Advertisement

إيجاز البيان عن معاني القرآن 001



الكتاب: إيجاز البيان عن معاني القرآن
المؤلف: محمود بن أبى الحسن بن الحسين النيسابوري أبو القاسم، نجم الدين (المتوفى: نحو 550هـ)
المحقق: الدكتور حنيف بن حسن القاسمي
الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت
الطبعة: الأولى - 1415 هـ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] المجلد الاول

المدخل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، وأنزل عليه: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
أحمده سبحانه أن خصّنا بالقرآن العظيم والنّور المبين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، علّم القرآن، وجعله معجزة خاتم أنبيائه باقية ما بقي الزمان.
وأشهد أنّ سيّدنا محمدا عبد الله ورسوله، المؤيد بهذا القرآن صلّى الله عليه وسلّم، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما دائما إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن العلماء قد عنوا بالقرآن عناية بالغة من جميع جوانبه، فمنهم من عني بحل ألفاظه وبيان معانيه وأحكامه، ومنهم من عني بمعرفة ناسخه ومنسوخه، وخاصه وعامه، ومنهم من كتب في أسباب نزوله، ومنهم من عني بذكر بلاغته وإعجازه ... وكتبوا في ذلك الكثير مما يعجز القلم عن حصره.
ولما كانت علوم القرآن أشرف العلوم وأفضلها، ودراسته والعكوف على أسراره ومعانيه تعطي المسلم ذخيرة تنفعه في عاجله وآجله، فإنني وجهت اهتمامي إلى دراسة وتحقيق كتاب «إيجاز البيان عن معاني القرآن» للشّيخ العلامة بيان الحق محمود بن أبي الحسن النيسابوري رحمه الله تعالى.
(1/5)

ذلك أن المؤلف قد أودع في كتابه هذا خلاصة ما صنّف في التفسير ومعاني القرآن.
وذكر «1» - رحمه الله- أن كتابه هذا على رغم صغر حجمه قد اشتمل على أكثر من عشرة آلاف فائدة: من تفسير وتأويل، ودليل ونظائر وإعراب وأسباب نزول، وأحكام فقه، ونوادر لغات، وغرائب أحاديث.
وقال: فمن أراد الحفظ والتحصيل، وكان راجعا إلى أدب وتمييز فلا مزيد له على هذا الكتاب.
وقد التزم المؤلف- رحمه الله- بالمنهج الذي ذكره في مقدمته، وأورد الفوائد التي أشار إليها.
ولا شك أن دراسة مثل هذا الكتاب تعطي الباحث حصيلة علمية جيدة في العلوم التي يعتمد عليها التفسير، ويحتاج إليها المفسر، مثل علم اللغة والقراءات، والإعراب ... وغيرها.
وقد جاء كتاب إيجاز البيان للنيسابوري بعد عشرات الكتب التي صنّفت في معاني القرآن «2» .
وقد كانت كتب المعاني القديمة تخلط بين المعنى والإعراب لكن الغالب عليها ذكر الإعراب ووجوه القراءات واللغة.
ولعل من أقدم وأشهر هذه الكتب: معاني القرآن لأبي زكريا يحيى بن
__________
(1) إيجاز البيان: 55.
(2) ينظر الفهرست لابن النديم: 37، وكشف الظنون: (2/ 1730) ، ومعجم مصنفات القرآن الكريم: (4/ 209- 220) .
وفي أوائل الذين صنفوا في المعاني يقول الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد:
12/ 405 بعد أن ذكر كتاب أبي عبيد في معاني القرآن: «وذلك أن أول من صنف في ذلك من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنى، ثم قطرب بن المستنير، ثم الأخفش.
وصنف من الكوفيين الكسائي، ثم الفراء، فجمع أبو عبيد من كتبهم، وجاء فيه بالآثار وأسانيدها ... » .
(1/6)

زياد الفرّاء الإمام اللغوي النحوي المشهور، المتوفى سنة 207 هـ «1» .
وقد عني الفرّاء في معاني القرآن عناية ظاهرة بإعراب الآيات، وتوجيه القراءات، وذكر الشواهد الشّعرية ... وغير ذلك» .
وصنّف في معاني القرآن- أيضا- سعيد بن مسعدة المجاشعي المعروف ب «الأخفش الأوسط» المتوفى 215 هـ «3» ، صنف «معاني القرآن» استجابة لطلب الكسائي.
ويغلب على كتاب الأخفش الجانب النّحوي، ويعتبر مصنّفه كتابا في إعراب القرآن، كما يعنى فيه بشرح الألفاظ الغربية، وذكر الشواهد الشعرية «4» .
كما صنف في معاني القرآن أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج المتوفى سنة 311 هـ.
ويهتم الزجاج في هذا الكتاب «5» - بجانب إعراب الآيات وتوجيه القراءات- بذكر أسباب النزول، والاستشهاد بالأحاديث والآثار.
ثم جاء أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس المتوفى سنة 338 هـ- وهو تلميذ أبي إسحاق الزجاج- فصنف كتابا في معاني
__________
(1) ترجمته في طبقات النحويين للزبيدي: 131، وإنباه الرواة: 4/ 1، وبغية الوعاة:
2/ 333.
(2) طبع كتابه بالهيئة المصرية العامة للكتاب في ثلاثة أجزاء، وقد اشترك في تحقيقه الأساتذة: أحمد يوسف نجاتي، ومحمد علي النجار، وعبد الفتاح شلبي. (3) وقيل: إن وفاته كانت سنة 207 هـ، أو 210 هـ، أو 221 هـ، أو 225 هـ.
ينظر مقدمة الدكتور عبد الأمير لمعاني الأخفش: 1/ 11.
(4) طبع معاني القرآن للأخفش بتحقيق الدكتور عبد الأمير محمد أمين الورد، ونشرته دار عالم الكتب في بيروت عام 1405 هـ.
وحققه- أيضا- الدكتور فائز فارس، ونشرت هذه الطبعة في الكويت عام 1400 هـ، وطبع بتحقيق الدكتورة هدى محمود قراعة، ونشرته مكتبة الخانجي بالقاهرة عام 1411 هـ.
(5) طبع هذا الكتاب بتحقيق الدكتور عبد الجليل عبده شلبي، ويقع في خمسة أجزاء.
(1/7)

القرآن، أفاد من كتب المتقدمين في هذا الفن، وخاصة شيخه الزجاج، وضمّن كتابه كثيرا من الأحاديث والآثار، كما اهتم فيه بذكر الأقوال المختلفة في معنى الآية، والترجيح بين تلك الأقوال في بعض الأحيان «1» .
أما كتاب «إيجاز البيان عن معاني القرآن» لبيان الحق النيسابوري- وهو موضوع هذه الدراسة- فسيأتي الحديث عنه مفصلا في مبحث مستقل.
هذا وقد اقتضت طبيعة البحث أن أقسمه إلى قسمين رئيسين:
قسم الدراسة، وقسم التحقيق.
أما قسم الدراسة فيتكون من مقدمة وفصلين:
المقدمة: وفيها ذكر الباعث على اختيار هذا الكتاب وخطة البحث فيه.
الفصل الأول: يشتمل على دراسة عصر المؤلف وحياته الشخصية، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: عصر النيسابوري.
المبحث الثاني: حياة المؤلف، وفيه المطالب الآتية:
المطلب الأول: اسمه، نسبه، أصله، كنيته، لقبه.
المطلب الثاني: موطنه، مولده، وأسرته.
المطلب الثالث: نشأته العلمية.
المطلب الرابع: آثاره العلمية.
المطلب الخامس: وفاته.
الفصل الثاني: في التعريف بكتاب إيجاز البيان ودراسته، وفيه مبحثان:
__________
(1) طبع معاني القرآن للنحاس بتحقيق الشيخ محمد علي الصابوني، ونشره معهد البحوث العلمية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة في ستة أجزاء.
والنسخة الخطية التي اعتمدت في هذه الطبعة مخرومة وناقصة، حيث سقط جزء منها من سورة البقرة، وسقطت- أيضا- سورتا طه، والأنبياء، وتنتهي هذه الطبعة بنهاية سورة الفتح.
(1/8)

المبحث الأول: دراسة كتاب إيجاز البيان، وفيه المطالب الآتية:
المطلب الأول: الباعث على تأليفه.
المطلب الثاني: منهج المؤلف في هذا الكتاب.
المطلب الثالث: مصادره.
المطلب الرابع: قيمة الكتاب العلمية.
المطلب الخامس: فيما يؤخذ عليه.
المبحث الثاني: عملي في التحقيق، ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: عنوان الكتاب والتحقيق فيه.
المطلب الثاني: توثيق نسبته إلى المؤلف.
المطلب الثالث: وصف النسخ الخطية.
المطلب الرابع: منهج التحقيق.
أما القسم الثاني: فتضمّن النّصّ المحقّق تتبعه الفهارس العامة.
وفي هذا المقام أجد لزاما عليّ أن أجدد شكري وأكرره إلى كل من كان له إسهام في هذا العمل العلمي، لوالديّ الكريمين، ولأهل بيتي الذين وفّروا لي الاستقرار الذهني والنفسي حتى انتهيت إلى هذه المرحلة، ولأساتذتي الأفاضل، وزملائي الكرام، الذين كان لهم عظيم الأثر في التوجيه والإرشاد والإفادة وفي مقدمة هؤلاء أستاذي المفضال الدكتور/ أحمد بن الشّيخ محمد نور سيف المهيري، الذي لم يبخل عليّ بوقته وعلمه، بل أشرف وتابع خطوات هذا العمل، منذ كان فكرة، وحتى صارعملا علميا من ثمار جهده وتوجيهاته السديدة.
كما يسعدني أن أتقدم بالشكر والتقدير إلى: الشريف الدكتور/ منصور بن عون العبدلي، وسمو الأمير الأخ الدكتور/ محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، والأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن إسماعيل، والأخ الدكتور/ عابد يشار، على رعايتهم للباحث وبحثه، وتقديم كل عون علمي
(1/9)

له، وكذلك أذكر وأشكر كلّا من الأستاذين الفاضلين: الأستاذ الدكتور/ محمد أحمد القاسم، والأستاذ الدكتور/ عبد الباسط إبراهيم على تفضلهما بالاشتراك في مناقشة الرسالة وإثرائها بالحوار الخصيب، والملاحظات البناءة.
وإنني إذ أثني على الجميع، فإنما أسأل المولى سبحانه وتعالى، أن يبارك هذا الجهد، وأن ينفع به: زادا فكريا وثقافيا يشارك به عربيّ مسلم في مسيرة العلم، والفكر المستنير، والثقافة النقية، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
د. حنيف بن حسن القاسمي مدينة العين في التاسع والعشرين من جمادى الأولى 1415 هـ 3/ 11/ 1994 م
(1/10)

المقدمة

الفصل الأول عصر النيسابوري وحياته الشخصية

المبحث الأول: عصره:
لم تسعفني المصادر التي- وقفت عليها- والتي ترجمت لبيان الحق النيسابوري بكثير من الأخبار عن حياته، فلم تذكر شيئا عن زمن مولده أو وفاته، ولم أقف على تحديد للفترة التي عاش فيها.
ومن المرجح أن يكون النيسابوري من علماء القرن السادس الهجري، وأن وفاته كانت بعد سنة 553 هـ.
فقد ذكر إسماعيل باشا «1» أن النيسابوري فرغ من تأليف كتابه «إيجاز البيان عن معاني القرآن» ب «الخجند» «2» سنة 553 هـ.
ويبدو أنه وقف على نسخة من الكتاب المذكور ورد فيه هذه الفائدة لأنه ذكر جميع ما أشار إليه النيسابوري من مصنفاته، أو ربما اطلع على نص من المتقدمين على ذلك. فإن هذا الأمر لا يدرك إلا بدليل أو تنصيص.
وفي القرن السادس الهجري كانت الدولة العباسية تمر بمرحلة من أضعف مراحلها وتنتظر أفولها وانهيارها، حتى إنه لم يبق من الخلافة إلا اسمها.
__________
(1) هدية العارفين: 2/ 403.
(2) بضم الخاء المعجمة، وفتح الجيم، وسكون النون: مدينة بما وراء النهر على شاطئ سيحون، وهي أول مدن فرغانة من الغرب.
معجم البلدان: 2/ 347، وبلدان الخلافة الشرقية: 522.
(1/11)

وتشتت الدولة العباسية الكبيرة إلى دويلات متناثرة هنا وهنالك، فالفاطمية (358- 567 هـ) ، والأيوبية (567- 648 هـ) في مصر، ودولة خوارزم «1» (470- 628 هـ) ، والمرابطية في المغرب العربي (448- 541 هـ) .
ومن أهم الأحداث التي وقعت في هذا العصر سقوط نيسابور في يد غير المسلمين، وكذلك «مرو» و «سرخس» . وقتل في نيسابور عدد كبير من الأهالي بينهم طائفة من العلماء الذين عرفوا بزهدهم وورعهم «2» .
كما شهد أواخر القرن الخامس الهجري ومطلع القرن السادس صراعات بين أفراد الأسرة السلجوقية التي كانت تحكم البلاد فعليا في ظل الخلافة العباسية الشكلية «3» ، وقد كانت تلك الصراعات دموية ومؤسفة في كثير من الأحيان، وأدت في نهاية الأمر إلى ضعف الدولة السلجوقية السنية، وكان هذا الضعف سببا مباشرا للهجمات الصليبية على البلاد الإسلامية، وانقسمت الدولة السلجوقية العظيمة إلى دويلات الأتابكة التي حكمت البلاد بعد ذلك «4» .
والأتابك- في الأصل- كانوا قوادا وأمراء للسلاطين السلاجقة، تولوا بعض الأقاليم التابعة للدولة السلجوقية، ثم انفردوا بحكم تلك الأقاليم عقب
__________
(1) نسبة إلى مدينة خوارزم، وقد امتد حكم هذه الدولة من خراسان إلى ما وراء النهر.
ينظر تاريخ الإسلام للدكتور حسن إبراهيم: (4/ 95، 96) .
(2) الكامل لابن الأثير: (11/ 87، 88) ، والبداية والنهاية: 12/ 248، وتاريخ الإسلام: 4/ 58.
(3) ينتسب السلاجقة إلى سلجوق (بفتح السين) ، أحد رؤساء الأتراك، وكانوا يسكنون بلاد ما وراء النهر في مكان قريب من بخارى، وكان عدد السلاجقة- كما يقول ابن خلكان- يجل عن الحصر والإحصاء، ظلوا في الحكم أكثر من مائة عام (447- 552 هـ) ، وإلى السلاجقة يرجع الفضل في تجديد قوة الإسلام وإعادة تكوين وحدته السياسية.
ينظر الموسوعة العربية الميسرة: 1/ 993، وتاريخ الإسلام: 4/ 1.
(4) تاريخ الإسلام: 4/ 62. [.....]
(1/12)

الضعف الذي دب في بلاط السلطنة «1» .
وقد شهد هذا القرن أعظم انتصار حققه المسلمون على الصليبيين، وذلك بدخول صلاح الدين الأيوبي- رحمه الله تعالى- بيت المقدس عام 583 هـ بعد احتلال دام أكثر من ثمانين عاما «2» .
وتعاقب على الخلافة العباسية- الصورية- في القرن السادس الهجري والسابع الهجري سبعة خلفاءهم:
1- المستظهر بالله بن المقتدي (487- 512 هـ) .
2- المسترشد بالله بن المستظهر (512- 529 هـ) .
3- المنصور الراشد بالله بن المسترشد (529- 530 هـ) .
4- المقتفي لأمر الله بن المستظهر (530- 555 هـ) .
5- المستنجد بالله بن المقتفي (555- 566 هـ) .
6- المستضيء بأمر الله بن المستنجد (566- 575 هـ) .
7- الناصر الدين الله بن المستضيء (575- 622 هـ) .
أما المجتمع الإسلامي في ذلك العصر فقد كان يتكون من عدة أجناس ففي المشرق كان أبرز تلك الأجناس الجنس العربي، والتركي، والفارسي.
وفي المغرب الإسلامي والأندلس كان العرب والبربر والمولدون «3» وكانت الدولة تضم- بجانب المسلمين- أقليات دينية كاليهود والنصارى، حيث كانت الحرية مكفولة لهم في ممارسة شعائرهم الدينية، وتقلد بعضهم مناصب عليا في الدولة.
كما ظهرت بعض الفرق الباطنية كانوا محسوبين على المسلمين،
__________
(1) تاريخ الإسلام: 4/ 62.
(2) الكامل لابن الأثير: 11/ 546، والبداية والنهاية: (12/ 341- 344) ، وتاريخ الإسلام: 4/ 110.
(3) هم أعقاب الأسبان الذين أسلموا بعد الفتح الإسلامي للأندلس.
ينظر نهاية الأندلس: 70.
(1/13)

فكانت الفاطمية في مصر لها حكم ونفوذ واستمرت دولتهم أكثر من مائتي عام.
كما كان هناك الدروز والإسماعيلية في بلاد الشام وفارس «1» .
ولا شك أن الوضع السياسي المضطرب في ذلك العصر قد أثر سلبا على حياة الناس من حيث الاستقرار والأمان، والمحافظة على قواعد الشريعة والأخلاق.
وتأثر المجتمع العباسي خصوصا، والمجتمعات الإسلامية على وجه العموم بالخلافات السياسية، وبضعف السلطة الحاكمة، حيث إن الحكام مشغولون بالصراع على الحكم، وبتسيير الجيوش لقتال بعضهم بعضا، منصرفين عن الاهتمام برعاية مصالح العباد وتدبير شؤونهم الدينية والدنيوية.
ونتيجة لذلك انتشر الفقر، وظهر الفساد الخلقي في معظم طبقات المجتمع بما في ذلك الطبقة الحاكمة التي كانت تدير البلاد، فأدمن بعضهم الخمر، واقترف الظلم وظهر الغش في المعاملات والبيوع وانتشر الربا، وضعفت القيم الروحية والأخلاق الفاضلة في نفوس الناس، وتهاون كثير منهم في أداء العبادات، وعظم الجهل في معرفة أحكامها وشروطها.
وانعدم الأمن، وكثرت الجرائم والسرقات «2» .
كما أدى ظهور الاتجاهات الفكرية والفرق الكلامية المختلفة إلى وقوع كثير من الفتن والمحن، وذلك بسبب اشتداد الخلاف بين تلك الاتجاهات المتباينة «3» .
أما النشاط العلمي والثقافي فقد تأثر بالوضع المتدهور الذي كان سائدا
__________
(1) ينظر في طبقات المجتمع الإسلامي والأقليات الدينية في: ظهر الإسلام: 1/ 3، وتاريخ الإسلام للدكتور حسن إبراهيم: 4/ 625.
(2) ينظر صيد الخاطر لابن الجوزي: (262- 266) ، والبداية والنهاية: (12/ 237، 240، 246، 248) ، وتاريخ الإسلام للدكتور حسن إبراهيم: (4/ 625- 632) .
(3) المنتظم: (10/ 198، 285) .
(1/14)

في ذلك العصر، لكنه ظل يقاوم المؤثرات التي كانت تحد من استمراره وقد ظهر خلال القرن السادس الهجري عدد كبير من الأئمة الأعلام، ونخبة متميزة من العلماء في مختلف فنون المعرفة.
منهم- على سبيل المثال- الحافظ أبي طاهر السلفي المتوفى سنة 576 هـ، والحافظ ابن عساكر المتوفى سنة 571 هـ، والزمخشري المتوفى سنة 538 هـ، وابن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ.
وقد خلف هؤلاء ثروة عظيمة ضخمة، نهل من مواردها من جاء بعدهم وأفادت الأجيال اللاحقة فائدة عظيمة.
وقد شهد ذلك العصر- أيضا- ظاهرة حميدة وهي اهتمام الخلفاء والسلاطين والوزراء ببناء المدارس والأربطة، وتخصيص الأوقاف لعلماء وطلاب تلك المدارس.
ومن أشهر المدارس التي كانت قائمة في ذلك الوقت وكانت مصدر نور وإشعاع- المدارس النظامية، التي أسسها الوزير السلجوقي نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي المتوفى سنة 485 هـ، وقد اكتمل بناء كبرى هذه المدارس ببغداد وبدأ التدريس بها عام 459 هـ «1» .
كما كانت حلقات العلم والمجالس العلمية تعقد في المساجد المختلفة، ويتصدر للتدريس في تلك الحلقات أبرز العلماء في ذلك العصر.
__________
(1) ينظر تاريخ دولة آل سلجوق: 32، والكامل لابن الأثير: (10/ 49، 50) .
وقد وصف الحافظ الذهبي الوزير نظام الملك بقوله: الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، عاقل سائس، خبير سعيد، متدين، محتشم، عامر المجلس بالقراء والفقهاء.
أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد، وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغب في العلم، وأدرّ على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعد صيته ... » .
ينظر سير أعلام النبلاء: 19/ 94.
(1/15)

وشهدت الدولة في تلك الفترة ظاهرة طيبة، وهي التنافس بين الأمراء والحكام والوزراء على بناء المدارس، والاهتمام بها، والحرص على جلب خيار العلماء إليها، وتشجيع طلاب العلم بها على التحصيل.

المبحث الثاني: حياة المؤلف:

المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وأصله، وكنيته، ولقبه:
هو محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري أبو القاسم، وبيان الحق «1» .
هكذا ذكر اسمه ونسبه وأصله وكنيته في مقدمة كتابه «إيجاز البيان عن معاني القرآن» .
ويلقب- أيضا- ب «نجم الدين» ، ذكر ذلك حاجي خليفة «2» .
وصرح المؤلف- رحمه الله- باسمه ونسبه في مقدمة كتابه «جمل الغرائب» «3» .
فقال: «مؤلف هذا الكتاب محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري» وزاد ياقوت في معجم الأدباء في نسبه، فقال، «الغزنوي»
__________
(1) مصادر ترجمته:
- معجم الأدباء: (19/ 124، 125) .
- الوافي بالوفيات: (79/ ب، 80 أ، 80 ب) نسخة طوب قابي رقم (2920) .
- بغية الوعاة: 2/ 277.
- طبقات المفسرين للداودي: 2/ 311.
- كشف الظنون: (205، 601) .
- هدية العارفين: 2/ 403.
- الأعلام: 7/ 167.
- معجم المؤلفين: 12/ 182.
- ومعجم المفسرين لعادل نويهض: 2/ 666.
- كما ورد له ذكر في الدارس للنعيمي: 1/ 589 ...
(2) كشف الظنون: 205.
(3) . 2/ أ.
(1/16)

وكذلك الصفدي في الوافي بالوفيات نسبة إلى غزنة «1» .
وذكر صاحب هدية العارفين «القزويني» «2» بدل الغزنوي.
أما «النيسابوري» فنسبة إلى «نيسابور» «3» مدينة مشهورة.
ينتسب إليها طائفة من العلماء الأعلام.
يقول السمعاني «4» : «والمنتسب إليها جماعة لا يحصون، وقد جمع الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ البيع تاريخ علمائها في ثمان مجلدات ضخمة» .
ومن أشهر من ينتسب إلى نيسابور: يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي النيسابوري الإمام المحدث الورع المتوفى سنة 226 هـ.
- وعبد الرحمن بن الحسن الحافظ المحدث المتوفى سنة 307 هـ.
- والإمام الحافظ المحدث الفقيه أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون النيسابوري المتوفى سنة 324 هـ.
- والإمام محمد بن عبد الله بن حمدويه الطهماني النيسابوري الشهير بالحاكم، من أكابر حفاظ الحديث، وهو صاحب كتاب المستدرك على الصحيحين، وتاريخ نيسابور، وغيرهما، توفي سنة 405 هـ.
__________
(1) بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح النون.
قال ياقوت في معجم البلدان: 4/ 201: «وهي مدينة عظيمة وولاية واسعة في طرف خراسان، وهي الحد بين خراسان والهند ... » .
(2) نسبة إلى قزوين، بفتح القاف وسكون الزاي وكسر الواو. مدينة مشهورة على نحو مائة ميل شمال غربي طهران.
معجم البلدان: 4/ 342، والروض المعطار: 465، وبلدان الخلافة الشرقية: 253.
(3) نيسابور: بفتح النون من أكبر مدن خراسان.
قال الحميري في الروض المعطار: 588: «ونيسابور قلب لما حولها من البلاد والأقطار» .
ينظر أيضا معجم البلدان: 5/ 331، وبلدان الخلافة الشرقية: 424.
(4) الأنساب: 12/ 184. [.....]
(1/17)

- وعلي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن الواحدي، المفسّر، صاحب كتاب أسباب النزول، وله- أيضا- البسيط، والوسيط، والوجيز كلها في التفسير، توفي سنة 468 هـ.
- والحسن بن محمد بن الحسين القمي النيسابوري، نظام الدين، المفسّر، صاحب كتاب غرائب القرآن ورغائب الفرقان، وغيره، توفي بعد 850 هـ.

المطلب الثاني: موطنه، مولده، وأسرته:
يبدو أن بيان الحق النيسابوري- رحمه الله تعالى- عاش مدة من حياته في نيسابور، ولعله خرج منها بعد سقوطها عام 536 هـ، ورحل إلى الخجند، ثم إلى دمشق حيث استقر به المقام هناك حتى وفاته في تاريخ لم أقف عليه.
ولم تذكر المصادر التي وقفت على ترجمته فيها شيئا عن المكان الذي ولد فيه، ولا نعرف شيئا عن نشأته، فأخباره في الكتب شحيحة جدا، وأكثر اعتماد المترجمين له في ذلك على ياقوت في معجم الأدباء.
أما أسرته فقد ذكر النيسابوري اثنين من أبنائه في مقدمة كتابه جمل الغرائب «1» ، وهما قاسم ومحمد.
وذكر حاجي خليفة»
«محمد بن محمود النيسابوري» فيمن صنف في خلق الإنسان، فلعله ابن نجم الدين النيسابوري.
وقد خلف محمد أباه في التدريس بالمدرسة المعينية بدمشق، ذكر ذلك النعيمي «3» .

المطلب الثالث: نشأته العلمية ومكانته:
لم تسعفنا المصادر التي ترجمت للنيسابوري بذكر شيء عن نشأته العلمية المبكرة، ولم تذكر تلك المصادر- أيضا- شيئا عن شيوخه الذين
__________
(1) . 3/ أ.
(2) كشف الظنون: 1/ 722.
(3) الدارس: 1/ 589.
(1/18)

تلقى عنهم العلم في زمن طلبه العلم، ولم تذكر تلاميذه الذين أخذوا العلم عنه.
كما أغفلت تلك المصادر رحلاته العلمية، ولعلي أقف في المستقبل- إن شاء الله- على تلك الجوانب الخفية في حياة هذه الشخصية.
وقد ذكر النّعيمي «1» أن النيسابوري تصدر للتدريس بالمدرسة المعينية «2» بدمشق، واستمر في التدريس بها حتى وفاته، وخلفه بعد ذلك ابنه محمد.
وإشارة أخرى ذكرها إسماعيل باشا «3» ، حيث قال إن النيسابوري فرغ من تصنيف كتابه إيجاز البيان سنة 553 هـ بالخجند «4» .
أما مكانته العلمية فقد وصفه ياقوت «5» بقوله: «كان عالما بارعا مفسرا لغويا فقيها متفننا ... » .
وأورد ياقوت بيتين من شعره هما «6» :
فلا تحقرنّ خلقا من النّاس علّه ... وليّ إله العالمين ولا تدري
__________
(1) الدارس: 1/ 589.
(2) المدرسة المعينية: إحدى مدارس الحنفية بدمشق، أسسها معين الدين أنر بن عبد الله الطغتكيني مقدم عسكر دمشق، ذكره الذهبي في العبر: 4/ 121 في وفيات سنة 544 هـ. وذكر فيمن تولى التدريس في هذه المدرسة- أيضا- عبد الخالق بن أسد الدمشقي الحنفي المتوفى سنة 564 هـ، وأبا المظفر محمد بن أسعد بن الحكيم العراقي الحنفي المتوفى سنة 567 هـ.
(3) هدية العارفين: 2/ 403.
(4) تقدم التعريف بها ص 11.
(5) معجم الأدباء: (19/ 124، 125) .
(6) كما أوردهما الصفدي في الوافي بالوفيات: (80/ ب) نسخة طوبى قابي رقم (2920) ، وذكر سبب إنشاده هذين البيتين عن أبي الخطاب عمر بن محمد بن عبد الله العليمي قال: سمعت القاضي أبا العلاء محمد بن محمود بن أبي الحسن الغزنوي:
قدم علينا بنيسابور رسولا يقول: شهد عند الإمام- والدي- شيخ على بعض أصحابه، فاعترته شبهة في صدقه، وهمّ برد شهادته، فأخذ المشهود عليه يزكيه وينسبه إلى كل خير، فندم والدي على ما بدر منه وقال:
فلا تحقرن ...
.
(1/19)

فذو القدر عند الله يخفى على الورى ... كما خفيت من علمهم ليلة القدر
أما المناصب التي تولاها النيسابوري فيبدو أنه كان قد تولى القضاء، لذا وصفته حاجي خليفة «1» ب «القاضي بيان الحق محمود ... » .
وجاء هذا الوصف- أيضا- في خطبة كتابه وضح البرهان «2» .

المطلب الرابع: آثاره العلمية:
كان الإمام بيان الحق النيسابوري من المكثرين في التصنيف في مختلف العلوم الإسلامية، فله في التفسير- مثلا- أكثر من مصنّف، أفاد ذلك المؤلف- رحمه الله- في مقدمة كتابه جمل الغرائب «3» حيث قال:
«ومؤلف هذا الكتاب محمود بن أبي الحسن ... قد وفقه الله تبارك وتعالى- منه- في تفسير كتابه لغير واحد حتى استوى من مطولاته التي صنفها على كتاب إيجاز البيان في معاني القرآن ... » اهـ.
أما مصنفاته التي صرح بها المؤلف، أو نسبت إليه فهي:
1- إيجاز البيان عن معاني القرآن، وهو موضوع هذه الدراسة، وسيأتي الحديث عنه مفصلا في الفصل الثاني.
2- وضح البرهان في مشكلات القرآن «4» .
تبدأ النسخة المنشورة من هذا الكتاب بخطبة المؤلف، ثم تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية سورة التكوير.
__________
(1) كشف الظنون: 1/ 601.
(2) . 1/ 87.
(3) . 2/ ب.
(4) طبع هذا الكتاب عام 1410 هـ- 1990 م، ببيروت، بتحقيق صفوان عدنان داوودي.
كما قامت بتحقيقه الطالبة/ سعاد بابقي ضمن متطلبات نيل درجة الماجستير في الكتاب والسنّة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وقد أشرف على هذه الأطروحة شيخنا العلامة الجليل الشريف الدكتور منصور بن عون العبدلي حفظه الله.
(1/20)

وقد اطلعت على هذا الكتاب فوجدته حافلا بالشواهد الشعرية، والأمثال، كما يعنى فيه المؤلف بذكر الأحاديث والآثار ... وغير ذلك من الفوائد التي أوردها المؤلف- رحمه الله- في حل الآيات المشكلة، وأورد فيه- أيضا- ردودا على الآراء الفاسدة لبعض الفرق، كما صنع مع المعتزلة في مسألة الصّرفة «1» ، وقضية النسخ في القرآن ... وغير ذلك «2» .
3- جمل الغرائب «3» ، وهو كتاب في غريب الحديث ومشكله، قسمه المؤلف- رحمه الله- أربعة عشر كتابا وهي:
الأول: كتاب التوحيد والإيمان وما جاء في القرآن.
الثاني: كتاب النبوات وذكر بعض المعجزات.
الثالث: كتاب البدء والحياة والحال والمآل.
الرابع: كتاب الموت والبعث والثواب والعقاب.
الخامس: كتاب العبادات.
السادس: كتاب أحكام المعاملات.
السابع: كتاب زواجر الجنايات.
الثامن: كتاب الحرب والسلطان.
__________
(1) معنى القول بالصرفة، أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها، فكان هذا الصرف خارقا للعادة. وينسب هذا القول إلى أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظّام المعتزلي، وإلى طائفة من علماء المعتزلة.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن: 30: «ومما يبطل ما ذكروه من القول بالصّرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة- وإنما منع منها الصّرفة- لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون المنع هو المعجز، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه» اهـ. [.....]
(2) وضح البرهان: (1/ 158، 217، 219) .
(3) ينظر في نسبة هذا الكتاب إليه في معجم الأدباء: 19/ 124، وبغية الوعاة: 2/ 277، وطبقات المفسرين للداودي: 2/ 311، وكشف الظنون: 1/ 601، وهدية العارفين:
2/ 403.
(1/21)

التاسع: كتاب المواعظ والوصايا.
العاشر: كتاب الحكم والآداب.
الحادي عشر: كتاب الألفاظ والأمثال.
الثاني عشر: كتاب المحاسن والمحامد.
الثالث عشر: كتاب المساوئ والمناهي.
الرابع عشر: كتاب النساء.
وذكر المؤلف- رحمه الله- في مقدمته المصادر الرئيسة التي اعتمد عليها وهي غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، وابن قتيبة، والأصمعي، وأبي سعيد الضرير، وقطرب (محمد بن المستنير) ، والنّضر بن شميل، وإبراهيم الحربي، وابن الأنباري، وأبي سليمان الخطابي، وأبي عبيد الهروي، ... وغيرهم.
ثم قال: «وانتخبت من فوائدهم واستعذبت من مواردهم ما حقّه أن يكتب بالتّبر على الأحداق لا بالحبر على الأوراق ... » .
ووضع لكل واحد من تلك المصادر رمزا للاختصار، فعلامة «ص» للأصمعي وعلامة «هـ» للحربي، وعلامة «ق» لابن قتيبة ... وهكذا.
ويعد كتاب النيسابوري هذا من المصادر المهمة التي اعتمد عليها الصاغاني في كتابه العباب الزاخر واللباب الفاخر، حيث صرّح الصاغاني بذلك في مقدمة العباب: 1/ 26.
ولهذا الكتاب «جمل الغرائب» نسختان خطيتان، إحداهما بمكتبة الأسكوريال بمدريد، والأخرى بمكتبة أحمد الثالث بتركيا.
4- كتاب خلق الإنسان «1» ، أي في أسمائه وأعضائه وصفاته كما في كشف الظنون: 1/ 722.
__________
(1) نسب هذا الكتاب إلى النيسابوري في معجم الأدباء: 19: 124، وبغية الوعاة:
2/ 277، وطبقات المفسرين للداودي: 2/ 211.
(1/22)

وقد وقفت على قطعتين من كتاب خلق الإنسان منسوبتين إلى النيسابوري مصورتهما بمركز البحث العلمي عن دار الكتب المصرية، ولا يوجد دليل على صحة نسبة هاتين القطعتين إلى النيسابوري.
كما أن المادة العلمية في هاتين القطعتين تتناول جوانب الزهد والأخلاق وغير ذلك من الفضائل والآداب، فالكتاب في خلق الإنسان لا في خلقه.
5- التذكرة والتبصرة (في متفق الفقه) ، ويشتمل على ألف نكتة، ذكر ذلك المؤلف- رحمه الله- في مقدمة كتابه جمل الغرائب «1» ، ووصف هذا الكتاب بقوله: «يطرد أكثر مسائل الفقه عليها، ويسند الاجتهاد في الفتاوى ظهره إليها» .
6- الأسئلة الرائعة والأجوبة الصادعة: ذكره المؤلف في مقدمة إيجاز البيان «2» ، وهو كتاب في التفسير.
7- غرر الأقاويل في معاني التنزيل، أشار إليه المؤلف- رحمه الله- في مقدمة إيجاز البيان «3» ، فقال: ومن أراد التبحر والتكثر فعليه بكتابنا غرر الأقاويل في معاني التنزيل.
8- شوارد الشواهد وقلائد القصائد. ذكره المؤلف في مقدمة إيجاز البيان «4» ، وقال: «ومن أراد ريحانة العلوم، وباكورة التفاسير وأمهات الآداب، ومقلدات الأشعار، فلينشر من كتابنا «شوارد الشواهد وقلائد القصائد» حلل الوشي وأنماطه، وليبسط منه زرابي الربيع ورياطه ... » . وهذا الكتاب يشتمل على أشعار مختارة.
__________
(1) . 3/ أ.
(2) ص 56، ونسب إليه- أيضا- في إيضاح المكنون: 1/ 83.
(3) ص 55.
(4) إيجاز البيان: 56.
(1/23)

9- باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن، ذكره المؤلف في مقدمة إيجاز البيان «1» بهذا العنوان، ولم أقف عليه، ولم أجد أحدا نسب إليه هذا الكتاب بهذا العنوان، وقد تقدم أن للمؤلف- رحمه الله- كتاب وضح البرهان في مشكلات القرآن، فلعله الكتاب نفسه.
10- قطع الرياض في بدع الاعتراض، صرح به المؤلف في كتابه وضح البرهان «2» ، عند تفسير قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: 23] .
قال: وَلَنْ تَفْعَلُوا اعتراض بين الشرط والجزاء، مثل:
«وأنت منهم» في بيت شعر:
لو أن المخلفين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا
وقال عبد الله بن الحر:
تعلم- ولو كاتمته الناس- أنني ... عليك- ولم أظلم بذلك- عاتب
فقوله: ولو كاتمته الناس اعتراض بين الفعل ومفعوله، ولم أظلم بذلك اعتراض بين اسم أن وخبرها، والاعتراض في أشعار العرب كثير، لأنه يجري مجرى التوكيد، ولنا فيه كتاب اسمه «قطع الرياض في بدع الاعتراض» اهـ.
11- شرح الأبيات الواردة في كتاب وضح البرهان، أشار إليه المؤلف في وضح البرهان «3» عند تفسير قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: 129] ، فنقل عن ابن الأعرابي: سفه الرجل يسفه سفاهة وسفاها إذا جهل، وسفه نفسه يسفهها إذا جهلها، وأنشد:
هيهات قد سفهت أمية رأيها ... فاستجهلت حلماؤها سفهاؤها «4» .
__________
(1) إيجاز البيان: 56، وذكره الصفدي في الوافي بالوفيات بعنوان «باهر البرهان في التفسير» .
(2) . 1/ 118.
(3) . 1/ 170.
(4) كذا ورد في طبقات فحول الشعراء: 1/ 365 برفع «حلماؤها» و «سفهاؤها» وفي مجالس ثعلب: 1/ 57: «حلماءها سفهاؤها» بنصب الأول ورفع الثاني.
وذكر العلّامة الشيخ محمود محمد شاكر في هامش طبقات فحول الشعراء توجيه الجواليقي لرواية الرفع فيهما، وهو أنه يجوز أن يكون حلماؤها بدل من أمية، بدل اشتمال. وسفهاؤها رفع ب «استجهلت» ، تقديره: قد سفهت حلماء أمية، فاستجهلت سفهاؤها» .
وأورد الشيخ محمود شاكر روايات البيت مع ذكر التوجيه لكل منها.
(1/24)

قال المؤلف- رحمه الله-: «كلاهما بالرفع كما نشرحه في كتاب بعد هذا مفرد في معاني أبيات هذا الكتاب» .
12- ملتقى الطرق إلى مجامع نكاتها ومنابع كلماتها، وهو كتاب في مختلف الفقه، ذكره المؤلف- رحمه الله- في مقدمة جمل الغرائب «1» ، فقال: كما هداه جل وعز- بفضله- في مختلف الفقه من كتاب «ملتقى الطرق ... » بحيث دوخت «2» له ساحتها ودونت في دفتيه كافتها.
13- له- أيضا- كتاب في أصول الفقه، ذكره في جمل الغرائب «3» وأحال إليه، فقال: وقد أوردت في أصول الفقه- تصنيفي- جملة أنواع المجاز إلى الاتساع، والتوكيد، والتمثيل ... فمن أراد تحقق هذه التأويلات فعليه بذلك الكتاب.
14- كتاب الغلالة في مسألة اليمين على شرب ماء الكوز ولا ماء في الكوز ذكره المؤلف- رحمه الله- في وضح البرهان «4» عند تفسير قوله تعالى: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [البقرة: 60] .
وقد نسب إلى النيسابوري «5» كتاب بعنوان «زبدة التفاسير
__________
(1) . 2/ ب.
(2) بمعنى ذلّلت.
الصحاح: 1/ 421 (دوخ) .
(3) . 11/ أ. [.....]
(4) . 1/ 139.
(5) نسبه إسماعيل باشا في هدية العارفين: 2/ 403.
(1/25)

ولمعة الأقاويل» ولعل من نسبه إليه فهم ذلك من عبارة المؤلف في مقدمة إيجاز البيان وهي: ومن أراد محاورة المتكلمين ومحاضرة المتأدبين، فلينظر من أحد كتابينا إما كتاب «باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن» ، وإما كتاب «الأسولة الرائعة والأجوبة الصادعة» إلى حلبة البيان وحلية الإحسان وزبدة التفاسير ولمعة الأقاويل. اهـ.
وليس في كلام المؤلف- رحمه الله- ما يدل على ذلك، وإنما هذه العبارة وصف لكتاب «الأسولة الرائعة والأجوبة الصادعة» .
كما نسب إلى النيسابوري كتاب الموجز في الناسخ والمنسوخ، وتوجد منه نسخة بمكتبة شستربتي رقم (3883) تقع في عدة ورقات.
وهذه النسخة ليست للنيسابوري قطعا، لأن بها نصوصا متقدمة جدا عن علماء من أواخر القرن الرابع الهجري، ينقلها مؤلف الكتاب مباشرة عن شيوخه.

المطلب الخامس: وفاته:
لم تحدد المصادر التي ترجمت له تاريخ وفاته، ولعله توفي بدمشق، فقد تقدم أن النعيمي «1» ذكر أنه تصدر للتدريس بالمدرسة المعينية بدمشق واستمر على ذلك حتى وافته المنية، ولم يذكر السنة التي توفي فيها النيسابوري.
والمؤكد أن وفاته كانت بعد عام 553 هـ بفترة ليست بالقصيرة، لأنه كان في تلك السنة بالخجند- وهي بلدة بما وراء النهر- ثم رحل إلى دمشق وأقام بها حتى وفاته رحمه الله.
__________
(1) الدارس: 1/ 589.
(1/26)

الفصل الثاني في التعريف بكتاب إيجاز البيان ودراسته
وفيه مبحثان:

المبحث الأول: دراسة كتاب إيجاز البيان، وفيه المطالب التالية:

المطلب الأول: الباعث على تأليفه:
ذكر المؤلف- رحمه الله- في مقدمة الكتاب «1» الأمور التي دفعته إلى تأليف كتاب إيجاز البيان، فقال: إن تفاسير الأولين مقصورة على قول واحد أو مقصودة بالتكثير والتكرير عند المتأخرين، والأولى لعجمة الطباع واللسان لا تشفي القلب، والثانية لا تطاوع الحفظ لإطالة القول.
كما ذكر أن كتابه على رغم صغر حجمه قد اشتمل على أكثر من عشرة آلاف فائدة، من تفسير، وتأويل ودليل، ونظائر، وإعراب، وأسباب النزول، وأحكام فقه، ونوادر لغات، وغرائب أحاديث. ثم قال: فمن أراد الحفظ والتحصيل، وكان راجعا إلى أدب وتمييز فلا مزيد له على هذا الكتاب.
كما أن تأليفه لإيجاز البيان جاء بعد أن صنّف أكثر من كتاب مطول في معاني القرآن وتفسيره.

المطلب الثاني: منهج المؤلف في هذا الكتاب:
استهل المؤلف- رحمه الله تعالى- الكتاب بمقدمة موجزة، بين فيها الباعث على تأليفه هذا الكتاب، وذكر جملة من مصنفاته في معاني القرآن
__________
(1) إيجاز البيان: 55.
(1/27)

ومشكلاته، وذكر- أيضا- أهم ما ضمنه كتابه هذا، وأشار إلى أنه توخى الاختصار والإيجاز ليسهل على طالب العلم حفظ ما فيه من فوائد.
بعد ذلك شرع في تفسير سورة الفاتحة، ثم سورة البقرة حتى نهاية القرآن.
وفي ضوء مراجعتي لهذا الكتاب ودراستي له أمكنني حصر أهم ملامح منهجه فيما يأتي:
أولا: اعتماده على القرآن في التفسير، وهو يفعل ذلك إما لبيان لفظة مبهمة ورد تفسيرها في موضوع آخر، مثال ذلك:
ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [يونس: 30] . قال «1» : ينكشف لها ما أسلفت فتختبر جزاءها، كقوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ.
وأحيانا يستشهد في إعراب الآية بذكر آية مماثلة تعينه على التفسير بالوجه الذي يريده، كما صنع في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: 26] ، فقال «2» : اللام في تقدير المصدر، أي: إرادة الله التبيين لكم كقوله تعالى: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ أي: الذين هم رهبهم لربهم.
وقد يستعين في بيان وتفسير الألفاظ القرآنية الغريبة بالمقارنة بنظائرها التي وردت في مواضع أخرى كما صنع في قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ [البقرة: 55] حيث قال «3» : والصاعقة هنا الموت، كما في قوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ. ثم إنه قد يستعين بالآيات المماثلة والنظيرة لدفع وهم ظاهر التعارض فيجمع بين تلك الآيات رادا شبهة التعارض.
__________
(1) إيجاز البيان: 399، وينظر نظائر هذا الوجه في الصفحات التالية: (418، 430، 478، 485، 593) .
(2) إيجاز البيان: 236، وانظر أمثلة هذا النوع في الصفحات التالية: (297، 340، 426، 438، 441، 448، 524) .
(3) إيجاز البيان: 96، وينظر نظائر هذا النوع في الصفحات التالية: (97، 108، 117، 119، 147، 188، 200) .
(1/28)

يقول النيسابوري في سورة الحجر «1» : والتوفيق بين قوله: لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، وقوله: لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ أنه لا يسأل: هل أذنبتم؟ للعلم به، ولكن: لم أذنبتم؟ أو المواقف مختلفة يسأل في بعضها أو في بعض اليوم.
وقوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ مع قوله: عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فالمراد هو النطق المسموع المقبول.
ثانيا: اعتماده على الحديث والأثر في تفسير القرآن، ويلاحظ كثرة ورود الأحاديث المرفوعة والموقوفة والمقطوعة، وأغلب الأحاديث التي يوردها من غريب الحديث، حيث يربط بين اللفظة القرآنية الغريبة ويفسرها بما ورد في الحديث لبيان وتفسير تلك اللفظة.
من ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2] ، قال «2» : الكتاب والفرض والحكم والقدر بمعنى واحد، واستشهد بحديث: «لأقضين بكتاب الله» «3» أي بحكمه. وفي قوله تعالى:
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [البقرة: 3] قال «4» : الصلاة: الدعاء، وفي الحديث:
«إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائما فليصل» أي فليدع لصاحبه.
كما أنه يستعين بما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تفسير بعض الآيات، مثال ذلك: ما أورده عند تفسير قوله تعالى: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة: 48] ، حيث قال «5» : والعدل: الفدية، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وقد تكرر استشهاده بالحديث المرفوع- في المواضع التي صرح
__________
(1) إيجاز البيان: 475، وانظر أمثلة هذا النوع في الصفحات التالية: (485، 562، 563) .
(2) إيجاز البيان: 64.
(3) ينظر تخريجه في موضع وروده في الكتاب.
(4) إيجاز البيان: 65، وانظر: (67، 68، 70، 71، 73، 74، 479) .
(5) إيجاز البيان: 93. وانظر أمثلة هذا النوع في الصفحات التالية: (187، 188، 206، 349، 377، 393) .
(1/29)

بذلك «1» - خلال هذا الكتاب في سبعة وثمانين موضعا.
كما يعتمد النيسابوري- رحمه الله- على أقوال الصحابة والتابعين بذكر أقوالهم في التفسير، وأسباب النزول، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وأوجه القراءات المأثورة عنهم.
وأبرز الصحابة الذين نقل عنهم في تفسيره: ابن عباس «2» ، وابن مسعود «3» ، وعلي بن أبي طالب «4» ، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وقد بلغت الآثار الموقوفة ثلاثة وتسعين.
ومن التابعين: الحسن البصري «5» ، ومجاهد «6» ، وقتادة «7» ، وسعيد بن جبير «8» ... وغيرهم.
وبلغت هذه الآثار عن التابعين تسعة وخمسين أثرا.
ثالثا: عنايته بذكر أوجه القراءات القرآنية، فاهتمام المؤلف بهذا الجانب ظاهر في كتابه، فهو يعنى بذكر القراءات المختلفة وتوجيهها وتبيين الاختلاف في المعاني باختلاف القراءة.
وغالب القراءات التي يوردها سبعية، وأحيانا يورد القراءات العشرية.
__________
(1) ينظر بعض المواضع التي لم يصرح بها في الصفحات التالية: (65، 67، 68، 74، 93، 163، 173، 187) .
(2) إيجاز البيان: (80، 83، 241، 242، 319، 346، 457، 511، 516، 517) . [.....]
(3) إيجاز البيان: (185، 240، 357، 490) .
(4) إيجاز البيان: (68، 326، 461، 488) .
(5) ينظر إيجاز البيان: (83، 90، 227، 236، 260، 367، 454) .
(6) إيجاز البيان: (266، 321، 768، 776، 777) .
(7) إيجاز البيان: (95، 465، 519) .
(8) إيجاز البيان: (241، 448، 449) .
(1/30)

أما القراءات الشاذة فلم ترد في هذا الكتاب إلا نادرا «1» ، وفي الغالب لا يعزو المؤلف القراءة إلى أصحابها، وأحيانا يفعل ذلك.
كما أنه ينقل عن أئمة القراءات واللغة في توثيق النصوص التي يوردها في توجيه القراءة مثل أبي عمرو بن العلاء، وسيبويه، والزجاج، وأبي علي الفارسي ... وغيرهم.
رابعا: اهتمامه بذكر أسباب النزول، وهو في ذلك- غالبا- يعتمد على الصحيح الوارد في هذا الشأن.
مثال ذلك ما ذكره «2» عند تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ... [النساء: 19] ، حيث قال: يحبسها وهو كارهها ليرثها، أو على عادة الجاهلية في وارثة الميت امرأته، يمسكها بالمهر الأول أو يزوجها ويأخذ مهرها. نزلت في كبشة بنت معن الأنصارية ومحصن بن قيس الأنصاري «3» .
خامسا: عنايته بذكر المسائل الفقهية، فقد تعرض المؤلف- رحمه الله- في كتابه لآيات الأحكام ذاكرا أقوال الفقهاء في ذلك «4» .
وغالبا ما يورد قولي الحنفية والشافعية في تلك المسائل، مرجحا مذهب الحنفية بالدليل، مع ذكر حجج المخالف والرد عليها.
فعند ذكر قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: 173] ، ضعّف قول من قال: غير باغ على الإمام ولا عاد في سفر،
__________
(1) ينظر إيجاز البيان: (99، 136، 189، 197، 210، 271) .
(2) إيجاز البيان: 231، وانظر بعض الأخبار في أسباب النزول في الصفحات التالية:
(238، 245، 246، 250، 251، 257، 260) .
(3) ينظر تخريج هذا الخبر في موضعه، ص 231.
(4) ينظر بعض هذه المسائل في الصفحات التالية: (139، 140، 141، 142، 159، 160، 595) .
(1/31)

لأن سفر الطاعة لا يبيح ولا ضرورة، والحبس في الحضر يبيح ولا سفر، ولأن الميتة للمضطر كالذكية للواجد، ولأن على الباغي حفظ النفس عن الهلاك «1» . اهـ.
وعند تفسير قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ... [البقرة: 196] ، أورد معنى الإحصار ومذاهب العلماء فيه «2» .
وعند تفسير قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ [البقرة: 226] ، ذكر حكم الإيلاء ومدته وكفارته «3» .
وقد أفاد النيسابوري كثيرا من كتاب أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص لكنه لم يصرح بالنقل عنه في هذا الكتاب، وصرح بذلك عند تعرضه لآيات الأحكام في كتابه وضح البرهان.
سادسا: اهتمامه بالجانب اللغوي والنحوي في تفسير القرآن، فقد عني عناية كبيرة بشرح الألفاظ الغريبة، وبيان اشتقاقها، مستعينا في ذلك بنظائرها في القرآن الكريم، وبالحديث والأثر، وبلغة العرب.
ففي قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ذكر معنى «الاسم» ، وأصل وضعه، واشتقاقه، وأورد الأقوال في ذلك «4» .
وفي قوله تعالى: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة: 34] ذكر معنى «إبليس» ، وأصلها واشتقاقها «5» .
كما أنه يهتم بذكر اللغات الواردة في الألفاظ القرآنية، وبيان معانيها،
__________
(1) إيجاز البيان: (131) .
(2) إيجاز البيان: (141، 142) .
(3) إيجاز البيان: (152، 153) .
(4) إيجاز البيان: (57) . [.....]
(5) إيجاز البيان: (84) .
(1/32)

فعند تفسير قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: 129] . نقل عن ابن الأعرابي: سفه يسفه سفاهة وسفاها: طاش وخرق، وسفه نفسه سفهها: جهلها «1» ، وعند قوله تعالى: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى [الأنفال: 42] قال: والعدوة بضم العين وفتحها وكسرها شفير الوادي، فتميم لا تعرف العدوة وتقول: خذ أعداء الوادي «2» .
أما إعراب القرآن فهو ظاهر في كتابه، وقد عول في ذلك كثيرا على أبي إسحاق الزجاج، وأفاد منه إفادة كبيرة، لكنه قليل التصريح بالنقل عنه.
كما ينقل عن أئمة النحو المتقدمين مثل الكسائي، وسيبويه، والفراء، وأبي عبيدة، والأخفش، وأبي علي الفارسي ... وغيرهم.
وهو في إعرابه للآية يذكر أوجه الاختلاف فيها، كما فعل في إعراب غَيْرِ في قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ حيث ذكر ثلاثة أوجه فيها «3» ، وكذلك في هُدىً من قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] ذكر وجهين فيها «4» .
وأحيانا يرجح بين تلك الوجوه في إعراب الآية، ويورد الدليل على ذلك، كما صنع «5» عند تفسير قوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ.
قال: «ما» بمعنى المصدر، وليس بمعنى «الذي» لأن «الذي» يحتاج
__________
(1) إيجاز البيان: 123.
(2) إيجاز البيان: 365، وانظر بعض أمثلة هذا النوع: (482، 715، 771) .
(3) ينظر إيجاز البيان: 61.
(4) إيجاز البيان: 65.
(5) إيجاز البيان: 69، وينظر بعض الأمثلة على ذلك في الصفحات التالية: (72، 76، 94، 133، 182) .
(1/33)

إلى عائد من الضمير، وإنما جاءهم المفسدون مع فساد غيرهم لشدة فسادهم، فكأنه لم يعتد بغيره.
وينتصر المؤلف- رحمه الله- في النحو للمذهب البصري، وذلك بترجيح أقوالهم، كما صنع في قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ [يوسف: 15] حيث قال «1» : محذوف الجواب، والكوفيون يجعلون «أجمعوا» جوابا، والواو مقحمة، وإقحامها لم يثبت، ولا له وجه في القياس.
وقد يذكر- أحيانا- بعض المصطلحات الكوفية، مثل: النصب على القطع، أي: على الحال «2» . ولعله تأثر في ذلك بالفراء الذي جرى على هذه الاصطلاحات في كتابه معاني القرآن.
أما استشهاد المؤلف في هذا الكتاب بأشعار العرب وأمثالهم وأقوالهم فقليل جدا، لكنه توسع في ذلك في وضح البرهان حيث أكثر من ذكر الشواهد الشعرية حتى إنه أفرد تلك الشواهد بمصنف خاص شرح فيه تلك الأبيات.
سابعا: ذكر لطائف تتعلق بالنظم القرآني، وذلك من حيث أسلوبه وبلاغته، فأورد من ذلك على سبيل المثال، سبب تقديم العبادة على الاستعانة في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فقال «3» : «وإياك نستعين» على نظم آي السورة، وإن كان «نعبدك» أوجز، ولهذا قدم «الرحمن» والأبلغ لا يقدم. وقدمت العبادة على الاستعانة لهذا، مع ما في تقديم ضمير المعبود من حسن الأدب.
وعند تفسير قوله تعالى: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] قال «4» :
__________
(1) إيجاز البيان: 431.
(2) إيجاز البيان: 564.
(3) إيجاز البيان: 60.
(4) إيجاز البيان: 68.
(1/34)

دخلت الباء في خبر «ما» مؤكدة للنفي، لأنه يستدل بها السامع على الجحد إذا غفل عن أول الكلام.
وعند قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [البقرة: 14] قال «1» :
أبلغ من «خلوا بهم» ، لأن فيه دلالة الابتداء والانتهاء، لأن أول لقائهم للمؤمنين، أي: إذا خلوا من المؤمنين إلى الشياطين.
وذكر فائدة «عشرة كاملة» في قوله تعالى: ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [البقرة: 196] فقال «2» : المراد رفع الإبهام، فقد يتوهم في الواو أنها بمعنى «أو» .

المطلب الثالث: مصادره:
إن كتاب إيجاز البيان لبيان الحق النيسابوري يعتمد على أصلين يكثر المؤلف النقل عنهما، وهما «جامع التأويل لمحكم التنزيل» لأبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المتوفى سنة 322 هـ، و «النكت والعيون» للإمام علي بن حبيب الماوردي المتوفى سنة 450 هـ.
فقد أكثر من نقل أغلب فوائد هذين الكتابين، وتأثر بأقوالهما تأثرا واضحا، ونجده تارة يصرح بالنقل عن ابن بحر، وأحيانا كثيرة ينقل عنه دون الإشارة إليه، لكنه يصرح بذلك- أحيانا- في كتابه وضح البرهان. أما الماوردي فلم يصرح باسمه في هذا الكتاب «إيجاز البيان» ، ويفعل ذلك عند ما ينقل عنه في وضح البرهان.
وقد أشرت أثناء التعليق على هذا الكتاب إلى المواضع التي تطابقت النصوص بألفاظها مع تفسير الماوردي.
ثم إن النيسابوري- في غالب نقوله- لا يشير إلى المصدر الذي ينقل
__________
(1) إيجاز البيان: 69.
(2) إيجاز البيان: 142.
(1/35)

عنه، وإذا عزا النصوص إلى أصحابها فإنه في الغالب يذكر اسم المؤلف دون التصريح باسم كتابه. وبالرجوع إلى مصنفات المؤلفين الذين ذكرهم استطعت التأكد من مصادره تلك بمقارنة النصوص التي أوردها النيسابوري في كتابه عنها.
ثم إنه في كثير من الأحيان يسرد الأقوال دون عزوها إلى أصحابها وقائليها، وأجدها منسوبة في كتبه الأخرى مثل وضح البرهان في مشكلات القرآن، وجمل الغرائب في غريب الحديث، فيمكن التعرف عليها وتوثيقها من تلك المصادر، وقد أشرت إلى ذلك عند ورودها أثناء التعليق على هذه الأقوال.
أما أهم الكتب التي يمكن أن تعدّ من مصادره المباشرة فهي:
1- الكتاب لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر المعروف ب «سيبويه» (ت 180 هـ) .
2- معاني القرآن لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي (ت 189 هـ) .
3- معاني القرآن لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت 207 هـ) .
4- مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت 210 هـ) .
5- معاني القرآن لأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش (ت 215 هـ) .
6- صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ) .
7- صحيح مسلم لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت 261 هـ) .
8- تأويل مشكل القرآن لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت 276 هـ) .
9- تفسير غريب القرآن لابن قتيبة أيضا.
(1/36)

10- الكامل لأبي العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المبرد (ت 285 هـ) .
11- المقتضب للمبرد أيضا.
12- معاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزّجّاج (ت 311 هـ) .
13- الزاهر لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (ت 328 هـ) .
14- تاج المعاني في تفسير السبع المثاني لأبي نصر منصور بن سعيد بن أحمد بن الحسن.
15- تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت 370 هـ) .
16- أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن علي الرازي المعروف ب «الجصاص» (ت 370 هـ) .
17- الحجة في علل القراءات السبع لأبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي (ت 377 هـ) .
18- غريب الحديث لأبي سليمان حمد بن محمد الخطّابي (ت 388 هـ) .
19- مجمل اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس (ت 395 هـ) .
20- تفسير أبي القاسم الحسن بن محمد بن الحسن بن حبيب النيسابوري (ت 406 هـ) .
21- الكشف والبيان في تفسير القرآن لأحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي (ت 427 هـ) .
22- شروح المتفق، والمتفق كتاب في فروع الحنفية لأبي بكر محمد بن عبد الله الجوزقي المتوفى سنة 388 هـ.

المطلب الرابع: قيمة الكتاب العلمية:
إن أهمية كتاب إيجاز البيان تتجلى في الفوائد الكثيرة التي ضمنها النيسابوري هذا الكتاب على رغم صغر حجمه.
(1/37)

فقد أورد المؤلف فيه فوائد متنوعة أشار إليها في مقدمته، فحوى كتابه فوائد تفسيرية، وحديثية، وغريب لغة، ووجوه إعراب، وأحكام فقه ...
وغير ذلك.
ومن أهم الفوائد التي لاحظتها في كتابه ما يأتي:
1- كثرة الأحاديث والآثار التي وردت في الكتاب، الضعيف منها قليل جدا.
2- إعراضه عما لا فائدة فيه من ذكر الأخبار الإسرائيلية، وسرد القصص والحكايات الغريبة.
3- عنايته بالمسائل العقدية خاصة فيما يتعلق منها بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد حرص المؤلف- رحمه الله- على الدفاع عنهم، رادا للشبه التي أثيرت حولهم والتي تنافي عصمتهم، موردا الدليل على بطلان تلك الشبه.
ومن ذلك رده لما أثير حول إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- من شبهة في قوله «1» : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ... فقال: هو على وجه تمهيد الحجة، وتقرير الإلزام، ويسميه أصحاب القياس: القياس الخلفي، وهو أن تفرض الأمر الواجب على وجوه لا يمكن ليجب به الممكن «2» .
وكذلك تفسيره لقوله تعالى «3» : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ... بما يتفق مع عصمة يوسف عليه الصلاة والسلام، فقال: ولقد همت به
__________
(1) سورة الأنعام: آية: 76.
(2) إيجاز البيان: 299، وانظر توجيه المؤلف- رحمه الله- لقوله تعالى: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ... وَتُبْ عَلَيْنا البقرة: 128، وتوجيهه لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنا أحق بالشك منه» ص (168، 169) ، وتوجيهه لقوله تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (581، 582) . [.....]
(3) سورة يوسف: آية: 24.
(1/38)

تقديره: ولولا أن رأى برهان ربه همّ بها، بدليل صرف السوء والفحشاء عنه، ولأن «لولا أن رأى» شرط، فلا يجب الكلام مطلقا «1» ....
ومن ردود المؤلف على المعتزلة ما أورده من قولهم في قوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا [البقرة: 212] حيث قالت المعتزلة: المزين هو الشيطان، وعقب عليه المؤلف بقوله: بل الله يفعل ذلك ليصح التكليف وليعظم الثواب «2» .
4- اعتمد المؤلف في هذا الكتاب على مصادر أصلية، فقد أكثر من النقل عن أئمة القراءات، واللغة، والنحو المتقدمين وقد احتوى هذا الكتاب على نصوص لغوية ونحوية من كتب الأئمة المتقدمين مثل الكسائي، والأخفش، والمبرد ... وغيرهم.
وقد فقد بعض مصنّفات هؤلاء، فحفظ المؤلف بذلك نصوصا مهمة في هذا الجانب.

المطلب الخامس: فيما يؤخذ عليه:
ويمكن تلخيص تلك المؤاخذات التي مرت بي أثناء دراسة هذا الكتاب في أمور منها:
1- أنه يورد- أحيانا- بعض القراءات الشاذة، وهو قليل جدا. مثال ذلك ما ذكره «3» في قوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ
__________
(1) إيجاز البيان: 433، وانظر توجيه المؤلف- رحمه الله- لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: 82] .
(2) كما نقد المؤلف قول المعتزلة بالصرفة في المشيئة.
ينظر إيجاز البيان: 164.
(3) إيجاز البيان: 99.
وانظر بعض الأمثلة على ذلك في الصفحات التالية: (136، 189، 197، 210، 271) .
(1/39)

[البقرة: 58] ، حيث ذكر قراءة «حطة» بالنصب، ووجّهها.
2- ورود الأحاديث الضعيفة والموضوعة «1» ، وهي قليلة جدا بالنسبة إلى عدد الأحاديث التي وردت في الكتاب.
3- إنه يذكر- أحيانا- قولا ضعيفا في الآية رغم ورود الصحيح في ذلك كما فعل في سبب نزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ ... [التوبة: 58] قال «2» : وهو ثعلبة بن حاطب، قال:
إنما يعطي محمد من يحب. اهـ. والصحيح أنه ذو الخويصرة التميمي.
4- إنه- في الغالب- ينقل نصوصا كاملة دون الإشارة إلى مصدره في ذلك وأكثر هذه النقول كانت عن تفسير الماوردي، ومعاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج.
5- يلجأ- أحيانا- إلى تأويل بعض الآيات وصرفها عن الظاهر دون الحاجة إلى ذلك حيث فسر «الغضب» في قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بقوله «3» : والغضب من الله إرادة المضار بمن عصاه، وكذلك عامة الصفات تفسر على أحوالنا بما هو أغراضها في التمام لا أغراضها في الابتداء.
6- إيراده لبعض أقوال المعتزلة دون تعقيب على تلك الأقوال وبيان فسادها. مثال ذلك ما ذكره من قول أبي علي الجبائي عند قوله تعالى:
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ ... [الأنعام: 110] ، حيث قال «4» : في جهنم على لهب النار.
__________
(1) ينظر إيجاز البيان: (213، 214، 429، 477) .
(2) إيجاز البيان: (381، 382) .
(3) إيجاز البيان: 61، وانظر بعض الأمثلة الدالة على ذلك في الصفحات التالية:
(78، 181، 333، 453) .
(4) إيجاز البيان: 308، وانظر آراء المعتزلة التي أوردها في المواضع التالية: (518، 612) .
(1/40)

7- ذكر بعض الأقوال الغريبة، وهي نادرة جدا، كالذي ذكره عند تفسير قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى [البقرة: 57] حيث قال «1» : والسلوان تراب قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم ينقع في الماء فيشرب للتسلي.
8- الإخلال بترتيب الآيات في السورة الواحدة من حيث التقديم والتأخير، وقد تكرر ذلك في بعض المواضع «2» ، وإن كان المؤلف- رحمه الله- جاريا على ترتيب الآيات حسب ورودها في المصحف في الغالب.

المبحث الثاني: عملي في التحقيق، ويشتمل على المطالب الآتية:

المطلب الأول: عنوان الكتاب والتحقيق فيه:
عرّف المؤلف- رحمه الله- باسم كتابه في مقدمته «3» ، وذكر في هذه المقدمة أهم الفوائد التي أوردها في هذا الكتاب.
ونصّ المؤلف على التسمية- أيضا- في كتابه جمل الغرائب «4» فقال- حكاية عن نفسه-: «وقد وفقه الله- تبارك وتعالى- منة في تفسير كتابه لغير واحد، حتى استوى من مطولاته التي صنفها على كتاب «إيجاز البيان في معاني القرآن» أوجز كتاب لفظا وأطوله وأبسطه معنى، يشتمل على أكثر من عشرة آلاف فائدة ... » .
كما نص على هذه التسمية كل من ياقوت في معجم الأدباء:
19/ 124، والسيوطي في بغية الوعاة: 2/ 277، والداودي في طبقات المفسرين: 2/ 311، وحاجي خليفة في كشف الظنون: 1/ 205.
__________
(1) إيجاز البيان: 97، وانظر نحو تلك الأقوال في (213، 214، 678) .
(2) إيجاز البيان: (356، 479، 772) .
(3) إيجاز البيان: 57.
(4) . 2/ ب.
(1/41)

المطلب الثاني: توثيق نسبته إلى المؤلف:
أجمعت الأدلة على ثبوت نسبة كتاب «إيجاز البيان عن معاني القرآن» إلى النيسابوري، من ذلك.
1- ما جاء في مقدمة الكتاب ونصه: «قال الشيخ الإمام السيد بيان الحق فخر الخطباء أبو القاسم محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري: بعد حمد الله كفاء حقه، والصلاة على نبيه محمد خير خلقه ... افتتاح كتاب إيجاز البيان عن معاني القرآن» .
2- ما صرح به المؤلف- رحمه الله- في كتابه جمل الغرائب، وقد تقدم ذكر نصه قبل قليل.
3- ما كتب على غلاف النسخة الأصلية المعتمدة في هذا التحقيق، وكذلك نسخة كوبرلي.
4- كتب التراجم التي ترجمت للنيسابوري ذكرت هذا الكتاب في مصنفاته.

المطلب الثالث: وصف النسخ الخطية:
بعون من الله- سبحانه وتعالى- وحسن وتوفيقه عثرت على ثلاث نسخ خطية للكتاب، نسخة مصورة بمكتبة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة عن مكتبة شورى ملي بإيران ونسختين بتركيا، ووصف هذه النسخ كالآتي:
1- نسخة الأصل: وهي النسخة المحفوظة في مكتبة شورى ملي بطهران رقم (4240) مصورتها في مكتبة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى رقم (362) ويبدو أن هذه النسخة أقدم النسخ الثلاث، ويرجح أن تكون من خطوط القرن السادس الهجري. ليس فيها تاريخ النسخ أو اسم الناسخ.
وهي نسخة كاملة للكتاب تقع في (108) ورقات، قياسها (20 22 سم) ، وعدد أسطر كل صفحة (21 سطرا) في كل سطر اثنتا عشرة
(1/42)

كلمة تقريبا مكتوبة بخط نسخي مضبوط بالشكل في الغالب.
كما أن هذه النسخة تمتاز- أيضا- بقلة وجود التصحيف والتحريف بها ويبدو أن ناسخها كان متقنا متمرسا.
وقد قوبلت هذه النسخة بنسخة أخرى أشار الناسخ إلى الفروق بينهما في الحاشية، ورمز لذلك ب «خ» .
وورد في الحاشية- أيضا- شرح لبعض الألفاظ الغريبة، وبيان للمبهم من المواضع ... وغير ذلك من الفوائد.
2- نسخة ك: وهي النسخة المحفوظة في مكتبة كوبرلي باسطنبول بتركيا، رقم (1589) ، عندي مصورتها، وهذه كاملة تشمل جميع سور القرآن، تقع في (37) ورقة، قياسها (11 22 سم) ، وعدد أسطر كل صفحة (37) سطرا، في كل سطر عشرون كلمة تقريبا، مكتوبة بخط نسخي جميل دقيق، كتبت الآيات فيها باللون المذهب، يكثر فيها التصحيف والتحريف، لذا لم أفد منها فائدة كبيرة.
وجاء في آخر هذه النسخة اسم ناسخها، وهو عبد العزيز الملقب ب «ركن عدل» ، وتاريخ نسخها: في عشرين من شهر محرم الحرام لسنة أربع وخمسين وسبع مائة بدار الملك شيراز ...
3- نسخة ج: وهي النسخة المحفوظة بمكتبة جامعة اسطنبول بتركيا.
تقع هذه النسخة في (80) ورقة، وهناك سقط في هذه النسخة أقدره بسبع ورقات، يبدأ هذا السّقط من الآية 12 من سورة طه حتى الآية 45 من سورة النور.
وجاء في آخر هذه النسخة اسم ناسخها، وهو محمد بن فضل الله الملقب بالضياء في عام 783 هـ.
وقد ذكر بروكلمان في تاريخ الأدب العربي: (الذيل: 1/ 733) نسخة من كتاب «إيجاز البيان» نسبها إلى النيسابوري، وأشار إلى
(1/43)

وجودها بمكتبة الأسكوريال بمدريد رقم (1604) وقد وقفت على أصل هذه النسخة المنسوبة إليه فتبين أنها نسخة من كتاب جمل الغرائب في غريب الحديث للمؤلف نفسه. فكان ذلك وهما من بروكلمان، وجلّ من لا يسهو.

المطلب الرابع: منهج التحقيق:
بعد اختياري نسخة طهران أصلا في التحقيق حاولت- قدر استطاعتي- ضبط النص وذكر الفروق بينها وبين نسخة كوبرلي ونسخة جامعة اسطنبول، وإثبات الصواب في الأصل والإشارة إليها في الهامش.
أما أهم الأعمال التي قمت بها أثناء التحقيق فهي:
1- ترقيم الآيات المفسرة التي أوردها المؤلف على يمين الصفحة، أما الآيات التي ترد في ثنايا الكتاب على سبيل الاستشهاد فقد أشرت إلى السورة ورقم الآية في الهامش.
2- ضبط الآيات القرآنية، وكل ما يحتاج فهمه إلى ضبط من نصوص الكتاب، وراعيت في كتابه الآيات رسم المصحف.
3- تخريج الأحاديث والآثار من مصادرها الأصلية، مشيرا إلى الجزء والصفحة، والكتاب والباب.
فإن لم أعثر عليها في مظانها من كتب الحديث أشرت إلى مواضعها من كتب التفسير، وإذا كان الحديث مخرجا في الصحيحين أو في أحدهما فإني أكتفي بعزوه إليهما أو إلى أحدهما دون الإشارة إلى المصادر الأخرى التي خرجته.
4- تخريج معظم أقوال العلماء ونصوصهم من مصادرها الأصلية.
5- شرح الألفاظ الغريبة بالرجوع إلى معاجم اللغة المعتمدة.
6- التعريف بالأعلام والتعليق على الأماكن التي تحتاج إلى توضيح.
7- فهرسة الكتاب بفهارس علمية مختلفة، خدمة للكتاب وتسهيلا للرجوع
(1/44)

إلى محتوياته، وهذه الفهارس هي:
أ- فهرس الآيات القرآنية التي وردت في ثنايا الكتاب.
ب- فهرس الأحاديث والآثار.
ج- فهرس الأعلام.
د- فهرس المفردات اللغوية.
هـ- فهرس المواضع.
وفهرس الأمثال والأقوال.
ز- فهرس الأشعار.
ح- فهرس الجماعات والقبائل والفرق.
ط- فهرس المصادر والمراجع.
ي- فهرس الموضوعات.
(1/45)

صورة الورقة الأولى من نسخة الأصل
(1/47)

صورة الورقة الأخيرة من الأصل
(1/48)

صورة الصفحة الأولى من نسخة «ك»
(1/49)

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «ك»
(1/50)

صورة الورقة الأولى من نسخة «ج»
(1/51)

صورة الورقة الأخيرة من نسخة «ج»
(1/52)

النّص المحقّق
(1/53)

بسم الله الرّحمن الرّحيم قال الشّيخ الإمام السّيّد بيان الحقّ فخر الخطباء أبو القاسم محمود بن أبي الحسن بن الحسين النّيسابوري رحمه الله:
بعد حمد الله كفاء حقّه، والصّلاة على نبيّه محمد خير خلقه، إنّ أفضل العلوم علم كتاب الله النازل من عنده، والسّبب الواصل بين الله وعبده، وتفاسيره مقصورة على قول واحد من الأولين، أو مقصودة بالتكثير والتكرير كما هو في مجموعات المتأخرين، والأولى لعجمة الطباع واللسان لا تشفي القلب، والثانية لا تطاوع الحفظ لإطالة القول، وهذا المجموع يجري من جميعها مجرى الغرّة «1» من الدّهم «2» والقرحة من الكميت «3» ، قد اشتمل مع تدانى أطرافه من وسائطه، وتقارب أقرانه من شواكله على أكثر من عشرة آلاف فائدة، من تفسير وتأويل ودليل ونظائر وإعراب وأسباب نزول، وأحكام فقه، ونوادر لغات، وغرائب أحاديث.
فمن أراد الحفظ والتحصيل وكان راجعا إلى أدب وتمييز فلا مزيد له على هذا الكتاب.
ومن أراد التبحر والتكثر فعليه بكتابنا «غرر الأقاويل في معاني التنزيل» .
__________
(1) الغرة: بياض في الجبهة، وفي الصحاح: 2/ 767 (غرر) : بياض في جبهة الفرس.
وقيل: الأغر من الخيل الذي غرته أكبر من الدرهم. والقرحة قدر الدرهم فما دونه.
ينظر اللسان: 5/ 14 (غرر) .
(2) الدّهم: السواد. اللسان: 12/ 209 (دهم) . [.....]
(3) الكميت: لون بين السّواد والحمرة.
الصحاح: 1/ 263 (كمت) .
(1/55)

ومن أراد محاورة المتكلمين ومحاضرة المتأدبين فلينظر من أحد كتابينا إمّا كتاب «باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن» ، وإمّا كتاب «الأسولة الرائعة والأجوبة الصادعة إلى حلبة البيان وحلية الإحسان وزبدة التفاسير ولمعة الأقاويل» .
ومن أراد ريحانة العلوم وباكورة التفاسير وأمهات الآداب ومقلدات الأشعار فلينشر من كتابنا «شوارد الشواهد وقلائد القصائد» حلل [الوشي] «1» وأنماطه «2» وليبسط منه زرابي «3» الربيع ورياطه «4» ، وكل من ذلك ركض في ميدان قد حسرت عنه الجياد، وانقطعت دونه الآماد، ولكنه سنّة العلماء [1/ ب] الأولين أجمعين في تفسير ما أشكل للآخرين الأعجمين، والله وليّ التوفيق/ فيما نقصد، وعليه نتوكل وبه نستعين ونعتضد.
__________
(1) ما بين معقوفين عن «ك» .
والوشي: الثياب، والوشي في اللون: خلط لون بلون.
اللسان: 15/ 392 (وشى) .
(2) النمط: ضرب من البسط، والجمع أنماط.
وفي اللسان: 7/ 417 (نمط) عن أبي منصور قال: «والنمط عند العرب والزوج ضروب الثياب المصبغة ولا يكادون يقولون نمط ولا زوج إلا لما كان ذا لون من حمرة أو خضرة أو صفرة، فأما البياض فلا يقال: نمط، ويجمع أنماطا اهـ.
(3) الزرابي: البسط، وقيل: كل ما بسط وأتكئ عليه، وقيل: هي الطنافس، والمراد ب «الزرابي» هنا النبت والخضرة.
ينظر اللسان: 1/ 447 (زرب) .
(4) الرّيطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين، والجمع: ريط ورياط.
الصحاح: 3/ 1128، واللسان: 7/ 307 (ريط) .
(1/56)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
افتتاح كتاب إيجاز البيان عن معاني القرآن

من سورة الفاتحة
1 بِسْمِ اللَّهِ: الباء تقتضي تعلق فعل بالاسم إما خبرا أو أمرا، وموضعها نصب على معنى: أبدأ أو أبتدئ «1» ورفع على معنى ابتدائي «2» .
والاسم من السّموّ «3» لجمعه على أسماء وتصغيره سميّ، وليس من السّمة «4» لأن محذوف الفاء لا يدخله ألف الوصل، وإنّما الاسم منقوص حذف لامه ليكون فيه بعض ما في الفعل من التصرف، إذ كان أشبه به من الحروف ولحقته ألف الوصل عوضا عن النقص.
__________
(1) إعراب القرآن للنحاس: 1/ 166، مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب: 1/ 66، الكشاف: 1/ 26، تفسير القرطبي: 1/ 99، الدر المصون: 1/ 14.
(2) وهو مذهب البصريين كما في إعراب القرآن للنحاس: 1/ 166، والدر المصون: 1/ 22.
(3) معاني القرآن للزجاج: 1/ 40، معاني القرآن للنحاس: 1/ 51، مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 66 ونسب هذا الرأي للبصريين. وانظر الكشاف: 1/ 35، والدر المصون:
1/ 19.
(4) وقد خطأ هذا القول أيضا الزجاج في معاني القرآن: 1/ 40، والنحاس في معاني القرآن:
1/ 51.
وانظر مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 66 حيث نسب هذا القول للكوفيين وقال: «وقول البصريين أقوى في التصريف» . وقال السمين الحلبي في الدر المصون: 1/ 19: «وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من الوسم وهو العلامة لأنه علامة على مسمّاه، وهذا وإن كان صحيحا من حيث المعنى لكنه فاسد من حيث التصريف» .
(1/57)

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)
اللَّهِ معناه: الذي يحق له العبادة وأصله الإله «1» ، حذفت الهمزة وجعلت الألف واللّام عوضا عنها، ونظيره [لكنا] «2» أصله: لكن أنا حذفت الهمزة وأدغمت إحدى النونين في الأخرى [فصار لكنا] «3» .
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اسمان من الرحمة. والرحمة: النعمة على المحتاج. وقدّم الرَّحْمنِ وإن كان أبلغ لأنه كالعلم، إذ كان لا يوصف به غير الله فصار كالمعرفة في الابتداء بها «4» .
2 والْحَمْدُ الوصف بالجميل على التفصيل «5» ، [وهو أن يذكره بصفاته المحمودة، أي: المرضية على التفصيل، والذكر بالجميل على الإجمال هو الثناء، وذكر المنعم بالجميل على إنعامه هو الشكر، وقيل:
شكر المنعم هو إظهار نعمه قولا وفعلا واعتقادا] «6» .
والربّ: الحافظ المدبر «7» ، ويقال للخرقة التي تحفظ فيها القداح:
ربابة وربّة «8» .
__________
(1) اشتقاق أسماء الله للزجاجي: (23، 24) ، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 52. وانظر تفسير الطبري: 1/ 125، وتفسير القرطبي: 1/ 102.
(2) في الأصل: «لكنّ» ، والمثبت في النص عن «ك» .
(3) ما بين معقوفين عن «ج» .
(4) انظر: تفسير غريب القرآن: 6، تفسير الطبري: (1/ 126- 130) ، اشتقاق أسماء الله للزجاجي: (38- 40) ، مفردات الراغب: 191، الدر المصون: (1/ 32، 33) .
(5) جاء في هامش الأصل: معنى «الحمد» الشكر لله على نعمائه والثناء عليه بما هو أهله.
وانظر معنى الحمد في تفسير الطبري: 1/ 135، معاني القرآن للنحاس: 1/ 57، مفردات الراغب: 131، المحرر الوجيز: 1/ 99، تفسير القرطبي: 1/ 131، الدر المصون: 1/ 36. [.....]
(6) ما بين معقوفين عن «ج» .
(7) ومن معاني الرّبّ في اللغة: السيّد والمالك والمعبود، ولا يطلق على غير الله سبحانه وتعالى إلا بقيد إضافة.
انظر: تفسير غريب القرآن: 9، تفسير الطبري: (1/ 141، 142) ، اشتقاق أسماء الله:
(32- 34) ، اللسان: 1/ 399 (ريب) .
(8) غريب الحديث لأبي عبيد: 2/ 26، الاشتقاق لابن دريد: 180، اللسان: 1/ 406 (ريب) .
(1/58)

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)
والعالم ما يحويه الفلك «1» . وقيل العدد الكثير ممن يعقل ثم يدخل غيرهم فيه تبعا، فإنهم في الخليقة كالرؤوس والأعلام وأنهم مستدلون كما أنهم أدلة «2» .
4 والدِّينِ الجزاء والحساب والقضاء والطاعة «3» . والأصل الجزاء.
وتخصيص الملك بيوم الدّين لأنّ الأمر فيه لله وحده «4» . وصفة ملك أمدح لاستغنائها عن الإضافة «5» ، والأولى أن يكون أصله من القدرة لا الشد
__________
(1) أورد المؤلف رحمه الله هذا القول في كتابه «وضح البرهان» : 1/ 93، ونسبه للحسن رحمه الله، وفي مفردات الراغب: 345: «العالم عالمان» : الكبير وهو الفلك بما فيه، والصغير وهو الإنسان ... » .
(2) قال الطبري في تفسيره: 1/ 143: «والعالمون جمع عالم، والعالم: جمع لا واحد له من لفظه كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جماع لا واحد له من لفظه. والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالم، وأهل كل قرن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان. والجن عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كل جنس منها عالم زمانه، ولذلك جمع فقيل: عالمون وواحده جمع، لكون عالم كل زمان من ذلك عالم ذلك الزمان ... وهذا القول الذي قلناه، قول ابن عباس وسعيد بن جبير، وهو معنى قول عامة المفسرين» .
وقال القرطبي في تفسيره: 1/ 138: «اختلف أهل التأويل في الْعالَمِينَ اختلافا كثيرا، ثم ذكر أقوال المفسرين في ذلك وصحح ما ذهب إليه الطبري» .
(3) غريب القرآن لليزيدي: 61، تفسير غريب القرآن: 38، تفسير الطبري: 1/ 155، معاني القرآن للزجاج: 1/ 47، معاني القرآن للنحاس: 1/ 62، 63) ، وقال النحاس:
«والدين في غير هذه الطاعة، والدين أيضا العادة ... والمعاني متقاربة لأنه إذا أطاع فقد دان» .
(4) انظر معاني القرآن للزجاج: 1/ 47، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 63، تفسير القرطبي:
1/ 142، البحر المحيط: 1/ 22.
(5) لا يسلم للمؤلف- رحمه الله- فيما ذهب إليه هنا، فالقراءتان: ملك، ومالك، قراءتان سبعيتان متواترتان، أضف إلى ذلك أن قراءة «مالك» بالألف، فيها زيادة حرف، والحرف بعشر حسنات كما ثبت في الحديث الصحيح.
(1/59)

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)
والربط لأنّ صفات الله تؤخذ من أشراف «1» المعاني.
5 [إيّا] «2» اسم موضوع مضمر مفرد غير مضاف. والكاف حرف خطاب لا موضع له [من الإعراب] «3» مثل كاف «ذلك» .
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ على نظم آي السورة [ولاقتضائه الحصر] «4» ، وإن كان نعبدك أوجز، ولهذا قدّم الرَّحْمنِ والأبلغ لا يقدم.
[2/ أ] وقدّمت العبادة على الاستعانة/ لهذا، مع ما في تقديم ضمير المعبود من حسن الأدب. والحمد دون العبادة ففخّم بالغيبة ليقاربه لفظ العبادة بقصور المخاطبة في اللّفظ، وعلى هذا أسند لفظة النّعمة إلى الله وصرف لفظ الغضب إلى المغضوب عليهم.
وسؤال الهداية الحاصلة للتثبيت عليها «5» لا سيّما وبإزاء كل دلالة شبهة. وقيل: هي الهداية إلى طريق الجنّة.
وقيل «6» : هي حفظ القرآن والسنّة. والتعبد بالدعاء فيما «7» لا بد أن
__________
(1) في ج، ك: أشرف.
(2) في الأصل: «إياك» ، والمثبت في النّص عن نسخة «ج» .
(3) عن نسختي «ك» و «ج» وعن كتاب المؤلف وضح البرهان في مشكلات القرآن.
(4) عن نسخة «ج» .
(5) انظر تفسير الطبري: 1/ 169، معاني القرآن للزجاج: 1/ 49، معاني القرآن للنحاس:
1/ 66، المحرر الوجيز: 1/ 120. وقال الحافظ ابن كثير- رحمه الله- في تفسيره:
1/ 44: «فإن قيل: كيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟ فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلا ونهارا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق.
(6) لم أهتد إلى قائله، ونقل المؤلف في وضح البرهان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنّ الصراط المستقيم هنا كتاب الله فيكون سؤال الهداية لحفظه وتبين معانيه. [.....]
(7) في «ج» : مما.
(1/60)

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
يفعله الله زيادة لطف للعبد.
7 وغَيْرِ الْمَغْضُوبِ بدل من [الَّذِينَ وإلا فالمعرفة لا توصف بالنكرة «1» .
وقال أبو علي «2» : غَيْرِ ها هنا معرفة لأنها مضافة إلى معرفة والمضاف أيضا في معرفة المعنى لأن له ضدا واحدا.
ويجوز نصب غَيْرِ على الحال من «هم» في عَلَيْهِمْ، أو من الَّذِينَ «3» .
والغضب من الله إرادة المضارّ بمن عصاه، وكذلك عامّة الصّفات تفسّر على أحوالنا بما هو أغراضها في التمام لا أغراضها في الابتداء «4» .
و «آمين» أشبعت منه الهمزة كأنه فعيل من الأمن، وليس به، بل اسم
__________
(1) معاني القرآن للأخفش: 1/ 165، معاني القرآن للزّجّاج: 1/ 53، الحجة لأبي علي الفارسي: 1/ 142، مشكل إعراب القرآن: 1/ 72، الدر المصون: 1/ 71. وقد أورد المؤلف هذا القول في وضح البرهان وقال: إنه مذهب الأخفش.
(2) أبو علي الفارسي: (288- 377 هـ) .
هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، أبو علي، الإمام النحوي اللغوي.
من تصانيفه: الحجة للقراء السبعة، والأغفال، والمسائل العسكرية ... وغير ذلك.
أخباره في: وفيات الأعيان: (2/ 80) ، وسير أعلام النبلاء (16/ 379، 380) ، بغية الوعاة: (1/ 496- 498) ، ونص كلامه في الحجة: 1/ 144.
(3) انظر السبعة في القراءات لابن مجاهد: 112، معاني القرآن للزجاج: 1/ 53، الحجة لأبي علي الفارسي: (1/ 142، 143) ، ونقل عن ابن مجاهد أنه قال: «والاختيار الذي لا خفاء به الكسر» اهـ وهي قراءة الجمهور. وقال الطبري في تفسيره: 1/ 182، وقد يجوز نصب «غير» في غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وإن كنت للقراءة بها كارها لشذوذها عن قراءة القراء.
وإنّ ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرا مستفيضا. فرأى للحق مخالف، وعن سبيل الله وسبيل رسوله صلّى الله عليه وسلّم وسبيل المسلمين متجانف، وإن كان له- لو كان جائزا القراءة به- في الصواب مخرج» .
(4) الأولى أن تفسر مثل هذه الألفاظ على أنها صفات لله سبحانه وتعالى تليق بجلاله دون تأويل.
(1/61)

سمّي به الفعل، ومعناه: افعل أو استجب «1» .
والسورة فاتحة الكتاب لأنه «2» يفتتح بها «3» . و «أمّ الكتاب» ، لأنها أصل معانيه «4» . و «السّبع المثاني «5» » ، لأنها تثنى في كل صلاة.
__________
(1) انظر معاني القرآن للزجاج: 1/ 54، المحرر الوجيز: 1/ 131، البيان لابن الأنباري:
(1/ 41، 42) ، الدر المصون: 1/ 77.
(2) في «ج» : لأنها.
(3) وفي الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» . أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 1/ 154، كتاب الأذان، باب «وجوب القراءة للإمام والمأموم» . وانظر تفسير الطبري: 1/ 107، معاني القرآن للنحاس: 1/ 48، تفسير القرطبي: 1/ 111.
(4) المراد بالكتاب هنا القرآن، وقد جاء في الحديث ما يدل عليه، من ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 222، كتاب التفسير، باب قوله: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أم القرآن هي السبع المثاني» .. وأخرج الإمام مسلم في صحيحه: 1/ 295، كتاب الصلاة، باب «وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال:
قال يا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة لمن لم يفترئ بأم القرآن» .
(5) يدل على هذه التسمية الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري، والذي تقدم قبل قليل و «تثنى» بضم التاء وسكون الثاء، والمعنى: تكرر وتعاد. اللسان: 14/ 119 (ثنى) .
(1/62)

الم (1)
ومن سورة البقرة
1 الم ونظائرها قيل «1» : إنّها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله وما سمّيت معجمة إلا لإعجامها «2» .
والأصحّ أنّها اختصار كلام يفهمه المخاطب «3» ، أو أسماء للسّور «4»
__________
(1) أورده المؤلف في وضح البرهان: 1/ 101، ورجح هذا القول ونسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
ونقل النحاس هذا القول في معاني القرآن: (1/ 77، 78) عن الشعبي، وأبي حاتم الرازي، ونقله عن الشعبي أيضا البغوي في تفسيره: 1/ 44، وكذا ابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 138، وزاد نسبته إلى سفيان الثوري وجماعة من المحدثين.
وانظر زاد المسير: 1/ 20، وتفسير القرطبي: 1/ 154، وفيه: «وروى هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما» .
(2) أشار الناسخ إلى ما بعده في الهامش ولم أستطع قراءته، وجاء في وضح البرهان:
1/ 101: «لإعجام بيانها وإبهام أمرها» .
(3) وقد روي نحو هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، من ذلك ما أخرجه الطبري في تفسيره: 1/ 207، وابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 27، والنحاس في معاني القرآن: 1/ 73 في قوله: الم قال: أنا الله أعلم.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 56، وزاد نسبته إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس، وقد رجح الزجاج في معاني القرآن: 1/ 62 هذا القول المنسوب إلى ابن عباس، وقال: «والدليل على ذلك أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل به على الكلمة التي هو منها، قال الشاعر:
قلنا لها قفي قالت قاف ... لا تحسبي أنّا نسينا الإيجاف
فنطق بقاف فقط، يريد قالت أقف» .
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: 1/ 206 عن عبد الرحمن بن أسلم، وعزاه القاضي عبد الجبار في متشابه القرآن: (16، 17) إلى الحسن البصري، وكذا المؤلف في وضح البرهان:
1/ 102. وذكر الفخر الرازي في تفسيره: 2/ 6 أنه قول أكثر المتكلمين، واختيار الخليل وسيبويه. وقال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: 300: «فإن كانت أسماء للسور، فهي أعلام تدل على ما تدل عليه الأسماء من أعيان الأشياء وتفرق بينها. فإذا قال القائل:
(المص) أو قرأت: ص أو ن دل بذاك على ما قرأ كما تقول: لقيت محمدا وكلمت عبد الله، فهي تدل بالاسمين على العينين، وإن كان قد يقع بعضها مثل حم والم لعدة سور، فإن الفصل قد يقع بأن تقول: حم السجدة، والم البقرة، كما يقع الوفاق في الأسماء، فتدل بالإضافات وأسماء الآباء والكنى» . [.....]
(1/63)

لأنّ الله أشار بها إلى الكتاب، ولا تصلح صفة للمشار إليه، لأنّ الصّفة للتحلية بالمعاني أو هي إشارة إلى أنّ ذلك الكتاب الموعود مؤلف منها.
فلو كان من عند غير الله لأتيتم بمثله، فيكون موضع الم رفعا بالابتداء، والخبر ذلِكَ الْكِتابُ «1» .
وقال المبرّد «2» : ليس في الم إعراب لأنها حروف هجاء وهي لا يلحقها الإعراب، لأنها علامات إلا أنّها يجوز أن تجعل أسماء للحروف فتعرب.
[2/ ب] والكتاب والفرض والحكم والقدر واحد «3» ، وفي/ الحديث «4» :
__________
(1) معاني القرآن للزجاج (1/ 67، 68) ، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 73، والبيان لابن الأنباري: 1/ 43، والتبيان للعكبري: 1/ 14، والدر المصون: 1/ 81.
(2) المبرد: (210- 285 هـ) .
هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، أبو العباس. الإمام النّحوي الأديب.
صنّف الكامل في النحو، والمذكر والمؤنث، والمقتضب، وغير ذلك.
قال الزّبيدي في شرح خطبة القاموس: 1/ 92: «المبرّد بفتح الراء المشددة عند الأكثر، وبعضهم بكسر» .
أخباره في: طبقات النحويين للزبيدي: 101، معجم الأدباء: 19/ 111، بغية الوعاة:
1/ 269.
(3) تفسير القرطبي: 1/ 159.
(4) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 3/ 167، كتاب الصلح، باب «إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود» ، والإمام مسلم في صحيحه: 3/ 1325، كتاب الحدود، باب «من اعترف على نفسه بالزنا» عن أبي هريرة رضي الله عنه ورفعه، واللفظ عندهما:
«لأقضين بينكما بكتاب الله» . وانظر النهاية لابن الأثير: 4/ 147.
(1/64)

ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
«لأقضينّ بكتاب الله» أي بحكمه.
2 لا رَيْبَ فِيهِ يخاطب أهل الكتاب لمعرفتهم به من كتابهم «1» . أو لا سبب شكّ وشبهة فيه من انتفاء أسباب التناقض والتعقيد ونحوهما «2» .
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ لأنهم الذين اهتدوا به، وموضع هُدىً نصب على الحال من «هاء» فِيهِ، والعامل فيه هو العامل في الظرف، وهو معنى رَيْبَ أي: لا ريب فيه هاديا، ويجوز موضعه رفعا بمعنى فيه هدى أو يكون خبر ذلِكَ الْكِتابُ «3» .
3 يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ بما يغيب عن الحواس، أو يؤمنون بظهر الغيب ولا ينافقون «4» ، والجار والمجرور في موضع حال، وعلى الأول في معنى مفعول به.
والصَّلاةَ: الدعاء، وفي الحديث «5» : «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب وإن كان صائما فليصلّ» أي فليدع لصاحبه.
__________
(1) المحرر الوجيز: 1/ 142، تفسير القرطبي: 1/ 158.
(2) قال المصنف رحمه الله في كتابه «وضح البرهان» : 1/ 104: إخبار عن كون القرآن حقا وصدقا إذ أسباب الشك عنه زائلة، وصفات التعقيد والتناقض منه بعيدة، والإعجاز واقع، والهدى حاصل، والشيء إذا بلغ هذا المبلغ اتصف بأنه لا رَيْبَ فِيهِ.
(3) تفسير الطبري: 1/ 231، معاني القرآن للزجاج: 1/ 70، إعراب القرآن للنحاس:
1/ 180، الدر المصون: 1/ 86.
(4) ذكر المفسرون أقوالا كثيرة في المراد بِالْغَيْبِ، راجع هذه الأقوال في تفسير الطبري:
1/ 236، تفسير البغوي: 1/ 47، المحرر الوجيز: (1/ 145، 146) ، زاد المسير:
(1/ 25، 26) ، تفسير القرطبي: 1/ 163. قال الإمام أبو جعفر الطبريّ رحمه الله:
«وأصل الغيب: كل ما غاب عنك من شيء. وهو من قولك: غاب فلان يغيب غيبا» .
وأورد ابن عطية رحمه الله بعض الأقوال، ثم قال: «وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها، والغيب في اللغة: ما غاب عنك من أمر، ومن مطمئن الأرض الذي يغيب فيه داخله.
(5) أخرجه- باختلاف يسير في بعض ألفاظه- الإمام مسلم في صحيحه: 2/ 1054، كتاب النكاح، باب «الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة» عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا. وانظر غريب الحديث لأبي عبيد: 1/ 178، النهاية لابن الأثير: 3/ 50، اللسان: 14/ 465 (صلا) .
(1/65)

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)
وقيل «1» : الصلاة من صليت العود، إذا لينته، لأنّ المصلى يلين ويخشع.
وأصل الإنفاق «2» الإنفاد، أنفق القوم نفد زادهم «3» .
5 وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: يدخل «هم» في مثله فصلا، وفي لفظ الكوفيين عمادا ولا موضع له من الإعراب «4» ، وإنما يؤذن أن الخبر معرفة، أو أن الذي بعده خبر لا صفة.
6 سَواءٌ عَلَيْهِمْ في قوم من الكفار، وسَواءٌ بمعنى مستو. وفي حديث علي رضي الله عنه: «حبّذا أرض الكوفة، سواء سهلة» «5» .
والحكمة في الإنذار مع العلم بالإصرار إقامة الحجة، وليكون الإرسال عاما، وليثاب الرسول «6» .
وسَواءٌ عَلَيْهِمْ يجوز أن يكون خبر (إن) ، ويجوز اعتراضا، والخبر لا يُؤْمِنُونَ «7» ، ولفظ الإنذار «8» في أَأَنْذَرْتَهُمْ معناه الخبر
__________
(1) هذا القول بنصه في مجمل اللّغة لابن فارس: 2/ 38 (صلى) ، وأورده السمين الحلبي في الدر المصون: 1/ 94، وقال: «ذكر ذلك جماعة أجله وهو مشكل، فإن الصلاة من ذوات الواو، وهذا من الياء» .
(2) من قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
(3) تهذيب الألفاظ: 21، مفردات الراغب: 502، الكشاف: 1/ 133، البحر المحيط:
1/ 39، الدر المصون: 1/ 96.
(4) ينظر هذه المسألة في الجمل للزجاجي: 142، والإنصاف لابن الأنباري: 1/ 706.
(5) أخرجه يحيى بن معين في تاريخه: 4/ 51، واللّفظ عنده: «يا حبذا الكوفة، أرض سواء معروفة تعرفها جمالنا المعلوفة» . أخرجه ابن معين عن علي رضي الله عنه، وفيه انقطاع لأن ابن عيينة لم يسمع من علي.
واللّفظ الذي أورده المؤلف رحمه الله في غريب الحديث للخطابي: 2/ 187، والفائق للزمخشري: 2/ 209، النهاية: 2/ 427. [.....]
(6) في وضح البرهان: 1/ 105: «وقيل لثبات الرسول على محاجة المعاندين» .
(7) إعراب القرآن للنحاس: 1/ 184، عن ابن كيسان. وانظر مشكل إعراب القرآن: 1/ 76، التبيان للعكبري: 1/ 21.
(8) في «ك» و «ج» : الاستفهام، وكذلك في وضح البرهان للمؤلف.
(1/66)

خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)
للتسوية «1» التي في الاستفهام من الإبهام، ولا تسوية في «أو» «2» لأنها تكون في معنى «أي» وهذا معنى قولهم إن أو لا تعادل الألف، والمعادلة أن تكون أم مع الألف في معنى أي، ولا يجوز: لأضربنه قام أو قعد، ويجوز «أم» «3» ، إذ لا تسوية في الإبهام لأن المعنى لأضربنه على كل حال.
7 خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسمها بسمة تعرفها الملائكة كما كتب الإيمان في قلوب المؤمنين «4» .
وقيل/: هو حفظ ما في قلوبهم للمجازاة إذ ما يحفظ يختم. [3/ أ] وقيل: المراد ظاهره، وهو المنع بالخذلان عقوبة لا بسلب القدرة، والقلب مضغة معلقة بالنياط، وعربي خالص.
وفي الخبر «5» : «لكلّ شيء قلب، وقلب القرآن يس» : ولم يجمع السمع للمصدر أو لتوسطه الجمع «6» [من طرفيه] «7» .
__________
(1) ذكره الأخفش في معاني القرآن: (1/ 181، 182) ، وانظر معاني القرآن للزجّاج: 1/ 77، إعراب القرآن للنحاس: 1/ 184، الحجة لأبي علي الفارسي: (1/ 264، 265) ، التبيان للعكبري: 1/ 22، الدر المصون: 1/ 105.
(2) الحجة للفارسي: 1/ 265.
(3) راجع هذا المعنى ل «أم» في حروف المعاني للزّجاجي: 48، رصف المباني: 187، الجنى الداني: 225.
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 67.
(5) أخرجه الترمذي في السنن: 5/ 162، كتاب فضائل القرآن، باب «ما جاء في فضل يس» عن أنس رضي الله عنه مرفوعا، وقال: «هذا حديث غريب» .
وأخرجه- أيضا- الدارمي في سننه: 2/ 456، كتاب فضائل القرآن، باب «في فضل يس» ، وفي سنده هارون أبو محمد مجهول.
قال العجلوني في كشف الخفاء: 1/ 269: «وأجيب بأن غايته أنه ضعيف، وهو يعمل به في الفضائل» .
(6) زاد في وضح البرهان: 1/ 107، «فكان جمعا بدلالة القرينة، مثل: السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، والظُّلُماتِ وَالنُّورَ.
(7) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(1/67)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)
وأصل العذاب: المنع، واستعذب عن كذا: انتهى «1» .
وفي حديث علي «2» رضي الله عنه: «اعذبوا عن ذكر النساء، فإن ذلك يكسركم عن الغزو» ، وفي المثل «3» : لألجمنّك لجاما معذبا، أي: مانعا من ركوب الرأس.
8 وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ دخلت الباء في خبر «ما» مؤكدة للنفي «4» ، لأنه يستدل بها السامع على الجحد إذا كان غفل عن أول الكلام.
9 يُخادِعُونَ اللَّهَ: مفاعله للواحد، مثل: عافاه الله وقاتله، وعاقبت اللص، أو المراد: مخادعة الرسول والمؤمنين كقوله «5» : يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [أي: يخادعون رسول الله] «6» ، وأصل الخداع: إظهار غير ما في النفس «7» ، وفي المثل «8» : أخدع من [ضب] «9» حرشته.
وفي الحديث «10» : «بين يدي الساعة سنون خدّاعة» .
__________
(1) تهذيب اللغة: 2/ 321، الصحاح: 1/ 178، اللسان: 1/ 584 (عذب) .
(2) الحديث ذكره أبو عبيد في غريب الحديث: 3/ 467 دون إسناد.
وهو في الفائق للزمخشري: 2/ 405، وغريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 76، والنهاية لابن الأثير: 3/ 195.
(3) جمهرة الأمثال للعسكري: 2/ 215، ومجمع الأمثال للميداني: 3/ 130.
(4) معاني القرآن للزجاج: 1/ 85، إعراب القرآن للنحاس: 1/ 187، مشكل إعراب القرآن:
1/ 77، التبيان للعكبري: 1/ 25. [.....]
(5) من آية 57 سورة الأحزاب.
(6) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(7) انظر اللسان: 8/ 63، تاج العروس: 20/ 483 (خدع) .
(8) الجمهرة لابن دريد: 1/ 512، تهذيب اللغة: 1/ 159، جمهرة الأمثال للعسكري:
1/ 440، مجمع الأمثال: 1/ 458. والمعنى- كما في مجمع الأمثال- أن خدع الضّبّ إنما يكون من شدة حذره، وأما صفة خدعة فأن يعمد بذنبه باب جحره، ليضرب به حية أو شيئا آخر إن جاءه، فيجيء المحترش فإن كان الضبّ مجرّبا أخرج ذنبه إلى نصف الجحر، فإن دخل عليه شيء ضربه، وإلا بقي في جحره.
(9) في الأصل: «ظبي» ، والمثبت في النص من «ك» و «ج» .
(10) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 2/ 291 باختلاف يسير في اللفظ. وابن ماجة في السنن: 2/ 1339، كتاب الفتن، باب «شدة الزمان» عن أبي هريرة مرفوعا وفي إسنادهما إسحاق بن أبي الفرات، جهّله الحافظ في التقريب: 102، وهو أيضا في غريب الحديث للخطابي: 1/ 530، الفائق للزمخشري: 3/ 55، النهاية: 2/ 14.
وفي معنى الحديث قال ابن الأثير: «أي تكثر فيها الأمطار ويقل الرّيع، فذلك خداعها، لأنها تطمعهم في الخصب بالمطر ثم تخلف. وقيل: الخدّاعة: القليلة المطر، من خدع الرّيق إذا جفّ» .
(1/68)

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)
10 فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً: أي: عداوة الله «1» كقوله «2» : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، أي: من ترك ذكر الله.
وقيل «3» : ذلك بما كلّفهم من حدود الشريعة وفروضها.
وقيل «4» : ذلك بزيادة تأييد الرسول تسمية للمسبب باسم السبب.
10 بِما كانُوا يَكْذِبُونَ: «ما» [مع الفعل] «5» بمعنى المصدر وليس بمعنى الذي «6» لأن «الذي» يحتاج إلى عائد من الضمير. وإنما جاءهم المفسدون مع فساد غيرهم لشدة فسادهم، فكأنه لم يعتد بغيره.
14 وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ: أبلغ من خلوا بهم «7» لأن فيه دلالة الابتداء والانتهاء، لأن أول لقائهم للمؤمنين أي: إذا خلوا من المؤمنين إلى الشياطين «8» .
__________
(1) في «ج» : أي زادهم عداوة الله مرضا.
(2) الزمر: آية: 22.
(3) ذكر نحوه الماوردي في تفسيره: 1/ 69.
(4) المصدر السابق، أورد معناه دون لفظه.
(5) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(6) وذكر السمين الحلبي في الدر المصون: 1/ 131 أن «ما» يجوز أن تكون بمعنى الذي، وقال: «وحينئذ فلا بدّ من تقدير عائد، أي: بالذي كانوا يكذّبونه، وجاز حذف العائد لاستكمال الشروط، وهو كونه منصوبا متصلا بفعل، وليس ثمّ عائد آخر» .
(7) في «ج» : خلوا شياطينهم.
راجع هذا المعنى في تفسير الماوردي: 1/ 70، والمحرر الوجيز: (1/ 174، 175) ، وتفسير القرطبي: 1/ 207، وتفسير ابن كثير: 1/ 77.
(8) قال السمين الحلبي في الدر المصون: 1/ 145: «والأكثر في «خلا» أن يتعدى بالباء، وقد يتعدى بإلى، وإنما تعدّى في هذه الآية بإلى لمعنى بديع، وهو أنه إذا تعدّى بالباء احتمل معنيين أحدهما: الانفراد، والثاني: السخرية والاستهزاء، تقول: «خلوت به» أي سخرت منه، وإذا تعدّى بإلى كان نصا في الانفراد فقط، أو تقول: ضمن خلا معنى صرف فتعدّى بإلى، والمعنى: صرفوا خلاهم إلى شياطينهم ... » . [.....]
(1/69)

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)
15 اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ: يجازيهم على استهزائهم «1» أو يرجع وباله عليهم أو يستدرجهم بالزيادة في النعم على الإملاء في الطغيان. وفي حديث عدي بن حاتم أنه يفتح لهم باب الجنة ثم يصرفون إلى النار «2» .
[3/ ب] وَيَمُدُّهُمْ: يملى لهم ويعمرهم «3» ، وقيل: يكلهم إلى نفوسهم/ ويخذلهم.
16 اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى: إذ كان الله فطرهم على الإيمان.
ويقال: شريت واشتريت: بعت «4» . وشراة المال وشريه خياره [الذي] «5» يرغب في شراه وفرس شرى: خيار فائق وفي حديث أم
__________
(1) انظر تأويل مشكل القرآن: 277، وتفسير الطبري: (1/ 302- 304) ، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 96، وتفسير الماوردي: 1/ 71.
(2) لم أقف على هذا القول منسوبا إلى عدي بن حاتم، وورد هذا المعنى في أثر أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: 2/ 244 عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده الكلبي، وأبو صالح، والكلبي متهم بالكذب كما في التقريب: 479. ووصف الطبري في تفسيره: 1/ 66 رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بقوله: «وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله» .
(3) أخرج الطبري في تفسيره: 1/ 307 عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يمدّهم» يملي لهم.
ونقل الأخفش في معاني القرآن: 1/ 206 عن يونس بن حبيب: «ما كان من الشر فهو «مددت» وما كان من الخير فهو «أمددت» » .
وانظر غريب القرآن وتفسيره لليزيدي: 65، وتفسير المشكل لمكي: 87، وتفسير الماوردي: 1/ 72.
(4) فهو من الأضداد. انظر الأضداد لابن الأنباري: 72، واللسان: 4/ 428 (شرى) .
(5) في الأصل: التي، والمثبت في النص عن «ج» .
(1/70)

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)
زرع «1» : «ركب شريّا وأخذ خطّيّا» «2» .
17 مَثَلُهُمْ: في قوم أسلموا ثم نافقوا «3» .
وقيل «4» : هم اليهود ينتظرون المبعث ويستفتحون
__________
(1) قال الزبير بن بكار في الأخبار الموفقيات: 464: «وهي أمّ زرع بنت أكيمل بن ساعد» .
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: 9/ 167: «وسمى ابن دريد في «الوشاح» أم زرع عاتكة» . وأم زرع هي واحدة من إحدى عشرة امرأة من قرية من قرى اليمن كما في الأخبار الموفقيات: 462، وقد خرجن إلى مجلس لهن، فقال بعضهن لبعض: تعالين فلنذكر بعولتنا بما فيهم، ولا نكذب فتبايعن على ذلك ... » .
والحديث في صحيح البخاري: 6/ 147، كتاب النكاح، باب «حسن المعاشرة مع الأهل» ، وصحيح مسلم: 4/ 1901، كتاب فضائل الصحابة، باب «ذكر حديث أم زرع» .
(2) قال القاضي عياض رحمه الله في بغية الرائد: 160: «والشرى أيضا- بالشين المعجمة- الفرس الذي يستشري في سيره، أي يلج ويمضي بلا فتور ولا انكسار» ... و «الخطى» الرمح، نسب إلى الخط، وهو موضع من ناحية البحرين، تأتي الرماح إليها من الهند، ثم تفرق من الخط إلى بلاد العرب فينسب إليه ... » .
وانظر غريب الحديث لأبي عبيد: (2/ 308، 309) ، وغريب الحديث لابن الجوزي:
1/ 535، والنهاية لابن الأثير: 2/ 496.
والخطّ بفتح أوله وتشديد ثانيه كما في معجم ما استعجم: 2/ 503، ومعجم البلدان:
2/ 378.
(3) الآيات التي نزلت في المنافقين في صدر سورة البقرة (8- 20) من قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ إلى قوله تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ... الآية.
وانظر خبرهم في تفسير الطبري: 1/ 322، وتفسير ابن كثير: (1/ 80، 81) ، والدر المنثور: (1/ 81، 82) .
(4) هذه الآية والآيات التي قبلها نزلت في المنافقين قولا واحدا، ولم أجد من قال إنها نزلت في اليهود والمعنى الذي ذكره المؤلف ورد في قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ البقرة: 89.
فهذه الآية نزلت في اليهود، وقد ورد خبر استفتاح اليهود بالنبي صلّى الله عليه وسلّم في عدة روايات منها:
ما أخرجه ابن إسحاق (السيرة لابن هشام: 1/ 211) ، والطبري في تفسيره: (2/ 332، 333) ، وأبو نعيم في الدلائل: (1/ 94- 96) ، والبيهقي في الدلائل: (2/ 75، 76) عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ منهم قالوا: فينا والله وفيهم- يعني في الأنصار، وفي اليهود- الذين كانوا جيرانهم- نزلت هذه القصة، يعني: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا قالوا: كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية ونحن أهل الشرك، وهم أهل الكتاب- فكانوا يقولون: إن نبيا الآن مبعثه قد أظل زمانه، يقتلكم قتل عاد وإرم. فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه، كفروا به. يقول الله: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ اهـ.
قال الشيخ أحمد شاكر في تخريج هذا الحديث: «هذا له حكم الحديث المرفوع، لأنه حكاية عن وقائع في عهد النبوة، كانت سببا لنزول الآية، تشير الآية إليها. الراجح أن يكون موصولا. لأن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري الظفري المدني: تابعي ثقة، وهو يحكي عن «أشياخ منهم» فهم آله من الأنصار. وعن هذا رجحنا اتصاله» اهـ.
وانظر باقي الروايات الواردة في استفتاح اليهود بالنبي صلّى الله عليه وسلّم في تفسير الطبري: (2/ 333- 336) ، ودلائل النبوة لأبي نعيم: 1/ 96، ودلائل النبوة للبيهقي: (2/ 76، 77) ، وأسباب النزول للواحدي: (63، 64) ، والدر المنثور: (1/ 216، 217) .
(1/71)

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)
به «1» ، فلما جاءهم كفروا.
وهذا التمثيل إن كان لأنفس المنافقين بأنفس المستوقدين ف «الذي» في معنى الجمع لا غير «2» ، وإن كان ذلك تشبيه حالهم بحال المستوقد جاز فيه معنى الجمع والتوحيد، لأنه إذا أريد به الحال صار الواحد في معنى الجنس «3» ، إذ لا يتعين به مستوقد بخلاف إرادة الذات.
18 لا يَرْجِعُونَ أي: إلى الإسلام أو عن الكفر «4» ، لتنوع الرجوع إلى
__________
(1) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 58: «كانت اليهود إذا قاتلت أهل الشرك استفتحوا عليهم أي استنصروا الله عليهم. فقالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث إلينا ...
والاستفتاح: الاستنصار» .
وانظر تفسير الطبري: 2/ 332، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 171.
(2) وهو قول الأخفش في معاني القرآن له: 1/ 209.
(3) انظر معاني القرآن للفراء: 1/ 15، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 102، والتبيان للعكبري، (1/ 32، 33) ، والدر المصون: 1/ 156.
(4) أخرج الطبري في تفسيره: 1/ 332 عن ابن عباس وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فهم لا يرجعون» : فهم لا يرجعون إلى الإسلام. ونقل الماوردي في تفسيره: 1/ 75 عن قتادة مثل هذا القول.
(1/72)

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)
الشيء وعنه، ويقال: كلمني فلان فما رجعت إليه كلمة ولا رجعت «1» .
19 كَصَيِّبٍ: ذي صوب، فيجوز مطرا أو سحابا «2» فيعل من صاب يصوب وهو مثل القرآن فما فيه من ذكر الثواب والبشارة وأسباب الهداية كالمطر، وما فيه من الوعيد والتخسير «3» والذم كالظلمات.
والصواعق والصاعقة: عذاب هدأت فيها النار، وصعق الصوت:
شديدة «4» ، وفي الحديث «5» : «ينتظر بالمصعوق ثلاثا ما لم يخافوا عليه نتنا» .
19 حَذَرَ الْمَوْتِ أي: المنافقين آمنوا ظاهرا خوفا من المؤمنين، وتابعوا الكفار باطنا مخافة أن يكون الدائرة لهم، فهم يحذرون الموت كيف ما كانوا.
22 فِراشاً: بساطا [وقيل: فراشا يمكن الاستقرار عليه، ولم يجعلها حزنة غليظة والسماء بناء سقفا] «6» وفي الحديث «7» : «فرشنا للنّبيّ- عليه السلام- بناء في يوم مطر» أي نطعا «8» والمبناة قبة من أدم.
__________
(1) في هامش الأصل ونسخة «ك» و «ج» : «ولا أرجعت» . [.....]
(2) قال ابن فارس في مجمل اللغة: 2/ 544: «الصوب: نزول المطر. والصّيّب: السحاب ذو الصّوب» .
(3) في «ج» : والتحسر.
(4) اللسان: 10/ 199 (صعق) .
(5) هذا الأثر مقطوع، وهو من قول الحسن البصري رضي الله عنه، كما في الفائق: 2/ 299، وغريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 590. وهو في النهاية: 3/ 32 دون عزو. قال ابن الأثير: «هو المغشى عليه، أو الذي يموت فجأة لا يعجّل دفنه» .
(6) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(7) أخرجه- باختلاف في لفظه- الإمام أحمد في المسند: 6/ 85 عن عائشة رضي الله عنها.
والخطابي في غريب الحديث: 1/ 230 وفي إسنادهما مقاتل بن بشير، قال عنه الحافظ في التقريب: 544: «مقبول» ، وبقية الرجال ثقات.
وأورده الزمخشري في الفائق: 1/ 130، وابن الجوزي في غريب الحديث: 1/ 88، وابن الأثير في النهاية: 1/ 158.
(8) قال الخطابي: «البناء: النّطع، والمشهور منه المبناة، يقال للنّطع مبناة ومبناة- بكسر الميم وفتحها- ... وإنما سمّي النطع مبناة، لأنها تتخذ من أديمين يوصل أحدهما بالآخر، والمبناة في قول أبي عبيدة خيمة، وهي العيبة أيضا» .
(1/73)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)
21 لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: على أصلها في الشك والرجاء من المخاطب للتقوى لئلا يأمن العبد مدلّا بتقواه.
22 فَأَخْرَجَ بِهِ: لما كان تقديره: أنه إذا أنزل الماء أخرج الثمرات قال (أخرج به) لأنه كالسبب وإن كان الله لا يفعل بسبب وآلة كقولهم: جازاه بعمله وإن كان فعل واحد لا يكون سبب فعل آخر.
[4/ أ] 23 فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ: (من) للتبعيض «1» كقولك: هات من الدراهم درهما وليست من التجنيس مثل قوله: مِنَ الْأَوْثانِ «2» لأن التحدي ببعض المثل وليس الرجس ببعض الأوثان «3» .
و «السورة» : الرفعة «4» وسور الرأس أعلاه.
وفي الحديث «5» : «لا يضر المرأة أن لا تنقض شعرها إذا أصاب الماء سور الرأس» .
23 وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ: أعوانكم «6» ، أي: من يشهد لكم.
__________
(1) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: (1/ 201، 202) ورجحه.
(2) سورة الحج، آية: 30.
(3) راجع معاني القرآن للزجاج: 3/ 425، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 2/ 492. حيث قال: «من لإبانة الجنس وجعلها الأخفش للتبعيض على معنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو بعض الأوثان. ومن جعل (من) إبانة الجنس فمعناه: فاجتنبوا الرجس الذي الأوثان منه فهو أعم في النهي وأولى» .
وانظر البيان لابن الأنباري: 2/ 174، والتبيان للعكبري: 2/ 941.
(4) انظر غريب الحديث للخطابي: 1/ 637، والمجموع المغيث: 2/ 148، وتفسير القرطبي:
1/ 65، واللسان: 4/ 386 (سود) .
(5) أخرجه الخطابي في غريب الحديث: 1/ 637 عن جابر مرفوعا، وفي سنده أحمد بن عصام، وهو ضعيف كما في لسان الميزان: 1/ 220، وانظر النهاية لابن الأثير: 2/ 421.
(6) أخرج الطبري في تفسيره: 1/ 376 عن ابن عباس: «وادعوا شهداءكم من دون الله» ، يعني أعوانكم على ما أنتم عليه، «وإن كنتم صادقين» ، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم في تفسيره:
1/ 84. -
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 77 عن ابن عباس، وأورده السيوطي في الدر المنثور:
1/ 98. وزاد نسبته إلى ابن إسحاق عن ابن عباس أيضا.
(1/74)

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)
24 وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ: هي حجارة الكبريت «1» فهي أشد توقدا أو الأصنام المعبودة فهي أشد تحسرا أو كأنهم حذّروا نارا تتقد بها الحجارة «2» .
25 مُتَشابِهاً: أي خيارا كلّه «3» أو التذاذهم بجميعه متساو لا يتناقض «4» ولا يتفاضل أو متشابها في اللّون وإن اختلف المطعم «5» فيقولون ما لم يطعموه هذا الذي رزقناه.
__________
(1) أخرجه الطبري في تفسيره: (1/ 381، 382) عن ابن مسعود، وابن عباس وابن جريج.
والحاكم في المستدرك: (2/ 261) كتاب التفسير، سورة البقرة عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 90 وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والفريابي، وهناد بن السري، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي، كلهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. [.....]
(2) قال الفخر الرازي في تفسيره: 2/ 133: «إنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وذلك يدل على قوتها من وجهين. الأول: أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إحماء الحجارة أو قدت أولا بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك- أعاذنا الله منها برحمته الواسعة- توقد بنفس ما تحرق.
الثاني: أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر» .
(3) ورد هذا المعنى في أثر أخرجه الطبري في تفسيره: (1/ 389، 390) عن الحسن، وقتادة، وابن جريج. وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 96، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد عن الحسن.
(4) في «ج» : يتناقص.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: (1/ 387، 390) عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وعن مجاهد، وعن يحيى بن أبي كثير.
وذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 79 وقال: وهذا قول ابن عباس، وابن مسعود، والربيع بن أنس.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 96 وزاد نسبته إلى وكيع، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن مجاهد.
(1/75)

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)
مِنْ تَحْتِهَا، أي: من تحت أشجارها. ونهر الجنة يجري في غير أخدود «1» .
26 لا يَسْتَحْيِي: لا يدع ولا يمتنع لا على المأخذ الذي هو الابتداء بل التمام، وأصل الاستحياء: التهيّب «2» قال صلّى الله عليه وسلّم «3» : «اللهم لا ترني زمانا لا يتّبع فيه العليم ولا يستحيا فيه من الحليم» .
26 ما بَعُوضَةً: أي: يضرب مثلا ما من الأمثال ثم «بعوضة» نصب على البدل «4» .
فَما فَوْقَها أي: في الصّغر «5» ، لأنّ القصد التمثيل بالحقير، كما
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: 13/ 97، كتاب الجنة، وابن قتيبة في غريب الحديث:
2/ 522، والطبري في تفسيره: 1/ 384، وأبو نعيم في صفة الجنة: 3/ 167 عن مسروق.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 95 وزاد نسبته إلى ابن مردويه والضياء المقدسي عن أنس مرفوعا. قال ابن الأثير في النهاية: 2/ 13: «الأخدود: الشّقّ في الأرض، وجمعه الأخاديد» .
(2) قال المؤلف- رحمه الله- في كتابه «وضح البرهان» 1/ 119: «والاستحياء عارض في الإنسان يمتنع عنده عما يعاب عليه وذلك لا يجوز على الله، ولكن ضرب المثل بالحقير إذا تضمن جليل الحكمة لا يستحيا عنه، فقارب- جل اسمه- الخطاب في التفهيم باللفظ المعتاد» .
(3) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 5/ 340 عن سهل بن سعد مرفوعا، واللفظ عنده: «اللهم لا يدركني زمان ولا تدركوا زمانا لا يتبع فيه العليم ولا يستحى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب» .
وفي سنده عبد الله بن لهيعة، قال عنه الحافظ في التقريب: 319: «صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه» .
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 21، معاني القرآن للزجاج: (1/ 103، 104) ، مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 83، التبيان للعكبري: 1/ 43، الدر المصون: 1/ 223.
(5) قال الفراء في معاني القرآن: 1/ 20: «ولست أستحسنه لأن البعوضة كأنها غاية في الصغر، فأحبّ إلى أن أجعل «ما فوقها» أكبر منها ... » .
وقال الطبري في تفسيره: 1/ 405: «وأما تأويل قوله «فما فوقها» : فما هو أعظم منها- عندي- لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جريج: أن البعوضة أضعف خلق الله، فإذ كانت أضعف خلق الله فهي نهاية في القلة والضعف. وإذ كانت كذلك فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء، لا يكون إلا أقوى منه ... » .
وانظر القول الذي ذكره المؤلف- رحمه الله- في المصدرين السابقين ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 35، ومعاني القرآن للأخفش: 1/ 215.
وأورد ابن عطية القولين في المحرر الوجيز: 1/ 215، وقال: «والكل محتمل» .
(1/76)

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)
[يقول] «1» : هو قليل العقل فيقال: وفوق ذلك.
يُضِلُّ: يحكم بالضّلال ويقضيه، أو يضل عن الجنّة والثّواب، أو يخليهم واختيار الضّلال، أو يملي لهم في الضّلال، أو يجدهم ضالين.
أضل ناقته إذا ضلّت.
وفي الحديث «2» : «أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قومه فأضلّهم» [أي: فوجدهم ضالين] «3» .
27 يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ: ما أمر به في كتبه، وقيل: هو حجة الله القائمة في العقول على التوحيد والنّبوات.
وموضع «أن» في أَنْ يُوصَلَ خفض على البدل من الهاء في «به» «4» إذ يجوز أمر الله بأن يوصل.
28 وَكُنْتُمْ أَمْواتاً: نطفا في أصلاب آبائكم «5» ، أو أمواتا في القبور
__________
(1) في «ك» : يقال.
(2) أورده الخطابي في غريب الحديث: 1/ 716، مع أحاديث أخرى قائلا: «وهذه مقطعات من الحديث لم يحضرني إسنادها. وهو في الفائق للزمخشري: 2/ 346، والنهاية لابن الأثير: 3/ 98.
ونقل الخطابي عن أبي موسى قال: «ومعناه أنه وجدهم ضلالا. تقول العرب: أتيت بني فلان فأحمدتهم: أي وجدتهم محمودين، وأبخلتهم: وجدتهم بخلاء، وأضللتهم: وجدتهم ضلالا» .
(3) ما بين معقوفين ساقط من الأصل، والمثبت في النص من «ك» .
(4) معاني القرآن للأخفش: 1/ 216، معاني القرآن للزجاج: 1/ 106، التبيان للعكبري:
1/ 44، البحر المحيط: 1/ 128، الدر المصون: 1/ 236.
(5) أخرج الطبري- رحمه الله- هذا المعنى في تفسيره: (1/ 419، 420) عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن قتادة، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 102، وقال: «وروى عن أبي العالية والحسن البصري وأبي صالح والسدي وقتادة نحو ذلك» . -
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 105 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وصحح ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 57 هذا القول ونسبه إلى ابن عباس وقتادة ومقاتل والفراء وثعلب والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري. [.....]
(1/77)

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)
فأحياكم للسؤال «1» ، لأنّ الموت ما كان عن حياة، إلا «2» أن الميت ولا شيء سواء.
[4/ ب] والواو في وَكُنْتُمْ للحال/، أي: كيف وهذه حالكم، وقد فيه مضمرة «3» .
29 ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: قصد وعمد إلى خلقها «4» ، أو صعد أمره الذي به كانت الأشياء إليها «5» .
أو تقديره: لأنّ القضاء والقدر من السّماء فحذف الأمر والتقدير لدلالة الحال.
وقيل «6» : استولى على ملك السماء ولم يجعلها كالأرض المعارة من العباد.
__________
(1) أخرجه الطبري في تفسيره: 1/ 419 عن أبي صالح، وأورده السيوطي في الدر المنثور:
1/ 105 وزاد نسبته إلى وكيع عن أبي صالح.
وانظر المحرر الوجيز: 1/ 221، وتفسير القرطبي: 1/ 249، وتفسير ابن كثير: 1/ 97.
(2) في «ك» و «ج» : «أو لأن الميت ولا شيء سواء» .
(3) انظر معاني القرآن للفراء: 1/ 24، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 107، والتبيان للعكبري:
1/ 45، والدر المصون: 1/ 238.
(4) نقل الزجاج في معاني القرآن: 1/ 107 عن بعضهم- ولم يسمهم- عمد وقصد إلى السماء كما تقول قد فرغ الأمير من بلد كذا وكذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه قصد بالاستواء إليه.
(5) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 1/ 107 وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
(6) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 213 عند تفسير قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الأعراف: 54، وأورد البيتين اللذين يستشهد بهما أصحاب هذا القول وهما قول الشاعر:
حتى استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
وبقول الشاعر: -
هما استويا بفضلهما جميعا ... على عرش الملوك بغير زور
قال ابن الجوزي: «وهذا منكر عند اللغويين. قال ابن الأعرابي: العرب لا تعرف «استوى» بمعنى «استولى» ، ومن قال ذلك فقد أعظم، قالوا: وإنما يقال: استوى فلان على كذا، إذا كان بعيدا عنه غير متمكن منه، ثم تمكن منه، والله- عز وجل- لم يزل مستوليا على الأشياء، والبيتان لا يعرف قائلهما كذا قال ابن فارس اللغوي، ولو صحا فلا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا. نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة» .
وقال القرطبي في تفسيره: 7/ 219: «وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم المخلوقات، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته ... » .
(1/78)

وقيل لمالك: كيف استوى؟ فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول «1» .
ولا يصح معنى فَسَوَّاهُنَّ عند الحمل على الانتصاب، ولا يناقض الآية قوله «2» : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، لأنّ الدّحو: البسط «3» فإنّما دحاها بعد أن خلقها وبنى عليها السماء «4» .
__________
(1) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: (2/ 150، 151) ، وتتمة كلام الإمام مالك:
والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا. فأمر به أن يخرج. قال البيهقي: «وروى ذلك أيضا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أستاذ مالك بن أنس رضي الله عنهما» . وانظر شرح العقيدة الطحاوية: 76، والدر المنثور: 3/ 474.
(2) سورة النازعات: آية: 30.
(3) انظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 513، وتأويل مشكل القرآن: 68، وتفسير المشكل لمكي: 374، وتفسير القرطبي: 19/ 204.
(4) هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله نسب إلى مجاهد كما في زاد المسير: 1/ 58، وأورده ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: 67 آية النازعات وقال: فدلت هذه الآيات على أنه خلق السماء قبل الأرض. وليس في كتاب الله تحريف الجاهلين، وغلط المتأولين. وإنما كان يجد الطاعن متعلّقا لو قال: والأرض بعد ذلك خلقها أو ابتدأها أو أنشأها، وإنما قال:
دَحاها فابتدأ الخلق للأرض على ما في الآي الأول في يومين، ثم خلق السماوات وكانت دخانا في يومين، ثم دحا بعد ذلك الأرض، أي بسطها ومدها.
(1/79)

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)
30 وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ: «إذ» دلالة على معنى في الماضي «1» ، وتأويله: اذكر إذ قال ربك.
خَلِيفَةً: أي: آدم «2» ، أو جميع بنيه يخلف بعضهم بعضا «3» ، أو أولو الأمر منهم، فهم خلفاء الله في الحكم بين الخلق «4» وتدبير ما على الأرض.
وفي حديث ابن عباس «5» أن أعرابيا قال له: أنت خليفة رسول الله، فقال: لا أنا الخالفة بعده.
والخالفة الذي يستخلفه الرّئيس على أهله.
__________
(1) انظر تفسير الطبري: 1/ 443، وحروف المعاني للزجاجي: 63، ورصف المباني: 148، والجنى الداني: 211، والدر المصون: 1/ 247.
(2) المعنى أنه خلف من سلف في الأرض قبله، فخليفة على هذا «فعيلة» بمعنى «فاعله» أي:
يخلف من سبقه.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (1/ 450، 451) عن ابن عباس رضي الله عنهما والربيع بن أنس، وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 261، كتاب التفسير، باب «سورة البقرة» عن ابن عباس وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي» .
قال الطبري رحمه الله: «فعلى هذا القول إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً من الجن يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها» .
(3) ذكره الطبري في تفسيره: 1/ 451، وقال: وهذا قول حكى عن الحسن البصري. اهـ.
ف «خليفة» على هذا القول «فعيلة» بمعنى «مفعولة» أي: مخلوف.
(4) هذا المعنى فهمه الطبري رحمه الله من الرواية التي أخرجها في تفسيره: (1/ 451، 452) عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما وهي: أن الله جل ثناؤه قال للملائكة: «إني جاعل في الأرض خليفة» . قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا» . قال الطبري: «فكان تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود وابن عباس: إنّي جاعل في الأرض خليفة منّي يخلفني في الحكم بين خلقي. وذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه ... » . وقال البغوي في تفسيره: 1/ 60: «والصحيح أنه خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه» . [.....]
(5) كذا في النسخ الثلاث، وفي تاج العروس: 23/ 278 (خلف) : وفيه حديث ابن عباس.
(1/80)

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)
أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ على التألم أو الاغتمام لمن يفسد، وعلى الاستعظام للمعصية مع جلائل النّعمة، أو على استعلام وجه التدبير فيه «1» أو على السؤال أن يكونوا الخلفاء فيسبحوه بدل من يفسد فقال الله: إني أعلم من صلاح كل واحد ما لا تعلمون فدلهم به على أنّ صلاحهم في أن اختار لهم السماء وللبشر الأرض، وفي قوله: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إشارة إلى أنّ ذلك الخليفة يكون من ذريته أهل طاعة [وولاية] «2» ، وفيهم الأنبياء والعلماء، ولا تتم مصلحة الجميع إلا بما دبّرته من خلق من يفسد ويعصي معهم «3» .
31 وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها: أي: بمعانيها على اللّغات المختلفة «4» ، فلما تفرّق ولده تكلّم كل قوم بلسان أحبوه وتناسوا غيره.
وتخصيص الأسماء لظهورها على الأفعال والحروف، كقوله «5» :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ، ولم يكن التعليم بالعلم الضروري ولا/ [5/ أ] بالمواضعة «6» والإيماء تعالى الله عنه، بل بالوحي في أصول الأسماء والمصادر ومبادئ الأفعال والحروف عند حصول أول اللّغة بالاصطلاح ثم زيادة الهداية في التصريف والاشتقاق.
31 عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ: أي: المسمّيات «7» لقوله: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ.
__________
(1) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 1/ 109 وقال: «وتأويل استخبارهم هذا على جهة الاستعلام وجهة الحكمة، لا على الإنكار، فكأنهم قالوا: يا الله، إن كان ظننا فعرفنا وجه الحق فيه» .
(2) في الأصل: وولادة، والمثبت عن نسخة «ك» و «ج» .
(3) انظر تفسير البغوي: 1/ 61، والمحرر الوجيز: (1/ 229، 231) ، وزاد المسير: 1/ 60، وتفسير القرطبي: 1/ 274، وتفسير ابن كثير: (1/ 99، 100) .
(4) انظر تفسير البغوي: 1/ 61، والمحرر الوجيز: 1/ 235، وتفسير القرطبي: 1/ 284.
(5) سورة النور: آية: 45.
(6) المواضعة: الموافقة على النظر في الأمر، وفي القاموس: 997: «وهلم أواضعك الرأي:
أطلعك على رأي، وتطلعني على رأيك» .
وينظر اللسان: 8/ 401، وتاج العروس: 22/ 343 (وضع) .
(7) قال الفراء في معاني القرآن: 1/ 26: «فكان عَرَضَهُمْ على مذهب شخوص العالمين وسائر العالم، ولو قصد قصد الأسماء بلا شخوص جاز فيه «عرضهن» و «عرضها» . وهي في حروف عبد الله «ثم عرضهن» وفي حرف أبيّ «ثم عرضها» ، فإذا قلت: «عرضها» جاز أن تكون للأسماء دون الشخص وللشخوص دون الأسماء» .
وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 46: أي عرض أعيان الخلق عليهم. وأخرج الطبري في تفسيره: 1/ 487 عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ثم عرضهم» ، ثم عرض الخلق على الملائكة.
وأخرج عن مجاهد: «ثم عرضهم» ، عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.
وانظر المحرر الوجيز: 1/ 235، تفسير القرطبي: 1/ 283، تفسير ابن كثير: 1/ 105.
(1/81)

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: فيما هجس في نفوسكم أنكم أفضل، وقيل «1» : في «عرضهم» أنه خلقهم، وقيل: صوّرهم لقلوب الملائكة.
وقيل: أَنْبِئُونِي أمر مشروط بمعنى: إن أمكنكم أن تخبروا بالصدق فيه فافعلوا، أو معناه التنبيه، كسؤال العالم للمتعلم: ما تقول في كذا؟ ليبعثه عليه ويشوقه [إليه] «2» .
صادِقِينَ: عالمين، كقولك: أخبرني بما في يدي إن كنت صادقا، وإذا أفادتنا هذه الآية أنّ علم اللّغة فوق التحلي بالعبادة فكيف علم الشّريعة والحكمة «3» .
32 سُبْحانَكَ تنزيها لك أن يخفى عليك شيء، وهو نصب على المصدر «4» .
__________
(1) في تفسير الماوردي: 1/ 90: ثم في زمان عرضهم قولان: أحدهما أنه عرضهم بعد أن خلقهم. والثاني أنه صورهم لقلوب الملائكة، ثم عرضهم قبل خلقهم.
وانظر تفسير القرطبي: 1/ 283.
(2) عن نسخة «ج» .
(3) في وضح البرهان: 1/ 127: «وكان أبو القاسم الداودي يحتج بهذه الآية أن علم اللغة أفضل من التخلي بالعبادة، لأن الملائكة تطاولت بالتسبيح والتقديس ففضل الله عليهم بعلم اللغات فإن كان هذا الأمر على هذا في علم الألفاظ فكيف في المعالم الشرعية والمعارف الحكمية» اهـ.
(4) معاني القرآن للأخفش: 1/ 220، وإعراب القرآن للنحاس: 1/ 210، والتبيان للعكبري:
1/ 49، والدر المصون: 1/ 265.
(1/82)

قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)
إِلَّا ما عَلَّمْتَنا مرفوع استثناء من مجحود.
33 أَلَمْ أَقُلْ ألف تنبيه وتقرير كأنه أحضرهم ما علموه، كقوله «1» :
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وحكى سيبويه «2» أما ترى أيّ برق هاهنا.
وفي الآيات بيان معجزات آدم عليه السلام [حيث] «3» فتق لسانه بما لا يعلمه الملائكة على خلاف مجرى العادة، فكان مفتتح المعجزات ومختتمها في آدم ومحمد عليهما السلام بالكلام.
34 اسْجُدُوا لِآدَمَ: هو السجود اللّغوي الذي هو التذلل، أو كان آدم كالقبلة لضرب تعظيم له فيه «4» .
وعن ابن عباس «5» رضي الله عنه: أنّ إبليس كان ملكا من جنس المستثنى منهم.
وقال الحسن «6» : الملائكة لباب الخليفة من الأرواح لا يتناسلون،
__________
(1) سورة البقرة: آية: 106.
(2) لم أقف على هذا النقل عن سيبويه في الكتاب. [.....]
(3) عن نسخة «ج» .
(4) تفسير الماوردي: 1/ 91.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: 1/ 502 وفي سنده بشر بن عمارة وهو ضعيف كما في التقريب: 123، ونقله البغوي في تفسيره: 1/ 63 عن ابن عباس أيضا.
وذكر القرطبي في تفسيره: 1/ 294 أنه قول الجمهور، ونسبه لابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم.
والصحيح أن الاستثناء هنا منقطع ليس من جنس الأول، وأن إبليس لم يكن من الملائكة، لأن الملائكة لا يعصون الله سبحانه وتعالى لقوله تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] .
(6) الحسن البصري: (21- 110 هـ) .
هو الحسن بن يسار أبو سعيد، الإمام التابعي الجليل، إمام أهل البصرة، وحبر الأمّة، الفقيه الفصيح، الزاهد المشهور. -
أخباره في حلية الأولياء: 2/ 131، وفيات الأعيان: 2/ 69، سير أعلام النبلاء:
4/ 563.
وانظر هذا القول المنسوب إليه في تفسير الماوردي: 1/ 92، والمحرر الوجيز: 1/ 245، وزاد المسير: 1/ 65، وتفسير القرطبي: 1/ 294.
وأخرج الطبري في تفسيره: 1/ 506 عن الحسن قال: «ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس» .
وأورد ابن كثير في تفسيره: 1/ 110 هذا الأثر وقال: «وهذا إسناد صحيح عن الحسن» .
وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء» .
(1/83)

وإبليس من نار السموم وهو أب الجنّ «1» .
وإبليس اسم أعجميّ بدليل أنه لا ينصرف عجمة وتعريفا «2» .
وقيل «3» : بل عربيّ من الإبلاس، ولم ينصرف لأنه لا نظير له من الأسماء العربية فشبّه بالأعجمي.
وكيف ونظيره كثير كإزميل للشّفرة «4» ، وإحريص لصبغ أحمر «5» ، وإصليت لسيف ماض «6» .
34 وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ: صار منهم إذ لا كافر قبله «7» .
__________
(1) قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 1/ 507: «وعلّة من قال هذه المقالة، أن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أنه خلق إبليس من نار السّموم، ومن مارج من نار، ولم يخبر عن الملائكة أنه خلقها من شيء من ذلك، وأن الله جل ثناؤه أخبر أنه من الجن- فقالوا: فغير جائز أن ينسب إلى غير ما نسبه الله إليه، قالوا: ولإبليس نسل وذرية، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد» .
(2) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 38، والزجاج في معاني القرآن: 1/ 114، ورجحه الجواليقي في المعرّب: 71.
(3) ذكره الطبري في تفسيره: 1/ 510، وانظر تفسير الماوردي: 1/ 92، ومفردات الراغب:
60، واللسان: 6/ 69 (بلس) .
(4) اللسان: 11/ 311 (زمل) .
(5) هكذا ورد في النسخ المعتمدة هنا، ولم أقف على هذا اللفظ بهذا المعنى فيما تحت يدي من المعاجم.
(6) انظر اللسان: 2/ 53 (صلت) .
(7) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 93 وعزاه للحسن.
(1/84)

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)
وابن بحر «1» يذهب في الجنة/ أنها «2» كانت بحيث شاء الله من [5/ ب] الأرض، لأنه لا انتقال عن الخلد، وإبليس لم يكن ليدخلها.
والصحيح أنّها الخلد لتواتر النّقل وللام التعريف «3» .
36 وَقُلْنَا اهْبِطُوا أيضا يدل على أنهم كانوا في السماء ولم يكن إبليس إذ ذاك ممنوعا عنها كالجن عن استراق السمع إلى المبعث «4» .
فوسوس لهما وهو على القرب من باب الجنّة «5» ، أو ناداهما وهما على العرف «6» .
__________
(1) محمد بن بحر الأصفهاني أبو مسلم.
له كتاب «جامع التأويل لمحكم التنزيل في التفسير» .
أخباره في: بغية الوعاة: 1/ 59، طبقات المفسرين للداودي: 2/ 106، كشف الظنون:
1/ 538.
(2) أي الجنّة في قوله تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ... ، وقد اختلف في تعيين هذه الجنة، وذكر الفخر الرازي رحمه الله في تفسيره: (3/ 3، 4) أربعة أقوال فيها، وأورد هذا القول الذي عزاه المؤلف لابن بحر ونسبه إليه أيضا- كما نسبه أيضا- إلى أبي القاسم البلخي، وأورد أدلتهما على هذا الرأي.
وأما القول الثاني فقد نسبه إلى أبي علي الجبّائي وهو أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل عليه قوله تعالى: اهْبِطُوا مِنْها، ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى والإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض.
(3) قال الرازي رحمه الله: «وهو قول جمهور أصحابنا أن هذه الجنة هي دار الثواب، والدليل عليه أن الألف واللام في لفظة «الجنة» لا يفيدان العموم لأن سكنى جميع الجنان محال فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق، والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب فوجب صرف اللّفظ إليها.
وأورد الفخر الرازي قولا رابعا ولم ينسبه وهو: «أن الكل ممكن، والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع، والله أعلم» . [.....]
(4) يدل عليه قوله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً.
(5) نقله البغوي في تفسيره: 1/ 64 عن الحسن.
(6) العرف: المكان المرتفع، وعرف الأرض: ما ارتفع منها، والجمع أعراف، اللسان:
9/ 242 (عرف) .
(1/85)

وقيل»
: دخل في فقم «2» الحيّة جانب الشّدق.
والشجرة المنهية «3» : السّنبلة «4» ، ومنه يقال: كيف لا يعصي الإنسان وقوته من شجرة العصيان، وكيف لا ينسى العهد واسمه من النسيان.
وقيل «5» : الكرم لأن الشجرة ما لها غصن وساق، ولأنها أصل كل فتنة.
__________
(1) ورد هذا القول في رواية أخرجها الطبري في تفسيره: 1/ 527 عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وأورد السيوطي هذا القول في الدر المنثور: (1/ 130، 131) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وعبد الرزاق.
لم يثبت هذا الأثر من طريق صحيح يعتمد عليه، وهو من جملة الأخبار الإسرائيلية التي تسربت إلى كتب التفسير.
(2) قال الطبري في تفسيره: 1/ 527: والفقم جانب الشدق. اهـ.
والشدق: جانب الفم، كما في اللسان: 10/ 172 (فقم) .
(3) في «ج» : والشجرة المنهي عنها.
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: (1/ 517، 518) عن ابن عباس وأبي مالك الغفاري، وقتادة، ومحارب بن دثار، والحسن، وعطية العوفي، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 126 عن ابن عباس.
وذكره السيوطي في الدر المنثور: 1/ 129 ونسبه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وانظر زاد المسير: 1/ 96، وتفسير ابن كثير: 1/ 113.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: (1/ 519، 520) عن ابن عباس وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وجعدة بن هبيرة، والسّدّي، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 126 عن ابن عباس.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 129 وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما.
عقّب الطبري رحمه الله على الروايات في تعيين الشجرة قائلا: «ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة، فإنّى يأتي ذلك؟ وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم، إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به» .
(1/86)

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)
35 فَتَكُونا نصب، لأن الفاء جواب النّهي «1» .
مِنَ الظَّالِمِينَ بإحباط بعض الثواب، أو فاعل الصغيرة ظالم نفسه بارتكاب الحرام الواجب التوبة [عنه] «2» .
36 فَأَزَلَّهُمَا أكسبهما الزّلة بوسوسته «3» ، وبأن قاسمهما على نصحه «4» .
ولا يجوز أن يكون آدم قبل من اللّعين لأنه أعظم المعاصي وفوق الأكل، وإنّما زلة آدم- عليه السلام- بالخطإ في التأويل، إما بحمل النّهي على التنزيه دون التحريم «5» ، أو بحمل اللّام على التعريف لا الجنس «6» ، وكأن الله أراد الجنس ومكّنه من الدليل عليه، فغفل عنه وظن أنه لا يلزمه «7» .
37 فَتابَ عَلَيْهِ: وإن كانت الصغيرة مكفّرة أي جبر نقيصة المعصية حتى كأنه لم يفعلها بما نال من ثواب هذه الكلمات وهي قوله «8» : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الآية.
والهبوط «9» : النزول ونقصان المنزلة أيضا «10» ، ولذلك تكرر.
__________
(1) والتقدير: إن تقربا تكونا.
انظر معاني القرآن للفراء: 1/ 26، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 114، وإعراب القرآن للنحاس: 1/ 214، والتبيان للعكبري: 1/ 52.
(2) عن نسخة «ج» .
(3) من قوله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [الأعراف: 20] .
وانظر تفسير الطبري: (1/ 531، 532) ، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 115.
(4) من قوله تعالى: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ.
(5) انظر عصمة الأنبياء للفخر الرازي: 39.
(6) في «ج» : تعريف العهد لا الجنس. [.....]
(7) مصدر المؤلف في هذا النص الماوردي في تفسيره: 1/ 95.
(8) سورة الأعراف: آية: 23.
(9) من قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً....
(10) انظر مفردات الراغب: 536، واللسان: 7/ 422 (هبط) .
(1/87)

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)
ويقال: هبط المرض العليل: نقّصه «1» .
وفي الحديث «2» : «اللهم غبطا لا هبطا» أي: نسألك الغبطة ونعوذ بك من نقصان الحال.
وقيل «3» : إن الهبوط الأول من الجنة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض. وينبغي أن يعلم أنّ الله تعالى خلق آدم للأرض، ولو لم يعص لخرج على غير تلك الحال «4» .
38 فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ.
حذف الجواب الأول أي: فاتبعوه ونحوه «5» .
[6/ أ] وقيل «6» : الشرط وجوابه/ نظير المبتدأ والخبر، ويجوز خبر المبتدأ جملة هي خبر ومبتدأ، فكذا «7» جواب الشرط جملة هي شرط وجواب، وإنّما دخلت «ما» مع «إن» في الشرط ليصح دخول النون للتوكيد في الفعل، فهي كاللام في أنها تؤكد أول الكلام والنون آخره.
39 أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ.
أُولئِكَ بدل من «الَّذِينَ» «8» ، ويجوز عطف بيان، وأَصْحابُ النَّارِ بيان عنه، والخبر هُمْ فِيها خالِدُونَ.
ويجوز أن يكون ابتداء وخبرا في موضع خبر الأول، ويجوز أن يكون
__________
(1) في اللسان: هبط المرض لحمه نقصه وأحدره وهزله.
(2) الحديث في الفائق: 3/ 46، وغريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 145، والنهاية:
5/ 239، ولم أقف عليه مسندا.
(3) تفسير الفخر الرازي: 3/ 2 عن أبي علي الجبّائي.
(4) نقله الماوردي في تفسيره: 1/ 98 عن الحسن.
(5) الدر المصون: (1/ 301، 302) .
(6) ذكره المؤلف- رحمه الله- في كتابه «وضح البرهان» : 1/ 132 عن ابن سراج النحوي.
(7) في «ج» : فكذلك.
(8) في قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ....
(1/88)

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)
على خبرين بمنزلة خبر «1» واحد كقولك: حلو حامض.
40 اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ.
وهي كثرة من أرسل فيهم من الرسل وأنزل من الكتب ونحوها «2» .
ويجوز أن يكون المراد النّعمة على أسلافهم فهي نعمة عليهم «3» .
ويجوز النعم الواصلة إليهم.
[وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم] «4» .
وعهد الله: ما أمر به ونهى عنه، وعهدهم الرضا عنهم عند ذلك والمغفرة لهم «5» .
وَإِيَّايَ منصوب بما دل عليه فَارْهَبُونِ وإنما لم ينصب لأنه مشغول بالضمير كما لا يجوز نصب زيد في قولك: زيدا فاضربه باضرب [الذي هو ظاهر] «6» .
__________
(1) أشار الناسخ في هامش الأصل إلى نسخة أخرى جاء فيها: «على جزءين بمنزلة جزء» .
(2) أخرجه الطبري في تفسير: (1/ 555، 556) عن أبي العالية. [.....]
(3) أخرجه الطبري في تفسيره: 1/ 556 عن مجاهد، ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 99 عن الحسن، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 73 عن الحسن والزجاج.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 267: «والنعمة هنا اسم الجنس، فهي مفردة بمعنى الجمع ... والعموم في اللفظ هو الحسن» .
(4) عن نسخة «ج» .
(5) أخرج الطبري في تفسيره: 1/ 559 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أوفوا بما أمرتكم به من طاعتي ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي صلّى الله عليه وسلّم وفي غيره. «أوف بعهدكم» : يقول:
أرض عنكم وأدخلكم الجنة» .
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 268: «واختلف المتأولون في هذا العهد إليهم، فقال الجمهور ذلك عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه، فيدخل في ذلك ذكر محمد صلّى الله عليه وسلّم في التوراة ... » .
(6) عن نسخة «ج» .
وانظر معاني القرآن للأخفش: 1/ 246، معاني القرآن للزجاج: 1/ 121، إعراب القرآن للنحاس: 1/ 218، التبيان للعكبري: 1/ 57.
(1/89)

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)
وانتصب مُصَدِّقاً على الحال من الهاء المحذوفة، كأنه: أنزلته مصدقا، أو انتصب ب «آمنوا» أي: آمنوا بالقرآن مصدقا.
أَوَّلَ كافِرٍ: أول حزب كافر «1» ، أي: لا تكونوا أئمة الكفر.
ثَمَناً قَلِيلًا قال الحسن «2» : هو الدنيا بحذافيرها.
43 وَارْكَعُوا مع ذكر الصلاة للتأكيد، إذ لا ركوع في صلاة أهل الكتاب «3» أو هو الركوع اللّغوي أي الخضوع «4» .
44 تَتْلُونَ الْكِتابَ: تتّبعونه «5» ، والتلاوة اتباع الحروف، والقراءة جمعها.
[أَفَلا تَعْقِلُونَ ومصدره: العقل، وهو] «6» نوع علم يستبان به العواقب ويترك به القبائح، والعقل يكمل مع فقد بعض العلم، والعلم «7» لا يكمل مع فقد بعض العقل.
والصبر حبس النّفس عمّا تنازع إليه «8» .
__________
(1) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 1/ 123 عن البصريين، وعن الأخفش أن معناه أول من كفر به. ثم قال: وكلا القولين صواب حسن.
وانظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 32، وتفسير الطبري: 1/ 562.
(2) أورده ابن كثير في تفسيره: 1/ 119 وعزا إخراجه إلى عبد الله بن المبارك.
(3) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 101 دون عزو، وقال البغوي في تفسيره: 1/ 67: «وذكر بلفظ الركوع لأن الركوع ركن من أركان الصلاة، ولأن صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع، وكأنه قال: صلوا صلاة ذات ركوع» .
وانظر المحرر الوجيز: (1/ 274، 275) ، وزاد المسير: 1/ 75.
(4) وهذا قول الطبري في تفسيره: 1/ 574، ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 102 عن الأصمعي والفضل.
(5) انظر الجمهرة لابن دريد: 1/ 410، وتهذيب اللغة للأزهري: 14/ 316، واللسان:
14/ 104 (تلا) .
(6) عن نسخة «ج» .
(7) في نسخة «ج» . والعلم المكتسب.
(8) نصّ هذا الكلام في تفسير الماوردي: 1/ 102.
(1/90)

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)
وفي الحديث «1» : «أمسك رجل آخر حتى قتل، فقال عليه السلام:
اقتلوا القاتل واصبروا الصابر» «2» .
45 وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ: أي: الاستعانة «3» ، أو كلّ واحد منهما «4» .
إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ: لأنّهم تعوّدوها وعرفوا فضلها.
46 يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ: أي ملاقوه بذنوبهم وتقصيرهم «5» ، أو ملاقوه في كل حين/ مراقبة للموت، أو ملاقوا ثوابه، وينبغي أن يكون على [6/ ب] الظن [والطمع] «6» كقول إبراهيم عليه السلام: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي «7» .
__________
(1) الحديث في غريب أبي عبيد: 1/ 254 يرويه أبو عبيد عن ابن المبارك عن معمر عن إسماعيل بن أمية مرفوعا، رجال إسناده ثقات إلا أنه مرسل لأن إسماعيل تابعي رفعه، وأخرجه البيهقي في السنن: 8/ 51، كتاب الجنايات، باب «الرجل يحبس الرجل للآخر فيقتله» عن إسماعيل بن أمية مرفوعا.
وهو في الاشتقاق لابن دريد: 126، والفائق: 2/ 276، وغريب الحديث لابن الجوزي:
1/ 578، والنهاية: 3/ 8.
(2) قال أبو عبيد في غريب الحديث: 1/ 255: «قوله: اصبروا الصابر يعني احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت ومنه قيل للرجل الذي يقدّم فيضرب عنقه: قتل صبرا، يعني أنه أمسك على الموت، وكذلك لو حبس رجل نفسه على شيء يريده قال: صبرت نفسي ... » . [.....]
(3) عن الحسين بن الفضل في تفسير البغوي: 1/ 69، وعن محمد بن القاسم النحوي في زاد المسير: 1/ 76 وجاء بعده في نسخة «ك» : « ... المدلول عليها باستعينوا بالصبر وإنها لكبيرة، وبالصلاة وإنها لكبيرة فحذف اختصارا. وقيل: رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعمّ.
وقيل: رد الكناية إلى القصة لأنها أعم. وقيل: رد الكناية إلى الصلاة لأن الصبر داخل في (الصلاة) كما قال الله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ولم يقل (يرضوهما) لأن رضا الرسول داخل في رضى الله تعالى، وقوله: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها لأن التجارة أعم لكونها من ضرورات البقاء» .
ينظر معنى هذا النص في تفسير البغوي: (1/ 68، 69) .
(4) تفسير الماوردي: 1/ 103.
(5) تفسير الماوردي: 1/ 103.
(6) في الأصل: «والطبع» ، والمثبت في النص من «ك» .
(7) سورة الشعراء: آية: 82.
(1/91)

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)
إِلَيْهِ راجِعُونَ: لا يملك أمرهم في الآخرة أحد سواه كما هو الأمر في بدء خلقهم «1» ، والرجوع: العود إلى الحال الأولى.
47 فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ: عالمي زمانهم «2» ، أي: آبائهم، إذ في تفضيل الآباء شرف الأبناء.
48 [وَاتَّقُوا يَوْماً: أي: عقاب يوم فحذف المضاف وانتصب يَوْماً على أنه مفعول] «3» .
[لا تَجْزِي نَفْسٌ أي: لا تجزئ فيه نفس فحذف الجار والمجرور العائد إليه اختصارا لدلالة ما ذكر عليه كقولك: البر بستين، أي: منه] «4» .
لا تَجْزِي لا تغني حجازية، و «أجزأت» تميمية «5» .
وقيل «6» : تجزي: تقضي، وتغني أبلغ من تقضي لأن تغني يكون نقصا وبدفع ومنع.
والعدل: الفدية «7» .
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/ 104.
(2) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 48، وقال: «وهو من العام الذي أريد به الخاص» .
وأورده الطبري في تفسيره: 2/ 32، والزجاج في معاني القرآن: (1/ 127، 128) ، والبغوي في تفسيره: 1/ 69، وابن عطية في المحرر والوجيز: 1/ 281.
وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 76 إلى ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وابن زيد.
(3) عن نسخة «ج» .
(4) عن نسخة «ج» .
(5) قال الأخفش في معاني القرآن: 1/ 261: «فهذه لغة أهل الحجاز لا يهمزون، وبنو تميم يقولون في هذا المعنى: «أجزأت عنه وتجزي عنه ... » .
وانظر تفسير غريب في القرآن لابن قتيبة: 48، وتفسير المشكل لمكي: 91.
(6) نقله المؤلف في وضح البرهان: 1/ 134 عن المفضل الضبي.
وانظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 48، وتفسير الطبري: (2/ 27، 28) .
(7) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 48: «وإنما قيل للفداء عدل لأنه مثل الشيء، يقال:
هذا عدل هذا وعديله» . وانظر تفسير الطبري: 2/ 35، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 128، وزاد المسير: 1/ 77.
(1/92)

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)
[يروى ذلك] «1» عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم «2» .
49 يَسُومُونَكُمْ: يرسلون عليكم، من سوم الإبل في الرّعي.
وفي الحديث «3» : «نهى عن السّوم قبل طلوع الشّمس» .
قيل «4» : هي «5» مساومة السلعة في ذلك الوقت، لأنه وقت ذكر الله تعالى.
وقيل «6» : من سوم الإبل في الرعي، لأنها إذا رعت قبل الشمس في النّدى أصابها الوباء، ويقال: سوّمته في مالي [أي] «7» حكّمته «8» ، وسوّأت
__________
(1) عن نسخة «ج» .
(2) أخرج الطبري في تفسيره: 2/ 34 عن عمرو بن قيس الملائي، عن رجل من بني أمية- من أهل الشام أحسن عليه الثناء- قال: قيل يا رسول الله، ما العدل؟ قال: العدل الفدية» .
نقل هذا الأثر الحافظ ابن كثير في تفسيره: 1/ 127، والسيوطي في الدر المنثور:
1/ 166.
قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تخريجه: «وقد روى هذا الحديث مرفوعا، عن رجل أبهم اسمه وأثنى عليه، والراجح أنه تابعي، فيكون الإسناد مرسلا أو منقطعا، فهو ضعيف» . [.....]
(3) أخرجه ابن ماجة في سننه: 2/ 744، كتاب التجارات، باب «السوم» عن علي رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن السّوم قبل طلوع الشمس، وعن ذبح ذوات الدّرّ» وفي سنده نوفل بن عبد الملك قال عنه الحافظ في التقريب: 567: «مستور من السادسة» .
وأخرجه- أيضا الخطّابي في غريب الحديث: 1/ 643، وهو في الفائق للزمخشري:
2/ 207، وغريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 510، والنهاية: 2/ 425.
(4) غريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 510، واللسان: 12/ 311 (سوم) عن أبي إسحاق الزجاج.
(5) في «ج» : هو.
(6) غريب الحديث للخطابي: 1/ 643 عن ابن الأعرابي، قال ابن الجوزي في غريب الحديث: «وهذا أظهر الوجهين، وهو اختيار الخطابي» .
(7) عن نسخة «ج» .
(8) تهذيب اللغة للأزهري: 13/ 112 عن أبي زيد الأنصاري، وانظر مجمل اللغة لابن فارس:
2/ 479، واللسان: 12/ 314 (سوم) .
(1/93)

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)
عليه ما صنع قلت له: أسأت «1» .
49 بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ: البلاء الاختبار في الخير والشرّ، فبلاء محنة في ذبح أبنائكم، وبلاء نعمة في تنجيتكم.
51 أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ليس بظرف لأن الوعد «2» ليس فيها «3» ، بل [المراد] «4» انقضاء الأربعين وهو تقدير الإعراب، أي: وعدناه انقضاء أربعين مفعول ثاني.
وذم المخاطبين بالعجل «5» - ولم يتخذوه لرضاهم، بما فعلته أسلافهم.
53 الْكِتابَ: التوراة، وَالْفُرْقانَ: فرق الله بهم البحر «6» ، أو الفرج من الكرب كقوله «7» : يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً.
54 فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ عقوبة للّذين لم ينكروا العجل كراهة القتال «8» ،
__________
(1) تهذيب اللغة: 13/ 131.
(2) في «ج» : الموعد.
(3) كذا في «ك» ، وأشار ناسخ الأصل في الهامش إلى ورود «منها» في نسخة أخرى.
(4) عن نسخة «ج» .
(5) في قوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ.
(6) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 108 دون عزو.
(7) سورة الأنفال: آية: 29.
قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 2/ 71: «وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية، ما روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد: من أنّ «الفرقان» ، الذي ذكر الله أنه آتاه موسى في هذا الموضع، هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها.
فيكون تأويل الآية حينئذ: وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل.
فيكون «الكتاب» نعتا للتوراة أقيم مقامها استغناء به عن ذكر التوراة، ثم عطف عليه ب «الفرقان» إذ كان من نعتها» .
(8) نقله الماوردي في تفسيره: 1/ 109 عن ابن جريج، وفيه أيضا: «فجعلت توبتهم بالقتل- الذي خافوه» . [.....]
(1/94)

وهو قتل البعض بعضا، أو الاستسلام للقتل لأنه ليس للمرء بعد قتله نفسه حال مصلحة ولم يسقط بالتوبة، لأنه وجب حدا. وحكى الحكم الرّعيني «1» أن خالدا القسري «2»
أرسله إلى قتادة «3» يسأله عن حروف منها فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، فقال: إنما هو «فاقتلوا» من الاستقالة «4» .
__________
(1) هو الحكم بن عمر- وقيل ابن عمرو بواو- الرّعيني: بضم الراء وفتح العين المهملة وبعدها الياء المنقوطة باثنتين من تحتها وفي آخرها النون. نسبة إلى ذي رعين من اليمن.
عن الأنساب للسمعاني: 6/ 139.
ترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: 3/ 123، والذهبي في ميزان الاعتدال:
1/ 578، والمغني في الضعفاء: 1/ 273، وابن حجر في لسان الميزان: 2/ 42.
وذكروا له رواية عن قتادة. ونقل الذهبي في الميزان عن يحيى بن معين قال: ليس بشيء، لا يكتب حديثه. وعن النسائي قال: ضعيف.
(2) خالد القسري: (66- 126 هـ) .
هو خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري: بفتح القاف وسكون السين المهملة وفي آخرها الراء المهملة نسبة إلى قسر، بطن من قيس.
كان خالد واليا على مكة في زمن الوليد بن عبد الملك، ثم تولى إمارة العراق في عهد هشام بن عبد الملك واستمرت ولايته حتى عام 120 هـ حيث عزله هشام، وخلفه في إمارة العراق يوسف بن عمر الثقفي.
وقتل سنة 126 هـ.
أخباره في: الأنساب للسمعاني: 10/ 144، وفيات الأعيان: 2/ 226، سير أعلام النبلاء: 5/ 425، والبداية والنهاية: 10/ 19.
(3) قتادة: (60- 117 هـ) .
هو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي البصري أبو الخطاب، الإمام التابعي، أخذ عن سعيد بن المسيب والحسن البصري وغيرهما، وروى عنه أيوب السختياني، ومعمر بن راشد، والأوزاعي وغيرهم.
ترجمته في: المعارف: 462، وإنباه الرواة: 3/ 35، تذكرة الحفاظ: 1/ 122، طبقات المفسرين للداودي: 2/ 43.
(4) في نسخة «ج» : الاقتيال. وأورد ابن جني في المحتسب: 1 (82، 83) هذه الرواية من طريق ابن مجاهد، ثم قال: «اقتال هذه افتعل، ويصلح أن يكون عينها واوا كاقتاد، وأن يكون ياء كاقتاس. وقول قتادة: إنها من الاستقالة يقتضي أن يكون عينها ياء لما حكاها أصحابنا عموما: من قلت الرجل في البيع بمعنى أقلته، وليس في قلت دليل على أنه من الياء لقولهم: خفت ونمت وهما من الخوف والنوم، لكنه في قولهم في مضارعه:
أقيله ... » .
ونقل ابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 298 قول قتادة، ثم قال: «والتصريف يضعف أن يكون من الاستقالة، ولكن قتادة- رحمه الله- ينبغي أن يحسن الظن به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجة من عنده» .
ونقل أبو حيان في البحر المحيط: 1/ 208 عن الثعلبي قال: «فأما فأقيلوا» فهو أمر من الإقالة وكأن المعنى: أن أنفسكم قد تورطت في عذاب الله بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه من عبادة العجل وقد هلكت فأقيلوها بالتوبة والتزام الطاعة وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات» .
(1/95)

[7/ أ] والمشهور عن قتادة أنه غشيتهم ظلمة، فقاموا يتناجزون «1» فلما بلغ/ الله نقمته منهم انجلت الظلمة، وسقطت الشّفار «2» من أيديهم فكان ذلك للحي مصلحة وللمقتول شهادة «3» .
والجهرة «4» : ظهور الشيء بالمعاينة «5» ، إلّا أنّ المعاينة ترجع إلى المدرك والجهرة إلى المدرك. وجهرت الجيش وأجهرتهم: إذا كثروا في عينك «6» .
والصاعقة هنا: الموت «7» .
__________
(1) في اللسان: 5/ 414 (نجز) : «المناجزة في القتال: المبارزة والمقاتلة، وهو أن يتبارز الفارسان فيتمارسا حتى يقتل كل واحد منهما صاحبه أو يقتل أحدهما ... وتناجز القوم:
تسافكوا دماءهم كأنهم أسرعوا في ذلك» .
(2) الشّفرة- بالفتح-: السكين العريضة العظيمة، وجمعها شفر وشفار، وشفرات السيوف:
حروف حدّها.
تهذيب اللغة: 11/ 351، واللسان: 4/ 420 (شفر) .
(3) نقله ابن كثير في تفسيره: 1/ 131 عن قتادة، وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 169 ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد عن قتادة أيضا.
(4) من قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة: 55] .
(5) انظر معاني القرآن للأخفش: 1/ 267، وتفسير الماوردي: 1/ 109، وتفسير البغوي: 1/ 74.
(6) هذا النصّ في تهذيب اللغة للأزهري: 6/ 49 عن الأصمعي، وانظر اللسان: 4/ 150، وتاج العروس: 10/ 490 (جهر) .
(7) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 49، وقال: «يدلك على ذلك قوله:
ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، واختاره الزجاج في معاني القرآن: 1/ 137، وقال ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 83: «هذا قول الأكثرين. وزعم أنهم لم يموتوا، واحتجوا بقوله تعالى: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً وهذا قول ضعيف، لأن الله تعالى فرق بين الموضعين، فقال هناك: فَلَمَّا أَفاقَ وقال ها هنا: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ والإفاقة للمغشي عليه، والبعث للميت» اهـ.
وانظر تفسير المشكل لمكي: 92، وتفسير الماوردي: 1/ 109، وتفسير البغوي: 1/ 74.
(1/96)

ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)
كما في قوله تعالى «1» : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ.
56 ثُمَّ بَعَثْناكُمْ: أحييناكم، إذ قالوا: لا نعلم أنّ ما نسمع كلام الله فيظهر «2» لنا، فأهلكهم الله بالصاعقة ثم أحياهم إلى آجالهم.
والمنّ «3» : التّرنجبين «4» ، وكان ينزل عليهم مثل الثلج.
والسّلوى: طير مثل السّمانى «5» . أو المنّ: من المنّ الذي هو الإحسان.
والسّلوى: مما أسلاك عن غيره.
والسّلوان: تراب قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم ينقع في الماء فيشرب للتسلي «6» .
__________
(1) سورة الزمر: آية: 68.
(2) في «ج» : فليظهر.
(3) من قوله تعالى: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ... آية: 57. [.....]
(4) الترنجبين: بتشديد الراء وتسكين النون، ويقال: الطرنجبين بالطاء: طل ينزل من السماء وهو ندى شبيه بالعسل جامد متحبب.
وهذا القول في المراد ب «المن» ذكره الطبري في تفسيره: 2/ 93 دون عزو، وذكره البغوي في تفسيره: 1/ 75 وقال: الأكثرون عليه ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 84 عن ابن عباس رضي الله عنهما، ونقله القرطبي في تفسيره: 1/ 406 عن النحاس، وقال: وعلى هذا أكثر المفسرين.
وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 148، كتاب التفسير، باب قوله تعالى:
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ... ، والإمام مسلم في صحيحه:
3/ 1619، كتاب الأشربة، باب «فضل الكمأة ومداواة العين بها» عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» .
(5) أخرج الطبري رحمه الله في تفسيره: 2/ 97 عن ابن عباس، وعامر، والضحاك أنه السّماني بعينه.
وانظر تفسير البغوي: 1/ 75، وزاد المسير: 1/ 84.
(6) في اللسان: 14/ 395 (سلا) : والسّلوان: ما يشرب فيسلّى. وقال اللحياني: السلوان والسلوانة شيء يسقاه العاشق ليسلو عن المرأة. وقال: وقال بعضهم: هو أن يؤخذ من تراب قبر ميت فيذرّ على الماء فيسقاه العاشق ليسلو عن المرأة فيموت حبه» .
والذي ذكره المؤلف هنا لم يرد له أصل شرعي.
(1/97)

والقرية «1» : بيت المقدس «2» . والباب: باب القبّة «3» التي كان يصلّي إليها موسى عليه السّلام.
سُجَّداً: ركعا خضعا «4» .
حِطَّةٌ: أي: دخولنا سجدا حطة لذنوبنا «5» ، أو مسألتنا حطة.
__________
(1) من قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ... آية: 58.
(2) هو قول الجمهور، وأخرجه الطبري في تفسيره: (2/ 102، 103) عن قتادة، والربيع بن أنس، والسدي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 172 وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة.
وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 84 وعزاه لابن عباس، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم.
ونقله البغوي في تفسيره: 1/ 76 عن مجاهد. ورجحه ابن كثير في تفسيره: 1/ 138.
(3) ذكر الزمخشري في الكشاف: 1/ 238، وابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 307 دون عزو.
(4) أخرج الطبري في تفسيره: 2/ 104 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أمروا أن يدخلوا ركعا» . وأخرج- نحوه- الحاكم في المستدرك: 2/ 262، كتاب التفسير «سورة البقرة» .
وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: (1/ 172) ، 173) وزاد نسبته إلى وكيع، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا.
قال الطبري رحمه الله: «وأصل السجود» الانحناء لمن سجد له تعظيما بذلك. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو «ساجد» ... فذلك تأويل ابن عباس قوله: سُجَّداً ركعا لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناء منه» .
(5) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 41، وغريب القرآن لليزيدي: 70، وتفسير المشكل لمكي: 93.
وقال ابن قتيبة في تفسير الغريب: 50: «وهي كلمة أمروا أن يقولوها في معنى الاستغفار من حططت. أي: حطّ عنا ذنوبنا» .
(1/98)

مثل قالُوا مَعْذِرَةً «1» ، أي: موعظتنا معذرة «2» . ونصبه «3» على معنى حط لنا حطة كقولك: سمعا وطاعة أي اسمع سمعا.
فبدلوا «4» : إما قولا حنطة «5» بدل حطة وإما فعلا دخلوا على أستاههم «6» .
__________
(1) سورة الأعراف: آية: 164.
(2) معاني القرآن للأخفش: 1/ 270.
(3) ذكر الأخفش قراءة النصب ولم ينسبها، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 308، وأبو حيان في البحر المحيط: 1/ 222، والسمين الحلبي في الدر المصون: 1/ 375 إلى إبراهيم بن أبي عبلة. ورجح الزمخشري في الكشاف: 1/ 283 هذا الوجه. ورجح النحاس في إعراب القرآن: 1/ 228 قراءة الرفع وقال: «وهو أولى في اللغة والأئمة من القراء على الرفع، وإنما صار أولى في اللغة لما حكى عن العرب في معنى بدل. قال أحمد بن يحيى: يقال: بدلت الشيء، أي: غيّرته ولم أزل عينه، وأبدلته أزلت عينه وشخصه ... » .
(4) من قوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [البقرة: 59] .
(5) ورد معنى هذا القول بالإضافة إلى دخولهم على أستاههم في آثار أخرجها الطبريّ في تفسيره: (2/ 113، 114) عن ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد رضي الله تعالى عنهم.
وأخرج نحوه الحاكم في المستدرك: 2/ 262، كتاب التفسير، «سورة البقرة» ، وقال:
«وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي. وأورده السيوطي في الدر المنثور: (1/ 172، 173) وزاد نسبته إلى وكيع، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(6) أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: 5/ 148، كتاب التفسير، باب وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ. والإمام مسلم رحمه الله في صحيحه: 4/ 2312، كتاب التفسير، كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «قيل لبني إسرائيل: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا: حطة حبة في شعرة» اهـ.
وهذا الحديث يدل على أنهم بدلوا قولا وفعلا، وقرنوا بين ذلك مخالفة لأمر الله عز وجل. [.....]
(1/99)

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)
والرجز: العذاب «1» من الرجز داء يصيب الإبل «2» .
وفي الأعراف «3» : «انبجست» ، وهو رشح الماء «4» ، والانفجار خروجه بكثرة وغزارة لأنه انبجس ثم انفجر، كما قال في العصا إنها جان «5» وهي حية صغيرة، والثعبان الكبيرة لأنها ابتدأت صغيرة.
60 وَلا تَعْثَوْا: عاث وعثي: أفسد أعظم الفساد «6» ، وقال مُفْسِدِينَ إذ بعض العيث في الظاهر باطنه صلاح، كخرق الخضر السفينة وقتله الغلام.
والفوم «7» : الحنطة «8» ...............
__________
(1) غريب القرآن لليزيدي: 70، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 70، تفسير الطبري:
2/ 116، وتفسير المشكل لمكي: 93.
(2) قال ابن دريد في الجمهرة: 1/ 456: والرّجز داء يصيب الإبل في أعجازها، فإذا ثارت الناقة ارتعشت فخذاها.
وانظر تهذيب اللغة: 10/ 612، واللسان: 5/ 349 (رجز) .
(3) آية: 160، في قوله تعالى: فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً.
(4) نقل الأزهري في تهذيب اللغة: 10/ 599 عن الليث قال: البجس: انشقاق في قرية أو حجر أو أرض ينبع منه الماء فإن لم ينبع فليس بانبجاس.
وفي اللسان: 6/ 24 (بجس) : وماء بجيس: سائل.
وفي تفسير البغوي: 1/ 77 عن أبي عمرو بن العلاء: انبجست عرقت وانفجرت، أي سالت.
(5) في قوله تعالى: وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ سورة النمل: آية: 10.
(6) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 41، ومعاني الأخفش: 1/ 272، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 50، وتفسير الطبري: 2/ 123، وتفسير المشكل لمكي: 93.
(7) من قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها ... البقرة: آية: 61.
(8) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (2/ 128، 129) عن ابن عباس، والحسن، وأبي مالك الغفاري.
كما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: 10/ 308 عن ابن عباس.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 176 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما. -
- قال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 143: «ولا خلاف عند أهل اللغة أن الفوم الحنطة، وسائر الحبوب التي تخبز يلحقها اسم الفوم» .
(1/100)

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)
فوموا لنا «1» ، وقيل «2» : الثوم، كالجدف والجدث «3» ، والفوم والبصل لا يليق بألفاظ القرآن في فصاحتها وجلالتها، ولكنها حكاية عنهم وعن دناءتهم.
61 اهْبِطُوا مِصْراً: أيّ من الأمصار «4» ، فإنّ ما سألتم يكون فيها، وإن كان المراد موضعا بعينه «5» فصرفه/ على أنه اسم للمكان لا البلدة. [7/ ب]
__________
(1) بمعنى: اختبزوا لنا. انظر معاني القرآن للفراء: 1/ 41، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة:
51، وتفسير الطبري: 2/ 130، معاني القرآن للزجاج: 1/ 143.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: 2/ 129 عن مجاهد، والربيع بن أنس.
(3) قال الفراء في معاني القرآن: 1/ 41: «وهي في قراءة عبد الله «وثومها» بالثاء ... والعرب تبدل الفاء بالثاء فيقولون: جدث وجدف، ووقعوا في عاثور شر وعافور شر، والأثاثي والأثافي. وسمعت كثيرا من بني أسد يسمى المغافير المغاثير» .
وقد ذكر ابن قتيبة في تفسير الغريب: 51 قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: «ثومها» بالثاء، وكذا الطبري في تفسيره: 2/ 130، ومكي في تفسير المشكل: 94.
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 2/ 133 عن قتادة، ومجاهد، وابن زيد، والسدي.
وذكر ابن كثير هذا القول في تفسيره: 1/ 145 وعزا إخراجه إلى ابن حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 178 ونسب إخراجه إلى سفيان بن عيينة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا.
(5) قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: (2/ 135، 136) : «والذي نقول به في ذلك، أنه لا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقطع مجيئه العذر. وأهل التأويل متنازعون تأويله، فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربّه أن يعطى قوم ما سألوه من نبات الأرض- على ما بينه الله جل وعز في كتابه- وهم في الأرض تائهون فاستجاب الله لموسى دعاءه، وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قرارا من الأرض التي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار، وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إليه. وجائز أن يكون ذلك القرار «مصر» ، وجائز أن يكون «الشأم» .
فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين: اهْبِطُوا مِصْراً. وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها، لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين، واتفاق قراءة القراء على ذلك. ولم يقرأ بترك التنوين فيه وإسقاط الألف منه، إلا من لا يجوز الاعتراض به على الحجة، فيما جاءت- به من القراءة مستفيضا بينها» اهـ.
(1/101)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
والذّلّة: الجزية «1» .
وَباؤُ بِغَضَبٍ: رجعوا بغضب استولى عليهم، والغضب الأول لكفرهم بعيسى، والثاني لكفرهم بمحمد صلّى الله عليه وسلّم.
62 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا: أي: كلّهم سواء إذا آمنوا في المستقبل وعملوا الصالحات فلهم أجرهم لا يختلف حال الأجر بالاختلاف في الأحوال المتقدمة.
واليهود لأنهم هادوا وتابوا «2» ، أو للنسبة «3» إلى يهود «4» ابن يعقوب، والنّصارى لنزول عيسى قرية ناصرة «5» ،..............
__________
(1) أخرجه الطبري في تفسيره: 2/ 137 عن الحسن وقتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 178 ونسب إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما. [.....]
(2) قال الطبري في تفسيره: 2/ 143: «ومعنى (هادوا) تابوا. يقال منه: هاد القوم يهودون هودا وهادة. وقيل: إنما سميت اليهود «يهود» ، من أجل قولهم: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ الأعراف: 156» اهـ.
وأخرج عن ابن جريج قال: إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، سورة الأعراف: 2/ 551 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نحن أعلم الناس من أين تسمى اليهود باليهودية بكلمة موسى عليه السلام: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ، ولم تسمّت النصارى بالنصرانية، من كلمة عيسى عليه السلام:
كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ.
(3) في «ج» : بالنسبة إلى يهوذا بن يعقوب، ثم انقلبت الذال المعجمة دالا مهملة للتعريب.
(4) كذا في نسخة «ك» : «يهود» بالدال المهملة. وقال الجواليقي في المعرّب: 405: «أعجمي معرّب. وهم منسوبون إلى يهوذا بن يعقوب فسمّوا «اليهود» وعرّبت بالدال» .
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 116، والتعريف والإعلام للسهيلي: 18، واللسان: 3/ 439 (هود) .
(5) الناصرة: قرية بينها وبين طبرية ثلاثة عشر ميلا، وهي الآن في فلسطين المحتلة أعادها الله إلى حوزة المسلمين.
ينظر معجم ما استعجم: 2/ 1310، معجم البلدان: 5/ 251، الروض المعطار: 571.
وقد ورد سبب تسمية النصارى بذلك في أثر أخرجه ابن سعد في الطبقات: (1/ 53، 54) عن ابن عباس رضي الله عنهما، والطبري في تفسيره: 2/ 145 عن ابن عباس وقتادة.
وانظر زاد المسير: 1/ 91، وتفسير ابن كثير: 1/ 148.
(1/102)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)
أو لقوله «1» : مَنْ أَنْصارِي.
والصابئون: قوم يقرءون الزّبور، ويصلّون [إلى] «2» القبلة، لكنّهم يعظّمون الكواكب لا على العبادة «3» حتى جوّز أبو حنيفة «4» - رحمه الله- التزوج بنسائهم وإذا همز كان من صبأ أي: خرج «5» ، وغير مهموز «6» من صبا يصبوا: مال.
63 وَاذْكُرُوا ما فِيهِ: تعرّضوا لذكر ما فيه، إذ الذكر والنسيان ليسا من الإنسان.
وَرَفَعْنا: واو الحال، أي أخذنا ميثاقكم حال رفع الطور.
65 خاسِئِينَ: مبعدين «7» ، خسأت الكلب خسئا فخسأ خسؤا.
__________
(1) سورة آل عمران: آية: 52، وسورة الصّف: آية: 14.
قال السيوطي في الدر المنثور: 1/ 182: «وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال:
« ... وإنما تسمّت النصارى بالنصرانية لكلمة قالها عيسى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فتسموا بالنصرانية» .
(2) سقط من الأصل، والمثبت عن «ك» .
(3) أخرج الطبريّ في تفسيره: 2/ 147 عن قتادة قال: الصابئون قوم يعبدون الملائكة، يصلّون إلى القبلة ويقرءون الزّبور.
وانظر الاختلاف في الصابئين في تفسير الطبري: (2/ 146، 147) ، وتفسير الماوردي:
1/ 117، وتفسير البغوي: 1/ 79، والدر المنثور: (1/ 182، 183) .
(4) شرح فتح القدير للكمال بن الهمام: 3/ 138، وتفسير القرطبي: 1/ 434.
(5) غريب القرآن لليزيدي: 72، وقال ابن قتيبة في تفسير الغريب: 52: «وأصل الحرف من صَبَأتُ: إذا خرجت من شيء إلى شيء ومن دين إلى دين. ولذلك كانت قريش تقول في الرجل إذا أسلم واتبع النبي- صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله-: قد صبأ فلان- بالهمز- أي خرج عن ديننا إلى دينه» .
والهمز في «الصابئون» قراءة الجمهور.
(6) وهي قراءة نافع من القراء السبعة.
انظر السبعة لابن مجاهد: 158، وحجة القراءات: 100.
(7) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 43، ومعاني الأخفش: 1/ 277، وغريب القرآن- لليزيدي: 72، وتفسير الغريب لابن قتيبة: 52، وتفسير المشكل لمكي: 94، واللسان:
1/ 65 (خسأ) . -
(1/103)

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)
66 فَجَعَلْناها نَكالًا: المسخة أو العقوبة، لأن النّكال العقوبة التي ينكّل بها عن الإقدام.
والنّكل: القيد، وأنكلته عن حاجته: دفعته.
وفي الحديث «1» : «مضر صخرة الله التي لا تنكل» ، أي: لا تدفع لرسوخها.
لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها من القرى «2» ، أو من الأمم الآتية والخالية.
67 أَتَتَّخِذُنا هُزُواً: الهزء حدث فلا يصلح مفعولا إلا بتقدير: أصحاب هزو، أو الهزء [المهزوءة] «3» كخلق الله، وضرب بغداد.
والفارض «4» : المسنّة «5» وهي الفريضة وفرض الرّجل: أسنّ.
__________
(1) الحديث في تهذيب اللغة للأزهري: 10/ 246، والفائق: 4/ 24، وغريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 436، والنهاية: 5/ 117. وقد ورد في النهاية لابن الأثير: 4/ 338، ولسان العرب: 5/ 178، وتاج العروس: 14/ 131 (مضر) حديث حذيفة، وذكر خروج عائشة فقال: «تقاتل معها مضر، مضّرها الله في النار» ، أي: جعلها في النار فهذا الحديث صريح في ذم مضر، والحديث الذي أورده المؤلف- رحمه الله- في مدح هذه القبيلة، وكلاهما ذكرا في تلك المصادر بغير إسناد.
(2) ذكره ابن قتيبة في تفسير الغريب: 52، وأخرجه الطبري في تفسيره: 2/ 178، ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 120، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 96 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 149: «ومعنى: لِما بَيْنَ يَدَيْها يحتمل شيئين من التفسير: يحتمل أن يكون لِما بَيْنَ يَدَيْها لما أسلفت من ذنوبها، ويحتمل أن يكون لِما بَيْنَ يَدَيْها للأمم التي تراها وَما خَلْفَها ما يكون بعدها» .
(3) في الأصل: «المهزوبة» . [.....]
(4) من قوله تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ البقرة: 68.
(5) ينظر غريب القرآن لليزيدي: 72، وتفسير الغريب لابن قتيبة: 52، والصحاح: - 3/ 1097، واللسان: 7/ 203 (فرض) .
(1/104)

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)
والبكر: الشّاب، وفي الحديث «1» : «لا تعلّموا أبكار أولادكم كتب النّصارى» يعني: الأحداث.
والعوان: الوسط «2» ، عوّنت المرأة تعوينا.
والفاقع: الخالص الصفرة «3» .
والشّية «4» : العلامة «5» من لون «6» آخر، وشى يشي وشيا وشية.
71 وَما كادُوا يَفْعَلُونَ: لغلاء ثمنها «7» ، أو لخوف/ الفضيحة «8» . [8/ أ]
__________
(1) أورده الخطابي في غريب الحديث: 2/ 72، وقال: «يرويه ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر أن عمر- رضي الله عنه- كتب إلى أهل حمص ... » .
وذكره الزمخشري في الفائق: 3/ 402، وابن الجوزي في غريب الحديث: 1/ 84، وابن الأثير في النهاية: 1/ 149.
(2) قال الجوهري في الصحاح: 6/ 2168 (عون) : «العوان: النصف في سنّها من كل شيء، والجمع عون ... وتقول منه: عوّنت المرأة تعوينا.
وفي اللسان: 13/ 299 (عون) عن ابن سيده: العوان من النساء التي قد كان لها زوج، وقيل: هي الثيب.
(3) معاني القرآن للأخفش: 1/ 279، وقال الزّجاج في معاني القرآن: 1/ 151: «فاقع نعت للأصفر الشديد الصفرة، يقال: أصفر فاقع، وأبيض ناصع، وأحمر قان ... » .
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 344: «والفقوع نعت مختص بالصفرة ... » .
وفي تفسير القرطبي: 1/ 451 عن الكسائي: يقال: فقع لونها يفقع فقوعا إذا خلصت صفرته.
(4) من قوله تعالى: قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها ... البقرة: 71.
(5) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 54: «أي لا لون فيها يخالف معظم لونها» ، وقال مكي في تفسير المشكل: 96: «أي لا لون فيها سوى لون جلدها» .
(6) في «ج» : نوع.
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 2/ 219 عن محمد بن كعب القرظي.
وأورده الماوردي في تفسيره: 1/ 124 وزاد نسبته إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
(8) أخرجه الطبري في تفسيره: 2/ 221 عن وهب بن منبه.
وأورده الماوردي في تفسيره: 1/ 124 وزاد نسبته إلى عكرمة.
قال الطبري بعد أن أورد القولين: «والصواب من التأويل عندنا: أن القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة، للخلتين كلتيهما: إحداهما: غلاء ثمنها، مع ما ذكر لنا من صغر خطرها وقلة قيمتها، والأخرى: خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم، بإظهار الله نبيّه موسى صلوات الله عليه وأتباعه على قاتله» .
(1/105)

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)
72 فَادَّارَأْتُمْ: تدافعتم «1» ، دفع كل قبيلة عن نفسه»
. وهو تدارأتم، ثم أدغمت التاء في الدال، وجلبت لسكونها ألف الوصل، وكتب في المصحف «فادّارءتم» بغير ألف اختصارا كما في «الرحمن» لكثرة الاستعمال.
73 [اضْرِبُوهُ]
«3» بَعْضِها: فيه حذف، أي: ليحيا فضرب فحيي «4» .
والحكمة فيه ليكون وقت إحيائه إليهم ثم بضربهم إياه بموات.
والسبب «5» أن شيخا موسرا قتله بنو أخيه وألقوه في محلة أخرى،
__________
(1) ينظر معاني القرآن للزجاج: 1/ 153، وتفسير المشكل لمكي: 96، واللسان: 1/ 71 (درأ) .
(2) في «ج» : أنفسهم.
(3) في الأصل: «فاضربوه» ، والمثبت في النّص هو الموافق لرسم المصحف ونسخة «ك» .
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 48، ونقل الماوردي في تفسيره: 1/ 125 عن الفراء قال: «وفي الكلام حذف وتقديره: فقلنا اضربوه ببعضها ليحيا فضربوه فحيي. كذلك يحيي الله الموتى فدل بذلك على البعث والنشور، وجعل سبب إحيائه الضرب بميت لا حياة فيه لئلا يلتبس على ذي شبهة أن الحياة إنما انتقلت إليه مما ضرب به لتزول الشبهة وتتأكد الحجة» . [.....]
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: (2/ 183- 187) عن عبيدة السلماني، وأخرج نحو هذه الرواية عن أبي العالية والسدي.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 214 (سورة البقرة) عن عبيدة السلماني. وكذا البيهقي في السنن الكبرى: 6/ 220.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 186، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر عن عبيدة أيضا ونقله الطبريّ عن قتادة، ومجاهد، ووهب بن منبه، ومحمد بن كعب القرظي، وابن عباس، وقال: «فذكر جميعهم أن السبب الذي من أجله قال لهم موسى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً نحو السبب الذي ذكره عبيدة وأبو العالية والسدي، غير أن بعضهم ذكر أن الذي قتل القتيل الذي اختصم في أمره إلى موسى، كان أخا المقتول، وذكر بعضهم أنه كان ابن أخيه، وقال بعضهم: بل كانوا جماعة ورثة استبطئوا حياته، إلا أنهم جميعا مجمعون على أن موسى إنما أمرهم بذبح البقرة من أجل القتيل إذ احتكموا إليه ... » .
وأورد ابن كثير رحمه الله في تفسيره: 1/ 157 هذه الروايات، وقال: «وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم، فيها اختلاف ما، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها، ولكن لا نصدق ولا نكذب، فلهذا لا نعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم» .
(1/106)

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)
وطلبوا الدّية، فسألوا موسى، فأمرهم بذبح بقرة، فظنوه هزؤا لما لم يكن في ظاهره جوابهم، فاستعاذ من الهزء، وعدّه «1» من الجهل.
74 أَوْ أَشَدُّ: أي عندكم، كقوله «2» : قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، وقوله «3» : أَوْ يَزِيدُونَ، أي: لقلتم إنهم مائة ألف أو يزيدون «4» ، وقيل «5» : معناه الإباحة والتخيير، أي «6» : تشبه الحجارة إن شبّهت بها، وإن شبّهت بما هو أشد منها تشبهه.
يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ: قيل: إنه متعد، أي: يهبط غيره إذا رآه فيخشع لله فحذف المفعول.
ومعناه لازما: إن الذي فيها من الهبوط والهويّ- لا سيما عند الزلازل والرّجفان- انقياد لأمر الله الذي لو كان مثله من حي قادر لكان من خشية الله.
__________
(1) في الأصل: ووعده.
(2) سورة النجم: آية: 9.
(3) سورة الصافات: آية: 147.
(4) «أو» هنا بمعنى «بل» .
ينظر معاني القرآن للفراء: 3/ 393، وتفسير الطبري: 2/ 237، وحروف المعاني للزجاجي: 52، ورصف المباني: 211، والجنى الداني: 246.
(5) نصّ هذا القول في تفسير الماوردي: 1/ 127 دون عزو.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 1/ 156، ومغني اللبيب: 1/ 62.
(6) العبارة في «ج» : أي تشبه الحجارة وإن شبّهت بما هو أشد منها تشبهه.
(1/107)

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)
79 يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ: فائدة ذكر الأيدي لتحقيق الإضافة «1» ، كقوله «2» : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ إذ الفعل يضاف إلى الأمر كقوله «3» : يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ، وكانت صفة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في كتابهم أسمر ربعة «4» ، فكتبوا آدم كهلا «5» .
81 بَلى «6» : أصله: «بل» زيدت الياء «7» للوقوف «8» ، وبلى يخرج الكلام عن معنى المعطوف.
قال الفراء «9» : لو قال لرجل: مالك «10» عليّ شيء، فقال: نعم كان براءة، ولو قال: بلى كان ردا عليه.
81 وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ: أهلكته، كقوله «11» : إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ،
__________
(1) ينظر تفسير الطبري: 2/ 272 فقد ذكر كلاما نفيسا في هذا المعنى.
ومصدر المؤلف- فيما يبدو- في هذا النص تفسير الماوردي: 1/ 132، وانظر المحرر الوجيز: 1/ 366، وزاد المسير: 1/ 106، والبحر المحيط: 1/ 277.
(2) سورة ص: آية: 75.
(3) سورة القصص: آية: 4.
(4) أي مربوع الخلق، ليس بالطويل ولا بالقصير.
الصحاح: 3/ 1214 (ربع) ، والنهاية: 2/ 190.
(5) معاني القرآن للزجاج: 1/ 160، وتفسير البغوي: 1/ 89.
ونقل ابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 367 عن ابن إسحاق قال: «كانت صفته في التوراة أسمر ربعة فردّوه آدم طويلا» .
(6) في قوله تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ....
(7) في «ج» : ألفا. [.....]
(8) قال مكي في كتابه «شرح كلا وبلى ونعم» : 77: «ولو وقف على «بل» لانتظر السامع إتيان كلام آخر بعد «بل» ، فإذا جيء بالألف للوقف، علم أنه لا كلام بعد ذلك، إذ الوقف لا يكون إلّا عند انقطاع الكلام» .
(9) أبو زكريا يحيى بن زياد (ت 207 هـ) .
والنص في معاني القرآن له: 1/ 52.
(10) كذا في «ك» ، وفي معاني الفراء: «أما لك مال؟» .
(11) سورة يوسف: آية: 66.
(1/108)

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ «1» .
78 إِلَّا أَمانِيَّ: الأكاذيب «2» ، أو التلاوة الظاهرة «3» ، أو ما يقدّرونه على آرائهم وأهوائهم. والمنى: القدر «4» .
83 لا تَعْبُدُونَ: رفعه بسقوط «أن» إذ أصله: / أن لا تعبدوا «5» ، [8/ ب] ويجوز رفعه جوابا للقسم «6» ، إذ معنى أخذ الميثاق التحليف، وتقول:
حلفته لا يقوم.
وَبِالْوالِدَيْنِ معطوف على معنى لا تَعْبُدُونَ، أي: بأن لا تعبدوا وبأن
__________
(1) سورة الكهف: آية: 42.
(2) رجح الفراء هذا القول في معاني القرآن: 1/ 50، وقال الطبريّ في تفسيره: 2/ 262:
«و «التمني» في هذا الموضع، هو تخلق الكذب وتخرّصه وافتعاله. يقال منه «تمنيت كذا» ، إذا افتعلته وتخرّصته ... » .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 1/ 159، وتفسير المشكل لمكيّ: 96، وتفسير غريب القرآن لابن الملقن: 58.
(3) ينظر معاني الفراء: 1/ 49، وغريب القرآن لليزيدي: 74، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة:
55، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 159، وتفسير المشكل لمكيّ: 97، واللسان: 15/ 294 (منى) .
(4) اللسان: 15/ 292 (منى) ، وفي «ج» : التقدير.
(5) وهو مذهب الأخفش.
ينظر معاني القرآن له: 1/ 308، ومعاني الزجاج: 1/ 162، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 101.
وقد ذكر السّمين الحلبي هذا الوجه في الدر المصون: 1/ 459، وأورد أدلة القائلين به وشواهدهم، ثم قال: «وفيه نظر، فإن إضمار «أن» لا ينقاس، إنما يجوز في مواضع عدها النحويون وجعلوا ما سواها شاذا قليلا، وهو الصحيح خلافا للكوفيين، وإذا حذفت «أن» فالصحيح جواز النصب والرفع ... » .
(6) وهو رأي سيبويه في الكتاب: 3/ 106، وذكره الفراء في المعاني: 1/ 54.
وانظر التبيان للعكبري: 1/ 83، والدر المصون للسمين الحلبي: (1/ 458- 461) الذي أورد ثمانية أوجه في إعراب الآية.
(1/109)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)
تحسنوا «1» ، أو تقديره: ووصيناهم [إحسانا] «2» بالوالدين «3» .
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً: قولا ذا حسن، أو حسنا، فأقيم المصدر مقام الاسم. أو يكونان اسمين كالعرب والعرب. ولا وجه لقراءة «حسني» «4» لأن أفعل [وفعلى] «5» صفة لا تخلو «6» إما عن «من» أو عن الألف واللام على التعاقب.
84 أَقْرَرْتُمْ: رضيتم.
85 ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ: أي: يا هؤلاء «7» توكيد «أنتم» ، وعماده أي أنتم تقتلون فيكون تقتلون خبره رفعا.
ويجوز هؤُلاءِ بمعنى: الذين «8» ، وتَقْتُلُونَ صلته ولا موضع له
__________
(1) ينظر تفسير الطبري: 2/ 290، والبيان لابن الأنباري: 1/ 102، والدر المصون:
1/ 462.
(2) عن نسخة «ج» .
(3) معاني القرآن للأخفش: 1/ 309، ومعاني الزجاج: 1/ 163، وإعراب القرآن للنحاس:
1/ 241.
(4) ذكر الأخفش هذه القراءة في معاني القرآن: 1/ 309، وذكرها الطبريّ في تفسيره:
2/ 294، والزجاج في معانيه: 1/ 163، والنحاس في إعراب القرآن: 1/ 241، وابن جني في المحتسب: 2/ 363، وابن الأنباري في البيان: 1/ 103.
وتنسب أيضا إلى الحسن كما في إتحاف فضلاء البشر: 1/ 401.
وقد ضعّف كلّ من الطبريّ والزّجاج والنحاس وابن الأنباري هذا الوجه. [.....]
(5) في الأصل: «وفعل» . والمثبت في النص من «ك» ، ومن المصادر التي مرت من قبل.
(6) في «ك» و «ج» : «لا يخلوان» .
(7) نقل النحاس في إعراب القرآن: 1/ 243 هذا التقدير عن ابن قتيبة، ثم قال: «هذا خطأ على قول سيبويه لا يجوز عنده: هذا أقبل» .
وقال ابن الأنباري في البيان: 1/ 103: «وهو ضعيف ولا يجيزه سيبويه، لأن حرف النداء إنما يحذف مما لا يحسن أن يكون وصفا لأيّ، نحو: زيد وعمر، و «هؤلاء» يحسن أن يكون وصفا لأيّ، نحو: يا أيها هؤلاء. فلا يجوز حذف حرف النداء منه» .
وانظر مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 102، والتبيان للعكبري: 1/ 86.
(8) نص هذا الكلام في معاني القرآن للزجاج: 1/ 167، وهو مذهب الكوفيين، كما في الإنصاف: 2/ 717.
وذكره النحاس في إعراب القرآن: 1/ 243، ومكي في مشكل إعراب القرآن: 1/ 102، والعكبري في التبيان: 1/ 86 وضعفه.
وأورد السّمين الحلبي في الدر المصون: (1/ 474- 478) سبعة أوجه في إعراب الآية.
(1/110)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)
كقوله «1» : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ أي: [ما] «2» التي.
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى: أي من غير ملتكم تفدوهم.
أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ: إخراجهم كان كفرا وفداؤهم كان إيمانا «3» .
مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ: أي: الكفر والإيمان.
87 بِرُوحِ الْقُدُسِ: جبريل «4» ، أو الإنجيل «5» ، أو الاسم الذي كان
__________
(1) سورة طه: آية: 17.
(2) عن نسخة «ج» .
(3) ينظر تفسير الطبري: (2/ 308، 309) ، وتفسير البغوي: 1/ 91، والمحرر الوجيز:
1/ 382، وزاد المسير: 1/ 112.
قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ: «يعني التوراة، والذي آمنوا به فداء الأسارى، والذي كفروا به قتل بعضهم بعضا وإخراجهم من ديارهم، وهذا توبيخ لهم، وبيان لقبح فعلهم» .
(4) ورد هذا القول في تفسير الطبري: (2/ 220، 221) حيث أخرجه عن قتادة، والسدي، والربيع بن أنس، والضحاك، وشهر بن حوشب ورفعه.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 2/ 476 (تفسير سورة البقرة) عن ابن مسعود رضي الله عنه.
ورجح الطبريّ- رحمه الله- هذا القول. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 386:
«وهذا أصح الأقوال» .
وانظر: معاني الزجاج: 1/ 168، وتفسير الماوردي: 1/ 135، وزاد المسير: 1/ 112، وتفسير القرطبي: 2/ 24، وتفسير ابن كثير: (1/ 175، 176) .
(5) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 2/ 477 (تفسير سورة البقرة) عن الربيع بن أنس باختلاف يسير في اللفظ.
وذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 135 دون عزو، وقال: سماه روحا كما سمى الله القرآن روحا في قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا.
ونقل ابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 386 هذا القول عن مجاهد والربيع بن أنس.
(1/111)

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)
يحيي به الموتى «1» .
والقدس والقدس «2» واحد، وقيل لجبريل روح الله تشريفا وكذلك للمسيح.
88 غُلْفٌ: جمع أغلف «3» الذي لا يفهم كأنّ قلبه في غلاف.
وهذا أصح من [قول القائل] «4» إنها أوعية للعلوم «5» امتلأت بها فلا موضع لما يقول: لأن كثرة العلم لا يمنع المزيد.
واللّعن: الإبعاد من رحمه الله، فلا تلعن البهائم إذ الله لا يبعدها من رحمته.
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ: أي قليل منهم يؤمنون «6» «7» [وانتصب على
__________
(1) أخرجه الطبريّ في تفسيره: 2/ 321، وابن أبي حاتم في تفسيره: 2/ 477 عن ابن عباس رضي الله عنهما، ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 134، وابن عطية في المحرر الوجيز:
1/ 386 عن ابن عباس أيضا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 213، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن عباس.
(2) في «ك» : «والقدوس» .
وانظر تفسير الطبري: 2/ 323، والدر المصون: 1/ 497.
(3) ينظر غريب القرآن لليزيدي: 75، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 57، وتفسير المشكل لمكي: 98، وتفسير غريب القرآن لابن الملقن: 59.
(4) عن نسخة «ج» .
(5) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 58: «ومن قرأه «غلف» مثقل. أراد جمع غلاف.
أي هي أوعية للعلم» .
وقد رجح الزجاج في معانيه: 1/ 169 ما رجحه المؤلف هنا.
وانظر تفسير المشكل لمكي: 58، وتفسير الماوردي: 1/ 136. [.....]
(6) عن نسخة «ج» .
(7) أخرج الطبري- رحمه الله- هذا القول في تفسيره: 2/ 329 عن قتادة.
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 136، والبغوي في تفسيره: 1/ 93، وابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 388 عن قتادة.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 113 وزاد نسبته إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
(1/112)

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)
الحال و «ما» صلة] ، أو [بقليل] «1» يؤمنون «2» أو إيمانا قليلا يؤمنون:
صفة مصدر محذوف «3» .
90 بِئْسَمَا اشْتَرَوْا: أي: بئس شيئا باعوا به أنفسهم «4» لأنّ الغرض واحد وهو المبادلة. وموضع أَنْ يَكْفُرُوا خفض على موضع الهاء في (به) على البدل «5» ، ويجوز رفعه على قولهم: نعم رجلا زيد.
91 وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً: نصبه بمعنى الحال [المؤكدة] «6» ، والعامل معنى الفعل، [أي: أثبته أو أحقه] »
، كقولك: هو زيد معروفا، أي:
__________
(1) في الأصل: «فقليل» ، والمثبت في النص من «ك» .
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: 2/ 329 عن قتادة، ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 136 عن قتادة، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 113 عن معمر.
قال الطبريّ- رحمه الله-: «وأولى التأويلات في قوله: فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ بالصواب، ما نحن متقنوه إن شاء الله. وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم. ولذلك نصب قوله: فَقَلِيلًا لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره. ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم، فإيمانا قليلا ما يؤمنون. فقد تبين إذا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك لأن معنى ذلك لو كان على ما روى من أنه يعني به: فلا يؤمن منهم إلا قليل، أو فقليل منهم من يؤمن، لكان «القليل» مرفوعا لا منصوبا لأنه إذا كان ذلك تأويله، كان «القليل» حينئذ مرافعا «ما» فإذا نصب «القليل» - و «ما» في معنى «من» أو «الذي» - فقد بقيت «ما» لا مرافع لها. وذلك غير جائز في لغة أحد من العرب» .
(3) ينظر البيان لابن الأنباري: 1/ 106، والتبيان للعكبري: 1/ 90، والبحر المحيط:
1/ 301، والدر المصون للسمين الحلبي: 1/ 502 الذي رجح هذا الوجه من بين ستة وجود ذكرها في إعراب فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ.
(4) نسب هذا القول إلى الكسائي كما في مشكل إعراب القرآن: 1/ 104، والدر المصون: 1/ 508.
(5) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 56، وانظر البيان لابن الأنباري: 1/ 109، والتبيان للعكبري: 1/ 91، والدر المصون: 1/ 510.
(6) عن نسخة «ك» .
وينظر: إعراب القرآن للنحاس: 1/ 248، والبيان لابن الأنباري: 1/ 109، والتبيان للعكبري: 1/ 93، والدر المصون: (1/ 515، 516) .
(7) عن نسخة «ج» .
(1/113)

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)
أعرفه عرفانا «1» . ولا يصح هو زيد قائما حالا لأن الحال لا يعمل فيها إلا [9/ أ] فعل/ أو معنى فعل، وجاز [قولك: هذا زيد قائما بدلالة اسم الإشارة على معنى الفعل، أي: أشير إلى زيد قائما، أي في حال قيامه] «2» .
فَلِمَ تَقْتُلُونَ [أَنْبِياءَ اللَّهِ] «3» مِنْ قَبْلُ: والمراد: لم قتلتم لأنه كالصفة اللازمة لهم، كقولك للكاذب: لم تكذب؟ بمعنى: لم كذبت.
97 فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ: ردّ لمعاداتهم جبريل «4» ، أي: لو نزّله غير جبريل لنزّله أيضا على هذا الحد.
102 وَاتَّبَعُوا: يعني اليهود، ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ: أي: شياطين الإنس «5» من السّحر.
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ: ما سحر وذلك لإنكار اليهود نبوّته، وأنه ظهر من تحت كرسيّه كتب السّحر «6» .
__________
(1) في «ج» : أثبته معروفا.
(2) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(3) عن نسخة «ج» .
(4) هذه الآية نزلت في اليهود. وقال الطبري في تفسيره: 2/ 377: «أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل إذ زعموا أن جبريل عدوّ لهم، وأن ميكائيل وليّ لهم ... » .
راجع سبب نزول الآية في مسند الإمام أحمد: 1/ 74، وتفسير الطبري: (2/ 383- 384) ، وأسباب النزول للواحدي: 64، وتفسير البغوي: 1/ 96، وتفسير ابن كثير:
(1/ 185، 186) .
(5) قال الفخر الرازي في تفسيره: (3/ 220) : «واختلفوا في «الشياطين» ، فقيل: المراد شياطين الجن وهو قول الأكثرين. وقيل: شياطين الإنس وهو قول المتكلمين من المعتزلة.
وقيل: هم شياطين الإنس والجن معا ... » . [.....]
(6) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 59، وتفسير الطبري: (2/ 405- 407) ، وأسباب النزول للواحدي: (68، 69) ، وتفسير البغوي: (1/ 98، 99) ، وتفسير ابن كثير: 1/ 194.
قال الطبري- رحمه الله-: «والصواب من القول في تأويل قوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أن ذلك توبيخ من الله لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجحدوا نبوته، وهم يعلمون أنه لله رسول مرسل وتأنيب منه لهم في- رفضهم تنزيله، وهجرهم العمل به، وهو في أيديهم يعلمونه ويعرفون أنه كتاب الله، واتباعهم واتباع أوائلهم وأسلافهم ما تلته الشياطين في عهد سليمان، وقد بينا وجه جواز إضافة أفعال أسلافهم إليهم فيما مضى ... » .
(1/114)

وهو إما- إن فعلها- لئلا يعمل بها «1» ، أو افتعلها السّحرة بعده لتفخيم السّحر «2» وأنه استسخر به ولذلك قال: «تتلوا عليه» لأنّ في الحق:
تلا «3» عنه.
وقيل: عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ معناه: على «4» ذهاب ملكه، [أي:
حين نزع الله عنه الملك] «5» .
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ أي: واتبعوا ذلك، وأنزل عليهما من السحر ليعلما ما السحر وفساده وكيف الاحتيال به.
فِتْنَةٌ: خبرة «6» [من] «7» ، فتنت الذهب، أي تظهر «8» بما تتعلمون
__________
(1) ينظر: متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار: (99- 103) ، وتفسير الفخر الرازي: (3/ 238- 239) ، وتفسير القرطبي: 2/ 54.
(2) تفسير الفخر الرازي: 3/ 221.
(3) المصدر السابق.
(4) في «ج» و «ك» : «في ذهاب ملكه» .
وانظر هذا المعنى في تفسير الطبري: (2/ 411، 412) .
(5) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
وقال الفخر الرازي- رحمه الله- في تفسيره: 3/ 221 «أما قوله: عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ فقيل: في ملك سليمان عن ابن جريج، وقيل: على عهد ملك سليمان.
والأقرب أن يكون المراد: واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان، لأنهم كانوا يقرءون من كتب السحر ويقولون: إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم، فكانت تلاوتهم لتلك الكتب كالافتراء على ملك سليمان» .
(6) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 59، وفي تهذيب اللّغة للأزهري: 14/ 296: «جماع معنى الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان وأصلها مأخوذ من قولك: فتنت الفضّة والذهب إذا أذبتهما بالنار ليتميز الرديء من الجيّد ... » .
وانظر لسان العرب: 13/ 317 (فتن) .
(7) عن نسخة «ج» .
(8) في «ك» و «ج» : «أي اختبرته ليظهر ... » .
(1/115)

منّا حالكم في اجتناب السحر الذي نعلم فساده والعمل به.
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما: أي: مكان ما علما من تقبيح السحر.
ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ: وذلك بالتبغيض «1» ، أو إذا سحر كفر فتبين امرأته «2» . وقيل: بالجحد في (وما [أنزل] «3» ) .
وصرف ويتعلمون منهما إلى السّحر والكفر لدلالة ما تقدّم عليهما.
كقوله: يَتَجَنَّبُهَا
«4» أي: الذكرى لدلالة سَيَذَّكَّرُ عليها.
بِإِذْنِ اللَّهِ: بعلم الله «5» ، أو بتخليته، أو بفعله وإرادته لأنّ الضّرر بالسّحر وإن كان لا يرضاه عنه «6» تعالى عند السبب الواقع من الساحر.
وقال: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ مع قوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لأنه في فريق
__________
(1) تفسير الطبري: 2/ 447 عن قتادة.
(2) تفسير الفخر الرازي: 3/ 239.
(3) عن نسخة «ك» و «ج» .
(4) سورة الأعلى: الآيتان: (10، 11) .
(5) قال الطبري- رحمه الله تعالى- في تفسيره: 2/ 449: «ول «الإذن» في كلام العرب أوجه منها:
- الأمر على غير وجه الإلزام. وغير جائز أن يكون منه قوله: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لأن الله جل ثناؤه قد حرّم التفريق بين المرء وحليلته بغير سحر- فكيف به على وجه السحر؟ - على لسان الأمة.
- ومنها: التخلية بين المأذون له، والمخلّى بينه وبينه.
- ومنها العلم بالشيء، يقال منه: «قد أذنت بهذا الأمر» إذا علمت به ... وهذا هو معنى الآية، كأنه قال جل ثناؤه: وما هم بضارين، بالذي تعلموا من الملكين، من أحد إلا بعلم الله، يعني: بالذي سبق له في علم الله أنه يضره» .
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 143، والمحرر الوجيز: 1/ 423، وتفسير الفخر الرازي:
3/ 239. [.....]
(6) من المعلوم أن «رضي» يأتي لازما فيتعدى بحرف الجر «عن» نحو قولك: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ويأتي متعديا بنفسه نحو قوله: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً، وعليه تكون صحة العبارة إما أن يقال: ولا يرضى عنه تعالى، وإما أن يقال: ولا يرضاه تعالى، حيث لم يجر العرف اللغوي باستعمال الفعل لازما متعديا في عبارة واحدة.
(1/116)

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)
عاند وفي فريق جهل، أو لما لم يعملوا بما علموا كأنهم لم يعلموا «1» .
لَمَنِ اشْتَراهُ: في معنى الجزاء «2» ، وجوابه مكتفى منه بجواب القسم كقوله «3» : لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ.
والهاء في اشْتَراهُ يعود على السحر، أي من استبدل السحر بدين الله.
والخلاق: النّصيب من الخير.
103 وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا: محذوف الجواب لأن شرط الفعل ب «لو» يجاب بالفعل، ولام لَمَثُوبَةٌ لام الابتداء.
104 راعِنا: أرعنا سمعك كما نرعيك «4» ، فنهوا عن لفظ المفاعلة، لأنّها/ للمماثلة. [9/ ب] انْظُرْنا: أفهمنا، أو انظر إلينا، أو انتظرنا نفهم ما تعلّمنا «5» .
106 ما نَنْسَخْ النّسخ «6» : رفع حكم شرعي إلى بدل منه، كنسخ الشمس بالظل. وقيل: هو بيان مدة المصلحة، والمصالح تختلف بالأوقات والأعيان والأحوال فكذلك الأحكام، وهو كتصريف العالم بين السرّاء والضراء
__________
(1) معاني القرآن للزجاج: 1/ 186.
(2) ينظر معاني الفراء: (1/ 65، 66) ، وتفسير الطبري: 2/ 452.
(3) سورة الحشر: آية: 12.
(4) تفسير الطبري: 2/ 460. قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 60: «وكان المسلمون يقولون لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: راعنا وأرعنا سمعك، وكان اليهود يقولون: راعنا- وهي بلغتهم سب لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالرّعونة- وينوون بها السّبّ: فأمر الله المؤمنين أن لا يقولوها: لئلا يقولها اليهود، وأن يجعلوا مكانها (انظرنا) أي انتظرنا» .
(5) هذه الأقوال الثلاثة في تفسير الماوردي: 1/ 144. وانظر معاني الفراء: 1/ 70، وغريب القرآن لليزيدي: 78، وتفسير غريب القرآن: 60، وتفسير الطبري: (2/ 467، 468) .
(6) ينظر تعريف النسخ في معجم مقاييس اللغة: 5/ 424، والإيضاح لمكي: 49، والمفردات للراغب: 490، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: 90، والبرهان للزركشي: 2/ 29، واللسان: 3/ 61 (نسخ) .
(1/117)

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)
لمصالح الخلق.
أَوْ نُنْسِها: نتركها فلا ننسخها «1» ، أو ننسها من قلوب الحافظين «2» وننسأها «3» : نؤخرها «4» ، نسأته وأنساته.
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها: في التخفيف أو في المصلحة «5» .
108 أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى سألت قريش تحويل الصفا ذهبا «6» .
109 فَاعْفُوا: فاتركوهم، وَاصْفَحُوا: اعرضوا بصفحة وجوهكم «7»
__________
(1) ورد هذا المعنى في أثر أخرجه الطبري في تفسيره: 2/ 476 عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن السّدّي، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 336 (سورة البقرة) ، والبيهقي في الأسماء والصفات: (1/ 362، 363) عن ابن عباس.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 255 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن عباس أيضا.
(2) ينظر معاني الفراء: (1/ 64، 65) ، وتفسير الطبري: (2/ 474، 475) .
(3) ننسأها- بفتح النون الأولى وأخرى بعدها ساكنة وسين مفتوحة بعدها ألف مهموزة- قراءة سبعية قرأ بها أبو عمرو وابن كثير، ونسبت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وابن عباس، وعطاء بن أبي رباح ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وعبيد بن عمير.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 168، والتبصرة لمكي: 153، والتيسير للداني: 76، والبحر المحيط: 1/ 343، ومعجم القراءات: 1/ 99.
(4) معاني الفراء: 1/ 65، وغريب القرآن لليزيدي: 79، وتفسير الطبري: 2/ 477، ومعاني الزجاج: 1/ 190، والمحرر الوجيز: 1/ 436.
(5) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 61، وأخرج الطبري في تفسيره: 2/ 481، والبيهقي في الأسماء والصفات: 1/ 362 عن ابن عباس رضي الله عنهما: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها يقول:
خير لكم في المنفعة وأرفق بكم» .
(6) أخرجه الطبريّ في تفسيره: (2/ 490، 491) عن مجاهد، ونقله الواحدي في أسباب النزول: 70 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 261، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.
(7) قال الأزهري في التهذيب: 4/ 256: «وصفح كل شيء: وجهه وناحيته ... ، ويقال:
صفح فلان عني أي أعرض بوجهه وولاني وجه قفاه ... يقال: صفح عن فلان أي أعرض عنه موليّا» . [.....]
(1/118)

وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)
كما جاء الإعراض في الإقبال بعرض الوجه.
111 هُوداً: يهودا، أسقطت الياء الزائدة «1» ، أو جمع هائد، كحول وحائل «2» [والحايل ولد الناقة] «3» .
112 بَلى مَنْ أَسْلَمَ: «بلى» جواب جحد أو استفهام مقدّر، كأنه قيل:
ما يدخل الجنّة أحد، فيقال: بَلى مَنْ أَسْلَمَ، أو قيل: أما يدخل الجنّة أحد؟.
وأَسْلَمَ: أخلص «4» كقوله تعالى «5» : وَرَجُلًا سَلَماً.
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مع قوله: فَلَهُ أَجْرُهُ: ليعلم أنهم على يقين لا على رجاء يخاف معه.
117 بَدِيعُ السَّماواتِ: أبلغ من مبدعها لأنه صفة يستحقها في غير حال الفعل على معنى القدرة على الإبداع «6» .
__________
(1) معاني الفراء: 1/ 73، تفسير الطبري: 2/ 571.
ونقل مكي في مشكل إعراب القرآن: 109 هذا القول عن الفراء، وقال: «ولا قياس يعضد هذا القول» .
وقال العكبري في التبيان: 1/ 105: «وهو بعيد جدا» .
(2) في اللسان: 3/ 439: «الهود: التوبة، هاد يهود هودا وتهوّد: تاب ورجع إلى الحق، فهو هائد. وقوم هود. مثل حائك وحوك وبازل وبزل» .
وانظر معاني الفراء: 1/ 73، وتفسير الطبري: 2/ 507، ومعاني الزجاج: 1/ 194.
(3) عن نسخة «ج» .
(4) ينظر تفسير الطبريّ: 2/ 510، وتفسير البغوي: 1/ 106، وزاد المسير: 1/ 133، وتفسير القرطبي: 2/ 75، والبحر المحيط: 1/ 352.
(5) سورة الزمر: آية: 29.
والقراءة التي أوردها المؤلف لابن كثير وأبي عمرو من القراء السبعة، ونسبت أيضا إلى ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والزهري رضي الله عنهم أجمعين.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 562، والتبصرة لمكي: 314، وتفسير الفخر الرازي:
26/ 277، والبحر المحيط: 7/ 424، ومعجم القراءات: (6/ 15، 16) .
(6) تفسير الفخر الرازي: 4/ 27.
وانظر تهذيب اللغة: 2/ 241، واللسان: (8/ 6، 7) (بدع) .
(1/119)

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)
115 فَأَيْنَما تُوَلُّوا: في سفر، صلّوا بالتحري في ليلة مظلمة لغير القبلة «1» .
وقيل «2» : في صلاة السّفر راكبا، وصلاة الخوف إذا تزاحفوا وتسابقوا «3» .
فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ: أي: الاتجاه إلى الله، أي: وجه عبادة الله.
116 قانِتُونَ: دائمون تحت تدبيره وتقديره.
117 فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: يجوز حقيقة أمر، وأنّ ما يحدثه الله عن إبداع واختراع، أو يخلقه على توليد وترتيب بأمره «4» وقوله: كُنْ، ويكون «5» ذلك علامة يعرفها «6» الملائكة أنّ عندها يحدث خلقا، ويجوز مثلا، أي يطيع الكون لأمره في الحال كالشيء الذي يقال له: كن فيكون، إذ معنى «كن» الخبر، وإن كان اللّفظ أمرا وليس [فيكون] «7» بجواب أمر لأن جواب الأمر غير الأمر كقولك:
[10/ أ] زرني/ فأكرمك.
وكن فيكون واحد لأن الكون الموجود هو الكون المأمور. والكسائي «8»
__________
(1) ينظر تفسير الطبري: 2/ 531، وأسباب النزول للواحدي: 73.
(2) أخرج الإمام مسلم في صحيحه: 1/ 486، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب «جواز صلاة النافلة على الدابة حيث توجهت» ، عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه. قال: وفيه نزلت: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.
وأخرج نحوه الإمام أحمد في مسنده: 6/ 324، والطبريّ في تفسيره: 2/ 530.
(3) تفسير الطبري: 2/ 530، وأسباب النزول للواحدي: 73.
(4) في «ج» : فبأمره.
(5) في «ج» : ليكون.
(6) في «ج» : تعرّف بها الملائكة.
(7) عن نسخة «ج» .
(8) هو علي بن حمزة بن عبد الله الكسائي، الكوفي، الإمام اللّغوي النحوي المشهور، وأحد القراء السبعة.
إنباه الرواة: 2/ 256، إشارة التعيين: 217، غاية النهاية: 1/ 535. [.....]
(1/120)

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)
ينصب فَيَكُونُ في سورتي «النحل» «1» و «يس» «2» لا على جواب الأمر بالفاء ولكن بالعطف على قوله: أَنْ نَقُولَ، وأَنْ يَقُولَ.
118 أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ: إنّما لم يؤتوا ما سألوا لأنّ صلاحهم فيها «3» ، أو فسادهم، أو هلاكهم إذا عصوا بعدها، أو إصرارهم «4» على التكذيب معها، كما فعلته ثمود لا يعلمه إلا الله.
124 وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ: الابتلاء مجازه تكليف ما يشق ليثاب عليه، ولما كان في الحاضر الأوامر في مثله على الاختبار خاطبنا الله بما نتفاهم، بل من العدل أن يعاملنا الله في أوامره معاملة المبتلى الممتحن لا العالم الخبير ليقع جزاؤه على عملنا لا على علمه بنا.
بِكَلِماتٍ: هي السّنن العشر «5» ، وقيل «6» : مناسك الحج.
__________
(1) آية: 40، من قوله تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
ينظر هذه القراءة للكسائي في السبعة لابن مجاهد: 373، والتيسير للداني: 137.
(2) آية: 83، من قوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
ينظر هذه القراءة للكسائي في السبعة لابن مجاهد: 544، والتيسير للداني: 137.
(3) في «ج» : صلاحهم في ذلك ولأن فيها فسادهم.
(4) في «ج» : لإصرارهم.
(5) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 63، وأخرج الطبريّ في تفسيره: 3/ 9 عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة، والحاكم في المستدرك: 2/ 266، كتاب التفسير عن ابن عباس قال: «ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قصّ الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء» .
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 154، وزاد المسير: 1/ 140، وتفسير القرطبي: 2/ 98.
(6) أخرجه الطبريّ في تفسيره: (3/ 12، 13) عن ابن عباس وقتادة. ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 154 عن قتادة، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 140 عن قتادة عن ابن عباس.
(1/121)

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)
وقيل «1» : النجوم. وقيل «2» : الهجرة، وقرى الأضياف، وذبح الولد، والنار.
125 مَثابَةً: موضعا للثّواب، أو مرجعا إليه، وأصله: مثوبة «مفعلة» من ثاب يثوب «3» .
وَأَمْناً: أي للخائف إذا لجأ إليه، أو من ظهور الجبابرة عليه.
وَاتَّخِذُوا: عطف على معنى مَثابَةً إذ تضمنت: ثوبوا إليه.
126 فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا: بالرزق أو بالبقاء.
128 وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ: هو تسليم النّفس وإخلاص العمل، أو بما يكون من الله ليثبّت به العبد على الإسلام.
وَتُبْ عَلَيْنا: على وجه السّنّة والتعليم ليقتدى بهما فيه، أو هي
__________
(1) أخرجه الطبري في تفسيره: 3/ 14 عن الحسن، ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 154، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 140 عن الحسن أيضا.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: 3/ 14 عن الحسن، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير:
1/ 140، والرازي في تفسيره: 4/ 42 عن الحسن أيضا.
قال الطبريّ- رحمه الله-: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عباده أنه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهن إليه، وأمره أن يعمل بهن فأتمهن، كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل، وجائز أن تكون بعضه. لأن لإبراهيم صلوات الله عليه قد كان امتحن فيما بلغنا بكل ذلك، فعمل به، وقام فيه بطاعة الله وأمره الواجب عليه فيه.
وإذا كان ذلك كذلك فغير جائز لأحد أن يقول: عنى الله بالكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شيء، ولا عنى به كل ذلك، إلا بحجة يجب التسليم: من خبر عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو إجماع من الحجة. ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته ... » .
(3) نصّ عليه الطبريّ في تفسيره: 3/ 25، وأورد نحوه الزجاج في معانيه: 1/ 206، وقال:
«والأصل في «مثابة» مثوبة، ولكن حركة الواو نقلت إلى التاء، وتبعت الواو الحركة فانقلبت ألفا، وهذا إعلال إتباع، تبع «مثابة» باب «ثاب» ، وأصل ثاب ثوب، ولكن الواو قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، لا اختلاف بين النّحويين في ذلك» .
وانظر تفسير القرطبي: 2/ 110، والدر المصون: 2/ 104.
(1/122)

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)
للتوبة «1» في الصغائر والعصمة «2» منها.
129 وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ: القرآن، وَالْحِكْمَةَ: العلم بالأحكام «3» .
130 سَفِهَ نَفْسَهُ أوبقها وأهلكها «4» ، أو سفه في نفسه «5» فانتصب بنزع الخافض. وعن ابن الأعرابي «6» : سفه «7» يسفه سفاهة وسفاها: طاش وخرق.
وسفه نفسه يسفهها. «8» : جهلها «9» ، والأصل أنّ الفعل بمعنى فعل يوضع موضع صاحبه كقوله «10» : بَطِرَتْ مَعِيشَتَها أي: سخطتها، لأنّ البطر مستثقل للنّعمة غير راض بها.
والشّقاق «11» : الاختلاف والافتراق، إذ كل مخالف في شق غير شق
__________
(1) في «ج» : التوبة من الصغائر وطلب العصمة منها.
(2) ينظر عصمة الأنبياء للفخر الرازي: 27، وتفسيره: 4/ 69.
(3) اختاره الطبري في تفسيره: 3/ 87، وينظر زاد المسير: 1/ 146، وتفسير القرطبي:
2/ 131.
(4) وهو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن له: 1/ 56، واليزيدي في غريب القرآن: 82.
(5) في «ج» : بنفسه. [.....]
(6) ابن الأعرابي: (150- 231 هـ) .
هو محمد بن زياد بن الأعرابي الكوفي أبو عبد الله، الإمام الغوي النسابة.
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: 10/ 688: «له مصنفات كثيرة أدبية، وتاريخ القبائل، وكان صاحب سنة واتباع» .
أخباره في: تاريخ بغداد: 5/ 282، وطبقات النحويين للزبيدي: 195، وإنباه الرواة:
3/ 128.
(7) في «ج» : سفه نفسه سفها وسفاها.
(8) في «ج» : وسفه نفسه يسفه سفها.
(9) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 64، وتفسير الطبري: 3/ 90 وهو اختيار الزجاج في معاني القرآن: 1/ 211، وتهذيب اللغة: 6/ 133.
(10) سورة القصص: آية: 58.
(11) من قوله تعالى: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
[البقرة: 137] .
(1/123)

أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)
صاحبه «1» أو يسومه ما يشق عليه «2» .
[10/ ب] 133 أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ: استفهام في معنى/ الجحد «3» ، أي: ما كنتم شهداء.
137 فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ: أي: على مثل إيمانكم «4» كقولك:
كتبت على ما كتبت، كأنك جعلت المثال آلة تعمل به.
138 صِبْغَةَ اللَّهِ: دين الله «5» ، كأنّ نور الطهارة وسيما العبادة شبيه اللّون الّذي يظهر عند الصّبغ.
143 وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ: العامل في الكاف «جعلنا» .
وَسَطاً: عدلا «6» ، أو خيارا «7» .
__________
(1) راجع هذا المعنى في معاني الزجاج: 1/ 214، وتفسير الماوردي: 1/ 162، والمحرر الوجيز: 1/ 504، وتفسير القرطبي: 2/ 143.
(2) تفسير القرطبي: 2/ 143.
(3) البحر المحيط: 1/ 400، قال أبو حيان: «ومعنى الاستفهام هنا التقريع والتوبيخ، وهو في معنى النفي أي: ما كنتم شهداء فكيف تنسبون إليه ما لا تعلمون ولا شهدتموه أنتم ولا أسلافكم» .
(4) رأى النيسابوري هنا أن الباء بمعنى «على» .
وانظر هذا المعنى في معاني الزجاج: 1/ 214، والبحر المحيط: 1/ 409، والدر المصون: 2/ 140.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (3/ 118، 119) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقتادة، وأبي العالية، ومجاهد، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 402 عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وانظر هذا المعنى في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 59، ومعاني القرآن للأخفش:
1/ 340، وتفسير الغريب لابن قتيبة: 64، وتفسير الماوردي: 1/ 162.
(6) ورد هذا المعنى في حديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 151، كتاب التفسير، والإمام أحمد في مسنده: 3/ 9 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا.
وأخرجه الطبريّ في تفسيره: (3/ 142، 143) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة مرفوعا أيضا.
وانظر هذا المعنى في معاني الفراء: 1/ 83، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 59، وتفسير الماوردي: 1/ 165.
(7) ذكره الطبريّ في تفسيره: 3/ 141، واستشهد بقول زهير بن أبي سلمى:
هم وسط ترضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
وانظر معاني الزجاج: 1/ 219، وتفسير الماوردي: 1/ 164.
(1/124)

شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ: في تبليغ محمد، أو في تبليغ جميع الرسل كما سمعتم من الرسول الصّادق. أو الشّهادة هي الحجّة وظهور الدّلالة، أي: قولكم وإجماعكم حجة.
إِلَّا لِنَعْلَمَ: ليعلم رسولنا وحزبنا «1» كما يقال: بنى الأمير وجبى الوزير، أو هو على ملاطفة الخطاب لمن لا يعلم «2» ، كقولك لمن ينكر ذوب الذّهب: فلتنفخ عليه بالنّار لنعلم أيذوب؟.
أو المعنى [ليوجد أي] «3» ليكون الموجود كما نعلم «4» لأن الموجود لا يخالف معلومه، فتعلق الموجود بمعلومه فوق تعلق المسبّب بالسبب.
وَإِنْ كانَتْ: أي: القبلة «5» ، أو التحويلة «6» .
__________
(1) أورده الطبري في تفسيره: 3/ 158 وقال: «إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قبل كونها، وليس قوله: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، بخبر عن أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجوده ... أما معناه عندنا، فإنه:
وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، فقال جل ثناؤه: إِلَّا لِنَعْلَمَ ومعناه: ليعلم رسولي وأوليائي، إذ كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأولياؤه من حزبه، وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس، وما فعل بهم إليه، نحو قولهم: فتح عمر بن الخطاب سواد العراق وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك أصحابه، عن سبب كان منه في ذلك ... » .
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 166، والمحرر الوجيز: 2/ 8، وتفسير الفخر الرازي: 4/ 114. [.....]
(2) هو قول الفراء في معاني القرآن له: 2/ 360، وانظر زاد المسير: 1/ 155، وتفسير الفخر الرازي: 4/ 115.
(3) عن نسخة «ج» .
(4) تفسير الفخر الرازي: 4/ 114.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 3/ 164 عن أبي العالية. وبه قال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 220، وانظر تفسير الماوردي: 1/ 166، وتفسير البغوي: 1/ 123، وزاد المسير: 1/ 155.
(6) أخرجه الطبري في تفسيره: 3/ 164 عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد، وقتادة، ونقل الماوردي في تفسيره: 1/ 166 هذا القول عنهم، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 155 وزاد نسبته إلى مقاتل.
قال الطبري- رحمه الله-: «قال بعض نحويي البصرة: أنّثت «الكبيرة» لتأنيث القبلة، وإياها عنى جل ثناؤه بقوله: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً.
وقال بعض نحويي الكوفة: بل أنّثت «الكبيرة» لتأنيث التولية والتحويلة.
فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة: وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنت عليها وتوليتناك عنها، إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت تحويلتنا إياك عنها وتوليتناك لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ.
وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب لأن القوم إنما كبر عليهم تحويل النبي صلّى الله عليه وسلّم وجهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى، لا عين القبلة، ولا الصلاة، لأن القبلة الأولى والصلاة، قد كانت وهي غير كبيرة عليهم، إلا أن يوجّه موجّه تأنيث «الكبيرة» إلى «القبلة» ، ويقول: اجتزئ بذكر «القبلة» من ذكر التولية والتحويلة، لدلالة الكلام على ذلك، كما قد وصفنا لك في نظائره. فيكون ذلك وجها صحيحا ومذهبا مفهوما» .
(1/125)

إِيمانَكُمْ: توجهكم إلى القبلة الناسخة. وقيل «1» : صلواتكم إلى
__________
(1) أخرج الإمام البخاري في صحيحه: (5/ 150، 151) ، كتاب التفسير عن البراء رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أو صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده: 4/ 241 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما حرمت الخمر قال أناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزلت: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا، قال: ولما حوّلت القبلة قال أناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزلت:
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ.
قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: «إسناده صحيح» .
وأخرج نحوه الترمذي في سننه: 5/ 208، كتاب التفسير، باب «ومن سورة البقرة» ، وقال: «هذا حديث حسن صحيح» .
والطبري في تفسيره: (3/ 167- 169) عن ابن عباس رضي الله عنهما، والبراء، وقتادة، وسعيد بن المسيب، والربيع بن أنس.
وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 269، كتاب التفسير، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 253، وزاد نسبته إلى وكيع، والفريابي، والطيالسي، وعبد بن حميد، وابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر أسباب النزول للواحدي: 77، وتفسير الماوردي: 1/ 167، وتفسير ابن كثير:
1/ 278.
(1/126)

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)
المنسوخة.
145 وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ: في مداراتهم حرصا على إيمانهم.
144 قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ: لتوقع الوحي في الموعود بتحويل القبلة «1» ، لا بتتبع النّفس هوى الكعبة، إذ كان يحب الكعبة لا عن هوى ولكنها «2» قبلة العرب فيتوفر بها دواعيهم إلى الإيمان.
148 لِكُلٍّ وِجْهَةٌ
: شرعة ومنهاج «3» . وقيل «4» : قبلة، أي: لكل أهل دين، أو لكل أهل بلدة من المسلمين.
َ مُوَلِّيها
: أي وجهه «5» ، والضمير في
وَالله، أي: الله مولّيها إياه، بمعنى: موليه إياها.
ومن قال «6» : معناه مولّي إليها فالضمير «لكل» .
__________
(1) راجع سبب نزول هذه الآية في صحيح البخاري: 5/ 152، كتاب التفسير، وصحيح مسلم: (1/ 374، 375) ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب «تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة» ، وأسباب النزول للواحدي: 78.
(2) في «ج» : لأنها.
(3) تفسير الفخر الرازي: 4/ 145 عن الحسن رضي الله عنه.
(4) انظر غريب القرآن لليزيدي: 84، وتفسير الغريب لابن قتيبة: 65، وتفسير الطبري:
(3/ 192، 193) ، وتفسير الماوردي: 1/ 170، والمحرر الوجيز: 2/ 22، وزاد المسير:
1/ 159.
(5) في «ك» و «ج» : «الوجهة» .
(6) قال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 225: «وهو أكثر القول ... وكلا القولين جائز» .
وانظر البيان لابن الأنباري: 1/ 128، والبحر المحيط: 1/ 437، والدر المصون:
(2/ 173، 174) .
(1/127)

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)
وقيل «1» : معناه متوليها أي: متبعها وراضيها.
150 لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ: في خلاف ما في التوراة من تحويل القبلة، وموضع لام لِئَلَّا [مع ما بعدها] «2» نصب، والعامل معنى الكلام أي: عرّفتكم ذلك لئلا يكون حجة «3» .
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا: إلّا أن يظلموكم في كتمانه «4» .
[11/ أ] أو معناه: ولكن الّذين ظلموا يحاجونكم بالباطل والشّبهة «5» / كقول النّابغة «6» :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
أي: إن كان فيهم عيب فهذا، وليس هذا بعيب، فإذا لا عيب فيهم «7» . وإن كان على المؤمنين حجة فللظالم، ولا حجة له، فليس إذا عليهم حجة.
__________
(1) عزاه الفخر الرازي في تفسيره: 4/ 146 إلى أبي معاذ.
(2) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» . [.....]
(3) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 60، وقد صرح المؤلف رحمه الله بالنقل عنه في وضح البرهان: 1/ 179.
وانظر معاني الزّجّاج: 1/ 226، والتبيان للعكبري: 1/ 128، والدر المصون: 2/ 177.
(4) على أنه استثناء متصل كما ذكر الفخر الرازي في تفسيره: 4/ 154، وقال: «والمراد ب «الناس» أهل الكتاب فإنهم وجدوه في كتابهم أنه عليه الصلاة والسلام يحول القبلة فلما حوّلت بطلت حجتهم إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا بسبب أنهم كتموا ما عرفوا، عن أبي روق» .
(5) وهذا المعنى على تقدير أنه استثناء منقطع.
انظر تفسير الطبريّ: 3/ 201، وتفسير الماوردي: 1/ 172، وتفسير الفخر الرازي:
4/ 154.
(6) هو النابغة زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني، الشاعر الجاهلي المشهور (ت نحو 18 قبل الهجرة) ، والبيت في ديوانه: 44.
(7) قال الفخر الرازي في تفسيره: 4/ 155: «ويقال له: ما على حق إلا التعدي، يعني:
يتعدى ويظلم، ونظيره أيضا قوله تعالى: إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ، وهذا النوع من الكلام عادة مشهورة للعرب» .
(1/128)

وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
154 بَلْ أَحْياءٌ: قيل «1» : المراد أرواحهم، فالروح: الإنسان.
والصحيح أنّ الله يلطّف بعد الموت أو القتل ما يقوم به البنية الحيوانية فيجعله بحيث شاء من علّيين أو سجّين «2» .
158 شَعائِرِ اللَّهِ: معالم دينه وأعلام شرعه. من شعرت: علمت «3» وأشعار الهدي ليعلم به.
فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما: أي: لولا أنهما من شعائر الحج لكان التطوف «4» بهما جناحا. وقيل «5» : إنه بسبب صنمين كانا عليهما:
إساف ونائلة.
فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ: مجاز، لأن مقابلة الجزاء للعمل كالشكر للنّعمة.
163 لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: موضع (هو) رفع لأنه بدل من موضع «لا» مع الاسم «6» ، ولا تنصبه على قولك: ما قام أحد إلّا زيدا لأنّ البدل يدل على أنّ الاعتماد على الثاني، والنّصب يدل على أنّ الاعتماد على الأول.
165 كَحُبِّ اللَّهِ: كحبّهم لله، لأنّ المشرك يعرفه إلّا أنه يشرك
__________
(1) هذا قول أبي بكر الجصاص في أحكام القرآن: 1/ 94، وقد صرح المؤلف رحمه الله بالنقل عنه في وضح البرهان: 1/ 179.
وانظر تفسير الفخر الرازي: 4/ 162.
(2) هذا معنى قول جمهور أهل السّنّة في أن نعيم القبر وعذابه للروح والجسد.
ينظر شرح العقيدة الطحاوية: (456، 457) .
(3) معاني القرآن للزجاج: 1/ 233، وتهذيب اللّغة: 1/ 417، واللسان: 4/ 415 (شعر) .
(4) في «ج» : الطواف.
(5) ينظر سبب نزول هذه الآية في صحيح البخاري: 5/ 153، كتاب التفسير، وصحيح مسلم:
2/ 928، كتاب الحج، باب «بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به» ، وتفسير الطبري: (3/ 231- 234) ، وأسباب النزول للواحدي: (79، 80) .
(6) البيان لابن الأنباري: 1/ 131، والتبيان للعكبري: 1/ 132، والبحر الحيط: 1/ 463، والدر المصون: 2/ 197.
(1/129)

به «1» . أو معناه: كحب الله الواجب عليهم «2» ، أو كحب المؤمنين «3» لله.
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا: «لو» : إذا جاء فيما يشوّق إليه أو يخوّف منه قلّما يوصل بجوابه ليذهب القلب فيه كلّ مذهب «4» .
أَنَّ الْقُوَّةَ: موضع «أن» نصب «5» على معنى الجواب المحذوف أي: لرأوا أنّ القوة لله. ويكسر «6» على الاستئناف أو الحكاية فيما حذف من الجواب بمعنى: لقالوا إن القوة [لله] «7» .
__________
(1) اختاره الزّجّاج في معاني القرآن له: 1/ 237، وانظر تفسير البغوي: 1/ 136، والمحرر الوجيز: 2/ 54، وزاد المسير: 1/ 170، وتفسير الفخر الرازي: 4/ 226.
(2) تفسير الفخر الرازي: 4/ 226.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 3/ 280 عن ابن زيد، وذكره البغوي في تفسيره:
1/ 136 دون عزو، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 170 عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي العالية، وابن زيد، والفراء.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 401 ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد عن عكرمة.
وذكره الزجاج في معاني القرآن: 1/ 237، وقال: «وهذا قول ليس بشيء، ودليل نقضه قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، والمعنى: أن المخلصين الذين لا يشركون مع الله غيره هم المؤمنون حقا.
وقال السمين الحلبي في الدر المصون: 2/ 211: «وهذا الذي قاله الزجاج من الدليل واضح لأن التسوية بين محبة الكفار لأوثانهم وبين محبة المؤمنين لله ينافي قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ فإن فيه نفي المساواة» . [.....]
(4) جواب «لو» محذوف، وفي تقديره اختلاف كثير.
ينظر تفسير الطبري (3/ 283، 286) ، ومعاني الزجاج: 1/ 238، والمحرر الوجيز:
(2/ 55، 56) ، والبحر المحيط: 1/ 471، والدر المصون: (2/ 212- 214) .
(5) وهي قراءة الجمهور.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 174، والمحرر الوجيز: 2/ 56، والبحر المحيط: 1/ 471، ومعجم القراءات: 1/ 132.
(6) وهي قراءة الحسن، وقتادة، وشيبة بن نصاح، وأبي جعفر، ويعقوب.
المحرر الوجيز: 2/ 56، وتفسير القرطبي: 2/ 205، والبحر المحيط: 1/ 471، والدر المصون: 2/ 213، ومعجم القراءات: 1/ 132.
(7) عن نسخة «ج» .
(1/130)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)
168 خُطُواتِ الشَّيْطانِ: أعماله ووساوسه.
171 كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ: أي: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم، أو مثل داعي الكافرين إلى الله كمثل النّاعق بما لا يسمع، فاكتفى في الأول بالمدعوّ، وفي الثاني بالدّاعي لدلالة كل واحد منهما على الآخر «1» .
173 أُهِلَّ بِهِ: الإهلال: رفع الصّوت بالدّعاء «2» .
غَيْرَ باغٍ: أي: للذة وشهوة، وَلا عادٍ: متعدّ مقدار الحاجة.
وقول الشّافعي «3» : غير باغ على الإمام/ ولا عاد في سفر حرام [11/ ب] ضعيف لأنّ سفر الطّاعة لا يبيح ولا ضرورة، والحبس في الحضر يبيح ولا سفر، ولأنّ الميتة للمضطر كالذكيّة للواجد، ولأنّ على الباغي حفظ النّفس عن الهلاك.
175 فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ: أجرأهم على عمل يدخل النّار.
وحكى الفرّاء «4» : أنّ أحد الخصمين حلف عند قاضي اليمن، فقال صاحبه: ما أصبرك على الله [أي: على عذاب الله] «5» .
وقال المبرّد «6» : هو استفهام توبيخ لهم وتعجيب «7» لنا.
__________
(1) ينظر ما سلف في: تفسير الطبري: (3/ 311- 313) ، وتفسير الماوردي: 1/ 184، وتفسير الفخر الرازي: (5/ 8، 9) ، وملاك التأويل: (1/ 180- 182) .
(2) تفسير الطبري: 3/ 319، ومعاني الزجاج: 1/ 243، وتهذيب اللّغة: 5/ 366، واللسان: 11/ 701 (هلل) .
(3) ينظر معنى هذا القول في كتاب الأم: (1/ 184، 185) .
(4) معاني القرآن: 1/ 103 عن الكسائي قال: سألني قاضي اليمن وهو بمكة، فقال: اختصم إليّ رجلان من العرب، فحلف أحدهما على حق صاحبه، فقال له: ما أصبرك على الله! وفي هذه أن يراد بها: ما أصبرك على عذاب الله، ثم تلقى العذاب فيكون كلاما كما تقول:
ما أشبه سخاءك بما تم» .
(5) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(6) المقتضب: (4/ 183، 184) .
(7) في «ج» : تعجب.
(1/131)

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)
177 وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ: أي: البرّ برّ من آمن، أو ذا البرّ من آمن، والقولان على حذف المضاف، والأول أجود «1» ، لأنّ الخبر أولى بالحذف من المبتدأ، لأنّ الاتساع أليق بالأعجاز من الصّدور.
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ: أي: على حبّ المال «2» . أو على حبّ الإيتاء «3» .
وَفِي الرِّقابِ أي: عتقها، أو إعانة المكاتبين «4» .
والْبَأْساءِ: الفقر، وَالضَّرَّاءِ: السّقم، وَحِينَ الْبَأْسِ القتال.
وَالْمُوفُونَ: على تقدير: ولكنّ ذا البر- أي البار- من آمن بالله والموفون.
__________
(1) وهو قول قطرب كما في البحر المحيط: 2/ 3، واختاره سيبويه في الكتاب: 1/ 212، وانظر معاني الزجاج: 1/ 246، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 118، والتبيان للعكبري: 1/ 143، والدر المصون: 2/ 246.
(2) مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 118، والبيان لابن الأنباري: 1/ 139، والتبيان للعكبري: 1/ 144، وقال أبو حيان في البحر المحيط: 2/ 5: «والمعنى أنه يعطي المال محبا له، أي في حال محبته للمال واختياره وإيثاره، وهذا وصف عظيم أن يكون نفس الإنسان متعلقة بشيء تعلق المحب بمحبوبه ثم يؤثر به غيره ابتغاء وجه الله ... والظاهر أن الضمير في حُبِّهِ عائد على المال لأنه أقرب مذكور، ومن قواعد النحويين أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل ... » .
وانظر ترجيح السمين الحلبي لهذا الوجه في الدر المصون: 2/ 247.
(3) ذكر هذا الوجه مكي في مشكل الإعراب: 1/ 119، وابن الأنباري في البيان: 1/ 140، والعكبري في التبيان: 1/ 144، ونقله أبو حيان في البحر: 2/ 5 عن ابن الفضل، ثم عقب عليه بقوله: «بعيد من حيث اللّفظ ومن حيث المعنى، أما من حيث اللّفظ، فإنه يعود على غير مصرح به وعلى أبعد من المال، وأما المعنى فلأن من فعل شيئا وهو يحب أن يفعله لا يكاد يمدح على ذلك، لأن في فعله ذلك هوى نفسه ومرادها ... » .
وانظر الدر المصون (2/ 247، 248) . [.....]
(4) تفسير الطبري: 3/ 347، ونسبه الماوردي في تفسيره: 1/ 188 إلى الإمام الشافعي.
(1/132)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)
ونصب «الصابرين» على المدح «1» . وعند الكسائي «2» : بإيتاء المال. أي: آتاه ذوي القربى والصابرين، فيكون وَأَقامَ الصَّلاةَ، وَالْمُوفُونَ اعتراضا، ولكنّ الاعتراض لا يكون معتمد الكلام.
178 فَمَنْ عُفِيَ لَهُ: أي: القاتل، عفا عنه الوليّ وصالحه «3» ، أو عفا بعض الأولياء، أو الوليّ عن بعض القصاص ليفيد التقييد ب «شيء» «4» .
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ: يطلب الدّية بالمعروف، وينظر القاتل إن أعسر.
وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ: لا يماطل القاتل ولا ينقص.
فَمَنِ اعْتَدى: كان «5» يصالح عن القاتل أولياؤه، حتى إذا أمن يقتل ثم يرمى إليهم بالدّية «6» .
179 وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ: كانوا يتفانون بالطوائل «7» فكفاها
__________
(1) معاني الفراء: 1/ 105، وتفسير الطبري: 3/ 352، ومعاني الزجاج: 1/ 247، وإعراب القرآن للنحاس: 1/ 280، والدر المصون: 2/ 250.
قال الطبري- رحمه الله-: «وأما «الصابرين» فنصب، وهو من نعت «من» على وجه المدح. لأن من شأن العرب- إذ تطاولت صفة الواحد- الاعتراض بالمدح والذم بالنصب أحيانا، وبالرفع أحيانا ... » .
(2) إعراب القرآن للنحاس: 1/ 281، وذكره الفراء في معاني القرآن له: 1/ 108، دون نسبة وردّه، وكذا الطبريّ في تفسيره: (3/ 353، 354) ، والزجاج في معاني القرآن: 1/ 247.
(3) تفسير الطبري: 3/ 371.
(4) تفسير الفخر الرازي: (5/ 57، 58) .
(5) أشار ناسخ الأصل إلى نسخة أخرى ورد فيها: كان أولياء القتيل يصالحون مع أولياء القاتل عند تواريه واختفائه، حتى إذا أمن فظهر رموا إليه بالدّية وقتلوه.
(6) أخرجه الطبريّ في تفسيره: 3/ 377 عن الحسن، وأورده السيوطي في الدر المنثور:
1/ 421 وزاد نسبته إلى وكيع وعبد بن حميد عن الحسن أيضا.
(7) جاء في اللسان: 11/ 414 (طول) : والطوائل: الأوتار والذحول، واحدتها طائلة، يقال:
فلان يطلب بني فلان بطائلة أي بوتر كأن له فيهم ثارا فهو يطلبه بدم قتيله، وبينهم طائلة أي عداوة وترة.
(1/133)

فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)
القصاص ويقال «1» : أقصّ الحاكم فلانا من فلان وإباءه وأمثله فامتثل أي:
اقتص.
181 فَمَنْ بَدَّلَهُ: أي: الوصية «2» ، لأنّ الوصية والإيصاء واحد «3» ، أو فمن بدّل قول الموصي «4» .
والجنف والإثم «5» : التوصية في غير القرابة، أو التفاوت بينهم هوى وميلا أو إعطاء البعض دون البعض «6» .
[12/ أ] وقال/ طاوس «7» : جنفه: توليجه، وهو أن يوصي لابن بنته ليكون
__________
(1) تهذيب اللغة: 8/ 255، واللسان: 7/ 76 (قصص) .
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 73، وتفسير الطبري: (3/ 396، 397) ، ومعاني الزجاج: 1/ 251.
(3) جاء في هامش الأصل: «إشارة إلى وجه تذكير الضمير الراجع إلى الوصية- أن الوصية بمعنى الإيصاء، وبهذا الاعتبار والتأويل ذكّر الضمير» .
(4) تفسير الماوردي: 1/ 194.
(5) من قوله تعالى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً ... ، [البقرة: 182] .
قال الفخر الرازي في تفسيره: 5/ 71: «والفرق بين الجنف والإثم أن الجنف هو الخطأ من حيث لا يعلم به، والإثم هو العمد» .
(6) أخرجه الطبري في تفسيره: 3/ 402 عن عطاء.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 195. [.....]
(7) طاوس: (33/ 106 هـ) .
هو طاوس بن كيسان الجندي الخولاني أبو عبد الرحمن.
الإمام الحافظ، التابعي، قال عنه الذهبي: «الفقيه القدوة عالم اليمن» .
أخباره في طبقات ابن سعد: 5/ 537، وطبقات الفقهاء للشيرازي: 73، وتذكرة الحفاظ:
1/ 90، وسير أعلام النبلاء: 5/ 38.
وهذا القول الذي أورده المؤلف عن طاوس في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 73، وأخرجه الطبريّ في تفسيره: 3/ 402، وأورده البغوي في تفسيره: 1/ 148.
قال الطبريّ- رحمه الله-: «وأولى الأقوال في تأويل الآية أن يكون تأويلها: فمن خاف من موص جنفا أو إثما وهو أن يميل إلى غير الحق خطأ منه، أو يتعمد إثما في وصيته، بأن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه بأكثر مما يجوز له أن يوصي لهم به من ماله، وغير ما أذن الله له به مما جاوز الثلث أو بالثلث كله وفي المال قلة، وفي الورثة كثرة فلا بأس على من حضره أن يصلح بين الذين يوصى لهم، وبين ورثة الميت وبين الميت، بأن يأمر الميت في ذلك بالمعروف ويعرّفه ما أباح الله له في ذلك وأذن له فيه في الوصية في ماله، وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى ذكره في كتابه: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ... » .
(1/134)

أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)
المال كلّه للبنت، فيصلح بينهم الأمير أو الوصيّ.
وقيل «1» : خافَ علم، لأنّ الخشية للمستقبل والوصية واقعة.
184 أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ: ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ «2» .
__________
(1) هذا قول ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: 191، ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز:
2/ 99 عن ابن عباس وقتادة والربيع.
وانظر الوجوه والنظائر للدامغاني: 165، وزاد المسير: 1/ 183، وتفسير الفخر الرازي:
(5/ 71، 72) .
(2) أخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: (3/ 414، 415) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن قتادة وعطاء.
وروايته عن ابن عباس من طريق محمد بن سعد العوفي عن أبيه عن عمه (الحسين بن الحسن بن عطية) عن أبيه (الحسن) عن أبيه (عطية بن سعد بن جنادة) .
وهذا الإسناد مسلسل بالضعفاء.
- انظر ترجمة محمد بن سعد العوفي في تاريخ بغداد: (5/ 322، 323) .
- وترجمة أبيه سعد بن محمد بن الحسن في تاريخ بغداد: 9/ 126، ولسان الميزان:
3/ 19.
- وعمه الحسين بن الحسن في تاريخ بغداد: (8/ 29- 32) ، والمغني في الضعفاء للذهبي: 1/ 252، ولسان الميزان: 2/ 278.
- وترجمة الحسن بن عطية بن سعد العوفي في التاريخ الكبير للبخاري: 2/ 301، والجرح والتعديل: 3/ 26، وتقريب التهذيب: 162.
- وترجمة عطية بن سعد بن جنادة في الجرح والتعديل: (6/ 382، 383) ، وتقريب التهذيب: 393.
وانظر القول الذي ذكره المؤلف- رحمه الله- في الناسخ والمنسوخ للنحاس: 25، والناسخ والمنسوخ لابن العربي: 2/ 55، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: (169، 170) ، والدر المنثور: 1/ 429.
وأورده الطبري- رحمه الله- في تفسيره: (3/ 413- 417) أقوالا أخرى في المراد ب «الأيام» ثم قال: «وأولى ذلك بالصواب عندي قول من قال: عنى الله جل ثناؤه بقوله:
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أيام شهر رمضان. وذلك أنه لم يأت خبر تقوم به حجة، بأن صوما فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان، ثم نسخ بصوم شهر رمضان، وأن الله تعالى قد بين في سياق الآية، أن الصيام الذي أوجبه جل ثناؤه علينا هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات بإبانته عن الأيام التي أخبر أنه كتب علينا صومها بقوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فمن ادعى أن صوما كان قد لزم المسلمين فرضه غير صوم شهر رمضان الذي هم مجمعون على وجوب فرض صومه- ثم نسخ ذلك- سئل البرهان على ذلك من خبر تقوم به حجة، إذ لا يعلم ذلك إلا بخبر يقطع العذر» .
(1/135)

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)
185 شَهْرُ رَمَضانَ مبتدأ خبره الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، ونصبه «1» على الأمر، أي: صوموه، أو على البدل من أَيَّاماً «2» .
هُدىً: حال من الشَّهْرَ «3» .
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ: عدد ما أفطر المريض والمسافر «4» .
وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ: هو التكبير يوم الفطر «5» ، وقيل «6» : تعظيم الله
__________
(1) تنسب قراءة النصب إلى الحسن، ومجاهد، وشهر بن حوشب، وهارون الأعور.
ينظر معاني الفراء: 1/ 112، وإعراب القرآن للنحاس: 1/ 286، وتفسير الفخر الرازي:
5/ 90، والبحر المحيط: 2/ 38.
(2) في الأصل: «أيام» ، والمثبت في النص من «ك» .
قال الزّجّاج في معانيه: 1/ 254: «ومن نصب «شهر رمضان» نصبه على وجهين، أحدهما: أن يكون بدلا من «أيام معدودات» ، والوجه الثاني: على الأمر، كأنه قال: عليكم شهر رمضان على الإغراء» .
وقال النحاس في إعراب القرآن: 1/ 287: «وهذا بعيد أيضا لأنه لم يتقدم ذكر الشهر فيغرى به» .
وانظر البحر المحيط: 2/ 39، والدر المصون: (2/ 277، 278) .
(3) في «ك» و «ج» : «حال من القرآن» .
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: 3/ 477 عن الضحاك وابن زيد.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: 3/ 478 عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن سفيان وزيد بن أسلم، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 362 (سورة البقرة) عن زيد بن أسلم.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 468، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، والمروزي عن زيد بن أسلم.
(6) ذكره الطبري في تفسيره: 3/ 478، وانظر تفسير الماوردي: 1/ 202، وتفسير الفخر الرازي: 5/ 100.
(1/136)

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)
على ما هدى إليه.
186 فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي: هو الانقياد في كلّ ما أوجبه الله حتى إذا استجاب لله في أوامره أجابه الله في مسائله.
والرّفث: الجماع «1» ، وأصله الحديث عن النّساء بقول فاحش «2» .
188 وَتُدْلُوا بِها: أدليت الدلو أرسلتها لتملأها، ودلوتها: انتزعتها ملأى «3» .
وفي استسقاء عمر [رضي الله عنه] : «وقد دلونا به إليك» «4» يعني العباس. فيكون الحاكم سبب المتوسل إليه في احتجان «5» المال كسبب الدّلو.
__________
(1) أخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: (3/ 487، 488) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن قتادة ومجاهد والسدي.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 367 (سورة البقرة: عن ابن عباس رضي الله عنهما) .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 478 وزاد نسبته إلى وكيع وابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس أيضا. كما عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وانظر هذا المعنى في معاني الفراء: 1/ 114، وتفسير الغريب لابن قتيبة: 74، وغريب الحديث للخطابي: 2/ 566.
(2) اللسان: 2/ 153، وتاج العروس: (5/ 263، 264) (رفث) .
(3) ينظر هذا المعنى في معاني الزجاج: 1/ 258، وتهذيب اللغة: 14/ 171، واللسان:
14/ 267 (دلا) .
(4) ذكره بهذا اللفظ ابن قتيبة في غريب الحديث: (2/ 182، 183) ، والخطابي في غريب الحديث: (2/ 242، 243) ، وابن الجوزي في غريب الحديث: 1/ 347، وابن الأثير في النهاية: 1/ 132.
قال ابن قتيبة: «يروى حديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما من وجوه بألفاظ مختلفة، وهذا أتمها. وهو رواية أبي يعقوب الخطابي عن أبيه عن جده» .
(5) قال ابن الأثير في النهاية: 1/ 348: «والاحتجان: جمع الشيء وضمّه إليك» . وفي اللسان: 13/ 109 (حجن) : «واحتجان المال: إصلاحه وجمعه وضمّ ما انتشر منه.
واحتجان مال غيرك: اقتطاعه وسرقته» . [.....]
(1/137)

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)
189 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ: في زيادتها ونقصانها «1» .
وَلَيْسَ الْبِرُّ «2» : كانت العرب في الجاهلية إذا أحرمت نقبت «3» في ظهور بيوتها للدخول والخروج «4» ، وإن اعتبرت عموم اللفظ فهو الدخول في الأمر من بابه.
191 ثَقِفْتُمُوهُمْ: ظفرتم بهم، ثقفته ثقفا: وقفت له فظفرت به «5» .
194 الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ: القتال في الشّهر الحرام قصاص الكفر فيه.
__________
(1) تفسير الطبريّ: 3/ 553، ونقل الواحدي في أسباب النزول: (85، 86) عن الكلبي قال:
«نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن عنمة، وهما رجلان من الأنصار، قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو فيطلع دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينتقص ويدق حتى يكون كما كان، لا يكون على حال واحدة؟ فنزلت هذه الآية» .
وأورد نحوه السيوطي في الدر المنثور: 1/ 490 ونسبه إلى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما وضعف السيوطي سند ابن عساكر.
(2) وتمامه: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
(3) أي: ثقبت.
الصحاح: 1/ 227، واللسان: 1/ 765 (نقب) .
(4) أخرج الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 157، كتاب التفسير، في سبب نزول قوله تعالى:
وَلَيْسَ الْبِرُّ ... الآية عن البراء رضي الله عنه أنه قال: «كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها.
وانظر سبب نزول هذه الآية- أيضا- في صحيح مسلم: 4/ 2319، كتاب التفسير، وتفسير الطبري: (3/ 556- 560) ، وأسباب النزول للواحدي: 86، والدر المنثور:
(1/ 491- 493) .
(5) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 76، وتفسير الطبري: 3/ 564، معاني القرآن للزجاج:
1/ 263، معاني القرآن للنحاس: 1/ 106، وتفسير الماوردي: 1/ 210، وتحفة الأريب:
82.
(1/138)

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)
وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: متساوية فكيف يحرم القتال ولا يحرم الكفر، وإن اعتبرت خصوص السّبب فقريش صدّت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن المسجد الحرام في ذي القعدة عام الحديبية، فأدخله الله مكة في ذي القعدة القابل «1» .
196 فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ: قال الشّافعي «2» رحمة الله عليه: الإحصار منع العدوّ لأنّها «3» في عمرة الحديبية، ولقوله: فَإِذا أَمِنْتُمْ.
وعندنا «4» الإحصار بالمرض وبالعدو، والحصر في العدو خاصّة.
قال أبو عبيد «5» : الإحصار ما كان من المرض وذهاب/ النفقة، وما [12/ ب] كان من سجن أو حبس. قيل: حصر فهو محصور.
قال المبرّد «6» : حصر: حبس، وأحصر: عرض للحبس على الأصل نحو اقتله عرّضه للقتل وأقبره جعل له القبر.
__________
(1) ورد هذا السبب- باختلاف في ألفاظه- في عدة روايات منها ما أخرجه الطبريّ في تفسيره:
(3/ 575- 578) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن أبي العالية، ومجاهد، وقتادة.
ونقله الواحدي في أسباب النزول: 88 عن قتادة، وأورده السيوطي في الدر المنثور:
1/ 497 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة.
(2) ينظر قول الإمام الشافعي في الأم: 2/ 185، وأحكام القرآن: (1/ 130، 131) ، واستدل فيه بحديث ابن عباس: «لا حصر إلا حصر العدو» ، وقال: وعن ابن عمر وعائشة معناه.
وقال أيضا: «فمن حال بينه وبين البيت مرض حابس فليس بداخل في معنى الآية، لأن الآية نزلت في الحائل من العدو، والله أعلم» .
(3) في «ج» : لأنه.
(4) أي عند الحنفية.
ينظر هذا القول في أحكام القرآن للجصاص: (1/ 268، 269) ، وبدائع الصنائع:
2/ 175، والهداية: 1/ 180، وفتح القدير لابن الهمام: 3/ 51.
(5) لم أقف على قوله في كتابه غريب الحديث، ونقله الأزهري في تهذيب اللغة: 4/ 223 عن أبي عبيد بن أبي عبيدة، وهو في مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى: 1/ 69.
وانظر معاني القرآن للأخفش: 1/ 355، والصحاح: 2/ 632، واللسان: 4/ 195 (حصر) .
(6) لم أجد قوله فيما تيسر لي من كتبه، وذكره النحاس في معاني القرآن له: 1/ 117 دون عزو.
(1/139)

فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ: جمع هديّة «1» وهو «2» شاة، وموضع «ما» رفع «3» ، ويجوز نصبه «4» على «فليهد» .
ومَحِلَّهُ: الحرم «5» . وعند الشافعي «6» موضع الإحصار.
والمتمتع بالعمرة إلى الحج: هو المحرم بالعمرة في أشهر الحج، إذا أحرم بالحج بعد الفراغ من العمرة من غير أن يلمّ بأهله عند العبادلة «7» والفقهاء «8» .
ولفظ مشايخنا في «شروح المتفق» «9» هو المتزوّد من العمرة إلى الحج.
__________
(1) مجاز القرآن: 1/ 69 عن أبي عمرو بن العلاء، وعنه أيضا: تقديرها جدية السرج، والجميع الجدي، مخفف. قال أبو عمرو: ولا أعلم حرفا يشبهه.
وانظر تفسير الغريب: 78، وتفسير الطبري: 4/ 34.
قال الطبري- رحمه الله- و «الهدى» عندي إنما سمي «هديا» لأنه تقرب به إلى الله جل وعز مهدية، بمنزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقربا بها إليه. يقال منه: «أهديت الهدى إلى بيت الله، فأنا أهديه إهداء» . كما يقال في الهدية يهديها الرجل إلى غيره: أهديت إلى فلان هدية وأنا أهديها» ، ويقال للبدنة هدية ... » .
(2) في «ج» : وهي.
(3) معاني الفراء: 1/ 118، تفسير الطبري: 4/ 34، معاني الزجاج: 1/ 267.
وقال العكبري في التبيان: 1/ 159: «ما» في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: فعليكم.
ويجوز أن تكون خبرا والمبتدأ محذوف أي: فالواجب ما استيسر. [.....]
(4) معاني الزجاج: 1/ 268، ومشكل إعراب القرآن: 1/ 123، والدر المصون: 2/ 313.
(5) وهو قول الحنفية كما في أحكام القرآن للجصاص: 1/ 272، وبدائع الصنائع: 2/ 178.
(6) كتاب الأم: (2/ 158، 159) ، وأحكام القرآن: 1/ 131.
ورجحه الطبري في تفسيره: (4/ 50، 51) ، وابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 122، والقرطبي في تفسيره: 2/ 379.
(7) هم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم. ينظر: تدريب الراوي: 2/ 219.
(8) ينظر الكافي لابن قدامة: 1/ 394، وروضة الطالبين: 3/ 46، وحاشية الهيثمي على الإيضاح: 156، والخرشي على مختصر خليل: (2/ 310، 311) .
(9) كتاب المتفق في فروع الحنفية لأبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد الجوزقي المتوفى سنة 388 هـ.
ترجمته في الأنساب: 3/ 365، وتذكرة الحفاظ: 3/ 1013، وسير أعلام النبلاء:
16/ 493.
وذكر حاجي خليفة في كشف الظنون: 2/ 1685 من شروحه المحقق، ولم يذكر مؤلفه.
والتمتع عند الحنفية: هو الترفق بأداء النسكين (العمرة والحج) في أشهر الحج في عام واحد من غير أن يلم بأهله إلماما صحيحا بين العمرة والحج.
والإلمام الصحيح: هو الذي يكون في حالة تحلّله من العمرة وقبل شروعه في الحج.
ينظر لباب المناسك: 179، وشرحه المسلك المتقسط: (172، 173) .
(1/140)

وقال السّدّي «1» : هو فسخ الحج بالعمرة «2» .
وقال ابن الزّبير «3» : هو المحصر إذا دخل مكة بعد فوت الحج.
فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ: قبل [يوم] «4» النحر ما بين إحرامه في أشهر الحج إلى يوم عرفة «5» ، وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ: إذا رجع المتمتع من
__________
(1) السدي: (- 127 هـ) .
هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي. تابعي روى عن ابن عباس وطائفة.
وعنه أبو عوانة والثوري وغيرهما.
والسّدّي كما في اللباب لابن الأثير: 2/ 110: «- بضم السين المهملة وتشديد الدال- هذه النسبة إلى السدة، وهي الباب، وإنما نسب السّدّي الكبير إليها لأنه كان يبيع الخمر بسدة الجامع بالكوفة» .
ترجمه الحافظ في التقريب: 108، وقال: «صدوق بهم ورومي بالتشيع» .
وانظر ترجمته في ميزان الاعتدال: 1/ 236، وطبقات المفسرين للداودي: 1/ 109.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 4/ 91 عن السدي.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 214.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 4/ 134، كتاب الحج، باب «في الرجل يهل بالحج فيحصر ما عليه» .
وأخرجه- أيضا- الطبري في تفسيره: (4/ 88، 89) وابن أبي حاتم في تفسيره: 467.
وضعف المحقق إسناده.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 516 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن الزبير أيضا.
(4) عن نسخة «ج» .
(5) أخرجه الطبريّ في تفسيره: 4/ 94 عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول الحنفية كما في أحكام القرآن للجصاص: (1/ 293- 295) ، والمسلك المتقسط: 177.
(1/141)

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)
الحج «1» . وعند الشّافعي «2» : إذا رجع إلى الأهل.
تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ: في الأجر «3» ، أو قيامها مقام الهدي «4» ، أو المراد رفع الإبهام «5» فلا يتوهم في «الواو» أنها بمعنى «أو» .
وحاضر والمسجد الحرام: أهل المواقيت ومن دونها إلى مكة، فليس لهم أن يتمتعوا عندنا «6» ، ولو فعلوا لزمهم دم الجناية لا المتعة.
197 الْحَجُّ أَشْهُرٌ: أي: أشهر الحج فحذف المضاف، أو الحج حج أشهر، فحذف المصدر المضاف، أو جعل الأشهر الحجّ لمّا كان الحج فيها كقولك: ليل نائم، ونهار صائم.
وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة جمعت لبعض الثالث «7» ، والفعل في بعض اليوم فعل في اليوم.
فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ: أوجب على نفسه، أي: أحرم.
والرّفث: الجماع وذكره عند النساء «8» . والفسوق: السّباب «9» .
__________
(1) أحكام القرآن للجصاص: 1/ 299.
(2) أحكام القرآن: 1/ 130، ونهاية المحتاج: 2/ 446 وهو اختيار الطبري في تفسيره:
4/ 106، وقال النحاس في معانيه: 1/ 126: «وهذا كأنه إجماع» .
(3) معاني القرآن للزجاج: 1/ 268. [.....]
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 4/ 108 عن الحسن رحمه الله، وذكره الزجاج في معاني القرآن: 1/ 268.
(5) ينظر هذا المعنى في معاني القرآن للزجاج: 1/ 268، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 126.
(6) أي عند الحنفية. ينظر هذا القول في أحكام الجصاص: 1/ 289، وبدائع الصنائع:
2/ 169. وقد أخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: 4/ 111 عن عطاء، ومكحول.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 215، وأحكام القرآن لابن العربي: 1/ 131.
(7) معاني الفراء: 1/ 119.
(8) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 120، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 79، وأخرجه الطبري في تفسيره: (4/ 129- 133) عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والربيع وعطاء بن أبي رباح.
(9) معاني الفراء: 1/ 120، وتفسير الغريب: 79، وأخرجه الطبري في تفسيره: (4/ 138، 139) عن ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد.
(1/142)

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)
والجدال: الملاحاة مع أهل الرفقة.
وقيل «1» : لا جدال لا خلاف في الحج أنه في ذي الحجة، وهو وجه امتناع لا جدال. وإن قرأت «2» : «لا رفث ولا فسوق ولا جدال» نفي، إذ لم يجادلوا أنّ الحج في ذي الحجة فكانت لا نافية، ولا/ رفث نهي، إذ ربّما [13/ أ] يفعلونه فكانت بمعنى «ليس» .
198 أَفَضْتُمْ: دفعتم بكثرة منها إلى مزدلفة كفيض الإناء عند الامتلاء.
والإفاضة: سرعة الرّكض، وأفاضوا في الحديث: اندفعوا فيه «3» .
وصرف عَرَفاتٍ مع التأنيث والتعريف لأنها اسم واحد على حكاية الجمع «4» .
وعرفات من تعارف النّاس في ذلك المجمع «5» ،
__________
(1) ذكره النحاس في إعرابه: 1/ 295.
(2) برفع «الرفث والفسوق» وتنوينهما، وفتح «جدال» بغير تنوين، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو كما في السبعة لابن مجاهد: 180، والتبصرة لمكي: 159 فتكون «لا» الأولى للنهي، أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، وتكون «لا» الثانية لنفي الجنس التي تعمل عمل «ليس» ، على معنى نفي الجدال في أن الحج في ذي الحجة- أي لا جدال كائن في الحج وأنه فيه- أما «الرفث والفسوق» فقد يفعلونهما فنهوا عنهما.
ينظر توجيه هذه القراءة في معاني القرآن للفراء: 1/ 120، وتفسير الطبري: (4/ 153، 154) ، والكشف لمكي: 1/ 286.
(3) ينظر ما سبق في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 79، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 272، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 136، ومفردات الراغب: 388، واللسان: 7/ 212 (فيض) .
(4) هذا قول الزجاج في معانيه: 1/ 272، وقال السّمين الحلبي في الدر المصون: 2/ 331:
«والتنوين في «عرفات» وبابه فيه ثلاثة أقوال، أظهرها: أنه تنوين مقابلة، يعنون بذلك أن تنوين هذا الجمع مقابل لنون جمع الذكور ...
الثاني: أنه تنوين صرف وهو ظاهر قول الزمخشري.
الثالث: أن جمع المؤنث إن كان له جمع مذكر كمسلمات ومسلمين فالتنوين للمقابلة وإلّا فللصرف كعرفات» .
(5) ذكره الفخر الرازي في تفسيره: 5/ 188 دون عزو.
(1/143)

وقيل «1» : من تعارف آدم وحواء هناك.
وقيل «2» : كان جبريل يعرّف إبراهيم- عليه السلام- المناسك، فلمّا صار بعرفات قال: عرفت.
والمشعر الحرام ما بين جبلي مزدلفة «3» ، وقيل «4» : الجبل الذي يقف عليه الإمام بجمع «5» .
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 218 دون عزو، ونقله البغوي في تفسيره: 1/ 174 عن الضحاك، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 174، وقال: «والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع» .
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: (4/ 173، 174) عن ابن عباس من طريق وكيع بن مسلم القرشي، عن أبي طهفة، عن أبي الطفيل عن ابن عباس نحوه.
قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: «هذا إسناد مشكل لا أدري ما وجه صوابه. أما «وكيع بن مسلم القرشي» فما وجدت راويا بهذا الاسم ولا ما يشبهه.
والذي أكاد أجزم به أنه «وكيع بن الجراح» الإمام المعروف. وأن كلمة «بن» محرفة عن كلمة «عن» ، ثم يزيد الإشكال أن لم أجد من اسمه «مسلم القرشي» وإشكال ثالث، أن «أبا طهفة» هذا لا ندري ما هو؟ واليقين- عندي- أن الإسناد محرف غير مستقيم» كما أخرج الطبري هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، من طريق ابن جريج قال:
قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب وذكر نحوه. وهذا منقطع بين ابن جريج وسعيد بن المسيب، وأخرج الطبري- نحوه- عن عطاء، والسدي، ونعيم بن أبي هند.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 519 (سورة البقرة) عن عبد الله بن عمرو، وضعّف محقق هذا الجزء من تفسير ابن أبي حاتم إسناد هذا الأثر، لمحمد بن داود: مسكوت عنه، وأبي حذيفة النهدي: صدوق سيء الحفظ، وثابت بن هرمز: صدوق يهم. وأورد السيوطي هذا الخبر في الدر المنثور: 1/ 536 ونسب إخراجه إلى وكيع، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (4/ 176، 177) عن ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير ومجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 539 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما. [.....]
(4) ذكره أبو حيان في البحر: 2/ 96.
(5) أي: بمزدلفة. -
ينظر تفسير الطبري: 4/ 179، ومعاني الزجاج: 1/ 273، ونقل النحاس في معانيه:
1/ 138 عن قتادة قال: هي جمع، وإنما سميت جمعا، لأنه يجمع فيها بين صلاة المغرب والعشاء.
(1/144)

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)
199 مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ: أمر لقريش بالإفاضة من عرفات إلى جمع وكانوا يقفون بجمع بأنّا أهل الحرم لا نخرج عنه، [لأنّ جمعا من الحرم وعرفات من الحلّ] «1» ، بل الإفاضة من عرفات مذكورة فهي الإفاضة من جمع إلى منى. والنّاس: إبراهيم ومن تبعه «2» .
مِنْ خَلاقٍ: من نصيب «3» ، من الخلافة التي هي الاختصاص «4» ، أو الخليفة التي هي من حظ الفتى من طبيعته «5» .
والأيّام المعدودات «6» : أيام التشريق «7» ، ثلاثة بعد المعلومات عشر ذي
__________
(1) عن نسخة «ج» .
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 4/ 189 عن الضحاك، ونقله النحاس في معانيه:
1/ 140، والبغوي في تفسيره: 1/ 176، وابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 177، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 214 عن الضحاك أيضا.
(3) تفسير الطبري: 4/ 203، ومعاني الزجاج: 1/ 274، ومعاني النحاس: 1/ 142.
(4) ينظر اللسان: 10/ 91، وتاج العروس: 25/ 253 (خلق) .
(5) في اللسان: 10/ 86 (خلق) : والخليقة: الطبيعة التي يخلق بها الإنسان.
(6) من قوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ... البقرة: 203.
(7) أخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: (4/ 208- 211) عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، والربيع بن أنس، والضحاك، والسدي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 562 وزاد نسبته إلى الفريابي، وعبد بن حميد، والمروزي، وابن المنذر وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
كما عزا إخراجه إلى ابن أبي الدنيا، والمحاملي في أماليه، والبيهقي عن مجاهد.
قال الماوردي في تفسيره: 1/ 220: «وهذا قول جمع المفسرين، وإن خالف بعض الفقهاء في أن أشرك بين بعضها وبين الأيام المعلومات» .
(1/145)

الحجة «1» ، فهي معدودات لقلتها بالقياس إلى المعلومات «2» التي يعلمها النّاس للحج.
وذكر الله فيها التكبير المختصّ به، وابتداؤه عند أبي حنيفة «3» - رحمه الله- من فجر يوم عرفة في أدبار الصلوات الثمان التي آخرها عصر يوم النّحر.
وأوّل أيام التشريق: يوم القرّ «4» لاستقرار الناس بمنى، والثاني: يوم النّفر الأول إذ ينفرون ويخرجون إلى أهليهم، وهو قوله: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي الخروج في النّفر الأول، ومن تأخر إلى النّفر الثاني وهو ثالث أيام منى فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى أي: الصيد «5» إلى يوم الثالث، وقيل «6» : اتقى في جميع الحج، أو في بقية عمره لئلا يحبط عمله «7» .
__________
(1) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 71، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 80.
(2) قال الزجاج في معانيه: 1/ 275: «معدودات: يستعمل كثيرا في اللّغة للشيء القليل وكل عدد قل أو كثر فهو معدود، ولكن معدودات أدل على القلة لأن كل قليل يجمع بالألف والتاء، نحو دريهمات وجماعات ... » .
(3) ينظر تحفة الفقهاء للسمرقندي: 1/ 288، والهداية: 1/ 87.
(4) ينظر الأيام والليالي والشهور للفراء: 79، وغريب الحديث لأبي عبيد: 2/ 53، والنهاية:
4/ 37، واللسان: 5/ 87 (قرر) .
(5) أخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: 4/ 221، وابن أبي حاتم في تفسيره: 561 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 566 وزاد نسبته إلى سفيان بن عيينة، وابن المنذر عن ابن عباس. [.....]
(6) أخرجه الطبريّ في تفسيره: (4/ 221، 222) عن قتادة، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير:
1/ 218 عن قتادة أيضا.
(7) أخرجه الطبري في تفسيره: 4/ 220 عن أبي العالية وإبراهيم.
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 220 عن أبي العالية، والسدي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 568 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد عن أبي العالية.
(1/146)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)
204 والخصام مصدر «1» ، أو جمع خصم «2» كبحر وبحار.
207 يَشْرِي: يبيع «3» .
208 ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ: في طائفة أسلموا ولم يتركوا السّبت «4» .
[فأمروا بترك السبت، أي بترك تعظيمه بالدخول في الإسلام إلى منتهى شرائعه] «5» . بل هو أمر المؤمنين بشرائع الإسلام، أو بالدوام على الإسلام كقوله «6» : يا أَيُّهَا/ الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا. [13/ ب] كَافَّةً: جميعا. كففت: جمعت «7» ، وكفّة الميزان لجمعه ما فيه، ويجوز من الكفّ المنع «8» لأنهم إذا اجتمعوا تمانعوا.
__________
(1) وهو قول الخليل كما في تفسير القرطبي: 3/ 16، وذكره دون نسبه النحاس في إعراب القرآن: 1/ 299، ومكي في مشكل إعراب القرآن: 1/ 125.
وقال العكبري في التبيان: 1/ 166: ويجوز أن يكون مصدرا وفي الكلام حذف مضاف أي أشد ذوي الخصام. ويجوز أن الخصام هنا مصدرا في معنى اسم الفاعل، كما يوصف بالمصدر في قولك: رجل عدل وخصم.
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 80، ومعاني الزجاج: 1/ 277، وإعراب القرآن للنحاس:
1/ 299، والبيان لابن الأنباري: 1/ 148، والتبيان للعكبري: 1/ 166.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 71، وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 81: «يقال:
شريت الشيء إذا بعته واشتريته. وهو من الأضداد» .
وانظر تفسير الطبري: 4/ 246، والأضداد لابن الأنباري: 72، واللسان: 14/ 428 (شرى) .
(4) أخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: (4/ 255، 256) عن عكرمة، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: 59 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 223، وابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 198 عن عكرمة.
(5) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(6) سورة النساء: آية: 136.
(7) اللسان: 9/ 301 (كفف) .
(8) معاني القرآن للزجاج: 1/ 279، وتهذيب اللّغة: 9/ 455، واللسان: 9/ 305 (كفف) .
(1/147)

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)
210 يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ: أي: آياته. أو أمره «1» ، كقوله «2» : أْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ.
212 زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: قيل «3» : الشيطان يزينها لهم. بل الله يفعل ذلك: ليصح التكليف وليعظم الثواب «4» .
بِغَيْرِ حِسابٍ: بغير استحقاق على التفضل «5» ، وعَطاءً حِساباً «6» يكافئ العمل ويقابله وكأنه يعطي المحسوب «7» بما
__________
(1) أورد الطبري- رحمه الله- هذا القول في تفسيره: 4/ 265 دون نسبة، ونقل عن بعضهم:
«لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه عز وجل من المجيء والإتيان والنزول. وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله جل جلاله أو من رسول مرسل. فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا» .
(2) سورة النحل: آية: 33.
(3) هو قول المعتزلة الذين لا ينسبون خلق فعل الشر إلى الله.
ينظر قولهم في متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار: 122، والكشاف: 1/ 354.
(4) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 203: «المزيّن هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر.
ويزينها الشيطان بوسوسته وإغوائه ... وخصّ الذين كفروا لقبولهم التزيين جملة، وإقبالهم على الدنيا، وإعراضهم عن الآخرة بسببها. والتزيين من الله تعالى واقع للكل ... » .
وأورد أبو حيان قول الزمخشري في البحر المحيط: 2/ 129، ثم قال: «وهو جار على مذهب المعتزلة بأن الله تعالى لا يخلق الشر، وإنما ذلك من خلق العبد، فلذلك تأول التزيين على الخذلان أو على الإمهال. وقيل: المزين الشيطان، وتزيينه بتحسين ما قبح شرعا وتقبيح ما حسن شرعا. والفرق بين التزيينين أن تزيين الله بما ركبه ووضعه في الجبلة، وتزيين الشيطان بإذكار ما وقع غفالة وتحسينه بوساوسه إياها لهم. [.....]
(5) تفسير الفخر الرازي: 6/ 9.
(6) سورة النبأ: آية: 36.
(7) في «ج» : مما لا يحسب.
قال الفخر الرازي- رحمه الله- في تفسيره: 6/ 10: «فإن قيل: قد قال تعالى في صفة المتقين وما يصل إليهم: عَطاءً حِساباً أليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية؟.
قلنا: أما من حمل قوله: بِغَيْرِ حِسابٍ على التفضل، وحمل قوله: عَطاءً حِساباً على المستحق بحسب الوعد على ما هو قولنا، أو بحسب الاستحقاق على ما هو قول المعتزلة، فالسؤال ساقط، وأما من حمل قوله: بِغَيْرِ حِسابٍ على سائر الوجوه، فله أن يقول إن ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقات ويتماثل، صح من هذا الوجه أن يوصف بكونه عطاء حسابا، ولا ينقضه ما ذكرناه في معنى قوله: بِغَيْرِ حِسابٍ.
(1/148)

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)
لا يحتسب.
213 كانَ النَّاسُ أُمَّةً: ملّة وطريقة «1» ، أي: أهل ملّة، وتلك الملّة:
الضلال فهو الغالب عليهم، وإن كانت الأرض لم تخل عن حجة الله.
وقيل «2» : كانوا على الحق متفقين فاختلفوا.
بَغْياً بَيْنَهُمْ: مفعول، أي: اختلفوا للبغي «3» .
214 وَلَمَّا يَأْتِكُمْ: لم يأتكم، كقوله «4» : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ.
وَزُلْزِلُوا: أزعجوا بالخوف يوم الأحزاب «5» ، وهو «زلّوا» ضوعف
__________
(1) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 72، وتفسير الغريب لابن قتيبة: 81، وقال الطبري في تفسيره: 4/ 276: «وأصل «الأمة» الجماعة تجتمع على دين واحد، ثم يكتفى بالخبر عن «الأمة» من الخبر عن الدين لدلالتها عليه، كما قال جل ثناؤه: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [سورة المائدة: 48، سورة النحل: 93] ، يراد به: أهل دين واحد وملة واحدة ... » .
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: (4/ 275، 276) عن ابن عباس وقتادة، وأخرجه الحاكم في المستدرك: (2/ 546، 547) ، كتاب التاريخ، «ذكر نوح النبي صلّى الله عليه وسلّم» عن ابن عباس، وقال:
«هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.
ونقله البغوي في تفسيره: 1/ 186 عن قتادة وعكرمة، وابن عطية في المحرر الوجيز:
2/ 207 عن ابن عباس وقتادة.
قال الفخر الرازي في تفسيره: (6/ 11، 12) : «وهذا قول أكثر المحققين» .
وقال ابن كثير في تفسيره: 1/ 365 عن هذا القول المنسوب إلى ابن عباس أنه: «أصح سندا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم عليه السلام حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحا عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض» .
(3) معاني الزجاج: (1/ 284، 285) ، ومعاني النحاس: 1/ 162، والتبيان للعكبري:
1/ 171، والدر المصون: 2/ 378.
(4) سورة الجمعة: آية: 3.
(5) ينظر تفسير الطبري: (4/ 288، 289) ، وأسباب النزول للواحدي: 98، وتفسير ابن كثير:
1/ 366، والدر المنثور: 1/ 584.
(1/149)

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)
لفظه لمضاعفة معناه.
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ يسأل النّصر الموعود، لا أنه استبطأ النّصر، لأن الله لا يؤخره عن وقته.
219 ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ: أي: الفضل عن الحاجة «1» ، أو السهل المتيسر، خذ ما عفا: أي سهل وصفا «2» ، ونصبه على أنه جواب المنصوب وهو «ماذا» «3» و «ماذا» اسم واحد، ولهذا لا يصح «4» «عمّ ذا تسأل» كما يصح «عم تسأل» .
ومن رفع «5» الْعَفْوَ جعل «ذا» بمنزلة «الذي» [ويجعلهما] «6» .
__________
(1) أخرج الطبري في تفسيره: 4/ 337 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: العفو ما فضل عن أهلك. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم في تفسيره: 656 (سورة البقرة) .
والنحاس في الناسخ والمنسوخ: 67، والطبراني في المعجم الكبير: 11/ 386، وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 607 وزاد نسبته إلى وكيع، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر والبيهقي- كلهم- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وبه قال الفراء في معاني القرآن: 1/ 141، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 82، وأخرجه- أيضا- الطبري في تفسيره: (4/ 337، 338) عن قتادة وعطاء والحسن.
وأورد الطبري- رحمه الله- أقوالا أخرى في المراد ب «العفو» ثم قال: «وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى «العفو» : الفضل من مال الرجل عن نفسه وأهله في مؤونتهم ما لا بد لهم منه. وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالإذن في الصدقة ... » .
وقال النحاس في معانيه: 1/ 175: «وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، لأن العفو في اللّغة: ما سهل» .
(2) ينظر هذا المعنى في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 73، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة:
82، ومعاني النحاس: 1/ 175، ومفردات الراغب: 339.
(3) معاني الزجاج: 1/ 293، وإعراب النحاس: 1/ 309، والكشف لمكي: 1/ 293، والتبيان للعكبري: 1/ 176، والدر المصون: 2/ 409.
(4) في «ج» : لا يصلح عن ماذا تسأل.
(5) وهي قراءة أبي عمرو كما في السبعة لابن مجاهد: 182، وإعراب القرآن للنحاس:
1/ 309. والكشف لمكي: 1/ 292.
(6) في الأصل: ويجعلها، والمثبت في النص عن «ج» . [.....]
(1/150)

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)
اسمين كأنه: ما الذي ينفقون «1» .
220 لَأَعْنَتَكُمْ: لشدد عليكم «2» .
222 يَطْهُرْنَ: ينقطع دمهن ويَطْهُرْنَ «3» : يتطهرن فأدغمت.
223 أَنَّى شِئْتُمْ: كيف شئتم، أو من أين شئتم بعد أن لا يخرج عن موضع الحرث بدليل نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ.
وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ: التسمية عند الجماع «4» . [أو طلب الولد الذي يدعو له بالخير بعد موته] «5» . بل العبرة بعموم اللفظ «6» .
224 عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ: علة وحجة في ترك البرّ والاصطلاح»
فتعتلوا بالأيمان، فكأنّ اليمين سبب يعرض فيمنع من البرّ والتقوى، أو يوجب الإعراض عنهما.
وقيل «8» : لا تجعلوا الله بذلة أيمانكم/ من غير حاجة وبغير استثناء. [14/ أ] أَنْ تَبَرُّوا: أن لا تبرّوا، على هذا موضع أَنْ تَبَرُّوا نصب «9»
__________
(1) ينظر معاني الزجاج: (1/ 287، 293) ، وإعراب النحاس: 1/ 309، والكشف لمكي:
1/ 292، والدر المصون: (2/ 408، 409) .
(2) ينظر معنى «العنت» في تفسير الغريب: 83، وتفسير الطبري: (4/ 359، 360) ، ومعاني الزجاج: (1/ 294، 295) ، وتفسير القرطبي: 3/ 66، وتحفة الأريب: 219.
(3) بفتح الطاء والهاء وتشديدهما، وهي قراءة حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية شعبة.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 182، والتبصرة لمكي: 160، والتيسير للداني: 80.
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 4/ 417، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ونقله البغوي في تفسيره: 1/ 199 عن عطاء، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير 1/ 253 وقال: «رواه عطاء عن ابن عباس» .
(5) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(6) ينظر تفسير الطبري: (4/ 417، 418) ، وتفسير الفخر الرازي: 6/ 79.
(7) في «ج» : الإصلاح.
(8) ذكر نحوه الفخر الرازي في تفسيره: 6/ 80.
(9) قال الزجاج في معانيه: 1/ 299: «والنصب في «أن» في هذا الموضع هو الاختيار عند جميع النحويين» . -
وانظر إعراب النحاس: (1/ 311، 312) ، والتبيان للعكبري: 1/ 178، والدر المصون:
2/ 426.
(1/151)

لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)
لوصول الفعل إليه مع الجار، أو خفض «1» ، لأن التقدير: لأن تبروا، أي تكونوا بررة أتقياء إذا لم تجعلوه عرضة [أي: بدلة] «2» .
واللّغو «3» : اليمين على الظن إذا تبين خلافه «4» ، أو ما يسبق به اللّسان عن سهو أو غضب من غير قصد «5» .
226 يُؤْلُونَ: يحلفون، إيلاء وأليّة وألوة وألوة «6» .
والإيلاء هنا: قول الرّجل لامرأته: والله لا أقربك، أو حرّمها على نفسه بهذه النيّة، فإن فاء إليها بالوطء ورجع قبل أربعة أشهر كفّر عن يمينه، وإلّا بانت «7» .
__________
(1) وهو قول الكسائي والخليل كما في مشكل الإعراب لمكي: 1/ 130، وتفسير القرطبي: 3/ 99.
(2) عن نسخة «ج» .
(3) من قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ... [البقرة: 225] .
(4) أخرج الطبري- رحمه الله- نحو هذا القول في تفسيره: (4/ 432- 437) عن أبي هريرة، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وأبي مالك.
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 239 عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
(5) أخرج الإمام البخاري- رحمه الله- في صحيحه: 7/ 225 كتاب الأيمان والنذور، باب:
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ... عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أنزلت في قوله: لا والله وبلى والله» .
وأخرجه أبو داود في سننه: 3/ 571، كتاب الأيمان والنذور، باب «لغو اليمين» عن عائشة مرفوعا.
وأخرجه الطبري في تفسيره: (4/ 428- 432) عن عائشة، وابن عباس، والشعبي، وعكرمة. وهو قول الشافعي رحمه الله كما في: أحكام القرآن له: 2/ 110.
وقال الصنعاني في سبل السلام: 4/ 207: «وتفسير عائشة أقرب لأنها شاهدت التنزيل وهي عارفة بلغة العرب» . [.....]
(6) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 73، وتفسير الغريب لابن قتيبة: (85، 86) ، وتفسير الطبري: 4/ 456، واللسان: 14/ 40 (ألا) .
(7) ينظر معنى «الإيلاء» في اصطلاح الفقهاء، وشروطه، واختلاف المذاهب فيه في بدائع الصنائع: 3/ 170، والخرشي على مختصر خليل: 4/ 89، ومغني المحتاج: 3/ 344، والمغني لابن قدامة: 7/ 298.
(1/152)

والتربّص: الانتظار «1» ، أو مقلوبة أي: التصبّر «2» .
والقرء «3» : الحيض «4» ، أقرأت: حاضت [فهي] «5» مقرئ، وأصله- إن كان- الاجتماع بدليل القرآن، والقرية للنّاس وللنّمل، [واجتماع] «6» الدّم في الحيض، وإلّا لسال دفعة.
وإن كان الانتقال «7» من قرأت النجوم وأقرأت «8» ، فالانتقال إلى الحيض الذي هو طارئ.
ويقال: هو يقرئ جاريته أي: يستبرئها، واستقريت الأرض واقتريتها
__________
(1) معاني القرآن للزجاج: 1/ 301، ومفردات الراغب: 185، وتفسير الفخر الرازي:
6/ 86.
(2) الدر المصون: 2/ 435.
(3) من قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ... [البقرة: 228] .
(4) هذا قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه كما في أحكام القرآن للجصاص: 1/ 364، والهداية:
2/ 28، واللباب لابن المنبجي: 2/ 714.
وقد أخرجه الطبريّ في تفسيره: (4/ 500- 503) عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة، والضحاك، والربيع، والسّدّي.
وذكر ابن الجوزي هذا القول في زاد المسير: 1/ 259 وزاد نسبته إلى علي بن أبي طالب، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وسفيان الثوري، والأوزاعي.
وانظر تفسير ابن كثير: 1/ 397، والدر المنثور: 1/ 657.
وقد رجح ابن القيم هذا القول في زاد المعاد: (5/ 600، 601) .
(5) في الأصل: «فهو» ، والمثبت في النص من «ك» ، وانظر تفسير الطبري: 3/ 113.
(6) في الأصل: «فاجتماع» ، والمثبت في النص عن «ج» .
(7) في وضح البرهان: 1/ 209: وإن كان الأصل «الانتقال» من قول العرب: قرأت النجوم وأقرأت ... » .
(8) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 74: «وأظنه أنا من قولهم: قد أقرأت النجوم، إذا غابت» .
ونقل الفخر الرازي في تفسيره: 6/ 94 عن أبي عمرو بن العلاء قال: أن القرء هو الوقت، يقال: أقرأت النجوم إذا طلعت، وأقرأت إذا أفلت» .
(1/153)

الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)
سرت فيها تنظر حالها.
وجمع قروء على الكثرة، لأنه حكم كلّ مطلّقة في الدّنيا فقد دخلها معنى الكثرة «1» ، أو هو على تقدير: ثلاثة من القروء «2» .
229 الطَّلاقُ مَرَّتانِ: أي: الطلاق الرّجعي، وسأل رجل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الثالثة فقال «3» : أَوْ تَسْرِيحٌ.
231 فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: قاربنه وشارفنه «4» ، أو بلغن أجل الرّجعة.
آياتِ اللَّهِ هُزُواً: كان الرجل يطلّق ويعتق ثم يقول: كنت هازلا [هازئا] «5» . وأمّا عموم اللّفظ: لا تستهزءوا بالأحكام مع كثرة فروعها.
ولا تعضلوهن «6» : العضل: المنع والتضييق، أعضل الأمر أعيا،
__________
(1) التبيان للعكبري: 1/ 181، والدر المصون: 2/ 438.
(2) هذا مذهب المبرد كما في المقتضب: (2/ 156، 157) ، وانظر الدر المصون: 2/ 439.
(3) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: 6/ 338، كتاب النكاح، باب (الطلاق مرتان) ، عن أبي رزين الأسدي مرسلا، وكذا الطبري في تفسيره: 4/ 545. وقال الشيخ أحمد شاكر- رحمه الله-: «وهو حديث مرسل ضعيف» ، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 756 (سورة البقرة) ، والنحاس في ناسخه: 82 عن أبي رزين، والبيهقي في سننه: 7/ 340، كتاب «الخلع والطلاق» ، باب «ما جاء في موضع الطلقة الثالثة من كتاب الله عز وجل» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 664 وزاد نسبته إلى وكيع، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأبي داود، وابن مردويه عن أبي رزين الأسدي.
وأخرجه البيهقي في سننه: 7/ 340 عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 664 وزاد نسبته إلى ابن مردويه عن أنس أيضا.
(4) إعراب القرآن للنحاس: 1/ 208، وتفسير الماوردي: 1/ 247، وتفسير الفخر الرازي:
6/ 187، وقال القرطبي في تفسيره: 3/ 155: «معنى «بلغن» قاربن بإجماع من العلماء ولأن المعنى يضطر إلى ذلك لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، وهو في الآية التي بعدها بمعنى التناهي لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأولى» . [.....]
(5) من نسخة «ج» .
(6) من قوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ ...
[البقرة: 232] .
(1/154)

وعضلت المرأة: عسرت ولادتها «1» .
نزل «2» في معقل بن يسار المزنيّ «3» ، منع أخته جميلة «4» الرجوع إلى زوجها الأول أبي البدّاح «5» بن عاصم. وقوله «6» : فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ في
__________
(1) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 88، وتفسير الطبري: 5/ 24، وتفسير الماوردي:
1/ 248، ومفردات الراغب: 338، واللسان: 11/ 451 (عضل) .
(2) صحيح البخاري: 5/ 160، كتاب التفسير، باب (وإذا طلقتم النساء ... ) ، وليس فيه ذكر لاسم المرأة وزوجها.
وانظر تفسير الطبري: (5/ 17- 20) ، وأسباب النزول للواحدي: (111- 114) ، وتفسير ابن كثير: 1/ 416.
(3) هو معقل بن يسار بن عبد الله بن معبر المزني، صحابي جليل، أسلم قبل الحديبية، وشهد بيعة الرضوان.
ترجمته في الاستيعاب: 3/ 1432، وأسد الغابة: 5/ 232، والإصابة: 6/ 184.
(4) في «ك» و «ج» : «جميل» ، والذي ورد في الأصل ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح: 9/ 93 عن الثعلبي.
وورد في رواية الطبري في تفسيره: 5/ 20 عن ابن جريج أن اسمها «جمل» ، وكذا في غوامض الأسماء المبهمة لابن بشكوال: 1/ 293، والإصابة: 7/ 555 (ترجمة جمل بنت يسار) .
وذكر السهيلي في التعريف والإعلام: 29 أن اسمها «جميل» ، وقيل: اسمها «ليلى» .
وذكر الحافظ في الفتح: 9/ 93 قولا آخر في اسمها وهو «فاطمة» ثم قال: «ويحتمل التعدد بأن لها اسمان ولقب أو لقب واسم» .
(5) ترجمة أبي البدّاح بن عاصم بن عدي الأنصاري في الاستيعاب: 4/ 1608، وأسد الغابة:
6/ 27، والإصابة: 7/ 35.
(6) سورة البقرة: آية: 229.
وقد ثبت اسم جميلة في سبب نزول هذه الآية فيما أخرجه الإمام البخاري- رحمه الله- تعليقا عن عكرمة (صحيح البخاري: 6/ 171، كتاب الطلاق، باب «الخلع وكيف الطلاق فيه» ) .
وثبت ذلك أيضا في رواية أخرجها ابن ماجة في سننه: 1/ 663، كتاب الطلاق، باب «المختلعة تأخذ ما أعطاها، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره: 1/ 403 وعزا إخراجه إلى أبي بكر بن مردويه عن ابن عباس أيضا.
وقيل في اسم المختلعة: حبيبة بنت سهل، كما في موطأ الإمام مالك: 2/ 564، كتاب الطلاق، باب «وما جاء في الخلع» ، ومسند الإمام أحمد: (6/ 433، 434) ، وسنن أبي داود: (2/ 668، 669) ، كتاب الطلاق، باب «ما جاء في الخلع» ، وتفسير الطبري:
4/ 555، وتفسير ابن كثير: 1/ 402.
(1/155)

وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)
جميلة «1» بنت عبد الله بن أبيّ بن سلول خالعت زوجها ثابت «2» بن قيس بن شمّاس بمهرها.
[14/ ب] 233 لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها: بأخذ ولدها بعد/ ما [رضي] «3» بها.
وَلا مَوْلُودٌ لَهُ: أي: الأب بردّ الولد عليه بعد ما عرف أمه ولا يقبل ثدي غيرها.
وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ: أي: على وارث الولد من النّفقة، وترك المضارّة «4» ما على المولود له وهو الوالد إذا كان حيّا.
فِصالًا: فطاما قبل الحولين «5» . و «التراضي» لئلا يكره أحدهما
__________
(1) ترجمتها في الاستيعاب: 4/ 1802، وأسد الغابة: 7/ 54، والإصابة: (7/ 562، 563) .
(2) ثابت بن قيس بن شمّاس الخزرجي الأنصاري، صحابي جليل، استشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
ترجمته في: الاستيعاب: (1/ 200- 203) ، وأسد الغابة: (1/ 275، 276) ، والإصابة:
(1/ 395- 396) .
(3) في الأصل: «رضيت» ، والمثبت في النص عن «ج» .
(4) على الأمرين معا وهما: النفقة، وترك المضارة. وهذا مذهب الحنفية كما في أحكام القرآن للجصاص: (1/ 406، 407) ، وتفسير النسفي: 1/ 118.
وأورده ابن كثير في تفسيره: 1/ 418 وقال: «وهو قول الجمهور» .
ونقل ابن العربي هذا القول في أحكام القرآن: 1/ 205 عن قتادة والحسن، وقال: «ويسند إلى عمر رضي الله عنه، فأوجبوا على قرابة المولود الذين يرثونه نفقته إذا عدم أبوه في تفصيل طويل لا معنى له. وقالت طائفة من العلماء: إن قوله تعالى: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ لا يرجع إلى جميع ما تقدم كله وإنما يرجع إلى تحريم الإضرار. والمعنى: وعلى الوارث من تحريم الإضرار بالأم ما على الأب. وهذا هو الأصل فمن ادعى أنه يرجع العطف فيه إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل ... » .
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 297: «فالإجماع من الأمّة ألا يضار الوارث، والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا؟» .
وانظر تفسير القرطبي: (3/ 169، 170) ، والبحر المحيط: 2/ 216.
(5) معاني الزجاج: 1/ 313، معاني النحاس: 1/ 220، وقال فيه: «وأصل «الفصال» في اللّغة التفريق، والمعنى (عن تراض) من الأبوين ومشاورة ليكون ذلك من غير إضرار منهما بالولد» .
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 298: «الضمير في أَرادا للوالدين، وفِصالًا معناه: فطاما عن الرضاع، ولا يقع التشاور ولا يجوز التراضي إلا بما لا ضرر فيه على المولود، ... وتحرير القول في هذا أن فصله قبل الحولين لا يصح إلا بتراضيهما، وألا يكون على المولود ضرر، وأما بعد تمامها فمن دعا إلى الفصل فذلك له، إلا أن يكون في ذلك على الصبي ضرر» .
(1/156)

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)
الفطام [أو ليرضى] «1» بما لا يعلمه الآخر.
والتشاور: ليكون التراضي عن تفكر فلا تضرّ «2» الرضيع. فسبحانه وبحمده يؤدّب الكبير ولا [يهمل] «3» الصّغير.
تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ: أي: لأولادكم «4» إذا أرادت الأمّ أن تتزوج وحذفت اللام، لأن الاسترضاع لا يكون إلّا للأولاد.
235 لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا: لا تشاوروهنّ بالنكاح، أو لا تنكحوهن سرا «5» .
__________
(1) عن نسخة «ج» . [.....]
(2) في «ج» : يردّ.
(3) في الأصل: «يمهل» ، والمثبت في النّص من «ك» ، ومن وضح البرهان للمؤلف.
(4) هذا قول الزجاج في معانيه: 1/ 314، ونسبه إليه- أيضا- النحاس في معانيه: 1/ 221، والقرطبي في تفسيره: 3/ 172.
قال النحاس في إعراب القرآن: 1/ 317: «التقدير في العربية: وإن أردتم أن تسترضعوا أجنبية لأولادكم وحذفت اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف ... » .
وانظر البحر المحيط: 2/ 218، والدر المصون: (2/ 473، 474) .
(5) وهو قول عبد الرحمن بن زيد.
أخرجه الطبريّ في تفسيره: 5/ 110، ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 254، والبغوي في تفسيره: 1/ 216، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 278، والقرطبي في تفسيره: 3/ 191 عن ابن زيد أيضا.
قال النحاس في معانيه: 1/ 228: «ولا يكون السرّ النكاح الصحيح، لأنه لا يكون إلّا بولي وشاهدين، وهذا علانية» .
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 6/ 142: «السر ضد الجهر والإعلان، فيحتمل أن يكون السر هاهنا صفة المواعدة على شيء: ولا تواعدوهن مواعدة سرية. ويحتمل أن يكون صفة للموعود به على معنى: ولا توعدوهن بالشيء الذي يكون موصوفا بوصف كونه سرا ... » .
(1/157)

لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)
يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ: تنقضي العدّة «1» ، والكتاب ما كتب عليها من الحداد والقرار.
236 لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ: لأنّها لا تطلّق في طهر المسيس «2» .
أو لا جناح في النّفقة والمهر سوى متعة قدر المكنة، وأدنى متعة الطلاق درع وخمار «3» . وتخصيص المحسن لأنّهم الّذين يقبلونه ويعملون به.
ونصب مَتاعاً على المصدر «4» من «متعوهنّ» ، ويجوز
__________
(1) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 90، وتفسير الطبري: (5/ 115، 116) ، وتفسير البغوي:
(1/ 216، 217) ، والمحرر الوجيز: 2/ 310، وتفسير ابن كثير: 1/ 423.
(2) أي في طهر جامعها فيه زوجها.
قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 5/ 118: «والمماسّة في هذا الموضع كناية عن اسم الجماع» .
(3) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: (5/ 121، 122) عن الربيع بن أنس، وقتادة، والشعبي.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 280 عن الإمام أحمد.
قال الجصاص في أحكام القرآن: 1/ 433: «وإثبات المقدار على اعتبار حاله في الإعسار واليسار طريقه الاجتهاد وغالب الظن، ويختلف ذلك في الأزمان أيضا لأن الله تعالى شرط في مقدارها شيئين:
- أحدهما: اعتبارها بيسار الرجل وإعساره.
- والثاني: أن يكون بالمعروف مع ذلك، فوجب اعتبار المعنيين في ذلك ... » .
وانظر الأقوال التي قيلت في مقدار المتعة في تفسير الماوردي: 1/ 255، وتفسير البغوي: 1/ 218، وتفسير القرطبي: 3/ 201.
(4) ذكره أبو حيان في البحر المحيط: 2/ 234، والسمين الحلبي في الدر المصون: 2/ 490.
قال أبو حيان: «وتحريره أن المتاع هو ما يمتع به، فهو اسم له، ثم أطلق على المصدر على سبيل المجاز والعامل فيه: وَمَتِّعُوهُنَّ، ولو جاء على أصل مصدر وَمَتِّعُوهُنَّ لكان «تمتيعا» .
(1/158)

وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)
حالا «1» من قَدَرُهُ. وحَقًّا على الحال من قوله بِالْمَعْرُوفِ، ويجوز تأكيدا لمعنى الجملة، أي: أخبركم به حقا.
237 أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ: هو الزّوج «2» لا غير، وعفوه إذا
__________
(1) إعراب القرآن للنحاس: 1/ 319، ومشكل الإعراب لمكي: 1/ 132، وفي البحر:
2/ 234: «وجوّزوا فيه أن يكون منصوبا على الحال، والعامل فيها ما يتعلق به الجار والمجرور، وصاحب الحال الضمير المستكن في ذلك العامل، والتقدير: قدر الموسع يستقر عليه في حال كونه متاعا ... » .
(2) ورد هذا المعنى في أثر أخرجه الطبريّ في تفسيره: 5/ 157 عن عمرو بن شعيب ورفعه.
وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره: (842، 843) ، والبيهقي في سننه: (7/ 251، 252) ، كتاب الصداق باب «من قال الذي بيده عقدة النكاح الزوج» . وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 699 وزاد نسبته إلى الطبراني عن عمرو بن شعيب مرفوعا، وقال: «بسند حسن» .
وأخرج الطبري هذا القول أيضا عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وشريح، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، والشعبي، والضحاك، والربيع بن أنس.
وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 4/ 281، كتاب النكاح، باب «في قوله تعالى: أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، وشريح، وابن المسيب، والشعبي، ونافع، ومحمد بن كعب.
وهو قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه، كما في: أحكام القرآن للجصاص: 1/ 439، وتفسير النسفي: 1/ 121.
وقال الكيا الهراس في أحكام القرآن: 1/ 305: «وهو أصح قولي الشافعي» .
وقيل في الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ: الوليّ، أخرجه الطبري في تفسيره: (5/ 146- 149) عن ابن عباس، والحسن، وعلقمة، وشريح، والشعبي، والزهري.
وانظر القولين في أحكام القرآن لابن العربي: (1/ 219، 220) ، وتفسير القرطبي:
(3/ 206، 207) ، وتفسير ابن كثير: (1/ 425، 426) .
ورجح الطبري في تفسيره: 5/ 158 الأول بقوله: «وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: المعني بقوله: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، الزوج. وذلك لإجماع الجميع على أن وليّ جارية بكر أو ثيب صبية صغيرة كانت أو مدركة كبيرة، لو أبرأ زوجها من مهرها قبل طلاقها إياها، أو وهبه له أو عفا له عنه إن إبراءه ذلك وعفوه له عنه باطل، وأن صداقها عليه ثابت ثبوته قبل إبرائه إياه منه ... » .
(1/159)

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)
سلّم كلّ المهر لا [يرتجع] «1» النصف بالطّلاق، أو إن لم يسلّم وفّاه كملا، كأنه من عفوت الشّيء إذا وفرته وتركته حتى يكثر «2» .
وفي الحديث «3» : «ويرعون عفاءها» ، والعفاء: ما ليس لأحد فيه ملك» .
وأبهمت الصّلاة الوسطى مع فضلها ليحافظ على الصّلوات، ولهذا أخفيت ليلة القدر.
239 فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا: صلّوا على أرجلكم، أو على ركابكم «5» وقوفا ومشاة وسمّي الرّاجل لأنّه يستعمل رجله في المشي «6» .
240 غَيْرَ إِخْراجٍ: نصب على صفة «المتاع» «7» .
[15/ أ] فَإِنْ خَرَجْنَ: أي: بعد/ الحول، أو قبل الحول إذا سكنّ في بيوتهن.
فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ: في قطع نفقة السّكنى.
والوصية للأزواج والعدّة إلى الحول منسوختان «8» ، ومن لا يرى
__________
(1) في الأصل: «يرتجعه» ، والمثبت في النص عن «ك» و «ج» .
(2) غريب الحديث للخطابي: 2/ 293، واللسان: 15/ 76 (عفا) .
(3) ذكره ابن الجوزي في غريب الحديث: 2/ 109، وابن الأثير في النهاية: 3/ 266.
(4) اللسان: 15/ 79 (عفا) . [.....]
(5) من قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ البقرة:
238.
(6) من قوله تعالى: أَوْ رُكْباناً.
(7) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 92، ومفردات الراغب: 190، والبحر المحيط:
2/ 243.
(8) أي نسخت الوصية بنزول الفرائض، ونسخت العدة إلى الحول بالأربعة أشهر وعشرا. أما نسخ الوصية فبقوله تعالى: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ سورة النساء: 12. وأما نسخ العدة إلى الحول فبقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً البقرة: 234، ومن القائلين بنسخ هذه الآية: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقتادة وعكرمة، والربيع بن أنس، وابن زيد، والضحاك، وعطاء.
ينظر تفسير الطبري: (5/ 254- 256) ، والمحرر الوجيز: 2/ 340، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: (214- 216) ، وتفسير القرطبي: 3/ 226، والدر المنثور: (1/ 738، 739) ، ورجح الطبري هذا القول في تفسيره: 5/ 259، وكذا القرطبي: 3/ 227.
(1/160)

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)
النّسخ «1» قال: إنها في وصيتهم على عادة الجاهلية حولا، فبيّن الله أنّ وصيّتهم لا تغيّر حكم الله في تربّص أربعة أشهر وعشرا.
245 فَيُضاعِفَهُ رفعه للعطف على يُقْرِضُ اللَّهَ «2» ، والنّصب على جواب الاستفهام بالفاء «3» ، إلّا أنّ فيه معنى الجزاء، أي: من يقرض الله فالله يضاعفه وجواب الجزاء بالفاء مرفوع «4» .
يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ: يقبض الصّدقة، ويبسط الجزاء «5» ، أو يقبض الرزق على بعض ويبسطها على بعض ليأتلفوا بالاختلاف.
__________
(1) وهو قول مجاهد كما أخرج الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 160، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً ... ، وأخرجه الطبري في تفسيره 5/ 258 عن مجاهد أيضا.
(2) قرأ بالرفع نافع، وحمزة، والكسائي، وأبو عمرو، وابن كثير.
ينظر السبعة لابن مجاهد: (184، 185) ، والحجة لأبي علي الفارسي: 2/ 344، وحجة القراءات: 139، والكشف لمكي: 1/ 300.
ورجح الطبري في تفسيره: 5/ 287 قراءة الرفع، وكذا الفارسي في الحجة: (2/ 344، 345) .
(3) معاني القرآن للزجاج: 1/ 324، ومشكل الإعراب لمكي، والبيان لابن الأنباري:
1/ 164، والتبيان للعكبري: 1/ 194، الدر المصون: 2/ 509.
وقراءة النصب وإثبات الألف قراءة عاصم، وأما ابن عامر فقرأ من غير ألف وبالنصب والتشديد.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 185، والحجة لأبي علي الفارسي: 2/ 344، وحجة القراءات: 139، والكشف لمكي: 1/ 300.
(4) ينظر تفسير الطبري: (5/ 287، 288) ، والحجة للفارسي: (2/ 344، 345) .
(5) هو قول الزجاج في معانيه: 1/ 325، ونقله عنه الماوردي في تفسيره: 1/ 262.
قال الزجاج: «وإخلافها جائز أن يكون ما يعطى من الثواب في الآخرة، وجائز أن يكون مع الثواب أن يخلفها في الدنيا» .
(1/161)

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)
246
هَلْ عَسَيْتُمْ: هل ظننتم «1» إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا إذ كلّ ما في القرآن من (عسى) على التوحيد فهو على وجه الخبر، وما هو على الجمع فعلى الاستفهام.
248 إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ: إذ كانوا فقدوه فأتاهم به الملائكة «2» .
فِيهِ سَكِينَةٌ: أي: في إتيانه بعد الافتقاد كما قال رسولهم.
وقيل «3» : كانت فيه صورة يتيمّن بها في الخطوب والحروب.
__________
(1) في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 77، وتفسير الطبري: 5/ 300: «هل تعدون» .
قال السمين الحلبي في الدر المصون: 2/ 516: «واعلم أن مدلول «عسى» إنشاء لأنها للترجي أو للإشفاق، فعلى هذا: فكيف دخلت عليها «هل» التي تقتضي الاستفهام؟
فالجواب أن الكلام محمول على المعنى» .
وقال الزمخشري في الكشاف: 1/ 378: «والمعنى: هل قاربتم أن لا تقاتلوا، يعني: هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون، أراد أن يقول: عسيتم أن لا تقاتلوا، بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل «هل» مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون، وأراد بالاستفهام التقرير، وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ [سورة الإنسان: آية: 1] معناه التقرير» .
وأورد السمين الحلبي قول الزمخشري الذي تقدم ثم قال: «وهذا من أحسن الكلام، وأحسن من قول من زعم أنها خبر لا إنشاء، مستدلا بدخول الاستفهام عليها» .
(2) هذا معنى قوله تعالى: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ ... الآية، وانظر هذه القصة في تفسير الطبري:
5/ 321.
(3) ينظر الأقوال في المراد ب «السكينة» في هذه الآية في تفسير الطبري: (5/ 326- 329) ، وتفسير الماوردي: 1/ 263، وتفسير البغوي: 1/ 229، وزاد المسير: 1/ 294، وتفسير ابن كثير: 1/ 445.
وعقّب الطبري- رحمه الله- على هذه الأقوال بقوله: «وأولى هذه الأقوال بالحق في معنى «السكينة» ما قاله عطاء بن أبي رباح: من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي يعرفونها.
وذلك أن «السكينة» في كلام العرب «الفعلية» ، من قول القائل: «سكن فلان إلى كذا وكذا» إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه» .
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 361: «والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنس به وتقوى ... » .
(1/162)

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)
وَبَقِيَّةٌ: قيل «1» إنها الكتب، وقيل «2» : عصا موسى وعمامة هارون.
249 مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ: ليعلم أن من يخالف بالشرب من النهر لا يواقف العدو فيجرد العسكر عنه.
والغرفة «3» - بالفتح- لمرة واحدة «4» ، وبالضم اسم ما اغترف.
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ: وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدد أصحاب بدر «5» .
__________
(1) لعله يريد بالكتب الألواح التي ألقاها موسى عليه السلام بعد أن رجع إلى قومه فرآهم قد عبدوا العجل.
وقد أخرج الطبري في تفسيره: 5/ 331 عن ابن عباس رضي الله عنهما أن «البقية» هي رضاض الألواح.
وانظر المحرر الوجيز: 2/ 361، وزاد المسير: 1/ 295، وتفسير القرطبي: 3/ 249.
(2) ورد هذا المعنى في خبر ذكره السيوطي في الدر المنثور: 1/ 758 وعزا إخراجه إلى إسحاق بن بشر في «المبتدأ» وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأورد الطبري- رحمه الله- في تفسيره: (5/ 331- 334) عدة أقوال في المراد ب «البقية» ثم قال: «وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن التابوت الذي جعله آية لصدق قول نبيه صلّى الله عليه وسلّم الذي قال لأمته: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً إن فيه سكينة منه وبقية من تركة آل موسى وآل هارون. وجائز أن تكون تلك البقية: العصا، وكسر الألواح، والتوراة، أو بعضها ... وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج ولا اللّغة، ولا يدرك على ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم. ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك للصفة التي وصفنا، وإن كان كذلك، فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره، إذ كان جائزا فيه ما قلنا من القول» . [.....]
(3) من قوله تعالى: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ.
(4) تفسير الطبري: 5/ 342، والصحاح: 4/ 1410، واللسان: 9/ 263 (غرف) .
وقرأ بالفتح ابن كثير، وأبو عمرو بن العلاء، ونافع.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 187، والحجة لأبي علي الفارسي: 2/ 350، وحجة القراءات: 140، والكشف لمكي: 1/ 303.
(5) ورد في رواية أخرجها الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 5، كتاب المغازي، باب «عدة أصحاب بدر» عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «كنا أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا النهر ولم يجاوز معه إلّا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة» .
وانظر مسند الإمام أحمد: 4/ 290 عن البراء، وتفسير الطبري: (5/ 346- 351) عن البراء، وقتادة، والسدي.
(1/163)

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)
يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ: يحدّثون أنفسهم به، وهو أصل الظن، ولذلك صلح للشك واليقين «1» .
253 وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا: مشيئة الإلجاء «2» ، أو مشيئة الصّرفة والصّرفة مشيئة مفتنة «3» .
254 لا بَيْعٌ فِيهِ: خصّ البيع لما في البيع من المعاوضة فيكون كالفداء
__________
(1) فهو من الأضداد.
ينظر ثلاثة كتب في الأضداد للأصمعي: 34، والسجستاني: (76، 77) ، وابن السكيت:
188، وتفسير الطبري: 5/ 352، والأضداد لابن الأنباري: 3، واللسان: 13/ 272 (ظنن) .
(2) الصّرفة: رأى للمعتزلة يقول إن العبد قادر على فعل الشيء، لكنه صرف عنه، كقولهم بأن العرب كانت تستطيع الإتيان بمثل القرآن لكن الله سبحانه وتعالى صرفهم عن ذلك في ذلك الوقت، مع قدرتهم على القول بمثله.
ينظر المغني للقاضي عبد الجبار: (16/ 246- 252) وقد ردّ العلماء رأي المعتزلة هذا، ومن أبرزهم الباقلاني في إعجاز القرآن: (29- 31) ، والفخر الرازي في تفسيره: 6/ 220 الذي أجاب عن شبهة المعتزلة بقوله: «إن أنواع المشيئة وإن اختلفت وتباينت إلّا أنها مشتركة في عموم كونها مشيئة، والمذكور في الآية في معرض الشرط هو المشيئة من حيث إنها مشيئة، لا من حيث إنها مشيئة خاصة، فوجب أن يكون هذا المسمى حاصلا، وتخصيص المشيئة بمشيئة خاصة، وهي إما مشيئة الهلاك، أو مشيئة سلب القوى والقدر، أو مشيئة القهر والإجبار، تقييد للمطلق وهو غير جائز، وكما أن هذا التخصيص على خلاف ظاهر اللفظ فهو على خلاف الدليل القاطع، وذلك لأن الله تعالى إذا كان عالما بوقوع الاقتتال، والعلم بوقوع الاقتتال حال عدم وقوع الاقتتال جمع بين النفي والإثبات، وبين السلب والإيجاب، فحال حصل العلم بوجود الاقتتال لو أراد عدم الاقتتال لكان قد أراد الجمع بين النفي والإثبات وذلك محال، فثبت أن ظاهر الآية على ضد قولهم، والبرهان القاطع على ضد قولهم» اهـ.
(3) في «ك» : «مسألة مفتنة» ، وفي وضح البرهان: 1/ 219: «والصّرفة مسألة كلامية مفتنة» .
(1/164)

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)
من العذاب كقوله «1» : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ.
255 الْقَيُّومُ: القائم بتدبير خلقه «2» .
والسّنة «3» في الرأس، والنّوم في العين.
كُرْسِيُّهُ: علمه «4» ، يقال للعلماء: كراسي «5» . وقيل/: قدرته [15/ ب] بدليل قوله: وَلا يَؤُدُهُ: أي: ولا يثقله.
وقيل «6» : الكرسيّ جسم عظيم يحيط بالسماوات إحاطة السماء بالأرض والعرش أعظم منه كهو من السماوات.
الطاغوت «7» : الشيطان وكل مارد من إنس وجان «8» .
__________
(1) سورة الأنعام: آية: 70.
(2) نقله الماوردي في تفسيره: 1/ 269 عن قتادة.
وانظر معاني الزجاج 1/ 336، ومعاني النحاس: 1/ 259، وزاد المسير: 1/ 302.
(3) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 78: «السّنة: النّعاس» .
وينظر معاني الزجاج: 1/ 337، ومعاني النحاس: 1/ 261، وتفسير المشكل لمكي:
118، وقال الماوردي في تفسيره: 1/ 269: «السّنة: النعاس في قول الجميع، والنعاس ما كان في الرأس، فإذا صار في القلب صار نوما» .
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: 5/ 397 عن ابن عباس.
ونقل الأستاذ محمود محمد شاكر في هامش تفسير الطبري: 5/ 401 عن الأزهري قال:
«والصحيح عن ابن عباس ما رواه عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: «الكرسي موضع القدمين، وأما العرش فإنه لا يقدر قدره» . قال: وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها. قال: ومن روى عنه في الكرسي أنه العلم، فقد أبطل» . وهذا هو قول أهل الحق إن شاء الله.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 270، وزاد المسير: 1/ 304.
(5) قال الطبري في تفسيره: 5/ 402: «وأصل «الكرسي» العلم. ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب «كراسة» ... ومنه يقال للعلماء «الكراسي» ، لأنهم المعتمد عليهم ... » .
وانظر هذا المعنى الذي أورده المؤلف- رحمه الله- في تفسير الماوردي: 1/ 270.
(6) ذكر نحوه الفخر الرازي في تفسيره: 7/ 12 دون عزو.
(7) في قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ البقرة: 256.
(8) في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 79: «الطاغوت: الأصنام، والطواغيت من الجن والإنس شياطينهم» .
وأخرج الطبري في تفسيره: (5/ 416، 417) عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «الطاغوت: الشيطان» . وأخرج مثله عن مجاهد، والشعبي، وقتادة، والضحاك، والسّدّي.
قال الطبري رحمه الله: «والصواب من القول عندي في «الطاغوت» أنه كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء» .
وانظر المحرر الوجيز: (2/ 392، 393) ، وتفسير الفخر الرازي: 6/ 17. [.....]
(1/165)

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)
فعلوت «1» من الطّغيان قلبت لام طغووت إلى موضع العين وانقلبت ألفا «2» .
والعروة الوثقى: الإيمان «3» ، شبه المعنى بالصورة المحسوسة مجازا.
258 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ: «إلى» هنا للتعجب لأنها للنهاية فالمعنى:
هل انتهت رؤيتك إلى من هذه صفته ليدلّ على بعد وقوع مثله.
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ: ليس بانتقال «4» ، ولكن لمّا عاند نمروذ حجة الإحياء بتخلية واحد وقتل آخر، كلّمه من وجه لا يعاند، وكانوا أصحاب تنجيم، وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم، والحركة الشرقية المحسوسة [لنا] «5» قسريّة كتحريك الماء النّمل على الرّحى «6» إلى غير جهة حركة النّمل فقال: إنّ ربي يحرّك الشمس قسرا على
__________
(1) في «ج» : فلعوت.
(2) ينظر تفسير الطبري: 5/ 419، وتفسير الفخر الرازي: 7/ 16، والدر المصون: 2/ 548.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 5/ 421، وابن أبي حاتم في تفسيره: 1000 (سورة البقرة) عن مجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 23، وزاد نسبته إلى سفيان وعبد بن حميد عن مجاهد أيضا.
(4) أي ليس بانتقال من دليل إلى آخر. ينظر تفسير الفخر الرازي: 7/ 26، وعصمة الأنبياء له:
(60- 62) .
(5) في الأصل: «لها» والمثبت في النص عن «ج» .
(6) الرّحى: الأداة التي بطحن بها.
النهاية: 2/ 211، واللسان: 14/ 312 (رحا) .
(1/166)

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)
غير حركتها فإن كنت ربّا فحرّكها بحركتها فهو أهون.
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ: أي دهش «1» .
259 لَمْ يَتَسَنَّهْ: إن قلت: سانيته مساناة «2» وجمعته على سنوات، فالهاء للوقف «3» .
وإن قلت: سانهت «4» وجمعت على سنهات فالهاء لام الفعل «5» ، أي: لم يتغير باختلاف السّنين، أو لم يتصبّب، أي هو على حاله وكما تركته، فيكون لم يتسن: لم يأخذ سننا أو سنّة الطريق.
وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً: علامة في إحياء الموتى. وقيل «6» : بل الآية أنه
__________
(1) قال الجوهري في الصحاح: 1/ 244 (بهت) : «وبهت الرجل- بالكسر- إذا دهش وتحيّر.
وبهت- بالضم- مثله، وأفصح منها بهت، كما قال جل ثناؤه: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ لأنه يقال رجل مبهوت ولا يقال باهت ولا بهيت» .
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 274، ومفردات الراغب: 63، وتفسير الفخر الرازي:
7/ 29، وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 79: «فبهت: انقطع، وذهبت حجته ... » .
(2) نقل القرطبي في تفسيره: 3/ 293 عن المهدوي قال: «ويجوز أن يكون أصله من سانيته مساناة، أي عاملته سنة بعد سنة» .
(3) معاني الفراء: 1/ 172، وتفسير الطبري: 5/ 460، ومعاني الزجاج: 1/ 343، والبحر المحيط: 2/ 292، والدر المصون: 2/ 563، وقرأ حمزة والكسائي: لم يتسنّ بحذف الهاء في الوصل، وإثباتها في الوقف.
ينظر السبعة: 189، والحجة لأبي علي الفارسي: 2/ 369، والكشف لمكي: 1/ 307.
قال الطبري- رحمه الله-: «ومن قرأه كذلك فإنه يجعل الهاء في يَتَسَنَّهْ زائدة صلة، كقوله: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وجعل «تفعلت» منه: «تسنيت تسنيا» ، واعتل في ذلك بأن «السنة» تجمع «سنوات» ، فيكون «تفعلت» على صحة» . وقال مكي: «وحجة من حذف الهاء في الوصل أن الهاء جيء بها للوقف، لبيان حركة ما قبلها ولذلك سمّيت هاء السكت ... » .
(4) من سنهت النخلة وتسنّهت: إذا أتت عليها السنون. الصحاح: 6/ 2235 (سنه) .
(5) تفسير الطبري: 5/ 461، ومعاني الزجاج: 1/ 343، والدر المصون: 2/ 564. ومن قال بمعنى هذا الاشتقاق قرأ بإثبات الهاء في الوصل والوقف. وهي قراءة عامة قراء أهل المدينة والحجاز كما في تفسير الطبري، والسبعة: (188، 189) ، والكشف: 1/ 307.
(6) نقله ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 311 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
- وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 411: «وفي إماتته هذه المدة ثم إحيائه أعظم آية، وأمره كله آية للناس غابر الدهر لا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض» .
(1/167)

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
كان ابن أربعين سنة وابنه كان ابن مائة وعشرين سنة.
نُنْشِزُها: نرفع بعضها إلى بعض «1» ، والنّشز: المكان المرتفع «2» .
ونشوز المرأة ترفّعها «3» .
260 كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى: سببه «4» أنه رأى جيفة استهلكت في الرياح، فأحبّ معاينة إحيائها ليقوى اليقين بالمشاهدة، فيكون ألف أَوَلَمْ تُؤْمِنْ [16/ أ] بالتقدير «5» أي: قد آمنت فلم تسأل هذا؟ فقال: ليطمئن قلبي/ بمشاهدة ما أعلمه «6» . أو أعلم أني خليلك مستجاب الدعوة «7» .
وقرئت الآية عند النّبي صلّى الله عليه وسلّم فقيل: شك إبراهيم ولم يشك نبينا. فقال- عليه السلام-: «أنا أحق بالشك منه» «8» . وإنما قاله تواضعا وتقديما، أي:
__________
(1) هذا قول اليزيدي في كتابه غريب القرآن: (97، 98) ، وفي تفسير الطبري: 5/ 475:
«بمعنى وانظر كيف نركب بعضها على بعض، وننقل ذلك إلى مواضع من الجسم وانظر معاني النحاس: (1/ 281، 282) .
(2) تفسير الطبري: 5/ 476، ومعاني الزجاج: 1/ 344، ومعاني النحاس: 1/ 282، وتهذيب اللغة: 11/ 305، واللسان: 5/ 417 (نشز) . [.....]
(3) قال الراغب في المفردات: 493: «ونشوز المرأة بغضها لزوجها ورفع نفسها عن طاعته وعينها عنه إلى غيره» .
(4) ينظر ذلك في تفسير الطبريّ: 5/ 485، وأسباب النزول للواحدي: 117، وتفسير البغوي:
1/ 247، والدر المنثور: (2/ 32، 33) .
(5) في «ج» : للتقرير.
(6) قال النحاس في معانيه: 1/ 283: «وهذا القول مذهب الجلة من العلماء، وهو مذهب ابن عباس والحسن» .
وانظر عصمة الأنبياء للفخر الرازي: 64، وتفسيره: 7/ 41.
(7) ورد هذا المعنى في أثر أخرجه الطبري في تفسيره: (5/ 488، 489) عن سعيد بن جبير، والسدي.
(8) الحديث في صحيح البخاري: 5/ 163، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وفي صحيح مسلم: 1/ 133، كتاب الإيمان باب «زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة» عن أبي هريرة أيضا.
(1/168)

أنا دونه ولم أشك فكيف يشك إبراهيم «1» ؟!.
260 فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ: الدّيك، والطاوس، والغراب، والحمام «2» .
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ: قطّعهنّ «3» ، فيكون إِلَيْكَ من صلة فَخُذْ. أو معناه: أملهن «4» ، صاره يصيره ويصوره. والصّوار: قطعة من المسك «5» من القطع، ومن إمالة حاسّة الشمّ إليها، والصّورة لأنها تميل إليها النّفوس «6» ، ولأنها على تقطيع وتقدير.
261 مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ: أي: مثل أموالهم «7» .
__________
(1) ينظر الشفا للقاضي عياض: 2/ 697، وفتح الباري: 6/ 475، كتاب الأنبياء، باب قول الله عز وجل: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ....
(2) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 1/ 466: «اختلف المفسرون في هذه الأربعة: ما هي؟
وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مهم لنصّ عليه القرآن ... » .
(3) معاني الفراء: 1/ 174، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 80، وغريب القرآن لليزيدي: 98، ومعاني الزجاج: 1/ 345، ومعاني النحاس: 1/ 286.
(4) غريب القرآن لليزيدي: 98، وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 96: «يقال صرت الشيء فانصار، أي: أملته فمال. وفيه لغة أخرى: «صرته» بكسر الصاد» .
وانظر تفسير الطبري: 5/ 495، ونقل الزجاج في معانيه: 1/ 345 عن أهل اللّغة قولهم:
«معنى صرهن أملهن إليك وأجمعهن إليك» . قال الزجاج: «قال ذلك أكثرهم» .
ونقل النحاس في معانيه: 1/ 286 عن الكسائي قال: «من ضمّها جعلها من صرت الشيء أملته وضممته إليّ، وصر وجهك إليّ أي أقبل به» .
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 423: «فقد تأول المفسرون اللّفظة، بمعنى التقطيع، وبمعنى الإمالة فقوله: «إليك» على تأويل التقطيع متعلق ب فَخُذْ، وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق ب فَصُرْهُنَّ وفي الكلام متروك يدل عليه الظاهر تقديره: فأملهن إليك وقطعهن ... » .
(5) ينظر معاني القرآن للنحاس: 1/ 287، وتهذيب اللغة: 12/ 228، والنهاية: 3/ 59.
(6) في تهذيب اللّغة: 12/ 228 عن الليث: «الصّور: الميل، والرجل يصور عنقه إلى الشيء:
إذا مال نحوه بعنقه ... » وينظر النهاية: 3/ 59، واللسان: 4/ 474 (صور) .
(7) قال الطبري- رحمه الله تعالى- في تفسيره: 5/ 512: «وهذه الآية مردودة إلى قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: 245] .
ونقل ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 316 عن ثعلب قال: «إنما المثل- والله أعلم- للنفقة، لا للرجال، ولكن العرب إذا دل المعنى على ما يريدون، حذفوا، مثل قوله تعالى:
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ فأضمر «الحب» لأن المعنى معلوم، فكذلك ها هنا. أراد:
مثل الذين ينفقون أموالهم ... » .
(1/169)

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)
وَاللَّهُ واسِعٌ: أي: واسع الفضل بالتضعيف عليهم.
262 الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ: في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما «1» .
263 قَوْلٌ مَعْرُوفٌ: ردّ حسن، وَمَغْفِرَةٌ: ستر الفقر على السائل «2» ، أو التجافي عما يبدر منه عند الرّدّ «3» .
264 فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ: صفته صفة حجر أملس.
والصّفوان جمع صفوانة، والصّفا جمع صفاة «4» .
والصّلد: الأرض [التي] «5» لا تنبت شيئا «6» ، وزند صلاد لا ينقدح «7» .
__________
(1) نقله الواحدي في أسباب النزول: 119، والبغوي في تفسيره: 1/ 249 عن الكلبي، ونسبه ابن عطية في المحرر الوجيز: 2/ 429 إلى مكي بن أبي طالب القيسي. وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 316 إلى مقاتل وابن السائب الكلبي. [.....]
(2) تفسير الماوردي: 1/ 281، وتفسير البغوي: 1/ 250، والمحرر الوجيز: 2/ 431.
(3) تفسير البغوي: 1/ 250.
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 82، وقال الطبريّ في تفسيره: 5/ 524: «والصفوان هو الصفا، وهي الحجارة الملس» . وانظر هذا المعنى في معاني الأخفش: 1/ 385، وتفسير القرطبي: 3/ 313.
(5) في الأصل: «الذي» ، والمثبت في النص من «ج» .
(6) مجاز القرآن: 1/ 82، وتفسير الطبري: 5/ 524، ومفردات الراغب: 285، وتفسير القرطبي: 3/ 313، واللسان: 3/ 257 (صلد) .
(7) قال الجوهري في الصحاح: 2/ 498 (صلد) : «وصلد الزند يصلد- بالكسر- صلودا إذا صوّت ولم يخرج نارا. وأصلد الرجل: أي صلد زنده» .
وينظر اللسان: 3/ 257، وتاج العروس: 8/ 291 (صلد) ، ونقل الزبيدي عن أبي عمرو قال: «ويقال للبخيل: صلدت زناده» .
(1/170)

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)
وفي الحديث «1» : «خرج اللّبن من طعنة عمر أبيض يصلد» أي: يبرق ويبصّ.
266 إِعْصارٌ: أعاصير الرّياح: زوابعها «2» ، كأنها تلتف بالنّار التفاف الثّوب المعصور بالماء. وعطف «أصاب» على «يودّ» لأنّ «يود» يتضمن التمني، والتمني يتناول الماضي والمستقبل «3» .
267 وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ: لا تقصدوا رذال المال وحشف «4» التمر في الزكاة.
__________
(1) أخرج نحوه ابن قتيبة في غريب الحديث: 1/ 623 عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
واللّفظ عنده: «أن الطبيب من الأنصار سقاه لبنا حين طعن، فخرج من الطعنة أبيض يصلد» .
وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير: 1/ 71، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: 9/ 81 وقال: رجاله رجال الصحيح.
والحديث- أيضا- في الفائق: 2/ 311، وغريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 599، والنهاية: 3/ 46.
(2) قال الزجاج في معانيه: 1/ 349: «الإعصار: الريح التي تهب من الأرض كالعمود إلى السماء، وهي التي تسميها الناس الزوبعة، وهي ريح شديدة، لا يقال إنها إعصار حتى تهبّ بشدة.
قال الشاعر:
إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا
وانظر معاني النحاس: 1/ 295، وتهذيب اللّغة: 2/ 15، واللسان: 4/ 578 (عصر) .
(3) هذا جواب الفراء في معانيه: 1/ 175 على الإشكال في عطف الماضي على المستقبل.
فحمل العطف على المعنى. وقال الزمخشري في الكشاف: 1/ 396: إن «الواو» للحال لا للعطف، ومعناه: أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر» .
وانظر تفسير الفخر الرازي: 7/ 64، والبحر المحيط: 2/ 314، والدر المصون:
2/ 597.
(4) الحشف: اليابس الفاسد من التمر.
ينظر غريب الحديث لابن قتيبة: 2/ 74، والنهاية: 1/ 391، واللسان: 9/ 47 (حشف) وفي سبب نزول هذه الآية أخرج الإمام الترمذي في سننه: 5/ 219، كتاب «تفسير القرآن» ، باب «ومن سورة البقرة» عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلّته ... وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشّيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ قالوا: لو أنّ أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطاه لم يأخذ إلّا على إغماض وحياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده» .
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب صحيح» .
وأخرج نحوه ابن ماجة في السنن: 1/ 583 كتاب الزكاة، باب «النهي أن يخرج في الصدقة شر ماله» ، والطبري في تفسيره: (5/ 559، 560) ، والحاكم في المستدرك:
2/ 285، كتاب التفسير، وقال: «هذا حديث غريب صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.
وأخرجه أيضا البيهقي في سننه: 4/ 136، كتاب الزكاة، باب ما يحرم على صاحب المال من أن يعطي الصدقة شر ماله» عن البراء أيضا.
وانظر أسباب النزول للواحدي: 120، وتفسير ابن كثير: (1/ 473، 474) ، والدر المنثور: 2/ 58) .
(1/171)

إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)
إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ: أي: بوكس ونقصان في الثّمن «1» .
271 فَنِعِمَّا هِيَ: نعم ما هي على تقدير الفاعل، ونصب «ما» على التفسير «2» ، أي: نعم الشّيء شيئا هو.
272 ابْتِغاءَ: نصب على المفعول له.
273 لِلْفُقَراءِ: أي: الصّدقة للفقراء.
أُحْصِرُوا: احتبسوا على التصرف لخوف الكفار «3» ، أو لحبسهم أنفسهم على العبادة «4» .
__________
(1) قال الزجاج في معانيه: 1/ 350: «يقول: أنتم لا تأخذونه إلا بوكس، فكيف تعطونه في الصدقة» .
(2) ذكره مكي في مشكل إعراب القرآن: 1/ 141، وينظر البيان لابن الأنباري: 1/ 177، والتبيان للعكبري: 1/ 221، والبحر المحيط: 2/ 323.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (5/ 592، 593) عن قتادة، وابن زيد. ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 287 عن قتادة وابن زيد أيضا.
(4) ذكر ابن الجوزي هذا القول في زاد المسير: 1/ 327 وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما، ومقاتل. [.....]
(1/172)

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)
وقيل «1» : أحصروا بالمرض والجراحات [المثخنة في الجهاد] «2» عن الضّرب في الأرض.
والضّرب: الإسراع في السير «3» ، يقال «4» : ضربت له الأرض كلّها، أي: طلبته/ في كلّ الأرض. [16/ ب] لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً: لا يكون منهم سؤال فيكون [إلحافا] «5» ، لأنهم لو سألوا لم يحسبهم الجاهل بهم أغنياء.
وفي الحديث «6» : «من سأل وله أربعون درهما فقد ألحف» .
275 لا يَقُومُونَ: أي: من قبورهم «7» .
__________
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1117 (سورة البقرة) عن سعيد بن جبير، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 328 عن سعيد بن جبير، والكسائي، وأورده السيوطي في الدر المنثور:
2/ 89، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه.
(2) في الأصل: «المتخذة في الجهات» . والمثبت في النص من «ك» .
(3) اللسان: 1/ 545 (ضرب) .
(4) تهذيب اللغة: 12/ 22 عن أبي زيد الأنصاري.
(5) في الأصل: «إلحاف» ، والمثبت في النص من «ك» .
ومعنى إِلْحافاً إلحاحا كما في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 83، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 98، وتفسير الطبري: 5/ 597.
(6) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد: 9/ 334، وقال: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن يونس وهو ثقة» .
وأخرج النسائي في سننه: 5/ 98، كتاب الزكاة، باب «من الملحف» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ: «من سأل وله أربعون درهما فهو الملحف» .
وأخرج أحمد في مسنده: 3/ 7، وأبو داود في سننه: 2/ 279، كتاب الزكاة، باب «من يعطى من الصدقات، وحد الغنى» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: «من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» .
قال الخطابي: «والأوقية عند أهل الحجاز أربعون درهما» .
وانظر نص الحديث الذي أورده المؤلف في: معاني الزّجّاج: 1/ 357، وغريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 317، والنهاية: 4/ 237.
(7) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 98، تفسير الطبري: 6/ 8، والمحرر الوجيز: 2/ 480.
(1/173)

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ: يضربه ويصرعه «1» مِنَ الْمَسِّ: من الجنون «2» .
والخبط: ضرب البعير وصرعه بيديه «3» ، والرّمح بالرّجلين «4» ، والزّبن «5» بالرّكبتين. وهذا الصّرع بامتلاء بطون الدماغ من رطوبات الفجّة امتلاء غير كامل. وإضافته إلى الشّيطان على مجاز إضافة الإغواء الّذي يلقي المرء في مصارع وخيمة «6» .
وفي الحديث «7» : إنّ آكلي الربا يعرفون في الآخرة كما يعرف المجنون في الدّنيا ينهضون ويسقطون. وكلّ زيادة تؤخذ بغير بدل صورة أو معنى فهو ربا «8» .
279 لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ: لا تأخذون أكثر من رؤوس أموالكم ولا
__________
(1) ينظر تفسير الطبري: 6/ 8.
(2) معاني الفراء: 1/ 182، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 98، وقال الطبري في تفسيره:
6/ 11: ومعنى قوله: يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ يتخبله من مسّه إياه. يقال عنه: قد مسّ الرجل وألق، فهو ممسوس ومألوق ... » .
وينظر معاني الزجاج: 1/ 358، ومعاني النحاس: 1/ 306، وزاد المسير: 1/ 330، وتفسير القرطبي: 3/ 354.
(3) تهذيب اللّغة: 7/ 249، ومفردات الراغب: 142، واللسان: 7/ 280 (خبط) .
(4) قال الأزهري في تهذيب اللّغة: 5/ 53: «ويقال رمحت الدّابّة، وكل ذي حافر يرمح رمحا إذا ضرب رجليه ... » وانظر اللسان: 2/ 454 (رمح) .
(5) الزّبن: الدّفع.
انظر الصحاح: 5/ 2130، واللسان: 13/ 194 (زبن) .
(6) ذكر نحوه الماوردي في تفسيره: 1/ 288.
(7) لم أقف عليه مسندا.
وذكر ابن الجوزي هذا المعنى الذي أورده المؤلف- دون الإشارة إلى كونه حديثا- في زاد المسير: 1/ 330 دون عزو، ونقله الفخر الرازي في تفسيره: (7/ 96، 97) عن وهب بن منبه. [.....]
(8) قال القرطبي- رحمه الله- في تفسيره: 3/ 348: «والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان:
تحريم النّساء والتفاضل في العقود ... » .
(1/174)

تنقصون منها «1» .
نزلت في العبّاس وعثمان، كانا يؤخّران ويضعّفان «2» .
فَأْذَنُوا: فاعلموا «3» ، أو «آذنوا» «4» : أعلموا، آذنه بالشّيء فأذن به.
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ: الإعسار الواجب للإنظار هو الإعدام «5» ، أو كساد المتاع ونحوه «6» .
__________
(1) ينظر تفسير الطبري: 6/ 28، وأحكام القرآن للجصاص: 1/ 474، وتفسير البغوي:
1/ 265، وتفسير الفخر الرازي: 7/ 108.
(2) نقل الواحدي في أسباب النزول: 125، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 332 عن عطاء وعكرمة أنهما قالا: «نزلت الآية في العباس بن عبد المطلب، وعثمان بن عفان، وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إذا أنتما أخذتما حظّكما كله، فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟
ففعلا، فلما حل الأجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنهاهما وأنزل الله تعالى هذه الآية، فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما» .
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه: 2/ 889، كتاب الحج، باب «حجة النبي» عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعا: «وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله ... » .
(3) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 98، وتفسير المشكل لمكي: 122، وتحفة الأريب: 53.
(4) جاء في هامش الأصل: «إشارة إلى قراءة بالمد» .
وقرأ بالمد وكسر الذال حمزة، وعاصم في رواية شعبة.
ينظر السبعة: 192، والحجة لأبي علي الفارسي: 2/ 403، والكشف: 1/ 318، والدر المصون: 2/ 639.
قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 98، «ومن قرأ: فآذنوا بحرب أراد: آذنوا غيركم من أصحابكم. يقال: آذنني فأذنت» .
ورجح الطبري في تفسيره: 6/ 24 القراءة الأولى، قراءة قصر الألف وفتح الذال.
(5) الإعدام هنا: شدة الفقر.
(6) قال ابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 246: «فإن قيل: وبم تعلم العسرة؟ قلنا: بأن لا نجد له مالا فإن قال الطالب: خبأ مالا. قلنا للمطلوب: أثبت عدمك ظاهرا ويحلف باطنا، والله يتولى السرائر» .
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 7/ 111: «فأما من له بضاعة كسدت عليه، فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلا ذلك، ويؤديه في الدّين» .
(1/175)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)
282 إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ: ذكر الدّين، إذ يكون تَدايَنْتُمْ: تجازيتم «1» .
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: أي: على إقراره «2» .
وَلا يَبْخَسْ: ليشهد عليه «3» .
أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ: لخرس «4» ، أو صبا، [أو] «5» عته «6» .
أَنْ تَضِلَّ: أن تنسى «7» .
__________
(1) في تفسير الطبري: 6/ 46: «فإن قال قائل: وما وجه قوله: بِدَيْنٍ وقد دل بقوله: إِذا تَدايَنْتُمْ عليه؟ وهل تكون مداينة بغير دين، فاحتيج إلى أن يقال: بدين؟.
قيل: إن العرب لما كان مقولا عندها: «تداينا» بمعنى: تجازينا، وبمعنى: تعاطينا الأخذ والإعطاء بدين أبان الله بقوله «بدين» ، المعنى الذي قصد تعريف من سمع قوله:
تَدايَنْتُمْ حكمه، وأعلمهم أنه حكم الدين دون حكم المجازاة» .
وينظر معاني النحاس: 1/ 314، وأورد البغوي في تفسيره: 1/ 267 نحو قول الطبري، وقال: «وقيل ذكره تأكيدا» .
(2) تفسير الطبري: 6/ 56، وقال الفخر الرازي في تفسيره: 7/ 121: «الكتابة وإن وجب أن يختار لها العالم بكيفية كتب الشروط والسجلات لكن ذلك لا يتم إلا بإملاء من عليه الحق فليدخل في جملة إملائه اعترافه بما عليه من الحق في قدره وجنسه وصفته وأجله إلى غير ذلك ... » .
(3) في تفسير الطبري: 6/ 56، ومعاني الزّجّاج: 1/ 362، وتفسير الفخر الرازي:
7/ 121: «أي: لا ينقص منه شيئا» . وقال القرطبي في تفسيره: 3/ 385: «والبخس النقص» .
(4) ذكره الطبري في تفسيره: 6/ 58، ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 294 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر تفسير البغوي: 1/ 268، وتفسير الفخر الرازي: 7/ 121.
(5) المثبت في النص عن «ك» ، وفي الأصل: «و» .
(6) العته: الجنون.
(7) ينظر معاني الفراء: 1/ 184، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 83، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 99، ومعاني الزجاج: 1/ 363، ومعاني النحاس: 1/ 318، وتفسير الماوردي: 1/ 295. [.....]
(1/176)

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً: تقع وتحدث «1» ، أو تِجارَةً اسم كان وتُدِيرُونَها «2» خبرها.
وَلا يُضَارَّ: لا يجبر على الكتابة والشّهادة «3» ، أو الكاتب والشّهيد لا يضارّان ولا يعدوان الحقّ «4» .
286 إِنْ نَسِينا: تركنا «5» . أَوْ أَخْطَأْنا: أتينا بخطإ، كقولك: أبدعت أتيت ببدعة. خطيء خطأ: تعمد الإثم، وأخطأ: لم يتعمد «6» .
إِصْراً: ثقلا، والعهد والرّحم إصر لأنّ القيام بحقهما ثقيل، والإصر هنا: إثم العقد إذا ضيّعوا «7» .
وفي الحديث «8» : «من بكّر وابتكر ودنا كان له كفلان من الإصر»
__________
(1) تفسير الطبري: 6/ 79، ومعاني الزّجاج: (1/ 365، 366) .
(2) قرأ بالرفع القراء السبعة إلّا عاصما.
ينظر السبعة: 193، والتبصرة لمكي: 166، والتبيان للعكبري: 1/ 231، والدر المصون: 2/ 673.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (6/ 88- 90) عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والضحاك، والسدي. وانظر هذا القول في معاني النحاس: (1/ 323، 324) ، وتفسير الماوردي: 1/ 296.
(4) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: (6/ 85، 86) عن الحسن، وقتادة، وطاوس، وابن زيد.
وقال الطبري رحمه الله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك:
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ، بمعنى ولا يضارهما من استكتب هذا أو استشهد هذا، بأن يأبى على هذا إلا أن يكتب له وهو مشغول بأمر نفسه، ويأبى هذا إلا أن يجيبه إلى الشهادة وهو غير فارغ ... » .
(5) تفسير الطبري: 6/ 133، ومعاني الزجاج: 1/ 370، ونقله النحاس في معانيه: 1/ 332 عن طرب.
(6) معاني النحاس: 1/ 333.
(7) نصّ هذا الكلام في معاني الفراء: 1/ 189، وانظر معاني الزّجّاج: 1/ 370.
(8) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وهكذا ورد في الأصل، ويبدو أنه اعتمد في ضبط اللفظة «دنأ» الهمز، وعليه جرى تفسير المؤلف لهذه اللفظة بمعنى الدناءة، وفي تاج العروس: 1/ 230 عن كتاب المصادر: دنؤ الرجل يدنؤ دنوءا ودناءة إذا كان ماجنا، وعن أبي منصور قال: أهل اللغة: لا يهمزون دنؤ في باب الخسة وإنما يهمزون في باب المجون. اهـ. هكذا فسر الحديث بهذا السياق للحديث.
وقد جاء في نسخة «ج» ما يدل على توجيه آخر وهو المشهور من لفظ الحديث بتفسير الدنو بالقرب ففيها: «من بكر وابتكر ودنا كان له كفلان من الأجر، ومن تأخر ولغا كان له كفلان من الإصر» أي بكر إلى الجمعة وابتكر: سمع أول الخطبة، ولغا أي: هزل، واللاغي: الماجن، كان له كفلان من إثم العقد إذا ضيعه للغوه.
ينظر هذا الحديث في مسند الإمام أحمد: 2/ 209، وسنن ابن ماجة: 1/ 346، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة، وسنن الترمذي: 2/ 368، أبواب الصلاة، باب ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة.
وانظر: في معنى الدنو بمعنى القرب في تاج العروس: 10/ 131 (دنا) .
(1/177)

[17/ أ] / أي: بكّر إلى الجمعة، وابتكر: سمع أول الخطبة، ودنا: هزل، والدّنيّ:
الماجن «1» . كان له كفلان من إثم العقد إذا ضيّعه للغوه.
__________
(1) الصحاح: 6/ 2342، واللسان: 14/ 274 (دنا) .
(1/178)

الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)
ومن سورة آل عمران
1 الم: فتحت الميم لالتقاء الساكنين «1» ، أو طرحت فتحة الهمزة عليها «2» .
2 الْقَيُّومُ: فيعول من قام «3» : وهو القائم بالقسط، والقائم على كل نفس بما كسبت.
3 نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ: بالتشديد لتكرير تنزيل القرآن.
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ: بالتخفيف، لأنهما أنزلا دفعة.
وأعاد ذكر الفرقان «4» وهو الكتاب لزيادة فائدة الفرق بين الحق والباطل.
7 مُحْكَماتٌ: المحكم ما يبيّن واتفق تفسيره فيقطع على مراد بعينه.
__________
(1) هذا قول سيبويه في الكتاب: 2/ 275.
ونقله الزجاج في معانيه: 1/ 373 عن بعض البصريين. وانظر إعراب النحاس: 1/ 353، ومشكل الإعراب لمكي: 1/ 148، والتبيان للعكبري: 1/ 235.
قال السمين الحلبي في الدر المصون: 3/ 6: «وهو مذهب سيبويه وجمهور الناس فإن قيل: أصل التقاء الساكنين الكسر فلم عدل عنه؟ فالجواب أنهم لو كسروا لكان ذلك مفضيا إلى ترقيق لام الجلالة والمقصود تفخيمها للتعظيم فأوثر الفتح لذلك. وأيضا فقبل الميم ياء وهي أخت الكسرة، وأيضا فقبل هذه الياء كسرة فلو كسرنا الميم الأخيرة لالتقاء الساكنين لتوالى ثلاثة متجانسات فحرّكوها بالفتح كما حركوا في نحو «من الله» .
(2) معاني الزجاج: 1/ 373 عن بعض البصريين، وقال: «وهذا أيضا قول الكوفيين» .
(3) معاني الفراء: 1/ 190، وقال الأخفش في معانيه: 1/ 394: فإن «القيوم» : الفيعول، ولكن الياء إذا كانت قبل واو متحركة قلبت الواو ياء، وأصله القيووم ... » .
(4) في قوله تعالى: مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ ... [آل عمران: 4] .
(1/179)

وقيل «1» : ما يعلم على التفصيل والوقت والمقدار.
والمتشابه بخلافه مثل: وقت الساعة وأشراطها، ومعرفة الصغائر بأعيانها «2» . فالوقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ «3» . ومن وقف على «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» ، كان يَقُولُونَ في موضع الحال «4» ، أي يعلمون تأويله «5» قائلين: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا.
__________
(1) ذكر النحاس في معانيه (1/ 344- 348) أقوالا كثيرة في المراد ب «المحكم» ثم قال:
«وأجمع هذه الأقوال أن المحكم ما كان قائما بنفسه لا يحتاج إلى استدلال، والمتشابه ما لم يقم بنفسه، واحتاج إلى استدلال» .
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: (3/ 16، 17) : «المحكمات: المفصلات المبينات الثابتات الأحكام، والمتشابهات هي التي فيها نظر وتحتاج إلى تأويل ويظهر فيها ببادئ النظر إما تعارض مع أخرى أو مع العقل إلى غير ذلك من أنواع التشابه، فهذا الشبه الذي من أجله توصف بمتشابهات، إنما هو بينها وبين المعاني الفاسدة التي يظنها أهل الزيغ ومن لم يمعن النظر وهذا نحو الحديث الصحيح عن النبي عليه السلام: «الحلال بين الحرام بين، وبينهما أمور متشابهات» أي يكون الشيء حراما في نفسه فيشبه عند من لم يمعن النظر شيئا حلالا، وكذلك الآية يكون لها في نفسها معنى صحيح فتشبه عند من لم يمعن النظر أو عند الزائغ معنى آخر فاسدا فربما أراد الاعتراض به على كتاب الله، هذا عندي معنى الإحكام والتشابه في هذه الآية ... » . [.....]
(2) ذكره الطبري في تفسيره: (6/ 179، 180) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
قال الطبري- رحمه الله-: «وهذا القول ذكرناه عن جابر بن عبد الله أشبه بتأويل الآية ... » .
وانظر هذا القول في تفسير الماوردي: 1/ 305، وتفسير البغوي: 1/ 279، والمحرر الوجيز: 3/ 19.
(3) اختاره الفراء في معانيه: 1/ 191، وعزاه النحاس في معاني القرآن: 1/ 351 إلى الكسائي والأخفش، والفراء، وأبي عبيد، وأبي حاتم الرازي.
(4) التبيان للعكبري: 1/ 239، والبحر المحيط: 2/ 384، والدر المصون: 3/ 29.
(5) أورد النحاس في معانيه: 1/ 354 هذا القول والذي قبله ثم قال: «والقول الأول وإن كان حسنا فهذا أبين منه، لأن واو العطف الأولى بها أن تدخل الثاني، فيما دخل فيه الأول، حتى يقع دليل بخلافه. وقد مدح الله عز وجل الراسخين بثباتهم في العلم، فدخل على أنهم يعلمون تأويله ... » واختاره مكي في مشكل إعراب القرآن: 1/ 149 فقال: «عطف على اسم «الله» جل ذكره فهم يعلمون المتشابه، ولذلك وصفهم الله تعالى بالرسوخ في العلم.
ولو كانوا جهالا بمعرفة المتشابه لما وصفوا بالرسوخ في العلم ... » .
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: (3/ 25، 26) : «وهذه المسألة إذا تؤملت قرب الخلاف فيها من الاتفاق، وذلك أن الله تعالى قسم آي الكتاب قسمين: محكما ومتشابها، فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب لا يحتاج فيه إلى نظر ولا يتعلق به شيء يلبس، ويستوي في علمه الراسخ وغيره، والمتشابه يتنوع، فمنه ما لا يعلم ألبتة، كأمر الروح، وآماد المغيبات التي قد أعلم الله بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه ما يحمل على وجوه اللّغة ومناح في كلام العرب، فيتأول تأويله المستقيم، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق به من تأويل غير مستقيم كقوله في عيسى رُوحٌ مِنْهُ إلى غير ذلك، ولا يسمّى أحد راسخا إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له، وإلا فمن لا يعلم سوى المحكم فليس يسمى راسخا، وقوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عائد على جميع متشابه القرآن ... » .
(1/180)

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)
وأصل المتشابه «1» : أن يشبه اللّفظ اللفظ والمعنيان مختلفان، كقوله «2» : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً، ومن المتشابه المشكل أي: دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله. وكأنّ المحكم أمّ الكتاب لأنّه كالأصل في استخراج علم المتشابه منه، وذلك كالاستواء في المتشابه يكون بمعنى الجلوس، وبمعنى القدرة والاستيلاء.
والأول لا يجوز على الله بدليل المحكم وهو قوله «3» : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
والحكمة في المتشابه البعث على النظر لئلا يهمل العقل «4» .
8 لا تُزِغْ قُلُوبَنا: لا تملها عن القصد والهدى «5» .
__________
(1) نص هذا الكلام في تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: 101.
وانظر تفسير الطبري: 6/ 173، ومعاني النحاس: 1/ 346.
(2) سورة البقرة: آية: 25.
(3) سورة الشورى: آية: 11.
(4) قال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: 86: «ولو كان القرآن كلّه ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل، لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر، ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة» .
(5) معاني الزجاج: 1/ 379، وفيه أيضا: أي لا تضلنا بعد إذ هديتنا، وقيل أيضا:
لا تُزِغْ قُلُوبَنا لا تتعبدنا بما يكون سببا لزيغ قلوبنا وكلاهما جيد» .
(1/181)

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)
11 كَدَأْبِ موضع الكاف رفع في موضع خبر الابتداء، أي: دأبهم مثل دأب «1» . ولا يجوز نصبا «2» ب كَفَرُوا لأن كَفَرُوا في صلة الَّذِينَ والكاف خارجة عن الصّلة فلا يعمل فيها ما في الصّلة.
12 سَتُغْلَبُونَ: أي: قل لهم: ستغلبون، والياء «3» بلّغهم بأنهم سيغلبون.
[17/ ب] 13 يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ: قصّة بدر، وكان المسلمون ثلاثمائة/ وبضعة عشر رجلا «4» ، والمشركون زهاء ألف، فقللهم الله في أعين المسلمين لتثبيت قلوبهم.
14 زُيِّنَ لِلنَّاسِ: الله زيّنها للابتلاء «5» ، وقد زهّد فيها بأن أرى زوالها.
__________
(1) وهو قول الزجاج في معانيه: 1/ 380، والنحاس في معاني القرآن: 1/ 360، وانظر الكشاف: 1/ 414، والمحرر الوجيز: 3/ 32، وتفسير القرطبي: 4/ 23، والدر المصون:
3/ 37.
(2) قال بالنصب الفراء في معانيه: 1/ 191، وردّه الزجاج في معاني القرآن: 1/ 380، ومكي في مشكل إعراب القرآن: 1/ 150، والسمين الحلبي في الدر المصون: 3/ 37.
(3) جاء في هامش الأصل: «أي قراءة الياء: بلغهم إلخ» اهـ.
وهي قراءة حمزة والكسائي. كما في السبعة لابن مجاهد: 202، والكشف لمكي:
1/ 335.
(4) صحيح البخاري: 5/ 5، كتاب المغازي، باب «عدة أصحاب بدر» ، تفسير الطبري:
5/ 346، وتاريخه: 2/ 433.
(5) ذكر هذا المعنى الزجاج في معانيه: 1/ 383.
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 40: «اختلف الناس من المزين؟ فقالت فرقة: الله زين ذلك وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه قال لما نزلت هذه الآية: قلت الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ.
وقالت فرقة: المزين هو الشيطان، وهذا ظاهر قول الحسن بن أبي الحسن ...
وإذا قيل زين الله، فمعناه بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا قيل زين الشيطان فمعناه بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها.
والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين ولا يختلف مع هذا النظر ... » . [.....]
(1/182)

والقنطار من الدينار ملء مسك ثور «1» . وقيل «2» : ألف مثقال.
والمقنطرة: المضاعفة «3» . وقيل «4» : المعدّة المنضّدة على قياس الدنانير المدنّرة. وفي الحديث «5» «جاء الإسلام وبمكة مائة رجل كلّهم قد قنطر» ، أي:
صار لهم قنطار من المال.
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 6/ 248 عن أبي نضرة، ونقله الماوردي في تفسيره:
1/ 310، وابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 42 عن أبي نضرة أيضا.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 115 (تفسير سورة آل عمران) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 162 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد والبيهقي عن أبي سعيد الخدري.
والمسك: بفتح الميم وسكون السين: الجلد.
اللسان: 10/ 486 (مسك) .
(2) ذكره ابن قتيبة في تفسير الغريب: 102، ومكي في تفسير المشكل: 125 دون عزو، ونقل ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 359 عن الكلبي أن القنطار ألف مثقال من ذهب أو فضة.
وقال ابن سيده في المحكم: 6/ 385: «وهو بلغة بربر ألف مثقال من ذهب أو فضة» وأورد الطبري رحمه الله في تفسيره: (6/ 244- 249) الأقوال التي قيلت في تحديد «القنطار» ثم قال: «وقد ذكر أهل العلم بكلام العرب: أن العرب لا تحد القنطار بمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول: هو قدر وزن ... وقد ينبغي أن يكون ذلك كذلك، لأن ذلك لو كان محددا قدره عندها، لم يكن بين متقدمي أهل التأويل فيه كل هذا الاختلاف.
فالصواب في ذلك أن يقال: هو المال الكثير، كما قال الربيع بن أنس، ولا يحدّ قدر وزنه بحدّ على تعسّف ... » .
وقال الزجاج في معانيه: 1/ 383: «ومعنى القناطير» عند العرب الشيء الكثير من المال وهو جمع قنطار.
(3) معاني الفراء: 1/ 195، وتفسير الطبري: 6/ 349، ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 310، عن قتادة.
وانظر تفسير البغوي: 1/ 284، والمحرر الوجيز: 3/ 43.
(4) أخرج نحوه الطبري في تفسيره: 6/ 250 عن السدي. وذكره الماوردي في تفسيره:
1/ 310.
(5) ذكره البغوي في تفسيره: 1/ 284 وعزاه إلى سعيد بن جبير، وعكرمة وأورده الزمخشري في الكشاف: 1/ 416 دون عزو.
(1/183)

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)
والمسوّمة: المعلّمة «1» ، وقيل «2» : السّائمة الراتعة.
18 شَهِدَ اللَّهُ: قضى الله «3» ، وقيل «4» : قال الله، بلغة قيس عيلان، أو «5» شهادة الله: إخبار، وشهادتنا: إقرار.
أو شهادة الله: خلقه العالم فمشاهدة آثار الصّنعة شهادة على صانعها الحكيم.
قائِماً بِالْقِسْطِ: على الحال من اسم الله، أي: ثبت تقديره واستقام تدبيره بالعدل، ونظير هذه الحال مما يؤكّد الأول: هو زيد معروفا، وهو الحقّ مصدّقا.
19 إِنَّ الدِّينَ: بالكسر على الاستئناف «6» ، وبالنصب «7» على البدل من أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ.
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 6/ 254 عن ابن عباس، وقتادة. ورجحه الطبري ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 311 عن ابن عباس وقتادة أيضا.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: 6/ 252 عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والربيع بن أنس، ومجاهد.
قال الطبري: «وأما من تأوله بمعنى: الراعية، فإنه ذهب إلى قول القائل، أسمت الماشية فأنا أسيمها أسامة» إذا رعيتها الكلأ والعشب ... » .
وقد حسّن الزجاج هذا القول في معاني القرآن: 1/ 384.
(3) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 89، وقد رده الطبري في تفسيره: 6/ 272 بقوله:
«فأما ما قال الذي وصفنا قوله: من أنه عني بقوله: شَهِدَ، قضى. فمما لا يعرف في لغة العرب ولا العجم، لأن «الشهادة» معنى، والقضاء غيرها» .
(4) لغات القبائل الواردة في القرآن: (64، 65) .
وانظر البحر المحيط: 2/ 402، والدر المصون: 3/ 74، واللسان: 3/ 239 (شهد) .
(5) في «ج» : إذ.
(6) معاني الفراء: 1/ 200، واختاره الطبري في تفسيره: 6/ 268. وقال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 386: «والأكثر على فتح أَنَّهُ وكسر إِنَّ الدِّينَ.
(7) قراءة النصب الكسائي كما في معاني الفراء: 1/ 200، والسّبعة لابن مجاهد: (202، 203) ، والكشف لمكي: 1/ 338، والدر المصون: 3/ 83.
(1/184)

وحكى غالب بن [خطاف] «1» القطان عن الأعمش «2» أنه تهجد ليلة فمر بهذه الآية فقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة.
ثم حدّث «3» عن أبي وائل «4» عن عبد الله «5» عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
«يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى: عهد إليّ عبدي وأنا أحق من وفّى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنّة» «6» .
__________
(1) في الأصل: غالب بن داور القطان، والمثبت في النص عن «ك» وعن المصادر التي أوردت هذا الأثر وهو غالب بن خطّاف القطان. قال الحافظ في التقريب: 442: وهو ابن أبي غيلان القطان، أبو سليمان البصري «صدوق من السادسة» .
وقال عنه الحافظ الذهبي في المغني: 2/ 92: «ثقة مشهور، سمع الحسن. ذكر ابن الجوزي حديثا لغالب بن خطاف القطان عن الأعمش في شَهِدَ اللَّهُ قال: وهو معضل.
وقال ابن عدي: الضعف على حديثه بين. وقال أحمد بن حنبل: ثقة ثقة.
قال الذهبي: قلت لعل الذي ضعفه ابن عدي غالب آخر فيتأمل ذلك» .
ونقل القرطبي في تفسيره: 4/ 42 قول ابن الجوزي. وتوثيق أحمد بن حنبل ويحيى بن معين لغالب. ثم قال: «يكفيك من عدالته وثقته أن خرّج له البخاري ومسلم في كتابيهما، وحسبك» .
(2) هو سليمان بن مهران الأسدي الكوفي، الإمام الحافظ المشهور.
ترجمته في: تذكرة الحفاظ: 1/ 154، وسير أعلام النبلاء: 6/ 226، وتقريب التهذيب:
254. [.....]
(3) أي الأعمش.
(4) هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي. أدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يره، قال عنه الحافظ في التقريب:
268: «ثقة، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة» .
وانظر ترجمته في وفيات الأعيان: 2/ 476، وسير أعلام النبلاء: 4/ 161، وطبقات الحفاظ: 20.
(5) هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(6) أخرجه ابن عدي في الكامل: (5/ 1693، 1694) ، والطبراني في الكبير: 10/ 245، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 464، 465) ، باب في تعظيم القرآن، فصل في فضائل السور والآيات، وضعفه.
وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد: 7/ 193، والبغوي في تفسيره: (1/ 286، 287) ، كلهم من طريق عمر بن المختار وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: (6/ 328، 329) ، وقال: «رواه الطبراني وفيه عمر بن المختار، وهو ضعيف» .
وضعف المناوي في الفتح السماوي: 1/ 374 سند هذا الحديث. وعمر بن المختار متهم بالوضع.
ينظر ميزان الاعتدال: 3/ 223، ولسان الميزان: 4/ 329.
(1/185)

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)
بَغْياً بَيْنَهُمْ: مفعول للاختلاف «1» ، أو مصدر فعل محذوف، أي:
بغوا بينهم بغيا «2» .
25 فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ: أي: كيف حالهم.
26 اللَّهُمَّ: الميم بدل من ياء النّداء، ولهذا لا يجمع بينهما «3» .
27 بِغَيْرِ حِسابٍ: إذ المحسوب يقال للقليل.
29 يَعْلَمْهُ: مجزوم بالشرط، وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ: مرفوع على الاستئناف «4» .
30 وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ: لتحقيق الاختصاص كتحقيقه بالصفة «5» لو
__________
(1) مشكل إعراب القرآن: 1/ 152، والتبيان للعكبري: 1/ 248، والدر المصون: 3/ 90.
(2) هذا قول الزجاج في معانيه: 1/ 387، وانظر الدر المصون: 3/ 90.
(3) هذا مذهب البصريين ودليلهم عدم الجمع بينهما.
ينظر الإنصاف لابن الأنباري: 1/ 343.
والكوفيون لا يعتبرون الميم عوضا عن الياء، وقال السمين الحلبي في الدر المصون:
3/ 97: «وهذا خاص بالاسم الشريف فلا يجوز تعويض الميم من حرف النداء في غيره إلا في ضرورة ... » . ونقل الزجاج في معاني القرآن: 1/ 394 عن الخليل وسيبويه- وجميع النحويين الموثوق بعلمهم- أن «اللهم» بمعنى يا الله، وأن الميم المشددة عوض من «يا» لأنهم لم يجدوا ياء مع هذا الميم في كلمة، ووجدوا اسم الله جل وعز مستعملا ب «يا» وإذا لم يذكر الميم. فعلموا أن الميم من آخر الكلمة بمنزلة «ياء» في أولها والضمة التي في أولها ضمة الاسم المنادى في المفرد، والميم مفتوحة لسكونها وسكون الميم التي قبلها ... » .
(4) معاني الفراء: 1/ 306، والتبيان للعكبري: 1/ 252.
وقال السمين الحلبي في الدر المصون: (2/ 113، 114) : «ويعلم: مستأنف، وليس منسوقا على جواب الشرط، وذلك أن علمه بما في السموات وما في الأرض غير متوقف على شرط فلذلك جيء به مستأنفا، وفي قوله: وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من باب ذكر العام بعد الخاص وهو ما فِي صُدُورِكُمْ.
(5) جاء في هامش الأصل: «في التذكرة يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ معناه: يحذركم الله منه إلا أن فعل الفاعل لا يوقع على نفسه، لا تقول: حذرتكني ولا أحذرك إياي، ولكن أحذرك نفسي. ونفس الشيء الشيء بعينه في هذا الموضع كقوله تعالى في حكاية كلام عيسى:
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ اهـ.
(1/186)

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)
قيل: حذّركم «1» الله المجازى لكم.
31 تُحِبُّونَ اللَّهَ: تقصدون طاعته. والمحبة من الله العفو والإنعام، ومن العبد/ الطاعة والرضا «2» . [18/ أ]
33 آلَ إِبْراهِيمَ: أهل دينه من كلّ حنيف مسلم «3» .
آلَ عِمْرانَ: موسى وهارون «4» .
34 ذُرِّيَّةً: نصبها على البدل من آلَ إِبْراهِيمَ»
، ويجوز حالا «6» .
وأصلها من ذرا الله الخلق «7» ، أو ذرر من الذرّ كما في الخبر «8» أنّ الخلق
__________
(1) في «ج» : أحذركم.
(2) هذا النص- بمعناه- في معاني الزجاج: 1/ 397. وانظر معاني النحاس: 1/ 384.
(3) ذكر ابن الجوزي هذا القول في زاد المسير: 1/ 374 وعزاه إلى ابن عباس والحسن.
(4) على هذا القول يكون عمران- هنا- ابن يصهر بن قاهث. وهو قول مقاتل كما في تفسير البغوي: 1/ 294، وزاد المسير: 1/ 375، والبحر المحيط: 2/ 434.
قال ابن عسكر في التكميل والإتمام: (17 أ- 17 ب) : «واحتج صاحب هذا القول بأن إبراهيم- عليه السلام- يقرن بموسى في القرآن كثيرا. وذكر بعضهم أن عمران هنا هو ابن ماثان، كما ذكره الشيخ أبو زيد (السهيلي في التعريف والإعلام: 32) ، فآله على هذا مريم وعيسى عليهما السلام. وبين عمران والد موسى وعمران والد مريم ألف وثمانمائة سنة.
والظاهر- والله أعلم- أن عمران في قوله: وَآلَ عِمْرانَ هو ابن ماثان والد مريم كما ذكره الشيخ، بدليل قوله تعالى: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ وهي أم مريم ... فبالإشارة إلى عمران المتقدم، دل على أن الأول هو الثاني ... » .
وانظر المعارف لابن قتيبة: 52، وتاريخ الطبري: 1/ 585، والمحرر الوجيز: 3/ 83، والبحر المحيط: 2/ 434، وتفسير ابن كثير: 2/ 26.
(5) الكشاف: 1/ 424، والبحر المحيط: 2/ 435، والدر المصون: 3/ 129. [.....]
(6) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 207، والأخفش في معاني القرآن: 1/ 200. وانظر معاني الزجاج: 1/ 399، والتبيان للعكبري: 1/ 253، والدر المصون: 3/ 129.
(7) معاني الزجاج: (1/ 399، 400) ، وزاد المسير: 1/ 375.
(8) أخرج الإمام أحمد في مسنده: 1/ 172، والحاكم في المستدرك: 2/ 544، والبيهقي في الأسماء والصفات: 2/ 58 عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا إلى قوله: الْمُبْطِلُونَ.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(1/187)

إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
من الذرّ، أو ذرو، أو ذري من ذروت الحبّ وذرّيته «1» كقوله «2» : تَذْرُوهُ الرِّياحُ.
35 مُحَرَّراً: مخلصا على عاداتهم «3» للتبتّل وحبس الأولاد على العبادة في بيت المقدس «4» ، أو عتيقا من أمر الدنيا للتّخلّي بالعبادة «5» .
37 وَأَنْبَتَها نَباتاً: أي: أنبتها فنبتت نباتا حسنا «6» .
وَكَفَّلَها: قبلها وقام بأمرها، وفي الحديث «7» : الرّابّ كافل» ، وهو زوج أمّ اليتيم، وبالتثقيل «8» أمر بتكفّلها.
__________
(1) في اللسان: 4/ 303 (ذرر) : ذررت الحبّ ... أذره ذرا: فرقته» .
(2) سورة الكهف: آية: 45.
(3) في «ج» : عادتهم.
(4) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 103، وتفسير الطبري: 6/ 329، ومعاني الزجاج:
1/ 401.
(5) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 90، وأخرج الطبري في تفسيره: 6/ 331 عن مجاهد قال:
«خالصا لا يخالطه شيء من أمر الدنيا» .
قال النحاس في معاني القرآن: 1/ 386: «وهذا معروف في اللغة، أن يقال لكل ما خلص: حر ومحرر بمعناه» .
وقال القرطبي في تفسيره: 4/ 66: «مأخوذ من الحرية التي هي ضد العبودية من هذا تحرير الكتاب، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد ... » .
وانظر تفسير المشكل لمكي: 127، والمحرر الوجيز: 3/ 86.
(6) عن معاني القرآن للزجاج: 1/ 402، قال الزجاج: «أي جعل نشوءها نشوءا حسنا ... » .
(7) الحديث في الفائق: 3/ 272، وغريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 297، والنهاية:
4/ 192.
(8) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي كما في السبعة لابن مجاهد: (204، 205) ، والكشف لمكي: 1/ 341.
ورجح الطبري هذه القراءة في تفسيره: 6/ 345.
قال السمين الحلبي في الدر المصون: 3/ 142: «وأما قراءة بقية السبعة فكفل مخفف عندهم متعد لواحد وهو ضمير مريم، وفاعله «زكريا» ولا مخالفة بين القراءتين لأن الله لما كفّلها إياه كفلها ... » .
(1/188)

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)
والمحراب: أعلى موضع في المجلس «1» ، وفي الحديث «2» : «أنه كان يكره المحاريب» ، أي: لم يكن يترفع.
38 هُنالِكَ عند ذلك «3» ، وهناك ظرف مكان، وباللّام يصير ظرف زمان لأنّ اللام للتعريف، والزمان أدخل في التعريف.
39 يُبَشِّرُكَ: من البشارة «4» ، وبالتخفيف «5» من بشرته أبشره إذا فرّحته.
بِكَلِمَةٍ: بعيسى لأنه كان بكلام الله كُنْ «6» ، ولم يكن من أب، أو كان يهتدى به كما بكلمات الله «7» ، أو الله تكلّم في التوراة بولادته
__________
(1) قال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 403: «والمحراب في اللغة الموضع العالي الشريف» وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 91: «المحراب: سيد المجالس ومقدّمها وأشرفها وكذلك هو من المساجد» .
وانظر تفسير الطبري: 6/ 357، ومعاني النحاس: 1/ 388، والنهاية لابن الأثير:
1/ 359.
(2) الحديث بهذا اللّفظ في النهاية: 1/ 359.
وفي غريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 199: «وكان أنس يكره المحاريب» أي لم يكن يحب الترفع عن الناس.
(3) تفسير الطبري: 6/ 359، وقال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 404: «والمعنى في ذلك المكان من الزمان ومن الحال دعا زكريا ربه ... » . [.....]
(4) تفسير الطبري: 6/ 368.
(5) «يبشرك» بضم الياء وكسر الشين وتخفيفها.
هي قراءة حميد بن قيس كما في تفسير الطبري: 6/ 369، والبحر المحيط: 2/ 447.
(6) إشارة إلى قوله تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة مريم: 34، 35] .
وانظر هذا التعليل الذي ذكره المؤلف في معاني النحاس: 1/ 391، وتفسير البغوي:
1/ 299 وقد أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 6/ 411 عن قتادة، وانظر تفسير ابن كثير: 2/ 34.
(7) معاني النحاس: 1/ 392، وتفسير الماوردي: 1/ 320، وتفسير البغوي: 1/ 299.
(1/189)

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)
من العذراء البتول «1» .
والحصور: الممنوع عن إتيان النساء «فعول» بمعنى «مفعول» : كناقة حلوب، وطريق ركوب «2» ، ويقال للملك: حصير «3» لأنّه محجوب عن النّاس فهو محصور.
40 أَنَّى: يكون على التعجب لا التشكك استعظاما للقدرة على نقض العادة «4» ، أو هو سؤال حاله من الولد، أيردّ إلى الشّباب وامرأته ولودا، فقال كَذلِكَ: أي على حالكما في العقم والكبر «5» .
41 رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً: علامة لوقت الحمل لتعجّل السّرور به «6» ،
__________
(1) ذكر البغوي نحو هذا القول في تفسيره: 1/ 299، وأضاف المؤلف في وضح البرهان:
1/ 240: «وأنه يكلم في المهد ويحيي الموتى» .
(2) معاني الفراء: 1/ 213، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 92، وتفسير الطبري: (6/ 376- 380) ، واللسان: 4/ 194 (حصر) .
وأورد الفخر الرازي هذا القول في تفسيره: 8/ 40، ثم قال: «وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان، وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثوابا ولا تعظيما.
والقول الثاني- وهو اختيار المحققين- أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب، والظلوم، والغشوم، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضى قائما، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين، وإلا لما كان حاصرا لنفسه فضلا عن أن يكون حصورا، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة، وعلى هذا «الحصور» بمعنى الحاصر، فعول بمعنى فاعل» اهـ.
(3) أساس البلاغة: 1/ 177 (حصر) .
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 321 دون عزو، وانظر تفسير ابن كثير: 2/ 31.
(5) معاني الزجاج: 1/ 408، معاني النحاس: (1/ 395، 396) ، ونقله الماوردي في تفسيره:
1/ 321، والبغوي في تفسيره: 1/ 300، عن الحسن.
ونسبه ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 384 إلى الحسن، وابن الأنباري، وابن كيسان.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 106: «وهذا تأويل حسن يليق بزكريا عليه السلام» .
(6) معاني الزجاج: 1/ 409، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 108: «سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى» .
(1/190)

فمنع كلام النّاس ولم يمنع ذكر الله «1» .
والرّمز: الإيماء الخفيّ «2» .
وإنّما ألقوا الأقلام «3» وضربوا عليها بالقداح تفاديا عنها «4» لأنّ السّنين «5» ألحّت عليهم. وقيل «6» : بل تنافسوا في كفالتها مقترعين فقرعهم زكريا.
وسمّي بالمسيح «7» لأنه مسح بالتبرك «8» ، أو مسحه إيلياء/ بالدّهن، [18/ ب] «فعيل» بمعنى «مفعول» «9» كالصّريع والجريح، وقيل ما مسح ذا عاهة إلّا برأ «10» بمعنى «الفاعل» كالرّحيم والعليم.
__________
(1) بدليل قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ وسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ.
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 105، وقال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 409: «والرمز في اللّغة كل ما أشرت به إلى بيان بلفظ، أي بأي شيء أشرت، أبفم أم بيد أم بعينين.
والرمز والترمز في اللّغة الحركة والتحرّك» .
وفي اللسان: 5/ 356 (رمز) : «الرّمز: تصويت خفي باللسان كالهمس، ويكون تحريك الشفتين بكلام غير مفهوم باللّفظ من غير إبانة بصوت إنما هو إشارة بالشفتين ... » .
(3) إشارة إلى قوله تعالى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آية: 44] .
والأقلام: السهام قال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 411: «وإنما قيل للسّهم القلم لأنه يقلم أي يبرى وكل ما قطعت منه شيئا بعد شيء فقد قلمته ... » .
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 323 عن سعيد. [.....]
(5) المراد ب «السنين» هنا شدّة الجدب والقحط.
(6) أخرجه الطبري في تفسيره: (6/ 408، 409) عن مجاهد، وقتادة، والضحاك.
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 323 عن ابن عباس، وعكرمة، والحسن، والربيع.
(7) من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [آية: 45] .
(8) أشار ناسخ الأصل إلى نسخة أخرى ورد فيها: بالبركة. وكذا ورد في تفسير الطبري:
6/ 414 عن سعيد، وفي تفسير الماوردي: 1/ 324، وزاد المسير: 1/ 389 عن الحسن وسعيد بن جبير.
(9) تفسير الطبري: 6/ 414، وفيه: «يعني مسحه الله فطهره من الذنوب» .
(10) نقله البغوي في تفسيره: 1/ 302، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 389، والقرطبي في تفسيره: 4/ 89 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر المحرر الوجيز: 3/ 119، وتفسير ابن كثير: 2/ 34.
(1/191)

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
وقيل: هو المصدّق، أي: صدّقه الحواريون بمعنى المفعّل كالوكيل والوليد.
وإخبار الملائكة بكلامه كهلا «1» دليل على أنّه يبلغ الكهولة وهذا علم الغيب، وفيه أيضا ردّ على النّصارى، لأنّ من تختلف أحواله لا يكون إلها.
وموضع وَيُكَلِّمُ نصب بالعطف على وَجِيهاً أي: وجيها:
ومكلما كهلا ورسولا.
52 مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ: أي لله «2» ، أو مع نصرة الله بتقدير: من ينضاف نصره إلى الله «3» ، وإلّا فلا يجوز سرت إليه وأنت تريد معه.
والحواريّون: القصّارون لتحويرهم وتبييضهم الثياب «4» ، والحواريات: النساء اللّائي ينزلن الأمصار «5» .
53 مَعَ الشَّاهِدِينَ: [مع] «6» الذين شهدوا بتصديق الأنبياء.
54 وَمَكَرَ اللَّهُ: على مزاوجة الكلام «7» ، أو هو على تمام معنى المكر
__________
(1) من قوله تعالى: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [آية: 46] .
(2) ذكره السّمين الحلبي في الدر المصون: 3/ 208، وقال: «كقوله: يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ:
أي: للحق، كذا قدّره الفارسي» .
(3) معاني النحاس: 1/ 405، وتفسير القرطبي: 4/ 97، والدر المصون: (3/ 207، 208) .
(4) تفسير الطبري: 6/ 450، ومعاني الزجاج: 1/ 417، ومعاني النحاس: 1/ 406، وقال الراغب في المفردات: 135: «حوّرت الشيء بيضته ودوّرته، ومنه الخبز الحوّار.
والحواريّون أنصار عيسى صلّى الله عليه وسلّم، وقيل: كانوا قصارين ... » .
(5) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 95، ومعاني الزجاج: 1/ 417، وقال الزمخشري في الكشاف: 1/ 432 «ومنه قيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن» .
(6) عن نسخة «ج» .
(7) قال الماوردي في تفسيره: 1/ 325: «وإنما جاز قوله: وَمَكَرَ اللَّهُ على مزاوجة الكلام وإن خرج عن حكمه، نحو قوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وليس الثاني اعتداء. وأصل المكر: الالتفاف، ولذلك سمي الشجر الملتف ماكرا والمكر هو الاحتيال على الإنسان لالتفاف المكروه به، والفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من غير قصد إلى الإضرار، والمكر: «التوصل إلى إيقاع المكروه به» .
وقال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 419: «المكر من الخلائق خبّ وخداع، والمكر من الله المجازاة على ذلك، فسمى باسم ذلك لأنه مجازاة عليه كما قال عز وجل: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ فجعل مجازاتهم على الاستهزاء بالعذاب، لفظه لفظ الاستهزاء.
وكما قال جل وعز: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فالأولى سيئة والمجازاة عليها سميت باسمها، وليست في الحقيقة سيئة.
(1/192)

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
منا من إرادة ضرر الممكور به بتدبير خفيّ، وكانوا أرادوا قتل نبيهم فقتل الله صاحبهم تطيانوس «1» .
55 مُتَوَفِّيكَ: قابضك برفعك إلى السماء «2» .
توفّيت منه حقي: تسلمته [وافيا] «3» ، وإضافة الرّفع إليه للتفخيم كقول إبراهيم حين ذهب من العراق إلى الشام إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي «4» .
61 تَعالَوْا: تقدموا لأنّ التقدّم تعال «5» ، وقولك: قدّمته إلى الحاكم
__________
(1) هذا من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما كما ذكره البغوي في تفسيره: 1/ 307، والفخر الرازي في تفسيره: 11/ 102، وفي تفسير الطبري: 9/ 372 عن ابن إسحاق أنه كان أحد حواري عيسى عليه السلام وأنّ اسمه «سرجس» . وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1701 (سورة النساء) عن ابن عباس رضي الله عنهما دون ذكر اسم الحواري- وفيه أن عيسى عليه السلام- قال: «أيكم يلقى عليه شبهي. فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ... » . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 2/ 401: «وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية بنحوه. وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقي عليه شبهي، فيقتل مكاني، وهو رفيقي في الجنة» .
وانظر المحرر الوجيز: 4/ 284، والدر المنثور: (2/ 727، 728) . [.....]
(2) هذا على أنه قبض من الأرض بغير موت، وقد رجحه الطبري في تفسيره: 6/ 458 وقال:
«لتواتر الأخبار عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدة ذكرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه» .
(3) عن نسخة «ج» .
(4) سورة الصافات: آية: 99.
(5) قال المؤلف رحمه الله في كتابه وضح البرهان: 1/ 245: «تعالوا أصله «تعاليوا» فسقطت الياء تخفيفا وبقيت الواو علامة للجمع ... » .
(1/193)

إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)
كقولك: ترافعنا إليه.
نَبْتَهِلْ: نلتعن «1» ، وفي حديث أبي بكر «2» : «من ولى من أمر النّاس شيئا فلم يعطهم كتاب الله فعليه بهلة الله» .
وقيل: نخلص في الدعاء على الكاذب، فامتنع المحاجّون عن المباهلة، وهم نصارى نجران «3» .
62 إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ: الْحَقُّ خبر «هذا القصص» ، ولَهُوَ عطف بيان لتقرير المعنى «4» .
66 حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ: فيما في كتابكم من نبوّة محمد «5» .
فَلِمَ تُحَاجُّونَ: فيما ليس فيه من دين إبراهيم أنه كان يهوديا.
72 وَجْهَ النَّهارِ: أوله «6» ، وكان- عليه السّلام- يصلّي إلى بيت [19/ أ] المقدس في أوّل مقدمه المدينة، ثم صرفه الله إلى الكعبة آخر النّهار «7» /.
__________
(1) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 96، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 106، وتفسير الطبري: 6/ 474، ومفردات الراغب: 63، واللسان: 11/ 72 (بهل) .
(2) أورده ابن الجوزي في غريب الحديث: 1/ 93، وابن الأثير في النهاية: 1/ 167 و «بهلة الله» أي: لعنة الله وتضم باؤها وتفتح.
(3) راجع قصة المباهلة في السيرة لابن هشام: (1/ 573- 584) ، وتفسير الطبري:
(6/ 151- 153) ، وأسباب النزول للواحدي: 137.
(4) قال المؤلف في كتابه وضح البرهان: 1/ 246: لَهُوَ عطف بيان، ويجيء في مثل هذا الموضع لتقرير المعنى. والكوفيون يقولون لمثله «العماد» ولا يرون له موضعا من الإعراب وكذلك حكم هؤلاء في قوله: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ.
(5) تفسير البغوي: (1/ 312، 313) .
(6) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 96، وتفسير الطبري: 6/ 508، ومعاني الزجاج: 1/ 429، ومعاني النحاس: 1/ 420.
(7) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 168 عن جماعة من المفسرين. وأورد- نحوه- ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 405، وقال: «رواه أبو صالح عن ابن عباس» . وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: (2/ 48، 49) : «هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس إنما ردّهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: لعلهم يرجعون» .
(1/194)

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
وَاكْفُرُوا آخِرَهُ: أي: ما أنزل في آخره لعلهم يرجعون إلى القبلة الأولى.
أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ: هو حكاية قول اليهود لقومهم: إنا والمسلمون على هدى، ولكن لا تؤمنوا لهم لئلا يصدّقهم المشركون ويحاجوكم في إيمانهم. فيكون قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراضا من قول الله في حكاية كلامهم.
75 لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ: أي: فيما أصبنا من أموال العرب «1» في يهوديّ أنكر أمانة يهوديّ لما أسلم «2» .
والعرب أميّون للنسبة إلى أمّ القرى «3» ، أو لأنهم لا يكتبون فهم على ما ولدتهم أمّهم «4» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 6/ 522 عن قتادة والسدي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 243 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد عن قتادة.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 330، وتفسير البغوي: 1/ 317.
وقال ابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 276: «المعنى: فعلوا ذلك لاعتقادهم أن ظلمهم لأهل الإسلام جائز، تقدير كلامهم: ليس علينا في ظلم الأميين سبيل، أي إثم. وقولهم هذا كذب صادر عن اعتقاد باطل مركب على كفر، فإنهم أخبروا عن التوراة بما ليس فيها، وذلك قوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ اهـ.
(2) أخرج الطبري في تفسيره: 6/ 523 عن ابن جريج قال: «بايع اليهود رجال من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم ثمن بيوعهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانة، ولا قضاء لكم عندنا، لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه قال: وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، فقال الله عز وجل: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
وأخرج- نحوه- ابن أبي حاتم في تفسيره: 350 (سورة آل عمران) عن ابن جريج أيضا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 244، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن جريج.
(3) ذكره النحاس في معاني القرآن: 1/ 426، والرازي في تفسيره: 8/ 102. [.....]
(4) ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 2/ 230، كتاب الصوم، باب «قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا نكتب ولا نحسب» ، والإمام مسلم في صحيحه: 2/ 761، كتاب الصيام، باب «وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال ... عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 1/ 159، ومعاني النحاس: 1/ 425، وتفسير الماوردي: 1/ 130.
(1/195)

بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)
76 بَلى: مكتفية بنفسها وعليها وقف تام «1» ، أي: بلى عليهم سبيل.
78 يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ: يحرّفونها بالتبديل «2» .
79 رَبَّانِيِّينَ: أي: بالعلم أي يربونه «3» ، أو الرّبانيّ منسوب إلى الرّبّ، فغيّر بنيته للإضافة كالبحراني واللّحياني «4» .
81 لَما آتَيْتُكُمْ: لام التّحقيق على «ما» الجزاء «5» ، ومعناه: لمهما
__________
(1) وهو قول الزجاج في معانيه: 1/ 434 وقال: «ثم استأنف فقال عز وجل: مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ أي فإن الله يحبه. ويجوز أن يكون استأنف جملة الكلام بقوله: بَلى لأن قولهم: ليس علينا فيما نفعل جناح كقولهم: نحن أهل تقوى في فعلنا هذا فأعلم الله أن أهل الوفاء بالعهد والتقى يحبهم الله، وأنهم المتقون ... » .
وقال مكي في كتابه شرح كلا وبلى ونعم: 84: «الوقف على بَلى حسن جيد، لأنها جواب النفي في قولهم: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ. فالمعنى: بلى عليكم فيهم سبيل. ويدل على حسن الوقف على بَلى أن ما بعدها ابتداء وخبر، وهو قوله تعالى:
مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ ف «من» شرط في موضع الابتداء، وفَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الخبر، والفاء جواب شرط» .
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 97، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 107، وتفسير الطبري: 6/ 536، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 428، والمحرر الوجيز: 3/ 184.
(3) نسب هذا القول إلى المبرد في تفسير البغوي: 1/ 321، وتفسير الفخر الرازي: 8/ 123.
(4) هذا قول سيبويه في الكتاب: 3/ 380.
وقال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 345: «والربانيون أرباب العلم والبيان، أي كونوا أصحاب علم وإنما زيدت الألف والنون للمبالغة في النسب، كما قالوا للكبير اللحية لحياني ... » .
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 332، وزاد المسير: 1/ 413، والدر المصون: 3/ 275.
(5) المقتضب: 4/ 413.
وصرّح المؤلف في كتابه وضح البرهان: 1/ 249 بالنقل عن المبرد، وأورد النص الذي ذكره هنا.
(1/196)

أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)
آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به.
أو هي لام الابتداء، و «ما» بمعنى «الذي» «1» ، أي: الذي آتيتكم لتؤمنن به، ولام لَتُؤْمِنُنَّ لام القسم، كقولك لزيد: والله لتأتينه.
ومن قرأ: لَما «2» آتَيْتُكُمْ كان من أجل: ما آتيتكم أخذ الميثاق «3» ، أو يكون بمعنى بعد «4» ، أي: بعد ما آتيتكم كقولك: لثلاث خلون.
وقرئ لما «5» ويعود معنى الكلام إلى الشرط، كقولك: لمّا جئتني أكرمتك.
83 أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ: الفاء لعطف جملة على جملة «6» .
__________
(1) هو قول الأخفش في معانيه: 1/ 413، وأبي علي الفارسي في الحجة: (3/ 64، 65) ، وانظر مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 165، والكشاف: 1/ 441، والدر المصون:
3/ 284.
(2) بكسر اللّام وتخفيف الميم، وهي قراءة حمزة كما في السبعة لابن مجاهد: 213، والتبصرة لمكي: 173.
(3) قال أبو علي في الحجة: 3/ 62: «وجه قراءة حمزة لما أتيتكم بكسر اللام أنه يتعلق بالأخذ كأن المعنى: أخذ ميثاقهم لهذا، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة يؤخذ عليه الميثاق لما أوتوه من الحكمة، وأنهم الأفاضل وأماثل الناس ... » .
(4) ذكر السمين الحلبي في الدر المصون: (3/ 287، 288) في توجيه هذه القراءة أربعة أوجه، وقال في هذا الوجه: «وهو أغربها ... وهذا منقول عن صاحب النظم ولا أدري ما حمله على ذلك؟ وكيف ينتظم هذا كلاما، وإذ يصير تقديره: إذ أخذ الله ميثاق النبيين بعد ما آتيناكم، ومن المخاطب بذلك؟» .
(5) بتشديد لما وهي قراءة سعيد بن جبير والحسن رضي الله عنهما.
ينظر الكشاف: 1/ 441، والتبيان للعكبري: 1/ 276، وتفسير القرطبي: 4/ 126، والبحر المحيط: 2/ 509، والدر المصون: 3/ 290.
(6) الكشاف: 1/ 441، والدّر المصون: 3/ 295.
قال الزمخشري: «والمعنى: فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون، ثم توسطت الهمزة بينهما. ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره: أيتولون فغير دين الله يبغون، وقدّم المفعول الذي هو غير دين الله على فعله لأنهم أهم من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل» .
(1/197)

كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)
وَلَهُ أَسْلَمَ: استسلم وانقاد أهل السّماوات طوعا، وأهل الأرض بعضهم كرها، إمّا لخوف السّيف أو عند المعاينة «1» .
93 إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ: كان لحوم الإبل أحبّ الطّعام إلى يعقوب، فنذر إن شفاه الله من عرق النّساء «2» أن لا يأكلها «3» .
وتحريم الحلال جائز وموجبة الكفّارة «4» [إذا.......
__________
(1) نقله البغوي في تفسيره: 1/ 323 عن الحسن رضي الله عنه.
وفي كتاب وضح البرهان: 1/ 250: «إما من خوف السيف في حالة الاختيار، أو لدى المعاينة عند الاضطرار» .
(2) النّسا: بوزن العصا عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ.
النهاية: 5/ 51، واللسان: 15/ 321 (نسا) . [.....]
(3) أخرج- نحوه- الإمام أحمد في مسنده: 1/ 274، والإمام البخاري في التاريخ الكبير:
2/ 114، والترمذي في سننه: 5/ 294، كتاب التفسير، باب «ومن سورة الرعد» رقم 3117، والطبري في تفسيره: (7/ 14، 15) ، وابن أبي حاتم في تفسيره: 2/ 396، والطبراني في المعجم الكبير: 12/ 246 رقم (13012) - كلهم- عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 3/ 263 وزاد نسبته إلى ابن عباس أيضا.
وأخرجه الطبري- أيضا- عن الحسن، وعبد الله بن كثير، وعطاء بن أبي رباح. ورجح الطبري هذا القول لأنّ اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمها، كما كان عليه من ذلك أوائلها.
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 217: «وظاهر الأحاديث والتفاسير في هذا الأمر أن يعقوب- عليه السلام- حرّم لحوم الإبل وألبانها وهو يحبها تقربا إلى الله بذلك، إذ ترك الترفه والتنعم من القرب، وهذا هو الزهد في الدنيا ... » .
(4) جعل المؤلف- رحمه الله- التحريم هنا بمنزلة اليمين فلزم أن يكفّر إذا حنث.
وهو قول الحنفية كما في أحكام القرآن للجصاص: 2/ 19.
وقال الجصاص في أحكام القرآن: 3/ 465 عند تفسيره لقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ قال: «ومن الناس من يقول لا فرق بين التحريم واليمين، لأن اليمين تحريم للمحلوف عليه والتحريم أيضا يمين وهذا عند أصحابنا يختلف في وجه ويتفق في وجه فالوجه الذي يوافق اليمين فيه التحريم أن الحنث فيهما يوجب كفارة اليمين.
والوجه الذي يختلفان فيه أنه لو حلف أنه لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه لم يحنث، ولو قال: قد حرمت هذا الرغيف على نفسي فأكل منه اليسير حنث ولزمته الكفارة، لأنهم شبهوا تحريمه الرغيف على نفسه بمنزلة قوله: «والله لا أكلت من هذا الرغيف شيئا تشبيها له بسائر ما حرمه الله من الميتة والدم أنه اقتضى تحريم القليل منه والكثير» .
وانظر أحكام القرآن للكيا الهراس: (2/ 38، 39) ، وأحكام القرآن لابن العربي:
1/ 283، وتفسير القرطبي: 4/ 135.
(1/198)

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)
استباحه] «1» .
بكّة «2» : بطن مكة من التّباكّ وهو الازدحام «3» ، أو لأنها تبكّ أعناق الجبابرة «4» .
97 فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ: من اجتماع الغزلان والذئبان، وإهلاك من عتى فيه، والبركة الظاهرة، واستشفاء المرضى، و/ قصة أصحاب الفيل، [19/ ب] وانمحاء أثر الجمار على طول الرمي، وامتناع الطير من الوقوع على البيت «5» ... إلى غير ذلك من بئر زمزم، وأثر قدمي إبراهيم في الحجر الصّلد.
99 شُهَداءُ: عقلاء «6» ، كقوله «7» : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.
تَبْغُونَها عِوَجاً: [أي: تبغون] «8» لها عوجا، كقوله «9» :
__________
(1) عن نسخة «ج» .
(2) في قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً ... [آية: 96] .
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 97، ومعاني الزجاج: 1/ 445، ونقله النحاس في معانيه:
1/ 443 عن سعيد بن جبير، وابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 222 عن ابن جبير، وابن شهاب، وجماعة كثيرة من العلماء.
(4) أي تدقها وتحطمها.
ينظر أخبار مكة للأزرقي: 1/ 280، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 445، والنهاية لابن الأثير: 1/ 150، واللسان: 10/ 402 (بكك) ، ونقل البغوي في تفسيره: 1/ 328، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 225 هذا القول عن عبد الله بن الزبير.
(5) ذكره النحاس في معاني القرآن: 1/ 444، والبغوي في تفسيره: 1/ 329، دون عزو.
(6) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 336.
(7) سورة ق: آية: 37.
(8) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(9) سورة التوبة: آية: 47.
(1/199)

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)
يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ.
والعوج «1» في القول والعمل والأرض، والعوج في الحيطان والسواري.
103 إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً: أي: ما كان من الطّوائل «2» بين الأوس والخزرج فأفناها الله بالإسلام.
شَفا حُفْرَةٍ: شفيرها وحرفها «3» ، والجمع: أشفاء، وفي الحديث «4» : «لا تنظروا إلى صوم الرجل وصلاته ولكن إلى ورعه إذا أشفى» «5» [أي: أشرف على الدنيا] .
104 وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ: أي: لتكن كلّكم، ف «من» لتخصيص المخاطبين من سائر الأجناس، ومثله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ «6» . قاله الزّجاج «7» . وأنكر عليه لأنّه فرض كفاية
__________
(1) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 98: «مكسورة الأول، لأنه في الدين، وكذلك في الكلام والعمل فإذا كان في شيء قائم نحو الحائط، والجذع فهو عوج مفتوح الأول» .
وانظر تفسير الطبري: 7/ 54، ومعاني الزّجّاج: 1/ 447، وتفسير الماوردي: 1/ 336.
(2) راجع معنى الطوائل عند تفسير قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ [البقرة: آية: 179] .
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 98، وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 108: «أي:
حرف حفرة، ومنه أشفى على كذا إذا أشرف عليه» .
وانظر تفسير الطبري: 7/ 85، ومعاني الزجاج: 1/ 451، ومعاني النحاس: 1/ 455. [.....]
(4) غريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 552، وهو من حديث عمر رضي الله تعالى عنه كما في النهاية لابن الأثير: 2/ 489.
(5) عن نسخة «ج» ، وانظر هذا المعنى في النهاية لابن الأثير: 2/ 489.
(6) سورة الحج: آية: 30.
(7) الزّجّاج: (241- 311 هـ) .
هو إبراهيم بن السري بن سهل، البغدادي، أبو إسحاق الزجاج، النحوي، اللغوي، المفسر صنف معاني القرآن وإعرابه، والاشتقاق، والعروض ... وغير ذلك.
أخباره في: تاريخ بغداد: 6/ 89، وطبقات النحويين للزبيدي: (111، 112) ، وبغية الوعاة: (1/ 411- 413) ، وطبقات المفسرين للداودي: (1/ 7- 10) ونص كلامه في معاني القرآن له: 1/ 452. وقال أيضا: ويجوز أن تكون أمرت منهم فرقة، لأن قوله:
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ذكر الدعاة إلى الإيمان، والدعاة ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون إليه، وليس الخلق كلهم علماء والعلم ينوب فيه بعض الناس عن بعض، وكذلك الجهاد» .
(1/200)

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)
بالاتفاق «1» .
105 كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا: أي: بالعداوة واختلفوا في الديانة.
106 أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ: أي: بالنّبيّ قبل مبعثه «2» .
110 كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ: أي: فيما يتسامعه الأمم. أو «كان» تامّة بمعنى:
حدثتم إذ «كنتم» و «أنتم» سواء، إلا [في] «3» ما يفيد «كان» من تأكيد وقوع الأمر «4» .
111 وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ: من دلالة النّبوّة لأنه كان كذلك حال يهود المدينة وخيبر.
__________
(1) تفسير الطبري: 7/ 90، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 254: «أمر الله الأمّة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ويحفظون قوانينها على الكمال ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع، وقد علم تعالى أن الكل لا يكون عالما ... » .
وأورد ابن عطية قول الزجاج ورده.
وانظر تفسير الفخر الرازي: 8/ 182، والبحر المحيط: 3/ 20.
(2) هذا قول الزجاج في معاني القرآن: 1/ 455.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 338، وزاد المسير: 1/ 436.
وذكر الماوردي ثلاثة أقوال أخرى في «الذين كفروا بعد إيمانهم» .
(3) عن نسخة «ج» .
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 229.
وقال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: 295 في باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه: «ومنه أن يأتي الفعل على بنية الماضي وهو دائم، أو مستقبل كقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، أي أنتم خير أمة، وقوله: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي: وإذ يقول الله يوم القيامة. يدلك على ذلك قوله سبحانه: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.
وانظر تفسير الطبري: 7/ 106، وزاد المسير: (1/ 439، 440) .
(1/201)

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)
112 بِحَبْلٍ: بعهد «1» .
113 لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ: حين أسلم عبد الله بن سلام «2» وجماعة قالوا: لم يسلم إلّا أشرارنا «3» .
أُمَّةٌ قائِمَةٌ: عادلة «4» ، أو قائمة بطاعة الله «5» .
115 فلن تكفروه «6» : لا يستر عنكم............
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 101، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 108.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (7/ 111- 113) عن مجاهد، وقتادة، وعكرمة، والربيع، والضحاك، وابن زيد.
وانظر معاني الزجاج: 1/ 457، والمحرر الوجيز: 3/ 271، وزاد المسير: 1/ 441.
(2) عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، ثم الأنصاري.
صحابي جليل، أسلم بعد هجرة النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، كان اسمه في الجاهلية الحصين فسماه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين أسلم عبد الله.
توفي سنة ثلاث وأربعين للهجرة.
ترجمته في الاستيعاب: (3/ 921- 923) ، وأسد الغابة: (3/ 264، 265) ، والإصابة:
(4/ 118- 120) .
(3) السيرة لابن هشام: (1/ 557) وأخرجه الطبري في تفسيره: (7/ 120، 121) ، وابن أبي حاتم في تفسيره: 2/ 485 (سورة آل عمران) عن ابن عباس رضي الله عنهما، ونقله الواحدي في أسباب النزول: 114 عن ابن عباس ومقاتل.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 296، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن ابن عباس أيضا.
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 7/ 123، وابن أبي حاتم في تفسيره: 2/ 486 عن مجاهد. ونقله النحاس في معاني القرآن: 1/ 462 عن مجاهد أيضا.
(5) تفسير غريب القرآن: 108، وأخرج- نحوه- الطبري في تفسيره: 7/ 123، وابن أبي حاتم في تفسيره: 2/ 485 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال الطبري رحمه الله: «فتأويل الكلام: من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله، متمسكة به، ثابتة على العمل بما فيه وما سن لهم رسوله صلّى الله عليه وسلّم» .
وانظر تفسير البغوي: 1/ 343، وزاد المسير: 1/ 442، وتفسير ابن كثير: 2/ 87.
(6) تكفروه: بالتاء، قراءة ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر، وهي المشهورة عن أبي عمرو بن العلاء.
وقرأ حفص، وحمزة، والكسائي «يكفروه» بالياء.
ينظر: السبعة لابن مجاهد: 215، والحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 73، والكشف لمكي: 1/ 354، والدر المصون: 3/ 358. [.....]
(1/202)

مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)
ثوابه «1» ، سمّي المنع كفرا كما سمّي ثواب الله شكرا «2» .
117رٌّ
: صوت ريح باردة من الصّرير «3» .
118 بِطانَةً: دخلاء يستبطنون أمر المرء «4» .
لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا: لا يقصّرون فيكم فسادا «5» .
119 ها أَنْتُمْ: تنبيه، وأُولاءِ خطاب للمنافقين، أو أُولاءِ بمعنى الذين.
120 لا يَضُرُّكُمْ: كان لا يضرركم مجزوما بجواب الشرط، فأدغمت/ [20/ أ] الراء في الراء ونقلت ضمّة الأولى إلى الضّاد، وضمّت الراء الأخيرة اتباعا للضّاد كما قالوا: مد في أمدد.
121 وَإِذْ غَدَوْتَ: في يوم أحد «6» .
__________
(1) تفسير الطبري: 7/ 132، وتفسير البغوي: 1/ 344.
(2) في «ك» و «ج» : «سمي منع الثواب كفرا كما سمى ثواب الله شكرا» .
(3) معاني الزجاج: 1/ 461، وتفسير الماوردي: 1/ 340، وتفسير القرطبي: (4/ 177، 178) ، واللسان: 4/ 450 (صرر) .
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 103، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 109.
وقال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 461: «البطانة: الدخلاء الذين يستبطنون ويتبسط إليهم، يقال فلان بطانه لفلان أي مداخل له ومؤانس، فالمعنى أن المؤمنين أمروا ألا يداخلوا المنافقين ولا اليهود ... » .
(5) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 109، وقال الطبري في تفسيره: 7/ 140: «وأصل الخبل والخبال الفساد ... » ، وانظر معاني الزجاج: 1/ 462، ومعاني النحاس: 1/ 466.
(6) تفسير الطبري: (7/ 160، 161) عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، وابن إسحاق.
وقيل في يوم الأحزاب. ورجح الطبري القول الذي أورده المؤلف قائلا: «وأولى هذين القولين بالصواب قول من قال: عنى بذلك يوم أحد، لأن الله عز وجل يقول في الآية التي بعدها: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا، ولا خلاف بين أهل التأويل أنه عنى بالطائفتين: بنو سلمة وبنو حارثة، ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أن الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أحد، دون يوم الأحزاب» .
وانظر أسباب النزول للواحدي: (153، 154) ، وتفسير البغوي: 1/ 346، وتفسير ابن كثير: 2/ 90.
(1/203)

إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)
122 هَمَّتْ طائِفَتانِ: بنو سلمة «1» وبنو حارثة حيّان من الأنصار» .
وَاللَّهُ وَلِيُّهُما: أي: كيف يفشل من الله وليّه.
123 أَذِلَّةٌ: أي: عددكم قليل، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا «3» ، وفي يوم أحد ثلاثة آلاف «4» ، ويوم حنين اثني عشر ألفا «5» .
125 مِنْ فَوْرِهِمْ: من وجههم «6» ، أو من غضبهم «7» من فوران القدر.
__________
(1) بنو سلمة- بفتح السين وكسر اللام-: هم بنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج.
الجمهرة لابن حزم: 358.
(2) ثبت ذلك في صحيح البخاري: (5/ 170، 171) ، كتاب التفسير، باب إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا.
(3) ينظر صحيح البخاري: 5/ 5، كتاب المغازي، باب «عدة أصحاب بدر» ، وتاريخ الطبري:
2/ 433.
(4) المشهور أن عدد المشركين يوم أحد كان ثلاثة آلاف، وفي السيرة لابن هشام: (2/ 63- 65) ، وتاريخ الطبري: 2/ 504، وجوامع السيرة لابن حزم: (157، 158) أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى أحد في ألف مقاتل، فبقي معه سبعمائة، ورجع عبد الله بن أبيّ في ثلاثمائة.
وانظر دلائل النبوة للبيهقي: (3/ 220، 221) ، والبداية والنهاية: 4/ 14.
(5) السيرة لابن هشام: 1/ 440.
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (7/ 181، 182) ، وابن أبي حاتم في تفسيره:
(2/ 523، 524) ، (سورة آل عمران) عن الحسن، والربيع، وقتادة، والضحاك، والسدي.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 1/ 467، ومعاني النحاس: 1/ 469.
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (7/ 182، 183) عن عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وأبي صالح.
قال الطبري رحمه الله: «وأصل «الفور» ابتداء الأمر يؤخذ فيه، ثم يوصل بآخر. يقال منه:
«فارت القدر فهي تفور فورا وفورانا، إذا ابتدأ ما فيها بالغليان ثم اتصل. ومضيت إلى فلان من فوري ذلك، يراد به: من وجهي الذي ابتدأت فيه ... » .
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 310: «والفور: النهوض المسرع إلى الشيء، مأخوذ من فور القدر والماء ونحوه، ومنه قوله تعالى: وَفارَ التَّنُّورُ فالمعنى: ويأتوكم في نهضتكم هذه ... » .
(1/204)

وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)
مُسَوِّمِينَ: أرسلوا في الكفار كالسّائمة في الرعي «1» .
وقيل «2» من السّومة: أي: سوّموا وأعلموا، وكانت سومتهم عمائم بيض «3» ، وأصواف خضر في نواصي الخيل.
والاختيار الكسر «4» لتظاهر الأخبار أنهم سوّموا خيلهم بأصواف خضر.
126 إِلَّا بُشْرى: دلالة على أنكم على الحق.
127 لِيَقْطَعَ طَرَفاً: في يوم بدر «5» .
__________
(1) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 1/ 342، ونقل النحاس في معاني القرآن: 1/ 470، والسمين الحلبي في الدر المصون: 3/ 387 عن الأخفش قال: «معنى مسوّمين: مرسلين» . [.....]
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 103، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 110، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 467، وقال النحاس في معاني القرآن: 1/ 470: «لا نعلم اختلافا أن معنى مسومين من السّومة إلا عن الأخفش ... » .
ونقل عن أبي زيد الأنصاري أنه قال: «السّومة أن يعلم الفارس نفسه في الحرب ليظهر شجاعته» .
(3) نقله البغوي في تفسيره: 1/ 349 عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 309 وعزا إخراجه إلى الطستي عن ابن عباس.
(4) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم، وقرأ الباقون بفتح الواو على اسم المفعول.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 216، والحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 76، والكشف لمكي:
1/ 355، والدر المصون: 3/ 387.
ورجح الطبري في تفسيره: 7/ 185 قراءة الكسر بقوله: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بكسر «الواو» لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأهل التأويل منهم ومن التابعين بعدهم بأن الملائكة هي التي سومت أنفسها، من غير إضافة تسويمها إلى الله عز وجل، أو إلى غيره من خلقه ... » .
(5) أخرج الطبري في تفسيره: 7/ 192، وابن أبي حاتم في تفسيره: 2/ 531 (سورة آل عمران) عن الحسن رضي الله عنه قال: «هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة» .
(1/205)

لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)
أَوْ يَكْبِتَهُمْ: يخزيهم «1» ، وقيل «2» : يصرعهم.
128 لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ: أي: في عقابهم، أو استصلاحهم حتى يقع إنابتهم وتوبتهم «3» .
130 أَضْعافاً مُضاعَفَةً: كلما جاء أجله أجّلوه ثانيا وزادوا على الأصل «4» . والفضل ربا.
133 وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ: قيل «5» للنّبيّ عليه السّلام: إذا كانت الجنة عرضها [السماوات] «6» والأرض فأين النار؟.
قال: «سبحان الله! إذا جاء النّهار فأين اللّيل؟» .
وقيل «7» : عَرْضُهَا: ثمنها لو جاز بيعها، من............
__________
(1) تفسير الطبري: 7/ 193، ومفردات الراغب: 420.
(2) هو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 103، وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 110، وتفسير الطبري: 7/ 193، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 467، ومعاني النحاس: 1/ 472.
(3) تفسير الماوردي: 1/ 343، وزاد المسير: 1/ 457، وتفسير الفخر الرازي: 8/ 239.
(4) قال الطبري في تفسيره: 7/ 204: «كان أكلهم ذلك في جاهليتهم أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخّر عني دينك وأزيدك على مالك. فيفعلان ذلك. فذلك هو الربا أَضْعافاً مُضاعَفَةً، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه ... » .
(5) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 3/ 442 عن التنوخي رسول هرقل مرفوعا وكذا الطبري في تفسيره: 7/ 209 وأخرجه موقوفا على عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهم.
وأخرجه الحاكم في المستدرك: 1/ 36، كتاب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه ورفعه. وقال: «حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له علة ولم يخرجاه ووافقه الذهبي» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 315، وزاد نسبته إلى البزار عن أبي هريرة مرفوعا.
ونسبه- أيضا- إلى عبد بن حميد، وابن المنذر موقوفا على عمر رضي الله عنه.
(6) في الأصل: «السماء» ، والمثبت في النص عن «ج» .
(7) ذكر المؤلف رحمه الله- هذا القول في كتابه وضح البرهان: 1/ 257 فقال: «وتعسف ابن بحر في تأويلها، فقال: عَرْضُهَا ثمنها لو جاز بيعها من المعارضة في عقود البياعات» .
ونقل الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 6 عن أبي مسلم الأصبهاني- وهو ابن بحر- قال:
«وفيه وجه آخر وهو أن الجنة لو عرضت بالسماوات والأرض على سبيل البيع لكانتا ثمنا للجنة، تقول إذا بعت الشيء بالشيء الآخر: عرضته عليه وعارضته به، فصار العرض يوضع موضع المساواة بين الشيئين في القدر، وكذا أيضا معنى القيمة لأنها مأخوذة من مقاومة الشيء بالشيء حتى يكون كل واحد منهما مثلا آخر» .
وذكر الرازي وجها آخر فقال: «المقصود المبالغة في وصف سعة الجنة وذلك لأنه لا شيء عندنا أعرض منهما، ونظيره قوله: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فإن أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض، فخوطبنا على وفق ما عرفناه، فكذا هاهنا» .
(1/206)

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)
المعاوضة «1» في العقود،.
134 يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ: لأنهما داعيتا البخل عند كثرة المال منافسة فيه، وعند قلته حاجة إليه.
139 إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: وهم مؤمنون، ليعلم أنّ من صدق الإيمان أن لا يهن المؤمن ولا يحزن لثقته بالله.
140 قَرْحٌ: بالفتح جراح، وبالضمّ ألم الجراح «2» ، في يوم أحد.
فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ: أي: أهل بدر.
نُداوِلُها: نصرّفها بتخفيف المحنة وتشديدها، ولم يرد مداولة النّصر لأنه لا ينصر الكافرين، ولم يكن الأيام أبدا لأولياء الله، لأنه أدعى إلى احتقار الدنيا وأعرف لقيمة الظّفر، وليعلم «3» أنّ تداولها لمصالح.
__________
(1) في «ك» و «ج» : المعارضة، وانظر هذا المعنى في التعليق الذي تقدم، وهو نقل الفخر الرازي عن ابن بحر (أبو مسلم الأصفهاني) .
(2) معاني القرآن للفراء: 1/ 234 قال: «وأكثر القراء على فتح القاف» .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 104، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 112، وتفسير الطبري: 7/ 236، وتفسير المشكل لمكي: 132، وتفسير القرطبي: 4/ 217.
قرأ بالضم حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر عنه، وقرأ الباقون بفتح القاف.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 216، والتبصرة لمكي: 174، والبحر المحيط: 3/ 62، والدر المصون: 3/ 402.
(3) في «ج» : وليعلم الله أن تداولها لمصالح، وانظر ما سبق في تفسير الفخر الرازي: 9/ 16. [.....]
(1/207)

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا: وصبرهم في الجهاد.
[20/ ب] والمعنى: نعاملهم معاملة من/ يريد أن يعلم، أو يعلمهم متميّزين بالصبر والإيمان من غيرهم «1» .
141 وَلِيُمَحِّصَ: يخلّص ويصفّي من الذنوب «2» .
محصت الماشية محصا: انملصت وذهب وبرها.
142 وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ معناه حدوث معلوم لا حدوث علم «3» .
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ: نصب يَعْلَمِ على الصّرف عن العطف، إذ ليس المعنى نفي الثاني حتى يكون عطفا على نفي الأول، بل على منع اجتماع الثاني والأول «4» ، كما...............
__________
(1) نصّ هذا الكلام في تفسير الفخر الرازي: (9/ 17، 18) ، وانظر معاني القرآن للزجاج:
(1/ 470، 471) ، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 482.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 341: «دخلت الواو لتؤذن أنّ اللّام متعلقة بمقدّر في آخر الكلام، تقديره: وليعلم الله الذين آمنوا فعل ذلك، وقوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ معناه: ليظهر في الوجود إيمان الذين قد علم أزلا أنهم يؤمنون، وليساوق علمه إيمانهم ووجودهم، وإلا فقد علمهم في الأول وعلمه تعالى لا يطرأ عليه التغيير ... » .
(2) قال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 471: «وتأويل المحص في اللغة التنقية والتخليص» ، ونقل عن المبرد: «يقال: محص الحبل محصا، إذا ذهب منه الوبر حتى يملص وحبل محص أو ملص بمعنى واحد، وتأويل قول الناس: محص عنا ذنوبنا، أي: أذهب عنا ما تعلق بنا من الذنوب» .
وانظر معاني القرآن للنحاس: 1/ 483، والمحكم لابن سيده: 3/ 124، ومفردات الراغب: 464.
(3) معاني القرآن للنحاس: 1/ 484، وقال الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 20: «ظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم، والمراد وقوعه على نفي المعلوم، والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يصدر الجهاد عنكم، وتقريره أن العلم متعلق بالمعلوم، كما هو عليه، فلما حصلت هذه المطابقة لا جرم، حسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر» .
(4) هذا مذهب البصريين في توجيه إعراب هذه الآية، وقال الكوفيون: إن النّصب كان بواو الصّرف، وإنه كان من حق هذا الفعل أن يعرب بإعراب ما قبله، فلما جاءت الواو صرفته إلى وجه آخر من الإعراب.
- ينظر هذه المسألة في الإنصاف لابن الأنباري: (555، 556) ، والتبيان للعكبري:
1/ 295، والبحر المحيط: 3/ 66، والدر المصون: 3/ 411.
(1/208)

وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)
قيل «1» :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
143 تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ: غاب رجال عن بدر فتمنوا الشهادة، ثم تولوا في أحد «2» .
144 وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ: أشيع موته يوم أحد، وقالوا: لو كان نبيا ما قتل.
146 وَكَأَيِّنْ معناه: كم «3» ، وهي «أي» دخلته كاف الجر فحدث لها بعده معنى «كم» وفيه لغات: كأي «4» ، وكائن «5» بوزن «كاع» ، وكأين «6»
__________
(1) عجزه:
عار عليك إذا فعلت عظيم
والبيت من قصيدة طويلة مشهورة نسبه المؤلف في وضح البرهان: 1/ 259 إلى المتوكل الليثي، وهو في خزانة الأدب للبغدادي: 8/ 564.
وفي نسبة البيت قال الأستاذ عبد السلام هارون رحمه الله: «نسبه سيبويه للأخطل. ويروى لسابق البربري، وللطرماح، وللمتوكل الليثي» .
ينظر معجم شواهد العربية: 355.
(2) أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره: 2/ 577 (سورة آل عمران) نحو هذا القول عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 7/ 248 عن مجاهد وقتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 333 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.
(3) معاني القرآن للفراء: 1/ 237، وتفسير الطبري: 7/ 263، ومعاني القرآن للزجاج:
1/ 475، والبحر المحيط: 3/ 73.
(4) تنسب هذه القراءة إلى ابن محيصن، والأشهب، والأعمش. كما في المحتسب: 1/ 170.
(5) وهي قراءة ابن كثير.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 216، والتبصرة لمكي: 174.
(6) تنسب هذه القراءة إلى ابن محيصن، والأشهب، والعقيلي.
ينظر البحر المحيط: 3/ 72، والدر المصون: 3/ 424، ومعجم القراءات: 2/ 70.
(1/209)

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)
بهمزة بعد الكاف بوزن «كعين» ، وكئن «1» في وزن «كعن» .
146 قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ: في موضع الجرّ على وصف النّبيّ «2» ، أو النّصب للحال «3» .
والربيّون: العلماء الصّبر «4» . وقيل «5» : جماعات في فرق.
فَما وَهَنُوا: الوهن: انكسار الحدّ بالخوف «6» . والضّعف: نقصان القوة «7» . والاستكانة: الخضوع عن ذل «8» .
152 صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: أي: يوم أحد.
__________
(1) نسب القرطبي في تفسيره: 4/ 228 هذه القراءة إلى ابن محيصن، وذكرها السّمين الحلبي في الدر المصون: 3/ 424، وقال: «نقلها الداني قراءة عن ابن محيصن أيضا» .
(2) مشكل إعراب القرآن: 1/ 176، والتبيان للعكبري: 1/ 299.
(3) تنسب قراءة «ربيون» بفتح الراء إلى ابن عباس.
ينظر المحتسب لابن جني: 1/ 173، والبحر المحيط: 3/ 74، والدر المصون:
3/ 431.
قال ابن جني: «والفتح لغة تميم» .
وقال الزمخشري في الكشاف: 1/ 469: «وقريء بالحركات الثلاث، فالفتح على القياس، والضم والكسر من تغييرات النسب» .
وانظر مشكل إعراب القرآن: 1/ 176، والتبيان للعكبري: 1/ 299.
(4) نصّ هذا القول في معاني القرآن للنحاس: 1/ 491 عن الحسن رضي الله عنه.
وأخرج الطبريّ في تفسيره: 7/ 267 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «علماء كثير» ، وعن الحسن أنه قال: «فقهاء علماء» .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 1/ 476، وتفسير ابن كثير: 2/ 111، والدر المنثور:
2/ 340. [.....]
(5) نقله المؤلف في وضح البرهان: 1/ 260 عن يونس، وقطرب.
(6) في تفسير الماوردي: 1/ 347: «الوهن: الانكسار بالخوف» .
وقال النحاس في معاني القرآن: 1/ 491: «والوهن في اللّغة: أشد الضعف» .
وانظر معنى الوهن في مفردات الراغب: 535، واللسان: 13/ 453 (وهن) .
(7) عن تفسير الماوردي: 1/ 347.
(8) تفسير غريب القرآن: 113، وتفسير الطبري: 7/ 269، ومعاني القرآن للنحاس:
1/ 491، وتفسير المشكل لمكي: 133، وتفسير الماوردي: 1/ 347.
(1/210)

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)
تَحُسُّونَهُمْ: تستأصلونهم قتلا «1» .
وَعَصَيْتُمْ في الرّماة، أخلّوا بالموضع الذي وصّاهم به النّبيّ عليه السّلام «2» .
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا: النّهب والغنم وهم الرّماة «3» ، ومنكم من يقصد الآخرة، وهم عبد الله بن جبير «4» وأصحابه.
153 تُصْعِدُونَ: تعلون طريق مكة. أصعد: ابتدأ السّير، وصعد: ذهب من أسفل إلى فوق «5» .
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ: من خلفكم: «يا معشر المسلمين قفوا» «6» .
__________
(1) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 104، وفيه أيضا: «يقال: حسسناهم من عند آخرهم، أي استأصلناهم» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 113، وتفسير الطبري: 7/ 287، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 478.
(2) السيرة لابن هشام: 1/ 114، وقال الطبري في تفسيره: 7/ 289: «وإنما يعنى بذلك الرماة الذين كان أمرهم صلّى الله عليه وسلّم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشّعب بأحد بإزاء خالد بن الوليد ومن كان معه من فرسان المشركين ... » .
(3) أخرج الطبري في تفسيره: 7/ 295 عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ما علمنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يريد الدنيا وعرضها، حتى كان يومئذ» .
(4) هو عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري، شهد العقبة وبدرا، واستشهد بأحد. وكان أمير الرماة يومئذ.
الاستيعاب: 3/ 877، وأسد الغابة: 3/ 194، والإصابة: 4/ 35.
(5) قال الفراء في معاني القرآن: 1/ 239: «الإصعاد في ابتداء الأسفار والمخارج» .
تقول: أصعدنا من مكة ومن بغداد إلى خراسان، وشبيه ذلك. فإذا صعدت على السلم أو الدرجة ونحو هما قلت: صعدت، ولم تقل أصعدت» .
وانظر المعنى الذي أورده المؤلف- رحمه الله- في معاني القرآن للفراء: 1/ 239، ومعاني القرآن للزجاج: (1/ 478، 479) ، ومعاني النحاس: 1/ 495، وتفسير الماوردي: 1/ 347.
(6) أخرجه الطبري في تفسيره: 7/ 303 عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: «إليّ عباد الله ارجعوا، إليّ عباد الله ارجعوا» .
(1/211)

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ: أي: على غم «1» ، كقولك: نزلت به.
والغمّ الأول بما نيل منهم، والثاني بما أرجف أنّ الرسول قتل «2» .
154 وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ: المنافقون، معتّب «3» بن قشير وأصحابه، حضروا للغنيمة فظنوا ظنا جاهليا أنّ الله لا يبتلي المؤمنين للتمحيص والشّهادة «4» .
[21/ أ] إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ: نصب كُلَّهُ على/ التأكيد للأمر، أو على البدل من الْأَمْرِ «5» ، أي: إنّ كلّ الأمر لله. ورفع
__________
(1) تفسير الطبري: (7/ 304، 305) ، وتفسير الماوردي: 1/ 348.
قال الطبري رحمه الله: «وإنما جاز ذلك، لأن معنى قول القائل: «أثابك الله غما على غم» ، جزاك الله غما بعد غم تقدمه، فكان كذلك معنى: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ، لأن معناه:
فجزاكم الله غما بعقب غم تقدمه، وهو نظير قول القائل: «نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان» ، و «ضربته بالسيف وعلى السيف» .
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 7/ 306 عن قتادة، والربيع بن أنس.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 2/ 612 (سورة آل عمران) عن قتادة، وحسّن المحقق إسناده ونقله النحاس في معاني القرآن: 1/ 496 عن مجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 351 وعزا إخراجه إلى ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
(3) معتّب: بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد التاء المكسورة.
وهو معتب بن قشير بن مليل، من بني عمرو بن عوف.
قال الحافظ في الإصابة: 6/ 175: «وقيل: إنه كان منافقا، وإنه الذي قال يوم أحد: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. وقيل: إنه تاب» .
ترجمته في الإكمال: 7/ 280، والاستيعاب: 3/ 1429، وأسد الغابة: 5/ 225.
(4) أخرج الطبري في تفسيره: 7/ 323 عن الزبير قال: «والله إني لأسمع قول معتب بن قشير، أخي بني عمرو بن عوف، والنعاس يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا» .
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: (2/ 618- 620) عن ابن عباس، والزبير.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 353 وزاد نسبته إلى ابن إسحاق، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن الزبير رضي الله عنه. [.....]
(5) ذكره الأخفش في معاني القرآن: 1/ 425، والطبري في تفسيره: 7/ 323، ونقله مكي في مشكل إعراب القرآن: 1/ 177 عن الأخفش.
وانظر تفسير القرطبي: 4/ 242، والدر المصون: 3/ 449.
(1/212)

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)
كُلَّهُ «1» على أنه مبتدأ ولِلَّهِ خبره «2» ، والجملة من المبتدأ والخبر خبر إِنَّ.
155 إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ: عثمان وأصحابه «3» ، وكان عمر من المنهزمين ولكنّه لم يبعد وثبت على الجبل «4» إلى أن صعد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأما عثمان فبلغ «الجعيلة» «5» ورجع بعد ثالثة، فقال: - عليه
__________
(1) وهي قراءة أبي عمرو بن العلاء كما في السبعة لابن مجاهد: 217، والتبصرة لمكي:
174.
(2) ينظر توجيه هذه القراءة في معاني القرآن للزجاج: 1/ 480، والحجة لأبي علي الفارسي:
3/ 90، والكشف لمكي: 1/ 361، والبحر المحيط: 3/ 88.
(3) أخرج الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 34، كتاب المغازي، باب «قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ... عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر.
فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء أتحدثني، قال: أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال:
نعم، قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فكبّر، قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانت مريضة، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: إنّ لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكان بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان، اذهب بهذا الآن معك» .
(4) نص هذه الرواية في تفسير الفخر الرازي: 9/ 52.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 7/ 327 عن عاصم بن كليب عن أبيه.
وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 385، والسيوطي في الدر المنثور: 2/ 355.
(5) ورد في هامش الأصل: «الجلعب» ، وكذا في تفسير الطبري: 7/ 329، والدر المنثور:
2/ 355.
وضبطه أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم: 1/ 389 بفتح الجيم وسكون اللام وفتح العين.
وضبطه ياقوت في معجم البلدان: 2/ 154 بفتح الجيم واللام وسكون العين المهملة والجلعب جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص.
(1/213)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)
السلام «1» -: «لقد ذهبتم منها عريضة» «2» .
ويروى «3» أن فاطمة سألت عليا ما فعل عثمان- رضي الله عنهما- فقال: فضح الذّمار «4» والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسمع فقال: «مه يا عليّ، ثم قال: أعياني أزواج الأخوات أن يتحابّوا» .
الْتَقَى الْجَمْعانِ: جمع محمد صلّى الله عليه وسلّم وجمع أبي سفيان.
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا: أذكرهم خطايا كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلّا على حال يرضونها «5» .
156 غُزًّى: جمع «غاز» ك «شاهد» و «شهّد» «6» .
__________
(1) أخرجه الطبري في تفسيره: 7/ 329 عن ابن إسحاق، وأورده السيوطي في الدر المنثور:
(3/ 355، 356) وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن إسحاق أيضا.
(2) أي واسعة.
ينظر غريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 82، والنهاية: 3/ 210.
(3) نص هذه الرواية في تفسير الفخر الرازي: 9/ 52، وذكر نحوها ابن المديني في المجموع المغيث: 1/ 708، وابن الأثير في النهاية: 3/ 167، والنكارة ظاهرة عليها، بل كان عثمان وعلي رضي الله عنهما من المتحابين المتصافين في الله سبحانه وتعالى.
(4) قال ابن الأثير في النهاية: 2/ 167: «الذّمار: ما لزمك حفظه مما وراءك وتعلّق بك» .
(5) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 1/ 481، وقال أيضا: «أي لم يتولوا في قتالهم على جهة المعاندة، ولا على الفرار من الزحف رغبة في الدنيا خاصة وإنما أذكرهم الشيطان ... فلذلك عفا عنهم، وإلا فأمر الفرار والتولي في الجهاد إذا كانت أقل من المثلين، أو كانت العدة مثلين، فالفرار أمر عظيم ...
وانظر هذا القول في معاني النحاس: 1/ 500، والمحرر الوجيز: 3/ 387، وزاد المسير:
1/ 483.
وأورد أبو حيان في البحر: 3/ 91 قول الزجاج ثم قال: «ولا يظهر هذا القول لأنهم كانوا قادرين على التوبة قبل القتال وفي حال القتال، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وظاهر التولي هو تولى الأدبار والفرار عن القتال، فلا يدخل فيه من صعد إلى الجبل لأنه من متحيز إلى جهة اجتمع في التحيز إليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن ثبت معه فيها ... » .
(6) معاني القرآن للأخفش: 1/ 426، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 114، وتفسير الطبري: 7/ 332، ومعاني الزجاج: (1/ 481، 482) ، والدر المصون: 3/ 453.
(1/214)

وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
158 وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ: اللام الأولى لام قسم، والثانية جواب له، أي: والله لتحشرون «1» .
159 فَبِما رَحْمَةٍ: فبأيّ رحمة من الله «2» ، تعظيما للنّعمة عليه فيما أعانه من اللّين لهم، وإلّا لَانْفَضُّوا عنه هيبة وخوفا فيطمع العدو.
و «الفظّ» : الجافي الغليظ «3» ، و «الافتظاظ» شرب ماء الكرش لجفائه على الطبع «4» .
لَانْفَضُّوا: ذهبوا. فضّ الماء وافتضه: صبّه، و «الفضيض» : الماء السائل «5» .
وَشاوِرْهُمْ: أي: فيما ليس عندك فيه وحي من أمور الحرب «6» .
__________
(1) قال المؤلف في وضح البرهان: 1/ 263: «اللام الأولى حلف من أنفسهم، والثانية جواب كأنه: والله إن متم لتحشرون» .
وانظر التبيان للعكبري: 1/ 305، والبحر المحيط: (3/ 96، 97) ، والدر المصون: 3/ 459.
(2) ذكر الفخر الرازي هذا الوجه في تفسيره: (9/ 64، 65) ، ونص كلامه في التفسير: «وهاهنا يجوز أن تكون «ما» استفهاما للتعجب تقديره: فبأي رحمه من الله لنت لهم، وذلك لأن جنايتهم لما كانت عظيمة ثم أنه ما أظهر ألبتة، تغليظا في القول، ولا خشونة في الكلام، علموا أن هذا لا يتأتى إلا بتأييد رباني وتسديد إلهي، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد والتسديد، فقيل: فبأي رحمة من الله لنت لهم، وهذا هو الأصوب عندي» .
وأورد ابن حيان في البحر: 3/ 98 قول الرازي هذا وخطّأه ثم قال: «وكان يغنيه عن هذا الارتباك والتسلق إلى ما لا يحسنه والتسور عليه قول الزجاج في «ما» هذه أنها صلة فيها معنى التوكيد بإجماع النحويين» . [.....]
(3) ينظر تفسير الطبري: 7/ 341، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 483، ومعاني النحاس:
1/ 501، وتفسير الماوردي: 1/ 340.
(4) في معاني القرآن للزجاج: 1/ 483: «والفظ ماء الكرش والفرث، وسمّي فظا لغلظ مشربه» .
وانظر الفائق للزمخشري: 4/ 102، والنهاية لابن الأثير: 3/ 454.
(5) النهاية: 3/ 454، واللسان: 7/ 208 (فضض) .
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (7/ 343، 344) ، عن قتادة. وذكره الزجاج في معاني القرآن: 1/ 483، والنحاس في معانيه: 1/ 501، والماوردي في تفسيره: 1/ 349.
(1/215)

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)
وهذا الأمر لتأليفهم والرفع من قدرهم «1» . وقيل: للاقتداء به.
160 وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ: أي: لا تظنن أنك تنال منالا تحبّه إلّا بالله «2» .
161 أَنْ يَغُلَّ: يخون «3» ، ويغلّ «4» : يخان «5» ، أو يخوّن «6» أو يوجد غالا «7» نحو: أجبنته وأبخلته، أو يقال له: غللت نحو أكذبته وأكفرته.
وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ: أي: حاملا خيانته على ظهره «8» . أو
__________
(1) رجحه الطبري في تفسيره: 7/ 345، وانظر معاني الزجاج: 1/ 483، وتفسير الماوردي:
(1/ 349، 350) .
(2) نصّ هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 1/ 483.
(3) معاني القرآن للأخفش: 1/ 427، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 115، وتفسير الطبري: 7/ 348، ومعاني الزجاج: 1/ 483، وتفسير المشكل لمكي: 134.
(4) بضم الياء وفتح الغين، وهي قراءة الكسائي، ونافع، وحمزة، وابن عامر.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 218، والحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 94، والتبصرة لمكي:
175.
(5) معاني القرآن للفراء: 1/ 246، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 107، وتفسير الطبري:
7/ 353.
(6) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 246 وقال: «وذلك جائز وإن لم يقل: يغلّل فيكون مثل قوله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ- ويكذبونك» .
(7) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 115: «ومن قرأ: يَغُلَّ أراد يخان. ويجوز أن يكون يلفى خائنا. يقال: أغللت فلانا، أي وجدته غالا. كما يقال: أحمقته وجدته أحمق، وأحمدته وجدته محمودا» .
وانظر هذا المعنى في معاني القرآن للنحاس: 1/ 503، 504) ، والدر المصون:
(3/ 465، 466) .
(8) يدل على هذا القول عدة أحاديث صحيحة وردت في صحيح البخاري: (4/ 36، 37) ، كتاب الجهاد، باب «الغلول وقول الله ومن يغلل يأت بما غل» ، وصحيح مسلم:
3/ 1461، كتاب الإمارة، باب «غلظ تحريم الغلول» ، حديث رقم (1831) ، وسنن أبي داود: 3/ 135، كتاب الإمارة، باب «في غلول الصدقة» ، حديث رقم (2947) ، وسنن ابن ماجة: 1/ 579، كتاب الزكاة، باب «ما جاء في عمال الصدقة» ، حديث رقم (1810) ، وانظر تفسير الطبري: (7/ 356- 364) ، وتفسير ابن كثير: (2/ 133، 134) .
قال الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 75 «قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته» .
(1/216)

هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)
لأنّه لا يكفّره إلّا ردّه على صاحبه.
163 هُمْ دَرَجاتٌ: مراتب الثواب والعقاب مختلفة.
النّار دركات، والجنّة درجات «1» . وفي الحديث «2» : «إنّ أهل الجنّة ليرون أهل عليين كما يرى النّجم في السّماء» /. [21/ ب]
164 رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ: ليكون ذلك من شرفهم ولسهولة تفهمهم عنه، لأنّه بلسانهم ولشدّة علمهم بأحواله من الصّدق والأمانة [ونحوهما] «3» .
165 قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها: قتل يوم أحد سبعون من المسلمين، وقد قتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين «4» .
__________
(1) قال الراغب في المفردات: 167: «الدّرك كالدّرج لكن الدرج يقال اعتبارا بالصعود والدّرك اعتبارا بالحدور، ولهذا قيل درجات الجنة ودركات النار» .
وفي معنى «الدرجات» نقل الحافظ ابن كثير في تفسيره: 2/ 136 عن أبي عبيدة والكسائي قالا: منازل، يعني: متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم في الجنة، ودركاتهم في النار» . وقال المؤلف في وضح البرهان: 1/ 265: «ولما اختلفت أعمالهم جعلت كاختلاف الذوات في تفاوت الدرجات» .
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 3/ 61 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا، واللفظ عنده: «إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء» ، وورد نحوه في صحيحي البخاري ومسلم في أثر أخرجاه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن أهل الجنة بها يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم» .
ينظر صحيح البخاري: 4/ 88، كتاب بدء الخلق، باب صفة الجنة وإنها مخلوقة، وصحيح مسلم: 4/ 2177، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء. [.....]
(3) في الأصل: «ونحوها» ، والمثبت في النص عن «ج» .
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (7/ 372- 375) عن ابن عباس، وقتادة، وعكرمة، والسدي، والضحاك.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 495 وقال: «وهذا قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والجماعة ... » .
(1/217)

وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)
166 فَبِإِذْنِ اللَّهِ: بتخليته «1» ، أو بعلمه «2» . ودخلت الفاء لأنّ خبر «ما» التي بمعنى «الذي» يشبه جواب الجزاء لأنّه يتعلق بالفعل في الصّلة كتعلّقه بالفعل في الشّريطة «3» .
167 أَوِ ادْفَعُوا: أي: بتكثير السّواد إن لم تقاتلوا «4» .
170 وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا: يطلبون السّرور في البشارة بمن تقدّم عليهم من إخوانهم كما يبشر بقدوم الغائب أهله.
ويروى «5» : «يؤتى الشّهيد بكتاب فيه من يقدم عليه من أهله» .
__________
(1) ذكر الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 85 عدة وجوه في تفسير قوله تعالى: فَبِإِذْنِ اللَّهِ وذكر هذا الوجه حيث قال: «الأول: إن إذن الله عبارة عن التخلية وترك المدافعة، استعار الإذن لتخلية الكفار فإنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم، لأن الإذن في الشيء لا يدفع المأذون عن مراده، فلما كان ترك المدافعة من لوازم الإذن أطلق لفظ الإذن على ترك المدافعة على سبيل المجاز» .
(2) هو قول الزجاج في معاني القرآن: 1/ 488، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 497 عن الزجاج أيضا.
وأورده الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 83 وقال: «كقوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ أي: إعلام، وكقوله: آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ، وقوله: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ، وكل ذلك بمعنى العلم» .
(3) في «ك» : في الشرط.
وانظر المحرر الوجيز: 3/ 412، والبحر المحيط: 3/ 108، والدر المصون: 3/ 475.
(4) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 7/ 380 عن ابن جريج والسدي.
وذكره النحاس في معاني القرآن: 1/ 508 دون عزو، ونقله الماوردي في تفسيره:
1/ 351 عن السدي، وابن جريج، والبغوي في تفسيره: 1/ 360 عن السدي.
وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 497 إلى ابن عباس، والحسن، وعكرمة، والضحاك، والسدي، وابن جريج.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 369، وعزا إخراجه إلى ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(5) أخرجه الطبريّ في تفسيره: 7/ 397، عن السدي، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره: 891 (سورة آل عمران) . وحسّن المحقق إسناده.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 353، وتفسير ابن كثير: 2/ 143، والدر المنثور: 2/ 375.
(1/218)

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)
واسم الشّهيد لأنّ أرواحهم أحضرت دار السّلام وأرواح غيرهم لا تشهدها إلى يوم البعث «1» ، أو لأنّ الله شهد لهم بالجنّة «2» .
ولما أراد معاوية أن يجري العين عند قبور الشّهداء أمر مناديا فنادى بالمدينة: من كان له قتيل فليخرج إليه، فخرجنا إليهم «3» وأخرجناهم رطابا، فأصاب المسحاة إصبع رجل من الشّهداء فانقطرت دما «4» .
173 الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ: هو نعيم «5» بن مسعود، ضمن له أبو سفيان مالا ليجبّن المؤمنين ليكون التأخر منهم «6» . وإقامة الواحد مقام الجمع لتفخيم الأمر، أو للابتداء كما لو انتظرت قوما، فجاء واحد قلت:
جاء النّاس.
175 يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ: يخوّفكم أولياءه «7» ، أو يخوّف بأوليائه،
__________
(1) اللسان: 3/ 242 (شهد) .
(2) ذكره ابن الجوزي في غريب الحديث: 1/ 570 عن ثعلب.
وانظر النهاية: 2/ 513، واللسان: 3/ 242 (شهد) .
(3) ذكر الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 96 أن القائل هو جابر بن عبد الله.
(4) راجع هذه الرواية في تفسير الفخر الرازي: 9/ 96.
(5) نعيم- بضم النون وبالعين المهملة- بن مسعود بن عامر بن أنيف الأشجعي. صحابي جليل، أسلم ليالي الخندق، وهو الذي أوقع الخلف بين الحيين قريظة وغطفان في وقعة الخندق.
ترجمته في الاستيعاب (4/ 1508، 1509) ، وأسد الغابة: 5/ 348، والإصابة:
6/ 461.
(6) المغازي للواقدي: 1/ 327، وطبقات ابن سعد: 2/ 59، وتاريخ الطبري: (2/ 560، 561) .
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 7/ 416 عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
قال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 490: «قال أهل العربية: معناه يخوفكم أولياءه، أي من أوليائه، والدليل على ذلك قوله جل وعز: فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي:
كنتم مصدقين فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم فقد سقط عنكم الخوف» . [.....]
(1/219)

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)
كقوله «1» : لِيُنْذِرَ بَأْساً، أو يخوّف أولياءه فيخافون. وأمّا المؤمنون فلا يخافون بتخويفه.
178 لِيَزْدادُوا إِثْماً «2» : لتكون عاقبة إبقائهم ازدياد الإثم «3» .
179 وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ: في تمييز المؤمنين من المنافقين لما فيه من رفع المحنة «4» .
وجمع بين الزّبر والكتاب «5» لاختلاف المعنى فهو زبور لما فيه من الزّبر والزّجر «6» ، وكتاب لضم الحروف وجمع الكلمات «7» .
[22/ أ] 194 رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا: فائدة الدّعاء/ لما هو كائن إظهار الخضوع للرّبّ «8» من العبد المحتاج إليه في كلّ حال.
__________
(1) سورة الكهف: آية: 2.
قال الفراء في معاني القرآن: 1/ 248: «المعنى: لينذركم بأسا شديدا، البأس لا ينذر وإنما ينذر به» .
وانظر تفسير الطبري: 7/ 417، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 512.
(2) الآية بتمامها: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 109، وتفسير الطبري: 7/ 421.
(4) ذكر الطبري في تفسيره: 7/ 427، والقرطبي في تفسيره: 4/ 289 وقال: «وهذا قول أكثر أهل المعاني» .
(5) في قوله تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ: 184.
(6) قال الزجاج في معاني القرآن: 1/ 495: «والزبور كل كتاب ذو حكمة» .
وذكر الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 128 قول الزجاج ثم قال: وعلى هذا الأشبه أن يكون معنى الزبور من الزبر الذي هو الزجر، يقال: زبرت الرجل إذا زجرته عن الباطل، وسمّي الكتاب زبورا لما فيه من الزبر عن خلاف الحق، وبه سمي زبور داود لكثرة ما فيه من الزواجر والمواعظ» .
وانظر هذا المعنى في تفسير القرطبي: 4/ 296، والبحر المحيط: 3/ 133، والدر المصون: 3/ 519.
(7) اللسان: 1/ 698 (كتب) .
(8) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 356، والفخر الرازي في تفسيره: (9/ 152، 153) وقال:
«هاهنا سؤال: وهو أن الخلف في وعد الله محال، فكيف طلبوا بالدعاء ما علموا أنه لا محالة واقع؟ والجواب عنه من وجوه: الأول: أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل، بل المقصود منه إظهار الخضوع والذلة والعبودية، وقد أمرنا بالدعاء في أشياء نعلم قطعا أنها توجد لا محالة، كقوله: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ، وقوله: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ اهـ.
(1/220)

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)
196 لا يَغُرَّنَّكَ: أي: أيّها السّامع «1» .
198 نُزُلًا: على معنى المصدر «2» ، أو على التفسير «3» كقولك: «هو لك هبة» .
199 سَرِيعُ الْحِسابِ: أي: المجازاة على الأعمال وأنّ وقتها قريب، أو محاسبة جميع الخلق في وقت واحد.
200 اصْبِرُوا: على طاعة الله، وَصابِرُوا أعداء الله.
وَرابِطُوا: في سبيل الله، وهو ربط الخيل في الثّغر «4» .
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/ 357، وتفسير الفخر الرازي: 9/ 157.
(2) الكشاف: 1/ 491، والتبيان للعكبري: 1/ 323، والبحر المحيط: 3/ 148، والدر المصون: 3/ 547.
(3) هو قول الفراء في معاني القرآن: 1/ 251. وقال الطبري في تفسيره: (7/ 494، 495) :
«ونصب نُزُلًا على التفسير من قوله: لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، كما يقال:
«لك عند الله جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا» ، وكما يقال: «هو لك صدقة» ، و «هو لك هبة» .
وانظر البحر المحيط: 3/ 148، والدر المصون: 3/ 547.
(4) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 117، وزاد المسير: 1/ 534، وتفسير الفخر الرازي: 9/ 156.
(1/221)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)
ومن سورة النساء
1 تَسائَلُونَ بِهِ: تطلبون حقوقكم به «1» .
وَالْأَرْحامَ: أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها «2» ، أو هو عطف على موضع بِهِ من «التساؤل» فما زالوا يقولون: أسألك بالله وبالرحم «3» .
وكسر الأرحام ضعيف «4» إذ لا يعطف على الضمير المجرور لضعفه، ولهذا ليس للمجرور ضمير منفصل.
رَقِيباً: حفيظا «5» ، وقيل «6» : عليما.
والحفيظ بإحصاء الأعمال، والعالم بها كلاهما رقيب عليها.
2 وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ: مال اليتيم بالطّيّب من مالكم.
3 وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ: أي: أدرك
__________
(1) نصّ هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 6.
(2) معاني القرآن للفراء: 1/ 252، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 118، وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (7/ 520- 522) عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، والربيع بن أنس، وابن زيد.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 2/ 8 عن عكرمة. [.....]
(3) تفسير الطبري: 7/ 518، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 8.
(4) كسر «الأرحام» لحمزة، وهو من القراء السبعة، ولا يضعف أي من القراءات السبع لأنها جميعا متواترة ثابتة إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
(5) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 113. وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 7/ 523 عن مجاهد. ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 3 عن ابن عباس، ومجاهد.
(6) نقله الماوردي في تفسيره: 1/ 359 عن ابن زيد.
وأخرج الطبري في تفسيره: 7/ 523 عن ابن زيد في قوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً على أعمالكم، يعلمها ويعرفها.
(1/222)

من النّساء، طابت الثمرة: أدركت «1» .
فالمراد التحذير من ظلم اليتيمة وأنّ الأمر في البالغة أخف.
وعن عائشة «2» - رضي الله عنها-: «أنها اليتيمة في حجر وليّها، فيرغب فيها ويقصّر في صداقها» .
وقيل «3» : كانوا يتحرّجون في اليتامى ولا يتحرّجون في النّساء فنزل، أي: إن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فخافوا كذلك في النّساء.
وجاء ما طابَ ولم يجيء «من» في اليتامى لأنّه قصد النكاح، أي:
انكحوا الطيّب الحلال، ف «ما» بمعنى المصدر «4» ، أو في معنى الجنس «5» .
كما يقال: ما عندك؟ فيقول: رجل.
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ: صيغ لأعداد مفردة مكررة في نفسها منعت الصّرف «6» إذ عدلت عن وضعها لفظا ومعنى «7» .
__________
(1) في اللسان: (درك) : أدركت الثمار: إذا بلغت أناها وانتهى نضجها.
(2) صحيح البخاري: 5/ 177، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى، وصحيح مسلم: 4/ 2313، كتاب التفسير، حديث رقم (3018) .
وانظر تفسير الطبري: (7/ 531- 533) ، وأسباب النزول للواحدي: (174، 175) ، وتفسير ابن كثير: 2/ 181، والدر المنثور: 2/ 427.
(3) أخرجه الطبريّ في تفسيره: (7/ 536- 538) عن سعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، والضحاك.
وذكره الواحدي في أسباب النزول: 175 وزاد نسبته إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
وورد نحو هذا المعنى في أثر أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 7/ 150 كتاب النكاح، باب عدد ما يحل من الحرائر والإماء عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) التبيان للعكبري: 1/ 328، والبحر المحيط: 3/ 162، والدر المصون: 3/ 561.
(5) ينظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 8، والتبيان للعكبري: 1/ 328، والبحر المحيط:
3/ 162.
(6) هذا مذهب جمهور النحاة وأجاز الفراء صرفها، وإن كان المنع عنده أولى.
ينظر معاني القرآن للفراء: 1/ 254، والدر المصون: 3/ 562.
(7) هو قول الزجّاج في معاني القرآن: 2/ 9 ونص قوله هناك: «معناه اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، إلا أنه لا ينصرف لجهتين لا أعلم أن أحدا من النحويين ذكرهما وهي أنه اجتمع فيه علتان أنه معدول عن اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأنه عدل عن تأنيث» .
(1/223)

تَعُولُوا: تجوروا «1» ، أو تميلوا «2» إلى واحدة منهن.
عال يعول عولا وعيالة، وعول الفريضة: ميل قسمتها عن قسمة سهامها «3» .
وقال الشّافعيّ «4» : معناه لا يكثر عيالكم ولكنّ الغابر منه يعيل.
وهبه لم يعرف اللّغة «5» ، أذهب عليه معنى الكلام، وهو أنّ الرّجل له
__________
(1) أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره: 1013 (سورة النساء) عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:
«لا تجوروا» .
قال ابن أبي حاتم: قال أبي هذا حديث خطأ، والصحيح عن عائشة موقوفا. وأورده ابن كثير في تفسيره: 2/ 185 وزاد نسبته إلى ابن مردويه وابن حبان عن عائشة مرفوعا.
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 117.
(2) معاني القرآن للفراء: 1/ 255، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 119.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (7/ 549- 552) عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والربيع بن أنس.
(3) قال أبو عبيد في غريب الحديث: 4/ 384: «والعول أيضا عول الفريضة، وهو أن تزيد سهامها فيدخل النقصان على أهل الفرائض ... وأظنه مأخوذا من الميل، وذلك أن الفريضة إذا عالت فهي تميل على أهل الفريضة جميعا فتنقصهم» .
وانظر تفسير الطبري: 7/ 548، ومفردات الراغب: 354، واللسان: 11/ 484 (عول) . [.....]
(4) ينظر كتاب الأم: (5/ 106) ، وأحكام القرآن: 1/ 260. وأورد المؤلف رحمه الله هذا القول في وضح البرهان: 1/ 273 ولم ينسبه للإمام الشافعي فقال: «ومن فسّره بكثرة العيال فقد حمله على المعنى لا على لفظ العيال، وإنما هو من قولهم: عال الميزان إذا رجحت إحدى كفتيه على الأخرى، فكأنه إذا كثر عياله ثقلت عليه نفقتهم ... » .
(5) هذا الوصف لا يليق بعلماء المسلمين فضلا عن أحد أبرز أئمتهم المشهود له بالتبحر في جميع العلوم.
وقد وجّه الزمخشري في الكشاف: (1/ 497، 498) توجيها غير الذي ذكره المصنف رحمه الله فقال: «والذي يحكى عن الشافعي- رحمه الله- أنه فسر أَلَّا تَعُولُوا: أن لا تكثر عيالكم، فوجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب. وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظن به تحريف «تعيلوا» إلى «تعولوا» فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا تظنن بكلمة خرجت من في أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا» وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العي من كلام الشافعي» شاهدا بأنه كان أعلى كعبا وأطول باعا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقا وأساليب، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات ... » .
وانظر رد الفخر الرازي في تفسيره: (9/ 183- 185) للاعتراض الوارد على قول الشافعي.
(1/224)

وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)
امرأتان أو واحدة/ أو ملك اليمين فهو يعولها «1» فكيف يكون أَلَّا [22/ ب] تَعُولُوا؟! بل ملك اليمين أدلّ على كثرة العيال لأنّ المباح من الأزواج أربع ومن ملك اليمين ما شاء. وقال الله «2» في موضع آخر: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فذكر الميل مع العدل.
4 صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً: كان الرّجل يصدق امرأته أكثر من مهر مثلها، فإذا طلّقها أبى إلّا مهر مثلها، فبيّن الله أنّ الزّيادة التي كانت في الابتداء تبرّعا و «نحلة» وجبت بالتسمية «3» . وقيل «4» : نحلة هبة من الله للنّساء.
__________
(1) ذكر الزجاج هذا الاعتراض في معاني القرآن: 2/ 11، والنحاس في معاني القرآن: 2/ 15 عن المبرد، والجصاص في أحكام القرآن: 2/ 57.
وقد رده الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 185 من وجهين فقال: «الأول: ما ذكره القفال- رضي الله عنه- وهو أن الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب، وإذا اكتسبن أنفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضا، وحينئذ تقل العيال، أما إذا كانت المرأة حرة لم يكن الأمر كذلك فظهر الفرق.
الثاني: أن المرأة إذا كانت مملوكة فإذا عجز المولى عن الإنفاق عليها باعها وتخلص منها، أما إذا كانت حرة فلا بد له من الإنفاق عليها، والعرف يدل على أن الزوج ما دام يمسك الزوجة فإنها لا تطالبه بالمهر، فإذا حاول طلاقها طالبته بالمهر فيقع الزوج في المحنة» .
(2) سورة النساء: آية: 129.
(3) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: (7/ 552، 553) عن ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد.
وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 11 وزاد نسبته إلى مقاتل.
(4) اختاره الفراء في معاني القرآن: 1/ 256، وعزاه الماوردي في تفسيره: (1/ 362، 363) إلى أبي صالح.
وانظر أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 316.
(1/225)

وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)
هَنِيئاً: هنأني الطّعام ومرأني «1» ، وهنوء ومروء وهنيته «2» ، فإذا أفردت قلت: أمرأني.
5 وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ: أي: [الجهال] «3» بموضع الحق.
أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً: أي: التي بها قوام أمركم»
، أو جعلها تقيمكم فتقومون بها قياما «5» .
6 أَنْ يَكْبَرُوا: أي: لا تأكلوا مخافة أن يكبروا فتمنعوا «6» عنه.
وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ: قرضا ثم يقضيه «7» .
__________
(1) نصّ هذا القول في معاني القرآن للزجاج: (2/ 12، 13) ، وقال: «وهذا حقيقته أن «مرأني» تبينت أنه سينهضم وأحمد مغبته، فإذا قلت: أمرأني الطعام فتأويله أنه قد انهضم وحمدت مغبته» .
وانظر معاني القرآن للنحاس: 2/ 18، وتفسير القرطبي: 5/ 27، والدر المصون:
3/ 579.
(2) اللسان: 1/ 185 (هنأ) .
(3) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(4) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 120: «قياما وقواما بمنزلة واحدة. يقال: هذا قوام أمرك وقيامه، أي: ما يقوم به أمرك» .
وأخرج الطبري في تفسيره: 7/ 570 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وقوله:
قِياماً، بمعنى: «قوامكم في معايشكم» .
وأخرج- نحوه- عن الحسن، ومجاهد. وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 14، وزاد المسير: 2/ 13.
(5) نصّ هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 14.
(6) قال الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 197: «أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا» .
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (7/ 582- 585) عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وأبي العالية، وأبي وائل.
واختاره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 14، وانظر زاد المسير: 2/ 16، وتفسير الفخر الرازي: 9/ 198.
وقال ابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 326: «والصحيح أنه لا يقضي لأن النظر له، فيتعين به الأكل بالمعروف، والمعروف هو حق النظر» .
(1/226)

لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)
وقال الحسن «1» : لا يقضي ما صرفه إلى ستر العورة وردّ الجوعة.
7 وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ: إذ كانت العرب لا تورّث البنات «2» .
10 إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً: لما كانت غايتهم النّار «3» .
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/ 365، وزاد نسبته إلى إبراهيم النخعي، ومكحول، وقتادة.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 7/ 587 عن إبراهيم النخعي.
قال الطبري رحمه الله (7/ 593، 594) : «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: «المعروف» الذي عناه الله تبارك وتعالى في قوله: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه الاستقراض منه فأما على غير ذلك الوجه، فغير جائز له أكله.
وذلك أن الجميع مجمعون على أن والي اليتيم لا يملك من مال يتيمه إلّا القيام بمصلحته:
فلما كان إجماعا منهم أنه غير مالكه، وكان غير جائز لأحد أن يستهلك مال أحد غيره، يتيما كان ربّ المال أو مدركا رشيدا، وكان عليه إن تعدى فاستهلكه بأكل أو غيره، ضمانة لمن استهلكه عليه، بإجماع من الجميع، وكان والي اليتيم سبيله سبيل غيره في أنه لا يملك مال يتيمه كان كذلك حكمه فيما يلزمه من قضائه إذا أكل منه، سبيله سبيل غيره، وإن فارقه في أن له الاستقراض منه عند الحاجة إليه، كما له الاستقراض عليه عند حاجته إلى ما يستقرض عليه، إذا كان قيّما بما فيه مصلحته ... » . [.....]
(2) ينظر تفسير الطبري: 7/ 597، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 23، وأسباب النزول للواحدي: (137، 138) ، وتفسير ابن كثير: 2/ 191.
(3) ذكر- نحوه- النحاس في معاني القرآن: 2/ 27 حيث قال: هذا مجاز في اللّفظ، وحقيقته في اللغة: «أنه لما كان ما يأكلون يؤديهم إلى النار، كانوا بمنزلة من يأكل النار، وإن كانوا يأكلون الطيبات» .
وانظر تفسير الفخر الرازي: 9/ 207.
وفي الآية قول آخر وهو إجراؤها على ظاهرها، وقد أخرج الطبريّ في تفسيره: (8/ 26، 27) عن السدي قال: «إذا قام الرجل يأكل مال اليتيم ظلما، يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم، وأخرج عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حدثنا النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ليلة أسري به، قال: نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا» .
وأورد ابن كثير هذا الأثر في تفسيره: 2/ 194 وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا ولم يعلّق عليه.
(1/227)

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)
وَسَيَصْلَوْنَ: صلي النّار وبالنّار يصلى صلاء: إذا لزمها «1» .
وَسَيَصْلَوْنَ: بالضم «2» من صليته [أصليه] «3» نارا، لازم ومتعد.
وفي الحديث «4» : «أتي بشاة مصليّة» أي: مشويّة «5» .
11 فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ: أي: الأخوان فصاعدا، يحجب الإخوة الأمّ عن الثلث «6» ، وإن لم يرثوا مع الأب معونة للأب إذ هو كافيهم
__________
(1) اللّسان: 14/ 65 (صلا) ، ونقل الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 202 عن أبي زيد الأنصاري: «يقال: صلى الرجل النار يصلاها صلى وصلاء وهو صالى النار، وقوم صالون وصلاء» .
وقال الفراء في كتابه المقصور والممدود: 36: «والصّلاء بالنار يكسر ويمد وقد يقصر، والمدّ أكثر والقصر قليل» .
(2) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم في رواية شعبة.
السبعة لابن مجاهد: 227، والتبصرة لمكي: 179.
(3) عن نسخة «ج» .
(4) أخرجه الترمذي في سننه: 3/ 61، كتاب الصوم، باب «ما جاء في كراهية صوم يوم الشك» حديث رقم (686) عن عمار بن ياسر رضي الله عنه موقوفا، وقال: حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائي في سننه: 4/ 153، كتاب الصوم، باب «صيام يوم الشك» حديث رقم (2188) وذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 130، والزجاج في معاني القرآن: 2/ 65، والنحاس في معاني القرآن: 2/ 117.
(5) ينظر مفردات الراغب: 285، وغريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 602، وقال ابن الأثير في النهاية: 3/ 50 «يقال: صليت اللحم- بالتخفيف-: أي شويته، فهو مصليّ ... فأما إذا أحرقته وألقيته في النار قلت صلّيته بالتشديد، وأصليته.
(6) هذا قول الجمهور في أن الأخوين يحجبان الثلث عن الأم. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّ أقل الجمع ثلاثة إخوة.
قال الطبري رحمه الله في تفسيره: (8/ 39، 40) : «اختلف أهل التأويل في عدد الأخوة الذين عناهم الله تعالى ذكره بقوله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ.
فقال جماعة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والتابعين لهم بإحسان، ومن بعدهم من علماء أهل الإسلام في كل زمان: عنى الله جل ثناؤه بقوله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، اثنين كان الأخوة أو أكثر منهما ... واعتل كثير ممن قال ذلك، بأن ذلك قالته الأمة عن بيان الله جل ثناؤه على لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فنقلته أمة نبيه نقلا مستفيضا قطع العذر مجيئه، ودفع الشك فيه عن قلوب الخلق وروده.
وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: بل عنى الله جل ثناؤه بقوله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ، جماعة أقلها ثلاثة. وكان ينكر أن يكون الله جل ثناؤه حجب الأم عن ثلثها مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة ... » .
(1/228)

وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)
وكافلهم «1» وهذا معنى لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً.
فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ: حال مؤكّدة «2» .
و «الكلالة» «3» : ما عدا الوالد والولد «4» من القرابة المحيطة بالولاد «5» إحاطة الإكليل بالرأس «6» . ونصبه على الحال «7» .
12 غَيْرَ مُضَارٍّ: حال «8» ، أي: غير مضار لورثته بأن يوصي فوق الثلث.
__________
(1) ينظر أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 339، وقال القرطبي في تفسيره: 5/ 72: «الإخوة يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، وهذا هو حجب النقصان، وسواء كان الإخوة أشقاء أو للأب أو للأم، ولا سهم لهم» .
(2) قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 25: «منصوب على التوكيد والحال من وَلِأَبَوَيْهِ أي:
ولهؤلاء الورثة ما ذكرنا مفروضا. ففريضة مؤكدة لقوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ وانظر المحرر الوجيز: 3/ 519، والدر المصون: 3/ 606.
(3) من قوله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً ... آية: 12.
(4) رجح الطبري هذا القول في تفسيره: 8/ 60، والفخر الرازي في تفسيره: 9/ 229.
(5) كذا في «ك» ، ووضح البرهان. وأشار ناسخ الأصل إلى نسخة أخرى ورد فيها: «بالولادة» ، وهو موافق لما جاء في تفسير الفخر الرازي: 9/ 229.
(6) عن تفسير الماوردي: 1/ 371 وأضاف: «فكذلك الكلالة لإحاطتها بأصل النسب الذي هو الوالد والولد» .
وانظر تفسير الفخر الرازي: (9/ 229، 230) ، والدر المصون: 3/ 607. [.....]
(7) مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 192، والتبيان للعكبري: 1/ 336، والبحر المحيط:
3/ 189، والدر المصون: 3/ 608.
(8) معاني القرآن للزجاج: 2/ 27، والكشاف 1/ 510، والتبيان للعكبري: 1/ 337، والدر المصون: 3/ 611.
(1/229)

وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)
14 يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها: خالِداً: حال من الهاء «1» في يُدْخِلْهُ، أو صفة للنّار «2» بمعنى نارا خالدا هو فيها، كقولك: زيد مررت [23/ أ] بدار ساكن/ فيها.
15 وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ: منسوخة «3» . والسّبيل التي جعل الله لهنّ الجلد والرّجم. ومن لا يرى النّسخ «4» يحملها على سحق النساء، والسّبيل:
التزوج.
16 وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ: الرجلان يخلوان بالفاحشة بينهما بدليل تثنية الضّمير على التذكير دون جمعه «5» .
__________
(1) معاني القرآن للزجاج: 1/ 27، والبحر المحيط: 3/ 192.
(2) أجاز الزجاج هذا الوجه في معاني القرآن: 1/ 27، ومنعه الزمخشري في الكشاف:
1/ 511 فقال: «فإن قلت: هل يجوز أن يكونا صفتين ل «جنات» و «نارا» ؟ قلت: لا لأنهما جريا على غير من هما له، فلا بد من الضمير وهو قولك: خالدين هم فيها، وخالدا هو فيها» .
وأورد أبو حيان في البحر المحيط: 3/ 192 قول الزجاج ثم قال «وما ذكره ليس مجمعا عليه بل فرع على مذهب البصريين، وأما عند الكوفيين فيجوز ذلك ولا يحتاج إلى إبراز الضمير إذا لم يلبس على تفصيل لهم في ذلك ذكر في النحو وقد جوّز ذلك في الآية الزجاج والتبريزي أخذا بمذهب الكوفيين» .
(3) ذكره النحاس في معاني القرآن: 2/ 39، ونقله الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 232 عن جمهور المفسرين. وقال ابن كثير في تفسيره: 2/ 204: «وهو أمر متفق عليه» .
ودليل هذا المذهب قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ سورة النور: آية: 2، والحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: 3/ 1316، كتاب الحدود، باب «حد الزنا» ، حديث رقم (1690) عن عبادة بن الصامت قال: كان نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أنزل عليه أثر عليه وكرب لذلك وتربد له وجهه، فأنزل الله عز وجل عليه ذات يوم، فلما سرى عنه قال: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» .
(4) ذكره الفخر الرازي في تفسيره: 9/ 239 وعزاه إلى أبي مسلم الأصفهاني.
وقال المؤلف- رحمه الله- في كتابه وضح البرهان: 1/ 277: «وابن بحر لا يرى النسخ، فيحملها على خلوة المرأة بالمرأة في فاحشة السحق» .
(5) وهو قول مجاهد كما أخرجه الطبري في تفسيره: 8/ 82، وضعّفه الطبري. وأورد النحاس قول مجاهد في معاني القرآن: 2/ 40 ثم قال: «وهذا الصحيح في اللغة الذي هو حقيقة، فلا يغلب المؤنث على المذكر إلا بدليل» .
وقال ابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 360: «والصواب مع مجاهد، وبيانه أنّ الآية الأولى نصّ في النّساء بمقتضى التأنيث والتصريح باسمهن المخصوص لهن، فلا سبيل لدخول الرجال فيه، ولفظ الثانية يحتمل الرجال والنساء، وكان يصح دخول النساء معهم فيها لولا أنّ حكم النساء تقدم، والآية الثانية لو استقلت لكانت حكما آخر معارضا له، فينظر فيه، ولكن لما جاءت منوطة بها، مرتبطة معها، محالة بالضمير عليها فقال:
يَأْتِيانِها مِنْكُمْ علم أنه أراد الرجال ضرورة ... » .
(1/230)

وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)
18 أَعْتَدْنا: أفعلنا من «العتاد» ، ومعناه: أعددناه من العدّة «1» .
19 أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً: يحبسها وهو كارهها ليرثها «2» . أو على عادة الجاهلية في وراثة وليّ الميّت امرأته، يمسكها بالمهر الأول أو يزوّجها ويأخذ مهرها «3» نزلت «4» في كبشة «5» بنت معن الأنصارية ومحصن «6» بن قيس الأنصاري.
__________
(1) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 120، وانظر تفسير الطبري: 8/ 103، ومفردات الراغب: 321، وتفسير الفخر الرازي: 10/ 10.
(2) تفسير الطبري: 8/ 108، وتفسير ابن كثير: 2/ 209، والدر المنثور: 2/ 462.
(3) ينظر هذا المعنى في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 178، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ... عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر تفسير الطبري: 8/ 104، وأسباب النزول للواحدي: 178، وتفسير البغوي:
1/ 408، والدر المنثور: 2/ 462.
(4) تفسير الطبري: 8/ 106، وأسباب النزول للواحدي 178، والدر المنثور:
2/ 463.
(5) كذا في الدر المنثور: 2/ 463. ويقال: «كبيشة» كما في تفسير الطبري: 8/ 106، وأسباب النزول: (178، 179) .
وانظر ترجمتها في أسد الغابة: (7/ 250، 251) ، والإصابة: 8/ 92.
(6) ذكر الواحدي في أسباب النزول: 178 أن اسمه «حصن» ، ونقل عن مقاتل أن اسمه قيس بن أبي قيس.
(1/231)

وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)
19 بِفاحِشَةٍ: نشوز «1» . وقيل «2» : زنا فيحل أخذ الفدية.
مُبَيِّنَةٍ: متبيّنة، يقال: بيّن الصّبح لذي عينين.
بِالْمَعْرُوفِ: النّصفة في القسم والنّفقة «3» .
20 أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً: ظلما كالظلم بالبهتان، أو تبهتوا أنكم ما ملكتموه منهن.
21 أَفْضى: خلا بها «4» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (8/ 116، 117) عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وعطاء بن أبي رباح. ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 374 عن ابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم. وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 41 وزاد نسبته إلى ابن مسعود رضي الله عنه. [.....]
(2) أخرجه الطبريّ في تفسيره: (8/ 115، 116) عن الحسن، والسدي، وعطاء الخراساني، وأبي قلابة. وانظر هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 30، ومعاني القرآن للنحاس:
2/ 46، وتفسير الماوردي: 1/ 374، وزاد المسير: 2/ 41.
قال الطبري رحمه الله- بعد أن ذكر القولين-: «وأولى ما قيل في تأويل قوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، أنه معنيّ به كل فاحشة: من بذاء باللسان على زوجها، وأذى له، وزنا بفرجها. وذلك أن الله جل ثناؤه عمّ بقوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، كلّ فاحشة متبينة ظاهرة، فكل زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زنا أو نشوز، فله عضلها على ما بين الله في كتابه، والتضييق عليها حتى تفتدي منه، بأي معاني الفواحش أتت، بعد أن تكون ظاهرة مبيّنة بظاهر كتاب الله تبارك وتعالى، وصحة الخبر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
(3) هذا معنى قول الزجاج في معاني القرآن: 2/ 30، وانظر معاني القرآن للنحاس: 2/ 47، وتفسير الفخر الرازي: 10/ 13.
(4) قال الفراء في معاني القرآن: 1/ 259: «الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها» .
وفسّر ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 122: «الإفضاء» بالمجامعة.
وقال الطبري في تفسيره: 8/ 125: « ... والذي عني به «الإفضاء» في هذا الموضع، الجماع في الفرج» . وأخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «الإفضاء الجماع، ولكن الله يكني» .
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 10/ 14: «وإفضاء بعضهم إلى البعض هو الجماع على قول أكثر المفسرين ... » .
(1/232)

وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)
مِيثاقاً غَلِيظاً: أي: عقد النكاح، فكان يقال في النكاح: الله عليك لتمسكنّ بمعروف أو لتسرّحنّ بإحسان «1» .
22 وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ بمعنى المصدر «2» ، أي: نكاحهم، فيجوز هذا المصدر على حقيقته ويتناول جميع أنكحة الجاهلية المحرّمة.
ويجوز بمعنى المفعول به، أي: لا تنكحوا منكوحة آبائكم صنيع الجاهلية «3» ، أي: لا تطئوا موطوءتهم.
إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ: أي: لكن ما سلف فمعفوّ.
23 أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ: أي: دون من تبنيتم «4» به، إذ دخل
__________
(1) أخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: 8/ 127 عن قتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 476 وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة.
(2) اختاره الطبري في تفسيره: 8/ 137 وقال: «ويكون قوله: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ بمعنى الاستثناء المنقطع، لأنه يحسن في موضعه: «لكن ما قد سلف فمضى» - إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا» .
وذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 375، وقال: «هذا قول بعض التابعين» .
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (8/ 133- 135) عن ابن عباس، وقتادة، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح.
وذكره القرطبي في تفسيره: 5/ 103 وقال عنه: «أصح، وتكون «ما» بمعنى «الذي» و «من» . والدليل عليه أن الصحابة تلقت الآية على ذلك المعنى، ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء ... » .
(4) أخرج الطبري في تفسيره: (8/ 149، 150) : عن عطاء بن أبي رباح قال: «كنا نحدّث، والله أعلم، أنها نزلت في محمد صلّى الله عليه وسلّم، حين نكح امرأة زيد بن حارثة، قال المشركون في ذلك، فنزلت: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ونزلت: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ، ونزلت: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ.
ونقل ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 48 عن عطاء قال: «إنما ذكر الأصلاب، لأجل الأدعياء» .
وانظر معاني القرآن للنحاس: 1/ 55، وأحكام القرآن لابن العربي: 1/ 379، والمحرر الوجيز: 3/ 555.
(1/233)

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)
فيه حلائل أبناء الرّضاع «1» .
24 وَالْمُحْصَناتُ: أحصن فهو محصن، مثل: أسهب فهو مسهب، وألفج فهو ملفج «2» .
ومعنى أحصن «3» : دخل في الحصن، مثل أحزن وأسهل وأسلم، وإن كان متعديا فإدخال النّفس في الحصن «4» . والاتفاق على النّصب «5» في هذا الموضع للاتفاق على أنهنّ ذوات الأزواج وأنّهن محرّمات «6» .
__________
(1) تفسير الطبريّ: 8/ 149، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 3/ 555: «وحرمت حليلة الابن من الرضاع- وإن لم يكن للصلب- بالإجماع المستند إلى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» اهـ.
ينظر الحديث في صحيح الإمام البخاري: 6/ 125، كتاب النكاح، باب «وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» .
وصحيح الإمام مسلم: 3/ 1068، كتاب النكاح، باب «ما يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» ، حديث رقم (1444) .
(2) في تهذيب اللّغة: 6/ 136 عن ابن الأعرابي قال: «كلام العرب كله على «أفعل» فهو «مفعل» إلّا ثلاثة أحرف: أسهب فهو مسهب، وأحصن الرجل فهو محصن، وألفج فهو ملفج: إذا أعدم» .
وزاد ابن سيده في المحكم: (3/ 110، 111) عن ابن الأعرابي: «وأسهم فهو مسهم» .
وانظر اللسان: 13/ 120 (حصن) ، والدر المصون: 3/ 646.
(3) عبارة المؤلف رحمه الله في كتابه وضح البرهان: 1/ 280: «وللإحصان معنيان: لازم ومتعد. لازم على معنى الدخول في الحصن، مثل: أسهل وأحزن وأسلم وأمن.
والمتعدي على معنى إدخال النفس في الحصن» .
(4) في «ج» : فإدخال النفس الحصن.
(5) السبعة لابن مجاهد: 230.
وقال أبو علي الفارسي في الحجة: 3/ 146: «ولم يختلف أحد من القراء في هذه وحدها أنها بفتح الصاد ... » .
وانظر الكشف لمكي: 1/ 384، والدر المصون: 3/ 645.
(6) في وضح البرهان: 1/ 280: «فإنهن محرمات على غير الأزواج» .
وانظر تفسير الطبري: 8/ 165، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 56، والمحرر الوجيز:
4/ 6، وتفسير القرطبي: 5/ 121، وتفسير ابن كثير: 2/ 223.
(1/234)

وقال أبو عبيدة «1» : «المحصنة ذات الزوج، وأما العفيفة فهي الحصان «2» والحاصن» .
إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ: بالسّبي «3» .
كِتابَ اللَّهِ: أي: حرّم ذلك كتابا/ من الله عليكم، مصدر لغير [23/ ب] فعله «4» .
فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ: من هبة المهر، أو حطّ بعضه، أو تأجيله، أو زيادة الزّوج عليه» .
__________
(1) أبو عبيدة: (110- 210 هـ) .
هو معمر بن المثنى التيمي البصري، أبو عبيدة، الإمام النحوي، اللغوي، الأديب.
صنف مجاز القرآن، نقائض جرير والفرزدق، معاني القرآن، ... وغير ذلك.
أخباره في: طبقات النحويين للزبيدي: (175- 178) ، وفيات الأعيان: 5/ 235، وسير أعلام النبلاء: 9/ 445. [.....]
(2) في مجاز القرآن: 1/ 112: والحاصن: العفيفة.
قال السمين الحلبي في الدر المصون: (3/ 646، 647) : «وأصل هذه المادة الدلالة على المنع ومنه «الحصن» لأنه يمنع به، و «حصان» للفرس من ذلك. ويقال: أحصنت المرأة وحصنت، ومصدر حصنت: «حصن» عن سيبويه، و «حصانة» عن الكسائي وأبي عبيدة، واسم الفاعل من أحصنت محصنة، ومن حصنت حاصن ... ويقال لها: «حصان» أيضا بفتح الحاء» .
(3) لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه:
2/ 1079، كتاب الرضاع، باب «جواز وطء المسبية بعد الاستبراء» أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم، فظهروا عليهم، فأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل في ذلك: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن» اهـ.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 8/ 151 عن ابن عباس رضي الله عنهما. ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 50 عن علي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم.
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 260، وتفسير الطبري: 8/ 169، وتفسير الماوردي: 1/ 377.
(5) قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 8/ 181: «وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ولا حرج عليكم أيها الناس، فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من بعد إعطائهن أجورهن على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن، من حطّ ما وجب لهن عليكم، أو إبراء، أو تأخير ووضع. وذلك نظير قوله جل ثناؤه: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً اهـ.
(1/235)

وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)
و «الخدن» «1» : الأليف في الريبة «2» ، والعنت: الزنا «3» ، أو شهوة الزنا «4» .
وقال الحسن «5» : العنت ما يكون من العشق فلا يتزوّج الحرّ بأمة إلّا إذا أعتقها «6» .
25 وَأَنْ تَصْبِرُوا: أي: عن نكاح الإماء لما فيه من إرقاق الولد.
26 يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ: اللام في تقدير المصدر، أي: إرادة الله التبيين لكم كقوله «7» : [لِلَّذِينَ] «8» هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ: أي: الذين هم رهبهم لربهم «9» .
__________
(1) من الآية: 25 سورة النساء.
(2) قال الطبري في تفسيره: 8/ 193: «الأخدان: اللواتي حبسن أنفسهن على الخليل والصديق، للفجور بها سرا دون الإعلان بذلك» .
وفي اللسان: 13/ 139 (خدن) : «والخدن والخدين: الذي يخادنك فيكون معك في كل أمر ظاهر وباطن» .
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (8/ 204- 206) عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 2/ 67 عن الشعبي.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 380، وزاد المسير: 2/ 58.
(4) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 42. وقال الطبري رحمه الله في تفسيره: 8/ 206:
«والصواب من القول في قوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ، ذلك لمن خاف منكم ضررا في دينه وبدنه» .
(5) لم أقف على هذا القول المنسوب للحسن رحمه الله تعالى.
(6) في «ج» : عشقها.
(7) سورة الأعراف: آية: 154.
(8) في الأصل: «والذين» ، وما جاء في «ك» موافق لرسم المصحف.
(9) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: (2/ 42، 43) .
وانظر البحر المحيط: 2/ 225، والدر المصون: 3/ 659.
(1/236)

يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)
28 ضَعِيفاً: أي: في أمر النّساء «1» .
29 وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ: بعضكم بعضا وجعله «قتل أنفسهم» لأنّ أهل الدّين الواحد كنفس واحدة. أو معنى القتل: أكل الأموال بالباطل «2» ، فظالم غيره كمهلك نفسه.
31 مُدْخَلًا اسم الموضع «3» ، أو هو مصدر «4» أي: إدخالا كريما.
33 جَعَلْنا مَوالِيَ: عصبات من الورثة «5» ، والمولى: كل من يليك ويواليك، فيدخل فيه مولى اليمين، والحليف، والقريب، وابن العمّ، والمنعم، والمنعم عليه، والمعتق والمعتق، والوليّ في الدّين «6» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 8/ 216، وابن أبي حاتم في تفسيره: 1199 (سورة النساء) عن طاوس. وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 60 إلى طاوس، ومقاتل.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 494 وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وابن المنذر عن طاوس.
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 10/ 74: «اتفقوا على أن هذا نهي عن أن يقتل بعضهم بعضا» . [.....]
(2) ذكره البغوي في تفسيره: 1/ 418.
(3) ذكر الطبري هذا المعنى في تفسيره: (8/ 257، 258) ، وأبو علي الفارسي في الحجة:
(3/ 153- 155) توجيها لقراءة نافع «مدخلا» بفتح الميم، وانظر السبعة لابن مجاهد:
232، والكشف لمكي: 1/ 386، والدر المصون: 3/ 665.
(4) تفسير الطبري: 8/ 359، والبحر المحيط: 3/ 235، والدر المصون: 3/ 665.
(5) أخرج الإمام البخاري في صحيحه: (5/ 178، 179) ، كتاب التفسير، باب قوله تعالى:
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ورثة» .
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (8/ 170، 271) عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 384، وتفسير ابن كثير: 2/ 252، والدر المنثور: 2/ 509.
(6) صحيح البخاري: 5/ 178 عن معمر. وانظر تفسير الطبري: 8/ 269، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 75.
(1/237)

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)
وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ: الحلفاء، فنسخ «1» .
34 الرِّجالُ قَوَّامُونَ: بالتأديب والتدبير، في رجل لطم امرأته فهمّ النّبيّ عليه السلام- بالقصاص «2» .
34 قانِتاتٌ: قيّمات بحقوق أزواجهن «3» .
بِما حَفِظَ اللَّهُ: بما حفظهن الله في مهورهن ونفقتهن «4» .
36 وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى: القريب والمعارف.
وعن ميمون «5» بن مهران أنه الذي يتوصّل إليك بجوار قرابتك.
__________
(1) راجع رواية البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما التي تقدمت قبل.
(2) تفسير الطبري: (8/ 291، 292) ، وأسباب النزول للواحدي: (182، 183) ، وتفسير البغوي: 1/ 422.
(3) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 47. وذكره النحاس في معاني القرآن:
2/ 77. وقيل في معنى: قانِتاتٌ أي: مطيعات.
ينظر تفسير الطبري: 8/ 294، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 77، وتفسير الماوردي:
1/ 385.
(4) عن معاني القرآن للنحاس: 2/ 78. وانظر تفسير الطبري: 8/ 296.
(5) ميمون بن مهران: (37- 117 هـ) .
هو ميمون بن مهران الجزري الرقي، أبو أيوب، الإمام التابعي، الفقيه المشهور.
قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: 556: «ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، وكان يرسل، من الرابعة» .
راجع ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي: 77، تذكرة الحفاظ: 1/ 98، وسير أعلام النبلاء: 5/ 71، وقد أخرج الطبري عنه هذا القول في تفسيره: 8/ 336، ثم قال: «وهذا القول قول مخالف المعروف من كلام العرب. وذلك أن الموصوف بأنه «ذو القرابة» في قوله: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى، الجار دون غيره. فجعله قائل هذه المقالة جار ذي القرابة.
ولو كان معنى الكلام كما قال ميمون بن مهران لقيل: «وجار ذي القرابة» ، ولم يقل:
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى، فكان يكون حينئذ- إذا أضيف «الجار» إلى ذي القربى الوصية ببر جار ذي القرابة، دون الجار ذي القربى. وأما و «الجار» بالألف واللام، فغير جائز أن يكون «ذي القربى» إلا من صفة «الجار» . وإذا كان ذلك كذلك، كانت الوصية من الله في قوله:
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى ببرّ الجار ذي القربى، دون جار ذي القرابة. وكان بينا خطأ ما قال ميمون بن مهران في ذلك» .
وانظر رد ابن عطية لقول ميمون في المحرر الوجيز: 4/ 52.
(1/238)

وَالْجارِ الْجُنُبِ: الغريب «1» . والجنب صفة على «فعل» كناقة أجد.
ومن قرأ «2» : وَالْجارِ الْجُنُبِ فتقديره: ذي الجنب، أي:
النّاحية «3» .
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ: الزّوجة «4» . وقيل «5» : رفيق السّفر الذي ينزل بجنبك.
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 126، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 126، وتفسير الطبري: 8/ 339، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 50.
(2) بفتح الجيم وسكون النون، وهي قراءة عاصم في رواية المفضل عنه. وقراءة الأعمش، ينظر تفسير الفخر الرازي: 10/ 100، وتفسير القرطبي: 5/ 183، والبحر المحيط:
3/ 254، والدر المصون: 3/ 676.
(3) معاني القرآن للأخفش: 1/ 446.
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (8/ 342، 343) عن علي بن أبي طالب، وعبد الله ابن مسعود، وابن عباس، وإبراهيم النخعي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 532 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه.
ونسبه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه. [.....]
(5) ذكره أبو عبيد في مجاز القرآن: 1/ 126، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 127، وأخرجه الطبري في تفسيره: (8/ 340- 342) ، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة، والسدي، والضحاك.
قال الطبري رحمه الله: «والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى «الصاحب بالجنب» ، الصاحب إلى الجنب، كما يقال: «فلان بجنب فلان، وإلى جنبه» ، وهو من قولهم: «جنب فلان فلانا فهو يجنبه جنبا» ، إذا كان لجنبه ... وقد يدخل في هذا: الرفيق في السفر، والمرأة والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاء نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريب منه. وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب» .
(1/239)

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)
وَابْنِ السَّبِيلِ: الضّيف، يجب قراه وتبليغه مقصده «1» .
37 وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ: يجحدون اليسار «2» اعتذارا عن البخل «3» .
41 فَكَيْفَ إِذا جِئْنا: أي: فكيف حالهم، والحذف في مثله «4» أبلغ.
[24/ أ] مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ: بنبيّها يشهد عليها «5» . /
وكان ابن مسعود يقرأ «النّساء» على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فلمّا بلغ الآية دمعت عيناه صلّى الله عليه وسلّم «6» .
42 لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ: أي: يودون لو جعلوا والأرض سواء «7» ،
__________
(1) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 50. وذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 267، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 127.
وأخرجه الطبري في تفسيره: (8/ 346، 347) عن مجاهد، وقتادة، والضحاك.
(2) أي ينكرون الغنى الذي هم فيه.
(3) ذكر ابن الجوزي هذا القول في زاد المسير: 2/ 82 عن الماوردي.
وذكر قولا آخر هو: أنهم اليهود، أوتوا علم نعت محمد صلّى الله عليه وسلّم فكتموه، وقال: «هذا قول الجمهور» ، ورجحه الطبري في تفسيره: 8/ 354.
(4) قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 53: «أي فكيف تكون حال هؤلاء يوم القيامة، وحذف «تكون حالهم» لأن في الكلام دليلا على ما حذف، و «كيف» لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها معنى التوبيخ ...
وانظر هذا المعنى في معاني القرآن للنحاس: 1/ 89، وزاد المسير: 2/ 85.
(5) ينظر تفسير الطبري: 8/ 369، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 54، وتفسير الماوردي:
1/ 391، وزاد المسير: 2/ 86.
(6) ثبت ذلك في صحيح البخاري: 6/ 113، كتاب «فضائل القرآن» ، باب «قول المقرئ للقارئ حسبك» ، وصحيح مسلم: 1/ 551، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب «فضل استماع القرآن» .
(7) تفسير الطبريّ: 8/ 372، وذكره النحاس في معاني القرآن: 2/ 90، وقال: «ويدل على هذا: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً، وكذلك تُسَوَّى لو سوّاهم الله عز وجل لصاروا ترابا مثلها» .
وانظر هذا القول في تفسير الماوردي: 1/ 392، وتفسير البغوي: 1/ 430، والكشاف: - 1/ 528، وتفسير القرطبي: 5/ 198، والدر المصون: 3/ 685.
(1/240)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)
أو تعدل بهم الأرض على وجه الفداء «1» .
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ: أي: لا تكتمه جوارحهم وإن كتموه «2» .
43 إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ إلّا مجتازا «3» لدلالة الصّلاة على المصلّى «4» .
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ. قال عطاء «5» ، وسعيد بن جبير: هو اللّمس.
وقال عبيد «6» بن عمير: هو الجماع، فذكر ذلك لابن عبّاس، فقال:
__________
(1) ذكره أبو حيان في البحر المحيط: 3/ 253، والسمين الحلبي في الدر المصون: 3/ 686.
قال أبو حيان: وقيل: المعنى لو تعدل بهم الأرض، أي: يؤخذ منها ما عليها فدية» .
(2) عن معاني القرآن للأخفش: 1/ 446، وأخرج الطبري معنى هذا القول في تفسيره:
8/ 373 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر تفسير المشكل لمكي: 142، والمحرر الوجيز: (5/ 68، 69) .
(3) في «ج» : مجتازين.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (8/ 382- 385) عن ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، والزهري، ورجح الطبري هذا القول على قول من قال إنه سبيل المسافر إذا كان جنبا لا يصلي حتى يتيمم.
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 127، وتفسير الماوردي: 1/ 393، وزاد المسير:
2/ 90.
(4) تفسير الطبري: 8/ 382، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 198.
(5) عطاء: (27- 114 هـ) .
هو عطاء بن أبي رباح، المكي، القرشي مولاهم. الإمام التابعي الجليل.
حدّث عن عائشة، وأم سلمة، وأم هانئ، وأبي هريرة، وابن عباس وغيرهم من الصحابة.
ترجمته في سير أعلام النبلاء: (5/ 78- 88) ، وتهذيب التهذيب: (7/ 199- 203) ، وطبقات الحفاظ: 39.
(6) هو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي المكي.
ولد في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحدّث عن أبيه، وعن عمر بن الخطاب، وعلي، وأبي ذر، وعائشة، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس ... وغيرهم.
قال عنه الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء: 4/ 157: «وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة، وكان يذكر الناس، فيحضر ابن عمر رضي الله عنهما مجلسه» . -
- توفي عبيد بن عمير سنة أربع وسبعين للهجرة.
وانظر ترجمته في طبقات ابن سعد: 5/ 463، وتذكرة الحفاظ: 1/ 50، وتقريب التهذيب: 377. [.....]
(1/241)

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)
«أصاب العربيّ وأخطأ الموليان» «1» .
45 وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا: دخول الباء تأكيد الاتصال «2» لأنّ الاسم في «كفى الله» يتّصل اتصال الفاعل فاتصل بالباء اتصال المضاف [إليه] «3» أيضا.
46 وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ يقولونه على أنّا نريد: لا تسمع ما تكره، وقصدهم الدّعاء بالصّمم، أي: لا سمعت «4» .
وَراعِنا: شتم عندهم «5» . وقيل «6» : أرعنا سمعك، أي: اجعل
__________
(1) أخرج نحوه الطبري في تفسيره: 8/ 390 عن قتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 550 وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن سعيد بن جبير.
(2) معاني القرآن للزجاج: 2/ 57. وذكر الفخر الرازي في تفسيره: 10/ 120 فوائد في ورود الباء هنا فقال:
«الأول: لو قيل: كفى الله، كان يتصل الفعل بالفاعل. ثم هاهنا زيدت الباء إيذانا بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره في الرتبة وعظم المنزلة.
الثاني: قال ابن السراج: تقدير الكلام: كفى اكتفاؤك بالله وليا، ولما ذكرت «كفى» دل على الاكتفاء، لأنه من لفظه، كما تقول: من كذب كان شرا له، أي: كان الكذب شرا له، فأضمرته لدلالة الفعل عليه.
الثالث: يخطر ببالي أن الباء في الأصل للإلصاق، وذلك إنما يحسن في المؤثر الذي لا واسطة بينه وبين التأثير، ولو قيل: كفى الله، دل ذلك على كونه تعالى فاعلا لهذه الكفاية، ولكن لا يدل ذلك على أنه تعالى يفعل بواسطة أو بغير واسطة، فإذا ذكرت حرف الباء دل على أنه يفعل بغير واسطة ... » .
(3) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(4) ينظر تفسير الطبري: 8/ 434، وتفسير الماوردي: 1/ 396، وتفسير الفخر الرازي: 10/ 122.
(5) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 396، وقال: «فأطلع الله نبيّه عليها فنهاهم عنها» .
(6) معاني القرآن للزجاج: 2/ 59.
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 10/ 119: «كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم: راعنا راعينا، وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناما لنا» .
(1/242)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47)
سمعك لكلامنا مرعى، فذلك اللّي والتحريف.
إِلَّا قَلِيلًا: إيمانا قليلا «1» .
47 نَطْمِسَ وُجُوهاً نمحو آثارها فنصيّرها كالقفاء «2» .
وقيل «3» : الوجه تمثيل، والمعنى: نضلّهم مجازاة.
أَوْ نَلْعَنَهُمْ: نمسخهم قردة «4» .
و «الفتيل» «5» : ما يفتل بالإصبعين من وسخها «6» . و «النقير» «7» :
__________
(1) تفسير الطبري: 8/ 439، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 59.
وذكر الفخر الرازي هذا القول في تفسيره: 10/ 123 على أن القليل صفة للإيمان. وقال:
«والتقدير: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى، ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء ... » . وذكر قولا آخر هو أن القليل صفة للقوم وقال:
«والمعنى: فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون ... » .
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 129، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 128.
وأخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: (8/ 440، 441) عن ابن عباس، وقتادة.
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 396 عن ابن عباس وقتادة أيضا.
(3) أخرج- نحوه- الطبري في تفسيره: (8/ 441، 442) ، عن مجاهد، والحسن، والسدي، والضحاك.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 396، وتفسير الرازي: 10/ 125.
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (8/ 447، 448) عن الحسن، وقتادة، والسدي.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1334 (سورة النساء) عن الحسن، وحسّن المحقق إسناده.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 556 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن الضحاك.
(5) من قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء: آية: 49] .
(6) ينظر معاني القرآن للفراء: 1/ 273، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 129، والمفردات للراغب الأصفهاني: 371.
وأخرج الطبري في تفسيره: (8/ 456، 457) ، وابن أبي حاتم في تفسيره: 1344 (سورة النساء) هذا القول عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال الراغب في المفردات: 371: «ويضرب به المثل في الشيء الحقير» .
(7) من الآية: 53 سورة النساء.
(1/243)

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51)
ما ينقر بالظفر كنقر الدينار «1» .
«الجبت» «2» : السحر، و «الطاغوت» : الشيطان «3» .
وقيل «4» : هما صنمان.
51 وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: يعني قريشا، والقائلون جماعة اليهود «5» كحيي «6» بن أخطب، وكعب «7» بن الأشرف.
__________
(1) تفسير الطبري: 8/ 475، وتفسير الماوردي: 1/ 398.
وقال الفراء في معاني القرآن: 1/ 373: «النقير: النقطة في ظهر النواة» ، وقيل: هي الحبة التي تكون في وسط النواة كما في تفسير الطبري: 8/ 474.
قال الطبري رحمه الله: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الفرقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشيء الذي لا خطر له، ولو كانوا ملوكا وأهل قدرة على الأشياء الجليلة القدر.
فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى «النقير» أن يكون أصغر ما يكون من النقر.
وإذا كان ذلك أولى به، فالنقرة التي في ظهر النواة من صغار النّقر، وقد يدخل في ذلك كل ما شاكلها من النقر» . [.....]
(2) من الآية: 51 سورة النساء.
(3) أخرج الطبري في تفسيره: 8/ 462، وابن أبي حاتم في تفسيره: 1354 (سورة النساء) هذا القول عن عمر رضي الله عنه ومجاهد، والشعبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 564 وزاد نسبته إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن عمر رضي الله عنه.
(4) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: 134، والطبري في تفسيره: 8/ 461، عن عكرمة.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 397، وتفسير البغوي: 1/ 441، والدر المنثور: 2/ 564.
(5) السيرة لابن هشام: (1/ 561، 562) . وأخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره:
(8/ 469، 470) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر أسباب النزول للواحدي: (187، 188) ، والدر المنثور: (2/ 562، 563) .
(6) حييّ- بضم الحاء المهملة، ويجوز كسرها وياءين الآخرة منها مشددة- ابن أخطب النضري، وابنته صفية، إحدى أمهات المؤمنين، اصطفاها النبي صلّى الله عليه وسلّم.
أسر حييّ يوم قريظة، ثم قتل، وذلك في السنة الخامسة للهجرة.
ينظر السيرة لابن هشام: 2/ 241، والمغازي للواقدي: 2/ 530، والمؤتلف والمختلف للدارقطني: 2/ 786، والإكمال: 2/ 582.
(7) هو كعب بن الأشرف الطائي، أمه من بني النضير، وكان يقيم في حصن قريب من المدينة.
- بكى قتلى بدر، وشبّب بنساء رسول الله ونساء المسلمين، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محمد بن سلمة ورهطا معه من الأنصار بقتله، فقتلوه. وذلك في السنة الثالثة من الهجرة.
ينظر السيرة لابن هشام: 2/ 51، وصحيح البخاري بشرح الفتح: (7/ 336- 340) ، كتاب المغازي، باب «قتل كعب بن الأشرف» ، وصحيح مسلم: (3/ 1425، 1426) ، كتاب الجهاد والسير، باب «قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود» .
(1/244)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)
56 بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها: تبديل الجلود بإفنائها وإعادتها كحال القمر في ذهابه عند السّرار «1» ثم عوده بعده، وكما يقال: صاغ له غير ذلك الخاتم «2» .
58 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ: في مفتاح الكعبة، أخذه النّبيّ- عليه السلام- يوم الفتح من بني عبد الدار «3» .
«أولوا الأمر» «4» : الأمراء والعلماء ومن يقوم بالمصالح وأمور
__________
(1) في اللسان: 4/ 357 (سرر) عن الكسائي: «السرار آخر الشهر ليلة يستسر الهلال» . وعن الفراء: السّرار آخر ليلة إذا كان الشهر تسعا وعشرين، وسراره ليلة ثمان وعشرين، وإذا كان الشهر ثلاثين فسراره ليلة تسع وعشرين» .
(2) ذكره الطبري في تفسيره: 8/ 486 وقال: «فلذلك قيل: «غيرها» ، لأنها غير الجلود التي كانت لهم في الدنيا، التي عصوا الله وهي لهم ... وذلك نظير قول العرب للصّائغ إذا استصاغته خاتما من خاتم مصوغ، بتحويله من صياغته التي هو بها، إلى صياغة أخرى:
«صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره» فيكسره ويصوغ له منه خاتما غيره، والخاتم المصوغ بالصياغة الثانية هو الأول، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتما قيل: «هو غيره» ... فكذلك معنى قوله: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها، لما احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الإحراق، قيل: «هي غيرها» على ذلك المعنى» .
وانظر هذا المعنى الذي ذكره المؤلف في معاني القرآن للزجاج: 2/ 65، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 117، وتفسير البغوي: 1/ 443، وتفسير القرطبي: 5/ 254.
(3) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة: 1/ 265، عن مجاهد. والطبري في تفسيره: 8/ 491 عن ابن جريج. والواحدي في أسباب النزول: 189 عن مجاهد.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 114 عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مجاهد، والزهري، وابن جريج، ومقاتل.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 570، وعزا إخراجه إلى ابن مردويه عن ابن عباس، من طريق الكلبي عن أبي صالح.
(4) يريد قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...
[النساء: الآية: 59] .
(1/245)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62)
الدين «1» .
59 وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا: عاقبة ومرجعا «2» .
69 إِلَى الطَّاغُوتِ: كعب بن الأشرف «3» .
62 فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ: أي: قتل صاحبهم بما ردّ حكم النّبيّ «4» صلّى الله عليه وسلّم.
إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً: أي: ما أردنا بطلبنا دم صاحبنا إلّا الإحسان
__________
(1) قيل: هم الأمراء. أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (8/ 497، 498) عن أبي هريرة رضي الله عنه وابن زيد.
وعزاه الماوردي في تفسيره: 1/ 400 إلى ابن عباس، وأبي هريرة، والسدي، وابن زيد.
وقيل: هم أهل العمل والفقه. أخرجه الطبري في تفسيره: (8/ 499- 501) عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء بن السائب، والحسن، وأبي العالية.
وقيل: هم أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقيل: إنهم أبو بكر وعمر. وعقب الطبري رحمه الله على هذه الأقوال بقوله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هم الأمراء والولاة لصحة الأخبار عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعة، وللمسلمين مصلحة» .
(2) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 130، وتفسير الطبري: 8/ 506، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 68، وقال النحاس في معاني القرآن: 2/ 125: «وهذا أحسن في اللغة، ويكون من آل إلى كذا ويجوز أن يكون المعنى: وأحسن من تأويلكم» .
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (8/ 511- 513) عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، والضحاك.
ونقله الواحدي في أسباب النزول: 193 عن ابن عباس من رواية الكلبي عن أبي صالح.
(4) ذكر الماوردي في تفسيره: (1/ 402، 403) في سبب نزول هذه الآية قولين:
أحدهما: أن عمر رضي الله عنه قتل منافقا لم يرض بحكم رسول الله، فجاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه، وحلفوا بالله إننا ما أردنا في المطالبة بدمه إلا إحسانا إلى النساء، وما يوافق الحق في أمرنا.
والثاني: أن المنافقين بعد القود من صاحبهم اعتذروا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في محاكمتهم إلى غيره بأن قالوا: ما أردنا في عدولنا عنك إلّا توفيقا بين الخصوم، وإحسانا بالتقريب في الحكم دون الحمل على مرّ الحق، فنزلت الآية» . [.....]
(1/246)

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72)
وما/ يوافق الحق «1» . [24/ ب]
69 وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً: وحّد على معنى الجنس والحال كقولك: لله درّهم فارسا «2» .
71 حِذْرَكُمْ: سلاحكم. أو احذروا عدوّكم.
72 لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ: أي: المنافقين «3» . يبطّئون «4» النّاس عن الجهاد.
ولام لَمَنْ لام الابتداء ولهذا دخلت على الاسم، والثانية لام القسم، دخلت مع نون التوكيد على الفعل «5» .
__________
(1) نص هذا الكلام في معاني القرآن للزجاج: 2/ 69.
(2) هذا قول الأخفش في معاني القرآن: (1/ 449، 450) .
وانظر تفسير الطبري: 8/ 533، والتبيان للعكبري: 1/ 371، والبحر المحيط: 3/ 288، والدر المصون: 4/ 24.
(3) قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 8/ 538: «وهذا نعت من الله تعالى ذكره للمنافقين، نعتهم لنبيه صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه ووصفهم بصفتهم فقال: وَإِنَّ مِنْكُمْ، أيها المؤمنون، يعني من عدادكم وقومكم، ومن يتشبه بكم، ويظهر أنه من أهل دعوتكم وملتكم، وهو منافق يبطّئ من أطاعه منكم عن جهاد عدوكم وقتالهم إذا أنتم نفرتم إليهم «فإن أصابتكم مصيبة» ، يقول: فإن أصابتكم هزيمة، أمرنا لكم قتل أو جراح من عدوكم- «قال قد أنعم الله عليّ إذا لم أكن معهم شهيدا» ، فيصيبني جراح أو ألم أو قتل، وسرّه تخلفه عنكم، شماتة بكم ... » .
وتساءل الفخر الرازي في تفسيره: 10/ 183 بقوله: «إذا كان هذا المبطئ منافقا فكيف جعل المنافق قسما من المؤمن في قوله: وَإِنَّ مِنْكُمْ؟. قال: «والجواب من وجوه:
الأول: أنه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنسب والاختلاط.
الثاني: أنه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الإيمان.
الثالث: كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا في زعمكم ودعواكم، كقوله: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ اهـ.
(4) قال الراغب في المفردات: 52: «أي يثبط غيره. وقيل يكثر هو التثبط في نفسه، والمقصد من ذلك أن منكم من يتأخر ويؤخر غيره» .
(5) معاني القرآن للفراء: 1/ 275، وتفسير الطبري: 8/ 529، ومعاني القرآن للزجاج:
2/ 75، والدر المصون: (4/ 28، 29) .
(1/247)

وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75)
73 كأن لم يكن «1» بينكم وبينه مودّة: اعتراض «2» .
71 فَانْفِرُوا ثُباتٍ: أي: انفروا جماعات متفرقة «3» .
أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً: مجتمعا بعضكم إلى بعض.
75 وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ: أي شيء لكم تاركين القتال؟ «4» . حال.
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ: أي: وفي المستضعفين «5» .
__________
(1) قرأ ابن كثير، وحفص والمفضل عن عاصم: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بالتاء، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي: يكن بالياء.
ينظر السّبعة لابن مجاهد: 235، والكشف لمكي: 1/ 392.
قال مكي: «والاختيار الياء، لأن الجماعة عليه» .
(2) معاني القرآن للزجاج: 2/ 76. وقال أبو علي الفارسي في الحجة: 3/ 171: «اعتراض بين المفعول وفعله، فكما أن قوله: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً في موضع نصب، كذلك قوله: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً في موضع نصب بقوله:
لَيَقُولَنَّ اهـ.
(3) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 132: «واحدتها ثبة، ومعناها: جماعات في تفرقة ...
وتصديق ذلك أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً، وقد تجمع ثبة: ثبين» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 130، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 75، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 131.
(4) عن معاني القرآن للزجّاج: 2/ 77. ونص كلام الزجاج هناك: «ما منفصلة. المعنى: أي شيء لكم تاركين القتال. ولا تُقاتِلُونَ في موضع نصب على الحال كقوله- عز وجل-:
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ اهـ.
وقال أبو حيان في البحر: 3/ 295: «والظاهر أن قوله: لا تُقاتِلُونَ في موضع الحال» .
(5) نقله النحاس في معاني القرآن: 2/ 133 عن المبرد.
وهو قول الزجّاج في معاني القرآن: 2/ 78، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز:
4/ 133، والفخر الرازي في تفسيره: 10/ 187، وقال: «اتفقوا على أن قوله:
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ متصل بما قبله، وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون عطفا على السبيل، والمعنى: ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين.
والثاني: أن يكون معطوفا على اسم الله عز وجل، أي في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين» .
(1/248)

أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)
والْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها: مكة «1» .
78 مُشَيَّدَةٍ: مجصّصة «2» ، والشّيد: الجصّ «3» . أو مبنية في اعتلاء، حتى قال الربيع «4» : إنّها بروج السّماء «5» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (8/ 544- 546) ، عن ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وابن زيد.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1430 (سورة النساء) عن عائشة رضي الله عنها، وضعف المحقق إسناده لأن فيه راويا مبهما.
وذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 77، والنحاس في معانيه: 2/ 134، وابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 132.
وقال القرطبي في تفسيره: 5/ 279: «القرية هنا «مكة» بإجماع من المتأولين» .
(2) أخرج ابن أبي حاتم هذا القول في تفسيره: 1442 (سورة النساء) عن عكرمة.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 2/ 134 عن عكرمة، وذكره الماوردي في تفسيره:
1/ 406 وقال: «هذا قول بعض البصريين» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 595 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن عكرمة.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 132، وتفسير الطبري: 8/ 554.
(4) هو الربيع بن أنس بن زياد البكري، الخراساني.
روي عن أنس بن مالك، والحسن، وأبي العالية.
وقال أبو حاتم والعجلي: «صدوق» ، وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال ابن معين: كان يتشيع فيفرط.
قال الحافظ ابن حجر: صدوق له أوهام، من الخامسة، مات سنة أربعين ومائة، أو قبلها.
ترجمته في الجرح والتعديل: (3/ 454، 455) ، وسير أعلام النبلاء: (6/ 169، 170) ، وتقريب التهذيب: 205. [.....]
(5) زاد المسير: 2/ 137.
وأخرج الطبري في تفسيره: 8/ 553 عن الربيع في قوله: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ يقول: «ولو كنتم في قصور السماء» . ونقل ابن كثير في تفسيره: 2/ 316 هذا القول عن السدي وقال: «وهو ضعيف، والصحيح أنها المنيعة، أي: لا يغني حجر وتحصن من الموت» .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 79، وتفسير الماوردي: 1/ 406، والدر المنثور:
2/ 595.
(1/249)

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87) فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88)
81 وَيَقُولُونَ طاعَةٌ: منا طاعة، أو أمرنا طاعة «1» .
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ: لا تسمّهم بما أراد الله من ستر أمرهم إلى أن يستقيم الإسلام «2» .
85 شَفاعَةً حَسَنَةً: الدّعاء للمؤمنين.
والكفل: النّصيب «3» ، والمقيت: الحفيظ المقتدر «4» .
88 فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ: حال «5» ، أي: مختلفين فيهم، تقول طائفة: هم منا وأخرى بخلافه. في قوم بالمدينة أظهروا الإسلام ثمّ رجعوا إلى مكة فأشركوا «6» ، أو سمّوا منافقين بعد إظهار الشّرك نسبة إلى ما كانوا
__________
(1) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 81 وقال: «والمعنى واحد، إلا أن إضمار أمرنا أجمع في القصة وأحسن» .
وانظر معاني القرآن للنحاس: 2/ 137، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 204، والدر المصون: 4/ 50.
(2) نص هذا الكلام في معاني القرآن للزجاج: 2/ 81.
وذكره النحاس في معاني القرآن: 2/ 139، والبغوي في تفسيره: 1/ 445، والفخر الرازي في تفسيره: 10/ 201.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 135، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 132، وتفسير الطبري: 8/ 581، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 85، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 146.
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 280، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 135، وتفسير الغريب لابن قتيبة: 132.
وأخرج الطبري في تفسيره: 8/ 583 عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً، يقول: حفيظا» .
(5) معاني القرآن للأخفش: 1/ 451، وتفسير الطبري: 9/ 14، ومعاني القرآن للزجاج:
2/ 88، وحكاه الفخر الرازي في تفسيره: 10/ 225 عن سيبويه.
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (9/ 9، 10) عن مجاهد.
ونقله الواحدي في أسباب النزول: 199 عن مجاهد أيضا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 610 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 181، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: - فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ، والإمام مسلم في صحيحه: 4/ 2142، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث رقم (2776) عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:
«رجع ناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم من أحد، وكان الناس منهم فرقتين فريق يقول: اقتلهم وفريق يقول لا، فنزلت: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ، وقال: إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة» .
(1/250)

إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90)
عليه، ويحسن ذلك مع التعريف، تقول: هذه العجوز هي الشّابّة، ولا تقول: هذه العجوز شابّة.
أَرْكَسَهُمْ: ردّهم ونكّسهم «1» .
90 إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ: يدخلون في قوم آمنتموهم.
في بني مدلج «2» كان بينهم وبين قريش عهد، فحرم الله من بني مدلج ما حرّم من قريش «3» .
حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ: ضاقت عن قتالهم وقتال قومهم، وهو نصب
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 136، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 133، وتفسير الطبري: 9/ 7، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 88، والمفردات للراغب: 202.
(2) مدلج: بضم الميم، وسكون الدال المهملة، وكسر اللام وجيم بعدها. هم بطن من كنانة.
ينظر مشارق الأنوار للقاضي عياض: 1/ 404، واللباب لابن الأثير: 3/ 183.
(3) أورد الحافظ ابن كثير في تفسيره: (2/ 327، 328) رواية ابن أبي حاتم عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: «لما ظهر النبي صلّى الله عليه وسلّم على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: مه، فقال: دعوه، ما تريد؟ قلت: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن قلوب قومك عليهم. فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيد خالد فقال: اذهب معه فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، ومن وصل إليهم من الناس كانوا على مثل عهدهم، فأنزل الله: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ حتى بلغ: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 613 وزاد نسبته إلى أبي نعيم في الدلائل عن الحسن أيضا.
(1/251)

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)
على الحال، كقولك: جاءني فلان ذهب عقله «1» . وإن كان المعنى دعاء فهو اعتراض «2» .
91 أُرْكِسُوا فِيها: وجدوا راكسين، أي: مقيمين عليها.
92 إِلَّا خَطَأً: استثناء منقطع بمعنى «لكن» «3» .
مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ: أي: كفار، إذ لا يرثون المؤمن «4» .
[25/ أ] مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ: أهل الذمّة «5» /.
__________
(1) عن معاني القرآن للفراء: 1/ 282. وقال الطبري في تفسيره: 9/ 22: «وفي قوله: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ، متروك، ترك ذكره لدلالة الكلام عليه. وذلك أن معناه: أو جاءوكم قد حصرت صدورهم، فترك ذكر «قد» لأن من شأن العرب فعل مثل ذلك. تقول: «أتاني فلان ذهب عقله» ، بمعنى: قد ذهب عقله ... » .
وانظر هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 89، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 156، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 205، والبحر المحيط: 3/ 317.
قال السّمين الحلبي في الدر المصون: 4/ 66: «إذا وقعت فعلا ماضيا ففيها خلاف: هل يحتاج إلى اقترانه ب «قد» أم لا؟ والراجح عدم الاحتياج لكثرة ما جاء منه، فعلى هذا لا تضمر «قد» قبل «حصرت» ومن اشترط ذلك قدّرها هنا» .
(2) هو قول المبرد في المقتضب: 4/ 124 وقال القرطبي في تفسيره: 5/ 310: «وضعفه بعض المفسرين» ، ونقل أبو حيان في البحر المحيط: 3/ 317، والسّمين الحلبي في الدر المصون: 3/ 66 رد أبي على الفارسي على قول المبرد ب «أنا مأمورون بأن ندعو على» الكفار بإلقاء العداوة بينهم فنقول: «اللهم أوقع العداوة بين الكفار» لكن يكون قوله: أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ نفي ما اقتضاه دعاء المسلمين عليهم» .
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: (4/ 165، 166) : «وقول المبرد يخرج على أن الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا المسلمين تعجيزا لهم، والدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا قومهم تحقير لهم، أي: هم أقل وأحقر، ويستغنى عنهم، كما تقول إذا أردت هذا المعنى: لأجعل الله فلانا عليّ ولا معي أيضا، بمعنى استغنى عنه واستقل دونه» .
(3) تفسير الطبري: 9/ 31، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 90، ومعاني القرآن للنحاس:
(2/ 158، 159) ، والتبيان للعكبري: 1/ 380، والدر المصون: 4/ 69.
(4) أي: إذا كان القتيل مؤمنا وقومه لا يزالون على الكفر فلا تؤدى لهم الدية. [.....]
(5) تفسير الطبري: 9/ 41، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 163، وتفسير الماوردي: 1/ 416.
(1/252)

لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)
95 غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ: رفع على الصّفة للقاعدين»
، أو هو استثناء «2» وتقديره: إلّا أولوا الضّرر فإنّهم يساوونهم.
ومن نصبه «3» جعله حالا، أي: لا يساوونهم في حال صحتهم كقولك: جاءني زيد غير مريض، أي: صحيحا «4» .
98 وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا: أي: إلى دار الهجرة «5» .
100 مُراغَماً: متّسعا لهجرته، أي: موضع المراغمة «6» كالمزاحم
__________
(1) قال الفراء في معاني القرآن: 1/ 283: «وقد ذكر أن «غير» نزلت بعد أن ذكر فضل المجاهد على القاعد، فكان الوجه فيه الاستثناء والنصب ... إلا أن اقتران «غير» بالقاعدين يكاد يوجب الرفع لأن الاستثناء ينبغي أن يكون بعد التمام. فتقول في الكلام: لا يستوي المحسنون والمسيئون إلا فلانا وفلانا» .
وقراءة الرفع لابن كثير، وأبي عمرو، وحمزة، وعاصم.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 237، والحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 178، والكشف لمكي: 1/ 396، والبحر المحيط: 3/ 330، والدر المصون: 4/ 76.
(2) ذكره الزجاج في معاني القرآن: (2/ 92، 93) ، ونص كلامه: «ويجوز أن يكون «غير» رفعا على جهة الاستثناء. المعنى: لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضرر ... » .
(3) وهي قراءة نافع، والكسائي، وابن عامر. كما في السبعة لابن مجاهد: 237، والتبصرة لمكي: 184.
(4) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 93.
وانظر معاني القرآن للفراء: 1/ 284، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 171، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 206، والتبيان للعكبري: 1/ 383، والدر المصون: 4/ 76.
(5) أخرج الطبري في تفسيره: 9/ 111 نحو هذا القول عن عكرمة، ومجاهد، والسدي، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: (1541- 1543) .
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 179 عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 649 وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة.
(6) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 138، وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 134:
«المراغم والمهاجر واحد. تقول: راغمت وهاجرت قومي. وأصله أن الرجل كان إذا أسلم خرج عن قومه مراغما لهم. أي مغاضبا ...
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 96، ومعاني القرآن للنحاس: (2/ 174، 175) ، وتفسير المشكل لمكي: 147.
(1/253)

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)
موضع المزاحمة.
وَسَعَةً: أي: في الرّزق «1» ، أو في إظهار الدّين «2» .
101 وَإِذا ضَرَبْتُمْ: سرتم «3» ، أي: استمررتم في السّير كاستمرار الضّرب باليد، ومنه: ضرب المثل، لاستمراره في البلاد، والضّريبة لاستمرارها.
102 فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً: يحملون حملة رجل واحد «4» .
103 فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ: رجعتم إلى الموطن وأمنتم «5» .
كِتاباً مَوْقُوتاً: فرضا موقّتا «6» .
107 يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
: يجعلونها خائنة «7» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 9/ 121 عن ابن عباس، والربيع بن أنس، والضحاك.
(2) تفسير الماوردي: 1/ 418.
وأورد الطبري- رحمه الله- في تفسيره: (9/ 121، 122) الأقوال التي قيلت في المراد ب «السعة» ثم قال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطربا ومتسعا. وقد يدخل في «السعة» ، السعة في الرزق، والغنى والفقر، ويدخل فيه السعة من ضيق الهمّ والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني «السعة» ... » .
(3) تفسير الطبري: 9/ 123، واللسان: 1/ 545 (ضرب) .
(4) تفسير الطبري: 9/ 162، وتفسير البغوي: 1/ 475.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 4/ 213: «بناء مبالغة، أي: مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية» .
(5) قال النحاس في معاني القرآن: 2/ 182: «والمعروف في اللغة أن يقال: اطمأنّ: إذا سكن» ، فيكون المعنى: فإذا سكن عنكم الخوف، وصرتم إلى منازلكم فأقيموا الصلاة» .
وقال ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 188: «وفي المراد بالطمأنينة قولان:
أحدهما: أنه الرجوع إلى الوطن عن السفر، وهو قول الحسن، ومجاهد، وقتادة.
والثاني: أنه الأمن بعد الخوف، وهو قول السدي، والزجاج، وأبي سليمان الدمشقي.
(6) عن معاني القرآن للزجّاج: 2/ 99، وقال النحاس في معاني القرآن: 2/ 183: «والمعنى عند أهل اللغة: مفروض لوقت بعينه. يقال: وقته فهو موقوف ووقّته فهو موقّت» .
(7) قال ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 193: «أي: يخونون أنفسهم، فيجعلونها خائنة- بارتكاب الخيانة» . [.....]
(1/254)

وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119)
112 وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً
: ذنبا بينه وبين الله، أَوْ إِثْماً
: دينا من مظالم العباد «1» .
113 يُضِلُّوكَ
: يهلكوك «2» .
115 نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى: ندعه وما اختار «3» .
117 إِلَّا إِناثاً: ضعافا عاجزين. سيف أنيث: كهام «4» . وإناث كلّ شيء: أراذله «5» .
118 مَفْرُوضاً: معلوما «6» .
119 فَلَيُبَتِّكُنَّ: يشقّون أذن البحيرة «7» ، أو نسيلة الأوثان «8» .
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 11/ 39.
(2) لم أقف على هذا القول بهذا اللّفظ، وفي تفسير الطبري: 9/ 199: «يزلوك عن طريق الحق ... » ، ونقل الزّجاج في معاني القرآن: 2/ 104: «وقال بعضهم معنى أَنْ يُضِلُّوكَ: أن يخطئوك في حكمك» .
وقال ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 197: «وفي الإضلال قولان:
أحدهما: التخطئة في الحكم.
والثاني: الاستزلال عن الحق» .
(3) نقل النحاس في معاني القرآن: 2/ 190 عن مجاهد قال: أي نتركه وما يعبد» . قال النحاس: «وكذلك هو في اللغة، يقال: ولّيته ما تولى: إذا تركته في اختياره» .
وانظر تفسير الفخر الرازي: 11/ 43، وتفسير القرطبي: 5/ 386.
(4) في اللسان: 12/ 529: «وسيف كهام وكهيم: لا يقطع، كليل عن الضربة ... » .
(5) عن تفسير الماوردي: 1/ 423.
(6) تفسير الطبري: 9/ 212 عن الضحاك.
(7) سيأتي بيان المؤلف لمعنى «البحيرة» عند قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ ... [المائدة: 103] .
وانظر معاني القرآن للفراء: 1/ 322، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: (1/ 179، 180) ، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 147، وتفسير الطبري: (11/ 128- 130) ، واللسان:
4/ 43 (بحر) .
(8) أي نسيلة القرابين إلى الأوثان.
(1/255)

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123)
فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ: دين الله «1» . وحمله أنس «2» على خصاء الغنم وكرهه.
122 وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا: أي: لا أحد أصدق من الله، وإنّما كان معناه النّفي لأن جوابه لا يتوجه إلّا عليه «3» .
123 لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ: ليس ثواب الله بأمانيكم «4» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (9/ 218- 220) عن ابن عباس، وإبراهيم النخعي، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد.
وانظر هذا القول في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 136، ومعاني القرآن للزجاج:
2/ 110، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 195، وتفسير الماوردي: 1/ 424، والدر المنثور:
2/ 690.
(2) هو أنس بن مالك الصّحابي الجليل رضي الله عنه.
وأخرج عبد الرزاق هذا القول في تفسيره: 140، والطبري في تفسيره: 9/ 215. عن أنس رضي الله تعالى عنه.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: (2/ 688، 689) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن أنس أيضا.
قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 9/ 222: «وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: معناه: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ، قال: دين الله. وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [سورة الروم: 30] .
وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه: من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمة ووشره، وغير ذلك من المعاصي ودخل فيه ترك كل ما أمر الله به» .
(3) قال أبو حيان في البحر المحيط: 3/ 355: «القيل والقول واحد، أي: لا أحد أصدق قولا من الله، وهي جملة مؤكدة- أيضا- لما قبلها. وفائدة هذه التواكيد المبالغة فيما أخبر به تعالى عباده المؤمنين بخلاف مواعيد الشيطان وأمانيه الكاذبة المخلفة لأمانيه» .
(4) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 111. ونص كلام الزجاج هناك: «اسم ليس» مضمر المعنى: ليس ثواب الله بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، وقد جرى ما يدل على إضمار الثواب، وهو قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي إنما يدخل الجنة من آمن وعمل صالحا. ليس كما يتمنى أهل الكتاب، لأنهم كانوا يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: - لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً فأعلم الله- عز وجل- أن دخول الجنة وثواب الله على الحسنات والسيئات ليس بالأماني ولكنه بالأعمال ... » .
وانظر معاني القرآن للنحاس: 2/ 197، وتفسير الماوردي: 1/ 424، وزاد المسير: 2/ 209.
(1/256)

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)
127 وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ: في الواجب لهن [وما] «1» عليهن «2» .
وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ: أي: مبيّن، وذلك حذف الخبر «3» .
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ: أي: في المستضعفين، وكانوا لا يورّثونهن.
135 إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما: رؤوف «4» بالفقير وأعلم بحال الغنيّ. في فقير وغنيّ اختصما إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقيل: الفقير لا يظلم الغنيّ «5» .
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا: أي: عن الحق، أو لا تتركوا العدل بالهوى.
وَإِنْ تَلْوُوا: لوى يلوى ليّا: مطل ودافع «6» ، أي: وإن تدفعوا بأداء الشهادة.
__________
(1) عن نسخة «ج» .
(2) تفسير الطبري: 9/ 253. [.....]
(3) مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 209، والتبيان للعكبري: 1/ 393.
قال السّمين الحلبي في الدر المصون: 4/ 100: «وفي الخبر احتمالان، أحدهما: أنه الجار بعده وهو «في الكتاب» والمراد بما يتلى القرآن ... والاحتمال الثاني: أن الخبر محذوف أي: والمتلو عليكم في الكتاب يفتيكم أو يبين لكم أحكامهن ... » .
(4) في «ج» : أرأف.
(5) أخرج الطبري في تفسيره: 9/ 303 عن السدي في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ... ، قال: نزلت في النبي صلّى الله عليه وسلّم، واختصم إليه رجلان: غني وفقير، وكان ضلعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنيّ، فأبى الله إلّا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير، فقال: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا الآية» .
وانظر أسباب النزول للواحدي: 216، وزاد المسير: 2/ 222.
(6) تفسير الطبري: 9/ 310، وتفسير الماوردي: 1/ 428، وتفسير القرطبي: 5/ 413.
(1/257)