسْتعْملت دهن السفرجل الفاتر الطري على هَذِه الصّفة ودهن المصطكي وَلَيْسَ أَيْضا فِي دهن الناردين مضادة لَهُ وَرُبمَا استعملناها قيروطيات وخصوصاً إِذا لم يحْتَمل الْحَال شدها على بطونهم. وَرُبمَا احتجنا إِلَى أضمدة أقوى من هَذَا عَن الأضمدة الْمَذْكُورَة فِي الهيضة وتسقيه مياه الْفَوَاكِه إِن نشط لَهَا وتغذوه بِمَا يخفّ غذاؤه ويسهل هضمه كخصي الديوك والسمك الرضراضي وَيقدم عَلَيْهِ شَيْء من الْفَوَاكِه والعصارات والربوب القابضة. وَإِن انْقَطَعت شَهْوَته حركتها بِمَا علمت وخصوصاً بالسفرجليات وَإِذا فرغت لم يكن بَأْس بِأَن يسْتَعْمل عَلَيْهِ جوارشناً قَوِيا مِمَّا يهضم وَيُقَوِّي الْمعدة وَيفتح السدد وَذَلِكَ بعد زَوَال الْحمى والأعراض والفصد سَبيله أَن لَا يسْتَعْمل فِيهِ حَتَّى ينحط فيستعمل وَأولى مَا يسقاه مَاء الشّعير والغذاء مثل حصرميّة بقرع ولوز قَلِيل ويبرد مضجعه ومشمومه وأقراص الكافور لَا يَجْعَل فِيهَا ريوند فيضلك تسويده اللِّسَان فتظن أَن السوَاد عَن حرارة فِي عروق اللِّسَان كَمَا يكون فِي أَصْحَاب البرسام والأمراض الحادّة. فصل فِي حمّى يَوْم ورمية الحميات التابعة للأورام الْبَاطِنَة تكون عفونية وَرُبمَا صحبها دِق وَلَيْسَت من عدد حميات الْيَوْم وَأما الأورام الظَّاهِرَة كالدماميل والخراجات الَّتِي تقع فِي الْأَعْضَاء الغددية وَفِي اللحوم الَّتِي تسمى رخوة مثل الَّتِي تقع فِي الأربية عَن فضول الكبد والإبط عَن فضول الْقلب وَتَحْت الْأذن عَن فضول الدِّمَاغ فَإِنَّهَا
(3/20)

قد تتبعها حمّيات وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الَّذِي يتَأَدَّى مِنْهَا إِلَى الْقلب حَتَّى يحمّيه سخونة وَحدهَا أَو مَعَ عفونة فَإِن كَانَت سخونة وَحدهَا فَهِيَ من جنس حميات الْيَوْم وَإِن كَانَت سخونة مَعَ عفونة فَهِيَ من جنس حمّيات الأورام الْبَاطِنَة. وَأكْثر مَا يعرض من هَذِه الحمّيات تَابِعَة لأورام تتبع أسباباً بادية من قُرُوح وجرب وأوجاع وضربات وسقطات تنْدَفع إِلَيْهَا الْموَاد فتحتبس فِي طريقها عِنْد اللحوم الرخوة فَهِيَ من جنس حمى يَوْم وَأكْثر مَا يعرض من هَذِه الحميات تَابِعَة لأورام أَسبَابهَا متقادمة مثل: امتلاءات وسدد سلفت فَهِيَ عفونية وَأكْثر مَا تكون الحمّيات التابعة لَهَا يومية. إِذا كَانَت الحميات تَابِعَة والأورام أصولاً وَأكْثر مَا تكون عفونية إِذا كَانَت الحميات أصولاً والأورام تَابِعَة على أَنه قد يكون بِالْخِلَافِ وبقراط يُسَمِّي هَذِه الحميات خبيثة مَا كَانَ مِنْهَا يومية وَغير يومية وَأكْثر هَذِه تتبع الأورام الدموية وَقد تعرض تبعا للحمرة وَنَحْوهَا. العلامات: علاماتها مَا ذكرنَا من تقدّم الأورام عَلَيْهَا وَأَن يكون الْوَجْه أَحْمَر منتفخاً زَائِدا فيهمَا على حَال الصِّحَّة وَلَا تكون شَدِيدَة لذع الْحَرَارَة وَإِن كَانَت كثيرتها لأنَ أَمْثَال هَذِه الأورام دموية اللَّهُمَّ إِلَّا أَن حميات تتبع الْحمرَة وَهَذِه الحمّيات تتعقبها نداوة تنثر عَن الْبدن وَيكون النبض فِيهَا عَظِيما سَرِيعا متواتراً للامتلاء والحرارة وَيكون الْبَوْل مائياً أَبيض لميلان الْموَاد إِلَى الأورام والقروح. يجب أَن يتَقَدَّم فِيهَا بالفصد والإسهال ويداوى الورم بِمَا يجب فِي بَابه ويلطف التَّدْبِير وَلَا يشرب الشَّرَاب الْبَتَّةَ وَلَا يغذى إِلَّا بعد الانحطاط التَّام وَلَا بُد لَهُ من المطفّئات المبرًدة المرطبة والأضمدة المبردة بالثلج على الْعُضْو العليل الوارم حَيْثُ لَا يضر بالورم وَلَا يفجعه بل يبرد الطّرق بَينه وَبَين الْقلب تبريداً ينفذ فِي القعر. فصل فِي حمى يَوْم قشفية هَذِه الْحمى أَيْضا تتبع عدم التَّحَلُّل لسدد غير غائصة وَكثير من النَّاس إِذا تركُوا عَادَتهم من الحمّام حموا وَأَكْثَرهم الَّذين يتَوَلَّد فِي أبدانهم البخار المراري لمزاج أبدانهم أَو أغذيتهم ومياههم الرَّديئَة ولأحوالهم الْعَارِضَة من السهر والتعب. علاجها: التَّنْظِيف وَاسْتِعْمَال الْحمام والتعرق فِيهِ بعد الانحطاط والتدلّك بِمثل النخالة ودقيق الباقلى واللوز المرٌ وبزر الْبِطِّيخ وَشَيْء من الأشنان والبورق وَيجْعَل غذاؤه مطفئاً مرطباً وَشَرَابه كثير المزاج ويعاود الْحمام مرَارًا. فصل فِي حمى يَوْم حريَّة قد يعرض من حرارة الْهَوَاء وَمن حرارة الْحمام وَنَحْوه حمى وَأكْثر ذَلِك
(3/21)

إِنَّمَا يعرض من شدَّة حر الشَّمْس وَيكون أول تعلّقها بِالروحِ النفساني إِذا كَانَ أول مَا يتَأَذَّى بِهِ الرَّأْس فيسخن هواؤه فيتأدى - إِلَى الْقلب فَيصير حمى ثمَّ ينتشر فِي الْبدن وَقد يكون أول. تعلقهَا بِالْقَلْبِ لحرارة النسيم وَحين يصان الرَّأْس عَن الْحر لَكِن أَكثر مَا تقع الشمسية تُؤثر فِي الدِّمَاغ وَالرَّأْس وَلذَلِك إِن لم يكن نقياً امْتَلَأَ رَأسه وَغير الشمسية من الغضبية والحمّامية وَغَيرهَا يُؤثر فِي الْقلب. العلامات: الْعَلامَة السَّبَب الْوَاقِع وَشدَّة التهاب الرَّأْس فِي الْقسم الشمسي الدماغي وَرُبمَا كَانَ مَعَ ثقل وامتلاء إِن لم يكن الْبدن نقياً وَعظم النَّفس فِي الْقسم القلبي وَيكون ظَاهر الْبدن شَدِيد السخونة أسخن من دَاخله وَمِمَّا يعرف بِهِ ذَلِك أَن عطشه يكون قَلِيلا أقل من عَطش من حرارته تِلْكَ الْحَرَارَة وَهِي فِي هَذِه الْجُمْلَة بِخِلَاف الاستحصافية. العلاج: يحْتَاج أَن يبْدَأ من علاجه بِمَا يبرد من النطولات على الرَّأْس والصدر وَمن الأدهان الْبَارِدَة وخصوصاً دهن الْورْد مبرداً على الثَّلج يُصب على الرَّأْس والصدر من مَوضِع بعيد ويسقى المَاء الْبَارِد وَمَا يجْرِي مجْرَاه لَا يزَال يفعل ذَلِك إِلَى أَن تنحط الحمّى فَإِذا فَارَقت أَدخل الحمّام وَلَا تبال من تنزله إِن كَانَت بِهِ وحَمِّمْهُ بِالْمَاءِ الفاتر وَلَا تدع هواءه يسخِّنه وَلَا تخف من صبّ المَاء الْحَار على رَأسه فَإِنَّهُ يرطب ويحلّل الحمّى وَحَاجته إِلَى الاستحمام أَكثر من حَاجته إِلَى التمريخ فَإِذا خرج فعرِّق رَأسه فِي الأدهان الْبَارِدَة مثل دهن الْورْد والنيلوفر. فصل فِي حمى يَوْم استحصافية من الْبرد إِنَّه قد يعرض من الْبرد والاستحمام بالمياه الْبَارِدَة القابضة أَن تكثف المسام الظَّاهِرَة ويحتقن البخار الدخاني على مَا قيل فِي القشفية فَتحدث الْحمى وَكَثِيرًا مَا يُؤَدِّي إِلَى العفونة وَإِنَّمَا يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى الحمّى إِذا كَانَ البخار المحتقن حاداً لَيْسَ بعذب فَإِن العذب لَا يولّدها. العلامات: السَّبَب وَأَن يكون الْبدن فِيهَا أول مَا يلمس غير شَدِيد الْحَرَارَة فَإِذا لَبِثت الْيَد أحست بحرارة ترْتَفع وَلَا يكون النبض فِي صغر الغمّية والهمية والجوعيّة لِأَنَّهُ لَيْسَ هَهُنَا تحلّل بل يكون سَرِيعا للْحَاجة إِلَّا أَن يكون الْبرد شَدِيدا فَرُبمَا مَال إِلَى الصلابة وَلَا تكون الْعين غائرة بل رُبمَا كَانَت منتفخة بِسَبَب البخار المحتقن وَالْمَاء قد يكون أَبيض لِأَن الْحَرَارَة محتقنة قد يكون منصبغاً لِأَن الْحَرَارَة الَّتِي كَانَت تتحلل من المسام اندفعت إِلَى طَرِيق الْبَوْل. العلاج: يدثرون فِي الحمّى حَتَّى يعرقوا فَإِذا انحطت يدْخلُونَ الْحمام ويستحمون بِمَاء إِلَى
(3/22)

الْحَرَارَة وبالهواء الْحَار وينطلون على أنفسهم مياهاً طبخ فِيهَا مثل المرزنجوش والشبث والنمَام ويدلكون بِمَا ذكرنَا مِمَّا يجلو المسام ويرخيها ويؤخرون التمريخ إِلَى أَن يتعرقوا أَو يتدلكوا ويستحموا بِالْمَاءِ الْحَار جدا وَيجب أَن يتَقَدَّم الاستحمام بِالْمَاءِ. الاستحمام بالهواء ثمَّ يتمرّخون بأدهان موسعة للمسام ويُصَب على رؤوسهم أَيْضا مثل دهن الشبث والخيري والبابونج ويغذون بأغذية خَفِيفَة ويعطرون ويسقون شرابًا أَبيض رَقِيقا أَو ممزوجاً وَهُوَ خير لَهُم من المَاء لما فِيهِ من التعريق والإدرار والتمريخ بالدهن لأَصْحَاب التَّعَب أَنْفَع مِنْهُ لأَصْحَاب الاستحصاف. فصل فِي حمى يَوْم استحصافية من الْمِيَاه القابضة إِنَّه قد يعرض لمن يستحمّ من الْمِيَاه القابضة مثل مَا يغلب عَلَيْهِ قُوَّة الشب أَو الزاج أَن يشتدّ تكاثف مسامهم الظَّاهِرَة فتحتقن أبخرتهم ويعرض لَهُم مَا قُلْنَا مرَارًا وَكَثِيرًا مَا يُؤَدِّي إِلَى العفونة. الْعَلامَة: يدل عَلَيْهَا السَّبَب وَمَا يُشَاهد من قحولة الْجلد كَأَنَّهُ مقدد أَو مدبوغ وكما يمس جلدا مغموساً فِي مَاء الزاج وَيكون الْحَال فِي تزيد الْحَرَارَة بعد زمَان من مس الْيَد كَمَا فِي غَيره مِمَّا يعرض من سدد المسام والنبض يكون أَضْعَف وأصغر وأشدّ سرعَة وَالْبَوْل أَشد بَيَاضًا ورقة كبول الشَّاة وَلَا يكون فِي أبدانهم ضمور وَلَا فِي أَعينهم غؤر. العلاج: يجب أَن يعالجوا بقريب من علاج من قبلهم إِلَّا أَنهم لَا يسقون الشَّرَاب إِلَّا بعد ثِقَة من شدَّة توسع المسام إِلَّا أَن يكون الاستحصاف قَلِيلا فَرُبمَا فَتحه الشَّرَاب وَيجب أَن يكون تلطيف تدبيرهم أَكثر ولبثهم فِي هَوَاء الْحمام واستحماماتهم بِالْمَاءِ الْحَار أَكثر وَيجب أَن يُؤَخر تمريخهم أَكثر. فصل فِي حمى يَوْم شربية قد يحدث من الشّرْب حمى يَوْم وعلاجهم علاج الْخمار وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى إِطْلَاق بِمَاء الْفَوَاكِه وَنَحْوه وَإِلَى فصد وقيء ويتجنبوا الشَّرَاب أسبوعاً وخصوصاً إِذا دَامَ صداعهم وَيجب أَن يدخلُوا الْحمام بعد الانحطاط. فصل فِي حمى يَوْم غذائية الأغذية الحارة قد تفعل حمى يَوْم وكما أَن الشمسية فِي أَكثر الْأَمر دماغية وَفِي روح نفساني والحمّامية قلبية وَفِي روح حيواني فَإِن الغذائية كبدية وَفِي روح طبيعي وعلاجها الإدرار بالمبردات الْمَعْرُوفَة. وَلَا حَاجَة بِنَا أَن نكرر ذَلِك وَإِطْلَاق الطبيعة بِمثل الشيرخشت وَالتَّمْر الْهِنْدِيّ وَإِصْلَاح الكبد أول شَيْء بِمثل مَاء الهندبا والبقول والسكنجبين والأضمدة المبرّدة من الصندل والكافور وَمَاء الْورْد
(3/23)

وعصارته وعصارات الْبُقُول الْبَارِدَة مبردة بِالْفِعْلِ والتطفئة بالأغذية الْبَارِدَة الرّطبَة. تمّ القَوْل فِي حميات الْيَوْم فلنبدأ الْكَلَام فِي حمّيات العفونة وَتَمام القَوْل فِي الحميات الدموية والصفراوية. الْمقَالة الثَّانِيَة حميات العفونة العفونة تحدث إِمَّا بِسَبَب الْغذَاء الرَّدِيء إِذا كَانَ متهيئاً لِأَن يعفن مَا يتَوَلَّد عَنهُ لرداءة جوهره أَو لسرعة قبُوله للْفَسَاد وَإِن كَانَ جيد الْجَوْهَر مثل اللَّبن أَو لِأَنَّهُ مائي الْغذَاء يسلب الدَّم متانته مثل مَا يتولّد عَن الْفَوَاكِه الرّطبَة جدا أَو لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَسْتَحِيل إِلَى دم جيد بل يبْقى خلطاً رديئاً بَارِدًا يأباه الْحَار الغريزي ويعفنه الْغَرِيب مثل مَا يتَوَلَّد عَن القثاء والقند والكمثري وَنَحْوه أَو رداءة صَنعته أَو وقته وترتيبه على مَا علمت وَإِمَّا بِسَبَب السدّة الْمَانِعَة للتنفس والتروّح بِسَبَب مزاج الْبدن الرَّدِيء إِذا لم يطق الهضم الْجيد وَكَانَ أَيْضا أقوى مِمَّا لَا يفعل فِي الْغذَاء والخلط شَيْئا فيتركه فجاً وَمثل هَذَا المزاج إِمَّا أَن يُولد أخلاطاً رَدِيئَة وَإِمَّا أَن يفْسد مَا يولّده لتَقْصِيره فِي الهضم ولتحريكه إِيَّاه التحريك الْقَاصِر وَهَذِه أَسبَاب مُعينَة فِي تولّد السدد المولّدة للعفونة. وَإِمَّا بِسَبَب أَحْوَال خَارِجَة من الأهوية الرَّديئَة كهواء الوباء وهواء البطائح والمستنقعات وَقد يجْتَمع مِنْهَا عدَّة أُمُور وَأكْثر أَسبَاب العفونة السدّة والسدّة إِمَّا لِكَثْرَة الْخَلْط أَو غلظه أَو لزوجته. وَأَسْبَاب كَثْرَة الأخلاط وغلظها ولزوجتها مَعْلُومَة وإيراثها السدٌ ة مَعْلُوم فَإِذا حدثت السدّة حدثت العفونة لعدم التروح وخاصة إِذا كَانَت معقبة بحركات فِي غير وَقتهَا على امتلاء وتخمة واستحمامات مثل ذَلِك أَو تشمس أَو تنَاول مسخنات على الامتلاء وَترك مُرَاعَاة الهضم فِي الْمعدة والكبد وتلافي تَقْصِير إِن وَقع بتسخينهما بالأطلية والكمادات والعفونة قد تكون عَامَّة للبدن كُله وَقد تكون فِي عُضْو لضَعْفه أَو لشدَّة حرارته الغريبة وحدتها أَو وَجَعه والخلط الْقَابِل للعفونة إِمَّا صفراء يكون حق مَا يتبخر عَنْهَا أَن يكون دخانياً لطيفاً حاداً وَإِمَّا دم حق مَا يتبخر عَنهُ أَن يكون بخارياً لطيفاً وَإِمَّا بلغم يكون حقٌ مَا يتبخر عَنهُ أَن يكون بخارياً كثيفاً وَأما سَوْدَاء حق مَا يتبخر عَنْهَا أَن يكون دخانياً كثيفاً غبارياً وعفونة الصَّفْرَاء توجب الغب وَمَا يجْرِي مجْراهَا وعفونة الدَّم توجب المطبقة وعفونة البلغم فِي أَكثر الْأَمر توجب النائبة كل يَوْم وَمَا يجْرِي مجْراهَا وعفونة السوَاء توجب الرّبع وَمَا يجْرِي مجْراهَا وَالدَّم مَكَانَهُ دَاخل وَأما الصَّفْرَاء والبلغم والسوداء فقد تعفن دَاخل الْعُرُوق وَقد تعفن خَارج الْعُرُوق وَإِذا عفنت خَارج الْعُرُوق وَلم يكن سَبَب آخر وَلَا كَانَت العفونة
(3/24)

فِي ورم بَاطِن يمد الْقلب عفونة مُتَّصِلَة أوجبت الدّور الَّذِي ذكرنَا لكل وَاحِدَة فَعرض وأقلع وَإِن كَانَت البلغمية لَا يقْلع إِلَّا وَهُنَاكَ بَقِيَّة خُفْيَة. وَإِذا عفنت دَاخل الْعُرُوق أوجبت لُزُوم الْحمى وَلم تكن مقلعة وَلَا قريبَة من المقلعة بل كَانَت لَازِمَة دائمة لَكِن لَهَا اشتدادات تتعرف بهَا النّوبَة الَّتِي لَهَا. وَإِذا كَانَت العفونة الدَّاخِلَة مُشْتَمِلَة على الْعُرُوق كلهَا أَو على أَكثر مَا يَلِي الْقلب مِنْهَا لم تكد الاشتدادات والنقصانات تظهر وَإِذا كَانَت على خلاف ذَلِك ظَهرت التغيرات ظهوراً بيِّناً وَإِنَّمَا كَانَت العفونة الْخَارِجَة تقلع ثمَّ تنوب لِأَن الْمَادَّة الَّتِي تعفن تَأتي عَلَيْهَا العفونة فِي مُدَّة النّوبَة فتفني رطوباتها الَّتِي بهَا تتَعَلَّق الْحَرَارَة وتتحلل وَتخرج من الْبدن لِأَنَّهَا غير محبوسة فِي الْعُرُوق فيمنعها ذَلِك عَن تَمام التَّحَلُّل وَتبقى رماديتها وأرضيتها الَّتِي لَيست مَظَنَّة للحمى والحرارة كَمَا يرى من حَال عفونة الأكداس والمزابل قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى يترمد الْجَمِيع ثمَّ لَا يبْقى حرارة. وَإِذا لم تبْق فِي الْخَلْط المحترق بالعفونة حرارة بطلت الحمّى إِلَى أَن تَجْتَمِع مَادَّة أُخْرَى إِلَى مَوضِع العفونة وَقد بقيت فِيهَا بَقِيَّة حرارة من العفونة الأولى. وَإِن لم تبْق مَادَّة أَو لوُجُود عِلّة التعفّن من الأول فِي الْمَادَّة الأولى فتشتعل فِي الْمَادَّة الثَّانِيَة على سَبِيل التعفين فَأمر العفونة يَدُور على وجود حرارة مقصرة تعفن وتحلّل وترمّد وتتعدى إِلَى المجاور حَتَّى تقطع الْحَد وتفني الْمَادَّة وَلَا تَجِد مجاوراً آخر وَتبقى بَقِيَّة حمى تنْتَظر مَادَّة أخرق تتحلّب إِلَى موضعهَا. وَأما إِذا كَانَت العفونة دَاخل الْعُرُوق فقد يعرض أَن يكون التَّحَلُّل التَّام متعذّراً وَأَن تَدور العفونة لاتصال بعض مَا فِي الْعُرُوق بِبَعْض فتعفن كل شَيْء مَا يجاورهم تَدور المجاور الآخر وَأَيْضًا فَإِن المحصورة فِي الْعُرُوق شَدِيدَة المواصلة للقلب وَهَذِه الحميات الَّتِي لَهَا نَوَائِب إقلاع وتفتير قد يتْرك نظامها لاخْتِلَاف الْموَاد فِي الْكَثْرَة والقلة والغلظ والرقة ولاختلافها فِي الْجِنْس بِأَن ينْتَقل بعض الْموَاد فَيصير من جنس مَادَّة أُخْرَى يُخَالِفهَا فِي النَّوْع لَا فِي الْكَثْرَة والقلة والغلظ والرقة فَقَط. وَقد يكون من سوء تَدْبِير العليل أَو لضَعْفه أَو لِكَثْرَة حسه ونوائب المقلعة تبتدئ فِي أَكثر الْأَمر بقشعريرة أَو برد أَو نافض وتتحلل بالعرق وَإِنَّمَا صَارَت تبتدئ بالبرد أَو بالقشعريرة فِي الْأَكْثَر أما لسَبَب برد الْخَلْط وَأما للدغ الْخَلْط للعضل بحدتهَ وَأما لغور الْحَرَارَة إِلَى الْبَاطِن متجهة نَحْو الْمَادَّة وَأما لضعف الْقُوَّة وَأما لبرد الْهَوَاء وَالَّذِي يكون من لذع الْحَرَارَة فَهُوَ أولى بِأَن ينْسب إِلَى القشعريرة مِنْهُ إِلَى الْبرد. وَأكْثر مَا يعرض مِنْهُ أَن يكون كنخس الأبر فِي كل عُضْو وَأما تحلل الْمَادَّة بالعرق فَإِن الْحَرَارَة المعفنة تحلل الرُّطُوبَة وَتبقى الرمادية وَإِذا كَانَت تِلْكَ الرُّطُوبَة غير محصورة فِي الْعُرُوق سهل اندفاعها فِي المسام عرقاً
(3/25)

ونوائب اللَّازِمَة الَّتِي لَا تفتر وَلَا تقلع لَا تبتدئ بِبرد إِلَّا لضعف القوهَ أَو لغور الْحَرَارَة الغريزية فتبرد الْأَطْرَاف وَذَلِكَ عَلامَة رَدِيئَة. وَقد يتركب فِي بعض الحميات برد وقشعريرة مَعًا لِأَن الْمَادَّة الَّتِي تعفن تكون مركبة من بَارِد وَمن لاذع وَقد تتركب بعض حميات العفونة تركيباً تصير فِي هَيْئَة اللَّازِمَة وَذَلِكَ مثلا إِذا كَانَ قد ابْتَدَأَ خلط يعفن فِي مَوضِع فَكَمَا أَتَت عيه العفونة ابْتَدَأَ خلط من جنسه أَو من غير جنسه يعفن فصادفت عفونة الثَّانِي زمَان إقلاع نوبَة الأول ثمَّ اتَّصل الْأَمر كَذَلِك وَقد. تتركب الحميات العفنية ضروباً أُخْرَى من التراكيب سنفصلها فيِ بَابهَا. وأدوار الحميات قد تطول وَقد تقصر فطولها لغلظ الْمَادَّة أَو لزوجتها أَو لكثرتها أَو سكونها أَو لضعف الْقُوَّة أَو لضعف الْحس أَو لتكاثف المسام فَلَا يتَحَلَّل الْخَلْط وقصرها لأضداد ذَلِك والنوائب تسرع وتبطئ وبطؤها أما بِسَبَب أَن الْمَادَّة قَليلَة أَو بطيئة الْحَرَكَة إِلَى مَعْدن العفونة لغلظها وَهَذِه كمادة الرّبع وسرعتها لِأَنَّهَا كَثِيرَة كالبلغم إِلَّا الزجاجي فنوائبه رُبمَا تباطأت أَو لَطِيفَة كالصفراء. وأردأ الحميات هِيَ: اللَّازِمَة الَّتِي تكون العفونة فِيهَا دَاخِلَة الْعُرُوق ثمَّ المقلعة الَّتِي تكون العفونة فِيهَا فِي جَمِيع الْبدن أَو فِي نواحي الْقلب وقلما يعرض. للمشايخ حمى صالب لبرد مزاجهم وَقلة التخم فيهم. وَأما النبض فَإِنَّهُ تخْتَلف أَحْوَاله فِي الحميات العفنية بِحَسب اختلافها فِي أجناسها أَو بِحَسب اخْتِلَاف النَّوْع الْوَاحِد مِنْهَا فِي الشدَّة والضعف وَفِي قُوَّة الْأَعْرَاض وضعفها وَقد يعرض لَهُ الصلابة فِيهَا إِمَّا لورم حَار شَدِيد التمديد أَو ورم حَار فِي عُضْو عصبي أَو ورم صلب أَو لشدّة اليبس أَو عِنْد اسْتِيلَاء الْبرد فِي الابتداءات وَقد تكون لينَة بِسَبَب الْمَادَّة الرّطبَة اللينة البلغمية والدموية وبسبب أَن الورم فِي عُضْو لين مثل: ذَات الكبد وَذَات الرئة وليثرغش أَو لسَبَب التندي المتوقّع عِنْدَمَا يُرِيد أَن يعرق والنبض يكون فِي ابْتِدَاء النوائب ضَعِيفا منضغطاً بِسَبَب إقبال الْقُوَّة على الْمَادَّة واستشغالها بالتنقية والترويح. فصل قَول كلّي فِي عَلَامَات حمّيات العفونة قد يدل على حميات العفونة توافي الْأَسْبَاب السَّابِقَة لَهَا وخصوصاً إِذا لم يكن لَهَا سَبَب بادٍ والنبض أَو النَّفس الَّذِي يسْرع انقباضه لِأَن الْحَاجة إِلَى التنقية شَدِيدَة جدا وَتَكون الْحَرَارَة لذاعة غير عذبة كحرارة حمى يَوْم. وَأكْثر حمّيات العفونة تتقدّمها المليلة والمليلة حَالَة تخالطها حرارة لَا تبلغ أَن تكون
(3/26)

حمى ويصحبها إعياء وتوصيم وكسل وتمطّ وتثاؤب واضطراب نوم وسهر وضيق نفس وتمدّد عروق وشراسيف وصداع وضربان رَأس فَإِذا طَالَتْ أوقعت فِي الحميات العفنية وأحدثت ضعفا وصفرة لون وَرُبمَا صحب المليلة الْمُتَقَدّمَة على الحمّيات كَثْرَة فضل ومخاط وغثيان وَبَوْل كثير وبراز كثير عفن وَثقل رَأس وتهيج ويعرض تَوَاتر فِي النبض لَا عَن سَبَب من خَارج من تَعب أَو غضب أَو غَيره وَإِذا عرض الانضغاط فِيهِ فقد جَاءَت النّوبَة والانضغاط غور من النبض وَصغر مُخْتَلف يَقع فِيهِ نبضات كبار قَوِيَّة وَلَا تكون سرعته قَوِيَّة. وَأما الِاخْتِلَاف فِي الِابْتِدَاء والتزيد فَهُوَ من خَواص دَلَائِل حمّى العفونة وَإِن كَانَ لَا يظْهر فِي الغبّ ظهوراً كثيرا لخفة مادته وَمن عَلَامَات أَن الْحمى عفنية خلو الدّور الأول من الْعرق والنداوة فَإِن اليومية بِخِلَاف ذَلِك وَإِن كَانَ الِابْتِدَاء فِي الغبّ لخفة الْمَذْكُورَة يشبه يومية لم ينْتَقل إِلَى العفونة وَأَن يكون تزيدها مختلطاً غير متناسب متشابه وَطول التزيد أَيْضا يدل على أَنَّهَا عفنية وازدياد النبض عظما على الِاسْتِمْرَار يدل على التزيّد. ثمَّ إِنَّهَا تكون إِمَّا مقلعة تبتدئ بنافض أَو قشعريرة وتترك فِي أَكثر الْأَمر بعرق أَو نداوة أَو تَدور بنوائب أَو تكون لَازِمَة مَعَ تفتير أَو غير تفتير لَا يشبه اليومية فِي النبض وَالْبَوْل وَتَمام النَّقَاء وَسُكُون الْأَعْرَاض وَأكْثر العفنية مَعهَا أَعْرَاض كَثِيرَة من عَطش وصداع وَسَوَاد لِسَان وخصوصاً عِنْد الْمُنْتَهى وَيكثر القلق من كرب واضطراب شَدِيد يُوجِبهُ مُقَابلَة الْمَادَّة وَالْقُوَّة فَتَارَة تستعلي الْمَادَّة وَتارَة تستعلي الْقُوَّة والنبض لذَلِك يكون تَارَة آخِذا إِلَى الْعظم وَالْقُوَّة وَتارَة إِلَى الصغر والضعف. وَأما الصلابة فقد تكون وَلَا يجب دَائِما أَن تكون إِلَّا أَن يكون مَعَ الْحمى ورم صلب فِي أَي عُضْو كَانَ أَو ورم فِي عُضْو صلب وَإِن لم يكن الورم صلباً أَو يكون قد اتّفق شرب مَاء بَارِد أَو شَيْء آخر مِمَّا يصلب الْبدن مِمَّا قيل فِي كتاب النبض. وَأما الِاخْتِلَاف فِي الِابْتِدَاء والتزيد فَهُوَ من الْخَواص بالحمى العفنة وَمن دلائلها الْقُوَّة وَإِن كَانَ لَا يظْهر فِي الغب كثيرا لخفة مادته وَمَا لم يصر النبض قَوِيا وَلم يسْرع السرعة الْمَذْكُورَة فالحمّى بعد يومية لم تنْتَقل إِلَى العفونة وَيكون الْبَوْل فِي الِابْتِدَاء غير نضيج أَو قَلِيل النضج وَرُبمَا كَانَ حاداً جدا. وَاعْلَم أَن الحميات الحادة المزمنة الْمهْلكَة قَلما يتَخَلَّص عَنْهَا إِلَّا بزمانة عُضْو وَإِذا بقيت الْحمى بعد سُكُون الورم فِي ذَات الْجنب وَنَحْوه فَاعْلَم أَن بَقِيَّة الْمَادَّة بَاقِيَة وَأَن الْمَادَّة قد مَالَتْ إِلَى حَيْثُ يظْهر وجع.
(3/27)

فصل فِي عَلَامَات اللَّازِمَة إِن الدائمة تكون اخْتِلَاف النبض الَّذِي بِحَسب الحمّى فِيهَا ظَاهرا جدا وَيكون فِي أَكْثَره غير ذِي نظم وَلَا وزن وتدوم الحمّى وَلَا تقلع بعد أَربع وَعشْرين سَاعَة وَلَا يصحبها مَا ذكرنَا من أَحْوَال المقلعة من تقدم النافض وَغَيره وَمِمَّا يدل عَلَيْهَا لُزُومهَا وَشدَّة اخْتِلَاف حَالهَا عِنْد التزيّد فتنقص مرّة وتشتد أُخْرَى. فصل فِي أُمُور تفترق بِبَعْضِهَا حمّيات العفونة وتشترك فِي بعض مَا كَانَ من الحمّى لعفونة الصَّفْرَاء فَتكون حركتها غبا سَوَاء كَانَت الْحَرَكَة ابْتِدَاء نوبَة أَو ابْتِدَاء اشتداد إِلَّا ضربا مِنْهَا يعرف بالمحرقة تخفي حركاتها جدا وَهِي: كاللازمة المطبقة والغبّ الصّرْف حادة للطافة الْمَادَّة وحرارتها عَظِيمَة لذّاعة لقُوَّة الْمرة لَكِنَّهَا سليمَة بِسَبَب أَن الصَّفْرَاء خَفِيفَة على الطبيعة وَلِأَنَّهَا تريح وَالْغِب الْغَيْر الْخَالِصَة أطول مُدَّة من الْخَالِصَة والخالصة قَلما تجَاوز تسع نَوَائِب إِلَّا عَن خطأ. والدائمة رُبمَا انْقَضتْ فِي أُسْبُوع وَمَا كَانَت من عفونة الدَّم فَإِنَّهَا دائمة لَازِمَة وحرارتها كَثِيرَة عَامَّة مَعَ لين لَيْسَ فِي لذع الصفراوية وَرُبمَا انْتَهَت فِي أَرْبَعَة أَيَّام وَأما البلغمية الْمُوَاظبَة كل يَوْم فَإِنَّهَا لينَة الْحَرَارَة بِالْقِيَاسِ إِلَى الصفراوية طَوِيلَة للزَّوْجَة الْمَادَّة وبردها وَكَثْرَتهَا عَظِيمَة الْخطر لِأَنَّهَا قَليلَة مُدَّة الإقلاع أَو التفتير وَلِأَنَّهَا تصْحَب فَسَادًا وضعفاً فِي فَم الْمعدة لَا بُد مِنْهُ وَذَلِكَ مِمَّا يجلب أعراضاً رَدِيئَة من الغشي والخفقان وَسُقُوط الشَّهْوَة. واللازمة مِنْهَا أشبه شَيْء بالدقّ لَوْلَا لين النبض على أَنه قد يصلب أَيْضا وَكلما كَانَت أقلّ خلوصاً كَانَت أقصر نوبَة إِلَّا أَن تميل بقلة خلاصها إِلَى السوداوية وَأما الرّبع فَإِنَّهَا غير حادة لبرد الْمَادَّة طَوِيلَة لذَلِك وَرُبمَا امتدت الْخَالِصَة مِنْهَا سنة وَغير الْخَالِصَة أقصر مُدَّة لَكِنَّهَا لَا خطر فِيهَا لِأَنَّهَا تريح مُدَّة طَوِيلَة وَلِأَنَّهَا لَيست من الحدة بِحَيْثُ تتبعها أَعْرَاض شَدِيدَة وَالرّبع والغبّ الدائمة والمفترة تَنْقَضِي بقيء أَو استطلاق أَو عرق أَو درور بَوْل. وَأما المحرقة فتنقضي بِمثل ذَلِك وبالرعاف وَاعْلَم أَن الِابْتِدَاء يطول فِي الغبّ والانتهاء فِي المطبقة والانحطاط فِي المحرقة والانتهاء والانحطاط فِي الْمُوَاظبَة على أَنه قَلما تُوجد ربع دائمة ومواظبة تَامَّة الإقلاع والحميات إِذا لم تعالج على مَا يَنْبَغِي وخصوصاً الورمية آلت إِلَى الذبول وخصوصاً فِي الحميات الحادة الَّتِي يجب أَن يغذى فِيهَا صَاحبهَا فَلَا يغذّى لغَرَض أَن تقبل الطبيعة على الْمَادَّة أَو يجب أَن يسقى المَاء الْبَارِد فَلَا يسقى لغَرَض أَن لَا يفحج وَلَا يتدارك بتطفية أُخْرَى فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْغَرَض الَّذِي سَنذكرُهُ فِي التغذية وَسقي المَاء الْبَارِد أقوى من الغرضين الْمَذْكُورين قدم عَلَيْهِمَا وأغفل مُرَاعَاة ذَيْنك الغرضين.
(3/28)

فصل فِي دَلَائِل أَعْرَاض الحميات إعلم أَن مَأْخَذ دَلَائِل الحميات هُوَ من التَّدْبِير الْمُتَقَدّم وَأَنه كَيفَ كَانَ وَمن الْأَحْوَال والأعراض الْحَاضِرَة مِمَّا نذكرها وَمن الْبلدَانِ والفصول وَمن السن والمزاج وَمن النبض وَالْبَوْل والقيء وَالْبرَاز والرعاف وَمن حَال الْحمى فِي النافض والعرق وَكَيْفِيَّة الْحَرَارَة وَمن النوائب وَمن حَال الشَّهْوَة والعطش وَمن حَال التنفس وَمن المقارنات مثل: الصداع والسهر والهذيان والقلق وَغير ذَلِك فَإِن للحمّيات أعراضاً مِنْهَا تستدل على أحوالها فَمِنْهَا: أَعْرَاض تدل على عظمها وصغرها مثل: كَيْفيَّة الْحَرَارَة وكميتها فَمِنْهَا مَا يكون لذّاعاً شَدِيدا من أول مَا يَأْخُذ إِلَى آخِره وَمِنْهَا مَا يلذع أَولا ثمَّ يخور لتحلل الْمَادَّة وتلين وَمِنْهَا مَا لَا يلذع وَمِنْهَا مَا حرارته رطبَة وَمِنْهَا مَا حرارته يابسة. وأعراض تدل على جِنْسهَا كالأعراض الخاصية بالغب مثل: ابْتِدَاء النّوبَة بنخس وقشعريرة ولذع الْحَرَارَة فِيهِ. وأعراض تدلّ على خبثها مثل: القلق والهذيان والسهر وأعراض تدلّ على النضج وَغير النضج مثل مَا نذْكر من أَحْوَال الْبَوْل وأعراض تدلّ على البحران سنذكرها وأعراض تدلّ على السَّلامَة أَو ضدها وَسَنذكر جَمِيع ذَلِك. وللسخنة أَحْكَام كَثِيرَة مثل: مَا يتَغَيَّر لَونه إِلَى الرصاصية من بَيَاض وخضرة فَيدل على برودة الأخلاط وَقْفَة الْحَار الغريزي أَو إِلَى التهيج والانتفاخ كَمَا يعرض لمن سَبَب حمّياته تخمة وَمثل سرعَة ضمور الْوَجْه وانخراطه ودقة الْأنف فَيدل إِمَّا على شدَّة الْحَرَارَة وَإِمَّا على رقة الأخلاط وَسُرْعَة تحللها لسعة المسام وللحركات فِي نَفسهَا وخروجها عَن الْعَادة أَو سُقُوطهَا دَلَائِل وَلَا شَيْئا آخر مِمَّا سَنذكرُهُ. وَمن أَعْرَاض الحمّيات مَا وقته الْمُنْتَهى مثل: الهذيان واختلاط الذِّهْن لتلهّب الرَّأْس وَمِنْهَا مَا وقته الِابْتِدَاء مثل القشعريرة وَالْبرد وَمثل السبات الَّذِي يلْحق أَكثر أَوَائِل الحميات لضعف الدِّمَاغ وميل الْحَرَارَة إِلَى الْبَاطِن وَلأَجل خبث الْمَادَّة وَكَثْرَة بخارات تتصعّد عَن الِاضْطِرَاب الْمُبْتَدِي فِي الْبدن إِلَى أَن يحلّلها الاشتعال ويعين ذَلِك برد الدِّمَاغ فِي نَفسه وَبرد الْخَلْط الَّذِي يُرِيد أَن يعفن ويسخن والأشياء الَّتِي يتعرّف مِنْهَا حَال الحمّى وَأَنَّهَا من أَي صنف هِيَ حَال الْحمى فِي حدّتها أَو لينها وَحَال الحمّى فِي وُقُوعهَا عَن الْأَسْبَاب الْبَادِيَة أَو السَّابِقَة على الشَّرْط الْمَذْكُور وَحَال الْحمى فِي لُزُومهَا وإقلاعها وفتراتها وَحَال الْحمى فِي أَخذهَا بنافض وَبرد وقشعريرة أَو خلَافهَا. وَمَتى كَانَ مَا كَانَ مِنْهُ وَحَال الحمّى فِي تَركهَا بعرق كثير وَقَلِيل أَو خِلَافه وَحَال سالف التَّدْبِير وَالسّن والسخنة وَالزَّمَان والصناعة وَحَال النبض وَالْبَوْل.
(3/29)

فصل كَلَام فِي النافض وَالْبرد والقشعريرة والتكسر القشعريرة: هِيَ حَالَة يجد الْبدن فِيهَا اخْتِلَافا فِي برد ونخس فِي الْجلد والعضل ويتقدّمها التكسّر. وَكَأن التكسّر ضَعِيف مِنْهَا وَأما الْبرد فَهُوَ أَن يحسّ فِي أَعْضَائِهِ ومتون عضله بردا صرفا وَأما النافض فَهُوَ أَن لَا يملك أعضاءه عَن اهتزاز وارتعاد يَقع فِيهَا وحركات غير إرادية وَرُبمَا كَانَ برد قوي وَلم يكن نافض قوي مثل حميات البلغم وَالرّبع. وَمن أَسبَاب اشتداد النافض شدَّة الْقُوَّة الدافعة الَّتِي فِي العضل وَلذَلِك كلما كَانَ السَّبَب المنفض ألزج كَانَ النافض أَشد وَالدَّم يغور مَعَ النافض إِلَى دَاخل. وَاعْلَم أَن الْخَلْط الْبَارِد يكون سَاكِنا قد أَلفه الْعُضْو الَّذِي هُوَ فِيهِ وَاسْتقر انفعاله عَنهُ فَلَا يحس برده. فَإِذا تحرّك وتبدّد تبدداً كثيرا أَو قَلِيلا بِسَبَب من الْأَسْبَاب من حرارة مفرقة أَو غير ذَلِك انفعل عَنهُ الْعُضْو الَّذِي كَانَ غير ملاق لَهُ وأحس بِبرْدِهِ بِسَبَب المزاج الْمُخْتَلف. وَقد علمت فِي الْأُصُول الْكُلية من علم الطِّبّ. وَكَثِيرًا مَا يعرض عَن البلغم الزجاجي الْمُنْتَشِر فِي الْبدن نافض لَا يُؤَدِّي إِلَى حمى وَرُبمَا كَانَ لَهُ أدوار وَلَا تكون قوته قُوَّة النافض الْمُؤَدِّي إِلَى الحمّى والمادة الَّتِي تفعل الإعياء بقلتها تفعل النافض بكثرتها قبل أَن تعفن فَإِن لم تعفن لم تُؤَد إِلَى الْحمى وَقد يعرض الْبرد والنافض لغور الْحَرَارَة بِسَبَب الْغذَاء وَمَا يُشبههُ. والنافض وَالْبرد يتَقَدَّم الحميات لِأَن الْخَلْط الخام ينصب إِلَى العضل أَولا وَهُوَ مؤذ بِبرْدِهِ بِالْقِيَاسِ إِلَى العضل ثمَّ إِذا أَخذ يعفن أَخذ فِي السخن وَقد يتَقَدَّم النافض الحميات للذع الْخَلْط وَقُوَّة الْقُوَّة الدافعة الَّتِي فِي العضل كَمَا ينتفض الْإِنْسَان من صب المَاء الْحَار جدا على جلده وخصوصاً إِذا كَانَ مالحاً وَرُبمَا صَار أَذَى مَا يلذع سَببا لهرب الْحَار الغريزي إِلَى بَاطِن ويستولي الْبرد فَيكون مَعَ لذع الْحَار برد كَأَن الْبرد يشْتَمل. واللذع الْحَار عِنْد الغشاء وَالْبَاطِن. وَقد يَقع النافض لهرب الْحَرَارَة إِلَى الْبَاطِن كَمَا يكون فِي الأورام الْبَاطِنَة وَرُبمَا دلّ النافض والقشعريرة على الْبُرْء فِي الحمّيات اللَّازِمَة لِأَنَّهُ يدل على أَن الْمَادَّة انتفضت من الْعُرُوق وَخرجت لكنه إِذا لم يكن مَعَ نضج وَفِي وَقت بحراني وَلم يتبعهُ خف دلّ على أَن انتفاض ذَلِك الْمِقْدَار لَيْسَ لِأَن الْقُوَّة غلبت بل لِأَن الْمَادَّة كَثِيرَة تفيض لكثرتها. وَمن النافض مَا يدلّ على الْمَوْت وَهُوَ الَّذِي يتبع ضعف الْقُوَّة وَسُقُوط الْحَار الغريزي وَالنَّفس. وَأما القشعريرة فَتكون من أَسبَاب أقل من أَسبَاب النافض وهيجان الدهش والدوار ينذر بدور والمشايخ تكون حمياتهم مدفونة وَرُبمَا كانالسبب فِي طول الْحمى غلظاً فِي الأحشاء فليستلق المحموم ولتمد رِجْلَاهُ ولتجس أحشاؤه وَإِذا اسود
(3/30)

لِسَان المحموم مَعَ خفَّة فحماه مدفونة وَقد يصحب الحمّى فالج فيعالج الْحمى أَولا وَمِمَّا يصلح لَهُم السكنجبين ممروساً فِيهِ الخلنجبين وَمَاء الحمص بالزيت إِن احتملت الْحمى وَحلق الرَّأْس مِمَّا يكثف جلده فتنعطف فصل فِي الْإِشَارَة إِلَى معالجات كُلية لحمى العفونة إعلم أَن الْغَرَض فِي مداواة هَذِه الحميات تَارَة يتَّجه نَحْو الْحمى فتحتاج أَن تبرد وترطّب وَتارَة نَحْو الْمَادَّة حَتَّى تحْتَاج أَن تنضج أَو تحْتَاج أَن تستفرغ. والإنضاج فِي الغليظ تعديله بالترقيق وَفِي الرَّقِيق تعديله بالغليظ وَرُبمَا تنَاقض مَا تستدعيه الحمّى من الْبَرِيد ويستدعيه الْخَلْط من الإنضاج والاستفراخ والتحليل فَرُبمَا كَانَ المنضج والمستفرغ حاراً بل هُوَ فِي أَكثر الْأَمر كَذَلِك وَحِينَئِذٍ يجب أَن يُرَاعى الأهم من الْأَمريْنِ وَرُبمَا تنَاقض مُقْتَضى الْحمى من التبريد بِمثل مَاء الْبِطِّيخ الْهِنْدِيّ وَسَائِر الْبُقُول. وَمُقْتَضى الْمَادَّة من التقليل فَيمْنَع ذَلِك سقيها إِلَّا حَيْثُ لَا مَادَّة وَبِالْجُمْلَةِ الحزم أَن يُؤَخر مَاء الْفَوَاكِه إِلَى أُسْبُوع ويقتصر على مَاء الشّعير وَجَمِيع الْفَوَاكِه تضر المحموم لغليانها وفسادها فِي الْمعدة. وَكَثِيرًا مَا يُوجد الشَّيْء الَّذِي ينضج ويلطف ويستفرغ مبرداً أَيْضا مثل: السكنجبين وَاعْلَم أَنه رُبمَا كَانَت الْحمى من الشدَّة والحمة بِحَيْثُ لَا يرخص فِي تَدْبِير السَّبَب بل يَقْتَضِي التبريد البليغ وخصوصاً إِذا لم تَجِد الْقُوَّة قَوِيَّة مقاومة صابرة فَإِن وَجدتهَا مقاومة صابرة قطعت السَّبَب ودبرت للخلط وَقطعت الْغذَاء وَلم تبرد تبريداً يمْنَع التَّحَلُّل وَإِن وجدت الْقُوَّة قَاصِرَة اشتغلت بتعديل المزاج المضاد لَهَا فبردته ونعشت الْقُوَّة بالغذاء. فَإِذا قويت الْقُوَّة بنعشها وقهر مضادها عدت إِلَى الْعلَّة وَإِذا بردت فِي هَذِه الحميات فَلَا تبرد بِمَا فِيهِ قبض وتكثيف مثل الأقراص المبردة إِلَّا بعد النضج والاستفراغ. وَاعْلَم أَن علاج حمى العفونة بِخِلَاف علاج الدقً فَإِن علاج الدق مَقْصُور على مضادة الْمَرَض وعلاج حمى العفونة لَيْسَ مَقْصُورا على مضادة الْمَرَض وَحده بل عَلَيْهِ وعَلى قطع سَببه وَإِن كَانَ بمشاكل الْمَرَض والتغذية صديقَة الْقُوَّة من جِهَة نَفسهَا وعدوة للقوة من جِهَة أَنَّهَا صديقَة عدوّها وَهُوَ الْمَادَّة فِي مُعينَة لكلاهما فَلذَلِك يحْتَاج فِي تدبيرها إِلَى قانون ولنفرد لَهُ بَابا وَاعْلَم أَنه لَا يمكنك أَن تعالج الْحمى إِلَّا بعد أَن تعرفها فَإِن جهلت فلطّف التَّدْبِير واجتهد أَن لَا تلقاك النّوبَة إِلَّا وَأَنت خَالِي الْبَطن وَلَا تحرّك فِي يَوْم النّوبَة شَيْئا مَا أمكنك وَلَا تعالج وَيجب أَن تراعي فِي جَمِيع ذَلِك حَال الْقُوَّة. فَإِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة وَكَانَ الْغَالِب الدَّم أَو كَانَ مَعَ الْخَلْط الْغَالِب دم فالفصد أوجب شَيْء وخصوصاً إِذا كَانَ الْبَوْل أَحْمَر غليظاً لَيْسَ أصفر نارياً يخَاف عِنْد الفصد
(3/31)

غَلَبَة المرَار وحدته ثمَّ أتبع فصده إسهالاً لطيفاً خُصُوصا إِن كَانَ هُنَاكَ يبس بِمثل مَاء الشّعير والشيرخثست الْقَلِيل وَمَاء الشّعير والسكنجبين فَإِن لم لَكِن الطبيعة زِدْت فِي مثل الشيرخشت مثل شراب البنفسج وَتَكون الْغَايَة التليين لَا الإسهال وَالْإِطْلَاق العنيف. والأحب إِلَى اسْتِعْمَال الحقن على الْمبلغ الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْقُوَّة وَمن الحقن الْمُشْتَركَة النَّفْع الْخَفِيفَة حقنة تتَّخذ من دهن البنفسج وعصارة ورق السلق وصفرة الْبيض وَالسكر الْأَحْمَر والبورق فَهَذَا التليين رُبمَا احتجت إِلَيْهِ فِي الِانْتِهَاء أَضْعَف مِمَّا تحْتَاج إِلَيْهِ فِي الِابْتِدَاء وَذَلِكَ إِذا كَانَت الطبيعة محتبسة ثمَّ تتبعه بإدرار بِمثل: السكنجبين الْمَطْبُوخ بِأَصْل الكرفس وَنَحْوه ثمَّ تعرقه وتفتح مسامه بِمَا لَيْسَ لَهُ حر قوي مثل: التمريخ بدهن البابونج والدلك بِالشرابِ الْأَبْيَض وبالماء العذب الفاتر. فَإِن كَانَت الْحمى محتدة جدا لم يجز شَيْء من التمريخ والتنطيل فَإِن وجدت الْخَلْط فِي الأول يمِيل إِلَى الْمعدة فقيء بِمَا لَيْسَ فِيهِ مُخَالفَة للْعَادَة بل بِمثل السكنجبين بِالْمَاءِ الْحَار إِن كَانَ الْخَلْط تحركه الطبيعة إِلَى الْقَيْء وَلَا يُخَالِفهَا إِن كَانَ هُنَاكَ ميل إِلَى الأمعاء وأحسست بقراقر وانحدار ثقل أَو مَا يُشبههُ وامنعه النّوم فِي ابْتِدَاء الحميات خُصُوصا إِذا كَانَت قشبعريرة أَو برد أَو نافض فَيطول عَلَيْهِ الْبرد. والنافض فَإِنَّهُ يعين الْموَاد إِن كَانَت متجهة إِلَى بعض الأحشاء وَيمْنَع نضج الأخلاط وَأما عِنْد الانحطاط فَهُوَ نَافِع جدا وَرُبمَا لم يضرّ عِنْد الْمُنْتَهى وَلَا يمنعهُ المَاء الْبَارِد إِلَّا أَن يكون الْخَلْط فِيهِ فجاجة وغِلظ يمْنَع النضج. وَاعْلَم أَن الفصد إِذا نفع ثمَّ اسْتعْملت طَريقَة رَدِيئَة وَلم تكن تنقى نكس وَأما الْخَلْط الصفراوي فنضجه أَن يصير خاثراً عَن رِقته وَالْمَاء الْبَارِد يفعل ذَلِك إِلَّا أَن تكون الْمعدة أَو الكبد ضَعِيفَة أَو بَارِدَة أَو يكون فِي الأحشاء ورم أَو يكون فِي أَعْضَائِهِ وجع أَو يكون مزاجه قَلِيل الدَّم أَو حرارته الغريزية ضَعِيفَة فيضعف بعد شرب المَاء الْبَارِد أَو يكون غير مُعْتَاد لشرب الْبَارِد مثل: أهل بِلَاد الحز وَهَؤُلَاء يتشنجون بِسُرْعَة ويصيبهم فوَاق والمهزول من هَذِه الْجُمْلَة. وَأما حَيْثُ الْمَادَّة حارة أَو غَلِيظَة قد نَضِجَتْ وَالْبدن عبلاً والحرارة الغويزية موفورة وَتَكون الْقُوَّة قَوِيَّة والأحشاء سَالِمَة لَيست بَارِدَة المزاج الْأَصْلِيّ وَلم يكن غير مُعْتَاد للْمَاء الْبَارِد بل هُوَ مُعْتَاد للبارد جدا فالماء الْبَارِد أفضل شَيْء فَإِنَّهُ كثيرا مَا أعَان على نفض الْمَادَّة بِإِطْلَاق الطبيعة أَو بالقيء أَو بالبول أَو بالتعريق أَو بِجَمِيعِ ذَلِك فَيكون فِي الْوَقْت يعافى. وَرُبمَا سقى الطَّبِيب العليل من المَاء الْبَارِد قدرا كثيرا حَتَّى يخضر لَونه ويرتعد وَلَو إِلَى من وَنصف فَرُبمَا استحالت الْحمى إِلَى البلغمية وَرُبمَا قوي الطَّبْع وَدفع الْمَادَّة بعرق وَبَوْل وإسهال
(3/32)

وَكَانَت عافيته وَإِذا كَانَ بعض الْمَوَاضِع وارماً ثمَّ خفت مضرَّة الْحَرَارَة والعطش وظننت أَنه يُؤَدِّي إِلَى الذبول لم يمْنَع المَاء الْبَارِد. فَإِن ازدياد الورم أَو فجاجته رُبمَا كَانَ خيرا من الذبول والسكنجبين رُبمَا سكن الْعَطش وَقطع وَأطلق وَلَيْسَت مضرته بالورم كَثِيرَة كمضرة المَاء وَلَيْسَ لَهُ جمع الْمَادَّة وتكثيفها. وَكَذَلِكَ الجلاّب الْكثير المزاج وَإِذا لم يجز أَن يشرب المَاء الْبَارِد فأقدم عَلَيْهِ خيف أَن يحدث تقبّضاً من المسام فَيصير سَببا لحمى أُخْرَى لحدوث سدّة أُخْرَى وَرُبمَا كَانَت أشدّ من الأولى. وَإِذا صَادف عضوا ضَعِيفا أفسد فعله فكثيراً مَا عَسُر الازدراد وعسر النَّفس وأحدث رعشة وتشنّجاً وَضعف مثانة أَو كُلية أَو قولون وَأكْثر من يجب أَن يمنعهُ مِنْهُم المَاء الْبَارِد من يتَضَرَّر بِهِ فِي صِحَّته بل إِذا رَأَيْت السخنة قَوِيَّة والعضل غَلِيظَة والمزاج حاراً يَابسا واستفرغت فَرخص أَحْيَانًا فِي الاستنقاع فِي المَاء الْبَارِد. وَعند الانحطاط وَظُهُور عَلَامَات النضج والاستفراغ للأخلاط فَلَا بَأْس أَن يسْتَعْمل الْحمام وَشرب الشَّرَاب الرَّقِيق الممزوج والتمريخ بالأدهان المحلّلة فَإِذا اسْتعْملت القوانين الْمَذْكُورَة فِي أول عرُوض الحمّى فَيجب بعد ذَلِك أَن تشتغل بالإنضاج والاستفراغ الَّذِي لَيْسَ على سَبِيل التقليل والتجفيف وَقد ذَكرْنَاهُ بل على سَبِيل قطع السَّبَب وَلَا تستفرغ الْمَادَّة غير نضيجة فِي حَار أَو بَارِد إِلَّا لضَرُورَة فَرُبمَا كثر الاستفراغ من غير الْخَلْط الْغَيْر المتهيىء للاستفراغ بالنضج. وَرُبمَا خلط الْخَبيث بالطيب لتحريك الْخَبيث من غير إنضاجه وَلَا تصغ إِلَى الرجل الَّذِي زعم أَن الْغَرَض فِي الإنضاج الترقيق والخلط الحاد رَقِيق لَا حَاجَة إِلَى ترقيقه فَلَيْسَ الْأَمر كَمَا يَقُوله بل الْغَرَض فِي الإنضاج تَعْدِيل قوام الْمَادَّة حَتَّى تصير متهيئة للدَّفْع السهل وَالرَّقِيق المتسرب والغليظ الناشب واللزج اللحج كل ذَلِك غير مستعد للدَّفْع السهل بل يحْتَاج أَن يثخن الرَّقِيق قَلِيلا ويرقّق الثخين قَلِيلا وَيقطع اللزج. وَلَو أَن هَذَا الرجل لم يسمع فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين فِي النضج شَيْئا من قبيل مَا قُلْنَاهُ وَتَأمل حَال نضج الأخلاط المنفوثة أَن الرقيت! مِنْهَا يحْتَاج أَن يخثر والخاثر يحْتَاج أَن يرقّق لَكَانَ يجب أَن يَهْتَدِي مِنْهُ ولِمَ لَيْسَ يتَأَمَّل فِي نَفسه فَيَقُول مَا بَال الْقَوَارِير فِي الحمّيات الحادة لَا تكون فِي ابتدائها ذَات رسوب ثمَّ تصير ذَات رسوب وَهل الراسب الْمَحْمُود شَيْء غير الْخَلْط الْفَاعِل للمرض وَقد نضج فَلم لَيْسَ ينْدَفع فِي أَوَائِل الْأَمر أَن كَانَت الرقّة هِيَ الْغَايَة الْمَقْصُودَة فِي النضج فَمن الْوَاجِب أَن يكون فِي أَوَائِل حميات الدَّم والصفراء رسوب مَحْمُود. فَإِن كَانَت الطبيعة لَا يُمكنهَا دفع ذَلِك الْفضل إِلَّا بعد وَقت يصير فِيهِ مستعداً للدَّفْع فِي الْبَوْل فَكَذَلِك الصِّنَاعَة يجب أَن يعلم أَن استفراغها للخلط قبل مثل ذَلِك الْوَقْت الَّذِي يظْهر فِيهِ النضج فِي القارورة مُمْتَنع أَو متعسر مستصعب وَرُبمَا حرك وَلم يفعل بلاغاً وَرُبمَا خلط الْخَبيث بالطيب وَكَانَ الأولى بِهَذَا الْإِنْسَان أَن يحسن الظَّن بِمثل جالينوس
(3/33)

وأبقراط فِي رسمه من هَذَا أَو يتَأَمَّل فضل تَأمل ثمَّ يرجع إِلَى المناقضة فَإِن مُنَاقض الْأَوَّلين وَهُوَ على الْحق مَعْذُور وَلَكِن الأولى وأظن أَن هَذَا الرجل اتّفقت لَهُ تجارب أنجحت فِي هَذَا الْبَاب فركن إِلَيْهَا وأمثال هَذِه التجارب الَّتِي لَيست على القوانين قد يتَّفق لَهَا أَن لَا تنجح وَلَا وَاحِد ويتفق لَهَا أَن لَا تتَحَقَّق وَلَا وَاحِد فَهَذَا هُوَ الْوَاجِب فَأَما إِن كَانَت الْمَادَّة كَثِيرَة متحركة منتقلة من عُضْو إِلَى عُضْو وظننت أَنه لَا مهلة إِلَى نضجها أَو ربفا حدثت مِنْهَا أورام سرسامية وَغير ذَلِك وَلَو تركت أوقعت فِي خطر قبل الزَّمَان الَّذِي يتَوَقَّع فِيهِ نضجها. وَذَلِكَ أطول من الزَّمَان الَّذِي يتَوَقَّع فِيهِ نضج المعتدل لَا محَالة فَلَا بُد من استفراغها فَإِن الْخطر فِي ذَلِك أقل من الْخطر فِيهَا. وَمَعَ ذَلِك فَإِن الطبيعة تكون متحركة إِلَى دَفعهَا لِكَثْرَة أذاها فَإِذا أعينت وافقها الْإِعَانَة فَلَا بُد مِنْهُ وَاعْلَم أَن الفصد لَيْسَ من قبيل مَا ينْتَظر فِيهِ النضج انْتِظَاره فِي المسهلات وَإِنَّمَا ينْتَظر النضج فِي الأخلاط الْأُخْرَى وَإِذا تَأَخّر الفصد عَن ابْتِدَاء الْعلَّة فَلَا تفصد فِي انتهائها إِذْ لَا معنى لَهُ وَرُبمَا أهلك بموافاته ضَعِيف الْقُوَّة وَكَذَلِكَ إِن خفت غَلَبَة من الْخَلْط وَأوجب الِاحْتِيَاط الاستفراغ وَإِن لم يكن نضج فَلَا تحرّك إِلَّا فِي الِابْتِدَاء. وَأما عِنْد الِانْتِهَاء فَلَا تحرّك شَيْئا حَتَّى يغلب الطبيعة وينضج فَإِن لم تتحرك هِيَ حركت أَنْت وفْق تحريكها وَإِن كَانَت هِيَ تتحرك أَو تحركت فدعها وفعلها وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أبقراط هائجاً حِين قَالَ يَنْبَغِي أَن يسْتَعْمل الدَّوَاء المسهل بعد أَن ينضج الْمَرَض فَأَما فِي أول الْمَرَض فَلَا وَمثل هَذَا الاستفراغ الضَّرُورِيّ الَّذِي لَيْسَ فِي وقته مثل: التغذية الضرورية الَّتِي لَيْسَ فِي وَقتهَا وَنسبَة هَذَا الاستفراغ إِلَى الْكَفّ من عَادِية الْمَادَّة نِسْبَة تِلْكَ التغذية إِلَى منع الْقُوَّة عَن سُقُوطهَا وَإِذا اسْتعْملت استفراغاً فراعِ وَقت الإقلاع أَو وَقت الفترة أَو أبرد وَقت يكون وَلَا تستفرغ بالإسهال يَوْم الدّور وَلَا تفصد وَلَا تضَاد باستفراغ الصِّنَاعَة جِهَة ميل استفراغ الطبيعة وَلَا تثيرنّ الأخلاط بِمَا تَفْعَلهُ فِي الْحَال حَال حَرَكَة دور وَبِالْجُمْلَةِ تتوقى التَّدْبِير فِي وَقت الدّور حَتَّى لَا يسقى فِي مَاء الشّعير سكر وَلَا جُلاَب لِئَلَّا تثير الدّور بتضييق المجاري فَإِنَّهُ خطر بل أعن إِلَى أَن يفرط فَإِن الطَّبِيب معِين الطبيعة لَا مُنَازع لَهَا. وَاعْلَم أَن كثيرا مَا يحْتَاج إِلَى دَوَاء قوي ضَعِيف أما قوته فَمن حَيْثُ يسهّل الْخَلْط الغليظ اللزج وَأما ضعفه فَمن حَيْثُ يسهل مَجْلِسا أَو مجلسين وَلَا يستفرغ الْكثير مَعًا حَتَّى لَا تسْقط الْقُوَّة. والرأي فِي الفصد أَن يدافع بِهِ مَا أمكن فَإِن لم يكن فتكثير الْعدَد خير من تَكْثِير الْمِقْدَار وَيجب أْن لَا يستفرغ دم كثير دفْعَة فيستفرغ كثير مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَى استفراغه وَلَا يكون فِي الدَّم عدَّة لاستفراغات رُبمَا احْتِيجَ إِلَيْهَا وتضعف الْقُوَّة عَن مقارعة بحرانات
(3/34)

منتظرة وَاعْلَم أَنه إِذا اجْتمع الصرع والحمى فعلاج الْحمى أولى. وَاعْلَم أَن الصداع رُبمَا رد الْحمى المنحطة إِلَى التزيد فَيجب أَن يسكن وَالصَّبِيّ الراضع إِذا حمّ فَيجب أَن يصلح لبن أمه وَإِذا كَانَت القارورة اليرقانية فِي الحمّى تدل على ورم فَيكون العلاج سقِِي مَاء الشّعير والسكنجبين. فَإِذا هدأت الحمّى فصد للورم وَإِذا كَانَ مَعَ الْحمى قولنج فَمَا لم تنفتح الطَّرِيق لَا يسقى مَاء الشّعير بل مَاء الديك إِن وَجب ولين الحقنة وَيكثر دهنها ثمَّ يسقى مَاء الشّعير إِن وَجب وَأما المسهّلات فَمِنْهَا أشربة تتَّخذ من التَّمْر الْهِنْدِيّ والترنجبين والشيرخشت وَرُبمَا جعل فِيهَا مَاء اللبلاب وَرُبمَا جعل فِيهَا الخيارشنبر وَرُبمَا طرح عَلَيْهَا السقمونيا وَرُبمَا سقِِي السقمونيا وَحده فِي الْجلاب وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى اسْتِعْمَال مثل الصَّبْر إِذا كَانَت الْمَادَّة غَلِيظَة. والأجود أَن يغسل ويربى فِي مَاء الهندبا وَمَاء التعصيد ثمَّ يحبّب. وَأما الهليليج الْأَصْفَر فقد يَسْتَعْمِلهُ قوم وَمَا وجد عَنهُ مَذْهَب فعل فَإِنَّهُ يقبض المسام بعد الإسهال ويخشن الأحشاء فَإِن كَانَ وَلَا بُد فَبعد النضج التَّام وَمَاء الرمانين عَظِيم النَّفْع وخاصة المعتصرة بشحمهما فِي أَوْقَات وَمن المسهّلات مَا يتَّخذ من البنفسج والسقمونيا وَيكون من البنفسج قدر مِثْقَال وَمن السقمونيا إِلَى قِيرَاط وَرُبمَا جعل فِيهِ قَلِيل نعناع وَقد يتَّخذ من المبردات الملطفة دَوَاء يَجْعَل فِيهِ سقمونيا مثل حبّ بِهَذِهِ الصّفة. ونسخته: يُؤْخَذ من الكزبرة وَمن الطباشير وَمن الْورْد من كل وَاحِد نصف دِرْهَم وَمن الكافور طسوج وَمن السقمونيا إِلَى نصف دانق ودانق يسقى مِنْهُ أَو يُؤْخَذ من الشيرخشت خَمْسَة دَرَاهِم وَمن الترنجبين وزن خَمْسَة دَرَاهِم وَمن عصارة التفاح الشَّامي وعصارة السفرجل بالسواء وعصارة الكزبرة الرّطبَة سدس جُزْء تجمع العصارات ويغمر بهَا الشيرخشت والترنجبين ويقوّم بهما حَتَّى يكَاد ينْعَقد ثمَّ يُؤْخَذ من الكافور وزني دانق وَنصف وَمن السقمونيا وزن دِرْهَم وَيرْفَع عَن النَّار ويذرّ عَلَيْهِ الكافور والسقمونيا ويحفظ لِئَلَّا يتَحَلَّل بالبخار ثمَّ يتْرك حَتَّى يتعقد من تِلْقَاء نَفسه بالرفق والشربة مِنْهُ من دِرْهَمَيْنِ إِلَى دِرْهَمَيْنِ وَنصف. وَقد يُمكن أَن يتَّخذ من الشيرخشت والترنجبين وَالسكر الطبرزد ناطف وَيجْعَل فِيهِ السقمونيا والكافور على قدر أَن يَقع فِي الشربة مِنْهُ من الكافور إِلَى طسوج وَمن السقمونيا إِلَى دانق وَيكون حبيباً إِلَى النَّفس غير كريه والمحموم فِي الصَّيف حمّى بَارِدَة لَا يدْخل فِي الخيشْ خَاصَّة إِذا عرق لِئَلَّا تنعكس الْمَادَّة عَن تحلّلها والأقراص لَا توَافق أَوَائِل
(3/35)

هَذِه الْحمى إِلَّا بعد النضج والاستفراغ وأوفق مَا تكون الأقراص لمن حمّاه متشبثة بمعدته كَأَنَّهَا دقية وتارك عَادَته فِي تَدْبيره قد يحس أَحْيَانًا بحمى وَلَيْسَ ذَلِك بالضار لِأَن السَّبَب ترك الْعَادة فِي التَّدْبِير فَاعْلَم جَمِيع مَا فصل فِي تغذية هَؤُلَاءِ المحمومين إعلم أَن أوفق الأغذية للمحمومين هِيَ الأغذية الرّطبَة. وخصوصاً لمن مزاجه رطب من الصّبيان والمتدعين فيوافق من حَيْثُ هُوَ شَبيه المزاج وَمن حَيْثُ هُوَ ضد الْمَرَض وَإِذا أخذت الحمّى والطبيعة يابسة فَلَا تغذ أَلْبَتَّة مَا لم يخرج الثّقل بِتَمَامِهِ وَيجب أَن تلقماهم النوائب الدائرة أَو النوائب المشتدة وأجوافهم خَالِيَة لَا غذَاء فِيهَا الْبَتَّةَ فَإِنَّهُم إِن كَانُوا مغتذين فِي ذَلِك الْوَقْت اشتغلت الطبيعة بالهضم عَن النضج وَالدَّفْع واستحكم الْمَرَض وَطَالَ وَلذَلِك يجب أَن تُؤخر التغذية إِلَى الانحطاط فَمَا بعده وَإِن اتّفق أَنه وَافق وَقت الانحطاط وَقت الْعَادة فِي الْغذَاء فَهُوَ أَجود مَا يكون. وَاعْلَم أَن من التغذية وَالتَّدْبِير مَا هُوَ لطيف جدا وَمِنْه مَا هُوَ غليظ جدا وَمِنْه مَا بَين ذَلِك فبعضه يمِيل إِلَى اللطافة أَكثر وَبَعضه يمِيل إِلَى الكثافة أَكثر واللطيف الْبَالِغ فِي اللطافة هُوَ: منع الْغذَاء والغليظ جدا هُوَ اسْتِعْمَال أغذية الأصحاء واللواتي تلِي جَانب اللطافة مِمَّا هُوَ متوسط أَن يقْتَصر من الْغذَاء على عصارة الرُّمَّان والجلاب الرَّقِيق جدا وَبعده مَاء الشّعير الرَّقِيق وَبعده مَاء الشّعير الغليظ والبقول الْبَارِدَة الرّطبَة مثل السرمق والاسفاناخ واليمانية وَنَحْوهَا وَبعدهَا كشك الشّعير كَمَا هُوَ وَهُوَ الْوسط واللواتي تلِي جَانب الغلظ فالدجج والأطراف وألطف مِنْهَا القباج والفراريج وألطف مِنْهَا الطباهيج والسمك وألطف مِنْهَا أَجْنِحَة الفراريج والطباهيج والنيمبرشت الْقَلِيل الرَّقِيق والسمك الصغار جدا وألطف مِنْهَا كشك الشّعير كَمَا هُوَ وألطف مِنْهُ محلول الْخَبَر السميذ فِي المَاء الْبَارِد حلا رَقِيقا فَأَما الغليظ فَهُوَ غذَاء قوي وكشك الشّعير نعم الْغذَاء للمحمومين فَإِنَّهُ يجمع إِلَى ثخونته واتصاله ملاسة وزلقاً وحلاء وترطيباً وليناً ومضادة للحمى وتسكيناً للعطش وَسُرْعَة نُفُوذ وانغسال وَلَا قبض فِيهِ فَلذَلِك لَا يرسب وَلَا يتشبث فِي المنافذ. وَإِن ضَاقَتْ وَلَيْسَ فِيهِ لصوق بالمعدة وبالمريء وَرُبمَا جلا مثل: البلغم وَإِذا أجيد طبخه لم ينْفخ الْبَتَّةَ وَقد كَانَ القدماء يستعملون حَيْثُ يحْتَاج إِلَى تلطيف تَدْبِير ألطف من التَّدْبِير بالكشك ومائه مَاء الْعَسَل الْكثير المَاء فَإِن غذاءه قَلِيل وتنفيذه للْمَاء وترطيبه بِهِ وجلائه وتفتيحه وإدراره كثير وحرارته مَكْسُورَة وَإنَّهُ لَا محالةٍ قد يزِيد فِي الْقُوَّة زِيَادَة مَا وَإِن قلت ويتلوه السكنجبين العسلي فَهُوَ أغْلظ وأغذى وَأقوى تقطيعاً وجلاء وَلَيْسَ فِيهِ من التسخين ومضرّة الأحشاء الحارة مَا فِي الْعَسَل. وَأما الْآن فَإِن عسل الْقصب وَهُوَ السكر خصوصاٌ المنقّى أفضل من عسل النَّحْل وَإِن كَانَ
(3/36)

جلاؤه أقل من جلاء الْعَسَل وَكَذَلِكَ السكنجبين السكّري وَلَكِن الِاقْتِصَار على السكنجبين رُبمَا أورث سحجاٌ وَهَذَا مخوف فِي الْأَمْرَاض الحادة وَنحن نجْعَل لسقي مَاء الشّعير والسكنجبين كلَاما مُفردا وتلطيف التَّدْبِير يَقْتَضِيهِ طبع مَادَّة الْمَرَض وتمكين الطبيعة من إنضاجها وتحليلها واستفراغها وَأولى الْأَوْقَات بالتلطيف الْمُنْتَهى فهنالك يشْتَد اشْتِغَال الطبيعة بِقِتَال الْمَادَّة فَلَا يَنْبَغِي أَن تشغل عَنْهَا بِشَيْء آخر وخصوصاً عِنْد البحران وَأما قبل ذَلِك فَإِن الْقِتَال لَا يكون استحكم وَمِمَّا يَقْتَضِي التلطيف أَن يكون إِلَى فصد أَو إِطْلَاق بطن وحقنة أَو تسكين وجع حَاجَة فَحِينَئِذٍ يجب أَن يفرغ من قَضَاء تِلْكَ الْحَاجة ثمَّ يغذَى إِن وَجب الْغذَاء وَلم يكن مَانع آخر وتغليظ التَّدْبِير تَقْتَضِيه الْقُوَّة وَأولى الْأَوْقَات بالتغليظ الْوَقْت الَّذِي لَا تكون الْقُوَّة مشتغلة فِيهِ جدا بالمادة وَهُوَ أَوَائِل الْعلَّة وَيجب أَن يتدارك ضَرَر التَّغْلِيظ بِالتَّفْرِيقِ فَإِنَّهُ أَيْضا أخف على الْقُوَّة والصيف لتحليله يحوج إِلَى زِيَادَة تغذية وتفريق فَإِن الْقُوَّة لَا تفي بهضم الْكثير دفْعَة وَلِأَن التَّحْلِيل فِيهِ بالتفاريق فَيجب أَن يكون الْبَدَل بالتفاريق. وَفِي الشتَاء الْأَمر بِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ لقلَّة تَحْلِيله لَا يحوج إِلَى بدل كثير ثمَّ إِن أعطي الْبَدَل دفْعَة كَانَت الْقُوَّة وافية بِهِ فَفَزِعت عَنهُ دفْعَة والخريف زمَان رَدِيء وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَن يتلطف فِيهِ بَين حفظ الْقُوَّة وَبَين قهر الْمَادَّة والتفريق قَلِيلا قَلِيلا أولى فِيهِ وَبِالْجُمْلَةِ التَّفْرِيق مَعَ ضعف الْقُوَّة أولى. وَاعْلَم أَنه لَوْلَا تقاضي الْقُوَّة لَكَانَ الأوجب أَن يلطف الْغذَاء أبلغ تلطيف لَكِن الْقُوَّة لَا تحْتَمل ذَلِك وتخور وَإِذا خارت لم ينفع علاج فَإِن المعالج كَمَا علمت هُوَ الْقُوَّة لَا الطَّبِيب أما الطَّبِيب فخادم يُوصل الْآلَات إِلَى الْقُوَّة وَإِذا تصورت هَذَا فَيجب أَن ينظر فَإِن كَانَت الْعلَّة حادة جدا وَذَلِكَ أَن يكون مُنْتَهَاهَا قَرِيبا وحدست أَن الْقُوَّة لَا تخور فِي مثل مُدَّة مَا بَين ابتدائها إِلَى مُنْتَهَاهَا خففت الشّغل على الْقُوَّة وسلطتها على الْمَادَّة وَلم تشغلها بالغذاء الكثيف بل لطفت التَّدْبِير وَلَو بترك الطَّعَام أصلا وخصوصاً فِي يَوْم البحران. وَإِن رَأَيْت الْمَرَض حاداً لَيْسَ جدا بل حاداً مُطلقًا فَيجب أَن يلطف لَا فِي الْغَايَة إِلَّا عِنْد الْمُنْتَهى وَفِي يَوْم البحران خَاصَّة إِلَّا بِسَبَب عَظِيم وَإِن رَأَيْت الْمَرَض مزمناً أَو قَرِيبا منَ المزمن لم تلطف التَّدْبِير فَإِن الْقُوَّة لَا تسلم إِلَى الْمُنْتَهى مَعَ تلطيف التَّدْبِير لكنه يلزمك مَعَ ذَلِك فِي جَمِيع الْأَصْنَاف أَن يكون أول تدبيرك أغْلظ وَآخر تدبيرك الموافي للمنتهى ألطف وتتدرّج فِيمَا بَين ذَلِك حَتَّى تكون الْقُوَّة مَحْفُوظَة إِلَى قرب الْمُنْتَهى فهناك ترسل على الْمَادَّة وَلَا تشغل بغَيْرهَا. وَإِذا علمت أَن الْقُوَّة قَوِيَّة فِي بِمَا أوجب الْحَال أَن يقْتَصر على الْجلاب وَنَحْوه وَلَو أسبوعاً وخصوصاً فِي حمّيات الأورام فَإِن خفت ضعفا اقتصرت على مَاء الشّعير وَإِذا أشكل عَلَيْك الْحَال فِي الْمَرَض فَلم تعرفه فَلِأَن تميل إِلَى التلطيف أولى من أَن تميل إِلَى الزِّيَادَة مَعَ مراعاتك للقوة وَالِاحْتِمَال. وَالَّذِي زعم أَن التغذية والتقوية فِي الْمَرَض
(3/37)

الحاد أولى لِأَنَّهُ لَا معِين للنضج وَفِي يدك الاستفراغ مَتى شِئْت فعلته الطبيعة أَو لم تفعل فقد عرفناك خطأه بل إِذا خفت سُقُوط الْقُوَّة فالتغذية أولى وَمن الْأَبدَان أبدان مرارية تَقْتَضِي تدبيراً مُخَالفا لما قُلْنَا وخصوصاً إِذا كَانَت مُعْتَادَة للْأَكْل الْكثير فَإِنَّهُم إِذا لم يغذوا وَلَو فِي نفس ابْتِدَاء الْحمى بل فِي أصعب مِنْهُ وَهُوَ وَقت الْمُنْتَهى لم يخل حَالهم من أَمريْن لأَنهم إِن كَانُوا ضِعَاف القوى غشي عَلَيْهِم فماتوا قَرِيبا وَإِن كَانُوا أقوياء وَقَعُوا فِي الذبول وَظَهَرت عَلَيْهِم عَلَامَات الذبول من استدقاق الْأنف وغور الْعين ولطوء الصدع وَرُبمَا غشي عَلَيْهِم قبل ذَلِك لما ينصب إِلَى معدهم من المرار اللاذع. وَمن النَّاس من هُوَ موفور اللَّحْم لكنه إِذا انْقَطع عَنهُ الْغذَاء ضعف وهزل فَلَا يحْتَمل منع الْغذَاء وكل من حرارته الغريزية قَوِيَّة جدا كَثِيرَة أَو حرارته الغريزية ضَعِيفَة جدا قَليلَة فَلَا يصبر على ترك الْغذَاء. وَمِنْهُم من يُصِيبهُ وجع وألم فِي معدته وصداع بالمشاركة وَهَؤُلَاء من هُنَا الْقَبِيل وَهَؤُلَاء رُبمَا اقتنعوا بِمَاء الشّعير وَرُبمَا احتاجوا أَن يخلطوا بِهِ عصارة الرُّمَّان وَنَحْو ذَلِك ليقوي فَم الْمعدة وَرُبمَا احتجت أَن تقيئه بالرفق قبل الطَّعَام وَكثير من هَؤُلَاءِ إِذا ضعفوا وَكَاد يغشى عَلَيْهِم فالسبب لَيْسَ شدَّة الضعْف بل انصباب المرار إِلَى فَم الْمعدة. فَإِذا سقوا سكنجبيناً ممزوجاً بِمَاء حَار كثيرا وَشَرَابًا ممزوجاً بِمَاء كثير قذف فِي الْقَذْف أخلاطاً َ صفراوية واستوت قوته فَإِذا تطعم شَيْئا من الربوب القوابض سكن والمشايخ والضعفاء وَالصبيان من قبيل من لَا يصبر على الْجُوع. وَأما الكهول فهم شديدو الصَّبْر ويليهم الشبَّان وخصوصاً المتلززو الْأَعْضَاء الواسعو الْعُرُوق فِي الْهَوَاء الْبَارِد وَكَثِيرًا مَا يُخطئ الْأَطِبَّاء فِي أَمْثَال هَؤُلَاءِ المرضى من وَجه آخر وَذَلِكَ لأَنهم يمنعونهم الْغذَاء فِي أول الْأَمر فَإِذا شارفوا الْمُنْتَهى وَعَلمُوا أَن الْقُوَّة تسْقط غذوه فِي ذَلِك الْوَقْت ضَرُورَة فيكونون قد أخطأوا من جِهَتَيْنِ وَلَو أَنهم غذوه فِي الِابْتِدَاء وَكَانَ دلك خطأ وغلطاً كَانَ غَلطا دون هَذَا الْغَلَط ويعرض لأولئك المرضى أَن يصيبهم نزلات فجة ومرارية وسهر لإقلاق عدم النضج ويتقلقلون ويتململون ويهدون وتضغط الْموَاد قواهم وتكثر بخاراتهم فيسمعون مَا لَيْسَ ويتقلبون فِي الْفراش ويتخيل لَهُم مَا لَيْسَ وترتعش وتختلج شفاههم السفلانية لوجع فَم الْمعدة وتحزن نُفُوسهم لثقل الْمعدة. فصل فِي القانون فِي سقِِي السكنجبين وَمَاء الشّعير إِن مَاء الشّعير مِنْهُ مَا لَيْسَ فِيهِ من جرم الشّعير إِلَّا كالقوة وَالصُّورَة وَإِنَّمَا يكون لَهُ مدْخل فِي العلاج ومطمع فِي النَّفْع إِذا كَانَ قد استوفى الطَّبْخ وأجوده أَن يكون المَاء قدر عشْرين سكرجة. وَالشعِير سكرجة وَاحِدَة وَقد رَجَعَ إِلَى قريب من الْخمسين وَيُؤْخَذ الْأَحْمَر
(3/38)

الرَّقِيق مِنْهُ فَهَذَا هُوَ الرَّقِيق الني غذاؤه أقل وترطيبه كثير وغسله وإخراجه الفضول وإنضاجه كثير معتدل وَمِنْه مَا فِيهِ شَيْء من جرم الشّعير ودقيقه والأحب إِلَى فِي مثل هَذَا أَن لَا يكون كثير الطَّبْخ جدا بل يكون طبخه بِقدر مَا يسلبه النفخ وَلَا يبلغ أَن يلزجه شَدِيدا وَمثل هَذَا أَكثر غذَاء وَأَقل غسلا وإنضاجاً ويعرض لَهُ كثيرا أَن يحمض فِي الْمعدة الْبَارِدَة فِي جوهرها. وَإِن كَانَ بهَا حر غَرِيب من بَاب سوء المزاج كثير وَمَاء الشّعير قد يكون مطبوخاً من الشّعير بقشره وَقد يكون مقشراً وأجود السكنجبين عِنْدِي الَّذِي يسوًى السكر فِيهِ فِي الْقدر ثمَّ يصب عَلَيْهِ من الْخلّ الثقيف خل الْخمر قدر مَا لَا يَعْلُو متون السكر بل يَتْرُكهَا مكشوفة ثمَّ يَجْعَل تَحت الْقدر جمر هادئ أَو رماد حَار حَتَّى يذوب السكر فِي الْخلّ بِغَيْر غليان ثمَّ تلقط الرغوة وَيتْرك سَاعَة وَلَا تكْثر الْحَرَارَة حَتَّى يمتزج السكر والخل ثمَّ يصت عَلَيْهِ المَاء قدر أصبعين ويغلى إِلَى القوام وَالْجمع بَين السكنجبين وَمَاء الشّعير مَعًا مكرب مُفسد فِي الْأَكْثَر لماء الشّعير وَلَا يجب أَن يسقى مَاء الشّعير على يبس الطبيعة بل يحقن قبلهَا فَإِن حمض فِي الْمعدة سقِِي الأرق مِنْهُ فَإِن حمض طبخ مَعَه أصل الكرفس وَنَحْوه فَإِن حمض أَيْضا فَلَا بُد من مزج شَيْء من الفلفل بِهِ خُصُوصا إِذا لم تكن الْمَادَّة شَدِيدَة الرقة والحرارة وَإِذا كثر نَفعهَا فقد يمزج بِهِ للمحرورين قَلِيل خل خمر وَلَكِن إِذا سقِِي السكنجبين بكرَة فَقطع الأخلاط وهيأ الفضول للدَّفْع اتبع بعد ساعتين مَاء الكشك الرَّقِيق الْمَذْكُور أَولا ليغسل مَا قطعه ويجلوه ويخرجه بعرق وإدرار وَلَا ضير إِن سقِِي السكتجبين عِنْد الْعشي وَقد فَارق الْغذَاء الْمعدة وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى تَقْدِيم الْجلاب على مَاء الشّعير ليزِيد فِي الترطيب. وَذَلِكَ إِذا رَأَيْت يبساً غَالِبا على الْبدن وَاللِّسَان وَرُبمَا احْتِيجَ أَن يقدم قبلهمَا لتليين الطبيعة شَيْئا من مَاء التَّمْر الْهِنْدِيّ كل ذَلِك بساعتين. فصل فِي المعالجات وأولاً فِي معالجات الحميات الحادّة أما مَا قيل من تَدْبِير التليين والإدرار والتعريق والإنضاج ثمَّ الاستفراغ بالدواء من بعد ذَلِك وَمَا قيل فِي التغذية من ذَلِك فَذَلِك مِمَّا يجب أَن تتذكره هَهُنَا. وَأما وُجُوه تطفئة شدَّة الْحَرَارَة فَتكون بتبريد الْهَوَاء وتبريد الْغذَاء والأطلية والضمادات وبالأدوية بإمساك مثل لعاب بزرقطونا ولعاب حب السفرجل وعصارة بقلة الحمقاء وَرب السوس فِي الْفَم ليسكن الْعَطش فَإِن تّعاهد حلق صَاحب الْمَرَض الحاد ليبقى رطبا وَلَا يجِف من الْمُهِمَّات النافعة جدا وَرُبمَا انتفعوا بِاسْتِعْمَال الحقن المتخذة من عصارة الْبِطِّيخ الْهِنْدِيّ والقثاء والقرع والحمقاء بدهن الْورْد مَعَ شَيْء من الكافور انتفاعاً عَظِيما فَيجب أَن يكون الْهَوَاء مبرداً مَا أمكن وتبريده يمْنَع الزحمة وبتعليق المراوح الْكَثِيرَة وينضد الجمد الْكثير وَإِن كَانَ بَيْتا قريب الْعَهْد بالتطيين بالطين الْحر وخصوصاً الَّذِي يَجْعَل فِيهِ مَكَان التِّبْن قطن البردي فَهُوَ أَجود وَإِذا انصبّت فِيهِ الفوارات الرشاشات وسال فِيهِ مَاء عذب أَو كَانَ المضجع على بركَة مغطاة بشباك وَكَانَ الْفرش الَّذِي ينَام عَلَيْهِ من الطَّبَرِيّ وَنَحْوه وَكَانَ سَائِر الْفرش من أَطْرَاف الْخلاف والسفرجل وَالريحَان المرشوش عَلَيْهِ مَاء الْورْد والتفاح والنيلوفر والورد والبنفسج وَقد وضعت أطباق فِيهَا فضوخات من فلق الْفَوَاكِه الطّيبَة
(3/39)

الرّيح الْبَارِدَة مثل التفاح والسفرجل وضروب من الكمثري الطّيب الرّيح مرشوشة بِمَاء الْورْد والنيلوفر وَالْخلاف مذروراً عَلَيْهَا الصندل والكافور وَقد قطر عَلَيْهَا شَيْء يسير من الشَّرَاب الْعطر فَهُوَ غَايَة مَا يكون فَهَذَا تَدْبِير الْهَوَاء. وَأما تَدْبِير الْغذَاء فَمَا قد علمت وَإِن أُرِيد مَعَ التبريد التليين فبماء القرع وَمَاء الْبِطِّيخ الْهِنْدِيّ خَاصَّة وَمَاء القثاء والقثد والخس بالخلّ غَايَة وَمِمَّا يصلح لتسكين عطشهم فقاع يتَّخذ من خبز السميذ بِمَاء الْجُبْن الْمُتَّخذ من الدوغ بعد تصفية شَدِيدَة وَإِن أُرِيد مَعَ التبريد الْحَبْس فعصارة الرُّمَّان المز والحامض مَاء الحصرم وَمَاء التوت الشَّامي وَمَاء حماض الليمون الْغَيْر المملوح وَمَاء حماض الأترج وَمَا أشبه ذَلِك وَمَاء الزرشك أَي الأمبر باريس. وَأما الأطلية والضمادات فَمن العصارات الْمَعْلُومَة وخصوصاً مَاء الْورْد أَو عصارة الْورْد الطري بالصندل والكافور ولماء الكزبرة والهندبا مَعَ هَذَا تبريد كثير ولعاب بزر قطونا بالخلّ وَمَاء الْورْد من هَذَا الْقَبِيل وتنطيل الكبد بالمبردات أعظم شَيْء وأنفعه فَإِنَّهُ إِذا اعتدل كَانَ فِيهِ جلّ الصّلاح وَرُبمَا صلح المَاء وَإِذا كَانَت هُنَاكَ نزلة وسعال أَو فِي رَأسه ثقل أَو تمدد يدل على كَثْرَة البخارات فَيجب أَن لَا يصب على الرَّأْس مَاء أَو خل بل يشغل بالإكباب على بخار الْمِيَاه بِحَسب مَا يُوجِبهُ الْحَال فَإِن لم تكن نزلة وَلَا شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ فَاسْتعْمل من النطولات والطلاء مَا شِئْت وأضرّ نطول فِي مثل حَال امتلاء الرَّأْس حلب اللَّبن على الرَّأْس فَإِنَّهُ رُبمَا أحدث ورماً فِي الرَّأْس وَأهْلك وَأسلم أَوْقَات تنطيل الرَّأْس مَعَ امتلائه أَن يكون البخار مرارياً لَيْسَ برطب بل فِي مثل هَذَا الْوَقْت رُبمَا لم يضر بل نفع ويتعرف من حَال النّوم والسهر ورطوبة الخيشوم ويبسه. وَإِذا رَأَيْت حمرَة فِي الْأنف وَالْوَجْه شَدِيدَة فَلَا بَأْس بِأَن يسيل الدَّم من المنخرين وَبرد الكبد بالأضمدة وَإِذا برّدت فإياك أَن تصادف بالتبريد الشَّديد وَقت التعرق والتحلل بل يجب أَن تراعي ذَلِك فَرُبمَا صَار السَّبَب فِي طول الْعلَّة على أَنه رُبمَا كَانَ طول الْعلَّة أسلم من حِدته وَيجب أَن يحذر فِي الحميات الحادة وُقُوع السحج فَإِنَّهُ يزِيد فِي ضعف الْقُوَّة وتشمئز الطبيعة عَن قبُول الْفضل إِلَى الأمعاء وَدفعهَا عَنْهَا إِلَّا بِغَلَبَة من الفضول وَرُبمَا رجعت الفضول إِلَى الأعالي فآلمت الشراسيف ونفخت فِيهَا وآلمت الرَّأْس وَرُبمَا كَانَ لشراب الخشخاش موقع عَجِيب فِي تخثير الْمَادَّة الرقيقة فتنضج وَفِي التنويم. فصل فِي ذكر أَعْرَاض تصعب فِي الحميات الحادة نتكلم أَولا فِي الْأَعْرَاض الَّتِي تشتد فِي الحمّيات وَفِي علاجاتها ثمَّ نشرع فِي تَفْصِيل الحميات الحادة وَهَذِه الْأَعْرَاض مثل النافض وَالْبرد والقشعريرة وَمثل الْعرق الْكثير وَمثل الرعاف المفرط وَمثل الْقَيْء العنيف والإسهال المضعف وَمثل الْعَطش الَّذِي لَا يُطَاق وَمثل السبات
(3/40)

الْكثير وَمثل الأرق اللَّازِم وَمثل خشونة اللِّسَان وقحل الْفَم وَمثل العطاس الْملح والصداع الصعب والسعال الْمُتَوَاتر وَمثل سُقُوط الشَّهْوَة والبوليموس وَمثل الشَّهْوَة الْكَلْبِيَّة والرديئة والفواق. فصل فِي تَدْبِير النافض والقشعريرة وَالْبرد إِذا أفرطت مَا كَانَ من ذَلِك تَابعا للعرق فَإِنَّهُ يصلح سَرِيعا وَلَا يحْتَاج إِلَى تَدْبِير والبحراني لَا يجب أَن يُعَارض بِالدفع وَلَا هُوَ مِمَّا يضعف وَغير ذَلِك وَرُبمَا سكنه ربط الْأَطْرَاف والدلك الرَّقِيق وسخين الدثار والتمريخ بدهن الشبث أَو البابونج إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ وَأما الْقوي إِذا دَامَ كَانَ فِي الحميات أَو فِي غَيرهَا فَيجب أَن ترْبط الْأَطْرَاف فِي مَوَاضِع كَثِيرَة وتمرخ بحصن البابونج وأصل السوسن وَمن النَّاس من يُقَوي ذَلِك بِمثل القاقلة والجندبيدستر والسذاب والشيح والفوذنج والبورق والفلفل والعاقر قرحا وَرُبمَا جَاوز ذَلِك إِلَى اسْتِعْمَال لطوخات الْخَرْدَل والحلتيت وَرُبمَا طبخت هَذِه الْأَدْوِيَة فِي مَاء ثمَّ طبخ فِيهِ دهن وَمَاء الجرجير قوي فِي هَذَا الْبَاب نَفسه وَحده أَو مَعَ دهن يطْبخ فِيهِ وَكَذَلِكَ طبيخ الحبق وماؤه. صفة دهن جيد: يُؤْخَذ شبث يَابِس وَمر وسذاب وفوذنج وفلفل وعاقرقرحا وتطبخ فِي شراب طبخاً نعما ثمَّ يطْبخ المصفّى فِي نصفه دهن السمسم إِلَى أَن يفنى المَاء وَيبقى الدّهن وَيسْتَعْمل مروخاً وَمن الأدهان القوية فِي مثل نافض الرّبع دهن الْقسْط ودهن الشيح ودهن القيصوم ودهن السوسن ودهن المرّ وَيجْعَل فِي أُوقِيَّة دهن وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم فلفل ودانق عاقرقرحا مسحوقاً وَيسْتَعْمل الأفسنتين مطبوخاً فِي الدّهن أَو الزَّيْت الْمَطْبُوخ فِيهِ الكرفس وَالدُّخُول فِي الزَّيْت الْحَار نَافِع جدا وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى مشروبات وَكَثِيرًا مَا يسكّنه شرب المَاء الْحَار الْكثير الحارة والإكباب على بخاره وَإِذا لم يسكن بذلك وَكَانَت الْمَادَّة أغْلظ طبخ فِي المَاء أنيسون وفوتنج وبزر الكرفس والمصطكي والجرجير والشبث وَنَحْوه وبخر بمياه طبخ فِيهَا مثل الشيح والقيصوم والفوذنج والشبث والأذخر والسذاب والمرزنجوش
(3/41)

والقسط والبزور الحارة وَجَمِيع الْأَدْوِيَة القوية الإدرار تسكن النافض. وَمن الْأَدْوِيَة المسكّنة للنافض الْعَظِيم فِي الرّبع وَنَحْوه أَن يشرب من الْقسْط مِثْقَال بِمَاء حَار وَمن الغاريقون مثله فِي مَاء حَار وللغاريقون مَنَافِع وَرُبمَا جعل مَعَه قَلِيل أفيون فنوّم وعرّق وَمنع شدَّة النافض وَغير ذَلِك. وَأَيْضًا من الايرسا مِقْدَار مِثْقَال فِي مَاء حَار وَأَيْضًا الابهل وزن مِثْقَال بِمَاء حَار أَو الفرطاساليون مِثْقَال بِمَاء حَار وَمن المركبات ترياق الْأَرْبَعَة وترياق عزْرَة والكموني والفوذنجي والفلافلي وشراب الْعَسَل مغلي فِيهِ مثل السذاب والحلتيت والعاقرقرحا والفلفل. وَهَذَا الْحبّ المجرب الَّذِي نَحن واصفوه يسقى قبل النافض بساعة والعليل مستوٍ على مرقده وهواؤه مسخن بالنَّار والدثر فيعدله أويمنعه. وَصفته: تُؤْخَذ ميعة وَمر وأفيون وجاوشير وفلفل من كل وَاحِد جُزْء يعجن بالسمن والشربة مِنْهُ مِقْدَار باقلات. وَأَيْضًا: يُؤْخَذ الجاوشير والجندبيدستر والدوقو والحلتيت والعاقرقرحا والأفيون أَجزَاء سَوَاء يعْمل بِهِ كَمَا عمل بِالْأولِ. نُسْخَة أُخْرَى جَيِّدَة: يُؤْخَذ من الجاوشير والسكبينج والأنجذان وكمون كرماني وبزر الكرفس والفلفل من كل وَاحِد ثقال وَنصف بزر البنج وزعفران وزراوند وجندبيدستر وفربيون ومرّ ونانخواه وزنجبيل من كل وَاحِد دانقين بزر الحرمل وعاقرقرحاً من كل وَاحِد مِثْقَال يعجن بِعَسَل والشربة مِنْهُ مثل بَعرَة أَو بندقة بِمَاء حَار جدا وَرُبمَا احْتِيجَ فِي إِلَى سقِِي الشَّرَاب المسخّن والأغذية المسخنة وَإِلَى الإسهال بِمثل الأيارج والسفرجلي والتمري بل إِذا كَانَ النافض متعباً وخصوصاً بِلَا حمى سقيت حبّ المنتن فَإِنَّهُ شفاؤه. البحراني لَا يجب أَن يحبس مَا أمكن فَإِذا وَقعت الضَّرُورَة وَجَاوَزَ الحدّ فَيجب أَن يروح ويبرد الْموضع فَإِن لم يغن فَيجب أَن يرجح فِي مَوضِع بَارِد وَلَا يجب أَن يشْتَغل بنشف مَا تندّى نشفاً بعد نشف فَذَلِك سَبَب لإدراره وتكثيره وَرُبمَا جلب الغشي. فَإِن مَسحه يزِيد فِيهِ وَتَركه يحْبسهُ وَيجب أَن يمرخ الْبدن بدهن الْورْد الْقوي وبدهن الآس بدهن الْخلاف وبدهن الجلنار أَو يتَّخذ دهن من مياه طبخ فِيهَا السفرجل العفص التفاح العفص والورد الجلنار وَنَحْوه ويصفى ويطبخ فِيهَا الدّهن على مَا تعلمه وَقد يذر حب الآس المدقوق
(3/42)

والجلّنار والكهرباء وَنَحْوه مسحوقاً كالهباء فَيحْبس وَرُبمَا كبس الْخلّ الممزوج بِالْمَاءِ وعصارة الحصرم وطبيخ الجلنار وطبيخ العفص وطبيخ الآس وعصارة الْخلاف عَجِيبَة وَكَذَا مَاء حَيّ الْعَالم وَإِذا اشتدّ الْأَمر طلي بالألعبة الْبَارِدَة وبالصمغ وخصوصاً إِذا جعل فِي أَمْثَال هَذِه صندل وكافور وخصوصاً إِذا صندل بِهَذَيْنِ وروح وَإِذا اشْتَدَّ الْأَمر وَجب أَن يوضع الثَّلج على الْأَطْرَاف وَيدخل فِيهِ الْأَطْرَاف أَو يستحم بِمَاء بَارِد إِن صَبر عَلَيْهِ. فصل فِي تَدْبِير الرعاف المفرط يجب أَن لَا يُبَادر إِلَى منع البحراني مِنْهُ مَا أمكن وَإِذا وَجب منع الرعاف فِي الحميات الحادة رطبت الأطرافَ وَوضعت المحجمة على الْجَانِب الَّذِي يَلِي المنخر الراعف ثمَّ اتبع بتبريد ذَلِك الْموضع وَمَا أمكنك أَن تبرده فتحبس بِهِ فَلَا تضع المحاجم وقطر فِي الْأنف بعض القطورات الْمَذْكُورَة فِي بَاب الرعاف وَإِذا لم يكن مَانع فبرد الرَّأْس بالمبردات الْمَذْكُورَة فِيهِ وَقد يُصِيب أَصْحَاب الرّبع رُعَاف فتحتاج أَن تعين بالمرعفات الْمَعْلُومَة فَإِن فِيهِ شِفَاء الرّبع فَإِن خفنا الإفراط فعلنَا مثل مَا فَعَلْنَاهُ وَأَنت تعلم جَمِيع ذَلِك. فصل فِي تَدْبِير الْقَيْء الَّذِي يعرض لَهُم بالإفراط البحراني أَيْضا لَا يقطع إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَفِي بعض الْأَوْقَات يقطع قيئهم وغثيانهم بالقيء وبمعونة مَا يسْتَخْرج بِهِ الْخَلْط المؤذي مثل السكنجبين الساذج وَالْمَاء الْحَار وَرُبمَا احْتِيجَ أَن يقوَى فَيجْعَل بدل السكنجبين الساذج السكنجبين الْبزورِي. فَإِن كَانَ الْخَلْط متشرباً وغليظاً فيصلح أَن يسهلوا بِمثل الصَّبْر والأيارج وَإِذا لم يكن متشرّباً فَرُبمَا نفع الأيارج وَالصَّبْر. وَإِن كَانَ متشرّباً غير غليظ كَفاهُ السكنجبين بِالْمَاءِ الْحَار ثمَّ يعدله بعد ذَلِك مَاء الرمانين يشرب فَإِن قاءه شرب مرّة أُخْرَى حَتَّى يعتدل ويهدأ وَكَذَا شراب النعناع بحب الرُّمَّان وَرُبمَا سكنه تبريد الْمعدة وَلَا يجب أَن يقرب الْأَشْيَاء العفصة والمسكنة للقيء بعفوصتها وحموضتها القابضة المتشرب فَإِنَّهُ رَدِيء يزِيدهُ تشرباً وَأما غير المتشرب فَرُبمَا قذفه وَإِن كَانَ غليظاً إِلَى أَسْفَل وَرُبمَا قوى الْمعدة على قذفه من فَوق فَأَما إِذا دَامَ الْقَذْف من الصَّفْرَاء وَلم يكن من قبيل المتشرب فاستعمال القوابض وخصوصاً أضمدة نَافِع مثل: ضماد يتَّخذ من قشور الرُّمَّان والعفص وَنَحْوهمَا بشراب ممزوج أَو بخل ممزوج ولقذف السَّوْدَاء المفرط يغمس إسفنج فِي خلّ وَيُوضَع على الْمعدة فَإِن احْتِيجَ إِلَى أقوى اسْتعْملت الْأَدْوِيَة الْمَذْكُورَة فِي بَاب حبس الْقَيْء.
(3/43)

فصل فِي تَدْبِير الإسهال الَّذِي يعرض لَهُم قد أفردنا فِي بَاب الإسهال كلَاما فِي هَذَا الْغَرَض فَلْتَرْجِعْ إِلَيْهِ وَمِمَّا ينفع من طَرِيق الأغذية الماش المقلو والعدس المقلو والكسفرة أَيهمَا كَانَ بعد السلق وصبّ المَاء عَنهُ وخصوصاً إِذا حمضا بحبّ الرُّمَّان. فصل فِي تَدْبِير عدشهم المفرط يجب أَن يدهن الرَّأْس بدهن بَارِد مبرد جدا يصب عَلَيْهِ وَيُوضَع على الرَّأْس إِن لم يكن مَانع وبالمياه المبردة وإمساك لعاب حب السفرجل مخلوطاً بدهن الْورْد الْبَالِغ أَو نَقِيع الإجاص ولبوب القثاء والقند والقرع وبزر الخشخاش الْأسود وأصل السوسن وَالْحب الْمَكْتُوب فِي القراباذين للعطش وَمن المضوغات والمصوصات التَّمْر الْهِنْدِيّ والعطش قد يكون من اليبس فيقطعه النّوم وَقد يكون من الْحر فيقطعه السهر. فصل فِي السباب الَّذِي يعرض لَهُم يجب أَن يُؤْخَذ عَن سباته بِالْحَدِيثِ وَنَحْوه من الْأَصْوَات وتربط أعضاؤه السافلة ربطاً مؤلماً يقدر عَلَيْهِ إِن لم يكن مَانع وَيحمل شيافة لَطِيفَة إِن كَانَت الطبيعة معتقلة وَفِي أَوْقَات الرَّاحَة أَو فَتْرَة اللُّزُوم يحجم مَا بَين الْكَتِفَيْنِ والقفا. فصل فِي تَدْبِير ثقل رؤوسهم يجب أَن يجْتَنب حلب اللَّبن على رؤوسهم أَو صب دهن عَلَيْهِ أَو نطول أَو سعوط بل اقْتصر على التبخيرات بالنطولات البابونجية وفيهَا بنفسخ ونخالة وَنَحْو ذَلِك. فصل فِي أرق أَصْحَاب الحمَيات وَغَيرهم أما دهن الخشخاش واستنشاقه مَعَ دهن بزر الخس ودهن النيلوفر والقرع وإلصاق شَيْء من المخدرات الْمَشْهُورَة بالصدغ والإكباب على الأبخرة المرطبة وإشمام النيلوفر واللفاح والشاهسقرم المرشوش من بعيد والنطولات المرطبة فَأمر تعلمه وَكَذَلِكَ إِن لم يكن مَانع يسقى شراب الخشخاش ولعوقه ثمَّ يكثر بَين يَدَيْهِ السرج وَرفع الأدوات بِالْحَدِيثِ ويعصب أَطْرَافه عصباً يؤلم قليلأ بإناشيط تنْحَل بِسُرْعَة وتكلف التناوم وتغميض الْعين فَإِذا كرى يسيراَ أطفئت السرج وكفت الْأَصْوَات وأنشطت الأناشيط فَإِنَّهُ ينَام وَإِذا وجد خفا وسكوناَ من النّوبَة أَو من الشدَّة أدام كسل الْوَجْه بِمَاء طبخ فِيهِ الخشخاش الْأسود مَعَ. شَيْء من اليبروح أَصله وَإِن كَانَ هُنَاكَ خلط بورقي نفع المَاء الْمَطْبُوخ فِيهِ النمام وأكليل الْملك والأقحوان والخشخاش غسولاً للْوَجْه وإكبابأ على بخاره.
(3/44)

فصل فِي وجع الْجوف الَّذِي يعرض لَهُم يكون من إنصباب مراراَ إِلَى الْمعدة فَإِن عرض فِي ابْتِدَاء دور سقِِي قَلِيل شراب تفاح مَعَ سكنجبين. فصل فِي خشونة ألسنتهم أَو لزوجتها أما مَا يكون عَن اللزوجة فتحك بخيزران أَو بقضيب خلاف بدهن اللوز والطبرزد حَتَّى تنتقي أَو بإسفنج وَقَلِيل ملح. ودهن ورد فَإِن فِيهِ تَخْفِيفًا كثيراَ على العليل بعد ذَلِك. وَعند خشونته لَا عَن لزرجة بل عَن يبوسة فَيجب أَن يمسك فِي فَمه السبستان أَو نوى الإجاص أَو ملح يجلب من الْهِنْد هُوَ فِي لون الْملح وحلاوة الْعَسَل يُؤْخَذ مِنْهُ على مَا زعم أرخيجانس قدر باقلاة وَحب السفرجل مِمَّا يرطب اللِّسَان وَيمْنَع تقحله وَيجب أَن لَا يفغر كثيراَ وَلَا يستلقي نائماَ فَإِن هذَيْن يجففان اللِّسَان. فصل فِي العطاس الْملح الَّذِي يعرض لَهُم قد يعظم ضَرَر العطاس الْملح بهم فَإِنَّهُ يؤذيهم ريملأ رؤوسهم ويضعف قواهم وَرُبمَا أرعفهم وَيجب أَن يدلك مِنْهُم الْجَبْهَة وَالْعين وَالْأنف وتفتح أَفْوَاههم وتدلك أحناكهم بِشدَّة وتمدّد رؤوسهم ويقلبوا أَو تغمر أَطْرَافهم ويصمت فِي اَذانهم أدهان فاترة إِلَى حرارة يسيرَة ويرطب عضلهم وفكوكهم وَيُوضَع تَحت أقفائهم مرافق مسخنة وَلَا يوقظون عَن نومهم دفْعَة ويوقون الْغُبَار وَالدُّخَان وكل مَا فِي رَائِحَته حدّة ويشمّمون السويق وطين النجاح والأسفنج البحري. فصل فِي الصداع الَّذِي يعرض لَهُم ترْبط أَطْرَافهم وخصوصاً الْفَخْذ وتعصب وتدلك أَقْدَامهم ويحملون شيافة تجذب الْمَادَّة إِلَى أَسْفَل وتقوّى رؤوسهم بالمبرّدات الْمَعْلُومَة وَإِن لم يكن مَانع من نزلة أَو سعال نطلت رؤوسهم بطبيخ الْورْد والبنفسج وَالشعِير وورق الْخلاف وَنَحْو ذَلِك. وَكَذَلِكَ دهن الْورْد ودهن الْخلاف. وَإِذا لم يغن ذَلِك فأخلط بالنطولات المبرّدة مليّنات مثل البابونج ومخدّرات مثل الخشخاش. وَلَا يحلب اللَّبن إِلَّا عِنْد زَوَال الحمّى فَإِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة حلبت لبن ا - لماعز وَإِن كَانَت ضَعِيفَة حلبت لبن النِّسَاء. وَاحْذَرْ اللَّبن عِنْد الامتلاء الرطب البدني السباتي. وَكَذَلِكَ احذر جَمِيع المرطبات وَإِنَّمَا تسْتَعْمل المرطّبات حِين مَا يكون البخار دخانياً وَالرَّأْس يَابِس قَلِيل النّوم وَإِذا كثر الامتلاء فِي الرَّأْس من البخار الرطب فاجذبه إِلَى أَسْفَل بالشيافات والحقن وبشد الْأَعْضَاء السافلة حَتَّى الخصيتين. إِن السعال كثيرا مَا يعرض لَهُم من حرّ أَو يبس فَيجب أَن يمسكوا فِي أَفْوَاههم حب السعال واللعوقات كلعوق الخشخاش الْمُتَّخذ باللبوب الْبَارِدَة والنشاء وَنَحْوه.
(3/45)

ويستعملوا القيروطيات المبردة المرطّبة المتخذة من دهن الْورْد الْخَالِص وَمن لعاب بزر قطونا وعصارة الحمقاء وَنَحْو ذَلِك. فصل فِي بطلَان شهوتهم رُبمَا كَانَ سَببه خلطاً فِي فَم الْمعدة يعرف مِمَّا قد قيل فِي بطلَان الشَّهْوَة ويستفرغ بقيء أَو إِطْلَاق وَكَثِيرًا مَا يَنْتَفِعُونَ بِإِدْخَال الاصبع فِي الْحلق وتهييج الْمعدة وخصوصاً أذا قذفت شَيْئا مرياً أَو حامضاً. وَرُبمَا كَانَ من شدَّة ضعف فيعالج المزاج الَّذِي أوجبه بِمَا - علم وَيجب أَن يقرب إِلَيْهِم الروائح المنبهة للشهوة مثل: رَائِحَة السويق المبلول بِالْمَاءِ الْبَارِد أَو بِالْمَاءِ والخل ويعطون الجوارشن الْمَنْسُوب إِلَى المحمومين وَقَلِيل شراب - وبسلافات الْفَوَاكِه العفصة الطّيبَة الرَّائِحَة وَأَن يلعقوا شَيْئا من خل القرّيص وقريص السّمك أَو الجدي أَو نَحْو ذَلِك. وَيجْعَل على الْمعدة بعد الْأَيَّام الأول أضمدة متخذة من الْفَوَاكِه وفيهَا أفسنتين وصبر على مَا علمت وتمرخها بالأدهان الطّيبَة نَافِع. فصل فِي بوليموسهم يجب أَن يعالجوا بالمشمومات وبالطين النجاحي أَو الأرمني مبلولاً بخلّ ويشمموا المصوصات وَالْخبْز النقي الْحَار واللحوم المشوية وتشد أَطْرَافهم وتمدّ آذانهم وشعورهم وتقوى أدمغتهم بالنطولات المبردة المرطبة - فَإِن أَكثر بوليموسهم لبُطْلَان حس فَم الْمعدة بِسَبَب مُشَاركَة الشّعب الَّتِي تَأتيه بالحس. وَيكون الْبدن يَقْتَضِي وَيطْلب لَكِن الحسق لَا يتقاضى بِهِ. فصل فِي سَواد لسانهم يجب أَن لَا يتْرك على لسانهم السوَاد بل يحكّ بِمَا تَدْرِي وَإِلَّا صعد إِلَى الرَّأْس بخارات خبيثة فأوقعت فِي السرسام. وَأما شهوتهم الْكَلْبِيَّة فيعالجون بالدسومات الْبَارِدَة والحلاوات. فصل فِي الغشي الَّذِي يعرض لَهُم قد يعرض لَهُم الغشي فِي ابْتِدَاء الحمّيات لانصباب المرار إِلَى أَفْوَاه معدهم فَيجب أَن يُعْطوا قبل النّوبَة أَو عِنْد النّوبَة قِطْعَة خبز سميذ بِمَاء الرُّمَّان وَمَاء الحصرم. وَاعْلَم أَنا إِذا اجْتمع الغشي والحمى فالغشي أولى بالعلاج وَإِن أحْوج إِلَى الطَّعَام. فقليل خبز ممزوج بِثَلَاثَة دَرَاهِم شراب عَتيق وَإِلَّا شراب التفاح الْعَتِيق الَّذِي يحلّل فضوله. والفصد كثيرا مَا يزِيد فِي الغشي. والحقنة اللينة أوفق وَالْقَذْف نَافِع لَهُم وَشد السَّاقَيْن وَوضع الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ فِي مَاء حَار. وَكلما يفِيق فَمن الحزم أَن يطعمهُ سويق الشّعير مبرّد فيا حبّ الرُّمَّان فَإِنَّهُ نَافِع لَهُم.
(3/46)

فصل: فِي ضيق نفسهم. ضيق النَّفس يعرض لَهُم إِمَّا لتشنُّج ويبس يعرض لعضل النَّفس أَو لمادة خانقة تنزل إِلَى حُلُوقهمْ. وَأما لضعف يستولي على العصب الجائي إِلَى أَعْضَاء التنفس وَالْأول يعالج بالمراهم المرطبة وَالثَّانِي بِمَا يمْنَع الخوانيق وَالثَّالِث بتعديل مزاج الدِّمَاغ وتمريخ الْعُنُق بِمَا يبرّد ويرّطب وَبِمَا يوضع على الْمعدة أَيْضا من مثل جَرَادَة القرع والحمقا والصندل بدهن الْورْد وَنَحْوه. فصل فِي شدَّة كربهم إِذا كثر الكرب بِسَبَب فَم الْمعدة وَحُصُول خلط لاذع فِيهِ فبرّد معدتهم بِمَا علمت من الأغذية وَيجب أَن يروّحوا ويضجعوا فِي مَوضِع بِقرب حركات المَاء مفروش بالأطراف والأغصان الْبَارِدَة والرياحين الْبَارِدَة من النيلوفر والورد والنضوجات الْبَارِدَة المتخذة من الْفَوَاكِه العطرة الْبَارِدَة والصندل وَكَثِيرًا مَا يَنْفَعهُمْ من كربهم الحقن الْبَارِدَة المتخفة من مَاء القرع وَالْخيَار وعصارة الحمقا وَحي الْعَالم بدهن الْورْد. فصل فِي عسر الازدراد يعرض لَهُم إِن كَانَ عسر الازدراد يعرض لَهُم وَكَانَت الْحمى مطبقة فليفصد وَيخرج الدَّم قَلِيلا وليغذ للمعاودة بالخل والخس. إِن كَانَت الشَّهْوَة فِيهَا بعض الفتق والا فليقتصر على مَاء - الشّعير وليحذر الْمُعَامَلَة وَإِن كَانَ بِهِ إعتقال فالحمول والحقن خير من المسقل من فَوق بِكَثِير. كثيرا مَا تغور حرارتهم وتبرد أَطْرَافهم وتبخر الْحَرَارَة الغائرة إِلَى الرَّأْس فلتوضع الْأَطْرَاف فِي المَاء الْحَار وَلَا يشربن المَاء الْبَارِد فَهَذَا الْقدر كَاف فِي معالجاتهم. فصل كَلَام كلي فِي الْحمى الصفراوية الحميات الصفراوية ثَلَاث: غب دَائِرَة وغب لَازِمَة ومحرقة. فالغب الدائرة إِمَّا خَالِصَة وَتَكون عَن صفراء خَالِصَة. وَإِمَّا غير خَالِصَة وَتَكون عَن عفونة صفراء غَلِيظَة الْجَوْهَر لاختلاط صفراء مَعَ بلغم اختلاطاً مازجاً موحداً وَبِذَلِك يُخَالف شطر الغبّ إِذْ كَانَ شطر الغب يُوجِبهُ مادتان متمايزتان وَهَذَا يُوجِبهُ مَادَّة وَاحِدَة هِيَ فِي نَفسهَا ممزوجة يمتزج بخارها بِشَيْء من الْبَارِد يثقل عفونته! وانحلاله ونضجه. فَلذَلِك يكون لشطر الغب نوبتان. وللغب الْغَيْر الْخَالِصَة نوبَة وَاحِدَة وَهَذِه الْغَيْر الْخَالِصَة رُبمَا طَالَتْ مُدَّة طَوِيلَة وقريباً من نصف سنة وَرُبمَا أدَّت إِلَى الترهل وَإِلَى عظم الطحال. وَأما المحرقة فمانها من جنس اللَّازِمَة إِلَّا أَن تفَاوت اشتدادها وفتورها غير محسوس وأعراضها شَدِيدَة وَالسَّبَب حمة الْمَادَّة وَكَثْرَتهَا إِذْ وُقُوعهَا بِقرب الْقلب.
(3/47)

وَفِي عروق فَم الْمعدة أَو فِي نواحي الكبد خَاصَّة وَبِالْجُمْلَةِ الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة المقاربة للقلب. وَأما فِي الغب فَإِن الصَّفْرَاء تكون فِي اللَّحْم وَإِلَى الْجلد وَفِي الدائمة تكون مبثوثة فِي عروق الْبدن الَّتِي تبعد عَن الْقلب. وَشدَّة الْعَطش وَالْكرب والقلق والأرق والهذيان والغثيان ومرارة الْفَم وتبثر الشفاه وتشققها والصداع يكثر فِي الحميات الصفراوية وَتَكون الطبيعة فِي أَكْثَرهَا إِلَى اليبوسة لِأَن الْمَادَّة إِمَّا متحركة إِلَى الأعالي وَإِمَّا إِلَى ظَاهر الْبدن وَالْجَلد. فصل فِي الغبً مُطلقًا وَيُسمى طريطاوس نوبَة الغبً تَأْخُذ أَولا بقشعريرة ونخس كنخس إبر ثمَّ تبرد وَتَأْخُذ فِي نافض صَعب جدا أَشد من سَائِر النوافض غير بَارِد أَو قَلِيل الْبرد وَلَيْسَ برده إِلَّا لغور الْحَرَارَة إِلَى الْبَاطِن نَحْو الْمَادَّة ويجد كنخس الإبر. وَهَذَا النافض مَعَ شدته سريع السّكُون والسخونة وَقد علمت سَبَب مثل هَذَا النافض. وَيكون النافض فِيهِ فِي الْأَيَّام الأول أقوى وأشدّ وَفِي الرّبع بِخِلَافِهِ. وأيضآ فَإِن النافض يبتدىء بِقُوَّة ثمَّ يلين قَلِيلا قَلِيلا وينقضي بِسُرْعَة وَفِي الرّبع بخلافة. والعرق يكثر فِي الغبّ عِنْد التّرْك وَيكون الْبَوْل فِيهِ أَحْمَر إِلَى نارية لَا كثير غلظ فِيهِ أَو تكون غير خَالِصَة فَيكون بَوْله فجاً أَو غليظاً. وحرارة الغب أسلم من حرارة المحرقة. وَالْيَد كلما طَال لمسها للبدن لم يَزْدَدْ التهاباً بل رُبمَا نقص التهابها وَفِي المحرقة يزْدَاد التهابها والعوارض الَّتِي تعرض فِي الغب السهر بِلَا ثقل فِي الرَّأْس إِلَّا فِي بعض غير الْخَالِصَة والعطش والضجر وَالْغَضَب وبغض الْكَلَام. وَيكون النبض حاداً سَرِيعا بِالْقِيَاسِ إِلَى نبض سَائِر الحمّيات وَلَا يكون مستوي الانقباض وَالِاخْتِلَاف فِيهِ دون مَا فِي سَائِر الحميات الخلطية وَأَقل مِمَّا فِي غَيره مَعَ صلابته. وَيكون النبض أقوى فِيهِ بل لَا اخْتِلَاف فِيهِ فِي الْأَكْثَر إلاّ الِاخْتِلَاف الْخَاص بالحمّى من دون غَيره وَفِي الِابْتِدَاء لَا بُد من تضاغط النبض إِلَى وَقت انبساط الحمّى ثمَّ يقوّى ويسرع ويتواتر وَيكون اختلافه لَيْسَ بذلك المفرط وَقد يدل عَلَيْهِ السن وَالْعَادَة والبلد والحرفة والسحنة والفصل وَكَثْرَة وُقُوع الغب فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِذا تركبت غبّان كَانَت النوائب عَائِدَة كل يَوْم فَمن رَاعى الغبّ بالنوبة غلط فِيهِ بل يجب أَن يُرَاعى الدَّلَائِل الأخري والنوائب تؤكدها وَأَصْحَاب الغب قد يعرض لَهُم سهر وَحب خلْوَة وَكَثِيرًا مَا يحسون بغليان عِنْد الكبد. الْفرق بَين الغب الْخَالِصَة وَغير الْخَالِصَة: الْخَالِصَة لَطِيفَة خَفِيفَة تَنْقَضِي نوبتها من أرج سَاعَات إِلَى إثنتي عشرهّ سَاعَة لَا تزيد عَلَيْهَا كثيرا فَإِن زَادَت كَثِيرَة فَهِيَ غير خَالِصَة
(3/48)

وَهِي فِي الاكثر إِلَى سبع سَاعَات ويسخن فِيهَا الْبدن بِسُرْعَة وَترى الْحَرَارَة تنبعث من الْبدن والأطراف بعد بَارِدَة. وَكَذَلِكَ الْخَالِصَة لَا تزيد إِذا لم يَقع غلط على سَبْعَة أدوار وَرُبمَا أنقضت للطافة مادّتها فِي نوبَة وَاحِدَة يَقع فِيهَا قيء أَو إسهال منقّ وَيظْهر النضج فِي الْبَوْل أَو فِي أول يَوْم أَو فِي الثَّالِث أَو فِي الرَّابِع أَو فِي السَّابِع فَإِن زَادَت على سَبْعَة أدوار زِيَادَة كَثِيرَة فَهِيَ من جملَة الْغَيْر الْخَالِصَة وَكَذَلِكَ إِن طَالَتْ مُدَّة نافضها. وَتَكون تزيد نوائبها ويقدّم نفضها على نمط مَحْفُوظ النّسَب وَكَذَلِكَ إِذا تشابهت النوائب على حدّ وَاحِد وَسَائِر عَلَامَات طول الحمّى مِمَّا قد علم وَإِذا رَأَيْت الِابْتِدَاء بنافض على مَا حدّدناه والانتهاء بعرق غزير فَلَا تشكّ أَنَّهَا خَالِصَة. والخالصة إِذا شرب صَاحبهَا مَاء انْبَعَثَ من بدنه بخار رطب كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يعرق وَرُبمَا عرق. وَغير الْخَالِصَة يُوجد مَعهَا ثقل كثير فِي الرَّأْس وامتداد وتطول النافض والنوبة حَتَّى تبلغ أربعاَ وَعشْرين سَاعَة أَو ثَلَاثِينَ سَاعَة إِلَى وَقتهَا وتفتر تَتِمَّة ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين سَاعَة وبمقدار زِيَادَة النّوبَة على إثني عشر سَاعَة يكون بعْدهَا عَن الخلوص. وَفِي الغب الْغَيْر الْخَالِصَة يبطؤ ظُهُور النضج وَلَا يظْهر فِي السحنة قضف وَلَا هزال. وَرُبمَا لم تقلع بعرق وافرٍ وَرُبمَا لم تبتدىء بنافض قوي. وَلَا تكون الْحَرَارَة بِتِلْكَ الْقُوَّة وَلَا يكون تزيّدها مستوياً بل كَأَنَّهَا تتزيّد ثمَّ تتقدّم فتنقص والأعراض الصعبة تقل فِيهَا. الغب اللَّازِمَة: تعرف باشتداد النوائب غبا وبشدة أَعْرَاض الغست. وَعند جالينوس أنَّ الدَّم إِذا عفن صَار من هَذَا الْقَبِيل وَفِيه كَلَام يَأْتِي من بعد. علاج الغِبّ الْخَالِصَة: يجب أَن تتذكر مَا أعطيناك من الْأُصُول فِي علاج الحمّيات فِي الإسهال والغذاء وَفِي جَمِيع الْأَبْوَاب وتبنى عَلَيْهَا وَلَا تلْتَفت إِلَى قَول من يرخص فِي الِابْتِدَاء بالمسهلات القوية وبالهليلج وَنَحْوه إِلَّا بِمَا ذَكرْنَاهُ من الصّفة بل يجب أَن تبادر فِي أول الْأَمر فتلين تَلْيِينًا مَا بِمثل مَا ذكرنَا هُنَاكَ مثل التَّمْر الْهِنْدِيّ قدر أَرْبَعِينَ درهما ينقع فِي مَاء حَار ليله ويصفى ويلقى عَلَيْهِ شيرخشت أَو تَرَنْجُبين أَو بِمَاء الرمانين وبمثل طبيخ اللبلاب بالتَرَنْجُبين وَالزَّبِيب المنزوع الْعَجم أَو نَقِيع الإجاص بالترنجبين أَو الشيرخشت أَو شراب البنفسج أَو البنفسج المربّى وَرُبمَا فعل لعاب بزر قطونا مَعَ بعض الْأَشْرِبَة مثل شراب الإجاص إزلاقاً وتلييناً أَو بطبيخ العدس باللبلاب أَو الحقن اللينة مثل الحقنة بطبيخ الخطمي والعناب والسبستان وأصل السوسن ودهن البنفسج وبعصارة السلق وبدهن البنفسج والبورق على نَحْو مَا تعلم. وَذَلِكَ إِذا مست إِلَيْهِ الْحَاجة فَإِنَّهُ من الصَّوَاب أَن لَا يسقى مثل مَاء الشّعير وَلَا نَحوه وَلَا الأغذية إِلَّا وَقد لينت الطبيعة على أَن الإسهال فِي الِابْتِدَاء فِي حمّى الغبّ الْخَالِصَة أقل غائلة من مثله فِي غَيرهَا وَإِن كَانَت لَهُ غائلة أَيْضا عَظِيمَة وَإِذا أمكن أَن
(3/49)

لَا يفصد إِلَى ثَلَاثَة أدوار فعل وَكَذَلِكَ إِذا خفت أَن يكون الْمَرَض مهتاجأ فَفعلت ذَلِك فَمَا يَقع من خطأ أَن وَقع أقل من غَيره. وَيجب أَن لَا يُحَرك يَوْم النّوبَة شَيْئا إِلَّا لضَرُورَة وَلَا يغفو إِلَّا عِنْد الشَّرَائِط الْمَذْكُورَة. وَأَن تمرّ الْبَوْل بحليب البزور وَيجب أَن ترد عَلَيْهِ النّوبَة وَهُوَ خاو لَيْسَ فِي معدته شَيْء بل يجب أَن يسقى السكنجبين كل بكرَة وَبعده بساعتين مَاء الشّعير فِي يَوْم لَا نوبَة فِيهِ والسكنجبين بعد النّوبَة صَالح وَكَذَلِكَ وضع الرجل فِي المَاء الفاتر ليجذب بقايا الْحَرَارَة وَاسْتحبَّ أَن يكون فِي السكنجبين خُصُوصا فِي الْأَوَاخِر حليب البزور الْبَارِدَة المدرة أَو قبل النّوبَة بِثَلَاث سَاعَات أَو أَربع ويسقى بعد النّوبَة أَيْضا مَاء الشّعير. وَإِذا وَجب تلطيف التَّدْبِير سقِِي مثل مَاء الرُّمَّان وَمَاء الْبِطِّيخ الْهِنْدِيّ وَنَحْوه ويمزج تَدْبيره على الْوَجْه الْمَذْكُور كلما قَارب الْمُنْتَهى لطف وَفِي الْأَيَّام الأول يغذى بكشك الشّعير وَالْخبْز المثرود فِي المَاء الْبَارِد إِمَّا كَمَا هُوَ وَإِمَّا حليبه فِيهِ وَبِمَا يتَّخذ من المج والعدس. وَإِذا كَانَ الطَّعَام يحمض فِي معدته لم يسق من مَاء الشّعير الَّذِي لَيْسَ برقيق جدا شَيْئا وَإِن احْتِيجَ إِلَى سقيه قويَ يَسِيرا بطبخ أصل الكرفس فِيهِ وَإِن كَانَت الْمعدة أبرد من ذَلِك والحمى غير عَظِيمَة غير خَالِصَة جعل فِيهِ قَلِيل فلفل على رَأْي بقراط فَإِن دلّت العلامات على أَن البُحران قريب فاستكف بِمَاء الشّعير وَمَاء الرُّمَّان الحلو والمر والسكنجبين والفواكه الَّتِي تسْتَحب لَهُم الرُّمَّان الحلو والمر والإجاص النضيج والنيء. وَأما الْبِطِّيخ الْهِنْدِيّ فشيء عَظِيم النَّفْع مَعَ لذته يُطلق ويدر وَيكسر شدَّة الْحر ويعرّق وَرُبمَا لم يضرّ الدستنبونات الصغار وَمن الْبُقُول القرع والقثاء والقثد والخسق وَاعْلَم أَن الْمَقْصُود فِيمَا يغذاه
(3/50)

صَاحب الغب. أما غثيان بِهِ وصفرة الْبيض. وَأما التبريد والترطيب مَعًا مثل كشك الشّعير وَلَا يفرط فِي التبريد جدا خُصُوصا فِي الإبتداء إِلَّا أَن يجد التهاباً شَدِيدا وَيخَاف انقلابه إِلَى محرقة أَو لَازِمَة فَإِن أدْرك البحران وَرَأَيْت نضجاً فِي المَاء وَهُوَ الرسوب الْمَحْمُود الَّذِي تعرفه فَإِن أُغني وَإِلَّا عَالَجت حِينَئِذٍ بِمَا تعين الطبيعة بِهِ من إدرار وإسهال أَو قيء أَو عرق وَلَا تناقضها فِي ذَلِك. فَإِن لم تَجِد ميلًا ظَاهرا فاستفرغ بالإسهال فَمن ذَلِك السقمونيا قدر دانق فِي الْجلاب أَو طبيخ الهليلج بِالتَّمْرِ الْهِنْدِيّ والترنجبين وَالزَّبِيب وَالْأُصُول وَالْخيَار شنبر على مَا علمت وَلَك أَن تقويها بالشاهترج والسنا والسقمونيا وَمِمَّا يوافقهم أَيْضا أَقْرَاص الطباشير المسهلة. نسخته: يُؤْخَذ إهليلج أصفر منزوع النَّوَى وزن أَرْبَعَة دَرَاهِم سكر طبرزد وزن عشْرين درهما سقمونيا وزن دانق تشرب بِمَاء بَارِد وَبعد ذَلِك يعالجون بالإدرار. وَإِن كَانَ هُنَاكَ حرارة مفرطة والتهاب عَظِيم وَقد استفرغته فَلَا بَأْس أَن تسقيهم شَيْئا من المطفئات القوية مِمَّا قيل فِي تَدْبِير الْأَمْرَاض الحادة وَرُبمَا اقتنعوا بالأضمدة مِنْهَا. وَأما الحمّام فَيجب أَن لَا يقربوه قبل النضج وَأما بعد النضج وَعند الانحطاط فَهُوَ أفضل علاج لَهُم وخصوصاً للمعتاد وعَلى أَن الْخَطَأ فِي إدخالهم الحمّام قبل النضج أسلم من مثله فِي غَيرهَا. وَيجب أَن يكون حمّامهم معتدلاً طيّب الْهَوَاء رطبه يتعرقون فِيهِ بالرفق بِحَيْثُ لَا يلهب قُلُوبهم ويتمرخون بدهن البنفسج والورد مَضْرُوبا بِالْمَاءِ وَلَا يطيلوا فِيهِ الْمقَام بل يخرجُون بِسُرْعَة والمعاودة أوفق لَهُم من إطالة الْمقَام وَعند الْخُرُوج إِن استنقعوا فِي مَاء فاتر يُقِيمُونَ فِيهِ قدر الاستلذاذ فَهُوَ صَالح لَهُم ثمَّ إِذا خَرجُوا فَلهم أَن يشْربُوا شرابًا أَبيض رَقِيقا ممزوجاً كثير المزاح ويتدثرون مكانهم فَإِنَّهُم يعرقون عرقاً شَدِيدا وينضج بَقِيَّة شَيْء إِن كَانَ بَقِي ويغذون بعد ذَلِك بالأغذية المبردة المرطبة والبقول الَّتِي بِتِلْكَ الصّفة. وَلَا تخف بعد الانحطاط من سقيهم الشَّرَاب الممزوج الْكثير المزاج. فَإِن الشَّرَاب المكسور الحميا بالمزاج ينفع الْقدر الْبَاقِي مِنْهُ فِي تَحْلِيل مَا يحْتَاج إِلَى تَحْلِيل ويتدارك المَاء النَّافِذ بقوته ومخالطته مَا فِيهِ من التسخين الْيَسِير فيبرد شَدِيدا ويرطّب فَإِن كَانَت هُنَاكَ أَعْرَاض من الْعَطش والصداع والسهر وَغير ذَلِك فقد مرّ لَك علاجها
(3/51)

وَإِذا بَقِي بعد البحران شَيْء من الْحَرَارَة اللَّازِمَة فَعَلَيْك بالسكنجبين مَعَ العصارات المدرّة أَو مطبوخاً فِيهِ البزور وَالْأُصُول المدرّة. وَاعْلَم أَن علاج الغب اللَّازِمَة هُوَ علاج الغبّ لكنه أميل إِلَى مُرَاعَاة أَحْوَال النضج وَإِلَى التبريد بالسكنجبين الْمُتَّخذ ببزر الْخِيَار وبزر الهندبا خَاصَّة المرضوضين ويسقى بعد ساعتين مَاء الشّعير وَإِلَى تلطيف الْغذَاء وَإِلَى اسْتِعْمَال الحقن اللينة فِي الِابْتِدَاء وَإِلَى الأدرار وَيجب أَن يرفق فَلَا يسقى من المسهلات فِي الِابْتِدَاء وَمَا يقرب مِنْهُ إِلَّا مثل شراب البنفسج وَمَاء الْفَوَاكِه وَلَا علاج الغب الْغَيْر الْخَالِصَة: الْأُمُور الَّتِي بهَا يُخَالف علاج الغب الْغَيْر الْخَالِصَة الغب الْخَالِصَة هِيَ أُمُور تشارك بهَا الحيمات الْبَارِدَة من أَن الترخيص الَّذِي رُبمَا رخص بِهِ لأَصْحَاب الْخَالِصَة من أَن لَا ينتظروا النضج وَلَا ينتظروا أَكثر الانحطاط إِن انتظروا النضج هُوَ محرّم عَلَيْهِم. فَإِن الحمّام يخلط البلغم الْغَيْر النضج بِمَا ينصب إِلَى مَوضِع العفونة ويختلط الخلظ الرَّدِيء بالعفن فيتحلّل اللَّطِيف وَيبقى الكثيف. وَإِن التغذية كل يَوْم أَيْضا أَو الْقَرِيب من التغذية مِمَّا يضرهم بل يجب أَن يغذوا يَوْمًا وَيَوْما لَا وَيكون فِي أغذيتهم مَا يجلو ويسخن قَلِيلا وَأَن تكون التغذية فِي أَوَائِل الْعلَّة أكثف مِنْهَا فِي أَوَائِل الْخَالِصَة ثمَّ تدرج إِلَى تلطيف فَوق تلطيف الغب. وَأَن يكون التلطيف فِيهَا فِي الْأَوَائِل بالإجاعة أَكثر من التلطيف بالغذاء اللَّطِيف جدا وَأَن يكون التبريد أقل وَأَن يحقنوا فِي الِابْتِدَاء بحقن أحد وَأَن ينْتَظر النضج فِي إسهالهم الْقوي أَكثر وَأَن يكون فِي مَاء شعيرهم قوى منضجة محللة مثل مَا قُلْنَا لمن يحمض مَاء الشّعير فِي معدته بل أقوى من ذَلِك فَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى أَن يطْبخ فِيهِ الزوفا والصعتر والفودنج والسنبل بِحَسب المزاج والسلق نَافِع لَهُم وخلط مَاء الخس بِمَاء الشّعير وَفِي آخِره مَاء الحمص نَافِع لَهُم وَيجب أَن ينظر فِي قرب غير الْخَالِصَة من الْخَالِصَة وَبعدهَا عَنْهَا وبحسب ذَلِك يُخَالف بَين علاجها وَبَين علاج الْخَالِصَة فَإِن كَانَ قَرِيبا جدا من الْخَالِصَة فَخَالف بَينهمَا مُخَالفَة يسيرَة وَإِذا رَأَيْت قواريرهم غَلِيظَة فافصد وَإِذا فصدت لم تحتج إِلَى حقنة وَاعْلَم أَنه لَا أَنْفَع لَهُم من الْقَيْء بعد الطَّعَام فَمن المسهلات فِي أوائلها الَّتِي هِيَ أقرب إِلَى الِاعْتِدَال مَاء الجلنجبين الْمَطْبُوخ والسكنجبين وَرُبمَا جعلنَا فِيهِ خِيَار شنبر وَأقوى من ذَلِك أَن يَجْعَل فِيهِ قُوَّة من التربد والحقن فِي الِابْتِدَاء أحبّ إِلَيّ من المسهلات الْأُخْرَى وَهِي الحقن الَّتِي فِيهَا قُوَّة الحسك والبابونج والسلق والقرطم والبنفسج والسبستان والتين ورائحة من التربد وفيهَا الْخِيَار شنبر ودهن الشيرج والبورق وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى أحد من هَذَا بِحَسب بعد الْحمى من الْخَالِصَة. وَأما المعينات على الإنضاج مثل السكنجبين مخلوطاً بِشَيْء من الجلنجبين أَو السكنجبين الأصولي. وَبعد السَّابِع مثل طبيخ الأفسنتين فَإِنَّهُ نَافِع ملطف للمادة مقوّ للمعدة وَكَذَلِكَ
(3/52)

مَاء الرازيانج وَمَاء الكرفس مَعَ السكنجبين وَإِن جَاوز الرَّابِع عشر فَلَا بَأْس بسقي أَقْرَاص الْورْد الصَّغِير فَإِن طَالَتْ الْعلَّة لم نجد بدّا من مثل أَقْرَاص الغافت وطبيخه وتسخين نواحي الشراسيف من هَذَا الْقَبِيل ويضمّد مراقهم أَيْضا بِمَا ينضج ويرخى تمدداً إِن وَقع هُنَاكَ فَإِذا علمت أَن النضج قد حصل فاستفرغ وأدرّ وَلَا تبال. وَمن المستفرغات الجيدة لَهُم أَن يُؤْخَذ من الأيارج خَمْسَة دَرَاهِم وَمن عصارة الخسّ والغافت من كل وَاحِد ثَلَاثَة دَرَاهِم وَمن بزر الكرفس والهليلج الْأَصْفَر والكابلي من كل وَاحِد وزن خَمْسَة دَرَاهِم وَمن التربد سَبْعَة دَرَاهِم يحبب بِمَاء الكرفس والشربة مِنْهُ دِرْهَمَانِ وَمن ذَلِك مطبوخ جيد لنا. ونسخته: يُؤْخَذ من الغافت وَمن الأفسنتين وَمن الهليلج الكابلي من كل وَاحِد خَمْسَة دَرَاهِم وَمن بزر الْبِطِّيخ وبزر القثاء وَالْخيَار وبزر الكرفس والشكاعى والباذاورد وبزر الْبِطِّيخ من كل وَاحِد عشرَة دَرَاهِم وَمن التربد وزن دِرْهَم وَمن الْخِيَار شنبر وزن سِتَّة دَرَاهِم وَمن الزَّبِيب المنزوع الْعَجم عشرُون عددا وَمن السبستان ثَلَاثُونَ عددا وَمن التِّين عشرَة عمدا وَمن الجلنجبين الْمُتَّخذ بالورد الْفَارِسِي وزن خَمْسَة عشر درهما يطْبخ الْجَمِيع على الرَّسْم فِي مثله مَاء يُؤْخَذ مثله قدح كَبِير قد جعل فِيهِ قِيرَاط سقمونيا وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى دَوَاء قوي من وَجه ضَعِيف من وَجه. أما قوته فبحسب استفراغه الْخَلْط اللزج وَأما ضعفه فبحسب أَنه لَا يستفرغ كثيرا دفْعَة وَاحِدَة بل يُمكن أَن يحرّج بِهِ فيستفرغ الْخَلْط الْمُحْتَاج إِلَى استفراغه مراراَ لِئَلَّا ينهك الْقُوَّة. وَهَذَا الدَّوَاء هُوَ الَّذِي يُمكن أَن يفرق وَيجمع ليطلق قَلِيله وَيُطلق كَثِيره. فَأَما الْقَلِيل فقليلاً من الرَّدِيء. وَأما الْكثير فكثيراً من الرَّدِيء. وَأما السلاقات فقليلها رُبمَا لم يفعل شَيْئا وَمثل هَذَا الدَّوَاء أَن يُؤْخَذ من التربد قَلِيل قدر نصف دِرْهَم أَو أقل أَو أَكثر بِحَسب الْحَاجة وَمن السقمونيا قريب من الطسوج أَو فَوْقه ويعجن بالجلنجبين الْمَذْكُور وَيشْرب أَو يُؤْخَذ من الغاريقون وَمن السقمونيا على هَذَا الْقيَاس ويعجن بالجلنجبين وَيشْرب أَو يَجْعَل فِي عصارة الْورْد الطري قدر أُوقِيَّة فصل فِي الْحمى المحرقة وَهِي الْمُسَمَّاة فاريقوس إِن المحرقة على وَجْهَيْن: محرقة صفراوية يكون السَّبَب فِيهَا كَثْرَة العفونة إِمَّا فِي دَاخل عروق الْبدن كُله أَو فِي الْعُرُوق الَّتِي تلِي نواحي الْقلب خَاصَّة أَو فِي عروق نواحي فَم الْمعدة أَو فِي الكبد وَإِمَّا بلغمية وَتَكون من بلغم مالح قد عفن فِي الْعُرُوق الَّتِي نواحي الْقلب كَمَا قَالَ بقراط فِي ابتذيميا وَإِنَّمَا يكون البلغم المالح كَمَا علمت من مائية البلغم مَعَ الصَّفْرَاء الحادة. فمّكون الصَّفْرَاء الَّتِي تتعفن نارية مائية أَي مُخَالطَة للمائية الْكَثِيرَة. وَلما كَانَت المحرقة أشدّ أعراضاً من الغبّ وَجب أَن تكون أقصر مُدَّة مِنْهَا والمشايخ
(3/53)

قَلما تعرض لَهُم الحميات المحرقة فَإِن عرضت لَهُم هَلَكُوا لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا لسَبَب قوي جدا ثمَّ قواهم ضَعِيفَة. وَأما الشبَّان وَالصبيان فتعرض لَهُم كثيرا وَتَكون فِي الصّبيان أخفّ لرطوبتهم وَرُبمَا كَانَت فيهم مَعَ السبات لتثوير الأبخرة إِلَى الرَّأْس وَقد ذكر بقراط أَن من عرض لَهُ فِي الْحمى المحرقة رعشة فَإِن اخْتِلَاط الذِّهْن يحلّ عَنهُ الرعشة وَيُشبه أَن يكون ذَلِك لِأَن الدِّمَاغ يسخن جدا فيسخن العصب وَيُشبه أَن تكون محرقة وَيكون اخْتِلَاط الذِّهْن ينْحل عَنهُ بالرعشة لانتقاض الْموَاد إِلَى العصب وَأكْثر مَا تُفْضِي تُفْضِي بقيء أَو باستطلاق أَو عرق أَو رُعَاف. العلامات: علاماتها اللُّزُوم وخفاء الفترات وشدّة الْأَعْرَاض من خشونة اللِّسَان وَمن اصفراره أَولا وَمن اسوداده ثَانِيًا وَمن احتباس الْعرق إِلَّا عِنْد البحران وَشدَّة الْعَطش. قَالَ بقراط إِلَّا أَن يعرض سعال يسير فيسكّن ذَلِك الْعَطش يشبه أَن تكون شدَّة عطشهم بِسَبَب الرئة فَإِذا تحركت يَسِيرا بالسعال ابتلت بِمَا يسيل إِلَيْهَا من اللَّحْم الرخو. والحرارة فِي المحرقة فِي أَكثر الْأَمر لَا تكون قَوِيَّة فِي الظَّاهِر قوتها فِي الْبَاطِن. وَيكون النكس فِيهَا أخفّ مِنْهُ فِي غَيرهَا والكائنة من الصَّفْرَاء تشتد فِيهَا الْأَعْرَاض الرَّديئَة من السهر والقلق والاحتراق واختلاط الذِّهْن والرعاف والصداع وضربان الصدغين وغؤور الْعين واستطلاق الْبَطن بالصفراء الْمَحْضَة وَسُقُوط الشَّهْوَة وَإِذا عرضت للصبيان كَرهُوا الثدي وَلم يقبلوه وَفَسَد مَا يمصونه من اللَّبن وحمض. علاج المحرقة: علاجها هُوَ علاج الغب الْخَالِصَة. وَإِذا احتاجوا إِلَى استفراغ بِمثل مَا قيل فالتعجيل أولى. وَأما التَّام فَبعد النضج والفصد رُبمَا ألهبهم وَرُبمَا نفعهم إِن كَانَ هُنَاكَ كدورة مَاء وَحُمرَة لكنه يحْتَاج إِلَى تلطيف وتبريد أَشد وتبريد بِالْفِعْلِ لما يتناولونه. وَإِذا خفت سُقُوط الْقُوَّة فَلَا بدّ من تغذية وَإِن لم يشتهوها وخصوصاً فِيمَن يتحلّل مِنْهُ شَيْء كثير فَإِنَّهُم كثيرا مَا يصيبهم بوليموس أَي عمم الحسّ وَإِلَى تليين فِي الِابْتِدَاء أقوى وَإِلَى معالجات الْحمى الحادة الْمَذْكُورَة على جَمِيع الأنحاء الموصوفة وَقد يصلح أَن ينَام عِنْد فتور قَلِيل من الْحمى على مَاء التَّمْر الْهِنْدِيّ وَقد جعل فِيهِ قَلِيل كافور واستحمت لَهُم السكنجبين أَو حليب بزر البقلة الحمقاء أَو حليب بزر الْهِنْد. والبطيخ الرقي جيد لَهُم وَيعْتَبر فِي شربة المَاء الْبَارِد مَا ذَكرْنَاهُ فإنلم يكن مَانع سقِِي مِنْهُ وَلَو إِلَى الاخضرار وَرُبمَا أنساهم اخْتِلَاط الذِّهْن طلب المَاء فَيجب
(3/54)

أَن يجرعوا مِنْهُ كل وَقت قَلِيلا قَلِيلا جرعات كَثِيرَة وخاصة من يرى لِسَانه يَابسا جافاً وتعالج أعراضه المفرطة بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي أَبْوَابهَا وَيجب أَن يتوقى عَلَيْهِم إفراط الرعاف فَإِنَّهُ مِمَّا يعظم فِيهِ الْخطب عِنْدهم وَيجب أَن تراعى نفسهم وَلَا تدع نواحي الصَّدْر أَن تشنج وَيجب أَن تحفظ رؤوسهم بالخلّ ودهن الْورْد والصندل وَمَاء الْورْد والكافور وَنَحْو ذَلِك. والتنطيل بالسلاقات الْمَطْبُوخ فِيهَا مَا ذَكرْنَاهُ وَإِذا اشْتَدَّ بهم السهر فعالجهم وَلَا بَأْس بسقي شراب الخشخاش وَلَو من الْأسود فِي مثل هَذِه الْحَال وَفِي اَخره يسقى الأقراص الَّتِي تصلح لَهُ مثل: أَقْرَاص الكافور. وَفِي ذَلِك الْوَقْت يوافقهم السكنجبين بحليب بزر القثد وبزر الهندبا وبزر الحمقاء من كل وَاحِد دِرْهَمَيْنِ والسكنجنبين من خَمْسَة وَعشْرين إِلَى خَمْسَة وَثَلَاثِينَ على مَا ترى فَإِن كَانَ هُنَالك إسهال فأقراص الطباشير الممسكة. قرص جيد مجرب: يُؤْخَذ طباشير وَورد من كل وَاحِد دِرْهَمَانِ وَنصف زعفران وزن دانق بزر بقلة الحمقاء وبزر الهندبا من كل وَاحِد وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم بزر القرع وبزر القثاء من كل وَاحِد وزن دِرْهَمَيْنِ صندل وزن دِرْهَم وَنصف رب السوس ونشا من كل وَاحِد وزن أَيْضا: ورد وزن أَرْبَعَة دَرَاهِم بزر الْخِيَار والبطيخ والقثاء والبقلة الحمقاء من كل وَاحِد وزن دِرْهَمَيْنِ زعفران دانقان كافور دانق وَنصف صمغ ونشا وكثيراء وَرب السوس من كل وَاحِد دِرْهَم الشربة مِنْهُ وزن دِرْهَمَيْنِ. وَإِذا انحط انحطاطاً بيِّناً فَلَا بَأْس بالحمام المائل مَاؤُهُ إِلَى الْبرد وَأحب مَا يكون الحمّام مِنْهُم لمن حماه من البلغم المالح. فصل فِي حمّى الدَّم قد ظن جالينوس أَنه لَا تكون حمى الدَّم عَن عفونة الدَّم. فَإِن الدَّم إِذا عفن صَار صفراء وَلم يكن دَمًا فَتكون الْحمى حِينَئِذٍ صفراوية لَا دموية وَتَكون المحرقة الْمَذْكُورَة أَو الغبّ وتعالجها بذلك العلاج. وَهَذَا القَوْل مِنْهُ خلاف قَول أبقراط وَخلاف الْوَاجِب وَأكْثر الْغَلَط فِيهِ من قَوْلهم: إِذا عفن صَار صفراء. فَإِن هَذَا القَوْل يُوهم مَعْنيين: أَحدهمَا أَنه إِذا عفن يُؤَدِّي إِلَى أَن يصير بعد العفونة صفراء كَمَا يُقَال أَن الْحَطب إِذا اشتعل صَار رَمَادا وَالثَّانِي أَنه إِذا عفن يكون حَال مَا هُوَ عفن صفراء كَمَا يُقَال أَن الْخشب فِي حَال مَا يسخن يصير رَمَادا. فلننظر فِي كل وَاحِد من المفهومين فَأَما الْمَفْهُوم الأول فَهُوَ فَاسد المأخذ من وُجُوه ثَلَاثَة: أَحدهَا: أَن الدَّم إِذا عفن اسْتَحَالَ رقيقَة إِلَى صفراء رَدِيئَة وكثيفه إِلَى سَوْدَاء فَلَيْسَ بكليته يكون صفراء وَالثَّانِي: أَن ذَلِك يكون بعد العفونة ونظرنا فِي حَال العفونة وَالثَّالِث: أَنه بعد ذَلِك يكون صفراء لَا يدْرِي هَل فِيهَا عفونة أَو لَيست فَإِن
(3/55)

كثيرا من الْأَشْيَاء تعفن ويتميز مِنْهُ رَقِيق وكثيف وَلَا يكون الرَّقِيق وَلَا الكثيف عفناً توجب عفونته كَونه عَن عفن فقد يكون من العفن مَا لَيْسَ بعفن وَلَو كَانَ كَونه عَن العفن. يُوجب عفونته لَكَانَ يجب أَن يكون الكثيف المترمد أَيْضا عفناً فَتكون هُنَاكَ حمى سوداوية أَيْضا فَهَذَا مَا يُوجِبهُ تَلْخِيص الْمَفْهُوم الأول. وَأما الْمَفْهُوم الثَّانِي فَهُوَ كذب صرف فَإِن العفونة طَرِيق إِلَى الْفساد والعفونة لَهَا زمَان واستحالة الدَّم صفراء لَا تكون فِي زمَان بل العفونة فَسَاد يعرض للدم وَهُوَ دم كَمَا يعرض للبلغم وَهُوَ بلغم لم يصر سَوْدَاء وَلَا صفراء إِلَّا أَن يَسْتَحِيل من بعد ذَلِك بِتمَام العفونة بل الْحق الصَّحِيح قَول بقراط: أَن الدَّم قد يتَوَلَّد من عفونته حمى فَنَقُول الْآن أَن حمى الدَّم حميان: حمى عفونة وَحمى سخونة وغليان الَّتِي يسميها بقراط سونوخس أَي المطبقة دون غَيرهَا وَأكْثر غليانها عَن سدد تحقن الْحَرَارَة وَقد تكون عَن أَسبَاب أُخْرَى تشتد فَوق اشتداد أَسبَاب حمى يَوْم وَقد تسمى الشَّابَّة القوية وَهِي من جملَة الحميات الَّتِي بَين حميات العفونة وحميات الْيَوْم فتفارق حميات الْيَوْم بِسَبَب أَن التسخن الأول فِيهَا للخلظ وتفارق حميات العفونة بِأَنَّهُ لَا عفونة لَهَا وَهِي حَتَّى حادة لَيست حمى يَوْم وَلَا حمى دق وَلَا حمى عفونة وَكَثِيرًا مَا تنْتَقل إِلَى حمى عفونة أَو إِلَى حمى دق وَكَثِيرًا مَا أجراها جالينوس مجْرى حميات الْيَوْم. وَيرى جالينوس أَن حمى المم لَا تتركب مَعَ سَائِر الحميات لِأَن العفن إِذا كَانَ فِي الدَّم كَانَ عَاما لكل خلط وَفِي هَذَا تنَاقض لبَعض مذاهبه لَا نحتاج أَن نطول الْكَلَام فِيهِ فَلَا ينْتَفع بِهِ الطَّبِيب وَسبب هَذِه الْحمى الامتلاء والسدة وأكثرها من الرياضة وخصوصاً الْغَيْر الْمُعْتَادَة وَترك الاستفراغ ثمَّ اسْتِعْمَال رياضة عنيفة وَقد توجب العفونة فِيهِ كَثْرَة مائية الدَّم من أكل الْفَوَاكِه المائية فتستحيل إِلَى العفونة أَو كَثْرَة الْخَلْط الْفَج فِيهِ فتهيئه للعفونة مثله مَا يتَوَلَّد من القثاء والقثد والكمثري وَنَحْوهَا. وَهَذِه الْحمى لَازِمَة لَا تفتر لعُمُوم الْمَادَّة ولزومها إِلَى البحران أَو الْمَوْت وأصنافها ثَلَاثَة: أسلمها المتناقصة تبتدىء بصعوبة ثمَّ لَا تزَال تتناقص لِأَن التَّحَلُّل أَكثر من التعفن ثمَّ الواقفة على حَال وَاحِدَة. رُبمَا تشابهت سَبْعَة أَيَّام وشرها المتزايدة لِأَن التَّحَلُّل فِيهَا أقل من التعفن وبحرانها إِلَى السَّابِع فِي الْأَكْثَر وانقضاؤها باستفراغ محسوس أَو غير محسوس وَقد تنْتَقل إِلَى المحرقة وَإِلَى السرسام وَقد تتتقل بالتبريد الْكثير
(3/56)

إِلَى ليثرغش وَقد تنْتَقل إِلَى الجدري والحصبة وَإِذا عرض فِيهَا سبات وانتفاخ بطن يَجِيء مِنْهُ كصوت الطبل فَلَا يحطه الإسهال مَعَ تململ وَكَانَ الإسهال لَا ينفع ثمَّ خرج حصف أَخْضَر عريض خَاصَّة فَهُوَ من عَلَامَات الْمَوْت. العلامات: عَلَامَات الْحمى الدموية: لُزُوم الْحمى وَحُمرَة الْوَجْه وَالْعين وانتفاخ الأوردة والصدغين وامتلاء تَامّ من غير نافض وَلَا عرق إِلَّا عِنْد البحران وَكَثِيرًا مَا أجراها جالينوس مجْرى حميات الْيَوْم وَيرى جالينوس أَن حمى الدَّم يصحبها حكاك فِي الْأنف وَفِي المحاجر وتضيق النَّفس وَكَثِيرًا مَا يَقع عَلَيْهِم سبات وعسر كَلَام وَهُوَ رَدِيء وَكَذَلِكَ أورام الْحلق واللوزتين واللهاة وسيلان الدُّمُوع وحرارتها كَثِيرَة رطبَة بخارية حمامية غير قشفة كَمَا فِي المحرقة ونبضها عَظِيم لين قوي ممتلىء سريع متواتر جدا مُخْتَلف غير كثير الِاخْتِلَاف وَأَقل اخْتِلَافا وَسُرْعَة مِمَّا فِي المحرقة وَالْغِب وَلَيْسَت حَرَارَتهَا فِي حد المحرقة وَالْغِب لعدم العفونة. وَمَا كَانَ مِنْهَا عَن عفن فحرارته وأعراضه أَشد وعلاجه أصعب فَهُوَ أشبه بالمحرقة. وَأما رقة الدَّم وغلظه فتعرف بِمَا يخرج مِنْهُ والسونوخس الغليانية أشبه شَيْء فِي إبتدائها بحمى الْيَوْم لَكِن حَرَارَتهَا قَليلَة اللذع والأذى وَكَانَ أَكثر تأثيرها بِقرب الْقلب وَيحدث مِنْهُ التلهث والربو. وَأما العفنة فمستوية أَو شَبيهَة بالمتسوى فِي الْأَكْثَر. وَأما عَلَامَات انتقالها فعلامات كل مَا ينْتَقل إِلَيْهِ من الخناق وَمن أورام الْحلق واللوزتين وَقد عرفتها وعلامات الجدري ستعلم. وعلامات السرسام والصداع واختلاط الذِّهْن وَغير ذَلِك قد علمت. وَأما عَلَامَات طولهَا فَمثل مَا عَلمته من تَأَخّر عَلامَة النضج وانخراط الْوَجْه وَاخْتِلَاف حَالهَا فِي مدَّتهَا من التزيّد وَالْوُقُوف وَالنُّقْصَان حَتَّى تكون كَأَنَّهَا مفترة فَإِن ذَلِك دَلِيل على أَن الدَّم مَمْلُوء خلطاً فجاً. وَأما مُدَّة بحرانها فَيدل عَلَيْهَا ظُهُور عَلَامَات النضج إِن تَأَخّر إِلَى بعد الثَّالِث وَالرَّابِع لم يجرن فِي السَّابِع وَكَثِيرًا مَا يكون بحرانها فِي الرَّابِع. علاج حمى الدَّم: الْغَرَض فِي علاج حمى الدَّم هُوَ: استفراغ الْكَثْرَة إِلَى الغشي وتغليظ جَوْهَر الدَّم إِن كَانَ رَقِيقا جدا مائياً أَو صفراوياً وتبريده وتنقيته
(3/57)

وترقيقه إِن كَانَ غليظاً فِيمَن قد تنَاول مولدات الدَّم الغليظ ومولدات الْخَلْط الْفَج وإنضاج الْمَادَّة الفاعلة للحمى وتحليلها. فَأَما الإستفراغ فَلَا كالفصد من الْيَد فِي أَي وَقت عرضت وَلَا تنْتَظر بحراناً وَلَا نضجاً إِلَّا أَن تكون تخمة فاحذرها وأفرغها فَإِن دَامَت الْحمى فافصد وَلَا يزَال يفصد حَتَّى يُقَارب الغشي أَو يَقع إِن كَانَ الْبدن قَوِيا. فَإِن الغشي يبرد أَيْضا المزاج الْقوي وَاعْلَم أَن الفصد وَسقي المَاء الْبَارِد رُبمَا أغْنى عَن تَدْبِير غَيره والتفريق فِيهِ أولى إِن لم يكن مَا يُوجب الاستعجال فَإِنَّهُ رُبمَا كَانَ فِيمَا دون مقاربة الغشي بَلَاغ وَرُبمَا يتبع الفصد الْبَالِغ فِي الْوَقْت إسهال مرّة وعرق يجب أَن يمسح كل وَقت حَتَّى يتتابع وَرُبمَا عوفي بِهِ ويتدارك مَا عرض من ضعف وَغشيَ بغذاء لطيف وَسُكُون وَيجب أَن يدام تليين الطبيعة بِمَا يعرف من مثل مَاء الرمانين وَمَاء الرُّمَّان الحلو والمر إِلَى حد الشيرخشْك وَالتَّمْر الْهِنْدِيّ وإشيافات خَفِيفَة مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَرُبمَا احْتِيجَ عِنْد النضج إِلَى إستفراغ بِمثل الهليلج والشاهترج وَالْخيَار شنبر وَنَحْو مِمَّا قد علمت فَإِن لم يحْتَمل الْحَال الفصد من الْيَد ففصد الْعرق الَّذِي فِي الجبين أَو الْحجامَة فَإِن لم يتهيّأ شَيْء من ذَلِك لعَارض مَانع فبالإسهال على نَحْو مَا فِي المحرقة. والتبريد بِمَا يفتّح وَيقطع ويسكن الغليان وَإِن عرض من الفصد غشي أطعمته خبْزًا بِمَاء الحصرم وَإِن عرض رُعَاف من تِلْقَاء نَفسه لم يقطع إِلَّا عِنْد مقاربة الغشي. وَأما تَغْلِيظ الدَّم فبمثل ربّ الْعنَّاب وَهُوَ أَن تطبخ مائَة عنابة بِخَمْسَة أَرْطَال مَاء حَتَّى يبْقى الثُّلُث وَيقوم بالسكر وَكلما قل السكر فَهُوَ أفضل والعدس أَيْضا خُصُوصا الْمُتَّخذ بالخل الحامض الثقيف من هَذَا الْقَبِيل. وَإِيَّاك أَن تسقى ربّ العنّاب أَو جرم العدس والمادة غَلِيظَة. وَأما تبريده فبمثل مَاء العدس الْمبرد وَمَاء الخسّ المبرّد وَسقي المَاء الْبَارِد إِن لم يكن فِي مَانع وَرُبمَا سقِِي حَتَّى يرتعد ويخصر فَرُبمَا عوفي وَرُبمَا انْتَقَلت الْحمى إِلَى بلغمية وعولجت بأقراص الْورْد وَنَحْوهَا. وَهَذَا العلاج لبَعض الْمُتَقَدِّمين وانتحله بعض الْمُتَأَخِّرين فَأَما سقِِي مَاء الشّعير فَهُوَ علاج نَافِع لَهُ وَليكن مَعَ لين الطبيعة وَأولى الْأَوْقَات بِهَذَا وَقت شدَّة الغليان وَالْكرب والاشتعال وتواتر الخفقان وَاعْلَم أَن الإقتصار على التبريد وَترك الفصد والإسهال يزِيد فِي السد والحقن فتزداد العفونة والحرارة فِي ثَانِي الْحَال. وَأما تنقيته فبمثل مسهلات الصَّفْرَاء بِحَسب اخْتِلَاف استيجاب الْقُوَّة والضعف وبمنضجات الْخَلْط الخام فَرُبمَا كَانَ هُوَ السَّبَب فِي عفونة الدَّم وَفِي آخِره يسْقِيه مثل أَقْرَاص الكافور وأقراص الطباشير وَهَذِه الأقراص جَيِّدَة جدا: نسخته: يُؤْخَذ طباشير ثَلَاثَة بزر البقلة خَمْسَة بزر القثاء أَرْبَعَة بزر القرع سِتَّة
(3/58)


صمغ وكثيراء ونشا من كل وَاحِد وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم رب السوسن وزن سَبْعَة دَرَاهِم يتَّخذ مِنْهَا أَقْرَاص. نُسْخَة أُخْرَى: وخصوصاً عِنْد ضعف الكبد يُؤْخَذ ورد وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم عصارة أَمِير باريس دِرْهَمَيْنِ بزر القثاء وَالْخيَار والبطيخ والحمقا والطباشير من كل وَاحِد وزن دِرْهَم صمغ وكثيراء ونشا من كل وَاحِد نصف دِرْهَم رواند صيني وزعفران وكافور من كل وَاحِد ربع دِرْهَم يقرص. فِي تغذيتهم: وَأما الأغذية فالعنابية والعدسية المحمضة والرمانية والسماقية وَإِن كَانَ شَيْء من هَذَا يخَاف عقله تدْرك بشير خُشُك وبالأجاص وبالقرعية والحماضية وَفَاكِهَة الكمثري الصيني وَالرُّمَّان والتفاح الشَّامي وبقولة القرع والقثاء والقثد والهندباء والبقلة الْمُبَارَكَة والحمّاض والكزبرة وَمَا يشبهها فَإِن عرض صداع أَو خفقان أَو سهر أَو سبات أَو رُعَاف مفرط ينهك الْقُوَّة وَغير ذَلِك من الْأَعْرَاض الصعبهَ فعالج بِمَا علمناك فِي مَوْضِعه وَلَا حَاجَة لنا أَن نكرر إِذْ لَا فَائِدَة فِي التّكْرَار. فصل فِي الحمّى البلغمية قد علمت أَن حمى عفونة البلغم قد تكون نائبة وَقد تكون لَازِمَة وَقد علمت السَّبَب فِي ذَلِك. وَلها أَوْقَات كَسَائِر الحمّيات وَأَقل أَوْقَات ابتدائها فِي الْأَكْثَر ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا وإقلاعها فِي الْأَكْثَر مَا بَين أَرْبَعِينَ وَسِتِّينَ يَوْمًا وأسلمها النقية الفترات وَلَا سِيمَا الْكَثِيرَة الْعرق فتدل على رقّة الْمَادَّة وقلتها وتخلخل الْبدن وأطول أزمان هَذِه الْعلَّة الصعُود على أنَ انحطاطها أَيْضا أطول من انحطاط الغبّ بِكَثِير والبلغم العفن قد يكون زجاجياً وَقد يكون حامضاً وَقد يكون حلواً وَقد يكون مالحاً وَقد علمت كَيفَ تكون من المالح محرقة وَأكْثر مَا تعرض حمى البلغم للمرطوبين والمتّدعين والمشايخ وَالصبيان وَأَصْحَاب التخم والمرتاضين والمستحمين على الإمتلاء وَأَصْحَاب الجشاء الحامض وَأَصْحَاب امتلاءات صَارَت نَوَازِل إِلَى الْمعدة تعفن فِيهَا وقلّما تَخْلُو عَن ألم فِي الْمعدة وَاعْلَم أَن كل حمّى مَعهَا برد فَإِنَّهُ يضيق النبض ويصغره. عَلَامَات البلغمية الدائرة وَهِي الَّتِي تسمى أمغيميربنوس: أما مَا كَانَ السَّبَب فِيهِ بلغماً زجاجياً أَو حامضاً فَإِن الْبرد يكثر فِيهِ جدا والنافض فِي الزجاجي أَشد. لَكِن الْبرد لَا يبتدىء فِيهَا دفْعَة بل قَلِيلا قَلِيلا فِي الْأَطْرَاف ثمَّ يبلغ إِلَى أَن يصير كالثلج لَا يسخن إِلَّا بعسر وَلَا يسخن دفْعَة وَلَا على تدريج مُتَّصِل بل قَلِيلا قَلِيلا مَعَ عود من الْبرد وَرُبمَا خالط برده فِي الإبتداء قشعريرة فَيكون الْبرد لما لم يعفن وللقشعريرة لما قد عفن وَأعظم برده ونافضه فِي أدوار الْمُنْتَهى. وَهَذِه الْحمى لَيست من مَادَّة تفعل نخساً حَتَّى تكون سَببا للنافض من طَرِيق النفض فَإِن عفونتها عفونة شَيْء لين وَتَأْخُذ مَعَ ثقل وسبات وَكَثِيرًا مَا تبتدىء فِي النوائب الأولى بِلَا برد وَلَا نافض بل تتأخر إِلَى مُدَّة وَرُبمَا كَانَ برد وَلم يكن نافض وَكَثِيرًا مَا تبتدىء بغشي وَقد لَا يكون.
(3/59)

وَهَذِه الْعلَّة يكثر فِيهَا الغشي لضعف فَم الْمعدة وَسُقُوط الشَّهْوَة وَعدم الاستمراء الَّذِي هُوَ مفن لمادة الْغذَاء وَالْقُوَّة. وَأما مَا كَانَ من بلغم مالح فيتقدّمه إقشعرار وَلَا يشتدّ برده وَأما مَا كَانَ من بلغم حلواً فقلما يتقدمه فِي الْأَوَائِل إِلَى كثير من النوائب قشعريرة وَلَا برد وَلَا نافض وَأكْثر أدوار الحمّى البلغمية تَأْخُذ بالغشي وَقد يظْهر فِيهَا فِي الْأَوَائِل حر أَشد وَفِي الْأَوَاخِر يقل ذَلِك وَيُشبه أَن يكون السَّبَب فِي ذَلِك أَن العفونة تسبق أولًَ إِلَى الأحلى والأملح والأرق ثمَّ إِلَى الأغلظ والأبرد وَمَسّ الْحَرَارَة فِيهَا فِي الأول ضَعِيف بُخَارى ثمَّ إِذا أطلت وضع الْيَد على الْعُضْو أحسست بحدة وحرافة إِلَّا أَنَّهَا لَا تكون متشابهة مستوية فِي جَمِيع مَا تقع عَلَيْهِ الْيَد بل تكون مُتَفَاوِتَة تحد فِي مَوضِع حرافة وَفِي مَوضِع لينًا وَكَأن الْحَرَارَة تتصفى خلف شَيْء مغربل لِأَن البلغم لزج يخْتَلف انفعاله وترقّقه عَن الْحَرَارَة كَمَا يعرض لسَائِر اللزوجات عِنْد غليانها فَإِنَّهَا تتفقأ فِي مَوضِع وَلَا تتفقأ فِي مَوَاضِع وَكَيف كَانَ فحرارتها فِي أَكثر الْأَمر دون أَن تلتهب وتكرب ويعظم الشوق إِلَى الْهَوَاء الْبَارِد وَالْمَاء الْبَارِد وَلَا إِلَى التكشف والتململ وَالنَّفس الْعَظِيم والنافخ وَكَثِيرًا مَا يعرض لحرارتها أَن تقف زَمَانا قدر سَاعَة أَو ساعتين فيحسب أَنَّهَا قد انْتَهَت فَإِذا هِيَ بعد فِي التزيد لِأَنَّك ترَاهَا قد أخذت تزيد. وَكَذَلِكَ لَهَا فِي الإنحطاط وقوفات وحميات البلغم كَثِيرَة التندية لِكَثْرَة الرُّطُوبَة وبخارها قَلِيل التعريق للزَّوْجَة الْخَلْط. وَإِذا عرقت كَانَ شَيْئا غير سابغ وَمن أخص الدَّلَائِل بهَا قلَّة الْعرق أَو فَقده والعطش. يقل فِي حميات البلغم إِلَّا لسَبَب ملوحته أَو لسَبَب شدَّة عفونته وَمَعَ ذَلِك فَيكون أقل من الْعَطش فِي غَيرهَا وانتفاخ الجنبين يكثر فيهم وَقد يعرض لجلد الْجنب أَن يرق مَعَ تمدده. وَأما لون صَاحب حمى البلغم فَإلَى خضرَة وصفرة يجريان فِي بَيَاض حَتَّى يكون الْمُجْتَمع كلون الرصاص حَتَّى فِي الْمُنْتَهى أَيْضا فقلما يحمر فِيهِ احمراره فِي منتهيات سَائِر الحمّيات. وَأما نبضه فنبض ضَعِيف منخفض صَغِير متفاوت أَولا ثمَّ يتواتر أخيراً وتواتره وصغره أَشد من تَوَاتر الرّبع والغت وصغرهما وَشدَّة تواتره لشدَّة صغره لكنه لَيْسَ أسْرع من نبض الرّبع وَرُبمَا كَانَ أَبْطَأَ مِنْهُ أَو مثله فِي الأول وَهُوَ شَدِيد الِاخْتِلَاف مَعَ عدم النظام وَالصغَار والضعاف مِنْهُم فِي اختلافه أَكثر وَدَلَائِل النبض عَلَيْهَا من أصح الدَّلَائِل. وَأما بَوْله فَهُوَ فِي الأول أَبيض رَقِيق لِكَثْرَة السمد وَالْبرد ثمَّ يحمرّ للعفونة ويكدر لرداءة النضج وَقد يتَغَيَّر فِيهِ الْحَال وقتا فوقتاً فَإِذا بَقِي من المالحة الغليظ وتحلل المتعفن وَعَاد وَقت السدد أَبيض ثمَّ إِذا عفن شَيْء كثير بعد ذَلِك واندفع وَفتح السدد احمرّ إِلَى أَن يرد على السدد مَا يسدها مرّة أُخْرَى من ذَلِك الْخَلْط بِعَيْنِه وَأما برازه فلين رَقِيق بلغمي. وَمِمَّا يدل على أَن الْحمى بلغمية أَن تكون نوبتها ثَمَان عشرَة سَاعَة وَتركهَا سِتّ سَاعَات وَلَا يكون تَركهَا نفيا وَذَلِكَ لِأَن الْمَادَّة مَعَ الغلظ واللزوجة كَثِيرَة وَقد يدل عَلَيْهَا السن وَالْعَادَة
(3/60)

والفصل والبلد والأغذية ويواقى أَسبَابهَا السَّابِقَة من التخم وَيدل عَلَيْهَا السخنة من لون السن وَالْعَادَة والفصل والبلد والأغذية ويوافى أَسبَابهَا السَّابِقَة من أتتخم وَيدل عَلَيْهَا السحنة من لون الْوَجْه الْمَذْكُور وتهيّجه ولين أتلمس وَضعف فَم الْمعدة وَسُقُوط الشَّهْوَة وَرُبمَا كبر مَعهَا الطحال ويسبقها حساء حامض فِي أَكثر الْأَوْقَات كثير. عَلَامَات الحمّى اللَّازِمَة وَهِي الَّتِي تسمى الثِّقَة: أَن تكون كَسَائِر عَلَامَات الْحمى البلغمية غير الإقلاع وَمَا يشبه الإقلاع وَغير الِابْتِدَاء بنافض وَبرد وقشعريرة وَتَكون أشبه شَيْء بالدق وَيكون هُنَاكَ تفتير فِي سِتّ سَاعَات وَنَحْوهَا فَوق الَّذِي يكون فِي الدائرة فَإِن الدائرة أَيْضا لَا تَخْلُو عَن تفتير إِلَّا أَنه يكون خفيًّا غير ظَاهر. حميات: هِيَ فِي أَكثر الْأَحْوَال من جنس البلغميات وَقد تكون من الصَّفْرَاء أَحْيَانًا وَلَيْسَت مِمَّا تكون من السَّوْدَاء. خصصت بأسماء وَأَحْكَام: وَهِي حمى إيغيالوس وليغوريا. وهما من جملَة الحميات الَّتِي تخْتَلف فِيهَا أَمَاكِن الْحر وَالْبرد من دَاخل وخارج بِسَبَب اخْتِلَاف مَوضِع مَا يعفن وَمَا لم يتعفن وَهِي ثَلَاثَة أَقسَام: الْحمى الْمَخْصُوصَة بالغشيية الخلطية والحمى النهارية والليلية. فصل فِي الحمّى الَّتِي يبطن فِيهَا الْبرد وَيظْهر فِيهَا الْحر وَهِي حمى إيغياليوس هَذِه تكون من بلغم زجاجي حَاصِل فِي الْبَاطِن والقعر يبرد حَيْثُ هُوَ لكنه قد عرض لَهُ العفونة فينتشر مِنْهُ بخار مَا يتعفن ويتفرق ويلهب فِي الظَّاهِر وَمَا لَيْسَ بعفن يبرد فِي الْبَاطِن وَإِنَّمَا كَانَ لَا يظْهر بردهَا فِي مثل ذَلِك الزَّمَان لِأَنَّهَا كَانَت سَاكِنة ألفها وانفعل عَنْهَا مَا يلاقيها فَلَمَّا أخذت العفونة فِيهَا تحرّك وتبدد تبدُداً مَا وَإِن لم يبلغ أَن يعم الْبدن كُله. العلامات: هِيَ علامتها الْمَذْكُورَة بِعَينهَا وَإِن بَوْله بَارِد فجّ أقلّ حرارة من بَوْل غَيره من جنسه ونبضه بطيء متفاوت وَهِي فِي الْأَكْثَر تشتدّ كل يَوْم لَكِنَّهَا لغلظ مادتها قد تستحيل ربعا وغبًّا لِأَن مثل هَذِه الْمَادَّة فِي الْبدن قَلِيل وَقَلِيل التعفّن نادره والقلة من أَسبَاب بعد الدّور وَهَذَا لَا يُخرجهَا عَن أَن تكون بلغمية لِأَنَّهَا بلغمية بِسَبَب أَن العفونة عفونة البلغم لَا بِسَبَب أَن النّوبَة تعود كل يَوْم أما مُدَّة نوبتها فَمن أَربع سَاعَات إِلَى أَربع وَعشْرين سَاعَة وَفِي الْأَكْثَر تَنْقَضِي قبل ذَلِك لِأَن هَذِه الْمَادَّة لَا تكون بِتِلْكَ الْكَثْرَة. فصل فِي الحمّى الَّتِي يبطن فِيهَا الحرّ وَيظْهر فِيهَا الْبرد وَهِي ليغوريا هَذِه الحمّى فِي الْأَكْثَر بلغمية وَقد تكون صفراوية من صفراء غَلِيظَة جدا فإمَّا أَنَّهَا كَيفَ تكون بلغمية فَهُوَ أَن البلغم الْبَاطِن إِذا اشتعل وعفن سخن ذَلِك الْموضع وَلِأَنَّهُ لَيْسَ يتحلّل فَلَا يسخن ظَاهر الْبدن بانتشار بخاره سخونة كَثِيرَة وَلِأَن الْقُوَّة تنصبّ إِلَى حيّز الْأَدْنَى فيخلو الظَّاهِر عَن الْحر فيبرد. وخصوصاً إِذا كَانَ فِي الظَّاهِر بلاغم فجّة زجاجية بَارِدَة وَأَيْضًا
(3/61)

لِأَنَّهُ كثيرا مَا يتحلّل مِنْهُ بخار لم يعفن وَلكنه يصعد ويتصل للحرارة وتصحبه الْحَرَارَة مُدَّة قَليلَة ثمَّ تزايله مزايلتها بخار المَاء المسخن فَإِذا زايلته وَكَانَ فِي الأَصْل قبل العفونة شَدِيد الْبُرُودَة يعود ويبرّد الْبدن. وَأما أَنَّهَا كَيفَ تكون صفراوية فَهُوَ أَن الصَّفْرَاء إِذا كَانَت قَليلَة وباطنة وعفنت وسخنت الْموضع وَلم يتَحَلَّل مِنْهَا شَيْء عرض مَا قُلْنَا فِي نظيرها من البلغم وَقد تسمى هَذِه فَأَما ليغوريا فَهُوَ اسْم الْجِنْس وَهِي أطول مُدَّة من شطر الغب. وَلقَائِل أَن يَقُول: كَيفَ تكون الحمّى وَلَا تنبعث فِيهَا الْحَرَارَة من الْقلب إِلَى جَمِيع الْبدن وَالَّذِي تصفونه فَهُوَ من قبيل مَا لَا تنبعث فِيهَا الْحَرَارَة من الْقلب فِي جَمِيع الْبدن. فَالْجَوَاب: أَن حُدُود هَذِه الْأَشْيَاء يعْتَبر فِيهَا شَرط أَن لَا يكون مَانع مثل مَا تحد المَاء بِأَنَّهُ الْبَارِد الرطب أَي إِذا خلي وطباعه وَلم يكن مَانع وتحدّ الثقيل بِأَنَّهُ الهاوي إِلَى أَسْفَل إِذا خلي وطباعه وَفِي جَمِيع هَذِه فَإِن الْحَرَارَة تبلغ إِلَى الْقلب وتنبعث فِي الشرايين وتنتشر لَكِن يعرض مَا يمْنَع من ذَلِك فِي بعض الْمَوَاضِع كَمَا يعرض لَو وضع الجمد عَلَيْهِ وَأما أضرارها بِالْفِعْلِ فَلَا بُد مِنْهُ. فصل فِي الحمّى الَّتِي يكون فِيهَا كل وَاحِد من الْأَمريْنِ فِي كل وَاحِد من الْمَوْضِعَيْنِ مثل هَذِه الْحمى إِن كَانَ فَإِنَّمَا يكون حَيْثُ تكون مادتان باردتان تتحركان بِسَبَب التعفن إِحْدَاهمَا فِي الْبَاطِن وَالْأُخْرَى فِي الظَّاهِر وَلَيْسَ وَلَا وَاحِدَة مِنْهُمَا كَثِيرَة فَاشِية ثمَّ إِذا أخذتا تتعفنان أرْسلت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بخاراً حاراً يطِيف بنواحيها وَحَيْثُ هُوَ فبارد وَقد علمت السَّبَب فِي تحير الْخَلْط الْبَارِد فِي حَال الْحَرَكَة فَاعْلَم جَمِيع مَا قُلْنَاهُ. فصل فِي الحمّى الغشيية الخلطية هِيَ فِي الْأَكْثَر بِسَبَب بلغم فج تخمي متفرق كثير قد قهر الْقُوَّة وَفِي الْأَكْثَر يعين غائلتها ضعف فِي الْمعدة إِذا تحرّك وَأخذ فِي العفنة قهر الْقُوَّة أَكثر وَجعلهَا متحيرة إِن تركت والمادة لم تف بهَا وَإِن اشْتغل باستفراغها بِرِفْق عَصَتْ أَو تحركت حَرَكَة خانقة للقوة وَإِن اشْتغل باستفراغها بإسهال أَو فصد بالعنف لم تحْتَمل الْقُوَّة وَكَيف تدَمل وَهُنَاكَ مَعَ سكونها غشي وَمَعَ هَذَا كُله فَإِن حَاجتهم إِلَى الاستفراغ شَدِيدَة وَأَيْضًا فَإِن حَاجتهم إِلَى الْغذَاء شَدِيدَة لِأَن أخلاطهم لَيْسَ فِيهَا مَا يغفو الْبدن فينعشه وَالْبدن عادم للغذاء فَإِن تكلّف التغذية زَادَت الْمَادَّة الباهضة وَإِن لم يغذ سَقَطت الْقُوَّة ويعرض فِي ابتدائها أَن ينصبّ إِلَى الْقلب شَيْء بَارِد يحدث الغشي فيصغر النبض ويبطؤ ويتفاوت ثمَّ أَن الطبيعة تجتهد فِي تسخين الْمَادَّة تلطيفها. والعفونة الَّتِي حركت بعض أَجْزَائِهِ تعين عَلَيْهِ فيتخلص الْقلب من ضَرَر برده وَيَقَع فِي ضَرَر حره فَيصير النبض
(3/62)

سَرِيعا وخصوصاً فِي انقباضه أَكثر من سرعَة غَيره على أَن الْغَالِب مَعَ ذَلِك صغر وبطء وتفاوت ودورها دور البلغمية لَا يحلّ قلادها وَيكثر مَعهَا تهيّج الْوَجْه وتربّل الْبدن وألوان أَصْحَابهَا لَا تَسْتَقِر على حَال بل قد تكون مائية ورصاصية وَرُبمَا صَارَت صفراء وَرُبمَا صَار سَوْدَاء وَرُبمَا صَارَت شفاههم كشفاه آكل التوت. وَأما عين صَاحبهَا فكمدة خضرًا يجحظ جدا عِنْد الهيجان من الْعلَّة وَيصير كالمخنوق وَمَا تَحت الشراسيف مِنْهُ شَدِيد الانتفاخ. وَكَذَلِكَ أحشاؤه وَرُبمَا تقيأ حامضاً وَإِذا كَانَ بِهِ ورم فِي بعض الأحشاء فَلَا يُرْجَى الْبَتَّةَ وَقد تعرض هَذِه الْحمى أَيْضا فِي الْأَوْقَات من الصَّفْرَاء الْغَالِبَة الغليظة وَتَكون مَعهَا حرقة فِي الأحشاء وتتقيأ مرَارًا وَيكون لَهَا أدوار البلغمية فِي الْأَكْثَر. فصل فِي الْحمى الغشيية الدقيقة الرقيقة هَذِه حمّى حادة تسْقط النبض وَالْقُوَّة فِي نوبَة وَاحِدَة أَو نوبتين مَعَ تربّل ذَوَباني يحدث فِي الحرّ بِسُرْعَة وَرُبمَا لم تقف مَعهَا الْقُوَّة إِلَى الرَّابِع وَيكون من كيموسات وأكثرها صفراوية شَدِيدَة الرقة والغوص رَدِيئَة الْجَوْهَر سميَّة قد عرض لَهَا التعفن فِي أبدان حارة المزاج يابسة جدا وَأكْثر نَوَائِب هَذِه الحميات غب. فصل فِي الْحمى النهارية والليلية من البلغمية النهارية هِيَ الَّتِي نوائبها تعرض نَهَارا وفتراتها لَيْلًا والليلية بِالْعَكْسِ وَكِلَاهُمَا رَدِيء والنهارية أطول وأردأ يُوقع كثيرا لطولها ولعروضها فِي حر النَّهَار فِي دق وَلَوْلَا أَنَّهَا خبيثة لم تكن لتعرض وَقت انفتاح المسام وتحلّل البخار وَلنْ تعرض إِلَّا لِكَثْرَة الْمَادَّة وقوّتها وَيحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى أَن يغفو صَاحبهَا لَيْلًا وَلَا يتْرك أَن ينَام على امتلاء معدته ويكلف السهر وَهُوَ مِمَّا يسْقط الْقُوَّة ومقاساة الْحمى فِي حرّ النَّهَار والسهر فِي برد اللَّيْل مِمَّا بالحري أَن يُوقع فِي الدق وَبِالْجُمْلَةِ فَهِيَ من جملَة الحمّيات الْعسرَة. علاج البلغمية: إِن علاج هَذِه الْعلَّة قد تخْتَلف بِحَسب أَوْقَاتهَا أَعنِي الإبتداء والإنتهاء والإنحطاط وبحسب ظُهُور النضج فِيهَا وخفائه وتختلف بِحَسب موادها أَعنِي البلغمية الحامضة والبلغمية الزجاجية والبلغمية المالحة والحلوة وَجَمِيع أصنافها تشترك فِي وَقت الِابْتِدَاء فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء: فِي وجوب التليين المعتدل والقيء وَفِي وجوب اسْتِعْمَال الملطّفات والمقطّعات والمدرّات. وَكلما يَأْتِي على الحمّى ثَلَاثَة أَيَّام ترق فِيهَا الْمَادَّة بِسَبَب الْحمى وَقبل ذَلِك تحرّك وتؤذي وَلَا تفعل شَيْئا وَفِي الِاسْتِظْهَار بتلطيف التَّدْبِير على الِاعْتِدَال وَرُبمَا اقتُصر على مَاء الشّعير فِي الثَّلَاثَة الْأَيَّام الأول رَجَاء أَن يكون مُنْتَهَاهَا أقرب إِمَّا لرقة الْمَادَّة أَو لقلّتها وَلَو علم يَقِينا أَن مُنْتَهَاهَا متباطىء لم يلطف التَّدْبِير.
(3/63)

على أَن الْجُوع وَالنَّوْم على الْجُوع والرياضة عَلَيْهِ إِن لم يضعف غَايَة فِي الْمَنْفَعَة من هَذَا الْمَرَض بل يمال فِي الِابْتِدَاء إِلَى التَّغْلِيظ إِلَى السَّابِع ثمَّ يدرج لَكِن الِاسْتِظْهَار يُوجب أَن يلطف التَّدْبِير أَولا فَإِن ظهر أَن الْمُنْتَهى بعيد أمكن أَن يتلاقى ذَلِك بتغليظ التَّدْبِير ثمَّ يدرج إِلَى وَقت الْمُنْتَهى لِأَن الزَّمَان مُمكن من ذَلِك فِي هَذِه الْعلَّة غير مُمكن فِي الحادة وَإِذا جَاوز السَّابِع فَلَا يقيمن على التلطيف فَإِن ذَلِك يضعف وَيزِيد فِي ضعف فَم الْمعدة وَكلما أحسست بطول أَكثر لطّفت أقلّ على أَن تلطيفه فِيهَا أوجب مَا يجب فِي الرّبع وَكَذَلِكَ يجب أَن لَا يسْرع سقيه مثل مَاء الْفروج وَالْخبْز مَعَ المزورات إِلَّا أَن يخَاف الضعْف أَو يظْهر الانحطاط ثمَّ يخْتَلف مَا كَانَ سَببه المالح أَو الحلو وَمَا كَانَ سَببه الزجاجي أَو الحامض فَتكون مِنْهُ حمّى قروموديوس الزمهريرية الَّتِي لَا يسخن الْبدن فِيهَا على أَن الْأَوَّلين يحْتَاج فيهمَا إِلَى تليين بدواء لين وَإِلَى تبريد مَا. وَفِي الثانيتين بدواء أعنف والأوليان يحْتَاج فيهمَا إِلَى تقطِيع بالملطّفات المقطّعات الَّتِي فِيهَا تسخين غير كثير وَإِن كَانَ تجفيف كثير وَفِي الثانيتين يحْتَاج إِلَى مَا يلطّف بتسخين وتقطُع بحرافة وخصوصاً إِذا كَانَ البلغم مختلطاً بِالسَّوْدَاءِ فَلَا بُد فِي مثله من مثل الكمّوني ومعجون الكبريت وَاسْتِعْمَال المملّحات وأوفق الْأَدْوِيَة الَّتِي تسْتَعْمل فِي الِابْتِدَاء الجلنجبين إِلَى الْيَوْم السَّابِع وَلَا بَأْس بِأَن يسْتَعْمل أَيْضا مَاء الرازيانج وَمَاء الهندبا وَمَاء الكرفس مَعَ المجلنجبين بِحَسب الْحَاجة والسكنجبينُ شَدِيد الْمَنْفَعَة أَيْضا وَمَاء الْعَسَل بالزوفا وَقد يُمكن أَن يبلغ بِهِ مَا يُرَاد من تليين الطبيعة وخصوصاً المسهل الْمُتَّخذ من السكر والورد الْأَحْمَر الْمَعْرُوف بالفارسي فَإِنَّهُ مسهل ملين وَإِذا احْتِيجَ إِلَى أَن يُقَوي تليينه مُرِس فِي مَاء اللبلابَ وخُلِط بِهِ إِن أُرِيد الْخِيَار شنبر والفانيذ وَأَيْضًا الجلنجبين الْمُتَّخذ بِعَسَل الترنجبين مدوفاً فِي مَاء اللبلاب وَلَا تلح عَلَيْهِ بالمسهلات فِي الِابْتِدَاء وَبعده وخصوصاً إِذا كَانَت مَعَ الْمَادَّة صفراء فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى فَسَاد المزاج وَكثير من النَّاس يسقون فِي الِابْتِدَاء مثل دَوَاء التربد فِي كل لَيْلَة وَمثل حب المصطكى فِي كل أُسْبُوع مرَّتَيْنِ وَمثل نُسْخَة دَوَاء التربد: يُؤْخَذ زنجبيل ومصطكي من كل وَاحِد عشرَة تَرَبد عشرُون سكر طبرزد مثل الْجَمِيع يسقى كل لَيْلَة مِثْقَال وَذَلِكَ إِذا كَانَت الطبيعة غير لينَة وَإِن كَانَت تجيب كل يَوْم مرَّتَيْنِ لم تحتج إِلَى ذَلِك وَأما أَنا فَلَا أحب إِلَّا انْتِظَار النضج والتليين بِمَا ذَكرْنَاهُ أَولا لَا بل يجب أَن يستفرغ مِنْهُ شَيْء ويصبر بِالْبَاقِي إِلَى النضج وَيكون ذَلِك بِرِفْق وقليلاً قَلِيلا من غير إحجاف. ثمَّ أقبل على المدرات وَذَلِكَ أكره مَا يشبه مَاء الإجاص وَالتَّمْر الْهِنْدِيّ وَنَحْوهمَا مِمَّا يضعف الْمعدة ويسهل الرَّقِيق وَإِن كَانَت الْمَادَّة إِلَى زِيَادَة برد خُلِط بِهِ لت القرطم وَإِن كَانَت الْمَادَّة إِلَى الصفراوية خُلِط بِهِ شراب البنفسج أَو البنفسج المربى أَو
(3/64)

الشيرخُشْت أَو البنفسج الْيَابِس مسحوقاً واستعن بالحقن اللينة المتخذة من الْعَسَل وَالْملح وَمَاء السلق ودهن الْخلّ والقيء بِمَاء الفجل والفجل المنقوع فِي السكنجبين الْبزورِي وَنَحْوه وَإِن احْتِيجَ إِلَى قيء أَكثر لِكَثْرَة مَا يَعْتَرِيه من الغثيان وَتغَير طعم الْفَم اسْتعْمل حب الفجل وَشرب مِنْهُ إِلَى مِثْقَال بِالْمَاءِ الْبَارِد والقيء مَعَ مَا فِيهِ من إضعاف الْمعدة شَدِيد الْمَنْفَعَة جدا وَهُوَ قالع لهَذِهِ الْعلَّة وَيجب أَن ينْتَظر بِهِ السَّابِع لِئَلَّا يَقع مِنْهُ فِي الأول عنف يورم الْمعدة وَإِن تعذر عَلَيْهِ الْقَيْء لم تجبره عَلَيْهِ بالعنف وَإِن اعتراه قذف وخصوصاً فِي ابْتِدَاء الدّور لم يحبس إِلَّا أَن يحجف ويضعف فَحِينَئِذٍ يحبس بِمثل الميبة وشراب النعناع وَمَا نذكرهُ من بعد وَإِن عرض صداع اسْتعْملت النطولات البابونجية مَعَ إرْسَال الْأَطْرَاف الْأَرْبَعَة فِي المَاء الْحَار وَشد السَّاقَيْن بِالْقُوَّةِ وَإِن احْتِيجَ إِلَى مَاء الشّعير اسْتعْمل مِنْهُ الْمَطْبُوخ بالأصول مِقْدَارًا معتدلاً أَو خلط بِهِ سكنجبين الْعَسَل إِن لم يحمض فِي الْمعدة أَو مَاء الْعَسَل إِن حمض وَأولى وَقت سقِِي فِيهِ ذَلِك أَن يكون فِي مَائه فِي أول الْأَمر انصباغ فَيجب أَن يسقى أَولا الجلنجبين ثمَّ يسقى بعد بساعتين مَاء الشّعير وَلَا يجب أَن يمرخ بالمروخات المحللة وَلَا ينطل بالنطولات الملطفة إِذا كَانَت الْعلَّة فِي الإبتداء وَكَانَ فِي الْبدن خلط جوّال فَإِنَّهَا ترخي الأحشاء بتسخينها الرطب وتجتنب المَاء الْبَارِد. وَكلما رَأَيْت الْبَوْل أغْلظ وأحمر فَلَا بَأْس بِأَن تفصموا الْوَاجِب أَن تفزع حِينَئِذٍ إِلَى السكنجبينات وَاعْلَم أَن الدَّلْك من المعالجات النافعة لَهُم وَكلما كَانَ البلغم ألزج وَأَغْلظ كَانَ الدَّلْك أَنْفَع وَقيل أَن الدَّلْك بنسج العنكبوت مَعَ الزَّيْت نَافِع جدا لَا سِيمَا إِذا ديف نسج العنكبوت فِي دهن الْورْد المفتَّر وتُمرخ الأنامل وأصابع الرجل بذلك فَإِنَّهُ نَافِع جدا وَهَذَا مَا جربناه مرَارًا إِذا أخذت الْعلَّة فِي التزايد. وَبعد ذْلك فَلْيَكُن أَكثر عنايتك بِفَم الْمعدة وَمَا يقويه والمضوغات المتخذة من النعناع والمصطكي والأنيسون وَاسْتِعْمَال الْقَيْء على مَا ذكرنَا بالفجل مَعَ تقليل الْغذَاء وَيكون الجلنجبين الَّذِي تسقيه حِينَئِذٍ وَبعد السَّابِع مخلوطاً بِهِ مَا يقوّي فَم الْمعدة وَيكون فِيهِ إدرار كثير مثل الأنيسون والمصطكى وَيكون بِالْمَاءِ الْحَار وخصوصاً فِي ابْتِدَاء الدّور فَإِنَّهُ يُقَاوم النافض وَالْبرد ويطفىء مَعَ ذَلِك الْعَطش إِن كَانَ يهيج وَكَثِيرًا مَا رخص فِي استفراغ البلغم والخام فِي هَذَا الْوَقْت وَالْأولَى أَن ينْتَظر بِهِ تَمام النضج. وَإِذا كَانَت الْعلَّة تَأْخُذ بالجد وتلح انْتفع بِهَذَا القرص. ونسخته: يُؤْخَذ إهليلج أصفر وصبر وعصارة غافت وعصارة الأفسنتين من كل وَاحِد خَمْسَة دَرَاهِم زعفران ومصطكي من كل وَاحِد سِتَّة دَرَاهِم يقرّض ويسقى مِنْهُ كل يَوْم وزن دِرْهَم وكل لَيْلَة وزن نصف دِرْهَم فَإِذا رَأَيْت النضج يظْهر أعنته بِمثل ورق الكرفس والرازيانج وأصول الأذخر وبرشاوشان. وَإِن علم أَن الْمَادَّة بَارِدَة جدا لم يكن بَأْس بِاسْتِعْمَال الفلفل الْيَسِير وباستعمال الشَّرَاب الرَّقِيق قَلِيلا غير كثير وَقد تعين المروخات المحللة على الإنضاج والتحليل بِقُوَّة قَوِيَّة.
(3/65)

والمروّخات المحلّلة أوفق فِي هَذِه الْعلَّة مِنْهَا فِي سَائِر الحميات وَيجب أَن يعْتَبر فِي ذَلِك الْقُوَّة والحمّى والنافض فَإِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة وَلَيْسَت الْحمى بصعبة جدا زيد فِي قُوَّة المروخات وَإِلَّا اسْتعْملت الأدهان اللطيفة الَّتِي إِلَى الإعتدال وَإِذا جَاوز الرَّابِع عشر فَلَا بُد من اسْتِعْمَال مَا يلطّف أَكثر مثل الرازيانج والكرفس وَرُبمَا احتجت إِلَى بزورهما وَإِلَى الأنيسون وَإِلَى مثل وَرُبمَا احْتِيجَ أَن يُزَاد فِيهَا بِسَبَب الْمعدة كندر ومصطكي وَسعد وأفسنتين وَنَحْوه بِحَسب مَا توجبه الْمُشَاهدَة وَالشرَاب الرَّقِيق يَنْفَعهُمْ فِي هَذَا الْوَقْت بتلطيفه وتقويته الْحَار الغريزي وإدراره وتعريقه وَإِذا رَأَيْت نضجاً وَقُوَّة سقيته أَقْرَاص الأفسنتين وَبعد ذَلِك إِذا رَأَيْت الْبرد فِي ابْتِدَاء النوائب يُؤْذِي وَالْعلَّة لَيست فِي الِابْتِدَاء سقيت مَاء حاراً طُبخ فِيهِ مثل بزر الكرفس والأنيسون والحبق واستعملت أَيْضا أَمْثَال هَذِه وَأقوى مِنْهَا نطولات وبخورات وأمثال ذَلِك. وَقد يسقى فِي النافض الشَّديد على هَذِه النُّسْخَة. وَهِي: زنجبيل وصعتر ونانخواه من كل وَاحِد ثَلَاثَة دَرَاهِم كزبرة أَرْبَعَة ورد فودنج من كل وَاحِد ثَلَاثَة. زبيب سَبْعَة يطْبخ على الرَّسْم والشربة ثَلَاث أَوَاقٍ. وَإِذا رَأَيْت النضج التَّام فاستفرغ وأدرّ بِمَا فِيهِ قُوَّة واسقه مثل دبيد كبريثا وَإِن كَانَت الْمَادَّة من أبرد البلغم سقيته الترياق وَيجب أَن يُسقى أَيْضا أَقْرَاص الْورْد الْكَبِير بِمَاء الرازيانج وَإِن يجتزي كل لَيْلَة بدواء التربد وحبّ الصَّبْر الْمُتَّخذ بالغافت أَو الْمُتَّخذ بالأفاويه. وَمن ذَلِك مطبوخ بِهَذِهِ الصّفة: يُؤْخَذ أيارج سَبْعَة تَرَبد عشرَة إهليلج أسود خَمْسَة غافت خَمْسَة ملح هندي ثَلَاثَة باذاورد وشُكَاعَى من كل وَاحِد أَرْبَعَة أنيسون ثَلَاثَة يطْبخ بِمَاء الكرفس ويسقى مِنْهُ بِقدر الْحَاجة وَأقوى من ذَلِك الأصلان وأصل السوس من كل وَاحِد عشرَة أيارج ثَمَانِيَة عصارة الغافت خَمْسَة بزر الكرفس والرازيانج من كل وَاحِد أَرْبَعَة ورد أُخْرَى مجربة: يُؤْخَذ الأصلان من كل وَاحِد عشرَة الزَّبِيب المنقى سَبْعَة أنيسون ومصطكي من كل وَاحِد ثَلَاثَة شكاعى وباذاورد وغافت من كل وَاحِد أَرْبَعَة يطْبخ بِثَلَاثَة أَرْطَال مَاء إِلَى أَن يرجع إِلَى رَطْل ويسقى أَيَّامًا على الرِّيق. أَقْرَاص جَيِّدَة مجربة عمد الْأَزْمَان واشتداد النافض ونسختها: يُؤْخَذ أيارج وعصارة الغافت أفسنتين شكاعى باذاورد من كل وَاحِد خَمْسَة بزر الكرفس والرازيانج والأنيسون من كل وَاحِد ثَلَاثَة ملح نفطي أَرْبَعَة بزر الكشوث إهليلج كابلي من كل وَاحِد عشرَة غاريقون خَمْسَة عشر أَقْرَاص الْورْد عشرُون تَرَبد ثَلَاثُونَ يتَّخذ مِنْهُ أَقْرَاص وَهُوَ مسهل نَافِع. وَأَيْضًا: يُؤْخَذ صَبر إهليلج أصفر راوند مصطكي عصارة الغافت أفسنتين من كل وَاحِد جُزْء زعفران نصف جُزْء يدقّ وَيسْتَعْمل. وَأَيْضًا: يُؤْخَذ أيارج إهليلج كابلي وملح من كل وَاحِد أَرْبَعَة دَرَاهِم بزر الكرفس والرازيانج والأنيسون من كل وَاحِد وَاحِد وَنصف أفسنتين خَمْسَة أَقْرَاص الْورْد ثَلَاثَة شكاعى باذاورد من كل وَاحِد دِرْهَمَانِ يُدقّ ويُحبّب ويُستعمل فَإِنَّهُ نَافِع جدا.
(3/66)

صفة مطبوخ جيد مجرب: يُؤْخَذ غافت خَمْسَة أصل السوس وأصل السوسن ونانخواه من كل وَاحِد ثَلَاثَة بزر الكرفس والرازيانج من كل وَاحِد أَرْبَعَة ورد خَمْسَة يطْبخ على الرَّسْم الْمَعْلُوم وَأَيْضًا: الْأُصُول الثَّلَاثَة من كل وَاحِد عشرَة. أنيسون وبزر الكرفس من كل وَاحِد دِرْهَمَانِ شكاعى وباذاورد وغافت وأفسنتين من كل وَاحِد خَمْسَة قنطوريون ثَلَاثَة يطْبخ هـ يشرب مِنْهُ أَربع أَوَاقٍ. أُخْرَى: يُؤْخَذ حشيش الغافت شاهترج شكاعى باذا ورد أفسنتين من كل وَاحِد خَمْسَة زبيب عشرَة إهليلج أصفر عشرَة وَهَذَا للمشايخ وَالْغَالِب عَلَيْهِ الصَّفْرَاء أوفق والغاريقون إِذا استف مِنْهُ إِلَى دِرْهَم وَدِرْهَم وَثلث أَيَّامًا منع تطاول الْعلَّة يستف مِنْهُ أَو يمزج بِعَسَل وَيشْرب وبزر الأنجرة بعد النضج عَجِيب جدا سفيفاً أَو بِعَسَل. وَأما الجذب لَهُ صوب الإسهال فَيجب أَن يُزَاد فِيهِ بِسَبَب ضعف الكبد ريوند وبزر الكشوث وبسبب ضعف الْمعدة المصطكى والأنيسون وبسبب الطحال وغلظة أصل الْكبر وأسقولوقندريون فَإِنَّهُ كثيرا مَا يصحب هَذِه الْعلَّة طحال وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى أَن يُزَاد لأَجله سعد وحبّ البان وحلبة وَمَعَ ذَلِك تراعى حَال شدَّة الْحمى لِئَلَّا يَقع إفراط تسخين. وَأما المستفرغات الَّتِي هِيَ أقوى الْمُحْتَاج إِلَيْهَا فِي هَذِه الْعلَّة عِنْد النضج فَمن ذَلِك أَن تزاد الشربة من حب التربد وَيسْتَعْمل الحقن القوية وَمن ذَلِك هَذَا الْحبّ على هَذِه الصّفة: ونسخته: يُؤْخَذ مصطكي دانق أيارج فيقرا نصف عرهم عصارة الأفسنتين ربع دِرْهَم شَحم الحنظل دانق غاريقون نصف دِرْهَم يحبّب بالسكنجبين العسلي ويُسقى وَمن ذَلِك حبّ المصطكى وَالصَّبْر. وَإِذا كَانَت الْمَادَّة إِلَى الْحَرَارَة أَخذ من أَقْرَاص الطباشير المسهل ثَلَاثَة أَقْرَاص وَمن التربد مِثْقَال وَمن السقمونيا نصف مِثْقَال وَمن عصارة الغافت مثقالان ويسقى بِقدر الْقُوَّة. وَأَيْضًا: يُؤْخَذ غافت أفسنتين برشاوشان إهليلج شاهترج زبيب منقّى بِالسَّوِيَّةِ يسقى بِقدر الْحَاجة وَإِن لم يحْتَمل الْبدن الإسهال أقبل على الملطّفات وعَلى المدرات والمعرقات وَمن جملَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ حِينَئِذٍ نَقِيع الصَّبْر بالعسل. فَإِذا انحطت الْعلَّة لم يكن حِينَئِذٍ بِدُخُول الْحمام قبل الطَّعَام بَأْس. وَأما أغذيتهم: أما اللطيفة فَمثل الْخلّ وَالزَّيْت وَرُبمَا جعل فِيهِ قَلِيل مري وخصوصاً فِي آخِره. وَأما الَّتِي هِيَ أقوى فالطياهيج والفراريج والقباج وَنَحْوهَا بعد الانحطاط وَيجب أَن يَجْعَل فِيهَا وخصوصاً عِنْد النضج مَا فِيهِ تقطيع مثل: الخلّ والخردل والمري وَإِذا كَانَ البلغم حامضاً رديئاً لزجاً فالكراث وَمَاء الحمص من أَجود الأغذية لَهُم إِذا جعل فِيهِ كمون وشبث وزيت وَأَيْضًا بوارد تتَّخذ من السلق والمري والخلّ وَالزَّيْت المغسول الكوامخ مثل: كامخ الْكبر وكامخ الشبث والصعتر والأنجذان والهليون. ويجتنب الْبُقُول الَّتِي فِيهَا تبريد وترطيب وَوقت الْغذَاء بعد فتور
(3/67)

وَأما تَقْدِير نومهم فَأن يكون معادلاً لليقظة ليَكُون النضج إِلَى النّوم والتحليل إِلَى الْيَقَظَة. والحمّام شَدِيد الْمضرَّة لَهُم إِلَّا بعد الانحطاط. تدارك قذفهم إِذا أفرط: يَنْبَغِي أَن يُستعان فِي ذَلِك بِمثل الميبة وشراب الرُّمَّان النعناعي الْمَعْرُوف وَإِن احْتِيجَ إِلَى أقوى أَخذ من حب الرُّمَّان المر عشرَة دَرَاهِم وَمن الكندر الْأَبْيَض والمصطكى من كل وَاحِد خَمْسَة نعناع سَبْعَة يطْبخ فِي رطلين من المَاء وَفِيه طاقات من النعناع حَتَّى ينتصف. تدارك إسهالهم إِذا أفرط: أما حَبسه فِيمَا علمت من القوابض التدبيرية والدوائية وَأما تَدْبِير إضعافه فبأن يطعم عقبه الفراريج المشوية والمُطَجنه والبخورات والروائح الناعشة. وَإِن عرض تهيج فِي الْوَجْه والأطراف انتفعوا بِاسْتِعْمَال مثل هَذَا القرص. ونسخته: يُؤْخَذ أنيسون وَلَك مغسول من كل وَاحِد خَمْسَة لوز مر وزعفران ومرّ ماخوز من كل وَاحِد أَرْبَعَة دَرَاهِم بزر الكرفس وبزر الرازيانج ونقاح الأذخر من كل وَاحِد ثَلَاثَة عصارة الغافت ثَلَاثَة وَنصف سنبل سِتَّة أيارج فيقرا سَبْعَة ورد عشرَة يتَّخذ مِنْهُ أَقْرَاص وَيسْتَعْمل وَرُبمَا احتجت إِلَى مثل أمروسيا ودواء اللك ودواء اللوز المرّ. قرص لطول الْحمى مَعَ الْبرد: يُؤْخَذ ورد عشرَة مصطكي وسنبل وبزر الرازيانج وبزر الكرفس وبزر الهندبا وعصارة الغافت وأفسنتين من كل وَاحِد أَرْبَعَة طباشير خَمْسَة يقرص والشربة دِرْهَم إِلَى دِرْهَمَيْنِ مَعَ عشرَة جلنجبين فِي طبيخ بزر الرازيانج قدر أوقيتين والنانخواه المعجون بالعسل منفعَته عَظِيمَة فِي مثل هَذَا الْموضع وَرُبمَا احتجت لطول الْبرد إِلَى الدَّلْك وَالْوَجْه فِيهِ أَن يبتدىء من اَلمنكبين والأربيتين فَإِذا انتشرت الْحَرَارَة فِي الْيَد وَالرجل وسخنتا فَإِن أحس بشِبهِ الإعياء انْتقل إِلَى الدَّلْك الصلب فَإِذا اشتمت السخونة فَلَا بَأْس بِأَن يدلك بالدهن حَتَّى يبلغ الْعُضْو السخونة الْمُحْتَاج إِلَيْهَا فيتركه إِلَى عُضْو آخر. وَمن الأدهان الجيدة: الزَّيْت العذب الَّذِي لَا قبض فِيهِ ودهن البابونج ودهن الشبث الْمَطْبُوخ فِي الْإِنَاء المضاعف وَإِذا فرغت فامسح الدّهن لِئَلَّا يكرب وَلَا بَأْس بِأَن يتبع الدَّلْك الْيَابِس دلكا بالدهن وَمِمَّا يحفظ بِهِ معدهم أَن لَا يضعف المروّخات الَّتِي هِيَ مثل دهن البابونج ودهن النادرين ودهن الشبث وَأقوى مِنْهُ الرازقي وَمن الأضمدة النافعة أَن يطْبخ البابونج وَشَيْء يسير من المصطكى مطبوخاً بشراب مَعَ ضعفه عسل وَإِن كَانَت الشَّهْوَة سَاقِطَة فالأجود أَن لَا يسْتَعْمل الشَّرَاب بل الميبختج مطبوخاً فِيهِ البابونج وَالتَّمْر القسب أَو الْبُسْر وإكليل الْملك والأفسنتين. علاج البلغمية اللَّازِمَة وَتسَمى اللثقة: علاجها علاج النائبة كل يَوْم ويفارقه بِأَن ذَلِك يجب أَن يكون اسْتِعْمَال الملطفات الحادة فِيهِ بِرِفْق وَإِن اقْتصر على مثل السكنجبين والجلنجبين وجلاب الْعَسَل وَمِائَة وَمَاء الرازيانج والكرفس وَالْأُصُول الثَّلَاثَة أوشك أَن ينفع وَقد يَنْفَعهُمْ كامخ الشبث وكامخ الْكبر وخصوصاً مَعَ أثار النضج وتدبير غذائهم فِي مُرَاعَاة الْأَزْمَان وخلافه وَقُوَّة
(3/68)

الْقُوَّة وضعفها تَدْبِير مَا سلف ذكره وَمن الْأَدْوِيَة الجيدة لَهُم أَقْرَاص الْعشْرَة وَأَيْضًا من الْأَدْوِيَة الجيدة المجربة لَهُم دَوَاء بِهَذِهِ الصّفة. ونسخته: يُؤْخَذ ورد سِتَّة ربّ السوس وشاهترج وسنبل من كل وَاحِد أَرْبَعَة دَرَاهِم مصطكي ثَلَاثَة كهربا ثَلَاثَة أنيسون اثْنَان. أُخْرَى: وَأَيْضًا أَقْرَاص الغافت. ونسختها: يُؤْخَذ غافت أَرْبَعَة دَرَاهِم ورد دِرْهَم وَثلث وطباشير دِرْهَمَانِ وَنصف. وَأَيْضًا يُؤْخَذ غافت ثَلَاث أواقي ورد نصف رَطْل سنبل نصف رَطْل طباشير أَربع أواقي وَأَيْضًا قرص أفسنتين. ونسخته: يُؤْخَذ أفسنتين أسارون بزر الكرفس أنيسون لوز مر شكاعى باذاورد عصارة الغافت مصطكي وسنبل من كل وَاحِد إثنان يَجْعَل أقراصاً على الرَّسْم الْمَعْلُوم. علاج أنفيالوس وليفوريا: علاجهما قريب من علاج مَا ذكرنَا قبلهمَا وهما أَيْضا متقاربا الطَّرِيقَة وَيجب أَن يبْدَأ أَولا بالسكنجبين العسلي والسكري وَقد يُؤمر فيهمَا أَيْضا بربّ الحصرم الْمَطْبُوخ بالعسل وبشراب الْورْد ثمَّ يتدرّج من طَرِيق سقِِي البزور ومياهها إِلَى نَقِيع الصَّبْر وأقراص الْورْد بالمصطكى وَحب الصَّبْر وأيارج فيقرا وَحب الغافت وَيجب فيهمَا جَمِيعًا أَن يعتنى بالمعدة وَيسْتَعْمل الْقَذْف بِمَاء اللوبيا والفجل والشبث والفودنج والمدرّات. وَمن المسهّلات النافعة مِنْهُمَا مَا يتَّخذ من الهليلج الْأسود والأصفر والتربد وَالسكر وَمِمَّا ينفع مِنْهُمَا نفعا بليغاً. الحقن المائلة إِلَى الحدة الْوَاقِع فِيهَا لبّ القرطم والقنطوريون الدَّقِيق والشبث والبابونج والحسك وإكليل الْملك والمريّ وَالْعَسَل وتدبير ليفوريا يحْتَاج إِلَى رفق أَكثر من تَدْبِير الْأُخْرَى. علاج الحمّى الغشيية الخلطية: هَذِه الحمّى صعبة العلاج وَالْوَجْه فِي علاجها الاستفراغ مندرجاً من اللطيفة إِلَى القوية وخصوصاً إِذا كَانَت الطبيعة لَا تجيب من نَفسهَا فَإنَّك بالحقن تنقّي مَا فِي المعا وَالْعُرُوق الْقَرِيبَة مِنْهَا من الْفضل وتستعمل فِي الْبَاقِي التلطيف بالدلك وَقد زعم جالينوس أَنه عجز عَن استفراغ أَكْثَرهم إِلَّا بالدلك وَأحسن الْوُجُوه فِي دلكهم أَن يبْدَأ من الفخذين والساقين منحدراً من فَوق إِلَى أَسْفَل يسْتَعْمل فِي ذَلِك مناديل خشنة ساحجة للجلد ثمَّ ينْتَقل إِلَى الْيَدَيْنِ نازلاً من الْمنْكب إِلَى الكفّ بِحَيْثُ يحمّى الْجلد ثمَّ الظّهْر والصدر ثمَّ يعاود السَّاقَيْن وَيرجع إِلَى النظام الأول وَتجْعَل نصف زمانهم للدلك وَنصف زمانهم للتنويم إِن أمكن. وَبِالْجُمْلَةِ قانون علاجهم تلطيف غير مسخّن جدا وَمِمَّا يَنْفَعهُمْ من الملطّفات مثل مَاء الْعَسَل وخصوصاً مَعَ قُوَّة من الزوفا أَو من بزر الكرفس فِي الغدوات وَنَحْوه. فَإِن كَانَ هُنَاكَ
(3/69)

إسهال مفرط طبخت مَاء الْعَسَل طبخاً أشدّ فَلَا يسهل إِلَّا قَلِيلا معتدلاً نَافِعًا والسكنجبين المعسل أَيْضا يَنْفَعهُمْ. أما فِي الصَّيف وَمَعَ عَادَة شرب المَاء الْبَارِد فممزوجاً بِالْمَاءِ الْبَارِد وَفِي الشتَاء فَيجب أَن لَا يسقوه الْبَتَّةَ وليقتصروا على المَاء الْحَار وَتَنَاول الْحَار من الْأَشْرِبَة أفضل لَهُم إِلَّا عِنْد ضَرُورَة القيظ وَشدَّة إكراب الْحر وأوفق مَا يسقون للعطش السكنجبين العسلي وَالشرَاب يَنْفَعهُمْ من أول الْأَمر وخصوصاً إِن كَانَت حمّاهم قَوِيَّة وقلما تكون وخصوصاً فِي الْمَشَايِخ وَلَا بُد لَهُم بعد الْغذَاء من شراب وَيجب عَلَيْك أَن تراعي نبض صَاحب هَذِه الْعلَّة دائمأ فَإِذا رَأَيْته أَخذ فِي الضعْف والسقوط بَغْتَة أطعمته خبْزًا مبلولاً بشراب ممزوج إِن لم يمْنَع ورم فِي الأحشاء فَإِنَّهُ إِذا قَارن هَذِه الْعلَّة لم يكن للعلاج وَجه وَلَا للرجاء مَوضِع أَعنِي إِذا حدث مثل هَذَا التَّغَيُّر فِي النبض وَهَذَا الْإِطْعَام مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ عِنْدَمَا يشْتَد الغشي وَلَكِن يجب أَن يتبع ذَلِك دلكا. وَأما الْغذَاء الَّذِي يبيتُونَ عَلَيْهِ فماء الشّعير لَا يُزَاد عَلَيْهِ إِلَّا عِنْد سُقُوط الْقُوَّة وَإِن زيد فخبز منقوع فِي جلاب أَو مَاء الْعَسَل والحمّام من أضرّ الْأَشْيَاء لهَؤُلَاء والحار والبارد جدا من الْهَوَاء فَإِن الْحَار لَا يُؤمن مَعَه سيلان الأخلاط إِلَى الرئة وَالْقلب وَإِلَى الدِّمَاغ والبارد يمْنَع نضجها وَيزِيد فِي تسديدها فَإِن كَانَ الْخَلْط فِيهِ صفراوية مَا فَإِن سهل الْقَيْء وخف كَانَ نَافِعًا جدا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ أولى بِأَن ينجح فِيهِ. علاج الْحمى الغشيية الدقيقة الرقيقة: يجب أَن يضمد صَدره بالصندل وَمَاء الْورْد وينعش بالغذاء قَلِيلا قَلِيلا وَليكن غذاؤه مثل الْخبز المنقوع فِي مَاء الرُّمَّان مبرد إِن اشتهاه وَكَذَلِكَ فِي مَاء الْفَوَاكِه وَإِن احْتِيجَ للقوة إِلَى المصوصات المتخذة من الفراريج بالخل وَمَاء الحصرم والبقول الْبَارِدَة وخصوصاً الكسفرة كَانَ نَافِعًا. تَدْبِير الليلية والنهارية: تدبيرهما تَدْبِير البلغميات لَا خلاف فِيهَا. فصل فِي الرّبع الدائرة وَتسَمى طيطراطلوس أَكثر الرّبع هِيَ الدائرة ويقل وُقُوع ربع لَازِمَة وَأما أَسبَاب الرّبع فَهِيَ مَا يُولد السَّوْدَاء ثمَّ يعفنها وَقد علمت جَمِيع ذَلِك وَعلمت أَن من السَّوْدَاء مَا هُوَ ثقل الدَّم وَمِنْهَا مَا هُوَ حراقته ورماد الأخلاط وَقد علمت أَن من ذَلِك دموياً وَمِنْه بلغمياً وَمِنْه صفراوياً وَمِنْه حراقة السَّوْدَاء الطبيعية نَفسهَا وَزعم بعض النَّاس أَن الرّبع لَا يتَوَلَّد من السَّوْدَاء الطبيعة فَإِنَّهَا لاتعفن. وَمثل هَذَا القَوْل لَا يَنْبَغِي أَن يصاخ إِلَيْهِ بل كل رُطُوبَة من شَأْنهَا أَن تعفن وَإِن تفاوتت فِي الاستعداد وَأكْثر مَا تحدث عقيب أمراض وحميات مُخْتَلفَة بعقب حمّيات متفقة لاخْتِلَاف الأخلاط الَّتِي تتولد مِنْهَا وَمن عفونتها فَإِنَّهَا إِذا ترمّدت وَلم
(3/70)

تستفرغ كثر السَّوْدَاء ثمَّ إِذا عفن كَانَ الرّبع وَكَثِيرًا مَا تحدث عقيب الطحال وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهَا فِي الْأَكْثَر لَا تَخْلُو من وجع الطحال أَو صلابته وَأسلم الرّبع مَا لم يحدث عَن ورم الطحال أَو غَيره وَلَا مَعَه ورم الطحال. فَإِن الرّبع الَّذِي يحدث عَن ورم الطحال أَو يكون مَعهَا ورم الطحال كثيرا مَا يُؤَدِّي إِلَى الاسْتِسْقَاء والقيل. والسليم من الرّبع يخلص من أمراض رَدِيئَة سوداوية مثل الماليخوليا والصرع وَفِيه أَمَان من التشنّج لِأَن الْخَلْط يَابِس وَهُوَ فِي الْأَكْثَر مرض سليم وَإِذا لم يَقع فِيهِ خطأ لم يزدْ على سنة وَرُبمَا لَزِمت اثْنَتَيْ عشرَة سنة فَمَا دونهَا. والمتطاول مِنْهُ يؤول إِلَى الاسْتِسْقَاء وَاعْلَم أَن الخريف عَدو للربع. العلامات: إِن الرّبع يَأْخُذ أَولا بِبرد قَلِيل ثمَّ يَأْخُذ برده يتزايد ثمَّ يقلّ يَسِيرا عِنْد الْمُنْتَهى كَمَا فِي البلغم. وَإِذا سخن الْبدن لم تكن الْحَرَارَة شَدِيدَة وَإِن كَانَت أَكثر وَأظْهر من الَّتِي فِي البلغمية فَإِنَّهَا مَعَ تعسّرها فِي الاشتعال تشتعل اشتعالاً يعْتد بِهِ كالنار فِي الْحَطب الجزل وَلَا مُشْتَمِلَة على الْبدن كُله بل تكون هُنَاكَ حرارة يقشعر مِنْهَا وَثقل وَالسَّبَب فِي ذَلِك غلظ الْخَلْط وَيكون مَعَ برده شَيْء من وجع كَأَنَّهُ تكسّر الْعِظَام وَيكون هُنَاكَ انتفاض تصطك لَهُ الْأَسْنَان وَلَكِن لَا كَمَا فِي البلغمية وَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى ضعف الْبَصَر لكنه ينْفَصل عِنْد النضج لِأَن الرداءة تقل كَمَا كَانَت فِي الِابْتِدَاء قَليلَة. وَمن عَلامَة الرّبع أَسبَابه الْمُتَقَدّمَة من حمّيات طَالَتْ وَمن طحال أَو وجع وَمن عَلامَة الرّبع حَال المزاج وبدلائل سوداوية وَالسّن والفصل والغذاء والسحنة وَالْعَادَة وَمَا أشبه ذَلِك ودوره أَربع وَعِشْرُونَ سَاعَة وَكَثِيرًا مَا تكون الْحمى غب فِي الصَّيف وَتصير ربعا فِي الشتَاء وَكَثِيرًا مَا تؤتي الحميات إِلَى حميات مختلطة لَا نظام لَهَا لاخْتِلَاف بقايا الأخلاط الْبَاقِيَة بعد الحميات فَإِذا اسْتَقَرَّتْ على التزايد أستقر على الرّبع. وَمَا كَانَ عَن بلغم محترق كَانَت أدواره أطول وَيحدث أَكثر ذَلِك تعقيب الْمُوَاظبَة وَيكون الْعرق أَبْطَأَ وَالْبَوْل أغْلظ وصلابة الْعرق أقل. وَيكون فِي أَكثر الْأَمر تعقيب حميات وَمَا كَانَ عَن دم محترق فتتقدمه عَلَامَات الدَّم وحمياته وَحُمرَة الْبَوْل وَيدل عَلَيْهِ السحنة وَالسّن والفصل وَرُبمَا كَانَ بعد حميات دموية وَمَا كَانَ عَن صفراء محترقة فَيكون النبض أشدّ سرعَة وتواتراً ويبتدىء باقشعرار وَبرد فِي اللَّحْم وعطش وعرق وَيكون ثمَّ غضب وعطش والتهاب وَيدل عَلَيْهِ السحنة وَالسّن والفصل وَقد يدلّ عَلَيْهِ كَونه حميات صفراوية والنبض فِي الرّبع إِلَى الصلابة ليبوسة الْخَلْط فَإِنَّهُ يجذب إِلَى دَاخل كَأَنَّهُ نبض شيخ وَإِلَى الإستواء مَا لم تتحرك وَإِن تحركت اخْتلف النبض جدا لغلظ الْفضل وَيكون تفاوته
(3/71)

ظَاهرا عِنْد الفترة وَهُوَ دلَالَة تَامَّة على الرّبع وَكَثِيرًا مَا يتَّفق فِيهِ انبساط غير مستو وانقباض شَدِيد السرعة على خلاف مَا فِي الغب. ونبض الرّبع أحسن من نبض البلغمية فِي الصغر والتواتر وَلكنه مثله فِي الإبطاء وَعند ابْتِدَاء النّوبَة يزْدَاد إبطاؤه وتفاوته واختلافه أَكثر من اخْتِلَاف سَائِر الحميات ثمَّ يَأْخُذ فِي عظم وتواتر وَسُرْعَة. وَالْبَوْل فِي الرّبع تتشابه أوقاته فِي عدم النضج لبرد الْمَادَّة وغلظها إِلَّا عِنْد الْمُنْتَهى الْجيد لَكِن أَحْوَاله وألوانه تخْتَلف وَذَلِكَ لِأَن السَّوْدَاء تتوتد من أخلاط شَتَّى وَمن عَلامَة نضج الرّبع لين النافض وَأما الْبَوْل فَإِنَّهُ يكون فِي الِابْتِدَاء أَبيض إِلَى الخضرة فجّا لَا هضم لَهُ وَبعد الِابْتِدَاء يخْتَلف حَاله ويتلون بِسَبَب أَن كثر السَّوْدَاء مُتَوَلّدَة من أخلاط شَتَّى وَيكون عِنْد الانحطاط أسود والعرق فِي الرّبع كثير بِالْقِيَاسِ إِلَى البلغمية وَلَيْسَ بِكَثِير بِالْقِيَاسِ إِلَى غَيرهَا والعطش يقل فِي ينظر فِي هَذِه الْعلَّة هَل هِيَ عَن سَوْدَاء دموية أَو سَوْدَاء بلغمية أَو سَوْدَاء صفراوية أَو سَوْدَاء سوداوية ثمَّ يدبر كل وَاحِد بِمَا هُوَ أولى بهَا مِمَّا نذكرهُ. لَكِن لجَماعَة أصنافها وَأَحْكَام تشترك فِيهَا وَذَلِكَ أَنَّهَا كلهَا تنتفض فِي الِابْتِدَاء فَوَجَبَ أَن تتأمل هَل للدم غَلَبَة وخصوصاً إِذا كَانَت الرّبع عَن سَوْدَاء دموية فَحِينَئِذٍ يفصد وَيُؤْخَذ من الدَّم بِقدر الْحَاجة وَرُبمَا أوجب كثرته ورداءته أَن يخرج شَيْء كثير مِنْهُ. وَإِذا لم يحْتَج إِلَى الفصد ففصد ضرّ من حَيْثُ الضعْف وَمن حَيْثُ إِخْرَاج ضد السَّوْدَاء وَمن حَيْثُ تَحْرِيك الأخلاط إِلَى خَارج وَأَن يستفرغ فِي الأول من الْخَلْط الْمُحدث للحمى شَيْء مَا للتَّخْفِيف لَا للتنظيف فَإِن ذَلِك عِنْد النضج على حسب مَا نشِير إِلَيْهِ وَليكن بعد النّوبَة بِيَوْم وَلَا يجب أَن يدر فِي الأول بِقُوَّة وَيجب أَن تسْتَعْمل المرخّيات وَإِن لم يستصوب المشروبات اسْتعْمل بدلهَا حقن مُوَافقَة لَكِنَّهَا يجب أَن تكون لينَة وَإِنَّمَا يرخص فِي تقويتها إِذا بلغ الْمَرَض الْمُنْتَهى. وَإِن كَانَ الطَّبِيب قد يتهور فيطلق السَّوْدَاء فِي الِابْتِدَاء مَرَّات إطلاقاً قَوِيا وَيمْنَع الْعلَّة أصلا لكنه صَوَاب عَن خطأ وَيجب أَن يمْنَع يَوْم النّوبَة. عَن الْأكل ويكلف الصَّوْم وَيمْتَنع من المَاء الْبَارِد ذَلِك الْيَوْم وَلَا بُد فِي سَائِر الْأَيَّام من لحم طيهوج أَو فروج أَولا الطيهوج إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام أَو أَرْبَعَة أَيَّام ثمَّ الْفروج فَحِينَئِذٍ الْفروج خير وَيكون الدَّوَاء غير يَوْم النّوبَة جلنجبين ممروساً فِي المَاء الْحَار فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثَة دَرَاهِم جلنجبين فِي عشرَة دَرَاهِم سكنجنبن وَأَنت تعلم أَن السَّوْدَاء إِذا كَانَت صفراوية فَيجب أَن تسْتَعْمل فِيمَا يطلقهَا شَيْئا من جنس الهليلج والبنفسج. وَإِن كَانَت بلغمية وَجب أَن تسْتَعْمل فِيمَا يطلقهَا فِي الْأَوَائِل شَيْئا فِيهِ قُوَّة من التربد. وَإِن كَانَت سوداوية وَجب أَن تسْتَعْمل فِيمَا يطلقهَا فِي الْأَوَائِل شَيْئا فِيهِ قُوَّة من البسفايج والأفتيمون وَنَحْوه. وَتعلم أَن مَاء الْجُبْن نعم المطية لما يسْتَعْمل من القوى الْمَذْكُورَة وَرُبمَا
(3/72)

أنجح اسْتِعْمَاله وَحده خُصُوصا إِذا كَانَت الْحَرَارَة متسلطة وَإِن الجلنجبين وماءه الْمُصَفّى عَن طبخه الْقوي مَنْزِلَته هَذِه الْمنزلَة وخصوصاً إِذا كَانَ فِي الْمعدة ضعف أَو كَانَ الْغَالِب خلطاً بَارِدًا وَأُلْقِي أَيْضا وخصوصاً قبل الطَّعَام وَبعد الطَّعَام أُخْرَى أَيْضا وخصوصاً يَوْم النّوبَة قبل النّوبَة وخصوصاً إِذا كَانَت السَّوْدَاء بلغمية من الْأُمُور النافعة فِيهِ وَلَيْسَ فِي الِابْتِدَاء فَقَط بل وَفِي كل وَقت. فَيجب أَن لَا يعنف فِي الِابْتِدَاء وَفِي أَوَائِل النضج إِلَى قبُول تَمام النضج باستفراغ الْفضل بِمَا لَا يسخن بِقُوَّة وَلَا مَا يجفف بِقُوَّة من الدَّوَاء. وَمن ترك الأغذية وَلَا بِمَا يضعف بالإسهال وَلَا أَيْضا بِمَا يضعف فِي الِابْتِدَاء من تلطيف التَّدْبِير وَاعْلَم أَنه إِذا ابْتَدَأَ الرّبع فِي صيف أَو شتاء فَيجب أَن يسقى أَولا مَاء الشّعير بالسكنجبين ليفتح الطّرق للدور وينقضي بِسُرْعَة وَذَلِكَ بعد الدّور الْمُتَقَدّم بِثَلَاث سَاعَات أَو أَربع. وَإِذا عرض الرّبع شتاء فالمداراة وَلَا وَجه لسقي الأقراص وَاعْلَم أَن الْأَشْيَاء البارعة الرّطبَة السهلة الانهضام الجيدة الكيموس قد توَافق هَذِه الْعلَّة من حَيْثُ الحمّى وَمن حَيْثُ مضادة إِحْدَى كيفيتي السَّوْدَاء الَّتِي هِيَ اليبوسة فَيجب أَن تستعملها أَيْضا حِين لاتخاف ضَرَر فِي النضج أَو فِي الْقدر الَّذِي لَا تخَاف مِنْهُ ضَرَرا بالنضج أَو تخلط بهَا شَيْئا يعدل برودتها وَلَا ينقص رطوبتها وَهَذِه الْأَشْيَاء هِيَ الحارة بالاعتدال. ويحترز عَن كل بَارِد يَابِس والأشياء الْبَارِدَة الرّطبَة الْمُوَافقَة من هَذِه الْعلَّة هِيَ مثل الهندبا والخس والبطيخ والخوخ أَحْيَانًا وَإِنَّمَا يجب أَن يجْتَنب أَمْثَال هَذِه إِمَّا لشدَّة الْبرد وَذَلِكَ مَوْجُود فِي مثل الخسّ لَيْسَ مَوْجُودا فِي مثل الْبِطِّيخ الحلو وَإِمَّا لشدَّة الإدرار الْمُؤَدِّي إِلَى تَغْلِيظ الدَّم وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الْبِطِّيخ وَإِمَّا لتهيئته مَا يخالط للعفونة وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الخوخ وَيجب أَن تراعي أَمْثَال هَذِه وَأما الأغذية الحارة باعتدال الزَّائِدَة فِي الرُّطُوبَة فَهِيَ نافعة جدا خُصُوصا إِذا أُرِيد تَعْدِيل حَرَارَتهَا حِين مَا لَا يُرَاد أَن يستعان بهَا على الإنضاج بالباردات الرّطبَة مثل خلط التِّين بالهندبا وَلَا بَأْس فِي الْأَوَائِل بتناول مَا فِيهِ ملوحة وحرافة وتقطيع إِذا لم يخف سُورَة الْحَرَارَة وَأما وَمِمَّا ينْتَفع بِهِ الْجُلُوس فِي المَاء الْحَار العذب قبل الْغذَاء كل يَوْم والاستحمام الَّذِي يرطب وَلَا يعرق وَلَا يهيّج الْحَرَارَة وَلُزُوم الترفه والدعة وهجر الرياضة والحركات الْبَدَنِيَّة والنفسانية وَجَمِيع هَذِه الحميات تحْتَاج إِلَى مرطّبات ثمَّ تخْتَلف فِي قدر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من تبريد أَو تسخين وحاجتها إِلَى المجففات لما فِيهَا من قُوَّة تقطيع وجلاء وَإِطْلَاق لَا لسَبَب التجفيف وَيجب أَن يُراعى أَمر الْمعدة بأضمدة جَيِّدَة مقوية مَا بَين قَوِيَّة الْحَرَارَة ولطيفتها علّى مَا يُوجِبهُ الْحَال وتراعى الكبد وَالطحَال وتدبر لِئَلَّا يصلب ويرم. وَرُبمَا احْتِيجَ فِي التنقية إِلَى مَاء الفجل وبزره يخلط بالسكنجبين وَرُبمَا استعين بِتَقْدِيم أكل السلق والمليح من السّمك والخردل وَنَحْوه قبله وَقد يُستعان بعد ذَلِك بِشرب مَاء كثير ثمَّ يعقب بالسكنجبين ويقذف وَمِمَّا يَنْفَعهُ أَن يتَنَاوَلهُ يَوْم النّوبَة ثمَّ يتقيأ عَلَيْهِ فَيَأْمَن مضرّة الْبرد
(3/73)

والنافض وحدة الحمّى أَو أَن يتَنَاوَل ثوماً وَعَسَلًا وَيشْرب السكنجبين العسلي ويتملى طَعَاما ثمَّ يتَنَاوَل مَاء حاراً ويتقيأ فَإِذا انْقَضتْ النّوبَة تعشّى بِشَيْء يسير واستحمّ غداء وَأَن يتَنَاوَل قبل النّوبَة بِخمْس سَاعَات طَعَاما ليتقيأ فَإِنَّهُ رُبمَا نفع ذَلِك. وَإِن لم يتقيأ والقيء قبل النّوبَة لأي خلط كَانَ يُخَفف النّوبَة أَو يقلعها. وَمن التَّدْبِير الْجيد أَن يَصُوم يَوْم النّوبَة إِن لم يكن مَانع وَلَا يتَنَاوَل حَتَّى تَنْقَضِي النّوبَة وَيدخل الْحمام فِي الْيَوْم الثَّانِي. مِقْدَار مَا يلتذ بِهِ الْبدن ويترطّب دون مبلغ مَا يثور فِيهِ خلط وَفِي الْيَوْم الثَّالِث يسْتَعْمل الْقَيْء لما يكون فضل من الطَّعَام وَمَا يكون حلله الْحمام على أَنه يَنْبَغِي لَهُ أَن يسْتَعْمل الْقَيْء فِي يَوْم النّوبَة أَيْضا فَإِن كَانَت السَّوْدَاء دموية انْتفع بالفصد من عرق الباسليق ثمَّ باستفراغ لطيف بِمَا نفع فِيهِ من منقيات الدَّم من قوى الشكاعى والباذاورد والبسفايج والشاهَتُرج والهليلج الكابلي وَهَذَا الْجِنْس سريع الْقبُول للعلاج. وَإِن كَانَت السَّوْدَاء صفراوية فَعَلَيْك بالتبريد والترطيب الْبَالِغين من الْأَدْوِيَة والأغذية وَاسْتِعْمَال المَاء المعتدل جُلُوسًا فِيهِ واغتسالاً بِهِ وَيكون تليين طَبِيعَته فِي الِابْتِدَاء بِمثل مَا يكون من البنفسج. وَمَا يكون من مَاء الْجُبْن مَعَ قُوَّة من بسفايج أَو سكنجبين أفتيموني وشراب الْورْد وَمَاء اللبلاب وَالْخيَار شنبر وَأما إِطْلَاقه التَّام فَرُبمَا يَتَيَسَّر بعد عشْرين لِأَن النضج يظْهر فِيهِ أَي إِذا كَانَت الْمَادَّة سَوْدَاء صفراوية ثمَّ يتدرج إِلَى مَا يلطف وَيقطع. وان احْتِيجَ إِلَى إصْلَاح معدته فبمروخات من أدهان وَمن أطلية لَا يُجَاوز بهَا قوى البابونج وورق الأفسنتين وأكليل الْملك وَنَحْوه وَالصَّوْم الْكثير حَتَّى فِي يَوْم الدّور أَحْيَانًا مَا لَا يُوَافقهُ وَإِن كَانَ يَوْم الدّور يقْتَصر عَلَيْهِم من الْغذَاء بِقَلِيل تافه. وَمن المقيئات النافعة فِيهِ طبيخ الهليلج والأفتيمون والسنا فِي السكنجبين الْمَطْبُوخ فِيهِ بنفسج وَرُبمَا سقوه الحلتيت على الرِّيق خُصُوصا يَوْم النّوبَة وقيؤه إِن غثت نَفسه. وَإِن كَانَت السَّوْدَاء بلغمية فزع إِلَى الجلنجبين العسلي بمياه الكرفس والرازيانج وَنَحْوه. وَإِن احْتِيجَ إِلَى تليين خلط بِهِ فِي الِابْتِدَاء قُوَّة مُطلقَة للبلغم من قوى التربد والبسفايج ودرج يَسِيرا إِلَى قُوَّة من الغاريقون وقيء بالسكنجبين الْبزورِي العسلي وَنَحْوه إِلَى أَن يَأْخُذ فِي النضج وَيكون تكميده الْمعدة وتضميدها بِمَا هُوَ أقوى حَتَّى بِالتَّمْرِ والتين وَنَحْوه وَكَذَلِكَ تمريخه بأدهان حارة إِلَى دهن الْقسْط وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى تقيئه بسكنجبين فِيهِ قُوَّة الخربق الْأَبْيَض بل رُبمَا احْتِيجَ أَن يسقى الخربق الْأَبْيَض فِي الفجل أَو قُوَّة الخربق فِي الفجل أَو الخربق بِحَالهِ إِذا لم يخف حَال ضعف الْقُوَّة. وَإِن كَانَت السَّوْدَاء سوداوية صرفة من قبيل عكر الدَّم فيصلح إسهاله فِي الأول بِمَاء اللبلاب والفانيذ وَيصْلح اسْتِعْمَال الجلنجبين العسلي والسكري وَفِي آخِره يستفرغ بِمثل طبيخ الهليلج الْأَصْفَر وَالْأسود والشاهتزج وَالزَّبِيب فَإِذا نَضِجَتْ الْعلَّة فللفصد حِينَئِذٍ أَيْضا
(3/74)

موقع جيد يفصد من الباسليق وَيسْتَعْمل الْقَيْء على الطَّعَام بِقُوَّة أَو لطف على حسب الْوَقْت وَالْحَاجة وَيجب أَن يدمنه فَهُوَ أصل ويستفرغ بالأدوبة والحقن القوية والأدوية الَّتِي تسْتَعْمل فِي مثل هَذَا الْوَقْت الأفتيمون والبسفايج والغاريقون والاسطوخولدوس وَالْحجر الأرمني واللازورد مغسولين وَغير مغسولين وعصارة ورق قنطافلون مَعَ شراب الْعَسَل. وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى الخربق الْأسود وَرُبمَا أقنع فِي الصفراوي السنا والشاهترج مَعَ الأفتيمون وقُيىء بالسكنجبين ثمَّ أدر وَحِينَئِذٍ بعد الاستفراغ فَاسق للبلغمي والسوداوي عَنهُ الترياق والمثروديطوس ودواء الحلتيت والكبريت والفلفل وَحده يشرب فِي المَاء وَمثل الخردلي يسْتَعْمل غير دَائِم بل فِي كل ثَلَاثَة وَفِي الْأَوَائِل وَقبل ذَلِك فِي مدد أبعد وَكَذَلِكَ الفلافلي وَنَحْوه من الجوارشنات وَلَا تعجل بِشَيْء من هَذِه قبل النضج فَإنَّك إِن سقيت الترياق وَنَحْوه فِي الأول ركبت ربعا بِربع وَرُبمَا جلبت أمراضاً أُخْرَى وخصوصاً فِي الشتَاء وَفِي آخِره إِن وَجب الفصد أقدم عَلَيْهِ. قَالَ الْحَكِيم الْفَاضِل جالينوس: أبرأتُ خلقا كثيرا من الرَبع بِأَن سقيتهم بعد النضج مسهًلاَ ثمَّ سقيتهم عصارة الأفسنتين ثمَّ سقيتهم الترياق. وَأَقُول أَن الحلتيت والفلفل مفردين نافعان جدا إِذا ظهر النضج وَبلغ الْمُنْتَهى وأطعمه الصحناة وَاللَّبن وكامخ الْكبر والخردل والمري وَجَمِيع مَا فِيهِ قُوَّة ملطفة بِقُوَّة وَرُبمَا احتجت أَن تسقيه بعد الْأَرْبَعين كل غَدَاة مثل نبقة من مثل دَوَاء الحلتيت وكل عَشِيَّة كَذَلِك إِذا لم تكن الْحمى حادة والمادة أَصْلهَا صفراء. وَمن هُنَا الأقراص النافعة فِي هَذَا الْوَقْت وَعند الإنحطاط قرص على هَذَا الصّفة. ونسخته: يُؤْخَذ من عصارة الغافت وَمن الزَّعْفَرَان من كل وَاحِد وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم وَمن أسقولو قندريون واللك والزراوند والطباشير
(3/75)

من كل وَاحِد خَمْسَة دَرَاهِم وَمن بزر الحماض وبزر البقلة والورد والسنبل وبزر الكشوث والأنيسون وبزر الكرفس وأصل الْكبر وَحب البان وبزر الرازيانج من كل وَاحِد أَرْبَعَة يعجن بِمَاء الكرفس ويقرص ويسقى بِمَاء الرازيانج والهندبا والكشوث. وَهَذَا الدَّوَاء نَافِع من وُجُوه كَثِيرَة إِذا نَضِجَتْ الْمَادَّة. ونسخته: يُؤْخَذ مرّ سَبْعَة وَعشْرين درهما سنبل ثَلَاثَة عشر درهما فطراساليون خَمْسَة عشر درهما أنيسون عشرَة دَرَاهِم عَاقِر قرحا قسط فقاح الأذخر خَمْسَة خَمْسَة يعجن بشراب عَتيق أَو بِعَسَل الزنجبيل والشربة مثل جوزة. وَقد يسقون فِي آخِره الناقهين وَعند قلَّة التأذي بهَا وَكَثْرَة الْحَرَارَة مَعَ تلطيف الْمَادَّة دَوَاء بِهَذِهِ الصّفة. ونسخته: يُؤْخَذ من بزر البنج أَو اليبروح قِيرَاط وَمن الحلتيت قريب من ثَلَاث باقليات وَمن هَذَا الْقَبِيل أَيْضا أَن يُؤْخَذ من الفوذنج البستاني أَرْبَعَة مَثَاقِيل وَمن بزر الأنجرة عشرُون مِثْقَالا وَمن الأفيون مِثْقَال يقرّص أقراصاً صغَارًا جدا والشربة دِرْهَم وَمِمَّا هُوَ جيد لَهُم اسْتِعْمَاله بعد ظُهُور أثر النضج إِلَى آخِره أَن يُؤْخَذ من الزَّبِيب الغساني أَو الْهَرَوِيّ وَمن الثوم الْبري وَمن الآس الطري من كل وَاحِد جُزْء يطْبخ فِي المَاء طبخاً بعد أَن ينقع فِيهِ ثمَّ يغلى بالاستقصاء ويصفى ويسقى مِنْهُ أُوقِيَّة وَأَيْضًا بزر الكرفس أنيسون قردمانا من كل وَاحِد خَمْسَة دَرَاهِم صعتر بري غافت من كل وَاحِد سَبْعَة دَرَاهِم نانخواه أَرْبَعَة شكاعى ثَلَاثَة زبيب عشرَة يطْبخ بِثَلَاثَة أَرْطَال مَاء إِلَى أَن يرجع إِلَى رَطْل. وَمِمَّا هُوَ جيد لَهُم أَن يُؤْخَذ من النانخواه وَمن السنبل وَمن الفوذنج من كل وَاحِد عشرَة دَرَاهِم وَمن الكراويا والأنيسون من كل وَاحِد سَبْعَة دَرَاهِم وَمن الحلتيت وزن خَمْسَة دَرَاهِم وَمن الزنجبيل وزن أَرْبَعَة دَرَاهِم وَمن السليخة وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم يعجن ذَلِك بالكفاية من الْعَسَل والشربة مِنْهُ وزن دِرْهَم بِمَاء الكرفس والرازيانج. وَأَيْضًا قرص بِهَذِهِ الصّفة: يُؤْخَذ عصارة الغافت عشرَة أَجزَاء أسقولوقندريون طباشير رازيانج سنبل زعفران من كل وَاحِد خَمْسَة دَرَاهِم لَك وراوند من كل وَاحِد أَرْبَعَة بزر الحمقاء وبزر القثاء من كل وَاحِدَة سِتَّة يقرّص بِمَاء الكرفس ويسقى بالسكنجبين وَأَيْضًا للبلغمي. ونسخته: يُؤْخَذ مرّ خَمْسَة وَثُلُثَانِ زعفران فطراساليون من كل وَاحِد خَمْسَة سنبل أَرْبَعَة وَنصف جندبيدستر ثَلَاثَة أنيسون ثَلَاثَة وَنصف بزر الكرفس كراويا من كل وَاحِد أَرْبَعَة حَماما قشور السليخة ميعة من كل وَاحِد دِرْهَمَانِ وَثلث ساليوس أدرومون المعجون من كل وَاحِد دِرْهَم وَثُلُثَانِ وَإِذا اشْتَدَّ النافض كَانَ الْقَيْء بِمَاء فاتر وسكنجبين نَافِعًا من ذَلِك فَإِن لم يجب قواه بِمَا سلف ذكره بِحَسب الْوَقْت والتبخير بنطول طبخ فِيهِ الشيح والبابونج وَنَحْوه مَحْفُوظًا بكسية تجمع السخونة. فِي ذكر مسهلات يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا بعد النضج. يُؤْخَذ من الهليلج الكابلي سِتَّة أفتيمون أفسنتين من كل وَاحِد خَمْسَة دَرَاهِم هليلج أصفر عصارة غافت إملج من كل وَاحِد أَرْبَعَة بزر الكرفس أنيسون بزر الرازيانج من كل وَاحِد دِرْهَمَانِ يتَّخذ مِنْهُ طبيخ فيسهل بِرِفْق. أُخْرَى: أَو يُؤْخَذ من القشمش وزن عشرَة دَرَاهِم وَمن الهليلج الكابلي والأفتيمون من كل وَاحِد وزن ثَمَانِيَة وَمن الشاهترج وزن سَبْعَة درأهم وَمن الشكاعى والقنطريون الغليظ وزن سِتَّة دَرَاهِم وَمن الغافت وأصل الأذخر من كل وَأحد وزن خَمْسَة يطْبخ بِخَمْسَة أَرْطَال مَاء حَتَّى يعود إِلَى رَطْل. صفة حبّ خَفِيف: إِذا اسْتعْمل فِي كل خَمْسَة أَيَّام مرّة كَانَ نَافِعًا فِيهَا وَهُوَ مجرب. ونسخته: يُؤْخَذ أفتيمون تَرَبد عشرَة عشرَة كراويا أنيسون سَبْعَة سَبْعَة نانخواه ثَمَانِيَة بزر الكرفس والرازيانج ثَلَاثَة ثَلَاثَة بسفايج سِتَّة غاريقون أَبيض ثَمَانِيَة ملح هندي خَمْسَة أيارج فيقرا أحد عشر درهما يحبب بِمَاء النعناع والشربة مِنْهُ دِرْهَم وَنصف. وَإِذا كَانَت الْمَادَّة بلغمية نفع هَذَا الْحبّ. ونسخته يُؤْخَذ أفتيمون نانخواه غاريقون من كل وَاحِد ثَمَانِيَة دَرَاهِم بزر الكرفس أنيسون بزر الرازيانج من كل وَاحِد ثَلَاثَة ملح نفطي خَمْسَة أيارج تَرَبد من كل وَاحِد عشرَة الشربة وزن دِرْهَمَيْنِ وَنصف وَإِذا كَانَ مَعَ وجع الطحال انْتفع بِهَذَا الدَّوَاء ويسهل بِرِفْق. ونسخته: يُؤْخَذ
(3/76)

أسقولوقندريون خَمْسَة عشر غاريقون إثنا عشر هليلج أسود أيارج من كل وَاحِد عشرَة هليلج كابلي أفسنتين من كل وَاحِد ثَمَانِيَة شكاعى باذاورد كمافيطوس عصارة الغافت من كل وَاحِد سَبْعَة ثَمَرَة الطرفاء أصل الْكبر خَمْسَة خَمْسَة بزر الكرفس أنيسون بزر الرازيانج من كل وَاحِد ثَلَاثَة يتَّخذ مِنْهَا معجون أَو حب. فِي تغنية أَصْحَاب الرّبع: الأصوب أَن يمال تدبيرهم فِي أول الأسابيع إِلَى ثَلَاثَة أسابيع إِلَى تلطيف مَا من غير أَن ينهك الْقُوَّة وَذَلِكَ بِأَن يجنبوا اللَّحْم والزهومات فَإِن هَذَا يقلّل مادتهم ويخفف علتهم وَيقصر مُدَّة مرضهم وَبعد ذَلِك فَلَا بُد من نعش الْقُوَّة بِمثل السّمك الرضراضي وَالْبيض النيمبرشت والفراريج والطياهيج فَإِذا صَار إِلَى مُدَّة مثل الْمدَّة الَّتِي منع فِيهَا الزهومات وَلم تنقص الْعلَّة فَلَا بُد من مُرَاعَاة الْقُوَّة وإطعام مَا هُوَ أقوى من لحم الدَّجَاج والحملان والجداء وَالطير الرُّخص وَاعْلَم أَن الشَّرْط فِيمَا يغذى مِنْهُ صَاحب الرّبع أَن يكودْ جَامعا لخلال: إِحْدَاهَا أَن لَا يكون نفاخاً بل محلّلاً للنفخ الَّذِي تحدثه السَّوْدَاء وَالثَّانيَِة أَن لَا يكون غليظاً بل ملطفاً للغليظ وَالثَّالِثَة أَن لَا يكون عَاقِلا بل مُطلقًا للبطن وَالرَّابِعَة أَن يكون الدَّم الْمُتَوَلد مِنْهُ مَحْمُودًا وَأكْثر مَا يكون كَذَلِك مَا يكون لَهُ حرارة ورطوبة وَقد علمت أَنه كَيفَ يغذّى قبل النّوبَة وَبِأَيِّ سَاعَات وَلم ذَلِك وَعلمت أَيْضا أَنه رُبمَا احْتِيجَ إِلَى الْغذَاء فِي النّوبَة وبقرب مِنْهَا لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة لَكِن الأصوب أَن تلقى الْحمى خَالِي الْبَطن حَتَّى لَا تشتغل الطبيعة بمادة غير مَادَّة الْمَرَض إِلَى أَن تدفعها وَالشرَاب الصافي الرَّقِيق الْأَبْيَض نَافِع لَهُ. علاج الرّبع اللَّازِمَة: حَال هَذِه الْحمى على مَا أخبرنَا بِهِ من قبل والقانون فِيهَا مجانس للقانون فِي الرّبع المفترة وَإِنَّمَا يحالف فِي أَشْيَاء يسيرَة من ذَلِك أَن الْميل إِلَى الِاعْتِدَال فِي المسخّنات وَإِلَى التبريد فِي هَذِه أولى للُزُوم الْحمى فَيجب أَن يسْتَعْمل فِي علاجها مثل السكنجبين والجلجبين والسكنجبين الْبزورِي وَمَاء الْأُصُول المعتدل وَإِلَّا فشرحات بالعسل وَمن ذَلِك أَن الفصد فِي هَذِه أوجب لِأَن الْمَادَّة محصورة فِي الْعُرُوق وَمن ذَلِك أَن الرُّخْصَة فِي الْغذَاء من اللحوم فِي هَذِه الْعلَّة أقل. فصل فِي الحمّى الْخمس وَالسُّدُس والسبع وَنَحْو ذَلِك وَتسَمى باليونانية فيماطوس وَقوم يسمون أَمْثَال هَذِه دوارة فَاعْلَم أَن هَذِه تتولد من مَادَّة مجانسة لمادة الرّبع لَكِنَّهَا أغْلظ وَأَقل وَأكْثر مَا تكون من سَوْدَاء بلغمية. وَأما السُّدس والسبع وَمَا وَرَاء ذَلِك فَإِن بقراطاً يذكرهُ وجالينوس يَقُول: مَا رَأَيْت فِي عمري مِنْهُ شَيْئا بل وَلَا رَأَيْت خمْسا جلياً قَوِيا إِنَّمَا هِيَ حمى كالخفيّة. قَالَ: وَلَا يبعد أَن يكون السَّبَب فِي مثل السَّبع وَالتسع تدبيراً إِذا اسْتعْمل وَجرى عَلَيْهِ
(3/77)

أوجب حمّى فَإِذا عوود أوجب فِي مثل ذَلِك الْوَقْت تِلْكَ الْحمى وَلَو ترك وَأصْلح لَكَانَ لَا يُوجب فَيكون السَّبَب فِي أدواره وعوداته عودات التَّدْبِير وأدواره لَا أدوار مواد تنصب وعوداتها. قَالَ: فَيجب أَن يُرَاعى فِي امتحان هَذِه الْعلَّة هَذَا الْمَعْنى حَتَّى لَا يَقع غلط على أَن جالينوس كالمنكر لوُجُود هَذِه الحميات وكالموجب أَن يكون لأمثالها أصل آخر لَكِن بقبراط قد حقق القَوْل فِي وجود السَّبع وَالتسع وَلَيْسَ ذَلِك يبين التَّعَذُّر وَلَا وَاضح الاستحالة حَتَّى يحْتَاج أَن يرجع فِيهِ إِلَى التَّأْوِيل والأقاويل الَّتِي قَالَهَا بقراط فِي بَاب هَذِه الحميات إِن السَّبع طَوِيلَة وَلَيْسَت قتالة وَالتسع أطول مِنْهَا وَلَيْسَت قتّالة وَقَالَ أَن الخماسية أردأ الحميات لِأَنَّهَا تكون قبل السل أَو بعده وَقَول جالينوس فِيهِ كَمَا تعلمُونَ وَأَنا أَظن لهَذَا القَوْل وَجها مَا وَهُوَ أَن يكون السل يَعْنِي بِهِ الدقّ وَيكون قَوْله الخماسية مَوْضُوع قَضِيَّة مُهْملَة لَا تَقْتَضِي الْعُمُوم فَيكون كَأَنَّهُ يَقُول أَن من الخماسية صنفا من أردأ الحميات لِأَنَّهَا تكون قبل الدق وَبعده وَيكون معنى قَوْله ذَلِك أَن الحميات إِذا طَالَتْ واَذت واختلطت وَاخْتلفت تأذت كثيرا إِلَى اشتعال الْأَعْضَاء الرئيسة وَإِلَى الدق وَمن شَأْن أَمْثَال هَذِه الحمّيات أَن تقف فِي آخرهَا على نمط وَاحِد وَأكْثر ذَلِك على الرّبع وَقد بَينا هَذَا لَكِنَّهَا إِنَّمَا تُؤدِّي إِلَى الرّبع إِذا كَانَ فِي الأخلاط غزارة وَفِي الرطوبات كَثْرَة وَأما إِذا كَانَ الذوبان قد كثر والاستفراغات المحسومة وَغير المحسوسة قد تَوَاتَرَتْ لم تبْق للأخلاط رمادية إِلَّا أقلّ وَإِلَّا أغْلظ. وَذَلِكَ يُوجب أَن تكون النّوبَة أَبْطَأَ وَيكون مَا كَاد يكون ربعا خمْسا وَفِي مثل هَذِه الْحَال بالحري أَن يكون الْبدن مستعداً لِأَن يشتعل وَيصير دقاً وَأَيْضًا فَإِن الدق إِذا سبق لم يبعد أَن يحدث للأخلاط رمادية مَا قَليلَة لقلتهَا فِي أَوَاخِر الدق ويعرض لتِلْك الرمادية عفونة فَتحدث حمى وَقد نهكت الحمّى الدقية الْبدن فَتكون رَدِيئَة من حَيْثُ أَنَّهَا عَلامَة إحتراق خلط مَا بَقِي مِنْهُ إِلَّا يسير فَكَانَت حراقة يسيرَة وَمن حَيْثُ أَنَّهَا بِسَبَب ازدياد الْحمى وتضاعفها. وَلَا يجب أَن يُنكر أمراض لم يتَّفق أَن تشاهد فِي زمَان مَا أَو بِلَاد مَا فَإِن هَذَا الْجِنْس لَا يُحْصى كَثْرَة وَلَا أَيْضا يجب أَن يُقَال أَنه إِن كَانَ خمس فَلَا بُد من مَادَّة خَامِسَة فَإِن السَّوْدَاء إِنَّمَا دارت ربعا لَا لنَفس أَنَّهَا سَوْدَاء بل لأجل أَنَّهَا قَليلَة غَلِيظَة. وَقد لَا يبعد أَن تكون فِي بعض الْأَبدَان سَوْدَاء قَليلَة غَلِيظَة تعرض لَهَا العفونة وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول يجوز فِي البلغم أَن يصير لَهَا نوبَة أُخْرَى إِذا غلظ قل فَإِن التجويز أَمر وَاسع قَلما يتَمَكَّن من إِلْزَام نقيضه ثمَّ لَيْسَ الْحَال فِي تَجْوِيز مَا لم يُرَ قَط وَلم يسمع وَلم يشْهد بِهِ مجرب أَو عَالم كتجويز مثل مَا شهد بِهِ مثل بقراط وَقد حَدثنِي أَنه قد شَاهد التسع وَأما الْخمس فقد شَاهَدْنَاهُ مرَارًا وَلم نضطر لذَلِك إِلَى أَن نقُول أَن هَهُنَا خلطاً آخر.
(3/78)

علاج أَصْنَاف هَذِه الحميات: يقرب علاج هَذِه الْعلَّة من علاج الرّبع البلغمية وَيحْتَاج فِي علاجها إِلَى فضل صَوْم وتلطيف للتدبير ونوم هاضم لتتحلل بِهِ الْمَادَّة الغليظة وتنضج وَيحْتَاج أَيْضا إِلَى تَغْلِيظ تَدْبِير لِئَلَّا تخور مَعَه الْقُوَّة وهما كالمتعاندين وَلما لم تكن هَذِه الحمّيات بِحَيْثُ توهن الْقُوَّة لم نبال بِأَن نلطف التَّدْبِير ونستعمل على الْمَرِيض الصَّوْم مُدَّة وَأَن نتلافى ذَلِك كلما شِئْنَا بِأَن نغذوه بِمَا يجود غذاؤه ويسرع وَيكثر وَلَا يكون فِيهِ تَغْلِيظ للمادة وَلَا زِيَادَة فِيهَا وَمن أَنْفَع المعالجات لذَلِك الْقَيْء بالخربق وبزر الفجل والفجل المخربق وَجوز الْقَيْء وبزر السرمق والاستفراغات بالأيارجات وَبعد ذَلِك اسْتِعْمَال الترياق وَنَحْوه وينفع حِينَئِذٍ التعريق بالأدوية وبالحمام الْحَار من غير اسْتِعْمَال المَاء وَمن غير اسْتِعْمَال المرطبات. ثمَّ قد علمت أَن فِي الْأَعْضَاء رطوبات مُخْتَلفَة الْأَصْنَاف مِنْهَا رطوبات معدة للتغذية ولترطيب المفاصل فَمن ذَلِك مَا هُوَ مخزون فِي الْعُرُوق وَمن ذَلِك مَا هُوَ مبثوث فِي الْأَعْضَاء كالعلل وَهَذَانِ القسمان وأولهما مَادَّة حمى العفونة أَو حمى الغليان كَمَا علمت إِذْ كَانَ الْغذَاء لَيْسَ كُله ينْفق كَمَا يحصل بل قد يبْقى مِنْهُ مَا هُوَ فِي سَبِيل الانفاق وَمَا هُوَ فِي سَبِيل الإدخار وَمِنْهَا رطوبات قريبَة الْعَهْد بالجمود وَهِي الرطوبات الَّتِي صَارَت بِالْفِعْلِ غذَاء أَي انجذبت إِلَى الْمَوَاضِع الَّتِي هِيَ إِبْدَال لما يتَحَلَّل مِنْهُ وَصَارَت زِيَادَة فِيهِ متشبهة بِهِ إِلَّا أَن عهدها بالسيلان قريب فَهِيَ غير جامدة وَمِنْهَا رطوبات بهَا تتصل أَجزَاء الْأَعْضَاء المتشابهة الْأَجْزَاء من أول الْخلقَة وببطلانها تصير إِلَى التَّفَرُّق والتبدّد مِثَال الرُّطُوبَة الأولى دهن السراج المصبوب فِي المسرجة وَمِثَال الثَّانِي الدّهن المتشرب فِي جرم الذبال وَمِثَال الثَّالِث الرُّطُوبَة الَّتِي بهَا تتصل أَجزَاء قطن اتخذ مِنْهُ الذبال فَإِذا اشتعلت الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة وخصوصاً الْقلب كَانَ ذَلِك هَذَا الْمَرَض الَّذِي هُوَ الّدق على مَا علمت وحرارة الكبد قد تُؤدِّي إِلَى الدِّق لَكِن لَا تكون نَفسهَا دفاً بل الدق مَا كَانَ بِسَبَب الْقلب وَكَذَلِكَ حَال الرئة والمعدة لكنه مَا دَامَ يفني الرطوبات الَّتِي من الْقسم الأول من الْأَعْضَاء وخصوصاً من الْقلب كَمَا يفني الْمِصْبَاح الأدهان المصبوبة فِي المسرجة فَهُوَ الدرجَة الأولى الْمَخْصُوصَة باسم الْجِنْس وَهُوَ الدق وباليونانية أقطيفوس إِذْ لَيْسَ فَإِذا أفنيت الرطوبات الَّتِي هِيَ من الْقسم الأول وَأخذت فِي تَحْلِيل الرطوبات الَّتِي هِيَ من الْقسم الثَّانِي وَفِي إفنائْها كَمَا إِذا أفنت الشعلة الدّهن المفرغ فِي المسرجة وَأخذت تفني المتشرّب فِي جرم الذبال كَانَت الدرجَة الثَّانِيَة وَتسَمى ذبولاً وماريسموس وَلها عرض وَابْتِدَاء وانتهاء ووسط ثمَّ لَا يفلح من بلغ انْتِهَاء
(3/79)

الذبول وقلما يقبل العلاج إِلَّا مَا شَاءَ الله وخصوصاً إِذا بلغ إِلَى أَن يدق اللَّحْم. فَإِذا فنيت هَذِه وَأخذت تفني الرطوبات الَّتِي من الْقسم الثَّالِث كَمَا تَأْخُذ الشعلة بحرق جرم الذبال ورطوباته الْأَصْلِيَّة كَانَت الدرجَة الثَّالِثَة وَيُسمى المفتت والمحشف وباليونانية أوماطيس يُحَقّق من أملسقون وَهَذِه الْعلَّة من الحميات الَّتِي لَا نَوَائِب لَهَا وَلَا أَوْقَات نَوَائِب وَقد قَالَ قوم: إِمَّا أَن يكون تعلق الْحمى الدقية بالرطوبات الْقَرِيبَة الْعَهْد بالجمود وَإِمَّا بِمثل اللَّحْم وَإِمَّا بالأعضاء الْأَصْلِيَّة الصلبة كالعظام والعصب وَهَذَا القَوْل إِن فهم مِنْهُ أَنه يتَعَلَّق على سَبِيل أَنه يفني مَا فِيهِ من الرُّطُوبَة الْمُتَّصِلَة بِهِ كَانَ وَالْمعْنَى الأول سَوَاء وَإِن عني أَن أول مَا يفنيه الدَّق هِيَ الرطوبات الْقَرِيبَة الْعَهْد بالجمود لم يكن القَوْل قولا صَحِيحا والدِّق قد يَقع بعد حمّى يَوْم وَقد يَقع بعد حميات العفونة والأورام وَيبعد أَن يعرض الدق ابْتِدَاء فَتكون الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة قد اشتعلت وَلم يشتعل خلط وَلَا روح قبل ذَلِك بل يجب أَن يسخن تِلْكَ أَولا ثمَّ على مر الْأَيَّام تسخن الْأَعْضَاء وَالسَّبَب الْوَاحِد قد يكون سَببا للدق وَقد يكون سَببا لحمى يَوْم بِسَبَب شدَّة تعلقه وَضعف تعلقه مثل النَّار فَإِنَّهَا تلقى الْحَطب على وَجْهَيْن أَحدهمَا وَجه تسخين لَهُ وتبخير فِيهِ وَالثَّانِي على سَبِيل اشتعال. وَحمى العفونة والورم تنْتَقل كثيرا إِلَى الدق يسبب شدَّة الحمّى وَشدَّة تلطيف الْغذَاء فِيهِ وَمنع المَاء الْبَارِد وَقلة مُرَاعَاة جَانب الْقلب بالأطلية والأضمدة وخصوصاً فِي أمراض أَعْضَاء مجاورة للقلب مثل الْحجاب وَكَثِيرًا مَا يُوقع فِيهِ اضطرار الطَّبِيب لسُقُوط الْقُوَّة وتواتر الغشي إِلَى سقِِي الْخمر وَمَاء اللَّحْم ودواء الْمسك وَنَحْوه وَقد يتركب الدق مَعَ حميات العفونة والأورام والدق فِي أول الْأَمر عسر الْمعرفَة سهل العلاج وَفِي آخِره سهل الْمعرفَة صَعب العلاج وَآخر الذبول غير قَابل للعلاج الْبَتَّةَ. العلامات: أما النبض فَيكون دَقِيقًا صلباً متواتراً ضَعِيفا ثَابتا على حَال وَاحِدَة. وَأما ملمسهم فَيكون مَا يحس من حرارته دون حرارة سونوخس وَنَحْوهَا المشتعلة فِي مواد وَفِي ابْتِدَاء مَا يلمس يكون أهدأ فَإِذا بقيت عَلَيْهِ الْيَد سَاعَة ظَهرت بِقُوَّة ولذع وَلم يزل يَنْمُو وَيكون أسخن مَا فِيهِ مَوَاضِع الْعُرُوق والشرايين وَتَكون حرارتهم متشابهة لَا تنقص لَكِنَّهَا إِذا ورد عَلَيْهَا الْغذَاء نمت بِهِ واشتدت وقويالنبض وَأخذ فِي الْعظم وَكَذَلِكَ مَا يعرض للجهال من الْأَطِبَّاء أَن يمنعوهم الْغذَاء لما يعرض مِنْهُ من هَذَا الْعَارِض فيهلكوهم كَمَا تنمو الشعلة عِنْد إِصَابَة الدّهن والمقلى عِنْد صبّ المَاء عَلَيْهِ وَهَذِه من دلائلها القوية والغذاء فِي سَائِر الحميات لَيْسَ لَا محَالة يُوجب هَذَا الاتقاد وَإِن أوجب اضْطِرَاب حركات للطبيعة وَهَذَا الاتقاد لَا يكون كاتقاد سَائِر الحميات بعد تضاغط وَلَا على أدوار مَعْلُومَة بل كَمَا يَغْدُو فِي أَي وَقت كَانَ.
(3/80)

وَيكون صَاحب الْمَرَض غير شَدِيد الشُّعُور مَا فِيهِ من الْحَرَارَة لِأَنَّهَا صَارَت مزاجاً للعضو مُتَّفقا وَقد علمت فِي الْكتاب الأول كَيْفيَّة الْحَال فِي مثل ذَلِك لَكِنَّهَا تظهر عِنْد تنَاول شَيْء من الأغذية لاشتدادها. وَمن دَلَائِل انْتِقَال حمى الْيَوْم إِلَى حمى الدق شدَّة اشتداد الْحَرَارَة فِي الثَّالِث جدا وَفِي الْأَكْثَر تَأْخُذ الْحمى بعد اثْنَتَيْ عشرَة سَاعَة فِي الانحطاط وَإِذا جَاوَزت الْحمى اثْنَتَيْ عشرَة سَاعَة وَلم تظهر عَلَامَات انحطاط بل استمرت إِلَى الثَّالِث واشتدت فَذَلِك دق. وَمن دَلَائِل تركب الدق مَعَ حمّيات العفونة بَقَاء حرارة يابسة بعد آخر الانحطاط ويعد الْعرق الوافر وَزِيَادَة فِي الذبول والنحافة على مَا توجبه تِلْكَ الْعلَّة ودهنية فِي الْبَوْل وَالْبرَاز وَإِن كَانَ الظَّاهِر الدق والخفي غَيره فَيدل عَلَيْهِ التضاغط الْوَاقِع فِي النوائب فَإِن مثل ذَلِك غير مَوْجُود فِي عَلَامَات الذبول: وَأما عَلَامَات الذبول فَإِن الْحمى إِذا اندفعت إِلَى الذبول اشتدّت صلابة النبض وَضَعفه وصغره وتواتره وخصوصاً إِذا كَانَ سَبَب الْوُقُوع فِي الدق أوراماً لَا تتحلل فَإِن ذَلِك أَعنِي التَّوَاتُر يزْدَاد جدا وَكَذَلِكَ السرعة وَيصير النبض من جنس الْمَعْرُوف بذنب الفار فَإِن كَانَ من شرب شراب حَار كَانَ بدل ذَنْب الفار مسلّي وَلَا تكون أَعْرَاض الذبول شَدِيدَة جدا فَإِنَّهَا لَا تمهل إِلَى مثل ذَلِك وَيظْهر فِي الْبَوْل دهانة وصفائح وَتَأْخُذ الْعين فِي الغؤر فَإِذا انْتهى الذبول اشتدّ غورها وَكثر الرمص الْيَابِس وتنتأ حُرُوف الْعِظَام من كل عُضْو وَفِي الْوَجْه ويتلطأ الصدغان ويتمدد جلد الْجَبْهَة وَيذْهب رونق الْجلد وَيكون كَأَن عَلَيْهِ غباراً مَا وإحراقات الشَّمْس وَيُؤَدِّي إِلَى ثقل رفع الْحَاجِب وَتصير الْعين نعاسية مغمضة من غير نوم ويدق الْأنف وَيطول الشّعْر وَيظْهر الْقمل وَيرى بَطْنه قد قحل ولصق بِالظّهْرِ كَأَنَّهُ جلد يَابِس قد انجذب وجذب مَعَه جلدَة الصَّدْر فَإِذا انحنت الْأَظْفَار وتقوست فقد انْتهى وَأخذ فِي المفتت وَإِذا حصل فِي المفتت ذَابَتْ الغضاريف. علاج الدق: الْغَرَض فِي علاج حمى الدق التبريد والترطيب وكل وَاحِد مِنْهُمَا يتم بتقريب أَسبَابه وَرفع أَسبَاب ضِدّه وَرُبمَا كَانَ سَبَب أَحدهمَا سَببا لضد الآخر مثل سَبَب التبريد فَإِنَّهُ رُبمَا كَانَ سَببا للتجفيف وَهُوَ ضد الترطيب مثل التبريد بالأقراص الكافورية والطباشير وَنَحْوهَا. وَرُبمَا كَانَ سَبَب الترطيب أَيْضا سَببا للتسخين وَهُوَ ضد التبريد مثل الشَّرَاب فَإِنَّهُ يرطب لكنه يسخن فَيجب أَن تراعي ذَلِك وَإِن دعت الْحَاجة إِلَى قوي فِي التبريد وَلم يكن إِلَّا ميبساً قرن بِهِ أَو قدّم عَلَيْهِ أَو أعقب مَا فِيهِ قُوَّة ترطيب وَكَذَلِكَ إِن دعت الْحَاجة إِلَى قوى فِي الترطيب سريع فِيهِ كَمَاء اللَّحْم وَالشرَاب فَيجب أَن يقرن بِهِ أَو يقدم عَلَيْهِ ويعقبه مَا فِيهِ قُوَّة تبريد.
(3/81)

وَإِن كَانَ سَبَب الدِّق ورماً أَو ألماً فِي عُضْو فَالْوَاجِب علاجه أَولا وَمن أحب أَن يركب تَدْبيره من فنون مُخْتَلفَة توَافق من اشتدّت بِهِ الْحمى جدا فَالْوَاجِب علاجه أَولا وَمن أحب أَن يركب تَدْبيره من فنون مُخْتَلفَة توَافق من اشتدت بِهِ الْحمى جدا فَالْوَاجِب أَن تبدأ وتسقيه أَقْرَاص الكافور وَمَا يجْرِي مجْراهَا فِي السكنجبين سحرًا وَمَعَ طُلُوع الشَّمْس مَاء الشّعير بالسراطين إِن لم يكرهها أَو بالجلاب أَو بِمَاء الرُّمَّان وَعند الْمبيت لعاب بزرقطونا إِن لم يكن مَانع من قبل الْمعدة وَغَيرهَا وَالتَّدْبِير الْمبرد مَا عَلمته من أشربة مبردة وَمن بقول مبردة وَمن أَقْرَاص مثل أَقْرَاص الكافور وَمن أضمدة مبردة ومروخات وَنَحْوهَا وتبريد هَوَاء حَتَّى فِي الشتَاء. فَإِن لم يحْتَمل خفف عَلَيْهِ الدثار فَإِن تبريد هوائه أفضل شَيْء مثل الْيَابِسَة المصندلات المكفرة وإشمامه مَاء فِيهِ ورد وكافور وصندل وفواكه بَارِدَة وشاهسفرم مرشوش بِمَاء الْورْد والتبخير بالعرق وَالْحمام وَيجب أَن لَا يطال إمْسَاك الأضمدة المبردة جدا على الْأَعْضَاء الْقَرِيبَة من أَعْضَاء التنفس فَرُبمَا أضرّ ذَلِك بِالنَّفسِ وَالصَّوْت ضَرَرا عَظِيما وَيجب أَن يمِيل العليل إِلَى الرَّاحَة وَالنَّوْم والدعة والفرح ويجتنب مَا يغضبه وَمَا يحزنهُ وَمَا يغمّه والجوع والعطش الطَّوِيل والأضمدة المبردة الَّتِي يجب عَلَيْهِم أَن يستعملوها العطرة فَإِنَّهَا أحضر نفعا وخصوصاً على الصَّدْر وَمَا يَلِيهِ وَتَكون مبرّدة وَلَا يكون فِيهَا قبض فَإِن الْقَبْض مَعَ مَا يحدث من التجفيف يمْنَع قُوَّة الدَّوَاء أَن يغوص وَيجب أَن يدام التبديل لِئَلَّا يبْقى الدَّوَاء فيسخن ويسخن مَعَ مُرَاعَاة لشدَّة تبريحه فَإِنَّهُ إِذا برد شَدِيدا لم يبعد أَن يضعف الْعُضْو وَإِذا كَانَ بِقرب أَعْضَاء النَّفس لم يبعد أَن يحذر الْحجاب وَغَيره فيمنعه عَن إِخْرَاج النَّفس بسهولة وَالتَّدْبِير المرطب مِنْهُ أغذية لينَة وفاكهية وأبزنات ومروخات وضمادات ونشوقات وسعوطات وراحة ودعة وَأَن لَا يحمل عَلَيْهِ فِي جوع أَو عَطش. فِي ذكر الْأَدْوِيَة المبردة لَهُم: أما المرطبة مِنْهَا فجميعها غذائية أَو تغلب عَلَيْهَا الغذائية مثل مَاء الشّعير الْمَطْبُوخ بالسراطين من جِهَة السراطين وَيجب أَن تنتف أَطْرَاف السراطين من قَوَائِمهَا وأنيابها وتغسل بِمَاء بَارِد وملح طيب ورماد مرَارًا ثَلَاثًا فَمَا فَوْقهَا حَتَّى تتنقى وتتنظف عَن زهومتها ثمَّ تبطخ فِي مَاء الشّعير وَمثل مخيض الْبَقر وَمثل عصارات الْبُقُول الْمَعْلُومَة الْمَذْكُورَة فِي أَبْوَاب الحميات الحادة وَمثل لعاب بزرقطونا. وَأما الْخلّ فَفِيهِ تجفيف شَدِيدَة وَقُوَّة من التَّحْلِيل فَيجب أَن يشرب بِمَاء يُقَاوم الخلتين من مزج بِمَاء كثير أَو بِبَعْض المرطبات الملينة وألبان الأتن يُوشك أَن تكون مَعَ ترطيبها مبردة حَتَّى إِن قوما فضلوا تبريدها على تبريد مخيض الْبَقر لَكِنَّهَا توَافق من لَيْسَ بِهِ إِلَّا حمى دق وَلَا مالحة وَلَا خلط متهيئ للعفونة وَيجب أَن يحذر تجبن اللَّبن وَمِمَّا يمنعهُ السكر وَإِذا خشيت عفونة حدثث من اللَّبن فاسهل بِرِفْق وَإِن خشيت تسخيناً فامسك عَنهُ أَيَّامًا وعالج فِيهَا بالأقراص ومياه الْفَوَاكِه ثمَّ عاود.
(3/82)

وَأما الْأَدْوِيَة المبردة الَّتِي لَا ترطيب فِيهَا فَمثل الأقراص الْمَعْلُومَة الموصوفة أَعنِي أَقْرَاص الكافور وأقراص البسذ الْبَارِدَة وَمثل أَقْرَاص بِهَذِهِ الصّفة. ونسختها: يُؤْخَذ طباشير طين أرمني من كل وَاحِد أَرْبَعَة دَرَاهِم ورد سِتَّة دَرَاهِم بزر الحمقاء وَالْخيَار والقرع والكهرباء من كل وَاحِد ثَلَاثَة دَرَاهِم يتَّخذ مِنْهُ أَقْرَاص والشربة ودرهمين وَهِي جَيِّدَة جدا وَأَيْضًا قريبَة مِنْهَا وَذَلِكَ أَن يُؤْخَذ: لِسَان الْحمل نشا صمغ كثيرا من كل وَاحِد ثَلَاثَة دَرَاهِم طين أرمني طباشير أَرْبَعَة أَرْبَعَة خشخاش خَمْسَة وَورد بزر القرع وَالْخيَار والحمقاء من كل وَاحِد سِتَّة حب السفرجل المقشر بزر الْبِطِّيخ بزر القثاء من كل وَاحِد سَبْعَة رب السوس وزن عشرَة يعجن بلعاب بزر قطونا. تَرْتِيب آخر: وَأما المروخات والأطلية والضمادات المبردة والنشوقات والسعوطات المبردة فَهِيَ الَّتِي عرفتها وأجودها المروخات بدهن القرع والخشخاش والنيلوفر وَالْخلاف والبنفسج وَأما المفارش المبردة المرطبة فَهِيَ الَّتِي تكون مهيدة جدا من أَدَم مرشوش بِمَاء الْورْد أَو كتَّان من جنس مَا يعْمل بطبرستان وَيكون حشوه مَا لَا يسخن بل يكون من جنس الْمَكَان المحلوج يجدد دَائِما أَو تكون مفارش من أَدَم قد ملئت مَاء بعد أَن يكون عَلَيْهَا تضريب يبسط المَاء بسطاً وَيمْنَع تركزه وَتَكون بِقرب الْفراش الْمِيَاه ومجاريها وتحتها أوراق الشّجر الْبَارِد الرطب من الْخلاف وَحي الْعَالم والبقول الرّطبَة والرياحين الْبَارِدَة كالورد وَأَيْضًا أوراق الشّجر الْبَارِدَة وعساليج الْكَرم وَنَحْو ذَلِك. فِي ذكر الْأَدْوِيَة المرطبة لَهُم: أما مَا كَانَ مَعَ تبريد فقد سلف ذكره وَبَقِي الْكَلَام الْآن فِي كَيْفيَّة سقِِي الألبان والمخيض وَفِي كَيْفيَّة اسْتِعْمَال الابزن وَالْحمام وَفِي اسْتِعْمَال المروخات والأدهان والأطلية وَسَائِر التَّدْبِير وَقد علمنَا سقِِي الألبان فِي بَاب السلّ ويبس الْمعدة فَيجب أَن يكون ذَلِك قانوناً وَلَا لبن بعد لبن النِّسَاء كلبن الأتن ثمَّ الماعز وَيجب أَن يكون عَلفهَا من حشائش وَبقول بَارِدَة كَمَا نعلم فَإِنَّهَا خُصُوصا لبن الأتن تقلع الدِّق إِن كَانَ لَهُ قالع وَلَا إِيثَار عَلَيْهِ إِلَّا أَن تمنع عفونة وَاقعَة أَو متوقعة لمادة حَاصِلَة. وَاللَّبن نَافِع لَهُم من أولى الدَق إِلَى آخِره وَلبن النِّسَاء رضَاعًا أوفق الْجَمِيع والقانون فِي سقِِي المخيض مقارب لذَلِك أَيْضا وَالْأولَى أَن يبتدأ من وزن عشرَة دَرَاهِم إِلَى ثَلَاثِينَ درهما وَمَا فَوْقهَا إِن أعانت الْقُوَّة وَلَك أَن تخلط بهَا شَيْئا من الأقراص المبردة وَلَك أَن تزيد على الْمبلغ الْمَذْكُور فِي السقية الأولى وَالْآخِرَة إِن أعانت الْقُوَّة على الهضم. وَأما الأبزن فأفضله مَا كَانَ فاتراً لَا حرارة فِيهِ كَثِيرَة وَكَانَ مَعَ ذَلِك فِيهِ قوى الْبُقُول والحشائش المبردة والمرطّبة وَلَا يكون بِحَيْثُ يندّي فضلا عَن أَن يعرق وَلَا يجوز أَن يكون للابزن بخار حَار وَلَو لم يكن مَانع من اسْتِعْمَال الابزن الْبَارِد لم يُؤثر عَلَيْهِ وَلَكِن الْمَانِع من ذَلِك ضعف أبدانهم ونحافتها وَأما فِي أَوَائِل أَمرهم فَرُبمَا شفاهم ذَلِك.
(3/83)

وَأما ضَعِيف الْبدن فقد يشفيه ذَلِك مَعَ تبريد يسير يُوجِبهُ فِي مزاجه يُمكن أَن يعالج وَإِن كَانَ أَضْعَف من ذَلِك خيف أَن يقر فِي دَق الشيخوخة وَذَلِكَ فِي الْأَقَل وَلكنه مَعَ ذَلِك أَبْطَأَ زمَان موت وَرُبمَا عَاشَ مَعَه مُدَّة لَهَا قدر وَكَثِيرًا مَا يكون الْأَصْلَح نَقله إِلَى ذَلِك الدق. وَأما مَا كُنَّا فِيهِ من حَدِيث الابزن فَإِن الأصوب أَن يبْدَأ بِمَا هُوَ حَار إِلَى حد ويتدرج إِلَى الْبَارِد المعتدل الْبرد الْمُحْتَمل فَإِن هَذَا التدريج يَجْعَل الْبدن قَابلا للبارد إِذْ الْأَلَم إِنَّمَا يكون بورود الْمُخَالف فِي المزاج بَغْتَة وَأَيْضًا فَإِن الْبدن يَسْتَفِيد بِالْمَاءِ الْحَار شبه خصب وَيحْتَمل مَعَه المَاء الْبَارِد وَإِن كرر الابزن فِي الْيَوْم ثَلَاث مَرَّات كَانَ صَوَابا وَيجب أَن يسْتَعْمل بِرِفْق لِئَلَّا تسْقط الْقُوَّة وَإِن تنَاول مَاء الشّعير قبل الابزن بساعتين كَانَ صَوَابا وَإِن قدم الابزن بعد حلب اللَّبن على بدنه على مَا سنفسره ليوسع مجاري الْغذَاء ثمَّ تنَاول مَاء الشّعير وَمَا يشبه ثمَّ صَبر ثمَّ اسْتعْمل الابزن ليبسط الْغذَاء كَانَ جيدا وَيسْتَعْمل بعد الأبزن وَالْحمام التمرّخ بأدهان مبردة مرطبة كدهن البنفسج خُصُوصا إِذا كَانَ متخذاً من دهن القرع وَكَذَلِكَ دهن النيلوفر ودهن القرع. وَإِن انْتقل من بعد الأبزن إِلَى مَا يكون أميل إِلَى برد قَلِيل مُحْتَمل ثمَّ يدهن كَانَ صَوَابا وَإِن قدّم الأدهان وعجلها ثمَّ دخل مَاء برد يَسِيرا كَانَ صَوَابا وَذَلِكَ بِحَسب الِاحْتِمَال وَلَا بَأْس بالتدريج فِيهِ وأجود أَوْقَات هَذَا الصَّنِيع بعد هضم الطَّعَام وَإِن أمكن أَن يغمس بعد الأبزن الْحَار فِي مَاء بَارِد دفْعَة من غير تدريج فَهُوَ أبلغ من جِهَة العلاج وأشدّ من جِهَة الْخطر وصب بالرفق أقل خطراً من غمس الْمَرِيض فِيهِ دفْعَة وأقلّ مَنْفَعَة. وَليكن الْبرد قدر برد مَاء الصَّيف الَّذِي هُوَ مَا بَين الفاتر وَبَين شَدِيد الْبرد وَإِن قدم حلب اللَّبن على أَعْضَائِهِ إِن لم يكن ضَعِيفا أَو الممزوج مِنْهُ بِالْمَاءِ إِن كَانَ ضَعِيفا ثمَّ اسْتعْمل الأبزن كَانَ صَوَابا فَإِن حلب اللَّبن على الْبدن شَدِيد الترطيب والألبان الجيدة للحلب هِيَ الْمَذْكُورَة وَيجب أَن يحلب من الضَّرع وَالْأولَى أَن يبيت على تمريخ من الأدهان الْمَذْكُورَة للبدن كُله وللمفاصل. وَأما الْحمام فَلَا يرخص لَهُ فِي دُخُوله إِلَّا إِذا كَانَ بِحَيْثُ لَا يعرق وَلَا يحمي وَلَا يُغير النَّفس وَيكون الْحَار مَاؤُهُ دون هوائه وَتَكون حرارة مَائه فاترة بِحَيْثُ تنقذ وَلَا تؤذي وَلَا تعرق وَإِذا لم تكن فِي بدنه مَادَّة مهيأة للعفونة وخصوصاً إِذا كَانَ ذَلِك وَلم ينهضم الطَّعَام بل يجب أَن يكون ذَلِك حِين مَا يُرَاد أَن ينبسط المهضوم مِنْهُ فِي الْبدن وَأَن لَا يُطِيل فِيهِ بل يُفَارِقهُ بِسُرْعَة وَإِذا فَارقه تنَاول شَيْئا من المرطّبات وَمن الأحشاء الَّتِي لَا تضره المتخذة من الشّعير وَاللَّبن. وَإِذا عرض لَهُ فِي الْحمام عَطش سكنه بِمَاء الشّعير وَمَاء الرائب وباللبن لبن الأتن وَيجب أَن يكون إدخالهم الْحمام ثمَّ إخراجهم على جِهَة لَا تَعب مَعهَا الْبَتَّةَ وَقد خبرنَا بذلك فِي مَوَاضِع أُخْرَى وسنعيد من ذَلِك شطراً يجب أَن ينْقل إِلَى الحمّام فِي مِحَفة مَحْمُولَة مفروش فِيهَا فرش مهيد حَتَّى يوافى بِهِ الْبَيْت الأول فينقل إِلَى مضربة لينَة مِمَّا يصلح للحمام وتنزع ثِيَابه فِيهِ
(3/84)

أَو فِي الْأَوْسَط إِن لم يكن حاراً وَلَا يلبث فِي أَحدهمَا إِلَّا قدر النَّقْل وأنفاس قَليلَة وَقدر نزع الثِّيَاب ثمَّ يدْخل الْبَيْت الثَّالِث على أَن لَا يكون شَدِيد الحراوة وَيُقِيم فِيهِ قدر احْتِمَاله للأبزن هَذَا مَا قيل والأحب إِلَى أَن يكون أبزنه فِي الْبَيْت الْأَوْسَط الْمعدل فَإِذا فَارق الأبزن الْبَارِد زئل بمنديل أَو بفرجية ذَات طاقين وَنقل إِلَى فرَاشه ومحفته ونشف عرقه بمنديل ودهن وغذي. فِي تغذية أَصْحَاب الدِّق: يجب أَن يفرق عَلَيْهِم الْغذَاء وَلَا يطعموا شبعهم دفْعَة وَاحِدَة ثمَّ أَن أَجود مَا يغذّون بِهِ مَاء الشّعير أَو جرم الشّعير المقشر الْمَطْبُوخ أَو خبز منقع فِي مَاء بَارِد وخبز الْحِنْطَة المغسولة منقوعاً فِي المَاء الْبَارِد والألبان إِذا لم يمْنَع مِنْهَا مَا ذَكرْنَاهُ ومخيض الْبَقر فَهُوَ كثير الْغذَاء والماش والقرع وَمن الْفَوَاكِه الْبِطِّيخ الفلسطيني وَهُوَ الزقي الْمَعْرُوف عندنَا بالهندي. وَإِذا أحس بإقبال فَلَا بَأْس بإطعامه الْجُبْن الرطب الْغَيْر الْملح وَإِن كَانَت الْقُوَّة تضعف لم يكن بَأْس بِأَن يطعم مرقة زيرباجة مطيبة بالكزبرة الرّطبَة مطبوخة بِمثل الحراج والطيهوج وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى أَن يسقى شَيْئا من الشَّرَاب الرَّقِيق ممزوجاً بِمَاء كثير. وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى أَن تطعم مصوصات من لحم الدراج والطيهوج والقبج والفراريج وهلاماً حامضاً أَو قريصاً حامضاً من لحم الجداء أَو لحم الْبَقر إِذا كَانَ هُنَاكَ قُوَّة هضم. وخل المصوص والقريص نَافِع لَهُم ومقو فِي مثل هَذِه الْحَال. وَرُبمَا لم يكن بُد من مَاء لحم مخلوط بشراب الْفَوَاكِه الْبَارِدَة الحامضة أَو من صفرَة بيض نيمبرشت وَإِذا تَمَادى بِهِ الضعْف إِلَى الغشي احْتِيجَ إِلَى أَن يغذى بِمَاء لحم مَأْخُوذ من أضلاع جدي بملح قَلِيل يصفى ويصبّ عَلَيْهِ مثل جَمِيعه مَاء التفاح وَمثل نصف عشره من شراب ريحاني ويسقى مفتراً فَأَما المَاء الْبَارِد الَّذِي لَيْسَ بشديد الْبرد جدا فَلَا بَأْس. أَن تسقيه إِيَّاه إِلَّا أَن يكون مَانع وَذَلِكَ الْمَانِع إِمَّا ورم فِيمَا دون الشراسيف أَو تكون فِي الْبدن كيموسات نِيَّة أَو كيموسات عفنة يحْتَاج جَمِيعهَا إِلَى نضج وَلم تظهر عَلامَة النضج الَّتِي إِن ظَهرت كَانَ الْخَوْف أقل. وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الدّق انتقالاً من السرسام أَو البرسام وَهَذَا أولى بِأَن يحرم مَعَه سقِِي الْبَارِد من غَيره فَإِن الدق إِذا ورد على أمراض ناهكة للقوة مرخية إِيَّاهَا مذبلة للعظم وَاللَّحم ورد على ضعف فَإِذا طابقه على الإضعاف سقِِي الْبَارِد لم يلبث أَن يَقع فِي جنس آخر من الدق وَهُوَ يُشَارك هَذَا الْجِنْس فِي اليبس وَيُخَالِفهُ فِي الحرّ وَالْبرد وَيعرف بدَق الشيخوخة ودق الْهَرم وَذَلِكَ مرض صَعب تكون الغريزة فِيهِ قد بطلت وَكَذَلِكَ المَاء الْبَالِغ الْبرد وَالْكثير قد يضرّهم فِي كل حَال وَيفْسد غريزة أعضائهم الْأَصْلِيَّة وَرُبمَا عجل مَوْتهمْ أَو نقلهم إِلَى الضَّرْب الآخر من الدِّق.
(3/85)

فِي تدارك أَحْوَال تتبع الدق: من ذَلِك الغشي وَقد ذكرنَا التَّدْبِير فِي ذَلِك غذَاء وَمن ذَلِك الإسهال وَيجب أَن يعالج ويتدارك فَإِن فِيهِ خطراً عَظِيما وَمن معالجته أَولا أَن يَجْعَل مَاء شعيرهم مَاء السويق أَو يَجْعَل فِي شعيرهم جاورس مقلو وصمغ أَو عدس مسلوق مكرّر أَو لبن مطبوخ بالرضف أَو بالنَّار وَحدهَا حَتَّى تذْهب مائيته وخصوصاً مَعَ الجاورس وليسقوا هَذِه الأقراص. ونسختها: يُؤْخَذ طين أرمني خَمْسَة شاه بلوطِ مقلو ورد أَرْبَعَة أَرْبَعَة طباشير كهربا ثَلَاثَة ثَلَاثَة بزر الحماض مقشراً حب الْأَمِير باريس من كل وَاحِد سِتَّة تقرص بعصارة السفرجل وتسقى بِمَاء الكمثري غَدَاة وَعند النّوم تسقى بزر قطونا مقلو وَكَذَلِكَ سفوف الطباشير الَّذِي فِيهِ مقل مكي نَافِع جدا وَإِن أدّى إِلَى سحج عولج السحج بالحقن الَّتِي تعرفها فَذَلِك أوفق. فصل فِي دق الشيخوخة قد جرت الْعَادة بِأَن يذكرُوا دق الشيخوخة بعد حمى الدق وَنحن أَيْضا نسلك السَّبِيل الْمُعْتَادَة. ودق الشيخوخة مَعْنَاهُ اسْتِيلَاء اليبس على المزاج من غير حمى وَقد يكون مَعَ اعْتِدَال فِي الحرّ وَالْبرد وَذَلِكَ فِي الْأَقَل وَقد يكون مَعَ برد وَتسَمى هَذِه الْحَال دق الشيخوخة ودق الْهَرم لِأَن الْبدن يعرض لَهُ فِي غير وَقت التشيخ مَا يعرض فِي ذَلِك الْوَقْت من الذبول واليبس والمسنون أسْرع وقوعاً فِي ذَلِك من الشبَّان والشبان أسْرع وقوعاً فِيهِ من الصّبيان على أَنه قد يعرض للشبان وَالصبيان وَالسَّبَب الْموقع فِيهِ إِمَّا برد مستولٍ مَعَ ضعف من الْبدن فَيمْنَع الْقُوَّة الغذائية عَن فعلهَا التَّام كَمَا يعرض أَيْضا فِي آخر الْعُمر. وَمن هَذَا الْبَاب شرب مَاء بَارِد فِي غير وقته أَو على ضعف من الْبدن مَعَ حَتَّى أَو فِي حَالَة النهوة أَو عقيب رياضَة حللت الْقُوَّة وَفتحت المسام وحرضت على اجتذاب المَاء الْبَارِد إِلَى الأحشاء دفْعَة أَو بخارات رَدِيئَة بَارِدَة تتصعد إِلَى الْقلب فتبرد مزاجه وَإِمَّا حرارة تحلل وتذيب الرطوبات فتخمد الْحَرَارَة الغريزية وَتعقب بردا ويبساً وَقد يتبع الاستفراغات وَقد تجلت هَذِه الْعلَّة الإفراط فِي تَدْبِير أَصْحَاب الحميات بِمَاء يشرب وَرُبمَا يضمد وَهَذِه الْعلَّة إِذا استحكمت لم تعالج وَلَو كَانَ لَهَا حِيلَة لَكَانَ للْمَوْت حِيلَة. العلامات: هَؤُلَاءِ ترى فيهم عَلَامَات الذبول والقشف وَلَا يرى فيهم الاشتعال والالتهاب بل رُبمَا وجدوا باردي الملامس وَلَا يكون نبضهم كنبض أَصْحَاب حمّيات الدِّق بل يكون صَغِيرا بطيئاً متفاوتاً إِلَّا أَن يشْتَد الضعْف فَيَأْخُذ النبض فِي التَّوَاتُر وخصوصاً من أَصَابَهُم هَذَا من شرب المَاء الْبَارِد وَيكون بَوْلهمْ أَبيض رَقِيقا مائياً وَيَكُونُونَ فِي أَحْوَالهم كالمشايخ.
(3/86)

علاج دَّق الشيخوخة: إِنَّمَا يعالج هَذَا المعالج عِنْدَمَا لم يستحكم على رَجَاء أَن لَا يستحكم وعندما استحكم على رَجَاء أَن يتَأَخَّر الْهَلَاك قَلِيلا والقانون فِي معالجتهم التسخين والترطيب وَمن المرطبات الحمامات على مَا علمت وَلَا تسْتَعْمل إِلَّا بعد الهضم فَإِنَّهَا إِن اسْتعْملت عقيب الْأكل أسقطت الْقُوَّة والحقن الْمُتَّخذ من الرؤوس والأكارع والحمص وَالْحِنْطَة المهروسة والتين مَعَ الحسك والبابونج يسْتَعْمل مِنْهُ قدر نصف رَطْل مَعَ أوقيتين من شيرج وَشَيْء من دهن البان وَيسْتَعْمل الدَّلْك على التغذية وَاللَّبن المرتضع شَدِيد النَّفْع لَهُم وَالْعَسَل غَايَة فِي نفعهم كَمَا أَنه غَايَة فِي مضرَّة أَصْحَاب حمى الدق وكل غذَاء مرطب سَلس النَّفاذ سريع الانجذاب لَا لزوجة فِيهِ مثل مَاء اللَّحْم وصفرة الْبيض النيمبرشت وَالشرَاب الرَّقِيق الْعطر الْقَلِيل الْمِقْدَار شَدِيد الْمُوَافقَة لَهُم وَيجب أَن تراعي الترطيب الْمَذْكُور فِي بَاب الدق ويخلط بِهِ مَا يسخن من الروائح والأضمدة والمروخات والأغذية وَغير ذَلِك. فصل فِي حميات الوباء وَمَا يجانسها وَهِي حمى الجدري والحصبة كَلَام فِي حمى الوباء: قد يعرض للهواء مَا علمناك فِي الْكتاب الْكُلِّي مثل مَا يعرض للْمَاء من اسْتِحَالَة فِي كيفياته إِلَى حر وَبرد وَمن اسْتِحَالَة فِي طَبِيعَته إِلَى إِفْسَاد المَاء وتعفن كَمَا يأجن المَاء وينتن ويعفن وكما أَن المَاء لَا يعفن على حَال بساطته بل لما يخالطه من أجسام أَرض خبيثة تمتزج بِهِ وتحدث للجملة كَيْفيَّة رَدِيئَة كَذَلِك الْهَوَاء لَا يعفن على حَال بساطته بل لما يخالطه من أبخرة رَدِيئَة تمتزج بِهِ وتحدث للجملة كَيْفيَّة رَدِيئَة. وَرُبمَا كَانَ ذَلِك لسَبَب ريَاح ساقت إِلَى الْموضع الْجيد أدخنة رَدِيئَة من مَوَاضِع نائية فِيهَا بطائح آجنة أَو أجسام متجيفة فِي ملاحم أَو وباء قتالة لم تمفن وَلم تحرق وَرب كَانَ السَّبَب قَرِيبا من الْموضع جَارِيا فِيهِ. وَرُبمَا عرضت عفونات فِي بَاطِن الأَرْض لأسباب لَا يشْعر بجزئياتها فَأَعَدْت المَاء والهواء والحميات الْحَادِثَة بِسَبَب الْهَوَاء الْيَابِس أقلّ من أَمْثَالهَا الْحَادِثَة من الْهَوَاء الرطب إِلَّا أَن الصَّفْرَاء تكون فِي الْهَوَاء الْيَابِس فَيكون ذَلِك سَببا أَيْضا لحدوث حميات صفراوية. وَأما الوبائية فَتكون من الْهَوَاء الكدر الرطب والحميات فِي الْهَوَاء الرطب أَكثر لَكِنَّهَا أقلّ حِدة وأطول مُدَّة أما فِي الصَّيف الْيَابِس الْقَلِيل الْمَطَر فَتكون أقلّ حدوثاً وَأكْثر حِدة وأسرع
(3/87)

فضلا وَأفضل الْفُصُول مَا حفظ طبعه ومبدأ جَمِيع هَذِه التغيرات هيئات من هيئات الْفلك توجبه إِيجَابا لَا نشعر نَحن بِوَجْهِهِ وَإِن كَانَ لقوم أَن يدعوا فِيهِ شَيْئا غير مَنْسُوب إِلَى بَيِّنَة بل يجب أَن تعلم أَن السَّبَب الأول الْبعيد لذَلِك أشكال سمائية والقريب أَحْوَال أرضية وَإِذا أوجبت القوى الفعالة السمائية والقوى المنفعلة ترطيباً شَدِيدا للهواء يرفع أبخرة وأدخنة إِلَيْهِ ويبثّها فِيهِ ويعقبها بحرارة ضَعِيفَة وَصَارَ الْهَوَاء بِهَذِهِ الْمنزلَة حمل على الْقلب فأفسد مزاج الرّوح الَّذِي فِيهِ وعفن مَا يحويه من رُطُوبَة وَحدثت حرارة خَارِجَة عَن الطَّبْع وانتشرت من سَبِيلهَا فِي الْبدن فَكَانَت حمّى وبائية وعمت خلقا من النَّاس لَهُم أَيْضا فِي أنفسهم خاصية استعداد إِذْ كَانَ الْفَاعِل وَحده إِذا حصل وَلم يكن المنفعل مستعداً لم يحدث فعل وانفعال واستعداد الْأَبدَان لما نَحن فِيهِ من الانفعال أَن تكون ممتلئة أخلاطاً رَدِيئَة فَإِن النقية لَا تكَاد تنفعل من ذَلِك والأبدان الضعيفة أَيْضا منفعلة مِنْهُ مثل الَّتِي أكثرت الْجِمَاع والأبدان الواسعة السبل الرّطبَة الْكَثِيرَة الاستحمام. العلامات: هَذِه الحمّى تكون هادية الظَّاهِر مقربة الْبَاطِن فِي الْأَكْثَر مهلكة يستشعر مِنْهَا حرافة واشتعال قوي وَيكون مَعَه عظم التنفس وعلوه وتواتره ويضيق كثيرا وينتن كثيرا وَشدَّة عَطش وجفوف لِسَان وَقد تكون مَعَ غثيان أَو سُقُوط شَهْوَة إِن لم يقاومها بِالْأَكْلِ صبرا أهلكته ووجع فؤاد وَعظم طحال وكرب شَدِيد وتململ وَرُبمَا كَانَ سعال يَابِس وَسُقُوط قُوَّة وإنافة على الغشي واختلاط عقل وتمدُد مَا دون الشراسيف وَيكون بِهِ سهر واسترخاء بدن وفتور وَرُبمَا عرض مَعهَا بثر أَحْمَر وأشقر وَرُبمَا كَانَ سريع الظُّهُور سريع الْبُطُون وَيحدث قُلاَّع وقروح وَيكون النبض فِي الْأَكْثَر متواتراً صَغِيرا ويشتدّ فِي الْأَكْثَر لَيْلًا وَرُبمَا حدثت بهم حَالَة كالاستسقاء وَرُبمَا كَانَ سوداوياً وَأَكْثَره يكون زبدياً منتناً وَفِيه شَيْء من جنس مَا يذوب وَيكون بَوْله مائياً مربًا سوداوياً وَكَثِيرًا مَا يتقيأ السَّوْدَاء وَأما الصَّفْرَاء فَأكْثر ذَلِك ويعرقون عرقاً منتناً وَهَذِه الحمّى تبتدىء مَعَ الْأَعْرَاض الْمَذْكُورَة بقوتها ويؤول الْأَمر إِلَى الغشي وَبرد الْأَطْرَاف وليثرغس والتشنج والكزاز وَقد يكون من هَذِه الحميات الوبائية مَا لَا يشْعر فِيهَا العليل وَلَا الجاس الْغَرِيب بِكَثِير حرارة وَلَا بِتَغَيُّر النبض وَالْمَاء كثير تغير وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهَا تكون مهلكة بِسُرْعَة تدهش الْأَطِبَّاء فِي أمرهَا وَأكْثر من تنتن نَفسه من هَؤُلَاءِ وَمن الْأَوَّلين يَمُوت فَإِن العفونة تكون قد استحكمت فِي الْقلب. عَلَامَات الوباء: مِمَّا يدل على الوباء من الْأَشْيَاء الَّتِي تجْرِي مجْرى الْأَسْبَاب أَن يكثر الرجوم
(3/88)

والشهب فِي أَوَائِل الخريف وَفِي أيلول فَإِنَّهُ مُنْذر بالوباء الْحَادِث إنذار السَّبَب وَإِذا كثر الْجنُوب وَالصبَا فِي الكانونين أَيَّامًا وَكلما رَأَيْت خثورة من الْهَوَاء وضبابية. وظننت مَطَرا وَوَجَدته مغبراً يَابسا لَا يمطر فَاعْلَم أَن مزاج الشتَاء فَاسد. وَأما الوباء الصيفي الْخَبيث الرَّدِيء فَيدل عَلَيْهِ قلَّة الْمَطَر فِي الرّبيع مَعَ برد ثمَّ إِذا رَأَيْت الْجنُوب يكثر ويكدر الْهَوَاء أَيَّامًا ثمَّ يصفو بعده أسبوعاً فَمَا فَوْقه ثمَّ يحدث برد ليل ومدّ نَهَار وغمة وَكَذَلِكَ إِذا لم يكن الصَّيف شَدِيد الْحَرَارَة وَكَانَ شَدِيد الكدورة مغير الْأَشْجَار وَكَانَ سلف فِي الخريف شهب ونيران ونيازك فَهُوَ عَلامَة وباء وَكَذَلِكَ إِذا رَأَيْت الْهَوَاء يتَغَيَّر فِي الْيَوْم الْوَاحِد مَرَّات كَثِيرَة ويصفو الْهَوَاء يَوْمًا وتطلع الشَّمْس صَافِيَة وتكدر يَوْمًا آخر وتطلع فِي جِلْبَاب من الغبرة فاحكم بِأَن وباء يحدث. وَأما العلامات الَّتِي على سَبِيل الْمُقَارنَة للسبب فَمثل أَن ترى الضفادع قد كثرت وَترى الحشرات المتولدة من العفونة قد كثرت وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَن ترى الفأر والحيوانات الَّتِي تسكن قَعْر الأَرْض تهرب إِلَى ظَاهر الأَرْض سِدْرَة مسمدرة وَترى الْحَيَوَان الذكي الطَّبْع مثل اللقلق وَنَحْوه يهرب من عشه ويسافر عَنهُ وَرُبمَا ترك بيضه. فِي معالجات الْحمى الوبائية: جملَة علاجهم التجفيف وَذَلِكَ بالفصد والإسهال وَيجب أَن تبادر فِيهَا إِلَى الاستفراغ فَإِن كَانَت الْمَادَّة الْغَالِبَة دموية فصدوا وَإِن كَانَت أخلاطاً أُخْرَى استفرغوا وَيجب أَن تبرّد بُيُوتهم وَتصْلح أهويتها. أما تبريد بُيُوتهم فبأن يحفّ بالفواكه والرياحين الْبَارِدَة وأطراف الشّجر الْبَارِدَة واللخالخ والنضوخات المتخذة من الْفَوَاكِه الْبَارِدَة الرَّائِحَة وَمن الكافور وَمَاء الْورْد والصندل ويرش بَيته وَإِن كَانَ فِي الْبَيْت رشاشات ونضّاخات للْمَاء فَهُوَ أَجود وَأما إصْلَاح الْهَوَاء فسنذكره وَيسْتَعْمل فيهم أَقْرَاص الكافور والربوب الْبَارِدَة وَمَاء الرائب المنزوع الزّبد وَمَاء ورد ديف فِيهِ مصل حامض طيب والخلّ بِالْمَاءِ أَيْضا وَالْمَاء الْبَارِد الْكثير دفْعَة نَافِع جدا. وَأما الْقَلِيل المتتابع فَرُبمَا هيّج حرارة فَإِن تَمَادى الْأَمر إِلَى أَن تتمثد الشراسيف وتبرد الْأَطْرَاف وَيطول السهر والإختلاط وَترى الصَّدْر وَمَا عَلَيْهِ يرْتَفع وَينزل فَلَا بُد من اسْتِعْمَال الدثار الجاذب للحرارة إِلَى خَارج وَإِذا سَقَطت الشَّهْوَة أجبروا على الْأكل فَإِن أَكثر من يتشجع على ذَلِك ويكل قسراً يقبل ويعيش فَلَا بُد من إجبارهم على الْغذَاء وَيجب أَن
(3/89)

تكون أغذيتهم من الحوامض والمجففات وَتَكون قَليلَة الْمِقْدَار فَإِن أغذيتهم تكون أَيْضا رَدِيئَة فتضر كثرتها من حَيْثُ الرداءة وتضرّ أَيْضا من حَيْثُ الامتلاء وَأما إصْلَاح الْهَوَاء فقد يكون بعضه بِحَسب الأصحاء وَبَعضه بِحَسب الأصحاء والمرضى. أما الَّذِي بِحَسب الأصحاء فَيكون الْغَرَض فِيهِ أَن يجفف الْهَوَاء ويطيب وتمنع عفونته بِأَيّ شَيْء كَانَ فيصلح الْعود الخام والعنبر والكندر والمسك والقسط الحلو والميعة والسندروس والحلتيت وعلك القرنفل والمصطكي وعلك البطم واللاذن وَالْعَسَل والزعفران والسكّ والسرو والعرعر والأشنة والغار والسعد والأذخر والأبهل والوج والشابابك واللوز المر والأسارون وَقد يتَّخذ من هَذِه مركبات ويرش الْبَيْت بالخل والحلتيت. وَأما بِحَسب الأصحاء وَأَيْضًا المحمومين والمرضى فالتبخير بالصندل والكافور وقشور الرُّمَّان والآس والتفاح والسفرجل والأبنوس والساج والطرفاء والريباس وَيجب أَن يُكَرر التبخير بذلك. فِي التَّحَرُّز من الوباء: يجب أَن يخرج عَن الْبدن الرطوبات الفضلية ويمال تَدْبيره إِلَى التجفيف من كل وَجه وَمن قلَّة الْغذَاء إِلَّا الرياضة فَيجب أَن لَا يسْتَعْمل وَلَا الْحمام وَلَا الْأَشْرِبَة وَلَا يصابر على الْعَطش وَيصْلح الْهَوَاء بِمَا ذَكرْنَاهُ ويمال الْغذَاء إِلَى الحموضات ويقلل مِنْهُ وَليكن اللَّحْم الَّذِي يسْتَعْمل مطبوخاً فِي الحموضات ويتناول من الهلام والقريص والمصوص الْمُتَّخذ بالخل وَغير الخلّ من السماق وَمَاء الحصرم وَمَاء الليمون وَمَاء الرُّمَّان والمخللات النافعة وخصوصاً الْكبر المخلل والحلتيت مِمَّا يَنْفَعهُمْ وَيمْنَع عَنْهُم العفونة وَمِمَّا يخلص عَنهُ اسْتِعْمَال الترياق والمثروديطوس قبله مَعَ سَائِر التَّدْبِير الصَّوَاب والدواء الْمُتَّخذ من الصَّبْر والزعفران والمرّ يسْتَعْمل مِنْهُ كل يَوْم قَرِيبا من دِرْهَم فَإِنَّهُ نَافِع. فصل فِي الجدري قد يحدث فِي الدَّم غليان على سَبِيل عفونة مَا من جنس الغليانات الَّتِي تعرض للعصارات عرُوضا تصير بهَا إِلَى تميز أَجْزَائِهَا بَعْضهَا عَن بعض فَمن ذَلِك مَا يكون سَببه أمرا كالطبيعي يغلي الدَّم لينفض عَنهُ مَا يخالطه من بقايا غذائه الطمثي الَّذِي كَانَ فِي وَقت الْحمل أَو تولد فِيهِ بعد ذَلِك من الأغذية العكرة والرديئة الَّتِي تسخف قوامه وتثوره إِلَى أَن يحصل لَهُ جَوْهَر متقوّم أقوى من الأول وَأظْهر مثل مَا تفعل الطبيعة بعصارة الْعِنَب حَتَّى تُقِيمهُ شرابًا متشابه الْجَوْهَر وَقد نفض عَنهُ الرغوة الهوائية وَالنَّقْل الأرضي وَمن ذَلِك مَا يكون سَببه أمرا وارداً من خَارج مثوّراً يخلط الأخلاط بِالدَّمِ خلطاً ثمَّ حدث غليان ونشيش مثل مَا يعرض عِنْد تغير الْفُصُول وخصوصاً الرّبيع عَن الْوَاجِب لَهَا من الكيفيات والنظام فَإِن الجدري والحصبة من جملَة الْأَمْرَاض الوافدة وتكثر فِي عقيب الجنائب إِذا كثر هبوبها.
(3/90)

وَالْبدن المستعد للجدري هُوَ الْحَار الرطب والكدر الرُّطُوبَة خَاصَّة والقليل إِخْرَاج الدَّم بالفصد وَمن الأغذية أغذية توقع فِي الجدرى ِ سَرِيعا وخصوصاً إِذا لم تكن مُعْتَادَة وَاسْتعْمل عَلَيْهَا أدوية وأغذية مسخنة مثل الألبان وخصوصاً ألبان اللقَاح والرماك إِذا أسْتَكْثر مِنْهَا من لم يعتدها ثمَّ شرب شرابًا كثيرا أَو أدوية حارة وَكَانَ الجدري ضرب من البحران. وَأكْثر مَا يعرض الجدري يعرض للصبيان ثمَّ للشبان وتقل عروضه للمشايخ إِلَّا لأسباب قَوِيَّة وَفِي بلدان شَدِيدَة الحرّ والرطوبة وعروضه فِي الْأَبدَان الرّطبَة أَكثر من عروضه فِي الْأَبدَان الْيَابِسَة وعروضه فِي الرّبيع أَكثر من عروضه فِي الشتَاء وَبعد الرّبيع فِي آخر الخريف وخصوصاً إِذا تقدّمه صيف حَار يَابِس وَكَانَ ذَلِك الخريف حاراً يَابسا أَيْضا والجدري لبس إِنَّمَا يعرض فِي الْجلد وَحده وَفِيمَا يَلِي الظَّاهِر بل يعرض فِي جَمِيع الْأَعْضَاء المتشابهة الْأَجْزَاء الظَّاهِرَة والباطنة حَتَّى الْحجب والأعصاب. وَإِذا ظهر الجدري أورث حكة ثمَّ تظهر أَشْيَاء كرؤوس الإبر جاورسية ثمَّ تخرج وتمتلىء مُدَّة ثمَّ تتقرح ثمَّ تصير خشكريشة مُخْتَلفَة الألوان ثمَّ تسْقط. وَرُبمَا انْتقل الجدري إِلَى فلغموني وماشرا وَإِلَى دبيلة تجمع الْمدَّة وَأكْثر مَا يطهر يظْهر وَله لون الفلغموني وَلكنه رُبمَا خرج على ألوان مُخْتَلفَة رمادية وبنفسجية وسود فَإِن الجدري لَهُ أَصْنَاف وألوان فَمِنْهُ أَبيض وَمِنْه أصفر وَمِنْه أَحْمَر وَمِنْه أَخْضَر وَمِنْه بنفسجي وَمِنْه إِلَى السوَاد والأخضر والبنفسجي رديان وكل مَا ازْدَادَ ميلًا إِلَى السوَاد فَهُوَ أردأ وكل مَا مَال عَنهُ فَهُوَ أميل عَن الشَّرّ والأبيض أجوده وخصوصاً إِذا كَانَ قَلِيل الْعدَد كثير الحجم سهل الْخُرُوج قَلِيل الكرب ضَعِيف الْحمى ترى الْحمى تَنْقَضِي مَعَ ظُهُوره وَخُرُوجه وَيكون أول بروزه فِي الثَّالِث وَمَا يقرب مِنْهُ وَبعد هَذَا الْبيض الْكِبَار الْكَثِيرَة الْعمد المتقاربة من غير اتِّصَال فَإِن اللواتي يتَّصل بَعْضهَا بِبَعْض حَتَّى تحيط برقعة كَبِيرَة من اللَّحْم ذَات أضلاع أَو مستديرة فَهِيَ رَدِيئَة وَكَذَلِكَ المضاعفة الْكِبَار الَّتِي تكون فِي جَوف الْوَاحِدَة مِنْهَا جدرية أخر ى. وَأما الْبيض الصغار الصلبة المتقاربة الْعسرَة الْخُرُوج فَإِنَّهَا وَإِن أوهمت فِي ابْتِدَاء الْأَمر سَلامَة فقد يخْشَى عَلَيْهَا أَن يعسر نضجها ويسوء مَعهَا حَال العليل وتتأدّى بِهِ إِلَى الْهَلَاك لِأَن السَّبَب وَمن أَصْنَاف الرَّدِيء الْمخوف الَّذِي يهْلك كثيرا مَا يخْتَلف حَاله فَتَارَة يظْهر وَتارَة يبطن وخصوصاً إِذا ظهر بنفسجياً وَكَذَلِكَ اللجوج الَّذِي لَا يَنْفَكّ الإقبال مِنْهُ عَن ضعف قُوَّة عَن اخضرار عُضْو واسوداده يهْلك فَإِن كَانَ الاخضرار والاسوداد الَّذِي يعقبه بعد
(3/91)

الإبلال لَا يسْقط الْقُوَّة بل تتزايد مَعَهُمَا الْقُوَّة لم يكن مهْلكا لكنه رُبمَا أوقع فِي قُرُوح وَمَا يجْرِي مجْراهَا. وَلِأَن تكون حمّى ثمَّ جدري أسلم من أَن يكون جدري سَابق ثمَّ تلْحقهُ وتطرأ عَلَيْهِ حمى وَأكْثر مَا يجب أَن يتفقد من أَمر المجدور نَفسه وصوته فَإِنَّهُمَا إِذا بقيا جَيِّدين كَانَ الْأَمر سليما. وَإِذا رَأَيْت المجدور يتتابع نَفسه وَكَذَلِكَ المحصوب فأحدس سُقُوط قُوَّة أَو ورم حجاب ثمَّ إِذا رَأَيْت الْعَطش يشتدّ وَالْكرب يلح وَالظَّاهِر يبرد والجدري أَو الحصبة تخضر فقد آذن العليل بِالْهَلَاكِ ويؤكد ذَلِك أَن يكون الجدري من جنس مَا أَبْطَأَ خُرُوجه وظهوره. وَأكْثر من يَمُوت بالجدري يَمُوت اختناقاً أَو ظهوراً من الخناق وَقد يموتون لسُقُوط الْقُوَّة بالسحج والإسهال وَإِذا رَأَيْت الفنسجي من الجدري والحصبة يغور فَاعْلَم أَنه سيغشى على العليل وَإِذا أسْرع إِلَى بَوْل الدَّم وعقبه بَوْل أسود فَهُوَ هَالك لَا سِيمَا إِذا كَانَ هُنَاكَ سُقُوط قُوَّة وَاخْتِلَاف أَخْضَر دموي وعسالي مَعَ سُقُوط قوته والحميقاء شَيْء بَين الجدري والحصبة وَهِي أسلم مِنْهُمَا وَكَثِيرًا مَا يجدر الْإِنْسَان مرَّتَيْنِ إِذا اجْتمعت الْمَادَّة للاندفاع مرَّتَيْنِ والموم الرصاصي هُوَ الجدري الَّذِي بثره فِي الْوَجْه والصدر والبطن أَكثر مِنْهُ فِي السَّاق والقدم وَهُوَ رَدِيء وَيدل على مَادَّة غَلِيظَة لَا تنْدَفع إِلَى الْأَطْرَاف. فِي عَلَامَات ظُهُور الجدري قد يتَقَدَّم ظُهُور الجدري وجع ظهر واحتكاك أنف وفزع فِي النّوم ونخس شَدِيد فِي الْأَعْضَاء وَثقل عَام وَحُمرَة فِي لون الْوَجْه وَالْعين ودمع واشتعال وَكَثْرَة تمط وتثاؤب مَعَ ضيق نفس وبحة صَوت وَغلظ ريق وَثقل رَأس وصداع وجفوف فَم وكرب ووجع فِي الْحلق والصدر وارتعاش رجل عِنْد الاستلقاء وميل إِلَيْهِ وَمَعَ ذَلِك كُله حمّى مطبقة. فصل فِي الحصبة إعلم أَن الحصبة كَأَنَّهَا جدري صفراوي لَا فرق بَينهمَا فِي أَكثر الْأَحْوَال إِنَّمَا الْفرق بَينهمَا أَن الحصبة صفراوية وَأَنَّهَا أَصْغَر حجماً وَكَأَنَّهَا لَا تجَاوز الْجلد وَلَا يكون لَهَا سمك يعْتد بِهِ وخصوصاً فِي أَوَائِله. والجدري يكون لَهُ فِي أول ظُهُوره نتو وسمك وَهِي أقل من الجدري وَأَقل تعرضاً للعين من الجدري وعلامات ظُهُورهَا قريبَة من عَلَامَات ظُهُور الجدري لَكِن التهوع فِيهَا أَكثر وَالْكرب والاشتعال أَشد ووجع الظّهْر أقل لِأَن ميله فِي الجدري للامتلاء الدموي الممدد للعرق الْمَوْضُوع إِلَى الظّهْر فَإِن تولد الجدري هُوَ لِكَثْرَة الدَّم الْفَاسِد
(3/92)

والحصبة لشدَّة رداءة الدَّم وعلامات سلامتها مثل عَلَامَات سَلامَة الجدري فَإِن السَّرِيع البروز والظهور والنضج سليم والصلب والأخضر والبنفسجي رَدِيء وَمَا كَانَ بطيء النضج متواتر الغشي وَالْكرب فَهُوَ ناقل وَمَا غَابَ أَيْضا عفعة فَهُوَ رَدِيء مغشي. العلاج: يجب فِي الجدري أَن تبادر فَتخرج الدَّم إخراجاً كَافِيا إِذا احْتمل الشَّرَائِط وَكَذَلِكَ إِن كَانَت الحصبة مَعَ امتلاء من الدَّم وَمُدَّة ذَلِك إِلَى الرَّابِع فَإِذا برز الجدري فَلَا يَنْبَغِي أَن تشتغل بالفصد اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تَجِد شدَّة امتلاء بِهِ وَغَلَبَة مَادَّة فتفصد مِقْدَار مَا يُخَفف. وأوفق مَا يسْتَعْمل فِي هَذِه الْعلَّة الفصد وَإِن فصد عرق الْأنف نفع مَنْفَعَة الرعاف وحمّى النواحي الْعَالِيَة عَن غائلة الجدري وَكَانَ أسهل على الصّبيان وَإِذا وَجب الفصد فَلم يفصد أَيْضا بالتمام خيف فَسَاد طرف وَكَذَلِكَ قد يخَاف مثله على من تدام تطفيته جدا. وَيجب أَن يغذى فيهمَا أَولا بِمَا فِيهِ تَقْوِيَة مَعَ ردع وتطفية من غير عقل للطبيعة وتغليظ للدم مثل العنابية بِالتَّمْرِ الْهِنْدِيّ والطلعية والعدسية واسفيذباجة وَمَا فِيهِ تليين غير شَدِيد وَلذَلِك يجب أَن يكون مَعَ هَذِه التَّمْر الْهِنْدِيّ وَمَا يُوَافقهُ والقرعية والبطيخ الرقي بل يجب أَن تكون الطبيعة لينَة فِي الأول وَأفضل مَا يلين بِهِ التَّمْر الْهِنْدِيّ وَإِن لم يجب بِهِ زيد عَلَيْهِ الشيرخشت مَعَ رفق واحتراز أَو ترنجبين أَو نقوع الإجاص وَقد ينفع أَن يسقى مَعَ أول آثَار الجدري وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم من رب الكدر مَعَ قرص من أَقْرَاص الكافور وشراب الطّلع شَدِيد الْمَنْفَعَة فِي مثل هَذَا الْوَقْت فَإِذا تمادت الْعلَّة وَجَاوَزَ الْيَوْم الثَّانِي وَأخذ الجدري. يظْهر فَرُبمَا كَانَ التبريد سَببا لخطأ عَظِيم بِمَا يحبس الْفضل دَاخِلا وَيحمل بِهِ على الْأَعْضَاء الرئيسة وَبِمَا لَا يُمكنهُ من البروز والظهور وَيحدث قلقاً وكرباً وَرُبمَا أحدث غشياً بل يجب أَن يعين العضل فِي مثل هَذِه الْحَال بِمَا يعليه وَيفتح السدد مثل الرازيانج والكرفس مَعَ السكر عصارة أَو طبيخ أصُول وبزور. وَرُبمَا أَشمّ شَيْئا من الزَّعْفَرَان وَمَاء التِّين جيد جدا فَإِن التِّين شَدِيد الدّفع إِلَى الظَّاهِر وَذَلِكَ أحد أَسبَاب الْخَلَاص من مضرته. وَمِمَّا ينفع جدا فِي هَذَا الْوَقْت أَن يُؤْخَذ من اللك المغسول وزن خَمْسَة دَرَاهِم وَمن العدس المقشر وزن سَبْعَة دَرَاهِم وَمن الكثيراء وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم يطْبخ بِنصْف رَطْل مَاء إِلَى أَن يبْقى ربع رَطْل ويسقى وَمِمَّا هُوَ شَدِيد المعونة على إِظْهَار الجدي أَن يُؤْخَذ من التينات الصفر سَبْعَة دَرَاهِم وَمن العدس المقشر ثَلَاثَة دَرَاهِم وَمن اللك ثَلَاثَة دَرَاهِم وَمن الكثيراء وبزر
(3/93)

الرازيانج دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ يطْبخ برطل وَنصف مَاء حَتَّى يبْقى مِنْهُ قريب من الثُّلُث ويصفى ويسقى مِنْهُ فَيدْفَع الْحَرَارَة عَن نواحي الْقلب وَيمْنَع الخفقان وَيجب أَن لَا يقربهُ فِي هَذَا الْوَقْت دهن الْبَتَّةَ. وَيجب أَن يدثر وَيبعد من الْهَوَاء الْبَارِد وخصوصاً فِي الشتَاء وَيعْمل بِهِ مَا يعْمل بالمستعرق فَإِن الْبرد يسد المسام وَيرد الْموَاد إِلَى وَرَاء وَكَثْرَة شرب المَاء الْمبرد بالثلج وَدخُول الخيش رَدِيء جدا لَهُ وَرُبمَا كَانَ الفصد رديئاً لاسترداده وَصَرفه مَا يبرز فليتوق بعد يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَة وَإِذا عرض من التدثير والتسخين كالغشي أَو كَانَ يعرض الغشي فَلَا بُد من تبريد الْهَوَاء المنشوق خَاصَّة والفزع إِلَى رَائِحَة الكافور والصندل وَإِن لم يكن بدّ من كشف الْبدن للخيش أَو للهواء الْبَارِد قَلِيلا فعل وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت المعونة بالتسخين أَو بترك التبريد ومبادرته إِلَى الْخُرُوج لَا تَجِد مَعَه خفَّة بل تَجِد الْحَرَارَة مشتعلة وَاللِّسَان إِلَى السوَاد فإياك والتسخين. وَيجب أَن يجْتَنب أَصْحَاب الجدري والحصبة تضميد الْبَطن فَإِن فِي ذَلِك خطرين أْن يضيق النَّفس على الْمَكَان وَأَن يعرض إسهال رَدِيء وَبَوْل دم وَفِي آخِره يجب أَن تحفظ الطبيعة وَيطْعم بدل العدس كَمَا هُوَ العدس المسلوق سلقات بتجديد المَاء وَبدل العدس المحمّض بِالتَّمْرِ الْهِنْدِيّ العدس المحمض بِمَاء الرُّمَّان والسماق أَو الحصرم أَو نَحوه فَأَما الْأَدْوِيَة الْمُغَلَّظَة للدم المبرّدة لَهُ الْمَانِعَة إِيَّاه عَن الغليان الْمَأْمُور بهَا فِي الأول فَمثل ربّ الريباس والحصرم ومياه الْفَوَاكِه الْبَارِدَة وشراب الكدر خَاصَّة وشراب الطّلع والطلع نَفسه والجمار ولشراب الكدر نسخ كَثِيرَة ذَكرنَاهَا فِي القراباذين
(3/94)

وَنحن نذْكر هَهُنَا نُسْخَة عَجِيبَة قَوِيَّة وَهِي الَّتِي تتَّخذ بِمَاء الرائب الْمَحْض ونسخته: يُؤْخَذ من ربّ الكدر جزءان فَإِن لم يحضر أَخذ الكدر وَنشر وَأخذ نشارته أَو دق وَأخذ مدقوقه وأديف مَعَ نصفه صندل فِي الخلّ المقطر أَو فِي مَاء الحصرم الصّرْف أَيَّامًا ثمَّ طبخ فِيهَا طبخاً بالرفق مَعَ طول حَتَّى يتهرى ثمَّ يعصر وَيُؤْخَذ من العصارة وَكلما كَانَ الْخلّ أَو مَاء الحصرم أَكثر فَهُوَ أَجود ثمَّ يُؤْخَذ مَاء الدوغ المخيضر المنزوع من جبنية الدوع إِمَّا بترويق بَالغ أَو يطْبخ كطبخ مَاء الْجُبْن حَتَّى تنعزل المائية ثمَّ يُؤْخَذ دَقِيق الشّعير ويتخذ مِنْهُ وَمن مَاء الرائب فقاع ويحمض ذَلِك الفقّاع ثمَّ يروق ثمَّ يجمّد اتِّخَاذ الفقاع مِنْهُ وَمن دَقِيق الشّعير ويحمّض وَكلما كرر كَانَ أَجود فَيُؤْخَذ مِنْهُ خَمْسَة أَجزَاء وَيُؤْخَذ من مَاء الكمّثري الصيني وَمَاء السفرجل الحامض الْكثير المَاء وَمَاء الرُّمَّان الحامض وَمَاء التفاح الحامض الْكثير المَاء وَمَاء الزعرور وَمَاء الليمون وَمَاء الإجاص الحامض وَمَاء الطّلع المعصور وَمَاء الكندس الطَّبَرِيّ وَمَاء التوت الشَّامي الَّذِي لم ينضج تَمام النضج وَمَاء المشمش الْفَج الحامض وعصارة الحصرم وعصارة الريباس وعصارة عساليج الْكَرم وعصارة الْورْد الْفَارِسِي وعصارة النيلوفر وعصارة البنفسج من كلّ وَاحِد ثلث جُزْء وَمن عصارة حماض الأترج وَمن عصارة حماض النارنج من كل وَاحِد ثُلثي جُزْء وَمن عصارة الكزبرة والخس وورق الخشخاش الرطب والهندبا والبقلة الحمقاء من كل وَاحِد ربع جُزْء من عصارة الكزبرة والخس وورق الخشخاش الرطب والهندبا والبقلة الحمقاء من كل وَاحِد ربع جُزْء من عصارة ورق الْخلاف وورق التفاح وورق الكمثري وورق الزعرور وورق الْورْد وورق عَصا الرَّاعِي من كل وَاحِد ربع جُزْء وَمن عصارة لحية التيس وَمن الْورْد الْيَابِس وَمن النيلوفر الْيَابِس وَمن عصارة الْأَمِير باريس الْيَابِس وَمن بزر الهندبا وبزر الخس والجلنار والنيلوفر والورد من كل وَاحِد نصف عشر جُزْء من عصارة النعناع الرطب سدس جُزْء وَمن عصارة الْأَمِير باريس الرطب نصف جُزْء تجمع الْأَدْوِيَة والعصارات وتركب على النَّار ويُلقى فِيهَا من العدس أَرْبَعَة أَجزَاء وَمن الشّعير المقشر جزءان وَمن السمّاق ثَلَاثَة أَجزَاء وَمن حبّ الرُّمَّان ثَلَاثَة أَجزَاء ويطبخ الْجَمِيع على النَّار حَتَّى يبْقى النّصْف ثمَّ يتْرك حَتَّى يبرد ويمرس بِقُوَّة ويصفى وَيُؤْخَذ من الكافور لكل وزن ثَلَاثمِائَة دِرْهَم وزن مِثْقَال فيسحق الكافور ويذرّ على أصل قرعَة أَو قنينة ويصبّ عَلَيْهِ الدَّوَاء بالرفق ثمَّ يُصم رَأسه بِشَيْء شَدِيد الْقُوَّة ثمَّ يوضع على الْجَمْر حَتَّى تعلم أَنه يكَاد يغلي ثمَّ يُؤْخَذ ويخضخض ويوح بستوقة ويشدُ رَأسهَا لِئَلَّا يضيع الكافور ويطير والشربة مِنْهُ إِلَى عشرَة دَرَاهِم. وَمن النَّاس من يَجْعَل فِيهِ من السنبل والزنجبيل وبزر الرازيانج والأنيسون والفلفل والسعد أَجزَاء على قدر مَا يرى وَإِذا خرج الجدري بالتمام وَجَاوَزَ السَّابِع وَظهر فِيهِ النضج فَمن الصَّوَاب أَن يفقَأ بالرفق بإبر من ذهب وَتُؤْخَذ الرُّطُوبَة بقطنة وَأما التمليح فَلَا بُد مِنْهُ وَإِذا أردْت أَن تملح فَبعد الْملح مِمَّا فقأته عَن قريب من الْكِبَار المؤلمة فَإِن ذَلِك يوجع بل
(3/95)

ملح سواهَا ودعها لينسد بهَا طَرِيق الفقء ثمَّ ملحها وَلَا تملح قبل تَمام النضج فَإِن ذَلِك رُبمَا أحدث ورماً ووجعاً شَدِيدا والتمليح أَمر لَا بُد مِنْهُ بعد أَن ينضج وَذَلِكَ بِمَاء ملح فِيهِ قُوَّة من زعفران وَإِن كَانَ ذَلِك المَاء مَا الْورْد فَهُوَ أَجود وَإِن كَانَ مَاء طُبخ فِيهِ الْورْد والطرفاء والعدس ثمَّ ملّح فَهُوَ غَايَة وخصوصاً إِن جعل فِيهِ أَيْضا كافور وصندل فَإِن التمليح ينضج ويجفف وَيسْقط بِسُرْعَة والتدخين بالطرفاء نَافِع جدا وَفِي الشتَاء يجب أَن تواصل الْوقُود من الطرفاء وَإِذا كَانَ الجدري شَدِيد الرُّطُوبَة فَلَا بُد من التدخين بالآس وورقه وَمن التَّدْبِير الْجيد عِنْد نضج الجدري والاهتمام بتجفيفه أَن ينوِّم المجدور على دَقِيق الْأرز والجاورس وَالشعِير والباقلا وأوفقه أَن يَجعله حَشْو مضربة سخيفة تنفذ فِيهَا الْقُوَّة وورق السوس جيد فِي ذَلِك والدهن رَدِيء فِي هَذَا الْوَقْت أَيْضا لِأَنَّهُ يمْنَع الْجَفَاف. وَإِذا أَخذ الجدري يجفّ فَيجب أَن يطلى بالمعينة عَلَيْهِ كالأدقة الْمَذْكُورَة مَعَ قُوَّة من الزَّعْفَرَان وَإِذا عرضت قُرُوح من الجدري نفعهم المرهم الْأَبْيَض وخصوصاً مخلوطاً بِشَيْء من الكافور وحكاكة أصل الْقصب بِمَاء الْورْد أَو حكاكة عروق شجر الْخلاف أَو شَجَرَة الزعرور. وَرُبمَا نفع نثر الاسفيذاج والمرداسنج وَإِذا كَانَت فِي الْأنف خشكريشة نفع القيروطي الْمُتَّخذ بدهن الْورْد الْخَالِص مَعَ قُوَّة الاسفيذاج والاقليما وَاسْتِعْمَال الدّهن بعد الْجَفَاف وَعند التقرّح جيد أما عِنْد الْجَفَاف فِيمَا يسْقط بِسُرْعَة وَأما عِنْد التقرّح فَلِأَنَّهُ مَادَّة المراهم والمرهم الْأَحْمَر جيد القروح الجدري. فصل فِي مُرَاعَاة الْأَعْضَاء وحياطتها عَن آفَة الجدري والحصبة الْأَعْضَاء الَّتِي يجب أنتوقّى آفَة الجدري هِيَ الْحلق وَالْعين والخياشيم والرئة والأمعاء فَإِن هَذِه الْأَعْضَاء هِيَ الَّتِي تتقرّح. فَأَما الْعين فَرُبمَا ذهبت وَرُبمَا عرض عَلَيْهَا بَيَاض. وَأما الْحلق فَرُبمَا عرض فِيهِ خناق وَرُبمَا عرض من القروح مَا يمْنَع البلع فِي المريء وَرُبمَا أدّى إِلَى أَكلَة هُنَاكَ قتّالة. وَأما الخياشيم فَرُبمَا عرض فِيهَا قُرُوح تسدّ مجْرى النسيم. وَأما الرئة فَرُبمَا عرض فِيهَا من بثور الجدري الحصبة ضيق نفس شَدِيد وَرُبمَا أوقعت فِي السلِّ إِذا قرحت. وَأما الأمعاء فَرُبمَا عرض فِيهَا سحج يعسر تلافيه. وَأما حفظ الْعين فأجوده أَن تكحل الْعين بالمري وَمَاء الكزبرة وَقد جعل فِيهِ سمّاق وكافور وخصوصاً فِي أول يَوْم والمري أَيْضا وَحده وَكَذَلِكَ تكحل بكحل مربى بِمَاء الكزبرة وَمَاء السمّاق مجعول فِيهِ كافور وعصارة شَحم الرُّمَّان جَيِّدَة أَيْضا فِي الأول وَأما إِذا ظهر فالكحل بِمَاء الْورْد والكافور أوفق فَنَذْكُر أَن الإكتحال بالنفط الْأَبْيَض جيد جدا فِي ذَلِك. ودهن الفستق مِمَّا تستعمله النِّسَاء فِي بِلَادنَا بعد الجدري وحدوث آفَة فِي الْعين فيقلع غمامة إِن كَانَت وَيصْلح الْعين والشياف الْأَبْيَض جيد عِنْد ظُهُور البثر. وَأما حفظ الْفَم وَالْحلق فَمثل مص الرُّمَّان
(3/96)

ومضغ حبه فِي الِابْتِدَاء ومصّ التوت الشَّامي والغرغرة بربه خُصُوصا إِذا أَخذ يشكي وجعاً فيهمَا وَحِينَئِذٍ يجب أَن يعلق رُبه شَيْئا بعد شَيْء. وَأما الخياشيم فبأطلية من الماميثا والصندل وربّ الحصرم والخل واستنشاق الْخلّ وَحده شَدِيد الْمَنْفَعَة. وَأما حفظ الرئة فَلَيْسَ لَهُ كلعوق من العدس لين مَعَ بزر الخشخاش. وَأما حفظ الأمعاء فَأكْثر مَا يجب أَن يحفظ بعد الِابْتِدَاء وَهُوَ بالقوابض وَإِذا بدا الاستطلاق فِي آخر الْعلَّة عولج بأقراص الطباشير فِي رب الريباس وأقراص بزر الحماض. فصل فِي قلع آثَار الجدري هَذَا سنتكلم فِيهِ أَيْضا مرّة أُخْرَى عِنْد كلامنا فِي الزِّينَة. وَأما الْآن فَنَذْكُر مَا هُوَ أوفق وَأَشد مُنَاسبَة مِمَّا يقْلع آثَار الجدري أصُول الْقصب المجفف دَقِيق الباقلا حكاكة خشب الْخلاف حكاكة أصُول الْقصب العنزروت بزر الْبِطِّيخ وقشوره المجففة الْأرز المغسول مَاء الشّعير بَيَاض الْبيض الطين المتخلخل المرداسنج السكر الطبرزذ النشا اللوز الحلو اللوز المرّ وَمن الأدهان: دهن السوسن دهن الفستق شَحم الْحمار بدهن الْورْد وَمَا يُشبههُ المَاء الَّذِي يكون فِي ظلف الْحمل الَّذِي يسوى فَإِنَّهُ غَايَة وَمِمَّا هُوَ أقوى زبد الْبَحْر حِجَارَة الفلفل الْقسْط الأشق الكندر الصابون البورق الْعِظَام المحرقة الْعِظَام البالية بزر الفجل دَقِيق الفجل المجفف الزراوند الترمس. وَمن المطعومات الجيدة المحسّنة للونه: الرُّمَّان الحلو الحمص الشَّرَاب الطيّب صفرَة الْبيض النميبرشت مرقة الدجج والقباج والفراريج والتدارج السمينة وَيجب أَن يديم صَاحبه الاستحمام وَمن المركّبات لذَلِك: تُؤْخَذ الْعِظَام المحرقة وبعر الْغنم الْعَتِيق والخزف الْجَدِيد والنشا وبزر الْبِطِّيخ والأرزّ المغسول والحمص من كل وَاحِد عشرَة وَمن حب البان والترمس والقسط والزراوند الطَّوِيل من كل وَاحِد خَمْسَة وَمن أصُول الْقصب الْيَابِس عشْرين يتَّخذ مِنْهُ طلاء بِمَاء الْبِطِّيخ أَو بِمَاء القنابر أَو مَاء الشّعير أَو مَاء الباقلا ويطلى بِهِ الْعُضْو يغسل من الْغَد بطبيخ البنفسج. آخر: يُؤْخَذ خزف جَدِيد عِظَام بالية أصُول الْقصب الْفَارِسِي نشا ترمس بزر الْبِطِّيخ أرز مغسول حب البان قسط أَجزَاء سَوَاء يتَّخذ مِنْهُ غمرة. وَأَيْضًا ترمس وحمص أسود. فصل فِي حميات الأورام قد علمت حَال الحميات الَّتِي تتبع الأورام الظَّاهِرَة وَإِنَّهَا فِي الْأَكْثَر تكون من جنس حميات الْيَوْم إِذْ كَانَت هَذِه الأورام فِي الْأَكْثَر إِنَّمَا تتأدى إِلَى الْقلب سخونتها دون عفونة مَا فِيهَا وَأكْثر هَذَا عَن أَسبَاب بادية فَأَما إِذا تأدت عفونتها إِلَى الْقلب لعظمها أَو لقربها فقد صَارَت الْحمى من غير جنس حمى يَوْم وَأكْثر أَمْثَالهَا إِنَّمَا تكون من أَسبَاب سَابِقَة بدنية وامتلاءات وَقد تكون من قُرُوح تتجه إِلَيْهَا مواد خبيثة وتحتبس فِي
(3/97)

اللحوم الرخوة وَأما الحميات الَّتِي تتبع الأورام الْبَاطِنَة فَإِنَّهَا لَا تكَاد تكون من وُصُول السخونة إِلَى الْقلب دون العفونة. وَشر مَا تكون الحميات عَن الأورام الْبَاطِنَة إِذا كَانَت من جنس الْحمرَة فِي بعض الأحشاء فيشتد الوجع والعطش والالتهاب وَيدل عَلَيْهِ دَلَائِل مُخَالطَة الْمرة الْكَثِيرَة للدم وَهَذِه الأورام الْبَاطِنَة مثل أورام الدِّمَاغ وحجبه والصماخ وَفِي الْحلق أَحْيَانًا وَفِي الْحجاب الَّذِي يَلِي الصَّدْر والكبد والكلية والمثانة وَالرحم والأمعاء وَمَا يشبه ذَلِك وَقد تخْتَلف حمياتها فِي الشدَّة والضعف بِحَسب الْقرب من الْقلب والبعد وَمَا كَانَ مِنْهَا أَيْضا فِي الْأَعْضَاء اللحمية فَإِن حماه تكون أَشد. وَمَا كَانَ فِي الغشائية وَنَحْوهَا كَانَت الْحمى أَضْعَف وَمَا كَانَ فِي جوَار الشرايين فَإِن حماه أَشد وَمَا كَانَ فِي جوَار الأوردة وَحدهَا فَإِن حمّاه أَضْعَف وَلَا تَخْلُو هَذِه الحمّيات من أدوار بِحَسب الْموَاد الَّتِي تنصت إِلَى أورامها بأدوارها بِحَسب تولدها وبحسب حركتها وبحسب جذب الْحَرَارَة والألم إِيَّاهَا فَيكون لكل خلط دور يَلِيق بِهِ وَاعْلَم أَن كثيرا مَا يبرأ الورم فِي ذَات الْجنب وَغَيره وَتبقى الْحمى فَيدل على أَن النَّقَاء لم يَقع وَهَذِه الحمّيات إِذا طَالَتْ أدَّت إِلَى الدق وخصوصاً إِذا كَانَت الأورام فِي الكبد وَأما الحجابية فَإِنَّهَا إِذا استحكمت لم تمهل إِلَى الدَق. فصل فِي علاماتها وأحكامها الحمّيمات الورمية الْبَاطِنَة تُوجد مَعهَا ثَلَاثَة أَصْنَاف من العلامات والأعراض: عَلَامَات وأعراض تدلّ على الْعُضْو العليل وعلامات وأعراض تدلّ على الْمَادَّة وعلامات وأعراض تدلّ على حَال العليل. فَأَما الصِّنْف الأول من العلامات فَمثل النبض المنشاري والوجع الناخس للورم فِي نواحي الصَّدْر. وَكَذَلِكَ السعال الْيَابِس أَولا وَالرّطب ثَانِيًا وَمَا يشبه ذَلِك من أَعْرَاض ذَات الْجنب الدَّالَّة على ورم فِي نواحي الصَّدْر وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الوجع أَو الثّقل يكون فِي الْعُضْو وَيكون أسخن من سَائِر الْأَعْضَاء زِيَادَة سخونة غير مُعْتَادَة وَمثل التشنّج فَإِنَّهُ كثيرا مَا يصحب الأورام الحارة فِي الْأَعْضَاء العصبية. وَأما الصِّنْف الثَّانِي فَمثل دلَالَة اشتداد الحمّى غبا على أَن الْعلَّة صفراوية وَأما أَعْرَاض العليل فَهِيَ الْأَعْرَاض الَّتِي تبشر بسلامته أَو تنذر بعطبه وَقد تخْتَلف الأورام الْبَاطِنَة فِي إِيجَاب الْحمى وقوّتها ودوامها وإفتارها بِحَسب عظمها فِي أَنْفسهَا وَعظم عروقها وبحسب أعضائها. فَإِن من الْأَعْضَاء الْبَاطِنَة مَا هُوَ قريب من الْقلب أَو شَدِيد الْمُشَاركَة لَهُ وَمِنْهَا مَا هُوَ بعيد مِنْهُ قَلِيل الْمُشَاركَة لَهُ مثل الْكُلية فَإِنَّهَا لَيست توجب دَائِما بِسَبَب أورامها حمّيات قَوِيَّة ولازمة بل كثيرا مَا تكون مفترة وَتَكون من جنس الحمّيات المختلطة وحميات الغب وَالرّبع وَالْخمس وَالسُّدُس.
(3/98)

وَيكون مَعهَا نافض وقشعريرة وَيشكل أمرهَا ويدلّ عليلها ثقل فِي مَوضِع الْكُلية وناحية الْقطن ووجع واختصاص الْحَرَارَة بالعضو أَكثر من الْمُعْتَاد وَإِذا اجْتمع فِي الْعُضْو أَن كَانَ قَرِيبا من الرئيس أَو قوي الْمُشَاركَة لَهُ أَو شَدِيد الحسّ وَكَانَ عصبياً فَإِنَّهُ مَعَ اشتداد الحميات التابعة لأورامه يعرض لَهُ لقلق عَظِيم وتشنج وَرُبمَا تَبعته أَعْرَاض غَرِيبَة مثل ورم الرَّحِم فَإِنَّهُ يَصْحَبهُ مَعَ الْحمى صداع ووجع عنق والحرارة وَإِن اشتعلت فِي هَذِه الأورام فَلَيْسَتْ بشديدة الحدة جدا كَمَا تكون فِي المحرقة إِلَّا أَن يكون أَمر عَظِيم وَالسَّبَب فِيهِ أَن العفونة غير فَاشِية وَلَا متحركة إِلَى خَارج والنبض فِي حميات الورم الْبَاطِن نبض حميات العفونة صَغِير فِي الِابْتِدَاء سريع الانقباض عِنْد الْمُنْتَهى ثمَّ يعظم ويسرع ويتواتر بِحَسب الْعُضْو والمادة وعَلى مَا علمت ثمَّ تكون منشاريّة وموجبة بِحَسب الْعُضْو فِي عصبيته ولحميته وَالْبَوْل فِي أَكْثَرهَا إِلَى الْبيَاض وَقلة الصَّبْغ بِسَبَب ميلان الْمَادَّة إِلَى الورم على مَا علمت. علاجها: علاج هَذِه الحمّيات هُوَ علاج الحميات الحادة بعد علاج الأورام فَإِن الأَصْل فِيهَا هُوَ علاج الورم مَعَ مُرَاعَاة علاج الحمّى من التبريد والترطيب وَهَذِه الحمّيات تخَالف فِي علاجها الحميات الساذجة الحارة بِأَن لَا رخصَة فِي هَذِه الحمّيات فِي شرب المَاء الْبَارِد وَلَا فِي دُخُول الْحمام وَإِن كَانَ الورم حمرَة جَازَ وضع الْأَشْيَاء الْبَارِدَة المبردة بِالْفِعْلِ من خَارج عَلَيْهِ مثل عصارة الخسّ وَحي الْعَالم والحمقاء مَعَ شَيْء من سويق الشّعير الْأَبْيَض لَا يزَال يبرد على الجمد ويبدل وَرُبمَا خلطا بِهِ زَيْت أنفاق أَو دهن الْورْد وَإِن أكل الخسّ المغسول مبرد أجَاز وانتفع بِهِ. فصل فِي أَحْوَال الحميات المركّبة الحميات قد يتركب بَعْضهَا مَعَ بعض فَرُبمَا تركّب مِنْهَا أَصْنَاف دَاخِلَة فِي أَجنَاس متباعدة مثل تركب حمى الدق مَعَ حمى العفونة وَقد يتركب مِنْهَا أَصْنَاف متفقة فِي الْجِنْس الْقَرِيب مثل تركب أَصْنَاف من حمّيات العفونة مثل الغبّ مَعَ البلغمي كالحمى الْمَعْرُوفَة بِشَطْر الغبّ وَمثل تركّب حميات الأورام وَقد تتركب مِنْهَا أَصْنَاف متفقة فِي النَّوْع مثل تركب غبين وتركب ربعين وَثَلَاثَة أَربَاع فَيصير الغبان فِي ظَاهر الْحَال على نَوَائِب البلغمية وَالثَّلَاثَة أَربَاع فِي نَوَائِب البلغمية وَقد تتركّب ثَلَاث من حمّيات الغبّ فَإِن كَانَت على المناوبة كَانَت نوبَة الْيَوْم الثَّالِث أَشد لِأَنَّهُ مُقْتَضى دور الْيَوْم الأول وَابْتِدَاء الْيَوْم الثَّالِث وَكَذَلِكَ الْخَامِس. وَيُشبه هَذَا شطر الغب كَمَا أَن التَّرْكِيب من الغبين يشبه النائبة البلغمية ولمثل هَذَا لَا يجب أَن يشْتَغل كل الِاشْتِغَال بالنوائب بل يجب أَن يشْتَغل بالأعراض وَمِمَّا يعرض إِذا كَانَت هَذِه الحميات غبُّا خَالِصَة أَن تسرع نوائبها إِلَى الْقصر حَتَّى يتلاشى الأضعف مِنْهَا أَولا وَقد تدل على التَّرْكِيب معاودة قشعريرة بعد هدء
(3/99)

وَقد يستقبح من الطَّبِيب الْعَالم بدلائل كل حمى وأعراضها أَن لَا يفْطن للتركيب من أول يَوْم أَو الثَّانِي وتركيب حمّى الدق مَعَ العفونة مِمَّا يشكل جدا لأَنهم يرَوْنَ فترات أَو ابتداءات للنافض والقشعريرة ومعاودات للعرق إِن كَانَت وأوقات جزئيه فيظنون أَن هُنَاكَ حميات عفونة فَقَط لَازِمَة أَو مركبة من لَازِمَة ومفترة وَقد يتوالى التَّرْكِيب حَتَّى تظهر حمى وَاحِدَة مُتَّصِلَة متشابهة تشبه سونوخس وَلَا يكون حِينَئِذٍ بُد من الرُّجُوع إِلَى الدَّلَائِل وَإِذا كَانَت النوائب قَصِيرَة لم يتلاحق اتصالها إِلَّا لأمر عَظِيم من كَثْرَة عَددهَا وخاصة فِيمَا فتراته طَوِيلَة. وَإِذا تركبت حميات مُخْتَلفَة مثل شطر الغب أقلع الأحدّ مِنْهُمَا وَبقيت المزمنة صرفة كَانَتَا مفترتين أَو لازمتين أَو مفترة ولازمة وَرُبمَا تركب مَعَ شطر الغب غب أُخْرَى وبلغمية وسوداوية فَإِن كَانَت مَعَ غب أقلعت الغب وخلص الشّطْر وان كَانَت مَعَ بلغمية أَو سوداوية أقلعت شطر الغب وخلصت البلغمية والسوداوية وَقد يَقع التَّرْكِيب فِيهَا على وَجه آخر وَهُوَ أَن تتركب مفترة ولازمة مختلفتا الْجِنْس أَو متفقتاه أَو متفقتا النَّوْع مثل غب دَائِرَة مَعَ غب لَازِمَة وكما أَنه قد تتركب مفترتان كَذَلِك قد تتركب لازمتان وَقد زَعَمُوا أَن لازمتين لَا يتركبان مثل غبين لِأَن الْمَادَّة إِذا كَانَت دَاخل الْعُرُوق لم يُمكن أَن يخْتَلف مَا يَقع فِيهِ العفن بل العفن يكون فاشياً فِي الْجَمِيع وَلَيْسَ هَذَا الرَّأْي مِمَّا يجب لَا محَالة عِنْدِي وَذَلِكَ لِأَن العفن يَبْتَدِئ لَا محَالة من مَوضِع ثمَّ يفشو ثمَّ تجْرِي أَحْكَام الاشتداد والتفتير على تَارِيخ العفن الأول وَتَكون لَهُ حركات بِحَسبِهِ فَلَا يبعد أَن يتَّفق عفن لَهُ سُلْطَان مَا يبتدىء فِي جُزْء من الْموَاد لَيْسَ سُلْطَان مَا يتبع غَيره بل يجْتَمع فِيهِ أَن يبتدىء وَأَن يتبع مَعًا فَيكون لَهُ تَارِيخ تفتير واشتداد وأصناف تركيب الحميات ثَلَاثَة: مداخلة ومبادلة ومشابكة. فالمداخلة أَن تدخل أَحدهمَا على الْأُخْرَى. والمبادلة أَن تدخل بعد إقلاعها. والمشابكة أَن تَأْخُذ مَعهَا. وَإِذا رَأَيْت حمى مطبقة وفيهَا نافض وَلَا عرق وَرُبمَا يَقع فِي نوافض كَثِيرَة عرق وَاحِد فاشهد بالتركيب. وَكَذَلِكَ إِذا رَأَيْت فِي المطبقة إفراطاً فِي برد الْأَطْرَاف والتقبض وَأما الْقَلِيل مِنْهَا فَرُبمَا كَانَ فِي المطبقة. فصل فِي شطر الغبّ إِن شطر الغبّ هِيَ حمى مركبة من حمّيين: إِحْدَاهمَا غبّ وَالْأُخْرَى بلغمية. فَيكون فِي يَوْم وَاحِد نوبَة للغبّ والبلغمية مَعًا إِمَّا على سَبِيل المشابكة والتوافي وَإِمَّا على سَبِيل الْمُبَادلَة والجوار وَإِمَّا على سَبِيل المداخلة والطروّ. وأصعب الْأَقْسَام تعرّفاً هُوَ الأول ثمَّ الثَّانِي وَقد تكون الحمّيان لازمتين لِأَن العفونتين داخلتان وَقد تَكُونَانِ دائرتين يقلعان لِأَن العفونتين خارجتان وَقد تكون الصفراوية لَازِمَة عفونتها دَاخِلَة والبلغمية بِالْخِلَافِ وَقد لَكون بِالْعَكْسِ. وَقد يجْعَلُونَ شطر الغبّ الْخَالِصَة الحمّى المركبة الَّتِي تكون من غبّ خَارِجَة وبلغمية دَاخِلَة وَمَا سوى هَذِه فيعدونه غير خَالِصَة. وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يَنْبَغِي أَن يشْتَغل بِهِ فضل اشْتِغَال. وَرُبمَا كَانَت السَّابِقَة إِلَى العفونة هِيَ الصفراوية وَرُبمَا توافقا مَعًا وَأَيْضًا فَتَارَة
(3/100)

تكون الْمَادَّة الفاعلة للحمّى البلغمية أغلب وَتارَة الْمَادَّة الفاعلة للحمّى الصفراوية أغلب وَكَيف كَانَ فَإِن الْمَادَّة البلغمية تجْعَل نَوَائِب الصفراوية أطول وَأَبْطَأ بُحراناً والمادة الصفراوية تجْعَل نَوَائِب البلغمية بالضدّ وَرُبمَا امْتَدَّ شطر الغب مُدَّة طويِلة إِلَى تِسْعَة أشهر فَمَا فَوْقهَا وَقد يكون من شطر الغبّ مرض حاد وَقد يكون شطر الغبّ من أقتل الحمّيات لِأَنَّهَا تُؤدِّي إِلَى الدِّق وَإِلَى أمراض مزمنة عسرة. فصل فِي عَلَامَات شطر الغبّ أخصّ علاماتها وأولها وَإِن كَانَ لَا بدّ من قَرَائِن أُخْرَى هُوَ أَن تكون مُدَّة الْحمى فِي أحد الْيَوْمَيْنِ أطول من مُدَّة الغبّ وأسكن ثمَّ يكون الْيَوْم الآخر أخف نوبَة وَأَقل أعراضاً وَقد تَتَكَرَّر فِيهَا القشعريرة فِي أَكثر الْأَمر مرَارًا لما يعرض من تصارع الْمَادَّتَيْنِ أَو لدُخُول إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى وَرُبمَا وَقع هَذَا التكرير ثَلَاث مَرَّات وَقد تسخن أَعْضَاء مَا والقشعريرة ثَابِتَة بعد وَهَذِه الَّتِي هِيَ شطر الغب فَإِن الْبدن لَا ينقى مِنْهَا نقاءً تَاما وَيكون ابْتِدَاؤُهَا وتزيدها شديدي الإضطراب وخصوصاً إِذا كَانَ تشابك أَو كَانَ تدَاخل فِي مثل ذَلِك الْوَقْت وَحِينَئِذٍ يكون للقشعريرة عودات وَيكون الْمُنْتَهى طَويلا وَكلما ظَنَنْت أَن الْبدن قد تسخن والحمى هَذِه قد انْتَهَت وجدت قشعريرة معاودة وَذَلِكَ لمجاهدة الْأَعْرَاض بمجاهدة الأخلاط ومنتهى هَذِه الْحمى فِي الْأَوْقَات الْجُزْئِيَّة والكلية قبل مُنْتَهى البلغمية وأسرع مِنْهُ وَأَبْطَأ من مُنْتَهى المرارية لِأَن الْحَرَارَة لَا تنبسط إِلَّا بكد وخصوصاً فِي الأول وتشتد حدتها عِنْد الْمُنْتَهى وَكَذَلِكَ يكون الانحطاط طَويلا لما يعرض من وقفات توجبها مُنَازعَة إِحْدَى الْمَادَّتَيْنِ الْأُخْرَى وقلما تفتر بالعرق. وَهَذِه الْحمى فَإِن الْيَوْم الثَّالِث من أَيَّامهَا يشبه الأول وَالرَّابِع الثَّانِي. وَقد يَقع الِاسْتِدْلَال على شطر الغب من وُجُوه مُخْتَلفَة فقد يَقع من الْعَادَات وَقد يَقع من الْأَعْرَاض. والوقوع من الْعَادَات هُوَ مثل أَن يكون إِنْسَان تكْثر فِي بدنه الصَّفْرَاء وعفونتها. ثمَّ ترفه وَترك رياضات وَاسْتعْمل أغذية وأصنافاً من التَّدْبِير تولد البلغم أَو يكون الْإِنْسَان يكثر فِي بدنه البلغم وعفونته ثمَّ ارتاض كثيرا ويعرض لما يُولد الصَّفْرَاء من أَصْنَاف التَّدْبِير أَو أوجب السن فِيهِ ذَلِك بِأَن شبّ بعد صبا وَغَلَبَة رُطُوبَة أَو اكتهل بعد شباب وحدة مزاج. وَأما من الْأَعْرَاض فَمن مثل النبض وَالْبَوْل وبروز مَا يبرز من الْقَيْء وَالْبرَاز وَحَال النضج وعلاماته وَحَال للعطش وَحَال اللَّمْس وَحَال القشعريرة والنافض وأحوال الْأَوْقَات والنوائب. فَأَما النبض فَيكون فِيهِ أقل عظما وَسُرْعَة وتواترأً مِمَّا يكون فِي الغب وَأَقل فِي أضدادها مِمَّا يكون فِي البلغمية. وَأما الْبَوْل فَيكون بطيء النضج والقيء فَيكون مختلطاً من مرار وبلغم وَالْبرَاز مختلطاً من مرار وبلغم.
(3/101)

وَأما حَال التسخن والتبرد والعطش والقشعريرة والأوقات والنوائب فقد قُلْنَا فِيهَا وَجب وَإِنَّمَا يتَوَقَّع الْوُقُوف على الْغَالِب من الخلطين بالغالب من الدَّلَائِل فَإِنَّهُ إِن غلب البلغم كَانَت النوائب أطول والاقشعرار أقل والتضاغط وخصوصاً فِي النبض أقوى والأطراف أسْرع قبولاً للبرد فِي أَوَائِل الْمَرَض وَأَبْطَأ نقاء على بردهَا والعطش أقلّ وقيء المرار أقل وَالْبَوْل أَشد بَيَاضًا وفجاجةً والعرق أقل وَالسّن أصبي أَو شيخ ومزاج الْبدن قد يدل عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْعَادة وَمَا يجْرِي مَعهَا. وَإِن غلبت الصَّفْرَاء كَانَت النوائب أقصر والأطراف أسْرع إِلَى التسخن والعطش وقيء المرار أَكثر والعرق أغزر وَرُبمَا مَالَتْ قشعريرته إِلَى شَيْء كالنافض وَيكون الْبَوْل أَشد صبغاً وَالسّن أشب ومزاج الْبدن قد يدل عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْعَادة وَمَا يجْرِي مجْراهَا. وَإِذا تساوى الخلطان توازنت الدَّلَائِل وَكَانَت قشعريرة صرفة تَامَّة غير نَاقِصَة وَلَا متعدّية إِلَى النَّقْص. وَإِذا كَانَ التَّرْكِيب بَين الدائرة واللازمة وَهِي الَّتِي يَخُصهَا كثير من النَّاس باسم شطر الغب الْخَالِصَة وَكَانَت اللَّازِمَة هِيَ البلغمية كَانَت نافضاً وضعفاً لِأَن الْمَادَّة الْخَارِجَة صفراوية وَلَا معَارض لَهَا من جِهَة البلغم خَارِجا مَعهَا فِيمَا يُوجب من نفض وَلكنه يكون ضعف وَرُبمَا تكْثر فِيهَا الْبرد والقشعريرة حَتَّى يغلظ فِي الْمُنْتَهى كَمَا تعلم وتكثر فِيهَا حرارة الأحشاء والبطن مَعَ برد الْأَطْرَاف وَيكون النبض أشدّ صغراً وتفاوتاً فَإِن كَانَت اللَّازِمَة هِيَ الصفراوية لم يكن نافض وَلَا كثير قشعريرة وَيكون النبض أعظم وأسرع وَالْكرب أشدُ وَإِن تركّبت الدائمتان لم يكن نافض البتّة ويعرض أغب اللَّازِمَة أَن تخف قبل خفَّة البلغمية وَإِن لم تكن رَاجِعَة قبل رُجُوعهَا. فصل فِي علاج شطر الغبّ الْوَاجِب فِي شطر الغب أَن تشتد الْعِنَايَة باستفراغ الْمَادَّة على أنحاء الاستفراغ من الاسهال والتقيئة والإدرار والتعريق أَكثر من اشتدادها بالمطفئات والمسهلات يجب أَن يتلوم بهَا النضج إِلَّا أَن يكون من جنس مَا يلين وَيُطلق وَلَا تشوّش مثل مَاء اللبلاب مَعَ الجلنجبين إِن كَانَ الْغَالِب البلغم وَمثل الترنجبين والشيرخشت ونقوع التَّمْر الْهِنْدِيّ وشراب البنفسج إِن كَانَ الْغَالِب الصَّفْرَاء وَمثل مَا يركب من هذَيْن إِن كَانَ الخلطان كالمتكافئين وَبعد ظُهُور النضج إِن استفرغ بِالْقَوِيّ جَازَ والقيء يجب أَن يكون أَيْضا بِحَسب الْغَالِب إِمَّا بِمَاء الفجل مَعَ السكنجبين الْحَار أَو السكنجبين مَعَ المَاء الْحَار والإدرار يجب أَن يكون بِمَا فِيهِ اعْتِدَال وَإِذا أسْرع فِي سقِِي المطبوخات قبل النضج خيف السرسام. وَأما الْأَدْوِيَة النافعة فِي طَرِيق السالك إِلَى الْمُنْتَهى لإِصْلَاح الْمَادَّة وإنضاجها وتلافي آفاتها فَمن الْمُفْردَات الأفسنتين.
(3/102)

وَلَكِن بعد السَّابِع وَظُهُور النضج بعد أَن يكون الرُّومِي الْجيد مِنْهُ وَإِن استعجلت بِهِ حرك الْخَلْط وَلم يستفرغه فأحدث كرباً وغمًا وغثياناً ثمَّ كرّ عَلَيْهِ بمرارته فجفّفها ويقبضه فبلَّدَها وجالينوس وَمن قبله يعالجهم بِمَاء الشّعير وَفِيه قُوَّة من فلفل وَقد قَالَ بعض الْأَطِبَّاء الْأَوَّلين أَن جالينوس قد أمعن فِي السَّهْو ووقف حَيْثُ يجب أَن يتعجب مِنْهُ وَلم يدر أَن الفلفل يلهب الْحمى وَمَاء الشّعير يبلّد الْمَادَّة وَقد أَخطَأ هَذَا الْمعَارض خطأ لَا يختصّ بِهَذَا الْمَعْنى بل بالقانون الْمُعْطى فِي معاضدة الطبيعة إِذا انتصبت لمقاومة أَمْثَال هَذِه الموادّ معاضدةً تكون بالأدوية المركبة من مبرِّدات ومسخِّنات لتميِّز الطبيعة بَين القوتين فتشغل المبرّدة بالحمّى وناحية الْقلب والمسخنة بالمادة وَمن الَّذِي عالج شطر الغبّ بِغَيْر ذَلِك وَإِن لم تكن الطبيعة قَوِيَّة على التَّمْيِيز فَلَنْ ينجح العلاج كَيفَ عمل وَقد أَخطَأ من وُجُوه أُخْرَى لَا نحتاج أَن نسلك فِي إيرادها مَسْلَك المطوّلين. وَقد قَالَ هَذَا المتعنِّت أَنه كَانَ يجب أَن يسْتَعْمل الملطفات الَّتِي لَا تسخين قوي فِيهَا مثل الكرفس والشبث وَلم يعلم أَن الفلفل قد يُمكن أَن يرد بتقليله إِلَى أَن ينكسر تسخينه وَلَا يقصر تلطيفه عَن تلطيف الكرفس الْكثير وَيكون مَاء الشّعير عضداً لَهُ فِي إِيصَال قوته وَهدم إفراطها وإنقاع الموادّ لَهُ ليسهل نُفُوذ قوته فِيهَا. ثمَّ الْعجب العجيب أَنه جعل جالينوس ممّن يجهل أنَّ الفلفل يلهب الحمّى ويعد معد من غفل عَن هَذَا حِين أفتى بِهَذَا. وَأما المركبات من الْأَدْوِيَة الَّتِي يجب اسْتِعْمَالهَا فِي هَذَا الْوَقْت فَمثل أَقْرَاص الأفسنتين وأقراص الْورْد. أَقْرَاص خَفِيفَة جَيِّدَة لشطر الغبّ: ونسخته يُؤْخَذ ورد أصل السوسن من كلِّ وَاحِد أَرْبَعَة ترنجبين ثَلَاثَة سنبل
(3/103)

عصارة الأفسنتين طباشير من كل وَاحِد وزن دِرْهَمَيْنِ يتَّخذ مِنْهَا أَقْرَاص. أُخْرَى للملتهب: ورد وزن سِتَّة بزر الحمّاض صمغ من كل وَاحِد أَرْبَعَة نشا ثَلَاثَة أَمِير باريس طباشير بزر الحمقاء من كل وَاحِد إثنان كثيراء زعفران سنبل راوند من كل أَقْرَاص أُخْرَى جَيِّدَة لصَاحب هَذِه الْحمى وخصوصاً إِذا كَانَ يشكو مَعَ ذَلِك إسهالاً وسعالاً. ونسخته: يُؤْخَذ سنبل الطّيب عود زعفران أَمِير باريس أَو عصارته من كل وَاحِد ثَلَاثَة راوند وزن أَرْبَعَة طباشير ورد بأقماعه لكّ صمغ مقلو كهربا من كل وَاحِد خَمْسَة دَرَاهِم بزر الحمّاض المقلو سِتَّة دَرَاهِم طين رومي سَبْعَة دَرَاهِم يتَّخذ مِنْهَا أَقْرَاص. نُسْخَة أُخْرَى جَيِّدَة: يُؤْخَذ ورد أَحْمَر سِتَّة دَرَاهِم أَمِير باريس صمغ بزر الحماض من كل وَاحِد أَرْبَعَة دَرَاهِم سنبل غافت طباشير نشا بزر الحمقاء حب القثّاء من كل وَاحِد وزن درهين بزر الهندبا بزر الكشوث من كل وَاحِد دِرْهَم وَنصف رب السوس دِرْهَم لَك راوند من كل وَاحِد نصف دِرْهَم يجمع ويقرض. حب جيد: هَذِه لعِلَّة وَلِجَمِيعِ المزمنات والحمّيات المؤذية للأحشاء وخصوصاً إِذا كَانَت الْمَادَّة البلغمية أغلب. ونسخته: يُؤْخَذ صَبر مصطكى هليلج أصفر راوند عصارة الغافت عصارة الأفسنتين ورد أَجزَاء سَوَاء زعفران نصف جُزْء يحبّب بِمَاء الهندبا والشربة مِنْهُ وزن دِرْهَمَيْنِ بالسكنجبين. نُسْخَة جَيِّدَة: وَتصْلح فِي وَقت النضج وتسهِّل. ونسخته: يُؤْخَذ صَبر مصطكي عصارة الغافت عصارة الأفسنتين ورد بِالسَّوِيَّةِ زعفران نصف جُزْء يحبب بِمَاء الهندبا والشربة فصل فِي النكس فَنَقُول قولا صَادِقا أَن النكس شرّ من الأَصْل والرأي أَن لَا يُبَادر فِيهِ إِلَى المعالجة حَتَّى يتَبَيَّن قيه وَجه الْأَمر فَإِنَّهُ فِي أَكثر الْأَمر خَبِيث.
(3/104)

الْفَنّ الثَّانِي الْمعرفَة وَأَحْكَام البحران وَهُوَ مقالتان: نَحن نذْكر فِي هَذَا الْفَنّ أَحْوَال البحران وأيامه وعلاماته وعلامة النضج وَمَا يخْتَص بِكُل وَاحِد من الدَّلَائِل من حكم وَمن العلامات الجيدة وَغير الجيدة وَهَذِه هِيَ الْأُمُور الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الْأَمر فِي تقدمة الْمعرفَة وتقدمة الْمعرفَة هِيَ أَن نحكم من دلالاتْ مَوْجُودَة على أَمر كَائِن يؤول إِلَيْهِ حَال الْمَرِيض من أقبال أَو هَلَاك بِسَبَب مَا يعرف من الْقُوَّة وثباتها أَو سُقُوطهَا وَمَعْرِفَة وقته وَالْوَجْه الَّذِي يكون مثلا هَل يكون أم لَا. الْمقَالة الأولى البحران ومذاهب الإستدلال عَلَيْهِ وعَلى الْخَيْر والشرّ
(فصل فِي البُحران وَمَا هُوَ وَفِي أقسامه وَأَحْكَامه)
البُحران مَعْنَاهُ الْفَصْل فِي الْخطاب وتأويله تغيّر يكون دفْعَة إِمَّا إِلَى جَانب الصِّحَّة وَإِمَّا إِلَى جَانب الْمَرَض. وَله دَلَائِل يصل الطَّبِيب مِنْهَا إِلَى مَا يكون مِنْهُ وَبَيَان هَذَا أَن الْمَرَض للبدن كالعدو الْخَارِجِي للمدينة والطبيعة كالسلطان الْحَافِظ لَهَا وَقد يجْرِي بَينهمَا مناجزات خَفِيفَة لَا يُعتدّ بهَا. وَقد يشْتَد بَينهمَا الْقِتَال فتعرض حِينَئِذٍ من عَلَامَات اشتداد الْقِتَال أَحْوَال وَأَسْبَاب مثل النَّقْع الهائج وَمثل الذعر والصراخ وَمثل سيلان الدِّمَاء ثمَّ يكون الْفَصْل فِي زمَان غير محسوس الْقدر وَكَأَنَّهُ فِي آن وَاحِد إِمَّا بِأَن يغلب السُّلْطَان الحامي وَإِمَّا بِأَن يغلب الْعَدو الْبَاغِي. وَالْغَلَبَة تكون إِمَّا تَامَّة يكون فِيهَا من إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ تَمام الْهَزِيمَة والتخلية بَين الْمَدِينَة وَالْأُخْرَى وَإِمَّا نَاقِصَة يكون فِيهَا هزيمَة لَا تمنع الكرة وَالرَّجْعَة حَتَّى يَقع الْقِتَال مرّة أُخْرَى أَو مرَارًا فَيكون حِينَئِذٍ الْفَصْل فِي آخرهَا وكما أَن السُّلْطَان إِذا غلب على الْبَاغِي فنفاه وَدفعه فإمَّا أَن يطرده طرداً كلًياً حَتَّى يرِيح فنَاء الْمَدِينَة ورقعتها وَسَائِر النواحي الْمُتَّصِلَة بهَا وَإِمَّا أَن يطرده طرداً غير كلي بل ينحيه عَن الْمَدِينَة وَلَا يقدر أَن ينحيه عَن نواح أُخْرَى مُتَّصِلَة بِالْمَدِينَةِ. كَذَلِك الْقُوَّة الَّتِي تَأتي بالبُحران الْجيد إِمَّا أَن تطرد الْمَادَّة المؤذية عَن قريعة الْبدن وَهُوَ
(3/105)

الْقلب والأعضاء الرئيسة وَعَن نَوَاحِيهَا وَهِي الْأَطْرَاف وَإِمَّا أَن يطردهما عَن القريعة وَلَا يقدر أَن يَدْفَعهَا عَن الْأَطْرَاف بل يصير إِلَيْهَا وَيُسمى بُحران الِانْتِقَال. وكلُ مرض يَزُول فإمَّا أَن يَزُول على سَبِيل البحران أَو على سَبِيل التَّحَلُّل بِأَن تتحلل الْمَادَّة يَسِيرا يَسِيرا حَتَّى تفنى بالتدريج وَأكْثر هَذَا فِي الْأَمْرَاض المزمنة والمواد الْبَارِدَة وَلَا تتقدمه عَلَامَات هاكلة وحركات صعبة وَكَذَلِكَ كل مرض يعطب فإمَّا أَن يعطب على سَبِيل البُحران أَو على سَبِيل الإذبال وَهُوَ أَن تحلل الْقُوَّة يَسِيرا يَسِيرا. وَأفضل البُحران هُوَ التَّام الموثوق بِهِ الْبَين الظَّاهِر السَّلِيم الْأَعْرَاض الَّذِي أنذر بِهِ يَوْم من أَيَّام الْإِنْذَار فَوَقع فِي يَوْم بُحراني مَحْمُود. وكل بُحران فإمَّا جيد وَإِمَّا رَدِيء وَاحِد إِمَّا تَامّ وَإِمَّا نَاقص. والجيد إِمَّا بِأَن تدفع الطبيعة الْمَادَّة دفعا كلياً وَإِمَّا بانتقال. وَقد يكون من البُحران النَّاقِص مَا يَلِيهِ إِمَّا فِي الْجيد فتحلل وَإِمَّا فِي الرَّدِيء فذبول والبُحران النَّاقِص ينذر يَوْمه بِيَوْم البُحران التَّام إِن كَانَ إنذاراً على سَبِيل مَا نبينه من حَال أَيَّام البحران وَأَيَّام الْإِنْذَار وَذَلِكَ فِي الْجيد والرديء مَعًا وليتوقع البُحران التَّام الدّفع فِي أمراض الْموَاد الحادة الرقيقة وَالْقُوَّة القوية وليتوقع بُحران الِانْتِقَال حَيْثُ تكون الْقُوَّة أَضْعَف والمادة أغْلظ. وَالْأول أَيْضا يخْتَلف حَاله فَإِنَّهُ إِذا كَانَت الْمَادَّة فِيهِ شَدِيدَة الرقة بحرن بالعرق وَإِن كَانَت دون ذَلِك إِن كَانَ حاداً جدا بحرن بالرعاف وَإِلَّا فبالإدرار وَإِلَّا فبالإسهال والقيء. وَاعْلَم أَن المخاط وَمُدَّة الْأذن والرمص والدمعة من بحارين أمراض الرَّأْس والنفث من بحارين أمراض الصَّدْر وانتفاح دم البواسير بحران جيد لأمراض كَثِيرَة لكنه إِنَّمَا يعتري فِي الْأَكْثَر لمن جرت بِهِ عَادَته وَأحد البحارين وأقربها من الْفَصْل الرعاف لِأَنَّهُ يبلغ نفض الْمَادَّة فِي كرة وَاحِدَة ثمَّ الإسهال ثمَّ الْقَيْء ثمَّ الْبَوْل ثمَّ الْعرق ثمَّ الخراجات والخراجات من قبيل بحران الِانْتِقَال وَقد يتَّفق أَن تكون الخراجات أقوى من الْعرق فِي البُحرانية وَكَثِيرًا مَا تَزُول بهَا الْأَمْرَاض دفعةَ إِن كَانَت سليمَة أَو كَانَت رَدِيئَة تميت الْأَعْضَاء فَإِن الخراجات الَّتِي تكون بهَا البحارين تكون من أَصْنَاف شَتَّى دماميل ودبيلات وطواعين ونملة وجمرة ونار فارسية وأكلة وجدري وخوانيق وقروح تكْثر فِي الْبدن. وَقد يكون البحران أَو شَيْء مِنْهُ بتعقد العضل والعصب وبالجرب بأصنافه والقوباء والسرطان والبرص وبالغدد وداء الْفِيل والدوالي وانتفاخ الْأَطْرَاف وَغير ذَلِك وَمن أَصْنَاف الِانْتِقَال مَا لَا يُؤَدِّي إِلَى الْخراج بل يفعل مثل
(3/106)

اللقوة والتشنج والاسترخاء وأوجاع الورك وَالظّهْر وَالركبَة واليرقان وداء الْفِيل والدوالي. وَاعْلَم أَن البحران الْكَائِن بالانتقال مَا لم يَقع الِانْتِقَال الَّذِي يبحرن بِهِ لم تقع الْعَافِيَة وَأما تقرر الِانْتِقَال خراجاً فِي عُضْو أَو شَيْئا آخر فَرُبمَا كَانَ بعد الْعَافِيَة وَأحمد الِانْتِقَالَات مَا كَانَ إِلَى أَسْفَل وَأحمد الْخُرُوج والانتقال مَا كَانَ إِلَى خَارج وَبعد النضج التَّام وبعيداً من الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة. وكما أَن للمستدل أَن يسْتَدلّ من الْأَحْوَال الْمُشَاهدَة على مَا يُرِيد أَن تكون من غَلَبَة السُّلْطَان الحامي أَو غَلَبَة الْعَدو الْبَاغِي كَذَلِك للطبيب أَن يسْتَدلّ من الْأَحْوَال الْمُشَاهدَة على البُحران الْجيد والبُحران الرَّدِيء. وكما أَن الْبَاغِي إِذا غزا الْمَدِينَة وأمعن فِي المناجزة وضيق وثارت الْفِتْنَة وَظَهَرت عَلَامَات الْإِيقَاع الشَّديد وَالسُّلْطَان الحامي بعد غير آخذ بعدده وَلَا مُتَمَكن من اسْتِعْمَال آلاته كَانَت العلامات المشاهده دَالَّة على رداءة حَال السُّلْطَان وَإِن كَانَ الْحَال بالضد كَانَ الحكم بالضد كَذَلِك إِذا حرك الْمَرَض عَلَامَات البحران الَّتِي سنذكرها من قبل وُقُوع النضج دلّ ذَلِك على بحران رَدِيء. وَإِن كَانَ هُنَاكَ نضج مَا على بحران نَاقص. وَإِن كَانَ نضج تَامّ دلّ على بحران جيد تَامّ والبحران التَّام يكون عِنْد الْمُنْتَهى. وَرُبمَا ورد عِنْد الْأَخْذ فِي الإنحطاط وَلِهَذَا السَّبَب مَا يتعوق البحران التَّام فِي الْبرد الشَّديد لِأَن الْعلَّة يعسر انتهاؤها فِيهِ فَكيف انحطاطها. وَكَثِيرًا مَا يجب على الطَّبِيب أَن يتلافى ضَرَر الْبرد فيسخن الْموضع وَيصب على بطن الْمَرِيض دهناً حاراً إِلَى أَن يرى أَن الْعرق يَبْتَدِئ ثمَّ يمسك عَن صب الدّهن وَيمْسَح الْعرق ويحفظ الْموضع على الِاعْتِدَال. وَاعْلَم أَن حركات البُحران إِذا وَقعت فِي الْأَيَّام والأوقات الَّتِي جرت الْعَادة من الطبيعة أَن تناهض الْمَرَض فِيهَا مناهضة تكون عَن استظهار من الطبيعة فِي اخْتِيَار الْوَقْت وَاعْتِبَار الْحَال بِإِذن الله تَعَالَى كَانَ مرجوًا. وَإِن وَقعت المناهضة قبل الْوَقْت الَّذِي فِي مثله تناهض من تِلْقَاء نَفسهَا فَتلك مناهضة إِخْرَاج من الْمَرَض إِيَّاهَا واضطرار وَذَلِكَ مِمَّا يدل على شدَّة مزاحمة الْمَرَض وإثقال الْمَادَّة كَمَا تنهض عِنْد إِيذَاء الْخَلْط لفم الْمعدة فَتحَرك الْقَيْء أَو لقعرها فتحرّك الإسهال. وَكَذَلِكَ الْحَال فِي إحداثها السعال والعطاس وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت الدَّلَائِل تدلّ على أَن البحران يَقع فِي يَوْم مَا كالرابع عشر فيتقدم عَلَيْهِ وتوجد مبادي البحران تتحرك قبله فِي يَوْم. وَإِن كَانَ باحورياً مثل الْحَادِي عشر فَإِن ذَلِك يدل على أَن البحران. لَا يكون تَاما وَإِن كَانَ قد يكون جيدا لِأَنَّهُ أَيْضا يدل على أَن الطبيعة عوجلت بالمناهضة. فَإِن كَانَ الْمَرَض رديئاً خبيثاً فَلَيْسَ يُرْجَى أَن يكون البحران جيدا وَإِن كَانَ الْمَرَض سليما فَلَيْسَ يُرْجَى أَن يكون البحران تَاما وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن
(3/107)

تقدم حركات البحران قبل الْمُنْتَهى الْمُسْتَحق فِي ذَلِك الْمَرَض إِمَّا أَن يكون لقُوَّة الْمَرَض أَو لشدَّة حركته وحدّتها وَأما لسَبَب من خَارج يزعج السَّاكِن مِنْهُ كخطأ فِي مَأْكُول أَو مشروب أَو رياضة أَو لعَارض نفساني فللعوارض النفسانية مدْخل فِي تَحْرِيك البحران وَفِي تَغْيِير جِهَته فَإِن الْفَزع يَجْعَل البحران إسهالياً أَو قيئياً أَو بولياً وَالسُّرُور يَجعله عرقياً وَذَلِكَ بِحَسب حَرَكَة الرّوح إِلَى دَاخل وَإِلَى خَارج. وَإِذا كَانَ تقدم المناهضة بِحَيْثُ يُخَيّر الْقُوَّة إخارة لَا يثبت مَعهَا دون الْمُنْتَهى فَهُوَ دَلِيل الْمَوْت وَرُبمَا بقيت للقوة بَقِيَّة إِلَى الْمُنْتَهى فَكَانَت سَلامَة. وَاعْلَم أَن البحران لَا يَقع فِي وَقت الرَّاحَة والإقلاع وَلَا فِي وَقت التفتير عَن الشدَّة إِلَّا نَادرا قَلِيلا وأولهما أقلّ وَإِنَّمَا رَآهُ اركيعانس فِي تجاربه مرَّتَيْنِ وجالينوس مرّة. وَإِن أفضل البحران مَا يكون فِي وَقت الْمُنْتَهى الْحق وَمَا يتقدمه غير موثوق بِهِ بل يكون إِمَّا نَاقِصا وَإِمَّا رديئاً إزعاجياً وَأما فِي الإبتداء فَلَا يكون بحران الْبَتَّةَ إِلَّا مهْلكا وَبِالْجُمْلَةِ عرُوض عَلَامَات البحران فِي أَوَائِل الْمَرَض يدل على هَلَاك فِي تزيّده إِن كَانَت محمودة يدلّ على بحران نَاقص وَأما فِي الانحطاط فَلَا يكون بحران أصلا وَأما كَيفَ يَقع الْمَوْت فِيهِ أَو حَاله يشبه البحران الْجيد فسنقول فِيهِ من بعد. وَاعْلَم أَن البحران فِي الْأَمْرَاض السليمة يتَأَخَّر لِأَن الطبيعة لَا تكون محرجة فيمكنها أَن تصبر إِلَى أَن تَجِد تَمام النضج. وَفِي القتّالة تتقدم وَلنْ يتفصّى العليل عَن عُهْدَة مَرضه دفْعَة لَيست على سَبِيل التَّحَلُّل إِلَّا وَقد كَانَ استفراغ مَحْمُود أَو خراج مَحْمُود وَأما التحلّل المخلص والذبول المهلك فَلَا يتقدمهما أَعْرَاض وَاعْلَم أَن الْأَمْرَاض مُخْتَلفَة فَمِنْهَا مَا تتحرك فِي الِابْتِدَاء ثمَّ تهدأ وتسكن وَمِنْهَا مَا هُوَ بِالْعَكْسِ وَكَثِيرًا مَا تدلّ الدَّلَائِل على أَن البحران يكون بِدفع الطبيعة مَادَّة الْمَرَض إِلَى جَانب فِي اندفاع الْمَادَّة إِلَيْهِ ضَرَر فَيحْتَاج أَن يقوّي ذَلِك الْجَانِب وَذَلِكَ الْعُضْو وتميل الْمَادَّة إِلَى الْخلاف. وَاعْلَم أَنه رُبمَا جَاءَ بحران جيد ويحسب من السَّادِس فَإِذا هُوَ من السَّابِع وَقد صَحَّ أول الْمَرَض فَإِن البحران الْجيد قَلما يكون فِي السَّادِس. وَاعْلَم أَن أَصْنَاف تغير الْأَمْرَاض ستةٍ فَإِن الْمَرَض إِمَّا أَن يتَغَيَّر إِلَى الصِّحَّة دفْعَة وَإِمَّا إِلَى الْمَوْت دفْعَة وَإِمَّا أَن يتَغَيَّر إِلَى الصِّحَّة قَلِيلا قَلِيلا وَإِمَّا أَن يجْتَمع فِيهِ الْأَمْرَانِ ويؤول إِلَى الصِّحَّة أَو يجْتَمع فِيهِ الْأَمْرَانِ ويؤول إِلَى الْمَوْت. وَاعْلَم أَن اسْم البحران على مَا ذكره من يعْتَمد قَوْله مُشْتَقّ من لِسَان اليونانيين من فصل الْخطاب الَّذِي يتَبَيَّن لأحد المتجادلين أَو المتخاصمين عِنْد الْقُضَاة على الآخر كَأَنَّهُ انْفِصَال وَخُرُوج من الْعهْدَة. قَول كلّي فِي عَلَامَات البحران: إِن البحران قد يتقدمه إِن كَانَ وُقُوعه ليلياً فَفِي النَّهَار أَو كَانَ وُقُوعه نهارياً فَفِي
(3/108)

اللَّيْل أَحْوَال وَأُمُور هِيَ عَلَامَات لَهُ مثل: القلق وَالْكرب والتململ والتنقل واختلاط الذِّهْن والصداع وأوجاع الرَّقَبَة والدوار والسمر والخيالات فِي الْعَينَيْنِ والطنين والدوي والحكة فِي الْأنف وتغيّر اللَّوْن فِي الْوَجْه والأرنبة دفْعَة إِلَى حمرَة أَو صفرَة واختلاج الشّفة والعينين والعطش والخفقان ووجع فِي فَم الْمعدة وضيق نفس وعسره يعرضان بَغْتَة وَثقل الشراسيف وتمدد فِيهَا ووجع واختلاج ووجع فِي الظّهْر واختلاج فِي العضل ومغص وقرقرة. وَقد يعرض نافض يدل عَلَيْهِ ويعرض وجع إعيائي وَقد يتَغَيَّر النبض عَن حَاله فَيدل عَلَيْهِ. والعلامات الليلية أشدّ من النهارية وَقد يحتبس بِسَبَب البحران أَشْيَاء كَانَ من شَأْنهَا أَن تستفرغ من دم طمث أَو بواسير أَو اخْتِلَاف فَيدل على أَن الْحَرَكَة حدثت بِالْخِلَافِ فِي الْجِهَة وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن الْمَادَّة الفاعلة للمرض تثير أعراضاً وَدَلَائِل تدلّ بِسَبَب حركتها وتختلف إِمَّا بِسَبَب اخْتِلَاف الْمَادَّة وَإِمَّا بِسَبَب جِهَة الْحَرَكَة. أما الِاخْتِلَاف بِسَبَب اخْتِلَاف الْمَادَّة فَمثل أَن الْحَرَكَة من الْمَادَّة إِذا كَانَت إِلَى فَوق ثمَّ دلّت الدَّلَائِل من نوع الْمَرَض وَمن السن والمزاج وَغَيره أَن الْمَادَّة دموية توقّع الطَّبِيب الرعاف هان دلّت على أَنَّهَا صفراوية توقّع الْقَيْء فِي الْأَكْثَر اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تدلّ دَلَائِل أُخْرَى تخصّه بالرعاف فكثيراً مَا يكون بحرانه بالرعاف أَيْضا وتتقدمه خيالات صفر ونارية والرعاف المهول رُبمَا استأصل مواد أمراض خبيثة وعافى فِي الْحَال. وَإِمَّا بِسَبَب جِهَة الْحَرَكَة فَلِأَنَّهَا إِمَّا أَن تتحرك نَحْو الْحمل على الْأَعْضَاء الرئيسة وَالَّتِي تَلِيهَا من الأحشاء فَتحدث آفَات فِي أفعالها ومضار تلحقها مثل مَا يعرض فِي نَاحيَة الدِّمَاغ اخْتِلَاط الذِّهْن والصداع وَمَا ذكرنَا مَعَهُمَا وَفِي نَاحيَة الْقلب الخفقان وَسُوء التنفس وَمَا ذكرنَا مَعَهُمَا وَإِمَّا أَن تتحرّك نَحْو الاندفاع وَيكون ذَلِك على وَجْهَيْن: فَإِنَّهَا إِمَّا أَن تَأْخُذ فِي الاندفاع من كل جِهَة وَبعد فَتكون إِلَى جَمِيع الظَّاهِر وَهُوَ بالعرق وَإِمَّا أَن تَأْخُذ نَحْو جِهَة وَإِذا أخذت نَحْوهَا فَرُبمَا كَانَت الْجِهَة بِحَيْثُ إِذا سلكت لم يكن بدّ من الْمُرُور بالأعضاء الرئيسة مثل الْجِهَة الْعَالِيَة فَإِن الْمَادَّة المتوجهة إِلَيْهَا تجتاز على نواحي الصَّدْر وأعضاء التنفس وعَلى نواحي الدِّمَاغ فَتحدث أَيْضا أعراضاً مثل أعراضها لَو لم تكن مندفعة بل حَاصِلَة وَرُبمَا كَانَت الْجِهَة نَحْو أَعْضَاء هِيَ دون الرئيسة كفم الْمعدة عِنْد قصد الْمَادَّة المندفعة بالبحران أَن تنْدَفع بالقيء أَو هِيَ من الرئيسة إِلَّا أَنَّهَا حاملة للمؤن غير متأدية بِسُرْعَة إِلَى الْفساد كَمَا تتأدى إِلَى نواحي الكبد فتندفع من طَرِيق المثانة أَو المرارة وَمن كل جِهَة مَوضِع دفع بحراني كَمَا فِي الْمعدة للقيء وناحية الرَّأْس للرعاف وَنَحْوه وناحية الكبد للبول وناحية الأمعاء للإسهال.
(3/109)

وَإِذا كَانَت الصُّورَة هَذِه فَلَا يبعد أَن تكون لحركتها فِي كل جِهَة عَلامَة تدل على أَن المتوقّع من اندفاعها كَائِن من ذَلِك الْقَبِيل إِن كَانَ البحران المتوقع جيدا وعلامة تدلّ على أَن نكايتها الأولية من جُمْلَتهَا الردية على ذَلِك الْعُضْو إِن كَانَ البحران ردياً وَرُبمَا كَانَت عَلامَة وَاحِدَة صَالِحَة لِأَن تدل على جِهَات كَثِيرَة مثل أَن الخفقان قد يدل على أَن الْمَادَّة مندفعة إِلَى فَم الْمعدة وَقد يدل على أَن الْمَادَّة حاملة على الْقلب. وَرُبمَا كَانَت الْعَلامَة الْوَاحِدَة دَالَّة على أَمر كلي مُشْتَرك للحركة إِلَى جِهَة وتتوقّع عَلَامَات أُخْرَى يسْتَدلّ بهَا على الْوَجْه الَّذِي ينْدَفع بِهِ من تِلْكَ الْجِهَة مثل الصداع وضيق النَّفس وتمدد الشراسيف إِلَى فَوق. فَإِن هَذَا يدل على أَن الْمَادَّة تتحرك إِلَى فَوق ثمَّ لَا يفصل أَنَّهَا تنْدَفع من طَرِيق الْقَيْء أَو من طَرِيق الرعاف إِلَّا بعلامات أُخْرَى وَقد يدلّ على البحران الْوَاقِع من جِهَة مَا احتباس مَا كَانَ يسيل وينفصل من خلاف تِلْكَ الْجِهَة مثل أَن إمْسَاك الطبيعة مَعَ عَلَامَات البحران الْجيد يدل على أَن الْحَرَكَة البحرانية فوقانية لَيست سفلانية بل هِيَ إِمَّا بإدرار أَو بعرق أَو قيء أَو رُعَاف. وَقد يدلّ نوع الْمَرَض على جِهَة بحرانه مثل ورم الكبد إِذا كَانَ فِي الْجَانِب المحدب فبحرانه إِمَّا برعاف من المنخر الْأَيْمن وَإِمَّا بعرق مَحْمُود وَإِمَّا ببول. وَإِن كَانَ فِي الْجَانِب المقعر كَانَ باخْتلَاف أَو قيء أَو عرق وَمثل الْحمى المحرقة فَإِن أَكثر بحرانها برعاف أَو بعرق ويتقدمه نافض وَقد يكون بقيء وَاخْتِلَاف وخصوصاً لمثل الغبّ وَكَذَلِكَ حمّى أورام الرَّأْس يكون بحرانها برعاف أَو بعرق غزير. والحميات البلغمية والباردة لَا يكون بحرانها برعاف الْبَتَّةَ وَلَا ذَات الرئة وَلَا ليثرغس وَأما ذَات الْجنب فَهُوَ بَين بَين وَكَثِيرًا مَا يبحرن الْمَرَض بحارين أصنافاً يتم باجتماعها البحران مل المحرقة إِذا رعفت أَولا ثمَّ تممت بعرق غزير وَالْحَامِل كثيرا مَا تبحرن بالإسقاط. وَاعْلَم أَنه لَيْسَ كلما قَامَت عَلَامَات البحران أوجبت بحراناً جيدا أَو ردياً بل رُبمَا لم يتبعهَا بحران أصلا فِي الْوَقْت وَإِن لم يكن بُد من بحران يتبعهَا لَا محَالة جيدا ورديء فِي وَقت غير الْوَقْت الَّذِي تتصل بِهِ العلامات فَإِنَّهُ لَيْسَ كلما رَأَيْت عرقاً وقيئاً واختلافاً وصداعاً واختلاط ذهن أَو سوء تنفس أَو سباتاً أَو غير ذَلِك من جَمِيع مَا نعده كَانَ مَعَه بحران. وَإِن كَانَ فِي الْأَكْثَر قد يدل فبعضها يكون عَلامَة فَقَط كالصداع وَبَعضهَا يكون عَلامَة وجهة بحران كالغثيان. وَإِذا ظَهرت عَلَامَات البحران وَلم يكن بحران فإمَّا أَن تكون على مَا قَالَ بقراط دلَالَة على الْمَوْت أَو على تعشر البحران وَرُبمَا كَانَ أَمر من الْأُمُور الَّتِي هِيَ من عَلَامَات البحران عارضاً لسَبَب غير سَبَب إشراف البحران وَإِن كَانَ فِي وَقت من أَوْقَات عَلَامَات البحران مثل مَا يعرض فِي الغب
(3/110)

المتطاولة قبل النّوبَة صعوبة واضطراب فِي أَكثر الْأَوْقَات الْمُتَقَدّمَة على النّوبَة من غير دلَالَة على البحران. أما فِي الغب الْخَالِصَة فَفِي الْأَكْثَر تكون عَلامَة بحران وَمِمَّا يهديك السَّبِيل إِلَى أَن تعلم فِي الْمَرِيض أَن سَلَامَته أَو مَوته يكون ببحران أم لَا مراعاتك حَرَكَة الْمَرَض وقوته وطبيعته وَالْوَقْت الْحَاضِر فَإِن هَذِه قد تدلك على أَن الْحَال توجب مصارعة قَوِيَّة بَين الْمَادَّة والطبيعة أَو تحْتَمل مُكَافَأَة. وَاعْلَم أَن دَلَائِل جودة البحران دَلَائِل تدلّ على اسْتِيلَاء الطبيعة فَلَا تخْتَلف وَدَلَائِل رداءته ونقصانه دَلَائِل تدل على معاسرة ومعاوقة تجْرِي بَين الطبيعة وَبَين مَا يصارعها فَلَا يمكنك أَن تجزم الْقَضِيَّة بِأَن الطبيعة تقهر لَا محَالة إِلَّا أَن تكْثر وتعظم فكم رَأينَا من عَلَامَات هائلة من سبات وَسُقُوط نبض وتقطع عرق تأدى بعد سَاعَات إِلَى بحران تَامّ جيد لِأَن الطبيعة تكون فِي مثلهَا قد أَعرَضت عَن جَمِيع أفعالها وشغلت بكليتها بِالْمرضِ فَلَمَّا صرفت جَمِيع الْقُوَّة إِلَيْهِ صرعته ودفعته وَرُبمَا لم تف بِهِ وَذَلِكَ فِي كثير من الْأَوْقَات لِأَنَّهَا لَا تكون قد تعطلت عَن جَمِيع الْأَفْعَال إِلَّا لأمر عَظِيم وأوشك بالعظيم أَن يعجزها. وَاعْلَم أَن ثوران عَلَامَات البحران على الِاتِّصَال إِلَى يَوْمَيْنِ متواليين كالثالث وَالرَّابِع مثلاٌ يدلّ على سرعَة البحران ثمَّ تكون الْجَوْدَة والرداءة بِحَسب الْقَرَائِن الَّتِي سنذكرها وخصوصاً إِذا تقدّمت نوبَة الْحمى تقدماً كثيرا وَلَا سِيمَا إِذا ظهر فِي النبض تغير دفْعَة فَإِن كَانَ إِلَى الْعظم وَلَا ينخفض فافرح وَاعْلَم أَن يبس الْبدن وقحولته فِي أَيَّام الْمَرَض يدل على بهاء البحران والأمرأض الْيَابِسَة جدا إِمَّا قتالة وَإِمَّا بطيئة البحران. وَقد يدلّ على أَوْقَات البحران وأحواله كلهَا وَأَحْكَام علاماته مَا تُوجد عَلَيْهِ حَال المرضى فِي الْأَكْثَر. وَاعْلَم أَن النبض المشرف كالدليل الْمُشْتَرك لأصناف البحرانات الاستفراغية وَلَكِن الْعَظِيم يدل على أَن الْحَرَكَة إِلَى خَارج بعرق أَو رُعَاف وَغير الْعَظِيم والسريع إِلَى الْبَاطِن يدل على قيء وَاخْتِلَاف. وَبِالْجُمْلَةِ كل إِجْمَاع على دفع مَادَّة وَقد قويت الطبيعة لَا يَخْلُو من شهوق نبض وَإِن لم يكن استعراض وميل إِلَى الْجَانِبَيْنِ وَقبل أَن يقوى فَلَا بدّ من انخفاض وانضغاط وَرُبمَا اجْتمعت علامتان فَكَانَ أَمْرَانِ فِي مثل قيء وعرق وَمثل قيء ورعاف وَإِذ قد فَرغْنَا من هَذِه القوانين فلنشرع فِي التَّفْصِيل يَسِيرا. فصل فِي عَلَامَات حَرَكَة الْمَادَّة فِي البحران إِلَى فَوق علاَمة ذَلِك صداع لتصعّد البخار أَو لمشاركة فَم الْمعدة أَيْضا. فصل فِي دَلَائِل الْقَيْء وَأَيْضًا من عَلَامَات ذَلِك دوار وَثقل فِي الصدغين وطنين وصمم يحدث ذَلِك كُله دفْعَة وَقد قارنه أَو تقدّمه بِزَمَان يسير ضيق نفس ووجع
(3/111)

فِي الْعُنُق وتمدد المراق والشراسيف إِلَى فَوق من غير وجع واشتعال الرَّأْس وَاعْلَم أَنه يشتدّ الْمَرَض والأعراض لَيْلًا لِأَن الطبيعة تشتغل فِيهِ بإنضاج فصل فِي عَلَامَات تَفْصِيل جَمِيع ذَلِك إِن قَارن ذَلِك ظلمَة وغشاوة فِي الْعين لَا تباريق مَعهَا ومرارة فَم واختلاج الشّفة السُّفْلى وتأكد الْأَمر بِوُقُوع وجع فِي فَم الْمعدة أَو غثيان أَو تحلب لعاب وخفقان وانضغاط من النبض وانخفاض وخصوصاً إِذا أصَاب العليل عقيب هَذَا نافض وَبرد دون الشراسيف حكم أَنه وَاقع بالقيء وخصوصاً إِذا كَانَت الْمَادَّة صفراوية والحمّى صفراوية لَيست من المحرقات وخصوصاً إِذا اصفرّ الْوَجْه فِي هَذِه الْحَال وَسقط اللَّوْن. وَكَثِيرًا مَا يجلب الْقَيْء الْوَاقِع بعد ثقل الرَّأْس ووجع الْمعدة من الصّبيان لضعف عصبهم تشنّجاً وَفِي النِّسَاء لعادة أرحامهن وجع أَرْحَام وَفِي الْمَشَايِخ لضعف قواهم أمراضاً مُخْتَلفَة لانتشار الْمَادَّة المتحركة فيهم. وَأما إِن قَارن ذَلِك تمدد فِي جِهَة الكبد أَو جِهَة الطحال من غير وجع فَإِن الطحال يُشَارك الأعالي أَيْضا بعروق فِيهِ تقَارب جِهَة الْأنف وعروقه وَإِن لم يتَّصل بهَا وَرَأى العليل خيوطاً حَمْرَاء ولألاء وتباريق واحمر الْوَجْه جدا أَو الْعين أَو الْأنف أَو جَانب مِنْهُ وسال الدمع دفْعَة وشهق النبض وماجٍ وأسرع انبساطاً وحك الْأنف وَكَانَ اشتعال الرَّأْس شَدِيدا جدا والصدع ضربانياً فتوقع رعافاً خُصُوصا إِذا دلّ الْمَرَض وَالسّن وَالْعَادَة والمزاج وَسَائِر الدَّلَائِل على أَن الْمَادَّة دموية على أَن الصفراوية أَيْضا قد تُبَحرِنُ بالرعاف وينفر بذلك تباريق وخيالات خيطية ونارية صفر ترى أَمَام الْعين وَأكْثر ذَلِك فِي الْحمى المحرقة الصفراوية. وَقد تدل جِهَة لوح الشعاع وحكة الْأنف على أَن الرعاف يَقع من المنخر الْأَيْمن أَو الْأَيْسَر أَو من المنخرين جَمِيعًا وَقد يعين هَذِه الدَّلَائِل أَيْضا برد يُصِيبهُ يَوْم البحران ويبوسة الْبَطن وَالْجَلد وَقد يدل السن فَإِن الرعاف أَكثر مَا يعرض يعرض لمن سنه دون الثَّلَاثِينَ. وَقد يعين هَذِه الدَّلَائِل أَيْضا اشتداد الصداع جدا فَوق مَا يُوجِبهُ وُقُوع الْقَيْء مَعَ آلام أُخْرَى واشتعال وَحمى وَتَكون الإمارات الْأُخْرَى جَيِّدَة لَيست عَلَامَات موت وَفِي مثل ذَلِك فتوقع الرعاف لَا بُد مِنْهُ فعلى الطَّبِيب أَن ينعم النّظر فِي جَمِيع ذَلِك. فصل فِي حكم هَذِه العلامات الْمُشْتَركَة الْمَذْكُورَة والخاصية من العلامات الْمُشْتَركَة الْمَذْكُورَة مَا هُوَ أولى بالرعاف مثل: الدُّمُوع والطنين
(3/112)

والصمم وتمدد الشراسيف فِي أحد جَانِبي الكبد وَالطحَال من غير وجع واشتعال الرَّأْس وَمِنْهَا مَا هُوَ أخص بالقيء مثل ضيق النَّفس وتمدد الشراسيف مُطلقًا من قدّام وَأَكْثَره مَعَ وجع فِي الْمعدة وَاعْلَم أَن ضيق النَّفس الدَّاخِل فِي عَلَامَات الرعاف إِنَّمَا يعرض عِنْد استعداد الطبيعة للدَّفْع الرعافي بِسَبَب أَن الأجوف يمتلىء ويندفع بمادته إِلَى فَوق فيزحم أَعْضَاء النَّفس. وَمن العلامات الْخَاصَّة بالقيء والرعاف مَا الْمَوْجُود فِي أَحدهَا مُقَابل للموجود فِي الآخر كَمَا أَن تخيل شعاعات براقة من عَلَامَات الرعاف ويقابل ذَلِك تخيل الظلمَة والغشاوة من عَلَامَات الْقَيْء وَحُمرَة الْوَجْه من دَلَائِل الرعاف ويقابلها سُقُوط اللَّوْن واصفرار من عَلَامَات الْقَيْء وَرُبمَا لم تكن كَذَلِك مثل اخْتِلَاج الشّفة فَإِنَّهُ من عَلَامَات الْقَيْء وَلَا مُقَابل لَهُ من عَلَامَات الرعاف وَمثل حكة الْأنف فَإِنَّهَا من عَلَامَات الرعاف وَلَا مُقَابل لَهَا من عَلَامَات الْقَيْء. فصل فِي عَلَامَات ميل الْمَادَّة إِلَى الْعرق إِذا صَار النبض شَدِيد الموجية وَكَانَ إمْسَاك الْيَد على الْجلد تحصل تَحْتَهُ نداوة وتصبغ حمرَة وتجد سخونة الْجلد مَعَ ذَلِك أَكثر مِمَّا كَانَ وانتفاخه واحمراره أَكثر مِمَّا كَانَ وَكَانَ الْبَوْل منصبغاً إِلَى غلظ وخصوصاً إِذا انصبغ فِي الرَّابِع وَغلظ فيِ السَّابِع فأحدث عرقاً يكون وَكَذَلِكَ إِن عرض فِي مرض من نافض قوي وَاشْتَدَّ بعده الْحمى وَالْقُوَّة قَوِيَّة والعلامات جَيِّدَة فتوقع عرقاً وَلَا سِيمَا إِن قل البرَاز والدرور وَاسْتمرّ عَلَيْهِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الحميات المحرقة إِذا لم تبحرن بالرعاف بحرنت بالعرق ويتقدمه النافض وَأَن يرى الْمَرِيض حَماما وأبزناً واستعداداً لَهُ فِي مَنَامه فَهُوَ دَلِيل عرق وانصباغ الْبَوْل يدل الدّلَالَة الأولى على أَن الْمَادَّة تبحرن من طَرِيق الْعُرُوق وَذَلِكَ الطَّرِيق إِمَّا الْعرق وَإِمَّا الْبَوْل ثمَّ ينْفَصل بِمَا قُلْنَا وَلَا يجب أَن يتَوَقَّع بحران عرق مَعَ استطلاق من الطبيعة غَالب وَلَا بُد فِي الاستفراغ المتوقع بالعرق أِن يكون هُنَاكَ تزيد من الْحَرَارَة انتشار واستظهار قُوَّة قَوِيَّة. فصل فِي عَلَامَات ميل الْمَادَّة إِلَى أَعْضَاء الْبَوْل يدل على ذَلِك ثقل فِي المثانة واحتباس فِي البرَاز وفقدان عَلَامَات الإسهال الَّتِي سنذكرها وعلامات الْقَيْء والرعاف والعرق الَّتِي ذَكرنَاهَا. وَاعْلَم أَن حرقة الإحليل مَعَ ثقل المثانة وَسَائِر الدَّلَائِل دَلِيل قوي على أَن البحران بالإدرار
(3/113)

وَقد يدل عَلَيْهِ ثوران الْبَوْل وغلظه فِي سَائِر الْأَيَّام وَوُجُود الرسوب فِيهِ وَرَبما عرض الإدرار على دَلَائِل البرَاز وعَلى مَا ذكرت فِي بَاب البرَاز. وَاعْلَم أنّه إِذا كثر اجْتِمَاع الْبَوْل فِي المثانة مَعَ قلَّة انطلاق الْبَطن وَقلة الْعرق فِي ذَلِك الْوَقْت أَو فِي طبع العليل وهيئة أَعْضَائِهِ وجسو ظَاهره فتوقّع البحران بالبول دون الِاخْتِلَاف والعرق وخصوصاً فِي الشتَاء. فصل فِي عَلَامَات ميل الْمَادَّة إِلَى طَرِيق البرَاز يدل عَلَيْهِ أوّلاً حبس الْفضل إِذا علم أنّهُ لَيْسَ بدموي وَإِذا علم أَنه مَعَ ذَلِك كثير ثمَّ يؤكده من علاماته: حصر الْبَوْل ومغص يجده فيِ جَمِيع الْبَطن وَثقل فِي أَسْفَل الْبَطن وفقد لعلامات الْقَيْء بل حُدُوث قراقر وانتفاخ حالب وَكَثْرَة انصباغ البرَاز من قبل مَجِيئه أَكثر من الْعَادة وعلوّ مَا دون الشراسيف ونتوِّه وانتقال قرقرة إِلَى وجع ظهر. وَرُبمَا كَانَ ذَلِك أَيْضا للرياح وَرُبمَا درّ الْبَوْل فعارض دَلَائِل البرَاز خُصُوصا فِي عليل عسر الْبَطن صلبه عَادَة صَغِيرَة المجسّة لَا سِيمَا فِي الْهَوَاء الْبَارِد وَيكون النبض صَغِيرا مَعَ قوّة وَلَيْسَ بصلب وصغره للانخفاض. وَقد يدل على البحران الإسهالي الْعَادة فِي قلَّة الرعاف والعرق وَكَثْرَة الِاخْتِلَاف وخصوصاً للمعتاد شرب المَاء الْبَارِد قيل أَنه مَتى كَانَ الْبَوْل بعد البحران فِي حمّى غيبيّة أَبيض رَقِيقا فتوقع اخْتِلَافا يكَاد يسحج لِأَن المرار إِذا لم يخرج بالبول وَغَيره خرج بالاختلاف وقلما يَقع بحران باستطلاق مَعَ غَلَبَة عرق أَو درور بَوْل. فصل فِي عَلَامَات أَن البحران قد يكون من طَرِيق الرَّحِم إِذا لم تَجِد سَائِر العلامات وَلم يكن استفراغ إسهالي وَوجدت ثقلاً فِي الرَّحِم وَفِي الْقطن ووجعاً هُنَاكَ وتمدّداً فاحكم أَنه طمثي. فصل فِي عَلَامَات أَن البحران يكون من انتفاخ عروق المقعدة يدل عَلَيْهِ فقدان سَائِر الدَّلَائِل وَعَادَة هَذَا النمط من السيلان وَثقل فِي نواحي المقعدة ونبض فصل فِي عَلَامَات كَون البحران بالانتقال عَلَامَات البحران الَّذِي يكون بالانتقال قُوَّة الْحمى مَعَ ثبات وجع وَمَعَ احتباس الاستفراغات من الْبَوْل وَالْبرَاز والنفث والعرق الغزير وَتَأَخر النضج أَو عَدمه مَعَ صِحَة من الْقُوَّة وجودة من النبض وَلَا سِيمَا فِي الْأَمْرَاض السليمة
(3/114)

البطيئة العديمة النضج وجهة انْتِقَال يدل عَلَيْهَا الوجع وانتفاخ الْعُرُوق فِي الْمَوَاضِع الخالية الَّتِي تليه وَشدَّة الالتهاب وَأَيْضًا الْجِهَة الَّتِي فِيهَا عُضْو ضَعِيف أَو وجع المفاصل أَو عُضْو مُتْعب وَأما الشراسيف إِذا تمددت وأوجعت فَلَيْسَ يُمكن أَن يسْتَدلّ عَنْهَا على الْموضع نَفسه وَلَا على جِهَة فَإِن ذَلِك كالمشترك لجَمِيع الميول. وَاعْلَم أَن الِانْتِقَالَات والخراجات تكون فِي الْبرد وفصله فِي سنّ الإكتهال أَكثر أما فِي الأول فَلِأَن الْبرد حَابِس مُمْسك وَأما فِي الثَّانِي فَلِأَن الْقُوَّة تعجز عَن الدّفع التَّام. وَقَالَ بَعضهم من جَاوز الْخمسين بل من جَاوز الثَّلَاثِينَ قل بحرانه بالخراج والانتقال وَلَيْسَ ذَلِك بمعتمد بل الِانْتِقَال لَهُ سببان: أَحدهمَا فِي الْمَادَّة: بِأَن لَا تكون قَابِلَة للدَّفْع الْكُلِّي بِسَبَب غلظها فِي الْأَكْثَر وَكَثْرَتهَا فِي الْأَقَل وَالثَّانِي فِي الْقُوَّة: وَهُوَ أَن لَا تكون الْقُوَّة قَوِيَّة جسداً شَدِيدَة التسلط وَلَا ضَعِيفَة أَيْضا عاجزة لَا تمنع الْبَتَّةَ عَن الْأَعْضَاء الرئيسة والاثنان من هَذِه الْأَسْبَاب مناسبان لأوائل الشيخوخة وَكَثِيرًا مَا تقوم عَلَامَات الِانْتِقَال فيطرأ عَلَيْهَا استفراغ عَظِيم وخصوصاً ببول فصل فِي عَلامَة أَن ذَلِك الِانْتِقَال إِلَى الأسافل حُدُوث وجع إِلَى أَسْفَل مَعَ التهاب وانتفاخ من الحالبين والوركين. فصل فِي عَلامَة أَن ذَلِك الِانْتِقَال إِلَى الأعالي يدل عَلَيْهِ ثقل الرَّأْس والحواس خُصُوصا السّمع حَتَّى رُبمَا أدّى إِلَى الصمم بعد ضيق من النَّفس وتغيّر من نظامه كَانَ فسكن كل ذَلِك بَغْتَة وَحدث فِي الرَّأْس مَا حدث وَكَذَلِكَ إِن حدث سبات وَأكْثر هَذَا يكون بخراج فِي أصل الْأذن وَكَذَلِكَ إِن دَامَ درور الْأَوْدَاج وضربان الأصداغ وَحُمرَة فِي الْوَجْه لابثة. فصل فِي عَلَامَات الِانْتِقَال إِلَى مرض اَخر إِذا رَأَيْت الْمَرَض الحاد يقوى عِنْد الانحطاط فَاعْلَم أَن وَجهه إِلَى الْمَرَض المزمن. فصل فِي عَلَامَات البحران الخراجي إِذا كَانَت القوّة صَحِيحَة والعلامات جَيِّدَة ودامت رقة الْبَوْل زَمَانا طويلآ فَذَلِك مِمَّا ينفر بالخراج وَحَيْثُ يكون الْمَرَض من مَادَّة فِيهَا حرارة وَكَذَلِكَ إِذا أقبل العليل من غير بحران ظَاهر بل على سَبِيل انْتِقَال ثمَّ رَأَيْت شرياني الصدغ شديدي الانبساط كثيري الضربان لَا يهدآن وَترى اللَّوْن حَائِلا وَالنَّفس متزايداً وَرُبمَا رَأَيْت سعالاً يَابسا فَمن بِهِ ذَلِك فَهُوَ متعرض لخراج فِي
(3/115)

والعضو الَّذِي يخْتَص فِي الْمَرَض بعرق أَكثر فَهُوَ الَّذِي يتوقّع فِيهِ الْخراج أَكثر وَفصل الشتَاء وسنّ الاكتهال على مَا ذكرنَا من دَلَائِل وُقُوع البحران بالخراج بل من أَسبَابه وَتَكون الخراجات الكائنة حِينَئِذٍ بطيئة الْقبُول للنضج إِلَّا أَن المعاودات مِنْهَا فِي الشتَاء والشيخوخة أقل لما يُوجِبهُ الْبرد من السّكُون على أَن بَعضهم قَالَ بِخِلَاف هَذَا على ماحكيناه. وَإِذا كثر الْبَوْل المائي عِنْد صعُود الْحمى دلّ على أَن وجعاً يحدث بالأسافل من الْبدن وَمن الدَّلَائِل القوية على بحران الْخراج تأخّر البحرانات الْأُخْرَى وتطاول الْعلَّة إِلَى مَا بعد الْعشْرين وَمثل هَذِه الْعلَّة المتطاولة إِذا عرضت فِيهَا أوجاع دفْعَة فِي بعض الْمَوَاضِع يُوقع الْخراج وَفِي الحميّات الإعيائية إِذا لم يكن إدرار ثخين وَلَا رُعَاف وَلَا إسهال يُوقع خراج المفاصل خُصُوصا فِي يَوْم باحوري. وَمن الدَّلَائِل القوية عَلَيْهِ أَن لَا يكون ذَلِك البحران للبطيء تَاما مَعَ بطئه وَلَا معاوداً بعلامات أُخْرَى والحميّات الإعيائية إِذا لم تبحرن فِي الرَّابِع ببول ثخين توقّع رعافاً فَإِن طَال توقّع خراجات المفاصل الَّتِي تعبت أَو إِلَى جَانب اللحيين كَانَ الإعياء من رياضة أَو من تِلْقَاء نَفسه لَكِن الْخراج الْوَاقِع فِي اللحيين فِي التمددي أَكثر لِأَن المفاصل تعبها لَيْسَ بشديد فَلَا يكون فِيهَا من المفاصل جذب وَيكون من الْحمى تصعيد وَمن اللَّحْم الرخو قبُول والإعياء إِذا كَانَ حركيا كَانَ وَكَثِيرًا مَا يتَوَقَّع الْخراج وتدلّ عَلَيْهِ علاماته فيبول صَاحبه بولاً فَلَا كثيرا غليظاً أَبيض فيندفع وَإِن كَانَت الحمّيات مُبتَدأَة بنافض مقلعة بعرق قلّ فِيهَا الْخراج وَذَلِكَ مثل الغَبّ وَالرّبع إِلَّا أَن تعكون الْمَادَّة كَثِيرَة جدّاً. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن النافض المعاود يستفرغ بنفضه كل يَوْم مادّة كَثِيرَة فقلما يفضل فِيهَا للخراج شَيْء هَذَا إِذا كَانَ نافض وَحده فَكيف مَعَ عرق والإدرار الغليظ أَيْضا يقلّ مَعَه الْخراج والخراجات الَّتِي فِي المزمنة المتطاولة تكون فِي الْأَكْثَر فِي الْأَعْضَاء السُّفْلى وَفِي الَّتِي هِيَ أحد فِي الْأَعْضَاء الْعليا وَفِي المتوسطة وَفِي الْجَانِبَيْنِ وَفِي ليثارغوس خراجات أصل الْأذن وَهَذِه الخراجات كثيرا مَا يَقع بهَا بحران تَامّ وَذَات الرئة كثيرا مَا تبحرن بخراجات المفاصل. فصل فِي أَحْكَام أمنال هَذِه الخراجات مَا حدث من هَذِه الخراجات وَغَابَ من غير انتفاخ لم يخل حَاله من أَمريْن: إمّا أَن يعود أعظم مِمَّا كَانَ أَو يعود الْمَرَض أَو تنْدَفع الْمَادَّة إِلَى المفاصل وَإِلَى أَعْضَاء وجعة أَو متعبة أَو ضَعِيفَة. وَخير هَذِه الخراجات مَا أورث خفّاً وَكَانَ بعد النضج وَكَانَ شَدِيد الْميل إِلَى خَارج وَكَانَ بَعيدا من الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة.
(3/116)

وَمَا كَانَ من هَذِه الأورام لينًا متطامناً تَحت الْيَد فَإِنَّهُ أقل غائلة من الصلب الحاد إِلَّا أَنه أَبْطَأَ لِأَنَّهُ أبرد وَإِنَّمَا تقل غائلته لِأَنَّهُ لَا يَصْحَبهُ وجع شَدِيد وأمثال هَذَا إِن بقيت مَعهَا الحمّى وَلم تتحلل تجمع بعد سِتِّينَ وَالَّتِي دونهَا مَا بَين سِتِّينَ وَعشْرين. وأقلّ الخراجات غائلة أَن يكون الْعُضْو الممال إِلَيْهِ سافلاً وَأَن يكون مَعَ كَونه سافلاً خسيساً وَاسع الْمَكَان يسع جَمِيع الْمَادَّة فَإِنَّهُ إِن لم يَسعهَا عرض من رُجُوعهَا ثَانِيًا إِلَى الْمَوَاضِع الَّتِي كَانَت تفْسد فِيهَا مَا يعرض لَهَا إِذا ردعها الطَّبِيب الْجَاهِل بالتبريد فانكفت إِلَى حَيْثُ أَتَت مِنْهُ وَقد ازدادت شرا بِمَا جرى عَلَيْهَا من العفن والتردد وَقتلت. وَشر الخراجات البحرانية مَا يكون إِلَى دَاخل وَفِي دَاخل لَكِن أولى الْمَوَاضِع بالخراج مَا كَانَ ضَعِيفا وَبِه مرض مزمن وخصوصاً فِي الأسافل وَالَّذِي يخْتَص بِكَثْرَة سيلان الْعرق مِنْهُ وَأفضل الخراجات وأبعدها من أَن يتبعهَا نكس مَا انْفَتح كَمَا الَّتِي تغيّب مِنْهَا أدلها على النكس. فصل فِي عَلَامَات وُقُوع التشنج الصّبيان إِذا كثر بهم التَفزع فِي النّوم وانعقلت طبيعتهم وَكثر بكاؤهم وحالت ألوانهم إِلَى حمرَة وخضرة وكمودة فتوقع التشنج وَذَلِكَ إِلَى تسع سِنِين وَكلما صغروا. كَانَ ذَلِك أَكثر. وَأما الشبَّان فَإِذا احولت أَعينهم فِي الْحمى الحادة وَكثر طرفهم واعوجت أَعْنَاقهم ووجوههم وَكثر تصريف الْأَسْنَان مِنْهُم فاحكم بِوُقُوع التشنج وَكَثِيرًا مَا تطول أوجاع الرقد والثقل فِي الرَّأْس فصل فِي عَلَامَات وُقُوع النافض إِذا رَأَيْت فِي الحمّى الحادة عَلَامَات السَّلامَة وعلامات بحران جيد وَقل الْبَوْل فَاعْلَم أنّه سيحدث نافض يَقع بِهِ البحران إِلَّا أَن يَأْتِيك اخْتِلَاف بطن مجاور الِاعْتِدَال. وَأما المعتدل فَلَا يرد النافض المتوقع وَكَثِيرًا مَا يتلوه عرق فَإِن النافض فِي الْأَمْرَاض الحادة المحرقة مُقَدّمَة الْعرق. فصل فِي العلامات الدَّالَّة على البحران الجيّد اعْلَم أَن أَجود عَلَامَات البحران الْفَاضِل هُوَ أَن يكون النضج قد تمّ ثمّ أَن يكون فِي يَوْم من أَيَّام البحران الْمَحْمُود الَّتِي سنذكرها وَقد أنذر بِهِ يَوْم يُنَاسِبه من أَيَّام الْإِنْذَار وَكَانَ باستفراغ لَا بانتقال وَلَا بخراج وَكَانَ استفراغه من الْخَلْط الْفَاعِل للمرض وَفِي الْجِهَة الْمُنَاسبَة وَقد احْتمل بسهولة وَقد توثق بجودة البحران طبيعة الْمَرَض فِي نَوعه كالغب والمحرقة إِذا وجد بحراناً مناسباً وَفِي أَحْوَاله كَالَّتِي يجْرِي فِيهَا أَمر الْقُوَّة والنبض على مَا يَنْبَغِي وَحَال القوّة وَحَال النبض فِي أَوْقَات العلامات
(3/117)

الصعبة إِذا كَانَ قَوِيا مُبينًا وخصوصاً إِذا كَانَ يزْدَاد قُوَّة وَثقل اختلافه وَيَسْتَوِي فَهُوَ العمود الْمَعْمُول عَلَيْهِ وَتَمام ذَلِك مصادفة الرَّاحَة والخفّة. وَاعْلَم أَن العلامات الرَّديئَة إِذا اجْتمعت وَكَانَ الْيَوْم باحورياً فالرجاء أقوى وَأَصَح من أَن يكون بِالْخِلَافِ فَيجب أَن تعتمد ذَلِك وَكَثِيرًا مَا تعظم العلامات الهائلة وَترى النبض يصحّ وَيَسْتَوِي وَاعْلَم أَن الْمَرِيض الْجيد الأخلاط إِذا مرض فَظهر النضج فِي بَوْله أول مَا مرض فقد أمنت وَكلما ظَهرت بِهِ عَلَامَات هائلة فَإِن الْفَرح بهَا أوجب لِأَن البحران أقرب. فصل فِي العلامات الدَّالَّة على البحران الرَّدِيء وأصولها وأوائلها أَن تكون مُخَالفَة للعلامات الجيدة الْمَذْكُورَة وَذَلِكَ مثل أَن تكون حَرَكَة البحران قبل الْمُنْتَهى والنضج ويسميه أبقراط سَابق السَّبِيل وَقد عرفت السَّبَب فِي رداءته وَأَن يكون فِي يَوْم غير باحوري وَأَن يكون النبض يَأْخُذ مَعَه إِلَى السُّقُوط والصغر. وَاعْلَم أَن عَلَامَات البحران إِذا جَاءَت قبل الْمُنْتَهى والنضج وتبعها استفراغ ذريع فَلَا يجب أَن تغتر بِهِ فَذَلِك للكثرة وَهُوَ دفع عَن عجز من غير تَدْبِير كَمَا أَن الْخُف الَّذِي يجده الْمَرِيض من غير استفراغ ظَاهر مِمَّا لَا يجب أَن يغتر بِهِ فَذَلِك لسكون من الْمَادَّة لَا لصلاح مِنْهَا بل كثيرا مَا تنضج أَيْضا وتعجز الطبيعة لِضعْفِهَا عَن دَفعهَا. فصل فِي أَحْكَام العلامات الدَّالَّة على البحران الرَّدِيء إِذا اجْتمعت عَلَامَات رَدِيئَة من عدم نضج أَو تغيره عَن الْوَاجِب وَغير ذَلِك من العلامات الرَّديئَة وَحكم مِنْهَا على العليل بِمَوْتِهِ يُوقف الحكم على السرعة والبطء مِمَّا يتعرف من حَال الْأَسْبَاب الْمُتَقَدّمَة للبحران مِمَّا قد ذَكرْنَاهُ مِثَال هَذَا أَنه إِذا كَانَت العلامات رَدِيئَة وَكَانَ رسوب أسود وَغير ذَلِك وَذَلِكَ فِي الرَّابِع فالموت فِي السَّابِع أَو فِي السَّادِس إِن أوجبت الْأَسْبَاب الْمَذْكُورَة تقدماً. فصل فِي عَلَامَات النضج وأحكامها النضج يعرف من الْبَوْل وَقد فسر فِي مَوْضِعه وَيجب أَن لَا يُغتَر بِشدَّة صبغ الْبَوْل إِذا لم يكن رسوب فَإِن ذَلِك لَيْسَ للنضج. وَعدم النضج فِي القوام أضرّ مِنْهُ فِي اللَّوْن فَإِن بالقوام تتهيأ الْمَادَّة لعسر الاندفاع أَو سهولته. وَإِذا ظَهرت عَلَامَات النضج مَعَ أول الْمَرَض فالمريض سليم لَا شكّ فِيهِ وَإِن تَأَخَّرت فَلَيْسَ يجب أَن تكون دَائِما مَعَ خطر فَرُبمَا كَانَ طَويلا لَا خطر فِيهِ وَلَا بُد من أَن يكون طَويلا. وَكلما كَانَ بحران جيد فقد كَانَ نضج وَلَيْسَ كلما كَانَ نضج كَانَ بحران بل رُبمَا كَانَ الْمَرَض يَنْقَضِي بتحلل.
(3/118)

وَاعْلَم أَنه لَا تكون للحمى مَعَ ظُهُور النضج صولة كَمَا لَا يكون مَعَ نضج الورم وجع شَدِيد وَإِذا تَأَخّر النضج وَرَأَيْت الْأَعْرَاض جَيِّدَة وَالْقُوَّة ثَابِتَة فتوقعه. فصل فِي أَحْكَام العلامات مُطلقًا لَيْسَ كل تغير دفْعَة فِي اللَّوْن أَو فِي اللَّمْس رديئاً بل رُبمَا دلّ على خير عَظِيم وبحران نَافِع بل اعْتبر مَعَ ذَلِك حَال الْبدن عقيب ذَلِك وَمَا كَانَ من العلامات الذبولية فِي السحنة وَالْوَجْه والأطراف وَاقعا بِسَبَب سهر وتعب ورياضة وإسهال فَهُوَ سليم وَيعود إِلَى الصّلاح فِي يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة وَمَا كَانَ بِسَبَب الإحتراق وَسُقُوط الْقُوَّة فَهُوَ رَدِيء. فصل فِي ذكر العلامات الجيدة العلامات الجيدة هِيَ: الِاحْتِمَال للمرض وثبات الْقُوَّة والسحنة مَعَه وَإِن اشتدت أعراضه وَقُوَّة النبض واشتداده وانتظامه وَظُهُور عَلَامَات النضج وإنجاح البحران وجودة علامته والخف يُؤْخَذ عقيب الاستفراغ وإقبال النبض مَعَه إِلَى الْجَوْدَة والإقشعرار الْعَارِض عقيب الاستفراغ من العلامات الجيّدة فَإِنَّهُ يدلّ على إقلاع السخونة ويعقب الْبرد مَعَ إقلاع الْمَادَّة وَأفضل ذَلِك أَن يكون الاستفراغ من الْخَلْط المؤذي بسهولة وعَلى استقامة. وَاعْلَم أَن ثبات القوّة مَعَ العلامات الرَّديئَة يُوجب الرَّجَاء وَكَذَلِكَ ثبات الْعقل وجودة التنفس وسهولة احْتِمَال مَا يطْرَأ من الْأَحْوَال الهائلة الغريبة وَوُجُود الخفّ عقيب النّوم جيد وَمن العلامات الجيّدة: الشَّهْوَة باعتدال وَحسن بِقبُول الْغذَاء ومنفعته ونعشه ونجوعه. وَمن العلامات الجيدة: التّنفس الْحسن السهل. وَمن العلامات الجيّدة: السحنة الطبيعية والاضطجاع الطبيعي وَالنَّوْم الطبيعي واستواء الْحَرَارَة فِي أَعْضَاء الْبدن. وَاعْلَم أنّ العلامات الجيدة مَعَ صِحَة القوّة فصل فِي أَحْكَام العلامات الرَّديئَة إعلم أَن العلامات الرَّديئَة الَّتِي فِي الْغَايَة من الرِّدَاء تنذر بِالْمَوْتِ. فَإِن كَانَت القوّة قويّة طَال الْمَرَض ثمَّ قتل وَإِن كَانَت ضَعِيفَة قتل من غير طول. وَكَثِيرًا مَا تظهر عَلَامَات مهلكة وَفِي أَيَّام رَدِيئَة ثمَّ يعرض بحران جيد وانتقال مادّة إِلَى عُضْو وَتَكون سَلامَة وَيجب أَن تثق بالعلامات الجيدة عِنْد الْمُنْتَهى وَتخَاف الْمهْلكَة إِذا بادرت وَلَا تحكم بهَا أَيْضا مَا لم تَرَ الْقُوَّة تسْقط. وَسُقُوط الْقُوَّة وَحده عَلامَة رَدِيئَة ثمَّ يجب أَن تراعي فِي الْأَمْرَاض الحادة الَّتِي مبدؤها عُضْو معِين كالصدر لذات الْجنب مَا يكون من أَحْوَال ذَلِك الْعُضْو فَإِنَّهَا أدل من أَحْوَال عُضْو آخر فَإِن نضج النفث فِي ذَات الْجنب أدل على السَّلامَة من نضج المَاء.
(3/119)

وَيجب على الطَّبِيب المتفرس إِذا رأى فِي الْوَجْه وَالْعين وَغَيره هَيْئَة رَدِيئَة غير طبيعية بِحَسب الْأَكْثَر أَن يتعرف أَولا هَل ذَلِك طبيعي بِحَسب ذَلِك الشَّخْص فَلَا يحكم جزما حَتَّى فِي النبض أَيْضا وَأَيْضًا أَن يتعرف هَل ذَلِك من الْمَرَض أَو من سَبَب باد فَرُبمَا حدث مثلا على اللِّسَان صبغ رَدِيء وخشونة مفرطة لأكل شَيْء ذَلِك فعله لَا الْمَرَض. فصل فِي ذكر العلامات الرَّديئَة فصل فِي العلامات الرَّديئَة الْمُتَعَلّقَة بالسحنة واللون إِذا كَانَت سحنة الْحمى كسحنة الْمَيِّت لَا لسهر وَلَا لجوع وَلَا لاستفراغ فَهُوَ عَلامَة رَدِيئَة وَالْوَجْه الَّذِي يشبه وَجه الْمَيِّت وَيُخَالف وُجُوه الأصحاء هُوَ الَّذِي غارت عينه وتحدد أَنفه ولطأ صُدْغه وتقبض وَبرد أُذُنه وانقلت شحمته وتمددت جلدته وكمد لَونه أَو اسود أَو اخضر وعلته غبرة وخصوصاً إِذا كَانَت كغبرة الْقطن المندوف فَإِنَّهَا عَلامَة موت عَاجل. وَاعْلَم أَنه إِذا مرض الصَّحِيح الْقَلِيل الْمَرَض دلّ على خطر وَمَا كَانَ من هَذَا التغيّر لأسباب غير الْمَرَض فَإِنَّهُ يعود سَرِيعا إِلَى الْحَالة الطبيعية وَلَو فِي يَوْم وَلَيْلَة. وَأما الآخر الَّذِي سَببه الْمَرَض وَهُوَ الَّذِي علامته رَدِيئَة فَلَا يعود إِلَى الصّلاح بالهوينى على أَن الأول الَّذِي بِسَبَب الْجُوع والاستفراغ والسهر وَمَا ذكر مَعهَا لَيْسَ بجيد أَيْضا وَلكنه أسلم من غَيره. فَإِن اتّفق ذَلِك فِي الْأَمْرَاض الحادة كَانَ رديئاً ودليلاً على أَن الْمَرَض سيغلب وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ أسلم من الْكَائِن فِي الْأَمْرَاض الحادة بِسَبَب الْمَرَض لَا بِسَبَب ذَلِك المعاون. وَكَذَلِكَ يجب أَن يتعرّف الْفرق بَين مَا يظْهر من عَلَامَات الانخراط وَتغَير اللَّوْن بِسَبَب فَسَاد الْمَرَض أَو بِسَبَب سهر واستفراغ لَا يكون بِهِ كَبِير بَأْس. وَكَذَلِكَ مَا نذكرهُ فِي الْعين من ذَلِك إِن كَانَ سَببه السهر حدث مَعَه ثقل فِي الأجفان وميل إِلَى السبات وتواتر شَدِيد من النبض وَتقدم سهر مؤذ وَمَا كَانَ بِسَبَب إسهال تَجِد الإسهال قد تقدم وأفرط. وَمَا كَانَ من جوع تَجِد ذَلِك حَادِثا بتدريج لَا دفْعَة وَمِمَّا يُؤَكد أَنه من الْمَرَض فقدان تِلْكَ الْأَسْبَاب وشدّة حِدة الحمّى وإحساس أَشْيَاء كالشرارات تلقى يدك عِنْد المسّ واصفرار اللَّوْن دفْعَة عَلامَة غير جيّدة واسوداده بَغْتَة عَلامَة رَدِيئَة وَشر ذَلِك كُله الْأسود فأكثره من موت الغريزة والكمودة تليه والاصفرار لَيْسَ بجيّد لكنه أسلم لِأَنَّهُ قد يكون عَن حرارة لَيْسَ كُله عَن برودة وَرُبمَا كَانَ عَن سهر أَو جوع أَو عَن وجع فَيكون سليما وَأَن يحدث بالجبهة وَالْأنف غُضُون لم يكن عَلامَة رَدِيئَة.
(3/120)

فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الصداع الصداع إِذا دَامَ وَالْقُوَّة ضَعِيفَة وَالْمَرَض حاد وَهُنَاكَ عَلَامَات رَدِيئَة فالمرض قتال وَإِن لم يكن فيوقع إِلَى السَّابِع رعافاً وَبعد السَّابِع شَيْئا يجْرِي من الْأنف أَو الْأذن فَإِن دَامَ إِلَى الْعشْرين فقلما يكون انحلاله برعاف وَلَكِن إِمَّا بِمدَّة تجْرِي من المنخرين والأذنين أَو خراج وخصوصاً أَسْفَل وَأكْثر من يبتدىء بِهِ الصداع من أول مَرضه فيصعب عَلَيْهِ فِي الرَّابِع وَالْخَامِس ثمَّ يقْلع فِي السَّابِع. وَأكْثر مَا يبتدىء يكون فِي الثَّالِث ويصعب فِي الْخَامِس ويقلع فِي التَّاسِع وَالْحَادِي عشر. قَالُوا: وَإِن كَانَ الْقيَاس أَن يكون فِي الْعَاشِر فَإِنَّهُ سَابِع الثَّالِث لكنه لَيْسَ بِيَوْم بحران وَهَذَا الْكَلَام عِنْدِي لَيْسَ بِشَيْء فَإِنَّهُ الْحساب لَيْسَ على هَذَا الْقَبِيل فَإِن ابْتَدَأَ فِي الْخَامِس أقلع فِي الرَّابِع عشر إِن جرى الْأَمر على مَا يَنْبَغِي وَأكْثر مَا يعرض من هَذَا الصداع يعرض فِي الغبّ. فصل فِي عَلَامَات رَدِيئَة مَأْخُوذَة من جِهَة الْحس أَن لَا يرى الْمَرِيض وَلَا يسمع عَلامَة رَدِيئَة وَأَن يهرب عَن الْأَصْوَات والروائح والألوان ذَوَات القوّة عَلامَة رَدِيئَة تدل على ضعف الرّوح النفساني. فصل فِي العلامات الكائنة فِي الْعين غؤور الْعَينَيْنِ وتقلصهما لَا بِسَبَب من الإسهال والسهر والجوع عَلامَة غير جَيِّدَة. وكمودة بَيَاض الْعين واحمرارها إِلَى فرفيرية وأسمانجونية عَلامَة رَدِيئَة. وتصغر إِحْدَى الْعَينَيْنِ فِي الْأَمْرَاض الحادة والسرسام وَنَحْوه عَلامَة رَدِيئَة جدا. وَأَن لَا يرى العليل شَيْئا عَلامَة مهلكة. والتواء الْعين وحولها فِي الْأَمْرَاض الحادة عَلامَة رَدِيئَة. وَهَذَا الْحول إِن كَانَ من تشنج خَاص بعضل الْعين فَقَط من غير آفَة فِي الدِّمَاغ فعلامة ذَلِك أَن لَا يكون اخْتِلَاط عقل وَنَحْوه. وَأما العلامات الْمَأْخُوذَة مِمَّا يرى ويلمع فَإِن اللمع السود تدل على الْقَيْء أَكثر والحمر والبراقة على الرعاف أَكثر وعَلى ميل الدَّم إِلَى فَوق وَيدل على كل وَاحِد دلائله الْأُخْرَى وجريان الدمع من غير إِرَادَة وخصوصاً من عين وَاحِدَة عَلامَة رَدِيئَة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تكون هُنَاكَ عَلامَة بحران وعافية وتدل عَلَيْهِ سَائِر عَلَامَات الرعاف مَعَ سَلامَة عَلَامَات أُخْرَى. وليتفقد من الدُّمُوع الْقلَّة وَالْكَثْرَة والرقة والغلظ والحرّ وَالْبرد وَالْخُرُوج بِإِرَادَة أَو بِغَيْر إِرَادَة وكراهية الضَّوْء عَلامَة غير جَيِّدَة. فَإِن اشْتَدَّ حبه للظلمة فَهُوَ قتال اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون متماد ووجع فَإِن لم يكن فَهُوَ لسُقُوط قُوَّة الرّوح النفساني وَالنَّظَر الْوَاقِف من غير طرف وحركة رَدِيء وَكَثْرَة إجتماع الرمص شَيْئا بعد شَيْء رَدِيء والرمص الْيَابِس جدا رَدِيء وَمثل هَذَا الرمص يتَوَلَّد من عجز
(3/121)

قُوَّة الْعين الغريزية عَن إنضاج الْمَادَّة وَلذَلِك يحس مَعَ أَكْثَره كغرزان شَيْء للعين يروم الْخُرُوج وَلَا يجوز أَن يُقَال أَن ذَلِك لِكَثْرَة الرُّطُوبَة الجائية إِلَى الْعين بِحَيْثُ تعجز الطبيعة عَن إنضاجها لِأَن الْعين فِي هَذَا الْحَال يابسة غائرة. وعلامات اليبس وَاضِحَة فَلذَلِك تيبس هَذَا الرمص سَرِيعا. وَمن العلامات الْمُنَاسبَة لهَذِهِ أَن يجْتَمع على الحدقة وَهِي مَفْتُوحَة شَيْء كنسج العنكبوت ثمَّ يتَنَحَّى إِلَى الشفر فَيصير رَمضًا وَلَا يزَال يكون كَذَلِك وَهُوَ دَلِيل على قرب الْمَوْت وَشدَّة حمرَة الْعين وبقاؤها كَذَلِك فِي حِدة الْحمى عَلامَة رَدِيئَة تدلٌ على ورم دماغي حَار أَو فِي فَم الْمعدة وانتقالها إِلَى تطويس وأسمانجونية أردأ وجحوظ الْعين أَيْضا وَكَثْرَة التباريق دَلِيل رَدِيء رُبمَا كَانَ لمواد حارة كَثِيرَة وأورام فِي نواحي الدِّمَاغ وَبَقَاء الجفن مَفْتُوحًا فِي النّوم من غير عَادَة
(3/122)

عَلامَة غير جَيِّدَة. ويبس الأجفان دَلِيل رَدِيء. وَأَن تبقى الْعين فِي الْيَقَظَة مَفْتُوحَة حَتَّى لَو قرب مِنْهَا أصْبع لم تطرف دَلِيل قَاتل. وَشدَّة اتساع الْعين أَيْضا مَعَ هذيان ضعف قَاتل. وَقيل أَن من ظهر بِهِ بثر كالعدسة الْبَيْضَاء تَحت عينه مَاتَ فِي الْيَوْم الْعَاشِر وَتظهر بِهِ شَهْوَة الْحَلَاوَة. فصل فِي عَلَامَات تُؤْخَذ من جِهَة الْأنف التواء الْأنف رَدِيء وَيدل على قرب الْمَوْت فَإِن السَّبَب فِيهِ تشنج رَدِيء قتال وتفرطحه أَيْضا رَدِيء والتعويل فِي الِاسْتِنْشَاق على الْأنف والمنخرين عَلامَة رَدِيئَة. وَأَن تَجِد من نَفسه ريح الْمسك أَو السّمن أَو الطين وقطر المَاء الْأَصْفَر من الْأنف فِي الحميات الحادة رُبمَا كَانَ دَلِيل قرب الْمَوْت. وَأَن لَا يعطس بالمعطسات دَلِيل الْمَوْت. وَبطلَان حس وَكَذَلِكَ أَن لَا يرعفه الْعقر والخدش والإلحاح من الْمَرِيض بإصبعه على أَنفه كَأَنَّهُ يثقبه من غير سَبَب عَلامَة غير جَيِّدَة وَخُرُوج المَاء من الْأنف رَدِيء. فصل فِي عَلَامَات تُؤْخَذ من جِهَة الْأذن جفاف الشحمة وانقلابها تقبض الصدفة عَلامَة رَدِيئَة. قيل أَن وسخ الْأذن إِذا حلا فَهُوَ عَلامَة رَدِيئَة عِنْد جالينوس مهلكة عِنْد الْأَوَّلين حُدُوث ألم بالأذن مَعَ حمى حادة مخاطرة فَإِنَّهُ قَاتل إِن لم يسل مِنْهُ شَيْء ويسكن وَذَلِكَ فِي الْمَشَايِخ وَأما فِي الشبَّان فيموتون قبل أَن ينفتح لشدَّة حسهم. فصل فِي عَلَامَات تُؤْخَذ من جِهَة الْأَسْنَان قضقضة الْأَسْنَان فِي الحميات الحادة وَكَأن صَاحبهَا يَأْكُل شَيْئا عَلامَة غير جَيِّدَة. قيل من غشيت أَسْنَانه فِي الحميات لزوجات دلّت على أَن حماه تشتدّ فَإِنَّهُ يدل على حرارة شَدِيدَة وعَلى مَادَّة لزجة بطيئة التَّحَلُّل تعرض المرضى كل وَقت لتنقية أسنانهم من غير عَادَة جرت دَلِيل غير جيد. صرير الْأَسْنَان وتصريفها من غير عَادَة رُبمَا أنذر بجنون وَإِن كَانَ الْجُنُون حدث ثمَّ حدث ذَلِك دلّ على هَلَاك إِلَّا فِيمَن هُوَ مُعْتَاد لذَلِك لضعف عضل فَكَّيْهِ فتصر أَسْنَانه من أدنى سَبَب واخضرار الثنايا عَلامَة رَدِيئَة. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من جِهَة اللِّسَان والفم وَمَا يَلِيهِ واسوداد اللِّسَان فِي الْأَمْرَاض الحادة عَلامَة على الرداءة وجفوف الْفَم والريق غير جيد وَإِذا يبس أَولا ثمَّ خشن مَعَ الْمُنْتَهى ثمَّ اسود فَهُوَ قَاتل وخصوصاً فِي الرَّابِع عشر وَاعْلَم أَن شدَّة نَتن الْفَم فِي الْأَمْرَاض الحادة دَلِيل هَلَاك لِأَنَّهُ يدل على فَسَاد الأخلاط كلهَا. علو إِحْدَى الشفتين على الْأُخْرَى من غير خلقَة عَلامَة رَدِيئَة التواء الشّفة فِي الحميات الحادة رَدِيء. تشقق الشفتين فِي الحميات يدل على فرط الالتهاب وتقلصهما وبردهما رَدِيء بَقَاء الْفَم مَفْتُوحًا فِي الْأَمْرَاض الحادة دَلِيل رَدِيء إفراط يبس اللِّسَان عَلامَة غير جَيِّدَة. قيل إِذا بَان على اللِّسَان فِي حمى حادة كالحمص الْأسود أَو كحب الخروع فالموت قريب وَتعرض لَهُ شَهْوَة الْأَشْيَاء الحارة. خشونة اللِّسَان ويبسه دَلِيل برسام وتأمّل فِي خشونة اللِّسَان وتغيّر لَونه فضل تَأمل كَيْلا يكون سَببه شَيْئا صابغاً. وَاعْلَم أَنه لَيْسَ ينصبغ اللِّسَان بالخلط الْغَالِب فِي كل حَال مَا لم يكن مترقياً بجوهره أَو ببخاره من بعض الْأَعْضَاء الْمُشَاركَة. فصل فِي عَلَامَات تُؤْخَذ من أَحْوَال الْحلق والمريء ونواحيه الاختناق بَغْتَة لَا فِي يَوْم بحران عَلامَة رَدِيئَة. والاختناق بِلَا زبد أخف. فَإِن الإزباد لَا يكون إِلَّا وَقد بلغ الْقلب فِي السخونة مبلغا تعطل لَهُ أَفعَال الرئة والحجاب فَلَا يستطيَع أَن يرد النَّفس بالاستواء وَهَذَا لَا يكون وَلَا ورم فِي الْحلق إِلَّا لأمر عَظِيم وَقد يكون كثيرا بل فِي الْأَكْثَر بِسَبَب الدِّمَاغ وَبِالْجُمْلَةِ إِذا حدثت فِي الْحمى القوية خوانيق صعبة فقد أطل الْمَوْت لِأَن الْقلب يَقْتَضِي بِسَبَب شقة الْحَرَارَة نسيماً كثيرا وَقد سد سَبيله فيلتهب الْقلب ويفرط سوء مزاجه فَلَا يحْتَمل الْحَيَاة.
(3/123)

وَكَذَلِكَ اعوجاج الرَّقَبَة مَعَ امْتنَاع البلع فَإِن ذَلِك إِمَّا أَن يكون لزوَال الفقار أَو لشدَّة اليبس وَلَا شَرّ مِنْهُمَا مَعَ الْحمى وَأَيْضًا أَن لَا يَسْتَطِيع البلع إِلَّا بكد دَلِيل رَدِيء وَكَذَلِكَ أَن يشرق بِالْمَاءِ فَيخرج من أَنفه وَكَذَلِكَ إِذا غص بريقه كل وَقت فَهُوَ دَلِيل غير جيد. فصل فِي عَلَامَات تُؤْخَذ من جَانب الْمعدة وفمها الفُواق فِي الْأَمْرَاض الحادة رَدِيء وخصوصاً عقيب الإسهال وَكَذَلِكَ الالتهاب فِي الْمعدة والخفقان المعدي مَعَ حرارة الْحمى رَدِيء. فصل فِي عَلَامَات رَدِيئَة تُؤْخَذ من أَعْضَاء التنفس النَّفس الْبَارِد فِي الْأَمْرَاض الحادة رَدِيء يدل على موت الغريزة. وَكَذَلِكَ الْمُخْتَلف رَدِيء وَالنَّفس الشبيه بِنَفس الباكي الْمُنْقَطع الَّذِي يستنشق الْهَوَاء كَذَلِك سوء التنفس الْكَائِن لاختلاط الْعقل رَدِيء وَالَّذِي للأورام فِي نواحي الصَّدْر أردأ وَالَّذين يحضرهم الْمَوْت تربو بطونهم ويتتابع نفسهم مَعَ ضعف ويتنفسون صعداء. قَالَ بقراط: إِذا انتصبت الأوردة الصغار عِنْد الجبين والجفون والترقوة فَهُوَ رَدِيء. تغير لون الْعُرُوق الظَّاهِرَة عَن حَالهَا إِلَى تطويس وفرفيرية وَظُهُور مَا لم يظْهر مِنْهَا قبل ذَلِك بِهَذِهِ الصّفة رَدِيء. فصل فِي عَلَامَات رَدِيئَة تُؤْخَذ من استرخاء الْبدن وَسُوء الاستلقاء والضعف إِن استرخاء الْبدن وَسُوء الاستلقاء والضعف قد يكون بِسَبَب كَثْرَة الأخلاط الغليظة فِي الأحشاء وَقد يكون ليبس الْبدن وَشدَّة قلَّة الأخلاط وَقد يكون لفرط ضعف الْقُوَّة فِي العضل وَلَيْسَ الدَّلِيل الْفَارِق بَينهَا كَون الْبدن غليظاً أَو نحيفاً كَمَا ظن قوم فكثيراً مَا تكون الأحشاء مَمْلُوءَة رطوبات وَالْبدن ناحل وَكَثِيرًا مَا تضعف القوى فِي العضل وَالْبدن السمين بل الْعَلامَة سَائِر مَا قيل فِي مَوَاضِع أُخْرَى. فصل فِي عَلَامَات رَدِيئَة مَأْخُوذَة من قبل هَيْئَة الِاضْطِجَاع الاستلقاء على الْفراش لَا على الْهَيْئَة الْمُعْتَادَة بل على تَخْلِيط وَخُرُوج عَن الْعَادة عَلامَة رَدِيئَة لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْمَرِيض ينحدر عَن فرَاشه قَلِيلا قَلِيلا. وَيكون كلما سويته ونصبته النصبة الجيدة انْقَلب على ظَهره وَيُحب الاستلقاء وَيُحب كشف الْأَطْرَاف ويطرحها طرحاً غير طبيعي من غير حرارة ظَاهِرَة جدا. فَيكون السَّبَب كرباً عَظِيما. وَيجب أَن تراعي فِي هَذَا أَيْضا أمرا وَاحِدًا فَرُبمَا كَانَ الْإِنْسَان عبلاً ثقيل الْبدن سريع الاسترخاء يحب فِي حَال الصِّحَّة أَن يضطجع كل وَقت على هَذِه الْهَيْئَة أَو يكون
(3/124)

الْمَانِع وجعاً من غير الاستلقاء فَذَلِك أَيْضا مِمَّا لَا يعظم مَعَه الْخَوْف كل نصبة غير مُعْتَادَة من استلقاء وامتداد وَغير ذَلِك لم يكن يَفْعَله فِي حَال الصِّحَّة فَهُوَ فِي الْأَمْرَاض الحادة رَدِيء. وَاعْلَم أَن حبّ الاستلقاء إِمَّا لِكَثْرَة أخلاط فِي الأحشاء أَو ليبس وتحلل الأخلاط فيضعف العضل أَو لضعف يعرض للعضل من جِهَة أُخْرَى وَأَن لَا يقدر عل الِاضْطِجَاع والاستلقاء وَغَيره بل يَشْتَهِي الْقعُود دَلِيل رَدِيء وَأَكْثَره لسَبَب أَن النَّفس تعصى عِنْد الِاضْطِجَاع لأورام وآفات فِي أَعْضَاء النَّفس قد عرفت الْحَال فِيهَا فِيمَا سلف وَأَن يحب الْإِعْرَاض عَن النَّاس والإقبال على الْحَائِط دَلِيل غير جيد والميل إِلَى النّوم على الْبَطن من غير عَادَة رَدِيء فَإِنَّهُ إمّا عَن اخْتِلَاط عقل وإمّا عَن ألم فِي الْبَطن. والاضطجاع الرطب الْمَحْمُود وَهُوَ الَّذِي تكون مفاصه قَابِلَة للثنية بِسُرْعَة. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الْجلد إِذا يبس الْجلد بِحَيْثُ إِذا مددته لم يرجع إِلَى مَوْضِعه فَذَلِك دَلِيل رَدِيء. خُرُوج البخار الْحَار من الْجلد مَعَ النَّفس الْبَارِد دَلِيل هَلَاك وَلَا يكون إِلَّا لِأَن حرارة الْقلب قد فنيت على مَا شهد فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الْبَطن ونواحي الشراسيف انتفاخ الْبَطن فِي الْأَمْرَاض الحادة وَقلة انهضامه وخصوصاً وَهُنَاكَ استطلاق فَهُوَ عَلامَة موت لَا سِيمَا إِذا ظهر بِهِ بثر وَاسع كمد اللَّوْن. تمدّد الشراسيف وَكَون أحد جانبيها أنتأ من الآخر رَدِيء وَكَذَلِكَ كَون كل جَانب أنتأ من جَانب هُوَ مثله فِي النّتو والانخفاض وَكَذَلِكَ فِي. لين الملمس وصلابته دَلِيل رَدِيء. إِذا انتفخت المراق لَا عَن ريح مَعَ قحل ويبس فَفِي داخلها ورم وَلَيْسَ بهَا ؤالألم يقحل وتمدّد الشراسيف إِن كَانَ بوجع فالمادة مائلة إِلَى أَسْفَل إِن كَانَ بِلَا وجع فالمادة مائلة إِلَى فَوق. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من المقعدة بروز المقعدة فِي الحميات الحادة من قبل نَفسهَا دَلِيل رَدِيء. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الْقَضِيب والأنثيين لين الخصيتين عَلامَة رَدِيئَة وَكَذَلِكَ تورّمهما فِي الْأَمْرَاض الحادة. تقلّص الْأُنْثَيَيْنِ وَالذكر يدلّ على موت الغريزة أَو على وجع شَدِيد. الِاحْتِلَام فِي أوّل الْمَرَض يدلّ على طول. وَهُوَ فِي آخر الْمَرَض أَحْمد. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الْأَرْحَام
(3/125)

فصل فِي العلامات الرَّديئَة الْمَأْخُوذَة من الْأَطْرَاف مِنْهَا من جِهَة كيفياتها مثل برد الْأَطْرَاف مَعَ حرارة الْحمى الحادة وثباتها وَلم تقلع عَلامَة غير جَيِّدَة. وَأما فِي المزمنة فَذَلِك غيرمنكر وَسَببه فِي الحميات الحادة تورم عَظِيم فِي الْجوف أَو طفو الْحَرَارَة الغريزية. وأمّا إظلال غشي وانحلال وَأقوى دَلَائِل برد الْأَطْرَاف فِي الحميات الحادة على الْهَلَاك مَا كَانَ الْبرد يعرض لَهَا فِي أول الْمَرَض وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ برد لَا يسخن وَهَذَا كُله يدل على انهزام الدَّم كُله إِلَى الْبَاطِن للورم. كمودة أَصَابِع الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وأظافيرهما عَلامَة هَلَاك. احمرار الْأَطْرَاف وتفرفرها دفْعَة أقتل من كمودتها فَإِن وجد ثقلاً فقد قرب الْمَوْت لِأَن الثّقل يدل على ضعف الْقُوَّة النفسانية والكمودة تدل على ضعف الْحَرَارَة الغريزية والحمرة على فَسَاد وَغَلَبَة أخلاط والسواد خير من الكمودة والحمرة وَمَعَ هَذَا كلّه إِذا رَأَيْت العلامات الجيدة كَثِيرَة لم يبعد أَن يسلم الْمَرِيض وَتسقط أَطْرَافه المتغيرة واحتراق الْأَطْرَاف وَالْجَلد مَعَ برودة الْبَاطِن دَلِيل موت أَيْضا. وَمِنْهَا من جِهَة أوضاعها مثل التشنّج خُصُوصا عقيب الإسهال فَإِنَّهُ قتّال. الكزاز مَعَ الهذيان وَشدَّة الْحمى دَلِيل موت. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من جِهَة النّوم واليقظة أَن يكون النّوم نَهَارا لَيْسَ لَيْلًا عَلامَة غير جَيِّدَة وَأَن لَا ينَام فيهمَا جَمِيعًا شرّ فَإِن السَّبَب فِيهِ فَسَاد الدِّمَاغ كَيفَ كَانَ. وَأسلم النّوم النهاري مَا كَانَ فِي أَوله وَهَذَا كُله فِي منتهيات نَوَائِب الحمّى شرّ. وأمّا فِي ابتدائها فكثيراً مَا يكون وَلَا يضر. والسبات مَعَ ضعف النبض رَدِيء فَإِنَّهُ يكون لضعف الْقُوَّة لَا لرطوبة الدِّمَاغ وخصوصاً إِن كَانَ مَعَ اخْتِلَاط عقل وَرُبمَا كَانَ هَذَا عَن عفونة خلط بَارِد. النّوم الزَّائِد فِي الْعلَّة الَّذِي يعقب اخْتِلَاط عقل ويستعجب برد أَطْرَاف رَدِيء كَمَا أَن النّوم المعقب خفّاً جيد. فصل فِي عَلَامَات رَدِيئَة مَأْخُوذَة من قبل أَعمال الْيَد لقط الزئبر والتعرض إِلَى كل وَقت لشَيْء كَأَنَّهُ يلقطه من نَفسه أَو من الْحَائِط عَلامَة رَدِيئَة وَالسَّبَب فِيهِ أبخرة تصعد إِلَى الدِّمَاغ فتخيل مَا لَيْسَ لانحدارها إِلَى الْعين وَإِلَى الرُّطُوبَة البيضية. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الأوجاع الوجع الشَّديد فِي الأحشاء فِي الحمّيات الحادة عَلامَة رَدِيئَة تدل على احتراق شَدِيد أَو عظم ورم أَو خراج. إِذا كَانَ بِبَعْض الْأَعْضَاء وجع شَدِيد ويسكن بَغْتَة سكوناً تَاما من غير سَبَب فَذَلِك رَدِيء.
(3/126)

فصل: فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الصَّوْت وَالْكَلَام وَالسُّكُوت. الصَّوْت القويّ جيد وَالْكَلَام المنتظم جيّد وَخلاف ذَلِك رَدِيء. وَالسُّكُوت. الطَّوِيل فِي الْأَكْثَر يدلّ على الوسواس أَو على استرخاء عضل اللِّسَان والحنجرة أَو تشنجها أَو ذهَاب التخيّل الَّذِي هُوَ مبدأ الْكَلَام. وَإِذا تكلم الْمَرِيض فِي البُحْران فَهُوَ جيد وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن سكُوت الكليم يدل على ابْتِدَاء أَسبَاب الوسواس أَو شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ. وَكَثْرَة الْكَلَام من السّكيت يدل على ابْتِدَاء هذيان واختلاط الْعقل. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الْعقل الهذيان مَعَ حَرَكَة وضربان فِي الرَّأْس والمنخر سليم وَمَعَ الْوَقار والسكينة قتال. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الحركات كَثْرَة الِاخْتِلَاط والقلق عَلامَة غير جَيِّدَة وتدل على كَثْرَة بخار يرْتَفع إِلَى الرَّأْس توثّب العليل كل سَاعَة وجلوسه دَلِيل رَدِيء وَهُوَ لكرب أَو لاختلاط عقل أَو ضيق نفس وخناق وَذَات رئة وَهُوَ أردأ لأنّه يكون أَكْثَره بِسَبَب الخناق وضيق النَّفس وَإِن كَانَ لأسباب أُخْرَى أَيْضا. وَإِذا ثقلت الْأَعْضَاء عَن الْحَرَكَة أَيْضا فَهُوَ دَلِيل رَدِيء وَإِذا كمدت الأظافير فالموت حَاضر. الرعشة عَلامَة رَدِيئَة إِذا لم يكن لبُحران جيد. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الأوهام فصل فِي أَحْكَام مَأْخُوذَة من التثاؤب والتَمطي التثاؤب والتمطّي يكونَانِ بِسَبَب تَحْرِيك الطبيعة للأعضاء العضلانية ليدفع مِنْهَا الْفضل وَمَا دَامَ الْعُضْو سخيفاً أَو الْمَادَّة قَليلَة مجيبة لم يحْتَج إِلَى ذَلِك بل يحْتَاج إِلَيْهِ لضد ذَلِك وَإِذا كَانَ ذَلِك مَعَ انْتِقَال من حر إِلَى برد فَهُوَ رد الطبيعة وَهُوَ عَلامَة غير رَدِيئَة وَيدل كثيرا على أَن الطبيعة لَيست تقدر على التَّحْلِيل إِلَّا بمعونة الليف لِكَثْرَة الْمَادَّة أَو لضعف الْقُوَّة. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الأحلام كثيرا مَا يرى الْمَرِيض من جنس مَا تبحرن بِهِ فِي رُؤْيَاهُ مثل مَا يرى المبحرن بالعرق أَنه يدْخل الحمّام وَأَنه يتهيأ لَهُ. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الشَّهَوَات والعطش ذهَاب الشَّهْوَة فِي الْأَمْرَاض المزمنة رَدِيء وَفِي الحادة أَيْضا لَكِن
(3/127)

دون ذَلِك. وَبِالْجُمْلَةِ يدل على أخلاط فَاسِدَة أَو موت قوّة نفسانية وطبيعية. وَإِذا بَطل الْعَطش فِي الحميات المحرقة فَهُوَ دَلِيل رَدِيء وخصوصاً مَعَ سَواد اللَّوْن. فصل فِي أَحْكَام واستدلالات من اليرقان اليرقان قبل السَّابِع وَقبل النضج رَدِيء اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتداركه الإسهال على مَا زعم بَعضهم وَبِالْجُمْلَةِ فالبحران قبل السَّابِع لَيْسَ يكون بحراناً مَحْمُودًا وَإِن كَانَ اليرقان بعد السَّابِع أَيْضا لَيْسَ بذلك السَّلِيم مَا لم تقارنه عَلَامَات أُخْرَى. وَإِن عرض يرقان فِي سَابِع أَو تَاسِع أَو رَابِع عشر مَعَ عَلَامَات محمودة وَمن غير آفَة فِي نَاحيَة الكبد أَو صلابة وورم فَهُوَ مَحْمُود وَكَثِيرًا مَا يَقع بِمثلِهِ بحران تَامّ وَيدل على حَمده حَال الْخُف يُوجد بعده وَيدل على رداءته حَال ضد الْخُف. وَمِمَّا يدل على رداءته أَن يكون مَعَ اليرقان اخْتِلَاف مرار كثير يغلي غلياناً وَخُرُوج أَشْيَاء رَدِيئَة محترقة وَفِي مثل هَذَا يكون العليل مخوفا عَلَيْهِ إِلَّا أَن يتداركه إسهال بَالغ منقّ أَو عرق سابغ وَتَكون القوّة قَوِيَّة فَحِينَئِذٍ يكون خف بِسُرْعَة. فصل فِي دَلَائِل مَأْخُوذَة من الأورام إِذا تأدّت الحمّى الحادة إِلَى أورام المغابن والأطراف فَهُوَ رَدِيء أردأ من أَن تكون أَولا تِلْكَ الأورام ثمَّ تتبعها حمّيات بِسَبَب العفونة على أَن ذَلِك أَيْضا رَدِيء. الأورام الَّتِي تحدث فِي أصل الْأذن وَلَا تنضج بتقيح رَدِيء أَو يعقبها استفراغ فَإِن لم يكن شَيْء من ذَلِك وَلم ينضج وَلم يعقبها استفراغ قوي من الاستفراغات فَهُوَ عَلامَة رَدِيئَة. وَلَا يجب أَن يَغُرك أَيْضا النضج إِذا عرض للخراج وَسَائِر الأخلاط غير نضجه فإنّ ذَلِك غير كل بثر وورم يظْهر ثمَّ يغور فَهُوَ رَدِيء إِلَّا أَن يعود فيستدلّ على قُوَّة الطبيعة وَرُبمَا كَانَ الظُّهُور والغؤور مُعْتَاد الْإِنْسَان مَا فِي طَبِيعَته فَلَا تكون دلَالَته شَدِيدَة الرداءة. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من هَيْئَة البثور وَمَا يشبهها البثور الحمّصية السود فِي الحمّيّات الحادة رَدِيء جدا وَإِذا تأكدت هلك صَاحبهَا فِي الثَّانِي كثيرا. اسْتِحَالَة قُرُوح الْبدن إِلَى خضرَة وَسَوَاد وأسمانجونية أَو صفرَة عَلامَة رَدِيئَة والصفرة أخفها. قيل إِذا ظهر على ركبة الْمَرِيض شَيْء أسود مثل الْعِنَب الْأسود وَحَوله أَحْمَر مَاتَ عَاجلا فَإِن امتدّ خمسين يَوْمًا فَإِن عَلامَة مَوته أَن يعرق عرقاً بَارِدًا إِذا ظهر على الوريد الَّذِي فِي الْعُنُق شَبيه بحب الخروع مَعَ خصف أَبيض كثير عرضت لَهُ شَهْوَة الْأَشْيَاء الحارة وَمَات فِي الْعشْرين وَقد ذكرنَا مَا يعرض فِي اللِّسَان من البثور الْمهْلكَة.
(3/128)

قيل إِذا كَانَت حمّى مَا كَانَت وَظهر على أَصَابِع الْيَدَيْنِ جَمِيعًا ورم أسود كحب الكرسنة مَعَ وجع شَدِيد مَاتَ فِي الرَّابِع ويعرض لَهُ ثقل وسبات فَإِن انعقلت الطبيعة مَعَ ذَلِك حدث سرسام وَقد يتعقل حَتَّى يستحجر. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من النافض النافض الْكثير المعاودة فِي حمى صعبة مَعَ ضعف الْقُوَّة مهلك وَمَعَ ثبات الْقُوَّة أَيْضا. إِذا لم تقلع الْحمى بِهِ فَلَيْسَ بجيد وأردأ الْجَمِيع أَن يتبعهُ استفراغ غير منجح لَا تسكن مَعَه الحمّى وَإِن لم يعرض استفراغ أَيْضا فَيدل على أَن الْخَلْط متحرك غَالب معجز عَن دَفعه وَهُوَ رَدِيء وَأما الْعَارِض مرّة وَاحِدَة فَلَا يكَاد يَصح مَعَه فصل الحكم مِنْهُ هَل هُوَ لضعف مفرط من الْقُوَّة أم لغيره فصل فِي أَحْكَام الاستفراغ الاستفراغ النافع بالإسهال والقيء وَغَيره هُوَ الَّذِي بعد النضج وَالَّذِي يستفرغ الْخَلْط الَّذِي يَنْبَغِي وَالَّذِي يكون بسهولة وَالَّذِي يعقبه الْخُف. وَمن عَلَامَات أَن الاستفراغ أفنى الْخَلْط الَّذِي يستفرغه كَانَ بدواء أَو غير دَوَاء أَن يَأْخُذ فِي استفراغ خلط آخر والرديء مِنْهُ أَن يكون وينتقل إِلَى جرد خراطة دم أسود أَو خلط منتن أَو خلط صرف وَكَذَلِكَ فِي الْقَيْء. وَإِذا قصر الاستفراغ بَعْدَمَا أَخذ فَيجب أَن يعان وَإِذا أفرط الاستفراغ وَلم يكن قد بدا النضج فَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يركن إِلَى نَفعه. والاستفراغ الْقَلِيل الضَّعِيف من عرق أَو رُعَاف أَو غَيره يدل على أنّ الطبيعة تحركت وَلم تَقْوَ فَإِن ساءت العلامات الْأُخْرَى دلّ على موت وَإِن لم يسؤ دلّ على طول. فصل فِي أَحْكَام الْعرق العَرَقُ نِغمَ البُحرانُ فِي الْأَمْرَاض الحادة والمزمنة البلغمية أَيْضا ولأصحاب الأورام الخطرة وأورام فصل فِي سَبَب كَثْرَة الْعرق الْعرق يكثر إِمَّا بِسَبَب الْمَادَّة لكثرتها أَو رقتها أَو بِسَبَب الْقُوَّة من اشتداد الدافعة أَو إسترخاء الماسكة أَو بِسَبَب مجاريه إِذا اتسعت لأسباب الاتساع وَثقل الْعرق لأضداد تِلْكَ الْأَسْبَاب والعرق إِذا مسح در وَإِذا ترك انْقَطع. فصل فِي اخْتِلَاف الْأَعْضَاء فِي التعرق وضده الْأَعْضَاء الَّتِي هِيَ أَكثر تعرقاً هِيَ الَّتِي فِيهَا الْمَادَّة الفاعلة للمرض أَكثر والأعضاء الَّتِي لَا تعرق هِيَ الَّتِي لَا مَادَّة فِيهَا أَو الَّتِي غلب عَلَيْهَا شَيْء من أَسبَاب ضيق المسام.
(3/129)

وَمن ذَلِك أَن الْجَانِب الَّذِي ينَام عَلَيْهِ الْمَرِيض قَلما يعرق فِي الْأَكْثَر لِأَنَّهُ منضغط جَاف المجاري لَا تسيل إِلَيْهِ رُطُوبَة وَلَا تسيل عَنهُ. والعرق يكثر فِي الْأَعْضَاء الخلفانية كالظهر أَكثر مِمَّا فِي الْمُقدمَة كالصدر وَيكثر فِي الأعالي أَكثر مِمَّا يعرق فِي الأسافل وخصوصاً فِي الرَّأْس. فصل فِي اخْتِلَاف الْأَحْوَال فِي التعرق وَغَيره النَّوْع أَكثر تعريقاً من الْيَقَظَة لِأَن تصرف الْحَار الغريزي فِي الرطوبات فِيهِ أَكثر وَلِأَن إداء النَّفس فِيهِ أصعب وَذَلِكَ محرك للمواد إِلَى الْبَاطِن قَالَ بقراط: الْعرق الْكثير فِي النّوم من غير سَبَب يُوجب ذَلِك يدل على أَن صَاحبه يحمل على بدنه من الْغذَاء أَكثر مِمَّا يحْتَمل فَإِن كَانَ ذَلِك من وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن الْعرق الْكثير مَعَ صِحَة من الْقُوَّة لَا يكون إِلَّا لِكَثْرَة مَادَّة من حَقّهَا أَن تدفعها الطبيعة وَتلك الْكَثْرَة إِمَّا أَن تكون بِسَبَب قريب وَهُوَ الامتلاء الْقَرِيب. والامتلاء الْقَرِيب هُوَ من المطعومات الوقتية وَمثل هَذَا الامتلاء يَدْفَعهُ الْجُوع أَو الرياضة أَو الْعرق الَّذِي انْدفع بالطبع وَإِمَّا أَن يكون بِسَبَب متقادم بعيد وَهُوَ من الفضول السَّابِقَة وَلَا يُغني فِي مثلهَا إِلَّا الاستفراغ المنقي للبدن مِنْهَا وَأما الْعرق فَإِنَّهُ رُبمَا لم يخرج مِنْهُ إِلَّا اللَّطِيف الرَّقِيق الْقَلِيل وَترك الْفَاسِد العَاصِي فِي الْبدن وغادر الطبيعة تَحت ثقل الْخَلْط الْفَاسِد وَذَلِكَ مِمَّا يضعفها. وَاعْلَم أَنه كلما كَانَت الْحَرَارَة الغريزية أقوى كَانَ التَّحَلُّل أخْفى فَلم يكن عرق إِلَّا أَن تكون أَسبَاب أُخْرَى وَلذَلِك صَار الْعرق خَارِجا عَن الطبيعة لِأَنَّهُ إِمَّا عَن امتلاء وَكَثْرَة وَشدَّة اتساع مسام وَإِمَّا لعجز من الْقُوَّة عَن الهضم الْجيد وَإِمَّا لشدَّة حَرَكَة. فصل فِي الْأَيَّام الَّتِي يكثر فِيهَا الْعرق ويقل أَكثر مَا يكون الْعرق فِي الْأَمْرَاض الحادة فِي الثَّالِث وَالْخَامِس ويقل فِي الرَّابِع بل يقل أَن تبحرن بِهِ هَذِه الْأَمْرَاض فِي الرَّابِع إِلَّا فِي الندرة. وقلما يتَّفق على مَا زعم المجربون أَن يعرق الْمَرِيض فِي السَّابِع وَالْعِشْرين وَالْوَاحد وَالثَّلَاثِينَ وَالرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ. فصل فِي وُجُوه الِاسْتِدْلَال من الْعرق الْعرق يدل بملمسه هَل هُوَ حَار أَو بَارِد ويدلّ بلونه هَل هُوَ صَاف أَو إِلَى الصُّفْرَة أَو إِلَى الخضرة وَيدل بطعمه هَل هُوَ مر أَو حُلْو أَو إِلَى حموضة وَيدل برائحته هَل هِيَ مُنْتِنَة أَو حامضة أَو حلوة أَو غير ذَلِك وَيدل بقوامه هَل هُوَ رَقِيق أَو لزج وَيدل بمقداره هَل هُوَ كثير أَو قَلِيل وَيدل بموضعه هَل هُوَ سابغ أَو قَاصِر وَأَنه من أَي عُضْو هُوَ وَيدل من وقته هَل
(3/130)

هُوَ فِي الِابْتِدَاء أَو الِانْتِهَاء والانحطاط وَيدل بعاقبته هَل يعقب خفا أَو يعقب أَذَى ونافضاً وقشعريرة وَغير ذَلِك. فصل فِي العلامات الْمَأْخُوذَة من جِهَة الْعرق الْعرق الْبَارِد مَعَ حرارة الْحمى عَلامَة رَدِيئَة جدا وخصوصاً مَا اقْتصّ بِالرَّأْسِ والرقبة وينذر بغشي وَإِن لم يكن بَارِد. فَكيف الْبَارِد وَهُوَ أردأ أَصْنَاف الْعرق لِأَنَّهُ يدل على غشي كَانَ لَيْسَ على غشيّ يكون. فَإِن كَانَت الحمّى عَظِيمَة فالموت قريب وَلنْ يكون عرق بَارِد إِلَّا وَقد سَقَطت الْحَرَارَة الغريزية فَلَا تحفظ الرطوبات بل تخلي عَنْهَا فتفرقها وتبخّرها الْحَرَارَة الغريبة ثمَّ تفارقها تِلْكَ الْحَرَارَة لغربتها فيبرد الْعرق الْمُنْقَطع رَدِيء. والعرق الْكثير يدل على طول من الْمَرَض لِكَثْرَة مادته وَلَا يُوَافق صَاحبه الفصد والإسهال لضَعْفه بل الحِقَن اللينة. والعرق إِذا لم يُوجد عَقِيبه خف فَلَيْسَ بعلامة جَيِّدَة فَإِن وجد عَقِيبه زِيَادَة أَذَى فَهُوَ عَلامَة رَدِيئَة وَلَو كَانَ أَيْضا عَاما للبدن والعرق المسارع من أول الْمَرَض رَدِيء يدلّ على كَثْرَة الْمَادَّة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون السَّبَب فِيهِ رُطُوبَة الْهَوَاء لأمطار كَثِيرَة فَيكون مَعَ رداءته أقل رداءة. وَكَثِيرًا مَا يبتدىء الْمَرَض بالعرق ثمَّ تتبعه الْحمى وتطول وَإِذا حدث من الْعرق إقشعرار فَلَيْسَ بجيد بل هُوَ رَدِيء وَذَلِكَ لِأَن الاقشعرار يدل على انتشار خلط رَدِيء مؤذ فِي الْبدن وَذَلِكَ يدل على أَن الْعرق لم ينق بل صرف من الأخلاط الرَّديئَة مَا كَانَ مكسور الحدة لمخالطة رطوبات تحللت بالعرق ويدلّ على أَن الْمَادَّة كَثِيرَة لَا تتحلّل بِمثل الاستفراغ العرقي. وَإِذا ضعفت الْقُوَّة والنبض وَعرض الجبين قَلِيلا فَهُوَ عَلامَة رَدِيئَة فَإِن سقط النبض فَهُوَ موت. الْعرق الْجيد الَّذِي يتَّفق أَن يكون بِهِ البحران التَّام هُوَ الَّذِي يكون فِي يَوْم باحوري وَيكون عَاما للبدن كُله غزيراً ويخفّ عَلَيْهِ الْمَرِيض ويليه الَّذِي لَا يعم إَلا أَنه يعقب خفا وَبِالْجُمْلَةِ يعْقد من الْعرق كيفيته فِي حرارته وبرودته ولونه ورائحته وطعمه وكميته فِي كثرته وقلته وزمان خُرُوجه هَل هُوَ فِي الِابْتِدَاء أَو الِانْتِهَاء أَو الانحطاط وَمَا يقارنه من الحمّى فِي قوته وَضَعفه وَمَا يعقبه من الخفة والثقل. وَاعْلَم أَن الناقه يكثر عرقه بِسَبَب بقايا من مَادَّة وَلَا بَأْس بالفصد الْيَسِير. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من جِهَة النبض النبض المطرقي والنملي والشديد المنشارية أَو الموجيّة رَدِيء وَالْغَزالِيّ مَعَ الضعْف رَدِيء وَالِاخْتِلَاف الَّذِي فِيهِ انْقِطَاع شَدِيد وحركات ضَعِيفَة ثمَّ يتدارك ذَلِك وَاحِدَة أقوى تداركاً غير متدارك بل من حِين إِلَى حِين رَدِيء جدا. دالوا: قَالُوا إِذا كَانَ النبض الْأَيْسَر متواتراً والأيمن متفاوتاً وَذَلِكَ مَعَ ضعف فَهُوَ دَلِيل رَدِيء. وَاعْلَم أَن كثيرا من النَّاس نبضهم الطبيعي مُخْتَلف رَدِيء من غير مرض فَيجب أَن يتعرف هَذَا أَيْضا.
(3/131)

فصل فِي أَحْكَام الرعاف إِن مثل السرسام وأورام الكبد الحارة والأورام الحارة تَحت الشراسيف تبحرن بحراناً تَاما برعاف. أما الأول فَمن أَي منخر كَانَ. وَأما الآخر فَمن الَّذِي يَلِيهِ. وَكَذَلِكَ الحمّيات المحرقة وَهِي من قبيل الأول فَأَما ذَات الرئة فَلَا تبحرن بِهِ وَذَات الْجنب أمره فِيهِ وسط والغبّ قد يبحرن بِهِ وَأكْثر مَا يعرض الرعاف النافع يعرض فِي الْأَفْرَاد وقلما يكون فِي الرَّابِع وَأما فِي الثَّالِث وَالْخَامِس وَالسَّابِع وَالتَّاسِع فَيكون. وَإِذا رُجي من رُعَاف خير وَكَانَ ضَعِيفا أعين على مَا علمه بقراط بصب المَاء الْحَار على الرَّأْس وبالتكميد. كَمَا إِذا خيف إفراطه منع بِالْمَاءِ الْبَارِد وَيُوضَع المحجمة على الشراسيف الَّتِي تليه. وأجود الرعاف مَا ولى الشق العليل والمخالف فَلَيْسَ بذلك الْجيد وَأولى الأورام أَن تبحرن بالرعاف مَا كَانَ فَوق السُّرَّة والورم البلغمي وَالَّذِي يَأْخُذ فِي التحجر وَيطول فتوقع فِيهِ تقيحاً وانفجاراً لَا بحراناً برعاف وَنَحْوه وَلَا تتَوَقَّع فِي بحران الورم الْبَارِد فِي الدِّمَاغ وَفِي ذَات الرئة بحران برعاف. فصل فِي دَلَائِل مَأْخُوذَة من الرعاف الرعاف الْقَلِيل رَدِيء وَأكْثر الرعاف الرَّدِيء هُوَ أسود الدَّم وقلما يكون رُعَاف رَدِيء من دم أَحْمَر مشرق. الرعاف الَّذِي يَقع فِي الرَّابِع يدل على عسر البحران بل الْجيد مِنْهُ مَا يَقع فِي الْأَفْرَاد. فصل فِي دَلَائِل مآخوذة من العطاس العطاس جيد إِذا عرض عِنْد الْمُنْتَهى وَأما فِي أَوَائِله فَهُوَ من أَمَارَات زكام أَو خلط لذاع. فصل فِي أَحْكَام البرَاز قد تكلمنا فِي البرَاز فِي الْكتاب الأول كلَاما كلياً مُخْتَصرا وَلَا بُد لنا من أَن نُشْبعَ القَوْل فِيهِ فضل إشباع وبحسب مَا يَلِيق بالْكلَام فِي الْأَمْرَاض الحادة وَاعْلَم أَن من يعرق عرقاً كثيرا فَلَا يَأْتِيهِ البحران تَامّ بالاختلاف. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من البرَاز إِن اخْتِلَاف ألوان مَا يخرج فِي البرَاز مَحْمُود فِي وَقْتَيْنِ لَا غير أحمدهما إِذا كَانَ الِاخْتِلَاف بحرانياً عقيب نضج فِي يَوْم باحوري وعلامات بحرانية محمودة وَالْآخر عقيب شرب المسهل الْمُخْتَلف الْقوي وَيدل فِي الْحَالين على نقاء للبدن متوقع. وَأما فِي غير ذَلِك فَيدل على احتراق وذوبان وَكَثْرَة أخلاط فَاسِدَة. البرَاز المنتن الشبيه ببراز الصّبيان وعقى الْأَطْفَال رَدِيء. البرَاز المراري من أول الْمَرَض يدلّ على غَلَبَة المرار وَهُوَ غير جيد
(3/132)

وَفِي آخِره عِنْد الانحطاط يدل على أَن الْبدن يستنقي وَهُوَ دَلِيل جيد. وَإِذا انْفَصل البرَاز المراري كثيرا وَلم يخص الْمَرَض فَذَلِك عَلامَة رَدِيئَة. الِاخْتِلَاف الْكثير بعد عَلَامَات رَدِيئَة وَسُقُوط قُوَّة من غير أَن يعقب خفُّا دَلِيل موت وَإِن كَانَت الْحمى مقلعة أَيْضا. الِاخْتِلَاف الَّذِي عَلَيْهِ دسومة لَا عَن تنَاول شَيْء دسم يدل على ذوبان الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة وَهُوَ دَلِيل رَدِيء وَلَيْسَ بمهلك فَرُبمَا كَانَت الدسومة من اللَّحْم فَإِذا صَار عَلَيْهِ شبه الصديد وانشبعت الصُّفْرَة وَغلب النتن وَذَلِكَ فِي الحميات الحادة فَهُوَ مهلك. الِاخْتِلَاف الَّذِي يقف على نواحيه شَيْء رَقِيق يدل على أَنه صديد من الكبد وَهُوَ يلذع وَيخرج البرَاز بِسُرْعَة وَرُبمَا خرج وَحده رَدِيء إِذا كَانَ فِي البرَاز مثل قشور الترمس فِي جَمِيع الْأَمْرَاض فَهُوَ عَلامَة مهلكة. فصل فِي أَحْكَام الْقَيْء قد قُلْنَا أَيْضا فِي الْكتاب الأول فِي الْقَيْء وَمن الْوَاجِب أَن نورد هَهُنَا أَشْيَاء من ذَلِك وَمن غَيره هِيَ أليق بِهَذَا الْموضع فثقول: إِن أَنْفَع الْقَيْء مَا يكون البلغم والمرار المتقيئان فِيهِ شديدي الِاخْتِلَاط وَلَا يكونَانِ شديدي الغلظ وَكلما كَانَ الْقَيْء أصرف فَهُوَ أردأ فَإِن المرار الصّرْف يدل على شدَّة حر والبلغم الصّرْف على شدَّة برد. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الْقَيْء الْقَيْء الْمُخَالف للون الْقَيْء الْمُعْتَاد وَهُوَ الْأَبْيَض المائي والأصفر رَدِيء وَذَلِكَ مثل الْأَخْضَر والكرّاثي خُصُوصا المنتن والسلقي والقاني الْحمرَة والكَمِد وشره الزنجاري وَالْأسود خُصُوصا إِذا تشنج مَعَه فَإِنَّهُ يقتل فِي الْوَقْت إِلَّا أَن تكون هُنَاكَ قُوَّة فَرُبمَا بَقِي إِلَى يَوْمَيْنِ وَيجب أَن تراعي فِي ذَلِك أَن لَا يكون الصَّبْغ عَن شَيْء مَأْكُول إِذا تقيأ جَمِيع هَذِه الألوان فَهُوَ رَدِيء جدا والقيء المنتن رَدِيء والقيء الصّرْف كَمَا ذكرنَا رَدِيء. فصل فِي أَحْكَام الْبَوْل قد سبق منا أقاويل كلَّية فِي الْبَوْل فِي الْفَنّ الَّذِي فِيهِ الْأَعْرَاض فِي الْكتاب الأول وَنحن نورد الْآن من ذَلِك وَمن غَيره مَا هُوَ أليق بِهَذَا الْموضع فَنَقُول أَنه لَا يجب إِذا لم ير فِي الْبَوْل عَلامَة نضج قوي أَن يقْضِي بِالْهَلَاكِ فَأَنَّهُ رُبمَا تخفص الْمَرِيض مَعَ ذَلِك باستفراغ وَاقع من جِهَة مَا بِقُوَّة وَيدْفَع النضج والغير النضج وَرُبمَا تحلل الْخَلْط على طول المهلة أَو بحرن بالخراج وخصوصاً إِذا لم يكن الْخَلْط شَدِيد الرداءة لكنه رَدِيء فِي الْأَغْلَب ودال على قُوَّة الْمَرَض وأقلّ مَا فِيهِ الدّلَالَة على الطول وَكَذَلِكَ الْبَوْل الَّذِي يبْقى على ألوان أَبْوَال الأصحاء فِي أَوْقَات الْمَرَض كلهَا فَإِن أَخذ يتَغَيَّر مَعَ صعُود الْمَرَض فَهُوَ أسلم. وَقد يكون الْبَوْل فِي الْأَمْرَاض الوبائية جيدا طبيعياً
(3/133)

فِي قوامه ولونه ورسوبه وَصَاحبه إِلَى الْهَلَاك. وَاعْلَم أَنه كثيرا مَا يَبُول المرضى أبوالاً رَدِيئَة فِي قوامها ولونها وَغير ذَلِك وَيكون ذَلِك نفضاً بحرانياً خُصُوصا فِي الْأَمْرَاض الحادة الَّتِي يكون سَببهَا الكبد ونواحي الْبَوْل. فصل فِي عَلَامَات بوليّة مَأْخُوذَة من الْقلَّة وَالْكَثْرَة الْبَوْل الَّذِي يبال مرّة قَلِيلا وَمرَّة كثيرا وَمرَّة يحتبس فَلَا يبال عَلامَة رَدِيئَة. فِي الحمّيات الحادة يدل على مجاهدة شَدِيدَة بَين الْمَرَض والطبيعة فيغلب وتغلب وعَلى أغْلظ الْمَادَّة وعسر قبُولهَا للنضج فَإِن كَانَت الحميات هادية أنذر بطول لغلظ الْخَلْط. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من رقة الْبَوْل الْبَوْل الرَّقِيق قد يكون فِي مثل ذيانيطس وَيكون مَعَه دوَام الْعَطش وَسُرْعَة الْقيام وسهولة الْخُرُوج وَقد يكون للفجاجة والسدة الْمَانِعَة لخُرُوج الْمَادَّة وَقد يكون لضعف الْقُوَّة الْمُغيرَة وَلَا يكون مَعَ سهولة الْخُرُوج وَهُوَ أقل ردائة من الذيانيطس. وَإِذا ثَبت الْبَوْل الرَّقِيق فِي الْأَمْرَاض الحادة أَيَّامًا دلّ على اخْتِلَاط. فَإِن عرض الِاخْتِلَاط ودامت الرقة دلّ على موت سريع بِسَبَب أَن الْموَاد تحمل على الدِّمَاغ فيتعطل النَّفس. وَإِذا اسْتَحَالَ إِلَى غلظ لاخف مَعَه فَرُبمَا كَانَ لذوبان الْأَعْضَاء. وَإِذا كثر الْبَوْل المائي عِنْد وَقت صعُود الْحمى الْكُلِّي دلّ على ورم فِي الأسافل يحدث وَانْظُر فِي القوام المخالط للون فِي الْأَبْوَاب الَّتِي بعده أَيْضا. وَاعْلَم أَن الرقة كَأَنَّهَا لَا تجامع السوَاد والحمرة فَإِن رَأَيْت فَاعْلَم أَن السَّبَب فِيهِ شَيْء صابغ أَو شدَّة قُوَّة عَن الْكَيْفِيَّة والمرضية المؤثرة فِي المَاء. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من غلظ القوام وكدورته إِذا اسْتَحَالَ الْبَوْل الرَّقِيق غليظاً فِي حمى لَازِمَة وَكَانَت عَلَامَات جَيِّدَة دلّ على بُحران بعرق فَإِن لم تكن عَلَامَات جَيِّدَة وكانتَ الْحمى شَدِيدَة الإحراق دلّ على اشْتِغَال فِي قلب أَو كبد. وصفاء الْبَوْل الغليظ قبل البحران عَلامَة غير جَيِّدَة فإنذلك يدل على احتباس الْمَادَّة وَعجز الطبيعة عَن دَفعهَا. الْبَوْل الغليظ الكدر الَّذِي لَا يرسب فِيهِ شَيْء وَلَا يصفو يدل على غليان الأخلاط لشدَّة الْحَرَارَة الغريبة وَضعف الغريزية المنضجة فَلذَلِك هُوَ رَدِيء وَالْبَوْل الثخين فصل فِي أَحْكَام الْبَوْل فِي الْأَمْرَاض الحادة الْبَوْل الْأَبْيَض فيِ الحميات الحادة يدل على ميل الْمَادَّة إِلَى غير جِهَة الْعُرُوق وآلات الْبَوْل فَرُبمَا مَالَتْ إِلَى الدِّمَاغ فَكَانَ صداع
(3/134)

وسرسام وَرُبمَا مَالَتْ إِلَى بعض الأحشاء فَدلَّ على ورم فَإِن كَانَت عَلَامَات سَلامَة فتدل على أَنَّهَا تخرج فِي الْأَقَل بالقيء وَفِي الْأَكْثَر وخصوصاً إِذا لم تكن عَلامَة قيء بالإسهال فيعقب سحجاً. وَإِذا كَانَ الْبَوْل أَبيض رَقِيقا فِي الحمّى الحادة ثمَّ عرض لَهُ الكدورة والغلظ مَعَ بياضه دلّ على تشنجٍ وَمَوْت. فصل فِي الْبَوْل الْأسود فِي الحميات الحادة إعلم أَنه لَيْسَ يَصح الحكم بِالْجَزْمِ بِالْهَلَاكِ لسواد الْبَوْل فِي الْأَمْرَاض الحادة وَإِن كَانَ فِي نَفسه عَلامَة رَدِيئَة وَإِن صحبته أَيْضا عَلَامَات أُخْرَى رَدِيئَة. إِذا رَأَيْت الْقُوَّة قَوِيَّة وقادرة على استفراغات مُخْتَلفَة من كل جنس يعقبها استراحة كَمَا يعرض للنِّسَاء إِذا استفرغن بالطمث أَيْضا أخلاط رَدِيئَة وَلذَلِك هَذَا من النِّسَاء أسلم لِأَنَّهُنَّ رُبمَا كُن يستفرغن مثل هَذِه الْمَادَّة من طمث الْحيض. وَاعْلَم أَن الْبَوْل الْأسود كلما كَانَ أقل فَهُوَ شرٌ يدل على فنَاء للرطوبة وَأَيْضًا كلما كَانَ أغْلظ فَهُوَ شَرّ فِي الْأَمْرَاض الحادة. وَإِذا كَانَ الْأسود إِلَى الرقة واللطافة وَفِيه ثقل مُتَعَلق ورائحته حادة فِي الحميات الحادة أنذر بصداع واختلاط وَأصْلح أَحْوَاله أَنه يدل على رُعَاف أسود لِأَن الْمَادَّة حادة غالبة وَرُبمَا كَانَ مَعَه عرق للحرارة إِذا لم تفرط وَلم تقل وَدفعت نَحْو العضل ويتقدم عرقه قشعريرة وَإِذا قَارن البولَ الْأسود الَّذِي فِيهِ تعلق أسود مستدير مُجْتَمع عدم رائحةٍ وتمدد فِي الجبتين وورمٌ تَحت الشراسيف وعرق دلّ على الْمَوْت. وَمثل هَذَا التمدد فِي الشراسيف يدل على التشنج. وَمثل هَذَا الْعرق يكون من ضعف. وَالْبَوْل الرقيقي المائي الَّذِي إِلَى السوَاد يدل لرقته على طول الْمَرَض ولسواده على رداءته. وَقيل فِي الأبوال السود اللطيفة أَن صَاحبهَا إِذا اشْتهى الطَّعَام مَاتَ. وَالْبَوْل الرَّقِيق الْأسود إِذا اسْتَحَالَ إِلَى الشقرة والغلظ وَلم يصحب ذَلِك رَائِحَة دلّ على علةٍ فِي الكبد وخصوصاً على يرقان لِأَن هَذِه الاستحالة الَّتِي إِلَى الغلظ عَن الرقة وَإِلَى الشقرة عَن السوَاد تدل على نُقْصَان حرارة وَوُقُوع هضم وَذَلِكَ مِمَّا يَصْحَبهُ أَو يعقبه الخص فَإِن لم يكن كَذَلِك دلّ على مَادَّة قد لحجت فِي الكبد لَيست تستنقي وَقد أحدثت سدداً بل إِن كَانَت حارة فكأنك بهَا وَقد أحدثت ورماً. وَالْبَوْل اللَّطِيف الْأسود الَّذِي يبال فِي الحميات الحادة قَلِيلا قَلِيلا فِي زمَان طَوِيل إِذا كَانَ مَعَ وجع الرَّأْس والرقبة يدل على ذهَاب الْعقل بتدريج وَهُوَ فِي النِّسَاء أسلم. فِي بَوْل الْأَمْرَاض الحادة إِذا كَانَ الْبَوْل مَعَ الْحمرَة رَقِيقا دلّ مَعَ العلامات المحمودة على سرعَة البحران وَمَعَ أضدادها
(3/135)

على سرعَة الْمَوْت وَبِالْجُمْلَةِ يدلّ على التهاب شَدِيد. والرقة مَعَ الْحمرَة تدل فِي الْأَمْرَاض الحادة على الصداع والاختلاط. الْبَوْل الْأَحْمَر الغليظ فِي الْأَمْرَاض الحادة إِذا كَانَ خُرُوجه قَلِيلا قَلِيلا ومتواتراً وَكَانَ مَعَ نَتن دلّ على خطر لِأَنَّهُ يدلّ على حرارة شَدِيدَة واضطراب وَعجز طبيعة وَإِذا كَانَ غزير الْخُرُوج كثير الثّقل دلّ على الإفراق وخصوصاً فِي الحميات المختلطة. وَالَّذِي يَبُول الدَّم الصّرْف فِي الحادة قتّال لِأَنَّهُ يدل على امتلاء دموي شَدِيد مَعَ حِدة غليان وَيخَاف من مثله الأختناق الَّذِي يكون من امتلاء تجاويف الْقلب إِن مَال إِلَى الْقلب أَو السكتة إِن مَال إِلَى الدِّمَاغ. وَالْبَوْل الْأَحْمَر جدا إِن اسْتَحَالَ فِي الحميات الإعيائية إِلَى الغلظ ثمَّ ظهر ثقل كثير لَا يرسب وَكَانَ هُنَاكَ صداع دلّ على طول من الْمَرَض لِأَن الْمَادَّة عاصية فَلذَلِك لم تغلظ أَولا فَلَمَّا غلظت لم ترسب بِسُرْعَة لَكِن بحرانه يكون بعرق لِأَن الْمَادَّة مائلة إِلَى الْعُرُوق وَمثل هَذَا الْبَوْل يشبه اليرقاني ويفارقه بِأَنَّهُ لَا يصْبغ الثَّوْب. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْبَوْل الأحمرَ الْجَوْهَر الأحمرَ الثفلِ يدل على النهوة والفجاجة وَيدل على طول خُصُوصا إِذا كَانَت الْحمرَة لَيست بشديدة وَهِي إِلَى الكدورة. الْبَوْل الْأَشْقَر فِي الحمّى الحادة إِذا اسْتَحَالَ إِلَى الْبيَاض أَو إِلَى السوَاد فَهُوَ رَدِيء لِأَنَّهُ يدل بالبياض على تصعد الْمَادَّة إِلَى الرَّأْس وبالسواد على احتداد كَيْفيَّة الْمَرَض. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من الرسوب الرسوب الْمُخْتَلف فِي القوام واللون الَّذِي يدل على كَثْرَة الأخلاط الْمُخْتَلفَة رَدِيء وأردؤه مَا كَانَ أَصْغَر أَجزَاء فَيدل على أَن الطبيعة لم تقدر على الدّفع إِلَّا بعد أَن تصغّرت الْأَجْزَاء. والملاسة كثيرا مَا تكون أدل على الْخَيْر من الْبيَاض فكثيراً مَا يعِيش من ثفله إِلَى الْحمرَة لكنه أملس وَيَمُوت من ثقله إِلَى الْبيَاض وَهُوَ مُخْتَلف جريش فَإِن صلوح القوام أَشد تسهيلاً لقبُول الاندفاع من صلوح اللَّوْن وَيدل أَيْضا على أَن الأخلاط لم تنفعل عَن الْمَرَض كثيرا. كَمَا أَن الرسوب الْجيد إِذا صغرت أجزاؤه دلّ على أَن الطبيعة قد فعلت فِيهِ جدا وَالْمَرَض لم يفعل فِيهِ. والرسوب الرغوي الزُّبْدِيُّ الَّذِي بياضه لمخالطة الْهَوَاء لَهُ هُوَ رَدِيء جدا خَارج عَن الطبيعة والخام رَدِيء. والرسوب المستدق الأعالي المتحركها أفضل من الرسوب الجامد المسطح الْأَعْلَى وأدل على أَن الْمَرَض سريع الْمُنْتَهى حاد. والرسوب الَّذِي لم تسبقه رقة وفقد ثفل بل هُوَ مَوْجُود من الِابْتِدَاء يدل على أَن الْخَلْط كثير لَا على أَنه نضيج بل يجب أَن يَجِيء الرسوب بعد أَوَان النضج.
(3/136)

وَبعد أَن يكون الْبَوْل رَقِيقا فِي الأول وَبعد أَن يكون الرسوب قَلِيلا وَمَا لم يكن كَذَلِك دلّ على أَن الْمَادَّة الغليظة الثفلية كَثِيرَة وَأَن الْمَرَض يقتل. وَكَذَلِكَ شدَّة الصَّبْغ من غير الرسوب لَا يدل على خير ونضج وَقد يعرض ذَلِك للألم ولشدة الْحَرَارَة وللجوع فَإِن الجائع يزْدَاد صبغ بَوْله وَثقل ثفله. والرسوب الْأَحْمَر يدل على كَثْرَة الدَّم وعَلى تَأَخّر النضج ويصحبه فِي الحميات المحرقة كرب وغم وَإِذا امْتَدَّ إِلَى الْأَرْبَعين طَالَتْ الْعلَّة وَلم يرج البحران فِي السِّتين أَيْضا. الثفل الْأَحْمَر الْمُتَعَلّق الَّذِي فِيهِ ميل إِلَى فَوق إِذا كَانَ فِي بَوْل لطيف فَإِنَّهُ يدل فِي الْأَمْرَاض الحادة على اخْتِلَاط الْعقل فَإِن دَامَ خيف العطب فَإِن أَخذ الْبَوْل قواماً إِلَى الغلظ وَأخذ التَّعَلُّق يرسب ويبيض دلّ على السَّلامَة. الرسوب الَّذِي على هَيْئَة قطع اللَّحْم فِي الحميات الحادة بِلَا دَلَائِل النضج يدلّ على أَنَّهَا من انجراد الْأَعْضَاء وَلَيْسَ من الْكُلِّي. وَإِذا كَانَ هُنَاكَ نضج وَلم تكن حمى دلّ على مَا علمت من حَال الْكُلِّي وَالَّذِي يشبه قشور السّمك وَلَا عَلامَة نضج والحمّى حادة هُوَ من جرد الحمّى للعصب وَالْعِظَام وَالْعُرُوق وَفِي غير ذَلِك يكون من المثانة والنخالي يدل على مثل ذَلِك وعَلى أَن الحمّى أخفت تجرد من عمق وَيفرق بَينه وَبَين المثاني أَنه يكون فِي المثاني مَعَ عَلَامَات ألم المثانة وَمَعَ النضج وَمَعَ غلظ. فصل فِي عَلَامَات مَأْخُوذَة من أَحْوَال تَجْتَمِع لسَبَب دَلَائِل شَتَّى من اللَّوْن والقوام وأولها فِي الأبوال الدهنية. الْبَوْل الدهني هُوَ الَّذِي لَونه وقوامه يشبه لون الدّهن وقوامه وَإِن كَانَ رديئاً فَإِنَّهُ إِذا دلّت الدَّلَائِل الْأُخْرَى على السَّلامَة لم يكن مَعَه مَكْرُوه لَكِن الرسوب إِذا كَانَ زيتياً فَهُوَ رَدِيء جدا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الزيتي الْخَالِص رَدِيء وَهُوَ الَّذِي يُرِيك لون الدّهن مَعَ صفرَة وخضرة. وَإِذا كَانَ الزيتي عارضاً بعد الْبَوْل الْأسود فَهُوَ دَلِيل خير على مَا شهد بِهِ روفس الْحَكِيم. وأردأ الزيتي مَا كَانَ فِي أول الْمَرَض. وَإِذا دلّت الدَّلَائِل على الرداءة وبيل بَوْل زيتي فِي الرَّابِع أنذر بِمَوْت العليل فِي السَّادِس. وَالْبَوْل الَّذِي يتَغَيَّر دفْعَة من عَلَامَات محمودة إِلَى عَلَامَات مذمومة يدل فِي الْأَمْرَاض الحادة على الْمَوْت لِأَنَّهُ يدل على سُقُوط الْقُوَّة بَغْتَة لصعوبة الْأَعْرَاض. الْبَوْل الدهني رُبمَا دلّ على اخْتِلَاط الْعقل لِأَنَّهُ كَائِن عَن جفاف الْبَوْل الَّذِي فِيهِ قطع دم جامد فِي حدى حادة إِذا كَانَ مَعَه يبس لِسَان عَلامَة رَدِيئَة فَإِن كَانَ أسود مَعَ ذَلِك فَذَلِك أردأ وَلَيْسَ يسيل الدَّم فِي الْبَوْل فِي حمى حادة إِلَّا لشدَّة حرافته وتفجير الأوعية والجداول وجموده لشدَّة حرارته.
(3/137)

الْبَوْل الْأَبْيَض الرَّقِيق الَّذِي فِيهِ زبد وسحابة صفراء يدل على خطر شَدِيد لما يدل عَلَيْهِ من الْبَوْل الرَّقِيق الْأَشْقَر فِي ابْتِدَاء الحميات الحادة إِذا اسْتَحَالَ إِلَى الغلظ وَإِلَى الْبيَاض ثمَّ بَقِي متكدراً متعكراً كبول الْحمار وَأخذ يخرج من غير إِرَادَة وَكَانَ هُنَاكَ سهر وقلق دلّ على تشنج فِي الْجَانِبَيْنِ يعقبه موت. إِن لم تكن عَلَامَات جَيِّدَة يغلب عَلَيْهَا فَإِن الْبَوْل مَا كَانَ ليرق مَعَ الشقرة إِلَّا لغَلَبَة الصفراوي الْحَار وَمَا كَانَ ليغلظ ويخثر إِلَّا لصعوبة من الْمَرَض واضطراب فِي أَحْوَال الْمَادَّة وَقَالُوا: الْبَوْل الْقَلِيل الَّذِي بلون الدَّم رَدِيء لاسيما إِن كَانَ بالمحموم عرق النسا. فصل فِي عَلَامَات رَدِيئَة من جِهَة كَيْفيَّة اثفصال الْبَوْل إِذا كَانَ لَا يُمكن المحموم الحاد الْحمى أَن يَبُول إِلَّا قَلِيلا مَعَ وجع من غير قرحَة أَو ورم فِي آلَات الْبَوْل وَمَعَ تَوَاتر من النبض وَضعف فَهُوَ عَلامَة رَدِيئَة. إِذا احْتبسَ الْبَوْل فِي حمى حادة وَشدَّة صداع وَكَثْرَة عرق دلّ على كزاز. الْبَوْل الَّذِي يقطر قطراً فِي حمى سَاكِنة يدل على الرعاف فَإِن كَانَت الْحمى حادة محرقة دلّ على حَال رَدِيئَة أَصَابَت الدِّمَاغ وان كَانَت هادئة دلّ على كَثْرَة الامتلاء وَضعف الطبيعة عَن الدّفع. وَالْبَوْل الْخَارِج فِي الحمّيات الحادة من غير إِرَادَة سَببه ضعف قُوَّة وَآفَة فِي الدِّمَاغ وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا لتَصْعَد مَادَّة حادة مسخنة إِلَى الدِّمَاغ فتشركه الْأَعْضَاء العضلية. المائي وَالْأسود والمنتن والغليظ رَدِيء وَالَّذِي يبرز من أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ كالدخان مهلك عَن قريب وَأَيْضًا الدسم الَّذِي لَونه لون مَاء اللَّحْم مَعَ نَتن غَالب قتّال. فصل فِي عَلَامَات رَدِيئَة فِي المرضى من أَجنَاس مُخْتَلفَة رداءتها من قبل اجتماعها فِي المحمومين وَغَيرهم. وَإِذا اجْتمع الْقَيْء والمغص واختلاط الْعقل فَتلك عَلامَة قتّالة. إِذا اخْتلفت تغايير الْبدن فِي الملمس وَفِي اللَّوْن وَفِيمَا يتقيأ وَفِيمَا يستفرغ دلّ ذَلِك على أَن الطبيعة ممنوة بأخلاط مُخْتَلفَة وأمراض مُخْتَلفَة تحْتَاج إِلَى مقاومتها كلهَا وَذَلِكَ مِمَّا يعجزها لَا محَالة. وَإِذا اجْتمع فِي حمى غير مُفَارقَة برد الظَّاهِر واحتراق الْبَاطِن واشتداد من الْعَطش مَعَ ذَلِك فَذَلِك قتال. وَإِذا اجْتمع مَعَ صرير الْأَسْنَان تَخْلِيط فيالعقل فالمريض مشارف للعطب. إِذا عرض دفْعَة بِمَرَض إسهال سَوْدَاء مَعَ حرقة ولذع وألم محرق فِي بَطْنه وخفقان وَغشيَ فَهُوَ عَلامَة موت.
(3/138)

إِذا عرق الجبين عرقاً بَارِدًا واصفرّت الْأَظْفَار واخضرت وتغيرت وورم اللِّسَان وَظهر عَلَيْهِ وعَلى الْبدن بثر غَرِيب فالموت قريب. إِذا كَانَ فِي نواحي الشراسيف ضَرْبَان واختلاج مَعَ حمّى ثمَّ كَانَت الْعين مَعَ ذَلِك تتحرك حَرَكَة مُنكرَة فَيجب أَن توقّع داعة حَال لِأَن هَذِه الْحَال تدل على ريَاح نافخة. والضربان يكون لورم شَدِيد ولشدة نبض الْعرق الْكثير والنبض الشَّديد الضَّرْب المتلاحق الْعَظِيم جدا يصحب الْجُنُون يجب أَن يتَأَمَّل فَرُبمَا كَانَ بِهِ الضربان والاختلاج لَيْسَ بغائص إِلَى الأحشاء بل فِي ظَاهر المراق وَذَلِكَ غير ضار وَإِن كَانَ بِهِ ورم إِلَّا أَن تفرط جدا فِي عظمه. فَإِن دَامَت هَذِه الْحَال عشْرين يَوْمًا وَلم يسكن الورم والحمى دلّ على انفتاح وَرُبمَا سلم الْمَرِيض من ذَلِك ببول غزير أَو انْتِقَال مَادَّة إِلَى الْأَطْرَاف وخصوصاً الرجلَيْن. الَّذين ضعفوا من أمراض إِذا عرض لَهُم نفس متواتر وَغشيَ فقد قربوا من الْمَوْت وَلَا يزِيدُونَ على أَربع سَاعَات. وَإِذا كَانَ بِإِنْسَان حمى محرقة فَوجدَ خفا وَسُكُون حرارة بَغْتَة من غير بحران ظَاهر باستفراغ أَو انْتِقَال وَلَا بطفية بَالِغَة وَلَا انْتِقَال من هَوَاء إِلَى هَوَاء فِي بلد وَاحِد أَو بلدين وَسكن مَا كَانَ فِي النبض من سرعَة وَوجد كالراحة فاحكم أَنه يَمُوت سَرِيعا. إِذا كَانَ بِإِنْسَان حمّى وخفق قلبه بَغْتَة وَأَخذه الفواق وانعقل بَطْنه بِلَا سَبَب مَعْرُوف مَاتَ. إِذا كَانَ بَوْل من بِهِ مرض حاد أَولا أشقر لطيفاً ثمَّ غلظ ثمَّ تثور وابيض وَبَقِي متثوراً كَذَلِك وَكَأَنَّهُ بَوْل الْحمار وَصَارَ يبال بِغَيْر إِرَادَة وَكَانَ سهر وقلق دلّ على تمدد يظْهر فِي الْجَانِبَيْنِ ثمَّ يَمُوت. قيل إِذا كَانَ الْبَوْل مرياً أَو قد كَانَ أَبيض قبل ذَلِك وَعَلِيهِ كالزبد ثمَّ يسيل من المنخرين دم أسود فَذَلِك شرّ ورديء وَمن العلامات الرَّديئَة الَّتِي ذكرهَا قوم من الْأَطِبَّاء وَلَا يتَوَجَّه الْقيَاس إِلَيْهَا إِلَّا بعسر مَا قيل أَنه إِن ظهر بِإِنْسَان على الوريد الَّذِي فِي عُنُقه بثر يشبه حب القرع مَعَ حصف أَبيض كثير وَعرضت لَهُ شَهْوَة الْأَشْيَاء الحارة مَاتَ. وَقيل: إِن ظهر بِإِنْسَان بصدغه الْأَيْسَر بثر أَحْمَر صلب واعترى صَاحبه مَعَ ذَلِك حكة شَدِيدَة فِي عَيْنَيْهِ مَاتَ فِي الْيَوْم الرَّابِع. وَقيل: من ظهر بِهِ بثر كالعدس من تَحت عَيْنَيْهِ مَاتَ فِي الْيَوْم الْعَاشِر وَصَاحب هَذَا الْوَجْه يَشْتَهِي الْحَلْوَاء. قيل: أَيَّة عِلّة شَدِيدَة عرضت بَغْتَة ثمَّ تبع ذَلِك قيء أَو خَلفه فَهُوَ دَلِيل موت. قيل: إِنَّه إِذا عرض للمحموم وَغَيره أورام وقروح لينَة ثمَّ ذهب عقله مَاتَ. قيل: إِنَّه إِذا كَانَ بالإنسان ترفل فِي وَجهه وَيَديه وَلم يكن بِهِ وجع وَعرض لَهُ فِي أَوَائِل ذَلِك حكة فِي أَنفه مَاتَ فِي الثَّانِي أَو الثَّالِث. قيل: إِنَّه إِذا كَانَ لإِنْسَان على ركبته مثل الْعِنَب المدور وَكَانَ ذَلِك أسود وَحَوله أَحْمَر مَاتَ عَاجلا إِلَّا أَنه ينْتَظر خمسين يَوْمًا وعلامة مَوته أَن يعرق عرقاً بَارِدًا جدا.
(3/139)

فصل فِي عَلَامَات طول الْمَرَض إعلم أَن طول الْمَرَض يكون لغلظ فِي الأحشاء أَو تَخْلِيط فِي التَّدْبِير وعَلى كل حَال تضعف فِيهِ الْمعدة لِأَنَّهُ يهزلها وعلامته: بطء النضج المستدن عَلَيْهِ أَو بطء الرسوب للثفل الْمُتَعَلّق أَو عوام الرسوب الْأَحْمَر وَأَيْضًا فَإِن قلَّة ظُهُور الضمور يدل على طول الْعلَّة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ. مَعَ حِدة الْمَرَض نبض عَظِيم وَوجه سمين وشراسيف منتفخة لَيست تضمر دلّ على قلَّة تحلّل وَطول مرض. إِذا جَاءَت أَعْلَام البُحران قبل النضج فَإِن لم تسْقط الْقُوَّة وَلم تظهر أَعْلَام الْمَوْت فالمرض يطول. وَاعْلَم أَن تهاويل البحران وآلامه إِذا لم تَنْفَع وَلم تضر وَبقيت الْأَحْوَال بِحَالِهَا فالمرض طَوِيل وَكَثْرَة الاختلاج فِي الْمَرَض يدل على طوله وخصوصاً إِذا ابْتَدَأَ من أول الْأَمر وَأما فِي آخِره فَهُوَ أصلح وَكَثْرَة الْعرق تدلّ على طوله. وَإِذا صحب الاستفراغات القليلة الَّتِي تدل على تَحْرِيك الطبيعة للمادة وعجزها عَن دَفعهَا بالتمام كَانَت عرقاً أَو رعافاً أَو غير ذَلِك عَلَامَات أُخْرَى جَيِّدَة أَو عدم عَلَامَات رَدِيئَة على طول. وَإِذا بَقِي الرسوب الْأَحْمَر إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا أنذر بطول حَتَّى لَا يُرْجَى البُحران والانقضاء وَلَا إِلَى سِتِّينَ. الِاحْتِلَام فِي أول الْمَرَض يدل على طول. إِذا رَأَيْت عَلَامَات طول الْمَرَض فِي الْأَيَّام الْمُتَقَدّمَة فَلَيْسَ دلالتها كدلالتها بعد ذَلِك. وَإِذا رَأَيْت مَا يضاد تِلْكَ العلامات يكَاد يظْهر فِي وسط الْأَيَّام وَفِي أواخرها فَتَأمل حكم الْإِنْذَار لتعلم أَنَّهَا فِي أَي يَوْم كَانَت وَذَلِكَ الْيَوْم بِأَيّ يَوْم تنذر وراع الشَّرَائِط الْمَذْكُورَة فِيهِ وَتَأمل حَال الْقُوَّة وَالسّن والفصل والمزاج وَحَال حركات الْمَرَض فِي كيفها وكمها وتقدمها وتأخرها وأوقاتها وخصوصاً فِي منتهيات الحميات الحادة وطولها وقصرها هَل هِيَ إِلَى الْحَرَكَة أَو إِلَى السّكُون فاحكم بِقَدرِهِ. فصل فِي عَلَامَات أَن الْمَرَض يَنْقَضِي ببحران أَو تحلل إِذا كَانَت الْقُوَّة وَالْمَرَض حاداً والنوائب متزايدة فِي الْكمّ والكيف وَالسّن والمزاج أَو الْفَصْل مِمَّا تميل إِلَى التحريك دون التسكين وللنضج وضده عَلَامَات مستعجلة فَإِن الْمَرَض يَنْقَضِي ببحران. فَإِن كَانَت الْأَشْيَاء بالضد وعلامات البطء مَوْجُودَة فالمرض يطول فَيقْتل بتحلل أَو يَزُول بتحلل وَإِن اخْتلفت كَانَت البحرانات نَاقِصَة ومتأخرة وانتقالية. وَأما الْمَوْت والحياة فيستدل عَلَيْهِمَا بأحوال الْقُوَّة وعلامات تعين كل وَاحِد من الْأَمريْنِ وتقتضيه.
(3/140)

فصل فِي أَحْكَام النُّكس أردأ النكس مَا كَانَ أسْرع وَكَانَ مَعَ قُوَّة أَضْعَف ويصحبه لَا محَالة إِذا كَانَت الصُّورَة هَذِه الصُّورَة عَلَامَات العطب. وَلِأَن يَقع النكس بخطأ من التَّدْبِير أسلم من أَن يَقع من تِلْقَاء نَفسه مَعَ صَوَاب التَّدْبِير. وَمن الْخَطَأ فِي ذَلِك سقِِي المسخنات والأدوية الَّتِي يُرَاد بهَا جودة الشَّهْوَة والهضم مثل الخلنجبين العسلي وأقراص الْورْد وَنَحْوهَا. والبقايا الَّتِي تبقى بعد البحران تجلب نكساً عَاجلا إِلَّا أَن تتدارك. والنكس شَرّ من الأَصْل لِأَن الوبال عَائِد والقيم معيٍ. فصل فِي عَلَامَات النكس وَمن لم تسكن حمّاه ببحران تَامّ وَفِي يَوْمه خيف عَلَيْهِ النكس فَإِن كَانَ سكونها بِلَا بحران الْبَتَّةَ فَلَا بُد من نكس وخصوصاً إِذا كَانَ البحران بِمثل جدري أَو يرقان أَو جرب وَبِالْجُمْلَةِ بِسَبَب جلدي. وَقد يسْتَدلّ على نكس يكون من ضعف الْقُوَّة والشهوة والغثيان وخبث النَّفس وَقلة الهضم وَفَسَاد الطَّعَام فِي الْمعدة إِلَى حموضة أَو دخانية وانتفاخ من الشراسيف ونواحي الكبد وَالطحَال وَفَسَاد النّوم وَطول السهر وَشدَّة الْعَطش وَشدَّة تهيج الْوَجْه خُصُوصا عَلامَة عَظِيمَة وخصوصاً فِي الجفن الْأَعْلَى وخصوصاً تورمه وبقائه كَذَلِك مَعَ انحلال تهيج الْوَجْه وَمِمَّا يدل عَلَيْهِ أَن لَا يحسن قبُول الْبدن للطعام وَلَا يَزُول بِهِ هزاله وخصوصاً إِذا كَانَت هَذِه الْأَعْرَاض الرَّديئَة تظهر أَو تشتد فِي أَوْقَات نَوَائِب الْمَرَض الَّذِي كَانَ. وَقد يسْتَدلّ على النكس من النبض إِذا بَقِي فِيهِ تَوَاتر وَسُرْعَة. وَمن غؤر الخراجات البحرانية وغيبتها وَمن الْبَوْل إِذا بَقِي فِيهِ صبغ كثير من صفرَة أَو شقرة وَحُمرَة أَو كَانَ فجالاً تعلق فِيهِ وَلَا رسوب لماذا لم يشبه بَوْل العليل بَوْله الطبيعي. وَبَعض الْفُصُول أدل على النكس من بَعْضهَا مثل الخريف فَإِنَّهُ يَقع فِيهِ النكس أَكثر مِمَّا يَقع فِي سَائِر الْفُصُول وجنس الْمَرَض أَيْضا يعين فِي الدّلَالَة على النكس مثل الحميات الورمية إِذا خلفت حرارة وتلهباً فِي الأحشاء وَمثل الصرع والسمر وأوجاع الكلى والكبد وَالطحَال والسعفة والبيضة والنوازل وَمَا يتَوَلَّد عَنْهَا من الرمد وَغَيره وأمراض النَّفس. فصل فِي أَسبَاب الْمَوْت الْمَوْت يكون إِمَّا بِسَبَب يفْسد بِهِ مزاج الْقلب وَإِمَّا بِسَبَب تنْحَل بِهِ الْقُوَّة فتطفأ. والكائن بِسَبَب يفْسد بِهِ مزاج الْقلب إِمَّا ألم شَدِيد وَإِمَّا كَيْفيَّة مفرطة من
(3/141)

الكيفيات الْمَعْلُومَة وَإِمَّا كَيْفيَّة غَرِيبَة تَسْمِيَة وَإِمَّا احتباس مَادَّة النَّفس. والمبرسمون فِي الْأَكْثَر يموتون لعدم التنفس وَلذَلِك يجب أَن لَا يتْركُوا مستلقين وَلَا يتْركُوا أَن تَجف حُلُوقهمْ. فصل فِي أَصْنَاف الْمَوْت الَّذِي يعرض فِي أَوْقَات الحميات وعلامة كَيْفيَّة موت العليل. من ذَلِك الْمَوْت الَّذِي يعرض مَعَ ابْتِدَاء نوبَة الْحمى فِي تزايدها أَو دورها وَأَكْثَره فِي حميات الأورام الْبَاطِنَة حِين ينصت إِلَيْهِ فضل دفْعَة. وَفِي الْأَمْرَاض الخبيثة الَّتِي تنهزم عَنْهَا الطبيعة أول مَا تتحرك بِقُوَّة لَا سِيمَا إِن كَانَت ضَعِيفَة. وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ كالخنق وكإطفاء الْحَطب الْكثير النَّار وَمن ذَلِك الْمَوْت فِي مُنْتَهى نَوَائِب الْحمى لانهزام الطبيعة عَن الْمَرَض. وَالثَّالِث: الْمَوْت الْكَائِن فِي الانحطاط وَهُوَ قَلِيل نَادِر وَأَكْثَره فِي الانحطاط الجزئي دون الْكُلِّي وَالسَّبَب فِيهِ أَن الطبيعة تكون فِيهِ كالآمنة وتنتشر الْحَرَارَة وتتفرق وتفارق الماسك الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْأَوْقَات الأول وَأَكْثَرهم يموتون بالغشي وَدفعه وَبَعْضهمْ يَمُوت بتدريج. وَرُبمَا كَانَ الانحطاط انحطاط دورٍ لاسترخاء الْقُوَّة وتحلل الْحَرَارَة الغريزية فيظن انحطاطاً حَقِيقِيًّا. النبض فِي الانحطاطين مُخْتَلف فَإِنَّهُ فِي الْحق يقوى وَفِي الْبَاطِل يسترخي وَفِي الْحَقِيقِيّ يَسْتَوِي وَفِي الْبَاطِل يخْتَلف وَيخرج عَن النظام. وَأما فِي الانحطاط الكلّي فَلَا يَمُوت إِلَّا لأسباب عنيفة من خَارج تطرأ على الْمَرِيض وَهُوَ ضَعِيف مثل حَرَكَة أَو قيام أَو غضب وَقد يعرض مثل هَذَا أَيْضا للْأولِ ويسبق مثل هَذَا الْمَوْت عرق لزج يسير. وَكَثِيرًا مَا يَمُوت الْإِنْسَان فِي الجدري فِي انحطاط وَكَثِيرًا مَا يتقدمه عرق غير مستو وَإِلَى الْبرد وَرُبمَا كَانَ فِي الرَّأْس والرقبة وَحده أَو فِي الصَّدْر وَحده. وَإِذا كَانَ الْجلد فِي النزع يَابسا ممتداً فَلَا يكون الْمَوْت بعرق وبضده يكون بالعرق. لَكِن أَكثر الْمَوْت فِي الْأَمْرَاض القتالة يكون من وَجه مَا فِي الْوَقْت الَّذِي يكون البحران الْجيد فِي الْأَمْرَاض السليمة مثل أَنه إِن كَانَت الْعلَّة فِي الْأزْوَاج وَاعْلَم أَن المحرقة وَمَا يشبهها تجلب الْمَوْت عِنْد الْمُنْتَهى من النّوبَة وتحدث مَعَه أَعْرَاض رَدِيئَة من اخْتِلَاط الْعقل واشتداد الكرب أَو السبات والضعف عَن احْتِمَال الْحمى ثمَّ يحدث صداع وظلمة عين ووجع فؤاد وقلق. والبلغمية تجلب الْمَوْت فِي أول النّوبَة وَحِينَئِذٍ يكون الْبرد متطاولاً وَلَا يسخن والنبض صَغِيرا جدا ردياً ويشتد السبات والكسل وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن كل ذَلِك يجلب الْمَوْت فى السَّاعَة الَّتِي يشتدّ فِيهَا على الْمَرِيض أَكثر ابْتِدَاء كَانَ أَو صعُودًا أَو مُنْتَهى. وَالْمَوْت فِي التزيد الظَّاهِر قد يَقع فِي الْقَلِيل.
(3/142)

وَإِذا تَأَمَّلت عَلَامَات الْمَوْت فِي وَقت مِمَّا ذكرنَا فَلم تجدها فَلَا تخف فَإِن وَجدتهَا فاحدس أَنه يكون موت فَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك شَيْء من العلامات الرَّديئَة الْمَذْكُورَة فاجزم وَفِي أَكثر الْأَمر إِن كَانَت النوائب أفراداً فَإِنَّهُ يَمُوت فِي السَّابِع أَو أَزْوَاجًا فَإِنَّهُ يَمُوت فِي السَّادِس لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْمَرَض سريع الْحَرَكَة. فصل فِي دَلَائِل الْمَوْت من غير بحران من ذَلِك ضعف الْقُوَّة وعجزها عَن مقاومة الْمَرَض. وَمن ذَلِك تَأَخّر عَلَامَات النضج الْبَتَّةَ وَمن ذَلِك قُوَّة الْمَرَض مَعَ بطء حركته. وَإِذا اجْتمع جَمِيع هَذَا كَانَ أدل. فصل فِي أَحْوَال تعرض للناقهين قد يعرض للناقهين النكس إِذا كَانَ بهم مَا ذكرنَا فِي بَاب النكس ويعرض لَهُم اشتداد الْقُوَّة وضعفها بِحَسب مَا ذكرنَا فِي بَاب تدبيرهم ويعرض لَهُم أَن لَا ينتفعوا بِمَا يتناولون وَلَا يرجع بِهِ بدنهم إِلَى قُوَّة وَتعرض لَهُم الخراجات إِذا لم تكن قد استنقت أبدانهم عَن أخلاطها بالاستفراغ وَقد يعرض لَهُم فَسَاد بعض الْأَعْضَاء لاندفاع الْمَادَّة إِلَى هُنَاكَ وَقد تعرض لَهُم أمراض مضادة للأمراض الَّتِي كَانَت بهم إِذا كَانَ قد أفرط عَلَيْهِم فِي مضادة مَا بهم مثل أَن يعرض لَهُم ثقل اللِّسَان والفالج والقولنج الْبَارِد والسكتة والصرع والصداع اللَّازِم والشقيقة وَمَا أشبه ذَلِك إِذا كَانَ التبريد والترطيب قد جاوزا الْقدر. وَقد تعرض لَهُم الحكّة كثيرا ويزيلها المَاء الفاتر ويعرض لَهُم أَن تبيض شُعُورهمْ لعدم شُعُورهمْ الْغذَاء ولتفشي الرُّطُوبَة الغريزية الَّتِي تقيم السوَاد كَمَا يعرض للزروع إِذا جفّت فتبيضّ ثمَّ إِذا حسنت أَحْوَالهم عَاد سَواد شُعُورهمْ كَمَا يعرض أَيْضا للزَّرْع إِذا سقِِي فَعَادَت خضرته. فصل فِي تَدْبِير الناقه يجب أَن يرفق بالناقه فِي كل شَيْء وَلَا يُورد عَلَيْهِ ثقيل من الأغذية وَلَا شَيْء من الحركات والحمّامات والأسباب المزعجة حَتَّى الْأَصْوَات وَغير ذَلِك ويدرج إِلَى رياضة معتدلة رَفِيقَة فَإِنَّهَا نافعة جدا وَأَن يشْتَغل بِمَا يزِيد فِي عَمه وَيجب أَن يودع ويفرح وَيسر ويجنب الاستفراغات وخصوصاً الْجِمَاع وَالشرَاب بالاعتدال نَافِع لَهُ خُصُوصا من الشَّرَاب اللَّطِيف الرَّقِيق. وَأولى الناقهين بِأَن يحْجر عَلَيْهِ التَّوَسُّع ناقه كَانَ خَفِي البحران فَإِنَّهُ مستعد للنكس وَمثله رُبمَا احْتَاجَ إِلَى استفراغ وأصوبه الإسهال اللَّطِيف لَا سِيمَا إِذا رَأَيْت البرَاز مرارياً أَو مائلاً إِلَى لون خلط وقوَامه من الأخلاط الَّتِي كَانَ مِنْهَا الحمّى وَرَأَيْت! فِي الشَّهْوَة خللاً وَإِذا أردْت ذَلِك فأرح الناقه وقَو قوَته بِرِفْق ثمَّ استفرغه. وَرُبمَا احتجت إِلَى أَن يستفرغ ويقوى مَعًا بالتغذية وَحِينَئِذٍ فَاجْعَلْ أغذيته دوائية مسهلة
(3/143)

أَو امزج بهَا أقوى أدوية مسهّلة مُوَافقَة كالإجاص والشرخشك والترنجبين وَنَحْو ذَلِك لأَصْحَاب المرار وَقد يَنْتَفِعُونَ بالإدرار فتنقى بِهِ عروقهم وَقد تفعل ذَلِك هَذِه المدرات الْمَعْرُوفَة ويفعله الشَّرَاب الممزوج. وَأما الفصد فلقما يحْتَاج إِلَيْهِ النَّاقة وَرُبمَا احْتَاجَ أَيْضا وتدلّ عَلَيْهِ السحنة وعلامات الدَّم لَا سِيمَا إِذا وجدت للحمّى كالتعقد فِي الْعُرُوق وَرَأَيْت بثوراً فِي الشّفة وَرُبمَا أحوجك إِلَى فصد المحموم رداءة دَمه بِمَا بَقِي فِيهِ من رمادية الأخلاط الرَّديئَة فيلزمك أَن تخرج لَحْمه الرَّدِيء وتزيد فِيهِ الدَّم الْجيد وَيكون الأولى فِي ذَلِك أَن ترفق وَلَا تفعل شيئاَ دفْعَة. ونوم النَّهَار رُبمَا ضرّ بالناقه بإرخائه أَيَّام وَرُبمَا نَفعه بإحمامه وَإِذا لم يُوَافق فَرُبمَا جلب حمّى بِمَا يفجج وَيكسر من قُوَّة الْحَار الغريزي وَالِاحْتِيَاط فِي جَمِيع الناقهين نقيهم وَغير نقيهم أَن يجْرِي أمره على التَّدْبِير الَّذِي كَانَ فِي الْمَرَض من المزورة وَغَيرهَا يَوْمَيْنِ فَثَلَاثَة مِمَّا يَليهَا وَبِالْجُمْلَةِ مِقْدَار أَن يُجَاوز الْيَوْم الباحوري الَّذِي يَلِي يَوْم صِحَّته ثمَّ يرفع إِلَى مَا فَوْقه وَيجب للناقه النقي وَالَّذِي كَانَت حماه سليمَة أَن لَا يلطف تَدْبيره فيحمي بدنه وتسوء حَاله وَيجب أَن يرد من ضمر وهزل فِي أَيَّام قَلَائِل إِلَى الخصب لِأَن قوته ثَابِتَة وَيفْعل مَعَ خِلَافه خلاف ذَلِك. وَإِن لم يشته الناقه فَفِيهِ امتلاء وَإِن اشْتهى وَلم يسمن عَلَيْهِ فَهُوَ يحمل على نَفسه فَوق طاقته وَفَوق طَاقَة طَبِيعَته فَلَا تقدر على أَن يسْتَمر بِهِ وتفرقه فِي الْبدن أَو فِي بدنه أخلاط كَثِيرَة والطبيعة مَشْغُولَة بهَا أَو قُوَّة معدته سَاقِطَة جدا أَو قُوَّة جَمِيع بدنه وحرارته الغريزية سَاقِطَة فَلَا تحيل الْغذَاء إِحَالَة تصلح لامتياز الطبيعة مِنْهُ وأمثال هَؤُلَاءِ وَإِن اشتهوا فِي أَوَائِل أَمرهم الطَّعَام فقد تؤول بهم الْحَال إِلَى أَن لَا يشتهوا لِأَن الْآفَات والامتلاء من الأخلاط الرَّديئَة تقوى وتزيد وَلِأَن لَا يَشْتَهِي ثمَّ يَشْتَهِي لانتعاش قوته خير من أَن يَشْتَهِي ثمَّ لايشتهي. فَإِن دَامَ الاشتهاء وَلم يتَغَيَّر الْبدن إِلَى الْقُوَّة والعبالة فقوة الشَّهْوَة وآلتها صحيحتان وَقُوَّة الهضم وآلته ضعيفتان فَالْأولى أَن يمزج الناقه من الطيهوج والفروج إِلَى الجدي وَلَا يرجعن إِلَى الْعَادة وَبعد فِي الْعُرُوق ضيق والسكنجبين رُبمَا أسحجهم لضعف أمعائهم وَكَذَلِكَ كل الحوامض وَمن تَدْبِير الناقهين نقلهم إِلَى هَوَاء مضاد لما كَانَ بهم وَمن تَدْبِير الناقهين مُرَاعَاة مَا يجب أَن يحذر من نوع مَرضه ليقابل بِمَا يُؤمن عَنهُ كالمبرسمين فَإِنَّهُ يجب أَن يخَاف عَلَيْهِم خشونة الصَّدْر وَلَا يجب أَن يعرق الناقه فِي الْحمام فيتحلّل لَحْمه الضَّعِيف وَإِذا كثر عرقه فَفِيهِ فضلِ وَالْحلق بِالْمُوسَى يضرّهُ لما تقدم ذكره. فصل فِي تغذية الناقه يجب أَن يكون غذاؤه فِي الكيف حسن الكيموس سهل الانهضام وَيجب أَن لَا يصابر جوعا وَلَا عطشاً وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى أَن يمال بالكيف إِلَى ضد مزاج الْملَّة
(3/144)

السالفة لبَقيَّة أثر أَو لاحتياط. وَاعْلَم أَن الأغذية الرّطبَة السيالة أسْرع غذَاء وَأَقل غذَاء والغليظة والثخينة بالضد أَطْعِمَة كَانَت أَو أشربة وَيجب أَن لَا يحمل عَلَيْهِ بالباردات إِن لم تدع إِلَيْهِ بَقِيَّة حرارة بل يجب أَن يدبر بِمَا هُوَ معتدل وَله حرارة لَطِيفَة مَعَ رُطُوبَة كَامِلَة سريعة الْقبُول للهضم وَأَن يكون غذاؤه فِي الْكمّ بِقدر مَا يحسن هضمه وانفصاله وتزيده على التدريج إِذا لم ير ثقلاً وَلَا قراقر وَلَا سرعَة انحدار وَلَا بطأة جدا وتنقص مِنْهُ إِن أنْكرت من ذَلِك شَيْئا وَإِذا امْتَلَأَ دفْعَة وتمددت معدته فَرُبمَا حُم وَكَذَلِكَ يجب أَن لَا يشرب دفْعَة فَرُبمَا كَانَ فِيهِ خطر. وَأما وَقت غذائه فوقت اعْتِدَال الْهَوَاء فِي عشيات الصَّيف أَو ظهائر الشتَاء إِلَّا أَن يكون الدَّاعِي مستعجلاً فَيجب أَن يفرق عَلَيْهِ مِقْدَار هُوَ دون شبع غذائه. وَالْمَاء الشَّديد الْبرد مِمَّا يجب أَن يجتنبه الناقه فَرُبمَا حمل على بعض الأحشاء وَرُبمَا شنج وَقد علمنَا من مَاتَ بذلك. وَاعْلَم أَن شَهْوَة الناقه قد تقلّ لضعف أَو لأخلاط فِي الْمعدة ويصحبه فِي الْأَكْثَر كالغشي وَقد تقل بِسَبَب الكبد وَقلة جذبها وَتظهر فِي اللَّوْن وَفِي البرَاز الرَّقِيق الْأَبْيَض وَقد تقل بِسَبَب أخلاط فِي الْبدن كُله وتخم. وَقد تكون لضعف قُوَّة الْبدن والحرارة الغريزية أَو فِي الْمعدة خَاصَّة فدبر كل وَاحِد بِمَا تعلم من تَدْبيره بأرفق مَا يُمكن. وَاعْلَم أَن السكنجبين السفرجلي نعم الدَّوَاء للناقهين وخصوصاً إِذا كَانَت شهوتهم سَاقِطَة لضعف فِي معدهم وأمنوا السحج. وَأما المقويات للمعدة الَّتِي هِيَ أسخن من ذَلِك مثل قرص الْورْد وَمَا أشبهه فَرُبمَا كَانَ سَببا للنكس. فصل فِي حركات الْأَمْرَاض قد علمت أَوْقَات الْمَرَض فَاعْلَم أَن الحركات فِي الأدوار قد تكون متزايدة فِي العنف فتدل على الِانْتِهَاء. وَقد تكون متناقضة فتدل على الانحطاط وتشتد حركات الْأَمْرَاض وأعراضها لَيْلًا لشدَّة اشْتِغَال الطبيعة بإنضاج الْمَادَّة حِينَئِذٍ عَن كل شَيْء. أَوْقَات البحران وأيامه وأدواره فصل فِي ابْتِدَاء الْمَرَض وأوّل حِسَاب البحران من النَّاس من قَالَ أَن أول الْمَرَض الَّذِي يحْسب مِنْهُ حِسَاب أَيَّام البحران طرف الْوَقْت الَّذِي أحسّ فِيهِ الْمَرِيض بأثر الْمَرَض. وَمِنْهُم من قَالَ: لَا بل طرف الْوَقْت الَّذِي طرح نَفسه وَظهر فِيهِ ضَرَر الْفِعْل وَإِنَّمَا يَأْتِي هَذَا الِاخْتِلَاف فِي الحميات الَّتِي لَا تعرض بغته. وَأما اللَّاتِي تعرض بَغْتَة فَلَيْسَ يخفى فِيهَا أول الْوَقْت وَذَلِكَ مثل مَا يعرض لقوم محمومين
(3/145)

بَغْتَة أَن تبتدىء حماهم ابْتِدَاء ظَاهرا وَقد كَانَ الْإِنْسَان قبل ذَلِك لَا قلبة بِهِ فَنَامَ أَو دخل الحمّام أَو تَعب فحمّ بَغْتَة. وَأما الحميات الَّتِي يتقدمها تكسير وصداع وَنَحْو ذَلِك ثمَّ تعرض فَإِن الْأَمريْنِ مُخْتَلِفَانِ فِيهِ وَالْأولَى أَن يعْتَبر وَقت ابْتِدَاء الحمّى نَفسهَا وهنالك يكون قد ظهر الْخُرُوج عَن الْحَالة الطبيعية فِي المزاج ظهوراً بَينا. وَأما ابْتِدَاء الصداع والتكسير فَلَا اعْتِبَار لَهُ والاطراح وَالنَّوْم لَيْسَ مِمَّا يعْتَمد عَلَيْهِ فَرُبمَا لم يطْرَح العليل نَفسه وَقد أخذت الْحمى وَإِذا ولدت الْمَرْأَة ثمَّ عرض لَهَا حمّى فلنحسب من الْحمى لَا من فصل فِي سَبَب أَيَّام البحران وأدواره إِن أَكثر النَّاس يَجْعَل السَّبَب فِي تَقْدِير أزمنة بحرانات الْأَمْرَاض الحادة من جِهَة الْقَمَر وَإِن قوته قُوَّة سَارِيَة فِي رطوبات الْعَالم توجب فِيهَا أصنافاً من التَّغَيُّر وَتعين على النضج والهضم أَو على الْخلاف بِحَسب استعداد الْمَادَّة. ويستدلون فِي ذَلِك بِحَال الْمَدّ والجزر وَزِيَادَة الأدمغة مَعَ زِيَادَة النُّور فِي الْقَمَر وَسُرْعَة نضج الثمرات الشجرية والبقلية مَعَ استبداره. وَيَقُولُونَ أَن رطوبات الْبدن منفعلة عَن الْقَمَر فتختلف أحوالها بِحَسب اخْتِلَاف أَحْوَال الْقَمَر ويشتد ظُهُور الِاخْتِلَاف مَعَ اشتداد ظُهُور الِاخْتِلَاف فِي حَال الْقَمَر وَأَشد ذَلِك إِذا صَار على مُقَابلَة حَال كَانَ فِيهَا ثمَّ على تربيع وَهَذَا يَنْقَسِم لمحوره إِلَى النّصْف ثمَّ إِلَى نصف النّصْف. قَالُوا: وَلما كَانَ لمحور الْقَمَر فِي تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا وَثلث تَقْرِيبًا تنقص مِنْهُ أَيَّام الِاجْتِمَاع إِذْ الْقَمَر لَا فعل لَهُ فِيهِ وَهِي بالتقريب يَوْمَانِ وَنصف وَثلث تبقى سِتَّة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَنصف يكون نصفه ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وربعاً وربعه سِتَّة أَيَّام وَنصف وَثمن وثمنه ثَلَاثَة أَيَّام وَربع وَنصف ثمن وَهُوَ أَصْغَر دوره وَرُبمَا خرجوه على وَجه اَخر فيخالف هَذَا الْحساب بِقَلِيل وَيزِيد فِيهِ قَلِيلا وَلَكِن فِيهِ تعسف. فَتكون إِذن هَذِه المدد مدَدا توجب أَن تظهر فِيهَا اختلافات عَظِيمَة وَهِي أَيَّام الأدوار الصُّغْرَى. وَإِذا ابتدأت الْمدَّة فَكَانَت الْمَادَّة صَالِحَة ظهر عِنْد انتهائها تغير ظَاهر إِلَى الصّلاح وَإِن ابتدأت الْمدَّة وَكَانَت الْمَادَّة وَالْأَحْوَال فَاسِدَة كَانَ التَّغَيُّر الظَّاهِر عِنْد انختام الْمدَّة إِلَى الْفساد وَأما بحرانات الْأَمْرَاض الَّتِي هِيَ فِي الْأَزْمَان وَفَوق شهر فيعدونها من الشَّمْس ثمَّ فِي هَذَا التَّقْدِير والتجزئة شكوك وفيهَا مَوَاضِع بحث لَكِن الِاشْتِغَال بذلك على الطبيعي وَلَا يجدي على الطَّبِيب شَيْئا إِنَّمَا على الطَّبِيب أَن يعرف مَا يخرج بالتجربة الْكَثِيرَة وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يعرف علته إِذا كَانَ بَيَان تِلْكَ الْعلَّة يخرج بِهِ إِلَى صناعَة أُخْرَى بل يجب أَن يكون القَوْل بأيام البحران قولا بقوله على سَبِيل التجربة أَو على سَبِيل الأوضاع والمصادرات. وَاعْلَم أَن أَكْثَرهم يُسمى بالدور مَا لَا يخرج بِهِ التَّضْعِيف عَن جنسه وَمَعْنَاهُ أَن لَا يخرج بِهِ
(3/146)

التَّضْعِيف إِلَى يَوْم غير بحراني وَمِثَال هَذَا الرابوع والسابوع فَإِن تضعيفهما يَنْتَهِي أبدا إِلَى يَوْم باحوري بِحَسب اعْتِبَار أَيَّام البحران الَّتِي تقع للأمراض الَّتِي يَلِيق بهَا الرابوع والسابوع. فالأدوار الجيدة الْأَصْلِيَّة ثَلَاثَة: دور الأرابيع وَهُوَ تَامّ ودور الأسابيع وَهُوَ تَامّ لَكِن دور العشرينيات أتم من الْجَمِيع فَإِن الْأَرْبَعين وَالسِّتِّينَ والثمانين كلّ ذَلِك أَيَّام بحران. وَأما الدوران الْأَوَّلَانِ فينقصان من ذَلِك بِسَبَب الْكسر الَّذِي يجب أَن يُرَاعى وَلذَلِك تكون ثَلَاثَة أسابيع عشْرين يَوْمًا لَا أحدى وَعشْرين يَوْمًا والرابوع الأول هُوَ الرَّابِع والرابوع الثَّانِي فِيهِ جبر الْكسر فَلذَلِك يكون فِي السَّابِع لِأَنَّهُ يكون سِتَّة أَيَّام وشيئاً كثيرا من السَّابِع وَلذَلِك يَقع مَوْصُولا والرابوع الثَّالِث يَقع فِي الْحَادِي عشر وَهُنَاكَ يجْبر وَقت تَضْعِيف السابوع فَيلْحق السابوع الثَّانِي فَيكون فِي الرَّابِع عشر ثمَّ إِذا جبرنا السابوع الثَّالِث وَقع فِي الْيَوْم الْعشْرين. وَقد جرى الْأَمر فِي الرابوعات على أَن الرابوع الأول وَالثَّانِي موصولان وَالثَّانِي وَالثَّالِث منفصلان وَالثَّالِث وَالرَّابِع موصولان. فَإِذا جَاوز الرَّابِع عشر فقد وَقع فِيهِ الْخلاف فَالْأَفْضَل مثل بقراط وجالينوس ابتدأوا بالموصول فَكَانَ تَرْتِيب الْأَيَّام هَكَذَا السَّابِع وَالْعشْرُونَ مَوْصُول الرابوعات وَالْوَاحد وَالْعشْرُونَ مضاعفْ السابوعات على الْفَصْل فتجد أسبوعين غير مفصلين يتلوهما ثَالِث مَوْصُول فتتم الْعشْرُونَ ثمَّ مفصلا من الْعشْرين وَهُوَ الرَّابِع وَالْعشْرُونَ ثمَّ السَّابِع وَالْعشْرُونَ مَوْصُولا ثمَّ الْوَاحِد وَالثَّلَاثُونَ مفصلات أسابيع ثمَّ الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ موصولات ثمَّ أُسْبُوع مفصل فَيكون أَرْبَعِينَ ثمَّ يجْرِي التَّضْعِيف على ثَلَاثَة أسابيع على أَنَّهَا عشرُون يَوْمًا فَيكون الِاتِّصَال سِتِّينَ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَمِائَة وَعشْرين وَلَا الْتِفَات كَبِير إِلَى مَا بَينهَا من الْأَيَّام. وَقَالَ آخَرُونَ مثل أركيغانس أنّ بعد الرَّابِع عشر الثَّامِن عشر هُوَ يَوْم بحران وَالْحَادِي وَالْعشْرُونَ وَالثَّامِن وَالْعشْرُونَ ثمَّ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ ثمَّ الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ فتوصيل أُسْبُوع. وَقد عد قوم الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ وَالْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ وَالثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ من أَيَّام البحران وَقد وللأرابيع قُوَّة فِي أَيَّام البحران قَوِيَّة إِلَى عشْرين يَوْمًا ثمَّ تَجِيء الْقُوَّة للأسابيع إِلَى الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ فَإِذا جَاوز الْمَرِيض فِي الْمَرَض المزمن الْعشْرين فتفقد السابوعات. وَعند أركيغانس أَن الْيَوْم الْحَادِي وَالْعِشْرين أَكثر بحراناً جيدا من الْعشْرين الَّذِي هُوَ شَاهد للسابع عشر بتفضيله على الثَّامِن عشر من حَيْثُ الأسابيع وَلم يجد أقراط وجالينوس وَمن بعدهمَا الْأَمر على ذَلِك. وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي السَّابِع وَالْعِشْرين وَالثَّامِن وَالْعِشْرين فَإِن رَأْي أركيغانس غير رأيهما وَفضل الثَّامِن وَالْعِشْرين. وكفلك حَال الْوَاحِد الثَّلَاثِينَ مَعَ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ وَالرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ مَعَ الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ مَعَ الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ.
(3/147)

وَاعْلَم أَن من الْأَمْرَاض مَا بحرانه فِي سَبْعَة أشهر بل فِي سبع سِنِين وَأَرْبع عشرَة سنة وَوَاحِد وَعشْرين سنة وَمن النَّاس من ظن أَنه لَا يكون بعد الْأَرْبَعين بحران باستفراغ قوي وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَلَا أَيْضا يحْتَاج أَن يتَغَيَّر الْمَرَض لأجل ذَلِك إِلَى الحدة أَو أَن يكون فِيهِ نكس أَو أَن يكون فِيهِ تركيب من أمراض وَلَيْسَ بممتنع فِي المزمن أَن لَا تزَال الطبيعة تنضجه ثمَّ تقوى عَلَيْهِ دفْعَة وَاحِدَة فتستفرغه وَإِن كَانَ قَلِيلا وَكَانَ الْأَكْثَر هُوَ على مَا ذكر وَيكون الْفَصْل فِيهِ إِمَّا ببحارين نَاقِصَة وَإِمَّا بخراج بطيء الْحَرَكَة وَإِمَّا بتحلل. قَالَ أبقراط: إِن الْأَيَّام البحرانية مِنْهَا أَزوَاج وَمِنْهَا أَفْرَاد. والأفراد أقوى فِي البحارين فِي أَكثر الْأَمر وَفِي أَكثر الْعدَد وَمِثَال الْأزْوَاج الرَّابِع وَالسَّادِس وَالثَّامِن والعاشر وَالرَّابِع عشر وَالْعشْرُونَ وَالرَّابِع وَالْعشْرُونَ وَمَا عددناه من الْأزْوَاج على المذهبين. والأفراد مثل الثَّالِث وَالْخَامِس وَالسَّابِع وَالتَّاسِع وَالْحَادِي عشر وَالسَّابِع عشر وَالْحَادِي وَالْعِشْرين وَالسَّابِع وَالْعِشْرين وَالْوَاحد وَالثَّلَاثِينَ. ثمَّ إِن جالينوس استنكر مَا ذكر فِي هَذَا الْفَصْل من أَمر الثَّامِن والعاشر ووجده خلاف مَا ذكره أبقراط وَلَعَلَّ هَذَا القَوْل من أبقراط من قبل أَن أحكم أَمر أَيَّام البحران أَوله تَأْوِيل. وَاعْلَم أَنه رُبمَا اتَّصَلت أَيَّام فَصَارَت كَيَوْم وَاحِد للبحران وَذَلِكَ أَكْثَره بعد الْعشْرين كَانَ استفراغاً أَو خراجاً. وَاعْلَم أَن يَوْم البحران الْجيد إِذا ظهر فِيهِ عَلَامَات رَدِيئَة فَذَلِك أردأ أَو أدل على الْمَوْت أَكثر مثل أَن يعرض مِنْهَا شَيْء فِي السَّابِع أَو الرَّابِع عشر. فصل فِي مناسبات أَيَّام البحران بَعْضهَا إِلَى بعض فِي الْقُوَّة والضعف ومقايسها إِلَى الْأَمْرَاض فَنَقُول الْأَيَّام الباحورية مِنْهَا قَوِيَّة فِي الْغَايَة يكَاد يكون فِيهَا دَائِما بحران وَمِنْهَا ضَعِيفَة جدا وَمِنْهَا متوسطة وسنذكرها مفصلة بعد أَن نقُول: إِن أول أَيَّام البحران هُوَ الْيَوْم الرَّابِع وَمَعَ ذَلِك لَيْسَ يكثر مَا يَقع فِيهِ من البحران وَهُوَ مُنْذر بالسابع. وَأما الْيَوْم السَّابِع فَهُوَ يَوْم قوي جيد. وَالْيَوْم الْحَادِي عشر لَيْسَ فِي قُوَّة الرَّابِع عشر لكنه فِي الْأَمْرَاض الَّتِي تَأتي نوائبها فِي الْأَفْرَاد كالغب قوي جدا وَأقوى من الرَّابِع عشر. الْيَوْم الرَّابِع عشر يَوْم قوي وَمن قوته أَنه لَا يُوجد يَوْم يُنَاسب الرَّابِع عشر إِلَّا وَلَيْسَ بغاية فِي الْقُوَّة فِي أَحْكَام البحران وسلامته فضلا عَن تَمَامه. الْيَوْم السَّابِع عشر قوي وَمَا يُنَاسِبه من الْأَيَّام قوي ومناسبته للعشرين مُنَاسبَة الْحَادِي عشر للرابع عشر. الْيَوْم الثَّامِن عشر يَوْم من أَيَّام البحران القليلة وَفِي الْأَقَل يُنَاسب الْحَادِي وَالْعِشْرين. الْيَوْم
(3/148)

الرَّابِع وَالْعشْرُونَ وَالْوَاحد وَالثَّلَاثُونَ من أَيَّام البحران القليلة وَأَقل مِنْهَا يَوْم السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ وَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِيَوْم بحران. وَالْيَوْم الْأَرْبَعُونَ أقوى من الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ على أَن الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ صَالح الْقُوَّة وَأقوى من الْوَاحِد وَالثَّلَاثِينَ. وَاعْلَم أَن الْأَمْرَاض الَّتِي تنوب فِي الْأَفْرَاد كالغب وَأكْثر الحادة هِيَ أسْرع بحراناً وبحراناتها فِي الْأَفْرَاد فَذَلِك تنْتَظر فِي الغب الْحَادِي عشر وَلَا تنْتَظر الرَّابِع عشر إِلَّا قَلِيلا وَإِن كَانَ فِي الْأَكْثَر تكون النّوبَة السَّابِعَة أَيْضا تنحط عَن الرَّابِع عشر قَلِيلا وَالَّتِي تنوب أَزْوَاجًا هِيَ أَبْطَأَ وبحرانها فِي الْأزْوَاج أَكثر. الْأَيَّام الباحوريّة الَّتِي فِي الطَّبَقَة الْعَالِيَة: فَمثل السَّابِع وَالْحَادِي عشر وَالرَّابِع عشر وَالسَّابِع عشر وَالْعِشْرين. وَقد تكون الأدوار من الْأَمْرَاض مُوَافقَة فِي الْأَكْثَر لعدد أَيَّام البحران فَتكون سَبْعَة أَيَّام الغبّ كسبعة أَيَّام المحرقة. وَقد يكون حَال عدد الشُّهُور والسنين فِي المزمنات على حَال عدد الْأَيَّام فِي الحادات فَيكون للربع سَبْعَة أشهر مثلا وتجري إنذاراتها على قِيَاس إنذارارت الْأَيَّام وَيَقَع بَينهَا من التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير على قِيَاس مَا يَقع فِي الْأَيَّام وسنذكره. فصل فِي الْأَيَّام الْوَاقِعَة فِي الْوسط هَذِه الْأَيَّام الَّتِي ذَكرنَاهَا هِيَ الْأَيَّام الباحورية الْأَصْلِيَّة. وَقد تعرض لأيام البحران بِسَبَب من الْأَسْبَاب الْعَارِضَة من خَارج أَو من نفس الْمَرَض فِي سرعَة حركته أَو بطئها أَو من حَال الْبدن من قوته أَو ضعفه أَو من حَال أَعْرَاض تعرض كالسهر الشَّديد من مسْهر خَارج. أَو وَاقع من الْأَسْبَاب الْبَدَنِيَّة والنفسانية إِذا أفرط إفراطاً شَدِيدا أَن يَقع قبلهَا استعجال عَنْهَا أَو تَأَخّر وَإِن كَانَ لَا يقوم مقَام البُحران الْوَاجِب فِي وقته بل أنقص مِنْهُ لَوْلَا السَّبَب الْقوي الْعَارِض لصَحَّ البحران عِنْدهَا وَلم يتَقَدَّم وَلم يتَأَخَّر. لَكِن إِذا عرض ذَلِك الْعَارِض وَكَانَ قَوِيا انحرف الْوَقْت فَتقدم أَو تَأَخّر وَإِن كَانَ ضَعِيفا عسر البحران وَمنعه من أَن يكون تَاما. وَتسَمى الْأَيَّام الَّتِي يَقع إِلَيْهَا هَذَا الانحراف الْأَيَّام الْوَاقِعَة فِي الْوسط وَلها أَحْكَام أَيَّام البُحران من جِهَة مَا وَهَذِه الْأَيَّام مثل الثَّالِث وَالْخَامِس وَالسَّادِس وَمثل التَّاسِع وَمثل الثَّالِث عشر. فَإِن الثَّالِث وَالْخَامِس يكتنفان الرَّابِع وَالتَّاسِع بَين السَّابِع وَالْحَادِي عشر وَرُبمَا كَانَ الْيَوْم الْوَاقِع أولى بِأحد الْيَوْمَيْنِ اللَّذين فِي جانبيه أَو كَانَ الْيَوْم البحراني الَّذِي بَين ذَلِك الْوَاقِع وواقع فِي جَانب آخر أَحَق بِهِ فَإِن استعجال الْحَادِي عشر إِلَى التَّاسِع أَكثر من تَأْخِير السَّابِع إِلَى التَّاسِع وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا يكون كثيرا. فصل فِي قوّة الْأَيَّام الْوَاقِعَة فِي الْوسط وضعفها وَاعْلَم أَن الْيَوْم التَّاسِع هُوَ الْيَوْم الْقوي المقدّم فِيهَا ثمَّ الْخَامِس ثمَّ الثَّالِث وَلَيْسَ يقصر عَن الرَّابِع الَّذِي هُوَ الأَصْل قصوراً بَينا وَالثَّالِث عشر كَأَنَّهُ لضَعْفه لَيْسَ مِمَّا يكون فِيهِ بحران. وَأما السَّادِس فَهُوَ يَوْم يَقع فِيهِ بحران إِلَّا أَنه يكون رديئاً فَإِن جَاءَ غير رَدِيء كَانَ عسراً خفِيا نَاقِصا غير سليم من الْخطر وَكَأَنَّهُ فِي قلَّة وُقُوع البحران فِيهِ
(3/149)

ووقوعه فِيهِ رديئاً أَو غير هنيء ضد السَّابِع وينذر بِهِ الرَّابِع فِي الشَّرّ وقلما يتم بِهِ إنذار الرَّابِع بِالْخَيرِ إِلَّا بعسر فتعرض فِيهِ عَلَامَات هائلة كالسكات والغشي خُصُوصا إِن كَانَ استفراغ فَيحدث غشي بقيء ويعرض فِيهِ سُقُوط قُوَّة وارتعاد ورعشة وَبطلَان نبض. وَإِن ظهر فِيهِ عرق لم يكن مستوياً وَرُبمَا نقص فِيهِ البحران بالاستفراغ فَكَانَ تَمَامه بالخراج الرَّدِيء واليرقان وَيكون الْبَوْل ردياً رَدِيء الرسوب هَذَا إِن كَانَ سَلامَة وَإِن لم يكن فَكيف يكون وسلامته تكون بِعرْض النكس قَالَ جالينوس: إِن السَّابِع كالملك الْعَادِل وَالسَّادِس كالمتغلب الجائر وَالثَّامِن قريب من السَّادِس. فصل فِي الْأَيَّام الفاضلة والرديئة على ترتيبها كَانَت بحرانية أَو وَاقعَة فِي الْوسط أَو أَيَّام إنذار أفضلهَا السَّابِع وَالرَّابِع عشر وبعدهما التَّاسِع عشر وَالْعشْرُونَ ثمَّ الْخَامِس ثمَّ الرَّابِع وَالثَّامِن عشر ثمَّ الثَّالِث عشر. وَاعْلَم أَن أقوى أَيَّام البحران حكما وَأقوى أَيَّام الْوُقُوع وَأَيَّام الْإِنْذَار بذلك مَا كَانَ فِي الْأَيَّام الْمُتَقَدّمَة وَكلما أمعن ضعف حكمهَا. فصل فِي الْأَيَّام الَّتِي لَيست بحرانية لَا بِالْقَصْدِ الأول وَلَا بِالْقَصْدِ الثَّانِي هِيَ الْيَوْم الأول وَالثَّانِي والعاشر وَالثَّانِي عشر وَالسَّادِس عشر وَالتَّاسِع عشر وَالْخَامِس عشر أَيْضا من هَذِه الْجُمْلَة وَالْعجب أَن كثيرا مِنْهَا يَلِي الْيَوْم البحراني. فصل فِي أَيَّام الْإِنْذَار أَيَّام الْإِنْذَار هِيَ الْأَيَّام الَّتِي تتبين فِيهَا آثَار مَا هِيَ دَلَائِل تغير من الْمَادَّة أَو دَلَائِل اسْتِيلَاء أحد المتكافحين من الْمَرَض وَالْقُوَّة أَو ابْتِدَاء مناهضة خَفِيفَة تجْرِي بَين الطبيعة وَالْعلَّة لَا للفصل وَلَكِن للتهيّج. أما الأول فَمثل دَلَائِل النضج وَغير النضج أما دَلَائِل النضج فَمثل غمامة حَمْرَاء أَو إِلَى بَيَاض وَدَلَائِل غير النضج أَيْضا مَعْرُوفَة. وَأما الثَّانِي فَمثل ظُهُور قُوَّة الشَّهْوَة أَو سُقُوطهَا فِيهِ وخفّة الْحَرَكَة أَو ثقلهَا. وَأما الثَّالِث فَمثل: الصداع وَالْكرب وضيق النَّفس والرعدة والعرق الْغَيْر الْعَام والاستفراغ الْغَيْر التَّام. فَإِذا ظَهرت هَذِه الْآثَار فِي هَذِه الْأَيَّام كَانَ البحران فِي الْأَيَّام يتلوها مَعْلُومَة فَكَانَ الرَّابِع ينذرأما السَّابِع إِن كَانَت علامته جَيِّدَة أَو بالسادس إِن كَانَت علامته رَدِيئَة خُصُوصا فِي المحرقة والنائبة على أَنه يكون فِي السَّابِع وَفِي الْأَقَل بالسابع لكنه فِي الغبّ يكثر على أَنه يكون فِي السَّادِس وَالتَّاسِع أما بالحادي عشر أَو على الْأَكْثَر بالرابع عشر وَالْحَادِي عشر أَيْضا بالرابع عشر وَالرَّابِع عشر. إِمَّا بالسابع عشر أَو الثَّامِن عشر أَو الْعشْرين أَو الْوَاحِد وَالْعِشْرين وَالسَّابِع عشر أَيْضا ينذر بالعشرين أَو الْوَاحِد وَالْعِشْرين وَالثَّامِن عشر ينذر بِالْوَاحِدِ وَالْعِشْرين وَالْعشْرُونَ بالأربعين.
(3/150)

وَمن الْأَيَّام الْوَاقِعَة فِي الْوسط فالثالث بالخامس وَإِن كَانَ رديئاً فبالسادس وَالْخَامِس بالتاسع وَإِن كَانَ رديئاً فبالثامن. وَاعْلَم أَن دَلَائِل الإنذارات قد تنحرف عَن أَيَّامهَا للسبب الْمَذْكُور فِي انحرافات البحران عَن أَيَّامهَا الْمُسْتَحقَّة إِلَى مَا قبلَها أَو بعْدهَا. وَاعْلَم أَنه إِذا تَلا الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام الْإِنْذَار شَيْء من جنس مَا كَانَ فِي يَوْم الْإِنْذَار فالمرض سريع الْحَرَكَة وَتَأمل العلامات المعجلة والمؤخرة واحكم فِي أَيَّام الْإِنْذَار الَّتِي ينذر بهَا إِن أعجلت أَو أخرت من ذَلِك. فصل فِي تعرف أَيَّام البحران إِذا أشكل تَعَزفِ أَيَّام البحران يحْتَاج إِلَيْهِ لأغراض كَثِيرَة: فَإِنَّهُ يجب عَلَيْك إِذا كَانَ البحران قَرِيبا أَن تدبر تدبيراً مَا وَإِن كَانَ بَعيدا أَن تدبر تدبيراً آخر. وَيجب فِي أَيَّام البحران وَمَا يقرب مِنْهَا أَن تدبر الْمَرِيض تدبيراً خَاصّا فَلَا تحركه الْبَتَّةَ بدواء فَإِنَّهُ رُبمَا عاون الطبيعة على الاستفراغ فأفرط إفراطاً شَدِيدا وَرُبمَا ضادها فِي الْجِهَة فولد تكافؤ الإيجابين وَلم يكن استفراغ وَفِي ذَلِك مَا فِيهِ. وَيجب فِي تعرف أَيَّام البحران أَن تراعي أَيْضا الْأُمُور الْمُغيرَة لأيام البحران الْمَعْلُومَة. وَنَحْو التعرف منقسم إِلَى وَجْهَيْن: أَحدهمَا فِي بحران الْمَرَض مُطلقًا وَالْآخر فِي تعْيين البحران من جملَة مُدَّة كَانَ فِيهَا البحران فَرُبمَا طَال أَيَّام البحران يَوْمَيْنِ ثَلَاثَة فأشكل أَنه إِلَى أَيهمَا ينْسب. أما الْوَجْه الأول فيستدل عَلَيْهِ من وَجْهَيْن من عَلَامَات قصر الْمَرَض وَطوله وَمن طبائع الْأَمْرَاض وقواها. أما الاستدلالات من عَلَامَات الطول وَالْقصر فَإِنَّمَا يكون على انْقِضَاء الْمَرَض مثل أَن يكون الْمَرَض لَيْسَ مِمَّا يُمكن أَن يَنْقَضِي فِي الرَّابِع وَمَا يَلِيهِ وَيُمكن أَن يَنْقَضِي فِي السَّابِع وَبعده. فَإِن ظَهرت عَلَامَات النضج ظهوراً جيدا فِيمَا يَلِي الرَّابِع رُجي أَن يبحرن فِي السَّابِع. وَإِن ظَهرت عَلَامَات طول الْمَرَض الْمَذْكُورَة فِي بَابه علم أَن بحرانه يتَأَخَّر وَتَكون عاقبته بِغَيْر بحران وَإِن لم يظْهر أَحدهمَا رُجي أَن يَنْقَضِي الْمَرَض مَا بَين السَّابِع وَالرَّابِع عشر. وَأما الِاسْتِدْلَال من طبائع الْأَمْرَاض فَمثل أَن الْيَوْم الْفَرد أولى كَمَا علمت بِمَا يتحرّك من الْأَمْرَاض فِي يَوْم فَرد وبالحارة لحادة وَالزَّوْج بِمَا يُخَالِفهُ. وَأما الْوَجْه الثَّانِي فيستدل عَلَيْهِ من وُجُوه من قِيَاس الأدوار وَمن عدد أَوْقَات البحران وزمان البحران وَمن استحقاقات الْأَيَّام وقواها. أما الِاسْتِدْلَال من قِيَاس الأدوار فَمثل مَا علم أَن الْيَوْم الزَّوْج أولى بِمَرَض والفرد أولى بِمَرَض. وَأما من زمَان البحران فَأن تنظر وتتعرف أَن المعاناة فِي أَي الْيَوْمَيْنِ كَانَت أطول فَيجْعَل لَهُ البحران إِلَّا أَن يمْنَع مَا هُوَ أقوى حكما من حكم هَذَا الدَّلِيل وَمن هَذَا الْبَاب مَا يجب أَن يَجْعَل البحران فِيهِ لليوم الْأَوْسَط من أَيَّام ثَلَاثَة مَعَ الشَّرْط الْمَذْكُور.
(3/151)

وَأما الِاسْتِدْلَال من قُوَّة الْأَيَّام وطبائعها فَمثل أَن يكون الْعرق ابْتَدَأَ فِي اللَّيْلَة السَّابِعَة وَلم يزل يعرق فِي الثَّامِن نَهَاره كُله فَإِن البحران يكون للسابع لَا للنَّاس. وَإِن أقلعت الحمّى فِي الثَّامِن وَلَو كَانَ على خلاف هَذَا فابتدأ الْعرق فِي الثَّالِث عشر وَلم يزل الْمَرِيض يعرق إِلَى الرَّابِع عشر وتقلع الْحمى فِي الرَّابِع عشر فَإِنَّمَا ينْسب البحران إِلَى الرَّابِع عشر وَذَلِكَ لِأَن الثَّامِن وَالثَّالِث عشر ليسَا وَأما الِاسْتِدْلَال من اجْتِمَاع الْأَحْكَام فَمثل مَا سلف ذكره مِثَال الرَّابِع عشر فِيمَا كرنا لِأَنَّهُ اجْتمع فِيهِ الْعرق والإقلاع مَعًا. وَأما الِاسْتِدْلَال من الْأَيَّام المنذرة فَأن تنظر هَل وجدت فِي الْأَمْثِلَة الْمَذْكُورَة إنذاراً من الرَّابِع فتجزم بِأَن البحران للسابع أَو فِي السَّابِع أَو تجدها فِي الْحَادِي عشر فتجزم أَن البحران للرابع عشر. فصل فِي بَيَان نِسْبَة أَيَّام البحران إِلَى أَكثر الْأَمْرَاض قد علمت أَن الْأَمْرَاض الحادة جدا يجب أَن يكون بحرانها إِلَى السَّابِع وَالَّتِي يَليهَا فِي الحدة يجب أَن يكون بحرانها إِلَى الرَّابِع عشر وَإِلَى الْعشْرين وَالَّتِي تَلِيهَا فَإلَى الْأَرْبَعين ثمَّ بعد ذَلِك بحارين الْأَمْرَاض المزمنة مُطلقًا إِذا كَانَت للمحرقة تشتد فِي الْأزْوَاج فَإِن ذَلِك عَلامَة رَدِيئَة وَكَثِيرًا مَا تقتل فِي السَّادِس وينذر بِهِ الرَّابِع وَيكون فِيهِ عرق بَارِد وَنَحْو ذَلِك وَمَا كَانَ مثل السرسام فَإِنَّمَا يكون بحرانه فِي أَكثر الْأَمر إِلَى الْحَادِي عشر مَعَ حدّته لِأَن ابْتِدَاء معظمه يكون فِي الْأَكْثَر بعد الثَّالِث وَالرَّابِع ثمَّ يبحران فِي أُسْبُوع ثمَّ القَوْل فِي الحميات وَأَيَّام البحران.
(3/152)

(الْفَنّ الثَّالِث كَلَام مشبع فِي الأورام والبثور)
يشْتَمل على ثَلَاث مقالات: الْمقَالة الأولى الحارة مِنْهَا والفاسدة قد تكلمنا فِي الْكتاب الأول فِي الأورام وأجناسها ومعالجاتها كلَاما كفياً لَا بُد أَن يرجع إِلَيْهِ من يُرِيد أَن يسمع مَا نقُوله الْآن أما فِي هَذَا الْموضع فَإنَّا نتكلم فِيهِ كلَاما جزئياً. فصل فِي الأورام والبثور نقُول أَن كل ورم وبثر إِمَّا حَار وَإِمَّا غير حَار والورم الْحَار إِمَّا عَن دم أَو مَا يجْرِي مجْرَاه أَو صفراء أَو مَا يجْرِي مجْراهَا. وَمَا كَانَ عَن دم. فإمَّا عَن دم مَحْمُود أَو دم رَدِيء. وَالدَّم الْمَحْمُود إِمَّا غليظ وَإِمَّا رَقِيق. والمتكون عَن الدَّم الْمَحْمُود الغليظ هُوَ الفلغموني الَّذِي يَأْخُذ اللَّحْم وَالْجَلد مَعًا وَيكون مَعَ ضَرْبَان وَعَن الرَّقِيق الفلغموني الَّذِي يَأْخُذ الْجلد وَحده وَهُوَ الشري وَلَا يكون مَعَ ضَرْبَان. وَأما الْكَائِن عَن الدَّم الغليظ الرَّدِيء فَتحدث عَنهُ أَنْوَاع من الخراجات الرَّديئَة فَإِن اشتدت رداءته واحتراقه حدثت الْحمرَة وأحدثت الاحتراق والخشكريشة وَشر مِنْهَا النَّار الْفَارِسِي وَعَن الرَّقِيق الرَّدِيء يحدث الفلغموني الَّذِي يمِيل إِلَى الْحمرَة مَعَ رداءة وخبث فَإِن كَانَ أرق كَانَت الْحمرَة الفلغمونية وَإِن كَانَ أردأ أَكثر حدثت الْحمرَة ذَات النفاخات والنفاطات والاحتراق والخشكريشة. وَأما الصفراوي فإمَّا عَن صفراء لَطِيفَة جدا لَا تحتبس فِيمَا هُوَ دَاخل من ظَاهر الْجلد وَهِي حريفة فَتكون مِنْهَا النملة. أما الساعية وَحدهَا وَهِي ألطف وَأما الساعية الأكالة وَهِي رَدِيئَة أَو عَن صفراء أغْلظ من هَذِه وأقلّ حرارة وتحتبس فِي دَاخل من الأولى فِي الْجلد وَكَانَ فِيهَا بلغم وَتَكون مِنْهَا النملة الجاورسية وَهِي أقل التهاباً وَأَبْطَأ انحلالاً. وَإِن كَانَت الْمَادَّة أغْلظ وأردأ حدثت النملة الأكالة فَإِن كَانَت تجَاوز فِي غلظها إِلَى قوام الدَّم وَكَانَت رَدِيئَة أحدثت حمرَة رَدِيئَة وَجَمِيع ذَلِك تكون الْمَادَّة فِيهِ رَدِيئَة لَطِيفَة
(3/153)

وَإِن اخْتلفت بعد ذَلِك وَتَكون للطافتها تدفعها الطبيعة فَلَا تحتبس فِي شَيْء إِلَّا فِي الْجلد وَمَا يقرب مِنْهُ وَإِذا كثرت مَادَّة الورم الْحَار وَعظم الورم جدا فَهُوَ من جملَة الأورام الطاعونية القتالة وَمن جُمْلَتهَا الْمَذْكُورَة الْمَعْرُوفَة بتراقيا. وَهَذِه الْأَصْنَاف الرَّديئَة وَمَا يشبهها تكْثر فِي سنة الوباء والرديء من الأورام الحارة الَّذِي لم ينْتَه إِلَى انحطاط يتبعهُ اللين والضمور وَلَا إِلَى جمع مُدَّة بل إِلَى إِفْسَاد الْعُضْو فَلَيْسَ يكون دَائِما عَن عظم الورم وَكَثْرَة الْمَادَّة بل قد يكون عَن خبث الْمَادَّة. وَاعْلَم أَن الأورام قَلما تكون مُفْردَة صرفة وأكثرها مركبة وَاعْلَم أَن كل ورم فِي الظَّاهِر لَا ضَرْبَان مَعَه فَإِنَّهُ لَا يقيح. وَأما فِي الْبَاطِن فقد قُلْنَا فِيهِ. فصل فِي الفلغموني قد عرفت الفلغموني وَعرفت علاماته من الْحَرَارَة والالتهاب وَزِيَادَة الحجم والتمدد والمدافعة والضربان إِن كَانَ غائصاً وَكَانَ بِقرب الشرايين وَكَانَ الْعُضْو يَأْتِيهِ عصب يحس بِهِ لَيْسَ ككثيرمن الأحشاء كماعلمت حَاله. وَكلما كَانَت الشرايين فِيهِ أعظم وأكثَر كَانَ ضربانها وإيجاعها أشدّ وتحللها أَو جمعهَا أسْرع. وَإِذا كَانَ الفلغموني فِي عُضْو حساس تبعه الوجع الشَّديد كَيفَ كَانَ وَيلْزمهُ أَن تظهر عروق ذَلِك الْعُضْو الصغار الَّتِي كَانَت تخفى. وَاعْلَم أَن اسْم الفلغموني فِي لِسَان اليونانيين كَانَ مُطلقًا على كل مَا هُوَ التهاب ثمَّ قيل لكل ورم حَار ثمَّ قيل لما كَانَ من الورم الْحَار بِالصّفةِ الْمَذْكُورَة وَلَا يَخْلُو عَن الالتهاب لاحتقان الدَّم وانسداد المنافس. والفلغموني قَلما يتَّفق أَن يكون بسيطاً وَهُوَ فِي الْأَكْثَر يقارن حمرَة أَو صلابة أَو تهيّجاً وَله أَسبَاب: مِنْهَا سَابِقَة بدنية من الامتلاء أَو رداءة الأخلاط مَعَ ضعف الْعُضْو الْقَابِل أَو ضعف الْعُضْو الْقَابِل. وَإِن لم يكن امتلاء وَلَا رداءة أخلاط وَمِنْهَا بادية مثل فسخ أَو قطع أَو كسر أَو خلع أَو قُرُوح تكْثر فِي الْعُضْو فتميل إِلَيْهِ الْمَادَّة للوجع والضعف وَرُبمَا مَالَتْ إِلَيْهِ الْموَاد فاحتبست فِي المسالك الَّتِي هِيَ أَضْعَف كَمَا تعرض مَعَ القروح والجرب المؤلم أورام فِي الْمَوَاضِع الخالية وتزيده يتَبَيَّن بتزيّد الحجم والتمدد وانتهاؤه بانتهائه وهنالك تجمع الْمعدة إِن كَانَ يجمع وانحطاطه بِأَخْذِهِ إِلَى اللَّبن والضعف. والرديء هُوَ الَّذِي لَا يَأْخُذ إِلَى الانحطاط وَلَا يجمع الْمدَّة وَمثل هَذَا يُؤَدِّي إِلَى موت الْعُضْو وتعفُّنه وَكَثِيرًا مَا يكون ذَلِك لعظم الورم وَكَثْرَة مادته وَكَثِيرًا مَا يكون بِسَبَب خبث الْمَادَّة وَإِن كَانَ الورم صَغِيرا. وَأَنت تعلم مَا ينفش بِأَن الضربان يَأْخُذ فِي الهدء واللهيب فِي السّكُون وَتعلم مَا يجمع بازدياد الضربان والحرارة وثباتهما وَتعلم مَا يعفن بعسر النضج والكمودة وشدّة التمدد. وَاعْلَم أَنه مَا لم تقهر الطبيعة الْمَادَّة لم يحدث مِنْهَا ورم وفلغموني فِي الظَّاهِر.
(3/154)

وَاعْلَم أَنه إِذا تجاورت بثور دملية أنذرت بدمل جَامع وَيجب أَن يسقى صَاحب الأورام مَاء الْبَاطِنَة الهندبا وَمَاء عِنَب الثَّعْلَب بفلوس الخيارشنبر. فصل فِي علاج الفلغموني إِذا حدث الفلغموني عَن سَبَب بادٍ لم يخل إِمَّا أَن يُصَادف السَّبَب البادي نقاء من الْبدن أَو امتلاء. فَإِن صَادف نقاء لم يحْتَج إلاّ إِلَى علاج الورم من حَيْثُ هُوَ ورم وعلاج الورم من حَيْثُ هُوَ ورم إِخْرَاج الْمَادَّة الغريبة الَّتِي أحدثت الورم وَذَلِكَ بالمرخّيات والمحلّلات اللينة مثل ضمّاد من دَقِيق الْحِنْطَة مطبوخاً بِالْمَاءِ والدهن وَرُبمَا أغْنى عَن الشَّرْط وَكفى الْمُؤْنَة وخصوصاً إِذا كَانَ الورم كثير الْمَادَّة. فَأَما إِذا صَادف من الْبدن امتلاء فَيجب أَن لَا يمسّ الورم بالمرخيات فينجذب إِلَيْهِ فَوق مَا يتَحَلَّل عَنهُ بل يجب أَن يستفرغ الْمَادَّة بالفصد وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى إسهال. فَإِذا فعلت ذَلِك اسْتعْملت المرخّيات وَيقرب علاجه من علاج مَا كَانَ سَببه الإمتلاء البدني ويفارقه فِي أَنه لَيْسَ يحْتَاج إِلَى ردع كثير فِي الِابْتِدَاء كَمَا يحْتَاج ذَلِك بل دونه. وَأما إِن كَانَ السَّبَب سَابِقًا غير بادٍ فَيجب أَن يبْدَأ بالاستفراغ وتوفية حَقه من الفصد وَمن الإسهال إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ. وَالْحَاجة إِلَيْهِ تكون إِمَّا لِأَن الْبدن غير نقي وَإِمَّا لِأَن الْعلَّة عَظِيمَة فَلَا بُد من استفراغ وتقليل للمادة وجذب إِلَى الْخلاف. وَإِن كَانَ الْبدن لَيْسَ كثير الفضول فَإِن الْعُضْو قد يحدث بِهِ مَا يُضعفهُ فتنجذب إِلَيْهِ مواد الْبدن وَإِن لم تكن مواد فضل وَيجب أَن تراعي الشَّرَائِط الْمَعْلُومَة فِي ذَلِك من السن والفصل والبلد وَغير ذَلِك ولنبدأ بالروادع إِلَّا فِي الْموضع الَّذِي شرطناه فِي الْكتاب الأول. ثمَّ يُحَاذِي التبريد بِإِدْخَال المرخيات مَعَ الروادع وكما يمعن فِي التبريد يمعن فِي زِيَادَة المرخيات قَلِيلا قَلِيلا وَعند الْمُنْتَهى وَالْوُقُوف وبلوغ الحجم والتمدد غَايَته تغلب المرخيات وصرفها والمجففات مِنْهَا هِيَ المبرئة فِي المنتهيات. وَأما المرخيات الرّطبَة فلتوسيع المسام وَإِسْكَان الوجع والمجفف هُوَ الَّذِي يبرىء وَيمْنَع أَن يبْقى شَيْء يصير مُدَّة فَإِن لم يبرأ بالتمام وَأبقى شَيْئا فَإِنَّمَا يبْقى شَيْئا يَسِيرا يحلّله مَا فِيهِ حِدة وَقد تعرض من الردع شدَّة الوجع لاختناق الْمَادَّة وارتكاز الْعُضْو وَقد يعرض مِنْهُ ارتداد الْمَادَّة إِلَى أَعْضَاء رئيسة وَقد يعرض أَن يصلب الورم وَقد يعرض أَن يَأْخُذ الْعُضْو فِي الخضرة والسواد خُصُوصا إِذا عولج بِهِ فِي آخر الْأَمر وبقرب الِانْتِهَاء. وَاعْلَم أَن شدَّة الوجع تحوجك إِلَى أدوية ترخي من غير جذب وَرُبمَا كَانَ مَعهَا تبريد لَا يمانع الإرخاء. وَأما ارتداد الْمَادَّة إِلَى أَعْضَاء رئيسة فَيُؤمن عَنهُ الاستفراغ إِلَّا إِذا كَانَ مَا أَتَاهَا مِنْهَا على سَبِيل دفع مِنْهَا وَكَانَت الْأَعْضَاء الْقَابِلَة عَنْهَا كالمفرغة لَهَا
(3/155)

فهنالك لَا سَبِيل إِلَى ردع وَدفع الْبَتَّةَ وَقد حققنا هَذَا فِي مَوْضِعه. وَإِذا خفت أَن يمِيل إِلَى الصلابة اسْتعْملت المرخيات الَّتِي فِيهَا تسخين وترطيب بِقُوَّة. فَأَما الْأَدْوِيَة الرادعة الَّتِي هِيَ المتوسطة فعصارات الْبُقُول الْبَارِدَة الَّتِي كثيرا مَا ذَكرنَاهَا فِي مَوَاضِع أُخْرَى مثل عصارات الحمقاء والقرع والهندبا وعصا الرَّاعِي وَغير ذَلِك وعصارة عِنَب الثَّعْلَب خَاصَّة وأجرامها مدقوقة مصلحَة للضماد وعصارة بزر قطونا أَيْضا والقيروطي بِمَاء بَارِد. وَرُبمَا كفى الْخطب فِيهِ إسفنجة مغموسة فِي خل وَمَاء بَارِد والكاكنج قوي فِي الِابْتِدَاء وَكَذَلِكَ قشور الرُّمَّان وَحي الْعَالم والسويق الْمَطْبُوخ جدا وخصوصاٌ بخل ممزوج أَو سماق والطحلب أَيْضا جيد فَإِن احْتِيجَ إِلَى أقوى من ذَلِك زيد فِيهَا الصندل والأقاقيا والماميثا والفوفل والبنج وحشيشة تعرف بحشيشة الأورام جَيِّدَة فِي الِابْتِدَاء جدا وَقد يعان تجفيفها وَقَبضهَا بالزعفران والترطيب فِي الِابْتِدَاء خطر. وَإِذا وَقع الإفراط فِي التبريد فَرُبمَا أدّى إِلَى إِفْسَاد الْعُضْو وَفَسَاد الْخَلْط المحقون فِي الورم فَأخذ الورم إِلَى خضرَة وَسَوَاد فَإِن خفت شَيْئا من ذَلِك فاضمد الْموضع بدقيق الشّعير واللبلاب وَمَا فِيهِ إرخاء فَإِن ظهر شَيْء من ذَلِك فاشرط الْموضع واشرحه وَلَا تنْتَظر جمعا ونضجاً وَذَلِكَ حِين ترى المنصبّ كثيرا جدا وَرُبمَا أمات الْعُضْو. وَالشّرط منهِ أظهر وَمِنْه أغور وَذَلِكَ بِحَسب مَكَان الورم وَحَال الْعُضْو. وَإِذا شرطت فانطل بِمَاء الْبَحْر وبسائر الْمِيَاه المالحة وضمّد بِمَا فِيهِ إرخاء وَإِن لم تحتج إِلَى رش ونطل اقتصرت على المرخّيات. وَاعْلَم أَن اسْتِعْمَال القوية الردع فِي الأول والقوية التَّحْلِيل فِي الآخر رَدِيء فليحذر مَا أمكن. فَإِن التبريد الشَّديد يُؤَدِّي إِلَى مَا علمت وَالْمَاء الْبَارِد لذَلِك مِمَّا يجب أَن يحذر إِلَّا فِي مثل الْحمرَة وَفِي التَّحْلِيل الشَّديد يحدث وجع فَإِن أُرِيد أَن يدبّر فِي الِابْتِدَاء تسكين الوجع فَلَا تقربن المَاء الْحَار والأدهان المرخّية والضمادات المتخذة من أَمْثَال ذَلِك من الْأَدْوِيَة فَإِنَّهَا شَدِيدَة المضادة لما يجب من منع الانصباب وَليكن المفزع إِلَى الطين الأرمني مدوفاً فِي المَاء الْبَارِد أَو مَعَ دهن ورد. وَأفضل دهن الْورْد مَا كَانَ من الْورْد وَالزَّيْت فَإِن الزَّيْت فِيهِ تَحْلِيل مَا وَإِلَى العدس الْمَطْبُوخ مَعَ الْورْد أَو إِلَى المرداسنج بدهن الْورْد فَإِن لم تنجع هَذِه وَمَا يجْرِي مجْراهَا اسْتعْمل اللبلاب فَإِنَّهُ شَدِيد الْمُوَافقَة فِي الِابْتِدَاء والانتهاء والسرمق والحسك والكرفس والباذروج كَذَلِك وَكَثِيرًا مَا يسكن الوجع شراب حُلْو مخلوط بدهن الْورْد بل
(3/156)

عقيد الْعِنَب وَقَلِيل شمع على صوف وصوف زوفا مبرّداً فِي الصَّيف مفتراً فِي الشتَاء أَو اسفنج مغموس فِي شراب قَابض أَو خل وَمَاء بَارِد والزعفران يدْخل فِي تسكين الوجع. وَإِذا رَأَيْت الورم يسْلك طَرِيق الْخراج فدع التبريد وَخذ فِي طَرِيق مَا ينضج وَيفتح. فَأَما إِذا انْتهى الورم فَلَا بُد من مثل الشبث والبابونج والخطمي وبزر الْكَتَّان وَنَحْوه بل من المراهم الدياخيلونية والباسليقونية. وَفِي مرهم القلقطار تجفيف من غير وجع وَلذَلِك يصلح اسْتِعْمَاله عِنْد سُكُون اللهيب من الفلغموني وَتصْلح إِذا لم تخف الْجمع والأجود أَن تضع عَلَيْهِ من فَوق صُوفًا مغموساً فِي شراب قَابض. وَاللَّحم أقل حَاجَة إِلَى التجفيف من العصب لِأَن اللَّحْم يرجع إِلَى مزاجه بتجفيف يسير وَأَقل اللَّحْم حَاجَة أَقَله شرايين وَكَثِيرًا مَا تقع الْحَاجة إِلَى الشَّرْط قبل النضج وَكَثِيرًا مَا يحتال فِي جذب الورم من الْعُضْو الشريف إِلَى الخسيس بالجواذب ثمَّ يعالج ذَلِك ويقيح وَمَا يحْتَاج إِلَى التقبيح من الأورام الحارة فليضمد ببزرقطونا رَأسه بالمطفّيّات حواليه وليطلَ الأطلية والضمادات بالريشة فَإِن الإصبع مؤلمة. فصل فِي الْحمرَة وأصنافها قد عرفت أَسبَاب الْحمرَة وأصنافها فِي الْكتاب الأول وَالَّتِي يتَمَيَّز بهَا عَن الفلغموني أَن الْحمرَة أظهر حمرَة وأنصع والفلغمونى ِ تظهر مِنْهُ حمرَة إِلَى سَواد أَو خضرَة وَأكْثر لون دَمه يكون كامناً فِي الْغَوْر. وَحُمرَة الْحمرَة تبطل بالمس فيبيض مَكَانهَا بِسَبَب لطف مَادَّة الْحمرَة وتفرقها ثمَّ تعود بِسُرْعَة وَلَا كَذَلِك حمرَة الفلغوني وَترى فِي حمرَة الْحمرَة زعفرانية وصفرة مَا وَلَا نرى ذَلِك فِي حمرَة الفلغموني وَلَا يكون ورم الْحمرَة إِلَّا فِي ظَاهر الْجلد والفلغموني غائر أَيْضا فِي اللَّحْم. والحمرة الْخَالِصَة تدب وَلَا كَذَلِك الفلغموني والصديدية تنفط ويقلّ ذَلِك فِي الفلغموني. والخالصة لَا تدافع الْيَد والفلغموني يمافع وَكلما كثرت زِيَادَة الدَّم على الصَّفْرَاء كَانَت المدافعة أظهر والوجع والضربان أَشد. والحمرة تجلب الْحمى أشدّ وَقد يبلغ من حرارة الْحمرَة أَن تحرق الْبشرَة فَيصير مَا يُسمى حمرَة وَلَا كَذَلِك الفلغمونى فَلَيْسَ التهاب الْحمرَة دون التهاب الفلغموني بل أَكثر لكنّ تمدّد الفلغموني وإيجاده بِسَبَب التمدّد قد يكون أَكثر. فَلذَلِك وجع الْحمرَة أقل. وَأكْثر مَا تعرض الْحمرَة تعرض فِي الْوَجْه وتبتدىء من أرنبة الْأنف ويزداد الورم وينبسط فِي الْوَجْه كُله. وَإِذا حدثت الْحمرَة عَن انكسار الْعظم تَحت الْجلد فَذَلِك رَدِيء وَقد عرفت الِاخْتِلَاف بَين الْحمرَة الفلغمونية وفلغموني الْحمرَة فِي غير هَذَا الْموضع.
(3/157)

فصل فِي علاج الْحمرَة يجب أَن يستفرغ الْبدن فِيهِ بإسهال الصَّفْرَاء وَإِن احْتِيجَ إِلَى الفصد فصد أَيْضا وَإِنَّمَا ينفع الفصد جدا حِين مَا تكون المادةَ بَين الجلدين فَأَما إِن كَانَت غائرة فنفعه يقل وَرُبمَا جذب وَإِن احْتِيجَ إِلَى معاودة الإسهال بعد الفصد فعل وَذَلِكَ بِحَسب مَا يخمن من الْمَادَّة ثمَّ يقبل على تبريدها بالمبرّدات القوية الْمَعْلُومَة فِي بَاب الفلغموني وَيصب المَاء الْبَارِد وَيفْعل ذَلِك حَتَّى يتَغَيَّر اللَّوْن فَإِن الْمَحْضَة تبطل مَعَ تغير اللَّوْن ونقصانه. وبالجملهّ فَإِن التبريد فِي الْحمرَة أوجب لِأَن اللهيب والوجع الالتهابي فِيهِ أَكثر والإستفراغ فِي الفلغموني لِأَن الْمَادَّة فِيهِ أعصى وَأَغْلظ وَيجب أَن تكون مبرداتها فِي الِابْتِدَاء قَوِيَّة الْقَبْض يكَاد يَرْبُو قبضهَا على بردهَا. وَأما فِي قرب الْمُنْتَهى فَلْيَكُن بردهَا أَشد من قبضهَا وليحذر مَعَ ذَلِك أَيْضا كي لَا ترتد الْمَادَّة إِلَى عُضْو بَاطِن أَو إِلَى عُضْو شرِيف وليحذر أَيْضا كي لَا يسودّ الْعُضْو ويكمد وَيَأْخُذ فِي طَرِيق الْفساد. وَإِذا ظهر شَيْء من ذَلِك أَخذ فِي ضد طَرِيق الْقَبْض والتبريد. فَإِن كَانَت الْحمرَة دبابة على الْجلد عولج بخبث الرصاص مَعَ شراب عفص يغلى بورق السلق المغلي بِالشرابِ ويعالج بِمَا فِيهِ تَحْلِيل وتجفيف قوي مَعَ تبريد وَذَلِكَ مثل أَن يُؤْخَذ الصُّوف الْعَتِيق المحرق من غير أَن يغسل وزن اثْنَي عشر درهما وَنصف فَحم فلب شَجَرَة الصنوبر مثله الشمع خَمْسَة عشر درهما خبث الرصاص تِسْعَة دَرَاهِم شَحم الماعز الْعَتِيق المغسول بِالْمَاءِ خَمْسَة عشر درهما دهن الآس خمس أوراق وَأَيْضًا أخف مِنْهُ مرهم يتَّخذ من خبث الرصاص بعصارة السذاب ودهن ورد وشمع. فصل فِي النملة الجاورسية النملة بثرة أَو بثور تخرج وتحدث ورماً يَسِيرا وتسعى وَرُبمَا قرحت وَرُبمَا انحلّت وَقد عرفت سَبَب كل وَاحِد من ذَلِك. ولون النملة إِلَى الصُّفْرَة وَتَكون ملتهبة مَعَ قوام ثؤلولي ومستديرة وَهِي فِي الْأَكْثَر مستعرضة اوصول إِلَّا ضربا مِنْهَا يسمّى أفروخوروذن يكون مستدق الأَصْل كَأَنَّهُ مُعَلّق ويحسّ فِي كلِّ نملة كعض النملة. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن كل ورم جلدي ساعِ لَا غوص لَهُ فَهُوَ نملة لَكِن مِنْهَا جاورسية وَمِنْهَا أكالة على مَا عملت وَإِذا صَارَت قروحاً وتعفّنت خصت بإسم التعفّن. فصل فِي علاج النملة النملة وَمَا يجْرِي مجْراهَا إِذا لم يبْدَأ فِيهَا فيستفرغ الْخَلْط على مَا يجب بل عولج الْقرح بِمَا يبرىء عَاد من مَوضِع آخر بِالْقربِ أَو من الْموضع نَفسه وَلَا يزَال يَأْكُل الْجلد أكلا بعد أكل. وَمَاء الْجُبْن بالسقّمونيا نَافِع فِي استفراغ مَادَّة النملة وَنَحْوهَا. وَأما الطَّرِيق الَّتِي يعالج بهَا النملة فَهِيَ بِأَن يجنب الأكال مِنْهَا المرطبات الَّتِي قد تسْتَعْمل فِي الْحمرَة فَإِن الترطيب لَا يلائم القروح وتستعمل فِي أوائلها الأمثل الخس والنيلوفر وَحي الْعَالم والطحلب والرجلة بل إِن كَانَ وَلَا بُد فَمثل عِنَب الثَّعْلَب وخصوصاً
(3/158)

الْيَابِس المدقوق فَإِن فِيهِ تجفيفاً وَمثل لِسَان الْحمل والعليق والعدس من بعد وَسَوِيق الشّعير وقشور الرُّمَّان وقضبان الْكَرم. فَإِذا خيف عَلَيْهِ التأكّل أَو التقرح اسْتعْمل مَعَ هَذِه المبردات شَيْء من الْعَسَل وَنَحْوه أَو دقاق الكندر مَعَ خلّ. وَالْمَاء الَّذِي يسيل من خشب الْكَرم الرطب عِنْد الاحتراق جيد وبعر الْمعز مَعَ الْخلّ أَو إخثاء الْبَقر مَعَ الخلّ. وَإِذا ظهر التقزُح أَو التأكل فَاسْتعْمل أَقْرَاص أنزروت بشراب قَابض أَو خلّ ممزوج أَو عصارة قثاء الْحمار وملح ومرارة التيس والسذاب مَعَ النطرون والفلفل أَو النطرون ببول صبي وجالينوس يستصوب أَن يُؤْخَذ شَيْء كالأنبوب من طرف ريش أَو من غير ذَلِك حاد الطّرف يُمكن أَن يلتقم النملة ثمَّ ينفذ حولهَا إِلَى العمق بحدة وتقلع النملة من أَصْلهَا. وَأما أَمْثَال الصّبيان فَيذْهب بنملتهم أَن يدخلُوا الْحمام فيضربهم هَوَاء الحمّام ثمَّ يخرجُوا بِسُرْعَة ويطلوا بدهن الْورْد بِمَاء الْورْد. الجاورسية تشبه النملة فِي العلاج لَكِن الأولى فِي إسهالها أَن تكون فِي مسهلها قُوَّة من مثل التربد مَعَ مَا يسهل الصَّفْرَاء. وَإِن كَانَت قُوَّة من الأفتيمون فَهُوَ أَجود لِأَنَّهُ لَا بُد هُنَاكَ من سَوْدَاء أَو بلغم يخالط الصَّفْرَاء ثمَّ يُؤْخَذ العفص والكزمازك والصندل وقشور الرُّمَّان والطين الأرمني يجمع كُله فِي الْخلّ وَمَاء الْورْد بِمِقْدَار مَا لَا يلذع ثمَّ يلطخ عَلَيْهِ بريشة. وَاللَّبن الحليب شَدِيد الملاءمة لعلاج هَذِه الْعلَّة فَإِذا جَاوز الأول فَيجب أَن يعالج بِمثل رَأس السّمك المملّح محرقاً يطلى بِالشرابِ العفص وَأقوى من ذَلِك إِذا احْتِيجَ إِلَى تجفيف بليغ أَن يُؤْخَذ ورق الباذروج ويدق وَيجْعَل فِيهِ القلقديس وَيسْتَعْمل وَأقوى من ذَلِك زنجار وكبريت أصفر محرق يتَّخذ مِنْهُ لطوخ بِالشرابِ أَو بِمَاء خشب الْكَرم الَّذِي ينش عِنْد احتراقه. فصل فِي الْجَمْرَة بِالْجِيم وَالنَّار الفارسيّة وَغير ذَلِك هَذَانِ اسمان رُبمَا أطلقا على كل بثر أكال منفط محرق مُحدث للخشكريشة إِحْدَاث الحرق والكي. وَرُبمَا أطلق اسْم النَّار الفارسية من ذَلِك على مَا كَانَ هُنَاكَ بثر من جنس النملة أكال محرق منفط فِيهِ سعي ورطوبة وَيكون صفراوي الْمَادَّة قَلِيل السَّوْدَاء قَلِيل التقعير وَيكون مَعَ بثور كَبِيرَة صَغِيرَة كَأَن هُنَاكَ خلط حاد كثير الغليان والبثر. وَأطلق اسْم الْجَمْرَة على مَا يسود الْمَكَان ويفحم الْعُضْو من غير رُطُوبَة وَيكون كثير السوداوية غائصاً وبثره قَلِيل كَبِير الحجم ترمسي وَرُبمَا لم يكن هُنَاكَ بثر الْبَتَّةَ بل ابتدأت فِي الأول جَمْرَة. وَجَمِيع ذَلِك يبتدىء بحكة كالجرب وَقد يتنفط النَّار الفارسية والجمر ويسيل مِنْهُ شَيْء كَمَا
(3/159)

يسيل عَن المكاوي محرق يكوي الْموضع رمادي فِي لَونه أسود وَرُبمَا كَانَ رصاصياً وَيكون اللهيب الشَّديد مطيفاً بِهِ من غير صدق حمرَة بل مَعَ ميل إِلَى السوَاد. وَالَّذِي يخص باسم الْجَمْرَة يكون أسود أصل الْجرْح مائلاً إِلَى النارية وَكَانَ لَهُ بريق الْجَمْرَة. وَالنَّار الفارسية مِنْهَا أسْرع ظهوراً وحركة والجمرة أَبْطَأَ وأغور وَكَأن مادتها مَادَّة البثر والقوباء لَكِنَّهَا حادة فِي النَّار الفارسية وَمَا عرض مِنْهُمَا فِي اللَّحْم فَهُوَ أيسر تحللاً وَمَا عرض مِنْهُمَا للعصب فَهُوَ أثبت وَأَبْطَأ تحللاً وكل وَاحِد مِنْهُمَا عَن مرار أصفر محترق مخالط للسوداء وَلذَلِك يحدث مِنْهُمَا جَمِيعًا خشكريشة سَوْدَاء وَكَانَ النَّار الفارسية أَشد صفراوية والجمرة أشدّ سوداوية وَلَك أَن تسمي كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْمَعْنَى الَّذِي يجمعها جَمْرَة ثمَّ تقسم وَلَك أَن تسميهما كليهمَا نَارا فارسية لذَلِك الْمَعْنى بِعَيْنِه ثمَّ تقسم وَلَك أَن تُعْطِي كل معنى اسْما وَقد فعل جَمِيع ذَلِك وَلَا كَبِير فرق فِيهِ. وَقد يكون مَعَ هَذِه وَمَعَ أَصْنَاف النملة والجاورسية الرَّديئَة حميات شَدِيدَة الرداءة قتالة وَقد تحدث هَذِه بِسَبَب الوباء وَكَثِيرًا مَا تشبه الفلغموني وَإِلَى سَواد مَا فِي ابْتِدَاء الْأَمر وخصوصاً فِي سنة الوباء. فصل فِي علاج الْجَمْرَة وَالنَّار الفارسية لَا بُد من الفصد ليستفرغ الدَّم الصفراوي وَإِذا كَانَت الْعلَّة هائلة فَلَا بُد من مُقَارنَة الغشي وَرُبمَا احْتِيجَ وخصوصاً فِي الْجَمْرَة إِلَى شَرط عميق ليخرج الدَّم الرَّدِيء المحتقن فِيهِ الَّذِي هُوَ فِي طبيعة السم وَلَا تفعل ذَلِك إِذا كَانَت الْمَادَّة مَادَّة إِلَى الصفراوية. وَإِمَّا العلاج الموضعي فَلَا بُد من مثل علاج الْجَمْرَة وَلَكِن لَا يجب أَن يكون اللطوخ شَدِيد التبريد كَمَا فِي الْجَمْرَة فَإِن الْمَادَّة إِلَى غلظ وَلِأَنَّهَا بِحَيْثُ لَا تحْتَمل ارتداد الْقَلِيل مِنْهَا إِلَى بَاطِن لِأَنَّهَا مَادَّة سميَّة وَلَا يجوز أَن تسْتَعْمل شَدِيد الْقَبْض أَيْضا فَإِن الْمَادَّة غَلِيظَة بطيئة التَّحَلُّل وَلَا يجوز أَن تسْتَعْمل المحللات لَا فِي الأول من الظُّهُور وَلَا عِنْد أول سُكُون الالتهاب فتزيد فِي كَيْفيَّة الْمَادَّة بل يجب أَن تسْتَعْمل الْأَدْوِيَة المجففة الَّتِي فِيهَا تبريد وَتَحْلِيل مَا مَعَ دفع مثل ضماد يتَّخذ من لِسَان الْحمل والعدس وخبز كثير النخالة. فَإِن مثل هَذَا الْخبز ألطف فِي جوهره وأضمده تَشبه هَذِه مِمَّا كتب فِي القراباذين وَأَيْضًا العفص بخل خمر والشبّ بخلّ خمر. وَمن الْأَدْوِيَة الجيدة فِي هَذَا الْوَقْت وَبعده أَن يُؤْخَذ رمان حامض ويُشقق ويُطبخ مَعَ الْخلّ حَتَّى يلين ثمَّ يسحق وَيُؤْخَذ على خرقَة وَيسْتَعْمل فَإِنَّهُ يصلح فِي كل وَقت وتقلع هَذِه الْعلَّة فِي الابتَداء والانتهاء وَقد يَقع فِي أدوية هَذَا الْوَقْت الْجَوْز الطري وورقه مَعَ السويق وَالزَّبِيب والتين بشراب ودهن الخشخاش الْأسود وأجوده أَن يتَّخذ من الْجُمْلَة ضماد.
(3/160)

وَمن الْأَدْوِيَة الصَّالِحَة فِي أَكثر الْأَوْقَات: أفيون أقاقيا زاج سوري قشور رمان من كل وَاحِد دِرْهَمَانِ زهرَة النّحاس دِرْهَم بزر البنج دِرْهَم وأمثال هَذِه الْأَدْوِيَة إِنَّمَا يوضع على مَا لم يتقرّح. وَأما المتقرح فَلَا بُد فِيهِ من المجفف الْقوي مثل دَوَاء أنزروت وفراسيون وأقراص بولواندروس ودواء القيسور بشراب حُلْو أَو ميبختج. وَسَائِر مَا قيل فِي علاج الْجَمْرَة المتقرحة والنملة الجاورسية وَيجب أَن تضمد عَلَيْهَا الأضمدة فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ وَفِي اللَّيْل مرّة أَو مرَّتَيْنِ وَلَا تسْتَعْمل المعفنات مَا قدرت فَإِنَّهَا تزيد فِي رداءة الْعلَّة. وَيجب أَن تتعاهد مَا يحمِط بالموضع مَوضِع الإحتراق بالطين الأرمني بالخل وَالْمَاء وَسَائِر مَا يبرّد ويردع وَمَا هُوَ أقرب من ذَلِك بصوف الزوفا مغموساً فِي الشَّرَاب فَإِذا سكن الالتهاب وَبقيت القروح عولجت بِمثل المراهم الراسية ومرهم ديانوطاس وَسَائِر أدوية القروح المتأكلة الْمَذْكُورَة فِي القراباذين. والجوز الْعَتِيق الدهين صَالح للنار الفارسية فِي هَذَا الْوَقْت. فصل فِي النفّاطات والنفّاخات النفاطات تحدث على وَجْهَيْن: إِحْدَاهمَا بِسَبَب مائية تنْدَفع من غليان فِي الأخلاط تتصعد بِهِ الْمَادَّة دفْعَة وَاحِدَة إِلَى مَا تَحت الْجلد فتجد الْجلد أَكثر تكاثفاً مِمَّا تَحْتَهُ فَلَا ينفذ فِيهِ بل يبْقى نفاخة مائية. وَالثَّانِي أَن يكون بدل المائية دم فيتقيّح من تَحت. فصل فِي علاج النفّاطات والنفّاخات أما تنقية الْبدن والفصد وَنَحْو ذَلِك فعلى مَا علمت وتستعمل التَّدْبِير والغذاء على النَّحْو الَّذِي ذكر وَتجْعَل عَلَيْهَا فِي أول مَا يكَاد يظْهر مثل العدس الْمَطْبُوخ بِالْمَاءِ وَمثل قشور الرُّمَّان أَو قشر أغصانه مطبوخاً بِالْمَاءِ كل ذَلِك يوضع على مَوْضِعه بعد الطَّبْخ والتليين فاتراً. فَإِن خرجت النفّاطات وَأَرَدْت علاجها نَفسهَا فالغليظ الْجلد بوجع فَيجب أَن يفقأ بالإبر ويسيل مَا فِيهِ وَالرَّقِيق رُبمَا تفقأ بِنَفسِهِ وَلَا يجب أَن يُمْهل بل يفقأ أَيْضا ويعصر مَا فِيهِ بالرفق قَلِيلا قَلِيلا ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يبرأ وَإِمَّا أَن يتقرّح فَإِن تقرّح عولج بالمراهم الاسفيداجية والمرداسنجية ونجوها وخصوصاً إِذا وَقع فِيهَا مثل الإيرسا ومراهم الْجَمْرَة إِذا سعت وتأكلت والنملة وَسَائِر مَا ذكرنَا. دَوَاء مركب: مرداسنج رَطْل زَيْت عَتيق رَطْل وَنصف زرنيخ رَطْل يطْبخ المرداسنج بالزيت حَتَّى لَا يلتصق ثمَّ يصبّ عَلَيْهِ الزرنيخ وأيِضاً دَوَاء يصلح لما يَقع مِنْهُ على المذاكير والشفة وَنَحْوهَا وَبِالْجُمْلَةِ على الْأَعْضَاء الَّتِي هِيَ أَشد حَاجَة إِلَى التجفيف. آخر: يُؤْخَذ قلقطار وقلقديس من كل وَاحِد ثَمَانِيَة بورق إثنان يسحق بِمَاء
(3/161)

وَيسْتَعْمل وَكَذَلِكَ بعر الماعز بِعَسَل. وَإِذا سَقَطت الخشكريشات واللحمان الْفَاسِدَة وَظهر اللَّحْم الصَّحِيح فيعالج بعلاج الخراجات البسيطة. وَقد تُسقط الخشكريشات وَاللَّحم الرَّدِيء أدوية مَعْرُوفَة وبالسكندرية يسقطونها بالحشيشة الْمُسَمَّاة ساراقياس وَأَيْضًا بارخس وَأَيْضًا طرياخكس ودهن الأقحوان جيد لإسقاطها. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الإشتغال بِإِسْقَاط الخشكريشة وعلاج الْبَاقِي بعلاج الْجِرَاحَات الصَّحِيحَة صَوَاب جدا. دَوَاء جيد مجرب للقدماء انتحله بعض الْمُحدثين. يُؤْخَذ العنزروت وَالصَّبْر والكندر والاسفيذاج والزنجار أَجزَاء سَوَاء وَمثل الْجَمِيع طين أرمني يتَّخذ مِنْهَا بَنَادِق وَتُؤْخَذ وتحلّ فِي خل وَمَاء ويطلى بِهِ الْموضع طلاء فَوق طلاء حَتَّى يحدث فِيهِ تقبض شَدِيد وَيصير خشكريشة فَأَما أَن تسْقط بِنَفسِهَا إِن كَانَت تحتهَا رُطُوبَة وَإِمَّا أَن تحْتَاج إِلَى أَن تخلعها وتسقطها لَا تزَال تفعل ذَلِك حَتَّى يسْقط الْجَمِيع. فصل فِي الشَّرى الشرى بثور صغَار مسطحة كالنفّاخات إِلَى الْحمرَة مَا هِيَ حكاكة مكربة تحدث دفْعَة فِي أَكثر الْأَمر وَقد يعرض أَن تسيل عَنْهَا رُطُوبَة وَرُبمَا كَانَت دموية وَفِي أَكثر الْأَمر تشتدّ لَيْلًا ويشتدّ كربها فِيهِ وغمها وسببها بخار حَار يثور فِي الْبدن دفْعَة إِمَّا عَن دم مري أَو عَن بلغم بورقي. والدموي يكون أَشد حمرَة وحرارة وأسرع ظهوراً. والبلغمي أقل فِي جَمِيع ذَلِك. واشتداد البلغمي لَيْلًا أَكثر من اشتداد الدموي وَإِذا كَانَ الشَرى يَأْخُذ موضعا وَاسِعًا فَإِن لم يفصد خيف حمّى الغب وَيجب أَن يفصد فِي مهلة بَينه وَبَين الْمُبْتَدَأ. فصل فِي علاج الشَرى أما إِن كَانَ الْغَالِب الدَّم فَيجب أَن تبادر إِلَى الفصد ثمَّ تتبع بإسهال الصَّفْرَاء إِن احتملت الْقُوَّة بِمثل الهليلج جزءان والأيارج جُزْء والشربة ثَلَاثَة دَرَاهِم فِي السكنجبين وتسكينه بِمثل التَّمْر الْهِنْدِيّ وَمَاء الرمانين بقشرهما أَو مَاء الرُّمَّان المز بقشره ونقيع المشمش وَمَاء الرائب وأقراص الطباشير الكافورية بِمَاء الرُّمَّان وَسقي المَاء الْحَار فِي الْيَوْم مرَارًا مِمَّا ينفع مِنْهُ ويلين طبيعة صَاحبه وَمِمَّا يسكُنه نَقِيع السماق الْمُصَفّى يُؤْخَذ مِنْهُ ثَلَاث أوراق. وَمن أغذيته الطفشيل والخل زَيْت بدهن اللوز والخلّ زَيْت بِمَاء الحصرم والرائب وَأما إِن كَانَ الْخَلْط بورقياً فيستفرغ الْبدن بالهليلج بِنصفِهِ تَرَبد والشربة ثَلَاثَة دَرَاهِم. وَيُعْطِي العليل جوز السرو الرطب أُوقِيَّة مَعَ دِرْهَم صَبر وَيُؤْخَذ العصفر ويسحق وَيضْرب بخل حامض ويسقى أَو يسقى مَاء الْمغرَة أَو مَاء جرة جَدِيدَة. وللبغلمي يُؤْخَذ كبابة دِرْهَم مَعَ ثَلَاثَة دَرَاهِم سكّر وَوزن ثَلَاثَة دَرَاهِم بزر
(3/162)

الفنجنكشت فِي اللَّبن الحليب وَمِمَّا جرّب فِي كل صنف فودنج دِرْهَمَانِ طباشير دِرْهَمَانِ ورد أَحْمَر نصف دِرْهَم كافور قِيرَاط يسقى فِي مَاء الرُّمَّان الحامض أَو يسقى الأبهل على الرِّيق. فصل فِي الْأكلَة وَفَسَاد الْعُضْو وَالْفرق بَين غانغرانا وسفاقلوس الْكَلَام فِي هَذِه الْأَشْيَاء مُنَاسِب من وَجه مَا للْكَلَام فِي الْأُمُور الَّتِي سلف ذكرهَا نقُول أَن الْعُضْو يعرض لَهُ الْفساد والتعفن بِسَبَب مُفسد الرّوح الحيواني الَّذِي فِيهِ أَو مَانع إِيَّاه عَن الْوُصُول إِلَيْهِ أَو جَامع للمعنيين وَمثل السمُوم الحارة والباردة والمضادة بجواهرها للروح الحيواني وَمثل الأورام والبثور والقروح الرَّديئَة الساعية السمّية الْجَوْهَر وَالَّتِي يخطأ عَلَيْهَا كَمَا يخطأ فِي صب الدّهن فِي القروح الغائرة فيعفن اللَّحْم وبالتبريد الشَّديد على الأورام الحارة فَيفْسد مزاج الْعُضْو. وَأما الْمَانِع فالسدة وَتلك السدة إِمَّا عرضية بادية مثل شدّ بعض الْأَعْضَاء من أَصله شدَّاً وثيقاً فَإِن هَذَا إِذا دَامَ فسد الْعُضْو لاحتباس الرّوح الحيواني عَنهُ أَو احتباس الْقُوَّة الساطعة وَقد يكون لسدّة بدنية مثل ورم حَار رَدِيء ثَابت عَظِيم غليظ الْمَادَّة سَاد للمنافد ومداخل النَّفس الَّذِي بِهِ يحيا الرّوح الحيواني وَهَذَا مَعَ مَا يحبس فقد يفْسد المزاج أَيْضا وَمَا كَانَ من هَذَا فِي الِابْتِدَاء وَلم يفْسد مَعَه حسّ مَا لَهُ حس فيسمى غانغرانا وخصوصاً مَا كَانَ فلغمونياً فِي ابْتِدَائه. وَمَا كَانَ من الاستحكام بِحَيْثُ يبطل حس مَا لَهُ حسّ وَذَلِكَ بِأَن يفْسد اللَّحْم وَمَا يَلِيهِ وَحَتَّى الْعظم ابْتِدَاء أَو عقيب ورم فَإِنَّهُ يُسمى سفاقلوس. وَقد يصير كانغرانا سفاقلوس بل هُوَ طَرِيق إِلَيْهِ وكل هَذَا يعرض فِي اللَّحْم ويرض فِي الْعظم وَغَيره وَإِذا أَخذ يسْعَى إفساده الْعُضْو ويرم مَا حول الْفَاسِد ورماً يُؤَدِّي إِلَى الْفساد فَحِينَئِذٍ يُقَال لجملة الْعَارِض آكِلَة وَيُقَال لحَال الْجُزْء من الْعُضْو الَّذِي يعفن موت وَلَوْلَا غلظ مادتها لم تلْزم واندفعت. فصل فِي المعالجة أما غانغرانا فَمَا دَامَ فِي الِابْتِدَاء فَهُوَ يعالج وَأما إِذا استحكم الْفساد فِي اللَّحْم فَلَا بدٌ من أَخذ جَمِيعه. فَإِذا رَأَيْت الْعُضْو قد تغيّر لَونه وَهُوَ فِي طَرِيق التعفن فَيجب أَن تبادر إِلَى لطخه بِمَا بِمَنْع العفونة مثل الطين الأرمني والطين الْمَخْتُوم بالخل.
(3/163)

فَإِن لم ينجع ذَلِك لم تَجد بدا من الشَّرْط الغائر الْمُخْتَلف الْوُجُوه فِي المواقع وإرسال العلق وفصد الْعُرُوق المقاربة لَهُ الصغار ليَأْخُذ الدَّم الرَّدِيء مَعَ صِيَانة لما يطِيف بالموضع بِمثل الأطلية الْمَذْكُورَة وَيُوضَع على الْموضع الْمَشْرُوط نَفسه مَا يمْنَع العفن ويضاده مِمَّا لَهُ غوص أقوى مثل دَقِيق الكرسنّة مَعَ السكنجبين أَو مَعَ دَقِيق الباقلا وخصوصاً مخلوطاً بملح وَمِمَّا يطلى عَلَيْهِ الحلتيت وبزر القريص أَيْضا زراوند مدحرج وعصارة ورق الخوخ جُزْءا جُزْءا زنجار نصف جُزْء يسحق بِالْمَاءِ حَتَّى يصير على ثخن الْعَسَل وتطلى بِهِ القرحة وحواليها. وَمن الْأَدْوِيَة الْمَانِعَة للآكلة: أَن يُؤْخَذ من الزنجار وَالْعَسَل والشبّ بِالسَّوِيَّةِ ويلطخ بِهِ فَإِنَّهُ يمْنَع وَيسْقط المتعفن ويحفظ مَا يَلِيهِ فَإِن جَاوز الْحَال حَال الورم وَحَال فَسَاد لَونه فَأخذ فِي ترهّل وترطب يَسِيرا فَهَذَا مِنْهُ طَرِيق آخر فِي التعفن فَيجب أَن ينثر عَلَيْهِ زاوند مدحرج وعفص بِالسَّوِيَّةِ حَتَّى يجففه بِهِ وَكَذَلِكَ الزاج أَيَضُرُّ والقلقطار جيدان خُصُوصا بالخل وورق الْجَوْز وَكَذَلِكَ قثّاء الْحمار أَو عصارته طلاء فَإِن أَخذ بعض اللَّحْم يفْسد قطعته أَو أسقطته بِمثل أَقْرَاص الأنزروت وَأقوى مِنْهُ قلقديقون فَإِذا سَقَطت طبقَة تداركت بالسمن تَجْعَلهُ عَلَيْهِ ثمَّ تسْقط الْبَاقِي حَتَّى يصل إِلَى اللَّحْم الصَّحِيح. والزاج الْأَحْمَر نثور جيد على الترهل والتعفن. فَإِذا ظهر العفن فَلَا يدافع بِالْقطعِ والإبانة فيعظم الْخطب. وَإِذا عظم الورم حول التعفن فقد مدح لَهُ سويق بعصارة البنج وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بجيد بل يجب أَن يكون اسْتِعْمَال مثله على الْموضع الصَّحِيح ليمنع عَنهُ ويردع فَإِذا قطعت الْعُضْو الَّذِي تعفن فَيجب أَن يكون مَا يُحِيط بِهِ بالنَّار فَذَلِك هُوَ الحزم أَو بالأدوية الكاوية المحرقة وخصوصاً فِي الْأَعْضَاء السريعة الْقبُول للعفن بِسَبَب حَرَارَتهَا ومجاورة الفضول الْجَارِيَة لَهَا مثل المذاكير والدبر فَهَذَا الْقَمَر هُوَ الَّذِي نقُوله هَهُنَا وتجد فِي كلامنا فِي القروح المتعفنة مَا يجب أَن تضيفه إِلَى هَذَا الْبَاب. فصل فِي الطواعين كَانَ أقدم القدماء يسمون مَا تَرْجَمته بِالْعَرَبِيَّةِ الطَّاعُون كل ورم يكون فِي الْأَعْضَاء الغددية اللَّحْم والخالية. أما الحساسة مثل اللَّحْم الغددي الَّذِي فِي الْبيض والثدي وأصل اللِّسَان وَأما الَّتِي لَا حسّ لَهَا مثل اللَّحْم الغددي الَّذِي فِي الْإِبِط والأربية وَنَحْوهَا. ثمَّ قيل من بعد ذَلِك لما كَانَ مَعَ ذَلِك ورماً حاراً ثمَّ قيل لما كَانَ مَعَ ذَلِك ورماً حاراً قتالأً ثمَّ قيل لكل ورم قتال لِاسْتِحَالَة مادته إِلَى جَوْهَر سمي يفْسد الْعُضْو ويغير لون مَا يَلِيهِ وَرُبمَا رشح دَمًا وصديداً وَنَحْوه وَيُؤَدِّي كَيْفيَّة رَدِيئَة إِلَى الْقلب من طَرِيق الشرايين فَيحدث الْقَيْء والخفقان والغشي وَإِذا اشتدت أعراضه قتل. وَهَذَا الْأَخير يشبه أَن تكون الْأَوَائِل كَانُوا يسمونه قوماطا. وَمن الْوَاجِب أَن يكون مثل هَذَا الورم الْقِتَال يعرض فِي أَكثر الْأَمر فِي الْأَعْضَاء الضعيفة مثل الآباط والأربية وَخلف
(3/164)

الْأذن وَيكون أردؤها مَا يعرض فِي الآباط وَخلف الْأذن لقربها من الْأَعْضَاء الَّتِي هِيَ أَشد رياسة. وَأسلم الطواعين مَا هُوَ أَحْمَر ثمَّ الْأَصْفَر وَالَّذِي إِلَى السوَاد لَا يفلت مِنْهُ أحد والطواعين تكْثر فِي الوباء وَفِي بِلَاد وبيئة وَقد وَردت أَسمَاء يونانية لِأَشْيَاء تشبه الطواعين مثل طرفيترس وقوماطا وبوماخلا وبوبوس وَلَيْسَ عندنَا كثير تَفْصِيل بَين مسمياتها. فصل فِي العلاج أما الإستفراغ بالفصد وَمَا يحْتَملهُ الْوَقْت أَو يُوجِبهُ مِمَّا يُخرج الْخَلْط العفن فَهُوَ وَاجِب ثمَّ يجب أَن يقبل على الْقلب بِالْحِفْظِ والتقوية بِمَا فِيهِ تبريد وعطرية مثل حماض الأترج والليمون وربوب التفاح والسفرجل وَمثل الرُّمَّان الحامض وشم مثل الْورْد والكافور والصندل والغذاء مثل العدس بالخلّ وَمثل المصوص الحامض جدا الْمُتَّخذ. من لُحُوم الطياهيج والجداء. وَيجب أَن يكلل مأوى العليل بالجمد الْكثير وورق الْخلاف والبنفسج والورد والنيلوفر وَنَحْوه. وَتجْعَل على الْقلب أطلية مبردة مقوية مِمَّا تعرف من أدوية أَصْحَاب الخفقان الْحَار وَأَصْحَاب الوباء وَبِالْجُمْلَةِ يدبر تَدْبِير أَصْحَاب الْهَوَاء الوبائي. وَأما الطَّاعُون نَفسه وَمَا يجْرِي. مجْرَاه مِمَّا سقِِي فيعالج فِي البدء بِمَا يقبض ويبرد وبإسفنجة مغموسة فِي مَاء وخل أَو فِي دهن الْورْد أَو دهن التفاح أَو شَجَرَة المصطكي أَو دهن الآس. هَذَا فِي الِابْتِدَاء ويعالج بِالشّرطِ إِن أمكن ويسيل مَا فِيهِ وَلَا يتْرك أَن يجمد فَيَزْدَاد سميَّة. وَإِن احْتِيجَ إِلَى محجمة تمصّ باللطف فعل وَمَا كَانَ خراجي الْجَوْهَر فَيجب أَن تشتغل عِنْد انتهائه أَو مقاربة الِانْتِهَاء بالتقييح. وَإِذا كَانَ هُنَاكَ حمى فتأن فِي التبريد لِئَلَّا ترد الْمَادَّة إِلَى خلف. والتقييح يكون بِمثل النطل بِمَاء البابونج والشبث وَسَائِر المقيحات اللطيفة الَّتِي تذكر فِي أَبْوَاب الخراجات. قَالُوا أما قوماطا وميغيلوس فينفعها ضمّاد برشياوشان والسرمق واللبلاب وأصل الخطمي مَعَ قَلِيل أشق وَعسل بِالشرابِ أَو دبق مَعَ راتينج وقيروطي أَو وسخ كوارة النَّحْل وترمس منقع فِي خل أَو أصل قثاء الْحمار مَعَ علك البطم أَو نطرون مَعَ تين أَو مَعَ خمير. فصل فِي الأورام الْحَادِثَة فِي الغدد وَأما الأورام الغددية الَّتِي لَيست تذْهب مَذْهَب الطواعين فَرُبمَا وَقعت موقع الدفوع فِي البحارين وَرُبمَا وَقعت موقع الدفوع عَن الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة وَرُبمَا جلبها قُرُوح وأورام أُخْرَى على الْأَطْرَاف تجْرِي إِلَيْهَا مواد فتسلك فِي طريقها تِلْكَ اللحوم فتتشبث فِيهَا كَمَا يعرض للأربية والإبط من تورمهما فِيمَن بِهِ جرب أَو قُرُوح على الرجلَيْن وَالْيَدَيْنِ وَرُبمَا كَانَت مَعَ امتلاء من الْبدن وَرُبمَا لم يكن فِي الْبدن كثير امتلاء.
(3/165)

وعلاجها كَمَا علمت يُخَالف علاج الأورام الْأُخْرَى فِي أَنَّهَا لَا تبدأ بالدفْع وَلَا تسّتعمل فِيهَا ذَلِك بل الاستفراغ بالفصد والإسهال مِمَّا لَا بُد مِنْهُ. وَأما العلاج الآخر فَيتَوَقَّف فِيهِ إِن أمكن حَتَّى تستبان الْحَال فَإِن كَانَ على سَبِيل البحران أَو على سَبِيل الدّفع عَن عُضْو رَئِيس فَلَا يَنْبَغِي أَن يمْنَع الْبَتَّةَ بل يجذب إِلَى الْعُضْو أَي جذب أمكن وَلَو بالمحاجم. وَأما إِن كَانَ لِكَثْرَة الإمتلاء فالإستفراغ هُوَ الأَصْل وتقليل الْغذَاء وتلطيفه وَلَا تسْتَعْمل الدافعات بل المرخيات مَعَ أَنه لَا تسْتَعْمل المرخيات أَيْضا من غير استفراغ فَرُبمَا حَتَّى ذَلِك على الْعُضْو يجذب الْمَادَّة الْكَثِيرَة. بل إِذا اسْتعْملت المرخّيات فاستفرغ مَعَ ذَلِك واجذب الْمَادَّة إِلَى الْخلاف. والخطر فِي الدافعات رد الْمَادَّة إِلَى الأحشاء والأعضاء الرئيسة والخطر فِي المرخيات جلب مَادَّة كَثِيرَة. والاستفراغ وإمالة الْمَادَّة تؤمن مضرَّة المرخيات. وَإِذا اشْتَدَّ الوجع فَلَا بُد من تسكينه بِمثل صوفة مبلولة بِزَيْت حَار ثمَّ يُزَاد فِيهِ فِي آخِره الْملح حَتَّى يسكن الورم بِمَا يتَحَلَّل وَفِي الأول رُبمَا زَاد فِي الوجع. وَإِذا كَانَ الْبدن نقياً أَو نقيته فحلل وَلَا تبال وَرُبمَا نجع فِي التَّحْلِيل مثل دَقِيق الْحِنْطَة وَأسلم مِنْهُ دَقِيق الشّعير وَرُبمَا عظم الْمُحَلّل الْقوي الورم فَلَا يسْتَعْمل إِلَّا إِذا احْتِيجَ إِلَى دفع من الْأَعْضَاء الرئيسة لجذبه الْمَادَّة عَنْهَا إِلَى الورم خوفًا على تِلْكَ الرئيسة وَكَثِيرًا مَا يبرئها فِي الإبتداء الزَّيْت المسخن وَحده يصب عَلَيْهِ. وَأما إِذا كَانَ الورم فِي لحم رخو هُوَ فِي عُضْو شرِيف مثل الثدي والخصية وَلم تخف من مَنعه فصل فِي الخراجات الحارة وَالْخَرَاج من جملَة الدبيلات مَا جمع من الأورام الحارة فَكَانَ اسْم الدُّبَيْلَة يَقع على كل تورم يتفرغ فِي بَاطِنه مَوضِع تنصب إِلَيْهِ مَادَّة مَا فَتبقى فِيهِ أَيَّة مَادَّة كَانَت. وَالْخَرَاج مَا كَانَ من جملَة ذَلِك حاراً فَيجمع الْمدَّة وَقد يبتدىء الورم الْحَار كَمَا هُوَ جمع وتفرق اتِّصَال بَاطِن وَقد لَا يبتدىء كَذَلِك بل يبتدىء فِي ابْتِدَاء الأورام اَلحادة الصَّحِيحَة ثمَّ يَؤول أمره عِنْد الْمُنْتَهى أَن يَأْخُذ فِي الْجمع. ولنؤخر الْكَلَام فِي الدبيلات البارعة الَّتِي تحتوي على أخلاط مخاطية وجصية وحصويه ورملية وشعرية وَغير ذَلِك وعَلى أَن من النَّاس من خص باسم الدبيلات مَا فِيهِ أخلاط من هَذَا الْجِنْس. لَكنا الْآن نتكلم فِيمَا يجمع الْمدَّة فَإِن هَذَا ابْتَدَأَ إخراجاً لمادة دفعتها الطبيعة فَلم يُمكن أَن تنفذ فِي الْجلد وَلَا أَن يتشربها اللَّحْم بل فرقت لَهَا اتِّصَالًا لغلظها تفريقاً ظَاهرا فاسكتنت فِي خلل مَا يتفرق وَفِي الْأَكْثَر يظْهر لَهَا رَأس محدد وخصوصاً إِن كَانَت الْمَادَّة حادة. وَهَذِه الخراجات تبتدي فتجمع الْمدَّة ثمَّ تنضج الْمدَّة ثمَّ تنفجر وَرُبمَا احْتَاجَت إِلَى تَقْوِيَة فِي الإنضاج والإنفجار وَرُبمَا لم تحتج.
(3/166)

وَكلما كَانَ الْخراج أشدّ ارتفاعاً واحمراراً وَأحد رَأْسا فالخلط الْمُحدث لَهُ أشدّ حرارة وَهُوَ أسْرع نضجاً وتحللاً وانفجاراً وخصوصاً الناتئ البارز الصنوبري وَمَا كَانَ بِالْخِلَافِ مستعرضاً غائصاً قَلِيل الْحمرَة فَهُوَ غليظ الْمَادَّة رَدِيء مائل إِلَى بَاطِن قَلِيل الوجع ثقيل الْحَرَكَة وأردأ هَذَا مَا كَانَ انفجاره إِلَى بَاطِن فَيفْسد مَا يمر عَلَيْهِ وَمِنْه مَا ينْدَفع إِلَى الْجَانِبَيْنِ وَأحد انفجاره مَا كَانَ إِلَى التجويف الْخَاص بالعضو الَّذِي لَهُ مسيل إِلَى خَارج مثل خراج الْمعدة وَلِأَن ينفجر إِلَى بَاطِنه وتجويفه خير من أَن يتفجر إِلَى ظَاهره وَإِلَى. التجويف الْمُحِيط بِهِ المراق. وكما أَن الإنفجار الدماغي إِلَى التجويفين المقدمين أَحْمد لِأَن لَهما منفذاً مثل منفذ الْأنف وَالْأُذن والقمع إِلَى الْفَم وَإِذا انفجر إِلَى الفضاء الْمُحِيط بالدماغ أَو إِلَى الْبَطن الْمُؤخر لم يجد منفذاً إِلَى خَارج وأضر ضَرَرا شَدِيدا وَلَيْسَ كل عُضْو صَالحا لِأَن يحدث فِيهِ خراج فَإِن المفاصل يقلّ خُرُوج الْخراج فِيهَا لِأَن فِيهَا أخلاطاً مخاطية ومكانها وَاسع غير خانق للمادة وَلَا حَابِس ليخرج إِلَى العفن فَإِن خرج هُنَاكَ خراج فلأمر عَظِيم وَشر الخراجات وأخبثها مَا خرج على أَطْرَاف العل الْكَثِيرَة العصب. والخراجات تخْتَلف مُدَّة نضج مدَّتهَا بِحَسب الْخَلْط فِي لطافته وغلظه والمزاج فِي حره وبرده واعتداله وبحسب الْفَصْل وَالسّن وجوهر الْعُضْو. وَإِنَّمَا لَا ينضج الْخراج ويستحيل مَا فِيهِ قَيْحا بِسَبَب قلَّة الْحَار الغريزي فِي الْعُضْو أَو بِسَبَب غلظ جَوْهَر الْمَادَّة وَقد يبلغ من ذَلِك أَن يتقيح فِي بَاطِنه وَلَا يظْهر للحس لغؤور الْقَيْح وَغلظ مَا عَلَيْهِ. والمدة قد توقف على نضجها سَرِيعا وَقد لَا توقف بِحَسب جوهرها فِي الغلظ فَلَا تلين بِسُرْعَة وَإِن نَضِجَتْ وَفِي الرقة فتلين بِسُرْعَة وبحسب مَا عَلَيْهَا من اللَّحْم الْقَلِيل وَالْكثير. وَأَسْبَاب الْخراج والوقوع إِلَى الْمدَّة الامتلاء وَكَثْرَة الْمَادَّة وفسادها. وَأَسْبَاب أَسبَابهَا التُّخمَة والرياضات الرَّديئَة والأمراض الَّتِي لَا تبحرن بالاستفراغ الظَّاهِر والآفات النفسانية من الغموم والهموم الْمفْسدَة للدم. وَمن الخراجات ضرب يُسمى طرميسوس وَهُوَ خراج ينفجر فَيخرج مَا تَحْتَهُ شَبِيها بِاللَّحْمِ الْجيد ثمَّ يظْهر عَنهُ مُدَّة أُخْرَى وَمن الخراجات ضرب آخر يُسمى البن وَهُوَ خراج قرحي مستدير أَحْمَر لَا يعرى صَاحبه عَن الْحمى فِي أَكثر الْأَمر وحدوثه فِي أَكثر الْأَمر فِي الرَّأْس وَقد يحدث فِي غَيره. فصل فِي دَلَائِل كَون الورم خراجاً إِذا رَأَيْت ضرباناً كثيرا وصلابة مساعدة وحرارة نظن أَن الورم فِي طَرِيق صَيْرُورَته خراجاً.
(3/167)

فصل فِي دَلَائِل النضج وعلامته فصل فِي أَحْكَام الْمدَّة الْمدَّة الجيدة هِيَ الْبَيْضَاء الملساء الَّتِي لَيست لَهَا رَائِحَة كريهة وَإِنَّمَا تصرفت فِيهَا الْحَرَارَة الغريزية وَإِن لم يكن بُد من مُشَاركَة الغريبة وَإِنَّمَا تزاد ملاستها ليعلم أَنَّهَا متفقة الانفعال عَن الْقُوَّة الهاضمة وَلم يخْتَلف فعلهَا فِي عَاص ومطيع وَيطْلب أَن لَا يكون لَهَا رَائِحَة شَدِيدَة الْكَرَاهَة لتَكون أبعد من العفونة. قَالُوا: وَيطْلب مِنْهَا الْبيَاض لِأَن ألوان الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة بيض وَلنْ يشبهها إِلَّا الطبيعة المقتدرة عَلَيْهَا. والمدة الرَّديئَة هِيَ المنتنة الدَّالَّة على العفونة الَّتِي هِيَ ضد النضج وتدل على اسْتِيلَاء الْحَرَارَة الغريبة وَإِذا خرجت مُدَّة مُخْتَلفَة الْأَجْزَاء متفننة الألوان والقوامات فَهِيَ أَيْضا من الْجِنْس الْمُخَالف للجيّد وَلَا بدّ لكل مُدَّة تحصل فِي بدن من عفونة أَو نضج أَو برد واستحالة بِنَحْوِ آخر. فصل فِي دَلَائِل الْخراج الْبَاطِن إِذا حدث ورم حَار فِي الأحشاء فعرضت قشعريرات وحميات لَا تَرْتِيب لَهَا. وَاشْتَدَّ الوجع وَكَانَت القشعريرة فِي الْأَوَائِل أطول مُدَّة ثمَّ لَا تزَال تقصر مدّتها وازداد ثقل الورم. فَاعْلَم أَن الورم صَار خراجاً وَأَنه هُوَ ذَا يجمع وَإِنَّمَا تكون هَذِه الأوجاع فِي الِابْتِدَاء أَشد. وَكلما بلغ الْمُنْتَهى نقص لِأَن التمزق يكون فِي الِابْتِدَاء والتمزق وتفرق الإتصال أوجع مَا يحدث مِنْهُ عِنْدَمَا يحصل وعندما تصير الْمَادَّة مدَة تسكن أَيْضا الْحمى الشَّدِيدَة والالتهاب فتسكن الْحمى الْوَاقِعَة بمشاركة الْقلب. وَاعْلَم أَن صلابة النبض هُوَ الشَّاهِد الْأَكْبَر فَإِذا ظَهرت عَلَامَات الْخراج والدبيلة فِي الأحشاء وَلم يصلب النبض فَلَا تحكم جزما بالخراج الْبَاطِن فَإِن فِي مثله رُبمَا لم يكن فِي الأحشاء بل فِي الصفاق الَّذِي يُحِيط بالأحشاء وَأَنت تحسّ فِي الْجَانِب الَّذِي فِيهِ الْخراج بالثقل الَّذِي يتَعَلَّق مِنْهُ وبالوجع. فصل فِي دَلَائِل نضج الْبَاطِن إِذا عرضت دَلَائِل الْخراج الْبَاطِن ثمَّ مكنت الْأَعْرَاض من الحمّى والقشعريرة والأوجاع سكوناً مَا وَمَا بَقِي الثّقل فَاعْلَم أَن الْمدَّة قد استحكمت والنضج كَانَ. فصل فِي دَلَائِل قرب انفجار الْبَاطِن فَإِذا عاودت الأوجاع ونخست ولذعت وَاشْتَدَّ الثّقل وتشابهت الحميات فَإِن الإنفجار قد قَرُب. فَإِذا عرض النافض بَغْتَة وَسكن الثّقل
(3/168)

والوجع فقد انفجر وخصوصاً إِذا ظَهرت عَنهُ الْمدَّة مستفرغة تلذع مَا تمر بِهِ وَلَا بُد من ذبول قُوَّة وَضعف يدْخل. وَإِذا انفجر الخزاج الْبَاطِن إنفجاراً دفْعَة وَخرج شَيْء كثير فَرُبمَا يعرض خفقان وَغشيَ رَدِيء وَرُبمَا عرض موت لانحلال الْقُوَّة وَرُبمَا عرض قيء وإسهال وَرُبمَا عرض نفث مُدَّة كَثِيرَة دفْعَة إِذا كَانَ الْخراج فِي الصُّدُور وَرُبمَا عرض اختناق إِذا انفجر إِلَى الصَّدْر شَيْء كثير دفْعَة. فصل فِي علاج الخراجات الظَّاهِرَة أما الاستفراغات وَمَا يعالج بِهِ الأورام فِي أوائلها إِلَّا أَن يخَاف رُجُوع الْمَادَّة إِلَى عُضْو شرِيف كَمَا بَينا وكما يغلط فِيهِ الْجُهَّال فَأمر يشْتَرك فِيهِ الْخراج الْحَار والأورام الحارة غير الخراجية وَالَّذِي يخْتَص بِهِ من التَّدْبِير فَهُوَ تَحْلِيل مَا يجْتَمع فِيهِ وَذَلِكَ على وَجْهَيْن من التَّدْبِير. أَحدهمَا التَّدْبِير الْجَارِي على السداد. إِذا لم يكن الْمَرَض خَارِجا عَن الْمُعْتَاد خُرُوجًا كثيرا وَهُوَ أَن يحتال فِي إنضاج الْمَادَّة مُدَّة وَفِي تفجيرها بعد ذَلِك وَأَن تراعى الْقُوَّة وتحفظها لِئَلَّا يُسْقِطهَا الوجع والانفجار دفْعَة. فَإِن كثيرا من النَّاس تَمُوت غشياً وذبول قُوَّة بل يجب أَن تراعي أَيهَا الطَّبِيب كَيفَ تقَوِّي الْقُوَّة وتحفظها بِمَا تعلم فَيجب أَن تغذو صَاحب الدُّبَيْلَة بأغذية جَيِّدَة. إِلَّا أَن يكون الْخراج فِي الأحشاء فتحتاج ضَرُورَة إِلَى تلطيف الْغذَاء. وَالثَّانِي التَّدْبِير الْخَارِج عَن السداد لضَرُورَة الْحَال وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ الْمَرَض عَظِيما وَالْخَرَاج مجاوزاً فِي عظمه للمعتاد وَخيف استعجال الْأَمر فِي انْتِظَار النضج فِيهِ. أَو عُلم أَن الْقُوَّة لَا تفي بإضاج جَمِيع ذَلِك وَإِن حاولت الإنضاج تأدى ذَلِك إِلَى تَأْثِير غير الإنضاج فَلَا بُد من الْبضْع اتقائك مَسَ الْحَدِيد لما يَلِي الْخراج من الْأَعْضَاء الْكَرِيمَة الَّتِي فِي مس الْحَدِيد لَهَا خطر. وَكَذَلِكَ إِذا أحسست أَن الْمَادَّة من الغلظ بِحَيْثُ لَا تنضج أَو خفت أَن الْحَار الغريزي من الْقلَّة فِي الْعُضْو بِحَيْثُ لَا ينضج أَو خفت أَنه لتَقْصِيره بِحَيْثُ يحِيل إِحَالَة غير الإنضاج الْحَقِيقِيّ أَو يكون الْخراج بِقرب المفاصل أَو الْأَعْضَاء الرئيسة فيخاف إفساده إِيَّاهَا. وَإِن عولت فِي الإنضاج على الْأَدْوِيَة المغرية أَو المنضجة لم يبعد أَن تمنع المغرية نُفُوذ النسيم فِي المسام وتحرك المنضجة حرارة ضَعِيفَة وَجَمِيع ذَلِك يعين على تعفين الْعُضْو فَفِي أَمْثَال هَذِه لَا بُد من الشَّرْط الغائر والبط العميق ثمَّ تتبع ذَلِك أدوية هِيَ فِي غَايَة التَّحْلِيل والتجفيف وَيجب أَن يكون البط وَالشّرط ذَاهِبًا فِي طول لِيف عصب الْعُضْو اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد أَن يبطل فعل ذَلِك الْعُضْو خوفًا من وُقُوع التشنج فَيقطع الليف عرضا وَيسلم مِمَّا يتخوّف وَأكْثر طول الليف مَعَ طول
(3/169)

الْبدن إِلَّا فِي أَعْضَاء مَخْصُوصَة وَكَذَلِكَ تَجِد أَكثر طول الليف مَعَ كسر الأسرة والغضون إِلَّا فِي أَعْضَاء مَخْصُوصَة كالجبهة. وَلَا يَنْبَغِي أَن تُقرب من المبطوط والمشروط مَاء وَلَا دهناً وَلَا شَيْئا فِيهِ شَحم فَإِن لم يكن بُد من غسل فبماء وَعسل أَو مَاء بشراب أَو بخل فان اشْتَدَّ الورم والالتهاب بعد البط ضمدت بالعدس وَإِن لم تكن تِلْكَ حَاجَة اسْتعْملت الملحمات والمراهم. وَاعْلَم أَن هَذَا البط مولد للصديد والوضر والناصور وَلَكِن إِذا لم يكن مِنْهُ بُد فَلَا حِيلَة وَأولى مَا يصير عَلَيْهِ إِلَى أَن تنضج الْمَوَاضِع اللحمية القليلة العصب وَالْعُرُوق. وَاعْلَم أَن الصنوبرية المرتفعة المحددة الرؤوس قَلما تحْتَاج إِلَى بط لَا قبل النضج وَلَا بعده. فصل فِي تَدْبِير الانضاج وَالْحِيلَة للتقيح فِي الخراجات الظَّاهِرَة الْأَدْوِيَة المنضجة يجب أَن تكون حَرَارَتهَا قريبَة من حرارة الْبدن وَيكون لَهَا تغرية مَا. منَ ذَلِك فِي أول الدَّرَجَات النطول بِالْمَاءِ الفاتر والتضميد بدقيق الْحِنْطَة أَو الشّعير. وَالْحِنْطَة الممضوغة أَجود فِي ذَلِك وَالْخبْز مَعَ مَاء وزيت أَو شمع وزعفران ودقاق الكندر والزفت بدهن الْورْد وشحم الْخِنْزِير أَو ضماد من الخطمي وبزر الْكَتَّان وَأَيْضًا ضماد من التِّين الْيَابِس الحلو الدسم السمين وَحده أَو بدقيق الشّعير ودقيق الشّعير أَيْضا وخصوصاً إِن جعل فِيهِ زوفا وصعتر بري أَو جمع بماءَ طبخا فِيهِ مَعَ قَلِيل ملح من غير إفراط وَرُبمَا زِدْت فِيهِ شحماً أَو دهناً وَأقوى من ذَلِك حرف مَعَ علك البطم. والأدوية المركبة من الزَّبِيب والميعة والقنة والمر واللاذن والراتيانج وَالسمن والمصطكي والزوفا الرطب وأصل قثاء الْحمار وأصل دم الْأَخَوَيْنِ. ومرهم جالينوس بدهن الخروع من غير شمع وخصوصاً إِذا ديف هَذَا المرهم فِي الزَّيْت وَكَذَلِكَ مرهم فصل فِي تَدْبِير الخراجات الظَّاهِرَة إِذا نَضِجَتْ إِذا وجدت الْخراج غليظ الْجلد لَا يُرْجَى معِ النضج انفجاره وَهُنَاكَ عروق وأوتار وَعصب فَيجب أَن تبط فَإنَّك إِن تركت المدَة فَسدتْ وأفسدت وأكلت الْعُرُوق وليف العصب وأشدّ مَا يكون ذَلِك إِذا كَانَ بِقرب من المفاصل. واطلب ببطك مَوضِع الْمدَّة واجتهد أَن يَقع بَاب البط إِلَى أَسْفَل إلاّ حَيْثُ لَا يُمكن وَإِن كَانَ مَا على الْخراج سميناً فشققت فشق الْبَاب فَقَط فَإِنَّهُ يلتزق السمين بِمَا وَرَاءه وَإِن كَانَ نحيفاً فشقّ جَمِيعه طولا. وَاعْلَم أَن الْموضع الَّذِي فِيهِ المدّة تبين بالمسّ وخصوصاً إِذا كبست بإصبع وَأَنت تراعي بإصبع أُخْرَى وَلَو من الْيَد الْأُخْرَى هَل ينْدَفع شَيْء من الكبس. وَمَوْضِع المدّة يظْهر من ميل لَونه إِلَى الْبيَاض وَمَا لم ينضج يكون إِلَى حمرَة
(3/170)

وَقد يكون مَوضِع الْمدَّة إِلَى خضرَة وصفرة إِذا لم تكن الْمدَّة جَيِّدَة وَالْمُعْتَمد للمس دون الْبَصَر على أنّ للعصر مَعُونَة. وَيجب أَن يلْزم فِي الشق الخطوط الطبيعية من الاسرة إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة فَفِي أَعْضَاء مُخَالفَة وضع الليف فِي طوله لوضع الاسرة فَإنَّك إِن اتبعت فِي بط خراج يكون على الْجَبْهَة الاسرة سَقَطت جلدَة الْجَبْهَة على الْوَجْه بل تحْتَاج إِلَى أَن تخَالف الاسرة. وَأما فِي مثل الأربية فَيجب أَن تذْهب مَعَ الاسرة فِي الْعرض من الْجلْدَة وَإِذا بططت الْخراج وأخرجت مَا فِيهِ فَالْوَاجِب أَن تبادر إِلَى إلصاق الْجلد بِاللَّحْمِ لِئَلَّا يتخرّق ويتصلب وَيصير بِحَيْثُ لَا يلتصق وتحدث فِيهِ المخابي الَّتِي لَا تزَال تمتلىء وتعود مثل الْخراج الأول وَكلما نقيت لم تلبث أَيْضا أَن تمتلىء وَتصير بِالْحَقِيقَةِ من جنس النواصير وَقبل أَن تلزقه فِي الْوَقْت يجب أَن تنقيه وَإِن احتجت أَن تدخل فِيهِ مِرْوَداً على رَأسه خرقَة خشنة تنقيه بهَا وتحكه وتلزقه وتضبطه بالشد على مَا سنذكر من رِبَاط المكهوف والقروح الغائرة كَانَ صَوَابا جيّداً. وَيجب أَن تراعي فِي البطّ مَا ذَكرْنَاهُ من الشَّرَائِط ثمَّ تبط من أنضج مَوضِع وألحمه وأبعده من الشرايين وَالْعُرُوق والأوتار. قَالَ انطيلس: إِذا كَانَ الْخراج فِي الرَّأْس فشقّه شقّاً مستوياً وَيكون مَعَ أصل نَبَات الشّعْر لَا يكون مُعْتَرضًا فِيهِ لكَي يغطيه الشّعْر وَلَا يتَبَيَّن إِذا برأَ. قَالَ: وَإِن كَانَ فِي مَوضِع الْعين فَإنَّا نبطه مُعْتَرضًا وَإِن عرضت فِي الْأنف بططناه مستوياً بِقدر طول الْأنف. وَإِن كَانَ بِقرب الْعين بططناه بطاً يشبه رَأس الْهلَال وصيرنا الإعوجاج إِلَى أَسْفَل. وَإِن عرض فِي الفكين شققنا مستوياً لِأَن تركيب هَذَا الْموضع مستو وَيعرف ذَلِك من أجساد الشُّيُوخ. وَأما خلف الْأُذُنَيْنِ فَإنَّا نبطه مستوياً. وَأما الذراعان والمرفقان وَالْيَدَانِ والأنامل والأربيتان فَإنَّا نبطها كلهَا بالطول. قَالَ: وَإِن كَانَ بِقرب الفخذين بططناه بطاً مستديراً والبط المستدير هُوَ الَّذِي يَأْخُذ مَعَ أَخذ فِي طول الْبدن شَيْئا من عرضه. قَالَ لِأَن هَذَا الْموضع إِذا لم يبط مستديراً أمكن أَن تَجْتَمِع فِيهِ الْموَاد وتصيّرنا صوراً وَكَذَلِكَ أَيْضا تبط مَا كَانَ بِقرب المقعدة لمَكَان الرُّطُوبَة الَّتِي تَجْتَمِع فِيهِ وَفِي الْجنب والأضلاع يبط مورباً. وَأما الْخصي والقضب فمستوياً. قَالَ: ويُحرض أبدا أَن يكون البط مُتَابعًا للشكل الكياني مَا قَدرنَا عَلَيْهِ. وَأما الساقاق والعضدان فتشق بالطول وتتحفظ عَن أَن تصيب العصب. وَاعْلَم أَن البط يخْتَلف بِحَسب الْمَوَاضِع إِذا كَانَ عِنْد الْعين فبطه مقرناً كشبيه وضع الْعين وَفِي الْأنف بطول الْأنف وَفِي الفك وَقرب الْأذن يشق مستوياً لِأَن تركيب هَذَا الْموضع مستو وَيعرف ذَلِك من أجساد الشُّيُوخ. فَأَما خلف الْأذن فبط مستو والذراع والساق والفخذ والعضد كُله مستو وَيصير بالطول وَكَذَلِكَ فِي عضل الْبَطن وَفِي الظّهْر وَفِي الأربية والإبط
(3/171)

إجعله بطاً يَأْخُذ من الْعرض أَيْضا لِئَلَّا يصير فِيهِ مخبأ يصيرنا صوراً وَكَذَلِكَ مَا كَانَ بِقرب المقعدة فَخذ فِيهِ من الْعرض أَيْضا لِئَلَّا يحدث مخبأ فيصيرنا صوراً وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ والقضيب مستوياً بالطول وَفِي الْجنب والأضلاع حَذْو الأضلاع هلالياً مقرناً لأنّ وضع الأضلاع كَذَلِك وَاللَّحم الَّذِي عَلَيْهَا. قَالَ: وتفقد أبدا وضع لحم الْموضع وليف عضله لأنّا إنّما نحرص على أَن نبط بِاتِّبَاع الْموضع لِئَلَّا يحدث قطع ليَكُون مَوضِع الإلتحام حسنا غير وَحش ليكن فِي كل حَال من همّك أَن لَا تقطع شرياناً أَو عرقاً عَظِيما أَو عصبَة أَو لِيف عضلة والبط بِحَسب عظم الْخراج إِذا كَانَ صَغِيرا يسيل مَا فِيهِ من مَوضِع فشقه فِي مَوضِع وَإِن كَانَ عَظِيما فبطه بتزيد ثمَّ أَدخل إصبعك السبابَة الْيُسْرَى فِيهِ وبطّه حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى رَأسه ثمَّ ادخل أَيْضا فِي البط الثَّانِي وعَلى ذَلِك حِتى تَأتي عَلَيْهِ. فَإِن كَانَ للخراج مَوضِع مُسْتَقل يُمكن أَن يخرج مَا فِيهِ مِنْهُ بططناه فِي ذَلِك الْموضع وَإِن كَانَ مستديراً أَو لَهُ شكل لَا يخرج مَا فِيهِ من بطة وَاحِدَة بططناه أَسْفَله من موضِعين أَو ثَلَاثَة بِقدر مَا تعلم إِن كل مَا يجْتَمع فِيهِ يسيل فِي الْوَقْت. قَالَ: وَإِذا كَانَ الْخراج فِي مفصل أَو فِي عُضْو شرِيف أَو مَوضِع قريب من الْعظم أَو غشاء أَسْرَعنَا فِي بطه قبل أَن يستحكم نضجه لِئَلَّا يفْسد الْقَيْح شَيْئا من هَذِه الْأَعْضَاء نقُول: هَذَا هُوَ التَّدْبِير. إِذا لم تَجِد بدا من البط فَإِن رَجَوْت أَنه ينفجر بِنَفسِهِ فَلَا تبط وَكَذَلِكَ إِن رَجَوْت أنّه ينفجر بالأدوية المفجّرة وربّما وجدت فِي الْأَدْوِيَة المفجرة مَا يقوم مقَام البط وَكَثِيرًا مَا يبط. الْجلد بطاً أَو يُؤْخَذ مِنْهُ شَيْء ثمَّ يوضع عَلَيْهِ المفجّر ليَكُون أغوص لَهُ. أمّا الخراجات السليمة الَّتِي لَا كثير رداءة فِيهَا فَيفتح مثلهَا المَاء الْحَار ويفجره. وأمّا المتعفنة فتتضرر بذلك تضرراً شَدِيدا لما يجلب إِلَيْهَا من الْمَادَّة. وَإِذا رَأَيْت الْخراج يصلحه المَاء الْحَار فثق بجودته. وَاعْلَم أنّ التضميد بِأَصْل النرجس يفخر كل صَعب وخصوصاً مَعَ عسل ويغلى جَمِيع ذَلِك فِي دهن السوسن أَو أصل الْقصب الطري مَعَ عسل أَو زفت يَابِس مَعَ وسخ كواوير الْعَسَل أَو مرهم أَو بوسلوس أَو يُؤْخَذ شمع وراتيانج وَسمن من كل وَاحِد رَطْل وَمن الزفت الْيَابِس وَالْعَسَل نصف رَطْل وَمن الزنجار ثَلَاث أَوَاقٍ وَمن الزَّيْت قدر الْكِفَايَة. ودواء الثوم جيد جدا أَو يُؤْخَذ من الأشقّ سِتّ أَوَاقٍ شمع أَرْبَعَة بطم أَرْبَعَة كبريت أصفر ثَلَاثَة نطرون ثَلَاثَة ويتحد مرهم من ذَلِك. وَمِمَّا جربناه أَن يُؤْخَذ لب حبّ الْقطن والجوز والزنج والخمير والكرنب الْمَطْبُوخ والبصل الْمَطْبُوخ والخردل وذرق الْحمام فيتّخذ مِنْهُ ضماد فيفجر بِسُرْعَة. وَأَيْضًا الدياخيلون مدوفاً فِي لعاب الْخَرْدَل والصابون مدوفاً بِاللَّبنِ.
(3/172)

وَمن الْأَدْوِيَة المفجرة الْقَائِمَة مقَام البط أَن يسْتَعْمل مرهم مَأْخُوذ من عسل البلاذر والزفت الرطب يجمعان بالنَّار سَوَاء ثمَّ يَجْعَل على الخرّاج نصف يَوْم فَإِنَّهُ يفجره. وَمِمَّا هُوَ قوي أَيْضا أَن يُؤْخَذ القلي والنورة غير المطفأة فَيجْعَل فِي غمرة وَنصف مَاء ثمَّ يصفى بعد إغلائه ويكرر فِي ذَلِك المَاء القلي والنورة ثمَّ يُؤْخَذ وَيجْعَل فِي قَصْعَة من نُحَاس وَيُوضَع على جمر فَينْعَقد ملحاً وَيُؤْخَذ من هَذَا الْملح شَيْء وَمثل ربعه نوشادر وَيجْعَل فِي لعاب الْحَرْف وَفِيه شمّة من عسل البلاذر وَيسْتَعْمل. أَو تُؤْخَذ الذراريح وتسحق وَتجْعَل على الزَّيْت الْعَتِيق وَتجْعَل على نَار لينَة نَار جمر حَتَّى يتحد الْجَمِيع ثمَّ يسحق سحقاً كالمرهم ويتخذ مِنْهُ ضمّاد وخصوصاً إِن جعل عَلَيْهِ عسل البلاذر وخصوصاً إِن جعل فِيهِ ذرق الْبَازِي أَو ذرق العصافير أَو ذَر البطّ. وَذكر بَعضهم الكبيكج. وَمن الْأَدْوِيَة المحلّلة كلّ حاد مُحَلل يكرّر على الْموضع مرَّتَيْنِ فِي الْيَوْم مَعَ تسخين الْعُضْو وخلخلته بالكمادات الفاعلة لذَلِك مِمَّا فِيهِ رُطُوبَة حارة وكلّما تحلّل نقصت مرار الْوَضع والتكميد وَيجب أَن لَا يخلي التَّدْبِير عَن الْأَدْوِيَة الملينة حَتَّى تلين صلابة إِن حدثت وَلَا تجمد المدّة فَإِن زَالَت الْمدَّة وتحللت وَبقيت صلابة فَالْوَاجِب اسْتِعْمَال المليّنة وَحدهَا. وَهَذِه الْأَدْوِيَة المحلّلة للمدّة هِيَ من جملَة البورق والخردل وزبل الطُّيُور والزرنيخ والنورة والقردمانا ويخلط بِمثل الكندر وعلك البطم والمصطكي والدبق وَيجمع بالخل وَالزَّيْت الْعَتِيق والدواء المتّخذ بالثوم والدواء الْمُتَّخذ بالأقحوان ودواء يتّخذ من العاقر قرحا والميويزج والبورق بالعسل وكلّ هَذَا ينظف الْموضع قبله بِمَاء حَار ودواء مارقشيثا ونسخته: أَن يُؤْخَذ من حجر المارقشيثا إثنا عشر درهما أشق مثله دَقِيق الباقلا سِتَّة دَرَاهِم يخلط بريتيانج رطب ويلطخ على جلد وَيُوضَع على المدّة حَتَّى يسْقط من ذَاته وَيجب أَن يسْتَعْمل فِي الْوَقْت فإنّه يجِف سَرِيعا. ودواء يتَّخذ من النوشادر ونسخته: يُؤْخَذ من النوشادر جُزْء وَمن البارزد ربع جُزْء من المرتك جُزْء وَثلث وَمن الزَّيْت الْعَتِيق جُزْء وَثلثا جُزْء يتَّخذ مِنْهُ لطوخ وَإِذا لم تَنْفَع الْأَدْوِيَة احْتِيجَ كَمَا قدمنَا ذكره إِلَى بط وكي. فصل فِي تَدْبِير الخراجات الْبَاطِنَة أما الدبيلات الْبَاطِنَة فَيجب أَن تدبرها بالاستفراغ وخصوصاً إِذا دلّ المرار الْخَارِج فِي البرَاز وَالْبَوْل على أنٌ الدَّم كُله رَدِيء. وَأما إِذا صلح أَو حدس الطَّبِيب أَن الدَّم جيد مَا خلا مَا دَفعته الطبيعة إِلَى الْخراج وَبعد الاستفراغ فَيجب أَن ينضج بأدوية معتدلة مثل الشَّرَاب الرَّقِيق اللَّطِيف إِذا شرب قَلِيلا قَلِيلا وَالْمُعْتَمد فِي إنضاح المستعصي مِنْهَا الْأَدْوِيَة الملطفة المجففة كالمر والدارصيني وَسَائِر الأفاويه وتتبع بِشرب الشَّرَاب الرَّقِيق الَّذِي إِلَى الْبيَاض وَمن المركّبات الترياق والمثروذيطوس والاميروسيا.
(3/173)

فصل فِي الدماميل الدماميل أَيْضا من جنس الخراجات وأكثرها من رداءة الهضم وَمن الحركات على الامتلاء وَمَا يجْرِي مجْرى ذَلِك وأردأ الدماميل أغورها. فصل فِي علاج الدماميل إِذا ظهر الدمل فعالجه إِلَى قريب من ثَلَاثَة أَيَّام علاج الأورام الحارة ثمَّ بعد ذَلِك يَنْبَغِي أَن تشتغل بالتحليل والإنضاج فَرُبمَا تحلل وَذَلِكَ فِي الْأَقَل وَرُبمَا نضج. وَلَا يجب أَن تتغافل عَن علاج الْحمل فكثيراً مَا يؤول إِلَى خراج عَظِيم وَهَذَا يُؤمن عِنْد الاستفراغ بِقدر الْوَاجِب فصداً وإسهالاً وَإِذا كَانَ للدمل ضَرْبَان وَقَاعِدَة أصل فَلَا بُد من نضج فأعلن عَلَيْهِ. والمبتلى بِكَثْرَة خُرُوج الدماميل يِخلصه مِنْهَا الإسهال وتسخيف الْجلد بالحمام الْمُسْتَعْمل دَائِما والرياضة. وَمن منضجاته: بزر المر مدقوقاً مَعَ اللَّبن أَو مَاء التِّين والخردل وَالْعَسَل أَو التِّين بالعسل نَفسه وَالْحِنْطَة الممضوغة جَيِّدَة لإنضاجها وَكَذَلِكَ الزَّبِيب المعجون ببورق أَو التِّين مَعَ الْخَرْدَل مخلوطاً بدهن السوسن. والدواء الدّملي الْمَعْرُوف ودواء الخمير الْمَعْرُوف ودواؤه بِهَذِهِ الصّفة ينضج بالرفق. ونسخته: يُؤْخَذ سمن أُوقِيَّة وَنصف وَمن الخمير الحامض أوقيتان وبزر المر والمدقوق وبزر قطونا من كل وَاحِد أُوقِيَّة وَنصف شيرج التِّين ثَلَاث أَوَاقٍ حلبة وبزر الْكَتَّان من كل وَاحِد خَمْسَة دَرَاهِم يغلى فِي اللَّبن وَيسْتَعْمل فَإِنَّهُ معتدل. وَإِذا كَانَ الدمل عسر النضج سَاكن الْحَرَارَة ثقيلاً فافصد الْعرق الَّذِي يسْقِيه ثمَّ احجم الْموضع وَلَا تفعل هَذَا فِي الِابْتِدَاء فَيخرج الدَّم الصديدي ويحتبس الغليظ وَتصير هُنَاكَ قرحَة صلبة وَإِذا نضج وَلم ينبط بططته إمّا بأدوية وإمّا بالحديد بِحَسب مَا قيل فِي بَاب الخراجات وَمن مفجراته الجيدة بزر الْكَتَّان وذرق الْحمام والخمير. فصل فِي التوثة هَذَا ورم قرحي من لحم زَائِد يعرض فِي اللَّحْم السخيف وَأَكْثَره فِي المقعدة والفرج وَقد يكون سليما وَقد يكون خبيثاً. العلاج: هُوَ فِي الْكَبِير النتو الْقطع بالحديد ثمَّ اسْتِعْمَال المراهم المدملة وَقد يكون فِيمَا يكون دَقِيق الأَصْل بالحزم بالابريسم وَشعر الْخَيل وَقد يكون الديك برديك والقلدقيون وَنَحْوهَا بِحَسب الْأَبدَان ثمَّ بالمراهم.
(3/174)

(الْمقَالة الثَّانِيَة الأورام الْبَارِدَة وَمَا يجْرِي مَعهَا)
الأخلاط الْبَارِدَة وَمَا يجْرِي مجْراهَا فِي الْبدن البلغم والسوداء وَالرِّيح والمركب مِنْهَا وَقد عرفت أصنافها. فالأورام الْبَارِدَة إِمَّا أَن تكون: بلغمية أَو سوداوية أَو ريحية أَو مركبة. والأورام البلغمية إِمَّا ساذجة بلغمية وَتسَمى أوراماً رخوة وَإِمَّا مائية كَمَا يعرض لعضو مَا أَن يجْتَمع فِيهِ مَاء كاستسقاء يَخُصُّهُ وَإِمَّا دبيلات لينَة كالسلع اللينة وَأما مستحصفة كالخنازير والسلع الصلبة والسوداوية إِمَّا سقيروس وَإِمَّا سرطان وستعرف الْفرق بَينهمَا. والريحية إِمَّا تهيج وَإِمَّا نفخة. أما التهيج فَإِذا كَانَت الرّيح منتشرة مُخَالطَة بخارية. وَأما النفخة فَإِذا كَانَت الرّيح مجتمعة فِي فضاء وَاحِد مرتكزة فِيهِ وَقد تتركب هَذِه الأورام بَعْضهَا مَعَ بعض وَمَعَ الحارة. فصل فِي الورم الرخو البلغمي المسمَى أوذيما هُوَ ورم أَبيض مسترخ لَا حرارة فِيهِ وَكلما كَانَت الْمَادَّة أرق وأبل كَانَت الرخاوة أَشد. والإصبع أسهل نفوذاً فِيمَا تغمزه مَعَ ممانعة مَا فِيهِ لَا تكون فِي التهيج وكفما كَانَت الْمَادَّة أغْلظ كَانَ إِلَى الصلابة وَالْبرد أَكثر وَكثير مِنْهُ مَا يكون عَن بخار البلغم فَيكون من قبيل التهيج وَيُفَارق أوذيما السَّوْدَاء بقلة الصلابة وَقلة الكمودة وَإِذا عرض من ضَرْبَة وَنَحْوهَا لم يُصَادف مَادَّة تجذب إِلَى موضعهَا غير البلغم فَلم يرم غير ورم البلغم وَذَلِكَ. قَلِيل لم يخل من وجع. فصل فِي علاج الورم الرخو أما الإستفراغ بالإسهال والإحتماء مِمَّا يُولد البلغم فَأمر لَا بُد مِنْهُ وَإِذا فعل ذَلِك فَيجب أَن يكون ردعه فِي الِابْتِدَاء بِمَا يجمع التجفيف والتحليل وَيجب أَن يدلك الْمَكَان بمناديل دلكا صلباً ثمَّ يسْتَعْمل عَلَيْهِ المجففات وَلَا يجب أَن يمسهُ المَاء. وَمن الْأَدْوِيَة الجيدة فِي الإبتداء أَن يسْتَعْمل عَلَيْهِ إسفنجة جَدِيدَة مغموسة فِي الْخلّ الممزوج بأدهان شَدِيدَة التَّحْلِيل أَو مغموسة فِي مَاء البورق والرماد فَفِي جَوْهَر الإسفنجة تجفيف وَتَحْلِيل. وَكلما تزيدت الْعلَّة جعل الْخلّ الَّذِي يغمس فِيهِ الاسفنجة أحذق قَلِيلا وَعند المننهى يبلغ بِهِ الْغَايَة فِي الحذاقة وَيسْتَعْمل وَحده بالاسفنجة ومخلوطاً بأدهان شَدِيدَة التَّحْلِيل وَفِي ذَلِك الْوَقْت أَيْضا تسْتَعْمل الاسفنجة مغموسة فِي مَاء رماد التِّين وَالْكَرم والبلوط وَنَحْوه. وَيجب أَن تكتنف الاسفنجات جَمِيع الجوانب لِئَلَّا تميل الْمَادَّة إِلَى جَانب آخر وَقد تسْتَعْمل مَكَان الاسفنجة إِذا لم تُوجد الْخرق المطوية طاقين بِمَاء الرماد إِذا أديمت عَلَيْهِ وَاحِدَة بعد أُخْرَى فَرُبمَا نجعت وَمَاء النورة أقوى. وَمِمَّا ينفع أَيْضا دهن الْورْد بالخل وَالْملح والكبريت المحرق. والكبريت نقسه جيد
(3/175)

والحمص بِمَاء الكرنب عَجِيب النَّفْع والماميثا فِي الِابْتِدَاء وَحده. وَبَعض المجفًفات الحارة جيد والشد بالرباط نَافِع لما لَا يكون فِيهِ مَادَّة غَلِيظَة وَيجب فِي ذَلِك الرِّبَاط أد يبتدأ من أَسْفَل إِلَى فَوق وعصارة وَإِذا كَانَ هَذَا الورم فِي عُضْو عصبي كثيف أَو رِبَاط أَو وتر فاخلط فِي أدويته مَا يقطع مَعَ تليينه وَإِذا كَانَ مَعَ ذَلِك وجع للسبب الَّذِي قيل فَيجب أَن يسكن الوجع أَولا بِمثل الزوفاء الرطب والميجنتج والقيروطيات من الزَّيْت وَأَن تسْتَعْمل النطل بِالشرابِ الْأسود الْقَابِض وَبعد ذَلِك تسْتَعْمل مَاء الرماد وَنَحْوه. وَمن الأطلية الجيدة أَن يُؤْخَذ مر وحُضَض وَسعد وصبر وزعفران وأقاقيا وطين أرمنِي قَلِيل ويعجن بالخل وَمَاء الكرنب وَأَيْضًا ورق الطرفاء وملح وزيت وطين أرمني ضمّاداً بخل وَأَيْضًا للمتقادم الوجع يُؤْخَذ وسخ الْحمام ويُغلى وَيقوم بنورة تجْعَل فِيهِ حَتَّى يصير كالعجين الرخو ويُطلى وَأَيْضًا لَهُ يطلى الْموضع بالزيت وَيجْعَل عَلَيْهِ إسفنجة أَو صوفة مشربَة خلأً وتشد عَلَيْهِ. ودواء الخمير نَافِع وَمِمَّا هُوَ نَافِع أَن يُؤْخَذ ورق السوسن فيسلق نعما ويعصر وَيُوضَع عَلَيْهِ فَإِنَّهُ عَجِيب وَكَذَلِكَ الشب والحضض مدقوقين فِي الْخلّ وَمَاء الرماد. وَمن الأطلية القوية النَّفْع خثى الْبَقر والكندر والميعة والأشنة وقصب الذريرة والسنبل والأفسنتين كلهَا نافعة وَجَمِيع الْأَدْوِيَة الْمَذْكُورَة لَهَا فِي جداول الأورام والمذكورة فِي القراباذين. وَقد ينفع الترهّل الْعَارِض فِي أَقْدَام الْحَوَامِل أَن يغمس فُقاح الْقصب الَّذِي يتَّخذ مِنْهُ المكانس فِي الخلّ وَيُوضَع عَلَيْهِ وأجوده مَا يكون بعد الدق والقيموليا بالخل والشب وَمن النطولات: مَاء طبيخ الكرنب أَو الشبث أَو طبيخ قشر الأترج وَمَا كَانَ من الترهل تَابعا للاستسقاء أَو أمراض أُخْرَى أبْطلهُ علاج مَا هُوَ السَّبَب. فصل فِي السّلع السّلع دبيلات بلغمية تحوي أخلاطاً بلغمية أَو متولّدة عَن البلغم صائراً عَن ذَلِك كلحم أَو عصيدة أَو كعسل أَو غير ذَلِك خُصُوصا مَا يحدث فِي مأبض المفاصل أَو شَيْئا صلباً لَا يبعد أَن يُوجب إلحاقها بالسوداوية. إِلَّا أَنا جعلناها بلغمية لِأَن أصل ذَلِك الصلب بلغم عرض لَهُ أَن يبس غلظاً وَقد يعرض أَن يتعقد العصب فَيُشبه السّلع وَلَا يكون من السّلع وَيُفَارق السّلع بِأَنَّهُ لَا يَزُول. من كل جِهَة وَلَا يزرل طولا بل يمنة ويسرة. وَكَثِيرًا مَا يحدث عَن الضَّرْبَة شبه سلْعَة فَإِذا عولج فِي الِابْتِدَاء بالشد عَلَيْهِ زَالَ وتحلل. فصل فِي علاج السّلع مَا كَانَ من السّلع غددياً فعلاجه الْقطع والبط لَا غير وَكَذَلِكَ العلاج الناجع فِي العسلية وَنَحْوهَا. قَالَ انطيلس: فِي السّلع مدّ أَولا الْجلد الَّذِي فَوق السّلْعَة. بِيَدِك الْيُسْرَى أَو خَادِم يمده لَك على نَحْو مَا يُمكن لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى أَن تشقّ كيس السّلْعَة فيمنعك ذَلِك من تقصّي الكشط فَإِذا مددت إِلَيْك الْجلد نعما فشقّه بِرِفْق لِأَنَّهُ قد يُمكن أَن يكون
(3/176)

حجاب السّلْعَة امْتَدَّ مَعَه فِي الْأَحْوَال فتأن حَتَّى يظْهر لَك حجاب السّلْعَة ثمَّ مد الْجلد من الْجَانِبَيْنِ بصنارين وَخذ فِي كشط الْكيس عَن اللَّحْم فَإِنَّهُ رُبمَا كَانَ يُمكن كشطه وَرُبمَا كَانَ ملتصقاً بِهِ فَعِنْدَ ذَلِك فاسلخه بالغمازين حَتَّى يخرج الْكيس صَحِيحا بِمَا فِي جَوْفه فَإِن ذَلِك أحكم مَا يكون فَإِذا أخرجته فَإِن كَانَ الْجلد لَا يفضل عَن مَوضِع الْجرْح لصِغَر السّلْعَة فامسح الدَّم واغسل الْجرْح بِمَاء الْعَسَل. وخطْه وألحمه. وَإِن كَانَ يفضل عَنهُ كثيرا لعظم السّلْعَة فاقطع فَضله كُله ثمَّ عالج فَإِن كَانَت السّلْعَة تجاور عصباً أَو عرقاً وَكَانَت مِمَّا تنكشط فَلَا بَأْس أَن تكشطها وَإِن كَانَت مِمَّا تحْتَاج أَن تسلخ بالغمازين وَخفت أَن تقطع شَيْئا غير ذَلِك فَاخْرُج مِنْهُ مَا خرج وَاجعَل فِي الْبَاقِي دَوَاء حاداً وَلَا تلحمه حَتَّى تعلم أَنه لم يبْق فِيهِ شَيْء من الْكيس لِأَن مَا بَقِي فِيهِ يعود وَإِذا أخذت سلْعَة عَظِيمَة فاحشها بِقطن ذَلِك الْيَوْم وعالجها بالدواء وَإِذا بططت فَيجب أَن تنْزع الْكيس الَّذِي يكون لَهَا بِتَمَامِهِ وَلَو بالصنانير فَإِنَّهُ إِذا ترك وَلَو قَلِيلا مِنْهُ عَاد إِن أمكن أَن يسلخ فَيُؤْخَذ الْكيس مَعَ السّلْعَة كَانَ أَجود وَإِن بَقِي شَيْء من الْكيس جعل فِيهِ دَوَاء حاد ثمَّ ألحق بالسمن والعسلي من الخراجات يجب أَن تجتهد حَتَّى لَا يتخرق كيسه وتحتال أَن يخرج مَعَ الْكيس فَإِن كيسه إِن انخرق صَعب إِخْرَاجه فَإِن عرض أَن ينخرق فَالصَّوَاب أَن تخيطه على مَا فِيهِ والمسلوخ عَنهُ يجمع ويشدّ برباطات وَإِذا سَالَ شَيْء من ذَلِك كثير فَيجب أَن يُرَاعى صَاحبه بالمقويات للطبيعة ويحفظ عِنْد النّوم فَرُبمَا بَادر إِلَيْهِ الغشي وَيجب أَن يعالج بعلاج من يخَاف عَلَيْهِ الغشي. وَكثير من أَصْحَاب السّلع لَا يحْتَملُونَ السلخ وَلَا الْأَدْوِيَة الحادة لعظم مرضهم ولأمزجتهم أَيْضا وَلَا يحْتَملُونَ غير البطّ فَيجب فِي هَؤُلَاءِ أَن يبط عَن سلعهم وَيخرج مَا يخرج عَنْهَا وَلَا يتَعَرَّض للكيس بل يَجْعَل فِيهِ كل يَوْم بعد إِخْرَاج مَا يجْتَمع دهن سمن مفتر فَإِن الْكيس يعفن وَيخرج بِنَفسِهِ. وَأما العسلية الشهدية فَمن علاجها الْجيد أَن تبتدأ فتكمد بِشَيْء حَار ثمَّ تضمد بزبيب منزوع الْعَجم وَالْأولَى أَن يكشط الْجلد ثمَّ يوضع عَلَيْهِ المرهم وَرُبمَا بلغ الدَّوَاء الحاد فِي كشط الْجلد الْمبلغ الْمَعْلُوم كالنورة والصابون والرماد وَغير ذَلِك مِمَّا يجْرِي مجْراهَا مِمَّا ذكر فِي مفجّرات الْخراج. وَأَيْضًا يُؤْخَذ من النورة أَرْبَعَة دَرَاهِم وَمن دردي الْخمر المحرق دِرْهَمَانِ وَمن النطرون دِرْهَمَانِ وَمن الْمغرَة دِرْهَم يُغلى فِي مَاء الرماد غليات قَليلَة وَتجْعَل فِي حَقه من رصاص وتندى دَائِما لِئَلَّا تَجف. وَهَذَا دَوَاء صَالح للثآليل والغمد وَنَحْوهَا ونسخته: أَن يُؤْخَذ من الخربق والزرنيخ الْأَحْمَر جزءان جزءان وَمن قشور النّحاس أَرْبَعَة أَجزَاء ويتخذ مِنْهُ لطوخ بدهن الْورْد أَو يتَّخذ من بزر الأنجرة وقشور النّحاس والزرنيخ بدهن الْورْد. وَمن الأضمدة الجيدة للعسلية وَلِجَمِيعِ الخراجات والحارة أَيْضا وَمَا فِيهِ خلط لين أَن يُؤْخَذ لاذن قِنَا أشقّ مقل وسخ كوايرالنحل علك البطم أَجزَاء سَوَاء يتَّخذ مِنْهُ ضمّاد وَمن المذوبات بِلَا كثير لذع هَذَا الدَّوَاء: يُؤْخَذ بورق
(3/177)

وَنصفه خربق ويتخذ مِنْهُ موم روغن بالشمع ودهن الْورْد وَأَيْضًا يُؤْخَذ نورة جُزْء قلقطار جُزْء زرنيخ جُزْء. وَأما الغدد الَّتِي تشبه السّلع وَهِي صنف من التعقد فَإِن أمكنك إخْرَاجهَا كالسلع وَلم يكن من ذَلِك ضَرَر بعصب أَو غَيره من عُضْو مجاور فعلت وَإِن كَانَ فِي الْيَد وَالرجل أَو فِي مَوضِع مُتَّصِل بالعصب والأوتار فَلَا تتعرض لإخراجه فتوقع صَاحبه فِي التشنج بل رضّه وشدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ ثقل حَتَّى يهضمه وعلامة مثل هَذَا أَن الغمز عَلَيْهِ يخدر الْعُضْو. فصل فِي الغدد قد يتولّد فِي بعض الْأَعْضَاء ورم غددي كالبندقة والجوزة وَمَا دونهمَا وَكَثِيرًا مَا يكون على الكفّ وعَلى الْجَبْهَة وَقد يكون فِي أول الْأَمر بِحَيْثُ إِذا غمز عَلَيْهَا تَفَرَّقت ثمَّ تعود كثيرا وَرُبمَا لم تعد. وعلاجها من جنس علاج السّلع وَرُبمَا كفى أَن يرض ويفذع ثمَّ يعلى بأسْرُبُ ثقيل يشد عَلَيْهَا شدًا فيهضمها وخصوصاً إِذا طلي تَحت الأسرب بطلاء هاضم مِمَّا علم وَيجب أَيْضا أَن فصل فِي البثور الغددية قد تعرض أَيْضا بثور غددية صَغِيرَة وعلاجها: شدخها. وعصر مَا فِيهَا وَشد الأسرب عَلَيْهَا. فصل فِي فوجثلا فوجثلا من جنس أورام الغمد وَكَأَنَّهُ يخصّ بِهَذَا الإسم مَا يكون خلف الْأذن وَقد ذكرنَا كلَاما كلياً فِي جَمِيع مَا يجْرِي مجْرَاه. وعلاجه: العلاج الْمَذْكُور فِي بَاب أورام الْغَد وَفِي أورام مَا خلف الْأذن وَمِمَّا يَخُصُّهُ رماد الحلزون معجوناً بشحم عَتيق لم يملح وَلَا نَظِير لهَذَا الدَّوَاء وَأَيْضًا رماد ابْن عرس يخلط بقيروطي من دهن السوسن وَيعتق وَيسْتَعْمل وينفع من الْخَنَازِير أَيْضا. فصل فِي الْخَنَازِير الْخَنَازِير تشبه السّلع وتفارقها فِي أَنَّهَا غير متبوِّئة تبوء السّلع بل هِيَ مُتَعَلقَة بِاللَّحْمِ وَأكْثر مَا تعرض فِي اللَّحْم الرخو وَيكون أَيْضا لَهَا حجاب عصبي وقلّما يكون خِنْزِير شَدِيد الْعظم وَرُبمَا تولد من وَاحِد مِنْهَا كثير وتشبه فِي ذَلِك الثآليل وَرُبمَا انتظمت عقدا: وَصَارَت كقلادة وَكَأَنَّهَا من عنقود. والخنازير بِالْجُمْلَةِ غدد سقيروسية وَمن
(3/178)

الْخَنَازِير مَا يَصْحَبهُ وجع وَهُوَ الَّذِي يخالطه ورم حَار أَو مَادَّة حاكة وَمِنْهَا مَا لَا يَصْحَبهُ وجع وَهُوَ أعْسر علاجاً وَرُبمَا احْتِيجَ فِي علاجها إِلَى بط أَو إِلَى تعفين. وَأَشد النَّاس اسْتِعْدَادًا للخنازير فِي نَاحيَة الرَّقَبَة وَالرَّأْس قصار الرقبات من مرطوبي الأمزجة وَأكْثر الْمَوَاضِع تولداً فِيهَا الْخَنَازِير الرَّقَبَة وَتَحْت الْإِبِط وَيُشبه أَن تكون إِنَّمَا سمّيت خنازير لِكَثْرَة عروضها للخنازير بِسَبَب شرهها أَو بِسَبَب أَن شكل رِقَاب أَهلهَا تشبه رِقَاب الْخِنْزِير. وَأسلم الْخَنَازِير مَا تعرض للصبيان وأعسرها مَا تعرض للشبان. العلاج: الأَصْل الْمعول عَلَيْهِ فِي علاج أَصْحَاب الْخَنَازِير الاستفراغ وتلطيف التَّدْبِير وَمن الاستفراغ الْفَاضِل الْقَيْء وَلَا بُد من الإسهال للبلغم الغليظ وخصوصاً بالحب الْمَعْرُوف بالواصل وَأَيْضًا يُؤْخَذ من التربد والزنجبيل وَالسكر أَجزَاء سَوَاء وَيشْرب إِلَى دِرْهَمَيْنِ وَهُوَ مَعَ إِطْلَاقه للبلغم الغليظ غير مسخّن وَلَا مسحج والفصد أَيْضا نَافِع وَيجب أَن يكون لَا محَالة من القيفال. وَأما تلطيف التَّدْبِير فَأن تجتنب الأغذية الغليظة وَشرب المَاء عَلَيْهَا والتخمة والامتلاء ويتجوعّ مَا أمكن ويهجر كل مَا يمْلَأ الرَّأْس مَادَّة وَيجب أَن يصون المتهيىء لَهَا الرَّأْس عَمَّا تميل إِلَيْهِ الْموَاد من النصبات المالئة مثل السُّجُود وَالرُّكُوع الطويلين والوسادة اللاطئة. وَعَن الْأَفْعَال الَّتِي تجذب الْموَاد إِلَى الرَّأْس مثل الْكَلَام الْكثير والصداع والضجر. والحجامة غير مُوَافقَة لأَصْحَاب الْخَنَازِير فِي أَكثر الْأَمر وَذَلِكَ أَنَّهَا لَا يُمكنهَا أَن تستفرغ من الْمَادَّة الَّتِي للخنازير وَمَا يجْرِي مجْراهَا بل تجذب إِلَيْهَا وتغلظها بِمَا تخرج من الدَّم الرَّقِيق وَكَثِيرًا مَا تعيد الْخَنَازِير الآخذة فِي الذبول والتحلل إِلَى حَالهَا الأولى. وَجُمْلَة تَدْبِير الْخَنَازِير تشاكل تَدْبِير سقيروس من جِهَة نفس الْعلَّة. والخنازير إِذا كَانَت عَظِيمَة فَإِن الجراحيين يتجنبون علاجها بالحديد وبالدواء الحاد وَذَلِكَ أَنه يُؤَدِّي إِلَى تقرحها وفسادها فَلَا بُد من الاستفراغ فِي أَمْثَالهَا. والتنقية وتلطيف التَّدْبِير فِي الْغذَاء وَاسْتِعْمَال الْأَدْوِيَة المحلّلة عَلَيْهَا بالرفق. وَقد وجدنَا لدرهم الرُّسُل الْمَنْسُوب إِلَى السليخيين فِي الْخَنَازِير الفادحة المتقرحة أثرا عَظِيما وَلَكِن بالرفق والمداراة. وَمن المراهم المستحبة للخنازير مرهم الدياخيلون وَقد يخلط بِهَذَا المرهم أدوية أُخْرَى تَجْعَلهُ أعمل مثل أصل السوسن خَاصَّة بخاصية فِيهِ وَمثل بعر الْغنم والماعز وَمثل الْحَرْف وأصل قثاء الْحمار وزبيب الْجَبَل والتين الَّذِي قد سقط قبل النضج ويبس أَو دَقِيق الباقلاء واللوز المرّ والمقل يجمع إِلَيْهِ وَيسْتَعْمل. وَمن المراهم الجيدة مرهم بِهَذِهِ الصّفة يُؤْخَذ من دَقِيق الشّعير والباقلاء وشحم الأوز جُزْء جُزْء من أصل الحنظل والشب الْيَمَانِيّ وأصل السوسن والزفت الرطب من كل وَاحِد نصف جُزْء يجمع ذَلِك بالزيت الْعَتِيق بالسحق الْمَعْلُوم بعد إذابة الشَّحْم والزفت فِي الزَّيْت. ومرهم
(3/179)

جيد يحلّل الصلب فِي أُسْبُوع وَمَا هُوَ دونه فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَصفه جالينوس فِي قاطاجانس يتَّخذ من خَرْدَل وبزر الأنجرة وكبريت وزبد الْبَحْر وزراوند ومقل وأشق وزيت عَتيق وشمع. وَمن الْأَدْوِيَة الَّتِي تُوضَع عَلَيْهَا: زفت معجون بِهِ دَقِيق أَو مَعَ عنصل أَو معجون بِهِ أصل الكرنب المسحوق وأصول الْكبر مَعَ الْمقل والترمس بالخل وَالْعَسَل أَو بالسكنجبين أَو إخثاء الْبَقر مَجْمُوعَة أَو مطبوخة بالخل وَجَمِيع هَذِه مَعَ شَحم الْخِنْزِير أَو مَعَ الزَّيْت. وَهنا دَوَاء جيد يُؤْخَذ حلبة أَرْبَعَة أَجزَاء نورة ونطرون جُزْء جُزْء يجمع بالعسل وَأَيْضًا: أصل قثّاء الْحمار وورق الْغَار مدقوقاً مَعَ علك البطم أَو رمادهما مجموعاً بِهِ. وَأَيْضًا: يجمع دَقِيق الكرسنة وبعر الماعز وَالْغنم وخصوصاً الْجبلي ببول صبي ويتخذ لطوخاً. وَأَيْضًا هَذَا الدَّوَاء: يُؤْخَذ مر عشرَة أشق سَبْعَة دبق البلوط خَمْسَة قنّة وَهُوَ البارزذ ووسخ الكواير وَاحِدًا وَاحِدًا يدقّ الْجَمِيع وَأَيْضًا يجمع فِي الهاون الدبق الممضوغ والريتيانج من كل وَاحِد رَطْل القنة ثَلَاث أَوَاقٍ يجمع ذَلِك وَهُوَ لطوخ جيد. وَمن الْأَدْوِيَة الجيدة: شمع صمغ الصنوبر شَحم الْخِنْزِير غير مملح فراسيون زنجار أَجزَاء سَوَاء يتَّخذ مِنْهُ لطوخ. وَأَيْضًا: ريتيانج قشور النّحاس جزءان شبّ يماني وزرنيخ من كل وَاحِد أَرْبَعَة أَجزَاء يتَّخذ مِنْهُ لطوخ. وَمن الْأَدْوِيَة الجيدة: دَوَاء القطران ودواء قثاء الْحمار ودواء الكندس. والدواء الْمُسَمّى أسنيدوس والأدوية المتخذة بالحيات والساذج مِنْهَا أَن تُؤْخَذ الْحَيَّة الميته فترمد فِي قدر بطيق الْحِكْمَة وتودع التَّنور الْمَسْجُور ثمَّ يعجن بِمثلِهِ خلا مخلوطاً بِعَسَل مُنَاصَفَة. وَمن الْأَدْوِيَة الجيلة: دَوَاء من القردمانا والحرف وزبل الْحمام بالزيت وَكلهَا نَافِع أَيْضا فُرَادَى وَكَذَلِكَ دَقِيق الكرسنة مَعهَا وَوَحدهُ بالخل وَالْعَسَل أَو بالزفت والشمع وَالزَّيْت وَأَيْضًا يُؤْخَذ زييب الْجَبَل ونطرون وريتيانج ودقيق الكرسنة وَيجمع بالعسل والخل أَو يُؤْخَذ أصل السوسن وبزر الْكَتَّان ويغليان فِي شراب وَيجْعَل فيهمَا بعد ذَلِك زبل الْحمام مِقْدَار مَا يُوجِبهُ الْمُشَاهدَة ويتخذ مِنْهُ كالضماد فَهُوَ عَجِيب وَقد جرب بَوْل الْجمل الإعرابي والمعقود مِنْهُ ضماداً ومرهماً ومخلوطاً بِهِ الْأَدْوِيَة الخنزيرية فَكَانَ نَافِعًا. والمغاث من الأضمدة العجيبة زعم بَعضهم وَهُوَ الْكِنْدِيّ أَن مشاش قِرن الماعز إِذا أحرق وَسقي أسبوعاً كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ أبرأها يجب أَن يفعل فِي كل شهر إسبوعاً. وَاعْلَم أَن من الْخَنَازِير مَا يكون فِيهَا سرطانية مَا وَفِي مثل ذَلِك يجب أَن تعجن الْأَدْوِيَة الحارة الْمَذْكُورَة بدهن الْورْد وتترك أَيَّامًا ثمَّ تسْتَعْمل. وَأما الْخَنَازِير الَّتِي هِيَ أحر مزاجاً فَلَا يجب أَن يفرط عَلَيْهَا فِي الْأَدْوِيَة الجاذبة بل
(3/180)

يكفيها مثل سويق الْحِنْطَة بِمَاء الكزبرة وَأقوى من ذَلِك المر مَعَ ضعفه حضُضاً معجوناً بِمَاء الكزبرة وَيكون التَّدْبِير فِي تَغْلِيب مَاء الكزبرة وتغليب الدَّوَاء الآخر بِحَسب الْمُشَاهدَة وَمَا يُوجِبهُ شدَّة الالتهاب أَو قلته. وَمِمَّا يَنْفَعهُ أَن يسعط بدهن نوى الخوخ المقشر المحرق فَإِن احْتِيجَ فِي علاج الْخَنَازِير إِلَى اسْتِعْمَال الْحَدِيد فَيجب أَن يكون اسْتِعْمَاله فِي الْخَنَازِير الْمُجَاورَة للعروق الْكَثِيرَة وَالْعُرُوق الشَّرِيفَة والعصب بتقية واحتياط فَإِن رجلا أَخطَأ فِي بطه عَن بعض الْخَنَازِير فَأصَاب شُعْبَة من العصب الرَّاجِع فَأبْطل الصَّوْت وَقد يعرض أَن لَا يُصِيب العصب لكنه يكشفه للبرد فيسوء مزاجه فَيبْطل فعله إِلَى أَن يُعَاد مزاجه إِلَيْهِ بالتسخين. وَرُبمَا أَخطَأ فَأصَاب الودج وشرّ الْأَوْدَاج فِي ذَلِك الغائر فَلذَلِك إِذا كشط من جَانب سليم فَيجب أَن يُؤْخَذ مَا يَلِيهِ من الْخِنْزِير وَيبْطل الْبَاقِي الدَّوَاء الحاد وَلَا يتَعَرَّض لجَانب الآفة. فصل فِي الأورام الصلبة الورم الصلب الْمُسَمّى سقيروس الْخَالِص مِنْهُ هُوَ الَّذِي لَا يَصْحَبهُ حس وَلَا ألم وَإِن بَقِي مِنْهُ حس مَا وَلَو يَسِيرا فَلَيْسَ بالسقيروس الْخَالِص. والخالص مِنْهُ وَغير الْخَالِص الَّذِي مَعَه حس مَا فَهُوَ عادم للوجع. والسقيروس إِمَّا أَن يكون عَن سَوْدَاء عكرية وَحدهَا أَصْلِيَّة ولونه أياري وَإِمَّا عَن سَوْدَاء مخلوطة ببلغم ولونه أميل إِلَى لون الْبدن وَإِمَّا من بلغم وَحده قد صلب. الْخَالِص فِي أَكثر الْأَمر لَونه لون الأسرُب شَدِيد التمدد والصلابة وَرُبمَا علاهُ زغب وَهَذَا الَّذِي لَا برْء لَهُ وَقد يكون مِنْهُ مَا لَونه لون الْجَسَد ويتنقل من عُضْو إِلَى آخر وَيُسمى قونوس وَرُبمَا كَانَ بلون الْجَسَد صلباً عَظِيما لَا يبرأ وَلَا يتتقل الْبَتَّةَ. وكل سقيروس إِمَّا مبتدىء وَهُوَ سقيروس يظْهر قَلِيلا قَلِيلا وَيزِيد أَو يَسْتَحِيل عَن غَيره من فلغموني أَو حمرَة أَو خراج فِي مَوضِع خَال أَكثر مَا تعرض الصلابة فِي الأحشاء إِنَّمَا تعرض بعد الورم الْحَار إِذا عولج بالمبردات اللزجة من الأغذية والأدوية وَقد يتسرطن السقيروس وَقرب السقيروس من السرطان وَبعده عَنهُ بِحَسب كَثْرَة الالتهاب فِيهِ وقلته وَظُهُور الضربان فِيهِ وخفائه وَظُهُور الْعُرُوق حواليه وَغير ظُهُورهَا. العلاج: يجب أَن يعالج من هَذِه الأورام مَا لَهُ حس وَأَن يكون الِاعْتِمَاد بعد تنقية الْبدن بِمَا يخرج الْخَلْط الْفَاعِل لِلْعِلَّةِ وَرُبمَا كَانَت تِلْكَ التنقية بالفصد إِن كَانَ الدَّم كثير السوَاد على مَا يحلّل ويلين مَعًا وَلَا يعالجه بِمَا يحلل ويجفف فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى شدَّة التحجّر ليجفف الغليظ ويحلل اللَّطِيف وَيجب أَن تجْعَل لعلاجه دورين: دوراً للتحليل بلمداواة بِمَا لَيْسَ تجفيفه بِكَثِير إِذْ كل محلّل فِي الْأَكْثَر مجفف والمرطب قَلما يحلل وَيجب
(3/181)

أَن تكون دَرَجَته فِي الْحَرَارَة من الثَّانِيَة إِلَى الثَّالِثَة وَفِي التجفيف من الدرجَة الأولى ودوراً آخر للتليين وَيكون هَذَانِ الدوران متعاقبين وَيجب أَن يجوع ذَلِك الْعُضْو فِي دور التَّحْلِيل ويجذب الْغذَاء إِلَى مُقَابلَته بتحريك الْمُقَابل ورياضته وإيجاده وَأَن يشْبع فِي دور التليين ويجذب إِلَيْهِ الْغذَاء بالدلك وَمَا يشبه بطلاء الزفت وتختلف الْحَاجة إِلَى قُوَّة الْأَدْوِيَة المحللة والغلينة وضعفها بِحَسب تخلخل الْعُضْو وتكاثفه وَشدَّة الصلابة وضعفها وَأَيْضًا فَإِن تركيب الْأَدْوِيَة يجب أَن يجمع بَين قوتين وَيجب أَن لَا يستكثر من الْحمام فيحلل اللَّطِيف وَيجمع الكثيف وَلَا يبلغ أَن يلين كثيف. والمليّنات الَّتِي لَهَا تَحْلِيل مَا هِيَ مثل الشحوم شحوم الدَّجَاج والأوز والعجاجيل والثيران والأيايل خَاصَّة ومخاخها وشحوم التيوس وشحم الْحمار جيد لَهَا وشحوم السبَاع من الْأسد وَالذِّئْب والنمر والدب وَمَا يجْرِي مجْراهَا من الثعالب والضباع وشحم الْجَوَارِح من الطير وَيجب أَن يخلط بهَا مثل الأشق والمقل والقنا والميعة والمصطكي إِذا هيئت للتحليل وَتفرد تِلْكَ إِذا هيئت للتليين. وَأفضل الشحوم الْمَذْكُورَة شَحم الْأسد والدب ولعاب الحلبة والكتان فِيهِ تَحْلِيل وتليين. وَيجب أَن لَا يكون فِي هَذِه الشحوم وأمثالها من الملينات ملح الْبَتَّةَ فَإِن الْملح مجفف مصلب بل يجب أَن يكون فعلهَا فعل الشَّمْس فِي الشمع تَلْيِينًا وتذويباً وَلَا يبلغ أَن يجفف. وَمن المحلّلات الَّتِي فِيهَا تليين مَا أَيْضا الْمقل الصقلبي وَالزَّيْت الْعَتِيق ودهن الحنّاء ودهن السوسن والقنا واللاذن والميعة والزوفا الرطب وأجودها أقلهَا عتقا وجفافاً وأشدّها رُطُوبَة والمصطكي أَيْضا تقَارب الْمَذْكُورَة ودهن الْحِنَّاء ودهن السوسن التِّين البستي والخروع فِيهِ من التَّحْلِيل والتليين مَعًا مَا هُوَ وفْق الْكِفَايَة. وَمن المليّنات يُؤْخَذ عكر البزر وعكر الْخلّ يغليان وتصبّ بعد الإغلاء الْجيد عَلَيْهِمَا إهال الألية وتستعمل. وَمن الْأَدْوِيَة الجيدة لذَلِك: أَن يُؤْخَذ قثاء الْحمار وأصل الخطمي ويتخذ مِنْهُمَا لطوخ وَإِن كَانَ مَعَهُمَا ميعة فَهُوَ أَجود وَإِذا ظهر لين فَيجب أَن يلطخ بأشق محلول بخل ثَقِيف أَيَّامًا كَثِيرَة ثمَّ يعاود التليين أَو قِنَا وجاوشير أَو يُؤْخَذ قِنَا وأشق ومَقْل يسحق الْجَمِيع ويلتّ بدهن البان ودهن السوسن مَعَ شَيْء من لعاب الحلبة والكتان ويتخذ كالمرهم. ووسخ الحَمَام من الْأَدْوِيَة الشَّدِيدَة النَّفْع إِذا وَقع فِي مراهم الأورام الصلبة فَإِن لم يجد وسخ الْحمام اسْتعْمل بدله الخطمي والنطرون. وَمن الأضمدة الجيدة فِي وَقت التَّحْلِيل: الأضمدة الَّتِي للخنازير مِمَّا ذكرنَا أَو ضمّاد باريس وقوناون. وَإِذا كَانَ الورم شَدِيد الغلظ فَلَا بُد من الْخلّ فَإِنَّهُ يقطع ويوهن قُوَّة الْعُضْو وخصوصاً إِن كَانَ عصبياً فَيكون أَشد تخلية عَن الْمَادَّة وتسليماً لَهَا إِلَى السَّبَب الْمُؤثر من خَارج وَلَكِن يجب أَن يكون اسْتِعْمَال الْخلّ وإدخاله فِي الْأَدْوِيَة فِي آخر الْأَمر دون أَوله وَحين تقع الْمُبَالغَة فِي وأجرأ مَا يكون الطَّبِيب على اسْتِعْمَال الْخلّ هُوَ عِنْدَمَا يكون الورم فِي عُضْو لحمي مثل مَا يكون فِي
(3/182)

الطحال وَقد يطلى الْموضع بالخل ويُبخر بِهِ ثمَّ يتبع بطلاء مثل الجاوشير ثمَّ الأشق يبْدَأ بِالْقَلِيلِ للرقيق ثمَّ يُزَاد قُوَّة ثمَّ يمزج إِلَى التليين. وَيجب أَن يسْتَعْمل على الورم الدّهن اللين الَّذِي لَا قبض فِيهِ وَهُوَ أوفق من المَاء وخصوصاً دهن الشبث الْمُتَّخذ من الشبث الرطب وَمَا كَانَ من الصلابات فِي الأوتار والعصب فيعالج بالمقطعات. وَمن المعالجات الجيدة لذَلِك: التخير من الْحِجَارَة المحماة حِجَارَة الرحا وَأفضل مَا يبخر عَنهُ المارقشيثا وَيجب أَن يُبَالغ فِي التبخير والتدخين حَتَّى يظْهر الْعرق. وَرُبمَا طلي بالمارقشيثا مسحوقاً مدوفاً بالخلّ فنفع وَيجب أَن يرفق أَيْضا فِي اسْتِعْمَال الْخلّ لِئَلَّا يفرق اللَّطِيف ويصلب الكثيف وَلِئَلَّا تفْسد قُوَّة العصب بإفراط وَهُوَ فِي الِابْتِدَاء رَدِيء فَاجْعَلْ لاستعماله فترات فِيهَا تليين فَإِذا ابْتَدَأَ فبخر الْعُضْو بِمثل مَا ذكر واطل حِينَئِذٍ بالأدوية المرافقة وَذَلِكَ فِي الْعُضْو اللحمي أسلم. فصل فِي صلابة المفاصل قد تعرض فِي المفاصل صلابة تمنع تَحْرِيك الْمفصل بالسهولة وَلَا يبطل الْحس وَرُبمَا كَانَ عصبياً فصل فِي الَّتِي تسمى المسامير إِن المسمار عقدَة مستديرة بَيْضَاء مثل رَأس المسمار وَكَثِيرًا مَا يعرض من الشجوج وَبعد الْجِرَاحَات وعقيب علاجها ثمَّ يكثر فِي الْجَسَد وَأَكْثَره يحدث فِي الرجل وأصابع الرجل وَفِي الأسافل فَيمْنَع الْمَشْي فَيجب أَن تشق عَنهُ وَيخرج أَو يفدغ بِالْيَدِ دَائِما وَيلْزم الأسرُب إِن كَانَ حَيْثُ لَا يُمكن أَن يخرج وَكثير مِنْهُ إِذا لم يعالج صَار سرطاناً. فصل فِي السرطان السرطان ورم سوداوي تولِّده من السَّوْدَاء الاحتراقية عَن مَادَّة صفراوية أَو عَن مَادَّة فِيهَا مَادَّة صفراوية احْتَرَقَ عَنْهَا لَيْسَ عَن الصّرْف العكري وَيُفَارق سقيروس بِأَنَّهُ مَعَ وجع وَحده وضربان مَا وَسُرْعَة ازدياد لِكَثْرَة الْمَادَّة وانتفاخ لما يعرض فِي تِلْكَ الْمَادَّة من الغليان عِنْد انفصالها إِلَى الْعُضْو ويفارقه أَيْضا بالعروق الَّتِي ترسل حواليه إِلَى الْعُضْو الَّذِي هُوَ فِيهِ كأرجل السرطان وَلَا تكون حَمْرَاء كَمَا فِي الفلغموني بل إِلَى سَواد وكمودة وخضرة وَقد يُخَالِفهُ بِأَن الْغَالِب من حُدُوثه يكون ابْتِدَاء. وغالب حُدُوث الصلب يكون انتقالاً من الْحَار وَيُفَارق السقيروس الْحق بِأَن لَهُ حسا وَذَلِكَ لَا حسّ لَهُ الْبَتَّةَ وَأكْثر مَا يعرض فِي الْأَعْضَاء المخلخلة وَلذَلِك هِيَ فِي النِّسَاء أَكثر وَفِي الْأَعْضَاء العصبية أَيْضا وَأول مَا يعرض يكون خَفِي الْحَال. فَإِنَّهُ إِذا ظهر السرطان أشكل أمره أول مَا يظْهر فِي أَكثر الْأَمر ثمَّ تظهر أَعْلَامه. وَأول مَا يظْهر فِي الِابْتِدَاء يكون كباقلاة صَغِيرَة صلبة مستديرة كمدة اللَّوْن فِيهَا حرارة
(3/183)

مَا وَمن السرطان مَا هُوَ شَدِيد الوجع وَمِنْه مَا هُوَ قَلِيل الوجع سَاكن وَمِنْه متأد إِلَى التقرّح لِأَنَّهُ من سَوْدَاء هِيَ حراقة الصَّفْرَاء الْمَحْضَة وَحدهَا وَمِنْه ثَابت لَا يتقرح وَرُبمَا انْتقل المتقرح إِلَى غير المتقرح وَرُبمَا رده إِلَى التقرح علاجه بالحديد وَيجْعَل لَهُ شفاهاً أغْلظ وأصلب. وَيُشبه أَن يكون هَذَا الورم يُسمى سرطاناً لأحد أَمريْن أَعنِي إِمَّا لتشبثه بالعضو كتشبث السرطان بِمَا يصيده وَإِمَّا لصورته فِي استدارته فِي الْأَكْثَر مَعَ لَونه وَخُرُوج عروق كالأرجل حوله مِنْهُ. فصل فِي العلاج الَّذِي يجب أَن يتَوَقَّع من علاجه إِنَّه إِذا ابْتَدَأَ فَرُبمَا أمكن أَن يحفظ على مَا هُوَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يزِيد وَأَن يحفظ حَتَّى لَا يتقرح وَقد يتَّفق فِي الأحيان أَن يبرأ المبتلىء وَأما المستحكم فكلا. وَكَثِيرًا مَا يعرض فِي الْبَاطِن سرطان خَفِي وَيكون الصّلاح فِيهِ على مَا قَالَ بقراط أَن لَا يُحَرك فَإِنَّهُ إِن حرّك فَرُبمَا أدّى إِلَى الْهَلَاك وَإِن ترك وَلم يعالج فَرُبمَا طَالَتْ الْمدَّة مَعَ سَلامَة مَا وخصوصاً إِذا أصلحت الأغذية وَجعلت مِمَّا يبرّد ويرطّب ويولّد مَادَّة هادية سَالِمَة مثل مَاء الشّعير والسمك الرضراضي وصفرة الْبيض النمبرشت وَنَحْو ذَلِك. وَإِذا كَانَت هُنَاكَ حرارة فمخيض الْبَقر كَمَا يمخض ويصفّى وَمَا يتَّخذ من الْبُقُول الرّطبَة حَتَّى القرع وَرُبمَا احْتمل السرطانِ الصَّغِير الْقطع وَإِن أمكن أَن يبطل بِشَيْء فَإِنَّمَا يُمكن أَن يبطل بِالْقطعِ الشَّديد. الاستئصال الْمُتَعَدِّي إِلَى طَائِفَة يقطعهَا من المطيف بالورم السال لجَمِيع الْعُرُوق الَّتِي تسمْيه حَتَّى لَا يُغَادر مِنْهَا شَيْء يسيل مِنْهَا بعد ذَلِك دم كثير وَقد تقدم بتنقية الْبدن عَن الْمَادَّة الرَّديئَة إسهالاً وفصداً ثمَّ تحفظه على نقائه بالأغذية الجيدة الْكمّ والكيف وتقوية الْعُضْو على الدّفع على أَن الْقطع فِي أَكثر الْأَوْقَات يزِيدهُ شرا. وَرُبمَا احْتِيجَ بعد الْقطع إِلَى كيّ وَرُبمَا كَانَ فِي الكيّ خطر عَظِيم وَذَلِكَ إِذا كَانَ سرطان بِقرب الْأَعْضَاء الرئيسة والنفيسة وَقد حكى بعض الْأَوَّلين أَن طَبِيبا قطع ثدياً متسرطناً قطعا من أَصله فتسرطن الآخر. أَقُول: أَنه قد يُمكن أَنه كَانَ ذَلِك فِي طَرِيق تسرطن فَوَافَقَ تِلْكَ الْحَالة وَيُمكن أَن يكون على سَبِيل انْتِقَال الْمَادَّة وَهُوَ أظهر. فصل فِي تَدْبِير إسهاله يسقى مرَارًا بَينهَا أَيَّام قَلَائِل كل مرّة أَرْبَعَة مَثَاقِيل أفتيمون بِمَاء الْجُبْن أَو مَاء الْعَسَل أَو طبيخ الأفتيمون فِي السكنجبين وللقويّ من النَّاس أيارج الخربق. فصل فِي ذكر الْأَدْوِيَة الموضعية للسرطان وَأما الْأَدْوِيَة الموضعية للسرطان فيراد بهَا أَرْبَعَة أغراض. إبِْطَال السرطان أصلا وَهُوَ صَعب وَالْمَنْع من الزِّيَادَة وَالْمَنْع من التقرح. وعلاج التقرح.
(3/184)

واللواتي يُرَاد بهَا إبِْطَال السرطان: فَيُنْحَى فِيهَا نَحْو مَا فِيهِ تَحْلِيل لما حصل من الْمَادَّة الرَّديئَة وَدفع لما هُوَ مستعد للحصول فِي الْعُضْو مِنْهَا وَأَن لَا تكون شَدِيدَة الْقُوَّة والتحريك فَإِن القوى من الْأَدْوِيَة يزِيد السرطان شرا وَذَلِكَ أَيْضا يجب أَن يجْتَنب فِيهَا اللذّاعة. وَلذَلِك مَا تكون الْأَدْوِيَة الجيدة لَهَا هِيَ المعدنية المغسولة كالتوتيا المغسول وَقد خلط بِهِ من الأدهان مثل دهن الْورْد ودهن الخيري مَعَه. وَأما منع الزِّيَادَة: فيوصل إِلَيْهِ بحسم الْمَادَّة وَإِصْلَاح الْغذَاء وتقوية الْعُضْو بالأدوية الرادعة الْمَعْرُوفَة وَاسْتِعْمَال اللطوخات المعدنية مثل لطوخ حكاكة حجر الرحا وَحجر المسن وَمثل لطوخ تتَّخذ من حَلَاله تنْحَل بَين صلاية وفهر من أسرب. فِي رُطُوبَة مصبوبة على الصلاية هِيَ مثل دهن الْورْد وَمثل مَاء الكزبرة وَأَيْضًا فَإِن التضميد بالحصرم المدقوق جيد نَافِع. واللواتي يُرَاد مِنْهَا منع التقرّح: فاللطوخات الْمَذْكُورَة لمنع الزِّيَادَة إِذا لم يكن فِيهَا لذع جَمِيعهَا نَافِع وخصوصاَ إِذا خلط بالحلالة الْمَذْكُورَة من فهر وصلاية أسربية. وَإِذا كَانَ فِي الْجُمْلَة طين مختوم أَو طين أرمني أَو زَيْت أنفاق وَمَاء حَيّ الْعَالم والإسفيذاج مَعَ عصارة الخسّ أَو لعاب بزرقطونا أَو إسفيذاج الأسرب فَهُوَ تركيب جيد. وَمِمَّا هُوَ بليغ النَّفْع التضميد بالسرطان النَّهْرِي الطريّ وخصوصاً مَعَ إقليميا. وَأما علاج التقرح: فمما هُوَ جيد لَهُ أَن يدام إِلْقَاء خرقَة كتَّان مغموسة فِي مَاء عِنَب الثَّعْلَب عَلَيْهِ كلما كَاد يجِف رش عَلَيْهِ مَاؤُهُ وَيُؤْخَذ لبّ الْقَمْح واللبان وأسفيذاج الرصاص من كل وَاحِد وزن دِرْهَم وَمن الطين الأرمني والطين الْمَخْتُوم وَالصَّبْر المغسول من كل وَاحِد دِرْهَمَيْنِ تجمع هَذِه وتسحق وتستعمل على الرطب ذروراً وعَلى الْيَابِس مرهماً متخذاً بدهن الْورْد. وَقد ينفع مِنْهُ رماد السرطان مَعَ قيروطي بدهن الْورْد. وأجوده أَن يخلط بِهِ مثله إقليميا وَقد ينفع مِنْهُ دَوَاء التوتيا أَو التوتيا المغسول بِمَاء الرجلة أَو لعاب بزرقطونا. فصل فِي الأورام الريحية ونفخات العضل إِن من الأورام الريحية مَا يكون عَن بخار سَلس فَيُشبه التهيّج وَيجْرِي مجْرَاه وَمِنْه مَا يكون عَن بخار ريحي وَيُسمى نفغة وَله مدافعة وبريق وَرُبمَا صَوت ضربه بِالْيَدِ وخصوصاً إِذا صَادف فضاء يجْتَمع إِلَيْهِ كالمعدة والأمعاء وَمَا بَين الأغشية المطيفة بالعظام وَبَين الْعِظَام أَو المطيفة بالعضل وَبَين العضل وَكَذَلِكَ مَا يطِيف بالأوتار وَرُبمَا لم تتحلّل الْأَقْضِيَة بل مزّق الْأَعْضَاء الْمُتَّصِلَة ودخلها أَو تولد فِيهَا فأحوج إِلَى تمزقها وَالرِّيح يبْقى ويحتبس لكثافتها وغلطها ولكثافة مَا يُحِيط. بهَا وضيق مسامه وَرُبمَا توهم الْإِنْسَان أَن على عُضْو مِنْهُ كالركبة ورماً محوجاً إِلَى البط. فيبطه فَيخرج ريح فَقَط.
(3/185)

فصل فِي العلاج أما مَا يشبه التهيّج فعلاجه. من جنس علاج التهيج وَأما النفخة فَيحْتَاج فِي علاجها إِلَى مَا يخلخل الْجلد ويحلل مَا فِيهِ وَيُمكن أَن يكون لَهُ على الْموضع مكث مُدَّة طَوِيلَة وَلَا بدّ من أَن يكون فِي غَايَة اللطافة ليتَمَكَّن للطافة أَجْزَائِهِ من الغوص الْبَالِغ وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى وضع محاجم من غير شَرط ليفش النفخة. وَمن أدويتها الموضعية: أدهان حارة مثل زَيْت لطيف الْأَجْزَاء طبخ فِيهِ مثل السذاب والكمون والبزور الملطفة كبزر الكرفس والأنيسون والنانخواه وَمَا يشبه ذَلِك. وَمن المراهم المحللة: وخصوصاً لما يَقع فِي الْأَعْضَاء الوترية والعضلية أَن يُؤْخَذ وسخ الْحمام فَيجْعَل مَعَ المَاء فِي الطنجير وَيصب عَلَيْهِ نورة مطفأة على قدر مَا يحصل مِنْهَا قوام كقوام الطين ويلطّخ بِهِ. وَقد يعْمل من الْخمر والنورة مرهم جيد معتدل وَأَيْضًا يُؤْخَذ الزوفا الْيَابِس ويسحق ويدر على قيروطي متخذ من الشمع ودهن الشبث ويتخذ مِنْهُ مرهم للطوخ. وَالَّذِي يعرض من النفخة فِي العضلط لرض يعرض لَهَا فَيجب أَن يجنّب الْأَدْوِيَة الحارة جدا والحريف لِئَلَّا تستوحش الْأَعْضَاء مِنْهَا وتشمئز بل إِذا عولج بالمحللات فليخلط بهَا شَيْء من المسكنة للوجع وَذَلِكَ مثلا علاجك بِمثل الميبختج مَضْرُوبا بالزيت مغموساً فِيهِ صوف الزوفا وَإِن كَانَت حرارة مَا فدهن الْورْد مغموساً فِيهِ صوف الزوفا أَو محلولاً فِيهِ الزوفا أَعنِي الرطب وَيسْتَعْمل جَمِيع ذَلِك مفتراً إِلَى الْحَرَارَة وَلَا يتْرك أَن يبرد فَإِن الْبرد ضار بِمثلِهِ فَإِن كَانَ هُنَاكَ من الِابْتِدَاء وجع فليستعمل عَلَيْهَا الأدهان الَّتِي فِيهَا تسكين للوجع مَعَ منع مَا فِي الِابْتِدَاء كدهن البنفسج والورد مَعَ قُوَّة دهن الشبث فَإِذا وجد بعض الخفة جعل فِي الْأَدْوِيَة مَا فِيهِ زِيَادَة قُوَّة على التَّحْلِيل مثل النطرون والخل ثمَّ مَاء الرماد ثمَّ المراهم المحللة مثل المرهم الْمَذْكُور. فصل فِي الْعرق الْمَدِينِيّ الْعرق الْمَدِينِيّ هُوَ أَن يحدث على بعض الْأَعْضَاء من الْبدن بثرة فتنتفخ ثمَّ تتنقط ثمَّ تتثقب ثمَّ يخرج مِنْهَا شَيْء أَحْمَر إِلَى السوَاد وَلَا يزَال يطول وَيطول وَرُبمَا كَانَت لَهُ حَرَكَة دودية تَحت الْجلد كَأَنَّهَا حَرَكَة الْحَيَوَان وَكَأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ دود حَتَّى ظن بَعضهم أَنه حَيَوَان يتَوَلَّد وَظن بَعضهم أَنه شبة من لِيف العصب فسد وَغلظ وَأكْثر مَا يعرض فِي السَّاقَيْن وَقد رَأَيْته على الْيَدَيْنِ وعَلى الْجنب وَيكثر فِي الصّبيان على الجنبين وَإِذا مد فَانْقَطع عظم فِيهِ الْخطب والألم بل يوجع مُدَّة وَإِن لم يَنْقَطِع. وَقد قَالَ جالينوس أَنه لم يُحَصل من أمره شَيْئا وَاضحا مُعْتَمدًا لِأَنَّهُ لم يره الْبَتَّةَ وَيَقُول أَن سَببه دم حَار رَدِيء سوداوي أَو بلغم محترق يحتد مَعَ اشتداد من يبس مزاج وَرُبمَا وَلدته بعض الْمِيَاه والبقول بخاصية فِيهَا. وَأكْثر مَا يولّده من الأغذية مَا هُوَ جَاف يَابِس وَكلما كَانَت الْمَادَّة المتولدة عَنْهَا ذَلِك فِي
(3/186)

الْبدن أحد كَانَ الوجع أَشد وَرُبمَا حدث فِي بدن وَاحِد فِي مَوَاضِع نَحْو أَرْبَعِينَ مِنْهُ وَخمسين مَعَ أَنه يتَخَلَّص مِنْهُ بالعلاج وثَفُلَ فِي الْأَبدَان الرّطبَة والمستعملة للاستحمامات والأغذية المرطبة والمستعملة للشراب بِقدر وَأكْثر مَا يتَوَلَّد فِي الْمَدِينَة وَلذَلِك ينْسب إِلَيْهَا وَقد يتولّد أَيْضا فِي بِلَاد خوزستان وَغَيرهَا وَقد يكثر أَيْضا بِبِلَاد مصر وَفِي بِلَاد أخر. فصل فِي العلاج أما الِاحْتِرَاز مِنْهُ فِي الْبِلَاد الَّتِي يتَوَلَّد فِيهَا والأغذية الَّتِي يتَوَلَّد مِنْهَا. فبمضادة سَببه وَذَلِكَ باستفراغ الدَّم الرَّدِيء فصداً من الباسليق أَو من الصَّافِن بِحَسب الْموضع وتنقية الدَّم بِمثل شرب الهليلجين وطبيخ الأفتيمون وَشرب حبّ القوقاي خَاصَّة وَاسْتِعْمَال الاطريفل الْمُتَّخذ بالسنا والشاهترج وترطيب الْبدن بالأغذية المرطبة والاستحمامات وَسَائِر التَّدْبِير المرطب الْمَعْلُوم فَأَما إِذا ظهر أَثَره أول ظُهُوره فَالصَّوَاب أَن يسْتَعْمل تبريد الْعُضْو بالأضمدة المبردة المرطبة كالعصارات البارعة الْمَعْرُوفَة مَعَ الصندلين والكافور بعد تنقية الْبدن ويستظهر أَيْضا بإرسال العلق على الْموضع. وَمن الأطلية الجيدة طلاء من صَبر وصندل وكافور أَو المر والبزرقطونا وَاللَّبن الحليب فَإِن لم يرجع وَلَكِن أَخذ يتنفط فَرُبمَا مَنعه وَصَرفه وخفف الْخطب فِيهِ أَن يشرب صَاحبه على الْوَلَاء أَيَّامًا ثَلَاثَة كل يَوْم وزن دِرْهَم من صَبر أَو يشرب مِنْهُ يَوْمًا نصف دِرْهَم وَفِي الثَّانِي درهما وَفِي الثَّالِث درهما وَنصفا ثَلَاثَة أَيَّام ويطلى عَلَيْهِ الصَّبْر أَو يطلى على فوهته رُطُوبَة الصَّبْر الرطب اللزجة. وَكَذَلِكَ فِي ابْتِدَاء مَا يخرج فَإِن لم يبال من ذَلِك وَخرج فَالصَّوَاب أَن يهيأ لَهُ مَا يشدّ بِهِ ويلف عَلَيْهِ بالرفق قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى يخرج إِلَى اَخره من غير انْقِطَاع وَأحسنه رصاصة يلف عَلَيْهَا ويقتصر على ثقلهَا فِي جذبه فينجذب بالرفق وَلَا يتقطع ويجتهد فِي تسهيل خُرُوجه بِأَن يدام تسخيف الْعُضْو وخلخلته بالنطول بِالْمَاءِ الْحَار واللعابات المبردة والأدهان الملينة بَارِدَة ولطيفة وَرُبمَا لم يسهل بذلك بل احْتِيجَ إِلَى مثل التلطيخ بدهن الخيري بل الزنبق بل البان وَأَن يسْتَعْمل عَلَيْهِ مرهم الزفت وَإِن كَانَ الحدس يُوجب أَن البط عَنهُ يُخرجهُ بكليته وَلم يكن مَانع بططت وأخرجت وَإِن كَانَ إِخْرَاجه بالجذب الْمَذْكُور لَا يسهل والبط عَنهُ لَا يُمكن فعفنه بالسمن فَإِنَّهُ يعفن بكليته وَيخرج. وَإِيَّاك وَاسْتِعْمَال الحادة من الْأَدْوِيَة فَإِنَّهُ رُبمَا أدّى إِلَى الْأكلَة واذا أدمن على أواخره الدَّلْك بالملح قليلاَ قَلِيلا أَو دلك من خلف بالمرفق وَمد من مخرجه باللطف والرفق خرج بكفيته خُصُوصا إِذا شُق أبعد مَا خَلفه وَأدْخل تَحْتَهُ الْميل هُنَاكَ وَدفع وأديم المَسْح وَهُوَ يخرج بالملح قَلِيلا قَلِيلا بالرفق فَإِنَّهُ إِذا فعل بِهِ ذَلِك فقد يخرج كُله فَإِن انْقَطع وَكَمن لم يكن بُد من البط عَنهُ إِلَى أَن يُصَار كرة أُخْرَى ثمَّ يخرج بالرفق ويعالج الْموضع بعلاجات الْجِرَاحَات.
(3/187)

الْمقَالة الثَّالِثَة الجذام فصل فِي ماهيه الجذام وَسَببه الجذام عِلّة رَدِيئَة يحدث من انتشار الْمرة السَّوْدَاء فِي الْبدن كُله فَيفْسد مزاج الْأَعْضَاء وهيئتها وشكلها وَرُبمَا فسد فِي آخِره اتصالها حَتَّى تتأكّل الْأَعْضَاء وَتسقط سقوطاً عَن تقرّح وَهُوَ كسرطان عَام للبدن كُله فَرُبمَا تقرح وَرُبمَا لم يتقرّح وَقد يكون مِنْهُ مَا يبْقى بِصَاحِبِهِ زَمَانا طَويلا جدا. والسوداء قد تنْدَفع إِلَى عُضْو وَاحِد فَتحدث صلابة أَو سقيروساً أَو سرطاناً بِحَسب أحوالها وَإِن كَانَت رقيقَة غَالِيَة أحدثت آكِلَة وَإِن اندفعت إِلَى السَّطْح من الْجلد أحدثت مَا يعرف من البرش والبهق الْأسود والقوباء وَنَحْوه. وَقد ينتشر فِي الْبدن كُله فَإِن عفن أحدث الْحمى السوداوية وَإِن ارتكم وَلم يعفن أحدث الجذام وَسَببه الفاعلي الأقدم سوء مزاج الكبد المائل جدا إِلَى حرارة ويبوسة فيحرق الدَّم سَوْدَاء أَو سوء مزاج الْبدن كُله أَو يكونَانِ بِحَيْثُ يكثف الدَّم بسببهما بردا وَسَببه المادي هُوَ الأغذية السوداوية والأغذية البلغمية أَيْضا إِذا تراكمت فِيهَا التخم وعملت فِيهَا الْحَرَارَة فحللت اللَّطِيف وَجعلت الكثيف سَوْدَاء والامتلاءات والأكلات على الشِّبَع لهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه وأسبابه الْمعينَة إنسداد المسام فيختنق الْحَار الغريزي ويبرد الدَّم ويغلظ وخصوصاً إِذا كَانَ الطحال سددياً ضَعِيفا لَا يجذب وَلَا يقدر على تنقية الدَّم من الْخَلْط السوداوي أَو كَانَت الْقُوَّة الدافعة فِي الأحشاء تضعف عَن دفع ذَلِك فِي عروق المقعدة وَالرحم وَكَانَت المسام منسدة وَقد يعين ذَلِك كُله فَسَاد الْهَوَاء فِي نَفسه أَو لمجاورة المجذومين. فَإِن الْعلَّة معدية وَقد تقع بِالْإِرْثِ وبمزاج النُّطْفَة الَّتِي مِنْهَا خلق فِي نَفسه لمزاج لَهَا أَو مُسْتَفَاد فِي الرَّحِم بِحَال لَهَا مثل أَن يتَّفق أَن يكون الْعلُوق فِي حَال الْحيض. فَإِذا اجْتمع حرارة الْهَوَاء مَعَ رداءة الْغذَاء وَكَونه من جنس السّمك والقديد واللحوم الغليظة وَلُحُوم الْحمير والعدس كَانَ بالحري أَن يَقع الجذام كَمَا يكثر بالإسكندرية. والسوداء إِذا خالطت الدَّم أعَان قليلها على تولّد كثيرها لِأَنَّهَا لَا محَالة تغلظ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا بجوهرها الغليظ وَالثَّانِي ببردها المجمّد لهاذا غلظ بعض رطوبته كَانَ تجفّفه بحرارة الْبدن أسهل وَقد يبلغ من غلظ الدَّم فِي المجذومين أَن يخرج فِي فصدهم شَيْء كالرمل. وَهَذِه الْعلَّة تسمى دَاء الْأسد. قيل إِنَّمَا سمّيت بذلك لِأَنَّهَا كثيرا مَا تعتري الْأسد
(3/188)

وَقيل لِأَنَّهَا تجهم وَجه صَاحبهَا وتجعله فِي سحنة الْأسد وَقيل لِأَنَّهَا تفترس من تَأْخُذهُ افتراس الْأسد والضعيف من هَذِه الْعلَّة عسر العلاج وَالْقَوِي مَا يُؤمن من علاجه والمبتدىء أقبل والراسخ أعصى والكائن من سَوْدَاء الصَّفْرَاء أهيج وَأكْثر أَذَى وأصعب أعراضاً وَأَشد إحراقاً وتقريحاً لكنه أقبل للعلاج. والكائن عَن ثقل الدَّم أسلم وأسكن وَلَا يقرّح والكائن عَن السَّوْدَاء الْمُحْتَرِقَة يشبه الصفراوي فِي أعراضه لكنه أَبْطَأَ قبولاً للعلاج وَهَذَا الْمَرَض لَا يزَال يفْسد مزاج الْأَعْضَاء بمضادة الْكَيْفِيَّة للكيفية الْمُوَافقَة للحياة أَعنِي الْحَرَارَة والرطوبة حَتَّى يبلغ إِلَى الْأَعْضَاء الرئيسة وَهُنَاكَ يقتل ويبتدىء أَولا من الْأَطْرَاف والأعضاء اللينة وَهُنَاكَ ينتشر الشّعْر عَنْهَا ويتغير لَوْنهَا وَرُبمَا تأدت إِلَى تقرّح ثمَّ يدبّ يسير يَسِيرا فِي الْبدن كُله فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ أول تولده فِي الأحشاء فَإِن أول تَأْثِيره فِي الْأَطْرَاف لِأَنَّهَا أَضْعَف. على أَنه رُبمَا مَاتَ صَاحبه قبل أَن تنعكس غائلته الظَّاهِرَة على الأحشاء والأعضاء الرئيسة وَيكون صَوته ذَلِك بالجذام وبسوء مزاجه. وَلما كَانَ السرطان وَهُوَ جذام عُضْو وَاحِد مِمَّا لَا برْء بِهِ فَمَا تَقول فِي الجذام الَّذِي هُوَ سرطان الْبدن إِلَّا أَن فِي الجذام شَيْئا وَاحِدًا وَهُوَ أَن الْمَرَض فَاش فِي الْبدن كُله فَإِذا اسْتعْملت العلاجات القوية اشتغلت بِالْمرضِ وَلم تحمل على الْأَعْضَاء الساذجة وَلَيْسَ كَذَلِك فِي السرطان. فصل فِي العلامات إِذا ابْتَدَأَ الجذام ابْتَدَأَ اللَّوْن يحمر حمرَة إِلَى سَواد وَتظهر فيَ الْعين كمودة إِلَى حمرَة وَيظْهر فِي النَّفس ضيق وَفِي الصَّوْت بحة بِسَبَب تأذي الرئة وقصبتها وَيكثر العطاس وَتظهر فِي الْأنف غنة وَرُبمَا صَارَت سدة وخشماً وَيَأْخُذ الشّعْر فِي الرقة وَفِي الْقلَّة وَيظْهر الْعرق فِي الصُّدُور ونواحي الْوَجْه وَتَكون رَائِحَة الْبدن وخصوصاً الْعرق ورائحة النَّفس إِلَى النتن وَتظهر أَخْلَاق سوداوية من تيه وحقد وتكثر فِي النّوم أَحْلَام سوداوية كَثِيرَة ويحس فِي النّوم كَأَن على بدنه ثقلاً عَظِيما ثمَّ يظْهر الانتثار فِي الشّعْر والتمرّط فِيهِ خُصُوصا فِيمَا كَانَ من الشّعْر على الْوَجْه ونواحيه وَرُبمَا انقلع مَوضِع الشّعْر وتتشقّق الْأَظْفَار وَتَأْخُذ الصُّورَة تسمج وَالْوَجْه يجهم واللون يسود وَيَأْخُذ الدَّم يجمد فِي المفاصل ويعفن ويزداد ضيق النَّفس حَتَّى يصير إِلَى عسر شَدِيد وبهر عَظِيم وَيصير الصَّوْت غَايَة فِي البحّة وتغلظ الشفتان ويسود اللَّوْن وَتظهر على الْبدن زَوَائِد غددية شَبيهَة بِالْحَيَوَانِ الَّذِي يُسمى باليونانية ساطورس
(3/189)

ثمَّ يَأْخُذ الْبدن فِي التقرّح إِذا كَانَ جذاماً غير سَاكن ويتأكّل غضروف الْأنف ثمَّ يسْقط الْأنف والأطراف ويسيل صديد منتن وَيعود الصَّوْت إِلَى خَفَاء وَلَا يكون قد بَقِي شعر ويسود اللَّوْن جدا. ونبض المجذوم ضَعِيف لضعف الْقُوَّة وَقلة الْحَاجة إِذْ الْمَرَض بَارِد وبطيء غير سريع لضعف الْبرد وَلَا بُد من تَوَاتر إِذْ لَا سرعَة وَلَا عظم. فصل فِي العلاج يجب أَن تباشر فِيهِ إِلَى الاستفراغ والتنقية قبل أَن يغلظ الْمَرَض وَإِذا تحققت أَن هُنَاكَ دَمًا كثيرا فَاسِدا فَيجب أَن تبادر وتفصد فصداً بليغاً وَلَو من الْيَدَيْنِ فَإِن لم يتَحَقَّق ذَلِك فَلَا فصد فَإِن الفصد من الْعُرُوق الْكِبَار رُبمَا يضرّهُ جدا أَكثر مِمَّا يَنْفَعهُ وَلكنه قد يُؤمر بفصده من تفاريق الْعُرُوق الصغار إِن خيف عَلَيْهِ فصد الْكِبَار وَاعْلَم أَن دَمًا بَارِدًا فِي الظَّاهِر فَيكون ذَلِك أبلغ من الْحجامَة والعلق وَأَقل ضَرَرا بالأحشاء وَذَلِكَ مثل عرق الْجَبْهَة وَالْأنف. وَأما فِي الْأَكْثَر فالفصد مُحْتَاج إِلَيْهِ فِي علاج هَذِه الْعلَّة وَمِمَّا يَسْتَدْعِي إِلَى ذَلِك ضيق نَفسه وعسره وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى فصد الوداج عِنْد اشتداد بحة الصَّوْت وَخَوف الخنق فَإِن فصد فَيجب أَن يراح أسبوعاً ثمَّ يستفرغ بِمثل أيارج لوغاذيا وأيارج شَحم الحنظل ويستفرغ بمطبوخات وحبوب متخذة من الأفتيمون والأسطوخودوس والبسفايج والهليلج الْأسود والكابلي والخربق الْأسود واللازورد وَالْحجر الأرمني وَلَا يضر أَن يخلط بهَا شَحم الحنظل والسقمونيا أَيْضا وخصوصاً إِذا كَانَ هُنَاكَ صفراء ويضاف إِلَيْهَا صَبر وقثاء الْحمار والتيادريطوس جيد لَهُم وَأَيْضًا أيارج فيقرا وخصوصاً إِذْ قوي بالسمقونيا من جيده مسهلات المجذومين لَا سِيمَا إِذا شم شمة من الخريق أَو جعل مَعَه الْحجر الأرمني. وَفِي الصَّيف يجب أَن يُخَفف وَلَا يُلقى فِي الْمَطْبُوخ تَقْوِيَة حَتَّى لَا يثير وَيُدبر. مطبوخ للمجذومين: يُؤْخَذ إهليلج أصفر وإهليلج أسود من كل وَاحِد عشرَة دَرَاهِم نانخواه خَمْسَة دَرَاهِم حلتيت طيب نصف دِرْهَم زبيب منزوع الْعَجم نصف منا يطْبخ بِثَلَاثَة أَبَارِيق مَاء حَتَّى يصير على الثُّلُث ويُعصر ويُصفى ويُخلط فِيهِ من الْعَسَل وزن خَمْسَة دَرَاهِم ويُسقى ويمرخ جِسْمه بالسمن وَيجْلس فِي الشَّمْس حَتَّى يغلي أَو يخطو سبعين خطْوَة ويتقلب على الْيَمين وَالشمَال وَالظّهْر والبطن وَيَأْكُل الْخبز بالعسل. يسقى هَذَا الدَّوَاء على مَا وَصفنَا سَبْعَة أَيَّام ويجدد طبخه فِي كل يَوْم وَلَيْسَ يَكْفِي فِي علاج هَؤُلَاءِ الَّذين لم يستحكموا استفراغ وَاحِد بل رُبمَا احْتِيجَ أَن يستفرغوا فِي الشَّهْر مرَّتَيْنِ أَو فِي كل شهر مرّة بِحَسب مُوجب الْمُشَاهدَة وَذَلِكَ بأدوية معتدلة.
(3/190)

وَقد يسهل كل يَوْم بالرفق مَجْلِسا ومجلسين بِمَا يسهل ذَلِك من الشربات النَّاقِصَة من الْأَدْوِيَة الْمَذْكُورَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَاء. أما القوية جدا مثل الخربق وَنَحْوه وَالْكثير الْوَزْن فَيَكْفِي فِي الْعَام مرّة ربيعاً وَمرَّة خَرِيفًا أَو أَكثر من ذَلِك وَيجب أَن يقبل على أدمغتهم بالتنقية بِمثل الغراغر الْمَذْكُورَة فِي بَاب أمراض الرَّأْس وبالسعوطات الْمَعْرُوفَة. نُسْخَة سعوط: يُؤْخَذ دَار فلفل وماميران وشيطرج وجوف البرنج من كل وَاحِد دِرْهَم جوزبوّا مشكطرامشيع من كل وَاحِد نصف دِرْهَم عصارة الفنجنكشت ثَلَاث قواطل دهن خل ثَلَاث قواطل يخلط ويطبخ حَتَّى يذهب المَاء ثمَّ يصفّى ويحفظ فِي زجاجة ويسعط بِهِ فِي مَنْخرَيْهِ مَا وَسِعا ثمَّ يتبع إِذا أَكثر من ذَلِك السعوطات المرطبة وَيجب أَن يمنعوا عَن كل مَا يجفف ويحلّل الرُّطُوبَة الغريزية ويُحرّم عَلَيْهِم التَّعَب والغمّ وَأَن يَنْتَقِلُوا من هَوَاء إِلَى هَوَاء يضاده وَأَن يسقوا بعد التنقية الأدهان مثل دهن اللوز بِمثل عصير الْعِنَب وَذَلِكَ إِذا استفرغوا مرَارًا وَيجب أَن يراضوا كل غَدَاة بعد اندفاع الفضول من الأمعاء ويكلفوا رفع الصَّوْت العالي ويتوثبوا ويصارعوا ثمَّ يدلكوا فَإِذا عرقوا نشّفوا وَبعد ذَلِك يدهنون بأدهان معتدلة فِي الْحر وَالْبرد مرطبة فِي أَكثر الْأَمر مقوية فِي الأول فَإِنَّهُم يَحْتَاجُونَ فِي الأول إِلَى مقويات كالهليلج والعفص أَيْضا بخل. وَرُبمَا اسْتعْمل عَلَيْهِم التمريخ بالدهن مَعَ لبن النِّسَاء وَكَذَلِكَ يجب أَن يسعطوا بِهِ إِذا كثر اليبس. وَإِذا هاج بهم غثيان قُيئوا والأجود أَن يستحمّوا ثمَّ يتمرّخوا. وَإِذا استحموا فمروخاتهم من مثل دهن الآس والمصطكي ودهن فقّاح الْكَرم وَدَار شيشعان ودهن الْقسْط على الْأَطْرَاف ثمَّ يراح المعالج مِنْهُم نصف سَاعَة ويعرض على الْقَيْء بالريشة ثمَّ يسقى شَيْئا من الإفسنتين. وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى تمريخهم فِي الحمّام بالملطفات المحلَلة الَّتِي يَقع فِيهَا النطرون والكبريت وَحب الْغَار وغراء النجارين بل الْخَرْدَل والصعتر والفلفل وَدَار فلفل والعاقرقرحا والميويزج والخردل وَالصَّبْر والفوتنج وَإِلَى التضميد بهَا على أوصالهم. بل رُبمَا احْتِيجَ إِلَى مثل الفربيون وَذَلِكَ حِين تكلفهم أَن يستحموا لتحليل فضولهم ولتعريقهم فَإِن تعريقهم قانون جيد فِي علاجهم وَقد يمرخون بالترياق والشليثا والقفتارغاز. وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى تمريخهم بِمثل ذَلِك فِي الشَّمْس الحارة وَخير غسولاتهم فِي الحمّام مَا طبخ فِيهِ الحلبة مَعَ الصابون الطّيب وَيجب أَن يجْتَنب المجذوم الْجِمَاع أصلا. وَأما الْأَشْيَاء الَّتِي يسقونها فَمن فَاضل أدويتهم الترياق الفاروقي الْمُتَّخذ بلحوم الأفاعي وترياق الْأَرْبَعَة والقفتارغان ودبيد كبريتا وَقد يسعطون بِهَذِهِ أَيْضا وَأَن يسقوا من أَقْرَاص الأفاعي أَيْضا وَحدهَا مِثْقَالا مِثْقَالا فِي أُوقِيَّة من شراب غليظ أَو طلاء وأقراص العنصل أَيْضا. وَاعْلَم أَن لحم الأفاعي وَمَا فِيهِ قُوَّة لَحمهَا من أجل الْأَدْوِيَة لَهُم وَلَا يَنْبَغِي أَن
(3/191)

تكون الأفعى سبخية وَلَا ريفية وَلَا شطّية فَإِنَّهَا فِي الْأَكْثَر قَليلَة الْمَنْفَعَة وللكثير مِنْهَا غائلة التعطيش والإتلاف بِهِ بل تخْتَار الجبلية لَا سِيمَا الْبيض وتقطع رؤوسها وأذنابها دفْعَة وَاحِدَة فَإِن أَكثر سيلان الدَّم عَنْهَا وَبقيت حَيَّة مضطربة اضطراباً كثيرا وزماناً طَويلا فَذَلِك وَإِلَّا تركت والمرافق مِنْهَا الْكثير سيلان الدَّم وَالِاضْطِرَاب بعد الذّبْح وينظف ويطبخ كَمَا نذْكر لَك ويؤكل مِنْهُ وَمن مرقته وَالْخمر الَّتِي تَمُوت فِيهَا الأفعى أَو تكرع فقد عوفي بشربها قوم اتِّفَاقًا أَو قصدا للْقَتْل من الساقي وملح الأفعى نَافِع أَيْضا وَأما شورباجة الأفاعي فَأن تُؤْخَذ الأفاعي المقطوعة الطَّرفَيْنِ المنقاة عَن الأحشاء ثمَّ تسلق بالكراث والشبث والحمص وَالْملح الْقَلِيل تطبخ بِمَاء كثير حَتَّى تتهرى وَتُؤْخَذ عظامها حِينَئِذٍ عَنْهَا وينقى لَحمهَا وَيسْتَعْمل بِأَن يُؤْكَل لَحمهَا ويتحشى مرقها على ثريد عَن خبز سميذ وَرُبمَا طرح مَعهَا شَيْء من فراخ الْحمام حَتَّى تطيب المرقة. وَهَذَا التَّدْبِير رُبمَا لم يظْهر فِي الِابْتِدَاء نَفعه ثمَّ ظهر دفْعَة وَرُبمَا تقدم الْعَافِيَة زَوَال الْعقل أَيَّامًا وعلامة ظُهُور فَائِدَته فِيهِ والوصول إِلَى الْوَقْت الَّذِي يجب أَن يكف فِيهِ عَن اسْتِعْمَاله أَن يَأْخُذ المجذوم فِي الانتفاخ فينتفخ ثمَّ رُبمَا اخْتَلَط عقله ثمَّ يَنْسَلِخ ثمَّ يعافى فَإِذا لم يسدر وَلم ينتفخ فليكرر عَلَيْهِ التَّدْبِير كرة أُخْرَى. وَمِمَّا وصفوا لذَلِك أَن يذبح الْأسود السالخ ويدفن حَتَّى يتدود وَيخرج مَعَ دوده ويجفف ويسقى من أفرط عَلَيْهِ الجذام مِنْهُ ثَلَاثَة أَيَّام كل يَوْم وزن دِرْهَم بشراب الْعَسَل والتمريخ أَيْضا بِمَا فِيهِ قُوَّة الأفعى نَافِع لَهُ كالزيت الَّذِي يطْبخ فِيهِ وَمثل هَذَا الدَّوَاء. ونسخته: يُؤْخَذ الْأسود السالخ وَيجْعَل فِي قدر ويصبّ عَلَيْهِ من الخلّ الثقيف ثَمَان أَوَاقٍ وَمن المَاء أُوقِيَّة وَمن الشيطرج الرطب وأصل اللوف من كل وَاحِد أوقيتين يطْبخ على نَار لينَة حَتَّى تتهرى الْحَيَّة ويصفى المَاء عَن الْحَيَّة ويتدلّك بِهِ بعد حلق اللِّحْيَة وَالرَّأْس يفعل ذَلِك ثَلَاثَة أَيَّام ويعرض لَهُم من اسْتِعْمَال الْأَدْوِيَة الأفعوية الانسلاخ عَن الْجلد الْفَاسِد وإبدال لحم وَجلد صَحِيح على أَن تمريخ المجذوم بالمرطبات المعتدلة الْحَرَارَة مِمَّا ينفع فِي بعض الْأَوْقَات إِذا اشْتَدَّ اليبس وَكَذَلِكَ إسعاطه بِمثل دهن البنفسج وَفِيه قَلِيل دهن خيري وَأَيْضًا بِمثل شحوم السبَاع والثيران والطيور وبمثل دهن الْقسْط وَالدَّار شيشعان ودهن السوسن يحفظ الْأَطْرَاف وَذَلِكَ بعد التنقية وَقبل التنقية لَا يمرخ الْبَتَّةَ فيسد المسام. وَمن المشروبات النافعة لَهُم البزرجلي ودواء السلاخة وَاللَّبن من أوفق مَا يعالج بِهِ وخصوصاً عِنْد ضيق نَفسه وعسره وبحة صَوته وَفِي فترات مَا بَين الاستفراغات وَيجب أَن يشرب فِي حَال مَا يحلب وَلبن الضَّأْن من أَنْفَع الْأَشْيَاء لَهُ وَيجب أَن يشرب مِنْهُ قدر مَا ينهضم وَإِن اقْتصر عَلَيْهِ وَحده إِن أمكن كَانَ نَافِعًا جدا وَإِن كَانَ وَلَا بُد فَلَا يزِيد عَلَيْهِ
(3/192)

شَيْئا إِن أمكن غير الْخبز النقي والاسفيدباجات بلحوم الحملان وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا سَنذكرُهُ. وَإِذا عَاد النَّفس إِلَى الصّلاح فَالْأولى أَن يتْرك اللَّبن وَيقبل على الْأَشْيَاء الحريقة ليتقيأ بهَا لَا لغير ذَلِك ويستفرغ بِمَا ذكر ثمَّ إِن احْتَاجَ عاود اللَّبن إِلَى الْحَد الْمَذْكُور وَيجب أَن يُكَرر هَذَا التَّدْبِير فِي السّنة مرَارًا. وَأما المستحكمون فَلَا يجب أَن يشْتَغل بفصدهم وَلَا بإسهالهم بمراء قوي فَإِن الفضول فيهم تتحرك وَلَا تنفصل بل يرفق بإمالة الْموَاد مِنْهُم إِلَى الأمعاء وَيسْتَعْمل من خَارج مَا يفش ويحلل. وَمن الْأَشْرِبَة الصَّالِحَة لَهُم أَن يُؤْخَذ من الخلّ أُوقِيَّة وَنصف وَمن القطران مثله وَمن عصارة الكرنب الْبري النيء ثَلَاث أَوَاقٍ يخلط الْجَمِيع ويسقى بِالْغَدَاةِ والعشي أَو يُؤْخَذ لَهُم من برادة العاج وزن عشرَة قراريط فيسقونه فِي ثَلَاث أَوَاقٍ شراب وَسمن أَو يُؤْخَذ الحلتيت بالعسل قدر جوزة أَو يُؤْخَذ من العنصل قدر عشرَة قراريط مَعَ شراب الْعَسَل الْمُقَوّم كاللعوق أَو يُؤْخَذ من الكقون خَمْسَة دَرَاهِم فِي عسل كاللعوق وعصارة الفوتنج جَيِّدَة لَهُم جدا من ثَلَاث قوايوس إِلَى سِتّ والسمك الْمليح يجب أَن يستعملوا مِنْهُ أَحْيَانًا كَمَا يسْتَعْمل الدَّوَاء وليجتنبوا الحريفة جدا إِلَّا للقيء وَإِلَّا على سَبِيل الأبازير فِيمَا يتَّخذ. وَقد يعالجون بالكي المتفرّق جدا على أعضائهم مثل اليافوخ ودروز الرَّأْس وعَلى أصل الحنجرة والصدفين والقفا ومفاصل الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ. وَقَالَ بَعضهم يجب أَن يكووا فِي أول الْخَوْف من الجذام كَيَّة فِي مقدّم الرَّأْس أرفع من اليافوخ وَأُخْرَى أَسْفَل من ذَلِك وَعند الْقصاص فَوق الْحَاجِب وَوَاحِدَة فِي يمنة الرَّأْس وَأُخْرَى فِي يسرته وَوَاحِدَة من خَلفه فَوق النقرة وإثنتين عندى الدرزين القشريين وَوَاحِدَة على الطحال وَتَكون تِلْكَ الكيات بمكواة خَفِيفَة دقيقة وَإِذا كوي على الرَّأْس فَيجب أَن يبلغ الْعظم حَتَّى يتقشر الْعظم وَلَو مرَارًا كَثِيرَة بعد أَن يتحفظ من وُصُول ذَلِك إِلَى الدِّمَاغ على جملَة مفْسدَة لمزاجه فَإِن الْجُهَّال رُبمَا قتلوا بذلك إِذا لم تخفّف أَيْديهم. مِنْهَا البزرجلي والبيشي الَّذِي يقوم مقَام لحم الأفاعي فِي هَذِه الْعلَّة وَمِنْهَا دَوَاء السلاخة فَأَما البزرجلي فَلهُ نسخ كَثِيرَة ذكرتها الْهِنْد وجرّبوها وَمن صِفَاته الْمَعْرُوفَة أَن يُؤْخَذ هليلج أسود وشيطرج هندي من كل وَاحِد عشرَة دَرَاهِم دَار فلفل خَمْسَة دَرَاهِم بيش أَبيض دِرْهَمَيْنِ وَنصف يدق ويلتّ بِسمن الْبَقر ويعجن بِعَسَل والشربة مِثْقَال إِلَى دِرْهَمَيْنِ بعد تنقية الْبدن فَإِن أَخذ منع مَعَ مثله دَوَاء الْمسك لم تخف غائلته فَإِنَّهُ باد زهره. صفة المعجون الْمُسَمّى بزرجلي الْأَكْبَر: وَهُوَ الجوانداران النافع من الجذام والبرص والبهق والقوباء وَالْمَاء الْأَصْفَر والحكّة والجرب الْعَتِيق وَيثبت الْعقل وَيذْهب بِالنِّسْيَانِ وَهُوَ جيد للْحِفْظ نَافِع من الغشي وَهَذَا الدَّوَاء اتَّخذهُ عُلَمَاء الْهِنْد لملوكهم.
(3/193)

أخلاطه: يُؤْخَذ هليلج وبليلج وأملج وشيطرج هندي من كل وَاحِد أَرْبَعَة عشر درهما جوزبوّا وخيربوّا وقشور الكندر ومو وفو وفلفل وَدَار فلفل وفلفلمويه ونار قَيْصر ونار مشك وكندس وعصارة الاشقيل وساذج هندي من كل وَاحِد ثَمَانِيَة مَثَاقِيل وَمن البيش الْأَزْرَق الْجيد أَرْبَعَة مَثَاقِيل تدق الْأَدْوِيَة وتنخل ويسحق البيش على حِدة ويسد الَّذِي يدقه أَنفه وفمه ويدهنهما قبل ذَلِك بِسمن الْبَقر وبإزاء سحقه الْأَدْوِيَة وَيُؤْخَذ من الفانيد الخزايني الْجيد أَو السجْزِي منوين وَنصف بالبغدادي ويرض ويلقى فِي قدر حَدِيد وَيصب عَلَيْهِ من المَاء بِقدر مَا يذوبه فَإِذا ذاب فأنزله عَن النَّار وذر عَلَيْهِ الْأَدْوِيَة واعجنها بِهِ عَجنا جيدا ثمَّ اتخذ مِنْهُ بَنَادِق كل بندقة من مِثْقَال واسق كل يَوْم مِنْهَا وَاحِدَة على الرِّيق بِمَاء فاتر أَو نَبِيذ. صفة معجون السلاخة: وَهُوَ دَوَاء هندي كَبِير فِي طَرِيق البزرجلي وَهُوَ ينفع أَيْضا من تناثر الأشفار وَبَيَاض الشّعْر والبهر والخفقان وفتور الشَّهْوَة والإسهال الذريع وَالِاسْتِسْقَاء واليرقان وَقلة الذرع والباسور ويشبب الشُّيُوخ وينفع من الحكة والقروح. ونسخته: يُؤْخَذ من السلاخة المنقاة المغسولة مِائَتَان وَسِتُّونَ مِثْقَالا والسلاخة هِيَ أَبْوَال التيوس الجبلية وَذَلِكَ أَنَّهَا تبول أَيَّام هيجانها على صَخْرَة فِي الْجَبَل تسمى السلاخة فتسود الصَّخْرَة وَتصير كالقار الدسم الرَّقِيق وَمن الهليلج والبليلج والأملج والفلفل وَالدَّار فلفل والدهمست وخيربوا وقرفة وبسباسة وعود وبالة وديكارة وطباشير وإكمكت وبرنج وماقيس من كل وَاحِد أَرْبَعَة مَثَاقِيل وَمن الْمقل مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ مِثْقَالا وَمن السكر الطبرزد مائَة وَأَرْبَعين مِثْقَالا وَمن الذَّهَب الْأَحْمَر وَالْفِضَّة الصافية والنحاس الْأَحْمَر وَالْحَدِيد والآنك والفولاذ من كل وَاحِد ثَمَانِيَة مَثَاقِيل تحرق الْجَوَاهِر وتدق وتنخل مَعَ الْأَدْوِيَة وتخلط جَمِيعًا مَعَ الْعَسَل وَالسمن وترفع فِي بستوقة خضراء والشربة مِثْقَال بِلَبن الْمعز وبماء فاتر وَيُزَاد فِيهِ من الْعَسَل المنزوع الرغوة سَبْعَة وَسِتُّونَ مِثْقَالا وَمن السّمن أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ مِثْقَالا وَإِن طبخته كَانَ خيرا لِأَنَّهُ يَرْبُو وَيدْرك فِي أحد وَعشْرين يَوْمًا. صفة إحراق الفولاذ: يضْرب الفولاذ صَفَائِح ثمَّ يطْبخ هليلج وبليلج وأملج ويصفى مَاؤُهَا وَيجْعَل فِي قدر نُحَاس ويوقد تحتهَا نَار لينَة ويسخن الفولاذ حَتَّى يحمرّ ويغمس فِي ذَلِك المَاء ثمَّ يُعَاد إِلَى النَّار حَتَّى يحمر فَإِذا احمر غمسته أَيْضا فِي ذَلِك المَاء يفعل ذَلِك بِهِ إِحْدَى وَعشْرين مرّة ثمَّ يصفّى ذَلِك المَاء وَيُؤْخَذ ثفله الَّذِي يرسب فِيهِ من الفولاذ ثمَّ يُعَاد الْقدر على النَّار وَيجْعَل فِيهَا بَوْل الْبَقر ويحمّى الْحَدِيد ويغمس فِيهَا أَيْضا إِحْدَى وَعشْرين مرّة وَيُؤْخَذ أَيْضا ثفله حَتَّى يخلص من ثفله ثَمَانِيَة مَثَاقِيل وَمن ثفل الفولاذ ثَمَانِيَة مَثَاقِيل وَكَذَلِكَ يفعل بِالنُّحَاسِ حَتَّى يَسْتَوْفِي مِنْهُ أَيْضا ثَمَانِيَة مَثَاقِيل فَأَما الْفضة فَإِنَّهَا تبرد بالمبرد حَتَّى تصير كالتراب ثمَّ تطبخ بِمَاء الْملح فِي مغرفة حَدِيد حَتَّى تحترق احتراقاً جيدا وَإِن لم تحترق ألقيتَ فِي المغرفة
(3/194)

شَيْئا قَلِيلا من الكبريت الْأَصْفَر فَإِنَّهُ يَحْتَرِق وَيَأْخُذ مِنْهَا ثَمَانِيَة مَثَاقِيل كلّ ذَلِك مدقوقاً منخولاً. من الآنك وَهُوَ الأسرب ويبرد الآنك مَعَ الذَّهَب حَتَّى يذابا مَعًا ثمَّ يتْرك سَاعَة ثمَّ يبرد أَيْضا وَيُزَاد عَلَيْهِ مِثْقَال من الآنك ويبرد أَيْضا بالمبرد ثمَّ يلقى فِي المغرفة ويصبّ عَلَيْهِ مَاء الْملح ويغلى حَتَّى يذهب المَاء وَيبقى الذِّهْن والآنك ثمَّ يدق فِي الهاون نَاعِمًا حَتَّى يصير مثل الذريرة ويخلط بالأدوية. وَأما تصفية السلاخة فعلى هَذَا يُؤْخَذ مَاء الحسك وَبَوْل الْبَقر وتلقيهما على السلاخة فِي إِنَاء حَدِيد بِقدر مَا يغمره وَيُوضَع فِي الشَّمْس الحارة سَاعَة ثمَّ يدلك دلكا شَدِيدا ويصفى المَاء عَنهُ فِي إِنَاء حَدِيد وَيُوضَع فِي الشَّمْس الحارة ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ يصفى وَيُؤْخَذ ثفله الخاثر ثمَّ يصبّ أَيْضا مَاء الحسك وَالْبَوْل على السلاخة وَيُدبر كَمَا دبّر أَولا ثمَّ يفعل ذَلِك ثَلَاث مَرَّات ثمَّ يوضع فِي الشَّمْس أحد وَعشْرين يَوْمًا حَتَّى يغلظ وَيصير شبه الْعَسَل ويسود مثل القار. صفة السلاخة الصُّغْرَى: ومنافعها مَنَافِع الْكُبْرَى ونسخته: يُؤْخَذ من السلاخة المصفاة جُزْء وَمن الكور أَرْبَعَة أَجزَاء يدقّ الكور ويخلط مَعهَا مثل وَزنهَا من الْعَسَل وَمثله من السكر وَمثل نصف الْعَسَل سمن الْبَقر وَيرْفَع فِي قَارُورَة والشربة مِثْقَال بِلَبن الْبَقر فاتراً. صفة دَوَاء نَافِع من الجذام: يُؤْخَذ هليلج أسود منقّى وهليلج أصفر منقّى وزنجبيل من كلّ وَاحِد أحد عشر درهما نانخواه خَمْسَة دَرَاهِم حلتيت طيب ثَلَاثَة دَرَاهِم زبيب منقى نصف مكوك يطْبخ بِثَلَاث دواريق مَاء. قَالَ والدورق أَرْبَعَة أَرْطَال بالبغدادي حَتَّى يذهب الثُّلُثَانِ وَيبقى الثُّلُث ثمَّ يعصر ويصفى ويلقى على الْمُصَفّى من الْعَسَل مَا يَكْفِيهِ ويسقى مِنْهُ رَطْل ويدهن على الْمَكَان من بدن العليل بِسمن الْبَقر وَيجْلس فِي الشَّمْس حَتَّى يعرق وَيُؤمر أَن يمشي إِذا أطَاق ذَلِك سبعين خطْوَة ويضجع مرّة على جنبه الْأَيْمن ومرّة على جنبه الْأَيْسَر ومرّة على بَطْنه ومرّة على ظَهره ويغذى بالخبز وَالْعَسَل بِمِقْدَار فصد سَبْعَة أَيَّام على أَن تطرى لَهُ الْأَدْوِيَة فِي كل يَوْم. صفة طلاء للجذام: يُؤْخَذ أسود سالح فَيذْبَح وَيصير فِي قدر وَيصب عَلَيْهِ من الْخلّ الثقيف ثَمَان أَوَاقٍ وَمن المَاء أُوقِيَّة وَمن الشيطرج لرطب وأصل اللوف من كل وَاحِد أوقيتين يطْبخ على نَار لينَة حَتَّى تتهرّى الْحَيَّة ثمَّ يصفّى بِخرقَة وَيبرأ الْعِظَام من اللَّحْم ثمَّ يصير الثفل فِي إِنَاء زجاج فَإِذا أردْت العلاج فمره بحلق شعر الحاجبين وَالرَّأْس وأطل عَلَيْهِ من ذَلِك ثَلَاثَة أَيَّام. صفة طلاء آخر: يُؤْخَذ ميويزج وهليلج أسود منقّى وأملج من كل وَاحِد جُزْء يغلى بِزَيْت أنفاق ويلطخ بِهِ
(3/195)

طلاء آخر: يحرق الهليلج والعفص ويطلى عَلَيْهِ بخلّ. وَأما الأغذية لَهُم فكلّ سريع الهضم حسن الكيموس مثل لُحُوم الطير المعمولة إسفيدباجة والسمك الرطب الْخَفِيف اللَّحْم مَعَ أبازير لَا بدّ مِنْهَا وَخير غذائه خبز الشّعير النقي وخبز الخندروس والأحساء المتخذة مِنْهُمَا والبقول الرّطبَة وَقد يحْتَاج أَن يخلطهما بِمثل السلق والفجل والكراث وَلَا يجب أَن تغفل اسْتِعْمَال المقطعات وخصوصاً قبل التنقية كالكبر والرازيانج والكراث فَإِن هَذَا ينقي غذاءهم عَن الفضول وَبعد الفضول للاندفاع. فَإِذا اسْتعْملت الْأَدْوِيَة المحمودة فَاسْتعْمل أَيْضا هَذَا التَّدْبِير والسمك المالح فِي هَذَا الْبَاب جيد لَهُم وَنحن أحرص على هَذَا حِين نُرِيد أَن نقيئهم ونسهلهم والكرنب نَافِع لَهُم بالخاصية وَالْخبْز بِاللَّبنِ وَالْعَسَل نَافِع لَهُم والتين وَالْعِنَب وَالزَّبِيب واللوز المقلو والقرطم وَحب الصنوبر وَمَا يتَّخذ من هَذِه مواقفة لَهُم وَيجب أَن يَأْكُل فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ على تَقْدِير الهضم فَإِن الْمرة الْوَاحِدَة تضره وَلَا يشرب الشَّرَاب عِنْد هيجان الْعلَّة إِلَّا قَلِيلا وَعند سُكُون الْعلَّة إِن شرب من الرَّقِيق الَّذِي لَيْسَ بعتيق بِمِقْدَار معتدل جَازَ وَأما مَا انتثر من الشّعْر من الْحَاجِب وَنَحْوه فيعالج بعلاج دَاء الثَّعْلَب وَسَائِر مَا نذكرهُ فِي كتاب الزِّينَة.
(3/196)

(الْفَنّ الرَّابِع تفرق الِاتِّصَال سوى مايتعلقّ بِالْكَسْرِ والجبر)
يشْتَمل على أَربع مقالات: الْمقَالة الأولى الْجِرَاحَات فصل فِي كَلَام كلّي فِي تفرق الإتصال قد بيّنا فِي الْكتاب الأول أَصْنَاف تفرق الإتصال على النَّحْو الَّذِي وَجب فِي مثل ذَلِك الْموضع ونريد أَن نشِير الْآن إِلَى جمل من أحوالها يجب أَن تكون مَعْلُومَة لنا أَمَام مَا نُرِيد أَن نبينه فَنَقُول أَنا نروم فِي بعض الْأَعْضَاء الَّتِي تفرق اتصالها أَن يعود اتصالها كَمَا كَانَ وَذَلِكَ فِي مثل اللَّحْم ونروم فِي بَعْضهَا أَن يبْقى تماسها بحافظ وَإِن لم يعد اتصالها وَذَلِكَ الْعظم اللَّهُمَّ إِلَّا فِي عِظَام الْأَطْفَال وَالصبيان فقد رحى فيهم ذَلِك الْعود. وَأما العصب وَالْعُرُوق فقد قَالَ قوم من الْأَطِبَّاء أَنَّهَا لَا تعود مُتَّصِلَة بل رُبمَا يبْقى عَلَيْهَا تماس وَأما جالينوس فقد أنكر عَلَيْهِم وَقَالَ بل قد تلتحم الشرايين أَيْضا بمشاهدة التجربة وتجويز من الْقيَاس أما الْمُشَاهدَة فَلِأَنَّهُ قد رأى الشريان الَّذِي تَحت الباسليق وَرَأى شرايين الصدغ والساق قد التحمت. وَأما التجويز الَّذِي من الْقيَاس فَلِأَن الْعظم طرف فِي الصلابة لايلتحم إِلَّا قَلِيلا فِي الْأَطْفَال وَاللَّحم طرف فِي اللين يلتحم وَالْعُرُوق والشرايين: متوسطة بَين الْعِظَام وَاللَّحم فَيجب أَن يكون حَالهَا بَين بَين فَتكون أقلّ قبولاً للإلتحام من اللَّحْم وأسهل قبولاً لَهُ الْعظم فتلتحم إِذا كَانَ الشق قَلِيلا صَغِيرا وَالْبدن رطبا لينًا وَلَا تلتحم فِيمَا خَالفه وَهَذَا ضرب من الإحتجاج خطابي والمعول على التجربة. فصل فِي جملَة فِي الْجِرَاحَات من الْأَعْضَاء أَعْضَاء إِذا وَقع فِيهَا جِرَاحَة عظم الضَّرَر وَقتل فِي الْأَكْثَر وَرُبمَا لم يقتل فِي النَّادِر كالمثانة والكلى والدماغ والأمعاء الدقاق والكبد مَعَ أَنه يُمكن أَن يسلم عَلَيْهَا إِذا كَانَت خَفِيفَة. وَأما الْقلب فَلَا يتَوَقَّع السَّلامَة مَعَ
(3/197)

حُدُوث جِرَاحَة فِيهِ وَأكْثر من يعرض لَهُ جِرَاحَة فِي بَطْنه فَإِذا عرض لَهُ تهوعّ أَو فوَاق أَو استطلاق بطن مَاتَ. وَإِذا كَانَت الْجراحَة فِي مَوَاضِع يجب أَن يشْتَد فِيهَا الوجع والورم كرؤوس العضل وأواخرها وخصوصاً العصبانية مِنْهَا وَلم يحدث ورم دلّ ذَلِك على آفَة مستبطنة انصرفت إِلَيْهَا الْموَاد فَلم تفضل للجراحة وَيجب أَن تتأمل مَا نقُوله فِي بَاب القروح من أَحْكَام تشترك فِيهَا القروح والجراحات أخرناها إِلَى هُنَاكَ التماساً للأوفق. فصل فِي كَلَام كلي فِي علاج الْجِرَاحَات الْجراحَة اللحمية لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون شقاً بسيطاً مُسْتَقِيمًا ومدوراً أَو ذَا أضلاع أَو شقاً مَعَ نُقْصَان شَيْء من اللَّحْم وَقد يكون غائراً نَافِذا وَقد يكون مكشوفاً وَلكُل وَاحِد تَدْبِير ويشترك الْجَمِيع فِي حبس الدَّم السَّائِل. وَقد جعلنَا لَهُ بَابا وَرُبمَا كَانَ سيلان قدر معتدل من الدَّم نَافِعًا للجراحة يمْنَع الورم والتبثير والحمى. فَإِن من أفضل مَا يَعْنِي بِهِ فِي الْجِرَاحَات أَن تمنع تورّمها فَإِنَّهُ إِذا لم يعرض ورم تمكن من علاج الْجراحَة. وَأما إِذا كَانَ هُنَاكَ ورم أَو كَانَ رض وفسمح اجْتمع فِي خلله مَعَ الْجراحَة دم يُرِيد أَن يرم أَو يتقيح لم يُمكن معالجة الْجراحَة مَا لم يدبر ذَلِك فيعالج الورم وَإِن احتقن فِي الرض دم فَلَا بُد من أَن يتعجل فِي تَحْلِيله إِن كَانَ لَهُ قدر يُعتد بِهِ وتمديد وَذَلِكَ بإحالته قَيْحا وتحليله وَذَلِكَ بِكُل حَار لين مِمَّا قد علم وَلِهَذَا مَا يجب أَن يعان سيلان الدَّم إِذا قصر فَإِن كَانَ الشق بسيطاً مُسْتَقِيمًا لم يسْقط مِنْهُ شي كفى فِي تَدْبيره الشدّ والربط وَمنع الدهانة والمائية عَنهُ وَمنع أَن يتخلله شَيْء من الْأَشْيَاء وَلَا شعره وَلَا غَيره بعد حفظك المزاج الْعُضْو واجتهادك فِي أَن لَا ينجذب إِلَى الْعُضْو إِلَّا دم طبيعي. وَإِن كَانَ عَظِيما لَا تلتقي أَطْرَافه لِأَنَّهُ مستدير متباعد أَو مُخْتَلف الشكل أَو قد ذهب مِنْهُ لحم قَلِيل غير كثير فعلاجه الْخياطَة وَمنع اجْتِمَاع الرُّطُوبَة فِيهِ بِاسْتِعْمَال المجفّفات الرادعة وَاسْتِعْمَال الملصقات الَّتِي نذكرها وَإِن كَانَ غائراً فالشد أيضأ قد يلصقه كثيرا وَلَا يحْتَاج إِلَى كشفه وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى كشفه إِن أمكن وَذَلِكَ حِين مَا لَا ينفع شَيْء برباط يوثقه كَمَا يُبينهُ وخصوصاً حَيْثُ لَا يَقع الشدّ الْجيد على أصل الْغَوْر فتنصبّ إِلَيْهِ مواد لضَعْفه وللوجع ولأحوال نذكرها فِي بَاب القروح وَإِذا احْتِيجَ إِلَى كشفه لم يكن بُد من وضع قطنة أَو مَا يجْرِي مجْراهَا على فوهته تنشفه خُصُوصا حَيْثُ يكون الشد لَا يَقع على الأَصْل كَمَا قُلْنَا أَو تكون نصبته نصبة لَا يُمكن أَن تنصب الْمَادَّة الرَّديئَة عَنهُ أَو يكون فِيهِ عظم أَو يكون قد انحرف وَصَارَ ناصوراً وَصَارَ فِيهِ رُطُوبَة رَدِيئَة جدا وَهُوَ حِينَئِذٍ فِي حكم القروح دون الْجِرَاحَات. قَالَ الْعَالم إِنَّمَا يحْتَاج الْجرْح إِلَى الرَّبْط الْجَامِع للشفتين إِذْ أُرِيد الالتزاق واللحام. وَأما إِذا كَانَ يحْتَاج إِلَى أَن ينْبت فِيهِ لحم فَلَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك لَكِن يحْتَاج مرّة إِلَى الرِّبَاط
(3/198)

الَّذِي يصب الوضر من فِيهِ وَمرَّة إِلَى رِبَاط بِقدر مَا يمسك الدَّوَاء عَلَيْهِ. قَالَ وتحرى أَن يكون لفوهة الْجرْح مَكَان ينصب الوضر مِنْهُ دَائِما بطبعه إِمَّا بِأَن يُوقع البطّ هُنَاكَ وَإِمَّا بِأَن يشكله بذلك الشكل فَإِنِّي قد أبرأت جرحا كَبِيرا كَانَ غوره حَيْثُ الرّكْبَة وفوهته فِي الْفَخْذ من غير أَن جعلت لَهُ فوهة أُخْرَى أَسْفَل عِنْد الرّكْبَة لَكِن نصبت الْفَخْذ نصبة كَانَ القعر فَوق والفوهة أَسْفَل فبرىء من غير بط فِي الأَصْل وَكَذَلِكَ قد علقت الساعد والكف وَغَيره تَعْلِيقا تكون الفوهة أبدا إِلَى أَسْفَل فَهَذَا قَوْله ونقول رُبمَا وَقعت الْجراحَة حَيْثُ يُوجب عَلَيْك الْقطع التَّام وإبانة الْعُضْو. وَأما إِذا كَانَت الْجراحَة انْقَطع مِنْهَا لحم كثير فتحتاج إِلَى المنبتات للحم وَلَيْسَ يَكْفِي مَا يجفف وَيمْنَع بل رُبمَا ضرّ المجفف وَالْمَانِع من جِهَة مَا يردع مَادَّة مَا ينْبت مِنْهُ وَقد يكون الْغَوْر وَالنُّقْصَان من الْعظم بِحَيْثُ لَا يُمكن أَن ينْبت بالتمام فَيبقى غور كَمَا أَنه قد يتَّفق أَن ينْبت أَكثر من الْوَاجِب فَيكون لحم زَائِد وَيجب أَن يغذى الْمَرِيض المُرَاد نَبَات اللَّحْم فِي جراحته بغذاء مَحْمُود جيد الكيموس وَقد يكون المنبت بِحَيْثُ يُمكنهُ أَن ينْبت اللَّحْم وَأما الْجلد فَلَا ينتبه إِذا كَانَ قد انْقَطع بكفيته بل إِنَّمَا ينْبت مَكَانَهُ لحم صلب لَا ينْبت عَلَيْهِ شعر وَأما الْعُرُوق فكثيراً مَا تتولد شعبها وتنبت كَاللَّحْمِ. وَمن الْجِرَاحَات جراحات ذَوَات خطر مثل الْجِرَاحَات الْوَاقِعَة فِي الأعصاب وأطراف العضل وسنذكرها فِي بَاب أَحْوَال العصب وَكَثِيرًا مَا يتبعهَا أَعْرَاض مُنكرَة رَدِيئَة مثل مَا يتبع جِرَاحَة طرف العضل من تغير اللَّوْن وَسُقُوط النبض بعد تَوَاتر وَصغر ويتأدى إِلَى الغشي وَسُقُوط الْقُوَّة وَقد يتبعهَا التشنج. وَكَذَلِكَ الَّتِي تقع قُدَّام الرّكْبَة عِنْد الرضفة فَإِنَّهَا تتبعها أَعْرَاض مُنكرَة رَدِيئَة وَهِي قاتلة فَلَمَّا يتَخَلَّص عَنْهَا وَإِذا وَقع تشنج من مثل هَذِه الْجِرَاحَات العضلية وَلم تقبل العلاج فالعلاج قطع العضلة عرضا وَالرِّضَا بِبُطْلَان فعل العضلة وَلَكِن ذَلِك مِمَّا يجب أَن يؤخّر مَا أمكن علاج التشنّج واختلاط الْعقل بِشَيْء آخر غَيره وَمثل جِرَاحَة الرّكْبَة رُبمَا احْتَاجَ أَن يُوضح بشق صليبي وَأَن يستظهر فِي أورامه وقروحه وجراحاته بالفصد والإسهال وَمنع الإلتحام حَتَّى يتنقى تنقية بَالِغَة ثمَّ يلحم. فصل فِي تَعْرِيف قُوَّة مَا ينْبت وَمَا يلحم وَمَا يخْتم وَمَا يَأْكُل من الْأَدْوِيَة الدَّوَاء المنبت للحم: هُوَ الَّذِي يعْقد الدَّم الصَّحِيح لَحْمًا فَإِن كَانَ لَهُ تجفيف شَدِيد منع الدَّم الْوَارِد فَلم تكن مَادَّة للحم وَإِن كَانَ لَهُ جلآء شَدِيد أزاله وسيّله فأنفذ الْمَادَّة الْمَوْجُودَة للحم فَيجب أَن لَا يكون لِه كَبِير تجفيف بل إِلَى حدّ وَلَا جلآء قوي جدا بل جلآء قَلِيل قدر مَا يجلو لَو ضرّ من غير لذع وَلَا يحْتَاج إِلَى قبض يعْتد بِهِ وَيحْتَاج أَيْضا أَن يكون فِي الْحَرَارَة والبرودة والقرحة فِي مزاجها إِن كَانَت زائلة فبالضد بِقدر الزَّوَال وَإِن كَانَت غير زائلة زوالاً يعْتد بِهِ
(3/199)

فبالمشاكل للحار جدا حَار جدا وللبارد جدا بَارِد جدا وتراعي أَيْضا تأثر الدَّوَاء فِي الْموضع ليقابله إِن أفرط فِي إساءة المزاج. وَأما الْأَدْوِيَة الملحمة: فَهِيَ الَّتِي تجمع بَين المتباعدين وَلَا تحْتَاج أَن تتصرف إِلَّا فِي سطحيهما فتلصق بَينهمَا بالنداوة الَّتِي فِي جوهرهما وَإِن كَانَ دم حَاضر فَهِيَ الَّتِي تجفف الدَّم الْحَاضِر فِي الْجرْح المكتفى بِهِ فِي الإلصاق تجفيفاً سَرِيعا قبل أَن يتقيح وَلَا يُمكنهَا ذَلِك إِن لم يكن مَعهَا فضل قُوَّة على التجفيف وَلَكِن يجب أَن لَا تكون جالية فَإِن الْجلاء ضد الْغَرَض فِيهَا لِأَن الْغَرَض فِيهَا جعل الْحَاصِل من الدَّم غراء ولصوقاً والجلاء يجلو ذَلِك الدَّم ويبعده فتنقذ الْمَادَّة الَّتِي تتَوَقَّع مِنْهَا التغرية وَلَيْسَ تحْتَاج إِلَى نُقْصَان فِي التجفيف كَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ المنبتة لِأَن المنبتة تحْتَاج إِلَى أَن تسيل إِلَيْهَا الْمَادَّة وَتلك الْمَادَّة يمْنَع سيلانها التجفيف والملحمة لَا تحْتَاج بل تحْتَاج الملحمة إِلَى تجفيف أقوى ويسير قبض والمدملة الخاتمة أَشد حَاجَة إِلَى الْقَبْض مِنْهُمَا جَمِيعًا لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى أَن تجفّف مَا هُوَ بالطبع أَشد جفافاً أَعنِي الْجلد وَلِأَنَّهَا تحْتَاج أَن تجفّف الرُّطُوبَة الغريبة والأصلية تجفيفاً شَدِيدا جَمِيعًا وَمَا قبله كَانَ تحْتَاج إِلَى أَن تجفف الرُّطُوبَة الغريبة تجفيفاً أَكثر والأصلية تجفيفاً بِقدر مَا يغري ويغلص وَلَا ينقص من الْجَوْهَر. وَأما الأكالة النَّاقِصَة اللَّحْم فَيجب أَن تكون فصل فِي بط الْجرْح وَغَيره إِذا احْتِيجَ إِلَى كشفه قَالَ جالينوس: يجب أَن تشق من أَشد مَوضِع مِنْهُ نتوء واركه وَيكون تَوْجِيه البط إِنَّمَا هُوَ إِلَى النَّاحِيَة الَّتِي يُمكن مسيل الْقَيْح مِنْهَا إِلَى أَسْفَل وَأَن يُرَاعى فِي البط الأسرة والغضون على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي بَاب الخراجات والدبيلات إِلَّا فِيمَا استثنيناه. وَأما فِي مثل الأربية والإبط فَيجب أَن يذهب البط مَعَ الْجلد فِي الطَّبْع ثمَّ تُوضَع عَلَيْهِ المجففات من غير لذع مِمَّا هُوَ مورد فِي جداول الْأَدْوِيَة المفردة ودقاق الكندر أفضل فِيهَا من الكندر لِأَن ذَلِك أَشد قبضا وَالصَّوَاب فِي علاج الخراجات إِذا بطت أَن لَا يقربهَا المَاء وَإِن كَانَ وَلَا بُد وَلم يصبر العليل عَن الإستحمام فَيجب أَن يغيب الْجرْح تَحت المراهم الْمُوَافقَة مغشاة من الْخرق المبلولة بالدهن تغشية تحول بَين مَاء الْحمام ورطوبته وَبَين الْجراحَة أَو تحتال فِي ذَلِك بِشَيْء من الْحِيَل الممكنة فِيهِ. فصل فِي تَدْبِير الْجِرَاحَات ذَوَات الأورام والأوجاع تحْتَاج أَمْثَال هَذِه الْجِرَاحَات إِلَى الرِّفْق وَأَن يعْتَقد أَن الْجراحَة لَا تندمل البتّة مَا لم يسكن الورم وَلَا يتم ذَلِك إِلَّا بِمَا فِيهِ تجفيف وتبريد فِي أول الْأَمر وإرخاء فِي الثَّانِي وَأَن تسْتَعْمل فِيهِ علاج الأورام بِالْجُمْلَةِ وَمِمَّا هُوَ خَاص بذلك مَعَ عُمُوم نَفعه فِي كل عُضْو وَمن الرَّأْس إِلَى الْقدَم أَن يُؤْخَذ رمانة حلوة فتطبخ بشراب عفص
(3/200)

ويضمّد بهَا الْموضع وَيجب أَن تتأمل إِلَى مَا يؤول إِلَيْهِ حَال الورم مثل أَنَّك إِن كنت اسْتعْملت المرهم الْأسود فَرَأَيْت الْجراحَة تشتدّ حمرتها أَو تتنقّط ملت إِلَى المبرّدات وَإِلَى المرهم الْأَبْيَض وَإِن رَأَيْتهَا تترهّل أَو تتصلب وَقد اسْتعْملت الْأَبْيَض اسْتعْملت الْأسود أَو غَيره. فصل فِي تَدْبِير كلي فِي جراحات الأحشاء من بَاطِن وَظَاهر الْغَرَض فِيمَا يتوهّم أَنه شقّ وصدع من بَاطِن أَن يلحم وَلَا يتْرك الدَّم يجمد فِي الْبَاطِن وَأَن يمْنَع نزف الدَّم والأدوية النافعة فِي الغرضين الْأَوَّلين مثل البلابس إِذا طبخت فِي الخلّ أَو يسقى من القنطوريون الْكَبِير وزن دِرْهَم وَاحِد وللطين الْمَخْتُوم فِي ذَلِك غناء عَظِيم. وَأما مَا يسقى بِسَبَب منع النزف فَمثل وزن دانق وَنصب من بزر البنج بِمَاء الْعَسَل وَسَائِر الْأَدْوِيَة الْمَذْكُورَة فِي منع نزف الدَّم ونفثه. وَأما الْجرْح والشق الظاهران فَقَالَ الْعَالم: إِن انخرق مراق الْبَطن حَتَّى تخرج بعض الأمعاء فَيَنْبَغِي أَن تعلم كَيفَ يضم المعي وَيدخل فَإِن خرج شَيْء من الثرب فَيحْتَاج أَن تعلم هَل يَنْبَغِي أَن يرْبط برباط وثيق أم لَا وَهل تخاط الْجراحَة أم لَا وَكَيف السَّبِيل فِي خياطته وَقد ذكر جالينوس تشريح المراق. وَذَكَرْنَاهُ نَحن فِي التشريح. قَالَ: وَلما قد ذكرنَا فِي التشريح فموضع الخصرين أقل خطراً إِذا انخرق من مَوضِع البهرة والبهرة وسط الْبدن والخصران من الْجَانِبَيْنِ مِقْدَار أَربع أَصَابِع عَن البهرة قَالَ: لِأَن الشقّ إِذا وَقع فِي مَوضِع البهرة خرجت الأمعاء مَعَه أَكثر وَرُبمَا فِيهِ يكون أعْسر وَذَلِكَ أَن الشَّيْء الَّذِي كَانَ يضبطها إِنَّمَا كَانَ العضلين المنحدرتين فِي طول الْبدن اللَّتَيْنِ تنحدران من الصَّدْر إِلَى عظم الْعَانَة وَلذَلِك مَتى انخرقت وَاحِدَة من هَاتين العضلتين فَلَا بُد أَن يخرج بعض الأمعاء وينتؤ من ذَلِك الْخرق وَذَلِكَ لِأَن العضل الَّتِي فِي الخصرين تضغطه وَلَا تكون لَهُ فِي الْوسط عضلة قَوِيَّة تضبطه فَإِن تهَيَّأ أَن تكون الْجراحَة عَظِيمَة خرجت عدَّة من الأمعاء فَيكون إدخالها أَشد وأعسر. وَأما الْجِرَاحَات الصغار فَإِن لم تبادر بِإِدْخَال المعي من سَاعَته انتفخ وَغلظ وَذَلِكَ لما يتَوَلَّد فِيهِ من الرّيح فَلَا يدْخل من ذَلِك الْخرق وَلذَلِك فَأسلم الْجِرَاحَات الْوَاقِعَة بالمراق الخارقة مَا كَانَ معتدلاً فِي الْعظم. قَالَ: وتحتاج هَذِه الْجِرَاحَات إِلَى أَشْيَاء: أَولهَا أَن يرد المعي البارز إِلَى الْموضع الَّذِي هُوَ لَهُ خَاصَّة وَالثَّانِي: أَن يخلط وَالثَّالِث: أَن يوضع عَلَيْهِ دَوَاء مُوَافق وَالرَّابِع: أَن يجْتَهد أَن لَا ينَال شَيْئا من الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة من أجل ذَلِك خطر. إِن كَانَت الْجراحَة من الصغر بِحَال لَا تمكنها لصغرها أَن يدْخل المعي البارز وَعند ذَلِك لَا بُد إِمَّا أَن تحلل تِلْكَ الرّيح وَإِمَّا أَن توسع ذَلِك الْخرق وَإِن تحلل الرّيح
(3/201)

أَجود إِن قدرت عَلَيْهِ وَالسَّبَب فِي انتفاخ المعي هُوَ برد الْهَوَاء فَلذَلِك يَنْبَغِي أَن تغمس إسفنجة فِي المَاء الْحَار وتعصرها وتكمّد بهَا الشَّرَاب الْقَابِض إِذا أسخن أَيْضا كَانَ نَافِعًا فِي هَذَا الْموضع وَذَلِكَ أَنه يسخن أَكثر من إسخان المَاء وَيُقَوِّي الأمعاء فَإِن لم يحلّل هَذَا العلاج انتفاخ المعي فليستعمل توسيع الْجراحَة. وأوفق الْآلَات لهَذَا الشق الْآلَة الَّتِي تعرف بمبط النواصير فَأَما سكاكين البط الحادة من الْوَجْهَيْنِ والمحددة الرَّأْس فلتحذر وَأصْلح الأشكال وَالنّصب للْمَرِيض إِن كَانَت الْجراحَة متجهة إِلَى فَوق فالشكل والنصبة المتجهة إِلَى أَسْفَل. وَليكن غرضك الَّذِي تقصده فِي الْأَمريْنِ جَمِيعًا أَن لَا تقع سَائِر الأمعاء على المعي الَّذِي برز فتنقله فَإِذا أَنْت فعلت هَذَا أَو جعلته غرضك علمت أَنه إِن كَانَت الْجراحَة فِي الشق الْأَيْمن فَيَنْبَغِي أَن يَأْخُذ الْمَرِيض بالميل إِلَى الشق الْأَيْسَر وَإِن كَانَت فِي الْأَيْسَر أَخَذته بالميل إِلَى الْأَيْمن وَيكون قصدك دَائِما أَن تجْعَل النَّاحِيَة الَّتِي فِيهَا الْجراحَة أرفع من النَّاحِيَة الْأُخْرَى فَإِن هَذَا أَمر يعم جَمِيع هَذِه الْجِرَاحَات. وَأما حفظ لأمعاء فِي موَاضعهَا الَّتِي لَهَا خَاصَّة. بعد أَن ترد إِلَى الْبَطن إِذا كَانَت الْجراحَة عَظِيمَة فتحتاج إِلَى خَادِم جزل وَذَلِكَ أَنه يَنْبَغِي أَن يمسك مَوضِع تِلْكَ الْجراحَة كُله بِيَدِهِ من خَارج فيضقه ويجمعه ويكشف مِنْهُ شَيْئا بعد شَيْء للمتولي لخياطتها أَو يعمد إِلَى مَا قد خيط مِنْهَا أَيْضا فيجمعه ويضمه قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى يخيط الْجراحَة كلهَا خياطَة محكمَة وَأَنا واصف لَك أَجود مَا يكون من خياطَة الْبَطن فَأَقُول أَنه لما كَانَ الْأَمر الَّذِي تحْتَاج إِلَيْهِ هُوَ أَن تصل مَا بَين الصفاق والمراق فَيَنْبَغِي لَك أَن تبتدىء فَتدخل الإبرة من الْجلد من خَارج إِلَى دَاخل فَإِذا أنفذت الإبرة فِي الْجلد وَفِي العضلة الذاهبة على استقامة فِي طول الْبَطن كلهَا تركت الحافة من الصفاق فِي هَذَا الْجَانِب لَا تدخل فِيهَا الإبرة وأنفذت الإبرة فِي حافته الْأُخْرَى من دَاخل إِلَى خَارج فَإِذا أنفذتها فأنفذها ثَانِيًا فِي هَذِه الحافة نَفسهَا من المراق من خَارج إِلَى دَاخل ودع حافة الصفاق الَّذِي فِي هَذَا الْجَانِب وأنفذ الإبرة فِي حافته الْأُخْرَى من دَاخل إِلَى خَارج وأنفذها مَعَ إنفاذك لَهَا فِي الصفاق فِي حافة المراق الَّتِي فِي ناحيته حَتَّى تنفذها كلهَا ثمَّ ابتدىء أَيْضا من هَذَا الْجَانِب نَفسه وخيطه مَعَ الحافة الَّتِي من الصفاق فِي الْجَانِب الْخَارِج وَأخرج الإبرة من الْجلْدَة الَّتِي بِقُرْبِهِ ثمَّ رد الإبرة فِي ذَلِك الْجلد وخيط حافة الصفاق الَّتِي فِي الْجَانِب الآخر مَعَ هَذِه الحافة من المراق وأخرجها من الْجلْدَة الَّتِي فِي ناحيته وَافْعل ذَلِك مرّة بعد أُخْرَى إِلَى أَن تخيط الْجراحَة كلهَا على ذَلِك الْمِثَال فَأَما قدر الْبعد بَين الغرزتين فَيجب أَن يتوقى الْإِسْرَاف فِي السعَة والضيق فَإِن السعَة لَا تضبط على مَا يَنْبَغِي والضيق يتفزر. وَالْخَيْط أَيْضا إِن كَانَ وترياً أعَان على التفزر وان كَانَ رخواً انْقَطع فاختر بَين اللين
(3/202)

والصلب وَكَذَلِكَ إِن عمقت الغرز فِي الْجلد وَإِن أبعد من التفزر إِلَّا أَنه يبْقى من الْخَيط دَاخل الْجراحَة لَا يلتحم فاحفظ الِاعْتِدَال هَهُنَا. قَالَ أَيْضا: وَاجعَل غرضك فِي خياطَة الْبَطن إلزاق الصفاق بالمراق فَإِنَّهُ يكد مَا يلتزق ويلتحم بِهِ لِأَنَّهُ عصبي وَقد يخيط قوم على هَذِه الْجِهَة. يَنْبَغِي أَن تغرز الإبرة فِي حَاشِيَة المراق الْخَارِجَة وتنفذها إِلَى دَاخل وَتَدَع حاشيتي الصفاق جَمِيعًا ثمَّ ترد الإبرة وتنفذها ثمَّ تنفذ الإبرة فِي حاشيتي الصفاق جَمِيعًا بردك الإبرة من خلاف الْجِهَة الَّتِي ابتدأت مِنْهَا ثمَّ تنفذها فِي الْحَاشِيَة الْأُخْرَى من حَاشِيَة المراق وعَلى هَذَا. وَهَذَا الضَّرْب من الْخياطَة أفضل من الْخياطَة العلمية الَّتِي تشلّ الْأَرْبَع حَوَاشِي فِي غرزة وَذَلِكَ أَنَّهَا بِهَذِهِ الْخياطَة أَيْضا الَّتِي قد ذكرنَا قد يسْتَتر الصفاق وَرَاء المراق ويتصل بِهِ استتاراً محكماً. قَالَ: ثمَّ اجْعَل عَلَيْهِ من الْأَدْوِيَة الملحمة وَالْحَاجة إِلَى الرِّبَاط فِي هَذِه الْجِرَاحَات أشدّ ويبلّ صوف مَرْعَزِيٌّ بزيتٍ حارٍ قَلِيلا ويلفّ على الإبطين والحالبين كَمَا يَدُور وتحقنه بِشَيْء مليّن أَيْضا مثل الأدهان والألعبة وَإِن كَانَت الْجراحَة قد وصلت إِلَى الأمعاء فجرحته فالتدبير مَا ذَكرْنَاهُ إِلَّا أَنه يَنْبَغِي أَن يحقن بشراب أسود قَابض فاتر وخاصة إِن كَانَت الْجراحَة قد بلغت أَو نفدت وَرَاءه والمعي الصَّائِم لَا يبرأ البتّة من جِرَاحَة تقع فِيهِ لرقة جرمه وَكَثْرَة مَا فِيهِ من الْعُرُوق وقربه من طبيعة العصب وَكَثْرَة انصباب المرار إِلَيْهِ وشدّة حرارته لِأَنَّهُ أقرب الأمعاء من الكبد. قَالَ جالينوس فِي كتاب حِيلَة الْبُرْء وَليكن غرضك عِنْد انخراق مراق الْبَطن مَعَ الصفاق أَن تخيطها خياطَة تلزق الصفاق بالمراق لِأَنَّهُ عصبي بطيء الإلتحام بِغَيْرِهِ وَذَلِكَ بِنَوْع الْخياطَة الَّتِي ذَكرنَاهَا لِأَنَّهَا تجمع وتلزق وَتلْزم فِي غرزة الصفاق قَالَ: والأمعاء إِذا خرجت فَادع شرابًا أسود قَوِيا فيسخّن ويغمس فِيهِ صوف وَيُوضَع عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يبدّد انتفاخها ويضمرها فَإِن لم يحضر فَاسْتعْمل بعض الْمِيَاه القوية الْقَبْض مسخناً فَإِن لم يحضر فكمّده بِالْمَاءِ الْحَار حَتَّى يضمر فَإِن لم يدْخل فِي ذَلِك فوسّع الْموضع. قَالَ بقراط: إِذا خرج الثرب من الْبَطن فِي جِرَاحَة فَلَا بُد أَن يعفن مَا خرج مِنْهُ وَلَو لبث زَمَانا قَلِيلا وَهُوَ فِي ذلكَ أشدّ من الأمعاء والكبد لِأَن الأمعاء وأطراف الكبد إِن لم تبْق خَارِجَة مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى تبرد بردا شَدِيدا فَإِنَّهَا إِذا أدخلت إِلَى الْبَطن والتحم الْجرْح تعود إِلَى طباعها. فَأَما الثرب فَإِنَّهُ وَإِن لبث أدنى مُدَّة فَلَا بدّ من أَنه إِن أَدخل الْبَطن مَا بدا مِنْهُ أَن يعفن وَلذَلِك تبادر الْأَطِبَّاء فِي قطعه وَلَا يدْخلُونَ مَا بدا مِنْهُ إِلَى الْبَطن البتّة فَإِن كَانَ
(3/203)

قد يُوجد فِي الثرب خلاف هَذَا فَذَلِك قَلِيل جدا لَا يكَاد يُوجد وَإِن خرج شَيْء من الثرب فَيحْتَاج أَن تعلم هَل يَنْبَغِي أَن يقطع أَو لَا وَهل يَنْبَغِي أَن تخيط الْجراحَة أم لَا وَكَيف تخيط فَإِن وَقعت الْجراحَة بالبهرة وَهِي وسط الْبَطن فَهِيَ أَكثر خطراً لِأَن أَطْرَاف العضل المغشي على الْبَطن هُنَاكَ وَإِن كَانَ فِي الخصرين وهما عَن جنبتي وسط الْبَطن عَن يَمِين وشمال نَحْو أَربع أَصَابِع فَهُوَ أسلم لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْء من أَطْرَاف العضل العصبية. فَأَما مَوضِع البهرة فخياطتها أيضاٌ عسرة وَذَلِكَ لِأَن الأمعاء تنتؤ وَتخرج عَن الْخرق الَّذِي فِي هَذَا الْموضع أَكثر وردهَا فِي هَذَا الْموضع أعْسر وَذَلِكَ أَن الَّذِي يضمها ويضبطها هُوَ العضلتان الممدودتان فِي طول الْبَطن اللحمتان اللَّتَان تنحدران من الصَّدْر إِلَى الركب وَهُوَ عظم الْعَانَة وَلذَلِك مَتى وَقعت الْجراحَة فِي هَذَا الْموضع قطعت هَذِه العضلات فَكَانَ نتوء المعي أَشد لِأَن العضل الَّتِي فِي الخصر تضغطه وَلَا يكون لَهُ فِي الْوسط عضلة قَوِيَّة تمسكه فَإِن تهَيَّأ مَعَ ذَلِك أَن تكون الْجراحَة عَظِيمَة فَلَا بدِّ أَن ينتؤ وَيخرج مِنْهَا عدّة أمعاء فَيكون إدخالها أعْسر. فصل فِي كَيْفيَّة ربط الْجِرَاحَات أما الْجرْح والشق الظاهران إِذا أردْت أَن يلتحما فاعمل بِمَا قَالَه عَالم من أهل هَذِه الصِّنَاعَة. قَالَ: إِذا أردْت أَن يلتحم مثل هَذَا الشق فالزمه رِبَاطًا يبتدىء من رَأْسَيْنِ لَا غير من الرَّبْط فَإِن كَانَ عَظِيما احتجت أَن تلْزمهُ رفائد مثلّثة وَإِن كَانَ الْموضع ممتلئاً احْتَاجَ إِلَى الْخياطَة أَيْضا. والرفائد الْمُثَلَّثَة خير فِي جمع شفة الْجرْح من المربعة لِأَنَّهَا تضبط على الشق فَقَط وَوضع الرفائد الْمُثَلَّثَة على هَذَا الْمِثَال ليَكُون الشقّ الْخط الْمُسْتَقيم بَين المثلثين والرفادتان المثلثتان إِحْدَاهمَا ب وَالْأُخْرَى ج يهندمان على الشكل الَّذِي ترَاهُ فَإِذا ربطت هَذِه الْمَوَاضِع وَوَقع رِبَاط من رَأْسَيْنِ كَانَ ضبط الرِّبَاط على مَوضِع الشقّ أَشد من أَن يكون مربعًا وَلَا يجوز فِي ضم الْجرْح رِبَاط غير ذِي الرأسين فَهَذِهِ هِيَ الرفائد الْمُثَلَّثَة وشكل الشدّ هَذَا: وَقيل فِي كتاب حِيلَة الْبُرْء: كَانَ بِرَجُل جرح كَانَ غوره قَرِيبا من الأربية وفوهته قريبَة من الرّكْبَة فأبرأناه بِلَا بط الْبَتَّةَ بِأَن جعلنَا تَحت ركبته مخاد ونصبناه نَصبه صَارَت فوهته مَنْصُوبَة بسهولة. وَكَذَا عَملنَا بجروح كَانَت فِي السَّاق والساعد فبرئت كلهَا بسهولة قَالَ وَمن قد عانى التجربة يعلم أَن الْجِرَاحَات الَّتِي تحْتَاج أَن يصير دَمهَا مُدَّة فَإِن مكثه فِي دَاخل إِلَى أَن يتَغَيَّر مَعَه سَائِر مَا هُنَاكَ أَجود وأسرع للتغير مَعًا. الْجِرَاحَات المتبرية المتباعدة الشقتَيْنِ تحْتَاج أَن تجمع برباط يجمع شفتيها إِلا أَن يكون عَلَيْهَا من ذَلِك وجع أَو تكون وارمة فيتجمع لذَلِك وَلَو كَانَ بِرِفْق أَو يكون عضلة قد انبرت عرضا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يجمع بل يَجْعَل فِي وَسطه فَتِيلَة خوفًا أَن يلتحم الْجلد وتبقي العضلة غير ملتحمة.
(3/204)

قَالَ: وَكَذَلِكَ إِذا شققنا جلدَة الرَّأْس وَضعنَا بَين الشفتين شَيْئا يملؤه وَرُبمَا انقبضت جلدَة الشفاه إِلَى دَاخل القرحة فتحتاج حِينَئِذٍ أَن تورم بالرباط أَن تجذبه إِلَى خَارج وَإِذا وَقعت الْجراحَة بالطول فالرباط يبْقى ليجمعها جمعا محكماً وَإِذا كَانَت بِالْعرضِ احْتَاجَت إِلَى الْخياطَة وبقدر غور الْجرْح يكون غور الْخياطَة الأولى من زِيَادَة التشريح. قَالَ: وَرُبمَا اضطررنا أَن نزيد فِي سَعَة الْجرْح إِذا كَانَت نخسة وخفنا أَن يكون لغورها يلتحم أَعْلَاهَا وَلَا يلتحم قعرها أَو يكون الْعُضْو الْمَجْرُوح فِي وَقت مَا جرح على شكل يكون إِذا عَاد إِلَى استوائه لم يُمكن أَن تسيل مِنْهُ مُدَّة وَلَا يدْخلهُ دَوَاء وَإِن رد إِلَى شكله حِين خرج هاج وجع فيضطر أَن تشق شقاً مُوَافقا. وَاعْلَم على الْجُمْلَة أَن مَا يَقع من الْجِرَاحَات فِي عرض العضلة هِيَ أولى بِأَن يكون تبَاعد شفتيها أَشد فَلذَلِك تكون إِلَى الِاسْتِقْصَاء فِي جمع الشفتين أحْوج وَرُبمَا لم يكن بُد من الْخياطَة وَاسْتِعْمَال الرفائد الْمُثَلَّثَة وخصوصاً إِن وَقع فِي اللَّحْم نُقْصَان والواقعة فِي الطول أقل حَاجَة إِلَى ذَلِك. فصل فِي الْأَدْوِيَة الملحمة للجراح هَذِه الْأَدْوِيَة قد وَصفنَا قوتها وَمَوْضِع اتصالها وَلَا شكّ أَن الذرور مِنْهَا يحْتَاج أَن يكون أقل قُوَّة من الْمُتَّخذ بالأدهان والقيروطيات وَالْحَاجة الداعية إِلَى الأدهان والقيروطيات هِيَ بِسَبَب أَن الْأَدْوِيَة الْيَابِسَة وخصوصاً مَا كَانَ مثل المرداسنج وَسَائِر المعدنيات لَا تغوص إِلَى القعر وَلَا تنفذ فِي المسام فَإِذا جعل مِنْهَا قيروطي بلغَهَا سيلان الدّهن إِلَى حَيْثُ شِئْنَا. وَهَذِه الْأَدْوِيَة الملحمة قد تكون من المعدنيات وَتَكون من النباتيات وَمن الحيوانيات وَمن كل صنف وَهِي من المعدنيات مثل الاسفيذاج بدهن الآس والشمع. وَمن النباتيات الأوراق: مثل: ورق البلوط الذّكر ضماد أَو ورق الْخلاف وورق الكرنب وورق شجر التفاح وقشر لحائه وورق لِسَان الْحمل والحلفاء منقعاً بخل أَو شَيْء من شراب وخصوصاً إِذا خلط بِهِ ورق شجر الصنوبر الذّكر وَالْأُنْثَى يرْبط بلحائه وورق السرو وأغصانه وأوراق فنطافلون مَعَ عسل وَمن الصموغ علك البطم خُصُوصا بِقرب الأعصاب الْكَثِيرَة. وَمن الثمرات والحبوب: الْجَوْز الطري مسحوقاً بِمَاء وملح أَو شراب مغلي بورق الحماض أَو ورق السلق أَو الخسّ والكمّثري الْبَريَّة مَعَ مَا فِيهِ من منع النزلة وَجوز السرو والثوم المحرق وغبار الرحا وَالشعر المحرق وخصوصاً للمشايخ مَعَ شمع ودهن ورد وَمن الزهر فَمَا يشبه زهر الزعرور وحشيشة ذَنْب الْخَيل وخصوصاً فِي جوَار حَشْو من عُضْو أَو لحم وللجراحات الْقَرِيبَة من رُؤُوس العضل. وَمن الْحَيَوَانَات: اللَّبن الحامض جدا ملصق للجراحات الْعَظِيمَة وَمن المركبات: دَوَاء دياروفس والدهنية ودواء نيقولاس ودواء الْخلاف بمشكطرا مشيع ومرهم الْكَتَّان.
(3/205)

فصل فِي الْأَدْوِيَة المدملة والخاتمة للجراحات وَغَيرهَا هَذِه الْأَدْوِيَة قد عرفت طبائعها وَتعلم أَيْضا أَن الذرور مِنْهَا يجب أَن لَا يكون فِي قُوَّة مَا يَقع فِي المراهم والآن يجب أَن تعلم أَن هَذِه الْأَدْوِيَة لَا يجب أَن تسْتَعْمل وَقد اسْتَوَى سطح اللَّحْم الصلب مَعَ الْجلد غَايَة الاسْتوَاء. وَأما اللَّحْم الرطب فقد يَسْتَوِي وَيزِيد لكنه يكون بِحَيْثُ إِذا جف نزل بل إِنَّمَا يجب أَن تستعملها فِي الَّذِي يكون إِذا جفّ اسْتَوَى وَهَذَا شَيْء يعرف بالحدس فَيجب أَن تسْتَعْمل الدَّوَاء المدمل قبل أَن يبلغ ثبات اللَّحْم فِي الْجراح الَّتِي ينْبت فِيهَا اللَّحْم هَذَا الْمبلغ فَإِن المدمل أَيْضا قد يزِيد فِي حجم اللَّحْم إِلَى أَن يندمل وتزيد مَعَه الْقُوَّة الطبيعية فَيَزْدَاد على هَذَا الْمبلغ بل يجب أَن يكون بِحَيْثُ إِذا جفف وَفعل فعله يكون قد أنبتت الطبيعة الْمِقْدَار الْمُحْتَاج إِلَيْهِ مَعَ بُلُوغ المدمل غَايَته فِي الإدمال حَتَّى يكون توافى الْفِعْلَيْنِ محصلاً من اللَّحْم وَالْجَلد المدركين قدر مَا يَسْتَوِي بِهِ السَّطْح الْمَجْرُوح فَإِن لم يراع هَذَا أوشك أَن يصير أثر القرحة أَعلَى من الْجلد يجب أَن تسْتَعْمل الْخَاتم فِي أول مَا تستعمله رطبا ثمَّ تستعمله يَابسا عِنْدَمَا يُقَارب الْخَتْم تمره عَلَيْهِ بِطرف الْميل وَهَذِه الأدويه هِيَ مثل: لحاء شجر الصنوبر بقيروطي من دهن ورد أَو آس والراتيانج الْيَابِس والقيسور المشوي وقشور النّحاس ودقاق الكندر والمرداسنج والقنطوريون الصَّغِير وَالْعُرُوق جَيِّدَة وَالْعِظَام المحرقة أَيْضا والزراوند المحرق شَدِيد الإعمال والشب أَيْضا والعفص الْفَج وورق التِّين. وَقد كنى عَنهُ بقراط بِرَجُل العقعق كَمَا قَالُوا وَيُشبه أَن يكون عَنى بِهِ الحشيشة الْمَعْرُوفَة بِرَجُل الْغُرَاب وجفر الْكَلْب الْآكِل للعظام وبعر الضَّب إِلَّا أَنه أجلى من الأول فَيحْتَاج أَن يكسر بالقوابض وأصل السوسن الإسمانجوني ولحاء أصل الجاوشير والتوتيا وَمن المنبتات العجيبة فِي القروح الحارة المزاج المتوزمة الصندل والنيلوفر وَالصَّبْر وخصوصاً فِي نَاحيَة المقعدة والمذاكير. وَقد يَقع فِي أدويته الزاج والقلقطار وَإِن كَانَا من جملَة الأكالات النَّاقِصَة للحم لَكِنَّهَا رُبمَا أدملت فِي شَدِيدَة الرُّطُوبَة وخصوصاً إِذا أحرقت فَيصير إدمالها لَيْسَ أقل من أكلهَا لَا سِيمَا إِن غسلت فَصَارَت إِلَى الإدمال أميل. وَأما الزنجار والأدوية الشَّدِيدَة الْأكل فَلَا تصلح لذَلِك إِلَّا بتدبير قوي وَفِي بعض الْجِرَاحَات والقروح الشَّدِيدَة الرُّطُوبَة. وَأما النّحاس المحرق إِذا غسل فَهُوَ جيد وخصوصاً المحرق والقلقطار المحرق والمرتك والاسفيذاج. وَأما كَيْفيَّة اتِّخَاذ ذَلِك فَأن يحل المراسنج والاسفيذاج بالخلّ ثمَّ يسْتَعْمل والإقليميا يسحق والأجود أَن يحرق ثمَّ يخلط بذلك مَعَ القلقطار وَيشْرب دهن الآس بالخل أَو الشَّرَاب الْقَابِض وَرُبمَا زيد عَلَيْهِ الزاج المحرق فِي الإدمال وَإِذا أُرِيد أَن تتَّخذ مراهم احْتِيجَ إِلَى مَا هُوَ أقوى من بَين المدملات مثل الاقليمياء والجلنار والعفص إِذا كَانَت الْجراحَة والقرحة شَدِيدَة
(3/206)

صفة مرهم الْكَتَّان: وَهُوَ جيد عَجِيب ونسخته: يُؤْخَذ خرقَة كتَّان مغسولة نظيفة فتدق حَتَّى تصير مثل الْغُبَار والكحل ثمَّ يُؤْخَذ زَيْت قوي الْقَبْض أَو دهن الآس وَيجْعَل فِيهِ من القنة شَيْء يسير ويذاب فِي الدّهن وَيجْعَل فِيهِ الْخِرْقَة المدقوقة وَيجْعَل مِنْهُ مرهم فَإِنَّهُ عَجِيب. والمرهم الْأسود قد ينْبت وَإِذا أردْت أَن تقَوِّي إنباته فَاجْعَلْ فِيهِ من الكندر والجاوشير والزراوند الْمَجْمُوعَة بالسواء جُزْءا يكون مثل وزن الأخلاط الْأَرْبَعَة. صفة ذرور خَفِيف: يُؤْخَذ من الاسفيذاج والمرداسنج جُزْء جُزْء من خبث الرصاص والمر والعفص من كل وَاحِد نصف جُزْء. ذرور آخر: يُؤْخَذ صدف محرق إثنا عشر الرُّمَّان الصغار الَّتِي سَقَطت عَن الشّجر وجفت وقلقديس من كل وَاحِد سِتَّة عشر قرن الأيل محرقاً قيسور أقليميا ريتيانج أصل السوس من كل وَاحِد أَرْبَعَة دقاق الكندر لحا شَجَرَة الصنوبر من كل وَاحِد سِتَّة قشور الرُّمَّان أسفيذاج شب من كل وَاحِد ثَمَانِيَة عفص وَاحِدًا يتَّخذ من جملَة ذَلِك ذرور. ذرور آخر: يُؤْخَذ فوة عِظَام محرقة مرداسنج من كل وَاحِد دِرْهَمَيْنِ كندر وصبر من كل وَاحِد ثَلَاثَة عنزروت مَا ميثا دِرْهَم دِرْهَم يتَّخذ ذروراً. ذرور اَخر: يُؤْخَذ ورد إسفيذاج الرصاص جلنار زر الْورْد شب بِالسَّوِيَّةِ. صفة مرهم لجراحات أبدان الْمَشَايِخ: وَذَلِكَ أَن يحرق الشّعير ويتخذ مِنْهُ قيروطي بدهن الْورْد أَو دهن الآس بأسفيذاج الرصاص. فصل فِي الْأَدْوِيَة المنبتة للحم فِي الْجراح والقراح وَقد عرفت خاصية الْأَدْوِيَة المنبة للحم وَأَنَّهَا كَيفَ يَنْبَغِي أَن تكون فِي مزاجها وَيجب أَن تسْتَعْمل الْأَدْوِيَة المنبتة للحم وَقد نقي الْموضع عَن الأوساخ وَنَحْوهَا وَإِن لم تكن قَاعِدَة الْجراحَة إِلَّا الْعظم نقي ذَلِك الْعظم ويبس فِي الْغَايَة وَلم يتْرك فِيهِ كمودة أوفساد إِلَّا قشِر وَلَا رُطُوبَة إِلَّا جُفّت وخصوصاً فِي الرَّأْس فَإِن ملامسة الْعظم ورطوبته أحد أَسبَاب منع ثبات اللَّحْم عَلَيْهِ وَإِذا حكّ وخشن كَانَ مَا يصير عَلَيْهِ من الْمَادَّة الَّتِي يتولّد مِنْهَا اللَّحْم أثبت. وَاعْلَم أَنه قد يكون دَوَاء ينْبت اللَّحْم فِي بدن أَو عُضْو وَلَا ينْبت فِي الآخر وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رُبمَا جفّف فِي بدن وَلم يجفف فِي بدن آخر بِحَسب مزاجي البدنين وعَلى مَا علمت كربما أفرط الْخَلَاء فِي بدن
(3/207)

وَلم يفرط فِي بدن وَلم يجفف أصلا إِذْ كَانَ هَذَا الدَّوَاء يحْتَاج إِلَى تجفيف مَا وَإِلَى جلاء مَا مقدرين بِحَسب الْبدن غير مطلقين وَالشَّيْء الْمُقدر يخْتَلف تَأْثِيره فِي أَشْيَاء لَيست متفقة الْقدر فِي الانفعال. وكل مجفف يبسه أقلّ من يبس بدن يعالج بِهِ فَإِنَّهُ أَيْضا يقصر عَن إنبات لَحْمه بل يكون أيبس مِنْهُ وَلذَلِك صَار الكندر لَا ينْبت فِي الْأَبدَان الْيَابِسَة الَّتِي جَاوَزت الِاعْتِدَال فِي اليبس. والبحرية هِيَ الَّتِي تعلم بهَا مَا يكون من الْجَفَاف وَالْوُقُوف أَو من نَبَات اللَّحْم على الِاسْتِمْرَار أَو من التوسخ. فَإِن رَأَيْت تجفيفاً لَا يكَاد ينْبت مَعَه اللَّحْم فرطب يَسِيرا وَإِن وسخ فزد فِي الدَّوَاء الْيَابِس ودع المستمر على قوته. وَرُبمَا كَانَ أَيْضا لبَعض الْأَبدَان مُنَاسبَة مَعَ بعض الْأَدْوِيَة غير مَنْطُوق بعلّتها فَلذَلِك يجب أَن تخلط أدوية شَتَّى ضَعِيفَة وقوية. وَأما اتِّخَاذ المراهم وَالْحَاجة إِلَيْهَا فقد عَلمته وَلَا يجب أَن تقتصر من الدَّوَاء على التجفيف والترطيب بل تراعي الكيفيتين الفاعلتين على حسب مَا قدمنَا ذكره وَلَا أَيْضا على التجفيف والترطيب مَعَ الفاعلتين إِلَّا مَعَ مُرَاعَاة مقايسة بَين حَال القرحة وَحَال مزاج الْبدن فَإِنَّهُ قد يكون الْبدن رطبا والقرحة يابسة وَقد يكون الْبدن يَابسا والقرحة رطبَة وَقد يكونَانِ رطبين وَقد يكونَانِ يابسين فتستعمل فِي الأول مَا هُوَ أَضْعَف مثل الكندر ودقيق الباقلاء ودفيق الشّعير وَنَحْوه. وَإِن كَانَ الْبدن يَابسا والقرحة رطبَة جدا فَيحْتَاج إِلَى أدوية شَدِيدَة التجفيف بِالْقِيَاسِ إِلَى الْأَدْوِيَة المنبتة للحم مثل الزراوند وأصل الجاوشير والزاج المحرق وَفِي الْبَاقِي يحْتَاج إِلَى المتوسطات كالإيرسا ودقيق الترمس. وَقد يتَّفق أَن يكون بعض الْأَدْوِيَة فِيهِ شَيْء من خِصَال تحْتَاج إِلَيْهَا الْأَدْوِيَة المنبتة للحم من تجفيف وجلاء وَلَكِن يفرط فَتَصِير مثلا لتجفيفه الشَّديد حابساً للوضر ومانعاً للمادة ولفرط جلائه أكالاً فَإِذا خلط بِهِ غَيره مِمَّا يضاده كسر مِنْهُ وعدله فَصَارَ منبتاً مثل الزنجار فَإِنَّهُ إِذا قرن بِهِ الزَّيْت بالشمع وهما يرطبان الْعُضْو ويوسخانه فَأَوْمأ تجفيفه وَشدَّة جلائه فَصَارَ مدملاً وَيجب أَن يكون الزنجار جُزْءا من عشرَة أَجزَاء من القيروطي إِذا اسْتعْمل فِي الْأَبدَان الَّتِي هِيَ أيبس وجزءاً من إثني عشر جُزْءا إِذا اسْتعْمل فِي الْأَبدَان الَّتِي هِيَ أرطب وَيجب أَن تراعي فِي هَذَا إِذا اسْتعْمل أَيْضا الإمتحان الْمَذْكُور. والمشايخ يَحْتَاجُونَ إِلَى أدوية فِيهَا حرارة أَكثر وجذب أقوى وَيَقَع فِيهَا مثل الزفت والكندر ودقيق الشّعير ودقيق الباقلا ودقيق الكرسنة وأصل السوسن والزراوند والاقليميا وخشيشة الجاوشير وَإِذا امْتنع دَوَاء عَن النَّفْع ملت إِلَى غَيره فَإِذا اسْتَعْصَتْ عَالَجت بِمَا هُوَ خَاص بالقروح. فصل فِي علاج جِرَاحَة الشجاج وَأما تَدْبِير الْعظم فِيهَا وَمَا يعرض من أعراضها المخوفة فقد قيل فِي بَاب
(3/208)

الْعِظَام والجبر. وَأما ملحمات قروحه فالخارج مِنْهَا يَكْفِيهِ أدنى دَوَاء مجفف خَفِيف ليذرّ عَلَيْهِ من الدَّوَاء الرأسي وَهُوَ متخذ من الصَّبْر والمر والكندر وَدم الْأَخَوَيْنِ وَكَذَلِكَ الْأَدْوِيَة الْخَفِيفَة من الْمَذْكُورَة فِي الْجراح فَإِن كَانَ هُنَاكَ سيلان دم فيعالج بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي بَاب نزف الدَّم وَيجب أَن يطعم صَاحبه أدمغة الدَّجَاج مشوية مَا أمكن فَإِنَّهُ على مَا شهد بِهِ قوم مقو للدماغ وحابس للنزف وَإِن كَانَ فِيهِ رَأْي آخر. وَكَذَلِكَ مَاء الرُّمَّان المر ويضمد بعصا الرَّاعِي. وَمن الْأَدْوِيَة الجيدة للجراحة وللدم أَن يُؤْخَذ الخمير المحمض الْيَابِس ويسحق ويذز عَلَيْهِ وَلَا يرطب. وَأما مَا يمْنَع الورم فالتضميد بدقيق الشّعير والسميد معجوناً بزوفا رطب وَكَذَلِكَ سويق الشّعير مَعَ الفوتنج ينفع من رضّته وَسَائِر التَّدْبِير يُؤْخَذ من بَاب الْعِظَام. الْمقَالة الثَّانِيَة السحج والرض والفَسْخ والوثي والسقطة والصدمة والحزق ونزف الدَّم وَنَحْو ذَلِك. فصل فِي التقدمة قد علمت فِي الْكتاب الأول مَا معنى الْفَسْخ والهتك وَأما الوثي فَهُوَ أَن يكون قد زَالَ الْعُضْو عَن مفصله زوالاً غير تَامّ وَلَا ظَاهر بَين فَيكون خلعاً والوهن دون الوثي وَكَأَنَّهُ أَذَى من تمدد يلْحق الرباطات فِي الْمفصل وَمَا يُحِيط بِهِ من اللَّحْم لَو كَانَ مَعَه أدنى زَوَال كَانَ وثياً. وَمن النَّاس من يُسَمِّي الوهن وَالْمعْنَى الَّذِي سميناه وثياً باسم عَام وَمن النَّاس من يُسَمِّي بالوثي الِانْفِصَال من أحد جَانِبي الْمفصل مثل أحد جَانِبي الكعب والرسغ مَعَ لُزُوم الْجَانِب الآخر وَإِن كَانَ انفصالاً ظَاهرا وَالَّذِي نُرِيد أَن نقدمه ونتكلم فِيهِ أَولا هُوَ الْفَسْخ الَّذِي يعرض للعضل فِي أوساطها والهتك فِي أطرافها. . فصل فِي الْفَسْخ والهتك إِذا عرض للعضلة أَن تفسخت عرض من ذَلِك بَين أَجْزَائِهَا عدد من تفرق الِاتِّصَال كثير ينصبّ إِلَيْهِ لَا محَالة دم كثير لَا محَالة أَن ذَلِك تورّم وأقلّ أَحْوَاله أَن يجْتَمع فِيهِ دم فيعفن لِأَنَّهَا أَكثر مِمَّا يُرْجَى. تحلّله من المنافس وخصوصاً عَن منافس ضَاقَتْ بالضغط الْوَاقِع من الفاسخ خازجاً وبالضغط الْوَاقِع من الورم دَاخِلا وَلذَلِك إِن لم يتدارك الْأَمر فِيهِ تأدى إِلَى فَسَاد الْعُضْو وَرُبمَا تبع الْفَسْخ والسقطة والصدمة غُدَّة فَيجب أَن تبادر إِلَيّ علاجها لِئَلَّا يتسرطن وَلَا يجب أَن تشتغل فِي الهتك بِإِعَادَة اتِّصَال الليف الْمُنْقَطع بل بتسكين الوجع.
(3/209)

فصل فِي العلاج قد لَا يُوجد فِي كثير من الْأَحْوَال فِي هَذِه الْعَارِضَة بدّ من الفصد بل أَصْحَاب الصِّنَاعَة يبادرون إِلَى ذَلِك وَإِن كَانَ الْبدن نقياً وَإِذا وَقع الفصد وبودر إِلَى الأضمدة الْمَانِعَة الْمُشَدّدَة لم يعرض مِنْهُ مَا يحْتَاج إِلَى علاج يحتفل بِهِ كَانَ منعهَا بتبريد وَقبض أَو بِوَاحِد مِنْهُمَا وَأما إِذا تَأَخّر ذَلِك وبادر الدَّم إِلَى خلل التَّفَرُّق وخفّت الْآفَات الْمَذْكُورَة فَلَا بُد فِي علاجه من اسْتِخْرَاج ذَلِك الدَّم لِئَلَّا يعوق عود الإتصال إِلَى حَاله فَإِن كَانَ بِحَيْثُ يُمكن أَن يتَحَلَّل بتسخيف المسام بالنطولات بمياه حارة وَنَحْوهَا وَبِمَا يسْتَعْمل على الْمَضْرُوب مِمَّا نذْكر وَأَيْضًا بالأدوية المغشية للدم الْمَيِّت والأدهان المحللة للأعياء وَبِأَن يسقى أَشْيَاء من بَاطِن تعين على التَّحْلِيل فعل ذَلِك وَاقْتصر عَلَيْهِ. وَهَذِه المغشيات الْمعينَة على ذَلِك مثل مقل الْيَهُود والقسط والقنطوريون الغليظ بالسكنجبين ليعين السكنجبين أَيْضا على ذَلِك بالتقطيع. وَأما الْأَدْوِيَة المغشية للدم الْمَيِّت فالضعيف مثل دَقِيق الشّعير والزوفا الرطب والسميد المعجون بِالْمَاءِ وَالْقَوِي مثلى الفودنج الْجبلي مَعَ سويق وخصوصاً إِذا وَقع فِي الرَّأْس. وَبِالْجُمْلَةِ مَا لَهُ إرخاء بحرارة لَطِيفَة يحلل تحليلاً لطيفاً وَرُبمَا يجفف تجفيفاً لطيفاً فَإِن الشَّديد التَّحْلِيل والتجفيف يستعجل فِي تَأْثِيره فيحلل اللَّطِيف وَيحبس الكثيف بتجفيفه ويسد المسام أَيْضا بتجفيفه فَهَذَا الْقدر كَاف للمؤنة فِي الْأَكْثَر فِيمَا تفرّق اتصالاتها قريبَة إِلَى الْجلد وظاهرة غير غائصة فَإِن لم تكن كَذَلِك وَكَانَت التفرّقات كَثِيرَة وغائضة وبعيدة من الظَّاهِر لم يكن بُد من الشَّرْط وعَلى مَا الْحَال عَلَيْهِ فِي الأورام والقروح الرَّديئَة وَلَا يكون حَاله حَال الْمَضْرُوب فَإِن الْمَضْرُوب قد انجذبت مادته إِلَى الْجلد وَالْجَلد فِي طَرِيق التقرح وَهَذَا تفرق الإتصال فِيهِ غائص غائر فَلذَلِك لَا يُطِيع فَلَا بُد من اسْتِعْمَال الجاذبات بِالْقُوَّةِ وَمن المحاجم وَالشّرط. وَرُبمَا كَانَ الْأَمر أعظم من هَذَا وَصَارَ الْعُضْو إِلَى تورّم عَظِيم خَارِجا وَيجمع فَحِينَئِذٍ يجب أَن تبادر إِلَى التقيّح وإحالة مَا يجْتَمع فِيهِ مُدَّة ليسكن الوجع بِمَا يتقيح وتتحلل الْمَادَّة بالتقيح فَإِن ذَلِك على كل حَال يتقيّح وَلِأَن يتقيح أسْرع بمعونة العلاج فَهُوَ أسلم وَرُبمَا حللته الْأَدْوِيَة المقيحة من غير تقييح خُصُوصا إِذا أعانتها الْحَرَارَة الغريزية وسعة المنافس ثمَّ تأمّل الْأَدْوِيَة الْمَذْكُورَة فِي بَاب السقطة والصدمة. وَأما الرِّبَاط الَّذِي يسْتَعْمل على الفسوخ فقد قيل فِي صفته أَنه إِذا حدث رضّ أَو فسخ فاربطه وَليكن الرَّبْط على الْموضع نَفسه شَدِيدا جدا واذهب بالرباط إِلَى فَوق ذَهَابًا كثيرا يَعْنِي إِلَى نَاحيَة الكبد وَإِلَى أَسْفَل قَلِيلا وَلَا تزد جبائر وَلَا رفائد وَلَا تطل عَلَيْهِ جباراً كثيرا لِأَنَّهُ يحْتَاج أَن يتَحَلَّل ذَلِك الدَّم الْمَيِّت وَيحْتَاج إِلَى إمعان ذهَاب الرِّبَاط إِلَى فَوق لِئَلَّا ينصب إِلَيْهِ شَيْء مَا ذهب إِلَى فَوق فَلْيَكُن أرْخى ولتكن خرقَة رقيقَة صلبة ليحتمل الشد ويسرع اتِّصَال التطوّل بِهِ وَينصب الْعُضْو إِلَى فَوق كَمَا يفعل فِي نزف الدَّم.
(3/210)

وَهَذَا العلاج أَعنِي الرِّبَاط يَنْبَغِي أَن يكون قبل أَن يرم الْعُضْو لِأَن الْعُضْو إِذا ورم لم يحْتَمل غير الرِّبَاط المعتدل فضلا عَن شدَّة الغمز وَلذَلِك يدارى حِينَئِذٍ بالأضمدة وبمواصلة صب المَاء الْحَار عَلَيْهِ. وَأما الغدد الَّتِي تتبع الفسوخ فعلاجها بالأسرب يوضع عَلَيْهَا لِئَلَّا تزيد وتعظم وَرُبمَا تفدغت وتفسخت. فصل فِي السقطة والصدمة بِحجر أَو حَائِط أَو غَيره إِن السقطة والصدمة تؤلم وتؤذي بِالْفَسْخِ والرضّ وَتَكون فِيهَا مخاطرة بِسَبَب تفرق اتِّصَال الْعِظَام أَو تفرق اتِّصَال يَقع فِي الأحشاء فِي أغشيتها وعصبها وَفِي الْعُرُوق الْكِبَار لتي لَهَا وَتَكون فِيهَا مخاطرة أَيْضا بِسَبَب شدَّة الْأَلَم. وَكلما كَانَت الجثة أكبر كَانَ الْخطر أَشد وَلذَلِك صَار الْأَطْفَال لَا يعرض لَهُم فِي سقطاتهم من الْأَذَى مَا يعرض للبالغين. والغمد تكبر أَيْضا فِي السقطات والصدمات والضربات وَيحْتَاج أَن يتدارك بِمَا وصفناه فِي مَوْضِعه وَقد تعرض من السقطة والصدمة آفَات عَظِيمَة من انْقِطَاع جَانب من الْقلب أَو الْمعدة فَيَمُوت الممنو بذلك فِي الْوَقْت وَقد يعرض أَن يحتبس الْبَوْل وَالْبرَاز أَو يخرجَا بِغَيْر إِرَادَة وَقد يعرض قيء الدَّم والرعاف الشَّديد بِسَبَب انْقِطَاع عرق فِي الرَّأْس أَو الكبد أَو الطحال وَنفخ الْبَطن وشقة النَّفس وَانْقِطَاع الصَّوْت وَالْكَلَام. وَمن أَصَابَته صدمة أَو سقطة أَو غير ذَلِك فَانْقَطع كَلَامه وانتكس رَأسه وذبل نخسه وعرقت جَبهته واصفرّ وَجهه أَو اخضرّ فَإِنَّهُ ميت فِي الْحَال. فَإِذا عرض لَهُ أَو للمنخوس أَو للمضروب ضربا مبرحاً فِي الدَّم قيء الدَّم فِي الْوَقْت ولين طبيعة فَهُوَ مائت وأسلمه أَن يتقيأ دَمًا مخلوطاً بِطَعَام خُصُوصا إِن كَانَ قد تورم ظَاهره ثمَّ إِذا استبطن الورم وَسكن الورم ثمَّ قاء بعد ذَلِك مُدَّة فَإِنَّهُ يَمُوت مَكَانَهُ وَمن وَقع على صماخه وسال مِنْهُ دم كثير فَلَا بُد أَنه يورم وَيقتل وَمن سقط على رَأسه فَإِنَّهُ كثيرا مَا لَا يتَكَلَّم فَإِذا بَقِي إِلَى الثَّالِث لَا ينص وَلَا يزِيد فيحقن فِي الثَّالِث وينتظر إِلَى السَّابِع وَلَا يحرّك قبل ذَلِك بِشَيْء وَصَاحب السقطة إِذا لم يحمر مَوضِع سقطته فالعضو عصبي. فصل فِي العلاج يجب إِن لم يكن كسر وخلع أَو نزف دم أَن تبادر إِلَى الْعُضْو المصدوم أَو الْمَرْهُون بالسقطة فَيجْعَل عَلَيْهِ مَا يشدده وَمَعَ ذَلِك فَيلْزم معالج هَذَا الْبَاب ألن يتثبت حَتَّى يظْهر لَهُ أَن لَيْسَ فِي الْبَاطِن سَبَب مبادر إِلَى الْإِتْلَاف فان احْتَاجَ أَن يستظهر أَكثر وَأوجب الْحَال ذَلِك فَيجب أَن تبادر فتفصد وتستعمل حقنة لينَة رقيقَة ثمَّ إِن أمكنه أَن يشدد الْموضع ويشدد شقاً إِن وَقع بِمَا نذكرهُ بَادر إِلَيْهِ والأدوية الْمُحْتَاج إِلَيْهَا هِيَ المشدّدة المغرية أَيْضا والمحلّلة للمادة بِرِفْق وإرخاء كَمَا فِي الْفَسْخ والملحمة الملصقة من خَارج وداخل وأجود غذائه الماش والحمص.
(3/211)

وَأما الْأَدْوِيَة الَّتِي يجب أَن يَتَنَاوَلهَا من بِهِ فسخ أَو صدمة أَو سقطة فالفاضل الْمُقدم فِيهَا الموميا أَي الْخَالِص مَعَ الدّهن الْمَعْرُوف بالزئبق وَالشرَاب وَرُبمَا تبع بِشَيْء من الحقن يسقى الراوند الصيني مَعَ مِثْقَال من قُوَّة الصَّبْغ فِي شراب والطين الْمَخْتُوم وَبعده اللاني والأرمني والسمّاق والأنزروت ينفع جدا بالجامه والشب ملصق نَافِع مُسَدّد وَهُوَ مِمَّا يشتدّ نَفعه. وللزرنيخ قُوَّة عَجِيبَة فِي جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الإلحام وَتَحْلِيل الدَّم وَمنع الورم وَمنع الدَّم وَمنع الآفة إِذا سقِِي وعصارة للقنطوريون الْأَكْبَر والراوند والقسط والمقل مشروبات بالسكنجبين نافعة كلهَا وَمِمَّا يسقونه للتليين وَالْإِطْلَاق الْخِيَار شنبر ودهن اللوز. صفة قرص جيد: يُؤْخَذ راوند صيني ثَمَانِيَة لكّ أَرْبَعَة فوة أَرْبَعَة طين مختوم ثَلَاثَة يقرص ويسقى فِي مَاء الحمص وَمن الْأَدْوِيَة الَّتِي تُوضَع عَلَيْهِ الذريرة بالمر والمصطكي والمغاث إِذا ضمد بِهِ أَو شرب فَلهُ خاصية جَيِّدَة فِي الْكسر وَالْخلْع وَفِي الوثي وَالْفَسْخ والضربة والسقطة والصدمة فَإِنَّهُ يبرىء ويلحم سَرِيعا ويسكن الوجع وَإِن كَانَ دشبذ للكسر صلّبه وَقواهُ. وَمن الْأَدْوِيَة الْمُشَدّدَة الأقاقيا فَإِنَّهُ عَجِيب وَفِي الْخَبَر أَيْضا وَالصَّبْر والطين الأرمني واللاني والمختوم والماش والسماق والجص والنورة المقتولين والأرز المسحوق وَمن الملصقات الأنزروت وَمن الكمادات الجيدة ورق السرو مطبوخاً بِمَاء معصورر مخلوطاً بالزئبق وَكَذَلِكَ ورق الأثل وَكَذَلِكَ إِن جعل فِيهَا شب. صفة دَوَاء مركب مجرب: يُؤْخَذ من المغاث ثَلَاثَة أَجزَاء وَمن الخطمي الْأَبْيَض والأنزروت جُزْء جُزْء وَمن الزَّعْفَرَان قَلِيل وَهُوَ ضمّاد جيد نَافِذ الْقُوَّة إِلَى الْغَوْر وَأما إِذا كَانَت الضَّرْبَة لم تورث وجعاً شَدِيدا وَلم تخف أَن ورماً عَظِيما يسْبق إِلَى الْموضع لنقاء الْبدن وَلَا خيف التقرح وَلَا كَانَ هُنَاكَ عُضْو مجوّف فَيجب أَن تبادر إِلَى الإرخاء بالزيت المسخن وَنَحْوه وَهَذَا مثل الْمَضْرُوب على ظَهره وعَلى يَده وَفَخذه فَإِن هَذَا التَّدْبِير يسكن مِنْهُ الوجع. فصل فِي الصدمة والضربة على الْبَطن والأحشاء قد ذكرنَا من ذَلِك فِي الْكتاب الثَّالِث مَا فِيهِ غنية وَيجب أَن يكون عَلَيْهِ الْعَمَل وَيجْعَل الْغذَاء كل ملين مبرد مثل اللبلاب والسرمق والخبّازي وَمن المغريات أَيْضا مثل لِسَان الْحمل يسقى أَيْضا فِي أول الْأَمر من العصارات المبردة مَعَ مُخَالطَة من ملين مثل عصير عِنَب الثَّعْلَب أَو لِسَان الْحمل أَو الهندبا مَعَ الْخِيَار شنبر. وَمِمَّا جرب أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب أَن يدق بزرقطونا وَيُؤْخَذ مِنْهُ جُزْء من اللك والكهرباء من كل وَاحِد نصف جُزْء وَربع جُزْء وَمن الزَّعْفَرَان سبع جُزْء والشربة مِنْهُ دِرْهَمَانِ بِمَاء حَار ويسقى قرصه بِهَذِهِ الصّفة. ونسخته: يُؤْخَذ من الكهرباء عشرَة وَمن الْورْد خَمْسَة وَمن الأقاقيا المغسول أُوقِيَّة
(3/212)

وَمن السنبل الْهِنْدِيّ سِتَّة وَمن إكليل الْملك عشرَة وَمن المصطكي أَرْبَعَة وَمن قشور الكندر أَرْبَعَة وَمن الطين الأرمني سَبْعَة وَمن الزَّعْفَرَان سِتَّة وَمن جوز السرو ثَمَانِيَة يقرص بِمَاء لِسَان الْحمل وَهَذَا مُوَافق خَاصَّة إِذا جَاوَزت الْعلَّة الأولى الأول وَيجْعَل الضماد من مثل. هَذَا الْجِنْس. ونسخته: يُؤْخَذ التفاح الشَّامي ويطبخ بمطبوخ ريحاني حَتَّى ينضج وينعم دقه وَيُؤْخَذ مِنْهُ مائَة دِرْهَم وَمن اللاذن عشرُون وَمن الْورْد سته عشر وَمن السنبل والمصطكي والأقاقيا المغسول من كل وَاحِد أَرْبَعَة عشر جُزْءا ويعجن بِمَاء السرو المعصور مَعَ لِسَان الْحمل وَمَاء الكزبرة أحب إِلَيّ وَيجوز أَن يخلط بِهِ دهن السوسن ويضمد بِهِ. فصل فِي حَال الْمَضْرُوب بالسياط وَنَحْوهَا وعلاجه يجب أَن يكون طَعَام الْمَضْرُوب بالسياط من الحمص المقشر المرضوض وَمن اللوبيا الْأَحْمَر المقشر ويسقى بَدَلَ المَاء مَاء الحمص المنقوع ويسقى أَيْضا أدوية المصدوم والساقط وخصوصاً الطين الأرمني وَأَيْضًا راوند وزنجبيل يسقى من مجموعها دِرْهَم وَنصف بِمَاء حَار. وَأما مَا يوضع عَلَيْهِ فأفضل شَيْء لَهُ أَن يُؤْخَذ مسلاخ شَاة قد سلخ فِي الْوَقْت وَهُوَ حَار رطب فيلزق على الْموضع وَيتْرك عَلَيْهِ لَا يُفَارِقهُ فَرُبمَا أَبرَأَهُ فِي الْيَوْم الثَّانِي. وَقد حلل الورم وَمنع العفونة وخصوص إِذا ذَر تَحت المسلاخ شَيْء من ملح شَدِيد السحق وَمِمَّا يذر عَلَيْهِ الخزف المدقوق وتراب الأتون وَنَحْو ذَلِك وَأَيْضًا يُؤْخَذ المرداسنج والإسفيداج أَجزَاء سَوَاء ويتخذ مِنْهُمَا ضمّاد قيروطي بدهن ورد وشمع وَأَيْضًا طلاء من كثيراء وزعفران بِالسَّوِيَّةِ وَإِن بَقِي أثر أبْطلهُ الزرنيخ وَحجر الفلفل وَقد يذكر هَهُنَا موت الدَّم وَنحن ذَكرْنَاهُ فِي كتاب الزِّينَة. فصل فِي الوثي أفضل علاج الوثي للمفاصل الأليّة وَالتَّمْر يَجْعَل عَلَيْهِ وَيتْرك فَإِنَّهُ يُبرئهُ إِذا أصَاب الوثي وَقد ذكرنَا فِي بَاب كسر الْعِظَام أدوية كلهَا تصلح للوثي فلتؤخذ من هُنَاكَ وَإِذا تخلف هُنَاكَ وجع فداره فِي الشدّ وإلاّ فَلَا تبال. فصل فِي السحج وَفِيه سحج الخفَ السحج انقشار يعرض فِي سطح الْجلد بمماسة عنيفة وَقد يكون مَعَ ورم وَقد يكون مَعَ غير ورم وَقد يكون الْجلد كُله انسحج فَانْقَطع أَو تدلى وَيحْتَاج إِلَى إلصاقه فيعالج بالإلصاق الَّذِي قيل فِي بَاب الْجِرَاحَات وَيجب مَا أمكن أَن لَا يقطع الْجلد بل تبسطه عَلَيْهِ وَلَو مرَارًا فَإِنَّهُ يلصق اَخر الْأَمر فَإِن لم يلصق ألصق بالمراهم المعمولة لهَذَا الشَّأْن. وَأما المكشوف فَالْأولى أَن يلصق عَلَيْهِ الدَّوَاء من غير ربط إِلَّا أَن لَا يُمكن
(3/213)

فَإِن تجفيفه بالأدوية بمعونة الْهَوَاء أَجود. وَأما السحج الْخَفِيف فَمن الْأَدْوِيَة الجيدة للسحج الْمُفْرد وخصوصاً سحج الْخُف أَن تُؤْخَذ الرئة وخصوصاً رئة الْحمل وتلصق عَلَيْهِ فتبرئه. وَإِذا لم يكن ورم نفع مِنْهُ الْجُلُود الْخلقَة المحرقة أَو دهن الْورْد والزرنيخ الْأَحْمَر والقرع المحرق عَجِيب جدا موثوق بِهِ وخاصةً فِي سحج الْخُف وَمن الْأَدْوِيَة الخاتمة الملحمة المدملة جَمِيع مَا فِيهِ قبض خَفِيف مثل الأقاقيا والعفص خُصُوصا محرقاً وَإِذا فعل ذَلِك بالسحوج الْخَفِيفَة والخفية كفى وَرُبمَا كفى أَيْضا المرهم الْأَبْيَض. وَمِمَّا هُوَ أقوى أَن يُؤْخَذ إسفيداج الرصاص والأشق والدهن ودهن الْورْد والآس أَو دهن الخروع ودهن السوسن يحل الأشق بِالْمَاءِ أَو الشَّرَاب ويتخذ مِنْهُ مرهم وَرُبمَا كفى المرداسنج وَحده بِالشرابِ. والسمّاق مجفف للسحج الْخَفِيف والشجني مَانع للورم. وَمن النطولات وخصوصاً إِذا حدث شقَاق من التسلخ مَاء العدس وطبيخ الكشك والعدس وَمَاء الْبَحْر مفتراً والتضميد بالمردي الْيَابِس. وَأما إِن ذهب الْجلد كُله فَيحْتَاج إِلَى أَن يمْنَع الورم بِمَا فِيهِ تجفيف وَختم قوي وَيكون الْأَمر فِيهِ أصعب. فصل فِي الوخز والخزق وَإِخْرَاج مَا يحتبس من الشوك والسهام وَالْعِظَام الوخز والخزق متقاربان من حَيْثُ أَن كلّ وَاحِد مِنْهُمَا نُفُوذه من جسم حاد صلب فِي الْبدن وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي حجم الْجِسْم النَّافِذ فَيُشبه أَن يكون الوخز لما دق وَصغر والخزق بالزاي مُعْجمَة لما حجم وَعظم وَيُشبه أَن يكون الزهر مَعَ صغر النَّافِذ يَقْتَضِي قصر المنفذ كَأَنَّهُ لَا يعدو الْجلد وَمثل هَذَا فَإِنَّهُ خَفِيف الْمضرَّة إِن لم يتَعَرَّض لَهُ وَترك صلح بِنَفسِهِ وَلَو فِي رَدِيء اللَّحْم اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون فِي شَدِيد رداءة اللَّحْم فَإِنَّهُ رُبمَا تورم مَوْضِعه وَحدث بِهِ ضَرْبَان وخصوصاً إِذا كَانَ ذَلِك الغرز والوخز قد اشْتَدَّ فَصَارَ نخساً واصلاً إِلَى اللَّحْم وَمثل هَذَا أكبر علاجه أَن يسكن ورمه ووجعه وَلَا يحْتَاج إِلَى تَدْبِير الْجراحَة. وَأما الخزق فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى تَدْبِير الْجراحَة مَعَ تَدْبِير الوجع والورم. وَقد قيل فِي تَدْبِير الْجراحَة وتدبير الأورام مَا فِيهِ كِفَايَة وَالَّذِي لَا بُد من أَن نذْكر فِي هَذَا الْموضع من أَمر الوخز والخزق هُوَ التَّدْبِير فِي إِخْرَاج مَا احْتبسَ فِي الْبدن من الشَّيْء الواخز والخازق فِي الْبدن شوكاً كَانَ أَو نصلاً وَمَا أشبه ذَلِك وَهَذَا الْإِخْرَاج قد يكون بالآلات المنشبة بالشَّيْء الجاذبة لَهُ وَقد يكون بالعصر وَمَا يُشبههُ وَقد يكون بخواص أدوية جاذبة تخرج مَا يعجز عَنهُ الكلبتان وَسَائِر الْآلَات. فَأَما القانون فِيمَا يخرج بالآلات المنشبة مثلا: اسْتِخْرَاج النصول بالكلبتين المبردية الرؤوس ليشتد نشوبها فالقانون فِيهِ أَن يتوقى انكسار الْمَقْبُوض عَلَيْهِ بهَا وَأَن يكون طريقها إِلَى المنزوع موسعاً لَا يمْنَع جودة التَّمَكُّن مِنْهُ وَأَن يطْلب أسهل الطَّرِيق لإخراجه إِن كَانَ نَافِذا من جانبين فيوسع الْجَانِب الَّذِي هُوَ أولى بِأَن يخرج مِنْهُ توسيعاً بِقدر الْحَاجة. وَأما الْحِيلَة فِي أَن لَا ينكسر فَهُوَ أَن لَا يُحَرك تحريكاً قَوِيا بَغْتَة بل يقبض عَلَيْهِ فيهز هزاً
(3/214)

يعرف بِهِ قدر انغرازه وتشبثه أَو قلقه عَنهُ ثمَّ يجذب جذباً على الاسْتقَامَة وَكَثِيرًا مَا يحْتَاج إِلَى أَن يتْرك أَيَّامًا ليقلق فِيهِ ثمَّ يخرج وَقد قَالَ بعض الْعلمَاء بِهَذِهِ الصَّنْعَة قولا نورده على وَجهه. إِن انتزاع السِّهَام يَنْبَغِي أَن يتعرّف قبله أَنْوَاع السِّهَام فَإِن بَعْضهَا يكون من خشب وَبَعضهَا يكون من قصب وأزجتها تكون من الْحَدِيد وَمن النّحاس وَمن الرصاص القلعي وَمن الْقُرُون الْعِظَام وَمن الْحِجَارَة وَمن الْقصب وَمن الْخشب. وَبَعضهَا يكون مستديراً وَبَعضهَا يكون لَهُ ثَلَاث زَوَايَا وَأَرْبع زَوَايَا وَمِنْهَا مَا لَهُ ألسن لسانان أَو ثَلَاثَة وَمِنْهَا مَا يكون لَهُ زجّ وَمِنْهَا مَا لَا يكون لَهُ زجّ وَالَّذِي لَهُ زجّ فَرُبمَا كَانَ زجّه مائلاً إِلَى خلف لكَي مَا إِذا مدّ إِلَى خَارج تعلق بالجسم وَفِي بَعضهم يكون الزجّ مائلاً إِلَى قُدَّام ليندفع وَمِنْهَا مَا تكون أزجته تتحرك بِشَيْء شَبيه بلولب فَإِذا مدّت إِلَى خَارج تنبسط فتمنع السهْم من الْخُرُوج وَبَعضه يكون زجّه عَظِيما وَيكون لَهُ طرف قدر ثَلَاث أَصَابِع وَبَعضهَا قدر إِصْبَع وَتسَمى ذبابية وَبَعضهَا يكون بسيطاً وَبَعضهَا يكون قد زيدت عَلَيْهِ حدائد دقاق فَإِذا أخرج السهْم بقيت تِلْكَ الحدائد فِي عمق الْأَجْسَام وَبَعضهَا يكون زجّه مغروزاً فِي السهْم وَبَعضهَا لزجّه أنابيب تدخل فِيهَا السِّهَام وَبَعضهَا تستوثق من تركيبه وَبَعضهَا لَا يستوثق مِنْهُ لكَي مَا إِذا جذب إِلَى خَارج فَارق السهْم الزجّ فَبَقيَ الزجّ فِي الْجَسَد وَبَعضهَا يكون مسموماً وَبَعضهَا لَا يكون مسموماً فالسهم يخرج على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا الجذب وَالْآخر الدّفع وَذَلِكَ أَن السهْم إِذا نشب فِي ظَاهر الْجَسَد يكون إِخْرَاجه بالجذب وَيسْتَعْمل أَيْضا الجذب إِذا نشب السهْم فِي عمق الْجَسَد وَكَانَ يتخوف من الْمَوَاضِع الَّتِي تكون قبالة السهْم أَنَّهَا إِن جرحت عرض مِنْهَا نزف دم مهلك أَو أَذَى شَدِيد وَيخرج السهْم بِالدفع إِذا نشب فِي اللَّحْم وَكَانَت الْأَجْسَام الَّتِي تستقبلها قَليلَة وَلم يكن هُنَاكَ شَيْء يمْنَع من الشق لَا عصب وَلَا عظم وَلَا شَيْء آخر يشبه هَذِه الْأَشْيَاء. فَإِن كَانَ الْمَجْرُوح عظما فَإنَّا نستعمل حِينَئِذٍ الجذب فَإِن كَانَ السهْم ظَاهرا جذبناه وَإِن كَانَ خفِيا يَنْبَغِي كَمَا قَالَ بقراط إِن أمكن الْمَجْرُوح أَن يصير نَفسه على الشكل الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عِنْدَمَا جرح فَيَنْبَغِي أَن يسْتَدلّ بِهِ على السهْم وَإِن لم يُمكنهُ ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يستلقي على مَا يُمكنهُ من الشكل وَأَن يسْتَعْمل التفتيش وَالْعصر. وَإِن كَانَ قد نشب فِي اللَّحْم فليجذبه بِالْأَيْدِي أَو بخشبته إِن كَانَت لم تسْقط سِيمَا إِن لم تكن من قصب فَإِن كَانَت سَقَطت الْخَشَبَة فَليخْرجْ الزج بكلبتين أَو بمنقاش أَو بالآلة الَّتِي يخرج بهَا السِّهَام. وَيَنْبَغِي فِي بعض الْأَوْقَات أَن تشق اللَّحْم شقاً أَكثر إِذا لم يُمكن أَن يخرج الزج من الشق الأول وَإِن صَار السهْم إِلَى قبالة الْعُضْو الْمَجْرُوح وَلم يُمكن أَن يخرج من الْجَانِب الَّذِي مِنْهُ دخل فَيَنْبَغِي أَن تشقّ تِلْكَ الْمَوَاضِع الَّتِي قبالته وَيخرج مِنْهَا إِمَّا بالجذب وَإِمَّا بِالدفع إِن كَانَت خَشَبَة الزج فِيهِ. وَإِن كَانَت الْخَشَبَة سَقَطت فليدفع بِشَيْء آخر وَيدْفَع بِهِ الزج إِلَى خَارج وَيَنْبَغِي أَن لَا يقطع وَإِن كَانَ للزجّ ذَنْب فَإنَّا نعلم ذَلِك من التفتيش وَيَنْبَغِي أَن يدْخل ذَلِك الذَّنب فِي أنبوب
(3/215)

الْآلَة الَّتِي بهَا يدْفع السهْم ويدفعه بهَا فَإِذا خرج الزج ورأينا فِيهِ مَوَاضِع محفورة وَيُمكن أَن يصير فِيهَا حدائد أخر دقاق فلنستعمل التفتيش أَيْضا. فَإِن أَصَابَنَا شَيْء من هَذِه الحدائد أخرجناه بِهَذِهِ الْحِيَل فَإِن كَانَ للزج شعب مُخْتَلفَة وَلم تجب إِلَى الْخُرُوج فَيَنْبَغِي لنا أَن نوسع الشقّ إِن لم يكن بِالْقربِ من ذَلِك الْموضع عُضْو نتخوف مِنْهُ حَتَّى إِن انْكَشَفَ الزج أخرجناه بِرِفْق. وَمن النَّاس من يَجْعَل تِلْكَ الشّعب فِي أنبوب لِئَلَّا يخرج اللَّحْم ثمَّ إِن كَانَ الْجرْح سَاكِنا لَيْسَ بِهِ ورم حَار استعملنا الْخياطَة أَولا ثمَّ العلاج الَّذِي ينْبت اللَّحْم. وَإِن كَانَ قد عرض للجرح ورم حَار فَيَنْبَغِي أَن نعالج ذَلِك بالتنطيل والأضمدة. وَأما السِّهَام المسمومة فَيَنْبَغِي أَن نقوّر اللَّحْم الَّذِي قد صَار إِلَيْهِ السهْم إِن أمكن وَيعرف ذَلِك اللَّحْم من تغيّره عَن اللَّحْم الصَّحِيح. فَإِن اللَّحْم المسموم يكون رَدِيء اللَّوْن كمداً وَكَأَنَّهُ لحم ميت فَإِن انغرز السهْم فِي عظم أخرجناه بالآلة فَإِن منع من ذَلِك شَيْء من اللحوم فَيَنْبَغِي أَن نقوره أَو نشقه. فَإِن كَانَ السهْم قد انغرز فِي عمق الْعظم فَإنَّا نعلم ذَلِك من ثبات السهْم وَقلة حركته وَإِذا نَحن حرّكناه فَيَنْبَغِي لنا أَن نقطع أَولا الْعظم الَّذِي يكون فَوق السهْم بمقطع أَو نثقبه بمثقب ثقباً حوله إِن كَانَ للعظم ثخن ويتخلص السهْم بذلك فَإِن كَانَ السهْم قد انغرز فِي شَيْء من الْأَعْضَاء الرئيسة كالدماغ أَو الْقلب وَفِي الرئة أَو الْبَطن أَو الأمعاء أَو الرَّحِم أَو الكبد أَو المثانة وَظَهَرت عَلَامَات الْمَوْت فَيَنْبَغِي أَن نمتنع من جذب السهْم فَإِنَّهُ يكون من ذَلِك قلق كثير وَلِئَلَّا يصير علينا مَوضِع كَلَام من الْجُهَّال مَعَ قلَّة نفعنا للعليل فَإِن لم تكن ظَهرت عَلَامَات رَدِيئَة أخبرنَا بِمَا نتخوف من الْأَحْدَاث ونقدم القَوْل فِي العطب الَّذِي يعرض من ذَلِك كثيرا ثمَّ نَأْخُذ فِي العلاج فَإِن كثيرا مِمَّن أَصَابَهُ ذَلِك سلم على غير رَجَاء سَلامَة عَجِيبَة. وَكَثِيرًا مَا خرج جُزْء من الكبد وَشَيْء من الصفاق الَّذِي على الْبَطن والثرب وَالرحم كلهَا فَلم يعرض من ذَلِك موت على أَنا إِن تركنَا السهْم أَيْضا فِي هَذِه الْأَعْضَاء الرئيسة عرض الْمَوْت على كل حَال ونسبنا إِلَى قلّة الرَّحْمَة وَإِن انتزعنا السهْم فَرُبمَا سلم العليل أَحْيَانًا. فصل فِي الْأَدْوِيَة الجانبة يجب أَن نضع على مَوضِع الناشب الأشق فَإِنَّهُ جاذب قوي وَيُؤْخَذ أصل الْقصب ويدق ويضمّد بِهِ وَرُبمَا عجن بالعسل وَالْخبْز وَأَيْضًا ورق الخشخاش الْأسود وورق شجر التِّين مَعَ سويق أَو بزر البنج خُصُوصا مَعَ قلقديس وَكَذَلِكَ ثَمَرَة البنج بِحَالِهَا وَأَيْضًا الخيري بأصنافه والزراوند وبصل النرجس. وَمن الحيوانية أَشْيَاء كَثِيرَة مِنْهَا: الضفادع المسلوخ وَهُوَ عَجِيب جدا لما ينشب فِي الْعِظَام وَلذَلِك يقْلع الْأَسْنَان والسرطان أَيْضا مسحوقاً والأريبات والأنافح كلهَا وَقيل أَن العظاءة شَدِيدَة
(3/216)

وَمن المركبات رَأس العظاءة مَعَ الزراوند الطَّوِيل وأصل الْقصب وبصل النرجس. وَأما المختصة بجذب الْعِظَام الْفَاسِدَة من تَحت القروح المندملة فنذكرها فِي بَاب الْعِظَام. فصل فِي قانون علاج حرق النَّار الْغَرَض فِي علاج حرق النَّار غرضان: أَحدهمَا منع التنفط وَالثَّانِي إصْلَاح مَا احْتَرَقَ. وَيحْتَاج فِي منع التنفط إِلَى أدوية تبرد من غير أَن يصحبها لذع. وَإِمَّا من حَيْثُ يعالج الحرق فَيحْتَاج إِلَى أدوية فِيهَا جلاء مَا مَعَ تجفيف مَا غير كثير وَمن غير أَن يلذع مَعَ أَن يكون معتدلاً فِي الْحر وَالْبرد وَإِذا احْتِيجَ إِلَى التدبيرين مَعًا دبر بالبرد أَولا ثمَّ إِن احْتِيجَ إِلَى الثَّانِي فعل. وَأما إِن أدْرك وَقد تنفط فَالْوَاجِب هُوَ التحبير الثَّانِي وأدويته مثل القيموليا والأطيان الْخَفِيفَة الحجم والعدس الْمَطْبُوخ والمداد الْهِنْدِيّ وَنَحْوه. وَأما مثل الكندر والعلك والدسومات فَإِنَّهَا لَا تصلح لذَلِك لِأَن بَعْضهَا أسخن مِمَّا يَنْبَغِي وَلَا يَخْلُو عَن قُوَّة لذع وَبَعضهَا أرطب مِمَّا يَنْبَغِي. فصل فِي الْأَدْوِيَة الحرفية الَّتِي بِحَسب الْغَرَض الأول يُؤْخَذ صندل وفوفل واَجر أَبيض جَدِيدا وخزف يُطلى بِمَاء عِنَب الثَّعْلَب وَمَاء الْورْد أَو مرهم من مخ الْبيض ودهن الْورْد وَأَيْضًا هندبا ودقيق الشّعير مغسولاً ومخ الْبيض ودهن الْورْد وَأَيْضًا العدس المسلوق مَعَ دهن الْورْد وَأَيْضًا الطين الأرمني والخل وَأَيْضًا دهن الْورْد والشمع على مَا يَنْبَغِي ثمَّ يَجْعَل فِيهَا من النورة المغسولة غسلاناً تَاما مَعَ إسفيداج وأفيون وَبَيَاض الْبيض وَشَيْء من اللَّبن. وَأَيْضًا: يُؤْخَذ ورق الْخَبَّازِي فيسلق سلقة بِمَاء عذب ثمَّ يسحق وينقى من الْأَشْيَاء الخيطية الَّتِي فِيهِ ثمَّ يجمع إِلَيْهِ مرداسنج مربى وإسفيداج القلعي من كل وَاحِد جزءان وَنصف وَمن دهن الْورْد أَرْبَعَة أَجزَاء وَمن مَاء عِنَب الثَّعْلَب وَمَاء الكزبرة من كل وَاحِد جُزْء. فصل فِي الْأَدْوِيَة الحرقية الَّتِي بِحَسب الْغَرَض الثَّانِي أَجود الْأَشْيَاء لذَلِك مرهم النورة ونسخته: تُؤْخَذ النورة وتغسل سبع مَرَّات حَتَّى تَزُول حدتها كلهَا ثمَّ تضرب بدهن الْورْد أَو الزَّيْت وَقَلِيل شمع إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ: وَرُبمَا زيد عَلَيْهِ طين قيموليا وَبَيَاض الْبيض وَقَلِيل خل خمر. مرهم النورة بِصفة أُخْرَى: تغسل النورة كَمَا علمت ويتخذ مِنْهَا بِمَاء ورق السلق وورق الكرنب ودهن الْورْد والشمع مرهم وَمِمَّا يصلح هَهُنَا أَو حَيْثُ لَا يخَاف تبثر وتنفط أَن ينثر عَلَيْهَا ورق الأثل المحرق أَو الخرنوب المحرق. مرهم جيد يصلح لقَلِيل الْحَرَارَة وهر طَوِيل التَّأْلِيف جرب فَوجدَ جيدا. ونسخته: يُؤْخَذ إخثاء الْبَقر الرَّاعِي المجفف وقشور شَجَرَة الصنوبر ومشكطرامشيع من كل وَاحِد عشرَة دَرَاهِم
(3/217)

وَمن المراداسنج ثَلَاثَة وَمن خبث الْفضة إثنان وَمن خبث الرصاص أَرْبَعَة وَمن النورة المغسولة بِالْمَاءِ الْبَارِد مرَارًا كَثِيرَة خَمْسَة وَمن القيموليا خَمْسَة وَمن الطين القبرسي أَو الرُّومِي أَو الأرمني وَمن إسفيداج الرصاص سَبْعَة سَبْعَة عَصا الرَّاعِي المدقوق عشرَة مداد فَارسي أَو صيني سِتَّة توتياء خضراء سَبْعَة بعر الضَّأْن عشرَة حب اللبلاب وورقه خَمْسَة عشر خَمْسَة عشر خبث الْحَدِيد وعصارة ورق الخطمي وعصارة ورق الْخَبَّازِي عشرَة عشرَة سوسن أزاد وَبِصِلَة وسوسن أسمانجوني وزعفران خَمْسَة خَمْسَة كافور أَرْبَعَة موم ودهن ورد ومخ الأيل وشحمه مِقْدَار الْكِفَايَة. وَمِمَّا هُوَ أشدّ قُوَّة وَيصْلح لما هُوَ أقل حرارة أَن يُؤْخَذ برادة النّحاس وَالْحَدِيد يعجن بالطين الْحر أَو الطين الْأَحْمَر ثمَّ يحرق فِي تنور أَو أتون ويقرّص ويحفظ وَيسْتَعْمل ذروراً حَيْثُ يحْتَاج إِلَى تجفيف أَو يطلى بدهن الْورْد وَمن هَذَا الْقَبِيل أَيْضا يحرق خرء الْحمام فِي خرقَة كتَّان حَتَّى يترمد ويطلى بدهن فَهُوَ عَجِيب. والمواضع المقرحة ينفع مِنْهَا الكراث المسلوق أَو بقلة الحمقاء مَعَ سويق وورق الآس المسحوق ذروراً فَإِن استعصى فورق الأثل المحرق أَو ورق الينبوت المحرق وَإِن كَانَ أعصى من ذَلِك فصل فِي حرق المَاء المغلي قد يتَّفق أَن تنصب قدرا تغلي أَو مَاء حاراً على عُضْو من الْإِنْسَان فيفعل فعل النَّار والأصوب لَهُ أَن تبادر فِي الْحَال قبل أَن يتنفط فيطلى بِمثل الصندل وَمَاء الْورْد والكافور وَلَا يتْرك يجِف بل يتبع كل سَاعَة بِخرقَة مغموسة فِي مَاء بَارِد مثلوج فَإِن هَذَا يمنعهُ من أَن يتنفّط وَقوم يبادرون فينثرون عَلَيْهِ مَاء الزَّيْتُون أَو مَاء الرماد. والأجود أَن يسحق أَيهمَا كَانَ بالسويق أَو مرهم النورة وَأَيْضًا الدَّوَاء الْمُتَّخذ من زبل الْحمام الْمَذْكُور عَجِيب جدا والقروح تعالج بالكراث المسلوق أَو المجفف المسحوق وَهُوَ أَجود أَو بِسَائِر مَا قُلْنَا فِي الْبَاب الأول. فصل فِي نزف الدَّم وحبسه قد علم فِي الْكتاب الأول أَن الدَّم الَّذِي يخرج عَن الْعُرُوق إِنَّمَا يخرج إِمَّا لانفتاح فوهاتها بِسَبَب ضعف من الْعُرُوق أَو لشدَّة من الإمتلاء أَو لحركة قَوِيَّة حَتَّى الصَّيْحَة والوثبة وَإِمَّا بخار جاذب يرد من خَارج وَإِمَّا لانصداعها وانقطاعها بِسَبَب قَاطع فساخ أَو بِسَبَب تأكّل من دَاخل أَو شدّة حَرَكَة مَعَ امتلاء وَإِمَّا للرشح عَنْهَا التهلهل وَاقع لجرم الْعرق وصفاقه وَأولى الْعُرُوق أَن يسيل مَا فِيهِ إِذا وجد طَرِيقا هُوَ الشريان فَإِن جرحه متحرك وَمَا فِيهِ تَارَة ينقبض وَتارَة ينتشر وَإِذا لم تضيق عَلَيْهِ مَكَانَهُ بعد تفرق اتِّصَاله وَوجد خلاء آل الْأَمر إِلَى أبورسما الْمُسَمّى أم الدَّم والشريان وَإِن كَانَ مِمَّا يلتحم فَهُوَ مِمَّا يعسر التحامه وَكَثِيرًا مَا لَا يلتحم الشريان ويلتحم مَا يُحِيط بالشريان ويضيق عَلَيْهِ فَلَا يقدر الدَّم على سيلان فَاحش بل يخرج مِنْهُ شَيْء إِلَى نَاحيَة الْجلد بِقدر مَا
(3/218)

يسع فَإِذا رفق بِهِ بالغمز عَاد واستبطن كَمَا يعرض للعنق وَرُبمَا بَقِي الْعرق نَفسه تَحت الْجلد يحس بنبضه وبعتقه وَكَثِيرًا مَا يعرض ذَلِك للشريان من بَاطِن فيتفتق من غير أَن ينفتق الْجلد فَيحصل تَحت الْجلد أبورسما ورماً لينًا من دم وريح يُمكن أَن يسكن بالغمز فَهَذَا كثيرا مَا يعرض فِي الْعُنُق والأربية والمأبض من تِلْقَاء نَفسه وَكَثِيرًا مَا يعرض من سَبَب من خَارج وَمن فصد وَكثير من الْأَطِبَّاء ظنُّوا أَن كل فتق للشريان يُؤَدِّي إِلَى أم الدَّم لِأَنَّهُ لَا يلتحم بل أَكثر مَا يكون أَن يلتحم مَا حوله وَيصير الورم الْمَعْرُوف وَأما هُوَ نَفسه فَلَا يلتحم وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك. أما من نفى الإلحام فقد احْتج بِقِيَاس وتجربة. أما الْقيَاس فَلِأَن إِحْدَى طبقتي الشريان غضروفية والغضروف لَا يلتحم. وَأما التجربة فَلِأَنَّهُ مَا رُؤِيَ التحم. وقابلهم جالينوس بِقِيَاس وتجربة. أما الْقيَاس فخطابي وَصورته أَنه بَين الملتحم كَاللَّحْمِ وَغير الملتحم كالعظم فَيجب أَن يكون ملتحماً وَلَكِن صَعب الإلتجام. وَأما التجربة فالمشاهدة فقد حُكيَ أَن كثيرا من الشرايين داواها فالتحمت وَكَانَ هَذَا شَيْء قد كُنَّا فَرغْنَا مِنْهُ لَكنا نقُول الْآن أَن الْأَعْضَاء تخْتَلف حَال انبعاث الدَّم مِنْهَا فَمِنْهَا غزير انبعاث آلم إِذا انفتق مثل الكبد والرئة وَمِنْهَا قَلِيل انبعاث الدَّم. وَفِي كل وَاحِد من الْقسمَيْنِ مَا هُوَ خطر وَغير خطر مثل انبعاث الدَّم من الرئة وَمن الْأنف فَإِن ابنعاث الدَّم من الرئة خطر وَمن الْأنف غير خطر وَكِلَاهُمَا ينبعث عَنْهُمَا دم كثير. وَمثل انبعاث الدَّم عَن المثانة وَالرحم والكلية فَإِنَّهَا لَا ينبعث عَنْهَا دم كثير جدا جملَة بل رُبمَا كثر بطول الْمدَّة فَأدى إِلَى عَاقِبَة غير محمودة. وَيخْتَلف حَال النزف من الشرايين فَيكون فِي بَعْضهَا صعباً جدا خطراً مثل الشرايين الْكِبَار على الْيَد وَالرجل فَإِن أَمْثَال ذَلِك يقتل فِي الْأَكْثَر فَلَا تحتبس وَفِي بَعْضهَا سهلاً مثل شريان القحف فَإِن حبس نزفها سهل وَيَكْفِي فِيهِ الشد وَحده وَكَثِيرًا مَا يسيل من الشرايين الصغار دم ثمَّ يحتبس من تِلْقَاء نَفسه وَقد تعرف الْفرق بَين دم الشريان وَغَيره أَن دم الشريان يخرج نَزْوًا ضربانياً أرق وأشدَ أرجوانية من غَيره لَيْسَ إِلَى سَواد دم الوريد وقتمته. وَاعْلَم أَن كل من وَقع لَهُ استفراغ وخصوصاً دموي وخصوصاً شرياني فأفرط وَحدث بِهِ تشتج رَدِيء وَكَذَلِكَ إِن حدث بِهِ فوَاق فَهُوَ قَاتل وَإِن كَانَ غشياً مَعَ فوَاق فالموت عَاجل والهذيان واختلاط الْعقل رَدِيء فَإِن قَارن التشنج فَهُوَ قتال فِي الْأَكْثَر. يجب فِي علاج نزف الدَّم أَن تبتدىء فتحبس ثمَّ تعالج. قرحَة إِن كَانَت وَلَا يمكنك أَن تحبس فِيمَا سَببه ثَابت من أكال أَو نَحوه إِلَّا بِأَن يزَال السَّبَب وَإِن كَانَ
(3/219)

الْحَال لَا يُمْهل إِلَى إِزَالَة السَّبَب احْتَاجَ أَن يحبس بحوابسه وَهِي الْأَسْبَاب الَّتِي لَهَا يَنْقَطِع الدَّم السَّائِل وَتلك الْأَسْبَاب مَعْلُومَة من الْكتاب الأول إِلَّا أَنا نذكرها على وَجه الإستظهار فَنَقُول أَن تِلْكَ الْأَسْبَاب إِمَّا أَن تكون صارفة إِلَى جِهَة غير جِهَة ذَلِك الْمخْرج وَإِمَّا أَن تكون مَانِعَة فِي ذَلِك الْمخْرج عَن الْخُرُوج وَإِمَّا أَن تكون جَامِعَة لأمرين من ذَلِك أَو أُمُور. وَالْقسم الأول وَهُوَ الصَّارِف إِلَى جِهَة أُخْرَى إِمَّا أَن يكون بجذب إِلَى الْخلاف من غير اتِّخَاذ مخرج آخر كَمَا تُوضَع المحاجم على الكبد فيرقأ الرعاف من المنخر الْأَيْمن وَإِمَّا بإحداث مخرج آخر كَمَا يفصد المرعوف من الْيَد المحاذية للمنخر فصداً ضيقا. وَأما الحابسة دون الْمخْرج فَتكون بِمَا يمْنَع حَرَكَة الدَّم ونفوذه وَهُوَ: إِمَّا لسَبَب مخثّر وَإِمَّا لسَبَب مخدر. والمخدر إِمَّا دَوَاء وَإِمَّا حَال للبدن كالغشي فَإِنَّهُ كثيرا مَا يحبس الدَّم. وَأما بخشكريشة بكي أَو بدواء كاو وَإِمَّا بجمود علقَة وَإِمَّا بتغرية أَو تجفيف أَو إلحام وَإِمَّا بضغط من اللَّحْم المطيف بالعرق فيسده ويطبقه إطباقاً شَدِيدا. وَيجب أَن تعلم أَنه إِذا صحب الْجراحَة ورم تعذر كثير من هَذِه الْأَعْمَال فَلم يُمكن الرَّبْط بالخيوط وَلَا إِدْخَال الفتائل وَلَا الشد العنيف وَإِنَّمَا يُمكن حِينَئِذٍ اسْتِعْمَال التغرية وَالْقَبْض والتخدير وتخثير الدَّم وَإِن كَانَ علاج من شدّ أَو شقّ أَو تقريب دَوَاء إِذا كَانَ موجعاً فَهُوَ رَدِيء جدا وكل نصبة موجعة فرديئة وَيجب أَن تكون النصبة جَامِعَة لأمرين أَحدهمَا فقدان الوجع وَالْآخر ارْتِفَاع جِهَة مسيل الدَّم فَلَا تُعان بالتدلية وَالتَّعْلِيق فيسهل بروز الدَّم وَخُرُوجه. وَإِذا تمانع الغرضان ميل إِلَى الأوفق بِحَسب الْمُشَاهدَة وَالْأَقْرَب من الإحتمال فِي الْحَال ونحتاج الْآن أَن نذْكر وَجها وَجها بعد أَن تعلم أَن أول مَا يجب أَن يتفقد أَن تعرف هَل الْعرق شريان أَو وريد بالعلامة الْمَذْكُورَة فتحتفل بالشريان وتعتني بِهِ أَكثر مِمَّا تفعل ذَلِك بالوريد ثمَّ نقُول فَأَما الجذب بِالْخِلَافِ لَا إِلَى الْمخْرج فَمن ذَلِك إيلام الْعُضْو بالدلك أَو بالربط. والشد أَو بالمحاجم وَيجب أَن يكون الْعُضْو عضوا مشاركاً مَوْضُوعا من الْموضع المؤف وضعا على طرف خطّ وَاحِد يصل بَينهمَا فِي الطول أَو الْعرض ويختار من الْمُخَالف فِي الْوَضع طولا وعرضاً أَيهمَا كَانَ بَعيدا وَيتْرك مَا كَانَ قَرِيبا مثل مَا يكون فِي جَانِبي الرَّأْس أَو جَانِبي الْيَد فَإِن الْبعد بَينهمَا أقرب مِمَّا يجب أَن يتَوَقَّع مِنْهُ التَّصَرُّف التَّام وَهَذَا شَيْء يحْتَاج أَن يتَذَكَّر مَا قُلْنَاهُ فِيهِ حَيْثُ تكلمنا فِي الْكتاب الأول فِي قوانين الإستفراغ وَيجب أَن يكون الشد والدلك وَنَحْو ذَلِك متأدياً مِمَّا هُوَ أقرب إِلَى الْعُضْو الدامي ثمَّ ينزل عَنهُ. وَيجب أَن لَا يتَوَقَّع فِي فتوق الشرايين وَنَحْوهَا أَن يكون هَذَا الصنع كَافِيا فِي حبس النزف بل مغنياً وَكَذَلِكَ الحكم فِي فصد الْجَانِب المشارك المباعد. وَأما أحد وَجْهي الْقسم الثَّانِي وَهُوَ السَّبَب المخثر فَمثل أَن يطعم من يكثر رعافه أَو غير ذَلِك أغذية غَلِيظَة الكيموس مخثرة للدم كالعدس والعناب وَنَحْو ذَلِك. وَأما الْوَجْه الثَّانِي فَمثل أَن يسقى المخدرات وَالْمَاء الْبَارِد ويعرض الْبدن للبرد وينوم وَرُبمَا نفع الغشي وَحبس النزف. وَأما الْوَجْه الْمَذْكُور للقسم الآخر فَيجب أَن تراعي فِيهِ بَابا وَاحِدًا وَهُوَ أَنه رُبمَا كَانَ
(3/220)

الشريان لَيْسَ إِنَّمَا اتَّصل بِالْقَلْبِ من جَانب وَاحِد من جانبيه حَتَّى إِذا سددته وَحده أمنت بل رُبمَا اتَّصل بالجانب الآخر شُعْبَة من شريان آخر تعترض فِيهِ وَتُؤَدِّي الدَّم إِلَيْهِ من غير الطَّرِيق الَّذِي سددته فَيحْتَاج إِلَى سدين وَقبل ذَلِك فَيجب أَن تعرف الْجِهَة الَّتِي هِيَ المبدأ للعرق فَفِي بعض الْمَوَاضِع يكون من أَسْفَل كَمَا فِي الْعُنُق وَفِي بَعْضهَا من فَوق كَمَا فِي الْفَخْذ وَالرجل فَإِذا حصلت الْجِهَة اسْتعْملت فِيهَا الرَّبْط والشد وَمن التَّدْبِير فِي ذَلِك أَن يتَوَصَّل إِلَى إِخْرَاج الْعرق بصنارة أَو بشق قَلِيل للحم الَّذِي يغطيه ويخفيه ثمَّ تلفه ثمَّ تسْتَعْمل لَهُ الْأَدْوِيَة الَّتِي نذكرها وَإِن كَانَ ضَارِبًا فَالْأولى أَن تعصبه بخيط كتَّان وَكَذَلِكَ إِن كَانَ غير ضَارب إِلَّا أَنه كَبِير لَا يرقأ دَمه فَإِذا فعلت ذَلِك ألزمته الْأَدْوِيَة وَتركت الرَّبْط إِلَى الْيَوْم الثَّالِث وَالرَّابِع وَحِينَئِذٍ فَإِن رَأَيْت المواء المغري لَازِما وَإِن عرض لَهُ تبرء من تِلْقَاء نَفسه عِنْد إزالتك مَا فَوْقه فاضبط بإصبعك مَا دون الْموضع فِي طَرِيق مَجِيء الْعرق واغمزه غماً تأمن من مَعَه توثب الدَّم واقلع مَا قد تَبرأ مِنْهُ وقلق فِي مَوْضِعه وبدله بِغَيْرِهِ وَتَكون نصبتك للعضو فِي ذَلِك الْوَقْت على مَا يَنْبَغِي وَهُوَ أَن تكون الفوهة أَعلَى من المبدأ حَتَّى إِذا كَانَ مثلا فِي أسافل المعي أَو الرَّحِم فرشت فراشا يقل الأسافل وبطأ طَيء الأعالي على أبعد مَا يكون من الوجع ثمَّ اتركه ثَلَاثَة أَيَّام يلْزم هَذِه الوتيرة إِلَى أَن يرقأ الدَّم. وَأما الرَّدْم بالإلقام فَذَلِك إِنَّمَا يُمكن فِي الشريان الْعَظِيم بِأَن تتَّخذ فَتِيلَة من وبر الأرنب أَو نسج العنكبوت أَو رَقِيق الْقطن أَو خرق الْكَتَّان البالية ثمَّ تذر عَلَيْهَا الْأَدْوِيَة المغرية والمانعة للدم وتدسّ فِي نفس الشريان كاللقمة ثمَّ تشد عَلَيْهِ الرِّبَاط وَرُبمَا اسْتعْملت الفتيلة من مثل وبر الأرنب وَحده فكفت الْمُؤْنَة وَيجب أَن تشد شداً لَازِما لَا يُفَارق حَتَّى يلتحم. وَأما الفتيلة فالطبيعة تدبر أمرهَا فِي إخْرَاجهَا قَلِيلا قَلِيلا وَدفعهَا أَو فِي غير ذَلِك. وَأما الرَّدْم بِلَا إلقام فبأن يوضع مثل ذَلِك الشَّيْء فِي الفوهة ويشد عَلَيْهَا من غير إِنْفَاذ لَهُ فِي الْعرق وَأَن تحبس بِمثل الرفائد وخصوصاً الإسفنجية وبالعصابات القوية الشدً والشد الشَّديد بهَا بعكس الشد الَّذِي يكون للجذب فَإِن الشد الأول يجب فِيهِ أَن يكون بِقرب الفوّهة ثمَّ يلفّ ذَاهِبًا إِلَى خلف ويقلل الشد بالتدريج وَهَهُنَا يكون بِالْخِلَافِ. وَاعْلَم أَن شدّ الرفائد والعصائب إِذا كَانَت ضَعِيفَة جَاءَ مِنْهَا مضرَّة الشد وَهُوَ الجذب وَلم تجىء مِنْهَا مَنْفَعَة الشدّ وَهُوَ الْحَبْس والردم فَيجب أَن يتلطف فِي هَذَا الْبَاب فَإِذا شددت شداً جيدا شددت أَيْضا من الْجَانِب الْمُخَالف لتميل الْمَادَّة وتقاوم جذب هَذَا الشدّ وَإِنَّمَا يجب أَن يبلغ بالشد الْمَنْع دون الإيلام اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تحْتَاج إِلَيْهِ أَولا ثمَّ ترخيه قَلِيلا قَلِيلا. وَكَثِيرًا مَا تحْتَاج أَن تخيط الشق من اللَّحْم وتضم شَفَتَيْه وتعصبه وَكَثِيرًا مَا يَكْفِي ضم الشفتين وَوضع رفائد حافظة للضمّ عرفتها ثمَّ شدّ على أدوية تنثر ملحمة. وَمثل الودج إِذا انفتق يجب أَن تضغطه عِنْد ابْتِدَائه بأصابع إِحْدَى الْيَدَيْنِ ثمَّ تلْزمهُ الْأَدْوِيَة والرفائد عِنْد الفوهة بِالْيَدِ الْأُخْرَى.
(3/221)

وَأما الرَّدْم بالعلقة فالعلقة تحصل إِمَّا بشدّ رادم فِي وَجه الفوهة لَا يزَال يمسك حَتَّى يجمد الدَّم فيصيرردماً وَإِمَّا بِشَيْء مبرد جدا يُؤثر فِي الدَّم ويجمد فِي الفوّهة. وَأما الضغط من لحم الْموضع فَمثل أَن يقطع الْعرق عرضا فيتقلّص إِلَى الْجَانِبَيْنِ أول مرّة فينطبق عَلَيْهِ اللَّحْم من الْجَانِب الَّذِي يسيل مِنْهُ وَهَذَا لَا يكون إِلَّا فِي الْموضع اللحيم وَكَثِيرًا مَا يتَّفق أَن يحْتَاج إِلَى قطع شُعْبَة من طرف الْعرق ليَكُون دُخُوله فِي الْغَوْر أَشد ثمَّ تجْعَل عَلَيْهِ الْأَدْوِيَة وَكَثِيرًا مَا يَقع التحام المجرى من غير أم الدَّم. وَأما الشد بالخشكريشة فَيكون بالنَّار نَفسهَا إِذا عظم الْخطب وَيكون بالأدوية الكاوية مثل النورة والزنجار والزاجات والزرانيخ والكمون أَيْضا وَنَحْوهَا فِيمَا هُوَ أَضْعَف إِذا ذرت على الْموضع وَكَذَلِكَ زبد الْبَحْر فكثيراً مَا ينثر على الْموضع ويشد فَيحْبس. لَكِن الْخطر فِي ذَلِك أَن الخشكريشة سريعة الانقلاع من ذَاتهَا وَمن أدنى مقاومة من إحفاز الدَّم وَأدنى سَبَب من الْأَسْبَاب الْأُخَر فَإِذا سَقَطت الخشكريشة عَاد الْخطب جذعاً وَلذَلِك أمروا أَن يكون الكي بالنَّار بحديدة شَدِيدَة الإحماء قَوِيَّة حَتَّى تفعل خشكريشة عميقة غَلِيظَة لَا يسهل سُقُوطهَا أَو تسْقط فِي مُدَّة طَوِيلَة فِي مثلهَا يكون اللَّحْم قد نبت. فَإِن الكي الضَّعِيف يحصل مِنْهُ خشكريشة ضَعِيفَة تسْقط بِأَدْنَى سَبَب وَمَعَ ذَلِك فتجذب مَادَّة كَثِيرَة وتسخن تسخيناً شَدِيدا. وَأما الكي الْقوي فيردم بالخشكريشة القوية ويزيل الفتق ويضمره ويقبضه. وَمن الكاويات الجيدة المعتدلة التَّدْبِير أَن يُؤْخَذ بَيَاض الْبيض ويمع بنورة لم تطفأ ويلوث بِهِ وبر الأرنب أَو نَحوه وَيجْعَل على الْموضع ويشد. وَمن الْجيد الْبَالِغ كثيرا أَن يُؤْخَذ الكمون والنورة وَيجْعَل على الْموضع ويشد وَقد يُزَاد عَلَيْهَا القلقطار والزاجات وَهَذِه الْجُمْلَة ذَوَات فبض مَعَ الكي. والنورة لَهَا كي وَلَيْسَ فِيهَا قبض يعْتد بِهِ والمتولّد من الخشكريشات بكيّ مَا لَهُ قبض أطول ثباتاً وأعمق وعصارة رَوْث الْحمار وجوهر رَوْث الْحمار مِمَّا يجمع إِلَى الكي بالحدّة تغرية. وَأما الْأَدْوِيَة الحابسة بالتغرية فَمثل الجبسين المغسول واللك الْمَطْبُوخ والنشاء وغبار الرحا والصموغ والكندر والريتيانج. وَأَيْضًا زبيب الْعِنَب نَفسه والضفدع من هَذَا الْقَبِيل فِيمَا يُقَال وَأَيْضًا كَوْكَب ساموس. وَأما الْأَدْوِيَة الحابسة بالتجفيف والإلحام فَمثل: الصَّبْر ونشارة الكندر وَمثل عجم الزَّبِيب المدقوق جدا والعفص يدهن وَيحرق فَإِذا تمّ اشتعاله يطفأ والبردي المحرق والريتيانج المقلو وصدأ الْحَدِيد وزبل الْفرس وزبل الْحمار محرقين وَغير محرقين ورماد الْعِظَام ورماد الصدف غير مغسولين فَإِن المغسول من بَاب المغري والإسفنج الْجَدِيد المغموس فِي زَيْت أَو شراب ثمَّ يحرق وَالشعر المحرق. فصل فِي صفة أدوية مركبة من أَصْنَاف شَتَّى قَوِيَّة فِي منع النزف وَمِمَّا ذكر جالينوس وَوَصفه وَصفا جيدا وَجَربه من بعده فَوجدَ كثير النَّفْع أَن يُؤْخَذ
(3/222)

قلقطار عشْرين ودقاق الكندر سِتَّة عشر وصبر وفلفل وعلك يَابِس ثَمَانِيَة ثَمَانِيَة وزرنيخ أَرْبَعَة وجبسين شَدِيد السحق مُهَيَّأ بعد النّخل عشْرين يعالج بِهِ ذروراً على الفتائل ونثراً على الْموضع فَإِنَّهُ عَجِيب. أَو وَيُؤْخَذ عنزروت وصبر ومصطكي وَدم الْأَخَوَيْنِ وَيجْعَل على فَتِيلَة ويشد أَو وَأَيْضًا يُؤْخَذ إسفنج محرق كَمَا ذكرنَا وَآخر محرق يُؤْخَذ سحيقه وخبث الرصاص والتوتيا وَالصَّبْر أُخْرَى أَو يُؤْخَذ كندر وصبر وكبريت أَو يُؤْخَذ كندر وكبريت فيتخذ ذروراً أَو يسْتَعْمل فَتِيلَة ببياض الْبيض أَو يُؤْخَذ من القلقطار عشرُون وَمن الكندر أَو دقاقه ثَمَانِيَة وَمن الريتيانج ثَمَانِيَة وَمن الجبسين المحرق ثَمَانِيَة أَو يُؤْخَذ من القلقطار والنحاس المحرق والقلقديس والزاج المشوي سَوَاء. وَمن الْجيد للنزف الدموي وخصوصاً من الرَّأْس أَن يُؤْخَذ من الصَّبْر جُزْء وَنصف جُزْء أَولهمَا قي الْبدن الجاسي وَثَانِيهمَا فِي الْبدن اللين وَمن نشارة الكندر فِي الجاسي جُزْء وَمن الكندر نَفسه الدسم فِي الْبدن اللين جُزْء ويقتصر عَلَيْهِمَا أَو يَجْعَل مَعَهُمَا دم الْأَخَوَيْنِ والأنزروت ويعجن كل ببياض الْبيض وَيجْعَل على وبر الأرنب أَو يذرّ بِحَسب الْموضع.
(الْمقَالة الثَّالِثَة القروح وأصناف ذَلِك)
فصل فِي كَلَام كلي فِي القروح القروح تتولد عَن الْجِرَاحَات وَعَن الخراجات المتفجرة وَعَن البثور فَإِن تفرق الإتصال فِي اللَّحْم إِذا امْتَدَّ وقاح يُسمى قرحَة وَإِنَّمَا يتقيح بِسَبَب أَن الْغذَاء الَّذِي يتَوَجَّه إِلَيْهِ يَسْتَحِيل إِلَى فَسَاد لضعف الْعُضْو وَلِأَنَّهُ لضَعْفه يتَحَلَّل إِلَيْهِ ويتحلب نَحوه فضول أَعْضَاء تجاوره أَو لمراهم رهلت الْعُضْو ولثقته برطوبتها ودسومتها. وَمَا كَانَ من قبيل الْقَيْح رَقِيقا يُسمى صديداً وَمَا كَانَ غليظاً يُسمى وسخاً وَهُوَ شَيْء خاثر جامد أَبيض أَو إِلَى سَواد وكالدردي. وَإِنَّمَا يتَوَلَّد الصديد من رَقِيق الأخلاط ومائيها أَو حارها ويتولّد الْوَسخ من غليظ الأخلاط. والصديد يكثر توليد الورم والصديد يحْتَاج إِلَى مجفف والوسخ إِلَى جال. والقروح قد تكون ظَاهِرَة وَقد تكون ذَات غور والقروح الَّتِي لَهَا غور لَا تَخْلُو إِمَّا أَن يكون قد صلب اللَّحْم الْمُحِيط بهَا فيسمى ناصوراً وَهُوَ كأنبوبة نَافِذَة فِي الْغَوْر أَو لم يصلب فيسمى مخبأ وكهفاً. وَرُبمَا قَالَ بَعضهم مخبأ لما نفذ تَحت الْجلد وتبرأ مِنْهُ الْجلد وكهفاً لما انعطف تَحت اللَّحْم واتسع فِيهِ قَالَ بَعضهم بل الْوَاسِع كَهْف والضيق العميق ناصور وَلَا مناقشة فِي التَّسْمِيَة. وَإِذا كَانَت الصلابة على قرحَة ظَاهِرَة تسمى قرحَة خزفية والناصور الرَّدِيء هُوَ الَّذِي لَا يحس وبمقدار بعده عَن الحسّ تكون رداءته وَمِنْه مستو وَمِنْه معوج وَمَا أفْضى إِلَى عصب أوجع شَدِيدا وخصوصاً إِذا مسّ أَسْفَله بالميل وَرُبمَا عسر فعل ذَلِك الْعُضْو وَكَانَت رطوبته رُطُوبَة رقيقَة لَطِيفَة كَمَا تكون عَن المفضي إِلَى الْعظم وَإِذا انْتهى إِلَى رِبَاط كَانَ مَا يسيل مِنْهُ قَرِيبا من ذَلِك لَكِن الوجع
(3/223)

فِي العظمي والرباطي رُبمَا لم يعظم ورطوبة مَا يُفْضِي إِلَى الْعظم أرق وأميل إِلَى الصُّفْرَة والمفضي إِلَى الوريد والشريان وَكَثِيرًا مَا يخرج عَنهُ مثل الدردي وَفِي بعض الأحيان يخرج مِنْهُ إِن كَانَ منتهياً إِلَى الوريد دم كثير نقي أَو إِلَى الشريان دم أشقر مَعَ نزف ونزو. والمفضي إِلَى اللَّحْم تسيل مِنْهُ رُطُوبَة لزجة غَلِيظَة كدرة فجّة. وَكَثِيرًا مَا يكون للناصور الْوَاحِد أَفْوَاه كَثِيرَة يشكل أمرهَا فَلَا يعرف هَل الناصور وَاحِد أَو كثير فينصبّ فِي بعض الأفواه رُطُوبَة ذَات صبغ فَإِن كَانَ الناصور وَاحِد أخرج من الأفواه الْأُخْرَى. والقروح تَنْقَسِم صنوفاً من الْأَقْسَام فَيُقَال أَن من القروح مَا هُوَ مؤلم وَمِنْهَا مَا هُوَ عادم للألم وَمِنْهَا متورم وَمِنْهَا عادم للورم وَمِنْهَا نقي وَمِنْهَا غير نقي وَغير النقي إِمَّا لثق أَي فِيهِ خلط كثير ورطوبة غزيرة وَإِن لم تكن رَدِيئَة وَمِنْهَا وسخ وَمِنْهَا صدىء. وَمن القروح متعفن وأضر الْأَشْيَاء بِهِ الْجنُوب ورطوبة الْهَوَاء مَعَ حرارته وَمِنْهَا متآكل وَمِنْهَا ساع وَمِنْهَا رهل إِمَّا بَارِد وَإِمَّا حَار والرهلة من القروح مُوجبَة لإِسْقَاط الشّعْر عَمَّا يَليهَا. وَقد تكون من القروح رشاحة يرشح مِنْهَا صديد أصفر حَار وَرُبمَا سَالَ مِنْهَا مَاء حارٍ محرق لما حولهَا وَهُوَ رَدِيء مهلك وَمِنْهَا عسرة الِانْدِمَال والمتعفن غير المتآكل وَإِن كَانَا جَمِيعًا ساعيين وَرُبمَا كَانَ أكال يَأْكُل مَا يتَّصل بِهِ بحدته من غير عفونة وَلَا حمى الْبَتَّةَ لَكِن السَّاعِي العفن تكْثر مَعَه الْحمى أَو لَا تُفَارِقهُ. وجالينوس يُسَمِّي أَمْثَال النَّار الفارسية والنملة الساعية قروحاً متآكلة ويعد القرحة المتعفنة مركبة من قرحَة وَمن مرض عفن وَلكُل وَاحِد مِنْهَا حَال. والقروح الصلبة الآخذة نَحْو الإخضرار والاسوداد رَدِيئَة والقروح الْبَارِدَة رهلة بيض وتستريح إِلَى الْأَدْوِيَة المسخنة والحارة إِلَى حمرَة وتستريح إِلَى الْبرد. والقروح الرَّديئَة إِذا صحبها لون من الْبدن رَدِيء كأبيض رصاصي أَو أصفر فَذَلِك دليك على فَسَاد مزاج الكبد وَفَسَاد الدَّم الَّذِي يَجِيء إِلَى القرحة فيعسر الِانْدِمَال. والقروح الَّتِي أرْضهَا حارة وَمَعَهَا حكة ففضلها حريف وَالَّتِي أُصُولهَا عريضة بيض قَليلَة الحكة فمزاجها بَارِد. والقروح المتولدة عقيب الْأَمْرَاض رَدِيئَة لِأَن الطبيعة تدفع إِلَيْهَا بَاقِي فَسَاد الفضلات والقروح الناثرة للشعر عَمَّا يَليهَا رَدِيئَة. وَقيل فِي كتاب عَلَامَات الْمَوْت السَّرِيع إِذا كَانَ بالإنسان أورام وقروح لينَة فَذهب عقله مَاتَ. والقروح الخبيثة قد يكون سَببهَا جِرَاحَة تصادف فضولاً خبيثة من الْبدن أَو تدبيراً مُفْسِدا وَقد تكون تَابِعَة لبثور رَدِيئَة فَيكون عَنْهَا تسرعها إِلَى التقرح بعد التبثر. وَيدل على خبث القرحة تعفنها وسيها وإفسادها مَا حولهَا وعسر برئها فِي نَفسهَا مَعَ صَوَاب العلاج لَهَا. وَأفضل الدَّلَائِل الدَّالَّة على سَلامَة القروح والجراحات فِي عواقبها الْمدَّة كَانَ بدواء مفتّح أَو من فعل الطبيعة فَإِن ذَلِك فعل الطبيعة على المجرى الطبيعي وَلنْ تتولد الْمدَّة إِلَّا عَن نضج طيعي وَلَا يصحبها مَكْرُوه من أَعْرَاض القروح الرَّديئَة وخصوصاً الْمدَّة المحمودة الْبَيْضَاء الملساء المستوية الَّتِي نَالَتْ تَمام النضج وَلَا يصحبها نَتن وَلَا عفونة فِيهَا وَرُبمَا لم تخل عَن نَتن قَلِيل فَإِن الْمدَّة تحدث بتعاون من حرارة غريزية وَأُخْرَى غَرِيبَة وَقد قُلْنَا فِي الْمدَّة فِي مَوضِع آخر. وَأما القرحة الَّتِي تحدث للتشنج والقرحة المتعفنة والسرطانية والخيرونية والمتآكلة وَمَا يجْرِي مجْراهَا فَلَا تتولّد مِنْهَا مُدَّة بل إِذا
(3/224)

ظهر فِي القرحة مدّة وورم فَإِنَّهُ عَلامَة خير لَيْسَ يخَاف مَعَه التشنج واختلاط الْعقل وَنَحْوه وَإِن كَانَ فِي مَوضِع يُوجب ذَلِك مثل الْأَعْضَاء الخلفية والقدامية إِلَّا أَن يكون الْأَمر عَظِيما مجاوزاً للحدّ فَإِن غَابَ الورم دفْعَة وغار وَلم يتَحَلَّل بقيح أَو نَحوه ثمَّ كَانَ مجاوراً للأعضاء العصبية كالقروح الظهرية فَإِنَّهَا فِي جوَار الصلب والنخاع والقروح الَّتِي تقع فِي مقدم الْفَخْذ وَالركبَة فَإِنَّهَا أَيْضا على العضل العصبية الَّتِي فِيهَا آل الْأَمر إِلَى التشنّج واختلاط الْعقل أَيْضا. وَإِن وَقع فِي الْأَعْضَاء العرقية وأكثرها فِي مقدّم تنور الْبدن خيف إِمَّا إسهال دم إِن وَقع فِي النّصْف الْأَسْفَل من التَّنور وَكَذَلِكَ قد يخَاف مِنْهُ اخْتِلَاط الْعقل أَو خيف أَن تقع ذَات الْجنب فِي التقتح من بعده أَو فِي نفث الدَّم إِن وَقع فِي النّصْف الْأَعْلَى مِنْهُ. وَقد علمت معنى التقيّح فِي الصَّدْر من الْكتاب الثَّالِث وَقد يخَاف فِيهِ أَيْضا اخْتِلَاط الْعقل. وَمن العلامات الجيدة للقروح أَن ينْبت حواليها الشّعْر الْمُنْتَشِر. وَأَقْبل الْأَبدَان لعلاج القروح أحْسنهَا مزاجاً وأقلها رُطُوبَة فضلية مَعَ وجود الدَّم الْجيد فِيهَا وَأما كثير الرُّطُوبَة أَو اليبس فَهُوَ بطيء الْقبُول للعلاج فِي القروح على أَن الرطب كالصبيان أقبل من النَّاس كالمشايخ وخصوصاً إِذا كَانَ المزاج الْأَصْلِيّ يَابسا عديم الدَّم النقي والعرضي رطبا مترهّلاً كَمَا فِي الْمَشَايِخ وخصوصاً إِذا كَانَ المزاج الْأَصْلِيّ يَابسا عديم الدَّم النقي والعرضي رطبا مترهلاً كَمَا فِي الْمَشَايِخ أَيْضا وَلذَلِك صَار المستسقون يعسر علاج قروحهم والحبالى أَيْضا لاحتباس فضولهن لامتساك حيضهن. وَأما الْمَشَايِخ فَلَا تَبرأ قروحهم لذَلِك ولسبب قلَّة لحمهم الْجيد وَرُبمَا برأَ الْقرح ثمَّ انْتقض لِأَنَّهُ إِنَّمَا نبت فِيهِ اللَّحْم قبل التنقية فَلَمَّا احْتبسَ فِيهِ فضل غير نقي وَجب من ذَلِك أَن يفْسد الإتصال الْحَادِث ثَانِيًا وَقد توهم النواصير برءاً ويعرض لَهَا حَال جفاف وإمساك تقنع النَّفس بِأَنَّهَا برْء لِأَن حَالهَا تِلْكَ تشبه الْبُرْء كَمَا نذكرهُ ثمَّ. ينْتَقض لأدنى حَرَكَة واهتزاز وسعال وصدمة وَسُوء اضطجاع وَغير ذَلِك. والقروح الَّتِي ينْبت فِيهَا اللَّحْم بَعْضهَا ينْبت فِيهَا لحم زَائِد وَبَعضهَا لَا ينْبت فِيهَا ذَلِك وَأُخْرَى مَا ينْبت فِيهِ مِنْهَا لحم زَائِد هُوَ مَا يستعجل بإنبات اللَّحْم فِيهَا قبل التنقية وَأُخْرَى مَا لَا ينْبت فِيهَا ذَلِك اللَّحْم إِلَّا بعد التنقية. وَإِذا طَالَتْ الْمدَّة بالقرحة وتأكلت وَذهب من جوهرها شَيْء كثير فَلَا يتَوَقَّع اندمالها إِلَّا على غور وخصوصاً إِذا كَانَت قديمَة بقيت مُدَّة سنة وَنَحْوهَا أَو كَانَت متخزفة وَأخذ مِنْهَا المتخزف أَعنِي الناصور. والقديمة لَا بُد من أَن يخرج عظم من الْعظم الَّذِي يجاورها. والقروح السوداوية لَا برْء لَهَا إِلَّا أَن يُؤْخَذ عَنْهَا جَمِيع فَسَادهَا إِلَى اللَّحْم أَو الْعظم الصَّحِيحَيْنِ. والأسباب الَّتِي إِذا عرضت فَسَمت القروح هِيَ: ضعف الْعُضْو فَتقبل كل مَادَّة ورداءة مزاج الْعُضْو ورداءة مَا يَأْتِيهِ من الدَّم إِمَّا فِي كيفيته وَإِمَّا فِي كميته. أما فِي كيفيته فأكثره لرداءة مزاج الكبد وَيكون اللَّوْن فِيهِ إِلَى بَيَاض رصاصي أَو صفرَة أَو لرداءة مزاج الطحال فَيكون اللَّوْن إِلَى سَواد وتنميش فَتكون مَعَه رداءة جَمِيع الأخلاط فِي الْبدن وَمثل هَذَا مَعَ أَنه لَا يُسْتَفَاد مِنْهُ مَا يَسْتَحِيل لَحْمًا فقد يتَضَرَّر بِهِ لما يَسْتَحِيل إِلَيْهِ من الوضر أَو فِي كميته بِأَن يزِيد أَو ينقص فَلَا يُوجد مَا ينْبت مِنْهُ لحم القرحة وَتَكون القرحة صَافِيَة نقية تبادر إِلَى خشكريشة لَا تفلح إِلَى أَن تملأ إِن كَانَ الْبدن نقياً قَلِيل الدَّم أَو
(3/225)

للتخرق الَّذِي يعرض لحائطه وحافاته أَو لاتساع الْعُرُوق الَّتِي تَأتيه أَو لفساد مَا يَليهَا من الْعِظَام أَو لفسادها الْآخِذ نَحْو الكمودة والخضرة والسواد أَو لعضو رَدِيء المزاج يجاوره. والقروح الصعبة العلاج كالمستديرة وَنَحْوهَا قاتلة للصبيان لِأَن الصّبيان لَا يحْتَملُونَ شدّة إيجاعها وَلَا عسر علاجها وصعوبته. فصل فِي قانون علاج القروح إعلم أَن كل القروح محتاجة إِلَى التجفيف مَا خلا الْكَائِن من رض العضل وفسخها فَإِن هَذِه تحْتَاج أَولا أَن ترخى وترطّب وَمَعَ مَا تحْتَاج القروح فِي غَالب الْأَحْوَال إِلَى التجفيف فقد تحْتَاج إِلَى أَحْوَال أُخْرَى من التنقية والجلاء وَغير ذَلِك لأحوال تلْحق القروح غير نفس القروح وَكلما كَانَت القرحة أعظم وأغور احْتَاجَت إِلَى تجفيف أَشد وَإِلَى جمع لشفتيها أَشد استقصاء وَرُبمَا احْتَاجَت إِلَى خياطَة وَاعْتبر من أَحْوَال الْحَاجة إِلَى الِاسْتِقْصَاء فِي ذَلِك وَنَحْوه مَا قُلْنَاهُ فِي بَاب الخراجات. وَاعْلَم أَن القروح رُبمَا احْتَاجَت فِي علاجها إِلَى اسْتِعْمَال أدوية سيالة نَافِذَة منزرقة غائصة وَحِينَئِذٍ لَا بُد من أَن تكون مراهم أَو نَحْوهَا فَيجب حِينَئِذٍ أَن تكون رطبَة الظَّاهِر يابسة الْبَاطِن وخصوصاً الناصورية فَإِنَّهَا يجب أَن تكون يبوسة جوهرها فِي الْقُوَّة تغلب رُطُوبَة جرمها شَدِيدا وَقد تحْتَاج إِلَى أَن تخلط أدويتها بِمَا يسيل أَيْضا لسَبَب آخر وَهُوَ لتصير لزجة لَازِقَة فَاعْلَم ذَلِك أَيْضا فِيهَا. وَاعْلَم أَن القروح تحْتَاج إِلَى الرباطات والشد لوجوه ثَلَاثَة: أَحدهَا: لإسالة الوضر فَيجب أَن تكون قُوَّة شدّها عِنْد آخر القرحة وأرخى شدها عِنْد الفوّهة ليحسن عصرها وَالثَّانِي: لحفظ الدَّوَاء الملحم والمنبت للحم على القرحة وَلَيْسَ تحْتَاج إِلَى شدّ شَدِيد وَالثَّالِث: لإلحام الشفتين. وَيجب أَن لَا يكون الشدّ فِيهِ رخواً عِنْد الشفتين بل ضاماً ضماً صَالحا وَلَا يجب أَن تبلغ بالربط من الإيلام مبلغا يورم وَيَنْبَغِي أَن يكون معينا يمْنَع الورم فَلَا يمكنك مَعَ الورم أَن تعالج القرحة فَإِن لم يمكنك أَن يمْنَع وَظهر ورم فاشتغل بالورم وعلاجه أَي ورم كَانَ مَعَ مُرَاعَاة لنَفس القرحة إِلَى أَن تفرغ من علاج الورم فتخلص مُرَاعَاة القرحة وَكَذَلِكَ إِذا فسد مَا حوالي القرحة فاخضر أَو اسود عَالَجت ذَلِك بِالشّرطِ وَإِخْرَاج الدَّم وَلَو بالمحجمة ثمَّ تلْزمهُ إسفنجة يابسة ثمَّ أدوية مجففة. وَإِذا تفرغت القرحة أَو وجدت القرحة ساذجة فَيجب أَن تتأمل أول شَيْء هَل ينصب إِلَى القرحة من الْبدن شَيْء أَو لَيْسَ ينصب بل قد انْقَطع فَإِن كَانَ لَيْسَ ينصب إِلَيْهَا شَيْء قصدتها بالمداواة نَفسهَا وَإِن كَانَ ينصب إِلَيْهَا شَيْء فاشتغل بِمَنْع مَا ينصب إِلَيْهَا بِمثل فصد أَو إسهال أَو قيء فَإِن الْقَيْء قد ينفع أَيْضا فِي ذَلِك وَقد شهد بِهِ بقراط. وَإِذا كَانَ فِي القروح شظايا عِظَام أَو أغشية أَو غير ذَلِك فَلَا تستعجل فِي جذبها وَلَكِن إعمل مَا قُلْنَاهُ فِي بَاب الْعِظَام وَأول مَا يجب أَن تدبره من أَمر القرحة هُوَ التقييح بأدويته ثمَّ التنقية بأدويتها ثمَّ إنبات اللَّحْم والإدمال. وَإِن وجدت القرحة نقية مستوية لَا غور لَهَا فادمل فَقَط بِمَا لَا لذع لَهُ. وَأما الوضرة فَلَا بُد فِيهَا من جالٍ لاذع وَفِي أول مَا تعالج تحْتَاج إِلَى الألذع لِأَن الْحس لَا يحسّ بِهِ ثمَّ تتدرج إِلَى مَا هُوَ أخف لذعاً إِلَى أَن يحين وَقت إنبات اللَّحْم. وَاتَّقِ فِي جَمِيع ذَلِك أَن توجع مَا
(3/226)

أمكنك وخصوصاً إِذا كَانَت هُنَاكَ حرارة والتهاب وَيجب أَن تميط الْأَسْبَاب الْمَانِعَة من الإندمال وَفِي الْأَسْبَاب الَّتِي عددناها وَذكرنَا أَنَّهَا تميل بالقرحة إِلَى الرداءة فَإنَّك إِن لم تعالجها أَولا لم تتفرغّ لعلاج القروح كَمَا يَنْبَغِي بل لم يمكنك. وَكَثِيرًا مَا أصلح مزاج الْعُضْو فَكفى فِي إصْلَاح القرحة وَكَثِيرًا مَا تكون القرحة رهلةَ ينْبت عَلَيْهَا لحم رَدِيء وَيكون هُوَ فِي نَفسه إِلَى حمرَة وسخونة فيعالج بأطليةِ مبردة للحم المطيف بهَا مثل: عصارة عِنَب الثَّعْلَب بالطين الأرمني والخل والأطلية الصندلية والكافورية مبردة بالثلج فَلَا يزَال يندمل الْجرْح ويضيق. والقروح الوجعة الشَّدِيدَة الوجع يجب أَن تشتغل فِيهَا أَولا بتسكين الوجع وَذَلِكَ بالمرخيات الَّتِي تعرفها لَا محَالة وَإِن كَانَت مضادة للقروح لأَنا إِن لم نسكّن الوجع لم يتهيأ لنا أَن نعالج فَإِذا سكناهُ تداركنا. والقروح الوضرة تحتاح إِلَى أَن تنقى وَهِي الَّتِي تتكون رطوباتها وَمَا يسيل مِنْهَا وَرُبمَا نُقيت بِغسْل وَرُبمَا نقيت بالذرورات والمراهم وَإِذا لم تنق لم يُمكن أَن يلاقيها الدَّوَاء خَالِصا إِلَى جرمها وخصوصاً الذرائر فَيجب أَن تنقّى ثمَّ ينْبت اللَّحْم والمنقى فِيهِ جلاء أَكثر والمنبت للحم جلاؤه كَمَا علمت قَلِيل وَرُبمَا نبت لحم رَدِيء واحتيج إِلَى أَن يُؤْكَل بدواء حاد ويطلى من خَارج بالمبردات ثمَّ يقْلع بِمَا يقْلع بِهِ الخشكريشة ثمَّ يعالج وَهَذَا أَيْضا طَرِيق علاجنا لنواصير فَإنَّا نحتاج أَن نقلع خزفها ثمَّ تعالج. والدواء الْوَاحِد يكون بِحَسب بعض الْأَبدَان منبتاً للحم وَيكون بِحَسب بَعْضهَا أكالاً شَدِيد الْجلاء إِذا كَانَ ذَلِك الْبدن لينًا جدا وبحسب بَعْضهَا غير جال وَلَا منبت وَلذَلِك يحْتَاج الدَّوَاء فِي بدن إِلَى أَن يقوى إِمَّا بتكثير وَزنه أَو تقليل دهنه أَو بِإِضَافَة دَوَاء آخر إِلَيْهِ فِيهِ تجفيف وجلاء وَفِي بدن آخر يكون بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ أكالاً إِلَى أَن ينقص من وَزنه أَو يزِيد دهنه أَو تضيف إِلَيْهِ بعض القوابض. وَأولى القروح بِأَن يُقَوي دواؤه مَا عسر اندماله وَمن الْوَاجِب أَن تتْرك الدَّوَاء على القرحة ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ تحل فَإِنَّهَا إِذا عولجت لم تفعل فعلهَا. وَيجب أَن تبعد الدّهن عَن القروح فَإِن كَانَ وَلَا بدّ فدهن الخروع ودهن الآس ودهن المصطكي. وَإِن لم يكن لَك إِلَّا القرحة فَيجب أَن ترفق بالحاس من الْأَعْضَاء الحاملة لَهَا ونحذّر من إيجاعها بالدواء الْقوي. وَأما البليد الحسّ فَلَا تتَوَقَّف فِيهِ عَن وَاجِب العلاج وَالْبَاطِن والشريف الخطير الْكثير النَّفْع وَالْقَاتِل للآفات سَرِيعا من بَاب الحاس وَحكمه حكمه وأضدادها من بَاب غير الحاس أَو ضعيفه. ولمثل هَذَا السَّبَب لَا تحْتَمل القروح الْبَاطِنَة مثل الزنجار وَنَحْوه وخصوصاً الَّتِي تشرب وتحتاج إِلَى مغريات أَكثر مثل الكثيراء والصمغ وَالَّتِي يحقن بهَا تحْتَاج إِلَى مَا هُوَ بَين الْأَمريْنِ وَمن الصَّوَاب فِي علاج القروح أَن تسكّن أعضاؤها وَلَا تحرّك وَلِأَن تتحرك فِي أول الْأَمر حَرَكَة رَفِيقَة أقل مضرَّة من أَن تتحرك بعد الأول حركات عنيفة وخصوصاً فِي بدن رَدِيء الأخلاط. وَيجب أَن تتوقى فِي القروح أَن يَقع من تجاورها التحام بَين عضوين متجاورين مثل اللصق الَّذِي يَقع بَين الجفن وَالْعين وَبَين الجفنين وَبَين الإصبعين والكهوف والمخابي سريعة الاستحالة إِلَى النواصير والقروح الْمُجَاورَة للشرايين والأوردة الْكِبَار تُؤدِّي إِلَى ورم مَا يجاورها من اللَّحْم الرخو كالأربيتين والإبط وَخلف الْأُذُنَيْنِ
(3/227)

كَمَا يُؤَدِّي الجرب وَنَحْوه مِمَّا ذَكرْنَاهُ لتِلْك الْعلَّة بِعَينهَا وخصوصاً إِذا أَن الْبدن رديئاً مملوءاً فضولاً وَحِينَئِذٍ يشتدّ الوجع ويتأدى إِلَى القرحة فَيجب أَن تعالج ذَلِك بتنقية الْبدن وَبِمَا قيل فِي بَابه وَمَا لم ينق الورم لَا يُرْجَى علاجه ونحتاج فِي مثل هَذَا إِلَى أَن نحوط القرحة من الْأَذَى بالباسليقون وَنَحْوه إِن كَانَ الْبدن نقياً ونجعل بَينهَا وَبَين الْعُضْو حاجزاً مَانِعا عَن تأدي الْأَذَى إِلَى القرحة فِي كل حَال. يجب أَن تسمع وَصِيَّة جَامِعَة وَهُوَ أَنه من الْوَاجِب أَن يكون مَا تعالج بِهِ القرحة إِمَّا مُوَافقا أَو غير مُوَافق والموافق إِن لم ينفع فِي الْحَال فَلَا تصحبه مضرَّة والغير مُوَافق إِمَّا أَن يكون مُخَالفَته لِأَنَّهُ أَضْعَف وتدل عَلَيْهِ زِيَادَة مَا هُوَ ضد المتوقع مِنْهُ من تجفيف أَو تنقية أَو غير ذَلِك من غير فَسَاد آخر فَيجب أَن يُزَاد فِي قوته. وإمّا أَن تكون مُخَالفَته لوجوه أُخْرَى مثل أَن يسخن فَوق مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَيحدث حمرَة والتهاباً فَيحْتَاج أَن تنقص من قوته ويطفأ من التهابه فِي الْوَقْت بمرهم مبرد أَو تميل بِهِ إِلَى سَواد وكمودة فتعلم أَنه يبرده أَو لَيْسَ يسخنه الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فَيحْتَاج أَن تزيد فِي قُوَّة سخونته أَو ترهله فتحتاج أَن تزيد فِي قُوَّة القوابض والمجففات كالجلنار والعفص وَنَحْوه أَو يجفف فَيجب أَن تتدارك تجفيفه بِمَا نذْكر لَك أَو يَأْكُلهُ ويغوره كَمَا نبين فنحتاج أَن تكسر قُوَّة جلائه. وَكَثِيرًا مَا لَا يُوَافق الدَّوَاء لِأَن مزاج العليل مفرط فِي بَاب مَا فتحتاج أَن يكون الدَّوَاء قَوِيا فِي ضد ذَلِك الْبَاب حَتَّى يُعِيدهُ إِلَى مزاجه أَو ضَعِيفا فِي بَاب مُوَافَقَته. فصل فِي علاج القروح الصديدية تحْتَاج أَن تسْتَعْمل فِيهَا الْأَدْوِيَة المجفّفة لتنقي الصديد ثمَّ تشتغل بإنبات اللَّحْم إِن كَانَت رهلة وَاسْتعْمل عَلَيْهَا أدوية الإنبات غورتها وعفنتها لضعف أجسام تِلْكَ القروح بل يجب أَن يجفف أَولا ثمَّ يسْتَعْمل وَإِذا اسْتعْملت الدَّوَاء فَلم تَجِد الرُّطُوبَة تنقص أَو رَأَيْتهَا ازدادت فَاعْلَم أَن الدَّوَاء بِحَسب ذَلِك الْبدن لَيْسَ بمجفف فزد فِي تقويته وتجفيفه وأعنه بالجلاء الْيَسِير كالعسل مثلا وبأدوية قباضة مثل الجلنار والشب وقلل من قُوَّة الدّهن واجعله دهناً فِيهِ تجفيف. وَإِن رَأَيْت القرحة قد أفرطت أَيْضا فِي الْجَفَاف فانقص من القوى كفها أَعنِي التجفيف والجلاء وَالْقَبْض واحفظ هَذِه الْوَصِيَّة فِي الْأَدْوِيَة المنبتة للحم فِي القروح وَلَا تغلط بِشَيْء وَاحِد وَهُوَ أَن يكون الدَّوَاء أجلى مِمَّا يَنْبَغِي فيأكل الْعُضْو ويحيل لحميته إِلَى رُطُوبَة سَائِلَة تحسبها صديداً فتزيد فِي قُوَّة الْجلاء وَمثل هَذَا الدَّوَاء يَجْعَل القرحة أغور وأسخن وأشبه بالمتورم وتتخزف الشّفة ويحس العليل بلذع ظَاهر وَاعْلَم أَن الْأَدْوِيَة المجففة للقروح مِنْهَا مَا هِيَ شَدِيدَة التبريد كالبنج والأفيون وأصل اللقَاح وَمِنْهَا مَا هِيَ شَدِيدَة التسخين مثل الريتيانج والزفت فَيكون لَك أَن تعْمل أَحدهمَا بِالْآخرِ وبحسب مُقَابلَة مزاج بمزاج من الأمزجة الْجُزْئِيَّة والأدوية المنقية للصديد هِيَ الْأَدْوِيَة المجففة مثل الشب والعفص وقشور الرُّمَّان وقشار الكند والمرداسنج ودقيق الشّعير وسويقه وشقائق النُّعْمَان وورق شجر البعوض. وَإِذا ضمد بورق الْجَوْز الطري وَجوزهُ وضمد بِهِ كَمَا هُوَ أَو مطبوخاً بشراب نفع جدّاً ونشف الرطوبات بِغَيْر أَذَى.
(3/228)

وَهَذِه صفة مرهم جيد أَن يُؤْخَذ المرداسنج فيسقى تَارَة بالخل وَتارَة بالزيت حَتَّى يبيض ثمَّ يُؤْخَذ من الْكحل والروسختج وَالْعُرُوق والعفص والجلّنار وَدم الْأَخَوَيْنِ والشب وأقليميا الْفضة أَجزَاء سَوَاء يدقّ ويسحق جيدا وَيكون من كل وَاحِد مِنْهَا سدس مَا أَعدَدْت من المرداسنج فتخلط الْجَمِيع وَيسْتَعْمل وتستعمل أَيْضا أدوية ذَكرنَاهَا فِي القراباذين. وَكَثِيرًا مَا يحْتَاج إِلَى غسل الصديد بالسيالات كَمَا نذكرها فِي القروح الغائرة وَمِنْهَا مَاء الْبَحْر. وَأما مَاء الشب فَيغسل ويردع ويجفف وَجَمِيع هَذِه الْأَدْوِيَة الْمَذْكُورَة الْآن تضر إِن كَانَ مَعَ القرحة ورم وَالْمَاء الْمَطْبُوخ فِيهِ السعد فَهُوَ جيد التجفيف وطبيخ الهليلج والأملج وطبيخ الأزادرخت فصل فِي علاج القروح الوسخة يجب أَن تسْتَعْمل فِيهَا الْأَدْوِيَة الجالية وتبتدىء من الأول بِمَا هُوَ أقوى وألذع على مَا قُلْنَا فِي القانون ثمَّ تدرج إِلَى مثل الشيطرج والزراوند مَعَ عسل وَقَلِيل خل. وَأَيْضًا علك البطم بِمثلِهِ دهن ورد أَو سمن وَأَيْضًا أصل السوسن مَعَ عسل وَأَيْضًا دَقِيق الكرسنة وحشيشة الجاوشير. وَمن المركبات: المرهم الْهِنْدِيّ والمراهم الْخضر كلّها الزنجارية البسيطة والمخلوطة بالأشق وَنَحْوه والمراهم القيسورية والمراهم المتخذة بدقيق الكرسنّة ومرهم الْملح والقرص الْأسود والقرص الْأَخْضَر وَالْمَعْرُوف بقرموجانيس وَمن الْأَدْوِيَة: الْجَفَاف يُؤْخَذ دردي الزَّيْت وَعسل وشب أَجزَاء سَوَاء أَو يُؤْخَذ أسفيذاج وجعدة سَوَاء وَإِذا اشْتَدَّ التوسخ نفع الفراسيون مَعَ الْعَسَل. وَمن الأضمدة الجيدة: الزَّيْتُون المملح وَقد تقع الْحَاجة هَهُنَا أَيْضا إِلَى اسْتِعْمَال مَا يغسل بِهِ من السيالات على مَا نقُول فِي بَاب الغائرة وَكلهَا تضرّ إِن كَانَ ورم. فِي علاج الكهوف والقروح الغائرة والمخابي هَذِه تحْتَاج فِي علاجها إِلَى أَن تملأها لَحْمًا وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا مَعَ غزارة الْغذَاء وَالدَّم وَيحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى أدوية التجفيف والتنقية جَمِيعًا وَيجب أَن يكون وَضعهَا وضعا لَا يحتبس فِيهَا الصديد بل يسيل فَإِن وجدت هَذَا الْموضع اتِّفَاقًا فِيهِ أصل الْقرح من الْعُضْو إِلَى فَوق وفوّهاتها إِلَى أَسْفَل فَذَلِك وَإِن كَانَ بِخِلَاف ذَلِك وَكَانَ يُمكن الْإِنْسَان أَن يغتر وضع القعر بِمَا يتكلفه من النصبة الْغَيْر الطبيعية فعل وَإِن لم يُمكنهُ لم يكن بُد من شقّ القرحة إِلَى أَصْلهَا شقّاً مستقصياً لَا يبقي كهفاً أَو من إِحْدَاث مسيل ومنفذ فِي أَصْلهَا غير فوّهتها إحداثاً بِعَمَل الْيَد. ويتأمّل فِي ذَلِك حَال الْعُضْو وَهل يحدث بِهِ خطر من ذَلِك فَإِذا فعلت ذَلِك شددت القرحة بالرباط مبتدئاً من الفوهة منتهياً إِلَى الأَصْل الَّذِي كشفت عَنهُ وَفِي الأول بِخِلَاف ذَلِك. وَتجْعَل أشدّ الشد فِي الْجِهَة الْعَالِيَة فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَلَا يجب أَن تبلغ بالرباط الإيلام ثمَّ الإيرام وَإِذا لم يمكنك الشق اشتغلت بِالْغسْلِ وَإِدْخَال الفتائل المنبتة المنقية الَّتِي لَا تبطل تنقيتها إنباتها القوّة لأمرين فِيهَا. وَقد جرّبنا نَحن مرهم الرُّسُل فَكَانَ جيدا بَالغا منجحاً بالمداواة والقنطوريون إِذا حشي مِنْهُ عَجِيب جدا ثمَّ سومفوطون ثمَّ الإيرسا ثمَّ دَقِيق
(3/229)

الكرسنة. والمخابي إِذا لم تتدارك لم يلتصق الْجلد فِيهَا التصاقاً جيدا وَلَكِن يُمكن أَن تجفف الْجلد ليلزم لُزُوما يشبه الصَّحِيح. والقروح الغائرة والكهوف والمخابي لَا تنقّيها الْأَدْوِيَة تنقية بَالِغَة وَلَا ينْبت فِيهَا اللَّحْم إِلَّا أَن تجْعَل سيالات غسالة يزرق فِيهَا بزراقات أَو يمس بفتائل وخصوصاً إِذا لم يُمكن شكلها شكلاً يَكْفِي فِي تنقيتها النصبة وَالْعصر من الرِّبَاط على مَا بَينا وَالْغسْل من الغسالات وخصوصاً ممزوجاً بِالشرابِ وَمَاء الرماد غسال قوي لَا يحْتَملهُ قَلِيل الوضر من القروح وَمَاء الْبَحْر قريب من ذَلِك فَإِنَّهُ يغسلهُ ويجفف وَالْمَاء الشبي غسال وَمَعَ ذَلِك مَانع لما يتحلّب إِلَى الْعُضْو فَإِذا كَانَ ورم لم يصلح شَيْء من ذَلِك وَلَا الشَّرَاب. وَهَذِه القروح يجب أَن تُوضَع عَلَيْهَا فَوق الْأَدْوِيَة فِي رباطاتها خرق ملطوخة بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْعُضْو فِي صَلَاح مزاجه وَيحْتَاج إِلَيْهِ فِي مقاومة المراهم الَّتِي تسْتَعْمل دَاخِلا لتَكون على فَم القرحة خرقَة أُخْرَى مطلية بِمَا يجب من الدَّوَاء وَالدَّلِيل على أَنَّهَا التصقت قلَّة مَا يسيل وطمأنينة الأسافل وَرُبمَا انعصر عَنْهَا بالربط وقوّة الدَّوَاء رطوبات كَثِيرَة دفْعَة ثمَّ جفّت والتصقت. فصل فِي علاج دود القروح من الْأَشْيَاء النافعة لَهُ عصارة الفودنج النَّهْرِي وأدوية ذَكرنَاهَا فِي بَاب الْأذن فِي الْكتاب الثَّالِث. فصل فِي إنبات اللَّحْم فِي القروح يجب أَن لَا ينْبت اللَّحْم حَتَّى ينقى ويجذب إِلَيْهَا الْغذَاء إِن قل فَلم يصل إِلَيْهَا فَإِذا نقيت فَبعد كل لذاع وجلاء بقوّة كَيفَ كَانَت القروح وَأَيْنَ كَانَت وَيجب أَن تراعي فِي اسْتِعْمَال الْأَدْوِيَة المنبتة للحم الْوَصَايَا الْمَذْكُورَة من تعهد مَا يظْهر من فضل رُطُوبَة فِيهَا أَو فضل جفاف فتعمل مَا قُلْنَاهُ فِي بَاب القروح الصديدية لَيْسَ من حَيْثُ يبْقى الْقرح رطبا أَو يصير جافاً شَدِيد الْجَفَاف بل من حَيْثُ اللَّحْم الَّذِي ينْبت إِذا كَانَ شَدِيد الرُّطُوبَة أَو قَلِيلا جافاً. وَمِمَّا يقلّل تجفيفه تسييله وَالزِّيَادَة فِي دهنه وشمعه إِن كَانَ مرهماً وممّا يزِيد فِي تجفيفه أَن يغلظ ويخثر ويقلل دهانته وتكثر الْأَدْوِيَة فِيهِ أَو يُزَاد فِيهَا مثل الْعَسَل وإنبات اللَّحْم بالمراهم أوفق وَأَبْطَأ وبالذرورات أعْسر وأسرع وَرُبمَا صلبت اللَّحْم فَيكون من الصَّوَاب أَن تنثر الذرور وتحدقه بالمراهم وَالشرَاب وخصوصاً الْقَابِض لدواء جيّد لجَمِيع القروح بِمَا يغسل وينقي ويجفف وَيُقَوِّي. وَقد ذكرنَا الْأَدْوِيَة المنبتة فِي بَاب الْجِرَاحَات وبالحري أَن نذْكر من خِيَارهَا هَهُنَا شَيْئا وَهُوَ أولى بِهَذَا الْموضع وَهُوَ الْكحل المحرق والأنزروت وغراء السّمك والحلزون المسحوق وتوبال الشابرقان والأبار المحرق والوج والبرنجاسف واللوف والسعد وخصوصاً للوضر والجعدة قَوِيَّة جدا والقنطريون غَايَة والزجاج المحرق عَجِيب فِي تجفيفها وإدمالها. فصل فِي علاج القروح المتآكلة غير المتعفنة القانون الْكُلِّي فِي علاج المتآكلة والخبيثة أَن تنقي الْبدن أَو الْعُضْو
(3/230)

إِن كَانَ الْبدن نقياً بحجامته وإرسال العلق عَلَيْهِ وتبدل مزاجه بالأطلية وإصطلاح الْغذَاء من غير تَأْخِير وَلَا مدافعة فَإِن المدافعة فِي ذَلِك مِمَّا يزِيد فِي رداءتها وَرُبمَا أحْوج سعي التآكل إِلَى قطع الْعُضْو وينفع المتآكلة الَّتِي لَا عفونة مَعهَا التنطيل بِالْمَاءِ الْبَارِد وَمَاء الآس وَمَاء الْورْد وَمَاء عَصا الرَّاعِي وَالشرَاب الْقَابِض إِن لم تكن حرارة والخل الممزوج بِمَاء ورد أَو مَاء ساذج كثير إِن كَانَت حرارة وَنَحْو ذَلِك من الْمِيَاه المبردة المجففة. وَإِن كَانَ هُنَاكَ عفونة فبماء الْبَحْر وَغير ذَلِك مِمَّا سنقوله فِي بَاب المتعفنة ثمَّ إِن أَجود علاجها اسْتِعْمَال القوابض المجففة المبردة مثل قشور الرُّمَّان والعدس وورق المصطكي وبزر الْورْد والشوكة المصرية وَحب الآس نطولات فِيهَا هَذِه الْأَدْوِيَة ويقوى أَمْثَال هَذِه بطعم من شب ونخوة أَو سكنجبين أَو قرع يَابِس محرق أَو لِسَان الْحمل مَعَ سويق أَو ورق الزَّيْتُون الطري. فصل فِي علاج القروح المتعفنة والرديئة هَذِه القروح الرَّديئَة أصل علاجها تنقية الْبدن أَو الْعُضْو نَفسه أَو كَانَ الْبدن نقياً بِمَا تنقيه وَحده من الْحجامَة والعلق والأطلية الْمصلحَة للمزاج على مَا ذَكرْنَاهُ مرَارًا وتجويد الْغذَاء وَلَا يجب أَن تتوانى فِي علاجها فَإِن عتقهَا يزِيد شرّها وَيجب أَن يمْنَع عَنْهَا الأورام الحارّة وَمِمَّا يسكنهَا البنج مَعَ السويق. وأمثال هَذِه القروح أَيْضا إِذا أفرطت فِي الْفساد رُبمَا أحوجت إِلَى الاستئصال بالكي بالنَّار أَو بالدواء الحاد أَو بِالْقطعِ كي لَا يبْقى إِلَّا اللَّحْم الصَّحِيح الْمَعْرُوف بجودة دَمه ولونه والعظم الصَّحِيح الْأَبْيَض النقي. والدواء الحاد يَأْخُذ جَمِيع الخزف ويخرجه ويتدارك إيلامه بالسمن تُوضَع عَلَيْهِ وضعا بعد وضع فَهَذِهِ وَإِن لم تكن نواصير وَلَا متخزفة فَهِيَ رَدِيئَة خبيثة وَرُبمَا أحوجت إِلَى قطع الْعُضْو ليسلم من عفونته. والتنطيلات الَّتِي تصلح لَهَا هِيَ بِمثل مَاء الْبَحْر والمياه الْمَذْكُورَة فِي بَاب النواصير وَهَذِه القروح وَغَيرهَا يجب إِذا اسْتعْمل عَلَيْهَا الْأَدْوِيَة أَن تتْرك أَيَّامًا وَلَا تحل والأدوية الَّتِي يجب أَن تسْتَعْمل فِي هَذِه هِيَ مثل دَقِيق الكرسنة مَعَ شَيْء من شبّ أَو لحم السّمك المالح وبزر الْكَتَّان مسحوقاً بقلقديس أَو حاشا بزبيب أَو تين أَو ورق شجر التِّين أَو نطرون وكمون ودقيق مَعَ عسل أَو أضمدة بصل الفار مطبوخاً بِعَسَل أَو الكرنب بِعَسَل أَو قرع يَابِس محرق وورق الزَّيْتُون الطري. صفة دَوَاء مركّب: يُؤْخَذ راوند وعصارة ورق الخروع جُزْءا جُزْءا زنجار نصف جُزْء تتَّخذ مِنْهُ لطوخ بِالْمَاءِ فِي قوام الْعَسَل وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى تقويته بعصارة قثّاء الْحمار والسوري وَتجْعَل عَلَيْهِ خرق يابسة وَأَيْضًا زراوند وعفص وزيت سَوَاء تتّخذ ملطوخ للقرحة وحولها أَو نورة وقلقطار جُزْء جُزْء زرنيخ نصف جُزْء. وَأَيْضًا السوري اثْنَي عشر القلقطار عشرَة زاج أَرْبَعَة تتَّخذ مِنْهُ لطوخ بِأَن تطبخ فِي خل ثَقِيف نصف قوطولي حَتَّى يذهب الخلّ ثمَّ يُؤْخَذ مِنْهُ بمرْوَد ويلطخ بِهِ القروح. وَأَيْضًا: يُؤْخَذ من القلقطار والزاج من كل وَاحِد عشرُون جُزْءا قشور الْحَدِيد سِتَّة عشرجزءاً عفص غيرمثقوب ثَمَانِيَة.
(3/231)

وَأَيْضًا: يُؤْخَذ ملح جُزْء شب محرق وقشور النّحاس وقيسور محرق نصف جُزْء نصف جُزْء. مرهم جيد: يُؤْخَذ عنزروت وروسختج وعفص وزنجار وزراوند يجمع بِشَيْء من العلك لتَكون لَهُ لدونة وعلوكة وَيسْتَعْمل بعد تنظيف القرحة. دَوَاء غَايَة مجرب: يُؤْخَذ زاج أَحْمَر أَرْبَعَة وَعشْرين نورة حَيَّة سِتَّة عشر شب سِتَّة عشر قشور الرُّمَّان سِتَّة عشر كندر وعفص من كل وَاحِد إثنين وَثَلَاثِينَ شمع مائَة وَعشْرين زَيْت عَتيق قوطرلي. آخر جيد: يُؤْخَذ رصاص محرق كبريت نُحَاس محرق إسفيذاج الرصاص كندر مرداسنج مر أقليميا أشق جاوشير مصطكي قدر دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ شَحم كلي الْبَقر ريتيانج علك الأنباط دهن الآس شمع ثَلَاثَة ثَلَاثَة يذوب مَا يذوب فِي الْخلّ مِقْدَار مَا يعجن بِهِ مَا لَا يذوب وَمَا يسحق وَيجمع ويعجن. دَوَاء منجع جمعه جالينوس وَغَيره: يُؤْخَذ توبال النّحاس أُوقِيَّة زنجار محكوك أُوقِيَّة شمع نصف رَطْل صمغة لاركس أُوقِيَّة وَنصف يتَّخذ مِنْهُ مرهم على رسمه فِي ذوب مَا يذوب وسحق مَا ينسحق وَيُزَاد الشمع وَينْقص بِقدر الْحَاجة وَاسْتَحَبُّوا أَن يخلط بِهِ ذيقروجاس وَتكلم عَلَيْهِ جالينوس كلَاما طَويلا وَإِذا كَانَت هَذِه القروح على مثل الذّكر اسْتعْملت فِيهَا دَوَاء القرطاس المحرق دَوَاء أنزرون وقرع يَابِس محرق أَو صوف وسخ محرق أَو رماد ورق السرو أَو ورق الدلب. فصل فِي علاج الْعسرَة الإندمال والخيرونية إعلم أَن القروح الَّتِي هِيَ عسرة الإندمال مُطلقًا غير المتآكلة وَغير المتعفنة كَمَا يكون الْعَام غير الْخَاص فَإِنَّهُمَا ساعيتان فَهَذِهِ قد لَا يكون مَعهَا سعي وتقف على حَالهَا مُدَّة وَهَذِه غير النواصيِر أَيْضا لِأَنَّهَا لَا يجب أَن تكون متخزفة. وَبِالْجُمْلَةِ المتآكلة والمتعفنة والنواصير من جملَة الْعسرَة الإندمال من غير عكس. وَأما الخيروتية فَهِيَ الْغَايَة فِي الْفساد وَفِي الْبعد عَن الإندمال والقانون فِي علاج هَذِه القروح أَنه إِن كَانَ السَّبَب رداءة مزاج فَأصْلح أَو رداءة فَاجْعَلْ الْغذَاء مَا يُولد دَمًا جيدا مضاداً لذَلِك أَو قلته فكثره ويوسع فِي الْغذَاء الْجيد وَإِن كَانَ السَّبَب ترهلاً وتوسخاً نعالج علاج الرهل وَمن الْجيد فِي ذَلِك أَن تعرقه بِمَاء حَار إِلَى أَن يعرق الْعُضْو ويحمر وينتفخ ثمَّ تمسك وَلَا تجَاوز ذَلِك الْقدر فَإنَّك تجذب بِهِ مَادَّة كَثِيرَة وَآفَة عَظِيمَة إِلَى الْعُضْو وَاجعَل الدَّوَاء من بعد ذَلِك أقل تجفيفاً وَرُبمَا نفع وضع خرقَة مبلولة بِالْمَاءِ الفاتر وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى حك للقرحة وإدماء ودلك. لعضوها وَاسْتِعْمَال المراهم الجاذبة الزفتية. وَإِن كَانَ السَّبَب رداءة حَال عرضت لما يُحِيط بهَا من اللَّحْم عولج بِمَا عَرفته من الشَّرْط وَإِخْرَاج الدَّم والتدارك بالمجففات وَإِن كَانَ السَّبَب دالية تسقى فاقطعها وسَيل دَمهَا أَو سلها فكثيراً مَا أراح ذَلِك وَلَكِن إِن كَانَ امتلاء
(3/232)

فابدأ بالفصد واستفرغ خلطاً سوداوياً إِن كَانَ ثمَّ تعرض للدالية وسيل مِنْهَا من الدَّم مَا أمكنك لِئَلَّا يعرض من تعرضك للدالية مَا هُوَ شَرّ من القرحة الأولى ثمَّ عالج الْجراحَة الَّتِي عرضت من الدالية ثمَّ القرحة الْعسرَة الإندمال وَإِن كَانَ السَّبَب ضعف الْعُضْو وَذَلِكَ بِسَبَب سوء مزاج لَا كَيفَ اتّفق بل سوء مزاج مفرط بعيد عَن الِاعْتِدَال الَّذِي بِحَسبِهِ من حر وَبرد وَمَا يتبع الأمزجة من تخلخل مفرط أَو تكاثف شَدِيد وَالْأول فِي الْأَكْثَر يتبع الْحَرَارَة والرطوبة أَو الرُّطُوبَة وَالثَّانِي الْبُرُودَة واليبوسة أَو اليبوسة فَيجب أَن تعالج الْمُوجب بالضد أَو مَا يُوجب الضِّدّ وَكَثِيرًا مَا يكون السَّبَب عَن الْحَرَارَة الجذابة للمادة والمرسلة إِيَّاهَا وَيحْتَاج فِي علاجه إِلَى المبرّدة القابضة. وَإِن كَانَ السَّبَب ناصوراً فعالج علاج النواصير وَإِن كَانَ السَّبَب فَسَاد الْعظم الَّذِي يَليهَا شرّحنا وكشفنا عَن الْعظم فَإِن كَانَ يُمكن إِزَالَة مَا عَلَيْهِ بالحك فعلنَا الحك واستقصينا وَإِلَّا قَطعنَا وَفعلنَا مَا نشرحه فِي بَاب فَسَاد الْعظم. قَالَ جالينوس: كَانَ غُلَام بِهِ ناصور فِي صَدره قد بلغ إِلَى الْعظم الَّذِي فِي وسط قصه فكشفنا عَن عظم القص جَمِيع مَا يُحِيط بِهِ فوجدناه قد أَصَابَهُ فَسَاد فاضطررنا إِلَى قطعه وَكَانَ الْموضع الْفَاسِد مِنْهُ هُوَ الْموضع الَّذِي عَلَيْهِ مُسْتَقر علاقَة الْقلب فَلَمَّا رَأينَا ذَلِك ترفقنا ترفقاً شَدِيدا فِي انتزاع الْعظم الْفَاسِد وَكَانَت عنايتنا باستبقاء الغشاء المغشي لَهُ من دَاخل وَحفظه على سَلَامَته وَكَانَ مَا اتَّصل من هَذَا الغشاء بالقصّ قد عفن أَيْضا. قَالَ: وَكُنَّا نَنْظُر إِلَى الْقلب نظرا بَينا مثل مَا نرَاهُ إِذا كشفنا عَنهُ بالتعقد فِي التشريح قَالَ فسَلِم ذَلِك الْغُلَام وَنبت اللَّحْم فِي ذَلِك الْموضع الَّذِي قطعناه من القص حَتَّى امْتَلَأَ واتصل بعضه بِبَعْض وَصَارَ يقوم من ستر الْقلب وتغطيته بِمثل مَا كَانَ يقوم بِهِ قبل ذَلِك رَأس الغلاف للقلب. قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بأعظم من الْجِرَاحَات الَّتِي ينتقب فِيهَا الصَّدْر هَذَا وَيَقُول أَنه إِذا أعتقت القروح وقدمت فَمن الصَّوَاب أَن يسيل مِنْهَا بالمحمرة دم على مَا يَلِيق بهَا وَأما الْأَدْوِيَة الْمعدة لعسر الِانْدِمَال فِي غَالب الْأَحْوَال فَمثل توبال النّحاس والزنجار المحرق وَغير المحرق وتوبال الشابورقان وتوبال سَائِر الْحَدِيد ولزاق الذَّهَب يتَّخذ مِنْهَا قيروطات والقلقطار والزاج وَمَا يشبهها مَعَ أَشْيَاء مَانِعَة للتحلب إِلَى الْعُضْو إِن كَانَ مثل الش والعفص. وَمِمَّا يعالج بِهِ الْعسرَة الإندمال: يُؤْخَذ من الاقليميا وَمن غراء الذَّهَب وَمن الشبّ ثَمَانِيَة ثَمَانِيَة زنجار وقشور النّحاس وَاحِدًا وَاحِدًا صمغ السرو أَرْبَعَة شمع ودهن كَمَا تعلم. وَأَيْضًا: يُؤْخَذ من الشمع عشرَة وَمن صمغ الصنوبر تِسْعَة وَمن الإقليميا ثَلَاثَة وَمن القلقطار سِتَّة وَمن دهن الآس الْكِفَايَة. وَأَيْضًا يربّى القلقطار والإقليميا بِمَاء الْبَحْر أَو مَاء الحصرم أَو مَاء مطبوخ فِيهِ القلي والنورة طبخاً يَسِيرا بِحَسب المزاج تربية جَيِّدَة فِي الشَّمْس ثمَّ يصفى عَنهُ من غير أَن يتملح عَنهُ مَاء الْبَحْر أَو مَاء القلي. وَأَيْضًا: يُؤْخَذ نُحَاس محرق وريتيانج وملح أندراني من كل وَاحِد أوقيتان شمع ودهن الآس مِقْدَار الْكِفَايَة وينفع مِنْهَا الْأَدْوِيَة الناصورية إِذا جففت ودققت وَمِنْهَا: دَقِيق الكرسنة والإيرسا والزراوند المحرق والنحاس المحرق وتراب الكندر على اخْتِلَاف مَا يسْتَحقّهُ كل بدن من التَّرْكِيب.
(3/233)

دَوَاء جيد: يُؤْخَذ برادة النّحاس وبرادة الْحَدِيد ويعجن بِمَاء شب ويطيق بالطين الْأَحْمَر وَيحرق فِي التَّنور ثمَّ يخرج ويسحق وَيسْتَعْمل ذروراً أَو يتَّخذ مِنْهُ وَمن المرداسنج مرهم. صفة مرهم ذهبي جيد: يُؤْخَذ من المرداسنج الذَّهَبِيّ منا وَمن الشمع وأصل المازريون سِتَّة وَثَلَاثُونَ مِثْقَالا وَمن الزنجار ثَمَانِيَة عشر مِثْقَالا برادة الذَّهَب المسحوقة بالحكمة برائحة المرداسنج أَرْبَعِينَ مِثْقَالا دهن عَتيق ثَلَاثَة أَرْطَال يَجْعَل عَلَيْهِ أَولا المرداسنج وَالذَّهَب والزنجار ثمَّ سَائِر الْأَدْوِيَة. وَأَيْضًا يُؤْخَذ حرق التنانير ورماد الودع ورصاص محرق مغسول يتَّخذ مِنْهُ مرهم بدهن الآس وَلَا بُد من أَن يكون ذَلِك الدّهن قُوَّم بمرداسنج. وَصفَة ذَلِك أَن يُؤْخَذ من المرداسنج مثلا أُوقِيَّة وَمن الْخلّ الحاذق جدا ثَلَاثَة أَمْثَاله وَمن الزَّيْت أَو دهن الآس أَو أَي دهن كَانَ أوقيتان يحرق بالرفق حَتَّى ينحلّ المرداسنج فِيهَا ويخثر وَلَا يَحْتَرِق. وللخيرونية مِنْهَا قشور النّحاس زنجار نورة مغسولة بِلَا استقصاء يتَّخذ من ذرور أَو شبّ مسحوق ذروراً أَو