Advertisement

إيجاز البيان عن معاني القرآن 002



الكتاب: إيجاز البيان عن معاني القرآن
المؤلف: محمود بن أبى الحسن بن الحسين النيسابوري أبو القاسم، نجم الدين (المتوفى: نحو 550هـ)
المحقق: الدكتور حنيف بن حسن القاسمي
الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت
الطبعة: الأولى - 1415 هـ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)
[25/ ب] ومن قرأ: تلوا «1» فهو أيضا تلووا/ أبدلت الواو للضمة «2» همزة، ثم حذفت وألقيت حركتها على اللام، كما قيل في «أدؤر» : أدور، ثم «أدر» «3» .
أَوْ تُعْرِضُوا: تكتموها «4» .
136 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: أي: بالأنبياء السابقين، آمَنُوا: بمحمد «5» ودوموا على الإيمان.
137 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً.
الإيمان الأول: دخول المنافقين في الإسلام لحقن الدماء والأموال.
والثاني: نفاقهم بقولهم: آمنا، وازديادهم «6» قولهم: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ «7» .
141 أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ: نحط بكم للمعونة ونغلب عليكم بالموالاة، ونمنعكم منهم بما كنا نعلمكم من أخبارهم «8» .
وفي الحديث «9» في الصّلاة: «حاذ عليها بحدودها» ، أي: حاطها.
__________
(1) وهي قراءة حمزة، وابن عامر بواو واحدة واللام مضمومة.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 239، والتبصرة لمكي: 185.
(2) في «ج» : بالضمة.
(3) نص هذا الكلام في معاني القرآن للزجاج: 2/ 118، ذكره في توجيه هذه القراءة.
وانظر معاني القرآن للفراء: 1/ 291، وتفسير الطبري: 9/ 310، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 215، والحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 186.
(4) تفسير الطبري: 9/ 308.
(5) ذكره الطبري في تفسيره: 9/ 312، والماوردي في تفسيره: 1/ 429، وقال: «ويكون ذلك خطابا لليهود والنصارى» .
(6) تفسير الفخر الرازي: 11/ 79.
(7) سورة البقرة: آية: 14 حكاية عن المنافقين.
(8) نص هذا الكلام في معاني القرآن للزجاج: 2/ 122.
وانظر تفسير الطبري: 9/ 324، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 219، وتفسير الماوردي:
1/ 430، وزاد المسير: 2/ 229.
(9) أخرجه الخطابي في غريب الحديث: 1/ 269 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه-- مرفوعا، وفي سنده بكر بن بكار متكلم فيه.
ينظر الجرح والتعديل: 2/ 383، وميزان الاعتدال: 1/ 343، ولسان الميزان: 2/ 48.
وينظر الحديث أيضا في الفائق: 1/ 333، وغريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 250، والنهاية: 1/ 457.
(1/258)

مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148)
و «الأحوذيّ» : الجاد المتحفظ «1» .
143 مُذَبْذَبِينَ: مترددين «2» .
146 [وَسَوْفَ] «3» يُؤْتِ اللَّهُ: حذفت الياء من الخطّ كما حذفت من اللفظ لسكونها وسكون اللام «4» ، وكذلك سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ «5» ، ويَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ «6» . وأما قوله «7» : ما كُنَّا نَبْغِ، وقوله «8» : يُنادِ الْمُنادِ فحذفت لثقلها ودلالة الكسرة عليها «9» .
148 إِلَّا مَنْ ظُلِمَ: موضع مِنَ رفع على إعمال المصدر «10» ، أي:
لا يجهر إلا من ظلم فيدعو على ظالمه أو ينتصر منه.
__________
(1) اللسان: 3/ 487 (حوذ) . [.....]
(2) تفسير الطبري: 9/ 332، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 223، والمفردات للراغب: 177.
وقال ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 23: «المذبذب: المتردد بين أمرين، وأصل التذبذب: التحرك، والاضطراب، وهذه صفة المنافق، لأنه محيّر في دينه لا يرجع إلى اعتقاد صحيح» .
(3) في الأصل: «فسوف» .
(4) هذا النص عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 125 وفيه: «وسكون اللام في «الله» .
وانظر البحر المحيط: 3/ 381، والدر المصون: (4/ 132، 133) .
(5) سورة العلق: آية: 18.
(6) سورة القمر: آية: 6.
(7) سورة الكهف: آية: 64.
(8) سورة ق: آية: 41.
(9) معاني القرآن للزجاج: 2/ 125.
(10) ذكره أبو حيان في البحر المحيط: 3/ 382، والسمين الحلبي في الدر المصون: (4/ 133، 134) عن أبي علي الفارسي.
قال أبو حيان: «وحسّن ذلك كون الجهر في حيز النفي، وكأنه قيل: لا يجهر بالسوء من القول إلا المظلوم» .
(1/259)

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)
نزلت في أبي بكر «1» رضي الله عنه، شتمه رجل فسكت عنه، ثم ردّ عليه.
155 فَبِما نَقْضِهِمْ: فبشيء أو أمر عذبناهم «2» ، ونَقْضِهِمْ بدل عنه وتفسير «3» ، تنزيها عن لفظ الزيادة.
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ: جعلها كالمطبوع عليها «4» .
قال الحسن «5» : أهل الطبع لا يؤمنون أصلا.
157 وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً: ما تبينوه علما «6» ، تقول: قتلته علما وقتلته
__________
(1) نقله ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 237، وأبو حيان في البحر المحيط: (3/ 381، 382) عن مقاتل.
وذكره الفخر الرازي في تفسيره: 11/ 92 دون عزو.
وأخرج أبو داود في سننه: 5/ 204، كتاب الأدب، باب «في الانتصار» عن سعيد بن المسيب قال: «بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر، فآذاه، فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثانية، فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثالثة، فانتصر منه أبو بكر، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين انتصر أبو بكر، فقال أبو بكر: أوجدت عليّ يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نزل ملك من السماء يكذّبه بما قال لك، فلما انتصرت وقع الشيطان، فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان» .
وأخرج أبو داود- نحوه- متصلا من طريق ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه دون الإشارة إلى أنها سبب لنزول الآية.
(2) تفسير الطبري: 9/ 365، وفي متعلق الباء قال الفخر الرازي في تفسيره: 11/ 98: «إنه محذوف تقديره: فبما نقضهم ميثاقهم وكذا لعناهم وسخطنا عليهم، والحذف أفخم، لأن عند الحذف يذهب الوهم كل مذهب، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء المذكورة من صفات الذم فيدل على اللّعن» .
(3) مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 212، والتبيان للعكبري: 1/ 403، والدر المصون:
4/ 142.
(4) تفسير الماوردي: 1/ 433 عن الزّجاج، ونص قوله: «ذمهم بأن قلوبهم كالمطبوع عليها التي لا تفهم أبدا ولا تطيع مرشدا» .
(5) ذكر البغوي هذا القول في تفسيره: 1/ 496 دون عزو. [.....]
(6) قال الفراء في معاني القرآن: 1/ 294: «الهاء هنا للعلم، كما تقول قتلته علما، وقتلته يقينا، للرأي والحديث والظن» . -
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 137، وتفسير الطبري: 9/ 377، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 192، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 234.
(1/260)

بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172)
ممارسة [وتذليلا] «1» .
158 بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ: إلى موضع لا يجري عليه أمر أحد من العباد «2» .
172نْ يَسْتَنْكِفَ
: لن يأنف «3» . من نكفت الدّمع: نحّيته «4» .
وفي الحديث «5» : «فانتكف العرق عن جبينه» ، وفي حديث آخر «6» :
__________
(1) في الأصل: «تكليلا» والمثبت في النص عن «ك» ، وهو أنسب للسياق.
(2) ينظر هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ ... [آل عمران: آية: 55] .
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 144، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 137، وتفسير الطبري: 9/ 424، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 136، والمفردات للراغب: 507، وتفسير القرطبي: 6/ 26.
(4) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 136.
وانظر: معاني القرآن للنحاس: 2/ 241، وغريب الحديث للخطابي: 1/ 140، واللسان: 9/ 340 (نكف) .
(5) ذكره الخطابي في غريب الحديث: 2/ 198 من حديث علي رضي الله عنه، ونصّه: «أنه لما أخرج عين أبي نيزر، وهي ضيعة له، جعل يضرب بالمعول حتى عرق جبينه، فانتكف العرق عن جبينه» .
وهو في الفائق: 4/ 25، والنهاية: 5/ 116.
قال الخطابي رحمه الله: «يقال: نكفت العرق والدّمع إذا سلته بإصبعك، وانتكف العرق إذا سال وانقطع» .
(6) ذكره الخطابي- بغير سند- في غريب الحديث: 2/ 199، ونص كلامه: «ويقال في قصة حنين: إن مالك بن عوف النّصري، قال لغلام له حادّ البصر: ما ترى؟ فقال: أرى كتيبة حرشف، كأنهم قد تشذروا للحملة، ثم قال له: «ويلك صف لي؟ قال: قد جاء جيش لا يكت ولا ينكف آخره» .
وهو في الفائق: 1/ 264، وغريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 436.
قال الخطابي رحمه الله: «لا ينكف أي لا يقطع آخره» .
وانظر اللسان: 9/ 340 (نكف) .
(1/261)

وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)
«جاء جيش لا ينكف آخره» .
159 وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ: بالمسيح قَبْلَ مَوْتِهِ إذا نزل [26/ أ] من السماء «1» . أو قبل موت الكتابي عند المعاينة «2» . رواه شهر «3» / بن حوشب عن محمد بن الحنفية «4» للحجّاج «5» ، فقال: أخذته من عين
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 9/ 380 عن ابن عباس رضي الله عنهما، والحسن، وقتادة، وأبي مالك، وابن زيد.
واختاره الطبري رحمه الله. ينظر تفسيره: 9/ 386.
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه: 4/ 143، كتاب الأنبياء، باب «نزول عيسى بن مريم عليهما السلام» ، والإمام مسلم في صحيحه: (1/ 135، 136) ، كتاب الإيمان، باب «نزول عيسى بن مريم» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها» .
ثم يقول أبو هريرة: «واقرءوا إن شئتم: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً.
(2) أخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: (9/ 382- 386) عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، والضحاك.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 2/ 733، وزاد نسبته إلى الطيالسي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(3) شهر بن حوشب: (20- 100 هـ) .
هو شهر بن حوشب الأشعري، الشامي، أبو سعيد.
ترجم له الحافظ في التقريب: 269، وقال: «صدوق، كثير الإرسال والأوهام» .
وانظر ترجمته في: طبقات ابن سعد: 7/ 449، الجرح والتعديل: 4/ 382، سير أعلام النبلاء: 4/ 372.
(4) ابن الحنفية: (21- 81 هـ) .
هو محمد بن علي بن أبي طالب، أبو القاسم المعروف ب «ابن الحنفية» .
الإمام التابعي المشهور.
قال عنه الحفاظ في التقريب: 497: «ثقة، عالم، من الثانية» .
وانظر ترجمته في: طبقات ابن سعد: 5/ 91، وفيات الأعيان: 4/ 169، سير أعلام النبلاء: 4/ 110.
(5) هو الحجاج بن يوسف الثقفي.
(1/262)

لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166)
صافية «1» .
162 وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ: نصب على المدح «2» ، وهو أوجه وأولى مما يروى عن عائشة أنها قالت لعروة: يا بني هذا مما أخطأ فيه الكتّاب «3» .
166 لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ: إذ قالت اليهود: لا نشهد بما أنزل الله، فشهد
__________
(1) ذكره الفخر الرازي في تفسيره: (11/ 105، 106) .
وأورده السيوطي في الدرّ المنثور: 2/ 734 وعزا إخراجه إلى ابن المنذر عن شهر بن حوشب.
(2) هو قول سيبويه في الكتاب: (2/ 62- 64) .
واختاره الزّجّاج في معاني القرآن: (2/ 131، 132) ونسبه إلى الخليل وسيبويه.
وذكره النحاس في معاني القرآن: 2/ 238.
قال مكي في مشكل إعراب القرآن: (1/ 212، 213) : «ومن جعل نصب «المقيمين» على المدح جعل خبر «الراسخين» «يؤمنون» ، فإن جعل الخبر قوله: أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ لم يجز نصب «المقيمين» على المدح لأن المدح لا يكون إلا بعد تمام الكلام» .
وانظر التبيان للعكبري: 1/ 407، والبحر المحيط: (3/ 395، 396) ، والدر المصون:
4/ 153. [.....]
(3) أخرج- نحوه- الطبري في تفسيره: 9/ 395 عن عروة رضي الله عنه.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: (2/ 744، 745) وزاد نسبته إلى أبي عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن أبي داود، وابن المنذر عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما.
قال أبو حيان في البحر المحيط: (3/ 395، 396) : «وذكر عن عائشة وأبان بن عثمان أن كتبها بالياء من خطأ كاتب المصحف، ولا يصح عنهما ذلك لأنهما عربيان فصيحان وقطع النعوت أشهر في لسان العرب، وهو باب واسع ذكر عليه شواهد سيبويه وغيره، وعلى القطع خرّج سيبويه ذلك» .
وقال الزمخشري في الكشاف: 1/ 582: «ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم ينظر في «الكتاب» ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتتان، وغبي عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم، وخرقا يرفوه من يلحق بهم» .
وانظر الدر المصون: 4/ 155.
(1/263)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)
الله بما أنزل وأظهر من المعجزات «1» .
170 فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ: أي: يكن خيرا لكم «2» .
176 يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا: أي: لولا تبيينه. وقيل «3» : كراهة أن تضلوا.
__________
(1) تفسير الطبري: 9/ 409، وتفسير البغوي: 1/ 501، وزاد المسير: 2/ 257، وتفسير الفخر الرازي: 11/ 113.
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 143.
ونقل مكي في مشكل إعراب القرآن: 1/ 214 عن أبي عبيدة قال: «هو خبر «كان» مضمرة، تقديره: فآمنوا يكن الإيمان خيرا لكم» .
وانظر تفسير البغوي: 1/ 501، والدر المصون: (4/ 164، 165) .
(3) معاني القرآن للزجاج: 2/ 137 عن البصريين.
وقال الزجاج: « ... ولكن حذفت «كراهة» لأن في الكلام دليلا عليها، وإنما جاز الحذف عندهم على حد قوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ والمعنى: واسأل أهل القرية، فحذف الأول جائز، ويبقى المضاف يدل على المحذوف ... » .
وانظر مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 216، وتفسير البغوي: 1/ 504، وزاد المسير:
2/ 266، وتفسير الفخر الرازي: 11/ 123، والدر المصون: 4/ 176.
(1/264)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)
ومن سورة المائدة
نزلت المائدة والنبي صلّى الله عليه وسلّم واقف بعرفة على راحلته «1» ، فتنوخت لئلا تندقّ ذراعها.
1 أَوْفُوا بِالْعُقُودِ: ما عقدها الله عليكم، وما تعاقدتم بينكم «2» .
بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ قال رجل عند مجاهد «3» : دعونا من هذه الأحاديث،
__________
(1) أخرج الإمام أحمد في مسنده: 6/ 455 عن أسماء بنت يزيد قالت: «إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ أنزلت عليه «المائدة» كلها، وكادت من ثقلها تدق بعضد الناقة» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 3/ 3 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن جرير، ومحمد بن نصر، والطبراني، وأبي نعيم في «الدلائل» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن أسماء بنت يزيد أيضا.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 4/ 311: «هذه السورة مدنية بإجماع ... ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما نزل عام الفتح وهو قوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ الآية. وكل ما نزل من القرآن بعد هجرة النّبي صلّى الله عليه وسلّم فهو مدني، سواء ما نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار أو بمكة، وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة ... » .
وانظر تفسير البغوي: 2/ 5، وزاد المسير: 2/ 267، وتفسير القرطبي: (6/ 30، 31) .
(2) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 139، وقال: «والعقود: العهود، يقال: وفيت بالعهد وأوفيت. والعقود واحدها عقد، وهي أوكد العهود، يقال: عهدت إلى فلان في كذا وكذا، تأويله ألزمته ذلك ... » .
(3) مجاهد: (21- 104 هـ) .
مجاهد بن جبر- بفتح الجيم وسكون الموحدة- المكي، القرشي، أبو الحجاج.
الإمام التابعي الثبت، المقرئي المفسّر، الحافظ.
ترجمته في: تذكرة الحفاظ: 1/ 92، سير أعلام النبلاء: 4/ 449، تهذيب التهذيب:
(10/ 42) ، وطبقات الحفاظ: (35، 36) .
(1/265)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)
عليكم بالقرآن، فقال رجل من الكوفة: فما تقول في لحم القرد؟.
فقال مجاهد: ليس القرد من بهيمة الأنعام «1» .
2 لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ: مناسك الحج وعلاماته «2» .
وقيل «3» : الهدايا المشعرة، أي: المطعونة. وفي الحديث «4» :
«لا سلب إلّا لمن أشعر أو قتل» أي: طعن.
وَلَا الْهَدْيَ: ما يهدى إلى البيت، فلا يذبح حتى يبلغ الحرم «5» .
وَلَا الْقَلائِدَ: كانوا يقلّدون «6» من لحاء شجر «7» الحرم ليأمنوا، أي: فلا تقتلوا من تقلد به «8» .
__________
(1) أخرج عبد الرزاق في مصنفه: 4/ 529، كتاب المناسك، باب «الثعلب والقرد» عن مجاهد أنه سئل عن أكل القرد، فقال: «ليس من بهيمة الأنعام» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 3/ 7، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد عن مجاهد أيضا.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 9/ 463 عن ابن عباس ومجاهد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 440 عن ابن عباس ومجاهد، وابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 372 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 146، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 250، ونقله البغوي في تفسيره: 2/ 7 عن أبي عبيدة وقال: «والإشعار من الشعار، وهي العلامة، وأشعارها:
أعلامها بما يعرف أنها هدي، والاشعار هاهنا: أن يطعن في صحفة سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم، فيكون ذلك علامة أنها هدي» .
(4) أخرجه الخطابي في غريب الحديث: 3/ 136 بلفظ: «لا سلب إلا لمن أشعر علجا أو قتله» عن مكحول، وهو في الفائق للزمخشري: 2/ 250، وغريب الحديث لابن الجوزي:
1/ 543، والنهاية: 2/ 479.
قال الخطابي رحمه الله: «قوله: أشعر علجا: أي أثخنه جراحا. يقال: أشعرت الرجل، إذا جرحته فسال دمه. ومنه إشعار البدن، وهو أن تطعن بالحربة في سنامها ... » .
(5) تفسير الطبري: 9/ 466.
(6) لحاء الشجرة: - بكسر اللّام-: قشرها.
اللسان: 15/ 241 (لحا) .
(7) في «ج» : يتقلدون. [.....]
(8) معاني القرآن للفراء: 1/ 299، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 139، وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (9/ 468، 469) عن عطاء، ومجاهد، والسدي، وابن زيد.
وانظر هذا القول في معاني القرآن للنحاس: 2/ 251، وتفسير الماوردي: 1/ 441، وزاد المسير: 2/ 273.
(1/266)

وقيل «1» : على عكسه، أي: لا تحلّوا التقلّد به لأنه عادة جاهلية ولئلا يتشذّب «2» شجر الحرم.
وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ: أي: لا تحلّوا قاصدين البيت «3» .
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ: لا يكسبنكم «4» . شَنَآنُ قَوْمٍ: أهل مكة،
__________
(1) أخرجه الطبري في تفسيره: 9/ 469 عن عطاء، ومطرّف بن الشخير.
وذكره البغوي في تفسيره: 2/ 7.
قال الطبري رحمه الله: «والذي هو أولى بتأويل قوله: وَلَا الْقَلائِدَ- إذ كانت معطوفة على أول الكلام، ولم يكن في الكلام ما يدل على انقطاعها عن أوله، ولا أنه عني بها النهي عن التقلد أو اتخاذ القلائد من شيء- أن يكون معناه: ولا تحلوا القلائد.
فإذا كان ذلك بتأويله أولى، فمعلوم أنه نهي من الله جل ذكره عن استحلال حرمة المقلّد، هديا كان ذلك أو إنسانا، دون حرمة القلادة. وإن الله عز ذكره، إنما دل بتحريمه حرمة القلادة، على ما ذكرنا من حرمة المقلّد، فاجتزأ بذكره «القلائد» من ذكر «المقلد» ، إذ كان مفهوما عند المخاطبين بذلك معنى ما أريد به» .
(2) في أساس البلاغة: 1/ 483: «شذب الشجرة. ونخل مشذّب، وطار عن النخل شذ به وهو ما قطع عنه» .
وانظر اللسان: 1/ 486 (شذب) .
(3) قال الفراء في معاني القرآن: 1/ 299: «نسخت هذه الآية الآية التي في التوبة فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلى آخر الآية» .
وانظر تفسير الطبري: 9/ 471، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 252، والمحرر الوجيز:
4/ 323.
(4) هذا نص قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 139، ونقله النحاس في معاني القرآن:
2/ 253 عن أبي عبيدة. ولم أقف على هذا القول له في كتابه مجاز القرآن.
وإنما قال: «مجازه: ولا يحملنكم ولا يعدينكم» .
ينظر مجاز القرآن: 1/ 147.
قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 143: «والمعنى واحد، وقال الأخفش: لا يجنفنكم بغض قوم. وهذه ألفاظ مختلفة والمعنى واحد» .
(1/267)

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)
أَنْ صَدُّوكُمْ: عام الحديبية.
أَنْ تَعْتَدُوا: موضع «أن» الأولى مفعول له، والثانية مفعول به «1» ، أي: لا يكسبنكم بغضكم قوما بصدّهم إياكم الاعتداء على هؤلاء الحجاج.
والمهلّ والمستهلّ: رافع صوته بذكر الله تعالى، وفي حديث المولود «2» :
«لا يورّث حتى يستهل صارخا» .
3 وَالْمَوْقُوذَةُ: المضروبة ضربا مبرّحا حتى تموت فتكون أرخص للحمها «3» .
وَالْمُتَرَدِّيَةُ: الهاوية من جبل أو [في] «4» بئر «5» .
[26/ ب] وَالنَّطِيحَةُ: / نطحتها أخرى فماتت «6» .
__________
(1) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 143، وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 140، وتفسير الطبري: (9/ 488، 489) ، وزاد المسير: (2/ 276، 277) .
(2) أخرجه ابن ماجة في سننه: 2/ 919، كتاب الفرائض، باب «إذا استهل المولود ورث» عن جابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة مرفوعا.
وقال: واستهلاله، أن يبكي ويصيح أو يعطس.
وأخرج- نحوه- الدارمي في سننه: (2/ 393) عن مكحول مرفوعا.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما موقوفا.
(3) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 151، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 140، وتفسير الطبري: 9/ 495.
(4) عن نسخة «ج» .
(5) كذا في معاني القرآن للفراء: 1/ 301، وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 151: «التي تردت فوقعت في بئر أو وقعت من جبل أو حائط أو نحو ذلك فماتت» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 140، وتفسير المشكل لمكي: 150، وزاد المسير:
2/ 280، وتفسير القرطبي: 6/ 49.
(6) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 140.
قال الطبري في تفسيره: 9/ 499: «وأصل النطيحة المنطوحة، صرفت من مفعولة إلى فعلية» .
وقال مكي في تفسير المشكل: 150: «ويجوز أن تكون هي الناطحة نطحت غيرها فماتت، فتكون النطيحة بمعنى الناطحة» .
(1/268)

والتذكية: فري الأوداج «1» وانهار الدم.
قال أبو حنيفة رحمة الله عليه: كل ما فرى الأوداج من شظية «2» ، أو شظاظ، أو ليطة.
و «النّصب» : الأصنام المنصوبة واحدها «نصاب» «3» . أو واحد وجمعه «أنصاب» «4» . و «نصايب» .
وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا: تطلبوا قسمة الجزور «5» بالميسر.
قال المبرد «6» : تأويل الاستقسام أنهم ألزموا أنفسهم ما تخرج به الأزلام كما يفعل ذلك في اليمين، فيقال: أقسم به، أي: ألزم نفسه وجعله قسمه. وكانوا يحيلون القداح مكتوبا عليها الأمر والنهي ليقسم لهم ما يفعلون أو يتركون «7» . وحكى أبو سعيد الضرير «8» : تركت فلانا
__________
(1) أي قطعها.
النهاية لابن الأثير: 3/ 442، واللسان: 15/ 153 (فرا) .
(2) جاء في هامش الأصل: «الشّظية: القطعة من العصا. الشظاظ: العود. اللّيطة: قشر القصب» .
اللسان: 14/ 443 (شظى) ، 7/ 445 (شظظ) ، 7/ 396 (ليط) .
وانظر قول الإمام أبي حنيفة في أحكام القرآن للجصاص: (2/ 306، 307) ، والهداية للمرغيناني: 4/ 65.
(3) معاني القرآن للزجاج: 2/ 146، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 258، وتفسير الفخر الرازي: 11/ 137. [.....]
(4) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 152، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: (140، 141) ، والطبري في تفسيره: 9/ 508، والزجاج في معاني القرآن: 2/ 146.
(5) قال ابن الأثير في النهاية: 1/ 266: «الجزور: البعير ذكرا كان أو أنثى ... » .
(6) لم أقف على قول المبرد فيما تيسر لي من كتبه.
وينظر قوله في تفسير الماوردي: 1/ 444.
(7) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 152، وتفسير الطبري: 9/ 510، ومعاني القرآن للزجاج:
(2/ 146، 147) ، وتفسير القرطبي: 6/ 58.
(8) هو أحمد بن خالد البغدادي، أبو سعيد.
وصفه القفطي في إنباه الرواة: 1/ 41 ب «اللغوي الفاضل الكامل» ، وقال: «لقي ابن- الأعرابي وأبا عمرو الشيباني، وحفظ عن الأعراب نكتا كثيرة» .
وانظر أخباره في إنباه الرواة: 4/ 95، ومعجم الأدباء: (3/ 15- 26) ، وبغية الوعاة:
1/ 305.
(1/269)

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)
يستقسم، أي: يروي ويفكّر بين أمرين. والقداح أزلام لأنها تزلم، أي:
تسوّى وتؤخذ من حروفها «1» .
4 مِنَ الْجَوارِحِ: الكواسب «2» .
مُكَلِّبِينَ: ذوي كلاب «3» . أو معلّمين الكلاب الصيد «4» ك «المؤدب» لمعلم الأدب.
__________
(1) جاء في اللسان: 2/ 270 (زلم) : «زلّم القدح: سوّاه ولينه. وزلّم الرّحى: أدارها وأخذ من حروفها ... ويقال: قدح مزلم وقدح زليم إذا طرّ وأجيد قدّه وصنعته» .
(2) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 154: «أي الصوائد، ويقال: فلان جارحة أهله أي كاسبهم ... ويقال: امرأة أرملة لا جارح لها، أي لا كاسب لها» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 141، وتفسير الطبري: 9/ 543، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 264، والصحاح: 1/ 358، واللسان: 2/ 423 (جرح) .
(3) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 302، وأبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 154، وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 9/ 549 عن الضحاك، والسدي.
وقيل أيضا هو كل ما علّم الصيد من بهيمة أو طائر.
أخرجه الطبري في تفسيره: (9/ 547- 549) عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعبيد ابن عمير، وخيثمة بن عبد الرحمن.
قال الطبري- رحمه الله- بعد أن أورد القولين: «وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال:
كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح، وأنّ صيد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعليم، لأنّ الله جل ثناؤه عمّ بقوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ، كل جارحة، ولم يخصص منها شيئا. فكل جارحة كانت بالصفة التي وصف الله من كل طائر وسبع، فحلال أكل صيدها ... فإن ظنّ ظان أن في قوله: مُكَلِّبِينَ، دلالة على أن الجوارح التي ذكرت في قوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ، هي الكلاب خاصة، فقد ظن غير الصواب.
وذلك أن معنى الآية: قل أحل لكم، أيها الناس، في حال مصيركم أصحاب كلاب الطيبات، وصيد ما علمتوه الصيد من كواسر السباع والطير.
فقوله: مُكَلِّبِينَ: صفة للقانص، وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه ... » .
(4) ذكره البغوي في تفسيره: 2/ 12 دون عزو. وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 292 إلى أبي سليمان الدمشقي.
(1/270)

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)
ويقال «أكلب» إذا كثرت كلابه، و «أمشى» كثرت ماشيته «1» .
وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ: على الإرسال «2» .
5 وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ: ذبائحهم «3» .
6 وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ: خفض أرجلكم على الجوار «4» . ومن قرأ: وَأَرْجُلَكُمْ «5» فيقدر فيه تكرار الفعل.
وأرجلكم بالرفع «6» على الابتداء المحذوف الخبر، أي:
وأرجلكم مغسولة.
وقيل «7» : إنه معطوف على الرأس في اللفظ والمعنى، ثم نسخ بالسنة، أو بدليل التحديد إلى الكعبين.
__________
(1) ينظر معاني القرآن للنحاس: 2/ 263، والمحرر الوجيز: (4/ 354، 355) ، وزاد المسير:
2/ 292.
(2) ذكره الطبري في تفسيره: 9/ 571، والقرطبي في تفسيره: 6/ 74، وقال: «وقيل المراد بالتسمية هنا عند الأكل، وهو الأظهر ... » .
(3) تفسير الطبري: 9/ 572، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 151، وتفسير الماوردي: 1/ 449، وقال القرطبي في تفسيره: 6/ 76: «والطعام اسم لما يؤكل والذبائح منه، وهو هنا خاص بالذبائح عند كثير من أهل العلم بالتأويل» .
(4) وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو كما في السبعة لابن مجاهد: 243، والتبصرة لمكي: 186.
(5) وهي قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي، وعاصم في رواية حفص.
ينظر السّبعة لابن مجاهد: (243، 244) ، والكشف لمكي: 1/ 406، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 152. [.....]
(6) وتنسب هذه القراءة إلى الحسن البصري والأعمش وهي قراءة شاذة.
ينظر المحتسب لابن جني: 1/ 208، والكشاف: 1/ 598، وتفسير القرطبي: 6/ 91.
(7) هذا توجيه آخر لقراءة الخفض، وقد ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 155، والزجاج في معاني القرآن: 2/ 154، وأبو علي الفارسي في الحجة: (3/ 215، 216) ، وابن عطية في المحرر الوجيز: 4/ 371، والقرطبي في تفسيره: 6/ 91، والسمين الحلبي في الدر المصون: 4/ 215.
(1/271)

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)
وروى الأزهري «1» بإسناد له عن أبي زيد الأنصاري «2» أنّ المسح عند العرب غسل ومسح «3» .
7 وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ: يعني: بيعة الرضوان «4» .
عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ: بضمائرها، ولذلك أنثت، وإنما لم تجيء «ذوات الصّدور» لينبئ عن التفصيل في كل ذات.
12 نَقِيباً: حفيظا أمينا «5» .
وَعَزَّرْتُمُوهُمْ: عزرته أعزره عزرا: حطته، وعزّرته: فخّمت
__________
(1) الأزهري: (282- 370 هـ) .
هو محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي، أبو منصور.
الإمام اللغوي الأديب، صاحب كتاب تهذيب اللّغة، وعلل القراءات، وشرح ديوان أبي تمام ... وغير ذلك.
أخباره في معجم الأدباء: 17/ 164، وفيات الأعيان: 4/ 334، والطبقات الكبرى للسبكي: 3/ 63، وبغية الوعاة: 1/ 19.
(2) أبو زيد الأنصاري: (119- 215 هـ) .
هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، البصري.
إمام اللّغة والأدب في عصره، وصفه الذهبي بقوله: «الإمام العلامة، حجة العرب ...
صاحب التصانيف» .
صنف «النوادر» في اللّغة، وخلق الإنسان، ولغات القرآن، وغريب الأسماء ... وغير ذلك.
أخباره في: تاريخ بغداد: 9/ 77، إنباه الرواة: 2/ 30، سير أعلام النبلاء: 9/ 494.
(3) لم أقف على قول أبي زيد في تهذيب اللغة للأزهري.
وينظر قوله في معاني القرآن للنحاس: 2/ 272، والحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 215، والمحرر الوجيز: 4/ 371، وتفسير القرطبي: 6/ 92.
(4) ذكره الزمخشري في الكشاف: 1/ 598 دون عزو.
وانظر زاد المسير: 2/ 306، وتفسير الفخر الرازي: 11/ 183، وتفسير القرطبي:
(6/ 108، 109) .
(5) قال الطبري في تفسيره: 10/ 110: «والنقيب في كلام العرب، كالعريف على القوم، غير أنه فوق العريف. يقال منه: نقب فلان على بني فلان فهو ينقب نقبا» .
وانظر الصحاح: 1/ 227، واللسان: 1/ 769 (نقب) .
(1/272)

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)
أمره «1» ، فكأنّه لقربه من «الأزر» كانت التقوية معناه.
13 عَلى خائِنَةٍ: مصدر ك «الخاطئة» و «الكاذبة» «2» أو اسم ك «العافية» / و «العاقبة» «3» . [27/ أ]
15 وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ: لما أخبرهم بالرجم من التوراة «4» أخبرهم بعلمه غير ذلك لئلا يجاحدوه.
22 وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها: هي أريحا «5» .
كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: الذين كتب لهم دخولها غير الذين حرّمت عليهم أربعين سنة، دخلوها بعد موت موسى بشهرين مع يوشع بن
__________
(1) فهو من الأضداد كما في الأضداد لابن الأنباري: 147، واللسان: 4/ 562 (عزر) ونقل الماوردي في تفسيره: 1/ 452 عن الفراء قال: «عزرته عزرا: إذا رددته عن الظلم، ومنه التعزير لأنه يمنع عن معاودة القبح» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 141، وتفسير الطبري: 10/ 121، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 159، وتفسير الفخر الرازي: 11/ 190، وتفسير القرطبي: 6/ 114.
(2) قال الطبري في تفسيره: 10/ 131: «و «الخائنة» في هذا الموضع: الخيانة، وضع- وهو اسم- موضع المصدر، كما قيل: «خاطئة» للخطيئة، وقائلة «للقيلولة» .
(3) معاني القرآن للزجاج: 2/ 160.
(4) أخرج الطبريّ في تفسيره: 10/ 141. والحاكم في المستدرك: 4/ 359، كتاب الحدود، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، قوله عز وجل: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ، فكان الرجم مما أخفوا» .
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
(5) أريحا: مدينة بفلسطين المحتلة.
وأخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: 10/ 168 عن ابن عباس، وابن زيد، والسدي.
وقيل: هي الطور، وقيل: الشام، وقيل: إنها دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وعقب الطبري على هذه الأقوال بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: هي الأرض المقدسة، كما قال نبي الله موسى، لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تدرك حقيقة صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به. غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسّير والعلماء بالأخبار على ذلك» .
(1/273)

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)
نون «1» عليهما السلام.
25 لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي: أَخِي رفع أي: وأخي لا يملك إلا نفسه «2» . ويجوز نصبا «3» لأنه إذا ملك طاعة أخيه فكأنه ملكه.
29 بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ: بإثم قتلي وإثمك إذ لم يقبل قربانك «4» .
30 فَطَوَّعَتْ: فوق «أطاعت» لأن فيه معنى «انطاع» «5» .
32 مِنْ أَجْلِ ذلِكَ: من أجله ومن جراه ومن جرائه وجاره «6» .
فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ: بما سن القتل، قال عليه السلام «7» : «على ابن
__________
(1) يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
فتى موسى عليه السلام، ابتعثه الله بعد موسى وأمره الله بالسير لقتال الجبارين، واختلف أهل العلم في تفاصيل ذلك.
ينظر المعارف لابن قتيبة 44، وتاريخ الطبري: (1/ 435- 438) .
(2) أي أن رفع «أخي» على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: لا يملك إلا نفسه.
ينظر مشكل إعراب لمكي: 1/ 223، والتبيان للعكبري: 1/ 431، والدر المصون:
4/ 235. [.....]
(3) بأن يكون معطوفا على «نفسي» .
ذكر ذلك الزجاج في معاني القرآن: 2/ 65: وقال: «فيكون المعنى: لا أملك إلا نفسي، ولا أملك إلا أخي، لأن أخاه إذا كان مطيعا له فهو ملك طاعته» .
وانظر مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 223، والتبيان للعكبري: 1/ 431.
ورجح أبو حيان هذا الوجه في البحر المحيط: 3/ 457، وكذا السّمين الحلبي في الدر المصون: 4/ 234.
(4) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 167.
وانظر تفسير الطبري: 10/ 215، وتفسير الماوردي: 1/ 458، وتفسير الفخر الرازي:
11/ 212 عن الزجاج.
(5) معاني القرآن للزجاج: 2/ 167، وزاد المسير: 2/ 337، وتفسير القرطبي: 6/ 138، والدر المصون: 4/ 242.
(6) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 162: «أي من جناية ذلك وجرّ ذلك، وهي مصدر أجلت ذلك عليه» .
وقال الطبري في تفسيره: 6/ 145: «أي من جرّاء ذلك القاتل وجريرته» .
(7) الحديث باختلاف في بعض ألفاظه في صحيح البخاري: 4/ 104، كتاب الأنبياء، باب- «خلق آدم وذريته» ، وصحيح مسلم: 3/ 1304، كتاب القسامة، باب «بيان إثم من سن القتل» عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا.
(1/274)

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)
آدم القاتل أولا كفل «1» من إثم كلّ قاتل بني آدم» .
وَمَنْ أَحْياها: أنقذها من هلكة في دين أو دنيا «2» .
33 أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ: يحبسوا «3» . أو يقاتلوا حيث توجهوا «4» . أو من قتلهم فدمه هدر، إذ لا يجوز إلجاؤهم إلى دار الحرب.
نزلت في عرنيين «5» وعكل «6» وكانوا ارتدوا وساقوا إبل الصدقة «7» .
وخطب الحجاج يوم الجمعة فقال: أتزعمون أني شديد العقوبة، وهذا
__________
(1) الكفل: بكسر الكاف وسكون الفاء: الحظ والنصيب.
والكفل- أيضا- ضعف الشيء.
قال الحافظ في الفتح: 12/ 201: «وأكثر ما يطلق على الأجر والضعف على الإثم» .
وانظر غريب الحديث لأبي عبيد: 4/ 429، والنهاية لابن الأثير: 4/ 192.
(2) ينظر تفسير الطبري: 10/ 233، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 169، وتفسير الماوردي:
1/ 460، وزاد المسير: 2/ 343، وتفسير الفخر الرازي: 11/ 219.
(3) وهو قول الحنفية كما في أحكام القرآن للجصاص: 2/ 412.
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 11/ 222: «وهو اختيار أكثر أهل اللّغة» .
(4) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 170.
(5) العرنيون نسبة إلى عرينة: بضم العين المهملة وفتح الراء وآخرها نون ثم هاء حي من قضاعة وحي من بجيلة. وهم من بجيلة في هذه الحادثة كما ذكره الماوردي في تفسيره:
1/ 462.
وينظر الاشتقاق لابن دريد: 226.
(6) عكل: بضم العين وسكون الكاف: بطن من طابخة، من العدنانية.
قال ابن دريد في الاشتقاق: 183: «واشتقاق (عكل) من قولهم: عكلت الشيء أعكله عكلا، إذا جمعته» وفي «عكل» قال الحازمي في عجالة المبتدي: 93: «هي امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة فنسبوا إليها ... » .
وانظر الإنباه على قبائل الرواة لابن عبد البر: 62.
(7) راجع هذه الحادثة في صحيح البخاري: 8/ 43، كتاب الديات، باب «القسامة» ، وصحيح مسلم: 3/ 1296 كتاب القسامة، باب «حكم المحاربين والمرتدين» حديث رقم (1671) ، وأسباب النزول للواحدي: 225.
(1/275)

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)
أنس «1» حدثني أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قطع أيدي رجال وأرجلهم وسمل أعينهم «2» .
فقال أنس: فوددت أنّي متّ قبل أن حدّثته.
وقال أبو عبيد «3» : سألت محمد بن الحسن «4» عن قوله: أَوْ يُصَلَّبُوا فقال: هو أن يصلب حيا ثم يطعن بالرماح «5» . قلت: هذا مثلة.
قال: فالمثلة تراد.
41 وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ: فضيحته «6» ، أو عذابه «7» ،........
__________
(1) هو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
(2) سمل العين: فقؤها بحديدة محماة.
النهاية: 2/ 403، واللسان: 11/ 347 (سمل) . [.....]
(3) أبو عبيد: (157- 224 هـ) .
هو القاسم بن سلام الهروي الأزدي.
الإمام المحدث، الفقيه، الأديب المشهور.
وصفه الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء: 10/ 490 بقوله: «الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون ... » .
أخباره في: طبقات النحويين للزبيدي: 199، وفيات الأعيان: 4/ 60، وتذكرة الحفاظ:
1/ 417.
(4) محمد بن الحسن: (131- 189 هـ) .
هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، أبو عبد الله.
الإمام الفقيه المشهور، صاحب الإمام أبي حنيفة.
أخباره في: تاريخ بغداد: 2/ 172، طبقات الفقهاء للشيرازي: 135، سير أعلام النبلاء:
9/ 134، الجواهر المضيئة: 3/ 122.
(5) هذا مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى، وهو أن المحارب إذا قدر عليه صلب حيا وطعن حتى يموت.
ينظر أحكام القرآن للجصاص: 2/ 412، والكشاف: 1/ 609.
ورجح ابن العربي المالكي هذا القول في أحكام القرآن: 2/ 602، فقال: «والصلب حيا أصح لأنه أنكى وأفضح، وهو مقتضى الردع الأصلح» .
(6) هذا قول الزجاج في معاني القرآن: 2/ 176، وذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 467، وابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 359 عن الزجاج.
وانظر اللسان: 13/ 319 (فتن) .
(7) ذكره النحاس في معاني القرآن: 2/ 308 دون عزو. ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 467- عن الحسن. وابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 359 عن الحسن وقتادة.
(1/276)

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)
كقوله «1» : عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ.
48 وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ: أمينا، أو شاهدا «2» . هيمن عليه: شهده وحفظه مفيعل من «الأمان» مثل: مبيطر ومسيطر، فانقلبت الهمزة هاء «3» وليست الياء للتصغير «4» ، بل لحقت «فعل» فألحقته بذوات الأربعة.
52 يُسارِعُونَ فِيهِمْ: في الكفار «5» ، في مرضاتهم وولايتهم «6» .
54 أَذِلَّةٍ: رحماء ليّنون «7» .
58 نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ: أدّيتم.
59 تَنْقِمُونَ مِنَّا: تكرهون وتعيبون «8» .
__________
(1) سورة الذاريات: آية: 13.
(2) ذكره الزّجاج في معاني القرآن: 2/ 179، ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 471 عن قتادة والسدي.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 371 وقال: «رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل» .
(3) أي أن أصل الكلمة: «مؤيمن» وهو قول المبرد كما في معاني القرآن للزجاج: 2/ 180، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 318، وزاد المسير: 2/ 30.
ونقل السمين الحلبي في الدر المصون: 4/ 287 عن أبي عبيدة قال: «لم يجيء في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة ألفاظ: مبيطر ومسيطر ومهيمن ومحيمر» ونقل عن الزجاجي لفظا خامسا هو: مبيقر.
(4) قال السمين الحلبي في الدر المصون: 4/ 288: «وقد سقط ابن قتيبة سقطة فاحشة حيث زعم أن «مهيمنا» مصغر، وأن أصله «مؤيمن» تصغير «مؤمن» اسم فاعل ثم قلبت همزته هاء كهراق، ويعزى ذلك لأبي العباس المبرد أيضا» .
(5) هم المنافقون الذين يتوددون إلى الكفار.
(6) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 144، وتفسير الطبري: 10/ 403، وتفسير المشكل لمكي: 154، وزاد المسير: 2/ 379.
(7) تفسير الطبري: 10/ 421. وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 183: «أي جانبهم ليّن على المؤمنين، ليس أنهم أذلاء مهانون» .
وانظر معاني القرآن للنحاس: 2/ 324، وزاد المسير: 2/ 382.
(8) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 170، وتفسير الطبري: 10/ 433، ومعاني القرآن للزجاج: - 2/ 186 قال الزجاج: «يقال: نقمت على الرجل أنقم، ونقمت عليه أنقم، والأجود نقمت أنقم ... ومعنى نقمت بالغت في كراهة الشيء» .
(1/277)

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)
[27/ ب] 60 وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ: أي: الشيطان «1» ، فعطف الفعل على مثله وإن اختلفا في الفاعل.
61 وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ: أي: دخلوا وخرجوا بالكفر، لا بما أظهروه «2» ، أو استمروا على الكفر وتصحّفوا فيه.
قال معاوية: أبو بكر رضي الله عنه- سلم من الدنيا وسلمت منه، وعمر عالجها وعالجته، وعثمان رضي الله عنه نال منها ونالت منه، وأما أنا فقد تصحّفت فيها ظهرا لبطن «3» .
63 لَوْلا يَنْهاهُمُ: هلّا ينهاهم، و «لولا» في الماضي توبيخ وفي المستقبل تحريض «4» .
66 مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ: النّجاشيّ وبحيرا «5» وأمثالهما القائلون في عيسى بالحق «6» .
__________
(1) معاني القرآن للزجاج: 2/ 187، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 332، وزاد المسير: 2/ 390. [.....]
(2) تفسير الطبري: 10/ 444، وزاد المسير: 2/ 391.
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 12/ 41: «الباء في قوله: دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وخَرَجُوا بِهِ يفيد بقاء الكفر معهم حالتي الدخول والخروج من غير نقصان ولا تغيير فيه ألبتة، كما تقول: دخل زيد بثوبه وخرج به، أي: بقي ثوبه حال الخروج كما كان حال الدخول» .
(3) لم أقف على هذا الأثر.
(4) في تفسير الفخر الرازي: 12/ 42، والبحر المحيط: 3/ 522، والدر المصون: 4/ 342 أن «لولا» حرف تحضيض ومعناه «التوبيخ» .
(5) بحيرا- بفتح أوله وكسر ثانيه- كان عالما نصرانيا، رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل مبعثه وآمن به.
ترجمته في: أسد الغابة: 1/ 199، والإصابة: (1/ 271، 352) .
(6) أخرج الطبري في تفسيره: (10/ 465، 466) عن مجاهد قال: «هم مسلمة أهل الكتاب ... » دون تسمية أحد منهم. وكذا نقل ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 395 عن ابن عباس، ومجاهد. وورد اسم النجاشي فقط في تفسير الفخر الرازي: 122/ 50، وتفسير القرطبي: 6/ 241.
(1/278)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)
69 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا: أظهروا الإيمان، يعني: المنافقين «1» .
وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ: رفع «الصابئين» على تقدير التأخير، كأنه: ولا هم يحزنون والصابئون كذلك «2» .
أو عطف على ضمير هادُوا أي: والذين هادوا هم والصابئون «3» .
أو ارتفع لضعف عمل «إن» لا سيما وهو عطف على المضمر الذي لم يظهر إعرابه «4» .
وبلغ ابن عباس قراءة أهل المدينة «5» : «والصّابون» فأنكرها وقال:
__________
(1) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 194، والنحاس في معاني القرآن: 2/ 339.
وقال الزجاج: فأما مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ «وقد ذكر الذين آمنوا، فإنما يعني الذين آمنوا هاهنا المنافقين الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم ودلّ على أن المعنى هنا ما تقدم من قوله: لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ.
وقيل: هم المسلمون الذين صدقوا الله ورسوله.
وهو قول الطبري في تفسيره: 10/ 476، وابن كثير في تفسيره: 3/ 147.
(2) هذا قول سيبويه في الكتاب: 2/ 155. وعزاه الزجاج في معاني القرآن: 2/ 193 إلى سيبويه والخليل وإلى جميع البصريين.
وانظر هذا القول في تفسير البغوي: 2/ 53، والمحرر الوجيز: 4/ 522، والتبيان للعكبري: 1/ 451، والدر المصون: 4/ 353.
(3) هذا قول الكسائي وردّه الفراء في معاني القرآن: 1/ 312، وخطّأه الزجاج في معاني القرآن: 2/ 194 فقال: «وهذا القول خطأ من جهتين، إحداهما: أن الصابئ يشارك اليهودي في اليهودية وإن ذكر أنّ هادوا في معنى تابوا فهذا خطأ في هذا الموضع أيضا لأن معنى «الذين آمنوا» هاهنا إنما هو إيمان بأفواههم، لأنه يعنى به المنافقون، ألا ترى أنه قال:
من آمن بالله، فلو كانوا مؤمنين لم يحتج أن يقال إن آمنوا فلهم أجرهم» .
وانظر مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 232، والتبيان للعكبري: 1/ 451، والدر المصون: (4/ 356، 357) .
(4) معاني القرآن للفراء: (1/ 310، 311) ، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 232، والدر المصون: 4/ 362.
(5) وهي قراءة نافع كما في الكشف لمكي: 1/ 245، والتيسير لأبي عمرو الداني: 74 وفي توجيه هذه القراءة السبعية قال مكي: «فأما من لم يهمز فهو على أحد وجهين إما أن يكون خفف الهمزة على البدل، فأبدل منها ياء مضمومة، أو واوا مضمومة، في الرفع، فلما- انضمت الياء إلى الواو ألقى الحركة على الياء، استثقالا للضم على حرف علة، فاجتمع حرفان ساكنان، فحذف الأول لالتقاء الساكنين، ... والوجه الثاني أن يكون من «صبا يصبو» إذا فعل ما لا يجب له فعله، كما يفعل الصبي، فيكون في الاعتلال، قد حذف لامه في الجمع، وهي واو مضمومة في الرفع، وواو مكسورة في الخفض والنصب، فجرى الاعتلال على إلقاء حركة الواو على الياء، وحذف الواو الأولى لسكونها وسكون واو الجمع أو يائه بعدها ... » .
ونسب ابن جني هذه القراءة في المحتسب: 1/ 216 إلى أبي جعفر وشيبة.
(1/279)

وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)
إنما الصابون ما يغسل به الثّياب.
71 ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بأن أرسل محمدا يعلمهم أنهم إن آمنوا تاب عليهم «1» .
فَعَمُوا وَصَمُّوا: لم يعملوا بما سمعوا ولا ما رأوا «2» .
كَثِيرٌ مِنْهُمْ: يرتفع على البدل من الواو في عَمُوا وَصَمُّوا.
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ: رفعه بمعنى: أنه لا تكون «3» .
77 قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ: عن الهدى في الدنيا.
__________
(1) هذا قول الزجاج في معاني القرآن: 2/ 195. وذكره النحاس في معاني القرآن: 2/ 341، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 401 عن الزجاج.
وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: 4/ 525، وقال: «وخص بهذا العمى كثيرا منهم لأنّ منهم قليلا آمن» .
(2) قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 195: «هذا مثل، تأويله: أنهم لم يعملوا بما سمعوا ولا بما رأوا من الآيات، فصاروا كالعمي الصّمّ» .
وانظر معاني القرآن للنحاس: 2/ 341، وزاد المسير: 2/ 401.
(3) ورد هذا التوجيه لقراءة أبي عمرو، وحمزة، والكسائي برفع تكون وقرأ باقي السبعة تَكُونَ نصبا.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 247، والتبصرة لمكي: 188.
قال الزجاج في معانيه: 2/ 195: «فمن قرأ بالرفع فالمعنى: أنه لا تكون فتنة، أي:
حسبوا فعلهم غير فاتن لهم وذلك أنهم كانوا يقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه» .
ينظر توجيه القراءتين في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 174، والكشف لمكي:
1/ 416.
(1/280)

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)
وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ: عن طريق الجنة في الآخرة «1» .
82 قِسِّيسِينَ: عابدين، من الاتباع، يقال في اتباع الحديث: يقسّ، وفي أثر الطّريق يقصّ «2» ، جعلوا الأقوى لما فيه أثر مشاهد كالوصيلة في المماسّة الحسيّة، والوسيلة في القربة، والفسيل «3» في نتاج النخيل «4» ، والفصيل في الإبل «5» .
93 لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا: لما حرّمت الخمر قالت الصحابة: كيف بمن مات من إخواننا «6» .
إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا: الاتقاء الأول: فعل الاتقاء، والثاني: دوامه، والثالث: اتقاء مظالم العباد بدليل/ ضم الإحسان إليه «7» . [28/ أ]
__________
(1) تفسير الطبري: 10/ 487، وتفسير الفخر الرازي: 12/ 67. [.....]
(2) ليس هذا على الإطلاق، ولكنه في الغالب، فقد استعمل القرآن في اتباع الحديث (يقص) كما في قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ [سورة النمل: 76] ، وقوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [سورة يوسف: آية: 3] ، واستعمله أيضا في تتبع الأثر كما في قوله تعالى: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [سورة القصص: آية: 11] .
ينظر المفردات للراغب: (403، 404) ، واللسان: 6/ 174 (قسس) ، (7/ 74 (قصص) .
(3) ينظر كتاب النخل لأبي حاتم: (54، 55) ، واللسان: 11/ 519 (فسل) .
(4) اللسان: 11/ 519 (فسل) .
(5) النهاية لابن الأثير: 3/ 451، واللسان: 11/ 522 (فصل) .
(6) سنن الترمذي: 5/ 254، كتاب التفسير، باب «ومن سورة المائدة» عن البراء بن عازب رضي الله عنه.
ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 357، وأسباب النزول للواحدي: 242، وتفسير الماوردي:
1/ 485، وزاد المسير: 2/ 419.
(7) ذكره الفخر الرازي في تفسيره: 12/ 89.
وقال الطبري في تفسيره: 10/ 577: «الاتقاء الأول: هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق، والدينونة به والعمل. والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير. والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بالإحسان، والتقرب بنوافل الأعمال» . -
وتوجيه الطبري للحالة الثالثة أنسب لأن الديمومة على التقوى تستلزم الحالة الثالثة التي ذكرها المصنف وهي اتقاء الظلم، وليس ضم الإحسان دليلا على ذلك، فالإحسان أمر زائد على الفرائض والواجبات وترك المنهيات، ولذا كان توجيه الطبري أنسب حيث جعله في دائرة التقرب بنوافل الأعمال.
(1/281)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)
95 فَجَزاءٌ مِثْلُ «1» ما قَتَلَ: أي: عليه جزاء مثل ما قتل فيكون «الجزاء» بمعنى المصدر، وهو غير المثل لأنه فعل المجازي «2» . ويقرأ: فَجَزاءٌ مِثْلُ «3» . ف «مثل» صفة للجزاء «4» .
96 صَيْدُ الْبَحْرِ: هو الطريّ «5» ، وَطَعامُهُ: المالح «6» .
__________
(1) برفع «فجزاء» بغير تنوين وخفض «مثل» وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر.
السّبعة لابن مجاهد: 247، والتبصرة لمكي: 188.
(2) الحجة لأبي علي الفارسي: (3/ 256، 257) .
وقال السّمين الحلبي في الدر المصون: 4/ 419: «و «جزاء» مصدر مضاف لمفعوله تخفيفا، والأصل: فعليه جزاء مثل ما قتل، أي أن يجزئ مثل ما قتل، ثم أضيف، كما تقول: «عجبت من ضرب زيدا» ثم «من ضرب زيد» ... وبسط ذلك أن الجزاء هنا بمعنى القضاء والأصل: فعليه أن يجزي المقتول من الصيد مثله من النعم، ثم حذف المفعول الأول لدلالة الكلام عليه وأضيف المصدر إلى ثانيهما ... » .
(3) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي كما في السّبعة لابن مجاهد: 248، والتبصرة لمكي: 188.
(4) الحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 254 وقال: «والمعنى: فعليه جزاء من النّعم مماثل المقتول، والتقدير: فعليه جزاء وفاء للازم له، أو فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد» .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 217، والبحر المحيط: 4/ 19، والدر المصون:
4/ 418.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (11/ 57- 59) عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وسعيد بن جبير، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 3/ 198 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (11/ 65- 68) عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وقتادة، ومجاهد، والسدي. -
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 489 عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب.
(1/282)

جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)
وقيل «1» : ما نضب عنه الماء فأخذ بغير صيد.
97 قِياماً لِلنَّاسِ: عمادا وقواما «2» ومعناه ما في المناسك من منافع الدين، وما في الحج من معايش أهل مكة.
97 قوله تعالى: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ ... : أن من علم أموركم قبل خلقكم جعل لكم حرما يؤمن اللّاجيء إليه ويقيم معيشة الثاوي «3» فيه، فهو الذي يعلم ما في السماوات والأرض.
البحيرة «4» : المشقوقة الأذن وهي النّاقة نتجت خمسة أبطن فإن كان آخرها سقبا- أي: ذكرا- أكلوه وبحروا أذن الناقة وخلّيت، لا تحلب ولا تركب. وإن كانت الخامسة أنثى صنعوا بها هذا دون أمها «5» . والسائبة:
الإبل تسيّب بنذر أو بلوغ راكبها حاجته «6» .
والوصيلة: الشّاة ولدت سبعة أبطن فإن كان ذكرا «7» أكله الرجال.
__________
(1) رجحه الطبري في تفسيره: 11/ 69 بدليل: «أنّ الله تعالى ذكره ذكر قبله صيد الذي يصاد، فقال: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ، فالذي يجب أن يعطف عليه في المفهوم ما لم يصد منه، فقال: أحل لكم ما صدتموه من البحر، وما لم تصيدوه منه ... » .
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 147، والمفردات للراغب: 417. [.....]
(3) أي المقيم فيه.
قال الخطابي في غريب الحديث: 1/ 498: «والثواء: طول المكث بالمكان، والمثوى:
المنزل» .
(4) من قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة: 103] .
(5) عن مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 180.
وانظر تفسير الطبري: 11/ 130، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 213.
(6) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 179، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 147، وتفسير الطبري: 11/ 125، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 213، وزاد المسير: 2/ 438.
(7) أي فإن كان السابع ذكرا.
(1/283)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
وإن كانت أنثى أرسلت في الغنم، وكذلك إن كان ذكرا وأنثى «1» وقالوا: وصلت أخاها.
والحامي: الفحل يضرب في الإبل عشر سنين فيصير ظهره حمى «2» .
وقيل «3» : هو الذي نتج ولده.
105 عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ: نصب على الإغراء «4» ، أي: احفظوها.
لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ: أي: في الآخرة «5» . أما الإمساك عن إرشاد الضّالّ فلا سبيل إليه «6» .
__________
(1) في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 178: «وإذا ولدت سبعة أبطن، كل بطن ذكرا وأنثى، قالوا: قد وصلت أخاها، وإذا وضعت بعد سبعة أبطن ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فأحموها وتركوها ترعى ولا يمسها أحد ... » . وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة:
147، وتفسير الطبري: 11/ 124، والمفردات للراغب: 525، وزاد المسير: 2/ 439.
(2) نص هذا القول في زاد المسير: 2/ 440، وقال: «ذكره الماوردي عن الشّافعي» ، وقال الماوردي في تفسيره: 1/ 493: «وأما الحام ففيه قول واحد أجمعوا عليه وهو البعير ينتج من صلبه عشرة أبطن فيقال: حمى ظهره ويخلّى» . وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة:
1/ 179، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 148، وتفسير الطبري: (11/ 124، 125) ، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 213.
(3) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 322، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 148، والطبري في تفسيره: 11/ 130 والسمين الحلبي في الدر المصون: 4/ 448 وقال:
«فيقولون» : قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يستعمل ولا يطرد عن ماء ولا شجر» .
(4) معاني القرآن للفراء: (1/ 322، 323) ، وقال الطبري في تفسيره: 11/ 138: «ونصب قوله: أَنْفُسَكُمْ بالإغراء، والعرب تغري من الصفات ب «عليك» ، و «عندك» ، و «دونك» ، و «إليك» ... » . وقال السّمين الحلبي في الدر المصون: 4/ 450: «الجمهور على نصب أَنْفُسَكُمْ على الإغراء ب عَلَيْكُمْ لأن عَلَيْكُمْ هنا اسم فعل، إذ التقدير: الزموا أنفسكم أي: هدايتها وحفظها مما يؤذيها ... » .
(5) لم أقف على هذا القول.
(6) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 5/ 75: «وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى رجى رد المظالم ولو بعنف ما لم يخف المرء ضررا يلحقه في خاصته أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا وإما بضرر يلحق طائفة من الناس فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده» . -
- وقال ابن كثير في تفسيره: 3/ 207: «وليس في الآية مستدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكنا» .
(1/284)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106)
106 شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: أي: أسبابه «1» .
اثْنانِ: شهادة اثنين، أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ: من غير ملتكم في السّفر «2» ، ثم نسخ «3» ، فيحلفان بعد صلاة العصر «4» إذ هو وقت يعظّمه
__________
(1) زاد المسير: 2/ 445، وقال الفخر الرازي في تفسيره: 12/ 121: «والمراد بحضور الموت مشارفته وظهور أمارات وقوعه ... » .
وقال القرطبي في تفسيره: 6/ 348: «معناه إذا قارب الحضور، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت، وهذا كقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وكقوله: إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ ومثله كثير» .
(2) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 324، وأخرجه الطبريّ في تفسيره: (11/ 160- 166) عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وشريح وعبيدة السّلماني، وابن زيد، وزيد بن أسلم. ورجح الطبري هذا القول في تفسيره: 11/ 168.
وانظر هذا القول وأدلة القائلين به في معاني القرآن للزجاج: 2/ 215، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 376، وتفسير الماوردي: 1/ 494، وزاد المسير: 2/ 446، وتفسير الفخر الرازي: 12/ 122.
(3) الناسخ والمنسوخ للنحاس: 163 عن زيد بن أسلم، ومالك بن أنس، والشافعي، وأبي حنيفة.
وذكره ابن الجوزي في نواسخ القرآن: 32 وقال: «وهو قول زيد بن أسلم. وإليه يميل أبو حنيفة ومالك والشّافعي، قالوا: وأهل الكفر ليسوا بعدول» .
وقيل: إن الآية محكمة والعمل على هذا عندهم باق. وقال مكي في الإيضاح: 275:
«أكثر الناس على أنه محكم غير منسوخ» . ونقل مكي هذا القول عن ابن عباس، وعائشة، وأبي موسى الأشعري، والشعبي، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وشريح، وإبراهيم النخعي، والأوزاعي.
وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 446، ونواسخ القرآن: 321 ونسبه إلى ابن عباس، وابن المسيب، وابن جبير، وابن سيرين، وقتادة، والشعبي، والثّوري، وأحمد بن حنبل.
وصحح ابن الجوزي هذا القول وقال: «لأن هذا موضع ضرورة كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض والنفاس والاستهلال» . [.....]
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (11/ 174، 175) عن سعيد بن جبير، وشريح، -- وإبراهيم النخعي، وقتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 3/ 225 وعزا إخراجه إلى عبد الرازق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عبيدة السّلماني، قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 216: «كان الناس بالحجاز يحلفون بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس» . ونقل ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 448 عن ابن قتيبة قال: «لأنه وقت يعظمه أهل الأديان» .
(1/285)

فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107)
أهل الكتاب.
لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً: لا نطلب عوضا.
ومن لا يرى نسخ القرآن فهو شهادة حضور الوصية لا الأداء «1» .
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ: وصيّان من غير قبيلتكم «2» ، والوصيّ يحلّف عند التهمة لا الشاهد.
107 فَإِنْ عُثِرَ: اطّلع «3» ، عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا: اقتطعا بشهادتهما أو [28/ ب] يمينهما «إثما» حلّف آخران أوليان بالميت، / أي: بوصيته على العلم أنهما لم يعلما من الميت ما ادعيا عليه وأن أيمانهما أحق من أيمانهما.
__________
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: 162، والإيضاح لمكي: 279، وتفسير الماوردي: 1/ 493.
وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 445، وقال: «واستدل أرباب هذا القول بقوله:
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ قالوا: والشاهد لا يلزمه يمين» .
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (11/ 166، 167) ، عن الحسن، وعكرمة، والزهري، وعبيدة السّلماني.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 446 عن الحسن، وعكرمة، والأزهري، والسدي.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 181، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 148.
وقال الطبري في تفسيره: 11/ 179: «وأصل «العثر» الوقوع على الشيء والسقوط عليه ... وأما قوله: عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً، فإنه يقول تعالى ذكره: فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية- بعد حلفهما بالله لا نشتري بأيماننا ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله- عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً، يقول: على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثما، وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خنّا ولا بدلنا ولا غيرنا. فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئا، أو غيرا وصيته، أو بدّلا، فأثما بذلك من حلفهما بربهما فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، يقول يقوم حينئذ مقامهما من ورثة الميت، الأوليان الموصى إليهما» .
(1/286)

يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)
مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ: أي: بكسبهم الإثم على الخيانة، وهم أهل الميت «1» ، هما الأوليان بالشهادة من الوصيين.
109 قالُوا لا عِلْمَ لَنا: أي: بباطن أمورهم «2» التي المجازاة عليها بدليل قوله: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، أو ذلك لذهولهم عن الجواب لأهوال القيامة «3» .
111 أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ: ألقيت إليهم، والوحي: الإلقاء السريع، والوحي: السرعة، والأمر الوحي: السريع «4» .
112 هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ: هل يطيع إن سألت، أو هل يستجيب «5» . أو قالوا ذلك في ابتداء أمرهم قبل استحكام إيمانهم «6» ، أو بعد إيمانهم لمزيد اليقين «7» ، ولذلك قالوا: وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا.
116 وَإِذْ قالَ اللَّهُ: جاء إِذْ وهو للماضي لإرادة التقريب، ولأنه
__________
(1) ذكر الماوردي هذا القول في تفسيره: 1/ 495 وعزاه إلى سعيد بن جبير.
وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 2/ 450 وقال: «قاله الجمهور» .
(2) تفسير الطبري: 11/ 211، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 218.
وذكره النحاس في معاني القرآن: (2/ 381، 382) وقال: «هذا مذهب ابن جريج» .
(3) معاني القرآن للفراء: 1/ 324، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 148.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 11/ 20 عن الحسن، ومجاهد، والسدي.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 218، وتفسير الماوردي: 1/ 496، وزاد المسير:
2/ 453.
(4) ينظر معنى «الوحي» في تفسير الطبري: (6/ 405، 406) ، والمفردات للراغب: 515، واللسان: (15/ 379- 382) (وحى) .
(5) تفسير الطبري: 11/ 219، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 220، وتفسير الماوردي:
1/ 499.
(6) معاني القرآن للزجاج: 2/ 221، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 385، وزاد المسير:
2/ 456.
(7) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 221.
(1/287)

إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)
كائن «1» .
أَأَنْتَ قُلْتَ: يقول الله ذلك لتوبيخ أمته «2» . أو لإعلامه كيلا يشفع لهم.
118 وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ: تفويض الأمر إلى الله «3» ، أو تغفر كذبهم عليّ لا كفرهم «4» .
119 هذا يَوْمُ يَنْفَعُ: رفعه «5» على الإشارة إلى «اليوم» ، ونصبه «6» على الظرف.
__________
(1) أي: أن هذا القول سيكون يوم القيامة.
وقد أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (11/ 234، 235) عن ابن جريج، وقتادة، وميسرة.
وانظر معاني القرآن للنحاس: 2/ 390، وزاد المسير: 2/ 463، وتفسير الفخر الرازي:
12/ 142.
(2) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 222 فقال: «فالمسألة هنا على وجه التوبيخ للّذين ادعوا عليه لأنهم مجمعون أنه صادق الخبر وأنه لا يكذبهم وهو الصادق عندهم فذلك أوكد في الحجة عليهم وأبلغ في توبيخهم، والتوبيخ ضرب من العقوبة» .
(3) ذكر النحاس هذا القول في معاني القرآن: 2/ 391 وصححه.
وذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 505، والفخر الرازي في تفسيره: 12/ 146. [.....]
(4) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 223 فقال: «اختلف أهل النظر في تفسير قول عيسى:
إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فقال بعضهم: معناه إن تغفر لهم كذبهم عليّ، وقالوا: لا يجوز أن يقول عيسى عليه السلام: إن الله يجوز أن يغفر الكفر، وكأنه على هذا القول: إن تغفر لهم الحكاية فقط، هذا قول أبي العباس محمد بن يزيد، ولا أدري أشيء سمعه أم استخرجه» .
وانظر هذا القول في معاني القرآن للنحاس: (2/ 392، 393) ، وتفسير الماوردي:
1/ 505.
(5) أي رفع يَوْمُ والجمهور على رفعه من غير تنوين.
ينظر معاني القرآن للفراء: 1/ 326، وتفسير الطبري: 11/ 241، والسبعة لابن مجاهد:
250، والدر المصون: 4/ 520.
(6) وهي قراءة نافع. كما في السّبعة لابن مجاهد: 250، والتبصرة لمكي: 189.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 224، والحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 283، والدر المصون: 4/ 520.
(1/288)

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8)
ومن سورة الأنعام
1 الْحَمْدُ لِلَّهِ: جاء على صيغة الخبر في معنى الأمر لينتظم المعنى [ويلتئم] «1» اللفظ «2» .
بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ: أي: يعدلون به الأصنام.
2 ثُمَّ قَضى أَجَلًا: أجل الحياة، وَأَجَلٌ مُسَمًّى: أجل الموت إلى البعث «3» .
6 مِنْ قَرْنٍ: أهل كل عصر قرن لاقتران الخالف بالسالف «4» .
8 لَقُضِيَ الْأَمْرُ: لحق إهلاكهم، وأصل «القضاء» : انقطاع الشيء وتمامه «5» .
__________
(1) في الأصل: «وتعليم» ، والمثبت في النص عن «ج» .
(2) عن تفسير الماوردي: 1/ 507. ونص كلام الماوردي: «وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر، وذلك أنه أولى من أن يجيء بلفظ الأمر فيقول: أحمد الله، لأمرين:
أحدهما: أنه يتضمن تعليم اللفظ والمعنى، وفي الأمر المعنى دون اللفظ.
الثاني: أن البرهان إنما يشهد بمعنى الخبر دون الأمر» .
وانظر تفسير الطبري: 11/ 249.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 11/ 256 عن الحسن، وقتادة، والضحاك.
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 509 عن الحسن وقتادة.
وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 3 وقال: «روي عن ابن عباس، والحسن، وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، ومقاتل» .
(4) معاني القرآن للزجاج: 2/ 229، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 400، وزاد المسير: (3/ 4- 6) ، وعزاه ابن الجوزي إلى ابن الأنباري.
(5) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 230.
(1/289)

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)
9 لَجَعَلْناهُ رَجُلًا لأن الجنس إلى الجنس أميل وعنه أفهم، ولئلا يقولوا: إنما قدرت على ما أتيت به من آية بلطفك ولو كنا ملائكة لفعلنا مثله «1» .
وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أي: إذا جعلناه رجلا شبهنا عليهم فلا يدرى أملك أو آدميّ.
13 وَلَهُ ما سَكَنَ: لأن الساكن أكثر من المتحرك «2» ، ولأن سكون الثقيل من غير عمد أعجب من حركته إلى جهة الهويّ.
19 لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ: أي: ومن بلغه القرآن «3» .
[29/ أ] 23 ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ: أي: بليّتهم «4» التي غرتهم إلا/ مقالتهم
__________
(1) قال الفخر الرازي في تفسيره: 12/ 171: «وذلك لأن أي معجزة ظهرت عليه قالوا: هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة والعلم لفعلنا مثل ما فعلته أنت ... » .
(2) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 512، والبغوي في تفسيره: 2/ 87، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 10 وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 5/ 141: «وسكن» هي من السكنى ونحوه، أي: ما ثبت وتقرر، قاله السدي وغيره.
وقال فرقة: هو من السكون، وقال بعضهم: لأن الساكن من الأشياء أكثر من المتحرك إلى غير هذا من القول الذي هو تخليط، والمقصد في الآية عموم كل شيء، وذلك لا يترتب إلا أن يكون «سكن» بمعنى استقر وثبت وإلا فالمتحرك من الأشياء المخلوقات أكثر من السواكن، ألا ترى إلى الفلك والشمس والقمر والنجوم السابحة والملائكة وأنواع الحيوان والليل والنهار حاصران للزمان» .
وذكر القرطبي في تفسيره: 6/ 396 مثل قول المؤلف ثم قال: «وقيل: المعنى ما خلق، فهو عام في جميع المخلوقات متحركها وساكنها، فإنه يجري عليه الليل والنهار، وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق، وهذا أحسن ما قيل لأنه يجمع شتات الأقوال» .
(3) معاني القرآن للفراء: 1/ 329، وتفسير الطبري: 11/ 290، ومعاني القرآن للنحاس:
2/ 406، وتفسير الفخر الرازي: 12/ 186.
(4) نقل الماوردي في تفسيره: 1/ 515، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 16 عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: «يعني بليتهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة» .
(1/290)

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)
ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.
ونصب فِتْنَتُهُمْ «1» بخبر كان. وإِلَّا أَنْ قالُوا: أحق بالاسم لأنه أشبه المضمر من حيث لا يوصف، والمضمر أعرف من المظهر ولأن «الفتنة» قد تكون نكرة «وإن قالوا» لا تكون إلا معرفة «2» .
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ: ذلك قولهم في موقف الذهول والدهش في القيامة.
25 أَكِنَّةً: جمع «كنان» ، وهو الغطاء «3» ، وكانوا يؤذون النبي- عليه السلام- إذا سمعوا القرآن فصرفهم الله عنه «4» .
26 وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ: أي: عن متابعة الرسول، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ:
يبعدون عنه بأنفسهم «5» .
وقيل»
: إنه أبو طالب............... ......
__________
(1) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وعاصم في رواية شعبة.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 255، والتبصرة لمكي: 191.
(2) الحجة لأبي علي: 3/ 290، والبحر المحيط: 4/ 95، والدر المصون: 4/ 572. [.....]
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 188، وتفسير الطبري: 11/ 305، ومعاني القرآن للزجاج:
2/ 236، والمفردات للراغب: 442.
(4) عن تفسير الماوردي: 1/ 516، ونص كلامه: «فصرفهم الله عن سماعه بإلقاء النوم عليهم وبأن جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه» .
(5) تفسير الطبري: 11/ 311، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 238، ونقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 1/ 517 عن محمد بن الحنفية، والحسن، والسدي.
وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 21 وقال: «رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال ابن الحنفية، والضحاك، والسدي» .
(6) أخرجه الطبري في تفسيره: (11/ 313، 314) عن ابن عباس، وعطاء بن دينار، والقاسم بن مخيمرة، وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 315، كتاب التفسير، «تفسير سورة الأنعام، عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.
وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: 247 عن ابن عباس أيضا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 3/ 260 وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد الرازق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي في الدلائل- كلهم- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
قال ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 21: «فعلى هذا القول يكون قوله: وَهُمْ كناية عن واحد وعلى الثاني عن جماعة» .
(1/291)

بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)
[كان] «1» ينهاهم عن إيذاء الرسول ثم يبعد عن الإيمان به.
28 بَلْ بَدا لَهُمْ: للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة تخفى من أمر الحشر والنشر «2» .
29 وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا: إنما استبعدوا النّشأة الثانية لجريان العادة بخلافها على مرور الأزمان، والدليل على صحة الثانية صحة الأولى، لأنها إن صحّت بقادر دبرها بحكمته فيه تصح الثانية وهو الحق، وإن صحّت على زعمهم بطبيعة فيها تصح الثانية حتى إنها لو صحّت بالاتفاق لصحّت بها الثانية أيضا.
30 وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ: على مسألته «3» .
33 فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ «4» : على نحو: ما كذّبك فلان وإنما كذبني.
__________
(1) عن نسخة «ج» .
(2) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 240، ونص كلام الزجاج: «أي بل ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والنشور لأن المتصل بهذا قوله عز وجل:
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ.
وانظر تفسير الطبري: 11/ 322، وتفسير الفخر الرازي: 12/ 204، وتفسير القرطبي:
6/ 410.
(3) ينظر تفسير البغوي: 2/ 92، والكشاف: 2/ 13، وتفسير الفخر الرازي: 12/ 206.
(4) قراءة التشديد لعاصم، وأبي عمرو، وابن عامر، وابن كثير، وحمزة.
وقرأ نافع والكسائي: لا يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف.
ينظر السّبعة لابن مجاهد: 257، والتبصرة لمكي: 192.
قال أبو حيان في البحر المحيط: 4/ 111: «قيل هما بمعنى واحد نحو كثر وأكثر» .
وقيل بينهما فرق، حكى الكسائي أن العرب تقول: «كذّبت الرجل» إذا نسبت إليه الكذب، وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه، وتقول العرب أيضا: «أكذبت الرجل إذا وجدته كذابا كما تقول: أحمدت الرجل إذا وجدته محمودا. -
- فعلى القول بالفرق يكون معنى التخفيف: لا يجدونك كاذبا، أو لا ينسبون الكذب إليك.
وعلى معنى التشديد يكون إما خبرا محضا عن عدم تكذيبهم إياه ... وإما أن يكون نفي التكذيب لانتفاء ما يترتب عليه من المضار» .
(1/292)

وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)
أو لا يجدونك كاذبا، كقولك: عدّلته وفسّقته وكذا لا يُكَذِّبُونَكَ، كقولك: أبخلته وأجبنته «1» .
قال أبو جهل: ما أكذبناك ولكنا نكذب ما جئتنا به «2» .
35 نَفَقاً: سربا في الأرض «3» .
ونفّق: اتخذ نفقا، وتنفّقته: أخرجته من نفقه «4» .
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ: لا تجزع في مواطن الصّبر فتقارب الجاهلين بعواقب الأمور، وحسن تغليظ الخطاب للتبعيد من هذه الحال «5» .
36 إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ: إنما يسمع الأحياء لا الأموات.
وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ: أي: الكفار «6» الذين هم في الحياة موتى.
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 1/ 331، وتفسير الطبري: 11/ 331، ومعاني القرآن للنحاس:
2/ 418، والبحر المحيط: 4/ 111، والدر المصون: (4/ 603، 604) .
(2) تفسير الطبري: 11/ 334، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 418، وأسباب النزول للواحدي:
249.
(3) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 153، وتفسير الطبري: 11/ 337.
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 244: «والنفق الطريق النافذ في الأرض ... » .
(4) اللسان: (10/ 358، 359) (نفق) .
(5) قال الفخر الرازي في تفسيره: (12/ 218، 219) : «وهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة كما أن قوله: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ لا يدل على أنه صلّى الله عليه وسلّم أطاعهم، وقبل دينهم، والمقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تحسرك على تكذيبهم، ولا يجوز أن تجزع من إعراضهم عنك، فإنك لو فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل، والمقصود من تغليظ الخطاب التبعيد والزجر له عن مثل هذه الحالة، والله أعلم ... » .
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (11/ 341، 342) عن الحسن، ومجاهد، وقتادة.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 2/ 421 عن الحسن ومجاهد.
والماوردي في تفسيره: 1/ 521، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 33 عن الحسن، ومجاهد، وقتادة. -
- قال الماوردي: «ويكون معنى الكلام: إنما يستجيب المؤمنون الذين يسمعون، والكفار لا يسمعون إلا عند معاينة الحق اضطرارا حين لا ينفعهم حتى يبعثهم الله كفارا ثم يحشرون كفارا» . [.....]
(1/293)

وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)
37 وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: ما عليهم في الآية من البلاء لو أنزلت، ولا ما وجه تركها «1» .
38 يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ: إذ يقال للمسرع: طر «2» .
[29/ ب] إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ: في حاجة النّفس، أو الحاجة/ إلى من يدبرهم ويريح عللهم، أو في اختلاف الصّور والطبائع، أو في الدلالة على الصانع.
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ: اللوح «3» ، ففيه أجل كل دابة وطير وأرزاقها. أو القرآن «4» ، ففيه كل شيء إما جملة أو تفصيلا.
44 مُبْلِسُونَ: الإبلاس: السكوت مع اكتئاب «5» .
__________
(1) قال الطبري في تفسيره: 11/ 343: «وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ يقول: ولكن أكثر الذين يقولون ذلك فيسألونك آية، لا يعلمون ما عليهم في الآية، إن نزّلها من البلاء، ولا يدرون ما وجه ترك إنزال ذلك عليك. ولو علموا السبب الذي من أجله لم أنزلها عليك، لم يقولوا ذلك، ولم يسألوكه، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك» .
وانظر هذا المعنى في تفسير الماوردي: 1/ 522، وزاد المسير: 3/ 34، وتفسير الفخر الرازي: 12/ 221.
(2) قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 245: «وقال يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على جهة التوكيد، لأنك قد تقول للرجل: طر في حاجتي أي أسرع، وجميع ما خلق الله عز وجل فليس يخلو من هاتين المنزلتين، إما أن يدب أو يطير» .
(3) زاد المسير: 3/ 35، وتفسير القرطبي: 6/ 420.
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 523، وقال: «وهو قول الجمهور» .
وذكر الفخر الرازي هذا القول في تفسيره: 12/ 226 وقال: «وهذا أظهر لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن» .
وانظر زاد المسير: 3/ 35، وتفسير القرطبي: 6/ 420.
(5) معاني القرآن للفراء: 1/ 335، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 192، واللسان: (6/ 29، -- 30) (بلس) وقال الطبري في تفسيره: 11/ 362: «وأصل الإبلاس في كلام العرب، عند بعضهم: الحزن على الشيء والندم عليه. وعند بعضهم: انقطاع الحجة، والسكوت عند انقطاع الحجة، وعند بعضهم: الخشوع. وقالوا: هو المخذول المتروك ... » .
(1/294)

فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)
45 دابِرُ الْقَوْمِ: آخرهم الذي يدبرهم ويعقبهم «1» ، والتدبير: النظر في العواقب «2» .
46 أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ: جواب إِنْ محذوف أغنى عنه مفعول «رأيت» وموضعها نصب على الحال، كقولك: اضربه إن خرج، أي:
خارجا «3» وموضع مَنْ رفع على الابتداء وإِلهٌ خبره، وغَيْرُ صفة ل إِلهٌ، وكذا يَأْتِيكُمْ «4» ، والجملة في موضع مفعولي «رأيتم» والهاء في بِهِ عائد على المأخوذ المدلول عليه ب «أخذ» «5» .
ولفظ الزّجّاج «6» : هو عائد على الفعل، أي: يأتيكم بما أخذ منكم.
50 خَزائِنُ اللَّهِ: مقدوراته «7» .
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 192، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 154، وتفسير الطبري: 11/ 464، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 425، وتفسير الفخر الرازي: 12/ 237.
(2) اللسان: 4/ 273 (دبر) .
(3) البحر المحيط: 4/ 132، والدر المصون: 4/ 635.
(4) أي: وكذا يَأْتِيكُمْ صفة ثانية ل إِلهٌ.
(5) الدر المصون: 4/ 636. وقال الطبري في تفسيره: (11/ 366، 367) : «فإن قال قائل:
وكيف قيل: مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ، فوحد «الهاء» ، وقد مضى الذكر قبل بالجمع فقال: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ؟.
قيل: جائز أن تكون «الهاء» عائدة على السمع» ، فتكون موحّدة لتوحيد «السمع» ، وجائز أن تكون معنيا بها: من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار والأفئدة، فتكون موحدة لتوحيد «ما» ، والعرب تفعل ذلك، إذا كنّت عن الأفعال، وحّدت الكناية، وإن كثر ما يكنى بها عنه من الأفاعيل، كقولهم: «إقبالك وإدبارك يعجبني» .
(6) نص هذا القول عن الزجاج في زاد المسير: 3/ 41.
ولفظ الزجاج في كتابه معاني القرآن: 2/ 349: «أي بسمعكم، ويكون ما عطف على السمع داخلا في القصة إذ كان معطوفا على السمع» .
(7) قال القرطبي في تفسيره: 6/ 430: «والخزانة ما يخزن فيه الشيء ... وخزائن الله- مقدوراته، أي لا أملك أن أفعل كل ما أريد مما تقترحون» .
(1/295)

وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)
52 وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ: مثل سلمان «1» والموالي «2» .
مِنْ حِسابِهِمْ: حساب عملهم «3» . أو حساب رزقهم «4» ، أي:
مؤنة فقرهم.
53 فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ: امتحنا الفقراء بالأغنياء في السّعة والجدة والأغنياء بالفقراء في سبق الإسلام وغيره ليتبين صبرهم وشكرهم ومنافستهم في الدين أو الدنيا.
لِيَقُولُوا: لكي يقولوا، لام العاقبة «5» .
__________
(1) هو سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه.
وورد ذكر سلمان في نزول هذه الآية الكريمة في رواية أخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره:
1/ 261 (تفسير سورة الأنعام) عن الربيع بن أنس، وكذا الواحدي في أسباب النزول:
251.
وذكره- أيضا- السّهيلي في التعريف والأعلام: 54، ثم قال: «إلّا أن سلمان الأصح فيه أنه أسلم بالمدينة، والسّورة مكية» .
(2) ذكر منهم بلال بن رباح، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان.
ينظر المحرر الوجيز: 5/ 207، والتعريف والأعلام: 54.
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه: 4/ 1878، كتاب فضائل الصحابة، باب «في فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه» عن سعد قال: «كنا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلّى الله عليه وسلّم: اطرد هؤلاء عنك لا يجترءون علينا، قال: كنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله عز وجل: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. [.....]
(3) ذكر الماوردي هذا القول في تفسيره: 1/ 527 عن الحسن، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 47.
(4) عن تفسير الماوردي: 1/ 527.
وانظر تفسير البغوي: 2/ 100، وزاد المسير: 3/ 47، وتفسير الفخر الرازي: 12/ 248.
(5) إعراب القرآن للنحاس: 2/ 68، والتبيان للعكبري: 1/ 499، وتفسير القرطبي: 6/ 434.
وقال أبو حيان في البحر المحيط: 4/ 139: «واللام في لِيَقُولُوا الظاهر أنها لام كي، أي: هذا الابتلاء لكي يقولوا هذه المقالة على سبيل الاستفهام لأنفسهم والمناجاة لها، - ويصير المعنى: ابتلينا أشراف الكفار بضعفاء المؤمنين ليتعجبوا في نفوسهم من ذلك، ويكون سببا للنظر لمن هدى ... » .
(1/296)

وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)
54 وَإِذا جاءَكَ: العامل في «إذا» قل «1» ، وموضع جاءَكَ جرّ بإضافة «إذا» إليه، كقولك: حين جاءك.
55 وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ: السّبيل مؤنثة «2» ، كقوله «3» : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي، وإن جعلت الاستبانة متعدية ونصبت «السّبيل» «4» فالخطاب للنبي أو للسامع «5» .
57 يَقُصُّ الْحَقَّ: يقضي القضاء الحق أو يضع الحق «6» .
59 وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها: ليعلم أن الأعمال أولى بالإحصاء للجزاء «7» .
إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ: في إِلَّا معنى الواو، وكذا كل استثناء بعد استثناء، كقولك: ما زيد إلا عند عمرو إلا في داره، بخلاف الاستثناء من الاستثناء.
__________
(1) قال السّمين الحلبي في الدر المصون: 4/ 648: «أي: فقل: سلام عليكم وقت مجيئهم، أي: أوقع هذا القول كلّه في وقت مجيئهم إليك، وهذا معنى واضح» .
(2) وهي لغة الحجاز، وتذكير «السبيل» لغة نجد وتميم.
تفسير الطبري: 11/ 396، والدر المصون: 4/ 655.
(3) سورة يوسف: آية: 108.
(4) وهي قراءة نافع كما في السبعة لابن مجاهد: 257، والتبصرة لمكي: 193.
(5) معاني القرآن للفراء: 1/ 337، وتفسير الطبري: 11/ 395، ومعاني القرآن للزجاج:
2/ 254، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 432، والحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 315.
(6) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 256.
وانظر معاني القرآن للنحاس: 2/ 435، وتفسير الماوردي: 1/ 529، وزاد المسير:
3/ 52، وتفسير القرطبي: 6/ 439.
(7) هذا قول الكوفيين كما في الإنصاف لابن الأنباري: 1/ 266، وذهب البصريون إلى أنها لا تكون بمعنى الواو.
وعزاه المرادي في الجنى الداني: 473 إلى الأخفش والفراء.
ينظر- أيضا- رصف المباني: 177، والبحر المحيط: 4/ 146، والدر المصون: 4/ 661.
(1/297)

وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)
60 يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ: يقبضكم عن التصرف «1» ، أو يحصيكم بالليل، من «توفى العدد» «2» ، ومنه أيضا: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا «3» أي: الحفظة، ومنه:
[30/ أ] يَتَوَفَّاكُمْ/ مَلَكُ الْمَوْتِ «4» أي: يستوفيكم.
65 يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً: يخلطكم فرقا مختلفين تتحاربون.
70 اتَّخَذُوا دِينَهُمْ: إذ ما من قوم إلا ولهم عيد لهو، إلا أمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فأعيادهم صلاة وتكبير وبرّ وخير.
70 تُبْسَلَ: تسلم وتحبس «5» .
71 اسْتَهْوَتْهُ: استتزلّته، من «الهويّ» ، أو استمالته، من «الهوى» «6» .
73 فِي الصُّورِ «7» : في الصور «8» ك «السّور» ، والسّور جمع سورة.
__________
(1) في تفسير الماوردي: 1/ 529، وزاد المسير: 3/ 55: «يعني به النوم لأنه يقبض الأرواح فيه عن التصرف كما يقبضها بالموت» .
(2) قال الطبري في تفسيره: 11/ 405: «ومعنى «التوفي» في كلام العرب استيفاء العدد ... » .
(3) سورة الأنعام: آية: 61.
(4) سورة السجدة: آية: 11. [.....]
(5) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 155، وتفسير الطبري: (11/ 442، 443) ، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 443، وزاد المسير: 3/ 65.
(6) تفسير الطبري: (11/ 450، 451) ، وتفسير الماوردي: 1/ 537، وزاد المسير: 3/ 66.
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 13/ 31: «اختلفوا في اشتقاق اسْتَهْوَتْهُ على قولين:
القول الأول: أنه مشتق من الهوي في الأرض، وهو النزول من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض، فشبه الله تعالى حال هذا الضال به، وهو قوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ، ولا شك أن حال هذا الإنسان عند هويه من المكان العالي إلى الوهدة العميقة المظلمة يكون في غاية الاضطراب والضعف والدهشة.
والقول الثاني: أنه مشتق من إتباع الهوى والميل، فإن من كان كذلك فإنه ربما بلغ النهاية في الحيرة، والقول الأولى أولى لأنه أكمل في الدلالة على الدهشة والضعف» .
(7) يضم الصاد وفتح الواو، وهي قراءة تنسب إلى الحسن وعمرو بن عبيد، وعياض كما في البحر: 4/ 161، وتفسير القرطبي: 7/ 21.
(8) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 196: «يقال إنها جمع «صورة» تنفخ فيها روحها-- فتحيا، بمنزلة قولهم: سور المدينة واحدتها سورة» .
وينظر تفسير الطبري: 11/ 463، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 264.
وقيل في معنى «الصور» إنه قرن ينفخ فيه نفختان، وهو ما رجحه الطبري في تفسيره:
11/ 463.
وابن كثير في تفسيره: 3/ 276 لما أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 2/ 192 عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه» .
وأخرجه الترمذي في سننه: 4/ 620، أبواب صفة القيامة، باب «ما جاء في الصور» حديث رقم (2430) وقال: «هذا حديث حسن صحيح» .
والحاكم في المستدرك: 2/ 436، كتاب التفسير، «تفسير سورة الزمر» .
وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
(1/298)

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)
75 وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ: أي: نريه الملكوت ليستدل به وليكون ...
و «الملكوت» : أعظم الملك ك «الرهبوت» أعظم الرهبة «1» .
76 جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ: جنّه جنانا وجنونا وأجنّه إجنانا: غشيه وستره «2» ، وجاء جَنَّ عَلَيْهِ لأنه بمعنى أظلم عليه، وليس في «جنّه» سوى ستره «3» .
هذا رَبِّي: على وجه تمهيد الحجة وتقرير الإلزام، ويسميه أصحاب القياس: القياس الخلفيّ، وهو أن تفرض الأمر الواجب على وجوه لا يمكن ليجب به الممكن «4» .
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: (1/ 197، 198) ، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 156، وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 265: «والملكوت بمنزلة الملك، إلا أن الملكوت أبلغ في اللّغة من الملك لأن الواو والتاء تزادان للمبالغة، ومثل الملكوت الرّغبوت، والرّهبوت، ووزنه من الفعل «فعلوت» ... » .
(2) معاني القرآن للفراء: 1/ 341، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 198، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 156، وتفسير الطبري: 11/ 478، والمفردات للراغب: 98.
قال الماوردي في تفسيره: 1/ 539: «ومعنى جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أي: ستره، ولذلك سمّي البستان جنّة لأن الشجر يسترها، والجن لاستتارهم عن العيون، والجنون لأنه يستر العقل، والجنين لأنه مستور في البطن، والمجن لأنه يستر المتترس» .
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 198، وتفسير الطبري: (11/ 478، 479) ، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 266، وتفسير الفخر الرازي: 13/ 47.
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 341، والمبين في شرح ألفاظ المتكلمين: 84. -
- قال الفخر الرازي في تفسيره: 13/ 52: « ... إن إبراهيم- عليه السلام- لم يقل هذا رَبِّي على سبيل الإخبار، بل الفرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب، وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وإلههم، فذكر إبراهيم- عليه السلام- ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله، ومثاله: أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم، فيقول: الجسم قديم فإذا كان كذلك، فلم نراه ونشاهده مركبا متغيرا؟ فهو إنما قال:
الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه، فكذا هاهنا قال: هذا رَبِّي، والمقصود منه حكاية قول الخصم، ثم ذكر عقبيه ما يدل على فساده، وهو قوله: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، وهذا الوجه هو المتعمد في الجواب، والدليل عليه: أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ... » اهـ.
(1/299)

وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)
80 أَتُحاجُّونِّي: أصله «أتحاجّونني» الأولى علامة الرفع في الفعل، والثانية لسلامة بناء الفعل من الجر «1» .
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً: بحسبه وبقدره، أو معناه: لكن أخاف مشيئة ربي يعذبني بذنب سلف مني «2» ، استثناء منقطع.
83 وَتِلْكَ حُجَّتُنا: وهي أن لا يجوز عبادة من لا يملك الضر والنفع، وأن من عبده أحق بالخوف، ومن عبد من يملك ذلك أحق بالأمن.
86 وَالْيَسَعَ: دخلته الألف واللام لأنه اسم أعجمي وأفق أوزان العرب «3» .
وَكلًّا فَضَّلْنا: «كلّ» بالصيغة نكرة من غير إضافة، ومن حيث التقدير أي: وكل الأنبياء فضلنا، معرفة.
89 فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ: أهل مكة، فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً: أهل المدينة «4» .
__________
(1) يطلق النحاة على هذه النون نون الوقاية.
(2) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 269.
(3) ينظر هذا القول في تفسير الطبري: (11/ 511، 512) ، والحجة لأبي علي الفارسي:
3/ 350، والدر المصون: 5/ 29.
(4) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 342، وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره:
(11/ 515، 516) عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وابن جريج. -
- ونقله النحاس في معاني القرآن: 2/ 455 عن مجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 3/ 312 وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما. ونسبه- أيضا- إلى عبد الرزاق، وابن المنذر عن قتادة.
(1/300)

أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)
90 فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ: الهاء للاستراحة، لأجل الوقف «1» . أو هاء الضمير للمصدر المقدّر، أي: فبهداهم اقتد اقتداء «2» ، أو زيدت الهاء عوضا من الياء المحذوفة في «اقتد» فإذا وصلت صار حرف الوصل عوضا وسقط.
91 ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ: لم يجزم يَلْعَبُونَ لأنه ليس بجواب، بل/ توبيخ في موضع الحال «3» ، وأما قوله «4» : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا [30/ أ] فكان يجوز سبب أكلهم تركه لهم، إذ يحسن ذلك ولا يقبح قبح إحالة اللعب إلى تركه.
94 فُرادى جمع «فريد» ك «رديف» ، و «ردافى» أو جمع «فردان» ك «سكران» و «سكارى» ، وتقول العرب: «فراد» أيضا ك «ثلاث» و «رباع» «5» .
__________
(1) الكشاف: 2/ 34، والبحر المحيط: 4/ 176، والدر المصون: 5/ 31.
قال الفخر الرازي في تفسيره: 13/ 75: «قرأ ابن عامر: اقْتَدِهْ بكسر الدال وثم الهاء للكسر من غير بلوغ ياء، والباقون: اقْتَدِهْ ساكنة الهاء، غير أن حمزة والكسائي يحذفانها في الوصل ويثبتانها في الوقف، والباقون يثبتونها في الوصل والوقف.
والحاصل: أنه حصل الإجماع على إثباتها في الوقف. قال الواحدي: الوجه الإثبات في الوقف والحذف في الوصل لأن هذه الهاء هاء وقعت في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء، وذلك لأن الهاء للوقف، كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن، فكما لا تثبت الهمزة حال الوصل، كذلك ينبغي أن لا تثبت الهاء ... » .
(2) تفسير الفخر الرازي: 13/ 76، والدر المصون: 5/ 32. [.....]
(3) الكشاف: 2/ 35.
(4) سورة الحجر: آية: 3.
(5) معاني القرآن للفراء: 1/ 345، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 157، وتفسير الطبري:
11/ 544، والمفردات للراغب: 375، والدر المصون: 5/ 44.
(1/301)

إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)
تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ: ذهب تواصلكم «1» وليس بظرف بل اسم ل «الوصل» «2» فإنه من الأضداد «3» ، ومن نصبه «4» أقره على الظرف على تقدير: تقطّع ما بينكم «5» بل تقطّع السبب بينكم لأن الصلة والموصول كاسم واحد فلا يحذف الموصول.
95 فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى: ففلق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة «6» .
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ: النبات الغض النامي من الحب اليابس، وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ الحب اليابس، مِنَ الْحَيِّ النبات النامي «7» .
وقيل «8» : النطفة من الإنسان والإنسان من النطفة.
__________
(1) هذا المعنى على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وحمزة، وعاصم في رواية أبي بكر برفع النون في بَيْنَكُمْ.
ينظر السّبعة لابن مجاهد: 263، وحجة القراءات: 261، والكشف لمكي: 1/ 440.
(2) قال أبو علي الفارسي في الحجة: 3/ 358: «والدليل على جواز كونه اسما قوله: وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصلت: 5] ، وهذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف: 78] ، فلما استعمل اسما في هذه المواضع جاز أن يسند إليه الفعل الذي هو تَقَطَّعَ في قول من رفع ... » .
(3) الأضداد لابن الأنباري: 75، واللسان: 13/ 62 (بين) .
(4) وهي قراءة نافع والكسائي وعاصم في رواية حفص.
السبعة لابن مجاهد: 263، والتبصرة لمكي: 196.
(5) ينظر معاني القرآن للفراء: 1/ 345، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 459، والكشف لمكي:
1/ 441.
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 11/ 551 عن قتادة، والسّدي، وابن زيد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 546 عن الحسن، وقتادة، والسدي، وابن زيد.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 90، وقال: «روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والسدي، وابن زيد» .
(7) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 273.
ورجحه الطبري في تفسيره: 11/ 553. وأخرج- نحوه- عن السدي، وأبي مالك.
(8) أخرجه الطبري في تفسيره: (11/ 553، 554) عن ابن عباس رضي الله عنهما ونقله الفخر الرازي في تفسيره: 13/ 92 عن ابن عباس أيضا.
(1/302)

فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)
96 فالِقُ الْإِصْباحِ: شاق عمود الصبح عن سواد الليل «1» .
حُسْباناً: حسابا مصدر «حسبته» «2» ، أو جمع «حساب» ك «شهاب» و «شهبان» «3» ، أي: سيّرهما بحساب معلوم. أو حساب الشهور والأعوام بمسيرهما «4» .
97 لِتَهْتَدُوا بِها: النجوم المهتدى بها هي المختلفة مواضعها في الجهات الأربع.
98 فَمُسْتَقَرٌّ في الصّلب، أو على الأرض، وَمُسْتَوْدَعٌ: في الرحم، أو في القبر «5» .
__________
(1) عن تفسير الطبري: 11/ 554.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 274.
(2) ذكره الطبري في تفسيره: 11/ 559 فقال: «وقد قيل إن «الحسبان» في هذا الموضع مصدر من قول القائل: حسبت الحساب أحسبه حسابا وحسبانا. وحكى عن العرب: على الله حسبان فلان وحسبته، أي: حسابه» .
وانظر: زاد المسير: 3/ 91، وتفسير الفخر الرازي: 13/ 99.
(3) نص هذا القول في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 201.
وانظر تفسير الطبري: 11/ 559، والكشاف: 2/ 38، وتفسير الفخر الرازي:
13/ 105. [.....]
(4) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 11/ 558 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 91 عن مقاتل.
(5) قال البغوي في تفسيره: 2/ 118: «روى عن أبيّ أنه قال: مستقر في أصلاب الآباء، ومستودع في أرحام الأمهات» .
ونقل ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 92 عن ابن بحر قال: «المستقر في الأصلاب، والمستودع في الأرحام» .
وذكر الفخر الرازي في تفسيره: 13/ 109: أنّ المستقر صلب الأب والمستودع رحم الأم لأن النطفة حصلت في صلب الأب لا من قبل الغير وهي حصلت في رحم الأم بفعل الغير، فحصول تلك النطفة في الرحم من قبل الرجل مشبه بالوديعة لأن قوله: فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ يقتضي كون المستقر متقدما على المستودع، وحصول النطفة في صلب الأب مقدم على حصولها في رحم الأم، فوجب أن يكون المستقر ما في أصلاب الآباء، والمستودع ما في أرحام الأمهات. -
وجمهور المفسرين على أن المراد ب «المستقر» الرحم، وب «المستودع» الصلب.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (11/ 565- 571) عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والسدي، وقتادة، والضحاك، وابن زيد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: (3/ 331، 332) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 11/ 571: «وأولى التأويلات في ذلك بالصواب أن يقال: وإنّ الله جل ثناؤه عمّ بقوله: فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، كلّ خلقه الذي أنشأ من نفس واحدة، مستقرا ومستودعا، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى. ولا شك أنّ من بني آدم مستقرا في الرحم، ومستودعا في الصلب، ومنهم من هو مستقر على ظهر الأرض أو بطنها، ومستودع في أصلاب الرجال، ومنهم مستقر في القبر، مستودع على ظهر الأرض.
فكلّ «مستقر» أو «مستودع» بمعنى من هذه المعاني، فداخل في عموم قوله: فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ومراد به، إلّا أن يأتي خبر يجب التسليم له بأنه معني به معنى دون معنى، وخاص دون عام» .
(1/303)

وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)
99 نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ: رزقه، وقيل: نبات كل صنف من النبات «1» ، كقوله «2» : لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ.
وليس إنزال الماء سببا مولدا ولكنه مؤدّ.
حَبًّا مُتَراكِباً: السنبل الذي تراكب حبه.
وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها: ذكر الطلع «3» مع النخل لأنه طعام وإدام بخلاف سائر الأكمام «4» .
__________
(1) عن معاني القرآن للفراء: 1/ 347، ونص كلام الفراء: «يريد ما ينبت ويصلح غذاء لكل شيء، وكذا جاء التفسير، وهو وجه الكلام.
وقد يجوز في العربية أن تضيف النبات إلى كل شيء وأنت تريد بكل شيء النبات أيضا، فيكون مثل قوله: إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ، واليقين هو الحق» اهـ.
(2) سورة الواقعة: آية: 95.
(3) نقل الفخر الرازي في تفسيره: 13/ 114 عن أبي عبيدة قال: «والطلع أول ما يرى من عذق النخلة، الواحدة طلعة» .
وانظر كتاب النخل لأبي حاتم: 68، واللسان: 8/ 238 (طلع) .
(4) تفسير الفخر الرازي: 13/ 115.
(1/304)

وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)
قِنْوانٌ جمع على حد التثنية «1» مثل صِنْوانٌ «2» .
والقنو: العذق «3» .
دانِيَةٌ: متدلية قريبة «4» ، أو دانية بعضها من بعض.
وَيَنْعِهِ: نضجه وإدراكه.
100 وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: ذلك قولهم: الملائكة بنات الله «5» ، سموا جنا لاجتنانهم عن العيون «6» .
والْجِنَّ هو المفعول الأول أي: جعلوا لله الجن شركاء «7» .
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 202، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 157، وتفسير الطبري: 11/ 575، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 275.
(2) من آية: 4 سورة الرعد.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 202، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 157، والمفردات للراغب: 414، واللسان: 15/ 204 (قنا) .
(4) تفسير الطبري: 11/ 576، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 464، وزاد المسير: 3/ 94.
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 275: «ودانية» أي قريبة المتناول، ولم يقل: ومنها قنوان بعيدة لأن في الكلام دليلا أن البعيدة السحيقة من النخل قد كانت غير سحيقة، واجتزأ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة، كما قال عز وجل: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ولم يقل:
وسرابيل تقيكم البرد لأن في الكلام دليلا على أنها تقي البرد لأن ما يستر من الحر يستر من البرد» .
(5) ذكر الماوردي هذا القول في تفسيره: 1/ 549 وعزاه إلى قتادة، والسدي، وابن زيد، ثم قال: «كقوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، فسمى الملائكة لاختفائهم عن العيون جنة» .
وانظر هذا القول في زاد المسير: 3/ 96.
(6) تفسير الماوردي: 1/ 549، والمفردات للراغب: 99، وتفسير الفخر الرازي: 13/ 199.
(7) معاني القرآن للفراء: 1/ 348، وتفسير الطبري: 12/ 7، وإعراب القرآن للنحاس:
2/ 87.
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 277: «أما نصب الجن فمن وجهين، أحدهما: أن يكون «الجن» مفعولا، فيكون المعنى: وجعلوا لله الجن شركاء، ويكون «الشركاء» مفعولا ثانيا كما قال: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً اهـ.
(1/305)

وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)
[31/ أ] وَخَرَقُوا: كذبوا لأن الكذب خرق/ لا أصل «1» له. ومن شدّد «2» ذهب إلى التكثير والمبالغة «3» .
105 وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ: موضع الكاف نصب على صيغة المصدر «4» : أي: نصرف الآيات في غير هذه الصورة «5» تصريفا مثل التصريف في هذه.
وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ: ودارست «6» أي: قرأت وكتبت الكتب وذاكرت
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 1/ 348، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 157، وتفسير الطبري:
12/ 8، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 278، وتفسير الماوردي: 1/ 550. [.....]
(2) أي «خرّقوا» بتشديد الراء، وهي قراءة نافع كما في السّبعة لابن مجاهد: 264، والتبصرة لمكي: 196.
(3) معاني القرآن للنحاس: 2/ 466، والحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 373، وزاد المسير:
3/ 97، وتفسير القرطبي: 7/ 53.
(4) على صيغة المصدر المحذوف.
وانظر هذا التقدير الذي ذكره المؤلف في تفسير الطبري: 12/ 25، والدر المصون:
5/ 93، وقدره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 279: «ونصرف الآيات في مثل ما صرفناه فيما تلي عليك» .
(5) في «ك» : «السورة» .
(6) «دارست» بألف، قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
السبعة لابن مجاهد: 264، والتبصرة لمكي: 196.
قال الطبري في تفسيره: 12/ 26: «اختلفت القراء في قراءة ذلك. فقرأته عامة قراء أهل المدينة والكوفة: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ، يعني: قرأت أنت، يا محمد، بغير ألف. وقرأ ذلك جماعة من المتقدمين، منهم ابن عباس، على اختلاف عنه، وغيره وجماعة من التابعين، وهو قراءة بعض قراء أهل البصرة: وليقولوا دارست، بألف، بمعنى: قارأت وتعلمت من أهل الكتاب ... وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأه: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ بتأويل قرأت وتعلمت، لأن المشركين كذلك كانوا يقولون للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وقد أخبر الله عن قبلهم ذلك بقوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ.
فهذا خبر من الله ينبئ عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره ... » .
(1/306)

وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)
أهلها، لام العاقبة «1» ، وقيل «2» : اللام في معنى النفي، أي: لئلا يقولوا دارست.
108 زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ: أي: العمل المأمور به «3» ، وقيل: التزيين بميل الطباع إلى ابتغاء المحاسن واجتناب الفواحش.
109 وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها: فتح أَنَّها «4» على حذف اللام أي: وما
__________
(1) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 280، وقال: «وهذه اللّام يسميها أهل اللّغة لام الصيرورة، وهذا كقوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً فهم لم يلتقطوه يطلبون بأخذه أن يعاديهم ولكن كانت عاقبة أمره أن صار لهم عدوا وحزنا. وكما تقول: كتب فلان هذا الكتاب لحتفه، فهو لم يقصد بالكتاب أن يهلك نفسه، ولكن العاقبة كانت الهلاك» .
وانظر هذا القول في معاني القرآن للنحاس: 2/ 469، والتبيان للعكبري: 1/ 528، والبحر المحيط: 4/ 198، والدر المصون: 5/ 93.
(2) قال الماوردي في تفسيره: 1/ 551: «وفي الكلام حذف، وتقديره: ولئلا يقولوا درست، فحذف ذلك إيجازا كقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا: أي: لئلا تضلوا» .
(3) ذكر الزجاج نحو هذا القول في معاني القرآن: 2/ 281، وردّه.
وأورده النحاس في معاني القرآن: 2/ 472 دون عزو، وعزاه الماوردي في تفسيره:
1/ 552، وأبو حيان في البحر المحيط: 2/ 200 إلى الحسن.
قال أبو حيان: «وما فسر به الحسن قد أوضحه بعض المعتزلة، فقال: المراد بتزيين العمل تزيين المأمور به لا المنهي عنه، ويحمل على الخصوص، وإن كان عاما، لئلا يؤدي إلى تناقض النصوص، لأنه نص على تزيين الله للإيمان وتكريهه للكفر في قوله: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ فلو دخل تزيين الكفر في هذه الآية في المراد لوجب التناقض بين الآيتين، ولذلك أضاف التزيين إلى الشيطان بقوله: فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فلا يكون الله مزينا ما زينه الشيطان، فنقول الله يزين ما يأمر به، والشيطان يزين ما ينهى عنه حتى يكون ذلك عملا بجميع النصوص» انتهى.
قال أبو حيان- وأجيب أن لا تناقض لاختلاف التزيين، تزيين الله بالخلق للشهوات وتزيين الشيطان بالدعاء إلى المعاصي. فالآية على عمومها في كل أمة وفي عملهم» .
(4) على قراءة نافع، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص كما في السبعة لابن مجاهد 265، ورجح مكي هذه القراءة في الكشف: 1/ 445.
(1/307)

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)
يشعركم إيمانهم؟ لأنها إذا جاءت لا يؤمنون «1» ، أو لا صلة «2» وفي الكلام حذف، أي: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون أو لا يؤمنون؟.
وقيل «3» : معنى أَنَّها لعلها.
وكسر إنها «4» لتمام الكلام بقوله: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ، ثم قال: أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ على الاستئناف «5» .
110 وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ في جهنم على لهب النار «6» ، أو نقلبها في الدنيا
__________
(1) الحجة لأبي علي الفارسي: (3/ 377، 378) ، والكشف لمكي: 1/ 445، وزاد المسير:
3/ 104.
(2) أي زائدة، وهو قول الفراء في معاني القرآن: 1/ 350، وقال: «كقوله: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ المعنى: حرام عليهم أن يرجعوا ... » .
ونسب النحاس في إعراب القرآن: 2/ 90، وكتابه معاني القرآن: 2/ 473 هذا القول إلى الكسائي ثم قال: «وهذا عند البصريين غلط، لأن «لا» لا تكون زائدة في موضع تكون فيه نافية» .
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 283: «والذي ذكر أن «لا» لغو غالط، لأن ما كان لغوا لا يكون غير لغو في مكان آخر» .
وانظر الحجة لأبي علي: (3/ 380، 381) ، والكشف لمكي: 1/ 444.
(3) نقله سيبويه في الكتاب: 2/ 123، والزجاج في معاني القرآن: 2/ 282، والنحاس في إعراب القرآن: 2/ 90، وأبو علي الفارسي في الحجة: 3/ 380 عن الخليل، ورجح الطبري هذا القول في تفسيره: 12/ 43.
(4) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
السبعة لابن مجاهد: 265، والتبصرة لمكي: 197.
(5) الكتاب لسيبويه: 3/ 123 عن الخليل.
وانظر هذا القول في تفسير الطبري: 12/ 40، والحجة لأبي علي الفارسي: (2/ 376، 377) ، والكشف لمكي: 1/ 445، والبحر المحيط: 4/ 201، والدر المصون: 4/ 101. [.....]
(6) نص هذا القول في تفسير الفخر الرازي: 13/ 154 عن الجبائي.
وردّه الفخر الرازي بقوله: «أما الوجه الذي ذكره الجبائي فمدفوع لأنّ الله تعالى قال:
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ ثم عطف عليه فقال: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ولا شك أن قوله: وَنَذَرُهُمْ إنما يحصل في الدنيا، فلو قلنا: المراد من قوله: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ إنما يحصل في الآخرة، كان هذا سوءا للنظم في كلام الله تعالى حيث-- قدم المؤخر وآخر المقدم من غير فائدة ... » .
(1/308)

وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)
بالخير «1» .
كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ أنزلت الآيات فهم لا يؤمنون ثانيها «2» ، وعلى الأول كما لم يؤمنوا أول مرّة في الدنيا.
111 قُبُلًا معاينة ومقابلة «3» ، رأيته قبلا وقبلا، وقبلا «4» .
أو جمع «قبيل» وهو الكفيل «5» ، أي: لو حشرنا كل شيء فكفل بما تقول لم يؤمنوا، أو «القبل» جمع «قبيل» والقبيل جمع قبيلة «6» ، أي: لو جاءهم كل شيء قبيلة قبيلة وصنفا صنفا لم يؤمنوا.
113 وَلِتَصْغى إِلَيْهِ: لام العاقبة، أي: ليصير أمرهم إلى ذلك «7» .
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/ 553.
(2) تفسير البغوي: 2/ 123، وزاد المسير: 3/ 106.
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 13/ 156: «دخلت الكاف على محذوف تقديره: فلا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات، والتقدير: فلا يؤمنون في المرة الثانية من ظهور الآيات كما لم يؤمنوا في المرة الأولى.
(3) ورد هذا المعنى على قراءة نافع وابن عامر: قُبُلًا بكسر القاف وفتح الباء.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 266، والتبصرة لمكي: 197، وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 12/ 49 عن ابن عباس وقتادة.
(4) قال أبو زيد الأنصاري في النوادر: 235: ويقال: لقيت فلانا قبلا، ومقابلة وقبلا، وقبلا، وقبليا، وقبيلا، وكلّه واحد وهو المواجهة» .
وانظر الحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 384، واللسان: 11/ 528 (قبل) .
(5) معاني القرآن للفراء: 1/ 350، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 204، وتفسير الطبري:
12/ 48، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 283، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 475.
(6) معاني القرآن للفراء: 1/ 351، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 204.
وقال الطبري في تفسيره: (12/ 48، 49) : «فيكون القبل» حينئذ جمع «قبيل» الذي هو جمع «قبيلة» فيكون «القبل» جمع الجمع» .
(7) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 284.
وانظر هذا القول في الكشاف: 2/ 45، والبحر المحيط: 4/ 208، والدر المصون:
5/ 117.
(1/309)

أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)
114 أَبْتَغِي حَكَماً الحكم من كان أهلا أن يتحاكم إليه، والحاكم من شأنه أن يحكم وإن كان لا يحكم بالحق «1» .
115 وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ: وجبت النصرة لأوليائه.
117 إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ: مَنْ يَضِلُّ في موضع نصب وتقديره: بمن يضل، بدليل ظهور الباء بعده في وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، أو هو رفع بالابتداء على الاستفهام ويَضِلُّ خبره، أي: هو أعلم أيهم يضل، ولا يجوز جرا «2» بإضافة أَعْلَمُ لأن أفعل في الإضافة بعض المضاف [إليه] «3» . وتعالى الله عنه.
[31/ ب] ولا يجوز أن يكون أَعْلَمُ/ بمعنى: يعلم «4» لأنه لا يطابق وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.
118 فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ: فيه ما يخشى على مستحل متروك التسمية الكفر، وهو اقترانه بقوله: إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ.
122 أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ: أي: ضالا فهديناه.
__________
(1) قال الماوردي في تفسيره: 1/ 556: «والفرق بين الحكم والحاكم أن الحكم هو الذي يكون أهلا للحكم فلا يحكم إلّا بحق، والحاكم قد يكون من غير أهله فيحكم بغير حق، فصار الحكم من صفات ذاته، والحاكم من صفات فعله، فكان الحكم أبلغ في المدح من الحاكم» .
(2) تفسير الطبري: 12/ 66، وقال العكبري في التبيان: 1/ 534: «ولا يجوز أن يكون «من» في موضع جر بالإضافة على قراءة من فتح الياء لئلا يصير التقدير: هو أعلم الضالين، فيلزم أن يكون سبحانه ضالا، تعالى عن ذلك» .
وأورد السمين الحلبي في الدر المصون: (5/ 126، 127) وجوه الإعراب التي ذكرها المؤلف، وأورد وجها آخر فقال: «الرابع: أنها منصوبة بفعل مقدّر يدل عليه أفعل، قاله الفارسي ... » ، ورجح السمين الحلبي هذا القول فقال: «والراجح من هذه الأقوال نصبها بمضمر وهو قول الفارسي، وقواعد البصريين موافقة له» .
(3) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(4) رد هذا القول- أيضا- الطبري في تفسيره: (12/ 66، 67) .
وانظر البحر المحيط: 4/ 210، والدر المصون: 5/ 126.
(1/310)

فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)
125 فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ: وهو تسهيل السبيل إلى الإسلام بالدلائل الشارحة للصدر. والإضلال تصعيبها «1» بالشّبه التي يضيق بها الصدر.
ضَيِّقاً حَرَجاً: ذا حرج «2» ، أو هو بمنزلة «قمن» «3» و «قمن» صفة لا مصدر «4» .
كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ: من ضيق صدره عن الإسلام كمن يراد على ما لا يقدر «5» .
يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ: العذاب في الآخرة واللعنة في الدنيا.
127 لَهُمْ دارُ السَّلامِ: السلامة من الآفات، عِنْدَ رَبِّهِمْ مضمون عند ربهم.
وَهُوَ وَلِيُّهُمْ: يتولى أمرهم، أو ينصرهم على عدوهم.
__________
(1) في «ج» : تضييعها.
(2) قال الطبري في تفسيره: 12/ 103: «والحرج، أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذه، من شدة ضيقه، وهو هنا الصدر الذي لا تصل إليه الموعظة، ولا يدخله نور الإيمان، لرين الشّرك عليه» .
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 290: «والحرج في اللغة أضيق الضيق» . [.....]
(3) قمن: بفتح الميم.
قال ابن الأثير في النهاية: 4/ 111: «يقال: قمن وقمن: أي: خليق وجدير، فمن فتح الميم لم يثنّ ولم يجمع ولم يؤنث، لأنه مصدر، ومن كسر ثنى وجمع، وأنث، لأنه وصف، وكذلك القمين» .
وانظر اللسان: 13/ 347 (قمن) .
(4) هذا المعنى على قراءة: حرجا بكسر الراء، وهي لنافع، وعاصم في رواية شعبة.
السبعة لابن مجاهد: 268.
وانظر توجيه هذه القراءة في تفسير الطبري: (12/ 106، 107) ، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 290، والحجة لأبي علي الفارسي: 3/ 401، والدر المصون: (5/ 142، 143) .
(5) قال النحاس في معاني القرآن: 2/ 487: «كأنه يريد أن يصعد إلى السماء وهو لا يقدر على ذلك، كأنه يستدعي ذلك» .
(1/311)

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)
128 يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ: من إغوائهم «1» .
واستمتع الإنس بالجن بتزيين الشهوات والعون على الهوى، والجن بالإنس باتباعهم خطوات الجن «2» .
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ: من الفائت قبله إذ الفائت من العقاب، يجوز تركه بالعفو عنه، ومن الثواب لا يجوز لأنه بخس.
129 نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً: نسلّط «3» ، أو نكل بعضهم إلى بعض «4» ، كقوله «5» : نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى. وقيل «6» : هو من الموالاة والتتابع في النار.
130هِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
: بوجوب الحجة علينا وتبليغ الرسل إلينا «7» .
135 عَلى مَكانَتِكُمْ: طريقتكم «8» ، أو تمكنكم إن رضيتم بالعقاب.
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (12/ 115، 116) عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 562 عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد.
وانظر زاد المسير: 3/ 123.
(2) تفسير الماوردي: 1/ 562، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 123 وقال: «روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس، وبه قال محمد بن كعب، والزجاج» .
(3) أي نسلّط بعض الظلمة على بعض.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 12/ 119 عن ابن زيد، ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 564، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 124 عن ابن زيد أيضا.
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 563، وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 124 إلى الماوردي.
(5) سورة النّساء: آية: 115.
(6) أخرجه الطبري في تفسيره: 12/ 112 عن قتادة.
وانظر تفسير الماوردي: 1/ 564، وزاد المسير: 3/ 124.
(7) تفسير الطبري: 12/ 123، وتفسير الماوردي: 1/ 565، وزاد المسير: 3/ 126.
(8) ذكر الماوردي هذا القول في تفسيره: 1/ 566.
(1/312)

وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143)
136 مِمَّا ذَرَأَ: خلق «1» ، مِنَ الْحَرْثِ: سمّوا لله حرثا «2» ولأصنامهم حرثا، ثم ما اختلط من حرث الله بحرث الأصنام تركوه، وقالوا: الله غنيّ عنه وعلى العكس.
ساءَ ما يَحْكُمُونَ موضع «ما» رفع «3» ، أي: ساء الحكم حكمهم، أو نصب «4» ، أي: ساء حكما حكمهم.
137 وَلِيَلْبِسُوا: لبست الثّوب ألبسه، ولبست عليه الأمر ألبسه «5» .
142 حَمُولَةً: كبار الإبل التي يحمل عليها، وَفَرْشاً: صغارها «6» .
143 ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ: أي: أنشأ الأنعام ثمانية أزواج «7» / من أربعة [32/ أ] أصناف، من كل صنف اثنين، ذكرا وأنثى، فذكر الضأن والمعز ثم البقر والإبل.
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 206، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 160، وتفسير الطبري: 12/ 130، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 495.
(2) أي: زرعا.
(3) إعراب القرآن للنحاس: 2/ 97، والبيان لابن الأنباري: 1/ 342. [.....]
(4) قال أبو حيان في البحر المحيط: 4/ 228: «ويجوز أن تكون ما تمييزا على مذهب من يجيز ذلك في «بئسما» ، فيكون في موضع نصب، التقدير: ساء حكما حكمهم» .
وانظر الدر المصون: 5/ 160.
(5) قال الراغب في المفردات: 447: «وأصل اللّبس ستر الشيء، ويقال ذلك في المعاني، يقال: لبست عليه أمره» .
(6) ينظر معنى «الحمولة» و «الفرش» في معاني القرآن للفراء: 1/ 359، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 207، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 162، وتفسير الطبري: 12/ 178، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 503.
قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 298: «وأجمع أهل اللغة على أن الفرش صغارها» .
(7) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 162: «أي ثمانية أفراد. والفرد يقال له: زوج.
والاثنان يقال لهما: زوجان وزوج» .
وانظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: 498، وتفسير الطبري: (12/ 183، 184) ، وتفسير المشكل لمكي: 168.
(1/313)

وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)
قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ: إن كان التحريم من جهة الذكر فكل ذكر حرام، أو من جهة الأنثيين فكل أنثى حرام، أم الجميع حلال في الحال ثم حرم ما يتولد منه فكله حرام لأن الأرحام تشتمل على الجميع «1» .
نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ: خبروني بعلم.
144 أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ: فخبروني عن مشاهدة فالكلام على أتم قسمة في الإلزام.
146 كُلَّ ذِي ظُفُرٍ: يدخل فيه الإبل والنّعام «2» .
وأظفار الإبل: مناسم أخفافها «3» ، وأظفار السباع: براثنها.
الْحَوايا: المباعر «4» ، بل ما يحوى عليه البطن «5» ، «فواعل» واحدها «حاوياء» «6» ، و «حاوية» مثل: «قاصعاء» «7» ، و «قواصع» ، وإن كان
__________
(1) ينظر ما سبق في معاني القرآن للفراء: 1/ 360، وتفسير الطبري: (12/ 184، 185) ، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 299.
(2) قال الطبري في تفسيره: 12/ 198: «وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع، كالإبل والنّعام والأوز والبط» . وأخرج هذا القول عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 301، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 510، وزاد المسير:
3/ 141.
(3) أي: أطراف أخفافها.
اللسان: 12/ 574 (نسم) .
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 363، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 163، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 301، قال الطبري في تفسيره: 12/ 203: «و «الحوايا» جمع واحدها «حاوياء» ، و «حاوية» ، «حويّة» ، وهي ما تحوي من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي المباعر، وتسمى «المرابض» ، وفيها الأمعاء» وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (12/ 203، 204) عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، والسدي.
(5) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 1/ 575 عن علي بن عيسى.
(6) عن سيبويه في معاني القرآن للنحاس: 2/ 512، وعن الأصمعي في زاد المسير: 3/ 143.
(7) القاصعاء: جحر الفأر أو اليربوع. اللسان: 8/ 275 (قصع) .
(1/314)

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)
واحدها: «حويّة» فهي «فعائل» ، ك «سفينة وسفائن» .
149 قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ: القرآن ومحمد «1» .
150 قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ: أي: لا يعلم ما ذهبتم إليه بعقل ولا سمع، وما لا يصح أن يعلم بوجه فهو فاسد، وإنما أمر بأن يدعوهم إلى الشهادة مع ترك قبولها إذ لم يشهدوا على الوجه الذي دعوا إليه من بينة يوثق بها.
وهَلُمَّ يكون بمعنى تعالوا «2» ... فلا يتعدى، وبمعنى، هاتوا «3» ، فيتعدى تماما.
154 عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ: أي: أحسنه موسى من طاعة الله «4» ، أو تماما على إحسان الله إلى موسى بالنبوة «5» .
وتَماماً: مفعول له.
__________
(1) لم أقف على هذا القول.
وقال البغوي في تفسيره: 2/ 140: «التامة على خلقه بالكتاب والرسول والبيان» .
وقال ابن كثير في تفسيره: 3/ 352: «أي: له الحكمة التامة، والحجة البالغة في هداية من هدى، وإضلال من أضل ... » .
(2) مشكل إعراب القرآن: 1/ 227، وزاد المسير: 3/ 146، وتفسير القرطبي: 7/ 130.
قال السّمين الحلبي في الدر المصون: 5/ 213: «و «هلمّ» تكون متعدية بمعنى أحضر، ولازمة بمعنى أقبل، فمن جعلها متعدية أخذها من اللّمّ وهو الجمع، ومن جعلها قاصرة أخذها من اللّمم وهو الدنو والقرب» .
(3) اختاره أبو حيان في البحر المحيط: 4/ 248 فقال: «و «هلم» هنا على لغة الحجاز، وهي متعدية، ولذلك انتصب المفعول به بعدها، أي: أحضروا شهداءكم وقربوهم ... » . [.....]
(4) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 306، وذكره النحاس في معاني القرآن:
2/ 519، والماوردي في تفسيره: 1/ 579.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 154 عن الحسن وقتادة.
(5) ذكره النحاس في إعراب القرآن: 2/ 108 عن المبرد.
(1/315)

أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)
156 أَنْ تَقُولُوا: لئلا تقولوا «1» ، أو كراهة أن تقولوا «2» .
158 أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ: يصير الأمر كله لله.
بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ: أشراط الساعة «3» .
أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً: بعمل النوافل ووجوه البر «4» .
159 وَكانُوا شِيَعاً: اليهود، شايعوا المشركين على المسلمين «5» .
160 عَشْرُ أَمْثالِها: عشر حسنات أمثالها «6» .
__________
(1) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 366، وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 163:
«يريد هذا كتاب أنزلناه لئلا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على اليهود والنصارى قبلنا، فحذف «لا» .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 306، والبحر المحيط: (4/ 256، 257) ، والدر المصون: 5/ 229.
(2) ذكره الطبري في تفسيره: 12/ 239 عن بعض نحويي البصرة.
قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 307: «وقال البصريون: معناه أنزلناه، كراهة أن تقولوا، ولا يجيزون إضمار «لا» ، لا يقولون جئت أن أكرمك، أي لئلا أكرمك، ولكن يجوز فعلت ذلك أن أكرمك، على إضمار محبة أن أكرمك، وكراهة أن أكرمك، وتكون الحال تنبئ عن الضمير. فالمعنى: أنزل الكتاب كراهة أن يقولوا: إنما أنزلت الكتب على أصحاب موسى وعيسى» .
وانظر هذا الوجه في إعراب القرآن للنحاس: 2/ 108، ومعاني القرآن للنحاس أيضا:
2/ 521، والدر المصون: 5/ 229.
(3) أخرج الإمام أحمد في مسنده: 3/ 31 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قول الله عز وجل: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ قال: طلوع الشمس من مغربها» .
وأخرج نحوه الترمذي في سننه: 5/ 264، كتاب التفسير، باب «ومن سورة الأنعام» ، وقال: «هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم، ولم يرفعه» .
وأخرج الطبري في تفسيره: 12/ 247 عن أبي سعيد الخدري أيضا.
(4) تفسير الطبري: (12/ 266، 267) .
(5) لم أقف على هذا القول، والمراد ب «شيعا» في الآية الكريمة: فرقا وأحزابا، ويدخل في ذلك اليهود والنصارى، وليست من المشايعة التي بمعنى المناصرة كما ذكر المؤلف، والآية فسّرت ذلك: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً....
(6) معاني القرآن للفراء: 1/ 366، وتفسير الطبري: 12/ 274.
(1/316)

لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)
و «عشر أمثالها» على صفة عشر «1» .
163 وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ: أي: من هذه الأمة «2» .
164 قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا: استفهام في معنى الإنكار «3» إذ لا جواب لصاحبه إلا أن يبغي الله ربا.
165 خَلائِفَ: يخلف أهل كلّ عصر أهل عصر قبلهم «4» .
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ: إذ ذاك يدعو إلى طاعة من يملكها رغبة في المرغوب فيه منها، ورهبة من أضدادها «5» . / ونصب دَرَجاتٍ على [32/ ب] وقوعه موقع «6» المصدر كأن القول رفعه بعد رفعه.
__________
(1) بالتنوين ورفع «أمثالها» وتنسب هذه القراءة إلى الحسن، وسعيد بن جبير، ويعقوب، والأعمش، وعيسى بن عمر.
ذكر النحاس هذه القراءة في إعراب القرآن: 2/ 110 وقال: «وتقديرها: فله حسنات عشر أمثالها، أي: له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له، ويجوز أن يكون له مثل ويضاعف المثل فيصير عشرة» .
ينظر البحر المحيط: 4/ 261، والدر المصون: 5/ 238، والنشر: 3/ 70.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 12/ 285 عن قتادة.
وذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 583، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 161 عن الحسن، وقتادة.
(3) المحرر الوجيز: 5/ 419، وتفسير القرطبي: 7/ 156.
قال أبو حيان في البحر المحيط: 4/ 263: «الهمزة للاستفهام ومعناه الإنكار والتوبيخ، وهو رد عليهم إذ دعوه إلى آلهتهم، والمعنى أنه كيف يجتمع لي دعوة غير الله ربا وغيره مربوب له؟» .
(4) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 164، وتفسير الطبري: 12/ 288، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 526، وتفسير الماوردي: 1/ 584، وزاد المسير: 3/ 163.
(5) قال الماوردي في تفسيره: 1/ 584: «يعني ما خالف بينهم في الغنى بالمال، وشرف الآباء، وقوة الأجسام، وإن ابتدأه تفضلا من غير جزاء ولا استحقاق، لحكمة منه تضمنت ترغيبا في الأعلى وترهيبا من الأدنى لتدوم له الرغبة والرهبة» .
وانظر تفسير الفخر الرازي: 14/ 15.
(6) في «ج» : موضع. [.....]
(1/317)

في الحديث «1» : «سورة الأنعام من نواجب القرآن» ، ويروى «2» :
«نجائب القرآن» ، [والنجيبة] «3» التي قشرت نجبته، أي: لحاؤه وبقي لبابه» .
__________
(1) أخرجه الدارمي في سننه: 2/ 545 كتاب «فضائل القرآن» ، باب «فضائل الأنعام والسور» عن عمر رضي الله تعالى عنه.
وفي إسناده زهير بن معاوية عن أبي إسحاق بن سليمان بن أبي سليمان الشيباني الكوفي عن عبد الله بن خليفة.
أما زهير فهو ثقة، وكذلك أبو إسحاق، ولكنه سمع عن أبي إسحاق بعد اختلاطه.
ينظر التقريب: (218، 252) ، والكواكب النيرات: 350.
وأما عبد الله بن خليفة فهو مقبول كما في التقريب: 301.
وعليه يكون إسناد الدارمي ضعيفا.
والحديث ذكره ابن الجوزي في غريب الحديث: 2/ 391، وابن الأثير في النهاية:
5/ 17.
(2) غريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 391، والنهاية: 5/ 17.
(3) في الأصل: النجيب، والمثبت في النص عن «ج» .
(4) قال ابن الأثير في النهاية: 5/ 17: «نواجب القرآن: أي من أفاضل سوره. فالنجائب:
جمع نجيبة، تأنيث النجيب. وأما النواجب: فقال شمر: هي عتاقه، من قولهم: نجبته، إذا قشرت نجبه، وهو لحاؤه وقشره، وتركت لبابه وخالصه» .
(1/318)

كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)
ومن سورة الأعراف
للتسمية بالحروف المعجمة معان وهي: أنها فاتحة لما هو منها، وأنها فاصلة بينها وبين ما قبلها، وأن التأليف الذي بعدها معجز وهو كتأليفها «1» .
وموضع المص رفع بالابتداء، وخبره كِتابٌ «2» ، وعلى قول ابن عباس «3» : «أنا الله أعلم وأفصل» لا موضع له، لأنه في موضع جملة «4» .
2 فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ: نهي عن التعرض للحرج، وفيه من البلاغة أن الحرج لو كان مما ينهى لنهينا عنك، فانته أنت عنه بترك التعرض له «5» و «الفاء» للعطف، أي: هذا كتاب أنزلناه إليك فلا يكون بعد إنزاله
__________
(1) ينظر البرهان للزركشي: (1/ 167- 170) ، والإتقان: (3/ 25- 30) .
(2) هذا قول الفراء في معاني القرآن: 1/ 368، وانظر مشكل إعراب القرآن: 1/ 281، وتفسير القرطبي: 7/ 160، والبحر المحيط: 4/ 267، والدر المصون: 5/ 241.
(3) أخرجه الطبري في تفسيره: 12/ 293، وابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 2 (سورة الأعراف) ، والنحاس في معاني القرآن: 1/ 73 بلفظ: «أنا الله أفصل» .
(4) اختار الزجاج هذا القول في معاني القرآن: (2/ 313، 314) ، فقال: وهذه الحروف ...
في موضع جمل، والجملة إذا كانت ابتداء وخبرا فقط لا موضع لها. فإذا كان معنى كهيعص معنى الكاف كاف، ومعنى الهاء هاد، ومعنى الياء والعين من عليم، ومعنى الصاد من صدوق وكان معنى الم أنا أعلم، فإنما موضع كموضع الشيء الذي هو تأويل لها. ولا موضع في الإعراب لقولك: أنا الله أعلم، ولا لقولك: هو هاد، وهو كاف، وإنما يرتفع بعض هذا ببعض، والجملة لا موضع لها» .
وانظر تفسير الفخر الرازي: 14/ 16.
(5) البحر المحيط: 4/ 266، والدر المصون: 5/ 242.
(1/319)

وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4)
حرج في صدرك.
ويكون فيه أيضا معنى «إذا» أي: إذا أنزل إليك لتنذر به فلا يحرج صدرك بل لتنذر على انشراح الصدر.
والحرج: الضيق «1» ، وقيل: الشك، بلغة قريش «2» .
وَذِكْرى في موضع نصب على أُنْزِلَ أي: أنزل إنذارا وذكرى «3» . وعلى تقدير: وهو ذكرى رفع «4» . وعلى تقدير: لأن تنذر وذكرى جرّ «5» .
4 وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ: «كم» في الخبر للتكثير «6» ، وفي الاستفهام لا يجب
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 210، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 165، وتفسير الطبري: 12/ 295، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 315، والمفردات للراغب: 112، ورجح الطبري هذا القول.
(2) لغات القبائل الواردة في القرآن لأبي عبيد: 98.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (12/ 295، 296) عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي.
وذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 165 وقال: «وأصل الحرج: الضيق، والشاك في الأمر يضيق صدرا لأنه لا يعلم حقيقته، فسمى الشّك حرجا» .
وقال أبو حيان في البحر المحيط: 4/ 266: «وفسّر «الحرج» هنا بالشّك، وهو تفسير قلق، وسمّي الشك حرجا لأنّ الشّاك ضيّق الصدر كما أن المتيقن منشرح الصدر، وإن صح هذا عن ابن عباس فيكون مما توجه فيه الخطاب إليه لفظا وهو لأمته معنى، أي: فلا يشكّوا أنّه من عند الله» .
(3) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 315 وقال: «أي ولتذكر به ذكري، لأن في الإنذار معنى التذكير» .
(4) أي أنها خبر لمبتدأ محذوف.
ينظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 316، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 114، والكشاف:
2/ 66، والبحر المحيط: 4/ 267.
(5) قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 316: «فأما الجر فعلى معنى لتنذر، لأن معنى «لتنذر» :
لأن تنذره فهو في موضع جر، المعنى للإنذار والذكرى» .
وانظر البحر المحيط: 4/ 267، والدر المصون: 5/ 244. [.....]
(6) قال الطبري في تفسيره: 12/ 299: «وقيل: وَكَمْ لأن المراد بالكلام ما وصفت من- الخبر عن كثرة ما قد أصاب الأمم السالفة من المثلات، بتكذيبهم رسله وخلافهم عليه.
وكذلك تفعل العرب إذا أرادوا الخبر عن كثرة العدد ... » .
(1/320)

فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)
ذلك لأن الاستفهام موكول إلى الجواب.
أَهْلَكْناها: حكمنا لها بالهلاك، أو وجدناها تهلك.
بَياتاً: ليلا «1» ، أَوْ هُمْ قائِلُونَ نصف النهار «2» ، وأصله الراحة. أقلته البيع: أرحته منه، وقال تعالى «3» : وَأَحْسَنُ مَقِيلًا، والجنة لا نوم فيها «4» .
5 دَعْواهُمْ: دعاؤهم «5» . حكى سيبويه «6» : اللهم أدخلنا في دعوى المسلمين.
8 فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ: هو ميزان واحد، ولكن الجمع على تعدد أجزاء الميزان، أو بعدد الأعمال الموزونة، ونحوه ثوب أخلاق، وحبل أحذاق. وقال مجاهد «7» : الوزن في الآخرة العدل.
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 210، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 165، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 317.
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 165، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 9.
(3) سورة الفرقان: آية: 24.
(4) قال الأزهري في تهذيب اللّغة: 9/ 306: «والقيلولة عند العرب والمقيل: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن مع ذلك نوم، والدليل على ذلك أن الجنة لا نوم فيها.
وانظر المفردات للراغب: 416، واللسان: (11/ 577، 578) (قيل) .
(5) قال الطبري في تفسيره: 12/ 303: «وعنى بقوله جل ثناؤه: دَعْواهُمْ في هذا الموضع دعاءهم» .
ول «الدعوى» في كلام العرب وجهان: أحدهما: الدعاء، والآخر: الادعاء للحق. ومن «الدعوى» التي معناها الدعاء، قول الله تبارك وتعالى: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ.
ينظر هذا المعنى أيضا في معاني القرآن للزجاج: 2/ 318، ومعاني القرآن للنحاس:
3/ 10، وزاد المسير: 3/ 168.
(6) الكتاب: 4/ 40 بلفظ: «اللهم أشركنا في دعوى المسلمين» .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 318، والدر المصون: 5/ 254.
(7) أخرجه الطبري في تفسيره: 12/ 310، ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 10 عن مجاهد. -
- وأورده الفخر الرازي في تفسيره: 14/ 28، والقرطبي في تفسيره: 7/ 165 وزاد نسبته إلى الضحاك.
(1/321)

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)
[33/ أ] 11 وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ: يعني آدم «1» ، أو خلقناكم/ في أصلاب آبائكم «2» .
ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ: في الأرحام، ثم أخبرناكم أنا قلنا للملائكة.
12 ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ: ما حملك على أن لا تسجد «3» جاء على المعنى.
13 قالَ فَاهْبِطْ مِنْها: قيل له على لسان بعض الملائكة، أو رأى معجزة دلّته عليه «4» .
15 إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ: إجابة دعاء الكافر، قيل: لا يجوز، لأنه كرامة، فهو بيان ما سبق به التقدير لا الإجابة «5» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 12/ 320 عن مجاهد، ورجحه الطبري.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 12/ 319 عن عكرمة، والأعمش.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 11 عن عكرمة.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 172 وقال: «رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة» .
(3) ذكر الفخر الرازي هذا القول في تفسيره: (14/ 34، 35) ورجحه، لأن كلمة «لا» هاهنا مفيدة وليست لغوا.
وقيل: إن «لا» في الآية زائدة مؤكدة.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 5/ 441: «وجملة هذا الغرض أن يقدر في الكلام فعل يحسن حمل النفي عليه، كأنه قال: ما أحوجك، أو حملك، أو اضطرك ... » .
(4) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 12.
(5) تفسير الماوردي: 2/ 13.
وقال الطبري في تفسيره: 12/ 331: «فإن قال قائل: فإن الله قد قال له إذ سأله الإنظار إلى يوم يبعثون: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ في هذا الموضع فقد أجابه إلى ما سأل؟ قيل له:
ليس الأمر كذلك، وإنما كان مجيبا له إلى ما سأل لو كان قال له: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلى الوقت الذي سألت، أو: إلى يوم البعث، أو: إلى يوم يبعثون» ، أو ما أشبه ذلك، مما يدل على إجابته إلى ما سأل من النظرة. وأما قوله: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، فلا دليل فيه- لولا الآية الأخرى التي قد بيّن فيها مدة إنظاره إياه إليها، وذلك قوله: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [سورة الحجر: 37، 38، سورة ص: 80، 81] كم المدة التي أنظره إليها، لأنه إذا أنظره يوما واحدا أو أقل منه أو أكثر، فقد دخل في عداد المنظرين، وتمّ فيه وعد الله الصادق، ولكنه قد بيّن قدر مدة ذلك بالذي ذكرناه، فعلم بذلك الوقت الذي أنظر إليه» .
(1/322)

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)
وقيل: يجوز على وجه الاستصلاح والتفضل العام في الدّنيا.
16 فَبِما أَغْوَيْتَنِي: على القسم «1» ، أو على الجزاء أي: لإغوائك.
وفسّر الإغواء بالإضلال «2» ، وبالتخييب «3» ، وبالتعذيب «4» ، وبالحكم بالغي، وبالإهلاك «5» ، غوي الفصيل: أشفى «6» .
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ: أي: على صراطك «7» ، ضرب الظهر،
__________
(1) قال الطبري في تفسيره: 12/ 333: «وكان بعضهم يتأول ذلك أنه بمعنى القسم، كأن معناه عنده: فبإغوائك إياي، لأقعدن لهم صراطك المستقيم، كما يقال: بالله لأفعلن كذا» .
وانظر هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 13، وتفسير البغوي: 2/ 151، وزاد المسير:
3/ 176، والدر المصون: 5/ 264. [.....]
(2) أخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: (12/ 332، 333) عن ابن عباس، وابن زيد.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 175 عن ابن عباس والجمهور.
(3) ذكره النحاس في معاني القرآن: 3/ 16، وإعراب القرآن: 2/ 117، والماوردي في تفسيره: 2/ 13، والبغوي في تفسيره: 2/ 151، والرازي في تفسيره: 14/ 40.
(4) نقله المارودي في تفسيره: (2/ 13، 14) عن الحسن، وقال: «معناه عذبتني كقوله تعالى:
فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا أي: عذابا» .
(5) تفسير الطبري: 12/ 333، وتفسير الماوردي: 2/ 14، وزاد المسير: 3/ 175، وتفسير الفخر الرازي: 14/ 40.
(6) في تفسير الماوردي: 2/ 14: «يقال: غوى الفصيل إذا أشفى على الهلاك بفقد اللبن» .
وانظر تفسير الطبري: 12/ 333.
(7) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 375، ونقله الطبري في تفسيره: (12/ 336، 337) عن بعض نحويي البصرة وقال: «كما يقال: توجه مكة، أي إلى مكة» .
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 324: «ولا اختلاف بين النحويين في أن «على» محذوفة، ومن ذلك قولك: ضرب زيد الظهر والبطن» .
وانظر هذا القول في معاني القرآن للنحاس: 3/ 16، وإعراب القرآن له أيضا: 2/ 117.
(1/323)

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)
أي: عليه، أو هو نصب على الظرف «1» لأن الطريق مبهم غير مختص.
17 ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ: أضلنّهم من جميع جهاتهم، ولم يقل: «من فوقهم» ، لأن رحمة الله تنزل منه «2» .
و «خلف» و «قدّام» أدخل فيها «من» لأن منها طلب النهاية.
مَذْؤُماً مَدْحُوراً: الذّام فوق الذم «3» ، والدّحر: الطرد على هوان «4» .
لَمَنْ تَبِعَكَ: لام الابتداء دخلت موطئة للام القسم في لَأَمْلَأَنَّ «5» .
__________
(1) تفسير الطبري: 12/ 337، وقال السمين الحلبي في الدر المصون: 5/ 267: «والتقدير لأقعدن لهم في صراطك، وهذا أيضا ضعيف لأن صِراطَكَ ظرف مكان مختص، والظرف المكاني المختص لا يصل إليه الفعل بنفسه بل ب «في» ، تقول: صليت في المسجد ونمت في السوق، ولا تقول صليت المسجد، إلا فيما استثنى في كتب النحو، وإن ورد غير ذلك كان شاذا كقولهم: رجع أدراجه، و «ذهبت» مع الشام خاصة أو ضرورة ... » اهـ.
وأورد السمين الحلبي شواهد شعرية للدلالة على هذه الضرورة.
(2) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: 348، وتفسير الطبري: (12/ 341، 342) .
(3) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 211: «وهي من: ذأمت الرجل، وهي أشد مبالغة من ذممت ومن ذمت الرجل تذيم، وقالوا في المثل: لا تعدم الحسناء ذاما، أي: ذما، وهي لغات» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 166، وتفسير الطبري: 12/ 342، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 324، والمفردات للراغب: 180.
(4) تفسير الطبري: 12/ 343، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 19، والمفردات للراغب: 165، والدر المصون: 5/ 272.
(5) هذا قول الزجاج في معاني القرآن: 2/ 325، ونقله النحاس في إعراب القرآن: 2/ 117 عن الزجاج، ثم قال: «وقال غيره: لَمَنْ تَبِعَكَ هي لام التوكيد ل «أملأن» لام القسم، الدليل على هذا أنه يجوز في غير القرآن حذف اللام الأولى ولا يجوز حذف الثانية، وفي الكلام معنى الشرط والمجازاة، أي: من تبعك عذّبته، ولو قلت: من تبعك أعذبه لم يجز، إلا أن تريد لأعذبه» .
وانظر التبيان للعكبري: 1/ 559، وتفسير القرطبي: 7/ 176، والدر المصون: 5/ 273.
(1/324)

وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)
21 وَقاسَمَهُما: أقسم لهما «1» ، مفاعلة بمعنى الفعل «2» ، والقسم تأكيد الخبر بها سبيله أن يعظّم، أي: حق الخبر كحق المحلوف به.
22 فَدَلَّاهُما: حطّهما عن درجتهما «3» ، أو جرّأهما على الأكل، وأصله: دللهما «4» من «الدّلّ» و «الدّالة» ، أي: الجرأة «5» .
وَطَفِقا: جعلا «6» ، يَخْصِفانِ: يرقعان الورق بعضها على بعض من «خصف النّعال» .
26 وَلِباسُ التَّقْوى: العمل الذي يقي العقاب «7» . وقيل «8» : هو لبسة
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 212، وتفسير الطبري: 12/ 349، ومعاني القرآن للزجاج:
2/ 327، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 21.
قال الماوردي في تفسيره: 2/ 17: «أي حلف لهما على صدقه في خبره ونصحه في مشورته، فقبلا قوله وتصورا صدقه لأنهما لم يعلما أن أحدا يجترئ على الحلف بالله كاذبا» .
(2) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 5/ 459: «وهي مفاعلة، إذ قبول المحلوف له وإقباله على معنى اليمين كالقسم وتقريره، وإن كان بادئ الرأي يعطي أنها من واحد ... » .
وقال أبو حيان في البحر المحيط: 4/ 279: «والمقاسمة مفاعلة تقتضي المشاركة في الفعل فتقسم لصاحبك ويقسم لك، تقول: قاسمت فلانا: حالفته، وتقاسما: تحالفا، وأما هنا فمعنى وَقاسَمَهُما أقسم لهما، لأن اليمين لم يشاركاه فيها» .
وانظر تفسير القرطبي: 7/ 179، والدر المصون: 5/ 279.
(3) قال الماوردي في تفسيره: 2/ 18: «معناه: فحطهما بغرور من منزلة الطاعة إلى حال المعصية» . [.....]
(4) تفسير القرطبي: 7/ 180، وقال السمين الحلبي في الدر المصون: 5/ 282: «فاستثقل توالي ثلاثة أمثال فأبدل الثالث حرف لين، كقولهم: تظنيت في تظننت وقصّيت أظفاري في قصصت ... » .
(5) اللسان: (11/ 247، 248) (دلل) .
(6) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 166، وتفسير الطبري: 12/ 352، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 327.
(7) وهو أولى الأقوال عند الطبري بالصواب.
ينظر تفسيره: (12/ 366- 369) .
(8) ذكره النحاس في إعراب القرآن: 2/ 120، والبغوي في تفسيره: 2/ 155، والقرطبي في-- تفسيره: 7/ 185، ورده قائلا: «من قال إنه لبس الخشن من الثياب فإنه أقرب إلى التواضع وترك الرعونات فدعوى فقد كان الفضلاء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى ... » .
(1/325)

المتواضع المتقشّف من الصوف وخشن الثياب، ورفعه «1» على الابتداء، وذلِكَ خَيْرٌ خبره، أو «الخير» خبر وذلِكَ فصل لا موضع له «2» ، والنّصب «3» على العطف على «ريشا» .
والريش: ما يستر الرجل في جسده ومعيشته «4» . وقال الفراء «5» :
«الرّيش، والرياش» واحد. ويجوز «الرياش» جمع «ريش» ك «شعب» و «شعاب» «6» ويجوز مصدرا كقولك: لبس ولباس.
[33/ ب] وفي حديث علي رضي الله عنه: أنه اشترى/ ثوبا بثلاثة دراهم، وقال: «الحمد لله الذي هذا من رياشه» «7» .
وفي الحديث «8» : «النّاس كسهام الجعبة، منها القائم
__________
(1) أي: رفع وَلِباسُ وهي قراءة عاصم، وابن كثير، وأبي عمرو، وحمزة.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 280، والتبصرة لمكي: 202.
(2) معاني القرآن للزجاج: 2/ 328، والكشف لمكي: 1/ 461.
(3) على قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 280، والكشف لمكي (1/ 460، 461) .
(4) قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 328: «والريش: اللباس، العرب تقول: أعطيته بريشته، أي بكسوته، والريش: كل ما ستر الرجل في جسمه ومعيشته، يقال: تريش فلان أي صار له ما يعيش به» .
وقال النحاس في معاني القرآن: 3/ 23: «والريش عند أكثر أهل اللغة: ما ستر من لباس أو معيشة» .
وانظر زاد المسير: 3/ 182، وتفسير القرطبي: 7/ 184.
(5) معاني القرآن: 1/ 375، ولفظه: «فإن شئت جعلت «رياش جميعا واحده «الريش» وإن شئت جعلت «الرياش» مصدرا في معنى «الريش» كما يقال: لبس ولباس» .
(6) الكشاف: 2/ 74، وتفسير الفخر الرازي: 14/ 55، والبحر المحيط: 4/ 282.
(7) ذكره ابن الجوزي في غريب الحديث: 1/ 426، وابن الأثير في النهاية: 2/ 288.
(8) أخرجه الخطّابي في غريب الحديث: 2/ 86 عن جرير بن عبد الله عن عمر رضي الله عنه موقوفا. وفيه: «أن جريرا قدم على عمر رضي الله عنه فسأله عن سعد بن أبي وقاص فأثنى- عليه خيرا قال: فأخبرني عن الناس. قال: هم كسهام الجعبة، منها القائم الرائش، ومنها العصل الطائش، وابن أبي وقاص يغمز عصلها، ويقيم ميلها، والله أعلم بالسرائر» ، وفي سند الخطابي مجهول.
(1/326)

يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)
الرائش «1» ، ومنها العصل الطائش» رشت السّهم فهو مريش. وفي المثل»
:
لا أقذّ ولا مريش.
27 لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ وهي دعاؤه إلى الخطيئة بوجه خفي كما تشتهيه النفس.
إِنَّهُ يَراكُمْ: أبصار الجن أحدّ لأنهم يرون الدقيق والكثيف «3» .
29 وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أدركتم صلاته، ولا تؤخروها لمسجدكم «4» . قيل «5» : هو أمر بالتوجه إلى الجماعة. وقيل «6» : توجهوا
__________
(1) قال الخطابي في شرح غريب هذا الحديث: «القائم الرائش، هو المستقيم ذو الريش.
يقال: رشت السهم أريشه، وسهم مريش، وارتاش الرجل وتريّش إذا حسنت حاله فصار كالسّهم المريش، والعصل من السهام: المعوج. والعصل: الالتواء. ومنه قيل للأمعاء الأعصال، والطائش: الزالّ عن الهدف والذاهب عنه. والمعنى أن الناس من بين مستقيم له، ومعوج مستعص عليه، وهو على ذلك يثقفهم ويقيم أودهم» .
وانظر غريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 427، والنهاية: 2/ 289. [.....]
(2) جمهرة الأمثال للعسكري: 1/ 381.
واللسان: 3/ 503 (قذذ) وفيه: «القذّة: ريش السهم، وقذذت السهم أقذه قذا وأقذذته:
جعلت عليه القذذ ... والأقذ أيضا: الذي لا ريش عليه. وما له أقذّ ولا مريش، أي: ما له شيء. وعن اللحياني: ما له مال ولا قوم» .
(3) تفسير الفخر الرازي: 14/ 57.
(4) ذكر الفراء هذا القول في معاني القرآن: 1/ 376، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن:
167، والزجاج في معاني القرآن: 2/ 330، والماوردي في تفسيره: 2/ 23، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 185 عن ابن عباس، والضحاك، وقال: «واختاره ابن قتيبة» .
(5) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 23 وقال: «معناه اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة فهذا أمر بالجماعة لها ندبا عند الأكثرين وحتما عند الأقلين» .
وأورد ابن الجوزي هذا القول في زاد المسير: 3/ 185 وعزاه إلى الماوردي.
(6) أخرجه الطبري في تفسيره: 12/ 381 عن الربيع بن أنس، ورجحه.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 22، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 185 عن الربيع أيضا.
(1/327)

فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)
بالإخلاص لله.
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ: كما خلقكم ولم تكونوا شيئا كذلك نعيدكم أحياء «1» أو كما بدأكم فمنكم شقيّ وسعيد كذلك تبعثون «2» ، أو كما بدأكم من التراب تعودون إليه «3» كقوله «4» : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ.
30 وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ: نصبه ليقابل فَرِيقاً هَدى، وتقديره:
وفريقا أضل «5» .
32 خالِصَةً نصب على الحال والعامل اللام، أي: هي ثابتة للذين آمنوا في الدنيا في حال خلوصها يوم القيامة «6» ، والحال يقتضي المصاحبة لكونها لهم يوم القيامة مصاحب لكونها لهم في الدنيا، إذ هما داران لا واسطة بينهما. ورفع خالصة «7» خبر بعد خبر، كقولك: زيد عاقل لبيب «8» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 12/ 385 عن الحسن، وقتادة، ومجاهد.
(2) ذكر الفراء هذا القول في معاني القرآن: 1/ 376.
وأخرج- نحوه- الطبري في تفسيره: (12/ 382- 384) عن ابن عباس، وجابر، ومجاهد، وأبي العالية، والسدي، ومحمد بن كعب.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: (3/ 185، 186) وقال: «روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والقرطبي، والسدي، ومقاتل، والفراء» .
(3) ذكره البغوي في تفسيره: 2/ 156 عن قتادة، وأبو حيان في البحر المحيط: 4/ 288 عن الحسن.
(4) سورة طه: آية: 55.
(5) معاني القرآن للفراء: 1/ 376.
قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 213: «نصبهما جميعا على إعمال الفعل فيهما، أي:
هدى فريقا، ثم أشرك الآخر في نصب الأول وإن لم يدخل في معناه، والعرب تدخل الآخر المشرك بنصب ما قبله على الجوار وإن لم يكن في معناه ... » .
وانظر إعراب القرآن للنحاس: 2/ 122، وتفسير الطبري: 12/ 401، ومعاني القرآن للزجاج:
2/ 333، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 133، والدر المصون: 5/ 299.
(6) ينظر معاني القرآن للفراء: 1/ 377، وتفسير الطبري: 12/ 401، ومعاني القرآن للزجاج:
2/ 333، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 123، والكشف لمكي: 1/ 461.
(7) وهي قراءة نافع كما في السبعة لابن مجاهد: 280، والتبصرة لمكي: 202.
(8) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 333 وقال أيضا: «والمعنى قل هي ثابتة للذين آمنوا في-- الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة» .
وانظر الكشف لمكي: 1/ 461، والبحر المحيط: 4/ 291، والدر المصون: 5/ 302.
(1/328)

قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)
38
ادَّارَكُوا: تداركوا «1» ، أي: تلاحقوا بعضهم ببعض.
40 لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ: لأرواحهم «2» ، أو لدعائهم «3» ، أو لأعمالهم «4» ، أو لدخول الجنّة «5» لأن الجنّة في السّماء.
__________
(1) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 167: «أدغمت التاء في الدال، وأدخلت الألف ليسلم السكون لما بعدها، يريد: تتابعوا فيها واجتمعوا» .
وانظر تفسير الطبري: 12/ 416، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 336، وزاد المسير:
3/ 195. [.....]
(2) اختاره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 167، وأخرجه الطبري في تفسيره: (12/ 421، 422) عن ابن عباس والسدي، ورجح الطبري هذا القول فقال: «وإنما اخترنا في تأويل ذلك ما اخترنا من القول، لعموم خبر الله جل ثناؤه أن أبواب السماء لا تفتح لهم. ولم يخصص الخبر بأنه يفتح لهم في شيء، فذلك على ما عمّه خبر الله تعالى ذكره بأنها لا تفتح لهم في شيء مع تأييد الخبر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما قلنا في ذلك» ...
وأخرج عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكر قبض روح الفاجر وأنه يصعد بها إلى السماء، قال: «فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا:
«ما هذا الروح الخبيث» ؟ فيقولون: فلان، بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ اهـ.
وأخرج الإمام أحمد نحو هذا الأثر في مسنده: (4/ 287، 288) ، وابن ماجة في سننه:
(2/ 1423، 1424) ، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وانظر المستدرك للحاكم: (1/ 37- 40) ، كتاب الإيمان، باب «مجيء ملك الموت عند قبض الروح ... » .
والدر المنثور: 3/ 452.
(3) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 27 عن الحسن.
(4) نقله الماوردي في تفسيره: 2/ 27 عن مجاهد، وإبراهيم النخعي، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 196 وقال: «رواه العوفي عن ابن عباس» .
(5) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 337 عن بعضهم- ولم يسمّهم- ونص القول: «لا تفتح لهم أبواب السماء، أي أبواب الجنة، لأن الجنة في السماء، والدليل على ذلك قوله:
- وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
وذكر هذا القول أيضا النحاس في معاني القرآن: 3/ 34، والماوردي في تفسيره: 2/ 27 وقال: «وهذا قول بعض المتأخرين» وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 197 إلى الزجاج.
(1/329)

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)
سَمِّ الْخِياطِ: ثقب الإبرة «1» .
42 وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها: لا نُكَلِّفُ اعتراض لا موضع له، والخبر الجملة في أُولئِكَ «2» ، ويجوز رفعا، وخبرها على حذف العائد، أي: لا منهم ولا من غيرهم «3» .
43 أُورِثْتُمُوها: أعطيتموها بأعمالكم «4» .
45 يَبْغُونَها عِوَجاً: مفعول به، أي: يبغون لها العوج، أو مصدر، أي: يطلبونها طلب العوج كقولك: رجع القهقرى.
46 وَعَلَى الْأَعْرافِ: سور بين الجنة والنار لارتفاعها «5» .
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 1/ 379.
قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 214: «أي في ثقب الإبرة، وكل ثقب من عين أو أنف أو أذن أو غير ذلك فهو سم والجميع سموم» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 168، وتفسير الطبري: 12/ 427، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 338.
(2) التبيان للعكبري: 1/ 568، وتفسير القرطبي: 7/ 207.
قال أبو حيان في البحر المحيط: 4/ 298: «وخبر الَّذِينَ الجملة من لا نُكَلِّفُ نَفْساً منهم. أو الجملة من أُولئِكَ وما بعده، وتكون جملة لا نُكَلِّفُ اعتراضا بين المبتدأ والخبر، وفائدته أنه لما ذكر قوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ نبه على أن ذلك العمل وسعهم وغير خارج عن قدرتهم، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محالها يوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة» .
وقال السمين الحلبي في الدر المصون: 5/ 323.
(3) التبيان للعكبري: 1/ 568، والدر المصون: 5/ 323.
(4) قال القرطبي في تفسيره: 7/ 208: «أي ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله. كما قال: ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ، وقال: فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ ... » .
(5) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 215، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 168. -
- وأخرجه الطبري في تفسيره: (12/ 449- 452) عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والسدي.
وانظر هذا القول في المحرر الوجيز: 5/ 512، وزاد المسير: 3/ 204.
(1/330)

رِجالٌ قيل «1» : هم العلماء الأتقياء. وقيل «2» : ملائكة يرون في صورة/ الرجال، وقيل «3» : قوم جعلوا على تعريف أهل الجنة وأهل النار. [34/ أ] وقيل «4» : قوم توازنت حسناتهم سيئاتهم، وقفهم الله بالأعراف لم
__________
(1) أخرج نحوه الطبري في تفسيره: 12/ 458 عن مجاهد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 29، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 205 عن الحسن ومجاهد.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: (12/ 459، 460) عن أبي مجلز.
ونقله المارودي في تفسيره: 2/ 29، وابن عطية في المحرر الوجيز: 5/ 514، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 206، والقرطبي في تفسيره: 7/ 212 عن أبي مجلز أيضا.
قال ابن الجوزي: «واعترض عليه، فقيل: إنهم رجال، فكيف تقول ملائكة؟.
فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث» .
وقال الطبري رحمه الله: «والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال كما قال الله جل ثناؤه فيهم: هم رجال يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولا خبر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصح سنده، ولا أنه متفق على تأويلها ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكة. فإذا كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يدرك قياسا، وكان المتعارف بين أهل لسان العرب أن «الرجال» اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق غيرهم، كان بيّنا أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة قول لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره» .
(3) ذكره نحوه الزجاج في معاني القرآن: 2/ 343 فقال: «ويجوز أن يكون- والله أعلم- على الأعراف، على معرفة أهل الجنة وأهل النار هؤلاء الرجال» .
وانظر هذا القول في تفسير الفخر الرازي: 14/ 92.
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: (12/ 452- 457) عن ابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، وسعيد بن جبير، والضحاك، والشعبي.
وأخرج الحاكم في المستدرك: 2/ 320، كتاب التفسير، عن حذيفة: «إنهم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة ... » . وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي» . -
ومما يشهد لهذا القول ما أورده ابن عطية في المحرر الوجيز: 5/ 515 حيث قال: «وقع في مسند خيثمة بن سليمان في آخر الجزء الخامس عشر حديث عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة. ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار. قيل: يا رسول الله، فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون» .
(1/331)

الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)
يدخلوا الجنة ولا النار، وهم يطمعون ويخافون. وعلى الأقاويل الأول يكون طمع يقين «1» ، وحسن ذلك لعظم شأن المتوقع.
بِسِيماهُمْ بعلامتهم في نضرة الوجوه أو غبرتها، وهي «فعلى» من سام إبله: أرسلها في المرعى معلمة، أو من وسمت، نقلت الواو إلى موضع العين فيكون «عفلى» «2» .
51 الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً: [اتخذوا أمر دينهم] كأمر دنياهم، والدنيا لهو وباطل، أو معناه: جعلوا عادتهم اللهو «3» .
فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ: نتركهم من رحمتنا «4» ، أو نعاملهم معاملة المنسيين في النار لا يخرجون منها.
53 هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ: ينتظرون ما يؤول إليه أمرهم من البعث والحساب.
فَيَشْفَعُوا لَنا: نصب على جواب التمني
__________
(1) قال السمين الحلبي في الدر المصون: 5/ 330: «والطمع هنا يحتمل أن يكون على بابه، وأن يكون بمعنى اليقين، قالوا: لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام: «والذي أطمع أن يغفر» . [.....]
(2) ينظر تفسير الطبري: 12/ 464.
(3) تفسير الفخر الرازي: 14/ 99.
(4) أخرج الطبري في تفسيره: 12/ 476 عن ابن عباس قال: «نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا» . وانظر هذا المعنى في معاني القرآن للزجاج: 2/ 341، وتفسير الفخر الرازي: 14/ 99، وتفسير القرطبي: 7/ 216.
(1/332)

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)
بالفاء «1» ، أَوْ نُرَدُّ: رفع بالعطف على تقدير: هل يشفع لنا شافع أو نرد «2» .
54 ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ: بين أنه مستو، أي: مستول عليه.
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ: يلبسه «3» .
55 إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ: الصائحين في الدعاء «4» .
56 إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ: على المعنى، أي: إنعامه وثوابه «5» ، أو تقديره: مكان رحمة الله أو زمانها «6» .
__________
(1) إعراب القرآن للنحاس: 2/ 130، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 293، وتفسير القرطبي: 7/ 218، والدر المصون: 5/ 337.
(2) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 342.
وانظر تفسير الطبري: 12/ 482، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 130، وتفسير القرطبي:
7/ 218.
(3) قال الطبري في تفسيره: 12/ 483: «يورد الليل على النهار فيلبسه إياه، حتى يذهب نضرته ونوره» .
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 342: «والمعنى أن الليل يأتي على النهار فيغطيه، ولم يقل يغشى النهار الليل، لأن في الكلام دليلا عليه، وقد جاء في موضع آخر: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ.
(4) تفسير الطبري: (12/ 486، 487) ، وتفسير القرطبي: 7/ 226.
(5) ذكر الطبري هذا المعنى في تفسيره: (12/ 487، 488) .
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 344: «إنما قيل: قَرِيبٌ لأن الرحمة والغفران في معنى واحد، كذلك كل تأنيث غير حقيقي» .
وانظر إعراب القرآن للنحاس: 2/ 131، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 294، وتفسير الماوردي: 2/ 34، والدر المصون: 5/ 344.
(6) أي على الظرفية، وهو قول الفراء في معاني القرآن: (1/ 380، 381) ، وأبي عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 216.
وانظر هذا القول عنهما في مشكل إعراب القرآن: 1/ 294، وتفسير الماوردي: 2/ 34، والبحر المحيط: 4/ 131، والدر المصون: (5/ 345، 346) .
وخطّأ الزجاج هذا القول في معاني القرآن: 2/ 345 بقوله: «وهذا غلط، لأن كل ما قرب بين مكان أو نسب فهو جار على ما يصيبه من التأنيث والتذكير» .
(1/333)

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)
57 يرسل الرّيح نشرا «1» جمع «نشور» «2» ك «رسول» و «رسل» لأنّها تنشر السّحاب، والتثقيل حجازية والتخفيف لتميم «3» ، أو هو بالتخفيف مصدر كالكره، والضعف. ومن قرأ بفتح النون «4» فعلى المصدر والحال «5» ، أي: ذوات نشر أو ناشرات، كقوله «6» : يَأْتِينَكَ سَعْياً.
أَقَلَّتْ سَحاباً: الإقلال حمل الشيء بأسره «7» ، كأنه يقلّ في قوة الحامل.
لِبَلَدٍ مَيِّتٍ موته تعفّى مزارعه، ودروس مشاربه «8» .
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ: أي: قدّام المطر، كما يقدم الشّيء بين يدي الإنسان «9» .
فَأَخْرَجْنا بِهِ بالماء أو بالبلد «10» .
__________
(1) نشرا: بضم النون والشين قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن كثير.
السبعة لابن مجاهد: 283، والتبصرة لمكي: 203.
(2) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 169، وقال: «ونشر الشيء ما تفرق منه يقال اللهم اضمم إلى نشري، أي ما تفرق من أمري» .
وانظر تفسير الطبري: 12/ 491، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 345، والكشف لمكي:
1/ 465، والبحر المحيط: 4/ 316، والدر المصون: 5/ 347.
(3) ينظر الكتاب لسيبويه: 4/ 113، واللسان: 5/ 207 (نشر) .
(4) وهي قراءة حمزة والكسائي كما في السبعة لابن مجاهد: 283، والتبصرة لمكي: 203.
(5) البحر المحيط: 4/ 316، وقال السمين الحلبي في الدر المصون: 5/ 348: «ووجهها أنها مصدر واقع موقع الحال بمعنى ناشرة، أو منشورة، أو ذات نشر ... » . [.....]
(6) سورة البقرة: آية: 260.
(7) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 169، وتفسير الطبري: 12/ 492، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 345، والمفردات للراغب: 410.
(8) تفسير الطبري: 12/ 492.
(9) قال الطبري في تفسيره: 12/ 492: «والعرب كذلك تقول لكل شيء حدث قدام شيء وأمامه: جاء بين يديه، لأن ذلك من كلامهم جرى في أخبارهم عن بني آدم، وكثر استعماله فيهم، حتى قالوا ذلك في غير ابن آدم وما لا بد له» .
(10) قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 345: «جائز أن يكون: فأنزلنا بالسحاب الماء فأخرجنا- به من كل الثمرات. الأحسن- والله أعلم-. فأخرجنا بالماء من كل الثمرات، وجائز أن يكون: فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات، لأن البلد ليس يخصّ به هاهنا بلد سوى سائر البلدان» .
وانظر زاد المسير: 3/ 219، وتفسير القرطبي: 7/ 230.
(1/334)

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)
59 ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ رفع غَيْرُهُ على الصفة بموضع إِلهٍ أي:
ما إله غيره لكم. ويجوز على البدل من إِلهٍ واعتبار حذف المبدل كأنه:
ما غيره لكم. أو هو اسم «ما» أخر، أي: ما غيره لكم إله «1» . وجرّه «2» على الصفة للإله «3» ، واسم «ما» في قوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ في الجملة من الصفة/ والموصوف، وخبره في لَكُمْ أي: ما من إله غير الله [34/ ب] لكم.
60، 65 إِنَّا لَنَراكَ: يجوز بمعنى العلم «4» ، وبرؤية العين، وللرأي الذي هو غالب الظن «5» .
72 وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ استأصلناهم عن آخرهم «6» .
والدابر: الكائن خلف الشيء، وضده: القائد، وفي حديث عمر «7» :
«كنت أرجو أن يعيش رسول الله حتى يدبرنا» أي يخلفنا «8» .
__________
(1) راجع ما سبق في مشكل إعراب القرآن: (1/ 295، 296) ، والتبيان للعكبري: 1/ 577، وتفسير القرطبي: 7/ 233، والبحر المحيط: 4/ 320، والدر المصون: 5/ 354.
(2) أي جر «غير» ، وهي قراءة الكسائي كما في السبعة لابن مجاهد: 284، والتبصرة لمكي:
203.
(3) معاني القرآن للفراء: 1/ 382، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 348، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 134، والبحر المحيط: 4/ 320.
(4) قال الراغب في المفردات: 209: «ورأى إذا عدّي إلى مفعولين اقتضى معنى العلم» .
(5) المفردات للراغب: 209، وتفسير القرطبي: 7/ 236، والدر المصون: 5/ 355.
(6) تفسير الطبري: 12/ 524، وتفسير الفخر الرازي: 14/ 167.
(7) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 8/ 126، كتاب الأحكام، باب «الاستخلاف» .
(8) قال الخطابي في كتابه غريب الحديث: 2/ 63: «قوله: يدبرنا معناه: يخلفنا بعد موتنا ويبقى خلافنا» .
(1/335)

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)
73 وَإِلى ثَمُودَ يصرف «ثمود» على اسم الحي، ولا يصرف على القبيلة «1» ، والأولى ترك صرفه في الجر لأنه أخف.
82 وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ: الوجه نصب جَوابَ لأن الاسم بعد «إلا» وقع موقع الإيجاب لأن ما قبلها كان نفيا «2» .
86 وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ: «قعد» يتعاقب عليه حروف الإضافة، قعد به، وفيه، وعليه، لانتظامه معنى الإلصاق، والاستعلاء، والحلول «3» .
88 أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا: على التغليب أن متّبعيه قد كانوا فيها «4» ، أو
__________
(1) تفسير الطبري: 12/ 525.
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 348: «وثمود في كتاب الله مصروف وغير مصروف.
فأما المصروف فقوله: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ [هود: 68] الثاني غير مصروف، فالذي صرفه جعله اسما للحي، فيكون مذكرا سمي به مذكر، ومن لم يصرفه جعله اسما للقبيلة» .
وانظر إعراب القرآن للنحاس: 2/ 136، وتفسير الفخر الرازي: 14/ 168، وتفسير القرطبي: 7/ 238، والدر المصون: 5/ 361. [.....]
(2) ينظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 352، والدر المصون: 5/ 373.
(3) معاني القرآن للأخفش: 1/ 527.
وقال الطبري في تفسيره: 12/ 558: «ولو قيل في غير القرآن: «لا تقعدوا في كل صراط» ، كان جائزا فصيحا في الكلام، وإنما جاز ذلك لأن الطريق ليس بالمكان المعلوم، فجاز ذلك كما جاز أن يقال: «قعد له بمكان كذا، وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا» .
وانظر إعراب القرآن للنحاس: (2/ 138، 139) ، وتفسير الفخر الرازي: 14/ 182، والدر المصون: 5/ 376.
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 39 فقال: «فإن قيل: فالعود إلى الشيء الرجوع إليه بعد الخروج منه فهل كان شعيب على ملة قومه من الكفر حتى يقول: إنا عدنا في ملتكم؟ ففي الجواب عنه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن هذه حكاية عمن اتبع شعيبا من قومه الذين كانوا قبل اتباعه على ملة الكفر.
والثاني: أنه قال ذلك على التوهم أنه لو كان عليها لم يعد عليها.
والثالث: أنه يطلق ذكر العود على المبتدئ بالفعل وإن لم يسبق منه فعل مثله من قولهم:
قد عاد على فلان مكروه وإن لم يسبقه بمثله ... » .
وانظر زاد المسير: 3/ 230، وتفسير الفخر الرازي: 14/ 184، والبحر المحيط: 4/ 342.
(1/336)

قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)
على التوهم أنه كان فيها.
89 إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ: ما يجوز التعبد به مما في ملتهم «1» .
92 لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا: لم يقيموا إقامة مستغن بها عن غيرها «2» .
94 لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ: بمعنى اللام «3» . أو عاملناهم معاملة الشّاك مظاهرة في الحجة.
95 عَفَوْا: كثروا «4» ، وأصله الترك، أي: تركوا حتى كثروا.
97 أَفَأَمِنَ: إنما يدخل ألف الاستفهام على فاء العطف مع منافاة العطف الاستئناف لأن التنافي في المفرد، إذ الثاني إذا عمل فيه الأول كان من الكلام الأول، والاستئناف يخرجه عن أن يكون منه، ويصح ذلك في عطف جملة على جملة لأنه على الاستئناف جملة بعد جملة «5» .
101 فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ: أي: عتوهم في الكفر يمنعهم عنه.
103 فَظَلَمُوا بِها: ظلموا أنفسهم بها، أو جعلوا بدل الإيمان الكفر بها
__________
(1) ينظر هذا القول في إعراب القرآن للنحاس: 2/ 139، وتفسير الماوردي: 2/ 39، والمحرر الوجيز: 6/ 5، وتفسير الفخر الرازي: 14/ 186.
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 170، وتفسير الطبري: 12/ 569.
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 358: «أي: كأن لم ينزلوا فيها. قال الأصمعي:
المغاني: المنازل التي نزلوا بها، يقال غنينا بمكان كذا وكذا، أي نزلنا به، ويكون كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا كأن لم ينزلوا كأن لم يعيشوا فيها مستغنين» .
وانظر معاني القرآن للنحاس: 3/ 55، وتفسير القرطبي: 7/ 252، والبحر المحيط:
4/ 346.
(3) أي: ليتضرعوا ويتذللوا.
ينظر الكشاف: 2/ 97.
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 222، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 170، وتفسير الطبري: 12/ 573.
(5) البحر المحيط: (4/ 348، 349) ، والدر المصون: 5/ 390.
(1/337)

قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111)
لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه «1» .
فَإِذا هِيَ «2» : «إذا» هذه للمفاجأة «3» وليست التي للجر، وهي من ظروف المكان بمنزلة «ثمّ» و «هناك» .
111 أَرْجِهْ: أخّره «4» ، أو احبسه «5» .
__________
(1) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 223، وتفسير الطبري: 13/ 12، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 362، وتفسير الفخر الرازي: 14/ 198.
(2) من قوله تعالى: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [الأعراف: 107] ، أو من قوله تعالى: وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الأعراف: 108] .
(3) وهو قول المبرد في المقتضب: (3/ 178، 274) .
وذكره النحاس في إعراب القرآن: 2/ 142، ومكي في مشكل إعراب القرآن: 1/ 297، وابن عطية في المحرر الوجيز: 6/ 27، والسّمين الحلبي في الدر المصون: 5/ 406 عن المبرد أيضا.
ورجحه أبو حيان في البحر المحيط: 4/ 357 فقال: «والصحيح الذي عليه شيوخنا أنها ظرف مكان كما قاله المبرد، وهو المنسوب إلى سيبويه ... » .
وقال السمين الحلبي في الدر المصون: 5/ 406: «المشهور عند الناس قول المبرد وهو مذهب سيبويه، وأما كونها زمانا فهو مذهب الرياشي، وعزي لسيبويه أيضا ... » .
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 388، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 225، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 170.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 13/ 22 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 44 عن ابن عباس، والحسن.
ونقله البغوي في تفسيره: 2/ 186 عن عطاء.
قال النحاس في معاني القرآن: 3/ 62: «والمعروف عند أهل اللغة، أن يقال: أرجأت الأمر إذا أخرته» .
(5) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 388. وأخرجه الطبري في تفسيره: 13/ 22 عن قتادة.
وعزاه الماوردي في تفسيره: 2/ 44، والفخر الرازي في تفسيره: 14/ 207 إلى قتادة والكلبي.
قال الفخر الرازي: «قال المحققون: هذا القول ضعيف لوجهين:
الأول: أن الإرجاء في اللغة هو التأخير لا الحبس.
والثاني: أن فرعون ما كان قادرا على حبس موسى بعد ما شاهد حال العصا» .
(1/338)

قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)
116 وَاسْتَرْهَبُوهُمْ: استدعوا رهبتهم «1» .
122 رَبِّ مُوسى وَهارُونَ جاز نبيان في وقت واحد، ولا يجوز إمامان لأن الإمام لما كان يقام بالاجتهاد كان إقامة/ الواحد أبعد من اختلاف [35/ أ] الكلمة وأقرب إلى الألفة.
124 مِنْ خِلافٍ: كل واحد منهما من شق «2» .
130 بِالسِّنِينَ: بالجدب «3» .
131 يَطَّيَّرُوا بِمُوسى: يتشاءموا.
طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ: الطائر اسم للجمع غير مكسر «4» ، أي: ما يجري به الطير من السعادة والشقاوة والنفع والضر.
132 مَهْما تَأْتِنا: أي شيء، وهو «مه» بمعنى كف، دخلت على «ما» بمعنى الشرط «5» .
__________
(1) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 366.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 240، والفخر الرازي في تفسيره: 14/ 212 عن الزجاج. [.....]
(2) قال الطبري رحمه الله في تفسيره: 13/ 34: «يقول تعالى ذكره، مخبرا عن قيل فرعون للسحرة إذ آمنوا بالله وصدقوا رسوله موسى: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وذلك أن يقطع من أحدهم يده اليمنى ورجله اليسرى، أو يقطع يده اليسرى ورجله اليمنى، فيخالف بين العضوين في القطع، فمخالفته في ذلك بينهما هو القطع من خلاف» .
(3) معاني القرآن للفراء: 1/ 392، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 225، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 171، وتفسير الطبري: 13/ 45، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 368، والمفردات للراغب: 245.
(4) نقل المؤلف- رحمه الله- هذا القول في وضح البرهان: 1/ 364 عن سيبويه. وقال:
«فيكون المعنى على الجمع ما يجري به الطير، وهي جمع أيضا من السعادة والشقاوة، والنفع والضر، والجدب والخصب. فكلها من عند الله لا صنع فيه لخلق ولا عمل لطير» .
وانظر تفسير الطبري: 13/ 48، وتفسير الماوردي: 2/ 49، وتفسير القرطبي: 7/ 265.
(5) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 369 ولفظ الزجاج: «جائز أن تكون «مه» بمعنى الكف، كما تقول: مه، أي: اكفف، وتكون «ما» الثانية للشرط والجزاء، كأنهم قالوا- والله أعلم:
«اكفف ما تأتينا به من آية» .
ينظر هذا القول أيضا في إعراب القرآن للنحاس: 2/ 146، ومشكل إعراب القرآن لمكي:
1/ 299، والتبيان للعكبري: 1/ 590، والدر المصون: 5/ 431.
(1/339)

إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
139 مُتَبَّرٌ: مهلك، من التبار «1» .
143 تَجَلَّى رَبُّهُ: ظهر وبان بأمره «2» الذي أحدثه في الجبل.
دَكًّا: مدكوكا، كقوله «3» : خَلْقُ اللَّهِ أي: مخلوقه.
أو ذا دك. أو دكّه دكا مصدر على غير لفظ الفعل «4» ، كقوله «5» :
تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً ومعناه: جعل أحجارها ترابا وسوّاه على وجه الأرض.
ناقة دكّاء: لا سنام بها «6» ، وقريء بها «7» ، أي: جعل الجبل أرضا دكاء مثل هذه الناقة.
صَعِقاً: مغشيا عليه.
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ: إنه لا يراك أحد في الدنيا «8» وسؤاله الرؤية في
__________
(1) تفسير الطبري: 13/ 83، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 371، والمفردات للراغب: 72، وتفسير القرطبي: 7/ 273، واللسان: 4/ 88 (تبر) .
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 172، وتفسير الماوردي: 2/ 54.
قال أبو حيان في البحر المحيط: 4/ 384: «والظاهر نسبة التجلي إليه تعالى على ما يليق به ... » .
(3) سورة لقمان: آية: 11.
(4) ينظر معاني القرآن للأخفش: 2/ 531، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 373، وتفسير الفخر الرازي: 14/ 244، والبحر المحيط: 4/ 384، والدر المصون: 5/ 405.
(5) سورة الأنعام: آية: 63.
(6) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 228: «ويقال: ناقة دكّاء أي ذاهبة السّنام مستو ظهرها أملس، وكذلك أرض دكّاء» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 172، وتفسير الطبري: 13/ 101، وتفسير القرطبي: 7/ 279.
(7) بالمد وفتح الهمزة بغير تنوين. وهي قراءة حمزة والكسائي.
السبعة لابن مجاهد: 293، والتبصرة لمكي: 207.
(8) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 374، ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 55 عن ابن- عباس، والحسن.
وانظر تفسير البغوي: 2/ 198، وزاد المسير: 3/ 258.
(1/340)

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)
الدنيا على وجه استخراج الجواب لقول قومه: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً.
148 لَهُ خُوارٌ: قيل «1» : إن الروح لم يدخلها، وإنما جعل له خروق يدخلها الريح فيسمع كالخوار «2» ، وإن صار ذا روح يشبه المعجزة لإجراء الله العادة أن القبضة من أثر الملك إذا ألقيت على أية صورة حييت.
149 سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ: يقال للعاجز النادم سقط، وأسقط في يده فهو مسقوط. ويقرأ «سقط» «3» ، ومعناه أيضا الندم.
150 أَسِفاً: حزينا «4» . وقيل «5» : شديد الغضب.
__________
(1) قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 377: «والجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز، إنما معنى الجسد معنى الجثة فقط» .
ونقل ابن الجوزي في زاد المسير: (3/ 261، 262) عن ابن الأنباري قال: «ذكر الجسد دلالة على عدم الروح منه، وأن شخصه شخص مثال وصورة، غير منضم إليهما روح ولا نفس» .
(2) الخوار صوت البقر.
مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 228، والمفردات للراغب: 160، وزاد المسير: 3/ 262، واللسان: 4/ 261 (خور) . [.....]
(3) بفتح السين والقاف مبنيا للفاعل، وتنسب هذه القراءة إلى ابن السميفع، وأبي عمران الجوني.
ينظر الكشاف: 2/ 118، وزاد المسير: 3/ 263، والبحر المحيط: 4/ 394.
وفي توجيه هذه القراءة قال النحاس في معاني القرآن: 3/ 81: «أي: ولما سقط الندم في أيديهم» .
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 13/ 121 عن ابن عباس، والحسن، والسدي.
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 57، وتفسير البغوي: 2/ 201.
(5) أخرجه الطبري في تفسره: (13/ 120، 121) عن أبي الدرداء. وذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 173 وقال: «يقال: أسفني فأسفت، أي: أغضبني فغضبت» .
وانظر هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 378، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 82.
(1/341)

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
قالَ ابْنَ أُمَّ: بالفتح «1» على جعل الاسمين اسما واحدا «2» ، كقوله: جئته صباح مساء. وبالكسر «3» على حذف ياء الإضافة «4» .
154 وَلَمَّا سَكَتَ: أولى من «سكن» لتضمنه مع سكون الغضب سكوته عن أخيه، ومن كلام العرب: جرى الوادي ثلاثا ثم سكت، أي: انقطع «5» .
وسكون غضبه لأنهم تابوا «6» .
لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ: اللام بمعنى التعدية لأن المفعول إذا تقدم ضعف عمل الفعل فكان كما لم يتعد «7» ، أو في معنى من أجله «8» .
__________
(1) وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وعاصم في رواية حفص.
السبعة لابن مجاهد: 295، والتبصرة لمكي: 207.
(2) معاني القرآن للفراء: 1/ 393، وتفسير الطبري: 13/ 128.
قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 378: «فمن قال «ابن أمّ» بالفتح فإنه إنما فتحوا في «ابن أمّ» و «ابن عم» لكثرة استعمالهم هذا الاسم، وأن النداء كلام محتمل للحذف فجعلوا «ابن» و «أمّ» شيئا واحدا نحو خمسة عشر» .
وانظر الكشف لمكي: 1/ 478، وتفسير القرطبي: 7/ 290، والبحر المحيط: 4/ 396.
(3) وهي قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية شعبة.
السبعة لابن مجاهد: 295، والتبصرة لمكي: 207.
(4) قال مكي في الكشف: 1/ 479: «وحجة من كسر أنه لما يدخل الكلام تغيير، قبل حذف الياء، استخف حذف الياء، لدلالة الكسرة عليها، ولكثرة الاستعمال، فهو نداء مضاف بمنزلة قولك: يا غلام غلام ... » .
وانظر توجيه هذه القراءة أيضا في تفسير القرطبي: 7/ 290، والبحر المحيط: 4/ 396، والدر المصون: 5/ 467.
(5) في تفسير القرطبي: 7/ 293: «أي أمسك عن الجري» .
وانظر البحر المحيط: 4/ 398، والدر المصون: (5/ 471، 472) .
(6) قال أبو حيان في البحر المحيط: 4/ 398: «سكوت غضبه كان- والله أعلم- بسبب اعتذار أخيه وكونه لم يقصر في نهي بني إسرائيل عن عبادة العجل ... » .
(7) قال الزمخشري في الكشاف: 2/ 121: «دخلت اللام لتقدم المفعول لأن تأخر الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفا، ونحوه لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ، وتقول: لك ضربت» .
وانظر تفسير الفخر الرازي: 15/ 17، وتفسير القرطبي: 7/ 293، والدر المصون: 5/ 472.
(8) أي من أجل ربهم يرهبون. -
ينظر معاني القرآن للأخفش: 2/ 535، وتفسير الطبري: 13/ 139، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 154، والتبيان للعكبري: 1/ 596، والبحر المحيط: 4/ 398.
(1/342)

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162) وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)
157 وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ: ويقطع عنهم إصرهم، وَالْأَغْلالَ المواثيق الغلاظ التي هي كالأغلال «1» .
158 إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً: جَمِيعاً حال من الكاف والميم في إِلَيْكُمْ، والعامل معنى الفعل في رَسُولُ «2» .
160 اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً/ بدل «3» ، ولو كان تمييزا لكان «سبطا» [35/ ب] كقوله: اثني عشر رجلا «4» ، أو هو صفة موصوف محذوف كأنه: اثنتي عشرة فرقة أسباطا، ولذلك أنّثت.
163 شُرَّعاً: ظاهرة على الماء «5» ، ومنه الطريق الشارع «6» .
يَسْبِتُونَ: يدعون السّمك في السّبت، ويَسْبِتُونَ «7» : يقيمون السبت.
__________
(1) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 173: «هي الفرائض المانعة لهم من أشياء رخّص فيها لأمة محمد صلى الله عليه وعلى آله» .
(2) الكشاف: 2/ 123، والبحر المحيط: 4/ 405.
(3) يريد أن أَسْباطاً بدل من اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
ينظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 383، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 303، وتفسير الفخر الرازي: 15/ 36. [.....]
(4) في نسخة «ك» : كقولك: اثنا عشر فرقة أسباطا، وفي وضح البرهان: 1/ 367: «كما يقال: عشر رجلا» .
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 13/ 183، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 384، وتفسير الماوردي: 2/ 65، وتفسير البغوي:
2/ 208، وزاد المسير: 3/ 277، وتفسير القرطبي: 7/ 305.
(6) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 174، وتفسير الطبري: 13/ 183، وتفسير الفخر الرازي:
15/ 40.
(7) بضم الياء وكسر الباء، وتنسب هذه القراءة إلى الحسن كما في إتحاف فضلاء البشر:
2/ 66، والبحر المحيط: 4/ 411.
قال أبو حيان: «من أسبت: إذا دخل في السبت» .
(1/343)

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)
164 قالُوا مَعْذِرَةً: موعظتنا معذرة «1» ، فحذف المبتدأ، أو: معذرة إلى الله نريدها، فحذف الخبر.
ومن نصبه «2» فعلى المصدر، أي: نعتذر معذرة «3» .
165 بِعَذابٍ بَئِيسٍ: من بئس باسة إذا شجع وصار مقدامة، أي: عذاب مقدم عليهم غير متأخر عنهم.
ومن قرأ بيس «4» - فعلى الوصف مثل «نقض» «5» - و «نضو» أو
__________
(1) بالرفع وعلى هذه القراءة القراء السبعة إلا عاصما في رواية حفص كما في السبعة لابن مجاهد: 296، والتبصرة لمكي: 208.
واختار سيبويه في الكتاب: 1/ 220 لأنهم: «لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليموا عليه، ولكنه قيل لهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً؟ قالوا: موعظتنا معذرة إلى ربكم.
ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليك من كذا وكذا، يريد اعتذارا، لنصب» .
قال النحاس في إعراب القرآن: 2/ 158 بعد أن ذكر قول سيبويه: «وهذا من دقائق سيبويه رحمه الله ولطائفة التي لا يلحق فيها» .
(2) هو عاصم في رواية حفص.
(3) معاني القرآن للزجاج: 2/ 386، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 158، والكشف لمكي:
1/ 481، والتبيان للعكبري: 1/ 600، والدر المصون: 5/ 495.
(4) قرأ نافع، وأبو جعفر بكسر الباء وياء ساكنة، وقرأ ابن عامر بهمزة ساكنة بئس.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 296، والتبصرة لمكي: 208، والنشر: 3/ 82.
ذكر السمين الحلبي في توجيه القراءتين أربعة أوجه:
«أحدها: أن هذا في الأصل فعل ماض سمّي به فأعرب كقوله عليه السلام: «أنهاكم عن قيل وقال» بالإعراب والحكاية، وكذا قولهم: «مذ شبّ إلى دبّ» و «مذ شبّ إلى دبّ» فلما نقل إلى الاسمية صار وصفا. ك «نضو» و «نقض» والثاني: أنه وصف وضع على فعل ك «حلف» .
والثالث: أن أصله «بيئس» كالقراءة المشهورة، فخفف الهمزة، فالتقت ياءان ثم كسر الباء اتباعا ك «رغيف» و «شهيد» ، فاستثقل توالي ياءين بعد كسرة، فحذفت الياء المكسورة فصار اللفظ «بئس» ، وهو تخريج الكسائي.
الرابع: أن أصله «بئس» بزنة «كتف» ثم أتبعت الباء للهمزة في الكسر، ثم سكنت الهمزة ثم أبدلت ياء. وأما قراءة ابن عامر فتحتمل أن تكون فعلا منقولا، وأن تكون وصفا كحلف» اهـ.
(5) النّقض والنقضة: هما الجمل والناقة اللذان قد هزلتهما وأدبرتهما ... والنّقض- بالكسر البعير الذي أنضاه السفر، وكذلك النضو.
ينظر اللسان: 7/ 243، تاج العروس: 19/ 89 (نقض) .
(1/344)

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169)
كان بئيسا» فخففت الهمزة، ونقلت حركة العين إلى الفاء كما قيل: كبد وكبد «1» .
167 تَأَذَّنَ رَبُّكَ: تألّى «2» وأقسم قسما سمعته الآذان.
وقيل «3» : أمر. أو أعلم، من «آذن» «4» .
لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ: يعني العرب تأخذهم بالجزية والذلة «5» .
168 وَقَطَّعْناهُمْ: شتتنا شملهم.
169 يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى: يرتشون على الحكم «6» .
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ: أي: لا يكفيهم شيء ولا يشبعهم مال.
أو يأخذون من الخصم الآخر كما من الأول «7» .
__________
(1) الكشاف: 2/ 127، والبحر المحيط: 4/ 413، والدر المصون: 5/ 496.
(2) بمعنى حلف وأقسم، وهو قول الزجاج في معاني القرآن: 2/ 387، وذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 66، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 279 عن الزجاج أيضا.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 13/ 204 عن مجاهد.
ونقله البغوي في تفسيره: 2/ 209 عن مجاهد أيضا.
(4) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 174، وتفسير الطبري: 13/ 204، وذكره النحاس في معاني القرآن: 3/ 96، وقال: «وهذا قول حسن، لأنه يقال: تعلم بمعنى أعلم» .
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 66، وتفسير البغوي: 2/ 209، وزاد المسير: 3/ 279.
(5) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 66.
وأخرج- نحوه- الطبري في تفسيره: (13/ 205- 207) عن ابن عباس، وقتادة، وسعيد بن جبير، والسدي. [.....]
(6) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 388.
وانظر تفسير الطبري: 13/ 211، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 99، وتفسير الماوردي:
2/ 67، والمحرر الوجيز: 6/ 128.
(7) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 13/ 214 عن ابن زيد.
ونقله القرطبي في تفسيره: 7/ 312 عن ابن زيد أيضا.
(1/345)

وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)
وَدَرَسُوا ما فِيهِ: تركوه حتى صار دارسا، أو تلوه ودرسوه ثم خالفوه مع تلاوته «1» .
171 نَتَقْنَا الْجَبَلَ: قلعناه ورفعناه من أصله «2» ، وسببه أنهم أبو قبول فرائض التوراة «3» .
وَظَنُّوا: قوي في نفوسهم وقوعه إن لم يقبلوا «4» .
172 وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ: قال ابن عباس «5» : أخرج الله من ظهر آدم ذريته، وأراه إياهم كهيئة الذر، وأعطاهم من العقل، وقال: هؤلاء
__________
(1) نص هذا الكلام في تفسير الماوردي: 2/ 67 دون عزو.
وانظر تفسير القرطبي: 7/ 312.
(2) معاني القرآن للفراء: 1/ 399، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 232، وتفسير الطبري:
13/ 217، والمفردات للراغب: 482، وزاد المسير: 3/ 283.
(3) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 174: «وكان نتق الجبل أنه قطع منه شيء على قدر عسكر موسى فأظل عليهم، وقال لهم موسى: إما أن تقبلوا التوراة وإما أن يسقط عليكم» .
ونقل الماوردي في تفسيره: 2/ 68 عن مجاهد قال: «وسبب رفع الجبل عليهم أنهم أبوا أن يقبلوا فرائض التوراة لما فيها من المشقة، فوعظهم موسى فلم يقبلوا، فرفع الجبل فوقهم، وقيل لهم: إن أخذتموه بجد واجتهاد وإلا ألقى عليكم» .
قال الماوردي: «واختلف في سبب رفع الجبل عليهم هل كان انتقاما منهم أو إنعاما عليهم؟ على قولين:
أحدهما: أنه كان انتقاما بالخوف الذي دخل عليهم.
والثاني: كان إنعاما لإقلاعهم به عن المعصية» .
(4) تفسير الماوردي: 2/ 68.
(5) روي نحوه موقوفا على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وروي مرفوعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقد أخرجه مرفوعا الإمام أحمد في مسنده: 4/ 151، حديث رقم (2455) .
قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: «إسناده صحيح» .
وأخرجه مرفوعا أيضا الطبري في تفسيره: 13/ 222، والحاكم في المستدرك: 1/ 27، كتاب الإيمان، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وذكره الهيثمي- مرفوعا- في مجمع الزوائد: (7/ 28) ، كتاب التفسير، باب «سورة الأعراف» ، وقال: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح» .
(1/346)

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)
ولدك آخذ عليهم الميثاق أن يعبدوني.
وإنما أنسانا الله ذلك ليصح الاختبار ولا نكون مضطرين، وفائدته علم آدم وما يحصل له من السرور بكثرة ذريته.
وقيل «1» : إنهم بنو آدم الموجودون على الدهر، فإن الله أشهدهم على أنفسهم بما أبدع فيها من دلائل التوحيد حتى صاروا/ بمنزلة من قيل لهم: [36/ أ] ألست بربكم؟ قالوا: بلى على وجه الدلالة والاعتبار.
175 آتَيْناهُ آياتِنا: أمية ابن [أبي] «2» الصلت. وقيل «3» : بلعم بن
__________
(1) تفسير ابن كثير: 3/ 506.
(2) ما بين المعقوفين عن نسخة «ك» و «ج» ، وعن هامش الأصل الذي أشار ناسخه إلى وروده في نسخة أخرى.
وأمية بن أبي شاعر جاهلي، أدرك الإسلام لكنه لم يسلم، توفي في السنة الخامسة للهجرة.
أخباره في: طبقات فحول الشعراء: (1/ 262- 267) ، والشعر والشعراء: (1/ 459- 462) ، والمعارف لابن قتيبة: 60.
وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال في قوله تعالى: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها أنه أمية بن أبي الصّلت.
أخرج ذلك عبد الرزاق في تفسيره: 193، والنسائي في التفسير: 1/ 508 حديث رقم (212) ، والطبري في تفسيره: (13/ 255- 257) ، وابن أبي حاتم في تفسيره: 675.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 3/ 609، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والطبراني- كلهم- عن عبد الله بن عمرو.
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 3/ 508: «وقد روي من غير وجه عنه، وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أميّة بن أبي الصّلت يشبهه فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه ... » .
(3) أخرجه الطبري في تفسيره: (13/ 253- 255) عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة.
وينظر تاريخه: (1/ 437- 439) ، والتعريف والإعلام للسهيلي: 61.
وأخرج الطبري في تفسيره: 13/ 273، وابن أبي حاتم في تفسيره: 679 (سورة الأعراف) ، عن قتادة قال: «هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله وتركه ... » .
وقال الطبري- رحمه الله- بعد أن ذكر الأقوال في اسم هذا الرجل: «والصواب من القول- في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يتلو على قومه خبر رجل كان أتاه حججه وأدلته، وهي الآيات وجائز أن يكون الذي كان الله آتاه ذلك بلعم، وجائز أن يكون أمية ... » .
انظر تفسيره: (13/ 259، 260) .
(1/347)

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)
باعوراء «1» كان عنده اسم الله الأعظم فدعا به على موسى.
فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ: أتبعته: لحقته، وتبعته: سرت خلفه «2» ، أي:
لحقه الشّيطان فأغواه» .
176 أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ سكن إليها ورضى بما عليها، وأصله اللزوم على الدوام، والمخلّد من لا يكاد يشيب أو يتغير.
أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ: كل شيء [يلهث] «4» فإنما يلهث من تعب أو عطش، والكلب يلهث في كل حال، فالكافر يتبع هواه أبدا «5» .
__________
(1) كذا ورد في رواية الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وذكره السهيلي في التعريف والإعلام: 61، والكرماني في غرائب التفسير: 1/ 427.
وقيل: هو بلعم بن أبر، وقيل: بلعم بن باعر، وقيل: هو من بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين، وقيل: من العمالقة.
ينظر الاختلاف في اسمه ونسبه في المحبّر لابن حبيب: 389، وتاريخ الطبري: 1/ 437، ومروج الذهب للمسعودي: 1/ 52.
وفي التعريف والإعلام للسهيلي: «وأصله من بني إسرائيل ولكنه كان مع الجبارين وكان قد أوتي الاسم الأعظم، فسألوه أن يدعو على موسى وجيشه فأبى، فأرى في المنام ألّا يفعل فلم يزالوا به حتى فتنوه، فقلب لسانه فأراد أن يدعو على موسى فدعا على قومه، وخلع الإيمان من قلبه ونسي الاسم الأعظم ... » .
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 174، وتفسير الماوردي: 2/ 71، وزاد المسير: 3/ 289.
(3) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 71.
وقال الطبري في تفسيره: 13/ 261: «وقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ يقول فصيّره لنفسه تابعا ينتهي إلى أمره في معصية الله، ويخالف أمر ربه في معصية الشيطان وطاعة الرحمن» .
(4) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» . [.....]
(5) تفسير الطبري: 13/ 273، وزاد المسير: 3/ 290.
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 391: «ضرب الله عز وجل بالتارك لآياته والعادل عنها أخس مثل في أخسّ أحواله، فقال عز وجل: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إذا كان الكلب- لهثان، وذلك أن الكلب إذا كان يلهث فهو لا يقدر لنفسه على ضرّ ولا نفع، لأن التمثيل به على أنه يلهث على كل حال حملت عليه أو تركته، فالمعنى: فمثله كمثل الكلب لاهثا. ثم قال: ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وقال: ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ ... المعنى: ساء مثلا مثل القوم» .
(1/348)

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)
179 ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ: لما كان عاقبتهم جهنم كأنه خلقهم لها «1» .
بَلْ هُمْ أَضَلُّ: لأنها «2» لا تدع ما فيه صلاحها حتى النملة والنحلة، وهم كفروا مع وضوح الدلائل «3» .
180 يُلْحِدُونَ: لحد وألحد: مال عن الحق «4» .
وقال الفراء «5» : اللّحد: الميل، والإلحاد بمعنى الإعراض. وإلحادهم في أسماء الله قولهم: اللات من الله، والعزى من العزيز «6» .
181 وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ: عن النبي عليه السلام:
أنها هذه الأمة «7» .
__________
(1) وتسمى اللام في قوله تعالى: لِجَهَنَّمَ لام العاقبة.
(2) الضمير عائد إلى «الأنعام» .
(3) ينظر تفسير الطبري: 13/ 281، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 392، وتفسير البغوي:
2/ 217، وتفسير القرطبي: (7/ 324، 325) .
(4) تفسير الطبري: 13/ 283، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 108، والمفردات للراغب:
448، وتفسير القرطبي: 7/ 328، والدر المصون: 5/ 522.
قال الطبري- رحمه الله-: «وأصل «الإلحاد» في كلام العرب العدول عن القصد، والجور عنه، والإعراض. ثم يستعمل في كل معوج غير مستقيم ... وقد ذكر عن الكسائي أنه كان يفرق بين «الإلحاد» و «اللحد» ، فيقول في الإلحاد إنه العدول عن القصد، وفي اللحد إنه الركون إلى الشيء ... » .
(5) لم أقف على قوله في معاني القرآن له.
(6) ينظر تفسير الطبري: 13/ 282، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 108، وتفسير الماوردي:
2/ 72، والدر المصون: 5/ 523.
(7) أخرج الطبري في تفسيره: 13/ 286، عن ابن جريج قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
هذه أمتي! قال: بالحق يأخذون ويعطون ويقضون» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 3/ 617 وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ عن ابن جريج.
وأخرج الطبري في تفسيره: 13/ 386 عن قتادة قال: «بلغنا أن نبي الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقول إذا قرأها: «هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
» .
وأورد السيوطي هذا الأثر في الدر المنثور: 3/ 617 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة.
(1/349)

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)
وفيه دلالة على حجة الإجماع «1» .
182 سَنَسْتَدْرِجُهُمْ: نهلكهم، من درج: هلك «2» ، أو من الدّرجة «3» ، أي: نتدرج بهم على مدارج النعم إلى الهلاك.
مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ: بوقت الهلاك لأن صحة التكليف في إخفائه.
183 وَأُمْلِي لَهُمْ: انظرهم، والملاوة: الدهر «4» .
187 أَيَّانَ مُرْساها: متى مثبتها «5» .
لا يُجَلِّيها: لا يظهرها.
يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها: أي: يسئلونك عنها كأنك حفيّ بها «6» ، فأخر «عن» وحذف الجار والمجرور للدلالة عليها، فإنه إذا كان حفيا بها
__________
(1) ينظر تفسير الفخر الرازي: 15/ 77.
(2) زاد المسير: 3/ 295، وتفسير الفخر الرازي: 15/ 77، والبحر المحيط: 4/ 430.
(3) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 73، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 295.
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 234، وقال الطبري في تفسيره: 13/ 287: «وأصل الإملاء من قولهم: مضى عليه مليّ، وملاوة وملاة، وملاة- بالكسر والضم والفتح- من الدهر، وهي الحين، ومنه قيل: انتظرتك مليا» .
(5) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 175.
وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 393: «ومعنى مُرْساها مثبتها، يقال رسا الشيء يرسو إذا ثبت فهو راس، وكذلك «جبال راسيات» أي ثابتات. وأرسيته: إذا أثبته» .
(6) هذا قول الفراء في معاني القرآن: 1/ 399، وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 299 إلى ابن الأنباري، وذكره الفخر الرازي في تفسيره: 15/ 86. [.....]
(1/350)

قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)
سئل عنها كما أنه إذا سئل عنها فليس ذلك إلا لحفاوته بها.
188 لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ: أعددت في الرخص للغلاء، وما مسني الفقر.
وقيل «1» : لاستكثرت من العمل الصالح، وما أقول هذا عن آفة، وما مسني جنون.
189 هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ: من آدم، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها: من كل نفس زوجها على طريق الجنس ليميل إليها ويألفها. /. [36/ ب] فَلَمَّا تَغَشَّاها: أصابها «2» ، حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً أي:
المنى «3» .
فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً: ولدا سويا صالح البنية «4» .
ومن قال: إن المراد آدم وحواء «5» كان معنى جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ
__________
(1) أخرجه الطبري في تفسيره: 13/ 302 عن ابن جريج، ومجاهد، وابن زيد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 74 عن الحسن، وابن جريج.
(2) تفسير الطبري: 13/ 304.
قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 395: «كناية عن الجماع أحسن كناية» .
وينظر معاني القرآن للنحاس: 3/ 113، وتفسير البغوي: 2/ 220، وزاد المسير:
3/ 301.
(3) ينظر تفسير الطبري: 13/ 304، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 395.
(4) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 176، وتفسير الطبري: 13/ 306.
ونقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 75 عن الحسن، وابن الجوزي في زاد المسير:
3/ 301 عن الحسن وقتادة.
(5) في قوله تعالى: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ واستدل قائلو هذا القول بالحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 5/ 11 عن سمرة بن جندب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسموه عبد الحارث فعاش. وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» .
- وأخرج الترمذي نحوه في سننه: 5/ 267، كتاب التفسير، باب «ومن سورة الأعراف» وقال: «هذا حديث حسن غريب» .
والطبري في تفسيره: 13/ 309، والحاكم في المستدرك: 2/ 545، كتاب التاريخ، ذكر آدم عليه السلام.
وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.
وفي إسناد هذا الحديث عمر بن إبراهيم.
قال الترمذي: «لا نعرفه مرفوعا إلّا من حديث عمر بن إبراهيم عن قتادة. ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه. عمر بن إبراهيم شيخ بصري» .
وأورد الحافظ ابن كثير هذا الحديث في تفسيره: 3/ 529، وقال: هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:
أحدها: «أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعا، فالله أعلم.
الثاني: أنه قد روى من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعا.
الثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه» .
وذكر ابن العربي في أحكام القرآن: (2/ 819، 820) الحديث الذي أخرجه الترمذي ثم قال: «وذلك مذكور ونحوه في ضعيف الحديث في الترمذي وغيره. وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات، ولا يعوّل عليها من له قلب، فإن آدم وحواء وإن كان غرهما بالله الغرور- فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وما كان بعد ذلك ليقبلا له نصحا ولا يسمعا منه قولا» .
أما التأويل المقبول لهذه فكما ورد في تحفة الأحوذي: (8/ 465) عن الحسن رحمه الله قال: عني بها ذرية آدم ومن أشرك منهم.
فتفسير الآية محمول على جنس الإنسان، ولم يشرك آدم ولا حواء وآدم معصوم لأنه نبي.
قال القفال: المراد جنس الذرية الذين ينسبون الأولاد إلى الكواكب وإلى الأصنام، وقد ذكر آدم وحواء توطئة لما بعدهما من شرك بعض الناس وهم أولادهما.
(1/351)

إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194)
الولدين لأنها كانت تلد توأما «1» .
194 إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ: الدعاء الأول: تسميتهم الأصنام آلهة، والدعاء الثاني: في طلب النفع والضر من
__________
(1) زاد المسير: (3/ 303، 304) .
(1/352)

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)
[جهتهم] «1» وسماها عبادا لأنها مخلوقة مذللة «2» .
200 وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ: يزعجنك «3» ، مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ: وسوسة.
201 طائِفٌ: خاطر «4» ، أو لمم كالطيف الذي يلم في النوم «5» ، و «طيف» «6» لغة في «طائف» ، مثل «ضيف» و «ضائف» ، و «درهم زيف» و «زائف» .
والشيطان لا يقدر أن يفعل في القلب خاطرا وإنما يوجد فيه إيهام «7» ما دعا إليه.
203 لَوْلا اجْتَبَيْتَها: هلّا تقبّلتها من ربك «8» ، أو هلّا اقتضبتها «9» من عند نفسك.
__________
(1) في الأصل: «جهنم» ، والمثبت في النص من «ك» ، و «ج» .
(2) تفسير القرطبي: 7/ 342.
(3) ذكر الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 77.
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 15/ 102: «وقيل: النزغ: الإزعاج، وأكثر ما يكون عند الغضب، وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر» .
(4) تفسير الفخر الرازي: 15/ 104.
ونقل السّمين الحلبي في الدر المصون: 5/ 547 عن أبي علي الفارسي قال: «الطيف كالخطرة، والطائف كالخاطر» .
(5) معاني القرآن للفراء: 1/ 402، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 236، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 120، وتفسير القرطبي: 7/ 350 عن النحاس.
(6) وهي أيضا قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، والكسائي كما في السّبعة لابن مجاهد: 301، والتبصرة لمكي: 209.
وانظر الكشف لمكي: 1/ 487، والبحر المحيط: 4/ 449، والدر المصون: 5/ 546.
(7) في «ك» و «ج» : «إفهام» .
(8) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 13/ 342 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 78 عن ابن عباس أيضا. [.....]
(9) أخرج الطبري في تفسيره: 13/ 341 عن مجاهد قوله: - «وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها» - قالوا: «لولا اقتضبتها! قالوا: تخرجها من نفسك» .
وفي اللسان: 1/ 680 (قضب) : «واقتضاب الكلام: ارتجاله، يقال: هذا شعر مقتضب، وكتاب مقتضب. واقتضبت الحديث والشعر: تكلمت به من غير تهيئة أو إعداد له» .
(1/353)

وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
اجتبيته، واختلقته، وارتجلته، واقتضبته، واخترعته بمعنى «1» .
204 وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا: عن عمر «2» أنه أتاه البشير بفتح «تستر» «3» . وهو يقرأ البقرة- فقال: يا أمير المؤمنين أبشر أبشر- يردد عليه وهو لا يلتفت إليه حتى فرغ، ثم أقبل عليه بالدّرة «4» ضربا ويقول: كأنك لم تعلم ما قال الله في الإنصات عند قراءة القرآن.
206 إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ: أي: الملائكة «5» ، فهم رسل الله إلى الإنس، أو هم في المكان المشرّف الذي ينزل الأمر «6» منه.
__________
(1) قال الطبري في تفسيره: 13/ 343: «وحكي عن الفراء أنه كان يقول: «اجتبيت الكلام واختلفته، وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك» .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 397، والمفردات للراغب: 87، وتفسير القرطبي:
7/ 353، والبحر المحيط: 4/ 451.
(2) لم أقف على هذا الخبر فيما تيسر لي من المصادر.
(3) تستر: بالضم ثم السكون وفتح التاء الأخرى، مدينة بعربستان تقع على بعد ستين ميلا شمال الأهواز.
ينظر معجم ما استعجم: 1/ 312، ومعجم البلدان: 2/ 29، وبلدان الخلافة الشرقية:
269.
(4) الدّرة: بالكسر السّوط يضرب به.
قال الأزهري في تهذيب اللغة: 14/ 62: «والدّرة: درة السلطان التي يضرب بها» .
وينظر اللسان: 4/ 282، وتاج العروس: 11/ 281 (درر) .
(5) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 176، وتفسير الطبري: 13/ 357، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 398، وتفسير البغوي: 2/ 227، وزاد المسير: 3/ 314.
وحكى القرطبي في تفسيره: 7/ 356 الإجماع على هذا القول.
(6) ينظر تفسير القرطبي: 7/ 356.
(1/354)

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)
ومن سورة الأنفال
عن عبادة بن الصامت «1» رضي الله عنه: «لما كان يوم بدر اختلفنا في النّفل من محارب ومن حارس لرسول الله، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، وأنزل قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وجعلها إلى الرسول، فقسمه بيننا عن بواء، أي: سواء» .
1 ذاتَ بَيْنِكُمْ: حال بينكم، ومعناه: حقيقة وصلكم «2» ، أي:
تواصلوا على أمر الإسلام.
5 كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ: أي: جعل النّفل لك وإن كرهوه ولم يعلموا أنه أصلح لهم كما أخرجك عن وطنك وبعضهم كارهون، / فيكون العامل في [37/ أ] «كاف» كَما معنى الفعل المدلول عليه بقوله: قُلِ الْأَنْفالُ «3» .
__________
(1) أخرجه باختلاف في لفظه- الإمام أحمد في مسنده: (5/ 323، 324) ، والطبري في تفسيره: (13/ 369- 371) ، والحاكم في المستدرك: 2/ 326، كتاب التفسير، وقال:
«هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأخرجه- أيضا- الواحدي في أسباب النزول: 266، والبيهقي في السنن الكبرى:
6/ 292، كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب «مصرف الغنيمة في ابتداء الإسلام» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 5، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
(2) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 400.
وانظر معاني القرآن للنحاس: 3/ 129، وزاد المسير: 3/ 320.
(3) معاني القرآن للفراء: 1/ 403، وقال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 400: «فموضع الكاف في كَما نصب، المعني: الأنفال ثابتة لك مثل إخراج ربك إياك من بيتك بالحق» .
واختار الزمخشري أيضا هذا القول في الكشاف: 2/ 143، وابن عطية في المحرر-- الوجيز: 6/ 219.
وانظر تفسير القرطبي: (7/ 367، 368) ، والبحر المحيط: 4/ 461، والدر المصون:
5/ 561.
(1/355)

يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)
أو العامل معنى «الحق» أي: نزع الأنفال من أيديهم بالحق كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بالمدينة إلى بدر بِالْحَقِّ «1» .
6 كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ: لعدوله عليه السلام بهم عن العير إلى النفير.
7 وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ: لما أقبلت عير قريش من الشام مع أبي سفيان سار إليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخرجت نفير قريش وهم «ذات الشوكة» إليها لحفظها، فشاور النبي- عليه السلام- أصحابه فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك فامض لما أردت فو الذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر «2» لنخوضه معك. فقال عليه السلام: «سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» «3» .
لِيُحِقَّ الْحَقَّ: ليظهره لكم.
وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ: يظفركم بذات الشوكة فإنه أقطع لدابرهم.
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 82.
(2) قال الأستاذ محمود محمد شاكر في هامش تحقيقه لتفسير الطبري: 13/ 401: «استعرض البحر، أو الخطر: أقبل عليه لا يبالي خطره. وهذا تفسير للكلمة استخرجته لا تجده في المعاجم» .
(3) أخرج نحوه الطبري في تفسيره: (13/ 399- 401) عن عروة بن الزبير، وابن عباس.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 26 وزاد نسبته إلى ابن إسحاق، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر تفسير البغوي: (2/ 230، 231) ، وزاد المسير: (3/ 323، 324) ، وتفسير ابن كثير: 3/ 557.
(1/356)

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)
9 مُرْدِفِينَ: تابعين «1» ، ردف وأردف، ومنصوبا «2» أردف بعضهم بعضا، فكانوا زمرا زمرا.
10 وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى: أي: الإمداد بالملائكة ليبشروا بالنصر.
والملائكة لم يقاتلوا «3» لأن ملكا واحدا يدمر على جميع المشركين.
وقيل «4» : بل قاتلت حتى قال أبو جهل لابن مسعود: من أين كان يأتينا الضرب ولا نرى الشخص؟ قال: من قبل الملائكة فقال: فهم غلبونا لا أنتم.
12 فَوْقَ الْأَعْناقِ: أي: الرؤوس، أو على الأعناق.
كُلَّ بَنانٍ: كل مفصل، أبّن بالمكان: أقام به «5» ، فكل مفصل أقيم عليه عضو.
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 1/ 404، وتفسير الطبري: 13/ 412، ومعاني القرآن للزجاج:
2/ 402. [.....]
(2) وهي قراءة نافع كما في السبعة لابن مجاهد: 304، والتبصرة لمكي: 211.
قال مكي في الكشف: 1/ 489: «وحجة من فتح أنه بناه على ما لم يسمّ فاعله، لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة: أي: أنزلوا إليهم لمعونتهم على الكفار.
ف مُرْدِفِينَ بفتح الدال نعت ل «ألف» ، وقيل: هو حال من الضمير المنصوب في مُمِدُّكُمْ، أي: ممدكم في حال إردافكم لألف مِنَ الْمَلائِكَةِ.
وحجة من كسر الدال أنه بناه على ما سمى فاعله، فجعله صفة ل «ألف» أي: بألف من الملائكة مردفين لكم، يأتون لنصركم بعدكم ... » .
وانظر البحر المحيط: (4/ 465، 466) ، والدر المصون: 5/ 567.
(3) ذكر ابن عطية هذا القول في المحرر الوجيز: 6/ 229 فقال: «وقيل: لم تقاتل يوم بدر وإنما وقفت وحضرت. وهذا ضعيف» .
(4) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 6/ 229: «روى في الأشهر أن الملائكة قاتلت يوم بدر، واختلف في غيره ... » .
وقال القرطبي في تفسيره: 4/ 192: «وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت ... » .
(5) ينظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 405، وتفسير القرطبي: 7/ 379، والصحاح: 5/ 2080، واللسان: 13/ 59 (بنن) .
(1/357)

ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)
14 ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ: أي: الأمر ذلكم فذوقوه، أي: كونوا للعذاب كالذائق للطعام لأن معظمه بعده «1» .
وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ تقديره: وبأن، أو واعلموا أن «2» .
15 زَحْفاً: قريبا، زحف القوم إلى القوم: دلفوا «3» .
16 مُتَحَيِّزاً: طالب حيّز، أي: ناحية يقوى به.
17 وَما رَمَيْتَ: أخذ عليه السلام قبضة تراب فحثاه في وجوههم وقال «4» : «شاهت الوجوه» ، فكانت الهزيمة.
__________
(1) قال المؤلف رحمه الله في وضح البرهان: 1/ 380: «وقال: فَذُوقُوهُ لأن الذائق أشد إحساسا بالطعم من المستمر على الأكل، فكان حالهم أبدا حال الذائق في إحساسهم العذاب» .
(2) هذا قول الفراء في معاني القرآن: 1/ 405 على أن موضع «أن» نصب، ونص قوله:
«فنصب «أن» من جهتين. أما إحداهما: وذلك بأن للكافرين عذاب النار، فألقيت الباء فنصبت. والنصب الآخر أن تضمر فعلا ... » .
وذكر النحاس هذا القول في إعراب القرآن: 2/ 181 عن الفراء، وكذا مكي في مشكل إعراب القرآن: 1/ 313.
(3) قال الزمخشري في الكشاف: 2/ 148: «والزحف: الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، أي: يدب دبيبا ... والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفروا فضلا عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم» .
ونقل ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 331 عن الليث قال: «الزحف: جماعة يزحفون إلى عدوهم» .
وقال ابن الجوزي: «والتزاحف: التداني والتقارب» .
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: (13/ 444، 445) عن محمد بن قيس، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي.
وقال الواحدي في أسباب النزول: 268: «وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت في رمي النبي عليه السلام القبضة من حصباء الوادي يوم بدر حين قال للمشركين: شاهت الوجوه، ورماهم بتلك القبضة، فلم تبق عين مشرك إلا دخلها منه شيء» .
ينظر هذا المعنى في رواية الإمام مسلم في صحيحه: 3/ 1402، حديث رقم (1777) ، كتاب الجهاد والسير، باب «في غزوة حنين» .
وذكر البغوي في تفسيره: 2/ 237 أنه قول أهل التفسير والمغازي أيضا.
وانظر المحرر الوجيز: 6/ 249، وزاد المسير: 3/ 332، والدر المنثور: 4/ 40.
(1/358)

ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)
وإنما جاز نفي الفعل حقيقة وإثباته مجازا لقوة السبب المؤدي/ على [37/ ب] المسبب.
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً: ينعم نعمة «1» .
18 ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ: أي: الحق ذلكم.
19 إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ: قال المشركون يوم بدر: اللهم من كان أقطعنا للرحم وأظلمنا فأمطر عليهم «2» .
22 إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ: شرّ ما دبّ على الأرض.
23 لَأَسْمَعَهُمْ: أي: كلام الذين طلبوا إحياءه من قصيّ بن كلاب وغيره «3» .
وإن اعتبرت عموم اللّفظ كان المعنى: لأسمعهم آياته سماع تفهيم وتعليم «4» .
24 اسْتَجِيبُوا ... لِما يُحْيِيكُمْ: لما يورثكم الحياة الدائمة في نعيم الآخرة «5» .
__________
(1) قال الطبري في تفسيره: 13/ 448: «وذلك البلاء الحسن» ، رمى الله هؤلاء المشركين، ويعنى ب «البلاء الحسن» النعمة الحسنة الجميلة، وهي ما وصفت وما في معناه» .
وانظر معاني القرآن للنحاس: 3/ 141، وزاد المسير: 3/ 334، وتفسير الفخر الرازي:
15/ 145.
(2) وورد أيضا- أن القائل هو أبو جهل.
ينظر مسند أحمد: 5/ 431، وتفسير الطبري: (13/ 450- 454) ، وأسباب النزول للواحدي: (268- 269) ، وتفسير ابن كثير: 3/ 572، والدر المنثور: 4/ 42.
(3) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 93 عن بعض المتأخرين.
وانظر هذا القول في تفسير البغوي: 2/ 240، وتفسير القرطبي: 7/ 388.
(4) رجح الطبري هذا القول في تفسيره: 13/ 463، وأخرج نحوه عن ابن جريج، وابن زيد.
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 93، وتفسير البغوي: 2/ 240، وزاد المسير: 3/ 338.
(5) ذكره النحاس في معانيه: 3/ 144، ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 93 عن علي بن عيسى.
(1/359)

وقيل «1» : هو إحياء أمرهم بجهاد عدوهم.
وقيل «2» : هو بالعلم الذي يهتدون به.
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ: أي: بالوفاة ونحوها من الآفات، فلا يمكنه الإيفاء بما فات «3» ، أو هو حوله- تعالى- بين القلب وما يعزم عليه أو يتمناه.
وفي الحديث «4» : «إنه ما يحول به بين المؤمن والمعاصي» .
__________
(1) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 13/ 465 عن ابن إسحاق.
وذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 93 عن ابن إسحاق أيضا.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره: 289 (سورة الأنفال) عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما في قوله: إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ أي الحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم.
وحسّن المحقق إسناده» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 44، وزاد نسبته إلى ابن إسحاق عن عروة. [.....]
(2) معاني القرآن للزجاج: 2/ 409.
(3) في «ج» : تلافي ما فاته.
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: 13/ 469، وابن أبي حاتم في تفسيره: 292 (سورة الأنفال) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وكذا الحاكم في المستدرك: 2/ 328، كتاب التفسير، «تفسير سورة الأنفال» .
وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 44، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
قال الطبري رحمه الله في تفسيره: (13/ 471، 472) معقبا على هذه الأقوال بقوله:
«وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال: إن ذلك خبر من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئا من إيمان أو كفر، أو أن يعيي به شيئا، أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته وذلك أن الحول بين الشيء والشيء، إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبه وإدراكه سبيل.
وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك قول من قال: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان، وقول من قال: يحول بينه وبين عقله، وقول من قال: يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه، لأن الله إذا حال بين عبد وقلبه، لم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيل بينه وبين ما منع إدراكه به على ما بينت.
غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عم بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، الخبر عن أنه يحول بين العبد وقلبه، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئا دون شيء، والكلام محتمل كل هذه المعاني، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له» .
(1/360)

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)
25 لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً: أي: خاصة بهم، ولو كان المعنى عموم الفتنة لكان: «لا تصيب» «1» .
26 تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ: أي: المؤمنون في أول الإسلام، أو قريش «2» ، وكانوا قليلا [أيام] «3» جرهم «4» وخزاعة.
27 لا تَخُونُوا اللَّهَ: لا تخونوا مال الله «5» .
__________
(1) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 6/ 262: «هذه الآية تحتمل تأويلات: أسبقها إلى النفس أن يريد الله أن يحذر جميع المؤمنين من فتنة إن أصابت لم تخص الظلمة فقط، بل تصيب الكل من ظالم وبريء ... فيجيء قوله: لا تُصِيبَنَّ على هذا التأويل صفة للفتنة، فكان الواجب- إذا قدرنا ذلك- أن يكون اللفظ «لا تصيب» ، وتلطف لدخول النون الثقيلة في الخبر عن الفتنة» .
(2) ورد هذان القولان عند تفسير قوله تعالى: إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ في الآية نفسها ويدل عليه قول المؤلف بعد ذلك: وكانوا قليلا أيام جرهم.
أما القول الأول فقد ذكره الطبري في تفسيره: 13/ 476، والماوردي في تفسيره:
2/ 95، والبغوي في تفسيره: 2/ 242. وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 343 إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
وأما القول الثاني فقد أخرج نحوه الطبري في تفسيره: 13/ 478 عن قتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 47، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وأبي الشيخ عن قتادة أيضا.
(3) في الأصل: «أياما» والمثبت في النص عن «ك» و «ج» .
(4) جرهم: بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء: بطن من القحطانية، رحلوا إلى مكة وأقاموا بها، وتزوج منهم إسماعيل عليه السلام.
ينظر المعارف لابن قتيبة: 27، واللسان: 13/ 97 (جرهم) .
(5) فسّره أصحاب هذا القول ب «الغنائم» .
ذكره الفخر الرازي في تفسيره: 15/ 156، وقال: «ويحتمل أن يريد بالأمانة كل ما تعبد به، وعلى هذا التقدير: فيدخل فيه الغنيمة وغيرها ... » .
(1/361)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أنها أمانة، أو تعلمون ما في الخيانة.
29 يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً: هداية في قلوبكم تفرّقون بها بين الحق والباطل «1» . وقيل «2» : مخرجا في الدنيا والآخرة.
30 لِيُثْبِتُوكَ: أي: في الوثاق «3» ، أو الحبس «4» .
وقيل: أي: يثخنوك، رماه فأثبته، وأصبح المريض مثبتا: لا حراك به.
أَوْ يُخْرِجُوكَ قال أبو البختري «5» : نشده على بعير شرود حتى يهلك. وقال أبو جهل: تجتمع عليه القبائل فلا يقاومهم بنو هاشم فيرضون بالدّية «6» فحينئذ هاجر.
__________
(1) نص هذا القول في تفسير الماوردي: (2/ 96، 97) عن ابن زيد، وابن إسحاق.
وأخرج نحوه الطبري في تفسيره: 13/ 490 عن ابن إسحاق.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: (13/ 488، 489) عن مجاهد، والضحاك، وعكرمة.
قال الطبري رحمه الله: «والفرقان في كلام العرب مصدر من قولهم: «فرقت بين الشيء والشيء أفرق بينهما فرقا وفرقانا» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 178، ومعاني النحاس: 3/ 147.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (13/ 491، 492) عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي.
وذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 97 وزاد نسبته إلى الحسن.
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 409، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 179.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 13/ 492 عن عطاء، وابن زيد.
وانظر هذا القول في معاني القرآن للنحاس: 3/ 148، وتهذيب اللغة للأزهري:
14/ 267.
(5) اسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى. هو الذي ضرب أبا جهل فشجه عند ما منع أبو جهل أن يحمل الطعام إلى خديجة بنت خويلد وهي في الشعب أثناء المقاطعة، وكان أحد الذين شقوا الصحيفة، وقتله المجذر بن ذيام يوم بدر.
ينظر السيرة لابن هشام: 1/ 375، وتاريخ الطبري (2/ 336، 451) .
(6) وصوّب إبليس هذا الرأي، وكان حاضرا معهم وذلك بعد أن ادعى أنه شيخ من نجد.
ينظر خبر دار الندوة في السيرة لابن هشام: (1/ 480- 482) ، والطبقات لابن سعد:
- (1/ 227، 228) ، وتاريخ الطبري (2/ 370- 372) ، وتفسير الطبري: (13/ 494- 501) ، وتفسير ابن كثير: (3/ 585، 586) . [.....]
(1/362)

وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38)
32 وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ: قال النّضر «1» بن كلدة.
33 وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ: لأنه أرسل رحمة للعالمين.
وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ: لما خرج عليه السلام من مكة بقيت فيها بقية من المؤمنين يستغفرون «2» .
و «المكاء» «3» ، صوت المكاء يشبه الصفير، والتصدية: التصفيق «4» أو هو من صدّ يصدّ: إذا ضجّ «5» ، كقوله «6» : إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ.
38 فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ: في العقاب بالاستئصال وبالأسر [38/ أ] .
__________
(1) هو النضر بن الحارث بن كلدة من بني عبد الدار بن قصي، من أشراف قريش.
خرج مع المشركين في غزوة بدر وأسره المسلمون، فقتله علي بن أبي طالب.
المغازي للواقدي: 1/ 37، والسيرة لابن هشام: 1/ 295، وتاريخ الطبري: 2/ 437.
وأخرج الطبري في تفسيره: (13/ 505، 506) عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والسدي: أن القائل هو النضر بن الحارث بن كلدة.
وكذا ذكره البغوي في تفسيره: 2/ 245، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 348 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وقيل: إن القائل أبو جهل، ثبت ذلك في صحيح البخاري: 5/ 199، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ....
وصحيح مسلم: 4/ 2154، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب في قوله تعالى:
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (13/ 509- 511) عن أبي مالك، وابن أبزى، والضحاك.
(3) من قوله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ... [آية: 35] .
(4) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 246، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 179، وتفسير الطبري: (13/ 521- 523) .
(5) ذكره النحاس في إعراب القرآن: 2/ 187.
ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز: 6/ 292 عن النحاس.
(6) سورة الزخرف: آية: 57.
(1/363)

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)
والقتل وغيره «1» .
39 وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ: أي: كفر «2» لأنهم يدعون الناس إلى مثل حالهم فيفتنونهم.
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ: الطاعة بالعبادة.
37 فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً: يجعل بعضه فوق بعض كالسحاب الركام «3» .
41 غَنِمْتُمْ: ما أخذ من المشركين بقتال غنيمة وبغيره فيء.
فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ: لبيت الله «4» . وقيل «5» : سهم الله وسهم الرسول واحد، وذكر الله تشريف السهم.
قال محمد بن الحنفية: هذا مفتاح كلام، لله الدّنيا والآخرة «6» .
__________
(1) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 102.
وينظر تفسير الطبري: 13/ 536، وتفسير البغوي: 2/ 248.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (13/ 537- 539) عن ابن عباس والحسن، وقتادة، والسدي، وابن زيد.
وفي معنى هذه الآية قال الزجاج في معانيه: 2/ 413: «أي حتى لا يفتن الناس فتنة كفر، ويدل على معنى فتنة كفر قوله عز وجل: وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ» .
(3) قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 413: «والركم أن يجعل بعض الشيء على بعض، ويقال: ركمت الشيء أركمه ركما. والركام الاسم» .
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (13/ 550، 551) ، وابن أبي حاتم في تفسيره:
395 (سورة الأنفال) عن أبي العالية.
قال محقق تفسير ابن أبي حاتم: «فيه أبو جعفر صدوق سيء الحفظ، والربيع صدوق له أوهام، ولم يتابعا فهو مرسل ضعيف» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 66، وزاد نسبته إلى أن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي العالية أيضا.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: (13/ 549، 550) عن ابن عباس، وعطاء.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 103 عن الحسن، وعطاء، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والشافعي.
(6) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 5/ 238، كتاب الجهاد، باب «ذكر الخمس وسهم ذوي القربى» عن الحسن بن محمد بن الحنفية، وأخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال: 22، وابن أبي شيبة في المصنف: 12/ 431، كتاب الجهاد، باب «في الغنيمة كيف تقسم» ، والطبري في تفسيره: 13/ 548، وابن أبي حاتم في تفسيره: 393 (سورة الأنفال) وصحح المحقق إسناده، وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 128 كتاب قسم الفيء.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 65 وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ عن الحسن بن محمد بن الحنفية.
قال الطبري رحمه الله: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: قوله: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ افتتاح كلام، وذلك لإجماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم. ولو كان لله فيه سهم، كما قال أبو العالية، لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم. وإنما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها، فأما على أكثر من ذلك، فما لا نعلم قائلا له قاله غير الذي ذكرناه من الخبر عن أبي العالية، وفي إجماع من ذكرت، الدلالة الواضحة على صحة ما اخترنا» .
(1/364)

إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)
والعدوة «1» : بضم العين «2» وفتحها «3» وكسرها «4» : شفير الوادي، فتميم لا تعرف العدوة [بضم العين] «5» وتقول: خذ أعداء الوادي «6» .
42 وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ: أبو سفيان وأصحابه.
__________
(1) من قوله تعالى: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى ... [آية: 42] .
(2) فهي مثلثة، وقراءة الضم لعاصم، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 306، وحجة القراءات: 311، والتبصرة لمكي: 212. [.....]
(3) تنسب قراءة الفتح إلى الحسن البصري، وقتادة، وعمرو بن عبيد، وزيد بن علي.
المحتسب: 1/ 280، والبحر المحيط: 4/ 499.
قال ابن جني: «الذي في هذا أنها لغة ثالثة، كقولهم في اللبن: رغوة ورغوة ورغوة. ولها نظائر مما جاءت فيها فعلة وفعلة وفعلة، منه قولهم: له صفوة مالي وصفوته وصفوته ... » .
(4) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
السبعة لابن مجاهد: 306، والتبصرة لمكي: 212.
(5) ما بين معقوفين عن «ك» .
(6) في اللسان: 15/ 40 (عدا) : «يقال الزم عداء الطريق، وهو أن تأخذه لا تظلمه، ويقال خذ عداء الجبل، أي: خذ في سنده تدور فيه حتى تعلوه، وإن استقام فيه أيضا فقد أخذ عداءه ... والعدى والعدا: الناحية والجمع «أعداء» ، والعدى والعدوة والعدوة والعدوة- كلّه- شاطئ الوادي» .
وينظر تاج العروس: 10/ 236، (عدا) .
(1/365)

إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)
وَلَوْ تَواعَدْتُمْ: أي: من غير عون الله لَاخْتَلَفْتُمْ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ.
43 فِي مَنامِكَ قَلِيلًا: هي رؤيا النبي صلّى الله عليه وسلّم بالبشارة والغلبة «1» .
والرّؤيا تكون من الله، ومن الشيطان، ومن غلبة الأخلاط، ومن الأفكار.
وقيل «2» : فِي مَنامِكَ: في عينيك لأنها موضع النوم كالمقام موضع القيام.
44 وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ: لئلا يستعدوا لكم، وجاز أن يري الله الشّيء على خلاف ما هو به لأنّ الرؤيا تخيّل من غير قطع.
47 وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ: نفير «3» قريش خرجوا
__________
(1) وتكون الرؤيا على هذا القول منامية، وهو قول مجاهد كما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: 206، والطبري في تفسيره: 13/ 570، وابن أبي حاتم في تفسيره: 421 (سورة الأنفال) ، وقال المحقق: مرسل حسن لغيره. وذكره ابن الجوزي في زاد المسير:
3/ 363، وقال: «رواه أبو صالح عن ابن عباس» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 74، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن مجاهد.
ورجحه الزجاج في معاني القرآن: 2/ 419 فقال: «وهذا المذهب أسوغ في العربية، لأنه قد جاء: وإذ يريكهموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم فدل بهذا أن هذا رؤية الالتقاء، وأن تلك رؤية النوم» .
ورجح النحاس أيضا هذا القول في معاني القرآن: 3/ 161، والماوردي في تفسيره:
2/ 106، وقال: «وهو الظاهر، وعليه الجمهور» .
(2) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 247، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 179، والطبري في تفسيره: 13/ 570، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 422 (سورة الأنفال) عن الحسن، ونقله الزجاج في معاني القرآن: 2/ 419، والنحاس في معانيه: 3/ 161، والماوردي في تفسيره: 2/ 106، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 363- كلهم- عن الحسن رحمه الله تعالى.
وأورده ابن كثير في تفسيره: 4/ 13 وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن الحسن، ثم قال:
«وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام ها هنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه» .
(3) في «ج» : يعني قريشا.
(1/366)

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57)
حامين للعير، فلما نجا أبو سفيان أرسل إليهم: أن ارجعوا فقد أمنا ونزلنا بالجحيفة «1» . فقال أبو جهل: لا حتى نرد بدرا، وننحر جزرا، ونشرب خمرا، وتعزف لنا القيان «2» .
وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ: إحاطة علم واقتدار.
48 وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ظهر في صورة سراقة «3» بن مالك بن جعشم الكناني في جماعة من جنده، وقال: هذه كنانة قد أتتكم تنجدكم «4» ، فلما رأى الملائكة نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ رجع القهقرى ذليلا.
وقال الحسن «5» : وسوس لهم ذلك ولم يظهر.
وقال: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ لأنه ظن أن الوقت [المنظر] «6» إليه حضر.
56 الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ: أي: من شأنهم نقض العهد.
57 فَشَرِّدْ بِهِمْ/ مَنْ خَلْفَهُمْ: نكّل بهم تنكيلا، تشرد غيرهم وتفرقهم به. [38/ ب] .
__________
(1) كذا ورد في «ك» مصغرا. والحجفة- بالضم ثم السكون- موضع بالحجاز بينها وبين البحر ستة أميال، وبينها وبين مكة ستة وسبعون ميلا، وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب.
معجم ما استعجم: 1/ 367، ومعجم البلدان: 2/ 111، والروض المعطار: 156.
(2) القيان: جمع قينة، وهي الأمة أو الجارية.
النهاية: 4/ 135.
وانظر خبر أبي جهل وأبي سفيان في السيرة لابن هشام: (1/ 618، 619) ، وتفسير الطبري: 13/ 578، وتفسير ابن كثير: 4/ 16، والدر المنثور: 4/ 77.
(3) صحابي جليل، أسلم يوم الفتح.
ترجمته في الاستيعاب: 2/ 851، وأسد الغابة: 2/ 331، والإصابة: 3/ 41.
(4) ينظر تفسير الطبري: (14/ 7- 9) ، والتعريف والإعلام للسهيلي: (65، 66) ، وتفسير القرطبي: 8/ 26، وتفسير ابن كثير: 4/ 16.
(5) نص هذا القول في الكشاف: 2/ 162 عن الحسن رضي الله عنه.
وأورده ابن عطية في المحرر الوجيز: (6/ 333، 334) عن المهدوي وغيره، ثم قال:
«ويضعف هذا القول أن قوله: وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ليس مما يلقي بالوسوسة. وقال الجمهور في ذلك بما روى وتظاهر أن إبليس جاء كفار قريش ... » .
(6) في الأصل: المنتظر، والمثبت في النص عن «ج» .
(1/367)

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)
58 فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ: فألق إليهم حديث الحرب على استواء في العلم منك ومنهم.
60 وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ: بنو قريظة «1» ، وقيل «2» بنو قينقاع.
63 وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ: الأوس والخزرج وكانوا يتفانون حربا «3» .
65 حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ: التحريض أن يحث المرء حثا، يحرض، أي: يهلك إن تركه «4» ، ويقال: حارض على الأمر وواظب وواكب وواصب.
67 ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى: في أسارى بدر حين رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 14/ 36، وابن أبي حاتم في تفسيره: (487، 488) (سورة الأنفال) عن مجاهد.
وذكره السهيلي في التعريف والإعلام: 68، ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز:
6/ 361، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 375 عن مجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 97، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، والفريابي، وابن المنذر، وأبي الشيخ- كلهم- عن مجاهد. [.....]
(2) في الأصل: «وما قيل» ، والمثبت في النص عن «ج» .
(3) معاني القرآن للفراء: 1/ 417، وتفسير الطبري: 14/ 45.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 6/ 366: «وهذه إشارة إلى العداوة التي كانت بين الأوس والخزرج في حروب بعاث، فألف الله تعالى قلوبهم على الإسلام، وردهم متحابين في الله، وعددت هذه النعمة تأنيسا لمحمد صلّى الله عليه وسلّم ... » .
وفي الصحيحين أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطب في الأنصار في شأن غنائم حنين: «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي- كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ ... » .
صحيح البخاري: 5/ 104، كتاب المغازي، باب «غزوة الطائف» .
وصحيح مسلم: 2/ 738، كتاب الزكاة، باب «إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه» .
(4) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 423.
وانظر معاني النحاس: 3/ 168، وتهذيب اللغة: (4/ 203، 204) ، واللسان: (7/ 133، 134) (حرض) .
(1/368)

لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70)
فيهم الفداء «1» .
حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ: يكثر من القتل «2» .
ومتاع الدنيا: عرض «3» لقلة بقائه ووشك فنائه.
68 لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ: أنه لا يعذب إلا بعد مظاهرة البيان «4» ، أو أنه يحل لكم الغنائم «5» .
70 فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً: بصيرة «6» .
يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ: من الفداء. في العباس حين فدا نفسه وابني أخيه عقيلا «7» ونوفلا «8» .
قال العباس «9» : فآتاني الله خيرا منه، مالا كثيرا، منها عشرون عبدا
__________
(1) ينظر سبب نزول هذه الآية في صحيح مسلم: 3/ 1385، كتاب الجهاد، باب «الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم» حديث رقم (1763) ، وتفسير الطبري: 14/ 63، وأسباب النزول للواحدي: (273- 276) ، وتفسير ابن كثير: 14/ 32.
(2) تفسير الطبري: 14/ 59.
قال الزجاج في معانيه: 2/ 425: «معناه حتى يبالغ في قتل أعدائه، ويجوز أن يكون حتى يتمكن في الأرض. والأثخان في كل شيء قوة الشيء وشدته. يقال: قد أثخنته» .
وانظر معاني النحاس: 3/ 170، والكشاف: 2/ 168، واللسان: 13/ 77 (ثخن) .
(3) من قوله تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [آية: 67] .
(4) لم أقف على هذا القول، وأورد السيوطي في الدر المنثور: 4/ 110 أثرا عزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد في قوله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ قال: «في أنه لا يعذب أحدا حتى يبين له ويتقدم إليه» .
وانظر نحو هذا القول في الكشاف: 2/ 169، والمحرر الوجيز: 6/ 382، وتفسير الفخر الرازي: 15/ 209.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: (14/ 64- 66) عن أبي هريرة، وابن عباس، والحسن.
وانظر معاني النحاس: 3/ 170، وتفسير الماوردي: 2/ 113، وزاد المسير: 3/ 381.
(6) في كتاب وضح البرهان للمؤلف: 1/ 389: «بصيرة وإنابة» .
(7) هو عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه.
(8) هو نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
(9) أخرجه الطبري في تفسيره: 14/ 73، والحاكم في المستدرك: 3/ 324، كتاب معرفة- الصحابة، «ذكر إسلام العباس رضي الله عنه» عن عائشة رضي الله عنها.
وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وانظر أسباب النزول للواحدي: (276، 277) ، والدر المنثور: (4/ 111- 112) .
(1/369)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74)
أدناهم يضرب بعشرين ألف دينار.
72 مِنْ وَلايَتِهِمْ: الاجتماع على التناصر «1» .
وقال الأزهري «2» : الولاية بالفتح في النسب والنصرة، وبالكسر في الإمارة.
74 وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: طعام أهل الجنة لا يستحيل نجوا «3» [بل] «4» كالمسك رشحا «5» .
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 1/ 419، وتفسير الطبري: 14/ 81، ومعاني النحاس: 2/ 174.
(2) تهذيب اللّغة: 14/ 449 عن الزجاج.
وقراءة الكسر لحمزة وقرأ باقي السبعة بالفتح.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 309، والتبصرة لمكي: 213 والتيسير للداني: 117. [.....]
(3) النجو: ما يخرج من البطن من فضلات الإنسان.
النهاية لابن الأثير: 5/ 26، واللسان: 15/ 306 (نجا) .
(4) عن «ك» ، وكتاب وضح البرهان للمؤلف ليستقيم المعنى.
(5) في تفسير الطبري: 14/ 88: «يقول: لهم في الجنة مطعم ومشرب هنيّ كريم، لا يتغير في أجوافهم فيصير نجوا، ولكنه يصير رشحا كرشح المسك» .
وفي صحيح مسلم: (4/ 2180، 2181) ، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب «في صفات الجنة وأهلها» عن جابر قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون» ، قالوا: فما بال الطعام؟ قال:
«جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النّفس» .
(1/370)

بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2)
ومن سورة براءة
1 بَراءَةٌ: رفعها على خبر المبتدأ، أي: هذه براءة «1» .
والبراءة: انقطاع العصمة «2» .
ولم يكتب في أولها التسمية لمقارنتها الأنفال أو لأن التسمية أمان و «براءة» نزلت لرفع الأمان «3» .
2 فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ: أولها عاشر ذي الحجة سنة تسع، وآخرها عاشر شهر ربيع الآخر «4» .
هذه مدة النداء بالبراءة لمن ليس له عهد، ولمن له عهد فإلى تمام مدته والسّيح: السير على مهل «5» .
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 1/ 420، وتفسير الطبري: 14/ 95، وإعراب القرآن للنحاس:
2/ 201، والتبيان للعكبري: 2/ 634.
(2) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 117، وذكر الماوردي قولا آخر هو: أنها انقضاء عهدهما.
(3) عن تفسير الماوردي: 2/ 116، وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 427، ومعاني النحاس:
3/ 180، وأحكام القرآن لابن العربي: 2/ 892، وزاد المسير: 3/ 390، وتفسير القرطبي (8/ 62، 63) .
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره (14/ 99- 101) عن محمد بن كعب القرظي، وقتادة، ومجاهد، والسدي.
وانظر معاني القرآن للنحاس: 3/ 181، وتفسير الماوردي: 2/ 118، والمحرر الوجيز:
(6/ 400، 401) .
(5) تفسير الماوردي: 2/ 117 عن الكلبي، واختاره الطبري في تفسيره: 14/ 102.
وقال ابن كثير في تفسيره: 4/ 45: «وهذا أحسن الأقوال وأقواها» .
(1/371)

وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)
ويروى «1» أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أتبع أبا بكر بعلي- رضي الله عنهما- إلى مكة، وقال: «لا يبلّغ عني إلّا رجل مني» .
3 وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ: إعلام- عطف على «براءة» .
[39/ أ] والحج الأكبر: الوقوف بعرفة. وقيل «2» : يوم عرفة. وقيل «3» : يوم النحر وقد اجتمع في ذلك اليوم أعياد الأمم.
والحج: القصد إلى أعمال المناسك بحكم الشرع. وأمهات أعماله سبع عشرة خصلة: الإحرام بعد الاغتسال، والتلبية، وطواف القدوم، والسعي بين الصفا والمروة والمبيت بمنى، والصلاة بمسجد إبراهيم «4» ،
__________
(1) نص هذه الرواية في تفسير الماوردي: 2/ 116، وذكره الزجاج في معانيه: 2/ 428 بلفظ:
«لن يبلغ ... » .
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده: 1/ 156 بلفظ: «لا يبلغه إلّا أنا أو رجل منّي» .
وصحح الشيخ أحمد شاكر- رحمه الله تعالى- إسناده.
وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: 5/ 33: «والمقصود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث عليا رضي الله عنه بعد أبي بكر الصديق ليكون معه ويتولى علي بنفسه إبلاغ البراءة إلى المشركين عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لكونه ابن عمه من عصبته.
(2) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 182، وأخرجه الطبري في تفسيره: (14/ 114- 116) عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعطاء، وأبي جحيفة، وابن الزبير، ومجاهد، وطاوس.
(3) هو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، واختاره الطبري في تفسيره: 14/ 127، والنحاس في معانيه: 3/ 183.
وأخرج الإمام البخاري- رحمه الله تعالى- في صحيحه: 3/ 96، كتاب الجزية، باب «كيف ينبذ إلى أهل العهد» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعثني أبو بكر رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ... » .
ونقل الإمام مسلم- رحمه الله تعالى- في صحيحه: 2/ 982، كتاب الحج، باب «لا يحج البيت مشرك ... » عن ابن شهاب قال: «فكان حميد بن عبد الرحمن يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة» .
(4) مسجد فوق جبل أبي قبيس بمكة المكرمة كما في أخبار مكة للفاكهي: 4/ 16، والصلاة في هذا المسجد ليست من أمهات أعمال الحج كما ذكر المؤلف.
(1/372)

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)
والوقوف بعرفة، والمصير إلى مزدلفة والمبيت بها، والوقوف بالمشعر الحرام، والمصير إلى جمرة العقبة لرميها، وحلق الرأس، والنحر، وطواف الزيارة، ثم الإحلال، ثم الرجوع إلى منى والمقام بها ثلاثة أيام، ثم العمرة.
7 كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ: أي: مع إضمار الغدر.
والمعاهدون عند المسجد الحرام «1» : قوم من كنانة «2» .
8 إِلًّا: حلفا وعهدا. وقيل «3» : مودة ووصلة.
وفي حديث أمّ زرع «4» : «وفيّ الإلّ، كريم الخلّ، برود الظلّ» .
9 اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا: في الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه «5» .
12 نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ: قريش إذ غدروا بخزاعة حلفاء النبي صلّى الله عليه وسلّم.
__________
(1) من قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... [آية: 7] .
(2) ذكر ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 400 أنهم بنو ضمرة بن كنانة، ونسب هذا القول إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر تفسير الطبري: 14/ 142، وتفسير الماوردي: 2/ 121، والتعريف والإعلام للسهيلي: 69. [.....]
(3) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 433، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 402، والقرطبي في تفسيره: 8/ 79.
قال الطبري في تفسيره: 14/ 148: «و «الإلّ» اسم يشتمل على معان ثلاثة: وهي العهد، والعقد والحلف، والقرابة، وهو أيضا بمعنى «الله» فإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة، ولم يكن الله خصّ من ذلك معنى دون معنى، فالصواب أن يعمّ ذلك كما عمّ بها جل ثناؤه معانيها الثلاثة، فيقال لا يرقبون في مؤمن الله ولا قرابة ولا عهدا ولا ميثاقا ... » .
(4) تقدم تخريجه ص (71) .
وينظر شرح غريب ألفاظه في بغية الرائد للقاضي عياض: (147، 148) .
(5) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 122.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 14/ 151، وابن أبي حاتم في تفسيره: 645 (سورة التوبة) ، وقال المحقق: إسناده صحيح.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 135، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ عن مجاهد أيضا.
(1/373)

قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16) مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)
14 وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ: هم خزاعة «1» .
15 وَيَتُوبُ: رفع، لخروجه عن موجب القتال.
16 وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ: لما يفعل، نفي الفعل مع تقريب وقوعه، و «لم» نفي بغير إيذان بوقوعه، ومعناه: لم يعلم علما يجازي عليه وهو العلم بما يظهر منهم وإنما جاء على النفي لأنه أبلغ، والتقدير: ولما يجاهدوا ولم يتخذوا «وليجة» يعلم الله ذلك منهم فجاء نفي العلم على معنى نفي المعلوم، لأنّه مهما كان شيء علمه الله «2» .
وَلِيجَةً خلطاء يناجونهم. وقيل «3» : البطانة الذي يلج في باطن أمر الرجل، وفيه دليل على تحريم مخالطة الفاسق.
17 شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ: أي: فيما يقولون دليل عليهم.
25 وَيَوْمَ حُنَيْنٍ: واد بين مكة والطائف «4» .
إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ: كانوا اثني عشر ألفا، فقالوا: لن نغلب اليوم
__________
(1) قال السهيلي في التعريف والإعلام: 69: «قال أهل التأويل: هم خزاعة شفوا صدورهم من بني بكر يوم الفتح» .
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (14/ 160، 161) عن مجاهد والسدي.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 406 عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 138، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن عكرمة.
وقال ابن كثير في تفسيره: 4/ 60: «وهذا عام في المؤمنين كلهم» .
(2) ينظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 437، ومعاني النحاس: 3/ 190، وتفسير الفخر الرازي:
(16/ 6، 7) ، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 6/ 433: «والمراد بقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ لما يعلم ذلك موجودا كما علمه أزلا بشرط الوجود، ولما يظهر فعلكم واكتسابكم الذي يقع عليه الثواب والعقاب، ففي العبارة تجوز، وإلا فحتم أنه قد علم الله في الأزل الذين وصفهم بهذه الصفة مشروطا وجودهم، وليس يحدث له علم تبارك وتعالى عن ذلك» .
(3) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 183: «البطانة من غير المسلمين، وأصله من الولوج، وهو أن يتخذ الرجل من المسلمين دخيلا من المشركين وخليطا وودا» .
(4) ينظر معجم ما استعجم: 2/ 471، ومعجم البلدان: 2/ 313، والروض المعطار: 202.
(1/374)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)
عن قلّة. فولّوا ولم يبق مع النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا نفر دون المائة فيهم العباس وأبو سفيان بن الحارث «1» ، وكان ابن عم رسول الله وأخاه من الرضاعة «2» ، وكان من أشدّ النّاس عداوة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يهجوه ويجلب عليه، ثم أسلم قبل حنين بسنة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا أرينّ/ وجهه» «3» ثم رضي عنه يوم [39/ ب] حنين.
28 بَعْدَ عامِهِمْ هذا: أي: العام الذي حج أبو بكر وتلا عليّ رضي الله عنهما سورة براءة، وهو لتسع من الهجرة، وبعده حجة الوداع.
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً: فقرأ بانقطاع المتاجر «4» .
فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ: شرط الغنى بالمشيئة، لتنقطع الآمال إلى الله.
29 قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ: وأهل الكتاب يؤمنون بهما، لكن إيمانهم على غير علم واستبصار «5» ، وبخلاف ما هو
__________
(1) ثبت ذلك في صحيح البخاري: (5/ 98، 99) ، كتاب المغازي، باب قول الله تعالى:
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، وصحيح مسلم: 3/ 1398، كتاب الجهاد والسير، باب «في غزوة حنين» . عن العباس رضي الله عنه.
وينظر تفسير الطبري: (14/ 182- 185) ، وتفسير ابن كثير: 4/ 68، والدر المنثور:
4/ 161.
(2) أرضعتهما حليمة السعدية، وتوفي أبو سفيان في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ترجمته في الاستيعاب: 4/ 1673، وأسد الغابة: 6/ 144، والإصابة: 7/ 179.
(3) لم أقف على هذا الأثر.
(4) معاني الفراء: 1/ 431، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 184، وتفسير الطبري:
14/ 192.
والمراد بانقطاع المتاجر هو خوف المسلمين من انقطاع قوافل التجارة التي كان المشركون يأتون بها إلى مكة، فإذا منعوا من دخول مكة انقطعت تلك التجارة.
(5) معاني القرآن للزجاج: 2/ 441، ومعاني النحاس: 3/ 197.
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 6/ 455: «ونفى عنهم الإيمان بالله واليوم الآخر من حيث تركوا شرع الإسلام الذي يجب عليهم الدخول فيه، فصار جميع مالهم في الله عز وجل وفي البعث من تخيلات واعتقادات لا معنى لها، إذ تلقوها من غير طريقها، وأيضا فلم تكن اعتقاداتهم مستقيمة، لأنهم تشعبوا وقالوا: عزيز ابن الله، والله ثالث ثلاثة، وغير ذلك.
ولهم في البعث آراء كثيرة، كشراء منازل الجنة من الرهبان، وقول اليهود في النار: نكون فيها أياما بعدد، ونحو ذلك» .
(1/375)

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)
أحوال اليوم ومدة العذاب «1» ، أو لأنهم في عظم الجرم كمن لا يؤمن كما أنهم بالكفر كالمشرك في عبادة الله.
عَنْ يَدٍ: عن قهر واستعلاء منكم عليهم «2» . أو عن يدي المؤدّي، فإن الذمي يقام بين يدي من يأخذ الجزية ليؤديها عن يده صاغرا، ولا يبعث بها «3» ، فالمعنى: قاتلوهم حتى يذلّوا، أو جاز الرضا من أهل الكتاب بالجزية دون عبدة الأوثان لأنهم أقرب إلى الحق بالنبوة السابقة.
30 وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ: ذلك قول بعض اليهود «4» ، فهو
__________
(1) جاء في هامش الأصل: «يعني قولهم: لن تمسنا النار» .
(2) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 256: «كل من انطاع لقاهر بشيء أعطاه من غير طيب نفس به وقهر له من يد في يد فقد أعطاه عن يد، ومجاز الصاغر: الذليل الحقير» . [.....]
(3) ذكره نحوه النحاس في معاني القرآن: 3/ 199 فقال: وقيل- وهو أصحها- يؤدونها بأيديهم، ولا يوجّهون بها، كما يفعل الجبارون» .
وذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 128، وابن عطية في المحرر الوجيز: 6/ 460، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 420، والفخر الرازي في تفسيره: 16/ 31.
قال الزمخشري في الكشاف: 2/ 184: «إما أن يراد يد المعطي أو الآخذ، فمعناه على إرادة يد المعطي: حتى يعطوها عن يد، أي: عن يد مواتية غير ممتنعة لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك قالوا: أعطى بيده، إذا انقاد وأصحب، ألا ترى إلى قولهم: نزع يده عن الطاعة، كما يقال: خلع ربقة الطاعة عن عنقه.
أو حتى يعطوها عن يد إلى يد غير نسيئة لا مبعوثا على يد أحد ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ.
وأما على إرادة يد الآخذ فمعناه: حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية، أو عن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم، وترك أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم» .
(4) قال الماوردي في تفسيره: 2/ 129: «فإن قيل: فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم؟ قيل: لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره، فلذلك أضيف إليهم إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم» .
وأورد ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 424 جوابا آخر هو: «أن إيقاع اسم الجماعة على الواحد معروف في اللّغة» .
وكذا ذكر الفخر الرازي في تفسيره: 16/ 35 فقال «يقال فلان يركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحدا منها، وفلان يجالس السلاطين ولعله لا يجالس إلا واحدا» .
(1/376)

يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)
كقول الخوارج تقول بتعذيب الأطفال، وإنما تقوله الأزارقة «1» منهم.
و «المضاهاة» «2» : معارضة الفعل بمثله «3» ، وفي الحديث «4» : «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون خلق الله» يعني المصوّرين «5» .
35 يُحْمى عَلَيْها: يوقد عليها «6» .
36 أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: يعظم انتهاك المحارم فيها.
فِي كِتابِ اللَّهِ: اللوح «7» .
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ: الحساب المستقيم «8» ، لا ما يفعله العرب من
__________
(1) ينتسبون إلى أبي راشد نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري الوائلي.
قال البغدادي في الفرق بين الفرق: 50: «لم تكن للخوارج قط فرقة أكثر عددا ولا أشد منهم شوكة» . وينظر قولهم الذي أورده المؤلف في مقالات الإسلاميين: 89، والملل والنحل: 1/ 122.
(2) من قوله تعالى: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ [آية: 30] .
(3) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 256، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 443، وتفسير القرطبي: 8/ 118.
(4) الحديث في صحيح البخاري: 7/ 65، كتاب اللباس، باب «ما وطيء من التصاوير» .
(5) النهاية: 3/ 106، واللسان: 14/ 487 (ضها) .
(6) تفسير الطبري: 14/ 230، والمحرر الوجيز: 6/ 478.
وفي صحيح مسلم: 2/ 680، كتاب الزكاة، باب «إثم مانع الزكاة» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ... » .
(7) هو اللّوح المحفوظ كما في تفسير البغوي: 2/ 289، والمحرر الوجيز: 6/ 484، وزاد المسير: 2/ 432، وتفسير القرطبي: 8/ 132.
(8) هذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 185، وذكره النحاس في معانيه: 3/ 206، - وابن عطية في المحرر الوجيز: 6/ 484، والقرطبي في تفسيره: 8/ 134 دون عزو.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 135، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 433 عن ابن قتيبة.
قال ابن عطية رحمه الله: «والأصوب عندي أن يكون الدِّينُ ها هنا على أشهر وجوهه، أي: ذلك الشرع والطاعة لله، الْقَيِّمُ أي: القائم المستقيم ... » .
وانظر تأويل مشكل القرآن: 454.
(1/377)

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)
نساء الشهور، ومثله: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ «1» أي: حساب ما عملوا.
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ: بإحلالها، أو بمعصية الله فيها «2» .
37 إِنَّمَا النَّسِيءُ: يجوز مصدرا بمعنى النّساء. ك «النذير» و «النكير» وفاعلا، ك «البشير» ، أي: الناسئ ذو زيادة في الكفر «3» ، ومفعولا.
ك «القتيل» و «الجريح» أي: الشهر المؤخر زيادة في الكفر.
وكانوا يؤخرون المحرم سنة لحاجتهم إلى القتال، أو يؤخرون أشهر [40/ أ] الحج/.
لِيُواطِؤُا: يجعلوا غير الأشهر الحرم كالحرم في العدّة بأنّ هذه أربعة كتلك.
والمواطأة: المماثلة والاتفاق على الشّيء «4» .
38 انْفِرُوا: اخرجوا.
اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ: تثاقلتم إلى أوطانكم، أدغمت التاء في الثاء ودخلت ألف الوصل للابتداء، أنزلت في المخلّفين عن تبوك «5» .
__________
(1) سورة النور: آية: 25.
(2) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 6/ 485: «ونهى الظلم فيها تشريفا لها بالتخصيص والذكر، وإن كان منهيا عنه في كل الزمن» .
(3) تفسير الطبري: 14/ 243، والمحرر الوجيز: (6/ 487، 488) ، والتبيان للعكبري:
2/ 643، والبحر المحيط: 5/ 39، والدر المصون: 6/ 46.
(4) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 447. [.....]
(5) ينظر تفسير الطبري: 14/ 253، وأسباب النزول للواحدي: 283، وتفسير ابن كثير: -- 4/ 94، والدر المنثور: 4/ 190.
(1/378)

إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)
40 إِذْ هُما فِي الْغارِ: مكث النبي صلّى الله عليه وسلّم ثلاثا مع أبي بكر- رضي الله عنه- في نقب في جبل بمكة يقال له: ثور «1» .
والهاء في عَلَيْهِ يعود على أبي بكر لأنه الخائف الذي احتاج إلى السكينة «2» .
بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها: نزلت الملائكة بالبشارة بالنصر وإلقاء البأس في قلوب المشركين فانصرفوا خائبين «3» .
41 انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا: شبانا وشيوخا «4» ، أو خفافا من الثقل والسلاح «5» .
__________
(1) جبل ثور: أحد جبال مكة في الجنوب منها، بينها وبين مكة ميلان.
معجم البلدان: (2/ 86، 87) ، والروض المعطار: 151.
(2) ينظر قصة الغار في صحيح البخاري: 5/ 204، كتاب التفسير، «تفسير سورة التوبة» ، وصحيح مسلم: 4/ 1854، كتاب الصحابة، باب «من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه» ، والسيرة لابن هشام: (1/ 485- 488) ، وتاريخ الطبري: (2/ 375- 379) ، والروض الآنف: (2/ 230- 233) .
(3) الروض الأنف: 2/ 232.
(4) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 187، وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره:
(14/ 262- 264) عن الحسن، وعكرمة وأبي طلحة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، ومجاهد.
وانظر هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 449، ومعاني النحاس: 3/ 211، وتفسير الماوردي: 2/ 139، والمحرر الوجيز: 6/ 502، وزاد المسير: 3/ 442.
(5) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 443 عن الثعلبي.
قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 14/ 269: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنفر لجهاد أعدائه في سبيله، خفافا وثقالا. وقد يدخل في «الخفاف» كل من كان سهلا عليه النفر لقوة بدنه على ذلك، وصحة جسمه وشبابه، ومن كان ذا يسر بمال وفراغ من الاشتغال، وقادرا على الظهر والركاب، ويدخل في «الثقال» كل من كان بخلاف ذلك، من ضعيف الجسم وعليله وسقيمه، ومن معسر من المال، ومشتغل بضيعة ومعاش، ومن كان لا ظهر له ولا ركاب، والشيخ ذو السن والعيال.
فإذا كان قد يدخل في «الخفاف» و «الثقال» من وصفنا من أهل الصفات التي ذكرنا، ولم يكن الله جل ثناؤه خصّ من ذلك صنفا دون صنف في الكتاب، ولا على لسان الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولا نصب على خصوصه دليلا، وجب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد في سبيله خفافا وثقالا مع رسوله صلّى الله عليه وسلّم، على كل حال من أحوال الخفة والثقل» .
(1/379)

لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)
42 عَرَضاً قَرِيباً: متاعا قريب المأخذ، وَسَفَراً قاصِداً: سهلا مقتصدا ذا قصد عدل.
46 كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ: نهوضهم إليها، بعثته فانبعث «1» .
ومن قول العرب: لو دعينا لاندعينا «2» .
فَثَبَّطَهُمْ: وقّفهم «3» . قالت عائشة رضي الله عنها: «كانت سودة امرأة ثبطة» «4» ، أي: بطيئة «5» .
اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ: النساء والصبيان «6» .
47 خَبالًا: فسادا واضطرابا في الرأي، وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ:
أسرعوا بينكم بالإفساد «7» .
__________
(1) جاء في اللسان: «يقال: انبعث فلان لشأنه إذا ثار ومضى ذاهبا لقضاء حاجته ... ، والبعث إثارة بارك أو قاعد، تقول: بعثت البعير فانبعث إذا أثرته فثار» .
ينظر اللسان: (2/ 116، 117) (بعث) .
(2) أي: لأجبنا.
ذكره الجوهري في الصحاح: 6/ 2338 (دعا) عن الأخفش.
وانظر هذا القول في اللسان: 14/ 262 (دعا) .
(3) قال الزجاج في معاني القرآن: 2/ 450: «والتثبيط ردّك الإنسان عن الشيء يفعله، أي:
كره الله أن يخرجوا معكم فردهم عن الخروج» .
(4) الحديث في صحيح البخاري: 2/ 178، كتاب الحج، باب «من قدّم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدّم إذا غاب القمر» .
وصحيح مسلم: 2/ 939، كتاب الحج، باب «استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليالي قبل زحمة الناس» .
(5) ينظر غريب الحديث للخطابي: 2/ 586، والنهاية: 1/ 207، واللسان: 7/ 267 (ثبط) .
(6) تفسير الطبري: 14/ 277، والمحرر الوجيز: 6/ 511، وزاد المسير: 3/ 447.
(7) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 261، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 187، وتفسير الطبري: 14/ 278، ومعاني الزجاج: 2/ 451.
(1/380)

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)
49 وَلا تَفْتِنِّي: في الجدّ «1» بن قيس، قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم: لا تفتني ببنات الروم فإني مستفتن، أي: مولع مستهتر بالنساء، قاله لقرب تبوك من الروم «2» .
55 لِيُعَذِّبَهُمْ بِها: بحفظها والحزن عليها والمصائب فيها مع عدم الانتفاع بها «3» ، وهي لام العاقبة.
57 مَلْجَأً: قوما يلجئون إليهم.
مَغاراتٍ: غيرانا في الجبال تسترهم» .
مُدَّخَلًا: سربا في الأرض يدخلونه «5» .
58 يَلْمِزُكَ: يعيبك «6» ،............... ......
__________
(1) هو الجدّ بن قيس بن صخر بن خنساء أبو عبد الله، أنصاري، سلمي.
كان يتهم بالنفاق، مات في خلافة عثمان بن عفان.
أخباره في الاستيعاب: 1/ 266، وأسد الغابة: 1/ 327، والإصابة: 1/ 468. [.....]
(2) ينظر سبب نزول هذه الآية في السيرة لابن هشام: 1/ 526، وأسباب النزول للواحدي:
(284، 285) ، والتعريف والإعلام للسهيلي: 70.
وأخرج ذلك الطبري في تفسيره: (14/ 286- 288) عن ابن عباس، ومجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: (4/ 213- 215) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
(3) ذكر الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 144 عن ابن زيد.
وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 452، وأبو حيان في البحر المحيط: 5/ 55، والسمين الحلبي في الدر المصون: 6/ 68.
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 443، وتفسير الطبري: 14/ 298، ومعاني القرآن للنحاس:
3/ 218، وقال الطبري رحمه الله: «وهي الغيران في الجبال، واحدتها «مغارة» ، وهي «مفعلة» ، من: غار الرجل في الشيء يغور فيه، إذا دخل، ومنه قيل: غارت العين، إذا دخلت في الحدقة» .
(5) معاني الفراء: 1/ 443، وتفسير الطبري: 14/ 298، ومعاني الزجاج: 2/ 455.
(6) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 262، وغريب القرآن لليزيدي: 165، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 188، وتفسير القرطبي: 8/ 166. -
قال الطبري رحمه الله: «يقال منه: «لمز فلان فلانا يلمزه، ويلمزه» إذا عابه وقرصه، وكذلك «همزه» ، ومنه قيل: «فلان همزة لمزة» .
تفسيره: 14/ 300.
(1/381)

إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)
وهو ثعلبة بن حاطب «1» ، قال: إنما يعطي محمد من يحب.
60 لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ: الفقير: الذي فقره الفقر كأنه أصاب فقاره.
والمسكين الذي أسكنه العدم وذهب بتصرفه «2» .
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 145، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 454.
والصحيح أنه ابن ذو الخويصرة التميمي لما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينا النبي صلّى الله عليه وسلّم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال:
اعدل يا رسول الله، قال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل. قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدين كما يمرق السّهم من الرّمية ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل إحدى يديه- أو قال ثدييه مثل ثدي المرأة، أو قال مثل البضعة تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس-. قال أبو سعيد: أشهد، سمعت من النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه جيء بالنعت الذي نعته النبي صلّى الله عليه وسلّم، قال:
فنزلت فيه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ اهـ» .
ينظر صحيح البخاري: (8/ 52، 53) ، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب «من ترك قتال الخوارج للتآلف وأن لا ينفر الناس عنه» .
راجع أيضا مصنف عبد الرزاق: (10/ 146، 147) ، وتفسير الطبري: 14/ 303، وأسباب النزول للواحدي: 285، 286) ، وتفسير ابن كثير: 4/ 104، والدر المنثور:
4/ 219، وقد ورد لثعلبة بن حاطب ذكر في سبب نزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة: آية: 75] .
أورده الحافظ في الإصابة: (1/ 400، 401) ، وذكر أن ثعلبة هذا غير ثعلبة بن حاطب الأنصاري فقال: «وفي كون صاحب هذ القصة- إن صح هذا الخبر ولا أظنه يصح- هو البدري المذكور قبله نظر ... وقد ثبت أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية» ، وحكى عن ربه أنه قال لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ، فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه الله نفاقا في قلبه وينزل فيه ما أنزل؟ فالظاهر أنه غيره» .
(2) ينظر الأقوال التي قيلت في «الفقير» ، و «المسكين» في تفسير الطبري: (14/ 305- 308) ، ومعاني النحاس: 3/ 223، وزاد المسير: 3/ 456، وتفسير القرطبي: (8/ 168- 170) .
(1/382)

وفي الحديث «1» : «فقرات «2» ابن آدم ثلاث: يوم ولد ويوم يموت ويوم/ يبعث حيا» وهي الأمور العظام «3» كأنها تكسر الفقار. [40/ ب] وَالْعامِلِينَ عَلَيْها: السّعاة على الصدقات «4» .
وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ: مثل: أبي سفيان، وابنه معاوية، والأقرع «5» بن حابس، وعيينة «6» بن حصن رضي الله عنهم.
وَفِي الرِّقابِ: المكاتبين «7» ، وقيل «8» : عبيد يشترون فيعتقون.
__________
(1) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور: 5/ 509 عن الشعبي.
وأورد الزمخشري في الفائق: 3/ 136 عن الشعبي قال في قوله عز وجل: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا فقرات ابن آدم ثلاث: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيا، هي التي ذكر عيسى عليه السلام.
(2) فقرات: بضم الفاء، نص عليه الزمخشري في الفائق: 3/ 136.
(3) الفائق: 3/ 136، وغريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 201، والنهاية: 3/ 463.
(4) معاني القرآن للفراء: 1/ 443، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 188، وتفسير الطبري:
14/ 310.
(5) هو الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان التميمي المجاشعي الدارمي، صحابي جليل، وفد على النبي صلّى الله عليه وسلّم، وشهد فتح مكة وحنينا، وهو من المؤلفة قلوبهم.
ترجمته في الاستيعاب: 1/ 103، وأسد الغابة: 1/ 128، والإصابة: 1/ 101.
(6) هو عيينة بن حصن بن حذيفة الفزاريّ.
أسلم قبل الفتح، وشهدها، وشهد حنينا والطائف، وبعثه النبي صلّى الله عليه وسلّم لبني تميم فسبى بعض بني العنبر.
ترجم له الحافظ في الإصابة: 4/ 767: وقال «يقال» كان اسمه حذيفة فلقب عيينة، لأنه كان أصابته شجة فجحظت عيناه» .
وانظر ترجمته في الاستيعاب: 3/ 1249، وأسد الغابة: 4/ 331.
(7) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 443، والطبري في تفسيره: 14/ 316 وعزا هذا القول إلى الجمهور.
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 189، ومعاني الزجاج: 2/ 456، ومعاني النحاس: 3/ 225. [.....]
(8) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 148 وعزاه إلى ابن عباس ومالك.
(1/383)

وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69)
وَالْغارِمِينَ: الذين لا يفي مالهم بدينهم «1» .
61 هُوَ أُذُنٌ: صاحب أذن يصغي إلى كل أحد، أو أذن لا يقبل إلا الوحي، وقيل: أذن فمتى حلفت له صدّقك.
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ: أي: مستمع للخير.
وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ: يصدقهم، كقوله «2» : رَدِفَ لَكُمْ، أو هو لام الفرق بين إيمان التصديق وإيمان الأمان «3» .
وَرَحْمَةٌ «4» : عطف على أُذُنُ خَيْرٍ، أي: مستمع خير ورحمة.
ورفعه «5» على تقدير: قل هو أذن خير لكم وهو رحمة، أي: ذو رحمة.
63 يُحادِدِ اللَّهَ: يكون في حد غير حدّه «6» .
69 وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا: إشارة إلى ما خاضوا فيه «7» ، والمراد
__________
(1) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 189: «من عليه الدّين ولا يجد قضاء. وأصل الغرم: الخسران، ومنه قيل في الرهن: له غنمه وعليه غرمه، أي ربحه له وخسرانه أو هلاكه عليه، فكأنّ الغارم هو الذي خسر ماله» .
وانظر تفسير الطبري: 14/ 318، ومعاني الزجاج: 2/ 456، وزاد المسير: 3/ 458.
(2) سورة النمل: آية: 72.
(3) ينظر التبيان للعكبري: 2/ 648، والدر المصون: 6/ 75.
(4) وهي قراءة حمزة كما في السبعة لابن مجاهد: 315، والتبصرة لمكي: 215، والتيسير للداني: 118.
(5) قراءة باقي السبعة.
وانظر توجيه هذه القراءة في الكشف لمكي: 1/ 503، والبحر المحيط: 5/ 63، والدر المصون: 6/ 74.
(6) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 458، ونص قول الزجاج هناك: «معناه» : من يعادي الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله.
واشتقاقه من اللغة كقولك: من يجانب الله ورسوله، أي: من يكون في حدّ، والله ورسوله في حد» .
وانظر معاني النحاس: 3/ 230.
(7) يعني بذلك قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ... [آية: 65] .
(1/384)

وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)
«كالذين» ، فحذفت النون تخفيفا لطول الاسم بالصلة. وكانوا يقولون:
أيرجو محمد أن يفتح حصون الشام، هيهات، فأطلعه الله عليه «1» .
72 وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ: أي: من جميع النّعم «2» .
وروى معاذ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن جنة العدن في السماء [العليا] . «3» لا يدخلها إلا نبي، أو صديق، أو شهيد، أو إمام عدل، أو محكّم في نفسه، وجنة المأوى في السماء الدّنيا يأوي إليها أرواح المؤمنين «4» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 14/ 334 عن قتادة.
ونقله الواحدي في أسباب النزول: 288 عن قتادة أيضا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 230 وعزا إخراجه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة.
(2) يدل عليه ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، يقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» .
صحيح البخاري: 7/ 200، كتاب الرقاق، باب «صفة الجنة والنار» ، وصحيح مسلم:
4/ 2176، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب «إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدا» .
(3) في الأصل: «الدنيا» ، والمثبت في النّص عن «ج» ، وهو الصحيح.
(4) ذكر الماوردي هذه الرواية في تفسيره: 2/ 152 وقال: «رواه معاذ بن جبل مرفوعا» .
وأخرج الطبري في تفسيره: 14/ 354 عن الحسن قال: «جنات عدن، وما أدراك ما جنات عدن؟ قصر من ذهب، لا يدخله إلا نبي، أو صديق، أو شهيد، أو حكم عدل، ورفع بها صوته» .
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه: 13/ 127، كتاب الجنة عن بشر بن كعب عن كعب قال: إن في الجنة ياقوتة ليس فيها صدع ولا وصل، فيها سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألفا من الحور العين، ولا يدخلها إلّا نبي، أو صديق، أو شهيد، أو إمام عادل، أو محكم في نفسه، قال: قلنا: يا كعب وما المحكم في نفسه؟ قال: الرجل يأخذه العدو فيحكمونه بين أن يكفر أو يلزم الإسلام فيقتل، فيختار أن يلزم الإسلام» .
وأخرج نحوه أبو نعيم في حلية الأولياء: 5/ 380 عن كعب أيضا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 238 وعزا إخراجه إلى ابن أبي شيبة عن كعب الأحبار.
(1/385)

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74) وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)
73 جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ: جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالقلب واللسان.
74 يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ: في الجلاس «1» بن سويد بن الصامت، قال: إن كان قول محمد حقا فنحن شر من الحمير، ثم حلف أنه لم يقل «2» .
وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا: همّ الجلاس بقتل الذي أنكر عليه «3» .
وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ: وذلك أن مولى للجلاس قتل، فأمر له النبي صلّى الله عليه وسلّم بديته فاستغنى بها «4» .
77 فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً: أي: بخلهم بحقوق الله.
إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ: أي: بخلهم. وقيل «5» : جازاهم الله ببخلهم وكفرهم.
[41/ أ] 79 الَّذِينَ يَلْمِزُونَ/ الْمُطَّوِّعِينَ: ترافد «6» المسلمون بالنفقات في غزوة تبوك على وسعهم فجاء [علبة] «7» بن زيد الحارثي بصاع من تمر
__________
(1) كان من المنافقين ثم تاب وحسنت توبته.
ترجمته في الاستيعاب: 1/ 264، وأسد الغابة: 1/ 346، والإصابة: 1/ 493.
(2) السيرة لابن هشام: (1/ 519، 520) .
وأخرجه الطبري في تفسيره: (14/ 361- 363) عن عروة بن الزبير عن أبيه، وعن ابن إسحاق.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1047 (سورة التوبة) عن كعب بن مالك. [.....]
(3) قيل: إنه ابن امرأة الجلاس واسمه عمير بن سعد الأنصاري الأوسي.
ينظر تفسير الطبري: 14/ 362، والدر المنثور: 4/ 240.
(4) تفسير الطبري: 14/ 366.
(5) تفسير الطبري: (14/ 369، 370) ، وزاد المسير: 3/ 475، وتفسير القرطبي: 8/ 212.
(6) بمعنى تعاون، والترافد التعاون، والرّفادة الإعانة.
النهاية: 2/ 242، واللسان: 3/ 181 (رفد) .
(7) في الأصل: «علية» كما ضبطه الناسخ، والمثبت في النص عن «ك» و «ج» وعن كتاب وضح البرهان للمؤلف، وهو علبة بن زيد بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثة الأنصاري الأوسي.
ترجم له ابن عبد البر في الاستيعاب: 3/ 1245، وقال: «هو أحد البكائين الذين تولوا وأعينهم تفيض من الدمع ... » .
وعلبة بضم وسكون اللام وفتح الباء المعجمة بواحدة. كذا ضبطه ابن ماكولا في الإكمال:
6/ 254، والحافظ ابن حجر في الإصابة: 4/ 546.
وانظر ترجمته في المؤتلف والمختلف للدار قطني: 3/ 1585، وأسد الغابة: 4/ 80.
(1/386)

اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)
فسخر منه المنافقون «1» .
80 إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً: على المبالغة دون التقدير لأنّ السبعة أكمل الأعداد لجمعها معاني العدد، لأن العدد أزواج وأفراد، والسبعة فرد أول مع زوج ثان، أو زوج مع فرد ثان، ولأن السنة أول عدد تام، لأنها زيادة بواحدة على تعديل نصف العقد ولأنها تعادل أجزاءها، إذ نصفها ثلاثة وثلثها اثنان وسدسها واحدة وجملتها ستة سواء. وهي مع الواحدة سبعة فكانت كاملة إذ ليس بعد التمام سوى الكمال، ولعل واضع اللغة سمى الأسد سبعا لكمال قوته «2» ، كما أنه أسد لإساده في السّير «3» .
__________
(1) لم أقف على من قال إن هذه الآية نزلت في علبة رضي الله عنه.
وأورد الحافظ في الإصابة: (4/ 546، 547) ، رواية ابن مردويه، وابن مندة، والطبراني، والبزار أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حضّ على الصدقة فجاء كل رجل بطاقته وما عنده، فقال علبة بن زيد:
اللهم إنه ليس عندي ما أتصدق به، اللهم إني أتصدق بعرضي على من ناله من خلقك، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مناديا فنادى: أين المتصدق بعرضه البارحة؟ فقام علبة، فقال: قد قبلت صدقتك.
ونقل الحافظ عن البزار أنه قال: علبة هذا رجل مشهور من الأنصار، ولا نعلم له غير هذا الحديث.
وجاء في صحيح البخاري، وصحيح مسلم أن الآية نزلت بسبب أبي عقيل الأنصاري، جاء بنصف صاع فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا.
ينظر صحيح البخاري: 5/ 205، كتاب التفسير، باب الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ، وصحيح مسلم: 2/ 706، كتاب الزكاة، باب «الحمل بأجرة يتصدق بها، والنهي الشديد عن تنقيص المتصدق بقليل» .
(2) في تفسير الماوردي: 2/ 154: «ولذلك قالوا للأسد سبع، أي: قد ضوعفت قوته سبع مرات» .
(3) في الجمهرة: 2/ 1092: «تقول أسأدت السير أسئدة إسئادا، إذا دأبت عليه، وأسأدت الكلب أسوده إيسادا: إذا أغريته» .
قال ابن فارس في مقاييس اللغة: 1/ 106: «الهمزة والسين والدال يدل على قوة الشيء، ولذلك سمي الأسد أسدا لقوته، ومنه اشتقاق كل ما يشبهه» .
(1/387)

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)
ثم «سبعين مرّة» غاية الغاية إذا الآحاد غايتها العشرات، فكان المعنى:
إنه لا يغفر لهم وإن استغفرت أبدا، وهذا معنى قولهم في قوله تعالى:
وَفُتِحَتْ أَبْوابُها «1» ، وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ «2» إنها واو الثمانية وواو الاستئناف لأن بعد انتهاء الكمال يستأنف الحال «3» .
81 خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ: بعده وخلفه «4» ، أو على مخالفته «5» .
83 مَعَ الْخالِفِينَ: المفسدين، خلف خلوفا: تغيّر إلى الفساد «6» .
وقيل «7» : الخالف من تأخر عن الشاخص.
84 وَلا تُصَلِّ: أراد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يصلي على عبد الله بن أبيّ بن سلول فأخذ جبريل- عليه السلام- بثوبه وقال: لا تصلّ «8» .
__________
(1) سورة الزمر: آية: 73.
(2) سورة الكهف: آية: 22.
(3) ينظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 277، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 453، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 439، وتفسير الماوردي: 2/ 474، والتبيان للعكبري: 2/ 843.
(4) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن للزجاج: 1/ 264.
وذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 155، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 478 عن أبي عبيدة أيضا.
(5) نصّ هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 2/ 463.
وذكره النحاس في معانيه: 3/ 238، والماوردي في تفسيره: 2/ 155، وقال: «وهذا قول الأكثرين» . ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 478 عن الزجاج.
(6) تفسير الطبري: 14/ 405، والمحرر الوجيز: 6/ 588. [.....]
(7) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 265: «الخالف الذي خلف بعد شاخص فقعد في رحله، وهو من تخلف عن القوم. ومنه: «اللهم اخلفني في ولدي، ويقال: فلان خالفه أهل بيته، أي مخالفهم، إذا كان لا خير فيه» .
(8) كذا أخرجه الطبري في تفسيره: 14/ 407 عن أنس رضي الله تعالى عنه. وفي سنده يزيد الرقاشي، قال فيه الحافظ في التقريب: 599: «زاهد ضعيف» .
وأورد السيوطي هذا الأثر في الدر المنثور: 4/ 259 وزاد نسبته إلى أبي يعلى، وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه.
وثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن الذي جذبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
صحيح البخاري: 5/ 207، كتاب التفسير، باب قوله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً.
وصحيح مسلم: 4/ 2141، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث رقم (2774) .
وينظر تفسير الطبري: (14/ 406، 407) ، وأسباب النزول للواحدي: (294، 295) ، والتعريف والإعلام للسهيلي: 71.
(1/388)

رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96) الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)
87 الْخَوالِفِ: النّساء والصبيان لتخلفهم عن الجهاد «1» .
90 الْمُعَذِّرُونَ: المقصرون يظهرون عذرا ولا عذر.
أعذر: بالغ «2» ، وعذّر: قصّر.
97 الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً [هم] «3» أهل البدو لجفاء الطبع.
98 الدَّوائِرَ: دول الأيام ونوب الأقسام «4» .
99 قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ: يتخذ نفقته ودعاء الرسول قربة إلى الله «5» .
__________
(1) ذكر الفراء في معاني القرآن: 1/ 447، وأبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 265، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 191 أن المراد ب «الخوالف» النساء، دون ذكر الصبيان معهن.
كذا أخرج الطبري في تفسيره: (14/ 413، 414) عن ابن عباس، وقتادة، والحسن، والضحاك، وابن زيد.
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 6/ 592: «وهذا قول جمهور المفسرين» .
(2) في وضح البرهان للمؤلف: 1/ 407: «يقال: أعذر في الأمر بالغ ... » .
وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 191: «يقال: عذرت في الأمر إذا قصرت، وأعذرت حذرت» .
وانظر تفسير الطبري: 14/ 416.
(3) عن نسخة «ج» .
(4) في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 191: «ودوائر الزمان بالمكروه: صروفه التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر» .
وانظر معاني النحاس: 3/ 245، وتفسير الماوردي: 2/ 159.
(5) تفسير الطبري: 14/ 432، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 466، ومعاني النحاس: 3/ 246، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 10: «والصلاة في هذه الآية الدعاء إجماعا» .
(1/389)

وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ: من تبعهم من الصحابة «1» . وقيل: من التابعين، وقيل «2» : الذين اتبعوهم إلى يوم القيامة.
101 مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ: مرنوا عليه «3» وتجردوا عن غيره.
[41/ أ] سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ: / في الدنيا بالجوع والخوف، وفي القبر بالعذاب «4» .
أو أحد العذابين: أخذ مالهم في جهاز الحرب، والثاني: أمرهم بالجهاد «5» .
102 وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا: في نفر تخلفوا عن تبوك «6» .
عَسَى اللَّهُ: على الإطماع ليأملوا ولا يتكلوا.
103 وَصَلِّ عَلَيْهِمْ: ادع لهم «7» ، إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ: تثبيت
__________
(1) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 11: «ويدخل في هذا اللفظ التابعون وسائر الأمة لكن بشريطة الإحسان، وقد لزم هذا الاسم الطبقة التي رأت من رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم» .
(2) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 450، والزجاج في معانيه: 2/ 466.
(3) معاني القرآن للفراء: 1/ 450، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 268، وتفسير الطبري:
14/ 440.
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: (7/ 13، 14) : «والظاهر من معنى اللفظ أن التمرد في الشيء أو المرود عليه إنما هو اللجاج والاستهتار به والعتو على الزاجر وركوب الرأس في ذلك، وهو مستعمل في الشر لا في الخير، من ذلك قولهم: شيطان مارد ومريد ... » .
(4) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: (14/ 442، 443) عن مجاهد، وأبي مالك.
وعزاه الماوردي في تفسيره: 2/ 161 إلى ابن عباس.
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 15: «وأكثر الناس أن العذاب المتوسط هو عذاب القبر، واختلف في عذاب المرة الأولى، فقال مجاهد وغيره: هو عذابهم بالقتل والجوع، وهذا بعيد لأن منهم من لم يصبه هذا ... » .
(5) ذكر الماوردي نحو هذا القول في تفسيره: 2/ 162 عن الحسن.
(6) ينظر خبرهم في تفسير الطبري: (14/ 447، 453) ، وأسباب النزول للواحدي: 297، وتفسير ابن كثير: 4/ 144.
(7) تفسير الطبري: 14/ 454، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 467. [.....]
(1/390)

أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)
يسكنون إليها.
104 وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ: يقبلها ويضاعف عليها.
106 مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ: مؤخّرون محبوسون لما ينزل من أمره، وهم الثلاثة «1» الذين خلّفوا هلال «2» بن أميّة، ومرارة «3» بن الربيع، وكعب «4» بن مالك.
107 وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً: ابتداء وخبره لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً «5» .
وكانوا نفرا منافقين بنوا مسجدا ليتناجوا فيه «6» ، فبعث عليه صلّى الله عليه وسلّم عاصم «7» بن عدي فهدمه.
__________
(1) ينظر خبر الثلاثة في صحيح البخاري: (5/ 130- 135) ، كتاب المغازي، باب «حديث كعب بن مالك» وقول الله عز وجل: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ... ، وصحيح مسلم:
(4/ 2120- 2128) كتاب التوبة، باب «حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه» ، وتفسير الطبري: (14/ 546- 556) ، وتفسير ابن كثير: (4/ 165- 169) .
(2) هلال بن أمية بن عامر بن قيس الأنصاري الواقفي.
شهد بدرا وما بعدها.
ترجمته في الاستيعاب: 4/ 1542، وأسد الغابة: 5/ 406، والإصابة: 6/ 546.
(3) هو مرارة بن الربيع الأنصاري الأوسي، صحابي جليل، شهد بدرا على الصحيح.
الاستيعاب: 3/ 1382، وأسد الغابة: 5/ 134، والإصابة: 6/ 65.
(4) كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري السلمي، الشاعر المشهور.
شهد العقبة وبايع بها، وشهد أحدا وما بعدها، وتخلف في تبوك.
ينظر الاستيعاب: 3/ 1323، وأسد الغابة: 4/ 487، والإصابة: 5/ 610.
(5) هذا قول الكسائي كما في إعراب القرآن للنحاس: 2/ 235، والمحرر الوجيز: 7/ 30، والبحر المحيط: 5/ 98، والدر المصون: 6/ 119.
(6) السيرة لابن هشام: 2/ 530.
وينظر تفسير الطبري: (14/ 468، 469) ، وتاريخه: (3/ 110، 111) ، وأسباب النزول للواحدي: (298- 300) ، والروض الأنف: 4/ 198، والتعريف والإعلام: (71، 72) .
(7) هو عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان، أبو عبد الله، حليف الأنصار.
صحابي جليل، كان سيد بني العجلان، شهد بدرا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، توفي سنة خمس وأربعين للهجرة.
ترجمته في الاستيعاب: 2/ 781، وأسد الغابة: 3/ 114، والإصابة: 3/ 572.
وذكر مع عاصم أيضا أخوه معن بن عدي، ومالك بن الدّخشم، وعامر بن السّكن، ووحشي انطلقوا جميعا إلى المسجد فهدموه.
(1/391)

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)
108 لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى: مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة «1» .
وقيل «2» : مسجد قباء فهو أول مسجد في الإسلام.
109 شَفا جُرُفٍ: شفير الوادي الذي جرف الماء أصله «3» .
هارٍ: مقلوب «هائر» «4» ، و «تيهورة» قطعة من الرمل «5» ، أيضا:
«هيرورة» من هار الجرف وانهار.
111 إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: مجاز، لأنه إنّما يشترى ما لا يملك،
__________
(1) ثبت ذلك في حديث أخرجه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
«دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله! أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: «هو مسجدكم هذا» (لمسجد المدينة) .
صحيح مسلم: 2/ 1015، كتاب الحج، باب «بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة» .
وفي سنن الترمذي: 5/ 280، كتاب تفسير القرآن، باب «ومن سورة التوبة» .
ومسند الإمام أحمد: 5/ 331 بلفظ: «هو مسجدي هذا» .
ورجح الطبري في تفسيره: 14/ 479 قول من قال إنه مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة وقال: «لصحة الخبر بذلك عن رسول الله» .
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: (14/ 478، 479) عن ابن عباس، وعروة بن الزبير، وابن زيد، وعطية.
وأورد السهيلي في التعريف والإعلام: 73، القولين، وذكر بأنه ممكن الجمع بينهما:
«لأن كل واحد منهما أسس على التقوى، غير أن قوله سبحانه: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يرجح الحديث الأول لأن مسجد قباء أسس قبل مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم غير أن اليوم قد يراد به المدة والوقت، وكلا المسجدين أسس على هذا من أول يوم، أي من أول عام من الهجرة، والله أعلم» .
(3) بعده في وضح البرهان للمؤلف: 1/ 410: «فبقي واهيا لا يثبت عليه البناء» .
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 269، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 192، وتفسير الطبري: (14/ 491، 492) ، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 470، وزاد المسير: 3/ 502.
(5) ينظر تهذيب اللغة: 6/ 412، والصحاح: 2/ 856، واللسان: (5/ 269، 270) (هور) .
(1/392)

التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)
ولكن المعنى تحقيق العوض في النفوس «1» .
112 السَّائِحُونَ: الصائمون «2» ، وفي الحديث «3» : سياحة أمّتي الصّوم» . وقيل «4» : المهاجرون، وقيل «5» : الذين يسافرون في طلب العلم.
__________
(1) عن تفسير الماوردي: 2/ 168، ونص كلام الماوردي هناك: «وهذا الكلام مجاز معناه: أن الله تعالى أمرهم بالجهاد بأنفسهم وأموالهم ليجازيهم بالجنة، فعبر عنه بالشراء لما فيه من عوض ومعوض، فصار في معناه، ولأن حقيقة الشراء لما لا يملكه المشتري» .
وانظر هذا المعنى في المحرر الوجيز: 7/ 49، وزاد المسير: 3/ 504، وتفسير الفخر الرازي: 16/ 204، وتفسير القرطبي: 8/ 267.
(2) ورد هذا التفسير عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقد أخرج الطبري في تفسيره: (14/ 502، 503) عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن «السائحين» فقال: «هم الصائمون» .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 4/ 157: «وهذا مرسل جيد» .
وأخرج الطبري نحوه عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا عليه.
وأورد ابن كثير الروايتين في تفسيره ثم قال: «وهذا الموقوف أصح» .
وورد أيضا هذا التفسير عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وغيرهم.
أخرج ذلك الطبري في تفسيره: (14/ 503- 506) . [.....]
(3) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 169، وقال: «روى أبو هريرة مرفوعا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ... » .
وأخرج الطبري في تفسيره: 14/ 506 عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سياحة هذه الأمة الصيام» .
وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك الحديث كما في التقريب: 95.
قال الأستاذ محمود محمد شاكر: «هذا خبر ضعيف الإسناد جدا» .
(4) نقله الماوردي في تفسيره: 2/ 169، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 506 عن ابن زيد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 298، وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن ابن زيد.
(5) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1275 (سورة التوبة) عن عكرمة.
وفي إسناده الوليد بن بكير التميمي: ليّن الحديث، وعمر بن نافع الثقفي: ضعيف.
ينظر تقريب التهذيب: (417، 581) فعلى هذا يكون إسناده ضعيفا.
وذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 169، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 506، والفخر الرازي في تفسيره: 16/ 209 عن عكرمة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 298، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ عن عكرمة.
(1/393)

وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)
114 إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ: كان أبوه وعده أن يؤمن فاستغفر له أن يرزقه الإيمان ويغفر له الشرك «1» .
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ: بموته مشركا «2» .
تَبَرَّأَ مِنْهُ: أي: من أفعاله، أو من استغفاره له «3» .
117 لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ: لإذنه المنافقين في التخلف عنه «4» .
اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ: وقت العسرة، إذ كانوا من تبوك في جهد جهيد «5» .
118 وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ: الذين خلّفوا من [التوبة] «6» والجفوة «7» حتى أمر نساؤهم باعتزالهم «8» .
__________
(1) أورده الزجاج في معاني القرآن: 2/ 473 بصيغة التمريض فقال: «يروى ... » ، ولم يسند هذا القول لأحد.
وذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 171، وابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 62، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 509، والفخر الرازي في تفسيره: 16/ 216.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (14/ 520، 521) عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 3/ 261 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 171، والمحرر الوجيز: 7/ 63، وزاد المسير: 3/ 509.
(3) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 171 دون عزو.
(4) ذكره البغوي في تفسيره: 2/ 333، وابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 511، والفخر الرازي في تفسيره: (16/ 219، 220) .
(5) في كتاب وضح البرهان للمؤلف: 1/ 413: «أي: وقت العسرة، إذ كانوا من غزوة تبوك في جهد جهيد من العطش وعوز الظهر» .
(6) في الأصل و «ك» و «ج» : «النبوّة» ، والمثبت في النص عن تفسير الطبري: 14/ 543، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 264.
(7) في تفسير الماوردي: 2/ 174: «بما لقوه من الجفوة لهم» .
(8) ينظر خبرهم في صحيح البخاري: (5/ 130- 135) ، كتاب المغازي، باب «حديث كعب بن مالك وقول الله عز وجل: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
وصحيح مسلم: (4/ 2120- 2128) ، كتاب التوبة، باب: «حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه» ، وتفسير الطبري: (14/ 546- 556) .
(1/394)

وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا: ليدوموا على التوبة.
122 وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً: لما نزلت: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ «1» : قال المنافقون: هلك الذين لم/ ينفروا، وكان ناس من [42/ أ] الصحابة خرجوا إلى قومهم يفقّهونهم «2» .
124 وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ: «ما» مسلّط ل «إذا» على الجزاء، أو صلة مؤكدة «3» .
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: من المنافقين يقول بعضهم لبعض، أو يقولون لضعفة المؤمنين على الهزو «4» .
125 وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: إنما كان الشك في الدين مرضا لأنه فساد يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن، ومرض القلب أعضل، وعلاجه أعسر، ودواؤه أعز، وأطباؤه أقل.
فَزادَتْهُمْ رِجْساً: لما ازدادوا بها رجسا حسن وصفها به، كما حسن: كفى بالسلامة داء.
__________
(1) الآية: 39 من سورة التوبة.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: 14/ 570 عن عكرمة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 323، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ عن عكرمة.
وانظر زاد المسير: (3/ 516، 517) ، وتفسير ابن كثير: 4/ 174.
(3) تفسير الفخر الرازي: 16/ 238، وتفسير القرطبي: 8/ 298. [.....]
(4) ليس هذا على إطلاقه، وإنما يقال هذا في مقام لا يكون فيه الخير نافعا لصاحبه لعدم انتفاعه به فيكون وبالا عليه، وهذا ما تشير إليه الآية حيث كانت الهداية بنزول الآيات نافعة للمؤمنين ووبالا على الكافرين لعدم انتفاعهم بنزولها.
(1/395)

لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)
128 عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ: شديد عليه ما شق عليكم «1» ، أو أثمتم به «2» .

ومن سورة يونس
2 قَدَمَ صِدْقٍ: ثواب واف بما قدّموا «3» .
3 فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ: ليشاهد «4» الملائكة شيئا بعد شيء فيعتبرون، ولأن تصريف الخلق حالا بعد حال أحكم وأبعد من شبهة الاتفاق «5» .
4 وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ: بنصيبهم وقسطهم من الثواب، وليس معناه العدل «6» لأن العدل محمول عليه الكافرون والمؤمنون «7» .
__________
(1) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 177 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 521، وقال: «رواه الضحاك عن ابن عباس» .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 477، ومعاني النحاس: 3/ 271، والمحرر الوجيز:
7/ 89، وتفسير القرطبي: 8/ 302.
(2) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 521، وقال: «رواه أبو صالح عن ابن عباس» .
(3) تفسير الطبري: 15/ 14.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 180 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 5، وقال: «رواه العوفي عن ابن عباس» .
(4) في «ك» : «لتشهده» .
(5) ينظر هذا المعنى في تفسير الماوردي: 2/ 32، وتفسير الفخر الرازي: 14/ 105، عند تفسير قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ... [آية: 54 من سورة الأعراف] .
وذكر الفخر الرازي في تفسيره: 17/ 12: «إنه يحسن منه كلما أراد، ولا يعلل شيء من أفعاله بشيء من الحكمة والمصالح، وعلى هذا القول يسقط قول من يقول: لم خلق العالم في ستة أيام وما خلقه في لحظة واحدة؟ لأنا نقول: كل شيء صنعه ولا علة لصنعه فلا يعلل شيء من أحكامه ولا شيء من أفعاله بعلة، فسقط هذا السؤال» .
(6) وهو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 274، وأخرجه الطبري في تفسيره: (15/ 21، 22) عن مجاهد، وذكره النحاس في معانيه: 3/ 278.
(7) ذكره الفخر الرازي في تفسيره: (15/ 33، 34) ، وقال: «وهذا الوجه، لأنه في مقابلة قوله: بِما كانُوا يَكْفُرُونَ.
(1/396)

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21)
5 وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ: خص به القمر لأن حساب العامة وعلمهم بالسّنين هلاليّ، ولأن المنازل «1» تنسب إلى القمر.
والضياء أغلب من النور فجعله للشمس.
10 دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ: إذا اشتهوا شيئا قالوا: سبحانك اللهم فيأتيهم، وإذا فرغوا منه قالوا: الحمد لله فيذهب «2» .
وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ: ملكهم سالم من الزوال «3» .
11 وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ: يستجيب إذا دعوا على أنفسهم وأولادهم «4» .
16 وَلا أَدْراكُمْ بِهِ: ولا أعلمكم به «5» .
19 وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ: في أن لا يعاجل العصاة، أو لا يستعجل عن الأجل.
21 مَكْرٌ فِي آياتِنا: كفر وتكذيب «6» .
__________
(1) وهي ثمانية وعشرون منزلا.
ينظر كتاب الأزمنة وتلبية الجاهلية لقطرب: 23، والأنواء لابن قتيبة: 4.
(2) ذكر نحوه الماوردي في تفسيره: 2/ 182 عن الربيع وسفيان.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 345، وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن الربيع.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 10 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(3) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 182، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 11 عن الماوردي.
(4) في «ج» : وأموالهم.
(5) هذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 194، وأخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 42 عن ابن عباس، وابن زيد.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 3/ 282 عن الضحاك.
(6) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 276: «مجاز المكر هاهنا مجاز الجحود بها والرد لها» .
وأخرج الطبري في تفسيره: 15/ 49 عن مجاهد قال: «استهزاء وتكذيب» ، ونقله النحاس في معاني القرآن: 3/ 285 عن مجاهد.
ونقل الماوردي في تفسيره: 2/ 186 عن ابن بحر قال: المكر هاهنا الكفر والجحود، وعن مجاهد قال: إنه الاستهزاء والتكذيب. [.....]
(1/397)

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29)
26 لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى: أي: الجنّة «1» ، فهي مأوى كلّ حسن على أفضل وجه.
وَلا يَرْهَقُ: ولا يغشى «2» ، قَتَرٌ: غبرة وسواد «3» .
27 قِطَعاً: لغة في قطع «4» . ك «ظلع» و «ظلع» فلذلك وصف ب «مظلما» «5» ، وإن كان جمع قطعة ف «المظلم» حال من اللّيل، أي:
[42/ ب] أغشيت قطعا من الليل حال إظلامه «6» /.
29 فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً: تمييز، أي: كفى به من الشهداء.
__________
(1) هذا قول جمهور المفسرين كما في تفسير الطبري: (15/ 62- 68) ، والمحرر الوجيز:
7/ 137، وزاد المسير: 4/ 24، وتفسير القرطبي: 8/ 330، وتفسير ابن كثير: (4/ 198، 199) وقد ورد هذا المعنى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه:
1/ 163، كتاب الإيمان، باب «إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى» ، عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟
قال: فيكشف الحجاب فما أوتوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل» ... ثم تلا هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ.
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 277، وتفسير الطبري: 15/ 72، ومعاني الزجاج: 3/ 15.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 277، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 196، والمفردات للراغب: 393، وتفسير القرطبي: 8/ 331.
وأخرج الطبري في تفسيره: 15/ 73 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سواد الوجوه» .
(4) بإسكان الطاء، وهي أيضا قراءة الكسائي، وابن كثير.
السبعة لابن مجاهد: 325، والتبصرة لمكي: 219.
(5) معاني القرآن للفراء: 1/ 462، ومعاني الزجاج: 2/ 16، والكشف لمكي: 1/ 517.
(6) هذا التوجيه على قراءة الفتح.
قال مكي في الكشف: 1/ 517: «وفيه المبالغة في سواد وجوه الكفار» .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 278، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 196، وتفسير الطبري: (15/ 75، 76) ، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 16، وإعراب القرآن للنحاس:
2/ 251.
(1/398)

هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45)
أو حال، أي: وكفى الله في حال الشهادة.
30 تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ: ينكشف لها ما أسلفت فتختبر جزاءها «1» ، كقوله «2» : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ: تختبر بالكشف.
33 حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ: وعيده «3» .
35 أَمَّنْ لا يَهِدِّي: اهتدى يهتدي، وهدى يهدي، وهدي يهدى.
أما فتح الهاء والياء «4» ، فلأنه لما أدغمت التاء في الدال ألقيت حركة التاء على الهاء كقولك: «عدّ وفرّ، والأصل: اعدد» [وافرر] «5» وأما فتح الياء وكسر الهاء «6» فلاجتماع ساكنين بالإدغام فكسرت الهاء على أصل حركة الساكن وكسرهما لاستتباع الآخرة الأولى [أي الياء] «7» .
45 يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ: يعرف بعضهم بعضا ثم ينقطع التعارف لأهوالها «8» .
وقيل «9» : يعترفون ببطلان ما كانوا عليه.
__________
(1) في «ج» : جزاء.
(2) سورة الطارق: آية: 9.
(3) معاني القرآن للزجاج: 3/ 18، وزاد المسير: 4/ 29.
(4) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر، وأبي عمرو، وورش عن نافع.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 326، وحجة القراءات: 331.
(5) ما بين معقوفين ساقط من الأصل، والمثبت عن «ك» و «ج» .
(6) قراءة عاصم في رواية حفص.
السبعة لابن مجاهد: 326، وحجة القراءات: 332، والتبصرة لمكي: 220.
(7) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» ، وانظر توجيه القراءتين اللتين ذكرهما المؤلف في: معاني القرآن للزجاج: 3/ 19، وإعراب القرآن للنحاس: (2/ 253، 254) ، والكشف لمكي:
1/ 518، والبحر المحيط: 5/ 156، والدر المصون: 6/ 199.
(8) تفسير الطبري: 15/ 97، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 22، ومعاني النحاس: 3/ 297، وتفسير الماوردي: 2/ 190، وتفسير الفخر الرازي: (17/ 109، 110) ، وتفسير القرطبي: 8/ 348. [.....]
(9) لم أقف على هذا القول، وفي تفسير الماوردي: 2/ 190: «يعرفون أن ما كانوا عليه باطل» .
(1/399)

وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
53 إِي وَرَبِّي: كلمة تحقيق «1» ، أي: كائن لا محالة.
59 فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا: أي: البحيرة ونحوها «2» .
61 وَما يَعْزُبُ: يغيب أو يبعد «3» ، وفي الحديث «4» : «من قرأ القرآن في أربعين ليلة فقد عزب» ، أي: بعد عهده بما ابتدأ به.
64هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
: بشارة الملائكة عند الموت «5» .
وقيل «6» : الرؤيا الصالحة.
__________
(1) تفسير الماوردي: 2/ 191، وزاد المسير: 4/ 39.
وقال القرطبي في تفسيره: 8/ 351: «إي: كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى نعم.
وَرَبِّي قسم، إِنَّهُ لَحَقٌّ جوابه، أي: كائن لا شك فيه» .
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (15/ 111، 112) عن ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد.
وانظر هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 3/ 25، ومعاني النحاس: 3/ 301، وتفسير البغوي: 2/ 358، وزاد المسير: 4/ 41.
(3) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 278، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 197، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 26، ومعاني النحاس: 3/ 202، والمفردات للراغب: 333.
قال الطبري في تفسيره: 15/ 116: «وأصله من عزوب الرجل عن أهله في ماشيته، وذلك غيبته عنهم فيها. يقال منه: عزب الرجل عن أهله يعزب ويعزب» .
(4) الحديث في الفائق: 2/ 426، وغريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 91، والنهاية:
3/ 227، وذكره السمين الحلبي في الدر المصون: 6/ 229.
(5) ذكره الطبري في تفسيره: 15/ 140، وقال: «كما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن الملائكة التي تحضره عند خروج نفسه تقول لنفسه: اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه» . وعلق الشيخ محمود محمد شاكر عليه قائلا: «حديث بغير إسناد، لم أستطع أن أجده بلفظه في مكان قريب» .
وأورد ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 44 القول الذي ذكره المؤلف، وعزاه إلى الضحاك، وقتادة، والزهري.
(6) وهي الرؤيا التي يراها المؤمن أو ترى له.
وقد ثبت هذا المعنى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في عدة آثار أخرجها الإمام أحمد في مسنده: (12/ 9، 10) رقم 7044 عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا وصحح الشيخ أحمد شاكر رحمه الله- إسناده.
وهو في المسند أيضا (5/ 315) عن عبادة بن الصامت مرفوعا، و (6/ 447) عن أبي الدرداء مرفوعا.
وأخرجه الترمذي في سننه: (5/ 286، 287) ، كتاب تفسير القرآن، باب «من سورة يونس» .
وابن ماجة في سننه: 2/ 1283، كتاب تعبير الرؤيا، باب «الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» .
والطبري في تفسيره: (15/ 124- 139) .
وانظر تفسير ابن كثير: (4/ 214، 215) ، والدر المنثور: (4/ 374، 375) .
(1/400)

وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78)
65 وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ: كسرت «إن» للاستئناف بالتذكير لما ينفي الحزن، لا لأنها بعد القول لأنها ليست حكاية عنهم «1» .
66 وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ: يجوز «ما» في معنى «أي» «2» ، ويجوز نافية «3» ، أي: لم يتّبعوا حقيقة واتبعوا الظن في الشرك.
71 لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً: مغطى «4» ، أي: أظهروا ما عندكم من طاعة أو معصية.
78 لِتَلْفِتَنا: تصرفنا، لفتّه لفتا «5» .
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 1/ 471، وتفسير الطبري: 15/ 142، والتبيان للعكبري: 2/ 679، والدر المصون: 6/ 233.
(2) بمعنى الاستفهام.
قال الفخر الرازي في تفسيره: 17/ 137: «كأنه قيل: أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، والمقصود تقبيح فعلهم، يعني أنهم ليسوا على شيء» .
وانظر الكشاف: 2/ 244، والتبيان للعكبري: 2/ 680، والدر المصون: 6/ 235.
(3) مشكل إعراب القرآن: 1/ 349، والبيان لابن الأنباري: 1/ 416، وتفسير الفخر الرازي:
17/ 137، والتبيان للعكبري: 2/ 680، وتفسير القرطبي: 8/ 360.
(4) قال الطبري في تفسيره: (15/ 149، 150) : «يقول: ثم لا يكون أمركم عليكم ملتبسا مشكلا مبهما. من قولهم: غمّ على الناس الهلال، وذلك إذا أشكل عليهم فلم يتبينوه ... » .
(5) ينظر معاني القرآن للفراء: 1/ 475، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 280، وتفسير الطبري:
15/ 157.
(1/401)

قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)
77 أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا: تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم إن هذا لسحر مبين، أسحر هذا «1» ؟.
83 إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ: جماعة كانت أمهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط «2» .
85 لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً: لا تعذبنا بأيدي آل فرعون فيظن بنا الضلال «3» .
87 أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً: وذلك إذ هدم فرعون المساجد وبنى [43/ أ] الكنائس يومئذ/ فأمروا أن يصلوا في بيوتهم» .
88 لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ: استفهام «5» ، أي: أليضلوا عن سبيلك
__________
(1) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 29، ورجحه الطبري في تفسيره: (15/ 155، 156) .
(2) هذا قول الفراء في معانيه: 1/ 476.
وأورده الطبري في تفسيره: 15/ 166، فقال: «وقد زعم بعض أهل العربية ... » ، ثم عقب عليه بقوله: «والمعروف من معنى «الذرية» ، في كلام العرب، أنها أعقاب من نسبت إليه من قبل الرجال والنساء، كما قال الله جل ثناؤه: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [سورة الإسراء: 3] ، وكما قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ، ثم قال بعد:
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ [سورة الأنعام: 84، 85] ، فجعل من كان من قبل الرجال والنساء من ذرية إبراهيم» . [.....]
(3) في معاني القرآن للزجاج: 3/ 30: «أي لا تهلكنا وتعذبنا فيظن آل فرعون إنا إنما عذّبنا لأننا على ضلال» .
ونقل ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 54، القول الذي ذكره المؤلف عن مجاهد.
وانظر تفسير القرطبي: 8/ 370.
(4) زاد المسير: 4/ 54، وتفسير القرطبي: 8/ 371.
(5) لم أقف على قول من قال: إن اللام هنا بمعنى الاستفهام، وذكر الفخر الرازي في تفسيره:
17/ 156 وجها قريبا منه وهو: «أن يكون موسى- عليه السلام- ذكر ذلك على سبيل التعجب المقرون بالإنكار، والتقدير: كأنك آتيتهم ذلك الغرض فإنهم لا ينفقون هذه الأموال إلا فيه، وكأنه قال: آتيتهم زينة وأموالا لأجل أن يضلوا عن سبيل الله، ثم حذف حرف الاستفهام» .
ولعل هذا الذي ذكره المؤلف توجيه لقراءة أبي الفضل الرقاشي: «أإنك آتيت» على الاستفهام.
ذكر هذه القراءة الزمخشري في الكشاف: 2/ 250، وأبو حيان في البحر المحيط:
5/ 187 وقال أبو حيان: «واللام في لِيُضِلُّوا الظاهر أنها لام «كي» ، على معنى: آتيتهم ما آتيتهم على سبيل الاستدراج، فكان الإتيان لكي يضلوا.
ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ... » .
(1/402)

قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89)
أعطيتهم ذلك كله؟.
اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ: أذهب نورها وبهجتها «1» .
وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا: خرج على الدعاء من موسى عليهم، ومعناه: فلا آمنوا «2» .
89 وَلا تَتَّبِعانِّ: بتشديد النون وتخفيفها «3» ، وهما نونا التوكيد انكسرت فيهما لمشابهتهما نون «يفعلان» في الخبر بوقوعهما بعد الألف واجتماع ساكنين.
قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ: نلقيك على نجوة «4» من الأرض بدرعك «5» .
__________
(1) قال الزجاج في معانيه: 3/ 31: «وتأويل تطميس الشيء إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كان عليها» .
وانظر المفردات للراغب: 307، وزاد المسير: 4/ 56، وتفسير القرطبي: 8/ 374.
(2) ينظر معاني القرآن للفراء: 1/ 477، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 281، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 31، وتفسير القرطبي: 8/ 375.
(3) بتشديد النون قراءة الجمهور وعليها القراء السبعة إلا ابن عامر فقد نقل عنه التخفيف.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 329، والتبصرة لمكي: 220.
(4) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 281: «نلقيك على نجوة، أي ارتفاع» .
وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 199: «والنّجوة والنّبوة: ما ارتفع من الأرض» .
(5) ذكره النحاس في معانيه: 3/ 315، ونقل الماوردي في تفسيره: 2/ 198 عن أبي صخر قال: كان له درع من حديد يعرف بها» .
وقال الأخفش في معاني القرآن: 2/ 574: «وليس قولهم: «إن البدن ها هنا الدرع بشيء ولا له معنى» .
وانظر تفسير البغوي: 2/ 367، وزاد المسير: 4/ 62، وتفسير القرطبي: 8/ 380.
(1/403)

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94)
لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً: ليرى قدرة الصادق في الربوبية على الكاذب، ولم ير في الغرقى غير فرعون «1» .
93 فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ: الفرائض والأحكام «2» ، أي:
كانوا على الكفر، فلما جاءهم العلم من جهة الرسول والكتاب اختلفوا فآمن فريق وكفر فريق.
وقيل «3» : كانوا على الإقرار بمحمد- عليه السّلام- قبل مبعثه بصفته فما اختلفوا حتى جاءهم معلوم العلم به.
94 فَإِنْ كُنْتَ: أيها السامع، فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ: على لسان نبينا فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ.
ومن قال إن الخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم فذلك على قسمة الكلام وقضية الخطاب «4» .
__________
(1) ذكره النحاس في معاني القرآن: 3/ 315.
(2) فيكون المراد ببني إسرائيل هنا الذين كانوا قبل موسى عليه السلام ثم عاصروه.
وقد ذكر الفخر الرازي نحو هذا القول في تفسيره: 17/ 165 فقال: «والمراد أن قوم موسى عليه السلام بقوا على ملة واحدة ومقالة واحدة من غير اختلاف حتى قراء التوراة، فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع الاختلاف بينهم. ثم بين تعالى أن هذا النوع من الاختلاف لا بد وأن يبقى في دار الدنيا، وأنه تعالى يقضي بينهم يوم القيامة» .
(3) ذكره الفراء في معاني القرآن: 1/ 478، والطبري في تفسيره: 15/ 199، ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 198 عن ابن بحر وابن جرير الطبري.
وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 63 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر المحرر الوجيز: (7/ 216، 217) ، وتفسير القرطبي: 8/ 381.
(4) لعله يريد أن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، والمراد به غيره من الشاكين وقد ذكر ابن قتيبة هذا القول في تأويل مشكل القرآن: (270- 272) ، ورجحه وقال: «لأن القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلهم، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء ويريدون غيره، ولذلك يقول متمثلهم: إياك أعني واسمعي يا جارة.
ومثله قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً الخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم، والمراد بالوصية والعظة المؤمنون، يدلك على ذلك أنه قال:
وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ولم يقل: «بم تعمل خبيرا» . ورجح الزجاج هذا القول في معاني القرآن: 3/ 32، وابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 217، والفخر الرازي في تفسيره: 17/ 167.
(1/404)

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)
100 أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ: بعلمه أو بتمكينه وإقداره، وأصل «الإذن» «1» الإطلاق في الفعل «2» .
101 قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: أي: من العبر باختلاف اللّيل والنّهار، ومجرى النجوم والأفلاك، ونتاج الحيوان، وخروج الزرع والثمار، ووقوف السماوات والأرض بغير عمد.
وَما تُغْنِي الْآياتُ: «ما» يجوز نافية «3» ، ويجوز استفهاما، أي: أيّ شيء يغنى عنهم إذا لم يستدلوا بها؟.
109 وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ: يأمرك بالهجرة والجهاد.
__________
(1) في «ج» : على الأصل في الإذن الإطلاق في الفعل.
(2) التعريفات للجرجاني: 16. [.....]
(3) قال أبو حيان في البحر المحيط: 5/ 194: «و «ما» الظاهر أنها للنفي، ويجوز أن تكون استفهاما، أي: وأيّ شيء تغني الآيات، وهي الدلائل، وهو استفهام على جهة التقرير، وفي الآية توبيخ لحاضري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المشركين» .
وانظر المحرر الوجيز: 7/ 226، وتفسير الفخر الرازي: 17/ 177، والتبيان للعكبري:
2/ 686، وتفسير القرطبي: 8/ 386، والدر المصون: 6/ 271.
(1/405)

الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)
ومن سورة هود
1 أُحْكِمَتْ: بالأمر والنهي، ثُمَّ فُصِّلَتْ: بالوعد والوعيد «1» ، أو أحكمت آياته من الباطل ثم فصلت بالأحكام «2» .
2 أَلَّا تَعْبُدُوا: فصلت لئلا تعبدوا «3» .
[43/ ب] 3 وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ: من الذنوب السالفة ثم توبوا من/ الآنفة، أو اطلبوا المغفرة ثم توصّلوا «4» إليها بالتوبة، فالمغفرة أول في الطلب وآخر في السبب «5» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (15/ 225، 226) عن الحسن.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 3/ 327، والماوردي في تفسيره: 2/ 202 عن الحسن.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 399، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن الحسن رحمه الله.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 226 عن قتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 399، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة رحمه الله.
(3) معاني القرآن للفراء: 2/ 3، وتفسير الطبري: 15/ 228، والمحرر الوجيز: 7/ 235.
(4) في «ج» : توسلوا.
(5) الوجهان في تفسير الماوردي: 2/ 203، ونص كلام الماوردي هناك:
«أحدهما: استغفروه من سالف ذنوبكم ثم توبوا إليه من المستأنف متى وقع منكم.
قال بعض الصلحاء: الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين.
الثاني: أنه قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب والتوبة هي السبب إليها، فالمغفرة أول في الطلب وآخر في السبب» .
وانظر هذا المعنى في زاد المسير: 4/ 75، وتفسير الفخر الرازي: (17/ 188، 189) ، وتفسير القرطبي: 9/ 3.
(1/406)

أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
5 يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ: الثني: الإخفاء، ثناه يثنيه، أي: يكتمون ما في صدورهم «1» .
وروى هشيم «2» عن عبد الله بن شدّاد «3» قال: كان أحدهم إذا مرّ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثنى صدره وتغشّى بثوبه حتى لا يراه النبي «4» عليه السلام.
6 وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها: حياتها وموتها «5» .
7 وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ: بنية ما بناه، وذلك أعجب «6» .
وأصل العرش «7» خشبات توضع عليها ثمام «8» يستظل بها الساقي والضال.
__________
(1) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 201، والكشاف: 2/ 258، وزاد المسير: 4/ 77، وتفسير القرطبي: 9/ 5.
(2) هو هشيم- بضم الهاء-، ابن بشير- بفتح الباء وكسر الشين المعجمة- بن القاسم بن دينار السّلمي، أبو معاوية الواسطي.
ترجم له الحافظ في التقريب: 574، وقال: «ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين، وقد قارب الثمانين» .
وانظر ترجمته في تاريخ بغداد: 14/ 85، وتذكرة الحفاظ: 1/ 248، وسير أعلام النبلاء:
8/ 287.
(3) هو عبد الله بن شدّاد بن الهاد اللّيثي، أبو الوليد، المدني ثم الكوفي ولد في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم، ومات بالكوفة مقتولا سنة إحدى وثمانين للهجرة، وقيل بعدها، ذكره العجلي من كبار التابعين الثقات.
ترجمته في سير أعلام النبلاء: 3/ 488، وتقريب التهذيب: 307.
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 234.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 400، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن عبد الله بن شداد.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 243 عن الربيع بن أنس.
(6) قال الفخر الرازي في تفسيره: 17/ 195: «فإن البناء الضعيف إذا لم يؤسس على أرض صلبة لم يثبت، فكيف بهذا الأمر العظيم إذا بسط على الماء» .
(7) تهذيب اللغة: 1/ 414، واللسان: 6/ 315 (عرش) .
(8) المراد ب «الثمام» : العيدان قال الجوهري: «الثمام: نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، وربما حشي وسدّ به خصاص البيوت، الواحدة ثمامة» .
الصحاح: 5/ 1881 (ثمم) ، وانظر اللسان: 12/ 81 (ثمم) . [.....]
(1/407)

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15)
لِيَبْلُوَكُمْ: أنه خلق الخلق ليظهر إحسان المحسن فهو الغرض من الخلق.
8 إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ: أجل محدود «1» ، وبلغة أزد شنوءة: سنين معلومة «2» .
12 فَلَعَلَّكَ تارِكٌ: أي: لعظم ما يرد عليك من تخليطهم يتوهّم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربك «3» .
وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ: أحسن من «ضيّق» لأنه عارض، ولأنه أشكل ب «تارك» .
14 فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ: الخطاب للمؤمنين، أي: لم يجبكم الكافرون إلى ما تحدثوهم.
ويجوز الخطاب للمشركين، أي: لم يستجب لكم من دعوتموه ليعينكم.
فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ: أنه حق من عنده.
وقيل: بِعِلْمِ اللَّهِ: بمواقع تأليفه في علوّ طبقته.
15 نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ: أي: من أراد الدنيا وفّاه الله ثواب حسناته
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 285، وتفسير الطبري: (15/ 252، 253) ، ومعاني الزجاج: 3/ 40، وتفسير البغوي: 2/ 375، وتفسير القرطبي: 9/ 9.
(2) ينظر كتاب لغات القبائل الواردة في القرآن لأبي عبيد: 131.
(3) نص هذا القول في زاد المسير: 4/ 82.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 249: «سبب هذه الآية أن كفار قريش قالوا:
يا محمد، لو تركت سب آلهتنا وتسفيه آبائنا لجالسناك واتبعناك. قالوا: ايت بقرآن غير هذا أو بدله، ونحو هذا من الأقوال، فخاطب الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وسلّم على هذه الصورة من المخاطبة، ووقفه بها توقيفا رادا على أقوالهم ومبطلا لها، وليس المعنى أنه صلّى الله عليه وسلّم همّ بشيء من هذا فزجر عنه، فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحى إليه، ولا ضاق صدره، وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم وأفعالهم وبعدهم عن الإيمان» .
(1/408)

أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)
في الدنيا، وهو أن يصل الكافر رحما، أو يعطي سائلا فيجازى بسعة في الرزق.
16 وَحَبِطَ ما صَنَعُوا: فسد، حبط بطنه: فسد بالمطعم الوبيء «1» .
17 أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ: أي: القرآن «2» ، أو ما ركز في العقل من دلائل التّوحيد «3» .
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ: ما تضمنه القرآن فهو شاهد العقل، وعلى [القول] «4» الأول ما تضمنه العقل فهو شاهد القرآن «5» .
19 وَيَبْغُونَها عِوَجاً: يريدون غير الإسلام دينا «6» ، أو يؤولون القرآن تأويلا باطلا «7» .
20 ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ: استماع الحق، بغضا له.
22 لا جَرَمَ: لا بد «8» ، والجرم: القطع، / أي: لا قاطع عنه ولا مانع [44/ ا] أنهم في الآخرة هم الأخسرون.
23 وَأَخْبَتُوا: اطمأنوا عن خشوع «9» .
__________
(1) الصحاح: 3/ 1118، واللسان: 7/ 270 (حبط) .
(2) ذكر الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 206، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 85 عن عبد الرحمن بن زيد.
وذكره الفخر الرازي في تفسيره: 17/ 209 دون عزو.
(3) ذكر نحوه الماوردي في تفسيره: 2/ 206 عن ابن بحر.
(4) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(5) تفسير الماوردي: 2/ 207، والمحرر الوجيز: 7/ 258، وزاد المسير: 4/ 86، وتفسير القرطبي: 9/ 17.
(6) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 208 عن أبي مالك.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 413، وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن أبي مالك أيضا.
(7) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 208 عن علي بن عيسى.
(8) معاني القرآن للفراء: 2/ 8، وتفسير الماوردي: 2/ 208، وزاد المسير: 4/ 91.
(9) معاني القرآن للفراء: 2/ 9، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 286، وتفسير الطبري:
15/ 290، وتفسير القرطبي: 9/ 21.
(1/409)

أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)
26 إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ: وإن كان عذاب الكافر يقينا لأنه لا يدرى إلى أي شيء يؤول حالهم من إيمان أو كفر، وهذا الوجه ألطف وأقرب في الدعوة.
27 بادِيَ «1» الرَّأْيِ: أول الرأي، وبغير الهمز ظاهر الرأي، ونصبه على الظرف، أي: في بادئ الرأي، ويجوز ظرفا «2» للرؤية وللأتباع وللأرذال.
29 وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: أي الذين قيل لهم «الأرذال» ، لأنهم ملاقو ربهم «3» .
34 إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ: مجازاة على كفركم، أو يحرمكم من رحمته «4» .
36 فَلا تَبْتَئِسْ: لا تحزن ولا تأسف، من «البأساء» «5» .
37 وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا: بحفظنا «6» ، حفظ من يعاين، وَوَحْيِنا:
__________
(1) بالهمز قراءة أبي عمرو، وقرأ باقي السبعة بادِيَ الرَّأْيِ بغير همز.
السبعة لابن مجاهد: 332، والتبصرة لمكي: 222.
وانظر توجيه القراءتين في: معاني الفراء: 2/ 11، ومجاز أبي عبيدة: 1/ 287، والكشف لمكي: 1/ 526، والبحر المحيط: 5/ 215.
(2) المحرر الوجيز: 7/ 272، والبيان لابن الأنباري: 2/ 11، والتبيان للعكبري: 2/ 695، والبحر المحيط: 5/ 215، والدر المصون: (6/ 310، 311) . [.....]
(3) قال الماوردي في تفسيره: 2/ 210: «يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون قال ذلك على وجه الإعظام لهم بلقاء الله تعالى.
الثاني: على وجه الاختصام بأني لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله» .
(4) تفسير الفخر الرازي: (17/ 227، 228) .
(5) قال الطبري في تفسيره: 15/ 306: «وهو «تفتعل» من «البؤس» ، يقال: ابتأس فلان بالأمر يبتئس ابتئاسا» .
وفي اللسان: 6/ 21 (بأس) : «والبأساء والمبأسة: كالبؤس» .
وانظر مفردات الراغب: 66.
(6) ينظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 50، وتفسير الماوردي: 2/ 212.
(1/410)

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)
تعليمنا وأمرنا «1» .
40 وَفارَ التَّنُّورُ: فار الماء من مكان النار آية للعذاب «2» .
وقيل «3» : التنور وجه الأرض من «تنوير الصبح» «4» ، فكما أن الصبح إذا نور طبق الآفاق، فكذلك ذلك الماء.
وقيل: إنه مثل شدة غضب الله عليهم، كقوله عليه السلام: «الآن
__________
(1) عن تفسير الماوردي: 2/ 212، ونص كلام الماوردي هناك: وَوَحْيِنا فيه وجهان:
أحدهما: وأمرنا لك أن تصنعها.
الثاني: وتعليمنا لك كيف تصنعها» .
وأخرج الطبري في تفسيره: 15/ 309 عن مجاهد في قوله تعالى: وَوَحْيِنا قال: كما نأمرك.
وانظر المحرر الوجيز: 7/ 288، وزاد المسير: 4/ 101.
(2) ذكر المؤلف- رحمه الله- هذا القول في وضح البرهان: 1/ 434 عن مجاهد.
وفي معاني الفراء: 2/ 14: «إذا فار الماء من أحرّ مكان في دارك فهي آية للعذاب فأسر بأهلك» .
(3) أخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 318 عن ابن عباس، وعكرمة، والضحاك.
وذكره الزجاج في معاني القرآن: 3/ 51، والنحاس في معانيه: 3/ 348، ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 214 عن ابن عباس، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 105 عن ابن عباس، وعكرمة، والزهري.
ووصفه ابن كثير في تفسيره: 4/ 254 بأنه أظهر.
(4) ظاهر هذا الكلام أنه متعلق بما قبله، وهو قول آخر كما أخرجه الطبري في تفسيره:
(15/ 318، 319) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونقله الماوردي في تفسيره:
2/ 214 عن علي أيضا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 423، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ، وابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه.
وعقّب النحاس على هذه الأقوال بقوله: «وهذه الأقوال ليست بمتناقضة، لأن الله قد خبرنا أن الماء قد جاء من السماء والأرض، فقال: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً.
فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة» .
انظر معاني القرآن: 3/ 348.
(1/411)

وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)
حمي الوطيس» «1» .
مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ: أي: ذكر وأنثى في حال ازدواجهما، والزوج واحد له شكل، والاثنان زوجان، تقول: عندي زوجان من الخفّ «2» .
41 مَجْراها وَمُرْساها: إجراؤها وإرساؤها، بمعنى المصدر «3» ، أو بمعنى الوقت «4» كالممسي والمصبح، ولم يجز «مرسيها» «5» بالفتح وإن قريء «مجريها» «6» لأن السفينة تجري ولا ترسو إلا إذا أرساها الملّاح.
__________
(1) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: 3/ 1399، كتاب الجهاد والسير، باب «في غزوة حنين» واللفظ فيه: «هذا حين حمي الوطيس» .
وقال القاضي عياض في مشارق الأنوار: 2/ 285: «وقوله: حمي الوطيس هو التنور، واستعاره لشدة الحرب، ويقال إنه من كلامه الذي لم يسبق إليه صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله» .
(2) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 51، ونص كلامه: «أي من كل شيء، والزوج في كلام العرب واحد ويجوز أن يكون معه واحد، والاثنان يقال لهما: «زوجان» ، يقول الرجل:
عليّ زوجان من الخفاف، وتقول: عندي زوجان من الطير، وإنما تريد ذكرا أو أنثى فقط» .
وانظر تفسير الطبري: (15/ 322، 323) ، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 349، وزاد المسير: 4/ 106.
(3) بمعنى المصدر الميمي ذي الأصل الرباعي من أجريته مجرى وإجراء.
(4) على الظرفية، والتقدير: اركبوا فيها مسمّين وقت جريانها ورسوها.
وهذا التوجيه والذي قبله على قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وأبي بكر عن عاصم، بضم الميمين في «مجراها ومرساها» .
السبعة لابن مجاهد: 333، والتبصرة لمكي: 223.
وانظر توجيه هذه القراءة في معاني القرآن للزجاج: 3/ 52، وإعراب القرآن للنحاس:
2/ 283، والكشف لمكي: 1/ 528، والبحر المحيط: 5/ 225، والدر المصون:
6/ 325.
(5) أي لا يجوز إمالة الياء في «مرسيها» ، لأن أصل الألف واو بخلاف «مجريها» فإن أصل الألف ياء.
قال مكي في الكشف: 1/ 528: «وقد أجمعوا على الضم في «مرساها» من «أرسيت» ... » .
(6) بفتح الميم والإمالة، وهي قراءة حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص.
السبعة لابن مجاهد: 333، والتبصرة لمكي: 223، والتيسير للداني: 124. [.....]
(1/412)

وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)
42 وَكانَ فِي مَعْزِلٍ: أي من السفينة «1» ، وهو الموضع المنقطع عن غيره.
ارْكَبْ مَعَنا: دعاه إلى الركوب لأنه كان ينافق بإظهار الإيمان، أو دعاه على شريطة الإيمان.
44 يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ: تشرّبي «2» في سرعة بخلاف العادة فهو أدلّ على القدرة وأشد في العبرة.
وَيا سَماءُ أَقْلِعِي: لا تمطري «3» ، وَغِيضَ الْماءُ: نقص، غاض الماء وغضته «4» .
46 إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ: ذو عمل «5» ، أو عمله عمل غير صالح «6» ، أو سؤالك هذا غير صالح «7» .
__________
(1) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 54: «وقال: «يجوز أن يكون كان في معزل من دينه، أي: دين أبيه. ويجوز أن يكون- وهو أشبه- أن يكون في معزل من السفينة» .
وانظر هذا القول في معاني القرآن للنحاس: 3/ 352، وزاد المسير: 4/ 110.
(2) تفسير الطبري: 15/ 334، والمحرر الوجيز: 7/ 305.
(3) تفسير الطبري: 15/ 334، وتفسير الماوردي: 2/ 216، وزاد المسير: 4/ 111.
قال الماوردي: «من قولهم: أقلع عن الشيء إذا تركه» .
(4) غريب القرآن وتفسيره لليزيدي: 174، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 204، ومعاني الزجاج: 3/ 55، والمفردات للراغب: 368.
(5) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 3/ 55، والنحاس في معانيه: 3/ 355.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 114 عن الزجاج.
قال الآلوسي في روح المعاني: 12/ 69: «وأصله إنه ذو عمل فاسد، فحذف «ذو» للمبالغة بجعله عين عمله لمداومته عليه، ولا يقدّر المضاف لأنه حينئذ تفوت المبالغة المقصودة منه ... » .
(6) ذكره النحاس في معاني القرآن: 3/ 355 دون عزو.
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 347 عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وإبراهيم، ورجحه الطبري.
وكذا النحاس في معانيه: 3/ 355، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 114.
(1/413)

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)
[44/ ب] وقراءة عَمَلٌ «1» غَيْرُ صالِحٍ: فعل سوءا/.
50 ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ: أبو عمرو «2» يختار حمل الصّفة على الموضع «3» لأن فيها معنى الاستثناء، كأنه: مالكم إلا هو، أي: لكم هو.
56 إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: على الحق والعدل «4» ، أو فيه حذف أي: يدل على صراط مستقيم «5» .
59 وَعَصَوْا رُسُلَهُ: لأن الرسل قد قامت عليهم حجة دعوتهم، وأنهم عصوا هودا «6» .
__________
(1) «عمل» بفتح العين، وكسر الميم، وفتح اللام، و «غير» بفتح الراء وهي قراءة الكسائي كما في السبعة لابن مجاهد: 334، والتبصرة لمكي: 223، والتيسير للداني: 125.
(2) أبو عمرو بن العلاء: (70- 154 هـ) .
هو زبان بن عمار التميمي البصري، أبو عمرو.
الإمام اللغوي الأديب، أحد القراء السّبعة.
أخباره في طبقات النحويين للزبيدي: 35، ووفيات الأعيان: 3/ 466، ومعرفة القراء الكبار: 1/ 100.
(3) قرأ أبو عمرو برفع «غير» ، وكذا باقي السبعة إلا الكسائي فقد قرأ بالخفض.
السبعة لابن مجاهد: 284، وحجة القراءات: 286، والتبصرة لمكي: 203.
قال العكبري في التبيان: 1/ 577: «و «غيره» بالرفع فيه وجهان:
أحدهما: هو صفة ل «إله» على الموضع.
والثاني: هو بدل من الموضع، مثل: لا إله إلا الله» .
وانظر مشكل إعراب القرآن: 1/ 367، والكشف لمكي: 1/ 467، والبحر المحيط:
4/ 320.
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 364 عن مجاهد.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 3/ 359، والماوردي في تفسيره: 2/ 218، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 118 عن مجاهد أيضا.
(5) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 118، والفخر الرازي في تفسيره: 18/ 14 دون عزو.
(6) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 327: «وذلك أن في تكذيب رسول واحد تكذيب سائر الرسل وعصيانهم، إذ النبوات كلها مجمعة على الإيمان بالله والإقرار بربوبيته» .
(1/414)

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)
61 وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها: جعلكم عمّارها «1» ، فيدل على أن الله يريد عمارة الأرض لا التبتل.
وقيل «2» : جعلها لكم مدة أعماركم، بمعنى: أعمره داره عمرى «3» .
وقيل «4» : أطال أعماركم فيها بمنزلة عمّركم، وكانت ثمود طويلة الأعمار، فاتخذوا البيوت من الجبال.
63 إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي: جواب إِنْ فاء فَمَنْ يَنْصُرُنِي، وجواب إِنْ الثانية مستغنى عنه بالأول بتقدير: إن عصيته فمن ينصرني؟! ومعنى الكلام: أعلمتم من ينصرني من الله إن عصيته بعد بينة من ربي ونعمة.
فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ: أي: غير تخسيري لو اتّبعت دين آبائكم، أو غير تخسيركم حيث «5» أنكرتم تركي دينكم.
67 جاثِمِينَ: هلكى ساقطين على الوجوه والركب «6» .
69 قالُوا سَلاماً: سلمت سلاما، قالَ سَلامٌ: أي: وعليكم سلام «7» .
__________
(1) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 291، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير:
4/ 123 عن أبي عبيدة. والقرطبي في تفسيره: 9/ 56. [.....]
(2) ذكره الطبري في تفسيره: 15/ 368، والماوردي في تفسيره: 2/ 218 عن مجاهد.
وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 123.
(3) في تفسير الطبري: «من قولهم: «أعمر فلان فلانا داره، وهي له عمرى» و «عمرى» بضم العين وسكون الميم، مصدر مثل «رجعي» .
يقال: أعمره الدار إذا جعله يسكن الدار مدة عمره.
اللسان: 4/ 603 (عمر) .
(4) نقله الماوردي في تفسيره: 2/ 218 عن الضحاك، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير:
4/ 123، والقرطبي في تفسيره: 9/ 56.
(5) في «ج» : حين.
(6) عن تفسير الماوردي: 2/ 219، وينظر تفسير الطبري: 15/ 381، وتحفة الأريب: 89.
(7) تفسير الطبري: 15/ 382.
(1/415)

فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)
و «الحنيذ» »
المشوي بالرّضاف «2» حتى يقطر عرقا، من حناذ الخيل، وهو أن يظاهر عليها جلّ «3» فوق جلّ لتعرق.
70 وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً: أحسّ وأضمر «4» لأنه رآهم شبّانا أقوياء ولم [يتحرمون] «5» بطعامه؟ وكان ينزل طرفا بمنزلة الأشراف بالأطراف.
71 فَضَحِكَتْ: تعجّبا من غرّة قوم لوط «6» ، أو من إحياء العجل الحنيذ «7» ، أو سرورا بالولد- على التقديم والتأخير- أي: فبشرناها فضحكت «8»
__________
(1) ينظر مجاز القرآن: 1/ 292، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 205، وتفسير الطبري:
15/ 383، ومعاني الزجاج: 3/ 61، واللسان: 3/ 484 (حنذ) .
(2) الرّضف: الحجارة التي حميت بالشمس أو النار.
اللسان: 9/ 121 (رضف) .
(3) الجلّ: بضم الجيم، ما تلبس الدابة لتصان به.
الصحاح: 4/ 1658، واللسان: 11/ 119 (جلل) .
(4) تفسير الطبري: 15/ 389، ومعاني الزجاج: 3/ 61، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 363.
(5) في الأصل ونسخة «ك» : «يتحرموا» ، والمثبت في النص هو الصواب، ولعل الناسخ قرأها «لم» فجزم الفعل.
(6) أي من غفلتهم ومما أتاهم من العذاب.
وقد أخرج عبد الرزاق هذا القول في تفسيره: 239، والطبري في تفسيره: 15/ 390 عن قتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 451 وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة.
ورجح الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 394 فقال: «وأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى قوله: فَضَحِكَتْ، فعجبت من غفلة قوم لوط عمّا قد أحاط بهم من عذاب الله وغفلتهم عنه.
وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب، لأنه ذكر عقيب قولهم لإبراهيم: لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ، فإذا كان ذلك كذلك، وكان لا وجه للضحك والتعجب من قولهم لإبراهيم: لا تَخَفْ، كان الضحك والتعجب إنما هو من أمر قوم لوط» .
(7) أورده الماوردي في تفسيره: 2/ 223 عن عون بن أبي شداد، والفخر الرازي في تفسيره:
18/ 27 دون عزو.
(8) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 22، والطبري في تفسيره: 15/ 391.
وقال النحاس في معانيه: 3/ 364: «وهذا القول لا يصح، لأن التقديم والتأخير لا يكون في الفاء» . [.....]
(1/416)

قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)
أو ضحكت لسرورها بأمن زوجها فأتبعوها بسرور آخر وهو البشارة بالولد «1» .
ومن قال إن «ضحكت» : حاضت «2» ، فلعله من ضحاك الطّلعة «3» انشقاقها «4» .
فإنما حاضت لروعة ما سمعت من العذاب، أو حاضت مع الكبر لتوقن بالولد «5» .
72 قالَتْ يا وَيْلَتى: على عادة النساء إذا عجبن، وألف وَيْلَتى ألف
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 2/ 22، وتفسير الطبري: 15/ 392 ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 131 عن الفراء.
(2) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: 239 عن عكرمة، وذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن:
205 عن عكرمة أيضا.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 392 عن مجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 451، وعزا إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال الفراء في معانيه: 2/ 22: «وأما قوله: فَضَحِكَتْ: حاضت فلم نسمعه من ثقة» .
وقال الزجاج في معاني القرآن: 3/ 62: «فأما من قال: ضحكت: حاضت، فليس بشيء» .
ووصفه النحاس في معانيه: 3/ 364 بقوله: «وهذا قول لا يعرف ولا يصح» .
(3) في «ج» : الكمامة.
(4) جاء في اللسان: 10/ 460 (ضحك) : «والضّحك: طلع النخل حين ينشق، وقال ثعلب:
هو ما في جوف الطلعة ... » .
(5) قال الماوردي في تفسيره: 2/ 222: «فإن حمل تأويله على الحيض ففي سبب حيضها وجهان:
أحدهما: أنه وافق عادتها فخافت ظهور دمها وأرادت شدادة فتحيرت مع حضور الرسل.
والقول الثاني: ذعرت وخافت فتعجل حيضها قبل وقته، وقد تتغير عادة الحيض باختلاف الأحوال وتغير الطباع.
ويحتمل قولا ثالثا: أن يكون الحيض بشيرا بالولادة لأن من لم تحض لا تلد» .
(1/417)

قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)
ندبة «1» ، أو منقلبة من ياء الإضافة «2» .
[45/ أ] 73 أَتَعْجَبِينَ: ألف تنبيه في صيغة الاستفهام، / ولم يجز التعجب من أمر الله إذا عرف سببه وهو قدرته على كل شيء.
رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ: دعاء لهم، أو تذكير بذلك عليهم «3» .
74 يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ: يراجع القول فيهم مع رسلنا «إنّ فيها لوطا» «4» .
و «الأوّاه» «5» : كثير التأوّه من خوف الله «6» ، وقيل «7» : كثير الدعاء.
«حليم» : كان- عليه السّلام- يحتمل ممن آذاه ولا يتسرع إلى مكافأته.
77 ذَرْعاً: أي: وسعا «8» ، وذرع النّاقة: خطوها، ومذارعها:
قوائمها «9» .
__________
(1) اختاره الطبري في تفسيره: 15/ 399.
(2) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 3/ 63، وقال: «والأصل: «يا ويلتي» فأبدل من الياء والكسرة الألف، لأن الفتح والألف أخف من الياء والكسرة» .
واختاره النحاس في إعراب القرآن: 2/ 293، والزمخشري في الكشاف: 2/ 281، وابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 348، وأبو حيان في البحر المحيط: 5/ 244.
(3) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 351: «يحتمل اللّفظ أن يكون دعاء وأن يكون إخبارا، وكونه إخبارا أشرف، لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد» .
وينظر تفسير البغوي: 2/ 393، وزاد المسير: 4/ 133، وتفسير القرطبي: 9/ 71.
(4) هذا بعض آية: 32 من سورة العنكبوت.
(5) من قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [آية: 75] .
(6) معاني القرآن للفراء: 2/ 23، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 193، ومعاني الزجاج:
3/ 65.
(7) رجحه الطبري في تفسيره: 14/ 532، وذكره الزجاج في معاني القرآن: 2/ 473.
(8) المحرر الوجيز: 7/ 357، وزاد المسير: 4/ 136، وتذكرة الأريب: 1/ 252، وتفسير القرطبي: 9/ 74.
(9) في اللسان: 8/ 95 (ذرع) : «مذراع الدابة: قائمتها تذرع بها إلى الأرض، ومذرعها: ما بين ركبتها إلى إبطها ... » . [.....]
(1/418)

وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78)
يَوْمٌ عَصِيبٌ: عصيب بالشر. عصب يومنا يعصب عصابة «1» .
78 يُهْرَعُونَ: يسرعون «2» من الأفعال التي يرفع فيها الفعل بالفاعل، ومثله: أولع وأرعد وزهي «3» .
وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: ألفوا الفاحشة فجاهروا بها.
هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ: لو تزوجتم بهن «4» ، أو أراد نساء أمّته.
وكلّ نبيّ أبو أمّته وأزواجه أمّهاتهم «5» .
__________
(1) عن غريب القرآن وتفسيره لليزيدي: 177، وتفسير الطبري: 15/ 409.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: (7/ 357، 358) : «و «عصيب» بناء اسم فاعل معناه:
يعصب الناس بالشر كما يعصب الخابط السّلمة (ضرب من الشجر) إذا أراد خبطها ونفض ورقها ... ف «عصيب» بالجملة: في موضع شديد وصعب الوطأة» .
وانظر تفسير القرطبي: 9/ 74، والدر المصون: 6/ 361.
(2) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 206: «يقال: أهرع الرجل: إذا أسرع على لفظ ما لم يسم فاعله، كما يقال: أرعد.
ويقال: جاء القوم يهرعون، وهي رعدة تحل بهم حتى تذهب عندها عقولهم من الفزع والخوف إذا أسرعوا» .
(3) زاد المسير: 4/ 137، وتفسير الفخر الرازي: 18/ 32، وتفسير القرطبي: 9/ 75، وفي تهذيب اللّغة: 6/ 371: «زهى فلان: إذا أعجب بنفسه» .
(4) قال الماوردي في تفسيره: 2/ 226: «فإن قيل كيف يزوجهم ببناته مع كفر قومه وإيمان بناته؟ قيل عن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه كان في شريعة لوط يجوز تزويج الكافر بالمؤمنة، وكان هذا في صدر الإسلام جائزا حتى نسخ، قاله الحسن.
الثاني: أنه يزوجهم على شرط الإيمان كما هو مشروط بعقد النكاح.
الثالث: أنه قال ذلك ترغيبا في الحلال وتنبيها على المباح ... » .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 67، ومعاني النحاس: 3/ 368، وتفسير الفخر الرازي:
18/ 34.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 414 عن مجاهد.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 3/ 368، والماوردي في تفسيره: 2/ 226 عن مجاهد أيضا.
وهذا القول باطل من وجوه:
الأول: النبي ليس أبا لأمته ولا أزواجه أمهاتهم وإنما هو أب للمؤمنين وأزواجه أمهات للمؤمنين.
الثاني: عرضه بناته عليهم ليس على إطلاقه وإنما هو تنبيه إلى الحلال بشرطه.
الثالث: أن قوله: بَناتِي لا يلزم منه أن تكفي للجميع، وإنما تنبيه إلى الفطرة التي خلق الإنسان عليها لحفظ النسل وبدأ ببناته للترغيب والتنبيه إلى الفطرة التي تجاهلوها بعصيانهم وفسوقهم، وهي كما تتحقق في بناته تتحقق في سائر البنات لكن بالنسبة لبناته هو المالك لعصمتهن فبدأ بهن. وكيف يدعى أبوة لا يسلم الخصم بأبوته، ومن يريد إحجاج خصمه فلا بد أن يبدأ بمقدمة مسلمة منه ليبني عليها حكمه، وإلّا لقالوا: ومن أعطاك هذا الحق؟.
ويؤيد ذلك أيضا قولهم: «ما لنا في بناتك من حق» وإلا فقالوا: وهل هن بناتك حتى تعرضهن علينا؟ ويكون فيه أيضا إجراء الحق على ظاهره دون حاجة إلى تأويل.
وينظر أضواء البيان: (3/ 34، 35) .
(1/419)

قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)
79 ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ: من حاجة «1» ، فجعلوا تناول ما لا حاجة فيه كتناول ما لا حق فيه.
80 رُكْنٍ شَدِيدٍ: عشيرة منيعة «2» .
81 بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ: نصف الليل، كأنه قطع بنصفين «3» .
وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ: أي: إلى ماله ومتاعه لئلا يفترهم عن
__________
(1) تفسير الماوردي: 2/ 227، وزاد المسير: 4/ 139.
قال الفخر الرازي في تفسيره: 18/ 35: «وفيه وجوه:
الأول: ما لنا في بناتك من حاجة ولا شهوة، والتقدير أن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق، فلهذا السبب جعل نفي الحق كناية عن نفي الحاجة.
الثاني: أن نجري اللفظ على ظاهره، فنقول: معناه إنهن لسن لنا بأزواج ولا حق لنا فيهن ألبتة. ولا يميل أيضا طبعنا إليهن فكيف قيامهن مقام العمل الذي نريده وهو إشارة إلى العمل الخبيث.
الثالث: ما لنا في بناتك من حق لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نجيبك إلى ذلك فلا يكون لنا فيهن حق» .
(2) معاني القرآن للفراء: 2/ 24، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 294، وتفسير الطبري:
15/ 418، وتفسير الماوردي: 2/ 227، وتفسير الفخر الرازي: 18/ 36.
(3) عن تفسير الماوردي: 2/ 228.
وانظر تفسير الفخر الرازي: 18/ 37، وتفسير القرطبي: 9/ 80.
(1/420)

فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)
الخروج «1» ، وإلا ففي لفتة النّظر عبرة.
82 سِجِّيلٍ: حجارة صلبة «2» ، قيل: إنها معربة «سنك» و «كل» «3» ، بل هو «فعيل» مثل السّجل في الإرسال «4» .
والسّجل: الدّلو «5» ، وقيل: من أسجلته: أرسلته من السّجل والإرسال «6» .
مَنْضُودٍ: نضد: جمع «7» .
83 مُسَوَّمَةً: معلمة باسم من يرمى به «8» .
__________
(1) ذكر الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 228، وقال: «حكاه علي بن عيسى» .
وانظر تفسير الفخر الرازي: 18/ 37، وتفسير القرطبي: 9/ 80.
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 296، وتفسير الطبري: 15/ 433، وتفسير الماوردي:
2/ 230.
(3) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 207، وتفسير الطبري: 15/ 433.
وينظر المعرّب للجواليقي: 229، والمهذّب للسيوطي: 96.
(4) ذكره الطبريّ في تفسيره: 15/ 435.
وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: «والذي أراه أرجح وأصح، أنها عربية، لأنها لو كانت معرّبة عن «سنك» و «كل» بمعنى: حجارة وطين، لما جاءت وصفا للحجارة، لأن لفظها حينئذ يدل على الحجارة، فلا يوصف الشيء بنفسه» .
راجع هامش المعرّب: 229.
(5) في تهذيب اللغة للأزهري: 10/ 584: «وهو الدّلو ملآن ماء، ولا يقال له وهو فارغ:
سجل ولا ذنوب» .
وانظر اللسان: 11/ 325 (سجل) .
(6) تهذيب اللّغة: 10/ 586، واللسان: 11/ 326 (سجل) .
وفي تفسير الماوردي: 2/ 230: «يقال: أسجلته أي: أرسلته، ومنه سمي الدلو سجلا لإرساله في البئر فكأن «السجيل» هو المرسل عليهم» . [.....]
(7) ينظر غريب القرآن لليزيدي: 177، ومعاني النحاس: 3/ 371، والصحاح: 2/ 544، واللسان: 3/ 424 (نضد) .
(8) نقله ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 146، والفخر الرازي في تفسيره: 18/ 40 عن الربيع.
وذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 230، وابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 373، والقرطبي في تفسيره: 9/ 83، وابن كثير في تفسيره: 4/ 271 دون عزو.
(1/421)

عِنْدَ رَبِّكَ: في خزانته التي لا يملكها غيره، رجم بهذه الحجارة من غاب عن المؤتفكات «1» .
وقيل «2» : رجموا أولا ثم قلبت المدائن.
وفي الحديث «3» : «أن جبريل- عليه السّلام- أخذ بعروتها الوسطى ثم حرجم بعضها على بعض «4» ، ثم أتبع شذّاذ «5» القوم صخرا من سجّيل» .
يقال: حرجم الطعام: أكله بعنف.
وعن زيد «6» بن أسلم: أن السّجيل السماء الدنيا، والسّجين الأرض
__________
(1) المؤتفكات: سمّيت بذلك للانتقال والانقلاب.
وقيل: المؤتفكة مدينة بقرب سلمية بالشام.
معجم البلدان: 5/ 219، ومراصد الاطلاع: 3/ 1329، والروض المعطار: 566.
(2) لم أقف على هذا القول، ويدفعه ظاهر الآية الذي يفيد بأنهم عوقبوا بالرجم بعد أن قلبت المدائن بهم، قال تعالى: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، وعلى هذا الترتيب جرت التفاسير.
ينظر تفسير الطبري: (15/ 441، 442) ، وتفسير الماوردي: 2/ 229، وتفسير النسفي:
2/ 200، والبحر المحيط: 5/ 249، والدر المنثور: 4/ 463.
(3) أخرج نحوه الطبري في تفسيره: (15/ 441، 442) عن قتادة والسدي.
وذكره ابن كثير في تفسيره: 4/ 271 عن قتادة.
قال الشوكاني في فتح القدير: 2/ 517: «وقد ذكر المفسرون روايات وقصصا في كيفية هلاك قوم لوط طويلة متخالفة، وليس في ذكرها فائدة لا سيما وبين من قال بشيء من ذلك وبين هلاك قوم لوط دهر طويل لا يتيسر له في مثله إسناد صحيح، وذلك مأخوذ عن أهل الكتاب، وحالهم في الرواية معروف، وقد أمرنا بأنا لا نصدقهم ولا نكذبهم ... » .
(4) ينظر الصحاح: 5/ 1898 (حرجم) ، والنهاية: 1/ 362.
(5) أي ما تفرق منهم.
(6) هو زيد بن أسلم العدوي، المدني، الإمام التابعي، الفقيه الثقة.
روى عن جماعة من الصحابة، وأرسل عن جابر، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، وعلي رضي الله عنهم. وروى عنه مالك بن أنس، وابن جريج وغيرهما.
قال عنه الحافظ ابن حجر: «ثقة عالم، وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومائة» ، وذكره في المرتبة الأولى من المدلسين الذين يقبل حديثهم.
ترجمته في الكاشف: 1/ 336، وتقريب التهذيب: 222، وتعريف أهل التقديس لابن حجر: 37.
(1/422)

قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)
السفلى «1» .
91 لَرَجَمْناكَ: لرميناك بالحجارة، أو لشتمناك «2» .
92 وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا: منسيا، كقوله «3» : وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً: [أي] «4» ذليلا هيّنا كالشيء المنسي «5» ، أو نبذتم أمره وراء ظهوركم. /. [45/ ب] ظهرت به: أعرضت [عنه] «6» وولّيته ظهري «7» .
93 اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ: تهديد بصيغة الأمر، أي: كأنكم أمرتم بأن تكونوا كذلك كافرين، والمكانة: التمكن من العمل «8» .
98 يَقْدُمُ قَوْمَهُ: يتقدمهم «9» ، أو يمشي على قدمه.
__________
(1) الأثر في تفسير الطبري: 15/ 434 عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بلفظ: «السماء الدنيا اسمها «سجيل» ، وهي التي أنزل الله على قوم لوط» .
كذا ورد في تفسير الماوردي: 2/ 230، والمحرر الوجيز: 7/ 370، وزاد المسير:
4/ 144، وتفسير الفخر الرازي: 18/ 39، وتفسير القرطبي: 9/ 82- كلهم- عن ابن زيد.
وقد ضعّف ابن عطية هذا القول في المحرر الوجيز: 7/ 371 فقال: «وهذا ضعيف» .
ويرده وصفه ب «منضود» .
(2) نقله ابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 385 عن ابن زيد.
وذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 235، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 153، والفخر الرازي في تفسيره: 18/ 51، وتفسير القرطبي: 9/ 91 دون عزو.
(3) سورة الفرقان: آية: 55.
(4) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(5) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 77، ومفردات الراغب: 317، واللسان: 4/ 522 (ظهر) .
(6) عن نسخة «ج» . [.....]
(7) اللسان: (4/ 522، 523) (ظهر) .
(8) تفسير الطبري: 15/ 463، وتفسير الفخر الرازي: 18/ 52.
(9) في معاني القرآن للزجاج: 3/ 76: «يقال: قدمت القوم أقدمهم قدما وقدوما إذا تقدمتهم، أي يقدمهم إلى النار، ويدل على ذلك قوله: فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ.
(1/423)

وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100)
99 بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ: بئس العطية النار بعد الغرق «1» .
والرّفد: العون على الأمر «2» ، وارتفدت منه: أصبت من كسبه.
100 قائِمٌ وَحَصِيدٌ: عامر وخراب «3» ، أو قائم على بنائه وإن خلا من أهله.
وَحَصِيدٌ: مطموس العين والأثر «4» .
والتتبيب «5» والتباب: الهلاك، وقيل «6» : الخسران.
و «الزّفير» «7» الصّوت في الحلق، والشّهيق في الصدر «8» ، فالشّهيق
__________
(1) ذكره الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 336 عن الكلبي.
وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 156 إلى الكلبي ومقاتل.
قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 208: «الرّفد: العطية، يقال: رفدته أرفده، إذا أعطيته وأعنته.
والْمَرْفُودُ المعطي. كما تقول: بئس العطاء والمعطي» .
(2) في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 298: «مجازه: العون المعان، يقال: رفدته عند الأمير، أي أعنته، وهو من كل خير وعون، وهو مكسور الأول، وإذا فتحت أوله فهو القدح الضخم ... » .
وانظر تفسير الطبري: 15/ 468، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 77.
(3) تفسير الطبري: 15/ 470، وتفسير الماوردي: 2/ 337.
(4) تفسير الطبري: 15/ 471، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 379.
(5) من قوله تعالى: وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [آية: 101] .
(6) ورد هذان المعنيان في اللّغة.
ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 299، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 209، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 77، ومعاني النحاس: 3/ 379، وتهذيب اللغة: 14/ 256، والصحاح: 1/ 90، واللسان: 1/ 226 (تبب) .
(7) من قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [آية: 106] .
(8) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 480 عن أبي العالية. ونقله الماوردي في تفسيره:
2/ 238 عن الربيع بن أنس. وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 159، وقال: «رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية، والربيع بن أنس» .
(1/424)

خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)
أمدّ من شاهق الجبل، والزّفير أنكر من «الزّفر» وهو الحمل العظيم «1» .
107 إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ: أي: من أهل التوحيد حتى تلحقهم رحمة الله «2» أو ما شاء ربك من الزيادة عليها، ويستدل بهذا في قوله: لك عليّ ألف إلّا ألفين على أنه إقرار بثلاثة آلاف، لأنه استثناء زائد من ناقص، كأنّه [قال] «3» : لك عليّ ألف سوى ألفين «4» .
108 وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا: من قرأ: سُعِدُوا «5» فعلى حذف الزيادة من أسعدوا، ك مجنون ومحبوب، والفعل أجنّه وأحبّه «6» .
غَيْرَ مَجْذُوذٍ: غير مقطوع «7» .
__________
(1) في تفسير الماوردي: 2/ 238، عن علي بن عيسى قال: «الزفير تردد النفس من شدة الحزن، مأخوذ من «الزفر» وهو الحمل على الظهر لشدته، والشهيق النفس الطويل الممتد، مأخوذ من قولهم: جبل شاهق، أي: طويل» .
وانظر هذا القول في زاد المسير: 4/ 159، وتفسير القرطبي: (9/ 98، 99) ، واللسان:
4/ 325 (زفر) .
(2) ذكره ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: 77 وقال: «وهو أن يكون الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار حتى تلحقهم رحمة الله، وشفاعة رسوله، فيخرجوا منها إلى الجنة. فكأنه قال سبحانه: خالدين في النار ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من إخراج المذنبين المسلمين إلى الجنة وخالدين في الجنة ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من إدخال المذنبين النار مدة من المدد، ثم يصيرون إلى الجنة.
(3) عن نسخة «ج» . [.....]
(4) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 79، ونحوه في معاني الفراء: 2/ 28.
وانظر معاني النحاس: 3/ 382، والدر المصون: 6/ 394.
(5) بضم السين، قراءة حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص.
السبعة لابن مجاهد: 339، والتبصرة لمكي: 225، والتيسير للداني: 126.
(6) تفسير الطبري: 15/ 486، والكشف لمكي: 1/ 536، والبيان لابن الأنباري: 2/ 28، والتبيان للعكبري: 2/ 715.
(7) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 299، وغريب القرآن لليزيدي: 178، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 210، والمفردات للراغب: 90.
(1/425)

فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111)
109 فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ: لا تشك في كفرهم.
111 وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ: بالتشديد «1» بمعنى: «إلّا» «2» ، كقوله «3» :
لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ لأن «لم» و «لا» للنفي فضمّت إلى إحداهما «ما» وإلى الأخرى «إن» وهما أيضا للنفي، فكان سواء، وكان «لممّا» .
قال الفراء «4» : أصله «لمن ما» ، فأدغم النون فصار «ممّا» فخفف وأدغم الميم المفتوحة ليوفينهم وما بمعنى من فحذفت إحدى الميمات لكثرتها.
أو هي من لممت الشّيء: جمعته «5» ، ولم يصرف مثل: «شتى»
__________
(1) بتخفيف «إن» وتشديد «لمّا» وهي قراءة عاصم في رواية شعبة.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 339، والتبصرة لمكي: 225، والتيسير للداني: 126 وقد ذكر السمين الحلبي في الدر المصون: 6/ 409 هذا الوجه في توجيه هذه القراءة ضمن ثمانية أوجه أوردها في ذلك.
(2) اختاره الزجاج في معاني القرآن: 3/ 81.
وذكر الفراء هذا الوجه في معاني القرآن: 2/ 29، وقال: وأما من جعل «لمّا» بمنزلة «إلّا» فإنه وجه لا نعرفه. وقد قالت العرب: بالله لمّا قمت عنا، وإلا قمت عنا، فأما في الاستثناء فلم يقولوه في شعر ولا في غيره ألا ترى أن ذلك لو جاز لسمعت في الكلام:
ذهب الناس لمّا زيدا» .
ورده- أيضا- الطبري في تفسيره: 15/ 496، والسمين الحلبي في الدر المصون:
6/ 409.
(3) سورة الطارق: آية: 4.
(4) معاني القرآن: 2/ 29.
وقد رد الزجاج هذا القول في معاني القرآن: 3/ 81 فقال: «وهذا القول ليس بشيء، لأن «من» لا يجوز حذفها لأنها اسم على حرفين.
ونقل ابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 410 تضعيف أبي علي الفارسي لقول الفراء ونصه: «وهذا ضعيف، وقد اجتمع في هذه السورة ميمات أكثر من هذه في قوله: أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ولم يدغم هناك فأحرى ألّا يدغم هنا» .
(5) ذكره النحاس في إعراب القرآن: 2/ 306 عن أبي عبيد القاسم بن سلام.
وانظر هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 3/ 82، والمحرر الوجيز: 7/ 411.
(1/426)

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116)
و «تترى» ، أي: وإن كلا جميعا ليوفينهم، أو «لمّا» فيه معنى الظرف «1» وقد دخل الكلام اختصار، كأنه: وإنّ كلّا لمّا بعثوا ليوفينهم ربك أعمالهم ولإشكال هذا الموضع قال الكسائي «2» : ليس لي بتشديد لَمَّا علم، وإنّما نقرأ كما أقرئنا.
وأمّا لما بالتخفيف «3» ف «ما» بمعنى «من» «4» ، كقوله «5» :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ، أو هو لام القسم دخلت على «ما» التي [46/ أ] للتوكيد «6» .
«زلف «7» اللّيل» : ساعاته «8» .
116 فَلَوْلا كانَ: فهلّا كان، تعجيب وتوبيخ.
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا: استثناء منقطع لأنه إيجاب لم يتقدمه نفي «9» .
__________
(1) بمعنى حين، وهو نظير قوله تعالى: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا [يونس: آية: 98] .
وقوله: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: آية: 103] .
ينظر رصف المباني: 354.
(2) ينظر قول الكسائي في حجة القراءات: (352، 353) ، والكشف لمكي: 1/ 538، ومشكل إعراب القرآن: 1/ 375، والمحرر الوجيز: 7/ 411، والبيان لابن الأنباري:
2/ 29، والدر المصون: 6/ 414.
(3) وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، والكسائي.
السبعة لابن مجاهد: 339، وإعراب القرآن للنحاس: (2/ 304، 305) .
(4) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 28، والطبري في تفسيره: 15/ 497.
وانظر حجة القراءات: 350، وتفسير القرطبي: 9/ 105، والدر المصون: 6/ 412.
قال أبو حيان في البحر: 5/ 367: «وهذا وجه حسن ومن إيقاع «ما» على من يعقل ... » .
(5) سورة النساء: آية: 3. [.....]
(6) الكشاف: 2/ 295، والبحر المحيط: 5/ 267، والدر المصون: 6/ 412.
(7) من قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [آية: 114] .
(8) معاني القرآن للفراء: 2/ 30، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 300، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 210، وتفسير الطبري: 15/ 505.
(9) قال الزجاج في معاني القرآن: 3/ 83: «المعنى: لكنّ قليلا ممّن أنجينا منهم من نهى عن الفساد» .
(1/427)

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)
وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ: هلكوا وتبعتهم آثارهم وديارهم.
117 لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ: أي: بظلم منه، تعالى عنه.
118 وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ: أي: في الآراء والديانات «1» .
119 إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ: من أهل الحق «2» ، أو مختلفين في الأحوال «3» ليأتلفوا بالاختلاف إلا من رحم ربك بالرضا والقناعة.
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ: للاختلاف «4» ، أو للرحمة «5» ، ولم يؤنث على معنى المصدر، أي: خلقهم ليرحمهم.
120 وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ: في هذه السورة «6» ،............
__________
(1) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 15/ 131 عن عطاء، والحسن.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 242 عن مجاهد، وعطاء.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (15/ 532، 533) عن ابن عباس، ومجاهد.
(3) من الفقر والغنى، ذكره المؤلف في كتابه وضح البرهان: 1/ 447.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 534 عن الحسن.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 242، وابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 424، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 172 عن الحسن.
قال ابن عطية: «وهذا قول بعيد معناه من معنى الآية» .
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 535 عن الحسن.
ورجحه بقوله: «لأن الله جل ذكره ذكر صنفين من خلقه: أحدهما أهل اختلاف وباطل، والآخر أهل حق، ثمّ عقّب ذلك بقوله: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ، فعمّ بقوله: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ، صفة الصنفين، فأخبر عن كل فريق منهما أنه ميسّر لما خلق له ... » .
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (15/ 536، 537) عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة، والضحاك.
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (15/ 540- 542) عن أبي موسى، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس.
واختاره الفراء في معانيه: 2/ 30، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 211، والزجاج في معاني القرآن: 3/ 84.
ورجحه الطبري في تفسيره: 15/ 543، وقال: «لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن-
(1/428)

وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)
وقيل «1» : في هذه الدنيا.
121 اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ: على ما أنتم عليه «2» ، أو على شاكلتكم التي تمكنتم عليها.
123 وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ: قال عليه السلام: «من أحبّ «3» أن يكون أقوى النّاس فليتوكل على الله» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (15/ 542، 543) عن قتادة.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 243، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 173 عن الحسن، وقتادة.
(2) معاني القرآن للنحاس: 3/ 392، والكشاف: 2/ 299، وزاد المسير: 4/ 174.
(3) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل على الله: 44، والحاكم في المستدرك: 4/ 270، كتاب الأدب، وأبو نعيم في الحلية: 3/ 218 عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا.
وفي إسناد ابن أبي الدنيا عبد الرحيم بن زيد العمّي، وهو ضعيف جدا، وكذبه ابن معين، كما في تقريب التهذيب: 354.
وفي إسناد الحاكم هشام بن زياد، وصفه الذهبي في التلخيص بقوله: «متروك» ، وفيه أيضا محمد بن معاوية، قال عنه الذهبي: كذبه الدارقطني، ثم قال: «فبطل الحديث» .
وأورد المناوي هذا الأثر في فيض القدير: 6/ 150، وزاد نسبته إلى إسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وأبي يعلى، والطبراني، والبيهقي في الزهد من طريق هشام.
(1/429)

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)
ومن سورة يوسف
3 نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ: نبين لك أحسن البيان.
4 يا أَبَتِ: يا أبي «1» ، و «التاء» للمبالغة، ك «العلّامة» و «النسّابة» ، أو للتفخيم، ك «يوم القيامة» [للقيام] «2» ، أو منقلبة عن الواو المحذوفة من لام الفعل مثل: «كلتا» فأصلها «كلوا» .
وأعاد رَأَيْتُهُمْ لأنّها رؤية سجودهم له، والأولى رؤيته إياهم «3» .
والسجود: الخضوع «4» ، والسجود من أفعال ذوي العقل فجاء ساجِدِينَ فيمن «5» لا يعقل على صيغة العقل، كقوله «6» : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ.
5 يا بُنَيَّ: ثلاث ياءات: ياء التصغير، والأصلية، وياء الإضافة
__________
(1) جاء بعده في كتاب وضح البرهان للمؤلف: 1/ 449: «فحذفت ياء الإضافة، وهذه التاء للمبالغة ... » . [.....]
(2) عن نسخة «ج» .
(3) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 245، وذكره- أيضا- الفخر الرازي في تفسيره:
18/ 89 وظاهر هذا القول أن الرؤية تكررت، وسياق الآية لا يدل عليه، وإنما إعادة الفعل لتأكيد المعنى لأنه إخبار عن رؤية منامية فلئلا يتوهم الغلط والنسيان أكد الفعل ولم يعطف.
قال أبو حيان في البحر المحيط: 5/ 280: «والظاهر أن رَأَيْتُهُمْ كرر على سبيل التوكيد للطول بالمفاعيل ... » .
وينظر الدر المصون: (6/ 436، 437) .
(4) عن تفسير الماوردي: 2/ 245، وينظر البحر المحيط: 5/ 280، والدر المصون:
6/ 437.
(5) في «ج» : فيما.
(6) سورة النمل: آية: 18.
(1/430)

إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)
حذفت اجتزاء بالكسرة.
8 أَبانا لَفِي ضَلالٍ: غلط في تدبير أمر الدّنيا «1» إذ نحن أنفع له منه.
15 فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ: محذوف الجواب «2» ، والكوفيون يجعلون أَجْمَعُوا جوابا «3» ، والواو مقمحة «4» ، وإقحامها لم يثبت بحجة ولا له وجه في القياس.
غَيابَتِ الْجُبِّ: أسفله حيث يغيب عن الأبصار «5» .
17 نَسْتَبِقُ: ننتضل، من السباق في الرّمي، أو نستبق بالعدو. / أيّنا [46/ ب] أسرع.
19 يا بُشْرى: موضع الألف فتح، منادى مضاف «6» .
وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً: المدلي ومن معه لئلا يسألوهم الشركة لرخص ثمنه «7» .
__________
(1) قال القرطبي في تفسيره: 9/ 131: «لم يريدوا ضلال الدين، إذ لو أرادوا لكانوا كفارا، بل أرادوا لفي ذهاب عن وجه التدبير، في إيثار اثنين على عشرة مع استوائهم في الانتساب إليه.
(2) الكشاف: 2/ 306، والبيان لابن الأنباري: 2/ 35، والتبيان للعكبري: 2/ 725، والبحر المحيط: 5/ 287، والدر المصون: 6/ 453.
(3) ذكره الطبري في تفسيره: 15/ 575.
وينظر الإنصاف لابن الأنباري: 2/ 456، والبحر المحيط: 5/ 287.
(4) في «ج» : وادعو أن الواو مقحمة..
(5) ينظر تفسير الطبري: 15/ 566، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 93، ومعاني النحاس:
3/ 400، والمفردات للراغب: 367.
(6) هذا التوجيه على قراءة من أثبت الألف، وهذه القراءة لابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 347، وحجة القراءات: 357، والكشف لمكي: 2/ 7، والبحر المحيط: 5/ 290، والدر المصون: 6/ 459.
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (16/ 4، 5) عن مجاهد.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 3/ 406، والماوردي في تفسيره: 2/ 253 عن مجاهد أيضا.
(1/431)

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)
20 وَشَرَوْهُ: باعوه «1» ، بِثَمَنٍ بَخْسٍ: ظلم «2» .
وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ: لعلمهم بظلمهم، وذلك أن إخوته جاءوا إلى البئر ليبحثوا عنه فإذا هم به في يد الواردين، فقالوا: عبدنا وبضاعتنا ثم باعوه منهم «3» .
22 وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ: كمال القوة، من ثمانية عشر إلى ستين «4» .
__________
(1) وهو من الأضداد.
ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 304، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 214، والأضداد لابن الأنباري: 72.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 12 عن قتادة.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 3/ 407، والماوردي في تفسيره: 2/ 254، وابن عطية في المحرر الوجيز: (7/ 465، 466) عن قتادة أيضا.
ورجح الزجاج في معاني القرآن: 3/ 98 هذا القول فقال: «لأن الإنسان الموجود (الحر) لا يحل بيعه» . [.....]
(3) ورد هذا القول في أثر أخرجه الطبري في تفسيره: 16/ 8 عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق محمد بن سعد عن أبيه ... » ، وهو إسناد مسلسل بالضعفاء تقدم بيان أحوالهم ص (135) .
وليس في سياق الآيات ما يدل على هذا المعنى، بل العكس، فقد كانوا يحاولون التخلص منه واتفقت كلمتهم على أن يلقوه في البئر بإدلائه في البئر، ثم تركوه فكيف يرجعون للبحث عنه؟.
أما الذين باعوه فهم الذين أدلوا دلوهم في البئر ووجدوه واصطحبوه معهم وباعوه على الذي اشتراه من مصر، وكانوا فيه من الزاهدين لظنهم أنه لا يرغب في شرائه أحد، إما لصغره، أو لضعفه بسبب ما لحقه من أذى إخوته.
(4) ذكره الطبري في تفسيره: 16/ 21. وأورد أقوالا أخرى في ذلك ثم قال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى يوسف لما بلغ أشده حكما وعلما، و «الأشد» هو انتهاء قوته وشبابه، وجائز أن يكون آتاه ذلك وهو ابن ثماني عشرة سنة، وجائز أن يكون آتاه وهو ابن عشرين سنة، وجائز أن يكون آتاه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ولا دلالة له في كتاب الله، ولا أثر عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولا في إجماع الأمة، على أيّ ذلك كان. وإذا لم يكن ذلك موجودا من الوجه الذي ذكرت، فالصواب أن يقال فيه كما قال عز وجل، حتى تثبت حجة بصحة ما قيل في ذلك من الوجه الذي يجب التسليم له، فيسلم لها حينئذ» .
(1/432)

وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)
23 وَراوَدَتْهُ: طلبته بهوى وميل من الإرادة، وجاءت على المفاعلة لأنها في موضع دواعي الطبعين.
هَيْتَ لَكَ: هلمّ إلى ما هو لك «1» .
إِنَّهُ رَبِّي: أي: العزيز «2» مالكي حكما، بل الله ربي أحسن مثواي في طول مقامي.
24 وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ: تقديره: ولولا أن رأى برهان ربّه همّ بها «3» ، بدليل صرف السوء والفحشاء عنه ولأن لَوْلا أَنْ رَأى شرط فلا يجعل الكلام مطلقا.
وقيل: همّ بها من قبل الشهوة التي جبل الإنسان عليها لا بعلّة «4» ، والثواب على قمعها في [وقت] «5» غلبتها.
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 305، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 215، ومعاني الزجاج: 3/ 99.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 31 عن مجاهد.
وذكره الزجاج في معانيه: 3/ 101 ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 258 عن مجاهد، وابن إسحاق، والسدي.
وقال البغوي في تفسيره: 2/ 418: «وهذا قول أكثر المفسرين» .
(3) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 3/ 101.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 259، وابن الجوزي في زاد المسير: (4/ 205، 206) عن قطرب.
ويكون هذا المعنى على أن في الكلام تقديما وتأخيرا.
قال ابن الجوزي: «فلما رأى البرهان، لم يقع منه الهم، فقدّم جواب «لولا» عليها، كما يقال: قد كنت من الهالكين، لولا أن فلانا خلصك، لكنت من الهالكين ... » .
زاد المسير: 4/ 205.
(4) يعني ليس بدافع نفسي فاسد من الميل إلى الوقوع في المحرم.
(5) في الأصل و «ج» : «وزن» ، والمثبت في النص عن «ك» .
(1/433)

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30)
ويحكى أن سليمان «1» بن يسار علقته بعض نساء المدينة من صميم شرفها وحسنات دهرها، ودخلت عليه من كل مدخل، ففر من المدينة فرأى يوسف في المنام فقال له: أنت الذي هممت فقال يوسف: وأنت الذي لم تهم «2» .
30 قَدْ شَغَفَها حُبًّا: بلغ حبّه شغاف قلبها «3» ، كما يقال: رأسه، ودمغه «4» .
و «الشّغاف» : غلاف القلب جلدة بيضاء «5» .
وقيل: الشّغاف: داء تحت الشّراسيف «6» أصابها من حبّه ما يصيب من الشغاف.
__________
(1) هو سليمان بن يسار الهلالي، المدني، أحد الفقهاء السبعة.
قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: 255: «ثقة» ، فاضل، من كبار الثالثة، مات بعد المائة» .
ترجمته في: طبقات ابن سعد: 5/ 174، وطبقات الفقهاء للشيرازي: 60، وتذكرة الحفاظ: 1/ 91، وسير أعلام النبلاء: 4/ 444.
(2) أخرج أبو نعيم نحو هذه الرواية في حلية الأولياء: (2/ 190، 191) عن مصعب بن عثمان.
وأوردها الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء: 4/ 446، وعقّب عليها بقوله: فإنّ هذا يقتضي أن تكون درجة الولاية أرفع من درجة النبوة وهو محال ولو قدّرنا يوسف غير نبي فدرجته الولاية، فيكون محفوظا كهو ولو غلقت على سليمان الأبواب، وروجع في المقال والخطاب، والكلام والجواب مع طول الصحبة لخيف عليه الفتنة وعظيم المحنة، والله أعلم.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 308، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 215.
(4) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 215: «يقال: قد شغفت فلانا، إذا أصبت شغافه.
كما يقال: كبدته، إذا أصبت كبده. وبطنته: إذا أصبت بطنه» .
وينظر تفسير الطبري: 16/ 63، والصحاح 4/ 1382، واللسان: 9/ 179 (شغف) .
(5) تهذيب اللّغة: 16/ 175، واللسان: 9/ 179 (شغف) .
(6) الشراسيف: جمع شرسوف بوزن عصفور، وهو غضروف معلق بكل ضلع مثل غضروف الكتف.
اللسان: 9/ 175 (شرسف) .
وفي تهذيب اللّغة: 16/ 177 عن الأصمعي: «أن الشغاف داء في القلب، إذا اتصل بالطحال قتل صاحبه» .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 105، والصحاح: 4/ 1382 (شغف) .
(1/434)

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)
31 وَأَعْتَدَتْ: من «العتاد» «1» ، مُتَّكَأً: مجلسا «2» ، أو وسادة، أو طعاما «3» لأن الضيف يطعم ويكرم على متّكاء يطرح له، تقول العرب:
اتكأنا عند فلان، أي: طعمنا «4» .
أكبرن: أعظمن «5» ، وقيل «6» : حضن، وليست من كلام العرب، وعسى أن يكون من شدة ما أعظمنه حضن.
32 فَاسْتَعْصَمَ: امتنع طالبا للعصمة.
33 السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ: أي: حبيب «7» ، لا أن الحبّ جمعهما، ثم السجن أحب إليّ من الفحشاء «8» /. [47/ أ] .
__________
(1) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 308: «أفعلت من العتاد، ومعناه: أعدت له متكئا» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 216، وتفسير الطبري: 16/ 69، ومعاني الزجاج:
3/ 105. [.....]
(2) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 42، والطبري في تفسيره: 16/ 70.
(3) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 216، وأخرجه الطبري في تفسيره: (16/ 72- 74) عن مجاهد، وقتادة، وعكرمة، وابن إسحاق، وابن زيد.
(4) عن تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 216.
(5) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 309، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 217، وأخرجه الطبري في تفسيره: (16/ 75، 76) عن مجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 3/ 422 عن مجاهد، ثم قال: «وهذا هو الصحيح» .
(6) أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 309 فقال: «ومن زعم أن أَكْبَرْنَهُ: حضن، فمن أين؟ وإنما وقع عليه الفعل ذلك، لو قال: أكبرن، وليس في كلام العرب أكبرن: حضن، ولكن عسى أن يكون من شدة ما أعظمنه حضن» .
وأورد هذا القول أيضا الطبري في تفسيره: 16/ 76، والزجاج في معاني القرآن:
3/ 106، والنحاس في معانيه: 3/ 422، وجميعهم ضعف هذا القول.
(7) العبارة في «ج» : أي: حبيب لأن «أفعل» يقتضي أن الحب جمعهما ...
(8) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 16/ 88 عن السدي.
(1/435)

وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)
أَصْبُ: أمل «1» .
36 مِنَ الْمُحْسِنِينَ: في عبارة الرؤيا «2» ، وقيل «3» : كان يداوي مرضاهم، ويعزّي حزينهم، ويعين المظلوم، وينصر الضعيف، ويجتهد في عبادة ربه.
37 لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ: كان يخبر بما غاب مثل عيسى عليه السلام «4» ، فقدم هذا على التعبير ليعلما ما خصّه الله به.
و «التأويل» الخبر عما حضر بما يؤول إليه فيما غاب.
42 فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ: أي: ذكر يوسف لملكه «5» ، أو أنسى
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 311، وتفسير الطبري: 16/ 88، ومعاني النحاس:
3/ 424، وقال الزجاج في معانيه: 3/ 108: «يقال: صبا إلى اللهو يصبو صبوا، وصبيّا، وصبّا، إذا مال إليه» .
(2) ذكره النحاس في معاني القرآن: 3/ 426.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 269، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 223 عن ابن إسحاق.
(3) أخرجه الطبري في تفسيره: 16/ 98 عن الضحاك، وقتادة.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 3/ 426، والماوردي في تفسيره: 2/ 268، والقرطبي في تفسيره: 9/ 190 عن الضحاك.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 223، وقال: «رواه مجاهد عن ابن عباس» .
(4) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 269 عن الحسن رحمه الله تعالى.
وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 224، والقرطبي في تفسيره: 9/ 191.
(5) فيكون الناسي على هذا القول صاحبه الذي كان معه في السجن.
وقد أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (16/ 109، 110) عن ابن إسحاق، ومجاهد، وقتادة.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 271 عن ابن إسحاق.
قال النحاس في معانيه: 3/ 428: «وذلك معروف في اللغة أن يقال للسيد:
رب ... » .
(1/436)

قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45)
الشيطان أن يذكر الله «1» وسوّل له الاستعانة بغيره وزيّن الأسباب التي ينسى معها.
والبضع ما دون العشر، من ثلاث إلى عشر «2» .
44 أَضْغاثُ أَحْلامٍ: أخلاطها وألوانها «3» ، و «الضّغث» : ملء الكف من الحشيش الذي فيه كل نبت «4» ، والضغث: ما اختلط من الأمر «5» .
وفي حديث عمر «6» - رضي الله عنه-: «اللهم إن كتبت عليّ إثما أو ضغثا فامحه عنّي فإنك تمحو ما تشاء» .
45 وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ: بعد انقضاء أمّة من الناس «7» .
__________
(1) يكون الناسي على هذا القول يوسف عليه السلام.
ذكره الطبري في تفسيره: 16/ 111، والزجاج في معانيه: 3/ 112.
ونقله النحاس في معاني القرآن: 3/ 429 عن مجاهد.
وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 227 إلى مجاهد، ومقاتل، والزجاج.
(2) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 271 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 517: «والبضع في كلام العرب اختلف فيه، فالأكثر على أنه من الثلاثة إلى العشرة، قاله ابن عباس، وعلى هذا هو فقه مالك رحمه الله في الدعاوى والأيمان» .
وقال الطبري في تفسيره: 16/ 115: «والصواب في «البضع» ، من الثلاث إلى التسع، إلى العشر، ولا يكون دون الثلاث. وكذلك ما زاد على العقد إلى المائة، وما زاد على المائة فلا يكون فيه بضع. [.....]
(3) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 217، وتفسير الطبري: 16/ 117، وتفسير الماوردي: 2/ 272.
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 312، وغريب القرآن لليزيدي: (183، 184) ، وتفسير الطبري: 16/ 117، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 112، وتفسير الماوردي: 2/ 272، والمفردات للراغب: 297، واللسان: 2/ 164 (ضغث) .
(5) اللسان: 2/ 163 (ضغث) .
(6) الحديث في الفائق للزمخشري: 2/ 341، وغريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 12، والنهاية: 3/ 90، وتهذيب اللغة للأزهري: 8/ 5.
قال ابن الأثير: «أراد عملا مختلطا غير خالص. من ضغث الحديث إذا خلطه، فهو فعل بمعنى مفعول. ومنه قيل للأحلام الملتبسة: أضغاث» .
(7) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 273 عن الحسن رحمه الله تعالى.
والقول المشهور في المراد ب «الأمّة» هنا هو الحين من الدهر، وقد أخرجه الطبري في تفسيره: (16/ 120، 121) عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والسدي، وعكرمة.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 113، ومعاني النحاس: 3/ 432، والمحرر الوجيز:
7/ 522، وتفسير القرطبي: 9/ 201.
(1/437)

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)
47 تَزْرَعُونَ ... دَأَباً: نصب على المصدر «1» لأن تَزْرَعُونَ يدل على تدأبون، أو هو حال «2» ، أي: تزرعون دائبين، كقوله «3» : وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً، أي: راهيا.
48 يَأْكُلْنَ: يؤكل فيهن، على مجاز: ليل نائم «4» .
49 يُغاثُ: من الغيث «5» ، تقول العرب: «غثنا ما شئنا» «6» .
يَعْصِرُونَ: أي: العنب «7» ، أو ينجون «8» ، و «العصرة» النجاة من
__________
(1) إعراب القرآن للنحاس: 2/ 332، والمحرر الوجيز: 7/ 526، والتبيان للعكبري:
2/ 734، وتفسير القرطبي: 9/ 203.
(2) والوجه الذي ذكره المؤلف على تقدير حذف مضاف.
ينظر البحر المحيط: 5/ 315، والدر المصون: 6/ 510، وتفسير القرطبي: 9/ 203.
(3) سورة الدخان: آية: 24.
(4) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز: 7/ 528، وقال: «وهذا كثير في كلام العرب» .
وانظر تفسير الطبري: 16/ 126، وتفسير الماوردي: 2/ 275، وزاد المسير: 4/ 233.
(5) أي: المطر.
ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 218، وتفسير الطبري: 16/ 128، وزاد المسير:
4/ 234، والبحر المحيط: 5/ 315، وتفسير ابن كثير: 4/ 318.
(6) أي: مطرنا ما أردنا.
اللسان: 2/ 175 (غيث) ، والدر المصون: 6/ 510.
(7) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 218.
وأخرج نحوه الطبري في تفسيره: (16/ 129، 130) عن ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وقتادة.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 275 عن قتادة، ومجاهد.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 234، وقال: «رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والجمهور» .
(8) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 313، واليزيدي في غريب القرآن: 184 ورده الطبري في تفسيره: 16/ 131 بقوله: «وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: وَفِيهِ يَعْصِرُونَ إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من «العصر» و «العصرة» ، التي بمعنى المنجاة ... » .
(1/438)

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)
الجوع والعطش، و «تعصرون» «1» : تمطرون من قوله «2» : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ.
51 حاشَ لِلَّهِ: عياذا به وتنزيها من هذا الأمر «3» .
تقول: كنت في حشا فلان: ناحيته، وتركته بحياش البلاد: بالبعد من أطرافها، وهو لا ينحاش من شيء: لا يكترث «4» .
حَصْحَصَ الْحَقُّ: ظهر وتبين «5» من جميع وجوهه. من حصّ رأسه: صلع «6» ، أو من الحصّة، أي: بانت حصّة الحق من الباطل.
وقال الأزهريّ «7» : هو من حصحص البعير بثفناته «8» في الأرض إذا برك حتى يتبين آثارها فيه.
__________
(1) بضم التاء على البناء للمفعول، قراءة عيسى البصري، وهي شاذة.
ينظر المحتسب: 1/ 345، والبحر المحيط: 5/ 316، والدر المصون: 6/ 511. [.....]
(2) سورة النبأ: آية: 14.
(3) المفردات للراغب: 136، وتفسير البغوي: 2/ 430، وتفسير القرطبي: 9/ 207.
(4) ينظر ما سبق في تهذيب اللغة: 5/ 142، واللسان: (6/ 290، 291) (حوش) .
(5) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 314، وغريب القرآن لليزيدي: 184، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 218، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 438، والمفردات للراغب: 120.
(6) تفسير الطبري: 16/ 140، وتفسير الماوردي: 2/ 277، وتفسير القرطبي: 9/ 208.
وفي تهذيب اللغة: 3/ 401: «إذا ذهب الشعر كله قيل: رجل أحصّ وامرأة حصّاء» .
وانظر اللسان: 7/ 13 (حوص) ، والدر المصون: 6/ 513.
(7) لم أقف على قوله في مظانه في تهذيب اللغة، وهو في تفسير الفخر الرازي: 18/ 157، والدر المصون: 6/ 513 دون نسبة.
(8) الثفنات: جمع «ثفنة» ، وهي ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ وغلظ، كالركبتين وغيرها.
الصحاح: 5/ 2088، واللسان: 13/ 78 (ثفن) .
(1/439)

قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)
55 خَزائِنِ الْأَرْضِ: معنى اللام تعريف الإضافة لأنها بدل منها، أي:
خزائن أرضك «1» ، وسأل ذلك لصلاح العباد بحسن تدبيره لها.
[47/ ب] 62 بِضاعَتَهُمْ: وكانت/ ورقا «2» ، وإنما ردها ليتوسع بها أبوه وقومه «3» .
63 نَكْتَلْ: وزنه [نفتل] «4» محذوف العين، سأله المازنيّ «5» عن ابن السكّيت «6» عند الواثق «7» ، فقال: «نفعل» قال: فماضيه- إذا-
__________
(1) تفسير الطبري: 16/ 148، وتفسير الماوردي: 2/ 280، والكشاف: 2/ 328، والبحر المحيط: 5/ 319.
(2) تفسير الطبري: 16/ 157، وتفسير الماوردي: 2/ 285.
والورق: الدرهم المضروبة وربما سميت الفضة ورقا.
ينظر الصحاح: 4/ 1564، واللسان: 10/ 375 (ورق) .
(3) ذكره الطبري في تفسيره: 16/ 157.
(4) في الأصل: «نفتعل» ، والمثبت في النص عن «ج» .
(5) المازني: (- 249 هـ) .
هو بكر بن محمد بن حبيب بن بقيّة المازني، أبو عثمان.
الإمام النحويّ، من أهل البصرة.
من مؤلفاته: ما تلحن فيه العامة، وكتاب الألف واللّام والتصريف وعليه شرح ابن جني المسمّى «المنصف» .
أخباره في: طبقات النحويين للزّبيدي: 87، وتاريخ بغداد: 7/ 93، ومعجم الأدباء:
7/ 107، وسير أعلام النبلاء: 12/ 270، وبغية الوعاة: 1/ 463.
(6) ابن السكّيت: (- 244 هـ) .
هو يعقوب بن إسحاق بن السّكّيت البغدادي أبو يوسف.
صنّف إصلاح المنطق، والقلب والإبدال وكتاب الألفاظ، والأضداد ... وغير ذلك.
أخباره في: طبقات النحويين للزبيدي: 202، ومعجم الأدباء: 20/ 50، ووفيات الأعيان:
6/ 395، وبغية الوعاة: 2/ 349.
(7) يريد الواثق بالله الخليفة العباسي كما في معجم الأدباء لياقوت: 7/ 117، وأورد المناظرة التي جرت بينهما كاملة.
وفي طبقات النحويين للزبيدي: 203، ووفيات الأعيان: (6/ 397، 398) ، وسير أعلام النبلاء: 12/ 17 أن المناظرة كانت في مجلس محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم.
وذكر الذهبي في موضع آخر من سير أعلام النبلاء: (12/ 271، 272) أن المناظرة كانت في مجلس الخليفة المتوكل. وهو موافق لما ذكره القفطي في إنباه الرواة: 1/ 250. [.....]
(1/440)

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)
«كتل» «1» .
64 فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً: مصدر، كقراءة من قرأ: خير حفظا «2» ، كقوله «3» : أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ أي: دعاء الله.
65 ما نَبْغِي: ما الذي نطلب بعد هذا «4» ؟.
نَمِيرُ أَهْلَنا: نحمل لهم الميرة وهي ما يقوت الإنسان «5» .
وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ: كان يعطي كل واحد منهم حمل بعير.
ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ: نناله بيسر.
__________
(1) أورد الزجاجي هذه المناظرة في مجالس العلماء: 230 مسندة إلى أبي عثمان المازني أنه قال: «جمعني وابن السكيت بعض المجالس، فقال لي بعض من حضر: سله عن مسألة- وكان بيني وبين ابن السكيت ودّ، فكرهت أن أتهجمه بالسؤال، لعلمي بضعفه في النحو، فلما ألح عليّ قلت له: ما تقول في قول الله جل وعزّ: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ ما وزن «نكتل» من الفعل ولم جزمه؟ فقال: وزنه «نفعل» وجزمه لأنه جواب الأمر. قلت له: فما ماضيه؟ ففكر وتشوّر، فاستحييت له، فلما خرجنا قال لي: ويحك ما حفظت الود، خجّلتني بين الجماعة.
فقلت: والله ما أعرف في القرآن أسهل منها» . قال: وزن نكتل نفتعل، من اكتال يكتال، وأصله نكتيل، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لسكونها وسكون اللام فصار نكتل.
(2) بكسر الحاء من غير ألف.
وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر.
السبعة لابن مجاهد: 350، والتبصرة لمكي: 229.
(3) سورة الأحقاف: آية: 31.
(4) تكون «ما» على هذا القول استفهامية.
قال الفخر الرازي في تفسيره: 18/ 174: «والمعنى لما رأوا أنه رد إليهم بضاعتهم قالوا:
ما نبغي بعد هذا، أي: أعطانا الطعام، ثم رد علينا ثمن الطعام على أحسن الوجوه، فأي شيء نبغي وراء ذلك؟» .
وذكر الزمخشري هذا الوجه في الكشاف: 2/ 331، وابن عطية في المحرر الوجيز: 8/ 18، وأبو حيان في البحر: 5/ 323، ورجحه السّمين الحلبي في الدر المصون: 6/ 519.
(5) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 314، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 219، والمفردات للراغب: 478، واللسان: 5/ 188 (مير) .
(1/441)

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)
66 إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ: إلا أن تهلكوا جميعا «1» .
67 لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ: خاف عليهم العين «2» .
69 فَلا تَبْتَئِسْ: أي: لا تبأس، أي: لا يكن عليك بأس بعملهم، والسّقاية والصّواع والصّاع «3» : إناء يشرب فيه ويكال أيضا «4» .
والعير: الرفقة «5» .
70 إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ: كان ذلك من قول الخازن أو الكيّال، ولم يعلم من جعل السقاية فيه، ولو كان قول يوسف فعلى أنهم سرقوه من أبيه «6» .
73 وَما كُنَّا سارِقِينَ: لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم «7» .
75 مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ: كان حكم السارق في دين بني
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 163 عن مجاهد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 287، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 253 عن مجاهد أيضا.
(2) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 50، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 219.
وأخرجه الطبري في تفسيره: (16/ 165، 166) عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومحمد بن كعب، والسدي.
(3) من قوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ [آية: 70] ومن قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [آية: 72] .
(4) عن تفسير الماوردي: 2/ 289، ونص كلامه: «والسقاية والصواع واحد قال ابن عباس:
وكل شيء يشرب فيه فهو صواع» .
وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 51، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 315، وتفسير البغوي: 2/ 439، وتفسير القرطبي: 9/ 229.
(5) تفسير الماوردي: 2/ 289، وتفسير الفخر الرازي: 18/ 182.
(6) ينظر القولان السابقان في تفسير الماوردي: 2/ 289، وتفسير البغوي: 2/ 439، وزاد المسير: (4/ 257، 258) ، وتفسير الفخر الرازي: 18/ 183، وتفسير القرطبي:
9/ 231.
(7) ذكره الطبري في تفسيره: (16/ 181، 182) ، والزجاج في معانيه: 3/ 121.
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 290، وتفسير الفخر الرازي: 18/ 184.
(1/442)

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)
إسرائيل أن يسترقّه صاحب المال «1» .
وتقدير الإعراب: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله فهذا الجزاء جزاؤه، كما تقول: جزاء السارق القطع فهو جزاؤه لتقرير البيان «2» .
76 كَذلِكَ كِدْنا: صنعنا»
ودبّرنا، أو أردنا «4» ، أو كدنا إخوته له ووعظناهم بما دبّرنا في أمره.
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ: كان حكم السارق الضرب والضمان في دين الملك «5» .
__________
(1) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 220، وتفسير الطبري: 16/ 182، وتفسير الماوردي:
2/ 291، وتفسير البغوي: 2/ 440.
(2) وفي الآية ثلاثة وجوه أخرى.
ينظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 121، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 338، والتبيان للعكبري: 2/ 739، والبحر المحيط: 5/ 331، والدر المصون: (6/ 529- 532) . [.....]
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (16/ 186- 188) عن مجاهد، والضحاك، والسدي.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 291 عن الضحاك، وابن عطية في المحرر الوجيز:
8/ 32 عن الضحاك، والسدي.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 261، وقال: «قاله الضحاك عن ابن عباس» .
ونقل القرطبي هذا القول في تفسيره: 9/ 236 عن ابن عباس.
وأما قول المؤلف «ودبرنا» عطفا على «صنعنا» فهو قول آخر ذكره الماوردي في تفسيره:
2/ 291 عن ابن عيسى، والقرطبي في تفسيره: 9/ 236 عن ابن قتيبة.
وذكره البغوي في تفسيره: 2/ 440 دون عزو.
(4) ذكره البغوي في تفسيره: 2/ 440 دون عزو.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 261، والقرطبي في تفسيره: 9/ 236 عن ابن الأنباري.
(5) تفسير البغوي: 2/ 440، وزاد المسير: 2/ 261.
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 18/ 186: «والمعنى: أنه كان حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق، فما كان يوسف قادرا على حبس أخيه عند نفسه بناء على دين الملك وحكمه، إلا أنه تعالى كاد له ما جرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق» .
(1/443)

قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ: من استرقاق السارق على دين بني إسرائيل «1» .
وموضع أَنْ نصب لإمضاء الفعل إليها عند سقوط [الباء] «2» ، أي:
بمشيئة الله «3» .
وتسريق أخيه مع براءته احتيال تضمّن وجوها من الحكمة: من أخذه [48/ أ] عنهم على حكمهم، وأن أخاه كان عالما بالقصة فلم يكن بهتانا وأن/ القصة كانت بغرض الظهور وأنه كالتلعب بهم مع ما جدّوا في إهلاكه، ويكون ذلك من الملاينة والمقاربة، وأنه جعل لهم مخلصا لو فطنوه، فإنه جعل بضاعتهم في رحالهم ولم يعلموا فهلّا قالوا: الصّواع جعلت في رحالنا بغير علمنا «4» .
77 فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ: قيل: كان يوسف في صباه- أخذ شيئا من الدار [ودفعه] «5» إلى سائل «6» .
وقيل: كان في حضانة عمته، فلما أراد يعقوب أخذه منها على كراهتها جعلت مخنقة «7» في جيبه من غير علمه وسرّقته لتسترقه فتمسكه «8»
__________
(1) عن تفسير الماوردي: 2/ 291.
(2) في الأصل: «الهاء» ، والمثبت في النص عن «ك» .
(3) معاني القرآن للزجاج: 3/ 122.
(4) تفسير الماوردي: 2/ 292.
(5) في الأصل: ودفعها، والمثبت في النص عن «ج» .
(6) ذكر البغوي هذا القول في تفسيره: 2/ 441 عن مجاهد.
(7) كذا في «ك» ، وكتاب وضح البرهان للمؤلف. وورد في المصادر التي ذكرت هذا الخبر:
«منطقة» .
قال ابن الأثير في النهاية: 5/ 75: «والمنطق: النطاق، وجمعه: مناطق، وهو أن تلبس المرأة ثوبها، ثم تشد وسطها بشيء وترفع وسط ثوبها، وترسله على الأسفل عند معاناة الأشغال، لئلا تعثر في ذيلها» .
(8) أخرجه الطبري في تفسيره: 16/ 196 عن مجاهد وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره: 273 (سورة يوسف) . ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 293، وابن الجوزي في زاد المسير:
4/ 263، والقرطبي في تفسيره: 9/ 239 عن مجاهد أيضا. وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 563، وزاد نسبته إلى ابن إسحاق، عن مجاهد.
- وحكاه ابن عطية في المحرر الوجيز: 8/ 36 عن الجمهور.
(1/444)

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)
80 فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا: يئسوا «1» .
نَجِيًّا: جمع «ناج» «2» .
وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ: موضع ما نصب بوقوع الفعل عليه، وهو وما بعده بمنزلة المصدر «3» كأنه: ألم تعلموا ميثاق أبيكم وتفريطكم.
و «الكظيم» «4» : الصّابر على حزنه «5» ، من «كظم الغيظ» ، أو الممتلئ حزنا كالسقاء المكظوم «6» .
85 تَفْتَؤُا: لا تفتؤا «7» ، أي: لا تنفك.
__________
(1) غريب القرآن لليزيدي: 186، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 220، وتفسير الطبري:
16/ 203، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 450.
(2) فيكون «ناج» على قول المؤلف من النجاة، وهو السالم من الهلاك وليس من النجوى، ولم أقف على قوله فيما رجعت إليه من المصادر.
والذي ورد في كتب المعاني والتفسير أن «نجيا» بمعنى النجوى وجمعه أنجية.
ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 315، وتفسير الطبري: 16/ 204، ومعاني الزجاج:
3/ 124، والبحر المحيط: 5/ 235، والدر المصون: 6/ 638، واللسان: 15/ 308 (نجا) .
(3) ينظر إعراب القرآن للنحاس: 2/ 341، والمحرر الوجيز: 8/ 44، والكشاف: 2/ 337، والتبيان للعكبري: 2/ 742، وتفسير القرطبي: 9/ 242، والبحر المحيط: 5/ 336، والدر المصون: 6/ 539. [.....]
(4) من قوله تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [آية: 84] .
(5) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 221، وقال: «أي» كاظم، كما تقول: قدير وقادر. والكاظم: الممسك على حزنه، لا يظهره، ولا يشكوه» .
ورجح ابن عطية هذا الوجه في المحرر الوجيز: 8/ 51.
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 297، وتفسير البغوي: 2/ 444، وزاد المسير: 4/ 271، وتفسير القرطبي: 9/ 249.
(6) ذكره الزمخشري في الكشاف: 2/ 339.
وانظر المحرر الوجيز: 8/ 51، وتفسير القرطبي: 9/ 249.
(7) قال الطبري في تفسيره: 16/ 221: «وحذفت «لا» من قوله: تَفْتَؤُا وهي مرادة في الكلام، لأن اليمين إذا كان ما بعدها خبرا لم يصحبها الجحد، ولم تسقط «اللام» التي يجاب بها الأيمان وذلك كقول القائل: «والله لآتينك» وإذا كان ما بعدها مجحودا تلقيت ب «ما» أو ب «لا» ، فلما عرف موقعها حذفت من الكلام، لمعرفة السامع بمعنى الكلام» .
(1/445)

قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)
حَرَضاً: مريضا مدنفا «1» ، أحرضه الهمّ: أبلاه، وأحرض الرجل:
ولد له ولد سوء، وهو حارضة قومه: فاسدهم «2» .
86ثِّي
: هو تفريق الهمّ بإظهاره عن القلب.
و «التحسّس» «3» : طلب الشّيء بالحسّ.
88 مُزْجاةٍ: يسيره لا يعتدّ بها.
89 هَلْ عَلِمْتُمْ: معنى هَلْ ها هنا التذكير بحال يقتضي التوبيخ «4» ، والذي فعلوه بأخيه هو إفراده عن أخيه لأبيه وأمه مع شدّة إذلالهم إياه.
إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ: أي: جهل الصبا فاقتضى أنهم الآن على خلافه، ولولا ذلك لقال: وأنتم جاهلون، وحين قال لهم هذا أدركته الرقّة فدمعت عينه «5» .
92 لا تَثْرِيبَ: لا تعيير «6» . ثرّب: عدّد ذنبه.
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 2/ 54، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 221، وتفسير الطبري:
16/ 221، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 126، والمفردات للراغب: 113.
(2) تهذيب اللغة: 4/ 205، واللسان: (7/ 134- 136) (حرض) .
(3) من قوله تعالى: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ... [آية: 87] .
(4) ينظر تفسير الفخر الرازي: 18/ 207، وتفسير القرطبي: 9/ 255، والدر المصون:
6/ 551.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: 16/ 243 عن ابن إسحاق.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 301، والبغوي في تفسيره: 2/ 446 عن ابن إسحاق أيضا.
(6) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 222: «لا تعيير عليكم بعد هذا اليوم بما صنعتم، وأصل التثريب: الإفساد. يقال: ثرّب علينا: إذا أفسد» .
وانظر تفسير الطبري: 16/ 246، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 456، وتفسير الماوردي: - 2/ 302، واللسان: 1/ 235 (ثرب) .
(1/446)

وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)
94
تُفَنِّدُونِ: تعذلون «1» .
95 ضَلالِكَ الْقَدِيمِ: محبتك «2» أو محنتك «3» .
100 وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ: وكانوا بادية، أهل وبر ومواش.
والبادية: القوم المجتمعون الظاهرون للأعين «4» ، وعادة العامة أن البادية بلد الأعراب.
نَزَغَ الشَّيْطانُ: أفسد ما بينهم.
106 وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ: هو إيمان المشركين/ [48/ ب] بالله «5» وأنه الخالق الرازق ثم الأصنام شركاؤه وشفعاؤه.
وقيل «6» : إنه مثل قول الرجل: لولا الله وفلان لهلكت.
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 318، وتفسير الطبري: 16/ 252.
ونقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 304 عن ابن بحر، وأنشد لجرير:
يا عاذليّ دعا الملامة واقصرا ... طال الهوى وأطلتما التفنيدا
وقيل في معنى تُفَنِّدُونِ تسفهون، وقيل: تكذبون، وقيل: تقبحون، وقيل: تضللون، وقيل: تهرّمون.
ذكر هذه الأقوال القرطبي في تفسيره: 9/ 260، ثم قال: «وكله متقارب المعنى، وهو راجع إلى التعجيز وتضعيف الرأي ... » .
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (16/ 256، 257) عن قتادة، وسفيان الثوري، وابن جريج.
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 305، وتفسير الفخر الرازي: 18/ 212.
(3) ذكر نحوه الماوردي في تفسيره: 2/ 305 عن مقاتل.
(4) اللسان: 14/ 67 (بدا) . [.....]
(5) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: (16/ 286- 288) عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 294، وقال: «رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي، وقتادة» .
(6) نقله الماوردي في تفسيره: 2/ 312 عن أبي جعفر.
(1/447)

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)
وقال الحسن «1» : هم أهل الكتاب معهم شرك وإيمان. وإنما كان اليهوديّ مشركا مع توحيده لأن عظم جرمه بجحده النّبوّة قد قام مقام الإشراك في العبادة. وجاز أن يجتمع كفر وإيمان ولا يجتمع صفة مؤمن وكافر لأن صفة مؤمن مطلقا صفة مدح ويتنافى استحقاق المدح والذم.
109 وَلَدارُ الْآخِرَةِ: دار الحالة الآخرة، كقوله «2» : وَحَبَّ الْحَصِيدِ:
أي: وحبّ الزّرع الحصيد.
110 حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا: بالتشديد «3» الضمير للرسل. والظن بمعنى اليقين، أي: لما استيأس الرسل من إيمان قومهم وأنهم كذبوهم جاءهم نصرنا، وبالتخفيف «4» الضمير للقوم، أي: حسب القوم أن الرسل كاذبون فهم على هذا مكذوبون لأن كل من كذبك فأنت مكذوبه، كما في صفة الرسول- عليه السلام- الصّادق المصدوق، أي:
صدّقه جبريل عليه السلام.
وسئل سعيد بن جبير عنها- في دعوة حضرها الضحاك «5» مكرها-
__________
(1) نص هذا القول عن الحسن- رحمه الله- في الكشاف للزمخشري: 2/ 346.
وذكره القرطبي في تفسيره: 9/ 272 عن الحسن، وقال: «حكاه ابن الأنباري» .
(2) سورة ق: آية: 9.
(3) قراءة ابن كثير، ونافع وأبي عمرو، وابن عامر.
السبعة لابن مجاهد: 351، والتيسير للداني: 130.
وانظر توجيه هذه القراءة في معاني القرآن للزجاج: 3/ 132، والكشف لمكي: 2/ 15، والدر المصون: 6/ 565.
(4) قراءة عاصم، والكسائي، وحمزة. كما في السبعة لابن مجاهد: 352، والتبصرة لمكي:
230.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 132، والكشف لمكي: (2/ 15، 16) ، وتفسير القرطبي: (9/ 275، 276) ، والبحر المحيط: 5/ 355.
(5) هو الضحاك بن مزاحم الهلاليّ، تابعي، حدّث عن ابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير ... وغيرهم.
قال عنه الحافظ في التقريب: 280: «صدوق كثير الإرسال، من الخامسة» .
ترجمته في سير أعلام النبلاء: (4/ 598- 600) ، وطبقات الداودي: 1/ 222.
(1/448)

فقال: نعم حتى إذا استيئس الرسل من قومهم أن يصدقوهم وظن قومهم أن الرسل كذبوهم. فقال الضحاك: ما رأيت كاليوم قط، رجل يدعى إلى علم فيتلكأ!! لو رحلت في هذا إلى اليمن لكان يسيرا «1» .
__________
(1) أخرجه الطبري في تفسيره: 16/ 300.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 597، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(1/449)

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)
ومن سورة الرعد
2 بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها: أي: بعمد لا ترونها «1» . بل معناه: بغير عمد وترونها كذلك «2» .
و «العمد» جمع «عمود» «3» وعمدته: أقمته.
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ: استولى بالاقتدار ونفوذ السلطان «4» .
كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى: في أدوارها وأكوارها «5» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (16/ 323، 324) عن ابن عباس، ومجاهد، وذكره الفراء في معانيه: 2/ 57، فقال: «خلقها بعمد لا ترونها، لا ترون تلك العمد. والعرب قد تقدم الحجة من آخر الكلمة إلى أولها يكون ذلك جائزا» .
(2) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 3/ 136.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 315 عن قتادة، وإياس بن معاوية.
قال الطبري في تفسيره: 16/ 325: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها فهي مرفوعة بغير عمد تراها، كما قال ربنا جل ثناؤه ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه» .
(3) في تفسير الطبري: 16/ 322: «والعمد» جمع عمود، وهي السّواري، وما يعمد به البناء، ... وجمع «العمود» عمد، كما جمع «الأديم» أدم، ولو جمع بالضم فقيل «عمد» جاز، كما يجمع «الرسول» رسل، و «الشكور» شكر» .
وانظر المفردات للراغب: 346، وتفسير البغوي: 3/ 5، وتفسير الفخر الرازي:
18/ 236.
(4) ينظر تفسير «الاستواء» فيما سبق 78، ومذهب السلف في «الاستواء» أنه معلوم والكيف مجهول.
(5) قال الراغب في المفردات: 443: «كور الشيء إدارته وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة، وقوله: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ فإشارة إلى جريان الشمس في مطالعها وانتقاص الليل والنهار وازديادهما» .
وانظر الصحاح: 2/ 810، واللسان: 5/ 156 (كور) .
(1/450)

وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8)
3 وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ: نوعين اثنين من الحلو والحامض، والرّطب واليابس، والنافع والضار ولهذا لم يقع الاكتفاء ب «الزوجين» عن «الاثنين» «1» .
4 صِنْوانٌ: مجتمعة متشاكلة «2» . قيل «3» : هي النخلات، أصلها واحد، وركيّتان «4» صنوان إذا تقاربتا ولم يكن بينهما حوض.
و «المثلات» «5» : العقوبات يمثّل بها «6» ، واحدها «مثله» / [49/ أ] ك «صدقة» و «صدقات» «7» .
8 وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ: تنقص من مدة الولادة، وَما تَزْدادُ عليها.
أو ما تغيض من استواء الخلق، وما تزداد من الحسن والجثّة.
__________
(1) عن تفسير الماوردي: 2/ 316.
وأورده المؤلف في كتابه وضح البرهان: 1/ 472، وأضاف: «فهو من مشاكلة النقيض للنقيض، لأن الأشكال تقابل بالتناقض أكثر مما تقابل بالنظائر» .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 321، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 224، وتفسير الطبري: 16/ 329، وتفسير القرطبي: 9/ 281. [.....]
(2) ذكره نحوه الماوردي في تفسيره: 2/ 317، وقال: «قاله بعض المتأخرين» .
(3) عزاه المؤلف في وضح البرهان: 1/ 472 إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرجه الطبري في تفسيره: (16/ 335- 338) عن البراء بن عازب، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
وذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 58، وأبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 322، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 224.
(4) الركيّة: البئر.
الصحاح: 6/ 2361، واللسان: 14/ 334 (ركا) .
(5) من قوله تعالى: وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ ... [آية: 6] .
(6) ينظر تفسير الطبري: 16/ 350، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 472، وتفسير الماوردي:
2/ 318، وتفسير القرطبي: 9/ 284.
(7) معاني القرآن للفراء: 2/ 59، وتفسير الطبري: 16/ 350.
(1/451)

سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ: أي: كل ما يفعله- تعالى- على مقدار الحكمة والحاجة بلا زيادة ولا نقصان.
10 مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ: مخف عمله في ظلمة اللّيل «1» .
وَسارِبٌ: ذاهب سارح «2» . وقيل: [هو] «3» الداخل في سربه، أي: مذهبه «4» . مستتر فيها.
11 لَهُ مُعَقِّباتٌ: الملائكة «5» ، يتعاقبون بأمر الله في العالم، يأتي بعضهم في عقب بعض.
عقّب وعاقب وتعقّب وتعاقب. وفي الحديث «6» : «كان عمر يعقّب
__________
(1) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 320.
وانظر تفسير الطبري: 16/ 366، وزاد المسير: 4/ 309.
(2) عن تفسير الماوردي: 2/ 320، ونص كلامه: «والسارب: هو المنصرف الذاهب، مأخوذ من السّروب في المرعى، وهو بالعشي، والسروح بالغداة ... » .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 225، والمفردات للراغب: 229.
(3) عن نسخة «ج» .
(4) في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 323: «مجازه: سالك في سربه، أي: مذاهبه ووجوهه، ومنه قولهم: أصبح فلان آمنا في سربه، أي في مذاهبه وأينما توجه» .
وانظر تفسير الطبري: 16/ 367، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 141، وتفسير البغوي:
3/ 9، والمفردات للراغب: 299..
(5) ينظر تفسير الطبري: 216/ 370، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 142، وتفسير البغوي:
3/ 9، وزاد المسير: 4/ 310.
وفي الحديث المرفوع: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» .
صحيح البخاري: 1/ 139، كتاب مواقيت الصلاة، باب «فضل صلاة العصر» .
صحيح مسلم: 1/ 439، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب «فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما» .
(6) أخرجه أبو داود في سننه: 3/ 364، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب «في تدوين العطاء» .
وانظر غريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 110، والنهاية: 3/ 267.
(1/452)

وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13)
الجيوش كل عام» ، أي: يردّ قوما ويبعث آخرين.
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ: بما أمرهم الله به، تقول: جئتك من دعائك، أي: بدعائك «1» .
13 وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ: يدعو إلى تسبيح الله بما فيه من الآيات «2» .
وَالْمَلائِكَةُ: الملك على مفهوم دين نبينا- صلوات الله عليه- جسم رقيق «3» هوائيّ حيّ على الصورة المخصوصة ذات الأجنحة «4» ، اصطفاه الله تعالى لرسالته وعظّمه على غيره.
والرّعد: اصطكاك أجرام السحاب بقدرة الله «5» .
والصّاعقة: نار لطيفة تسقط من السماء بحال هائلة «6» .
__________
(1) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 60، وقال: «كما تقول للرجل: أجبتك من دعائك وإياي وبدعائك إياي» .
وانظر تفسير الطبري: 16/ 386، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 142، وزاد المسير:
4/ 311.
(2) الأولى إجراء التسبيح على ظاهره، ولا حاجة لمثل هذا التأويل، فالقرآن أثبت التسبيح للجمادات جميعا، قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ.
وقال الشوكاني في تسبيح الرعد: «أي» : يسبح الرعد نفسه بحمد الله، أي ملتبسا بحمده، وليس هذا بمستبعد، ولا مانع من أن ينطقه بذلك ... » .
ينظر فتح القدير: 3/ 72. [.....]
(3) وهم مخلوقون من نور كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه:
4/ 2294، كتاب الزهد والرقائق، باب أحاديث متفرقة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار ... » .
(4) يدل عليه قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ... [آية: 1 من سورة فاطر] .
(5) تفسير الفخر الرازي: 2/ 87.
(6) قال الفخر الرازي في معنى الصاعقة: «إنها قصف رعد ينقض منها شعلة من نار. وهي نار لطيفة قوية لا تمر بشيء إلا أنت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود» . تفسيره: 2/ 88.
(1/453)

لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15)
شَدِيدُ الْمِحالِ: عظيم الحول والقوة «1» ، أو المكر وهو العقوبة «2» على وجه الاستدراج.
14 لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ: أي: لله دعوة الحقّ من خلقه، وهي شهادة أن لا إله إلّا الله على إخلاص التوحيد «3» .
وقال الحسن «4» : الله الحق فمن دعاه دعا بحق «5» .
15 وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً: أي: السجود واجب الله، فالمؤمن يفعله طوعا والكافر يؤخذ به كرها «6» .
أو الكافر في حكم الساجد وإن أباه، لما فيه من الحاجة الداعية إلى الخضوع. وأما سجود الظل «7» فيما فيه من التغيّر الدّال على مغيّر غير متغيّر.
وَالْآصالِ: جمع «أصل» ، و «أصل» جمع «أصيل» وهو ما بين
__________
(1) أخرج الطبري في تفسيره: 16/ 396 عن مجاهد قال: «شديد القوة» ، كذا أخرجه عن ابن زيد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 333، والبغوي في تفسيره: 3/ 11، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 316 عن مجاهد أيضا.
(2) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 325، وذكره البغوي في تفسيره: 3/ 11، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 316.
(3) أخرج عبد الرزاق هذا القول في تفسيره: 260 عن ابن عباس، وقتادة.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 16/ 398 عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد.
واختاره الطبري رحمه الله.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 628، وزاد نسبته إلى الفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) ينظر قوله في الكشاف: 2/ 354، وزاد المسير: 4/ 317، وتفسير الفخر الرازي:
19/ 30، وتفسير القرطبي: 9/ 300.
(5) في «ج» : الحق.
(6) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 61، وتأويل مشكل القرآن: 418، وتفسير الطبري:
16/ 403، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 144، وتفسير الماوردي: 2/ 325.
(7) من قوله تعالى: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ.
(1/454)

أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)
العصر إلى المغرب.
17 أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ يعني القرآن فإنه في عموم نفعه كالمطر «1» .
29 طُوبى لَهُمْ: نعمى «2» ، أو/ حسنى «3» «فعلى» من الطيّب، [49/ ب] تأنيث الأطيب.
31 وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ: حين سألت قريش هذه المعاني «4» ، وحذف جوابها ليكون أبلغ عبارة وأعمّ فائدة.
أَفَلَمْ يَيْأَسِ: لم يعلم ولم يتبين «5» ، سمّي العلم يأسا لأنّ العالم يعلم ما لا يعلم غيره فييأس منه، أو هو اليأس المعروف «6» ، أي: لم ينقطع
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 2/ 61.
وقال الماوردي في تفسيره: 2/ 327: «وهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن وما يدخل منه في القلوب، فشبه القرآن بالمطر لعموم خيره وبقاء نفعه، وشبه القلوب بالأودية يدخل فيها من القرآن مثل ما يدخل في الأودية من الماء بحسب سعتها وضيقها» .
(2) نقله ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 328، عن عكرمة.
وكذا القرطبي في تفسيره: 9/ 316، وأبو حيان في البحر المحيط: 5/ 389.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 435 عن قتادة.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 330، والبغوي في تفسيره: 3/ 18، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 328 عن قتادة أيضا. [.....]
(4) سألت قريش إحياء الموتى، وتوسيع أودية مكة. وغير ذلك.
ينظر ذلك في تفسير الطبري: (16/ 447- 450) ، وأسباب النزول للواحدي: 316، وتفسير ابن كثير: 4/ 382، والدر المنثور: (4/ 651- 653) .
(5) نص هذا القول في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 332، واختاره الطبري في تفسيره: 16/ 455.
ينظر هذا القول- أيضا- في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 227، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 149، ومعاني النحاس: 3/ 497.
قال النحاس: «وأكثر أهل اللغة على هذا القول» . ونقل النحاس عن الكسائي أنه قال: «لا أعرف هذه، ولا سمعت من يقول: يئست بمعنى علمت» .
(6) هذا قول الكسائي كما في معاني القرآن للنحاس: 3/ 498، وتفسير الماوردي: 2/ 331، وزاد المسير: 4/ 332. وانظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 149، وتفسير الفخر الرازي:
19/ 55.
(1/455)

أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35)
طمعهم من خلاف هذا علما بصحته، أو أفلم ييأسوا من إيمانهم في الكافرين.
33 وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ: أي: صفوهم بما فيهم ليعلموا أنها لا تكون آلهة «1» .
أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ: أي: ب «الشريك» ، أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ: باطل زايل «2» .
وقد تضمنت الآية إلزاما تقسيميا، أي: أتنبئون الله بباطن لا يعلمه أم بظاهر يعلمه؟ فإن قالوا: بباطن لا يعلمه أحالوا، وإن قالوا: بظاهر يعلمه قل: سمّوهم ليعلموا أنّه لا سميّ له ولا شريك «3» .
35 مَثَلُ الْجَنَّةِ: صفتها «4» ، كقوله «5» : وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى: أي:
صفته العليا، أو: مثل الجنّة أعلى مثل فحذف الخبر «6» .
__________
(1) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 332.
وانظر تفسير البغوي: 3/ 21، وزاد المسير: 4/ 333.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 466 عن قتادة، والضحاك.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 333، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 333 عن قتادة.
(3) ينظر ما سبق في تفسير القرطبي: (9/ 322، 323) .
(4) معاني القرآن للفراء: 2/ 65، وذكره الطبري في تفسيره: 16/ 469 عن بعض النحويين البصريين، فنقل ما نصه: «معنى ذلك: صفة الجنة، قال: ومنه قوله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى، معناه: ولله الصفة العليا. قال: فمعنى الكلام في قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أو فيها أنهار، كأنه قال: وصف الجنة صفة تجري من تحتها الأنهار، أو صفة فيها أنهار، والله أعلم» .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 150، ومعاني النحاس: 3/ 501، وتفسير البغوي:
3/ 21، والمحرر الوجيز: 8/ 176، والبحر المحيط: 5/ 395.
(5) سورة النحل: آية: 60.
(6) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: (1/ 333، 334) .
وانظر البيان لابن الأنباري: 2/ 52، والتبيان للعكبري: 2/ 759، والبحر المحيط: 5/ 395.
(1/456)

وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41)
36 وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ: يعني أصحاب محمد «1» .
وَمِنَ الْأَحْزابِ: اليهود والنصارى والمجوس «2» .
39 يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ: من الأعمال التي يرفعها الحفظة، فلا يثبت إلا ما له ثواب أو عليه عقاب «3» .
وعن ابن عباس «4» رضي الله عنه: إنّ الله يمحو ويثبت مما كتب من أمر العباد إلا أصل السعادة والشقاوة فإنه في أمّ الكتاب. وإثبات ذلك ليعتبر المتفكر فيه بأن ما يحدث على كثرته قد أحصاه الله.
41 نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها: بالفتوح على المسلمين من أرض الكافرين «5» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 473 عن قتادة.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 333 عن قتادة وابن زيد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 658، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن أبي حاتم عن قتادة.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 474 عن ابن زيد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 658، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ عن ابن زيد أيضا.
(3) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 66، وأورده النحاس في معاني القرآن: 3/ 502 من رواية أبي صالح.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 335 عن الضحاك. وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 338 عن الضحاك، وأبي صالح.
(4) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: 263، والطبري في تفسيره: 16/ 477.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 334 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 659، وزاد نسبته إلى الفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الشعب» عن ابن عباس أيضا.
(5) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 229، وأخرجه الطبري في تفسيره: 16/ 494 عن ابن عباس، والحسن، والضحاك. ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 335.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 340، وقال: «رواه العوفي عن ابن عباس» .
ورجح الطبري هذا القول، وكذا ابن كثير في تفسيره: 4/ 393. [.....]
(1/457)

وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)
وقيل «1» : بموت العلماء وخيار أهلها.
لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ: لا رادّ لقضائه.
42 فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً: أي: جزاء المكر «2» .
43 كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً: دخول الباء لتحقيق الإضافة من جهة الإضافة وجهة حرف الإضافة.
وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ: مثل عبد الله بن سلام، وتميم الداري «3» ، وسلمان الفارسي.
__________
(1) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 66، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 229.
وأخرج نحوه الطبري في تفسيره: 16/ 497 عن ابن عباس، ومجاهد.
وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره: 1/ 264 عن مجاهد.
وأخرج الحاكم في المستدرك: 2/ 350، كتاب التفسير، «تفسير سورة الرعد» من طريق الثوري عن طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال: «موت علمائها وفقهائها» .
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، وتعقبه الذهبي بقوله: طلحة بن عمرو. قال أحمد: متروك» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 4/ 665، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في الفتن، وابن المنذر، وابن أبي حاتم- كلهم- عن ابن عباس بنحوه.
(2) تفسير الفخر الرازي: 19/ 70، وتفسير القرطبي: 9/ 335، والبحر المحيط: (5/ 400، 401) .
(3) تميم الداري صحابيّ جليل، منسوب إلى الدار، بطن من لخم. أسلم تميم سنة تسع للهجرة، ومات بالشام، رضي الله تعالى عنه.
ترجمته في الاستيعاب: 1/ 193، وأسد الغابة: 1/ 256، والإصابة: 1/ 367.
ينظر القول الذي ذكره المؤلف في تفسير الطبري: 16/ 503، وزاد المسير: 4/ 341، والتعريف والإعلام: 85، ومفحمات الأقران: 127.
(1/458)

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9)
ومن سورة إبراهيم
3 يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ: يعتاضونها ويؤثرونها/ [50/ أ] عليها.
5 وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ: بنعم أيامه ونقمها «1» .
7 تَأَذَّنَ [رَبُّكُمْ] «2» : آذن وأعلم، كقولك: توعّد وأوعد «3» .
9 فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ: عضوا عليها من الغيظ «4» ، أو ردّوا أيديهم على أفواه الرّسل على المثل «5» ، إما على ردّهم قولهم، وإما لخوفهم
__________
(1) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 155، ونص كلامه: «وتذكيرهم بأيام الله، أي: تذكيرهم بنعم الله عليهم، وبنقم الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود، أي: ذكرهم بالأيام التي سلفت لمن كفر وما نزل بهم فيها، وذكرهم بنعم الله ... » .
وانظر تفسير الطبري: 16/ 519، وزاد المسير: 4/ 346.
(2) في الأصل: «ربك» ، وهي قراءة نسبها الفخر الرازي في تفسيره: 19/ 86، إلى ابن مسعود رضي الله عنه، والمثبت في النص موافق لرسم المصحف والقراءات المعتمدة.
(3) ينظر تفسير الطبري: 16/ 526، ومعاني القرآن للنحاس: 3/ 517.
(4) روى هذا القول عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
أخرج ذلك عبد الرزاق في تفسيره: 265، والطبري في تفسيره: (16/ 530- 533) ، والحاكم في المستدرك: 2/ 351، وقال: «هذا حديث صحيح بالزيادة على شرطهما» ، ووافقه الذهبي.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 340 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 10، وزاد نسبته إلى الفريابي، وأبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود. ورجح الطبري هذا القول في تفسيره:
16/ 535، وكذا النحاس في معاني القرآن: (3/ 519، 520) .
(5) ذكره الطبري في تفسيره: 16/ 535 دون عزو.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 341، وابن عطية في المحرر الوجيز: 8/ 208، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 349 عن الحسن رحمه الله.
(1/459)

مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)
منهم، وإما بإيمائهم إليهم أن اسكتوا «1» .
وحكى أبو عبيدة «2» : كلّمته في حاجتي فرد يده في فيه: إذا سكت فلم يجب.
16 مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ: من ماء مثل الصديد كقولك: هو أسد «3» ، أو من ماء يصدّ الصّادي عنه لشدته «4» .
17 وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ: أي: أسبابه من جميع جسده «5» .
18 فِي يَوْمٍ عاصِفٍ: ذي عصوف «6» ، أو عاصف الرّيح.
__________
(1) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 156.
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 340، وزاد المسير: 4/ 349، وتفسير القرطبي: 9/ 345.
(2) مجاز القرآن: 1/ 336، ونص كلامه: «مجازه مجاز المثل، وموضعه موضع كفوا عما أمروا بقوله من الحق ولم يؤمنوا به ولم يسلموا، ويقال: ردّ يده في فمه، أي أمسك إذا لم يجب» .
ونقل ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 230 قول أبي عبيدة هذا ثم قال: «ولا أعلم أحدا قال: ردّ يده في فيه، إذا أمسك عن الشيء! والمعنى: ردّوا أيديهم في أفواههم، أي: عضوا عليها حنقا وغيظا ... » .
وأورد الطبري في تفسيره: 16/ 535 قول أبي عبيدة ورده بقوله: «وهذا أيضا قول لا وجه له، لأن الله عز ذكره، قد أخبر عنهم أنهم قالوا: «إنا كفرنا بما أرسلتم» ، فقد أجابوا بالتكذيب» .
(3) عن تفسير الماوردي: 2/ 343، ونص كلامه: «من ماء مثل الصديد، كما يقال للرجل الشجاع: أسد، أي: مثل الأسد.
وانظر هذا المعنى في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 331، ومعاني النحاس: 3/ 522، وتفسير الفخر الرازي: 19/ 105، وتفسير القرطبي: 9/ 351.
(4) في تفسير الماوردي: 2/ 343: «من ماء كرهته تصد عنه، فيكون الصديد مأخوذا من الصد» .
والصادي شديد العطش كما في النهاية: 3/ 19.
(5) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 343 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وكذا القرطبي في تفسيره: 9/ 352.
(6) قال الفراء في معانيه: (2/ 73، 74) : «فجعل «العصوف» تابعا لليوم في إعرابه، وإنما العصوف للريح وذلك جائز على جهتين، إحداهما: أن العصوف وإن كان للريح فإن اليوم يوصف به لأن الريح فيه تكون، فجاز أن تقول: «يوم عاصف كما تقول: يوم بارد ويوم حار ... » .
والوجه الآخر: أن يريد في يوم عاصف الريح، فتحذف الريح لأنها ذكرت في أول الكلمة» .
وانظر تفسير الطبري: (16/ 554، 555) ، وتفسير الماوردي: 2/ 344، وتفسير البغوي:
3/ 30، والمحرر الوجيز: 8/ 221، وتفسير القرطبي: 9/ 353. [.....]
(1/460)

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28)
22 بِمُصْرِخِكُمْ: الصّارخ: المستغيث، والمصرخ: المغيث «1» . من لغات السّلب كالمشكي والمعتب «2» .
26 اجْتُثَّتْ: انتزعت كأنه أخذت جثتها بكمالها «3» .
27 بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ: المسألة في القبر «4» .
28 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً: قال عليّ رضي الله عنه:
هم الأفجران من قريش: بنو أمية، وبنو المغيرة، فأما بنو أمية فمتّعوا إلى حين، وأمّا بنو المغيرة فأخزاهم الله يوم بدر «5» . وعن ابن عمر «6»
__________
(1) تهذيب اللغة: 7/ 135، واللسان: 3/ 33 (صرخ) وهو في تفسير الفخر الرازي: 19/ 116 عن ابن الأعرابي.
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 339، وتفسير الطبري: 16/ 561، ومعاني الزجاج:
3/ 159، وتفسير القرطبي: 9/ 357.
(2) المشكي والمعتب من أساليب السلب، وهي صفة إذا أطلقت على الشيء نفت ضدها.
ينظر اللسان: 1/ 578، وتاج العروس: 3/ 311 (عتب) . ومعاني النحاس: 3/ 529، والمفردات للراغب: (88، 447) .
(3) معاني القرآن للزجاج: 3/ 161.
(4) ثبت ذلك في رواية أخرجها الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 220، كتاب التفسير، باب «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت» عن البراء بن عازب رضي الله عنه مرفوعا.
وكذا في صحيح مسلم: 4/ 2201، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه» .
وانظر تفسير الطبري: 16/ 589، وتفسير ابن كثير: 4/ 413.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: 13/ 221، والحاكم في المستدرك: 2/ 352، كتاب التفسير، وقال: «هذا حديث صحيح ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 41، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه عن علي رضي الله تعالى عنه.
(6) كذا في «ك» ، ولم أقف على هذا الأثر عنه. لكن الإمام البخاري أخرجه في التاريخ الكبير:
8/ 373 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مختصرا.
وكذا الطبري في تفسيره: 13/ 221 وإسناده حسن ورجاله ثقات، إلا حمزة بن حبيب الزيات فهو صدوق كما في التقريب: 179.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 41، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه عن عمر رضي الله عنه، ولعل «ابن» زائدة هنا فيكون من مسند عمر رضي الله عنه. وفي صحيح البخاري: 5/ 220، كتاب التفسير باب «ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «هم كفار أهل مكة» .
(1/461)

وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)
رضي الله عنهما مثله.
33 دائِبَيْنِ: دائمين فيما سخرهما الله عليه.
34 وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ: ما احتجتم إليه من غنى وعافية وولد وخول «1» ونجاة وشرح صدر ونحوها.
37 أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ: تكسير «وفود» على «أوفدة» «2» ثم قلب اللّفظ وقلبت الواو ياء كما قلبت في الأفئدة جمع «فؤاد» .
تَهْوِي إِلَيْهِمْ: تقصدهم.
40 وتقبّل دعائي «3» : عبادتي «4» .
41 رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ: كانا في الأحياء فرجي إيمانهما «5» ، أو هو على وجه التعليم.
__________
(1) في النهاية: 2/ 88: «الخول: حشم الرجل وأتباعه، واحدهم خائل. وقد يكون واحدا، ويقع على العبد والأمة، وهو مأخوذ من التخويل: التملك، وقيل: من الرعاية» .
(2) تفسير القرطبي: 9/ 373.
(3) بإثبات الياء في الوصل، وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وحفص عن عاصم.
ورواية البزّي عن ابن كثير إثبات الياء في الوصل والوقف.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 363، والتبصرة لمكي: 237، والبحر المحيط: 5/ 434.
(4) تفسير الطبري: 13/ 235، والكشاف: 2/ 382، وتفسير الفخر الرازي: 19/ 142، وتفسير القرطبي: 9/ 375.
(5) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 351، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 369، والفخر الرازي في تفسيره: 19/ 142.
(1/462)

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)
42 تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ: ترتفع «1» .
43 مُهْطِعِينَ: مسرعين «2» ، وبعير مهطع: في عنقه تصويب خلقة «3» ، ولا يفسّر بالإطراق «4» ، لقوله: مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ، والإقناع: رفع الرأس إلى السّماء من غير إقلاع «5» .
وقيل «6» : المقنع والمقمح الشّاخص ببصره.
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ: جوف عن القلوب للخوف «7» .
وقيل «8» : منخرقة للرّعب كهواء الجوّ في الانخراق وبطلان الإمساك
__________
(1) تفسير البغوي: 3/ 39، واللسان: 7/ 46 (شخص) .
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 342، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 233، ورجحه الطبري في تفسيره: 13/ 237.
ونقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 2/ 352 عن سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة.
وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 370، والقرطبي في تفسيره: 9/ 376.
(3) عن الليث في تهذيب اللغة: 1/ 134، واللسان: 8/ 372 (هطع) . [.....]
(4) وهو قول ابن زيد كما في تفسير الطبري: 13/ 237، وتفسير الماوردي: 2/ 352، وزاد المسير: 4/ 370، وتفسير القرطبي: 9/ 376.
(5) معاني القرآن للزجاج: 3/ 166، وتفسير البغوي: 3/ 39، وتفسير الفخر الرازي:
19/ 144، واللسان: 8/ 299 (قنع) .
(6) معاني القرآن للنحاس: 3/ 538، وقال الفراء في معانيه: 2/ 373: «والمقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه» .
وقال الزجاج في معانيه: 4/ 279: «المقمح: الرافع رأسه الغاض بصره» .
وانظر تهذيب اللغة: (4/ 81، 82) ، والمفردات للراغب: 412، واللسان: 2/ 566 (قمح) .
(7) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 344، وتفسير البغوي: 3/ 39، وزاد المسير: 4/ 371 عن أبي عبيدة.
(8) تفسير الماوردي: 2/ 353، والمحرر الوجيز: 8/ 261، وزاد المسير: 4/ 371، وتفسير القرطبي: 9/ 377.
قال البغوي في تفسيره: 3/ 39: «وحقيقة المعنى: أن القلوب زائلة عن أماكنها والأبصار شاخصة من هول ذلك اليوم» .
(1/463)

وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49)
[50/ ب] فالهواء لا يثبت على حال ولا يثبت فيه شيء/
44 يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ: نصب يَوْمَ على المفعول به والعامل فيه «أنذرهم» ، وليس بظرف. [إذا] «1» لم يؤمر بالإنذار في ذلك اليوم.
46 وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ: أي: ما كان توهينا لأمرهم «2» .
48 يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ: تصوّر صورة أخرى أرضا بيضاء كالفضّة لم يعمل عليها معصية «3» ، وَالسَّماواتُ: بانتشار نجومها «4» .
49 مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ: يجمعون في الأغلال كما كانوا مقترنين على الضلال «5» .
__________
(1) في الأصل: «إذا» ، والمثبت في النص من «ك» و «ج» .
(2) تفسير الماوردي: 2/ 354، وزاد المسير: 4/ 374.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 8/ 264: «وهذا على أن تكون إِنْ نافية بمعنى «ما» ، ومعنى الآية تحقير مكرهم، وأنه ما كان لتزول منه الشرائع والنبوات وأقدار الله بها التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها، وهذا تأويل الحسن وجماعة المفسرين» .
(3) ورد في هذا المعنى أثر أخرجه الطبري في تفسيره: 13/ 164 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل فيها خطيئة» .
وأخرج نحوه الطبراني في المعجم الكبير: 9/ 232.
وأشار إليه الهيثمي في مجمع الزوائد: 7/ 48، وقال: «إسناده جيد» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 57، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والحاكم، والبيهقي في «البعث» عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفا.
وأخرج الطبراني في المعجم الكبير: 10/ 199 عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، قال: أرض بيضاء، كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل فيها بمعصية» .
وفي إسناده جرير بن أيوب البجلي، قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: 7/ 48: وهو متروك» .
(4) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 169، والماوردي في تفسيره: 2/ 355.
(5) عن تفسير الماوردي: 2/ 355.
وانظر معنى «الأصفاد» في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 234، ومعاني القرآن للزجاج:
3/ 170، ومعاني النحاس: 3/ 546، والمفردات للراغب: 282.
(1/464)