Advertisement

إيجاز البيان عن معاني القرآن 003



الكتاب: إيجاز البيان عن معاني القرآن
المؤلف: محمود بن أبى الحسن بن الحسين النيسابوري أبو القاسم، نجم الدين (المتوفى: نحو 550هـ)
المحقق: الدكتور حنيف بن حسن القاسمي
الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت
الطبعة: الأولى - 1415 هـ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12)
ومن سورة الحجر
2 رُبَما «1» يَوَدُّ: ربّ للتقليل «2» ، فيكون معناه هنا أنّه يكفي قليل النّدم فكيف كثيره؟ أو العذاب يشغلهم عن تمنّي ذلك إلّا في القليل، أو يقينهم أنه لا يغني عنهم التمني أقل تمنيهم.
12 كَذلِكَ نَسْلُكُهُ: ندخله، أي: الكذب أو الاستهزاء، عن قتادة «3» ،
__________
(1) بتشديد الباء قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي وبالتخفيف قراءة عاصم ونافع.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 366، وحجة القراءات: 380، والتبصرة لمكي: 238.
وفي حجة القراءات عن الكسائي أنه قال: «هما لغتان والأصل التشديد، لأنك لو صغّرت «ربّ» لقلت: «ربيب» ، فرددت إلى أصله» .
(2) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 173، ورد قول من قال إنها للتكثير فقال: «فأما من قال إن «ربّ» يعنى بها الكثير فهذا ضد ما يعرفه أهل اللغة لأن الحروف التي جاءت لمعنى تكون على ما وضعت العرب، ف «رب» موضوعة للتقليل، و «كم» موضوعة للتكثير، وإنما خوطبوا بما يعقلون ويستفيدون» .
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 19/ 156: «اتفقوا على أن «رب» موضوعة للتقليل ... » .
وقيل: إن «ربّ» وضعت في الأصل للتقليل ولكنها في هذا الموضع جاءت للتكثير، ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 358، والبغوي في تفسيره: 3/ 43، وابن الأنباري في البيان:
2/ 64، والقرطبي في تفسيره: (10/ 1، 2) ، وأبو حيان في البحر المحيط: 5/ 442، وقال: «ودعوى أبي عبد الله الرازي الاتفاق على أنها موضوعة للتقليل باطلة، وقول الزجاج أن «ربّ» للكثرة ضد ما يعرفه أهل اللغة ليس بصحيح، وفيها لغات وأحكامها كثيرة ذكرت في كتب النحو، ولم تقع في القرآن إلا في هذه السورة على كثرة وقوعها في لسان العرب» .
(3) أخرج الطبري في تفسيره: 14/ 9 عن قتادة قال: «إذا كذبوا سلك الله في قلوبهم أن لا يؤمنوا به» .
وينظر تفسير البغوي: 3/ 45، والمحرر الوجيز: 8/ 287، وتفسير الفخر الرازي:
- 19/ 166، وتفسير القرطبي: 10/ 7.
(1/465)

لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)
ويكون ذلك بالإخطار بالبال ليجتنب.
وقال الحسن «1» : هو الذكر وإن لم يؤمنوا به.
15 سُكِّرَتْ أَبْصارُنا: سدّت. من سكر الشق «2» ، وليلة ساكرة:
مكفوفة الريح والبرد «3» .
19 مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ: مقدّر، بمقدار لا ينقص عن الحاجة ولا يزيد زيادة تخرج عن الفائدة، ولو كان المراد الأشياء الموزونة فذكرها دون الكيل، لانتهاء الكيل إلى الوزن.
20 وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: أي: ولمن لستم ترزقونه، أو هو منّة بالخول كما منّ ب المعايش.
21 خَزائِنُهُ: مقدوراته، لأنّ الله يقدر أن يوجد ما شاء من جميع الأجناس «4» .
22 لَواقِحَ: بمعنى ملاقح «5» على تقدير: ذوات لقاح أو لقحة «6» .
__________
(1) أورده القرطبي في تفسيره: 10/ 7، وقال: «ذكره الغزنوي» . [.....]
(2) في تفسير الفخر الرازي: 19/ 171: «وأصله من «السكر» ، وهو سد الشق لئلا ينفجر الماء» .
وفي اللسان: 4/ 375 (سكر) : «وسكر النهر يسكره سكرا: سدّ فاه. وكل شق سدّ فقد سكر، والسّكر ما سدّ به، والسّكر: سد الشق ومنفجر الماء» .
(3) ينظر الصحاح: 2/ 688، واللسان: 4/ 375 (سكر) .
(4) المحرر الوجيز: 8/ 295.
(5) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 348، ونص كلامه: «مجازها مجاز «ملاقح» ، لأن الريح ملقحة للسّحاب، والعرب قد تفعل هذا فتلقي الميم لأنها تعيده إلى أصل الكلام ... » .
قال الجوهري في الصحاح: 1/ 401 (لقح) : «ورياح لواقح، ولا يقال ملاقح، وهو من النوادر» .
وأورد ابن قتيبة قول أبي عبيدة ثم قال: «ولست أدري ما اضطره إلى هذا التفسير بهذا الاستكراه. وهو يجد العرب تسمى لواقح، والريح لاقحا ... » .
راجع تفسير غريب القرآن: 236.
(6) ينظر كتاب الريح لابن خالويه: (79، 80) ، وتفسير الفخر الرازي: 19/ 180.
(1/466)

وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24)
والرّياح- ولا سيما- الصّبا «1» ملقحة للسّحاب.
وفي الحديث «2» : «الرياح أربعة: الأولى تقمّ الأرض قما «3» ، والثانية تثير السّحاب فتبسطه في السّماء وتجعله كسفا «4» ، والثالثة تؤلف بينه فتجعله ركاما، والرابعة اللّواقح» .
فَأَسْقَيْناكُمُوهُ: أسقاه، إذا جعل لأرضه سقيا «5» وإذا دعا له بالسّقيا.
24 الْمُسْتَقْدِمِينَ: الذين كانوا وماتوا «6» . أو أراد المستقدمين في الخير والمستأخرين عنه «7» .
__________
(1) قال المبرد في الكامل: 2/ 953: «إذا هبت من تلقاء الفجر فهي «الصّبا» تقابل القبلة، فالعرب تسميها القبول» .
وفي اللسان: 14/ 451 (صبا) : «الصّبا ريح معروفة تقابل الدبور» .
وفي الحديث المرفوع: «نصرت بالصّبا وأهلكت عادٌ بالدّبور» .
صحيح البخاري: 4/ 76، كتاب بدء الخلق، باب «ما جاء في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ.
وصحيح مسلم: 2/ 617، كتاب الاستسقاء، باب «في ريح الصبا والدبور» .
(2) أخرج- نحوه- الطبري في تفسيره: 14/ 21 عن عبيد بن عمير.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 73، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن عبيد بن عمير أيضا.
(3) في اللسان: 12/ 493 (قمم) : «قمّم الشيء قما: كنسه» .
(4) بمعنى: قطعا.
ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 261، والمفردات للراغب: 431، وتحفة الأريب: 272.
(5) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 350، وتفسير الطبري: 14/ 22، والمفردات للراغب:
236، وتهذيب اللغة: 9/ 228، واللسان: 14/ 391 (سقي) .
(6) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: (14/ 23، 24) عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابن زيد ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 366 عن الضحاك. وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 396 عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، والقرظي.
(7) أخرجه الطبري في تفسيره: 14/ 25 عن الحسن.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 366 عن قتادة. والبغوي في تفسيره: 3/ 48 عن الحسن.
وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 397 عن قتادة، والحسن.
(1/467)

وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27)
و «الصّلصال» «1» : الطين اليابس الذي يصلّ بالنّقر كالفخّار «2» .
[51/ أ] والحمأ: الطين الأسود «3» /.
و «المسنون» : المصبوب، سننت الماء: صببته «4» ، أو المصوّر، من سنّة الوجه: صورته «5» ، أو المتغيّر، من سننت الحديدة على المسنّ فتغيّر بالتحديد «6» .
27 وَالْجَانَّ: أبو الجنّ إبليس «7» .
__________
(1) من قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [آية: 26] .
(2) في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 350: «الصلصال: الطين اليابس الذي لم تصبه نار فإذا نقرته صلّ فسمعت له صلصلة، فإذا طبخ بالنار فهو فخّار، وكل شيء له صلصلة صوت فهو صلصال سوى الطين» .
ومعنى: يصلّ يصوت كما في معاني القرآن للزجاج: 3/ 178.
وانظر غريب القرآن لليزيدي: 200، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 237، وتفسير الطبري: 14/ 27، والمفردات للراغب: 284. [.....]
(3) تفسير الطبري: 14/ 28، وتفسير الماوردي: 2/ 367، والمفردات: 133.
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 351، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 238، وتفسير الطبري: 14/ 29، والمحرر الوجيز: 8/ 306، وتفسير القرطبي: 10/ 22.
(5) ذكره الفخر الرازي في تفسيره: 19/ 184، وعزاه إلى سيبويه، وكذا القرطبي في تفسيره:
10/ 22. وانظر تفسير الطبري: 14/ 29، والكشاف: 2/ 390، وزاد المسير: 4/ 398، والبحر المحيط: 5/ 453.
(6) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 88. وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 238، وتفسير الطبري: 14/ 29، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 179، والمحرر الوجيز: 8/ 305، وزاد المسير: 4/ 398، وتفسير القرطبي: 10/ 22، والبحر المحيط: 5/ 453.
(7) أخرجه الطبري في تفسيره: 14/ 30 عن قتادة.
وفرّق بعضهم بين أبي الجن، وإبليس.
فنقل الماوردي في تفسيره: 2/ 368 عن الحسن أنه قال إنه إبليس.
وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 399 وزاد نسبته إلى عطاء، وقتادة، ومقاتل.
أما أبو الجن، فذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 399، وقال: «قاله أبو صالح عن ابن عباس.
ونقله الفخر الرازي في تفسيره: 19/ 184 عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال: وهو قول الأكثرين» .
(1/468)

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)
خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ: نار لطيفة «1» تناهت في العليّان «2» في أفق الهواء، وهي بالإضافة إلى النّار- التي جعلها الله متاعا- كالجمد إلى الماء والحجر إلى التراب.
32 ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ: موضع «أن» نصب بإسقاط «في» ، أي: أيّ شيء لك في أن لا تكون «3» .
47 إِخْواناً: حال «4» .
مُتَقابِلِينَ: لا ينظر بعضهم في قفا بعض «5» .
__________
(1) وفي صحيح مسلم: 4/ 2294، كتاب الزهد والرقائق، باب «في أحاديث متفرقة» عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار ... » .
(2) العليّان كصليّان، والمراد بالعليان الطول والارتفاع.
اللسان: 15/ 92 (علا) .
(3) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 179، وانظر تفسير الطبري: 14/ 32، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 380، والبيان لابن الأنباري: 2/ 69، والبحر المحيط: 5/ 453.
(4) معاني القرآن للزجاج: 3/ 180، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 382، والمحرر الوجيز:
8/ 320.
قال العكبري في التبيان: 2/ 783: «هو حال من الضمير في الظرف في قوله تعالى:
جَنَّاتٍ، ويجوز أن يكون حالا من الفاعل في ادْخُلُوها مقدرة، أو من الضمير في آمِنِينَ وقيل: هو حال من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل فيها معنى الإلصاق والملازمة» .
وانظر تفسير القرطبي: (10/ 33، 34) ، والبحر المحيط: 5/ 457.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 14/ 38 عن مجاهد. ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز: 8/ 320 عن مجاهد أيضا.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 180، وتفسير البغوي: 3/ 52.
(1/469)

فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75)
65 بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ: بظلمة «1» ، وقيل «2» : بآخر الليل.
وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ: سر خلفهم.
66 دابِرَ هؤُلاءِ: آخرهم «3» .
72 لَعَمْرُكَ: وحياتك «4» . وقيل «5» : مدة بقائك.
لَفِي سَكْرَتِهِمْ: سكرة الجهل غمورة «6» النّفس.
73 مُشْرِقِينَ: داخلين في وقت الإشراق وهو إضاءة الشمس، والشروق: طلوعها.
75 لِلْمُتَوَسِّمِينَ: للمتفكرين «7» .
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 373 عن قطرب.
(2) نقله ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 142 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والماوردي في تفسيره: 2/ 373 عن الكلبي.
(3) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 353، وتفسير الطبري: 14/ 42، وتفسير الماوردي:
2/ 373، والمفردات للراغب: 164.
(4) أخرج الطبري في تفسيره: 14/ 44 عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد صلّى الله عليه وسلّم، قال: وحياتك يا محمد وبقائك في الدنيا ... » .
وأخرج نحوه أبو نعيم في دلائل النبوة: 1/ 70، والبيهقي في الدلائل: 5/ 488 عن ابن عباس.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 89، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، والحارث بن أبي أسامة، وأبي يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأشار الهيثمي في مجمع الزوائد: 7/ 49 إلى رواية أبي يعلى وقال: «وإسناده جيد» . [.....]
(5) تفسير الطبري: 14/ 44.
(6) في «ج» : غمرة.
(7) هذا قول الفراء في معانيه: 2/ 91، ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 374 عن ابن زيد، والبغوي في تفسيره: 3/ 55 عن مقاتل، وعزاه القرطبي في تفسيره: 10/ 43 إلى ابن زيد، ومقاتل.
قال الزجاج في معاني القرآن: 3/ 184: «وحقيقته في اللغة المتوسمون النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء، تقول: توسّمت في فلان كذا وكذا، أي: عرفت وسم ذلك فيه» .
(1/470)

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80)
76 لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ: طريق واضح، كقوله «1» : لَبِإِمامٍ مُبِينٍ، ومعناه:
أنّ الاعتبار بها ممكن، لأنّ آثارها ثابتة مقيمة، وهي قرية «سدوم» «2» .
و «أصحاب الأيكة» «3» : قوم شعيب «4» ، بعث إليهم وإلى أهل مدين، فأهلك الله مدين بالصّيحة «5» والأيكة بالظّلّة فاحترقوا بنارها «6» .
79 وَإِنَّهُما: مدينة قوم لوط وأصحاب الأيكة «7» ، لَبِإِمامٍ مُبِينٍ:
طريق يؤمّ ويتّبع «8» .
80 الْحِجْرِ: ديار ثمود «9» .
__________
(1) آية: 79 من سورة الحجر.
(2) سدوم: بفتح أوله وضم ثانيه: مدينة من مدائن قوم لوط.
وفي معجم البلدان: 3/ 200 عن أبي حاتم الرازي في كتاب «المزال والمفسد» قال: إنما هو «سذوم» بالذال المعجمة، قال: والدال خطأ» .
قال الأزهري: «وهو الصحيح، وهو أعجمي» .
وانظر تهذيب اللّغة: 12/ 374، ومعجم ما استعجم: 3/ 729، والروض المعطار:
308.
(3) من قوله تعالى: وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ [آية: 78] .
(4) تفسير الطبري: 14/ 48، وتفسير البغوي: 3/ 55، والمحرر الوجيز: 8/ 344.
(5) وقال الله تعالى فيهم: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ [هود: 94] .
(6) قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء: آية:
189] .
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 375، والمحرر الوجيز: 8/ 345.
(7) تفسير الطبري: 14/ 49، وتفسير الماوردي: 2/ 375، وتفسير البغوي: 3/ 55.
(8) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 91، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 239، وتفسير الطبري: 14/ 49.
(9) ذكره الطبري في تفسيره: 14/ 50، ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 375 عن ابن شهاب.
وينظر تفسير البغوي: 3/ 55، والتعريف والإعلام للسهيلي: 90.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 8/ 347: «وهي ما بين المدينة وتبوك» .
(1/471)

وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)
85 فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ: الإعراض من غير احتفال، كأنّه يولّيه صفحة الوجه «1» . وعند من لا يرى النّسخ «2» هو فيما بينه وبينهم لا فيما أمر من جهادهم.
87 سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي: الفاتحة «3» ، لأنّها سبع آيات والذكر فيها مثنى مقسوم بين الرّبّ والعبد «4» . وقيل «5» : هي السّبع الطّول من أول القرآن.
__________
(1) تفسير الطبري: 14/ 51، والمفردات للراغب: 282، وتفسير القرطبي: 10/ 54.
(2) ذكره القرطبي في تفسيره: 10/ 54 فقال: «ليس بمنسوخ، وإنه أمر بالصفح في حق نفسه فيما بينه وبينهم» .
وذكر الفخر الرازي في تفسيره: 19/ 210 قول من قال إن الآية منسوخة بآية السيف ثم رده بقوله: «وهو بعيد لأن المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والعفو والصفح، فكيف يصير منسوخا؟» . [.....]
(3) يدل عليه الحديث المرفوع الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 146، كتاب التفسير، باب «ما جاء في فاتحة الكتاب» بلفظ: «الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» .
وانظر تفسير الطبري: (14/ 54- 57) ، وزاد المسير: 4/ 413، وتفسير الفخر الرازي:
19/ 212، وتفسير ابن كثير: 4/ 465.
(4) وفي الحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي ... » الحديث.
وهو في صحيح مسلم: 1/ 296، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: (14/ 51- 54) عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك.
وأخرجه الطبراني في المعجم (الكبير: 11/ 59، والحاكم في المستدرك: 2/ 355، كتاب التفسير، «تفسير سورة الحجر» ، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأشار الهيثمي في مجمع الزوائد: 7/ 49 إلى رواية الطبراني عن ابن عباس، ثم قال:
«ورجاله رجال الصحيح» .
(1/472)

لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90)
وقيل «1» : بل [هي] «2» السّور التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصّل، لأنّها مثاني المئين، والمئين كالمبادي فإذا جعلت السّبع المثاني ف «من» للتبيين، وإذا جعلت القرآن مثاني لتثنية الأخبار والأمثال ف «من» للتبعيض «3» .
88 أَزْواجاً مِنْهُمْ: أصنافا وأشكالا «4» .
90 الْمُقْتَسِمِينَ: أي: أنزلنا عليك الكتاب/ كما أنزلنا على أهل [51/ ب] الكتاب فاقتسموه، آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه» .
وقيل «6» : هم كفار قريش اقتسموا طرقات مكّة فإذا مرّ بهم مارّ إلى
__________
(1) ذكره الفخر الرازي في تفسيره: 19/ 213، وقال: «واختار هذا القول قوم واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله تعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور، وفضلني ربي بالمفصّل» .
ثم قال الفخر الرازي رحمه الله: وأقول إن صحّ هذا التفسير عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلا غبار عليه، وإن لم يصح فهذا القول مشكل، لأنا قد بينا أن المسمى بالسبع المثاني يجب أن يكون أفضل من سائر السور، وأجمعوا على أن هذه السور التي سموها بالمثاني ليست أفضل من غيرها، فيمتنع حمل السبع المثاني على تلك السور» .
والسور المئون سميت بذلك لأن آيات كل سورة منها لا تزيد على المائة أو تقاربها، والمفصّل لقصر أعداد سوره من الآي، أو لكثرة الفصول التي بين السور ببسم الله الرحمن الرحيم.
انظر البرهان للزركشي: (1/ 244، 245) ، والإتقان: (1/ 179، 180) ، واللسان:
11/ 524 (فصل) .
(2) في الأصل: «هو» ، والمثبت في النص من «ك» .
(3) ينظر ما سبق في معاني الزجاج: 3/ 185، وزاد المسير: 4/ 415، وتفسير الفخر الرازي:
19/ 214.
(4) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 239، وتفسير الماوردي: 2/ 377، والكشاف: 2/ 397.
(5) أخرج الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 222، كتاب التفسير، باب قوله: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «هم أهل الكتاب جزّءوه أجزاء وآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه» .
وانظر تفسير الطبري: (14/ 61، 62) ، ومفحمات الأقران: 130، والدر المنثور:
5/ 98.
(6) ذكره الفراء في معانيه: (2/ 91، 92) ، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 239، وأخرجه الطبري في تفسيره: 14/ 63 عن قتادة. ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 378 عن الفراء.
(1/473)

النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال بعضهم: هو ساحر، وقال آخر: هو شاعر، وآخر: مجنون وكاهن، فكانوا مقتسمين إمّا طرق مكة، أو القول في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: عِضِينَ يدلّ على اقتسام القول، أي: جعلوا القول في القرآن [فرقا] «1» من شعر وكهانة وأساطير كأنّهم عضوه أعضاء كما يعضّى الجزور، والأصل «عضة» منقوصة فكانت «عضوة» ك «عزة» و «عزين» «2» و «برة» و «برين» «3» .
وقال الفراء «4» : «العضة» : السّحر، والجمع «العضون» .
وفي الحديث «5» : «لعن الله العاضهة والمستعضهة» ، أي: السّاحرة والمستسحرة «6» .
ويقال: ينتجب غير عضاهة: ينتحل شعر غيره «7» .
__________
(1) ما بين معقوفين عن «ك» و «ج» .
(2) عزون: جمع «عزه» ، وهي الجماعة من الناس.
مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 270، والمفردات: 334.
(3) عن معاني القرآن للفراء: (2/ 92، 93) قال: «وواحد البرين برة. ومثل ذلك «الثبين» و «عزين» . ويجوز فيه ما جاز في العضين والسنين، وإنما جاز ذلك في هذا المنقوص الذي كان على ثلاثة أحرف فنقصت لامه، فلما جمعوه بالنون توهموا أنه «فعول» إذ جاءت الواو وهي واو جماع، فوقعت في موقع الناقص، فتوهموا أنها الواو الأصلية وأن الحرف على فعول ... » .
(4) معاني القرآن: 2/ 92.
(5) ذكره مرفوعا الماوردي في تفسيره: 2/ 379، والزمخشري في الكشاف: 2/ 399، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 419، والقرطبي في تفسيره: 10/ 59.
قال الحافظ ابن حجر في الكافي الكشاف: 94: «رواه أبو يعلى، وابن عدي، من حديث ابن عباس، وفي إسناده زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، وهما ضعيفان، وله شاهد عند عبد الرزاق من رواية عن ابن جريج عن عطاء» . [.....]
(6) تهذيب اللغة: 1/ 130، والنهاية: 3/ 255.
(7) هذا من أقوال العرب كما في تهذيب اللغة للأزهري: 1/ 132، واللسان: 13/ 518 (عضه) .
(1/474)

فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)
والتوفيق بين قوله «1» : لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، وقوله «2» : لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ أنّه لا يسأل هل أذنبتم؟ للعلم به، ولكن لم أذنبتم؟ «3» ، أو المواقف مختلفة يسأل في بعضها أو في بعض اليوم «4» .
وقوله «5» : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، مع قوله «6» : عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فالمراد هو النّطق المسموع المقبول.
94 فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: احكم بأمرنا.
95 إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ: هم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو زمعة «7» ، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن [الطلاطلة] «8» ، وطيء الحارث شبرقة «9» فلم يزل يحك بدنه حتى مات.
وقال العاص: لدغت لدغت، فلم يجدوا شيئا فمات مكانه.
__________
(1) الحجر: آية: 92.
(2) سورة الرحمن: آية: 39.
(3) ذكره البغوي في تفسيره: (3/ 58، 59) ، ثم قال: «واعتمده قطرب فقال: السؤال ضربان سؤال استعلام وسؤال توبيخ، فقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ يعني: استعلاما، وقوله: لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ يعني توبيخا وتقريعا» اهـ.
وانظر هذا القول في المحرر الوجيز: 8/ 358، وزاد المسير: (4/ 419، 420) ، وتفسير الفخر الرازي: 19/ 218، وتفسير القرطبي: 10/ 61.
(4) ذكره البغوي في تفسيره: 3/ 59، وعزاه إلى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 420.
وانظر تفسير الفخر الرازي: 19/ 219، وتفسير القرطبي: 10/ 61.
(5) سورة المرسلات: آية: 35.
(6) سورة الزمر: آية: 31.
(7) هو الأسود بن المطلب بن أسد.
(8) في الأصل و «ك» و «ج» : «حنظلة» ، والمثبت في النص عن المصادر التي ذكرت هذه الرواية.
(9) الشّبرق: نبت حجازي يؤكل وله شوك، وإذا يبس يسمّى الضّريع.
النهاية لابن الأثير: 2/ 440، واللسان: 10/ 172 (شبرق) .
(1/475)

وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
وعمي أبو زمعة، وأصابت الأسود الآكلة «1» ، وتعلقت بالوليد سروة- أي دودة «2» - فخدشته فلم يبرح مريضا حتى مات «3» .
99 وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ: النّصر الموعود «4» ، أو الموت «5»
__________
(1) الآكلة جمع أكلة، ويقال فيها أواكل، والأواكل قروح إذا ظهرت أكلت ما حولها من اللحم وقشرت العظم الذي يليها لحريفية المادة، وربما أبطلت العضو، وقد تدعو الحاجة إلى قطع ما فوقها لسلامة باقي البدن.
ينظر تذكرة أولي الألباب: 2/ 12.
(2) اللسان: 14/ 381 (سرا) .
(3) ورد نحو هذه الرواية في السيرة لابن هشام: (1/ 409، 410) ، وتفسير الطبري:
(14/ 69، 72) ، ودلائل النبوة لأبي نعيم: (1/ 355، 356) ، ودلائل النبوة للبيهقي:
(2/ 316- 318) ، ومجمع الزوائد: (7/ 49، 50) عن الطبراني في «الأوسط» عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال: «وفيه محمد بن عبد الملك النيسابوري» ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وبين هذه الروايات اختلاف كثير.
قال الفخر الرازي في تفسيره: 19/ 220: «واعلم أن المفسرين قد اختلفوا في عدد هؤلاء المستهزئين في أسمائهم وفي كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شيء منها. والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورئاسة لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة مع مثل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في علو قدره وعظيم منصبه، ودل القرآن على أن الله تعالى أبادهم وأزال كيدهم. والله أعلم» اهـ. [.....]
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 381 عن ابن شجرة، وكذا القرطبي في تفسيره: 10/ 64، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 424، وقال: «حكاه الماوردي» ، ونقله أبو حيان في البحر المحيط: 5/ 471 عن ابن بحر.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: 14/ 74 عن سالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وابن زيد.
وأورده الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 222 عن سالم تعليقا.
ويدل على هذا القول ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 2/ 71، كتاب الجنائز، باب «الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه» أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل على عثمان بن مظعون- رضي الله عنه- وقد مات، فقالت أم العلاء الأنصارية: رحمة الله عليك يا أبا السائب (كنية عثمان بن مظعون) فشهادتي عليك لقد أكرمك الله.
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وما يدريك أنّ الله أكرمه؟ فقلت (أم العلاء) : بأبي أنت يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ فقال عليه السلام: أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، قالت: فو الله لا أزكي أحدا بعده أبدا» .
(1/476)

الذي هو موقن به.
قال عليه السلام «1» : «ما أوحي إليّ أن اجمع المال فأكون من التاجرين، ولكن أوحي إليّ أن سبّح بحمد ربك ... » الآيتان.
__________
(1) أخرج ابن عدي في الكامل: 5/ 1897 هذا الحديث وعدة أحاديث غيره من طريق أبي طيبة عيسى بن سليمان عن كرز بن وبرة، ثم قال: «وهي كلها غير محفوظة، وأبو طيبة هذا كان رجلا صالحا ولا أظن أنه كان يتعمد الكذب» .
ورواه أيضا السّهمي في تاريخ جرجان: 342، وأبو نعيم في حلية الأولياء: 2/ 231، عن ابن مسعود مرفوعا.
وأخرجه البغوي في تفسيره: 3/ 60 عن جبير بن نفير مرفوعا.
وعزاه القرطبي في تفسيره: 10/ 64 إلى أبي مسلم الخولاني مرفوعا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 105، ونسب إخراجه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في «التاريخ» ، وابن مردويه، والديلمي- كلهم- عن أبي مسلم الخولاني مرفوعا.
(1/477)

أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)
المجلد الثاني
بسم الله الرّحمن الرّحيم

ومن سورة النحل
1 أَتى أَمْرُ اللَّهِ: استقرّ دينه، وأحكامه «1» ، فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ:
بالتكذيب، أو أتى أمره وعدا فلا تستعجلوه وقوعا «2» .
و/ «الروح» «3» : الوحي بالنّبوّة «4» ، كقوله تعالى «5» : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، أو هو البيان عن الحق الذي يجب العمل به، أو هو الروح الذي تحيا به الأبدان.
__________
(1) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 14/ 75 عن الضحاك.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 382 عن الضحاك، وكذا ابن عطية في المحرر الوجيز:
8/ 365، وقال: «ويبعده قوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ لأنا لا نعرف استعجالا إلّا ثلاثة: اثنان منها للكفار في القيامة وفي العذاب، والثالث للمؤمنين في النصر وظهور الإسلام» .
وانظر زاد المسير: 4/ 427، وتفسير الفخر الرازي: 19/ 223، وتفسير القرطبي:
10/ 65.
(2) ذكره الطبريّ في تفسيره: (14/ 75، 76) ، ورجحه، وضعّف القول الأول الذي نسب إلى الضحاك فقال: «وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: هو تهديد من الله أهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك، وذلك أنّه عقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى: عَمَّا يُشْرِكُونَ فدل ذلك على تقريعه المشركين، ووعيده لهم.
وبعد، فإنه لم يبلغنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل فرائض قبل أن تفرض عليهم، فيقال لهم من أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها، وأما مستعجلو العذاب من المشركين، فقد كانوا كثيرا» اه.
(3) في قوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ... [آية: 2] .
(4) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 241، وتفسير الطبري: 14/ 77، وتفسير الماوردي:
2/ 383، والمحرر الوجيز: 8/ 368، وزاد المسير: 4/ 428، وتفسير القرطبي:
10/ 67.
(5) سورة غافر: آية: 15.
(2/478)

خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)
4 فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ: أي: من أخرج من النطفة ما هذه صفته فقد أعظم العبرة «1» .
5 دِفْءٌ: ما يستدفأ به من لباس «2» ، سمّي بالمصدر من دفؤ الزمان يدفؤ دفأ فهو دفيء، ودفيء الرجل فهو دفآن.
وفي الحديث «3» : «أنّه أتي بأسير يوعك فقال: أدفوه» فقتلوه «4» ، فوداه «5» أراد عليه السّلام: أدفئوه، فترك الهمز إذ لم يكن في لغته، ولو أراد القتل لقال: دافّوه، داففت الأسير: أجهزت عليه «6» .
7 بِشِقِّ الْأَنْفُسِ: بجهدها «7» .
6 تُرِيحُونَ: باللّيل إلى معاطنها «8» ، وَحِينَ تَسْرَحُونَ: بالنّهار إلى مسارحها «9» .
__________
(1) عن تفسير الماوردي: 2/ 383.
وقال ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 429: «والمعنى: أنه مخلوق من نطفة، وهو مع ذلك يخاصم وينكر البعث، أفلا يستدل بأوله على آخره، وأنّ من قدر على إيجاده أولا، يقدر على إعادته ثانيا ... » .
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 241، وتفسير الطبري: 14/ 78، ومعاني الزجاج: 3/ 190.
(3) أورده أبو عبيد في غريب الحديث: 4/ 33.
وهو أيضا في الفائق: 1/ 428، وغريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 341، والنهاية:
2/ 123، وقد جاء في هذين الأخيرين «يرعد» بدل «يوعك» .
(4) الإدفاء: القتل في لغة اليمن.
النهاية لابن الأثير: 2/ 123، واللسان: 1/ 76 (دفأ) .
(5) أي: أدى ديته.
(6) الجمهرة لابن دريد: 2/ 1060، وغريب الحديث للخطابي: 2/ 269. [.....]
(7) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 97، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 241، وتفسير الطبري: 14/ 80، والمفردات للراغب: 264.
(8) معاطن الإبل: مباركها ومنازلها.
النهاية: 3/ 258، واللسان: 13/ 286 (عطن) .
(9) قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 14/ 80: «يعني تردونها بالعشي من مسارحها إلى مراحها ومنازلها التي تأوي إليها، ولذلك سمي المكان: المراح، لأنها تراح إليها عشيا، فتأوي إليه، يقال منه: أراح فلان ماشيته، فهو يريحها إراحة. وقوله: وَحِينَ تَسْرَحُونَ يقول: وفي وقت إخراجكموها غدوة من مراحها إلى مسارحها، يقال منه: سرح فلان ماشيته يسرحها تسريحا، إذا أخرجها للرعي غدوة، وسرحت الماشية: إذا خرجت للمرعى تسرح سرحا وسروحا، فالسرح بالغداة، والإراحة بالعشي» .
(2/479)

وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)
9 وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ: بيان الحق. أو إليه طريق كلّ أحد لا يقدر أحد أن يجوز عنه.
وَمِنْها جائِرٌ: أي: من السّبيل ما هو مائل عن الحق «1» .
10 تُسِيمُونَ: ترعون أنعامكم، والسّوم في الرعي من التسويم بالعلامة «2» لأنّ الراعي يسم الراعية بعلامات يعرف بها البعض عن البعض.
أو يظهر في مواضع الرعي علامات وسمات من اختلاء النبات «3» ومساقط الأبعار.
14 وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ: أي: جواري «4» . مخرت السفينة كما تمخر الرّيح.
والمخر: هبوب الريح، والمخر: شق الماء بشيء يعترض في جهة جريانه «5» .
__________
(1) قال الطبري في تفسيره: 14/ 84: «يعني تعالى ذكره: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج، فالقاصد من السبل: الإسلام، والجائر منها: اليهودية والنصرانية، وغير ذلك من ملل الكفر كلها جائر عن سواء السبيل وقصدها، سوى الحنيفية المسلمة» .
(2) معاني القرآن للزجاج: 3/ 192، واللسان: 12/ 312 (سوم) .
(3) اختلاء النبات: نزعها وقطعها. وفي اللسان: «واختلاه فانخلى: جزّه وقطعه ونزعه» .
اللسان: 14/ 243 (خلا) .
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: 22/ 124 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 242، والزجاج في معانيه: 3/ 193، والبغوي في تفسيره: 3/ 64، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 435 عن ابن عباس رضي الله عنهما. وكذا الفخر الرازي في تفسيره: 20/ 7.
(5) ينظر تفسير الماوردي: 2/ 386، والمفردات للراغب: 464، والكشاف: 2/ 404، وزاد المسير: 4/ 435، وتفسير الفخر الرازي: 20/ 7، وتفسير القرطبي: 10/ 89، واللسان:
5/ 160 (مخر) .
قال الفخر الرازي رحمه الله: «إذا عرفت هذا فقول ابن عباس: «مواخر» أي: جوار، إنما حسن التفسير به، لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية» .
(2/480)

وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)
وقيل «1» : مَواخِرَ: مواقر مثقلات.
15 أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ: لئلا تميد «2» .
27 كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ: تظهرون شقاق المسلمين لأجلهم.
28 فَأَلْقَوُا السَّلَمَ: الخضوع والاستسلام لملائكة العذاب «3» .
46 تَقَلُّبِهِمْ: تصرّفهم في أسفارهم وأعمالهم «4» .
47 أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ: أي: ما يتخوّفون منه من الأعمال السّيئة «5» .
أو [ما يتخوفون] «6» عليه من متاع الدنيا.
وقيل «7» : هو على تنقّص، أي: نسلّط عليهم الفناء فيهلك الكثير في
__________
(1) أخرجه الطبري في تفسيره: 14/ 88 عن الحسن رحمه الله تعالى.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 386 عن الحسن أيضا، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير:
4/ 435، والقرطبي في تفسيره: 10/ 89.
(2) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 242: «أي: لئلا تميد بكم الأرض. والميد:
الحركة والميل. ومنه يقال: فلان يميد في مشيته: إذا تكفّا» .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 357، وتفسير الطبري: 14/ 90، وتفسير البغوي:
3/ 64.
(3) قال ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 442: «قال المفسرون: وهذا عند الموت يتبرؤون من الشرك، وهو قولهم: ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ وهو الشرك، فترد عليهم الملائكة فتقول:
بَلى، وقيل: هذا رد خزنة جهنم عليهم: بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الشرك والتكذيب.
(4) تفسير الطبري: 14/ 112، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 201، وتفسير الماوردي:
2/ 392، وتفسير القرطبي: 10/ 109، وتفسير ابن كثير: 4/ 493.
(5) ذكر نحوه الماوردي في تفسيره: 2/ 392.
(6) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» . [.....]
(7) معاني القرآن للفراء: 2/ 101، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 360.
وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 243: «ومثله: التخوّن، يقال: تخوفته الدهور وتخونته، إذا نقصته وأخذت من ماله أو جسمه» .
وانظر تفسير الطبري: (14/ 112- 114) ، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 201، وتفسير البغوي: 3/ 70.
(2/481)

وقت يسير، أو بنقصهم في أموالهم وثمارهم «1» .
وسأل عمر عنها على المنبر فسكت النّاس حتى قام شيخ هذليّ فقال: هذه لغتنا، التخوّف: التنقّص. فقال عمر: و/ هل شاهد «2» ؟ فأنشد لأبي كبير «3» :
تخوّف الرّحل «4» منها تامكا «5» قردا ... كما تخوّف عود النّبعة السّفن «6»
__________
(1) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 3/ 201.
وانظر زاد المسير: 4/ 451، وتفسير القرطبي: (10/ 109، 110) .
(2) كذا في «ك» وورد في المصادر التي ذكرت الرواية: «فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟
قال: نعم ... » .
(3) كذا ورد في الرواية التي ذكرها القرطبي في تفسيره: 10/ 110، والبيضاوي في تفسيره:
1/ 557، منسوبا إلى أبي كبير الهذلي.
ونسبه الأزهري في التهذيب: 7/ 594 إلى ابن مقبل، والجوهري في الصحاح: 4/ 1359 (خوف) إلى ذي الرمة، والزمخشري في الكشاف: 2/ 411 إلى زهير.
وأورده صاحب اللسان مرتين، نسبه في الأولى مادة (خوف) إلى ابن مقبل، وفي الثانية (سفن) إلى ذي الرمة.
وقد ذكر الزبيدي هذا الاختلاف في نسبة البيت فقال: «وقد روى الجوهري هذا الشعر لذي الرمّة، ورواه الزجاج، والأزهري لابن مقبل، قال الصّاغاني: وليس لهما. وروى صاحب الأغاني- في ترجمة حمّاد الراوية- أنه لابن مزاحم الثمالي، ويروى لعبد الله بن العجلان النّهدي.
قلت (الزبيدي) : وعزاه البيضاوي في تفسيره إلى أبي كبير الهذلي، ولم أجد في ديوان شعر هذيل له قصيدة على هذا الرويّ» اه.
ينظر تاج العروس: 23/ 292 (خوف) .
(4) في تهذيب اللّغة، والصحاح، واللسان، وتاج العروس: «السّير» : مكان «الرحل» .
(5) في الأصل: «تامكا صلبا قردا ... » ، وأثبت ما ورد في «ك» ، وسائر المصادر التي ذكرت البيت.
(6) قال القرطبي في شرح هذا البيت: «تمك السنام يتمك تمكا، أي: طال وارتفع فهو تامك، والسّفن والمسفن ما ينجر به الخشب» .
ينظر تفسيره: 10/ 111.
(2/482)

أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48)
فقال عمر: عليكم بديوانكم شعر العرب «1» .
48 يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ: يتميل ويتحول «2» ، وتفيّأت في الشّجرة: دخلت في أفيائها، والفيء: الظلّ بعد الزوال لأنه مال «3» .
عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ: في أول النهار وآخره «4» ، إذ بالغداة يتقلص «5» الظلّ من إحدى الجهتين وبالعشيّ ينبسط من الأخرى.
وجمع الشَّمائِلِ للدلالة على أنّ المراد ب «اليمين» الجمع على معنى الجنس، ولأنّ الابتداء من اليمين ثم ينقبض حالا فحالا عن الشمائل «6» .
__________
(1) أورد هذا الأثر الزمخشري في الكشاف: 2/ 411، والفخر الرازي في تفسيره: 20/ 40، والقرطبي في تفسيره: 10/ 110، والبيضاوي في تفسيره: 1/ 557.
وأشار إليه المناوي في الفتح السماوي: 2/ 755، وقال: «لم أقف عليه» .
ونقل محقق الفتح السماوي عن ابن همات الدمشقي في تحفة الراوي في تخريج أحاديث البيضاوي أنه قال: «قال السيوطي: لا يحضرني الآن تخريجه، لكن أخرج ابن جرير (تفسير الطبري: 14/ 113) عن عمر أنه سألهم عن هذه الآية فقالوا: ما نرى إلا أنه عند تنقص ما يردده من الآيات، فقال عمر: ما أرى إلّا أنه على تنتقصون من معاصي الله، فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقي أعرابيا فقال: يا فلان ما فعل ربك؟ قال: قد تخيفته يعني- تنقصته- فرجع إلى عمر فأخبره، فقال: قدر الله ذلك» .
(2) عن تفسير الماوردي: 2/ 392.
(3) هذا قول رؤبة بن العجاج، قال ثعلب في كتابه «الفصيح» : 319: «وأخبرت عن أبي عبيدة قال: قال رؤبة بن العجاج: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظلّ وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل» .
وانظر تهذيب اللغة: (15/ 577، 578) ، والمحرر الوجيز: 8/ 432، وتفسير الفخر الرازي: 20/ 41.
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 14/ 115 عن قتادة، ونقله الماوردي في تفسيره:
2/ 393 عن قتادة، والضحاك. وكذا البغوي في تفسيره: 3/ 71.
(5) في «ج» : يتنقص.
(6) ينظر المحرر الوجيز: 8/ 432، وزاد المسير: 4/ 453، وتفسير الفخر الرازي: 20/ 43، وتفسير القرطبي: 10/ 112.
(2/483)

يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52)
سُجَّداً: خضّعا «1» لأمر الله لا يمتنع على تصريفه، إذ التصرف لا يخلو عن التغير، والتغيّر لا بدّ له من مغيّر ومدبّر فهي في تلك الشهادة كالخاضع السّاجد.
داخِرُونَ: صاغرون خاضعون «2» بما فيهم من التسخير ودلائل التيسير.
50 يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ: أي عذابه وقضاءه، إذ قدرته فوق ما أعارهم من القوى والقدر، كقوله «3» : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ، أو لمّا وصف الله بالتعالي على معنى لا قادر أقدر منه، وأنّ صفته في أعلى مراتب صفات القادرين حسن القول مِنْ فَوْقِهِمْ ليدل على هذا المعنى.
53 تَجْئَرُونَ: ترفعون أصواتكم بالاستغاثة «4» .
52 وَلَهُ الدِّينُ: الطاعة «5» ، واصِباً: دائما، أو خالصا «6» .
والوصب «7» : التّعب بدوام العمل.
__________
(1) تفسير الماوردي: 2/ 393، وزاد المسير: 4/ 453، وتفسير الفخر الرازي: 20/ 44. [.....]
(2) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 360، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 243، وتفسير الطبري: 14/ 116، والمفردات للراغب: 166.
(3) سورة الأنعام: آية: 61.
(4) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 3/ 204، وقال: «يقال: جأر الرجل يجأر جؤارا» .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 361، وتفسير الطبري: 14/ 121، وتفسير البغوي:
3/ 72.
(5) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 243، وتفسير الطبري: 14/ 118، ومعاني الزجاج:
3/ 203، وتفسير الماوردي: 2/ 394.
(6) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 104، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 361، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 243، وتفسير الطبري: (14/ 119، 120) ، وتفسير البغوي: 3/ 72.
(7) تفسير الطبري: 14/ 118، وتهذيب اللغة للأزهري: 12/ 255، واللسان: 1/ 797 (وصب) ، والبحر المحيط: 5/ 500.
(2/484)

لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61)
55 لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ: بما أنعمنا عليهم، أي: جعلوا ما أنعمنا به عليهم سببا للكفر، فهم بمنزلة من أشرك في العبادة ليكفروا بما أوتى من النعمة كأنّه لا غرض في شركه إلّا هذا.
56 تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ: سؤال التوبيخ وهو الذي لا جواب لصاحبه إلا بما فيه فضيحته، وهو يشبه سؤال الجدال من المحق للمبطل.
وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ: أنه يضر وينفع.
نَصِيباً: يتقربون به إليه، أي: الأصنام، كما في قوله «1» : وَهذا لِشُرَكائِنا.
57 وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ: أي: من البنين.
60 وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى: مع/ قوله «2» : فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ [35/ أ] لأنّها الأمثال التي توجب الاشتباه «3» .
ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ: أي: من أهل الظلم «4» ، أو لأنّه لو أهلك
__________
(1) سورة الأنعام: آية: 136.
(2) سورة النحل: آية: 74.
(3) في «ك» : الأشباه.
وذكر القرطبي هذا القول في تفسيره: 10/ 119، وقال: «أي لا تضربوا لله مثلا يقتضي نقصا وتشبيها بالخلق، و «المثل الأعلى» وصفه بما لا شبيه له ولا نظير ... » .
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 396، وابن عطية في المحرر الوجيز: 8/ 450، عن فرقة، قال: «ويدل على هذا التخصيص أن الله تعالى لا يعاقب أحدا بذنب أحد.
واحتجت- الفرقة- بقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. وهذا كله لا حجة فيه وذلك أن الله تعالى لا يجعل العقوبة تقصد أحدا بسبب إذ ناب غيره، ولكنه إذا أرسل عذابا على أمة عاصية لم يمكن البريء التخلص من ذلك العذاب، فأصابه العذاب لا بأنه له مجازاة. ونحو هذا قوله: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» .
ثم لا بد من تعلق ظلم ما بالأبرياء وذلك بترك التغيير ومداجنة أهل الظلم ومداومة جوارهم» اه.
وانظر تفسير الفخر الرازي: 20/ 61، وتفسير القرطبي: (10/ 119، 120) .
(2/485)

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)
الآباء لم يكن الأنباء «1» .
62 لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ: وجب قطعا، أو كسب فعلهم أنّ لهم النّار، فيكون لا ردّا للكلام «2» ، أو صلة.
مُفْرَطُونَ: معجّلون «3» ، أو مقدمون، تقول: أفرطناه في طلب الماء: قدمناه.
66 مِمَّا فِي بُطُونِهِ: التذكير للرد إلى لفظ «ما» «4» ، أو للردّ على النّعم.
والنّعم والأنعام واحد «5» لأنّ النّعم اسم جنس فيذكّر على اللّفظ، ألا ترى أنّ النعم يؤنث على نية الأنعام فيذكّر الأنعام على نية النّعم. أو ردّ الكناية إلى البعض «6» ، أي: نسقيكم مما في بطون البعض منها إذ ليس لكلّها لبن يشرب.
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 396 دون عزو، وكذا البغوي في تفسيره: 3/ 74، والفخر الرازي في تفسيره: 20/ 61، والقرطبي في تفسيره: 10/ 119.
(2) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 207، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 460، والفخر الرازي في تفسيره: 20/ 62، والقرطبي في تفسيره: 10/ 121 عن الزجاج.
(3) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: (244، 245) : «أي معجلون إلى النار. يقال: فرط مني ما لم أحسبه، أي: سبق. والفارط: المتقدم إلى الماء لإصلاح الأرشية والدلاء حتى يرد القوم وأفرطته: أي: قدمته» .
وانظر تفسير الطبري: 14/ 128، ومعاني الزجاج: 2/ 207، والكشاف: 2/ 415، والمفردات للراغب: 376.
(4) ذكره الطبري في تفسيره: 14/ 132، والفخر الرازي في تفسيره: 20/ 66. ونقله القرطبي في تفسيره: 10/ 124 عن الكسائي. [.....]
(5) ذكره الفراء في معانيه: (2/ 108، 109) .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 362، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 245، وتفسير الطبري: 14/ 131، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 401، وزاد المسير: 4/ 463.
(6) نقله المؤلف في وضح البرهان: 1/ 507 عن المؤرج.
وأورده النحاس في إعراب القرآن: 2/ 402، وقال: «حكاه أبو عبيد عن أبي عبيدة» ، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 463، والقرطبي في تفسيره: 10/ 124 عن أبي عبيدة أيضا.
وانظر تفسير الطبري: 14/ 133، والمحرر الوجيز: 8/ 457.
(2/486)

وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)
67 سَكَراً: شرابا مسكرا «1» ، وَرِزْقاً حَسَناً: فاكهة.
وقيل «2» : السكر ما شربت، والرزق الحسن ما أكلت.
68 وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ: ألهمها «3» ، أي: جعله في طباعها حتى صارت سبله لها مذلّلة سهلة، فتراها تبكّر إلى الأعمال وتقسمها بينها كما يأمرها اليعسوب «4» فبعض يعمل الشّمع، وبعض العسل، وبعض يبني البيوت، وبعض يستقي الماء ويصبّه في الثّقب.
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ: سمّاه شرابا إذ يجيء منه الشّراب وإن كانت تجيء بالعسل بأفواهها فهو يخرج من جهة أجوافها وبطونها ويكون باطنا في فيها ولأن الاستحالة لا يكون إلّا في البطن فالنّحل تخرج العسل من البطن إلى الفم كالريق، وخوطب بهذا الكلام أهل تهامة وضواحي كنانة
__________
(1) فيكون هذا القول محمولا على قبل تحريم الخمر، وقد ذكر هذا القول الفراء في معانيه:
2/ 109، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 245، وأخرجه الطبري في تفسيره:
(14/ 134- 136) عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد.
قال الفخر الرازي في تفسيره: 20/ 70 «فإن قيل: الخمر محرمة فكيف ذكرها في معرض الإنعام؟ أجابوا عنه من وجهين:
الأول: أن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت فيه غير محرمة.
الثاني: أنه لا حاجة إلى التزام هذا النسخ، وذلك لأنه تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع وخاطب المشركين بها، والخمر من أشربتهم فهي منفعة في حقهم، ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية أيضا على تحريمها، وذلك لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب أن يكون السكر رزقا حسنا، ولا شك أنه حسن بحسب الشهوة، فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسنا بحسب الشريعة، وهذا إنما يكون كذلك إذا كانت محرمة» اه.
(2) نقله المؤلف- رحمه الله- في كتابه وضح البرهان: 1/ 508 عن الحسن رحمه الله تعالى، ونقله البغوي في تفسيره: 3/ 75 عن الشعبي.
(3) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 109، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 245، وتفسير الطبري: 14/ 139، ومعاني الزجاج: 3/ 310، والمحرر الوجيز: 8/ 460.
(4) اليعسوب: فحل النحل.
النهاية: 3/ 234، واللسان: 1/ 599 (عسب) .
(2/487)

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71)
- وهم أهل العسل- فلم ينكر أحد هذا المجاز.
فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ: إذ المعجونات كلها بالعسل، وفي الحديث «1» :
«عليكم بالشفاءين: القرآن والعسل» .
70 أَرْذَلِ الْعُمُرِ: أردأه وأوضعه «2» ، وهو إذا صار إلى خمس وسبعين سنة، عن عليّ رضي الله عنه «3» .
لِكَيْلا يَعْلَمَ: لما فيه من الاعتبار بتصريف الأحوال.
71 فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ: أي:
ما ملكت أيمانهم لا يشاركونهم في ملكهم ولا يملكون/ شيئا من رزقهم، فكيف يجعلون لله من خلقه شركاء في ملكه «4» .
و «الحفدة» «5» : الخدم والأعوان «6» . وبنو البنين بلغة سعد
__________
(1) أخرجه ابن ماجة في السنن: 2/ 1142، كتاب الطب، باب «العسل» عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا.
وأخرجه الحاكم في المستدرك: 4/ 200، كتاب الطب، باب «الشفاء شفاءان قراءة القرآن وشرب العسل» عن عبد الله بن مسعود مرفوعا، وقال: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 144، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن مسعود موقوفا.
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 246، وتفسير الطبري: 14/ 141، والكشاف: 2/ 418، وتفسير القرطبي: 10/ 140، واللسان: 11/ 281 (رذل) .
(3) أخرجه الطبري في تفسيره: (14/ 141، 142) عن علي رضي الله عنه.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 400 عن علي أيضا، وكذا البغوي في تفسيره: 3/ 76، وابن عطية في المحرر الوجيز: 8/ 464، وابن الجوزي في زاد المسير: 4/ 467.
(4) ينظر تفسير الطبري: 14/ 142، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 212، وتفسير البغوي:
3/ 77، والمحرر الوجيز: 8/ 465.
(5) في قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ... [آية: 72] .
(6) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 110، وأبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 364، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 246، وأخرجه الطبري في تفسيره: (14/ 144، 145) عن ابن عباس، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، وقتادة.
(2/488)

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
العشيرة «1» ، أي: الله جعل من الأزواج بنين ومن يعاون على ما يحتاج إليه بسرعة. يقال: حفد أسرع في العمل «2» .
76 كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ: وليّه.
77 وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ: أي: إذا أمرنا «3» .
أَوْ هُوَ أَقْرَبُ: على تقدير قول المخاطب وشكه، أي: كونوا فيها على هذا الظن.
84 نَبْعَثُ [مِنْ] «4» كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً: يبعث الله يوم القيامة من أهل كل عصر من هو حجة عليهم فيشهد.
90 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ: تجالس مسروق «5» وشتير «6» ، فقال شتير:
__________
(1) ورد في كتاب لغات القرآن لأبي عبيد: 160 أن «الحفدة» : الأختان، بلغة سعد العشيرة.
وقد أخرج الطبري في تفسيره: 14/ 146 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «هم الولد وولد الولد» .
ورجحه ابن العربي في أحكام القرآن: 3/ 1162 فقال: «الظاهر عندي من قوله: بَنِينَ أولاد الرجل من صلبه، ومن قوله: حَفَدَةً أولاد ولده. وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا، ونقول: تقدير الآية على هذا: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا، ومن أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة» .
(2) ينظر تفسير الطبري: 14/ 147، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 213، وتهذيب اللغة:
4/ 426، واللسان: 3/ 153 (حفد) . [.....]
(3) قال الزجاج في معانيه: 3/ 214: «ليس يريد أن الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر، ولكنه يصف سرعة القدرة على الإتيان بها» .
وانظر زاد المسير: 4/ 474، وتفسير القرطبي: 10/ 150.
(4) في الأصل: «في» .
(5) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني، الوادعي، الكوفي.
الإمام التابعي الجليل. قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: 528: «ثقة فقيه عابد، مخضرم، من الثانية» .
ترجمته في طبقات ابن سعد: 6/ 76، وتذكرة الحفاظ: 1/ 49، وسير أعلام النبلاء: 4/ 63.
(6) هو شتير بن شكل بن حميد العبسي الكوفي.
ضبط ابن ماكولا اسمه فقال: «أوله شين معجمة مضمومة بعدها تاء مفتوحة معجمة باثنتين من فوقها ثم ياء معجمة باثنتين من تحتها وآخره راء» . الإكمال: 4/ 378.
ترجم له الحافظ في التقريب: 264، فقال: «يقال إنه أدرك الإسلام، ثقة، من الثانية» .
(2/489)

وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)
إمّا أن تحدّث ما سمعت من عبد الله «1» وأصدّقك وإمّا أن أحدّثك وتصدقني. قال مسروق: بل تحدّث وأصدقك، فقال شتير: سمعت عبد الله يقول: أجمع آية في القرآن لخير وشرّ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ الآية. فقال مسروق: صدقت «2» .
92 أَنْكاثاً: أنقاضا «3» .
دَخَلًا: غرورا ودغلا، كأنّ داخل القلب يخالف ظاهر القول «4» .
أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ: أعزّ وأزيد «5» ، وكانوا يعقدون الحلف ثم ينقضونه إذا وجدوا من هو أقوى.
و «الحياة الطيّبة» «6» : الرزق الحلال «7» ، أو القناعة «8» وأكثر
__________
(1) هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 356، كتاب التفسير، باب «أجمع آية في القرآن للخير والشر» وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ... » ووافقه الذهبي.
وأخرج- نحوه- الطبري في تفسيره: 14/ 163 عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وانظر هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود في تفسير البغوي: 3/ 82، والمحرر الوجيز:
8/ 493، وزاد المسير: 4/ 484.
(3) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 367، وتفسير الطبري: 14/ 166، والمفردات للراغب: 504، وتفسير القرطبي: 10/ 171.
(4) قال الراغب في المفردات: 166: «والدّخل كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة كالدّغل..» .
(5) تفسير الطبري: 14/ 167، وتفسير الماوردي: 2/ 410.
(6) من قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ... [آية: 97] .
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 14/ 170 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 164، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(8) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 14/ 171 عن الحسن، والضحاك.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 164، وعزا إخراجه إلى وكيع عن محمد بن كعب القرظي.
(2/490)

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)
المسلمين ليسوا متّسقي الأرزاق.
103 لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ: يميلون ويضيفون إليه «1» ، حين اتهموا النّبيّ- عليه السلام- في معرفة الأخبار ببعض العجم ممن قرأ.
112 فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ: أي: جعل ما يظهر عليهم من الهزال وسوء الحال كاللباس عليهم.
وإنّما يقال لصاحب الشدّة: ذق لأنّه يتجدّد عليه إدراكه كما يتجدد على الذائق.
120 إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً: إماما يأتمّ به النّاس «2» .
قانِتاً: دائما على العبادة.
حَنِيفاً: مسلما مستقبلا في صلاته الكعبة «3» .
122 وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ: فيه غاية الترغيب في الصّلاح والمدح لإبراهيم- عليه السلام-، إذ شرف جملة هو منها حتى يصير الاستدعاء إليها بأنه فيها.
وإنّما جاز أن/ يتبع الأفضل المفضول «4» لسبقه إلى القول بالحق [54/ أ] والعمل به وإن كان نبيّنا أفضل الأنبياء.
__________
(1) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 249، ومعاني الزجاج: 3/ 219، والمفردات:
219.
(2) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 415 عن الكسائي، وأبي عبيدة. [.....]
(3) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 8/ 541: «الحنيف: المائل إلى الخير والإصلاح، وكانت العرب تقول لمن يختتن ويحج البيت حنيفا» .
(4) لعله تفسير لقوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ... [آية:
123] .
(2/491)

إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124)
124 إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ: التشديد في يوم السّبت «1» .
عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ: جاءهم موسى بالجمعة فقال أكثرهم: لا، بل يوم السّبت «2» .
__________
(1) قال القرطبي في تفسيره: 10/ 199: «كان السبت تغليظا على اليهود في رفض الأعمال وترك التبسيط في المعاش بسبب اختلافهم فيه ... » .
(2) معاني القرآن للفراء: 2/ 114، وتفسير الطبري: 14/ 193.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 8/ 544: «قوله تعالى: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ، أي: لم يكن من ملة إبراهيم، وإنما جعله الله فرضا عاقب به القوم المختلفين فيه، قاله ابن زيد، وذلك أن موسى- عليه السلام- أمر بني إسرائيل أن يجعلوا من الجمعة يوما مختصا بالعبادة وأمرهم أن يكون يوم الجمعة، فقال جمهورهم: بل يكون يوم السبت، لأن الله فرغ فيه من خلق مخلوقاته ... » .
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد» اه.
صحيح البخاري: (1/ 211، 212) ، كتاب الجمعة، باب «فرض الجمعة ... » .
وصحيح مسلم: (2/ 585، 586) ، كتاب الجمعة، باب «هداية هذه الأمة ليوم الجمعة» .
(2/492)

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)
ومن سورة بني إسرائيل
1 سُبْحانَ: لا ينصرف، لأنّه علم لأحد معنيين: إمّا التبرئة والتنزيه، وإمّا التعجب «1» .
أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا: بمعنى «بعض ليل» على تقليل وقت الإسراء «2» .
والإسراء في رواية أبي هريرة «3» وحذيفة بن اليمان «4» كان بنفسه في الانتباه. وفي رواية عائشة ومعاوية بروحه حال النّوم «5» .
__________
(1) ينظر إعراب القرآن للنحاس: 2/ 413، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 427، وتفسير الماوردي: 2/ 420، ونور المسرى في تفسير آية المسرى: (47، 48) .
(2) قال العكبري في التبيان: 2/ 811: «وتنكيره يدل على قصر الوقت الذي كان الإسراء والرجوع فيه» .
وانظر الكشاف: 2/ 436، وتفسير الفخر الرازي: 20/ 147، وتفسير القرطبي: 10/ 204.
(3) في صحيح البخاري: (4/ 140، 141) ، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها.
وصحيح مسلم: 1/ 154، كتاب الإيمان، باب «الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات» .
وانظر تفسير الطبري: (15/ 6، 7) ، ودلائل النبوة للبيهقي: 2/ 358، والدر المنثور:
(5/ 198، 199) .
(4) ينظر مسند أحمد: 5/ 387، وسنن الترمذي: 5/ 307، كتاب تفسير القرآن «سورة الإسراء» حديث رقم (3147) ، قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» .
ومستدرك الحاكم: 2/ 359، كتاب التفسير، وقال: «حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
ودلائل النبوة للبيهقي: 2/ 364، والدر المنثور: 5/ 216.
(5) نقل ابن إسحاق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله أسرى بروحه» .
وأخرج عن معاوية رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«كانت رؤيا من الله تعالى صادقة» . قال ابن إسحاق: «فلم ينكر ذلك من قولهما ... »
السيرة: (1/ 399، 400) .
وعلق الحافظ ابن كثير على نقل ابن إسحاق بقوله: «وقد توقف ابن إسحاق في ذلك، وجوز كلّا من الأمرين من حيث الجملة، ولكن الذي لا يشك فيه ولا يتمارى أنه كان يقظانا لا محالة لما تقدم، وليس مقتضى كلام عائشة رضي الله عنها- أن جسده صلى الله عليه وسلم ما فقد وإنما كان الإسراء بروحه أن يكون مناما كما فهمه ابن إسحاق، بل قد يكون وقع الإسراء بروحه حقيقة وهو يقظان لا نائم وركب البراق وجاء بيت المقدس وصعد السماوات وعاين ما عاين حقيقة ويقظة لا مناما. لعل هذا مراد عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ومراد من تابعها على ذلك، لا ما فهمه ابن إسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام، والله أعلم» اه.
ينظر البداية والنهاية: (3/ 112، 113) .
(2/493)

والحسن أوّل قوله «1» : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ بالمعراج «2» .
وقد رويت الروايتان بطرق صحيحة، فالأولى الجمع والقول بمعراجين: أحدهما في النّوم، والآخر في اليقظة «3» .
وروي أنّ المشركين سألوه عن بيت المقدس وما رآه في طريقه فوصفه لهم شيئا فشيئا، وأخبرهم أنّه رأى في طريقه قعبا «4» مغطى مملوء ماء فشرب منه، ثم غطّاه كما كان، ووصف لهم إبلا كانت في طريق الشّام يقدمها جمل أورق «5» ، فوجدوا الأمر كما وصف.
__________
(1) سورة الإسراء: آية: 60.
(2) ينظر قوله في السيرة لابن هشام: 1/ 400، وتفسير الماوردي: 2/ 421، وتفسير ابن كثير: 5/ 41، والدر المنثور: 5/ 309.
وأخرج البخاري في صحيحه: 5/ 227، كتاب التفسير، باب وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به ... » .
(3) ذكره ابن العربي في أحكام القرآن: 3/ 1194، ورجحه السهيلي في الروض الأنف:
2/ 149، وأبو شامة المقدسي في نور المسرى: 117.
(4) أي قدحا.
اللسان: 1/ 683 (قعب) .
(5) الأورق: الأسمر.
النهاية: 5/ 175. [.....]
(2/494)

وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5)
2 أَلَّا تَتَّخِذُوا: معناه الخبر لئلا يتخذوا.
3 ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا: أي: يا ذريّة «1» .
4 وَقَضَيْنا: أعلمنا وأوحينا، كقوله «2» : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ... أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ.
5 بَعَثْنا عَلَيْكُمْ: خلّيناهم وإياكم، وكان أولئك هم العمالقة «3» .
وقيل: إنّه بختنصّر «4» ، إذ كان أصحاب سليمان بن داود عرفوا من جهة أنبيائهم خراب الشّام ثم عودها إلى عمارتها، ولما وقفوا على قصد بختنصّر انجلوا عنها واعتصموا بمصر «5» .
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 2/ 116، وقال الزجاج في معانيه: 3/ 226: «وهي منصوبة على النداء، كذا أكثر الأقوال، المعنى: «يا ذرية من حملنا مع نوح ... » .
(2) سورة الحجر: آية: 66.
(3) نقله الماوردي في تفسيره: 2/ 423، والكرماني في غرائب التفسير: 1/ 621، وابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 9 عن الحسن رحمه الله تعالى.
(4) بختنصّر: كان حاكما لبلاد بابل من قبل ملك الفرس.
وكلمة «بختنصر» مركب مزجى، وتركيبه من «بخت» معرب «بوخت» ، بمعنى: ابن و «نصر» اسم صنم.
ينظر تاريخ الطبري: 1/ 558، والصحاح: 1/ 243 (بخت) ، والمعرّب للجواليقي:
129.
(5) ينظر هذه الرواية في تفسير الطبري: (15/ 21- 30) ، وتفسير الماوردي: 2/ 423، والتعريف والإعلام للسهيلي: 98، وزاد المسير: 5/ 9.
وأشار إليها ابن كثير في تفسيره: 5/ 44، ثم قال: «وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها لأن منها ما هو موضوع، من وضع زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبر الله تعالى أنهم لما بغوا وطغوا سلط عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء» اه.
(2/495)

إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)
فَجاسُوا: مشوا وترددوا «1» . وقيل «2» : عاثوا وأفسدوا.
7 وَعْدُ الْآخِرَةِ: [وعد] «3» المرّة الآخرة «4» .
لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ: أي: الموصوفون بالبأس يسوءوا ساداتكم «5» .
وَلِيُتَبِّرُوا: يهلكوا ويخرّبوا «6» .
ما عَلَوْا: ما وطئوا من الديار.
حَصِيراً: محبسا» .
9 لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ: للحال التي هي أقوم وهي توحيد الله، والإيمان برسله، والعمل بطاعته/ «8» .
11 وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ: يدعو على نفسه وولده غضبا، أو يطلب
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 424 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر المفردات للراغب: 103، وتفسير الفخر الرازي: 20/ 157، وتفسير البيضاوي:
1/ 578.
(2) هذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 251، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير:
5/ 10، والفخر الرازي في تفسيره: 20/ 157 عن ابن قتيبة أيضا.
(3) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(4) تفسير الطبري: 15/ 31، وتفسير الماوردي: 2/ 425، وتفسير البغوي: 3/ 106، وتفسير الفخر الرازي: 20/ 159.
(5) ذكره القرطبي في تفسيره: 10/ 223 فقال: «قيل: المراد ب «الوجوه» السادة، أي:
ليذلوهم» .
(6) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 251، وتفسير الطبري: 15/ 43، وتفسير الفخر الرازي:
20/ 160.
(7) في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 371: «من الحصر والحبس، فكأن معناه: محبسا، ويقال للملك: حصير، لأنه محجوب» .
وانظر تفسير الطبري: 15/ 45، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 228، وتفسير القرطبي:
10/ 224.
(8) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 3/ 229.
وانظر هذا المعنى في تفسير الطبري: (15/ 46، 47) ، والمحرر الوجيز: 9/ 26، وتفسير القرطبي: 10/ 225.
(2/496)

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)
ما هو شرّ له ليعجّل الانتفاع.
12 فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ: هو السواد الذي في القمر «1» .
مُبْصِرَةً: أهلها بصراء كمضعف لمن قومه ضعفاء.
13 طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ: عمله «2» : فيكون في اللّزوم كالطوق للعنق، أو طائِرَهُ: كتابه الذي يطير إليه يوم القيامة «3» .
14 كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً: شاهدا، وقيل: حاكما.
ولقد أنصفك من جعلك حسيبا على نفسك.
16 وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً
: هذه الإرادة على مجاز المعلوم من عاقبة الأمر.
أَمَرْنا
«4» تْرَفِيها: أمرناهم على لسان رسولهم بالطاعة.
فَفَسَقُوا
: خرجوا عن أمرنا، كقوله: أمرته فعصى «5» ، أو أمرنا:
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 49 عن ابن عباس، ومجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 247، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في «المصاحف» عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. [.....]
(2) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 118، وأخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 51 عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
(3) نص هذا القول في البحر المحيط: 6/ 15 عن السدي.
وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 252: «المعنى فيما أرى- والله أعلم-: أن لكل امرئ حظا من الخير والشر قد قضاه الله عليه فهو لازم عنقه. والعرب تقول لكل ما لزم الإنسان- قد لزم عنقه، وهو لازم صليف عنقه. وهذا لك عليّ وفي عنقي حتى أخرج منه.
وإنما قيل للحظ من الخير والشر: طائر، لقول العرب: جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له الطائر بكذا من الشر على طريق الفأل والطيرة، وعلى مذهبهم في تسمية الشيء بما كان له سببا، فخاطبهم الله بما يستعملون، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر، هو ملزمة أعناقهم ... » .
(4) بفتح الميم وإسكان الراء، وهي قراءة الجمهور وعليها القراء السبعة.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 379، والبحر المحيط: 6/ 17.
(5) ينظر البحر المحيط: 6/ 18.
(2/497)

كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)
كثّرنا «1» ، أمره وآمره. وفي الحديث «2» : «خير المال مهرة مأمورة» «3» .
20 كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ: أي: من أراد العاجلة ومن أراد الآخرة.
مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ: من رزقه.
23 أُفٍّ: معناه التكرّه والتضجّر «4» .
24 وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ: لن لهما جانبك متذللا من مبالغتك في الرحمة لهما «5» .
26 وَلا تُبَذِّرْ: لا تنفق في غير طاعة الله شيئا.
27 إِخْوانَ الشَّياطِينِ: قرناءهم في النّار «6» ، أو أتباعهم في
__________
(1) ورد هذا المعنى على قراءة الجمهور بالقصر وفتح الميم وإسكان الراء، وكذلك على قراءة «آمرنا» بالمد. وهي قراءة عشرية، قرأ بها يعقوب بن إسحاق البصري، وتنسب هذه القراءة أيضا إلى علي بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبي العالية، وعاصم، وابن كثير، وأبي عمرو، ونافع.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 379، والمحتسب لابن جني: (2/ 15، 16) ، والغاية في القراءات العشر لابن مهران: 190، والنشر: 3/ 150، وإتحاف فضلاء البشر: 2/ 195، والبحر المحيط: 6/ 20.
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 3/ 468 عن سويد بن هبيرة، ورفعه.
وكذا الطبراني في المعجم الكبير: 7/ 91، والقضاعي في مسند الشهاب: (2/ 230، 231) .
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد: 5/ 260 وقال: «رجال أحمد ثقات» .
وأورده السيوطي- أيضا- في الجامع الصغير: 2/ 11، ورمز له بالصحة.
(3) أي: كثيرة الولد.
مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 373.
(4) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: (9/ 55، 56) : «ومعنى اللفظة أنها اسم فعل، كأن الذي يريد أن يقول: أضجر، أو أتقذر، أو أكره، أو نحو هذا، يعبر إيجازا بهذه اللفظة فتعطي معنى الفعل المذكور، وجعل الله تعالى هذه اللفظة مثلا لجميع ما يمكن أن يقابل به الآباء مما يكرهون، فلم ترد هذه اللفظة في نفسها وإنما هي مثال الأعظم منها والأقل، فهذا هو مفهوم الخطاب الذي المسكوت عنه حكمه حكم المذكور» .
(5) عن معاني القرآن للزجاج: 2/ 235.
(6) ذكره الفخر الرازي في تفسيره: 20/ 195، وقال: «كما قال: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وقال تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ، أي قرناءهم من الشياطين. اه.
وانظر هذا القول في الكشاف: 2/ 446، وتفسير القرطبي: 10/ 248، والبحر المحيط:
6/ 30.
(2/498)

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31)
آثارهم «1» .
28 وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ: أي: الذين أمرنا بإعطائهم إذا أعرضت عنهم لعوز فقل لهم قولا ليّنا ييسّر عليهم فقرهم.
و «الرحمة» : الرزق «2» .
29 مَحْسُوراً: منقطعا به «3» ، أو ذا حسرة «4» ، أو مكشوفا، من حسرت الذراع «5» .
31 خِطْأً: يجوز اسما ك «الإثم» «6» ، ومصدرا ك «الحذر» «7» .
__________
(1) قال الطبري في تفسيره: 15/ 74: «وكذلك تقول العرب لكل ملازم سنة قوم وتابع أثرهم:
هو أخوهم» .
وانظر تفسير الفخر الرازي: 20/ 195.
(2) ذكره الطبري في تفسيره: 15/ 75، والبغوي في تفسيره: 3/ 112، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 28، وقال: «قاله الأكثرون» .
(3) ينظر هذا القول في معاني الفراء: 2/ 122، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 254، وتفسير الطبري: 15/ 76، وتفسير البغوي: 3/ 113، والكشاف: 2/ 447.
(4) ذكر القرطبي هذا القول في تفسيره: 10/ 251 عن قتادة، ثم قال: «وفيه بعد لأن الفاعل من «الحسرة» حسر وحسران، ولا يقال: محسور» . [.....]
(5) اللسان: 4/ 189 (حسر) .
(6) معاني القرآن للفراء: 2/ 133، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 76، وتفسير الطبري:
15/ 79، ومعاني الزجاج: 3/ 236.
(7) قرأ ابن عامر- من السبعة خطا بفتح الخاء والطاء.
قال أبو زرعة في حجة القراءات: 401: «وهو مصدر ل خطى الرجل يخطأ خطئا» .
ووجه الطبري لقراءة الكسر وجهين فقال:
أحدهما: أن يكون اسما من قول القائل: خطئت فأنا أخطأ، بمعنى: أذنبت وأثمت.
ويحكى عن العرب: خطئت: إذا أذنبت عمدا، وأخطأت: إذا وقع منك الذنب خطأ على غير عمد منك له.
والثاني: أن يكون بمعنى «خطأ» بفتح الخاء والطاء، ثم كسرت الخاء وسكنت الطاء، كما قيل: قتب وقتب، وحذر وحذر، ونجس ونجس. و «الخطء» بالكسر اسم، و «الخطأ» بفتح الخاء والطاء مصدر من قولهم: خطيء الرجل، وقد يكون اسما من قولهم: أخطأ، فأما المصدر منه ف «الإخطاء ... » اه.
راجع تفسيره: 15/ 79، والسبعة لابن مجاهد: 379، والتبصرة لمكي: 224، والمحرر الوجيز: 9/ 67.
(2/499)

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41)
36 وَلا تَقْفُ: لا تتبع، من «قفوت أثره» «1» .
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا: أي: عن الإنسان لأنها الأشهاد يوم القيامة، أو كان الإنسان عن ذلك مسؤولا لأنّ الطاعة والمعصية بها «2» .
38 كان سيئة «3» عند ربك مكروها: أراد ب «السيئة» : الذنب «4» .
أو مَكْرُوهاً بدل عن السّيئة وليس بوصف «5» . وأمّا سَيِّئُهُ بالإضافة «6» فلأنّه تقدّم أوامر ونواهي فما كان في كلّ المذكور من سيئ كان عند الله مكروها/، فيعلم به أنّ ما كان من حسن كان مرضيّا.
40 أَفَأَصْفاكُمْ: أخلص لكم البنين فاختصكم بالأجلّ.
41 وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ: صرّفنا القول فيه على وجوه من أمر
__________
(1) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 123، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 379، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: (254، 255) ، وتفسير الطبري: 15/ 87، ومعاني الزجاج: 3/ 239.
(2) عن تفسير الماوردي: 2/ 435.
وانظر تفسير البغوي: 3/ 114، والمحرر الوجيز: (9/ 86، 87) .
(3) هذه قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 380، والتبصرة لمكي: 244، والتيسير للداني: 140.
(4) زاد المسير: 5/ 36.
(5) والتقدير: كان سيئة وكان مكروها.
ينظر تفسير الفخر الرازي: 20/ 213، والمحرر الوجيز: 9/ 91، وتفسير القرطبي:
10/ 262، والبحر المحيط: 6/ 38.
(6) بإضافة السيء إلى الهاء، وهي قراءة عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 380، وحجة القراءات: 403، والتبصرة لمكي: 244.
(2/500)

قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50)
ونهي، ووعد ووعيد، وتسلية وتحسير وتزكية وتقريع وقصص وأحكام وتوحيد وصفات وحكم وآيات.
وَما يَزِيدُهُمْ: أي: هذه المعاني، إِلَّا نُفُوراً إلّا اعتقادهم الشبه.
42 لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا: إلى ما يقرّبهم إليه لعظمته عندهم.
44 وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ: أي: من جهة خلقته، أو في معنى صفته وهي حاجته بحدوثه إلى صانع أحدثه.
45 حِجاباً مَسْتُوراً: ساترا لهم عن إدراكه، ك «مشؤوم» و «ميمون» في معنى شائم ويا من لأنّه من شامهم ويمنهم «1» .
وقيل «2» : مستورا عن أبصار النّاس.
46 نُفُوراً: جمع «نافر» «3» .
47 وَإِذْ هُمْ نَجْوى: اسم للمصدر، أي: ذوو نجوى يتناجون «4» .
50 قُلْ كُونُوا حِجارَةً: أي: استشعروا أنكم منها فإنّه يعيدكم، إذ القدرة التي بها أنشأكم هي التي بها يعيدكم «5» .
__________
(1) عن معاني القرآن للأخفش: 2/ 613.
وانظر هذا المعنى في تفسير الطبري: (15/ 93، 94) ، والمحرر الوجيز: 9/ 99، وزاد المسير: 5/ 41.
(2) ذكره الطبري في تفسيره: 15/ 94، ورجحه.
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 437، وتفسير البغوي: 3/ 117، وتفسير القرطبي:
10/ 271.
(3) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 381: «بمنزلة قاعد وقعود وجالس وجلوس» .
(4) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 243.
(5) قال الزجاج في معانيه: 3/ 244: «ومعنى هذه الآية فيه لطف وغموض، لأن القائل يقول:
كيف يقال لهم كونوا حجارة أو حديدا وهم لا يستطيعون ذلك؟.
فالجواب في ذلك أنهم كانوا يقرّون أن الله جل ثناؤه خالقهم، وينكرون أن الله يعيدهم خلقا آخر، فقيل لهم: استشعروا أنكم لو خلقتم من حجارة أو حديد لأماتكم الله ثم أحياكم لأن القدرة التي بها أنشأكم وأنتم مقرون أنه أنشأكم بتلك القدرة بها يعيدكم، ولو كنتم حجارة أو حديدا، أو كنتم الموت الذي هو أكبر الأشياء في صدوركم» . [.....]
(2/501)

أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60)
51 فَسَيُنْغِضُونَ: يحرّكون، وهو تحريك المستبطئ للشيء والمبطل له المستهزئ به.
52 فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ: أي: بأمره «1» . وقيل «2» : تستجيبون حامدين.
إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا: أي: في الدنيا بالقياس إلى الآخرة.
60 وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ: أي: علمه وقدرته فيعصمك منهم.
إِلَّا فِتْنَةً: ابتلاء بمن كفر به، فإنّ قوما أنكروا المعراج فارتدوا «3» .
وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ: أي: وما جعلنا الشجرة الملعونة [في القرآن] «4» إلّا فتنة، إذ قال أبو جهل: هل رأيتم الشّجر ينبت في النّار «5» .
وقيل «6» : الشجرة الملعونة بنو أميّة فإنّهم الذين بدلوا وبغوا.
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 101 عن ابن عباس، وابن جريج. ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 439 عن ابن جريج وسفيان.
وانظر المحرر الوجيز: 9/ 109، وزاد المسير: 5/ 45.
(2) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 439 دون عزو. ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 45 عن سعيد بن جبير.
(3) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 258. وأخرج- نحوه- الطبري في تفسيره:
15/ 110 عن الحسن.
(4) ما بين معقوفين عن «ج» و «ك» .
(5) أخرج الطبري في تفسيره: 15/ 114 عن قتادة قال: «هي شجرة الزقوم، خوف الله بها عباده، فافتنوا بذلك، حتى قال قائلهم أبو جهل بن هشام: زعم صاحبكم هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر» .
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 443، وتفسير البغوي: 3/ 120.
(6) ذكر الحافظ ابن كثير هذا القول في تفسيره: 5/ 90، ثم قال «وهو غريب ضعيف» .
والأثر الذي أخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 112 عن سهل بن سعد قال: «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم- بني فلان ينزون على منبره نزو القرود، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا حتى مات- قال: وأنزل الله في ذلك: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ...
الآية.
وضعف ابن كثير إسناده فقال: «وهذا السند ضعيف جدا، فإن محمد بن الحسن بن زبالة متروك، وشيخه أيضا ضعيف بالكلية.
ولهذا اختار ابن جرير أن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، قال: لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، أي: في الرؤيا والشجرة» اه.
(2/502)

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64)
والرؤيا: ما رآه النبي- عليه السلام- من نزوهم «1» على منبره.
62 أَرَأَيْتَكَ: معناه أخبر، والكاف للخطاب ولا موضع لها، لأنّها للتوكيد، والجواب محذوف، وهذَا منصوب ب «أرأيت» ، أي: أخبرني عن هذا الذي كرّمته عليّ لم كرّمته «2» ؟.
لَأَحْتَنِكَنَّ/ ذُرِّيَّتَهُ: لأستولينّ عليهم وأستأصلنّهم كما يحتنك [55/ ب] الجراد الزّرع «3» .
64 وَاسْتَفْزِزْ: استخفّ «4» ، أو استزل بصوتك بدعائك إلى المعاصي «5» .
وقيل «6» : إنه الغناء بالأوتار والمزامير.
__________
(1) أي: وثوبهم عليه.
النهاية لابن الأثير: 5/ 44، واللسان: 15/ 319 (نزا) .
(2) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 349.
وانظر إعراب القرآن للنحاس: 2/ 432، والبحر المحيط: 6/ 57.
(3) معاني القرآن للفراء: 2/ 127، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 384، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 258، وتفسير الطبري: 15/ 117، والمفردات للراغب: 134.
(4) معاني القرآن للفراء: 2/ 127، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 384، وتفسير غريب القرآن: 258، وتفسير الطبري: 15/ 118، والمحرر الوجيز: 9/ 135.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 118 عن ابن عباس، وقتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 312، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(6) أخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 118 عن مجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 312 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد رحمه الله تعالى.
وعقّب الطبري على هذه الأقوال بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله تبارك وتعالى- قال لإبليس: واستفزز من ذرية آدم من استطعت أن تستفزه بصوتك، ولم يخصص من ذلك صوتا دون صوت، فكل صوت كان دعاء إليه وإلى عمله وطاعته، وخلافا للدعاء إلى طاعة الله، فهو داخل في معنى صوته الذي قال الله تبارك وتعالى اسمه- له:
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ اه.
(2/503)

وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67)
وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ: أجمع عليهم، بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ: بكل راكب وماش في الضلالة، وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ: ما يكسبونه من حرام وينفقونه في معصية «1» ، وَالْأَوْلادِ: إذا ولدوهم بالزنا «2» ، أو عوّدوهم الضلالة والبطالة.
67 ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ: بطل، كقوله «3» : أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ، أو غاب كقوله «4» : أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ.
«الحاصب» «5» : الحجارة الصغار «6» . وقيل «7» : الريح التي ترمى
__________
(1) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 258.
وأخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 15/ 119 عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 444 عن الحسن رحمه الله تعالى.
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 258.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (15/ 120، 121) عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 312، وزاد نسبته إلى ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما. [.....]
(3) سورة محمد: آية: 1.
(4) سورة السجدة: آية: 10، ومصدره في القولين- فيما يبدو- تفسير الماوردي: 2/ 445.
وانظر زاد المسير: 5/ 61.
(5) في قوله تعالى: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا [آية: 68] .
(6) تفسير الطبري: 15/ 124، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 251.
(7) هذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 259.
وانظر تفسير الطبري: 15/ 124، وتفسير البغوي: 3/ 124.
(2/504)

يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71)
بالحصباء، كما سمّي الجمار بالمحصّب لرمي الحصباء بها. وحصب في الأرض: ذهب فيها «1» .
و «القاصف» »
: الريح التي تقصف الشّجر «3» .
والتبيع: المنتصر الثائر «4» .
71 يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ: بنيّهم «5» ، أو بدينهم وكتابهم «6» ، أو بأعمالهم «7» ، أو بقادتهم ورؤسائهم «8» .
__________
(1) اللسان: (1/ 319، 320) (حصب) .
(2) في قوله تعالى: فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً [آية: 69] .
(3) عن ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 259.
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 445، والمفردات للراغب: 405، وتفسير البغوي:
3/ 125.
(4) معاني القرآن للفراء: 2/ 127، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 259، وتفسير الطبري:
15/ 125، وتفسير البغوي: 3/ 125.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 126 عن مجاهد، وقتادة.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 446 عن مجاهد، وابن عطية في المحرر الوجيز:
9/ 148 عن قتادة ومجاهد.
وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 65 إلى أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 316، وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والخطيب عن أنس رضي الله عنه.
(6) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 253، والماوردي في تفسيره: 2/ 446، وابن عطية في المحرر الوجيز: 9/ 148.
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (15/ 126، 127) عن ابن عباس، والحسن، والربيع بن أنس.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 446 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(8) ذكر- نحوه- ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 259 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 64، وقال: «قاله أبو صالح عن ابن عباس» .
وأورد ابن عطية الأقوال التي قيلت في المراد ب «الإمام» ، ثم قال: «ولفظة «الإمام» تعمّ هذا كله، لأن الإمام هو ما يؤتم به ويهتدى به في القصد ... » .
(2/505)

وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72) وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)
72 وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى: أي: عن الطاعة والهدى، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى: عن طريق الجنة «1» . أو من عمي عن هذه العبر المذكورة فهو عمّا غاب عنه من أمر الآخرة أعمى «2» .
73 وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ: همّوا صرفك. في وفد ثقيف حين أرادوا الإسلام على أن يمتّعوا باللّات سنة ويكسر باقي أصنامهم «3» .
74 لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ: هممت من غير عزم «4» ، وهو حديث النفس المرفوع.
75 ضِعْفَ الْحَياةِ: ضعف عذاب الحياة «5» ، أي: مثليه، لعظم ذنبك
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 446. [.....]
(2) تفسير الطبري: 15/ 129، والمحرر الوجيز: 9/ 150، وتفسير القرطبي: 10/ 298.
(3) ذكر نحوه الزمخشري في الكشاف: 2/ 460، وقال الحافظ في الكافي الشاف: 100: «لم أجده، وذكره الثعلبي عن ابن عباس من غير سند» .
وأخرج الطبري في تفسيره: 15/ 130 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « ... أن ثقيفا كانوا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أجلنا سنة حتى يهدى لآلهتنا، فإذا قبضنا الذي يهدى لآلهتنا أخذناه، ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم، وأن يؤجلهم، فقال الله: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا.
وفي إسناده محمد بن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه، وهذا الإسناد مسلسل بالضعفاء.
وقد تقدم بيان حالهم، راجع ص (135) .
وانظر أسباب النزول للواحدي: 335، وتفسير البغوي: (3/ 126، 127) ، والفتح السماوي: 2/ 778.
(4) قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 9/ 155: «ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يركن، ولكنه كاد بحسب همه بموافقتهم طمعا منه في استئلافهم» .
وقال الكرماني في غرائب التفسير: 1/ 367: «لولا تدل على امتناع الشيء لوجود غيره، فالممتنع في الآية إرادة الركون لوجود تثبيت الله إياه، هذا هو الظاهر في الآية» اه.
وانظر تفسير القرطبي: 10/ 300.
(5) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 386، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 259، وتفسير الطبري: 15/ 132.
(2/506)

وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77) أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)
على شرف منزلتك. أو «الضعف» هو العذاب «1» ، لتضاعف الألم كما هو عذاب لاستمراره في الأوقات، كالعذاب الذي يستمر في الحلق، ولما نزلت هذه الآية قال عليه السّلام «2» : «اللهم لا تكلني [إلى نفسي] «3» طرفة عين» .
76 وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ، حين قالت اليهود: إن أرض الشّام أرض الأنبياء وفيها الحشر والنشر «4» .
والاستفزاز: الاستخفاف بالإزعاج «5» .
78 لِدُلُوكِ الشَّمْسِ: لزوالها «6» . والآية جمعت الصلوات الخمس، لأنّه بدأ «7» من/ الزوال إلى «الغسق» وإلى قُرْآنَ الْفَجْرِ وهو صلاته، [56/ أ]
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 448، وانظر تفسير البيضاوي: 1/ 593.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 131 عن قتادة ورفعه، واللفظ عنده: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» .
وذكر مثله الماوردي في تفسيره: 2/ 448، وابن عطية في المحرر الوجيز: 9/ 154، والزمخشري في الكشاف: 2/ 461.
وقال الحافظ في الكافي الشاف: 101: «لم أجده، وذكره الثعلبي عن قتادة مرسلا» .
(3) في الأصل: «على طرفة عين» ، والمثبت في النص عن الهامش و «ج» ، الذي أشار ناسخه إلى وروده في نسخة أخرى.
(4) أخرج- نحوه- الطبري في تفسيره: 15/ 132، عن حضرمي.
وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة: 5/ 254، عن عبد الرحمن بن غنم رضي الله عنه وذكر الحافظ ابن كثير هذا القول في تفسيره: 5/ 97، وقال: «وهذا القول ضعيف لأن هذه الآية مكية، وسكنى المدينة بعد ذلك» ، ثم أورد رواية البيهقي، وقال: «وفي هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغز تبوك عن قول اليهود، إنما غزاها امتثالا لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وقوله تعالى:
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ، وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه، والله أعلم ... » اه.
(5) معاني القرآن للفراء: 2/ 129، وتفسير الطبري: 15/ 132، والمفردات للراغب: 379.
(6) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 129، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 387، وتفسير الطبري:
(15/ 135، 136) ، ومعاني الزجاج: 3/ 255.
(7) في «ج» : مدّ.
(2/507)

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)
سمّيت الصلاة قرآنا لتأكيد القراءة فيها «1» ، ونصب قُرْآنَ على الإغراء «2» .
كانَ مَشْهُوداً: يشهده ملائكة الليل وملائكة النّهار «3» .
79 نافِلَةً لَكَ: خاصة.
مَقاماً مَحْمُوداً: الشفاعة «4» . وقيل «5» : إعطاؤه لواء الحمد.
مُدْخَلَ صِدْقٍ: أي: أدخلني فيما أمرتني به وأخرجني عما نهيتني عنه «6» .
81 وَزَهَقَ الْباطِلُ: ذهب.
82 وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ: وذلك أنّه البيان الذي يزيل عمى الجهل وحيرة الشكّ، وأنّه برهان معجز يدلّ على صدق الرسول، وأنه يتبرّك به فيدفع به المضارّ والمكاره، وأنّ تلاوته الصلاح الداعي إلى كل صلاح.
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 450، وانظر معاني القرآن للزجاج: (3/ 255، 256) .
(2) والتقدير: وعليك قرآن الفجر إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً.
ينظر تفسير الطبري: 15/ 139، والتبيان للعكبري: 2/ 830، وتفسير القرطبي:
10/ 305.
(3) ثبت ذلك في صحيح البخاري: (5/ 227، 228) ، كتاب التفسير، باب قوله: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً من رواية أخرجها عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا.
وكذا في صحيح مسلم: 1/ 450، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب «فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها» عن أبي هريرة أيضا. [.....]
(4) يدل عليه ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 228، كتاب التفسير، باب قوله:
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً عن آدم بن علي قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كلّ أمة تتبع نبيّها، يقولون: يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود» .
وانظر صحيح مسلم: 1/ 179، كتاب الإيمان، باب «أدنى أهل الجنة منزلة فيها» .
(5) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 451، دون عزو.
(6) نقله الماوردي في تفسيره: 2/ 452، عن بعض المتأخرين.
وأورده القرطبي في تفسيره: 10/ 311، وقال: «وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأول، فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع» .
(2/508)

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)
وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً: لكفرهم به وحرمان أنفسهم المنافع التي فيه.
83 وَنَأى بِجانِبِهِ: بعّد بنفسه عن القيام بحقوق النّعم، كقوله «1» :
فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ.
كانَ يَؤُساً: لا يثق بفضل الله «2» .
84 شاكِلَتِهِ: عادته أو طريقته التي تشاكل أخلاقه «3» .
طريق ذو شواكل: متشعب منه الطرق «4» .
85 قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي: من خلق ربّي، لأنهم سألوه عنه:
أقديم «5» ؟، وإن كان معناه: من علم ربّي، فإنما لم يجبهم عنه لأن طريق معرفته العقل لا السّمع، فلا يجري القول فيه على سمت النّبوّة كما هو في كتب الفلاسفة، ولئلا يصير الجواب طريقا إلى سؤالهم عما لا يعنيهم، وليراجعوا عقولهم في معرفة مثله لما فيه من الرياضة على استخراج الفائدة.
وقيل في حد الروح: إنه جسم رقيق هوائيّ على بنية حيوانية في كل
__________
(1) سورة الذاريات: آية: 39.
(2) قال القرطبي في تفسيره: 10/ 321: «أي إذا ناله شدة من فقر أو سقم أو بؤس يئس وقنط، لأنه لا يثق بفضل الله تعالى» .
(3) في «ج» أخلاطه.
(4) ينظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 257، والكشاف: 2/ 464، واللسان: 11/ 357 (شكل) .
(5) وفي سبب نزول هذه الآية أخرج الإمامان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث وهو متكئ على عسيب إذ مر عليه اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه؟ وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا. فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.
راجع صحيح البخاري: 5/ 228، كتاب التفسير، باب «ويسألونك عن الروح» .
وصحيح مسلم: 4/ 2152، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب «سؤال اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح» ، وأسباب النزول للواحدي: 337.
(2/509)

وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92)
جزء منه حياة «1» .
86 وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ: أي: لمحوناه من القلوب والكتب «2» .
ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ: من تتوكّل عليه في ردّ شيء منه «3» .
87 إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ: أي: لكن رحم الله فأثبته في قلبك وقلوب المؤمنين «4» .
و «ينبوع» «5» يفعول من «ينبع بالماء» «6» ، أي: يفور.
92 كِسَفاً: قطعا «7» ، كسفت الثوب أكسفه وذلك المقطوع كسف.
__________
(1) في تفسير الماوردي: 2/ 455- عن بعض المتكلمين-: «أنه لو أجابهم عنها ووصفها بأنها جسم رقيق تقوم معه الحياة، لخرج من شكل كلام النبوة، وحصل في شكل كلام الفلاسفة، فقال: مِنْ أَمْرِ رَبِّي، أي: هو القادر عليه» اه.
وأورد القرطبي في تفسيره: 10/ 324 الأقوال التي قيلت في «الروح» ، ثم عقب عليها بقوله: «والصحيح الإبهام لقوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي دليل على خلق الروح، أي:
هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى، مبهما له وتاركا تفصيله ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها. وإن كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا كان يعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز» اه.
(2) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: (15/ 157، 158) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 258، وتفسير الماوردي: 2/ 455، وزاد المسير:
5/ 83.
(3) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 259، وانظر تفسير الماوردي: 2/ 455، وتفسير البغوي:
3/ 135.
(4) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 3/ 259.
(5) في قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [آية: 90] .
(6) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 390، ومعاني الزجاج: 3/ 259، وتفسير القرطبي:
10/ 330.
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 9/ 193: «والينبوع» : الماء النابع، وهي صفة مبالغة إنما تقع للماء الكثير» . [.....]
(7) معاني القرآن للفراء: 2/ 131، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 390، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 261، والمفردات للراغب: 431.
(2/510)

وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104)
قَبِيلًا: معاينة نعاينهم «1» ، أو جميعا من «قبائل العرب» ، و «قبائل الرأس» : شؤونه لاجتماع/ بعضها إلى بعض «2» .
97 وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً: أي: عمّا يسرّهم.
بكما: عن التكلّم بما ينفعهم.
101 وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ: العصا، واليد، واللسان، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدّم «3» .
مَثْبُوراً: مهلكا «4» . قال المأمون لرجل: يا مثبور، ثم حدّث عن الرّشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس- رضي الله عنه- أنّ «المثبور» ناقص العقل «5» .
104 لَفِيفاً: جميعا من جهات مختلفة «6» .
__________
(1) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 390، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 261.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 162 عن قتادة، وابن جريج.
ورجحه الطبري بقوله: «وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي قاله قتادة من أنه بمعنى المعاينة، من قولهم: قابلت فلانا مقابلة، وفلان قبيل فلان، بمعنى قبالته ... » .
وانظر هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 3/ 259، وتفسير البغوي: 3/ 137، والمحرر الوجيز: 9/ 197.
(2) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 457 عن ابن بحر.
(3) تفسير الطبري: (15/ 171، 172) ، وتفسير الماوردي: 2/ 459، وتفسير ابن كثير:
5/ 122، والدر المنثور: 5/ 343.
(4) قال الزجاج في معانيه: 3/ 263: «يقال: ثبر الرجل فهو مثبور إذا هلك» .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 392، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 261، وتفسير الطبري: 15/ 176، وغريب الحديث للخطابي: 2/ 365، وتفسير القرطبي: (10/ 337، 338) .
(5) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: (5/ 94، 95) ، وقال: «رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس» .
وكذا القرطبي في تفسيره: 10/ 337.
(6) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 132، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 262، وتفسير الطبري: 15/ 177، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 263.
(2/511)

وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)
106 مُكْثٍ: تثبّت وتوقّف «1» ليقفوا على مودعه فيعملوا به.
109 يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ: إذا ابتدأ المبتدئ يخرّ فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض الذقن «2» .
110 أَيًّا ما تَدْعُوا: أي: أيّ أسمائه تدعو، و «ما» أيضا بمعنى «أيّ» ، كررت مع اختلاف اللّفظ للتوكيد، كقولك: ما إن رأيت كالليلة ليلة.
111 وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً: أي: عما لا يجوز في صفته، أو صفه بأنّه أكبر من كلّ شيء «3» .
__________
(1) في تفسير الماوردي: 2/ 461 عن مجاهد.
وانظر الكشاف: 2/ 469، والمحرر الوجيز: 9/ 216، وزاد المسير: 5/ 97.
(2) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 264، وقال ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 98: «ويجوز أن يكون المعنى: يخرون للوجوه، فاكتفى بالذقن من الوجه كما يكتفى بالبعض من الكل، وبالنوع من الجنس» .
وانظر القول الذي ذكره المؤلف في تفسير الفخر الرازي: 21/ 70، وتفسير القرطبي:
10/ 341.
(3) ذكر الماوردي هذين القولين في تفسيره: 2/ 464 دون عزو.
(2/512)

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)
ومن سورة الكهف
1، 2 أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً: أي: أنزل الكتاب قيّما على الكتب كلّها «1» . وقيل «2» : مستقيما، إليه يرجع، ومنه يؤخذ.
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً: عدولا عن الحق.
5 كَبُرَتْ كَلِمَةً: أي: كبرت الكلمة.
كَلِمَةً: نصب على القطع «3» ، ولفظ البصريين نصب على التمييز «4» ، أي: كبرت مقالتهم بالولد كلمة.
6 باخِعٌ نَفْسَكَ: قاتل لها «5» . بخع الشاة: بالغ في ذبحها، وبخع الأرض: نهكها وتابع حراثها «6» .
إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا: كسرت إِنْ لأنّها في معنى الجزاء، ولو فتحت
__________
(1) معاني القرآن للفراء: 2/ 133، وتفسير الطبري: 15/ 190، وتفسير الماوردي: 2/ 465.
(2) عن تفسير الماوردي: 2/ 465، وانظر تفسير الطبري: 15/ 190، وتفسير البغوي:
3/ 144.
(3) أي: على الحال، وهو اصطلاح الكوفيين.
البحر المحيط: 6/ 97.
(4) ينظر تفسير الطبري: 15/ 193، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 268، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 447، والبيان لابن الأنباري: 2/ 100، والتبيان للعكبري: 2/ 838، والبحر المحيط: 6/ 97. [.....]
(5) معاني القرآن للفراء: 2/ 134، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 263، وتفسير الطبري:
15/ 194، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 268، والمفردات للراغب: 38.
(6) تهذيب اللغة: 1/ 168، واللسان: 8/ 5 (بخع) .
(2/513)

وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)
في مثل هذا جاز» .
8 صَعِيداً: أرضا مستوية، جُرُزاً: يابسة لا نبات فيها، أو كأنه حصد نباتها، من «الجرز» : القطع «2» .
9 وَالرَّقِيمِ: واد عند الكهف «3» . ورقمة الوادي: موضع الماء «4» .
وقيل «5» الرَّقِيمِ: لوح كتب فيه قصّة أصحاب الكهف.
11 فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ: كقوله: ضربت على يده إذا منعته عن التصرف.
12 أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى: الفتية أم أهل زمانهم «6» ؟.
أَمَداً: غاية «7» .
__________
(1) في معاني القرآن للفراء: «وتفتحها إذا أردت أنها قد مضت مثل قوله في موضع آخر:
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ وإِنْ كُنْتُمْ اه.
(2) تفسير الطبري: (15/ 196، 197) ، وتفسير البغوي: 3/ 144، والمفردات للراغب:
91، والبحر المحيط: 6/ 92.
(3) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 394، وأخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 198 عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 467 عن الضحاك، وعزاه ابن عطية في المحرر الوجيز:
9/ 237 إلى ابن عباس، وقتادة.
(4) تفسير الطبري: 15/ 199، والمحرر الوجيز: 9/ 239، واللسان: 12/ 250 (رقم) .
(5) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 134، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 263، وأخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 199 عن سعيد بن جبير، وابن زيد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 467، عن مجاهد.
وأورده البغوي في تفسيره: 3/ 145، وابن عطية في المحرر الوجيز: 9/ 238 عن سعيد بن جبير.
ورجح الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 199، وأورده ابن كثير في تفسيره: 5/ 135، ثم قال: «وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير ... » .
(6) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 469 دون عزو.
(7) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 394، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 264، وتفسير الطبري: 15/ 206، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 271.
(2/514)

وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)
16 مِرفَقاً: معاشا في سعة، ويجوز/ اسما وآلة لما يرتفق به [57/ أ] الاسم «1» كمرفق اليد، وكالدرهم، والمسحل للحمار الوحشي «2» ، والآلة كالمقطع والمثقب.
17 تَتَزاوَرُ: تميل وتنحرف «3» .
تَقْرِضُهُمْ: تقطعهم، أي: تجوزهم منحرفة عنهم «4» .
18 وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً: لانفتاح عيونهم، أو لكثرة تقليبهم «5» .
فَجْوَةٍ: متّسع «6» ، وإنّما هذا لئلا يفسدهم ضيق المكان لعفنه، ولا تؤذيهم الشمس بحرّها.
«الوصيد» «7» : فناء الباب «8» ، أو الباب نفسه «9» ، أوصدت الباب: أطبقته.
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 395، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 264، ومعاني الزجاج: 3/ 272.
(2) اللسان: 11/ 329 (سحل) .
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 395، وتفسير الطبري: 15/ 210، والمفردات للراغب:
217.
(4) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 470، وانظر هذا المعنى في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 396، وتفسير الطبري: 15/ 211، ومعاني الزجاج: 3/ 273، والمفردات:
400.
(5) في «ج» : تقليبهم. [.....]
(6) معاني القرآن للفراء: 2/ 137، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 396، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 264، ومعاني الزجاج: 3/ 273، وتفسير الماوردي: 2/ 470.
(7) في قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [آية: 18] .
(8) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 137، وأبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 397، والطبري في تفسيره: 15/ 214.
(9) المصادر السابقة، وأورد ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 264 قولا آخر، ورجحه، فقال: «ويقال: عتبة الباب. وهذا أعجب إليّ لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه، ومنه: إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ أي: مطبقة مغلقة.
وأصله أن تلصق الباب بالعتبة إذا أغلقته، ومما يوضح هذا: أنك إن جعلت الكلب بالفناء كان خارجا من الكهف. وإن جعلته بعتبة الباب أمكن أن يكون داخل الكهف. والكهف وإن لم يكن له باب وعتبة- فإنما أراد أن الكلب منه بموضع العتبة من البيت ... » .
(2/515)

وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)
19 وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ: أي: كما حفظناهم طول تلك المدة كذلك بعثناهم من الرقدة «1» .
21 وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ: كما أطلعناهم على حالهم في مدّة نومهم أطلعناهم على القيامة، فنومهم الطويل شبيه الموت، والبعث بعده شبيه البعث.
وقيل: أطلعنا ليعلم منكروا البعث أنّ وعد الله حقّ.
إِذْ يَتَنازَعُونَ: إِذْ منصوب ب أَعْثَرْنا أي: فعلنا ذلك إذ وقعت المنازعة في أمرهم. وتنازعهم أنّه لما ظهر عليهم وعرف خبرهم أماتهم الله، فقال بعضهم: ابنوا عليهم مسجدا.
وقيل: بنيانا يعرفون به. وقيل «2» : قال بعضهم: ماتوا، وقال بعضهم: نيام كما هم أول مرة.
22 رَجْماً بِالْغَيْبِ: أي: يقولونه ظنا. وإنّما دخل الواو في الثامن لابتداء العطف بها لتمام الكلام بالسبعة التي هي عدد كامل «3» .
ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ: قال ابن عبّاس «4» رضي الله عنه: أنا من
__________
(1) ينظر هذا المعنى في تفسير الطبري: 15/ 216، وتفسير البغوي: 3/ 155.
(2) راجع القولين في تفسير الماوردي: 2/ 474، والمحرر الوجيز: 9/ 271، والبحر المحيط: 6/ 113.
(3) قال البغوي في تفسيره: 3/ 156: «قيل: هذه واو الثمانية، وذلك أن العرب تعدل فتقول:
واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، وثمانية لأن العقد كان عندهم سبعة كما هو عندنا عشرة ... » .
وانظر الكشاف: (2/ 478، 479) ، والمحرر الوجيز: 9/ 274، وزاد المسير: 5/ 125.
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 226.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 375، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، والفريابي، وابن سعد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2/516)

إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25)
القليل الذي استثنى الله، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، ولم يكن الكلب من شأنهم، ولكنهم مرّوا براعي غنم فقال لهم: أين تذهبون؟ فقالوا: إلى ربنا.
فقال الراعي: ما أنا بأغنى عن ربّي منكم فتبعه الكلب.
24 وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ: أمرا ثم تذكرته، فإن لم تذكره فقل: عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً.
وقيل: أيّ وقت ذكرت أنك لم تستثن [فاستثن] «1» .
25 وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً: لتفاوت ما بين السنين المذكورة، شمسيها ثلاث مائة وخمسة وستّون يوما وكسرا، وقمريّها ثلاث مائة وأربعة وخمسون/ يوما وكسرا.
وتنوين ثَلاثَ مِائَةٍ «2» على أن يكون سِنِينَ بدلا «3» ، أو عطف بيان «4» ، أو تمييزا «5» لأنّ ثَلاثَ مِائَةٍ يتناول الشهور والأيام والأعوام.
__________
(1) في الأصل: «واستثن» ، والمثبت في النص عن «ك» ، وهو الصواب لأنه في جواب الشرط الواقع طلبا فيقترن بالفاء ويبدو أن مصدر المؤلف- رحمه الله- في هذا القول هو معاني القرآن للزجاج: 3/ 278، فقد جاء فيه: «أي: أيّ وقت ذكرت أنك لم تستثن، فاستثن، وقل: إن شاء الله» اه.
وانظر تفسير الطبري: 15/ 229، وتفسير البغوي: 3/ 157.
(2) قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وعاصم، وابن عامر.
السبعة لابن مجاهد: 389، وحجة القراءات: 414، والتبصرة لمكي: 248.
(3) يكون في موضع خفض بدلا من «مائة» ، لأن «المائة» في معنى «سنين» ، ويجوز أن يكون منصوبا على البدل من «ثلاث» .
إعراب القرآن للنحاس: 2/ 453، والبيان لابن الأنباري: 2/ 106، والتبيان للعكبري:
2/ 844.
(4) فيكون في موضع نصب عطف بيان على «ثلاث» .
مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 440، والبيان لابن الأنباري: 2/ 106.
(5) ينظر تفسير الطبري: 15/ 232، وإعراب القرآن للنحاس: 2/ 453، والكشف لمكي:
2/ 58، والمحرر الوجيز: 9/ 284، وتفسير القرطبي: 10/ 387.
(2/517)

قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)
ومن لم ينوّن للإضافة «1» اعتمد على «الثلاث» في المعنى دون «المائة» «2» ، وإن كان هو نعت «مائة» .
26 قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا: أي: إن حاجوك فيهم، أو الله أعلم به إلى وقت أن أنزل نبأهم» .
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ: خرج على التعجب في صفته تعالى على جهة التعظيم له «4» .
27 مُلْتَحَداً: معدلا أو مهربا «5» .
28 وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ: وجدناه غافلا «6» ، ولو كان بمعنى صددنا لكان العطف بالفاء فاتبع هواه حتى يكون الأول علة للثاني، كقولك: سألته فبذل «7» .
فُرُطاً: ضياعا «8» ، والتفريط في حق الله تعالى: تضييعه.
__________
(1) وهي قراءة حمزة والكسائي.
السبعة لابن مجاهد: 390، والتبصرة لمكي: 248، والتيسير للداني: 143. [.....]
(2) ينظر الكشف لمكي: 2/ 58، والبيان لابن الأنباري: 2/ 106.
(3) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 477.
وانظر تفسير الطبري: 15/ 232، وتفسير القرطبي: 10/ 287.
(4) قال الزجاج في معانيه: 3/ 280: «أجمعت العلماء أن معناه: ما أسمعه وأبصره، أي: هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم» اه.
(5) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 398، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 266، وتفسير الطبري: 15/ 233، ومعاني الزجاج: 3/ 280، واللسان: 3/ 389 (لحد) .
(6) أورده الماوردي في تفسيره: 2/ 478، وبه قال الزمخشري في الكشاف: 2/ 482، وذكره الفخر الرازي في تفسيره: (21/ 116- 118) ، ونسب هذا القول إلى المعتزلة، ثم أورد الأدلة على بطلانه، وأثبت أن المراد بقوله تعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ هو إيجاد الغفلة لا وجدانها.
(7) ينظر تفسير الفخر الرازي: 21/ 118.
(8) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 236 عن الحسن رحمه الله تعالى.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 133 عن مجاهد.
(2/518)

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)
وقيل «1» : سرفا وإفراطا.
29 أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها: [عن] «2» يعلى بن أميّة «3» عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:
«سرادقها: البحر المحيط بالدنيا» «4» .
وعن قتادة «5» : سُرادِقُها: دخانها ولهبها.
«المهل» : كل جوهر معدني إذا أذيب أزبد «6» .
30 قوله تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا: قيل: إنّه خبر «إن» الأولى بمعنى: لا نضيع أجرهم فأوقع المظهر وهو مَنْ موقع المضمر.
__________
(1) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 479.
وانظر معناه في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 398، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة:
266، والمحرر الوجيز: 9/ 293.
(2) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(3) هو يعلى بن أمية بن أبيّ بن عبيدة بن همام التميمي الحنظلي، صحابي جليل، أسلم يوم الفتح، وشهد حنينا والطائف وتبوك.
راجع ترجمته في الاستيعاب: 4/ 1584، وأسد الغابة: 5/ 523، والإصابة: 6/ 685.
(4) عن تفسير الماوردي: 2/ 479.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده: 4/ 223 عن صفوان بن يعلى عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«البحر هو جهنم» ، قالوا ليعلى فقال: ألا ترون أن الله عز وجل يقول: ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ... » .
وأخرجه الإمام البخاري في التاريخ الكبير: 1/ 70، والطبري في تفسيره: 15/ 239.
وأخرج نحوه الحاكم في المستدرك: 5/ 596، كتاب الأهوال، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد» ، ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 385، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث» عن يعلى بن أمية رضي الله عنه.
(5) في تفسير الماوردي: 2/ 479، وتفسير القرطبي: 10/ 393.
وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: 9/ 298 دون عزو، وكذا الفخر الرازي في تفسيره:
21/ 121.
(6) تفسير الطبري: 15/ 240، وتفسير الماوردي: 2/ 479، وتفسير الفخر الرازي: 21/ 121.
(2/519)

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32)
وقيل: «إن» الثانية بدل من الأولى فلا تحتاج الأولى إلى خبر «1» .
«الأساور» «2» : جمع أسوار. ذكر قطرب «3» الأساور جمع «إسوار» على حذف الياء لأنّ جمع «أسوار» : أساوير «4» .
وقيل: الأسورة جمع سوار اليد- بالكسر-، وقد حكي سوار- بالضم- مجموع على أسورة «5» .
و «الأرائك» : الأسرة «6» .
32 وَحَفَفْناهُما: جعلنا النّخل مطيفا بهما «7» . وكان عمر- رضي الله عنه- أصلع له حفاف، وهو أن ينكشف الشّعر عن قمّة الرأس ويبقى
__________
(1) ينظر ما سبق في إعراب القرآن للنحاس: 2/ 454، ومشكل إعراب القرآن لمكي:
1/ 441، والبيان لابن الأنباري: 2/ 107، والتبيان للعكبري: (2/ 845، 846) ، والبحر المحيط: 6/ 121. [.....]
(2) من قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ... [آية: 31] .
(3) قطرب: (؟ - 206 هـ) .
هو محمد بن المستنير بن أحمد البصري، أبو علي، النحوي، اللغوي، تلميذ إمام النحو سيبويه.
قال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: 4/ 312: «كان من أئمة عصره» .
صنف معاني القرآن، والأضداد، وغريب الحديث ... وغير ذلك.
أخباره في: طبقات النحويين للزبيدي: (99، 100) ، وبغية الوعاة: 4/ 242، وطبقات المفسرين للداودي: 2/ 254.
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 401، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 267، والمحرر الوجيز: 9/ 301، واللسان: 4/ 388 (سور) .
(5) اللسان: 4/ 387 (سور) .
(6) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 401، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 267، والمفردات للراغب: 16.
(7) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 284.
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 402، وتفسير الطبري: 15/ 244، والكشاف:
2/ 483.
(2/520)

كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)
ما حوله «1» .
33 وَلَمْ تَظْلِمْ: لم تنقص «2» .
34 وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ: أموال مثمرة نامية.
40 حُسْباناً: نارا أو عذابا بحساب الذنب «3» .
وقيل «4» : الحسبان سهام ترمى في مرمى واحد.
صَعِيداً زَلَقاً: أرضا ملساء، لا ينبت فيها نبات ولا يثبت قدم «5» .
41 ماؤُها غَوْراً: غائرا «6» .
42 يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ: يضرب إحداهما على الأخرى تحسّرا.
38 لكِنَّا: «لكن أنا» بإشباع ألف «أنا» فألقيت حركة همزة «أنا» على نون «لكن» ، كما قالوا/ في الأحمر: «الحمر» ، فصار «لكننا» فأدغمت [58/ أ] كقوله «7» : ما لَكَ لا تَأْمَنَّا، وإثبات الألف للعوض عن الهمزة المحذوفة.
__________
(1) الفائق: 1/ 297، وغريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 224، والنهاية: 1/ 408.
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 402، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 267، وتفسير الطبري: 15/ 244، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 284.
(3) هذا قول الزجاج في معانيه: 3/ 290، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 145 عن الزجاج.
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 403، وتفسير الطبري: 15/ 248، والمفردات للراغب: 116.
(4) ذكره القرطبي في تفسيره: 10/ 408 دون عزو.
(5) عن تفسير الماوردي: 2/ 482، وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 145، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 403، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 267، ومعاني الزجاج: 3/ 290، والمفردات للراغب: 215.
(6) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 267، وقال: «فجعل المصدر صفة، كما يقال:
رجل نوم ورجل صوم ورجل فطر، ويقال للنساء: نوح: إذا نحن» .
وانظر هذا المعنى في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 403، وتفسير الطبري: 15/ 249، ومعاني الزجاج: 3/ 290، وتفسير القرطبي: 10/ 409.
(7) سورة يوسف: آية: 11.
(2/521)

هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)
وفي «أنا» ضمير الشأن والحديث أي: لكن أنا الشأن. والحديث، الله ربّي «1» .
44 هُنالِكَ الْوَلايَةُ: بالفتح «2» مصدر «الوليّ» ، أي: يتولون الله في مثل تلك الحال ويتبرّؤون مما سواه. وبالكسر «3» مصدر «الوالي» ، أي: الله يلي جزاءهم.
لِلَّهِ الْحَقِّ: كسر الْحَقِّ على الصّفة لله، أي: الله على الحقيقة، ورفعه على النعت ل «الولاية» «4» .
هُوَ خَيْرٌ ثَواباً: أي: لو كان يثيب غيره لكان هو خير «5» ثوابا.
وَخَيْرٌ عُقْباً: أي: الله خير لهم في العاقبة.
45 كَماءٍ أَنْزَلْناهُ: تمثيل الدّنيا بالماء من حيث إنّ أمورها في السّيلان، ومن حيث إنّ قليلها كاف وكثيرها إتلاف، ومن حيث اختلاف أحوال بينهما كاختلاف ما ينبت بالماء.
و «الهشيم» : النّبت جفّ وتكسّر «6» .
تَذْرُوهُ الرِّياحُ: ذرته الريح وذرّته وأذرته: نسفته وطارت به «7» .
__________
(1) ينظر ما سبق في معاني الفراء: (2/ 144، 145) ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 403، وتفسير الطبري: 15/ 247، ومعاني الزجاج: 3/ 286. [.....]
(2) قراءة ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم.
السبعة لابن مجاهد: 392، وحجة القراءات: 418، والتبصرة لمكي: 249.
(3) وهي قراءة حمزة والكسائي.
(4) قرأ برفع: الحق الكسائي، وأبو عمرو، وباقي السبعة بكسر القاف.
السبعة لابن مجاهد: 392.
ينظر توجيه قراءات هذه الآية في حجة القراءات: 419، وإعراب القرآن للنحاس:
2/ 459، والكشف لمكي: 2/ 63، والتبيان للعكبري: 2/ 849.
(5) في «ج» : خيرا.
(6) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 268: «وأصله: من هشمت بالشيء إذا كسرته، ومنه سمي الرجل: هاشما» .
(7) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 405، وتفسير الطبري: 15/ 252، والمفردات للراغب:
178، وتفسير القرطبي: 10/ 413، واللسان: 14/ 282 (ذرا) .
(2/522)

الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55)
وَكانَ اللَّهُ: تأويل كانَ إن ما شاهدتم من قدرته ليس بحادث وأنه كان كذلك لم يزل.
46 وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ: كل عمل [صالح] «1» يبقى ثوابه.
وَخَيْرٌ أَمَلًا: لأنّه لا يكذب بخلاف سائر الآمال.
47 وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً: لا يسترها جبل، أو برز ما في بطنها من [الأموات] «2» والكنوز.
َدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
: أي: أحياء.
52 مَوْبِقاً: محبسا «3» . وقيل «4» : مهلكا. وبق يبق وبوقا «5» .
55 قُبُلًا: مقابلة «6» ، أو أنواعا من العذاب كأنه جمع «قبيل» أو
__________
(1) ما بين معقوفين عن «ك» و «ج» .
(2) في الأصل: «الأموال» والمثبت في النص عن «ك» وانظر هذا القول في تفسير القرطبي:
10/ 416 عن عطاء.
(3) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 156 عن الربيع بن أنس.
ونقل الأزهري في تهذيب اللغة: 9/ 354 عن ابن الأعرابي قال: «كل حاجز بين شيئين فهو موبق» .
(4) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 147، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 269، وأخرجه الطبري في تفسيره: 15/ 264 عن ابن عباس، وقتادة.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 295، وتفسير الماوردي: 2/ 489، وزاد المسير:
5/ 155.
(5) ينظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 295، وتهذيب اللغة: 9/ 355، واللسان: 10/ 370 (وبق) .
(6) في «ج» : مفاجأة.
وذكر أبو عبيدة هذا المعنى الذي ورد في الأصل في مجاز القرآن: 1/ 407، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 269، ومكي بن أبي طالب في الكشف: 2/ 64 توجيها لقراءة من كسر القاف، وأشار- أيضا- إلى أن من قرأ بضم القاف يحتمل هذا المعنى.
ونقل عن أبي زيد الأنصاري أنه قال: «لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا وقبلا وقبيلا وقبليا، كله بمعنى مقابلة، أي: عيانا، فالمعنى في الآية: أن يأتيهم العذاب مقابلة يرونه» .
(2/523)

وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)
«مقابلة» ، وهي بمعنى «قبلا» ، وفي الحديث «1» : «إنّ الله كلّم آدم قبلا» ، أي: معاينة.
و «قبلا» : مستأنفا «2» .
56 لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ: يبطلوه ويزيلوه.
58 مَوْئِلًا: منجى «3» وملجأ.
59 لِمَهْلِكِهِمْ: لإهلاكهم، مصدر «4» ، كقوله «5» : مُدْخَلَ صِدْقٍ.
ويجوز «مهلكهم» اسم زمان الهلاك، أي: جعلنا لوقت إهلاكهم موعدا، ولكنّ المصدر أولى لتقدم أَهْلَكْناهُمْ «6» ، والفعل يقتضي المصدر وجودا وحصولا، وهو المفعول المطلق، ويقتضي الزّمان والمكان محلا وظرفا، وكلّ فعل زاد على ثلاثة/ أحرف فالمصدر واسم الزّمان والمكان منه على
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: (5/ 265، 266) عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا.
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: 1/ 164 وقال: «رواه أحمد والطبراني في الكبير ...
ومداره على علي بن يزيد وهو ضعيف» .
وأخرجه الخطابي في غريب الحديث: 2/ 157 عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه مرفوعا.
(2) قال الخطابي في غريب الحديث: 2/ 157: «وقوله: «قبلا» ، إذا كسرت القاف كان معناه المقابلة والعيان، وكذلك قبلا، يقال: لقيت فلانا قبلا وقبلا: أي مقابلة، وإذا فتحت القاف والباء كان معناه الاستقبال والاستئناف» .
وانظر غريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 217، والنهاية: 4/ 8. [.....]
(3) في الأصل: «منجاء» .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 408، وتفسير الطبري: 15/ 369، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 297.
(4) على قراءة الكسائي، ونافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وحمزة، بضم الميم وفتح اللام الثانية.
ينظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 297، وحجة القراءات: (421، 422) ، والكشف لمكي: 2/ 66.
(5) سورة الإسراء: آية: 80.
(6) في قوله تعالى: وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا....
(2/524)

مثال «المفعول» «1» ، وإذا كان «المهلك» اسم زمان «الهلاك» لا يجوز «الموعد» اسم الزمان لأنّ الزّمان وجد في المهلك فلا يكون للزّمان زمان بل يكون الموعد بمعنى المصدر، أي: جعلنا لزمان هلاكهم وعدا وعلى العكس «2» . وهذا من المشكل حتى على الأصمعي «3» ، فإنه أنشد للعجاج «4» :
جأبا «5» ترى تليله مسحجا
__________
(1) أي يأتي على وزن اسم المفعول بأن يؤتى بالمضارع من الفعل المزيد فيضم أوله ويفتح ما قبل آخره.
(2) ينظر ما سبق في معاني القرآن للزجاج: 3/ 397.
(3) الأصمعي: (122- 216 هـ) .
هو عبد الملك بن قريب بن علي الباهلي، أبو سعيد.
الإمام اللغوي المشهور.
من كتبه: خلق الإنسان، والخيل، واشتقاق الأسماء.
أخباره في تاريخ بغداد: 10/ 410، وطبقات النحويين للزبيدي: 167، وبغية الوعاة:
2/ 112.
(4) العجاج: (؟ - نحو 90 هـ) .
هو عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر التميمي، أبو رؤبة.
راجز من أهل البصرة، قوي العارضة، كثير الرجز.
ذكر ابن قتيبة في الشعر والشعراء: 2/ 591 أنه لقي أبا هريرة وسمع منه أحاديث.
أخباره في طبقات فحول الشعراء: 2/ 738.
والبيت في ديوانه: 373.
(5) الجأب: الحمار الوحشي الضخم، يهمز ولا يهمز، والجمع جؤوب.
وجاء في شرح ديوان العجاج: الجأب الغليظ، ويروى: بليته، قال أبو حاتم:
كان الأصمعي ينشد: ترى تليله. والتليل العنق، وهو الذي كان يختاره. وغيره يقول: بليته، أي بعنقه، والليتان ناحيتا العنق. قال أبو حاتم: رواه الناس كلهم: بليته مسحّجا، فقال الأصمعي: هذا تصحيف. قال أبو حاتم: ويخلط الأصمعي، فقلت له: لم؟ قال: كيف يكون ترى بعنقه مسحّجا؟ لو كان ذاك لقال: تسحيجا، قلت له: في كتاب الله وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ يريد كل تمزيق. فسكت وعرف الحق» اه.
راجع هذه المناظرة- أيضا- في الخصائص لابن جني: (1/ 366، 367) ، وشرح ما يقع فيه التصحيف للعسكري: 100، والمزهر للسيوطي: (2/ 375، 376) ، واللسان:
2/ 296 (سحج) .
(2/525)

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)
فقال أبو حاتم «1» : إنّما هو «بليته» ، فقال: من أخبرك بهذا؟
فقال: من سمعه من فلق في رؤبة «2» - يعني أبا زيد «3» - فقال: هذا لا يكون. قال: بلى، جعل «مسحّجا» مصدرا، كما قال «4» :
ألم تعلم مسرّحي القوافي
فكأنه أراد أن يدفعه، فقال: فقد قال الله «5» : وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.
60 وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: وهو ابن أخيه يوشع بن نون «6» .
__________
(1) أبو حاتم: (؟ - 248 هـ) .
هو سهل بن محمد بن عثمان الجشعي السجستاني.
المقرئ، اللغوي، النحوي، الشاعر.
له كتاب «المعمرين» ، وما تلحن فيه العامة، والأضداد ... وغير ذلك.
وقيل: إن وفاته كانت سنة 255 هـ، وقيل: سنة 250 هـ.
أخباره في الفهرست لابن النديم: 64، ووفيات الأعيان: 2/ 430، وسير أعلام النبلاء:
12/ 268، وطبقات المفسرين للداودي: 1/ 216.
(2) رؤبة: (؟ - 145 هـ) .
هو رؤبة بن عبد الله العجاج بن رؤبة التميمي.
الراجز المشهور، له ديوان مطبوع.
أخباره في طبقات فحول الشعراء: 2/ 761، والشعر والشعراء: 2/ 594، ووفيات الأعيان: 2/ 303.
(3) هو أبو زيد الأنصاري، وقد تقدم التعريف به.
(4) هو جرير الشاعر المشهور، والبيت في ديوانه: 2/ 651.
(5) سورة سبأ: آية: 19. [.....]
(6) ثبت ذلك في رواية أخرجها الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 230، كتاب التفسير، «سورة الكهف» ، باب وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ... عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا.
وانظر التعريف والإعلام للسهيلي: 103، وتفسير القرطبي: 11/ 9، ومفحمات الأقران:
140.
(2/526)

فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63)
لا أَبْرَحُ: لا أزال أمشي.
مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ: بحر روم وبحر فارس «1» ، يبتدئ أحدهما من المشرق والآخر من المغرب فيلتقيان.
وقيل «2» : أراد بالبحرين الخضر وإلياس لغزارة علمهما.
حُقُباً: حينا طويلا «3» .
61 فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما: إفريقيّة «4» .
فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ: الحوت، أحياه الله فطفر «5» في البحر.
سَرَباً: مسلكا «6» ، وهو مفعول كقولك: اتخذت طريقي مكان كذا، ويجوز مصدرا يدل عليه «اتخذ» أي سرب الحوت سربا «7» .
63 وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ: «أن» بدل من الهاء، لاشتمال
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 15/ 271 عن قتادة، ومجاهد.
ونقله البغوي في تفسيره: 3/ 171، وابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 164 عن قتادة.
(2) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 492 عن السدي.
وقيل: إن البحرين موسى والخضر.
ذكره الزمخشري في الكشاف: 2/ 490، ووصفه بأنه من بدع التفاسير.
وضعفه ابن عطية في المحرر الوجيز: 9/ 350، والقرطبي في تفسيره: 11/ 9.
(3) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 269، وتفسير الطبري: 15/ 271، والمفردات للراغب: 126.
(4) نقل البغوي هذا القول في تفسيره: 3/ 171 عن أبي بن كعب، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 164.
وأورده السيوطي في مفحمات الأقران: 141، وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب رضي الله عنه.
(5) الطفر بمعنى الوثوب.
اللسان: 4/ 501 (طفر) .
(6) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 409، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 269، وتفسير الطبري: 15/ 273.
(7) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 299.
(2/527)

قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)
الذكر على الهاء في المعنى، أي: ما أنساني أن أذكره إلّا الشّيطان «1» ، شغل قلبي بوسوسته حتى نسيت ذلك.
64 ما كُنَّا نَبْغِ «2» : أوحى إلى موسى أنك لتلقى الخضر حيث تنسى شيئا من زادك.
فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً: رجعا يقصان الأثر ويتبعانه.
71 شَيْئاً إِمْراً: عجيبا «3» .
73 لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ: تركت.
وَلا تُرْهِقْنِي: لا تعاسرني «4» .
74 زاكية «5» : تامة نامية «6» ، وكان المقتول شابا يقطع الطريق «7» .
وزكية في الدين والعقل فهو على ظاهر الأمر «8» .
__________
(1) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 3/ 300، وانظر تفسير الطبري: 15/ 275.
(2) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، والكسائي بإثبات الياء في الوصل، وقرأ ابن كثير بإثبات الياء في الحالين، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة بحذف الياء في الحالين.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 403، والكشف لمكي: 2/ 83، والمحرر الوجيز: 9/ 356، وزاد المسير: 5/ 167، والبحر المحيط: 6/ 147.
(3) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 269، وتفسير البغوي: 3/ 174.
(4) معاني القرآن للزجاج: 3/ 302، والكشاف: 2/ 493، وزاد المسير: 5/ 171.
(5) هذه قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، كما في السبعة لابن مجاهد: 395، وحجة القراءات: 424، والتبصرة لمكي: 250.
(6) أورده الماوردي في تفسيره: 2/ 498، وقال: «قاله كثير من المفسرين» .
وانظر هذا القول في زاد المسير: 5/ 173. [.....]
(7) نقله البغوي في تفسيره: 3/ 174، والقرطبي في تفسيره: 11/ 21 عن الكلبي.
وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: 9/ 365 دون عزو.
(8) عن أبي عبيدة في تفسير الماوردي: 2/ 498، ونص قوله: إن الزاكية في البدن، والزكية في الدين.
وقد ذكر هذا التوجيه لقراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن عامر زَكِيَّةً بغير ألف.
(2/528)

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)
77 يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ: يكاد يسقط «1» ، ويقال: قضضنا عليهم الخيل [59/ أ] فانقضّت «2» .
80 فَخَشِينا: كرهنا «3» ، أو علمنا «4» ، مثل «حسب» و «ظنّ» تقارب أفعال الاستقرار والثبات.
81 وَأَقْرَبَ رُحْماً: أكثر برا لوالديه ونفعا «5» ، وأصل الرحم العطف من الرحمة «6» .
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً: علما يتسبّب به إليه «7» .
85 فَأَتْبَعَ سَبَباً: طريقا من المشرق والمغرب «8» ،
__________
(1) عن تفسير الماوردي: 2/ 499.
وانظر نحو هذا القول في تفسير غريب القرآن: 270، ومعاني الزجاج: 3/ 306، وتفسير البغوي: 3/ 175، والمحرر الوجيز: 9/ 373.
(2) في اللسان: 7/ 219 (قضض) : «قضّ عليهم الخيل يقضّها قضا: أرسلها.
وانقضت عليهم الخيل: انتشرت، وقضضناها عليهم فانقضت عليهم» .
(3) هذا قول الأخفش في معانيه: 2/ 620، وعلل قائلا: «لأن الله لا يخشى» .
وهو قول الزجاج في معانيه: 3/ 305، وقال: «لأن الخشية من الله عز وجل معناه الكراهة، ومعناها من الآدميين الخوف» .
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 9/ 382: «والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل- وإن كان اللفظ يدافعه- أنها استعارة، أي: على ظن المخلوقين والمخاطبين لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين. وقرأ ابن مسعود: فخاف ربك، وهذا بيّن في الاستعارة، وهذا نظير ما يقع في القرآن في جهة الله تعالى من «لعل» و «عسى» ، فإن جميع ما في هذا كله من ترجّ وتوقّع وخوف وخشية إنما هو بحسبكم أيها المخاطبون» اه.
(4) ذكر الفراء هذا القول في معاني القرآن: 2/ 157، والماوردي في تفسيره: 2/ 502، والبغوي في تفسيره: 3/ 176، ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز: 9/ 382 عن الطبري.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 4 عن قتادة.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 180 عن ابن عباس، وقتادة.
(6) ينظر المفردات للراغب: 191، وزاد المسير: 5/ 180.
(7) تفسير الطبري: 16/ 9، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 308، وتفسير الماوردي: 2/ 504.
(8) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 10 عن مجاهد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 504 عن مجاهد، وقتادة.
(2/529)

حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)
كقوله «1» : أَسْبابَ السَّماواتِ: طرائقها.
86 تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ: ذات حمأة «2» ، فإنّ من ركب البحر وجد الشّمس تطلع وتغرب فيه، وحامية «3» : حارّه.
إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: أي: بالقتل لإقامتهم على الشّرك، أو تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً: تحسن إليهم بأن تأسرهم فتعلّمهم الهدى.
88 جَزاءً الْحُسْنى: الجنّة الحسنى، فحذف الموصوف «4» .
ومن قرأه بالنصب والتنوين «5» يكون مصدرا في موضع الحال، أي:
فله الحسنى مجزيا بها جزاء «6» .
__________
(1) سورة غافر: آية: 37.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 11 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال الزجاج في معانيه: 3/ 308: «من قرأ «حمئة» أراد في عين ذات حمأة، ويقال:
حمأت البئر إذا أخرجت حمأتها، وأحمأتها: إذا ألقيت فيها الحمأة، وحمئت هي تحمأ فهي حمئة إذا صارت فيها الحمأة» .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 413، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 270، وتفسير الماوردي: 2/ 505.
والحمأة: الطين الأسود المنتن. اللسان: 1/ 61 (حمأ) .
(3) قرأ بها عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر.
السبعة لابن مجاهد: 398، وحجة القراءات: 428، والتبصرة لمكي: 251.
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 270، وتفسير الطبري: 16/ 12، ومعاني الزجاج:
3/ 308، والكشف لمكي: 2/ 73.
(4) على قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر- بالرفع والإضافة.
ينظر تفسير الطبري: 16/ 13، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 309، وحجة القراءات:
430. [.....]
(5) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 399، وحجة القراءات: 430، والتبصرة لمكي: 251.
(6) نص هذا الكلام في معاني القرآن للزجاج: 3/ 309.
وانظر تفسير الطبري: 16/ 13، والكشف لمكي: (2/ 74، 75) .
(2/530)

حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)
90 لَمْ نَجْعَلْ [لَهُمْ] «1» مِنْ دُونِها سِتْراً: كنّا «2» ببناء، أو خمرا.
والمراد دوام طلوعها عليهم في الصّيف، وإلا فالحيوان يحتال المكن حتى الإنسان، وهذا المكان وراء بريّة من تلقاء «بلغار» «3» ، تدور الشّمس فيه بالصّيف ظاهرة فوق الأرض إلّا أنّها لا تسامت رؤوسهم «4» .
94 خَرْجاً: خراجا كالنبت والنبات «5» .
95 رَدْماً: هو ما جعل بعضه على بعض، ثوب مردّم رقّع رقعة فوق رقعة.
96 زُبَرَ الْحَدِيدِ: قطعا منه.
ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ: بين الجبلين، كلّ واحد يصادف صاحبه ويقابله «6» . أو ينحرف عن صاحبه بمعنى الصّدوف «7» ، والمعنى: حتى إذا
__________
(1) في الأصل: «لها» .
(2) المراد ب «الكن» و «الخمر» هنا ما يسترهم ويحجبهم عن الشمس من بناء أو شجر أو لباس.
(3) بلغار: بضم الباء، والغين معجمة بلد معروف بأوروبا.
قال ياقوت في معجم البلدان: 1/ 485: «مدينة الصقالبة ضاربة في الشمال ... » .
(4) عقب ابن عطية- رحمه الله- على الأقوال التي قيلت في هؤلاء القوم، وصفتهم، ومكان وجودهم بقوله: وكثّر النقّاش وغيره في هذا المعنى، والظاهر من الألفاظ أنها عبارة عن قرب الشمس منهم، وفعلها بقدرة الله- تبارك وتعالى- فيهم، ونيلها منهم، ولو كان لهم أسراب تغني لكان سترا كثيفا، وإنما هم في قبضة القدرة سواء كان لهم أسراب أو دور أو لم يكن ... » .
ينظر المحرر الوجيز: 9/ 398.
(5) ينظر تفسير الطبري: 16/ 22، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 310.
و «خراجا» قراءة حمزة والكسائي كما في السبعة لابن مجاهد: 400، والتيسير للداني: 146.
(6) في تهذيب اللغة للأزهري: 12/ 146: «يقال لجانب الجبلين إذا تحاذيا: صُدُفان وصَدَفان لتصادفهما أي تلاقيهما، يلاقي هذا الجانب الجانب الذي يلاقيه، وما بينهما فج أو شعب أو واد، ومن هذا يقال: صادفت فلانا، أي لاقيته» .
(7) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 508 عن ابن عيسى.
(2/531)

فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)
وازى رؤوسهما بما جعل بينهما.
قِطْراً: نحاسا مذابا.
97 أَنْ يَظْهَرُوهُ: يعلوه.
98 دَكَّاءَ: هدما حتى يندكّ «1» ويستوي بالأرض.
99 يَمُوجُ فِي بَعْضٍ: يضطرب ويختلط كما تختلط أمواج البحر.
100 وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ: أظهرناها.
101 لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً: لعداوتهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
103 بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا: تمييز لإبهامه «2» .
108 حِوَلًا: تحوّلا، مصدر «حال حولا» ، مثل «صغر صغرا» ، وعظم عظما «3» .
وقيل «4» : حيلة، أي: لا يحتالون منزلا غيرها.
__________
(1) في «ج» : ينفك.
(2) قال الزجاج في معاني القرآن: 3/ 314: «منصوب على التمييز، لأنه إذ قال:
بِالْأَخْسَرِينَ دل على أنه كان منهم ما خسروه، فبين ذلك الخسران في أي نوع وقع، فأعلم- جل وعز- أنه لا ينفع عمل عمل مع الكفر به شيئا فقال: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... » .
(3) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 3/ 315.
وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 161، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 416، وتفسير الطبري: 16/ 38.
(4) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 315.
(2/532)

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)
ومن سورة مريم
2 ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ/ عَبْدَهُ: هذا ذكر «1» . أو فيما أنزل عليك ذكر [59/ ب] رحمت ربّك عبده بالرحمة، لأنّ ذكر الرحمة إياه لا يكون إلّا بالله «2» .
5 خِفْتُ الْمَوالِيَ: الذين يلونه في النّسب «3» .
6 يَرِثُنِي: على صفة الولي «4» ، وبمعنى النكرة، أي: وليا وارثا، وإنّما دعا أن يرثه الدين لئلّا يغيّر بنو عمّه كتبه إذ كانوا أشرارا «5» .
7 سَمِيًّا: نظيرا «6» .
8 أَنَّى يَكُونُ لِي [غُلامٌ] «7» : على الاستخبار أبتلك الحال أم بقلبه شابا»
؟.
__________
(1) فيكون خبرا لمبتدأ محذوف هو «هذا» . [.....]
(2) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 318.
وانظر إعراب القرآن للنحاس: 3/ 4، وزاد المسير: 5/ 206، والتبيان للعكبري:
2/ 865.
(3) قال الزجاج في معانيه: 3/ 319: «والموالي واحدهم مولى، وهم بنو العم وعصبة الرجل، ومعناه الذين يلونه في النسب كما أن معنى القرابة الذين يقربون منه في النسب» .
وانظر تفسير الماوردي: 2/ 516، وزاد المسير: 5/ 207.
(4) معاني القرآن للزجاج: 3/ 320.
(5) ذكره الماوردي في تفسيره: 2/ 516 دون عزو.
(6) ينظر تفسير الطبري: 16/ 49، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 320، وتفسير الماوردي:
2/ 517.
(7) في الأصل: «ولد» .
(8) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 517، وذكره الفخر الرازي في تفسيره:
21/ 189.
وراجع ص (144) عند تفسير قوله تعالى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ [آل عمران: 40] .
(2/533)

وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)
عِتِيًّا: سنا عاليا «1» .
13 وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا: رحمة من عندنا «2» . وقيل «3» : تعطفا وتحنّنا على عبادنا، أو على دعاء الناس إلينا.
وَزَكاةً: تطهيرا لمن يدعوه إلى الله «4» ، أو زكيناه بالثناء عليه «5» .
16 انْتَبَذَتْ
: تباعدت واحتجبت لتعبد الله «6» .
19 زَكِيًّا
: ناميا على الخير والبركة «7» .
«البغيّ» «8» الفاجرة «9» ، مصروفة عن الباغية «10» ، أو بمعنى
__________
(1) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 2، وتفسير الماوردي: 2/ 517، وتفسير البغوي: 3/ 189.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (16/ 55، 56) عن ابن عباس، وقتادة، وعكرمة، والضحاك.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 519 عن ابن عباس، وقتادة.
وذكره الفراء في معانيه: 2/ 163، وأبو عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 2، والزجاج في معانيه: 3/ 322.
(3) أخرجه الطبري في تفسيره: 16/ 56 عن مجاهد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 519 عن مجاهد أيضا.
(4) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 322، وابن عطية في المحرر الوجيز: 9/ 437.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 214 عن الزجاج.
(5) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 2/ 519.
(6) معاني القرآن للزجاج: 3/ 323، وتفسير القرطبي: 11/ 90.
(7) ذكر نحوه الفخر الرازي في تفسيره: 19/ 200.
وقال الطبري في تفسيره: 16/ 61: «والغلام الزكي: هو الطاهر من الذنوب، وكذلك تقول العرب: غلام زاك وزكى، وعال وعليّ» . [.....]
(8) في قوله تعالى: قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [آية: 20] .
(9) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 164، وتفسير البغوي: 3/ 191، وزاد المسير: 5/ 217.
(10) فهي فعيل بمعنى فاعل، ذكر هذا الوجه ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 218 عن ابن الأنباري.
(2/534)

فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)
المفعولة «1» ، كقولك: نفس قتيل، وكفّ خضيب.
23 فَأَجاءَهَا: ألجأها أو جاء بها «2» .
نَسْياً مَنْسِيًّا: مصدر موصوف من لفظه، كقوله «3» : حِجْراً مَحْجُوراً.
وقيل: النّسي ما يرمى به لوقاحته.
24 تَحْتَكِ سَرِيًّا: شريفا وجيها «4» .
وقيل «5» : السّريّ: النهر الصغير ليكون الرطب طعامها والنهر شرابها.
__________
(1) البحر المحيط: 6/ 181.
(2) معاني القرآن للفراء: 2/ 164، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 4، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 273.
(3) سورة الفرقان: آية: 22.
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 70 عن الحسن، وابن زيد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 522 عن الحسن، وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير:
5/ 222 إلى الحسن، وعكرمة، وابن زيد.
(5) ذكر الإمام البخاري في صحيحه: 4/ 140، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ تعليقا موقوفا على البراء بن عازب قال: «سريا» : نهر صغير بالسريانية.
وأخرجه عبد الرازق في تفسيره: 326 عن البراء، والحاكم في المستدرك: 2/ 373، كتاب التفسير، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأخرجه الطبري في تفسيره: (16/ 69، 70) عن البراء بن عازب، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، وقتادة.
ورجحه الطبري فقال: «وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قيل من قال: عني به الجدول، وذلك أنه أعلمها ما قد أعطاها الله من الماء الذي جعله عندها، وقال لها:
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي من هذا الرطب، وَاشْرَبِي من هذا الماء، وَقَرِّي عَيْناً بولدك، و «السري» معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير ... » اه.
وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 165، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 5، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 274.
(2/535)

وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)
25 تُساقِطْ: تتساقط، أدغمت التاء في السين «1» .
رُطَباً: نصب على التمييز «2» ، أو على وقوع الفعل لأنّ التساقط متعد كالتقاضي والتناسي، قال الله تعالى «3» : فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ، أو التقدير: هزي رطبا جنيا بجذع النخل تساقط عليك «4» .
27 فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ: يجوز تَحْمِلُهُ حالا منها ومنه ومنهما «5» ، ولو كان تحمله إليهم لجاز حالا منهم أيضا لحصول الضمائر في الجملة التي هي حال.
فَرِيًّا: عجيبا «6» ، أو مفترى من الفرية «7» .
29 مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا: أي: من يكن في المهد صبيا كيف نكلمه «8» ؟.
34 ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: أي: ذلك الذي قال: إني عبد الله
__________
(1) ورد هذا التوجيه لقراءة حمزة بفتح التاء والتخفيف.
ينظر إعراب القرآن للنحاس: 3/ 12، وحجة القراءات: 442، والكشف لمكي:
2/ 88.
(2) معاني القرآن للزجاج: 3/ 326، والتبيان للعكبري: 2/ 872.
(3) سورة طه: آية: 62.
(4) ينظر وجوه الإعراب في هذه الآية في معاني القرآن للزجاج: 2/ 325، وإعراب القرآن للنحاس: (3/ 12، 13) ، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 2/ 452، والتبيان للعكبري:
2/ 672، والبحر المحيط: 6/ 185.
(5) ينظر إعراب القرآن للنحاس: 3/ 14، والتبيان للعكبري: 2/ 673.
(6) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 7، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 274. [.....]
(7) هذا قول اليزيدي في غريب القرآن: 238، قال: «يقال فريت الكذب وافتريته وكذلك تَخْلُقُونَ إِفْكاً تصنعونه. خلقت الكذب واختلقته مثل فريته وافتريته، ومنه إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ، أي: افتراء الأولين ... » .
(8) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 328، وقال: «يكون «من» في معنى الشرط والجزاء ويكون المعنى: من يكن في المهد صبيا- ويكون صَبِيًّا حالا- فكيف نكلمه. كما تقول: من كان لا يسمع ولا يعقل فكيف أخاطبه» .
(2/536)

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)
عيسى بن مريم لا ما تقول النصارى أنه ابن الله «1» .
قَوْلَ الْحَقِّ: أي: هو قول الحق وكلمته، أو الذي تلوناه من صفته وقصّته قَوْلَ الْحَقِّ.
37 فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ: تحزبوا إلى يعقوبيّة، وملكائيّة، ونسطورية [60/ أ] وغيرها «2» .
38 أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا: أي: لئن عموا وصمّوا عن الحقّ في الدّنيا فما أسمعهم يوم لا ينفعهم!.
44 لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ: لا تطعه فيما سول.
45 فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا: موكولا إليه وهو لا يغني عنك شيئا.
46 لَأَرْجُمَنَّكَ: لأرمينّك بالشّتم «3» ، وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا: حينا طويلا.
47 حَفِيًّا: لطيفا رحيما «4» ، والحفاوة: الرأفة والكرامة «5» .
__________
(1) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 329، والماوردي في تفسيره: 2/ 526.
ونقله البغوي في تفسيره: 3/ 195، وابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 231 عن الزجاج.
(2) هذه الفرق الثلاث نسبة إلى ثلاثة من علماء النصارى هم: يعقوب، وملكاء، ونسطور.
فقالت اليعقوبية: عيسى هو الله، هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء. وقالت الملكائية:
هو عبد الله ونبيه، وقالت النسطورية: إنه ابن الله.
ينظر تفسير الطبري: 16/ 84، وتفسير البغوي: 3/ 196، وتفسير القرطبي: 11/ 108، وتفسير ابن كثير: (5/ 225، 226) ، وتفسير البيضاوي: 2/ 34.
(3) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 169، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 274، والطبري في تفسيره: 16/ 91.
وقال الزجاج في معانيه: 3/ 332: «يقال: فلان يرمي فلانا ويرجم فلانا، معناه يشتمه، وكذلك قوله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، معناه: يشتمونهن، وجائز أن يكون لَأَرْجُمَنَّكَ لأقتلنك رجما، والذي عليه التفسير أن الرجم هاهنا الشتم» .
(4) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 169، وتفسير الطبري: 16/ 92، ومعاني الزجاج:
3/ 333، والمفردات للراغب: 125.
(5) اللسان: 14/ 187 (حفا) .
(2/537)

وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)
52 وَقَرَّبْناهُ: قرّب «1» من أعلى الحجب حتى سمع صرير «2» القلم.
57 وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا: رفع إلى السّماء الرابعة «3» ، وروي:
__________
(1) هو موسى عليه الصلاة والسلام.
(2) في «ك» : «صريف» ، وصرير القلم صوته.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (16/ 94، 95) عن ابن عباس، وأبي العالية.
وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 373، كتاب التفسير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 515، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد عن أبي العالية، كما عزا إخراجه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.
(3) أي: إدريس عليه السلام.
وقد ورد هذا القول في أثر أخرجه الترمذي في سننه: 5/ 316، كتاب تفسير القرآن، باب «ومن سورة مريم» عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة» .
قال الترمذي: وفي الباب عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال: وهذا حديث حسن وقد رواه سعيد بن أبي عروبة وهمام وغير واحد عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث المعراج بطوله، وهذا عندنا مختصر من ذاك» اه.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (16/ 96، 97) عن أنس مرفوعا.
وأخرجه عن أبي سعيد الخدري، وكعب، ومجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 518، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
عن قتادة عن أنس مرفوعا.
وأخرج البخاري ومسلم عن مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج: أنه رأى إدريس في السماء الرابعة.
ينظر صحيح البخاري: 4/ 77، كتاب بدء الخلق، باب «ذكر الملائكة صلوات الله عليهم» .
وصحيح مسلم: 1/ 150، كتاب الإيمان، باب «الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات» .
(2/538)

أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)
السّادسة «1» ، وروي: السّابعة «2» .
58 بُكِيًّا «3» : جمع «باك» ، ك «شاهد» ، و «شهود» «4» ، ويجوز مصدرا بمعنى البكاء «5» .
59 أَضاعُوا الصَّلاةَ: صلّوها في غير وقتها «6» .
يَلْقَوْنَ غَيًّا: خيبة وشرا «7» ، أو جزاء الغيّ على حذف المضاف «8» .
__________
(1) أخرجه الطبري في تفسيره: (16/ 96، 97) عن ابن عباس، والضحاك.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 529 عن ابن عباس رضي الله عنهما، والضحاك أيضا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 518، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس، والضحاك.
(2) أورده ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 241، وقال: «حكاه أبو سليمان الدمشقي» .
(3) من قوله تعالى: إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [آية: 58] .
(4) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 335.
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 8، وتفسير الطبري: 16/ 98، وتفسير الماوردي:
2/ 530. [.....]
(5) رده الزجاج في معانيه: 3/ 335 قائلا: «ومن قال: بُكِيًّا هاهنا مصدر فقد أخطأ لأن سُجَّداً جمع ساجد، وبُكِيًّا عطف عليه، ويقال: بكى بكاء وبكيا» اه.
وانظر القول الذي أورده المؤلف- رحمه الله- في إعراب القرآن للنحاس: 3/ 21، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 2/ 456، والبيان لابن الأنباري: 2/ 128، والبحر المحيط: 6/ 200.
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 98 عن القاسم بن مخيمرة.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 530 عن ابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 526، ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه.
كما عزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم، والخطيب في «المتفق والمفترق» عن عمر بن عبد العزيز.
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 101 عن ابن زيد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 531، وابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 246 عن ابن زيد أيضا.
(8) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 336. وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 246 عن الزجاج.
(2/539)

جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69)
61 مَأْتِيًّا: مفعولا من الإتيان «1» .
62 إِلَّا سَلاماً: اسم جامع للخير.
بُكْرَةً وَعَشِيًّا: مقدار ما بين الغداة والعشي على التمثيل بعادة الدنيا.
64 وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ: استبطأ جبريل- عليه السلام- فقال:
«ما يمنعك أن تزورنا أكثر» «2» .
ما بَيْنَ أَيْدِينا: من أمر الآخرة وَما خَلْفَنا: ما مضى من أمر الدنيا.
وَما بَيْنَ ذلِكَ: من الحال إلى يوم القيامة.
68 جِثِيًّا: باركين على الركب، وأصلها: «جثووا» فوقعت الواو طرفا قبلها ضمّة «3» .
69 أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا: أي: ننزع الأعتى فالأعتى.
وأَيُّهُمْ رفع على الحكاية «4» ، أي: الذي يقال أيّهم أشد. وعند
__________
(1) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 336، وقال: «لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه، وكل ما أتاك فقد أتيته، يقال: وصلت إلى خبر فلان ووصل إليّ خبر فلان، وأتيت خبر فلان وأتاني خبر فلان، فهذا على معنى: أتيت خبر فلان» .
(2) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 5/ 237، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ.
وانظر تفسير الطبري: 16/ 103، وأسباب النزول للواحدي: 347، وتفسير ابن كثير:
5/ 243.
(3) أصلها جثوو (جثوّ) ثم قلبت ياء فصارت «جثويا» ثم اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون في كلمة فقلبت الواو الأولى ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت «جثيّا» ، وقلبت ضمة الثاء كسرة فصارت «جثيا» ثم أتبعت حركة الثاء فقلبت كسرة فقالوا: «جثيا» ، فحركة الجيم اتباعا لحركة الثاء، وحركة الثاء لمجانسة الياء بعدها.
وينظر إعراب القرآن للنحاس: 3/ 23، والبيان لابن الأنباري: 2/ 130.
(4) هذا قول الخليل كما في الكتاب لسيبويه: 2/ 399.
واختاره الزجاج في معانيه: 3/ 329.
(2/540)

وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)
سيبويه «1» هو مبنيّ بتقدير: الذي هو أشدّ، فلما حذف «هو» واطّرد الحذف صار كبعض الاسم فبني.
71 وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها: ورود حضور ومرور «2» . وقال رجل من الصّحابة- لآخر: أيقنت بالورود؟ قال: نعم، قال: وأيقنت بالصّدر؟ قال:
لا، قال: ففيم الضحك؟ ففيم التثاقل «3» ؟!.
73 نَدِيًّا: مجلسا «4» ، ندوت القوم أندوهم: جمعتهم فندوا:
اجتمعوا «5» .
74 وَرِءْياً: مهموزا «6» على وزن «رعي» اسم المرئيّ، رأيته رؤية ورأيا، والمصدر رئي كالرّعي والرّعي، أي: أحسن متاعا ومنظرا «7» .
__________
(1) الكتاب: 2/ 398.
(2) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 16/ 110 عن قتادة.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 256 عن عبيد بن عمير.
(3) نقل ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 255 عن الحسن البصري أنه قال: «قال رجل لأخيه:
يا أخي أتاك إنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك خارج منها؟ قال: لا، قال:
ففيم الضحك؟!» .
وأورد نحوه القرطبي في التذكرة: 404 عن الحسن رحمه الله تعالى.
قال القرطبي رحمه الله: «وقد أشفق كثير ممن تحقق الورود، والجهل بالصدر. كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه يقول: ليت أمي لم تلدني. فتقول له امرأته: يا أبا ميسرة إنّ الله قد أحسن إليك وهداك إلى الإسلام، قال: أجل، ولكن الله قد بين لنا أنّا واردو النار ولم يبين لنا أنا صادرون» .
(4) معاني القرآن للفراء: 2/ 171، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 10، وغريب القرآن لليزيدي: 241.
(5) اللسان: 15/ 317 (ندى) .
(6) قراءة عاصم، وابن كثير، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 411، وحجة القراءات: 446، والتبصرة لمكي: 256. [.....]
(7) معاني القرآن للفراء: 2/ 71، وغريب القرآن لليزيدي: 241، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 275.
(2/541)

قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77)
[60/ ب] وأمّا/ الرّيّ «1» - مشدّدا- فمن ريّ الشّباب وأنواع النعمة.
75 فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا: فليدعه في ضلالته وليمله في غيّه، واللّفظ أمر والمعنى خبر «2» .
76 وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ: الطاعات التي تسلم من الإحباط وتبقى لصاحبها.
وَخَيْرٌ مَرَدًّا: مرجعا يردّ إليه.
77 أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا: العاص بن وائل السّهمي «3» .
__________
(1) وهي قراءة نافع، وابن عامر.
(2) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 343.
ونص كلامه هناك: «هذا لفظ أمر في معنى الخبر، وتأويله أن الله- عز وجل- جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها، ويمده فيها، كما قال جل وعز: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأعراف: 186] إلّا أن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كأن لفظ الأمر يريد به المتكلم نفسه إلزاما، كأنه يقول: أفعل ذلك وآمر نفسي به، فإذا قال القائل: من رآني فلأكرمه، فهو ألزم من قوله: أكرمه، كأنه قال: من زارني فأنا آمر نفسي بإكرامه وألزمها ذلك» اه.
وانظر تفسير الطبري: 16/ 119، وتفسير البغوي: 3/ 207، والمحرر الوجيز: 9/ 522، وتفسير القرطبي: 11/ 144.
(3) ورد ذلك في صحيح البخاري وصحيح مسلم من رواية أخرجاها عن خبات بن الأرت رضي الله عنه قال: «كنت قينا في الجاهلية، وكان لي دين على العاص بن وائل. قال:
فأتاه يتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. فقال: «والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث. قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتي مالا وولدا فأقضيك. فنزلت هذه الآية: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً اه.
اللفظ للبخاري في صحيحه: 5/ 238، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا.
وهو في صحيح مسلم: 4/ 2153 كتاب «صفات المنافقين وأحكامهم» ، باب «سؤال اليهود النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الروح» .
وانظر تفسير الطبري: 16/ 120، وأسباب النزول للواحدي: 349، والتعريف والإعلام:
111.
(2/542)

أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)
78 عَهْداً: أي: عهد بعمل صالح قدّمه «1» .
لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً: أي: إذا بعثت.
79 سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ: نحفظه عليه.
80 وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ: نجعل المال والولد لغيره ونسلبه ذلك.
و «الولد» «2» : جمع كأسد ووثن.
83 أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ: خلّيناهم وإيّاهم «3» .
تَؤُزُّهُمْ أَزًّا: تزعجهم إزعاجا «4» .
84 نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا: أي: أعمالهم للجزاء وأنفاسهم للفناء.
85 وَفْداً: ركبانا مكرّمين.
86 وِرْداً: عطاشا «5» . من ورود الإبل.
__________
(1) ذكره الطبري في تفسيره: 16/ 122، ونقله الماوردي في تفسيره: 2/ 536 عن قتادة، وكذا البغوي في تفسيره: 3/ 208، وابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 361.
(2) على قراءة «ولد» بضم الواو، وهي لحمزة والكسائي كما في السبعة لابن مجاهد: 412، والتبصرة لمكي: 257، والتيسير للداني: 150.
وانظر توجيه المؤلف لهذه القراءة في الكشف لمكي: 2/ 92، والبحر المحيط: 6/ 213.
(3) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 345، وذكر وجها آخر وقال: «وهو المختار أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم كما قال عز وجل: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: 35] ... ومعنى الإرسال هاهنا التسليط، يقال: قد أرسلت فلانا على فلان: إذا سلّطته عليه، كما قال: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ، فأعلم الله عز وجل: أن من اتبعه هو مسلط عليه» اه.
وانظر المحرر الوجيز: 9/ 533.
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 125 عن قتادة.
وانظر هذا المعنى في معاني القرآن للفراء: 2/ 172، ومعاني الزجاج: 3/ 345، وتفسير القرطبي: 11/ 150.
(5) بلغة قريش كما في كتاب لغات القبائل: 189 عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (16/ 127، 128) عن ابن عباس، وأبي هريرة، والحسن، وقتادة، وسفيان.
(2/543)

لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)
89 إِدًّا: منكرا عظيما «1» .
90 هَدًّا: هدما بشدة صوت «2» .
96 وُدًّا: محبة في قلوب النّاس «3» .
97 لُدًّا: ذوي جدل بالباطل.
98 رِكْزاً: صوتا خفيا «4» .
95 فَرْداً: لا أنصار له ولا أعوان كلّ امرئ مشغول بنفسه.
__________
(1) تفسير الطبري: 16/ 129، ومعاني الزجاج: 3/ 346، والمفردات للراغب: 14.
(2) تفسير الطبري: 16/ 130، والمفردات: 537.
(3) نص هذا القول في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 276.
وأخرج نحوه الطبري في تفسيره: 16/ 132 عن ابن عباس، ومجاهد.
(4) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 14، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 276، وتفسير الطبري: 16/ 134، ومعاني الزجاج: 3/ 347، والمفردات: 202.
(2/544)

مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)
ومن سورة طه
2 لِتَشْقى: تتعب بقيام جميع اللّيل «1» . وقيل «2» : لتحزن على قومك بأن لا يؤمنوا.
7 يَعْلَمُ السِّرَّ: ما يسرّه العبد عن غيره، وَأَخْفى: ما يخطر بالبال.
ويهجس في الصّدر، أو هو ما يكون من الغيب الذي لا يعلمه ولا يسرّه أحد «3» .
12 فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ: ليباشر بقدمه بركة الوادي «4» ، أو هو أمر تأديب وخضوع عند مناجاة الرّب «5» .
__________
(1) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 3/ 8 عن مجاهد.
وانظر تفسير الفخر الرازي: 22/ 4، وتفسير القرطبي: 11/ 168. [.....]
(2) نقله الماوردي في تفسيره: 3/ 8 عن ابن بحر، وذكره الفخر الرازي في تفسيره: 22/ 4، وقال: «وهو كقوله: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ الآية، وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ.
(3) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 16/ 140 عن ابن زيد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 9، وابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 271 عن ابن زيد أيضا.
قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 16/ 141: «والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه: يعلم السر وأخفى الله سره، لأن «أخفى» فعل واقع متعد، إذ كان بمعنى «فعل» على ما تأوله ابن زيد، وفي انفراد «أخفى» من مفعوله، والذي يعمل فيه لو كان بمعنى «فعل» الدليل الواضح على أنه بمعنى «أفعل» . وأن تأويل الكلام: فإنه يعلم السر وأخفى منه ... » اه.
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: (16/ 143، 144) عن مجاهد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 9 عن علي بن أبي طالب، والحسن، وابن جريج.
وذكره الفخر الرازي في تفسيره: 22/ 17 عن الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد.
(5) نص هذا القول في تفسير القرطبي: 11/ 173 دون عزو.
وأورد نحوه الماوردي في تفسيره: 3/ 9، وابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 10.
وذكر الفخر الرازي وجها آخر فقال: «أن يحمل ذلك على تعظيم البقعة من أن يطأها إلّا حافيا ليكون معظما لها وخاضعا عند سماع كلام ربه، والدليل عليه أنه تعالى قال عقيبة:
إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وهذا يفيد التعليل، فكأنه قال تعالى: اخلع نعليك لأنك بالوادي المقدس طوى» اه.
ينظر تفسيره: 22/ 17.
(2/545)

إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)
طُوىً: اسم عجميّ لواد معروف، فلم ينصرف للعجمة والتعريف، أو للعدل عن «طاو» معرفة «1» .
15 أَكادُ أُخْفِيها: أريد أخفيها «2» .
لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ: لأنّ من شرط التكليف إخفاء أمر السّاعة والموت.
17 وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ: السؤال للتنبيه «3» ليقع المعجز بها بعد التثبت فيها.
__________
(1) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 351، وقد ورد هذا التوجيه لقراءة من لم ينوّن «طوى» ، وهذه القراءة لابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، كما في السبعة لابن مجاهد: 417، والتبصرة لمكي: 259، والتيسير للداني: 150.
وانظر توجيه هذه القراءة أيضا في إعراب القرآن للنحاس: 3/ 34، والكشف لمكي:
2/ 96، والتبيان للعكبري: 2/ 886.
(2) ذكر الطبري هذا الوجه في تفسيره: 16/ 151، وقال: «وذلك معروف في اللّغة، ثم أورد الأدلة والشواهد على ذلك» .
وانظر هذا القول في تفسير الماوردي: 3/ 11، وتفسير البغوي: 3/ 214، والمحرر الوجيز: 10/ 15.
(3) تفسير الطبري: 16/ 154، وتفسير البغوي: 3/ 214، والمحرر الوجيز: 10/ 17.
قال الزجاج في معانيه: 3/ 354: «وهذا الكلام لفظه لفظ الاستفهام ومجراه في الكلام مجرى ما يسأل عنه، ويجيب المخاطب بالإقرار له لتثبت عليه الحجة بعد ما قد اعترف مستغنى بإقراره عن أن يجحد بعد وقوع الحجة، ومثله من الكلام أن تري المخاطب ماء فتقول له: ما هذا؟ فيقول: ماء، ثم تحيله بشيء من الصبغ فإن قال إنه لم يزل هكذا قلت له: ألست قد اعترفت بأنه ماء؟!» اه.
(2/546)

قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)
18 أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها: أعتمد، وَأَهُشُّ: أخبط الورق للغنم «1» .
23 آياتِنَا الْكُبْرى: الكبر، فجرى على نظم الآي. / أو هو من آياتنا [61/ أ] الآية الكبرى.
39 مَحَبَّةً مِنِّي: من رآك أحبّك «2» .
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي: تغذّى وتربّى بإرادتي ورعايتي.
صنعت الجارية: تعهّدتها حتى سمنت «3» ، وهو صنيعه: تخريجه وتربيته.
40 وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً: بلوناك بلاء «4» بعد بلاء، أو خلّصناك تخليصا «5» ،
__________
(1) في غريب القرآن لليزيدي: 244: «خبطت وهششت واحد» .
وانظر المعنى الذي ذكره المؤلف في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 17، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 278، وتفسير الطبري: 16/ 154، والمفردات للراغب: 543.
(2) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 14 عن ابن زيد.
وأورد نحوه السيوطي في الدر المنثور: 5/ 567، وعزا إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 179، وتفسير الطبري: 16/ 161، وزاد المسير:
5/ 284.
(3) تهذيب اللغة: 2/ 38، واللسان: 8/ 210 (صنع) .
(4) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 19، والطبري في تفسيره: 16/ 164، والزجاج في معانيه: 3/ 357.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 14 عن قتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 569، وعزا إخراجه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم.
(5) عن تفسير الماوردي: 3/ 14، ونص كلامه: «خلصناك تخليصا، من محنة بعد محنة، أولها أنها حملته في السنة التي كان يذبح فيها فرعون الأطفال ثم إلقاؤه في اليم، ومنعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره بلحية فرعون حتى همّ بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل التمرة فدرأ ذلك عنه قتل فرعون، ثم مجيء رجل من شيعته يسعى بما عزموا عليه من قتله» .
وأورد ابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 31 القول الذي ذكره المؤلف، ثم قال: «هذا قول جمهور المفسرين» .
(2/547)

فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)
من فتنت الذهب بالنار «1» .
عَلى قَدَرٍ: موعد ومقدار الرسالة وهو أربعون سنة «2» .
44 لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ: على رجاء الرسل لا المرسل، إذ لو يئس الرسول من ذلك لم يحسن الإرسال، أو الكلام معدول إلى المرسل إليه، كأنه: لعلّه يتذكّر متذكر عنه وما حل به.
45 نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا: يعجل بقتلنا «3» .
47 وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى: أي: سلم من العذاب من اتبع الهدى.
50 أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ: صورته التي لا يشبهها فيها غيره «4» ، أو المراد صورة الأنواع المحفوظة بعضها عن بعض، أو أعطى كل شيء من الأعضاء خلقه، فأدرك كلّ حاسة بإدراك، وأنطق اللسان، ومكّن اليد من البطش والأعمال العجيبة، والرّجل من المشي، خلق كلّ شيء فقدّره تقديرا «5» .
__________
(1) في تهذيب اللغة للأزهري: 14/ 296: «فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار ليتميز الرديء من الجيد ... » .
وانظر الصحاح: 6/ 2175، واللسان: 13/ 317 (فتن) .
(2) ينظر تفسير الطبري: (16/ 167، 168) ، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 357، وتفسير الماوردي: 3/ 15. [.....]
(3) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 180، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 19، وغريب القرآن لليزيدي: 246.
وقال الطبري في تفسيره: 16/ 170: «وهو من قولهم: فرط مني إلى فلان أمر: إذا سبق منه ذلك إليه، ومنه: فارط القوم وهو المتعجل المتقدم أمامهم إلى الماء أو المنزل ... » .
(4) نقل البغوي نحو هذا القول في تفسيره: 3/ 220 عن مجاهد.
وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 291، وقال: «رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 582، وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن مجاهد.
(5) تفسير القرطبي: 11/ 205.
(2/548)

قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63)
ثُمَّ هَدى: للمعيشة في الدنيا والسعادة في الآخرة.
51 فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى: حين حذّره البعث، فقال: ما بال الأمم الخالية كيف يبعثون ومتى وهم رمم بالية؟.
58 مَكاناً سُوىً: المكان النّصف بين الفريقين يستوي مسافته عليهما «1» .
59 يَوْمُ الزِّينَةِ: ارتفع يَوْمُ لأنّه خبر مَوْعِدُكُمْ، على أنّ الموعد اسم زمان الوعد أو مكانه، ومن نصب «2» نصبه على الظرف للموعد، وجعل الموعد حدثا كالوعد لئلا يتكرر الزمان.
61 فَيُسْحِتَكُمْ: يستأصلكم «3» . سحت وأسحت، وسمّي السّحت لأنّه مهلك «4» ، ودم سحت: هدر «5» .
63 إِنْ هذانِ لَساحِرانِ: قال أبو عمرو «6» ، إني لأستحي أن أقرأ: إِنْ هذانِ والقرآن أفصح اللّغات.
__________
(1) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 181، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 20، وغريب القرآن لليزيدي: 247، ومعاني الزجاج: (3/ 360، واللسان: (14/ 413، 414) (سوا) .
(2) تنسب قراءة النصب إلى الحسن رحمه الله تعالى، كما في إعراب القرآن للنحاس: 3/ 42، والبحر المحيط: 6/ 252، وإتحاف فضلاء البشر: 2/ 248.
وانظر توجيه هذه القراءة في معاني الزجاج: 3/ 360، ومشكل إعراب القرآن لمكي:
2/ 464، والتبيان للعكبري: 2/ 892، والبحر المحيط: 6/ 252.
وقال ابن الأنباري في البيان: 2/ 144: «ولا يجوز أن يكون يَوْمُ ظرفا لأن العرب لم تستعمله مع الظرف استعمال سائر المصادر، ولهذا قال تعالى: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ اه.
(3) معاني القرآن للفراء: 2/ 182، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 280، ومعاني الزجاج:
3/ 361، والمفردات للراغب: 225.
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 21.
(5) اللسان: 2/ 41 (سحت) .
(6) قراءته في هذا الموضع: «إنّ هذين» .
ينظر السبعة لابن مجاهد: 419، وحجة القراءات: 454، والتبصرة لمكي: 260.
(2/549)

وأمّا خط المصحف فروى عيسى «1» بن عمر أنّ عثمان- رضي الله عنه- قال: أرى فيه لحنا ستقيمه العرب بألسنتها «2» .
[60/ ب] وقرأ ابن كثير «3» : إِنْ هذانِ فهي ضعيفة في نفسها خفيفة/ من المثقلة، فلم تعمل فيما بعدها، فارتفع ما بعدها على الابتداء والخبر، ودخل اللام الخبر فرقا بينها وبين إن النافية، أو هي بمعنى «ما» نافية واللّام في
__________
(1) هو عيسى بن عمر الثقفي البصري، كان صديقا ملازما لأبي عمرو بن العلاء.
وصفه الذهبي بقوله: «العلّامة، إمام النحو ... » ، توفي عيسى بن عمر سنة 149 هـ.
أخباره في طبقات النحويين للزبيدي: 40، وسير أعلام النبلاء: 7/ 200، وتقريب التهذيب: 440.
(2) ذكر الفراء الرواية المنسوبة إلى أبي عمرو بن العلاء عن عثمان رضي الله عنه، لكنه لم يصرح بذكر عثمان، وإنما قال: «عن بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ... » .
معاني القرآن: 2/ 183.
وأورد الفخر الرازي في تفسيره: 22/ 74، والقرطبي في تفسيره: 11/ 216، نص الرواية التي وردت عند المؤلف هنا.
ودافع الفخر الرازي عن قراءة الجمهور، ونقد الرواية المذكورة عن عثمان رضي الله عنه، فقال: «إنه لما كان نقل هذه القراءة في الشهرة كنقل جميع القرآن فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن، وذلك يفضي إلى القدح في التواتر وإلى القدح في كل القرآن وأنه باطل، وإذا ثبت ذلك وامتنع صيرورته معارضا بخبر الواحد المنقول عن بعض الصحابة.
وثانيها: أن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحنا وغلطا، فثبت فساد ما نقل عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما أن فيها لحنا وغلطا.
وثالثها: قال ابن الأنباري: إن الصحابة هم الأئمة والقدوة، فلو وجدوا في المصحف لحنا لما فوضوا إصلاحه إلى غيرهم من بعدهم مع تحذيرهم من الابتداع وترغيبهم في الاتباع ... » .
وينظر نقد هذه الرواية عن عثمان رضي الله عنه في مجموع الفتاوى لابن تيمية رحمه الله (15/ 250- 254) .
(3) هو عبد الله بن كثير الداري، أحد القراء السبعة، توفي سنة 120 هـ.
ترجمته في: معرفة القراء الكبار: 1/ 86، وغاية النهاية: 1/ 443.
وانظر قراءته في السبعة لابن مجاهد: 419، وحجة القراءات: 456، والتبصرة لمكي:
260.
(2/550)

خبرها بمعنى «إلا» ، أي: ما هذان إلّا ساحران «1» ، كقوله «2» : وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ.
وأما القراءة المعروفة «3» فهي على لغة كنانة، وبلحارث بن كعب، وخثعم، وزبيد، ومراد، وبني عذرة، فالتثنية في لغاتها بالألف أبدا «4» .
وقيل «5» : معنى إِنْ نعم، وقيل «6» : هو على حذف الهاء بمعنى «إنه» . وزبدة كلام أبي عليّ «7» أنّ هذانِ ليس بتثنية «هذا» «8» لأنّ «هذا» من أسماء الإشارة، فيكون معرفة أبدا، والتثنية والجمع من خصائص النكرات لأنّ واحدا أعرف، فلما لم يصح تنكير هذا لم يصح [تثنية] «9» «هذا» [وجمعه] «10» من لفظه.
__________
(1) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 23، ومشكل إعراب القرآن: 2/ 467، والبحر المحيط:
6/ 255.
(2) سورة الشعراء: آية: 186. [.....]
(3) يريد قراءة الجمهور بتشديد «إنّ» و «هذان» مرفوعا.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 419، وتفسير الطبري: 16/ 180، وإعراب القرآن للنحاس:
3/ 43، والبحر المحيط: 6/ 255.
(4) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 184، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 362، والكشف لمكي:
2/ 99، والمحرر الوجيز: (10/ 49، 50) ، والبحر المحيط: 6/ 255.
(5) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 22، والزجاج في معانيه: 3/ 363، وابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 48، وأبو حيان في البحر: 6/ 255.
(6) في معاني الزجاج: 3/ 362 عن النحويين القدماء.
وانظر إعراب القرآن للنحاس: 3/ 46، وحجة القراءات: 455، والمحرر الوجيز:
10/ 50.
(7) يريد أبا علي الفارسي.
(8) هذا معنى قول الفراء في معانيه: 2/ 184، ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 50 عن الفراء أيضا.
(9) في الأصل: «تثنيته» ، والمثبت في النص عن «ك» .
(10) ما بين معقوفين ساقط من الأصل، والمثبت عن «ك» .
(2/551)

فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)
ألا ترى أنّ «أنت» و «هو» و «هي» لما كانت معارف لم تثنّ على لفظها، فلا يقال: «أنتان» و «هوان» ، بل يصاغ لها أسماء مبنيّة في التثنية لا يختلف أبدا على صورة الأسماء المثناة، وهي «أنتما» و «هما» ، فكذا صيغ ل «هذا» عند التثنية لفظ مبنيّ، ألا ترى كيف فعلوا في «الذين» هكذا.
وقيل «1» : إنّ الألف لما حذفت عوّضت منها ألف التثنية فلم تزل على حالها.
64 فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ: إجماع الأمر بمعنى جمعه، وبمعنى اجتماع الرأي والتدبير «2» .
ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا: مصطفين جميعا، والصفّ مجتمع القوم «3» .
67 فَأَوْجَسَ: أسرّ وأخفى «4» .
69 تَلْقَفْ ما صَنَعُوا: تأخذه بفيها وتبتلعها «5» .
77 لا تَخافُ دَرَكاً: منصوب على الحال، أي: اضرب لهم طريقا غير خائف «6» .
أو على نعت الطريق، أي: طريقا مأمونا غير مخشيّ فيه الدرك.
87 ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا: بطاقتنا «7» ، أو بملكنا
__________
(1) يريد أنه حذف ألف «هاذا» الأخيرة ثم عوض عنها بألف التثنية فقامت مقامها وسدت مسدها ولزمت حالها وأخذت حكمها فلم تتغير ألف البناء.
(2) اللسان: 8/ 57 (جمع) .
(3) ينظر تفسير البغوي: 3/ 223، واللسان: 9/ 194 (صفف) .
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 23، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 280.
(5) تفسير الطبري: 16/ 186، وتفسير الماوردي: 3/ 21، وتفسير البغوي: 3/ 224.
(6) إعراب القرآن للنحاس: 3/ 50، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 3/ 470، والبيان لابن الأنباري: 2/ 150، والتبيان للعكبري: 2/ 899. [.....]
(7) هذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 281، وأخرجه الطبري في تفسيره: 16/ 198 عن قتادة والسدي.
ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 314 عن قتادة والسدي أيضا.
(2/552)

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)
الصّواب «1» .
أو لم نملك اختيارنا، أو لم نملك أنفسنا «2» .
وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ: إذ السّامريّ قال لهم: إنّها أوزار الذنوب والمال الحرام فانبذوه في النّار، وكان صائغا «3» .
88 فَنَسِيَ: ترك السّامريّ إيمانه «4» ، أو هو قول السّامريّ: / نسي [62/ أ] موسى إلهه عندكم فلذلك أبطأ «5» .
96 فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ: من تراب حافر فرس الرسول، فحذف المضافات.
97 فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ: أمر موسى بني إسرائيل أن لا يقاربوه ولا يخالطوه «6» . وقيل: هرب السّامريّ وتوحش في البراري خوفا، لا يماسّ أحدا «7» .
لَنَنْسِفَنَّهُ: نذرّينّه، نسف الطعام بالمنسف ذرّاه ليطير قشوره «8» .
__________
(1) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 189، والزجاج في معانيه: 3/ 371.
(2) ينظر تفسير البغوي: 3/ 228، وزاد المسير: 5/ 314، وتفسير القرطبي: 11/ 234.
(3) نقله القرطبي في تفسيره: 11/ 235 عن قتادة.
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 16/ 201 عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 3/ 372، وتفسير الماوردي: 3/ 25، والمحرر الوجيز: 10/ 78.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: 16/ 201 عن قتادة، ورجح هذا القول.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 25 عن قتادة، والضحاك.
(6) ذكره الطبري في تفسيره: 16/ 206 دون عزو، وكذا الماوردي في تفسيره: 3/ 28، والبغوي في تفسيره: 3/ 230، والقرطبي في تفسيره: 11/ 240.
(7) تفسير الماوردي: 3/ 28، وتفسير البغوي: 3/ 230.
(8) تهذيب اللغة: 13/ 6، والصحاح: 4/ 1431، واللسان: 9/ 328 (نسف) .
قال الجوهري: «والمنسف» : ما ينسف به الطعام، وهو شيء طويل منصوب الصدر أعلاه مرتفع» .
(2/553)

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)
102 زُرْقاً: عميا «1» . وقيل «2» : عطاشا لأنّ سواد العين من شدّة العطش يتغيّر حتى يزرق.
103 يَتَخافَتُونَ: يتناجون «3» .
106 صَفْصَفاً: مستويا «4» .
107 عِوَجاً: غورا، أَمْتاً: نجدا «5» .
108 هَمْساً: صوتا خفيّا، وهو هاهنا صوت وطئ الأقدام «6» .
111 وَعَنَتِ الْوُجُوهُ: ذلّت وخشعت، والعاني: الأسير «7» .
114 وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ: لا تسأل إنزاله قبل الوحي إليك، وقيل «8» :
كان يعاجل جبريل في التلقن حرصا عليه.
__________
(1) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 191، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 282، والزجاج في معانيه: 3/ 376، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 29 عن الفراء.
(2) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 3/ 376.
وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 191، وتفسير الطبري: 16/ 210، وتهذيب اللغة للأزهري: 8/ 428.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 29، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 282، والمفردات للراغب: 152.
(4) في المفردات: 282: «والصفصف المستوي من الأرض كأنه على صف واحد» .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 29، وغريب القرآن لليزيدي: 250، وتفسير القرطبي: 11/ 246.
(5) أي مرتفعا، والأمت ما ارتفع من الأرض.
معاني القرآن للفراء: 2/ 191، واللسان: 2/ 5 (أمت) . [.....]
(6) معاني القرآن للفراء: 2/ 192، وغريب القرآن لليزيدي: 251، والمفردات للراغب:
350.
(7) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 30، وغريب القرآن لليزيدي: 251، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 282، واللسان: 15/ 101 (عنا) .
(8) نقله الماوردي في تفسيره: 3/ 32 عن الكلبي.
وذكره البغوي في تفسيره: 3/ 232، وابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 98 دون عزو.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 602، وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن السدي.
(2/554)

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)
121
فَغَوى: ضلّ عن الرأي.
124 وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى: لا حجة له يهتدي إليها «1» .
128 أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ: فاعل يَهْدِ مضمر يفسره كَمْ أَهْلَكْنا: ولا يجوز رفعها ب يَهْدِ، لأنه على طريق الاستفهام بمنزلة: قد تبيّن لي أقام زيد أم عمرو.
129 وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ: تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمّى لكان لزاما، أي: عذابا لازما.
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (16/ 228، 229) عن مجاهد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 33، والبغوي في تفسيره: 3/ 235 عن مجاهد.
(2/555)

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)
ومن سورة الأنبياء
1 اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ: لقلّة ما بقي بالإضافة إلى ما مضى «1» ، أو لأنّ كلّ آت قريب. وحساب الله العبد إظهاره تعالى ما للعبد وما عليه للجزاء.
2 مُحْدَثٍ: أي: في التنزيل «2» .
3 لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ: مشتغلة، من لهيت ألهى لهوا ولهيّا «3» .
أو طالبة للهو، من لهوت ألهو، وإذا تقدّمت الصّفة انتصب، كقول الشّاعر «4» :
لميّة موحشا طلل ... يلوح كأنّه خلل
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى: تمّ الكلام عليه، ثم كأنه فسّره فقال: هم الذين
__________
(1) ذكر الماوردي هذا القول والذي يليه في تفسيره: 3/ 36، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 339.
وانظر تفسير القرطبي: 11/ 267، والبحر المحيط: 6/ 295.
(2) تفسير الطبري: 17/ 2، وتفسير الماوردي: 3/ 36، والمحرر الوجيز: 10/ 122.
قال القرطبي في تفسيره: 11/ 267: «أي ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث، يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما كان ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت، لا أن القرآن مخلوق» .
(3) اللسان: 15/ 258 (لها) ، وانظر تفسير القرطبي: 11/ 267، والبحر المحيط: 6/ 295.
(4) هو كثيّر عزّة، والبيت له في الكتاب لسيبويه: 2/ 123، وخزانة الأدب: 2/ 211.
وهو في مغني اللبيب: 1/ 85، واللسان: 11/ 220 (خلل) دون نسبة.
قال الأستاذ عبد السلام هارون- رحمه الله- في هامش تحقيقه لكتاب سيبويه: «والشاهد فيه نصب «موحشا» على الحال، وكان أصله صفة ل «طلل» ، فتقدمت على الموصوف فصارت حالا» .
(2/556)

لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)
ظلموا، كقوله»
: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ: أفتقبلونه «2» ؟.
10 فِيهِ ذِكْرُكُمْ: شرفكم «3» إن [عملتم] «4» به.
12 يَرْكُضُونَ: يسرعون ويستحثون.
13 لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ: لتسألوا عما كنتم تعملون «5» .
15 حَصِيداً خامِدِينَ/: خمدوا كالنّار وحصدوا كما يحصد الزّرع.
19 لا يَسْتَحْسِرُونَ: لا يتعبون ولا ينقطعون عن العمل، من البعير الحسير.
21 يُنْشِرُونَ: يحيون. أنشر الله الموتى فنشروا.
29 وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ: قيل «6» : إنّه إبليس في دعائه إلى طاعته.
30 كانَتا رَتْقاً: ملتصقتين، ففتق الله بينهما بالهواء «7» ، أو فتق السّماء بالمطر والأرض بالنبات «8» .
__________
(1) سورة المائدة: آية: 71.
(2) في تفسير الطبري: 17/ 3: «قال بعضهم لبعض: أتقبلون السحر، وتصدقون به وأنتم تعلمون أنه سحر؟ يعنون بذلك القرآن» .
(3) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 200، وتفسير الطبري: 17/ 7، ومعاني الزجاج:
3/ 385، وتفسير البغوي: 3/ 239.
(4) في الأصل: «علمتم» ، ولا يستقيم به السياق.
(5) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 3/ 39 عن ابن بحر.
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 17 عن قتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 625، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة أيضا. [.....]
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 18 عن الحسن، وقتادة، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 42 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(8) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 201، وأبو عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 37، واليزيدي في غريب القرآن: 254، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 286.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 17/ 19 عن عكرمة، وعطية، وابن زيد.
وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 382، كتاب التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» .
وفي إسناده: طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي. قال عنه الذهبي في التلخيص: «واه» .
ووصفه الحافظ في التقريب: 283 بقوله: «متروك، من السابعة» .
وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: 1/ 61 عن ابن عباس، وفي إسناده طلحة بن عمرو أيضا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 625، وزاد نسبته إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ورجح الطبري هذا القول فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث، والأرض بالنبات. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله:
جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ على ذلك، وأنه جلّ ثناؤه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه ... » .
(2/557)

وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37)
38 يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ: يعيبهم.
37 خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ: فسر بالجنس، أي: خلق على حبّ العجلة في أمره «1» ، كقوله «2» : وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا: وفسّر بآدم «3» - عليه السلام- وأنّه لمّا نفخ فيه الرّوح فقبل أن استكمله «4» نهض.
وقال الأخفش «5» : معناه: خلق الإنسان في عجلة.
__________
(1) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 3/ 45، وذكر نحوه الطبري في تفسيره: 17/ 26.
(2) سورة الأسراء: آية: 11.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 26 عن السدي، ونقله البغوي في تفسيره:
3/ 244 عن سعيد بن جبير، والسدي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 630، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن عكرمة.
(4) في «ك» : فقبل استكماله.
(5) الأخفش: (- 215 هـ) .
هو سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، الإمام اللّغوي النّحويّ المشهور، أصله من «بلخ» .
لازم سيبويه وروى عنه كتابه.
أخباره في: إنباه الرواة: 2/ 36، ومعجم الأدباء: 4/ 242، وإشارة التعيين: 131.
ونص كلامه في معانيه: 2/ 633 كالتالي: «من تعجيل الأمر، لأنه قال: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ، فهذا العجل كقوله: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ.
وانظر قوله في تفسير القرطبي: 11/ 289، والبحر المحيط: 6/ 313.
(2/558)

بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50) وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)
وقيل العجل: الطين «1» وتلفيقه «2» بقوله: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ أن من خلق الإنسان مع ما فيه من بديع الصّنعة لا يعجزه ما استعجلوه من الآيات.
40 فَتَبْهَتُهُمْ: فتفجؤهم أو تحيّرهم «3» .
46 نَفْحَةٌ: دفعة يسيرة «4» . وقيل «5» : نصيب، نفح له من عطائه «6» .
47 الْمَوازِينَ الْقِسْطَ: أي: ذوات القسط، والقسط: العدل، مصدر يوصف به، يكون للواحد وللجميع «7» .
58 جُذاذاً: قطعا، جمع جذاذة، ك «زجاجة» وزجاج.
__________
(1) ذكره اليزيدي في غريب القرآن: 254، وأورده ابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 151، ونقل القرطبي في تفسيره: 11/ 289 عن أبي عبيدة وكثير من أهل المعاني أن العجل الطين بلغة حمير.
وعقب ابن عطية على هذا القول بقوله: «وهذا أيضا ضعيف مغاير لمعنى الآية» .
(2) كذا في الأصل، ولعل المناسب للسياق هنا: «وتعقيبه» ، لدلالة: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ عليه.
(3) في تفسير البغوي: 3/ 245: «يقال فلان مبهوت، أي: متحير» .
وقال القرطبي في تفسيره: 11/ 290: «يقال: بهته يبهته إذا واجهه بشيء يحيره. وقيل:
فتفجأهم» .
(4) قال القرطبي في تفسيره: 11/ 293: «والنفحة في اللغة الدفعة اليسيرة، فالمعنى: ولئن مسهم أقل شيء من العذاب لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ، أي: متعدين، فيعترفون حين لا ينفعهم الاعتراف» .
(5) ذكره الطبري في تفسيره: 17/ 32، ونقله البغوي في تفسيره: 3/ 246 عن ابن جريج، وكذا القرطبي في تفسيره: 11/ 293.
(6) في اللسان: 2/ 622 (نفح) : «ونفحه بشيء، أي: أعطاه، ونفحه بالمال نفحا: أعطاه» .
(7) معاني القرآن للزجاج: 3/ 394. [.....]
(2/559)

قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)
و «جذاذا» «1» جمع جذيذ «2» ، ك «خفيف» وخفاف.
63 بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ: أي: يجب أن يفعله كبيرهم أن لو كان معبودا لئلا يعبد معه غيره على إلزام الحجة لا الخبر، أو هو خبر معلق بشرط لا يكون، وهو نطق الأصنام فيكون نفيا للمخبر به «3» .
وإذا وقفت على بَلْ فَعَلَهُ «4» كان المعنى: بل فعله من فعله، ثم الابتداء بقوله: كَبِيرُهُمْ هذا.
68 حَرِّقُوهُ: قاله رجل من أكراد فارس «5» ، ولم تحرق النّار إلّا وثاقة «6» ، ولما أوثقوه قال: لا إله إلّا أنت سبحانك ربّ العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك «7» .
69 كُونِي بَرْداً: قيل: أحدث فيها البرد بدلا من الحرّ.
__________
(1) بكسر الجيم المعجمة، وهي قراءة الكسائي كما في السبعة: 429، وحجة القراءات:
468، والتبصرة لمكي: 264.
(2) قال اليزيدي في غريب القرآن: 255: «و «جذيذ» بمعنى مجذوذ كالقتيل والجريح» .
وانظر المعنى الذي أورده المؤلف في معاني الفراء: 2/ 206، ومعاني القرآن للزجاج:
3/ 396، والكشف لمكي: 2/ 112.
(3) ينظر هذا المعنى في تفسير الماوردي: 3/ 47، وتفسير البغوي: 3/ 249، وزاد المسير:
5/ 359.
(4) وقد نقل عن الكسائي أنه كان يقف على قوله تعالى: بَلْ فَعَلَهُ.
ينظر تفسير البغوي: 3/ 249، وتفسير القرطبي: 11/ 300، والبحر المحيط: 6/ 325.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 43 عن مجاهد.
(6) ورد هذا المعنى في أثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: 341، والطبري في تفسيره:
17/ 44 عن كعب الأحبار.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 639، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن كعب أيضا.
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 45 عن أرقم، وذكره ابن كثير في تفسيره:
5/ 345 دون عزو.
(2/560)

وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)
وقيل «1» : حيل بينها وبينه فلم تصل إليه.
71 إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها: أرض الشّام «2» . وبركتها أنّ أكثر الأنبياء منها، وهي أرض خصيب يطيب فيها عيش الغنيّ والفقير.
74 الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ/ الْخَبائِثَ: قرية سدوم «3» ، وخبائثهم إتيان الذكران وتضارطهم في أنديتهم «4» .
78 نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ: رعت ليلا «5» ، نفشت الغنم، ونفشها أهلها، وأسداها أيضا باللّيل، وأهملها بالنهار «6» .
79 فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ: دفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بدرها ونسلها ودفع الحرث إلى صاحب الغنم، وجعل عليه عمارته حتى إذا نبتت في السنة القابلة ترادّا «7» .
78 وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ: جمع في موضع التثنية لإضافته إلى المحكوم لهم ومن حكم.
__________
(1) ذكره الفخر الرازي في تفسيره: 22/ 189.
(2) ورد هذا القول في آثار أخرجها الطبري في تفسيره: (17/ 46، 47) عن أبيّ بن كعب، والحسن، وقتادة، والسدي، وابن جريج، وابن زيد.
وأورد ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 368 القول الذي ذكره المؤلف، ثم قال: «وهذا قول الأكثرين» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 642، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب.
(3) ذكره الطبري في تفسيره: 17/ 49، والماوردي في تفسيره: 3/ 50، والبغوي في تفسيره:
3/ 252، وابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 370.
(4) المصادر السابقة.
(5) غريب القرآن لليزيدي: 256، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 287، وتفسير الطبري:
17/ 53، والمفردات للراغب: 502، واللسان: 6/ 357 (نفش) .
(6) الهمل، بالتحريك: الإبل بلا راع، مثل النّفش، إلّا أن الهمل بالنهار والنّفش لا يكون إلّا ليلا. يقال: إبل همل وهاملة وهمّال وهوامل، وتركتها هملا أي: سدى إذا أرسلتها ترعى ليلا بلا راع.
ينظر اللسان: 11/ 710 (همل) .
(7) تفسير الطبري: (17/ 51- 54) ، وتفسير البغوي: 3/ 253، وتفسير ابن كثير: 5/ 349. [.....]
(2/561)

فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)
79 وَكُنَّا فاعِلِينَ: نقدر على ما نريد.
82 وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ: كثّف أجسام الجن حتى أمكنهم تلك الأعمال معجزة لسليمان «1» .
وسخّر الطير له بأن قوّى إفهامها كصبياننا الذين يفهمون التخويف.
83 أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ: لم يكن ما نزل به من المرض فعلا للشّياطين كما ذكره في سورة «ص» «2» ، ولكن إنّما آذاه «3» بالوسوسة ونحوها.
84 وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ: ابن عباس قال «4» : أبدل بكل شيء ذهب له ضعفين.
«ذو الكفل» «5» رجل صالح كفل لنبيّ بصيام النّهار وقيام اللّيل وألّا يغضب ويقضي بالحق «6» .
وذَا النُّونِ «7» صاحب الحوت، إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً: أي:
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: (22/ 202، 203) .
(2) قوله تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ [آية:
41] .
(3) في الأصل: «إنما وإنما آذاه ... » ، ولا يستقيم به السياق.
(4) أخرجه الطبري في تفسيره: 17/ 72 بسند فيه: محمد بن سعد عن أبيه عن عمه ... وقد سبق بيان ضعفهم ص (135) .
(5) في قوله تعالى: وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [آية: 85] .
(6) ورد هذا المعنى في أثر أخرجه الطبري في تفسيره: (17/ 74، 75) عن أبي موسى الأشعري، ومجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 661، وزاد نسبته إلى ابن حاتم، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وعبد بن حميد عن مجاهد رحمه الله.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 5/ 357: «الظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي.
وقال آخرون: إنما كان رجلا صالحا، وكان ملكا عادلا، وحكما مقسطا، وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم» اه.
(7) في قوله تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً ... [آية: 87] .
(2/562)

وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)
مغاضبا لقومه حين استبطأ وعد الله، فخرج بغير أمر ولم يصبر بدليل قوله «1» : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ.
87 فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ: لن نضيّق «2» ، كقوله «3» : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أو فظنّ أن لن نقدّر عليه البلاء من القدر «4» لا القدرة، كأنه: فظن أن لن نقدر عليه ما قدرنا من كونه في بطن الحوت، أو هو على تقدير الاستفهام «5» ، أي: أفظنّ؟.
فِي الظُّلُماتِ: ظلمة اللّيل والبحر وبطن الحوت «6» .
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ: أي: لنفسي في خروجي قبل الإذن.
90 وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ: كانت عقيما فجعلها الله ولودا «7» .
وقيل «8» : كان في خلقها سوء فحسّن الله خلقها.
__________
(1) سورة القلم: آية: 48.
(2) هذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 287، وذكره الطبري في تفسيره: 17/ 78 ورجحه.
وانظر تفسير الماوردي: 3/ 57، والمحرر الوجيز: 10/ 196، وتفسير القرطبي:
11/ 329.
(3) سورة الطلاق: آية: 7.
(4) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 402.
(5) ذكره الطبري في تفسيره: 17/ 79، والماوردي في تفسيره: 3/ 58، وابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 196.
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 80 عن ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، وعمرو بن ميمون.
وذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 209، والزجاج في معانيه: 3/ 402، وابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 197.
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 83 عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة.
وذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 210، والماوردي في تفسيره: 3/ 59، ورجحه ابن كثير في تفسيره: 5/ 364. [.....]
(8) ذكره الطبري في تفسيره: 17/ 83، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 59 عن عطاء، وابن كامل.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 670، وعزا إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخرائطي في «مساوئ الأخلاق» ، وابن عساكر عن عطاء بن أبي رباح.
وعقّب الطبري- رحمه الله- على القولين اللذين تقدما بقوله: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أصلح لزكريا زوجه، كما أخبر تعالى ذكره بأن جعلها ولودا حسنة الخلق، لأن كل ذلك من معاني إصلاحه إياها، ولم يخصص الله جل ثناؤه بذلك بعضا دون بعض في كتابه، ولا على لسان رسوله، ولا وضع على خصوص ذلك دلالة، فهو على العموم ما لم يأت ما يجب التسليم له بأن ذلك مراد به بعض دون بعض» .
(2/563)

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95)
91 فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا: أجرينا فيها روح المسيح كما يجري الهواء بالنّفخ «1» .
[63/ ب] 92 إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ: دينكم «2» ، أُمَّةً واحِدَةً: دينا واحدا، ونصبه على القطع «3» ، أو أنكم خلق واحد فكونوا على دين واحد «4» .
93 وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ: اختلفوا في الدين وتفرقوا «5» .
95 وَحَرامٌ: واجب «6» ، عَلى قَرْيَةٍ: على أهل قرية،
__________
(1) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 3/ 60، وانظر زاد المسير: 5/ 385.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 85 عن مجاهد، ونقله الماوردي في تفسيره:
3/ 60 عن ابن عباس، وقتادة.
(3) أي على الحال، وهو اصطلاح جرى عليه الفراء.
ينظر معاني القرآن له: 2/ 210، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 79، والتبيان للعكبري:
2/ 926، ومعجم المصطلحات النحوية: 188.
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 60.
(5) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 288، وتفسير الطبري: 17/ 84، وتفسير البغوي:
3/ 268، وتفسير القرطبي: 11/ 341.
(6) نقل الزجاج هذا القول في معانيه: 3/ 405، وابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 387 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 672، وعزا إخراجه إلى الفريابي، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الشعب» عن ابن عباس أيضا.
وفي توجيه هذا القول ذكر الفخر الرازي في تفسيره: 22/ 221: أن الحرام قد يجيء بمعنى الواجب، والدليل عليه الآية والاستعمال والشعر.
أما الآية فقوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وترك الشرك واجب وليس بمحرم، وأما الشعر فقول الخنساء:
وإن حراما لا أرى الدهر باكيا ... على شجرة إلا بكيت على عمرو
يعني: وإن واجبا. وأما الاستعمال فلأن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور، كقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها.
إذا ثبت هذا فالمعنى أنه واجب على أهل كل قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ... » اه.
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 204: «ويتجه في الآية معنى ضمنه وعيد بيّن، وذلك أنه ذكر من عمل صالحا وهو مؤمن، ثم عاد إلى ذكر الكفرة الذين من كفرهم ومعتقدهم أنهم لا يحشرون إلى ربّ، ولا يرجعون إلى معاد، فهم يظنون بذلك أنه لا عقاب ينالهم، فجاءت الآية مكذبة لظن هؤلاء، أي: ممتنع على الكفرة المهلكين أنهم لا يرجعون، بل هم راجعون إلى عقاب الله وأليم عذابه» .
(2/564)

حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)
أَهْلَكْناها: بالعذاب، أو وجدناها هالكة بالذنوب، كقولك: أعمرت بلدة وأخربتها: وجدتها كذلك، أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ: لا يؤمنون.
96 حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ: أي: جهة يأجوج.
و «الحدب» : فجاج الأرض «1» .
يَنْسِلُونَ: يخرجون ويسرعون «2» ، من نسلان الذئب.
98 حَصَبُ جَهَنَّمَ: حطبها «3» . وقيل: يحصبون فيها بالحصباء «4» .
__________
(1) المفردات للراغب: 110، واللسان: 1/ 301 (حدب) .
(2) قال اليزيدي في غريب القرآن: 256: «والنسلان والنسول مشي سريع في استخفاء مثل نسلان الذئب» .
وانظر تفسير الطبري: 17/ 91، ومعاني الزجاج: 3/ 405، والمفردات للراغب: 491، واللسان: 11/ 661 (نسل) .
(3) معاني القرآن للفراء: 2/ 212، وأخرجه الطبري في تفسيره: 17/ 94 عن مجاهد، وقتادة، وعكرمة.
(4) أي: يرمون فيها بالحصى، وفي تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 288: «وأصله من الحصباء، وهي: الحصى. يقال: حصبت فلانا: إذا رميته حصبا- بتسكين الصاد- وما رميت به: حصب، بفتح الصاد ... واسم حصى الحجارة: حصب» .
وانظر تفسير الطبري: 17/ 94، واللسان: 1/ 320 (حصب) .
(2/565)

لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)
100 لا يَسْمَعُونَ: أي: لا يسمعون ما ينتفعون به وإن سمعوا ما يسؤوهم «1» .
101 إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى: الطاعة لله «2» .
وقيل «3» : إنّهم عيسى وعزير والملائكة عبدوا وهم كارهون.
و «الحسيس» «4» : الصوت الذي يحسّ «5» .
103 الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ: النفخة الأخيرة «6» . وقيل «7» : إطباق باب النّار على أهلها.
__________
(1) ينظر تفسير الفخر الرازي: 22/ 225، وتفسير القرطبي: 11/ 345، والبحر المحيط:
6/ 341.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 96 عن مجاهد.
(3) ورد هذا القول في أثر طويل عن ابن عباس رضي الله عنهما، في سياق المناظرة بين أحد رؤوس الشرك في مكة- وهو ابن الزّبعرى- وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أخرجه الطبري في تفسيره: (17/ 96، 97) ، والطبراني في المعجم الكبير:
12/ 153، حديث رقم (12739) ، والحاكم في المستدرك: 2/ 385، كتاب التفسير، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: (353، 354) عن ابن عباس أيضا.
وانظر تفسير ابن كثير: (5/ 374، 375) ، والدر المنثور: 5/ 679. [.....]
(4) من قوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ [آية: 102] .
(5) غريب القرآن لليزيدي: 357، وتفسير الطبري: 17/ 98، واللسان: 6/ 49 (حسس) .
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 99 عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق محمد بن سعد عن أبيه عن عمه، وهو إسناد مسلسل بالضعفاء، تقدم بيان حالهم ص (135) .
ونقل الماوردي في تفسيره: 3/ 62 هذا القول عن الحسن رحمه الله تعالى.
(7) أخرجه الطبري في تفسيره: 17/ 98 عن سعيد بن جبير، وابن جريج.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 63 عن ابن جريج.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 394، وقال: «رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال الضحاك» .
(2/566)

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111)
كَطَيِّ السِّجِلِّ: الصّحيفة «1» : فيكون «الكتاب» «2» مصدرا كالكتابة.
كَما بَدَأْنا: العامل في كَما ... : نُعِيدُهُ، أي: نعيد الخلق كما بدأناه «3» .
وَعْداً: مصدر، والعامل فيه معنى نُعِيدُهُ «4» .
105 وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ: الكتب المزبورة المنزلة على الأنبياء.
والذِّكْرِ: أم الكتاب «5» .
109 آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ: أمر بيّن سويّ «6» ، أو سواء في البلاغ، لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره «7» ، فيدلّ على إبطال مذهب الباطنية «8» لعنهم الله.
111 لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ: أي: إبقاؤكم على ما أنتم عليه كناية عن مدلول غير مذكور.
__________
(1) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 213، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 288، وأخرجه الطبري في تفسيره: 17/ 100 عن ابن عباس، ومجاهد.
ورجح الطبري هذا القول.
(2) بالتوحيد على قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية شعبة.
كما في السبعة لابن مجاهد: 431، 471، والتبصرة لمكي: 264.
وانظر الكشف لمكي: 2/ 114، والبيان لابن الأنباري: 2/ 166، والبحر المحيط:
6/ 343.
(3) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 213، والتبيان للعكبري: 2/ 929.
(4) معاني القرآن للزجاج: 3/ 406، والتبيان للعكبري: 2/ 929، وتفسير القرطبي: 11/ 348.
(5) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 17/ 103 عن مجاهد، وابن زيد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 63 عن مجاهد.
(6) ذكر الماوردي هذا القول في تفسيره: 3/ 64 عن السدي.
(7) نقله الماوردي في تفسيره: 3/ 64 عن علي بن عيسى. وذكره الفخر الرازي في تفسيره:
22/ 233، والقرطبي في تفسيره: 11/ 350.
(8) تفسير النسفي: 3/ 91.
(2/567)

قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)
وعن الرّبيع بن أنس «1» أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به رأى فلانا- وهو بعض بني أميّة على المنبر يخطب النّاس- فشق عليه، فنزل: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ.
112 رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ، بحكمك الحق «2» ، أو افصل بيننا بإظهار الحق «3» وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا شهد حربا قرأها «4» .
__________
(1) أورد الشوكاني هذا الأثر في فتح القدير: 3/ 433، وعزا إخراجه إلى ابن أبي خيثمة، وابن عساكر عن الربيع.
وذكر نحوه القرطبي في تفسيره: 11/ 351 دون عزو.
(2) ذكره الطبري في تفسيره: 17/ 108 فقال: «وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ قل: ربّ احكم بحكمك الحق، ثم حذف «الحكم» الذي «الحق» نعت له، وأقيم «الحق» مقامه ... » . [.....]
(3) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 64، وقال: «هذا معنى قول قتادة» .
(4) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: 345 عن قتادة، وكذا الطبري في تفسيره: 17/ 108، وعزاه ابن كثير في تفسيره: 5/ 383 إلى زيد بن أسلم.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 5/ 689، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة رحمه الله.
(2/568)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)
ومن سورة الحج
«الزّلزلة» «1» : شدّة الحركة على الحال الهائلة «2» ، من: «زلّت قدمه» ثمّ ضوعف لفظه ليتضاعف/ معناه «3» .
3 شَيْطانٍ مَرِيدٍ: أي: «مارد» «4» ، وهو المتجرد للفساد.
4 كُتِبَ عَلَيْهِ: الشّيطان، أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ: اتبعه.
فَأَنَّهُ: فإنّ الشّيطان، يُضِلُّهُ «5» . وفتح «أن» عطفا على الأولى للتوكيد «6» ، أو التقدير: فلأنه يضله.
5 مُخَلَّقَةٍ: مخلوقة تامّة التصوير «7» .
لِنُبَيِّنَ لَكُمْ: بدء خلقكم وترتيب إنشائكم «8» .
__________
(1) من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [آية: 1] .
(2) ينظر تهذيب اللغة: 13/ 165، والكشاف: 3/ 3، وتفسير البغوي: 3/ 273.
(3) المفردات للراغب: 214، وتفسير القرطبي: 12/ 3، واللسان: 11/ 308 (زلل) .
(4) معاني القرآن للزجاج: 3/ 410.
(5) معاني القرآن للفراء: 2/ 215، وتفسير الطبري: 17/ 116، وتفسير البغوي:
3/ 275.
(6) عن معاني القرآن للزجاج: 3/ 411.
وانظر إعراب القرآن للنحاس: 3/ 86، ومشكل إعراب القرآن: 2/ 486، والبيان لابن الأنباري: 2/ 168.
(7) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 290، وتفسير الطبري: 17/ 117، وتفسير الماوردي:
3/ 67.
(8) ينظر هذا المعنى في تفسير الطبري: 17/ 118، وتفسير الماوردي: 3/ 67.
(2/569)

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10)
هامِدَةً: غبراء يابسة «1» ، همدت النّار «2» ، وهمد الثّوب: بلي «3» .
اهْتَزَّتْ: استبشرت وتحركت ببنائها، والاهتزاز شدّة الحركة في الجهات «4» ، وَرَبَتْ: انتفخت فطالت «5» .
مِنْ كُلِّ زَوْجٍ: نوع أو لون، بَهِيجٍ: يبهج من رآه «6» .
6 هُوَ الْحَقُّ: المستحق لصفات التعظيم.
9 ثانِيَ عِطْفِهِ: لاوى عنقه تكبّرا «7» .
10 ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ: ذلِكَ مبتدأ، والخبر بِما قَدَّمَتْ، وموضع «أنّ» خفض على العطف على «ما» «8» .
لَيْسَ بِظَلَّامٍ: على بناء المبالغة، وهو لا يظلم مثقال ذرة، إذ أقلّ قليل الظّلم- مع علمه بقبحه واستغنائه- كأكثر الكثير منّا.
وسبب النزول أنهم لم يعرفوا وجوه الثواب وأقدار الأعواض في الآخرة، ولا ما في الدنيا من ائتلاف المصالح باختلاف الأحوال فعدّوا شدائد الدنيا ظلما.
__________
(1) عن تفسير الماوردي: 3/ 68.
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 290، والمفردات للراغب: 545.
(2) أي: طفئت.
المفردات: 545، واللسان: 3/ 436 (همد) .
(3) اللسان: 3/ 437 (همد) .
(4) عن المبرد في تفسير القرطبي: 12/ 13، وانظر اللسان: 5/ 424 (هزز) . [.....]
(5) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 68، وقال: «فعلى هذا الوجه يكون مقدما ومؤخرا، وتقديره: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، وهذا قول الحسن، وأبي عبيدة» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 290، وتفسير القرطبي: 12/ 13، واللسان:
14/ 305 (ربا) .
(6) ينظر هذا المعنى في تفسير القرطبي: 12/ 14.
(7) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 45، وغريب القرآن لليزيدي: 259، وتفسير الطبري: 17/ 121.
(8) معاني القرآن للزجاج: 3/ 414، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 88.
(2/570)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)
11 عَلى حَرْفٍ: ضعف رأي في العبادة مثل ضعف القائم على حرف «1» ، وباقي الآية أحسن تفسير للعبادة على حرف.
13 يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ: تقديره: تأخير «يدعو» ليصحّ موضع اللام «2» ، أي: لمن ضرّه أقرب من نفعه يدعو، أو يَدْعُوا موصول بقوله: هو الضّلال البعيد يدعوه، ولَمَنْ ضَرُّهُ مبتدأ وخبره «3» لَبِئْسَ الْمَوْلى.
15 أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ: أي: محمدا «4» ، فليتسبب أن يقطع عنه النّصر من السماء.
وقيل «5» : المعنى المعونة بالرزق، أي: من يسخط ما أعطى وظنّ أنّ الله لا يرزقه فليمدد بحبل في سماء بيته من حلقه ثم ليقطع الحبل حتى يموت مختنقا.
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 69 عن علي بن عيسى.
وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 411، وقال: «وبيان هذا أن القائم على حرف الشيء غير متمكن منه» .
(2) قال العكبري في التبيان: 2/ 934: «هذا موضع اختلف فيه آراء النحاة، وسبب ذلك أن اللام تعلّق الفعل الذي قبلها عن العمل إذا كان من أفعال القلوب، و «يدعو» ليس منها ... » اه، وأورد وجوه الإعراب التي قيلت في هذه الآية.
(3) عن معاني القرآن للزجاج: (3/ 415، 416) .
وانظر مشكل إعراب القرآن لمكي: 2/ 488، والبيان لابن الأنباري: 2/ 170، والتبيان:
2/ 935.
(4) ومعنى هذا القول كما في تفسير الطبري: 17/ 125 أن من كان يحسب أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إليّ، وهو «السبب» إلى سماء بيته، وهو سقفه ثم ليقطع الحبل ... » .
وقد أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (17/ 125- 127) عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 137 عن مجاهد، وهو معنى قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 46.
وانظر تفسير الماوردي: 3/ 70، وتفسير البغوي: 3/ 278، وتفسير الفخر الرازي:
23/ 18.
(2/571)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)
17 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا: خبره إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ.
19 هذانِ خَصْمانِ: أهل القرآن وأهل الكتاب «1» .
وقيل «2» : الفريقان من المؤمنين والكافرين يوم بدر.
[64/ ب] قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ: أي: يحيط بهم/ النّار إحاطة الثياب «3» .
20 يُصْهَرُ: يذاب.
22 كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا: النّار ترميهم إلى أعلاها حتى يكادوا يخرجوا فتقمعهم الزّبانية إلى قعرها.
25 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ: عطف المستقبل على الماضي لأنّه على تقدير: وهم يصدّون، أي: من شأنهم الصد «4» كقوله «5» : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ.
سَواءً «6» الْعاكِفُ فِيهِ: سَواءً رفع بالابتداء. والْعاكِفُ
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 132 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ونقله الواحدي في أسباب النزول: 357 عن ابن عباس، وقتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 20، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.
(2) ثبت هذا القول في أثر عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أخرجه الإمام البخاري في صحيحه:
5/ 242، كتاب التفسير، باب قوله: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ.
وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه: 4/ 2323، كتاب التفسير، باب في قوله تعالى:
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ.
وانظر تفسير الطبري: (17/ 131، 132) ، وأسباب النزول للواحدي: 356، وتفسير ابن كثير: 5/ 401.
(3) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 72، والبغوي في تفسيره: 3/ 280.
(4) ينظر معاني القرآن للفراء: (2/ 220، 221) ، ومعاني القرآن للزجاج: 3/ 420، وإعراب القرآن للنحاس: (3/ 92، 93) ، والتبيان للعكبري: 2/ 938.
(5) سورة الرعد: آية: 28. [.....]
(6) بالرفع والتنوين، وهي قراءة السبعة إلا عاصما في رواية حفص، فإنه قرأ «سواء» بالنصب والتنوين.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 435، وحجة القراءات: 475، والتبصرة لمكي: 266.
(2/572)

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)
خبره وصلح مع تنكيره للابتداء لأنّه كالجنس في إفادة العموم الذي هو أخو العهد فكان في معنى المعرفة «1» .
والْعاكِفُ: المقيم «2» ، ووَ الْبادِ «3» : الطارئ، ولهذه الآية لم نجوّز بيع دور مكة «4» .
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ: أي: من يرد فيه صدا، بِإِلْحادٍ: ميل عن الحق «5» ، ثم فسّر الإلحاد بظلم إذ يكون إلحاد وميل بغير ظلم.
وقال الزّجّاج «6» : المعنى من إرادته فيه بأن يلحد بظلم.
26 وَإِذْ بَوَّأْنا: قرّرنا وبيّنا «7» .
__________
(1) هذا قول الزجاج في معانيه: 3/ 420.
وذكره النحاس في إعراب القرآن: 3/ 93، وذكر وجهين آخرين هما: «أن ترفع «سواء» على خبر «العاكف» ، وتنوي به التأخير، أي: العاكف فيه والبادي سواء، والوجه الثالث:
أن تكون الهاء التي في «جعلناه» مفعولا أول و «سواء العاكف فيه والبادي في موضع المفعول الثاني ... » .
وقال أبو حيان في البحر المحيط: (6/ 362، 363) : «والأحسن أن يكون «العاكف والبادي» هو المبتدأ، و «سواء» الخبر، وقد أجيز العكس.
(2) معاني القرآن للفراء: 2/ 221، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 48، وغريب القرآن لليزيدي: 260، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 291.
(3) البادي- بالياء- قراءة ابن كثير وقفا ووصلا، وقرأ بها أبو عمرو ونافع في رواية ورش في حالة الوصل فقط.
السبعة لابن مجاهد: 436، والتبصرة لمكي: 268، والتيسير للداني: 158.
(4) مذهب الإمام أبي حنيفة في ذلك الكراهة، وذهب الإمام مالك إلى أن دور مكة لا تباع ولا تكرى، ومذهب الشافعية والجمهور على جواز ذلك.
ينظر أحكام القرآن للجصاص: (3/ 229، 230) ، وأحكام القرآن للكيا الهراس:
4/ 236، وأحكام القرآن لابن العربي: 3/ 1274، وتفسير القرطبي: (12/ 32، 33) .
(5) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 291، وتفسير الماوردي: 3/ 74.
(6) معاني القرآن: 3/ 421.
(7) اللسان: 1/ 38 (بوأ) .
.
(2/573)

وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)
قال السّدي «1» : كان ذلك بريح هفافة كنست مكان البيت يقال له:
الخجوج.
وقيل «2» : بسحابة بيضاء أظلّت على مقدار البيت.
27 وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ: قام إبراهيم في المقام فنادى: يا أيها النّاس إنّ الله دعاكم إلى الحج. فأجابوا ب «لبّيك اللهم لبيك» «3» .
رِجالًا: جمع «راجل» .
يَأْتِينَ: على معنى الركاب، أو كُلِّ ضامِرٍ: تضمّن معنى الجماعة.
و «الفجّ» : الطريق بين الجبلين «4» ، و «العميق» : البعيد الغائر «5» .
28 أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ: أيام العشر. عن ابن عبّاس «6» ، والنّحر ويومان
__________
(1) أخرجه الطبري في تفسيره: 17/ 143.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 31، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن السدي.
(2) نقله الماوردي في تفسيره: 3/ 74 عن قطرب، والبغوي في تفسيره: 3/ 283 عن الكلبي.
(3) أخرج- نحوه- ابن أبي شيبة في المصنف: 11/ 521، كتاب الفضائل حديث رقم (11875) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذا الطبري في تفسيره: (17/ 144، 145) عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير.
وأخرجه الحاكم في المستدرك: (2/ 388، 389) ، كتاب التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 5/ 176، كتاب الحج، باب «دخول مكة بغير إرادة حج ولا عمرة» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 32، وزاد نسبته إلى ابن منيع، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) المفردات للراغب: 373، واللسان: 2/ 338 (فجج) .
(5) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 49، وغريب القرآن لليزيدي: 261، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 292، والمفردات للراغب: 348.
(6) نقله الماوردي في تفسيره: 3/ 76 عن ابن عباس رضي الله عنهما، وزاد نسبته إلى الحسن رحمه الله تعالى.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 37، وعزا إخراجه إلى أبي بكر المروزي في كتاب «العيدين» عن ابن عباس رضي الله عنهما. [.....]
(2/574)

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)
بعده عن ابن عمر «1» .
29 ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ: حاجتهم من مناسك الحجّ «2» من الوقوف، والطواف، والسّعي، والرّمي، والحلق بعد الإحرام من الميقات.
وقيل «3» : هو تقشّف الإحرام لأن «التفث» الوسخ «4» ، وقضاؤه:
التنظف بعده من الأخذ عن الأشعار وتقليم الأظفار «5» .
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ: من الطّوفان «6» .
__________
(1) أورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 38 وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنهما. وأورد الحافظ ابن كثير رواية ابن أبي حاتم عن ابن عمر وصحح إسناده.
ينظر تفسيره: 5/ 412.
(2) ذكر المؤلف- رحمه الله- هذا القول في كتابه وضح البرهان: 2/ 86 عن مجاهد، وأخرج نحوه الطبري في تفسيره: (17/ 149، 150) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
(3) في النهاية: 4/ 66: «القشف: يبس العيش. وقد قشف يقشف ورجل متقشّف، أي: تارك للنظافة والترفّد» .
وانظر اللسان: 9/ 282 (قشف) .
(4) الكشاف: 3/ 11، وزاد المسير: 5/ 427.
وفي تفسير القرطبي: 12/ 50 عن قطرب قال: «تفث الرجل إذا كثر وسخه» .
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: 17/ 149 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 77 عن الحسن.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 40، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما. ورجح ابن الجوزي هذا القول في زاد المسير: 5/ 427.
وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 224، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 50، وغريب القرآن لليزيدي: 261.
(6) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 424 بصيغة التمريض فقال: «وقيل: إن البيت العتيق الذي عتق من الغرق أيام الطوفان، ودليل هذا القول: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ، فهذا دليل أن البيت رفع وبقي مكانه» .
وأورد السيوطي في الدر المنثور: 6/ 41 القول الذي ذكره المؤلف، وعزا إخراجه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.
ونقله ابن كثير في تفسيره: 5/ 414 عن عكرمة.
(2/575)

ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)
أو من استيلاء الجبابرة «1» .
أو «العتيق» : القديم «2» ، وهو أول بيت وضع للنّاس «3» ، بناه آدم ثم [65/ أ] جدّده إبراهيم عليهما السّلام «4» . / وهذا طواف الزيارة الواجب «5» .
30 إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ: أي: من الصّيد «6» .
__________
(1) يدل على هذا القول ما أخرجه الإمام البخاري في تاريخه: 1/ 201 عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمى الله البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة» .
وأخرج- نحوه- الترمذي في سننه: 5/ 324، كتاب تفسير القرآن، باب «ومن سورة الحج» عن عبد الله بن الزبير، وقال: «هذا حديث حسن صحيح وقد روي هذا الحديث عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا» .
وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 389، كتاب التفسير، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» .
وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة: 1/ 125، والطبري في تفسيره: 17/ 151.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 41، وزاد نسبته إلى ابن مردويه، والطبراني عن ابن الزبير أيضا.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 17/ 151 عن ابن زيد، وعزاه الزجاج في معاني القرآن: 3/ 424 إلى الحسن. ورجحه الطبري، وكذا القرطبي في تفسيره: 12/ 52.
وانظر أخبار مكة للأزرقي: 1/ 280، والعقد الثمين: 1/ 35، وشفاء الغرام: 1/ 48.
(3) قال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ [آل عمران:
96] .
(4) ينظر تفسير القرطبي: 2/ 120، وتفسير ابن كثير: 1/ 259، والدر المنثور: 1/ 308.
(5) وهو طواف الإفاضة.
قال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 17/ 152: «عني بالطواف الذي أمر جل ثناؤه حاجّ بيته العتيق به في هذه الآية طواف الإفاضة الذي يطاف به بعد التعريف، إما يوم النحر، وإما بعده، لا خلاف بين أهل التأويل في ذلك» .
وانظر أحكام القرآن لابن العربي: 3/ 1284، وزاد المسير: 5/ 427، وتفسير القرطبي:
12/ 50.
(6) لعله يريد: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ.
وقد ذكر هذا القول الماوردي في تفسيره: 3/ 78، وابن الجوزي في زاد المسير:
5/ 428، والقرطبي في تفسيره: 12/ 54.
وجمهور المفسرين على أن المراد: «إلا ما يتلى عليكم من: المنخنقة والموقودة والمتردية ... » .
ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 224، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 292، وتفسير الطبري: 17/ 153، ومعاني الزجاج: 3/ 424، وتفسير الماوردي: 3/ 78، وزاد المسير:
5/ 428، وتفسير القرطبي: 12/ 54.
(2/576)

حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34)
مِنَ الْأَوْثانِ: «من» لتلخيص الجنس، أي: اجتنبوا الرجس الذي هو وثن «1» .
31 حُنَفاءَ لِلَّهِ: مستقيمي الطريقة على أمر الله «2» .
32 وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ: مناسك الحج «3» ، أو يعظّم البدن المشعرة ويسمّنها ويكبّرها «4» .
33 إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى: إلى أن تقلد أو تنحر «5» .
34 جَعَلْنا مَنْسَكاً: حجا «6» . وقيل «7» : عيدا وذبائح.
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ: المطمئنين بذكر الله.
__________
(1) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 3/ 425، وذكره النحاس في إعراب القرآن:
3/ 96، ونقله ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 428 عن الزجاج.
(2) تفسير الماوردي: 3/ 78، والمفردات للراغب: 133، وتفسير القرطبي: 12/ 55. [.....]
(3) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 17/ 156 عن ابن زيد.
وانظر تفسير الماوردي: 3/ 79، والمفردات للراغب: 262، وزاد المسير: 5/ 430.
(4) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 17/ 156 عن ابن عباس، ومجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 56، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(5) ينظر تفسير الطبري: 17/ 158، وتفسير الماوردي: 3/ 79، وتفسير البغوي: 3/ 287.
(6) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 3/ 80 عن قتادة، وكذا القرطبي في تفسيره:
12/ 58.
(7) ذكره الزجاج في معانيه: 3/ 426، والماوردي في تفسيره: 3/ 80، ورجحه القرطبي في تفسيره: 12/ 58.
(2/577)

الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)
35 الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ: الوجل يكون عند خوف الزّيغ والتقصير في حقوقه، والطمأنينة عن ثلج اليقين وشرح الصّدور بمعرفته، فهما حالان، فلهذا جمع بينهما مع تضادّهما.
36 وَالْبُدْنَ: الإبل المبدّنة بالسّمن، بدّنت النّاقة: سمّنتها «1» .
مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ: معالم دينه «2» .
صَوافَّ: مصطفة معقولة «3» ، وصوافي «4» : خالصة لله.
وصوافن «5» : معقّلة في قيامها بأزمّتها.
وَجَبَتْ: سقطت لنحرها «6» .
وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ: الْقانِعَ الذي ينتظر الهدية، وَالْمُعْتَرَّ من يأتيك سائلا «7» ،.....
__________
(1) ينظر الصحاح: 5/ 2077، واللسان: 13/ 48 (بدن) .
(2) تفسير القرطبي: 12/ 56، واللسان: 4/ 414 (شعر) .
(3) ورد هذا المعنى على قراءة الجمهور كما في معاني القرآن للفراء: 2/ 226، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 50.
(4) بكسر الفاء وبعدها ياء، ونسبت هذه القراءة إلى الحسن، وأبي موسى الأشعري، ومجاهد، وزيد بن أسلم، والأعرج، وسليمان التيمي، وهي من شواذ القراءات.
ينظر تفسير الطبري: 17/ 165، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 99، والمحتسب: 2/ 81، والبحر المحيط: 6/ 369.
(5) نسبت هذه القراءة إلى ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وعطاء، والضحاك.
ينظر تفسير الطبري: 17/ 162، والمحتسب: 2/ 81، والبحر المحيط: 6/ 369، وإتحاف فضلاء البشر: 2/ 275.
(6) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 51، وغريب القرآن لليزيدي: 262، وتفسير الطبري:
17/ 166، والمفردات للراغب: 512.
(7) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 51، وأخرجه الطبري في تفسيره: (17/ 167، 168) عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 82 عن قتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 54، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(2/578)

لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)
وقيل «1» على العكس.
وفي الحديث «2» : «لا تجوز شهادة القانع مع أهل البيت لهم» ، وهو كالتابع والخادم.
37 لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها: لن يتقبل الله اللّحم والدماء ولكن يتقبّل التقوى.
39 أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ: أول آية في القتال «3» .
__________
(1) أي أن القانع هو الذي يسأل، والمعتر الذي لا يتعرض للناس.
وهو قول الفراء في معانيه: 2/ 226، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 293.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 17/ 168 عن الحسن، وسعيد بن جبير.
ورجح الطبري هذا القول.
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 2/ 204 عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، وصحح الشيخ أحمد شاكر رحمه الله إسناده في شرح المسند: 11/ 122.
وأخرجه الترمذي في سننه: 4/ 545، كتاب الشهادات، باب «ما جاء فيمن لا تجوز شهادته» .
وأخرج- نحوه- أبو داود في سننه: 4/ 24، كتاب الأقضية، باب «من ترد شهادته» .
وفي معالم السنن للخطابي: «ومعنى رد هذه الشهادة: التهمة في جر النفع إلى نفسه، لأن التابع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم من نفع، وكل من جر إلى نفسه بشهادته نفعا فهي مردودة ... » .
وانظر النهاية لابن الأثير: 4/ 114. [.....]
(3) ثبت ذلك في أثر أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 1/ 216 عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصحح الشيخ أحمد شاكر إسناده في شرح المسند: 3/ 261.
وأخرجه- أيضا- عبد الرزاق في تفسيره: 325، والنسائي في تفسيره: 6/ 2، كتاب الجهاد، باب «وجوب الجهاد» ، والطبري في تفسيره: 17/ 172، والحاكم في المستدرك:
2/ 390، كتاب التفسير، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 9/ 11، كتاب السير، باب «مبتدأ الإذن بالقتال» .
وانظر أسباب النزول للواحدي: 357، وتفسير ابن كثير: 6/ 430، والدر المنثور:
6/ 57.
(2/579)

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)
40 وَبِيَعٌ: كنائس النّصارى «1» ، وَصَلَواتٌ: كنائس اليهود «2» ، وكانت «صلوتا» : فعرّبت «3» . والمراد من ذلك في أيام شريعتهم.
وقيل «4» : وَصَلَواتٌ مواضع صلوات المسلمين.
45 وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ: أي: أهلكنا البادية والحاضرة، فخلت القصور من أربابها والآبار من واردها «5» .
والمشيد: المبنيّ بالشّيد «6» .
46 وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ: لبيان أنّ محلّ العلم القلب، ولئلا يقال إنّ القلب يعنى به غير هذا العضو على قولهم: القلب لبّ كل شيء.
والهاء في فَإِنَّها للعماية، وهو الإضمار على شريطة التفسير «7» .
51 مُعاجِزِينَ: طالبين للعجز كقوله: غالبته «8» ، أو مسابقين «9» كأن المعاجز يجعل صاحبه في ناحية العجز منه كالمسابق.
__________
(1) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 227، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 293، وأخرجه الطبري في تفسيره: 17/ 176 عن قتادة.
(2) معاني القرآن للفراء: 2/ 227، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 293، وتفسير الطبري:
17/ 176، ومعاني الزجاج: 3/ 430.
(3) ينظر المعرّب للجواليقي: 259، والمهذّب للسيوطي: 107.
(4) أخرج نحوه الطبري في تفسيره: 17/ 177 عن ابن زيد.
(5) تفسير الطبري: 17/ 180.
(6) وهو الجصّ كما في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 53، وغريب القرآن لليزيدي: 262، ومعاني الزجاج: 3/ 432، واللسان: 3/ 244 (شيد) .
(7) تفسير القرطبي: 12/ 77، والبحر المحيط: 6/ 378.
(8) ذكره البغوي في تفسيره: 3/ 292، وابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 302.
(9) هذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 294، ونقله القرطبي في تفسيره: 12/ 79 عن الأخفش.
وذكر الزمخشري في الكشاف: 3/ 18، وقال: «وعاجزه: سابقه، لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل: أعجزه وعجزه» .
(2/580)

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)
52 وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ: الرسول الشّارع، والنّبيّ:
الحافظ شريعة/ غيره «1» ، والرسول يعمّ البشر والملك «2» .
إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ: كلّ نبيّ يتمنى إيمان قومه فيلقي الشّيطان في أمنيته بما يوسوس إلى قومه ثم يحكم الله آياته «3» ، أو يوسوس إلى النبي بالخطرات المزعجة عند تباطئ القوم عن الإيمان، أو تأخر نصر الله.
وإن حملت الأمنية على التلاوة فيكون الشّيطان الملقي فيها من شياطين الإنس، فإنّه كان من المشركين من يلغوا في القرآن «4» ، فينسخ الله ذلك فيبطله ويحكم آياته.
وما يروى في سبب النزول أنّه- عليه السّلام- وصل وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «5» ب «تلك الغرانقة الأولى «6» ، وإنّ شفاعتهن لترتجى» . إن
__________
(1) ذكر الماوردي نحو هذا القول في تفسيره: 3/ 87 عن الجاحظ.
وأورد الفخر الرازي- رحمه الله- عدة فروق بين الرسول والنبي، فقال:
«أحدها: أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى كتاب من قبله.
والثاني: أن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قبله فهو الرسول، ومن لم يكن مستجمعا لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول.
والثالث: أن من جاءه الملك ظاهرا وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول، ومن لم يكن كذلك بل رأى في النوم كونه رسولا، أو أخبره أحد من الرسل بأنه رسول الله فهو النبي الذي لا يكون رسولا. وهذا هو الأولى» اه.
ينظر تفسيره: 23/ 50.
(2) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 86 دون عزو.
(3) ذكر المؤلف- رحمه الله- هذا القول في كتابه وضح البرهان: 2/ 91، وعزاه إلى جعفر بن محمد.
(4) واستدل قائلو هذا القول بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26] . [.....]
(5) سورة النجم: آية: 20.
(6) في «ك» : «تلك الغرانيق العلى» .
وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 307: «واختلفت الروايات في الألفاظ ففي بعضها: «تلك الغرانقة» ، وفي بعضها: «تلك الغرانيق» ، وفي بعضها: «وإن شفاعتهم» ، وفي بعضها: «فإن شفاعتهن ... » .
(2/581)

وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68)
ثبت «1» لم يكن ثناء على أصنامهم إذ مخرج الكلام على زعمهم، كقولهم «2» : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، أي: نزل عليه الذكر على زعمه وعند من آمن به، ولو كان عند القائل لما كان عنده مجنونا.
55 يَوْمٍ عَقِيمٍ: شديد لا رحمة فيه «3» ، أو فرد لا يوم مثله «4» .
68 وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ: أي: جادلوك مراء وتعنتا كما يفعله السّفهاء فلا تجادلهم وادفعهم بهذا القول، وينبغي أن يتأدّب بهذا كلّ أحد.
__________
(1) لكنه لم يثبت، وقد رد الأئمة العلماء هذه الرواية من أساسها، وأوردوا الأدلة على بطلانها نقلا وعقلا.
قال القاضي عياض رحمه الله في الشفا: 2/ 750: «يكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به ويمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم» اه.
ثم أورد القاضي عياض طرق الحديث وكشف ضعفها وبطلانها، ثم قال: «أما من جهة المعنى فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله، وهو كفر، أو أن يتسور عليه الشيطان، ويشبّه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام، وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم، أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا، وذلك كفر، أو سهوا، وهو معصوم من هذا كله ... » .
وأشار الحافظ ابن كثير في تفسيره: 5/ 438 إلى الروايات التي وردت في سياق هذه القصة ثم قال: «ولم أرها مسندة من وجه صحيح» .
وممن رد هذه الرواية ابن العربي في أحكام القرآن: (3/ 1300- 1303) ، وابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 305، والفخر الرازي في تفسيره: 23/ 51، والقرطبي في تفسيره:
12/ 80.
(2) سورة الحجر: آية: 6.
(3) نقل- نحوه- الماوردي في تفسيره: 3/ 88 عن الحسن رحمه الله تعالى.
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 88، والبغوي في تفسيره: 3/ 295.
(2/582)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)
73 وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ: بإفساده لطعامهم وثمارهم «1» .
76 ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: أول أعمالهم، وَما خَلْفَهُمْ: آخرها «2» .
78 مِلَّةَ أَبِيكُمْ: أي: حرمة إبراهيم- عليه السلام- على المسلمين كحرمة الوالد على الولد، وإلّا فليس يرجع جميعهم إلى ولادة إبراهيم.
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ: بالطاعة والمعصية في تبليغه.
وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ: بأعمالهم فيما بلّغتموهم من كتاب ربّهم وسنّة نبيهم.
__________
(1) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 3/ 89.
وذكره القرطبي في تفسيره: 12/ 97، وقال: «وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه ولاستقذاره وكثرته» .
(2) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: (3/ 89، 90) عن الحسن رحمه الله، وكذا البغوي في تفسيره: 3/ 299.
(2/583)

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)
ومن سورة المؤمنين
1 قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ: فازوا بما طلبوا ونجوا عما هربوا «1» .
2 خاشِعُونَ: خائفون بالقلب، ساكنون بالجوارح. والخشوع في الصلاة بجمع الهمّة لها، والإعراض عمّا سواها، ومن الخشوع أن لا يجاوز بنظره موضع سجوده.
و «اللّغو» «2» : كلّ سلام ساقط حقّه أن يلغى «3» ، يقال: لغيت ألغى [66/ أ] ولغوت/ ألغو «4» .
4 لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ: لما كانت الزكاة توجب زكاء المال كان لفظ الفعل أليق به من لفظ الأداء والإخراج.
10 أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ: قال عليه السلام «5» : «ما منكم إلّا وله
__________
(1) ذكر المؤلف هذا القول في كتابه وضح البرهان: 2/ 95 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ونقل الماوردي في تفسيره: 3/ 92 عن ابن عباس قال: «المفلحون الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا» .
(2) من قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [آية: 3] .
(3) معاني القرآن للزجاج: 4/ 6، ومعاني النحاس: (4/ 442، 443) ، وزاد المسير:
5/ 460، والبحر المحيط: 6/ 395.
(4) اللسان: 15/ 250 (لغا) .
(5) أخرج نحوه ابن ماجة في سننه: 2/ 1453، كتاب الزهد، باب «صفة الجنة» عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا.
وصحيح البوصيري إسناده في مصباح الزجاجة: 2/ 361، وأخرجه الطبري في تفسيره:
18/ 6.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 90، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في كتاب «البعث» عن أبي هريرة مرفوعا.
(2/584)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)
منزلان فإن مات على الضّلال ورث منزله في الجنة أهل الجنّة، وإن مات على الإيمان ورث منزله في النّار أهل النّار» .
12 مِنْ سُلالَةٍ: سلّ كلّ إنسان من ظهر أبيه «1» .
مِنْ طِينٍ: من آدم «2» عليه السلام.
وجمعت العظام مع إفراد أخواتها لاختلافها «3» بين صغير وكبير، ومدوّر وطويل، وصلب وغضروف.
14 ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ: بنفخ الروح فيه «4» ، أو بنبات الشّعر والأسنان «5» ، أو بإعطاء العقل والفهم «6» .
وقيل «7» : حين استوى شبابه.
__________
(1) والسّلّ: انتزاع الشيء وإخراجه في رفق. والسليل: الولد، سمي سليلا لأنه خلق من السلالة.
اللسان: (11/ 338، 339) (سلل) . [.....]
(2) رجحه الطبري في تفسيره: 18/ 8، والنحاس في معانيه: 4/ 447، وقال: «وهو أصح ما قيل فيه، ولقد خلقنا ابن آدم من سلالة آدم، وآدم هو الطين لأنه خلق منه» .
وانظر زاد المسير: 5/ 462، وتفسير القرطبي: 12/ 109.
(3) في قوله تعالى: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ... [آية: 14] .
(4) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 296، وأخرجه الطبري في تفسيره: (18/ 9، 10) عن ابن عباس، وعكرمة، والشعبي، ومجاهد، وأبي العالية، والضحاك، وابن زيد. ورجح الطبري هذا القول، وكذا النحاس في معانيه: 4/ 449.
(5) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 4/ 9، والنحاس في معانيه: 4/ 449، وابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 463، والقرطبي في تفسيره: 12/ 110 عن الضحاك.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 92، وعزا إخراجه إلى عبد بن حميد عن الضحاك.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 95، والبغوي في تفسيره: 3/ 304 عن قتادة.
(6) نص هذا القول في زاد المسير: 5/ 463 عن الثعلبي.
وذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 95 دون عزو.
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 18/ 10 عن مجاهد.
وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 463، والقرطبي في تفسيره: 12/ 110 إلى ابن عمر، ومجاهد.
(2/585)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20)
وقيل «1» : بل ذلك الإنشاء في السّنة الرابعة لأنّ المولود في سني التربية يعدّ في حيّز النقصان، والشّيء قبل التمام في حدّ العدم.
17 سَبْعَ طَرائِقَ: سبع سموات لأنها طرائق الملائكة»
، أو لأنها طباق بعضها على بعض. أطرقت النّعل: خصفتها «3» ، وأطبقت بعضها على بعض.
20 سَيْناءَ: فيعال «4» من السّناء، ك «ديّار» ، و «قيّام» . وسيناء «5»
__________
(1) تفسير البغوي: 3/ 304، وزاد المسير: 5/ 463.
وعقّب ابن عطية رحمه الله على هذه الأقوال بقوله: «وهذا التخصيص كله لا وجه له، وإنما هو عام في هذا وغيره من وجوه النطق والإدراك وحسن المحاولة هو بها آخر، وأول رتبة من كونه آخر هو نفخ الروح فيه، والطرف الآخر من كونه آخر تحصيله المعقولات إلى أن يموت» اه.
وانظر تفسير القرطبي: 12/ 110.
(2) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 95، وقال: «قاله ابن عيسى» .
وانظر هذا القول في تفسير البغوي: 3/ 305، وتفسير القرطبي: 12/ 111، والبحر المحيط: 6/ 400.
(3) ينظر الصحاح: 4/ 1516، واللسان: 10/ 219 (طرق) .
(4) على قراءة عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بفتح السين.
السبعة لابن مجاهد: 445، وحجة القراءات: 484، والتبصرة لمكي: 269.
و «السّناء» : المجد والشرف.
ينظر اللسان: 14/ 403.
(5) على قراءة الكسر وهي لابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، كما في السبعة: 444، والتيسير للداني: 159.
ولم أقف على من ذكر أن «سيناء» على وزن «فيعال» .
قال الزجاج في معانيه: 4/ 10: «يقرأ: مِنْ طُورِ سَيْناءَ بفتح السين، وبكسر السين، ... فمن قال «سينا» فهو على وصف صحراء، لا ينصرف، ومن قال «سيناء» - بكسر السين- فليس في الكلام على وزن «فعلاء» على أن الألف للتأنيث، لأنه ليس في الكلام ما فيه ألف التأنيث على وزن «فعلاء» ، وفي الكلام نحو «علباء» منصرف، إلّا أن «سيناء» هاهنا اسم للبقعة فلا ينصرف» .
وانظر الكشف لمكي: (2/ 126، 127) .
(2/586)

فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36)
فيعال. ك «ديماس» «1» و «قيراط» .
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ: تنبت ما تنبت والدهن فيها «2» .
وذكر ابن درستويه «3» : أن الدّهن: المطر اللين «4» . ومن فتح التاء «5» فمعناه: تنبت وفيها دهن، تقول: جاء زيد بالسّيف، أي: سيفه معه «6» .
24 يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ: يكون أفضل منكم.
27 واصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا: أي: تصنعه وأنت واثق بحفظ الله له ورؤيته إياه فلا تخاف.
36 هَيْهاتَ: بعد الأمر جدا حتى امتنع. وبني لأنّها بمنزلة الأصوات غير مشتقة من فعل «7» .
__________
(1) الديماس: الكن والحمام.
الصحاح: 3/ 930 (دمس) ، والنهاية لابن الأثير: 2/ 133.
(2) هذا المعنى على قراءة «تنبت» بضم التاء وهي لابن كثير، وأبي عمرو.
ينظر توجيه هذه القراءة في الكشف لمكي: 2/ 127.
(3) ابن درستويه: (258- 347 هـ) .
هو عبد الله بن جعفر بن محمد بن درستويه، من أئمة اللغة في بغداد في عصره.
صنف تصحيح الفصيح، والإرشاد في النحو، وأخبار النحويين، ونقض كتاب العين ...
وغير ذلك.
وضبط ابن ماكولا في الإكمال: 3/ 322 درستويه بفتح الدال والراء. وفي الأنساب للسمعاني: 5/ 299 بضم الدال المهملة والراء وسكون السين المهملة وضم التاء.
وانظر ترجمته في تاريخ بغداد: 9/ 428، وإنباه الرواة: 2/ 113، وسير أعلام النبلاء:
15/ 531. [.....]
(4) ينظر قوله المذكور هنا في تفسير الماوردي: 3/ 96، وتفسير القرطبي: 12/ 116.
(5) قراءة عاصم، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 445، وحجة القراءات: 484، والتبصرة لمكي: 269.
(6) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 4/ 10، وانظر معاني القرآن للنحاس:
4/ 453، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 2/ 499، والكشاف: 3/ 29.
(7) قال النحاس في إعراب القرآن: 3/ 114: «وبنيت على الفتح وموضعها رفع لأن المعنى البعد لأنها لم يشتق منها فعل فهي بمنزلة الحروف فاختير لها الفتح لأن فيها هاء التأنيث، فهي بمنزلة اسم ضمّ إلى اسم، ك «خمسة عشر» ... » .
وانظر المحرر الوجيز: 10/ 354، والبيان لابن الأنباري: 2/ 184.
(2/587)

قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)
40 عَمَّا قَلِيلٍ: «ما» في مثله لتقريب المدى «1» ، أو تقليل الفعل، كقوله بسبب ما، أي: بسبب وإن قلّ.
41 فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً: هلكى، كما يحتمله الماء من الزبد والورق البالي «2» .
فَبُعْداً: هلاكا، على طريق الدعاء عليهم، أو بعدا لهم من رحمة الله، فيكون بمعنى اللّعنة «3» .
44 تَتْرا: متواترا. وأصله: وتر، من وتر القوس لاتصاله «4» .
آيَةً: حجة على اختراع الأجسام من غير شيء، كاختراع عيسى من [66/ ب] غير أب وحمل أمه/ إياه من غير فحل «5» .
إِلى رَبْوَةٍ: الرّملة من فلسطين «6» .
__________
(1) البحر المحيط: 6/ 405.
(2) ينظر هذا المعنى في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 297، وتفسير الطبري: 18/ 22، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 13، ومعاني النحاس: 4/ 458.
(3) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 97، والقرطبي في تفسيره: 12/ 134.
(4) عن تفسير الماوردي: 3/ 97، وانظر اللسان: 5/ 278 (وتر) .
(5) ذكر نحوه الطبري في تفسيره: 18/ 25، وانظر معاني الزجاج: 4/ 14، وتفسير الماوردي: 3/ 98.
(6) أخرج عبد الرزاق هذا القول في تفسيره: 357 عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وكذا أخرجه الطبري في تفسيره: 18/ 26.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 101 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبي نعيم، وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه.
واستبعد الطبري هذا القول، فقال: «لأن الرملة لا ماء بها معين، والله تعالى ذكره وصف هذه الربوة بأنها ذات قرار ومعين» .
وقال النحاس في معانيه: 4/ 463: «والصواب أن يقال: إنها مكان مرتفع، ذو استواء، وماء ظاهر» .
(2/588)

وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)
ذاتِ قَرارٍ: استواء يستقر عليها. وقيل «1» : ثمارا، أي: لأجل الثمار يستقرّ فيها.
وَمَعِينٍ: مفعول عنته أعينه «2» ، أو هو «فعيل» من معن «يمعن» ، وهو الماعون للشيء القليل «3» .
52 وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً: سأل سهولة ملتكم وطريقتكم في التوحيد وأصول الشرائع. وفتح أن «4» على تقدير: ولأنّ هذه أمّتكم، أي: فاتقون لهذا «5» ، وانتصاب أُمَّةً على الحال.
53 فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً: افترقوا في دينهم فرقا، كلّ ينتحل كتابا ويدّعي نبيا.
وعن الحسن «6» : قطّعوا كتاب الله قطعا وحرفوه.
وهو في قراءة: زُبُراً «7» ظاهر، أي: قطعا جمع
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 18/ 28 عن قتادة، وعقب عليه بقوله: «وهذا القول الذي قاله قتادة في معنى ذاتِ قَرارٍ وإن لم يكن أراد بقوله: إنها إنما وصفت بأنها ذات قرار لما فيها من الثمار، ومن أجل ذلك يستقر فيها ساكنوها، فلا وجه له نعرفه» .
(2) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 237، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 297، وتفسير الطبري: 18/ 28، ومعاني القرآن للنحاس: 4/ 464.
(3) ذكره الطبري في تفسيره: 18/ 28، والزجاج في معانيه: 4/ 15، واستبعده بقوله: وهذا بعيد لأن «المعن» في اللغة الشيء القليل، والماعون هو الزكاة، وهو «فاعول» من المعن، وإنما سميت الزكاة بالشيء القليل، لأنه يؤخذ من المال ربع عشره، فهو قليل من كثير» .
(4) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، كما في السبعة لابن مجاهد: 446، وحجة القراءات: 488، والتبصرة لمكي: 270. [.....]
(5) ذكر المؤلف- رحمه الله- هذا القول في كتابه وضح البرهان: 2/ 102 عن الخليل.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 4/ 15، والتبيان للعكبري: 2/ 956.
(6) أورد السيوطي هذا المعنى في الدر المنثور: 6/ 103 عن الحسن، وعزا إخراجه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه.
(7) بضم الزاي وفتح الباء، وهي قراءة شاذة.
انظر غرائب التفسير للكرماني: 2/ 779.
ونسبها النحاس في معاني القرآن: 4/ 466 إلى الأعمش، وابن عطية في المحرر الوجيز:
10/ 367 إلى أبي عمرو، والأعمش، وكذا القرطبي في تفسيره: 12/ 130، ونسبها ابن الجوزي في زاد المسير: 5/ 478 إلى ابن عباس، وأبي عمران الجوني.
وأشار الطبري- رحمه الله- إلى هذه القراءة فقال: «وقرأ ذلك عامة قراء الشام ...
بمعنى: فتفرقوا أمرهم بينهم قطعا كزبر الحديد، وذلك القطع منها واحدتها «زبرة» من قول الله: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ فصار بعضهم يهودا، وبعضهم نصارى.
والقراءة التي نختار في ذلك قراءة من قرأه بضم الزاي والباء لإجماع أهل التأويل في تأويل ذلك على أنه مراد به الكتب، فذلك يبين عن صحة ما اخترنا في ذلك لأن «الزبر» هي الكتب، يقال منه: زبرت الكتاب: إذا كتبته» اه. انظر تفسيره: 18/ 30.
(2/589)

نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)
«زبرة» «1» . ك «برمة» و «برم» » .
56 نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ: نقدّم لهم ثواب أعمالهم لرضانا عنهم!!.
بَلْ: لا، بل للاستدراج والابتلاء.
61 وَهُمْ لَها سابِقُونَ: لأجلها سبقوا الناس، أو سبقوا إلى الجنّة «3» .
63 وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ: من دون ما ذكروا بها من أعمال البرّ.
66 تَنْكِصُونَ: ترجعون إلى الكفر.
67 مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ: أي: بالحرم «4» ، أي: بلغ أمركم أنكم تسمرون
__________
(1) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 60، وغريب القرآن لليزيدي: 266، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 298، والكشاف: 3/ 34.
(2) في اللسان: 12/ 45 (برم) : «والبرمة: قدر من حجارة، والجمع برم وبرام وبرم» .
(3) ذكر الماوردي هذين الوجهين في تفسيره: 3/ 100.
وقال الزجاج في معانيه: 4/ 17: «فيه وجهان، أحدهما: معناه إليها سابقون، كما قال:
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها، أي: أوحى إليها.
ويجوز: وَهُمْ لَها سابِقُونَ، أي: من أجل اكتسابها، كما تقول: أنا أكرم فلانا لك، أي: من أجلك» .
(4) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 239، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 298.
وأخرجه الطبري في تفسيره: (18/ 38، 39) عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وسعيد ابن جبير، وقتادة، والضحاك.
(2/590)

وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)
بالبطحاء لا تخافون، وتوحيد سامِراً على المصدر «1» ، أي: تسمرون سمرا كقولك: قوموا قائما، ويجوز حالا للحرم «2» لأنّ السمر ظلّ القمر «3» ، يقال: جاء بالسّمر والقمر، أي: بكل شيء.
ويجوز السّامر جمعا «4» ، كالحاضر للحيّ الحلول «5» ، والباقر والجامل جمع البقر والإبل.
تَهْجُرُونَ: أي: القرآن. أو تقولون الهجر وهو البهتان «6» .
و «تهجرون» «7» من الإهجار، وهو الإفحاش في القول «8» ، وفي الحديث «9» : «إذ طفتم بالبيت فلا تلغوا ولا تهجروا» .
71 بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ: بشرفهم، بالرسول منهم، والقرآن بلسانهم «10» .
__________
(1) التبيان للعكبري: 2/ 958.
(2) مشكل إعراب القرآن لمكي: 2/ 504، والبيان لابن الأنباري: 2/ 187، والتبيان للعكبري: 2/ 958.
(3) ذكره الزجاج في معانيه: 4/ 18، وكذا النحاس في معاني القرآن: 4/ 475.
(4) وهو قول المبرد في الكامل: 2/ 799، وقال: «وهم الجماعة يتحدثون ليلا» .
وانظر معاني القرآن للنحاس: 4/ 475، وتهذيب اللّغة للأزهري: 4/ 199، واللسان:
4/ 197 (سمر) .
(5) في تهذيب اللغة: 4/ 199: «والعرب تقول: حيّ حاضر بغير هاء إذا كانوا نازلين على ماء عدّ ... » .
(6) عن معاني القرآن للزجاج: 4/ 18.
(7) بضم التاء وكسر الجيم، وهي قراءة نافع كما في السبعة لابن مجاهد: 446، وحجة القراءات: 489، والتبصرة لمكي: 270. [.....]
(8) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 299، والكشف لمكي: 2/ 129، والنهاية:
5/ 246، واللسان: 5/ 251 (هجر) .
(9) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث: 2/ 64 موقوفا على أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وهو- أيضا- في غريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 489، والنهاية: 5/ 246.
قال ابن الأثير: «يروى بالضم والفتح» .
(10) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 3/ 103.
وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 239، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 299، وتفسير الطبري: 18/ 43، ومعاني الزجاج: 4/ 19.
(2/591)

وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)
76 فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ: بالجدب الذي أصابهم بدعائه عليه السلام «1» .
77 باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ: يوم بدر «2» .
87 سيقولون الله: لمطابقة السؤال في مَنْ، وذكر أنه في مصاحف الأمصار بغير ألف، إلّا مصحف أهل البصرة «3» ، فيكون على المعنى كقولك: من مولاك؟ فيقول: لفلان «4» .
__________
(1) ثبت ذلك في أثر أخرجه النسائي في تفسيره: 2/ 100 (السنن الكبرى) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذا الطبري في تفسيره: (18/ 44، 45) ، والطبراني في المعجم الكبير:
11/ 370 حديث رقم (12038) .
وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 394، كتاب التفسير، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: 362، والبيهقي في دلائل النبوة: 4/ 81.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 111، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 18/ 45 عن ابن عباس، وابن جريج.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 104، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 112، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 10/ 389: «و «العذاب الشديد» إمّا يوم بدر بالسيوف كما قال بعضهم، وإما توعد بعذاب غير معين، وهو الصواب لما ذكرناه من تقدم بدر للمجاعة» .
(3) قرأ أبو عمرو بن العلاء البصري، من السبعة، ويعقوب من القراء العشرة بإثبات الألف في لفظ الجلالة، وقرأ الباقون: لِلَّهِ بغير ألف.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 447، وحجة القراءات: 490، والتبصرة لمكي: 270، والغاية في القراءات العشر لابن مهران: 216، والنشر: 3/ 206.
وأورد الطبري- رحمه الله- القراءتين ثم قال: «والصواب من القراءة في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بهما علماء من القراء متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار جميع ذلك بغير ألف، لإجماع خطوط مصاحف الأمصار على ذلك، سوى خط مصحف أهل البصرة» .
(تفسير الطبري: 18/ 48) .
(4) ينظر هذا المعنى في تفسير الطبري: (18/ 47، 48) ، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 20.
(2/592)

وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)
97 هَمَزاتِ الشَّياطِينِ: دفعهم/ بالإغواء إلى المعاصي.
100 وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ: من أمامهم حاجز، وهو ما بين الدنيا والآخرة «1» أو ما بين الموت والبعث «2» .
101 وَلا يَتَساءَلُونَ: أن يحمل بعضهم عن بعض، ولكن يتساءلون عن حالهم وما عمّهم من البلاء، كقوله «3» : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ.
وسألت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أإنا نتعارف؟ فقال:
«ثلاث مواطن تذهل فيها كلّ نفس: حين يرمى إلى كلّ إنسان كتابه، وعند الموازين، وعلى جسر جهنم» «4» .
و «اللّفح» «5» : إصابة سموم النّار «6» ، و «الكلوح» : تقلّص الشفتين عن الأسنان «7» .
__________
(1) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 62، واليزيدي في غريب القرآن: 268، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 300، وأخرجه الطبري في تفسيره: 18/ 53 عن الضحاك.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 18/ 53 عن مجاهد، وابن زيد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 105 عن ابن زيد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 115، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي نعيم عن مجاهد.
(3) سورة الصافات، آية: 50.
(4) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج- نحوه- الإمام أحمد في مسنده: 6/ 110، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: (10/ 361، 362) ثم قال: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وقد وثّق، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(5) من قوله تعالى: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ [آية: 104] .
(6) ينظر المفردات للراغب: 452.
(7) ورد هذا المعنى في حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 3/ 88 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته» .
وأخرجه- أيضا- الترمذي في سننه: 5/ 328، كتاب التفسير، باب «ومن سورة المؤمنون» ، وقال: «هذا حديث حسن صحيح غريب» .
والحاكم في المستدرك: 2/ 395، كتاب التفسير، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 118، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في «صفة النار» ، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا.
وانظر تفسير الطبري: (18/ 55، 56) ، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 23. [.....]
(2/593)

قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)
108 اخْسَؤُا: اسكتوا وابعدوا. خسأته فخسأ وخسئ وانخسأ «1» .
114 إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا: في الدنيا، أو في القبور بالإضافة إلى لبثهم في النّار «2» .
__________
(1) ينظر تفسير الطبري: 18/ 59، ومعاني الزجاج: 4/ 24، ومعاني النحاس: 4/ 488.
(2) أورد الماوردي القولين في تفسيره: 3/ 106 دون عزو.
وانظر تفسير البغوي: 3/ 319، وزاد المسير: 5/ 495، وتفسير القرطبي: 12/ 155.
(2/594)

سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)
ومن سورة النور
1 سُورَةٌ: هذه سورة إذ لا يبتدأ بالنكرة، والسّورة المنزلة المتضمنة لآيات متصلة.
أَنْزَلْناها: أمرنا جبريل بإنزالها.
وَفَرَضْناها: فرضنا العمل بها، وَفَرَضْناها «1» : فصّلناها.
والفرض واجب بجعل جاعل، والواجب قد يكون بغير جاعل كشكر المنعم والكف عن الظّلم.
2 الزَّانِيَةُ: على تقدير فيما فرض، وإلّا كان نصبا على الأمر «2» .
والابتداء ب «الزانية» بخلاف آية السّارق «3» لأنّ المرأة هي الأصل في الزنا وزناهنّ أفحش وأقبح.
3 وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ: هو نكاح وطء لا عقد «4» فإنّ غير
__________
(1) بتشديد الراء المفتوحة: وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، كما في السبعة لابن مجاهد:
452، والتبصرة لمكي: 272، والتيسير للداني: 161.
وانظر توجيه القراءتين في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 63، وغريب القرآن لليزيدي:
269، وتفسير الطبري: 18/ 65، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 27، والكشف لمكي:
2/ 133.
(2) والنصب اختيار سيبويه في الكتاب: 1/ 144، وذكره الزجاج في معانيه: 4/ 28 عن الخليل وسيبويه.
(3) يريد بذلك قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة: 38] .
(4) نص عليه الجصاص في أحكام القرآن: 3/ 266، فقال: «وحقيقة النكاح هو الوطء في اللّغة فوجب أن يكون محمولا عليه على ما روي عن ابن عباس ومن تابعه في أن المراد الجماع، ولا يصرف إلى العقد إلا بدلالة، لأنه مجاز، ولأنه إذا ثبت أنه قد أريد به الحقيقة انتفى دخول المجاز فيه ... » .
وأخرج الطبري في تفسيره: (18/ 73، 74) هذا القول عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ورجحه الطبري فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال:
عني بالنكاح في هذا الموضع: الوطء، وأن الآية نزلت في البغايا المشركات ذوات الرايات، وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك، وأن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان. فمعلوم إذ كان ذلك كذلك، أنه لم يعن بالآية أن الزاني من المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات، ولا ينكح إلا بزانية أو مشركة. وإذ كان ذلك كذلك، فبين أن معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحل الزنا، أو بمشركة تستحله» اه.
واستبعد الزجاج في معانيه: 4/ 29 قول الطبري، ورده الزمخشري في الكشاف: 3/ 49 لأمرين فقال:
«أحدهما: أن هذه الكلمة أينما وردت في القرآن لم ترد إلا في معنى العقد» .
والثاني: فساد المعنى وأداؤه إلى قولك: الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا يزني بها إلا زان» .
وانظر أقوال العلماء في هذه المسألة في تفسير الماوردي: 3/ 109، وأحكام القرآن لابن العربي: 3/ 1329، وتفسير القرطبي: 12/ 167، وتفسير آيات الأحكام للسائس:
(3/ 117- 122) .
(2/595)

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)
الزاني يستقذر الزّانية ولا يشتهيها.
5 إِلَّا الَّذِينَ تابُوا: الاستثناء من الفسق «1» لأنّ ما قبله ليس من جنسه «2» ، لأنّه اسم وخبر وما قبله فعل وأمر.
6 فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ نصبه «3» لوقوعه موقع المصدر أو مفعول به، كأنّه يشهد أحدهم الشّهادات الأربع، فتكون الجملة مبتدأ.....
__________
(1) في الآية قبل هذه، وهو قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ... وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
(2) وهو الاستثناء المنقطع.
(3) نصب (أربع) ، قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية شعبة.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 452، والتبصرة لمكي: 272، والتيسير لأبي عمرو الداني:
161.
(2/596)

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)
والخبر إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ «1» ، ومن رفع أَرْبَعُ «2» جعله خبر «شهادة» .
11 بِالْإِفْكِ: بالكذب «3» لأنّه صرف عن الحق.
بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ: لأنّ الله برّأها، وأثابها.
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ: عبد الله بن أبيّ بن سلول، جمعهم في بيته «4» .
ومن عدّ حسّان بن ثابت معه عدّ حدّه، وذهاب/ بصره من عذابه العظيم «5» .
16 وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ: هلّا «6» .
__________
(1) ينظر توجيه هذه القراءة في تفسير الطبري: 18/ 81، ومعاني الزجاج: 4/ 32، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 129، والكشف لمكي: 2/ 134.
(2) قراءة حمزة، والكسائي وعاصم في رواية حفص، كما في السبعة لابن مجاهد: 453، وحجة القراءات: 495، والتبصرة لمكي: 272.
(3) قال النحاس في معاني القرآن: 4/ 507: «وأصله من قولهم: أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشيء، فقيل للكذب إفك. لأنه مصروف عن الصّدق ومقلوب عنه، ومنه المؤتفكات» .
(4) ثبت ذلك في أثر أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 6/ 5، كتاب التفسير، باب «قوله إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه: 4/ 2131، كتاب التوبة، باب «في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف» .
وقال الطبري- رحمه الله- في تفسيره: 18/ 89: «لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن الذي بدأ بذكر الإفك وكان يجمع أهله ويحدثهم عبد الله بن أبي بن سلول، وفعله ذلك على ما وصفت كان توليه كبر ذلك الأمر» اه.
(5) أخرج الإمام البخاري في صحيحه: 6/ 10، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «جاء حسّان بن ثابت يستأذن عليها. قلت: أتأذنين لهذا؟ قالت: أو ليس قد أصابه عذاب عظيم.
قال سفيان: تعني ذهاب بصره» .
وأخرج عن عائشة أنها قالت: «وأيّ عذاب أشدّ من العمى» . [.....]
(6) ذكره الزجاج في معانيه: 4/ 36، وقال: «لأنّ المعنى: ظن المؤمنون بأنفسهم، في موضع الكناية عنهم وعن بعضهم، وكذلك يقال للقوم الذين يقتل بعضهم بعضا أنهم يقتلون أنفسهم» .
(2/597)

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)
15 تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ: كلّما سمعه سامع نشره كأنّه تقبّله «1» .
وقراءة عائشة «2» : تَلَقَّوْنَهُ وهو الاستمرار على الكذب «3» .
وشأن الإفك أنّها في غزوة بني المصطلق تباعدت لقضاء الحاجة، فرجعت وقد رحلوا، وحمل هودجها «4» على أنّها فيه، فمرّ بها صفوان «5» بن المعطّل السّهمي فأناخ لها بعيره وساقه حتى أتاهم بعد ما نزلوا «6» .
22 وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ: لا يحلف على حرمان أولي القربى.
أَنْ يُؤْتُوا: أن لا يؤتوا. في أبي بكر- رضي الله عنه- حين حرم
__________
(1) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 64، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 301.
(2) بكسر اللام وضم القاف، وردت هذه القراءة لعائشة رضي الله تعالى عنها في صحيح البخاري: 6/ 10، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ» .
وانظر هذه القراءة عن عائشة في معاني القرآن للفراء: 2/ 248، وتفسير الطبري:
18/ 98، وتفسير القرطبي: 12/ 204، والبحر المحيط: 6/ 438.
(3) معاني القرآن للفراء: 2/ 248، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 301، وتفسير القرطبي:
12/ 204.
(4) الهودج: بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة وآخره جيم: محمل له قبة تستر بالثياب ونحوه، يوضع على ظهر البعير يركب عليه النساء.
اللسان: 2/ 389، وتاج العروس: 6/ 274 (هدج)) .
(5) هو صفوان بن المعطل بن ربيعة الذكواني، ورد ذكره في حديث الإفك، وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «ما علمت عليه إلّا خيرا» .
استشهد صفوان رضي الله عنه في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
انظر ترجمته في الاستيعاب: 2/ 725، وأسد الغابة: 3/ 30، والإصابة: 3/ 440.
(6) ينظر خبر الإفك في صحيح البخاري: 5/ 55، كتاب المغازي، باب «حديث الإفك» .
وصحيح مسلم: (4/ 2129- 2136) ، كتاب التوبة، باب «في حديث الإفك» .
والسيرة لابن هشام: (2/ 297- 302) ، وتفسير الطبري: (18/ 90- 94) ، وأسباب النزول للواحدي: (368- 373) .
(2/598)

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)
مسطح «1» بن أثاثة- ابن خالته- بسبب دخوله في الإفك.
24 يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ: شهادتهما بأن يبنيهما الله بنية تنطق. وشهادة الألسنة بعد شهادتهما لما رأوا أنّ الجحد لم ينفعهم.
ويجوز أن يخرج الألسنة ويختم على الأفواه.
25 يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ: جزاءهم «2» .
27 تَسْتَأْنِسُوا: تستبصروا، أي: تطلبوا من يبصركم «3» .
وقيل «4» : تَسْتَأْنِسُوا: بالتنحنح والكلام الذي يدل على الاستئذان.
__________
(1) مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي.
قال الحافظ في الإصابة: 6/ 93: «كان اسمه عوفا، وأما مسطح فهو لقبه ... ومات مسطح سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، ويقال: عاش إلى خلافة علي وشهد معه صفين، ومات في تلك السنة سنة سبع وثلاثين» .
وانظر ترجمته في الاستيعاب: 4/ 1472، وأسد الغابة: 4/ 156.
(2) ذكره ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: 453، وأخرجه الطبري في تفسيره: 18/ 106 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر معاني القرآن للنحاس: 4/ 514، وتفسير القرطبي: 12/ 210.
(3) ذكر البغوي هذا القول في تفسيره: 3/ 336 عن الخليل.
وفي تهذيب اللغة للأزهري: 13/ 89: «وأصل الإنس والأنس والإنسان من الإيناس وهو الإبصار، يقال: أنسته وأنسته: أي أبصرته» .
وانظر الصحاح: 3/ 905، واللسان: 6/ 16 (أنس) .
(4) ورد هذا المعنى في أثر أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 8/ 419، كتاب الأدب، باب «في الاستئذان» عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! هذا السلام فما الاستئناس؟ قال: يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة ويتنحنح ويؤذن أهل البيت» .
وأخرجه ابن ماجة في سننه: 2/ 1221، كتاب الأدب، باب «الاستئذان» عن أبي أيوب مرفوعا وفي إسناده أبو سورة، قال في مصباح الزجاجة: 2/ 247: «هذا إسناد ضعيف، أبو سورة هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث، يروى عن أبي أيوب مناكير لا يتابع عليها.
رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده هكذا بإسناده سواء» .
وأخرجه- أيضا- ابن أبي حاتم في تفسيره: 221 (سورة النور) ، وأورده ابن كثير في تفسيره: 6/ 41 وقال: «هذا حديث غريب» .
(2/599)

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)
29 بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ: حوانيت التجار ومناخات «1» الرّحال للسّابلة.
31 وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ: أمر لهن بالاختمار على أستر ما يكون دون التطوّق بالخمار.
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ: من الإماء «2» .
أَوِ التَّابِعِينَ: الذي يتبعك بطعامه ولا حاجة له في النساء.
وقيل: هو العنّين «3» . وقيل «4» : الأبله الذي لا يقع في نفوس النساء.
لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء، ظهر عليه: قوي «5» .
وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ: إذ إسماع صوت الزينة كإظهارها، ومنه
__________
(1) أي: المواضع التي تناخ فيها الإبل، وهي مواضع بروكها.
والسابلة: أبناء السبيل المختلفون على الطرقات في حوائجهم.
اللسان: 3/ 65 (نوخ) ، 11/ 320 (سبل) . وانظر هذا القول في تفسير الماوردي:
3/ 119.
ونقل القرطبي في تفسيره: 12/ 221 عن محمد بن الحنفية، وقتادة، ومجاهد قالوا: «هي الفنادق التي في طرق السابلة» .
(2) نقل النحاس هذا القول في معاني القرآن: 4/ 525 عن سعيد بن المسيب، وكذا ابن العربي في أحكام القرآن: 3/ 1375، والقرطبي في تفسيره: 12/ 234، واستبعده النحاس بقوله:
«هذا بعيد في اللغة، لأن «ما» عامة» .
وهو مذهب الحنفية كما في أحكام القرآن للجصاص: 3/ 318، وأحد قولي الشافعي.
كما في أحكام القرآن للكيا الهراس: 4/ 288، وتفسير آيات الأحكام للسائس: 3/ 14.
(3) العنّين: الذي لا يأتي النساء ولا يريدهن.
الصحاح: 6/ 2166، واللسان: 13/ 291 (عنن) . [.....]
(4) أورد النحاس في معاني القرآن: 4/ 526 الأقوال السابقة وغيرها ثم قال: «وهذه الأقوال متقاربة، وهو الذي لا حاجة له في النساء، نحو الشيخ الهرم، والخنثى، والمعتوه، والطفل، والعنين» .
وانظر تفسير الطبري: 18/ 122، وأحكام القرآن لابن العربي: 3/ 1374، وزاد المسير:
(6/ 33، 34) .
(5) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 250، ومعاني النحاس: 4/ 526.
(2/600)

وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34) اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)
سمّي صوت الحليّ وسواسا «1» .
33 إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً: قوة على الاحتراف «2» . وقيل «3» : صدقا ووفاء.
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ: هو حطّ شيء من الكتابة على الاستحباب «4» . أو سهمهم من الصّدقة «5» .
35 اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: هادي أهلها، ومدبّر أمرها.
أو منوّرهما «6» ، كما يقال: هو زادي، أي: مزوّدي/.
كَمِشْكاةٍ: كوّة لا منفذ لها.
كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ: منسوب إلى الدّر في حسنه وصفائه «7» .
__________
(1) الصحاح: 3/ 988 (وسوس) ، واللسان: 6/ 254 (وسس) .
(2) أخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: 18/ 127 عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 127 عن ابن عمر، وابن عباس أيضا.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (18/ 127، 128) عن الحسن، ومجاهد، وطاوس، وعطاء، وابن زيد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 127 عن طاوس، وقتادة. وابن الجوزي في زاد المسير:
6/ 37 عن إبراهيم النخعي.
(4) هذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما في أحكام القرآن للجصاص: 3/ 322.
وحمله الشافعي- رحمه الله- على الوجوب، ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 127.
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 18/ 131 عن إبراهيم النخعي.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 127 عن الحسن، وإبراهيم النخعي، وابن زيد.
وهو أولى القولين بالصواب عند الطبري في تفسيره: 18/ 132.
(6) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 129 دون عزو، وكذا البغوي في تفسيره: 4/ 345، ونقله القرطبي في تفسيره: 12/ 257 عن الضحاك، والقرظي، وابن عرفة، ونقله أبو حيان في البحر المحيط: 6/ 455 عن الحسن.
(7) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 4/ 44، وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة:
305.
(2/601)

مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ: لأنّ الله بارك في زيتون الشّام، وزيتها أضوأ وأصفى، ويسيل من غير اعتصار.
لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ: ليست من الشّرق دون الغرب، أو الغرب دون الشّرق لكنها من شجر الشّام واسطة البلاد بين المشرق والمغرب «1» .
أو ليست بشرقية في جبل يدوم إشراق الشّمس عليها، ولا غربية نابتة في وهاد «2» لا يطلع عليها الشّمس، بل المراد أنها ليست من شجر الدنيا التي تكون شرقية أو غربية ولكنها من شجر الجنّة «3» ، وكما قال بأنه مَثَلُ نُورِهِ فلا يؤول على ظاهره، ولكن نور الله: الإسلام، والمشكاة: صدر المؤمن، والزّجاجة: قلبه، والمصباح: فيه الإيمان، والشّجرة المباركة: شجرة النّبوة «4» .
__________
(1) عن تفسير الماوردي: 3/ 130، ونص كلامه: «أنها ليست من شجر الشرق دون الغرب ولا من شجر الغرب دون الشرق، لأن ما اختص بأحد الجهتين أقل زيتا وأضعف، ولكنها شجر ما بين الشرق والغرب كالشام لاجتماع القوتين فيه. وهو قول ابن شجرة وحكى عن عكرمة» .
وأورد الفخر الرازي هذا القول في تفسيره: 23/ 237، وضعفه بقوله: «وهذا ضعيف لأن من قال: الأرض كرة لم يثبت المشرق والمغرب موضعين معينين، بل كل بلد مشرق ومغرب على حدة، ولأن المثل مضروب لكل من يعرف الزيت، وقد يوجد في غير الشام كوجوده فيها» .
(2) الوهاد: جمع وهدة، المكان المنخفض من الأرض.
الصحاح: 2/ 554، واللسان: 3/ 470 (وهد) .
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 18/ 142 عن الحسن رحمه الله تعالى.
وهو عن الحسن أيضا في معاني القرآن للزجاج: 4/ 45، وتفسير الماوردي: 3/ 131، وتفسير البغوي: 3/ 346، وزاد المسير: 6/ 43، وغرائب التفسير للكرماني: 2/ 798.
وضعف الفخر الرازي هذا القول في تفسيره: 23/ 237 فقال: «وهذا ضعيف لأنه تعالى إنما ضرب المثل بما شاهدوه، وهم ما شاهدوا شجر الجنة» .
(4) ينظر ما سبق في تفسير البغوي: (3/ 346، 347) ، وزاد المسير: 6/ 45، وذكره الفخر الرازي في تفسيره: (23/ 235، 236) عن بعض الصوفية.
وفي هذا القول تكلف ظاهر لأن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه نورا فلا حاجة لمثل هذا التأويل، ويقال في إثباته كما يقال في بقية صفاته.
ولا يلزم من المثل التشبيه، وإنما تقريب ذلك إلى الأذهان، ولله المثل الأعلى.
(2/602)

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)
نُورٌ عَلى نُورٍ: فهو يتقلب في خمسة أنوار: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة «1» .
36 فِي بُيُوتٍ: أي: المساجد «2» ، أي: هذه المشكاة فيها.
و «البيع» «3» قد يكون لغير التجارة فجمع بينهما.
37 تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ: ببلوغها إلى الحناجر، وَالْأَبْصارُ:
بالشّخوص والزّرقة والردّ على الأدبار.
39 كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ: جمع «قاع» . ك جار وجيرة «4» .
والسّراب: شعاع يتكثف فيتسرّب ويجري كالماء تخيّلا «5» .
40 فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ: مضاف إلى اللّجة وهو معظم البحر «6» .
__________
(1) ورد هذا المعنى في أثر أخرجه الطبري في تفسيره: 18/ 138 عن أبي بن كعب رضي الله عنه، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره: 373 (سورة النور) .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 197، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه- كلهم- عن أبي بن كعب.
وانظر تفسير البغوي: 3/ 347، وتفسير الفخر الرازي: 23/ 238، وتفسير ابن كثير: 6/ 64. [.....]
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 18/ 144 عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وسالم بن عمر، وابن زيد.
ورجحه الطبري وقال: «وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لدلالة قوله: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ على أنها برزت وبنيت للصلاة، فلذلك قلنا هي المساجد» .
(3) في قوله تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [آية: 37] .
(4) عن معاني القرآن للفراء: 2/ 245، وقال الزجاج في معانيه: 4/ 47: «والقيعة والقاع ما انبسط من الأرض ولم يكن فيه نبات» .
وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 305، ومعاني القرآن للنحاس: 4/ 540، واللسان: 8/ 304 (قوع) .
(5) اللسان: 1/ 465 (سرب) .
(6) نص هذا القول في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 67.
وانظر غريب القرآن لليزيدي: 273، وتفسير الطبري: 18/ 150، وتفسير البغوي:
3/ 349.
(2/603)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ: ظلمة اللّيل، وظلمة السّحاب، وظلمة البحر، مثل الكافر في ظلمة حاله واعتقاده ومصيره إلى ظلمة النار.
إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها: لم يرها إلّا بعد جهد، أو لم يرها ولم يكد «1» ، وهي نفي مقاربة الرّؤية، أي: لم يقارب أن يراها.
41 وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ: مصطفة الأجنحة في الهواء.
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ: الإنسان، وَتَسْبِيحَهُ: ما سواه «2» .
43 يُزْجِي سَحاباً: يسيّره ويسوقه.
رُكاماً: متراكبا «3» .
والودق: المطر «4» لخروجه من السّحاب، ودقت سرّته: خرجت فدنت من الأرض «5» .
[68/ ب] وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ: «من» لابتداء/ الغاية.
مِنْ جِبالٍ: للتبيين فيها، مِنْ بَرَدٍ: للتبعيض لأنّ البرد بعض الجبال والجبال هي السّحاب على الكثرة والمبالغة.
45 وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ: أصل الخلق من الماء، ثم قلب إلى
__________
(1) ذكره المبرد في الكامل: 1/ 252، والزجاج في معانيه: 4/ 48.
وانظر معاني القرآن للنحاس: 4/ 542، وتفسير الطبري: 12/ 151، وتفسير القرطبي:
12/ 285.
(2) اختاره الطبري في تفسيره: 18/ 152، وأخرجه عن مجاهد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 136 عن مجاهد، وكذا البغوي في تفسيره: 3/ 350.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 67، وتفسير الطبري: 18/ 153، والمفردات للراغب:
203.
(4) معاني القرآن للفراء: 2/ 256، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 67، والمفردات للراغب:
517.
(5) في اللسان: 10/ 373 (ودق) : «ودقت سرّته تدق ودقا إذا سالت واسترخت» .
(2/604)

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)
النّار فخلق منه الجن، وإلى الريح «1» فخلق منه الملائكة، وإلى الطين فخلق منه آدم.
53 قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ
: أي: طاعة أمثل من أن تقسموا.
أو طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ
أولى من طاعتكم [المدخولة] «2» أو طاعتكم معروفة أنها كاذبة قول بلا عمل «3» .
58 وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ: أي: وهو مميّز ويصف.
ثَلاثُ عَوْراتٍ: أوقات عورة وخصّها بالاستئذان لأنّها أوقات تكشّف وتبذل.
60 وَالْقَواعِدُ: اللاتي قعدن بالكبر عن الحيض والحبل.
غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ: غير مظهرات زينتها.
61 أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ: من أموال عيالكم أو بيوت أولادكم.
أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ: ما يتولاه وكيل الرّجل في ماله وضياعه،
__________
(1) كذا في تفسير الماوردي: 3/ 137، ويبدو أنه مصدر المؤلف في هذا النص. وذكره أيضا البغوي في تفسيره: 3/ 351، والزمخشري في الكشاف: 3/ 71.
والمعروف أن الملائكة مخلوقون من نور كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: 4/ 2294، كتاب الزهد والرقائق، باب «في أحاديث متفرقة» عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» .
قال أبو حيان في البحر المحيط: 6/ 465: «ويخرج عما خلق من ماء ما خلق من نور وهم الملائكة، ومن نار وهم الجن، ومن تراب وهو آدم ... » .
وانظر تفسير الفخر الرازي: 24/ 16، وتفسير القرطبي: 12/ 291، وفتح القدير للشوكاني: (4/ 42، 43) .
(2) في الأصل: «المدخول» ، والمثبت هنا عن «ك» ، ووضح البرهان للمؤلف.
(3) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 306: «وفي هذا الكلام حذف للإيجاز، يستدل بظاهره عليه. كأن القوم كانوا ينافقون ويحلفون في الظاهر على ما يضمرون خلافه فقيل لهم: لا تقسموا، هي طاعة معروفة، صحيحة لا نفاق فيها، لا طاعة فيها نفاق» .
(2/605)

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)
فيأكل مما يقوم عليه «1» ، أو هو فيما يتولاه القيّم من أموال اليتامى.
وفي حديث الزهري «2» : كانوا إذا خرجوا إلى المغازي يدفعون مفاتيحهم إلى الضّيف «3» ليأكلوا مما في منازلهم فتوقّوا أكله، فنزلت: أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ.
أَوْ صَدِيقِكُمْ: إذا كان الطعام حاضرا غير محرز «4» ، أو كان الصديق بحيث لا يحتجب بعضهم عن بعض في مال ونفس.
فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ: أي: بيوتا فارغة فقولوا: السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين «5» .
62 عَلى أَمْرٍ جامِعٍ: الجهاد وكل اجتماع في الله حتى الجمعة والعيدين.
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 18/ 170، وابن أبي حاتم في تفسيره: 524 (سورة النور) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 224، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس أيضا. [.....]
(2) الزهري: (58- 124 هـ) .
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، الإمام التابعي الجليل.
وصفه الحافظ في التقريب: 606 بقوله: «الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه» .
ترجمته في حلية الأولياء: 3/ 360، وتذكرة الحفاظ: 1/ 108، وسير أعلام النبلاء:
5/ 326.
وانظر حديثه في تفسير عبد الرزاق: 2/ 64، وتفسير الطبري: 18/ 169، والدر المنثور:
6/ 225.
(3) الضيف: لإرادة الجنس كما في قوله تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي.
(4) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 3/ 143.
(5) أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد: 363 عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 8/ 460، كتاب الأدب، باب «في الرجل يدخل البيت ليس فيه أحد» عن ابن عمر أيضا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 228، وعزا إخراجه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والبيهقي عن أبي مالك رضي الله عنه.
(2/606)

لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)
63 لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ: أي: تحاموا «1» عن سخطته فإنّ دعاءه مسموع «2» .
وقيل: لا تدعوه باسمه ولكن: يا رسول الله.
يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً: يلوذ بعضهم ببعض ويستتر به حتى ينسلّ من بين القوم فرارا من الجهاد.
__________
(1) كذا في كتاب وضح البرهان للمؤلف، وورد في هامش الأصل: «تجافو» .
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: 18/ 177 عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، عن عمه ... ، وهذا الإسناد مسلسل بالضعفاء.
راجع ص (135) .
وأورد النحاس هذا القول في معانيه: 4/ 565 عن ابن عباس بصيغة التمريض، واستحسن النحاس هذا القول فقال: «وهذا قول حسن، لكون الكلام متصلا، لأن الذي قبله والذي بعده نهي عن مخالفته، أي: لا تتعرضوا لما يسخطه، فيدعو عليكم فتهلكوا، ولا تجعلوا دعاءه كدعاء غيره من الناس» اه.
وذكر ابن عطية هذا القول في المحرر الوجيز: 10/ 556، وقال: «ولفظ الآية يدفع هذا المعنى» ، وأشار إلى القول الثاني ورجحه، وقال: «وذلك هو مقتضى التوقير والتعزير ... » .
(2/607)

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)
ومن سورة الفرقان
1 تَبارَكَ تفاعل من البركة، وهي الكثرة في كل خير «1» .
وقيل: أصله الثبوت، من بروك الإبل «2» .
[69/ أ] نَذِيراً: داعيا إلى الرشد وصارفا عن الغيّ، ويجوز صفة للنبي/ صلى الله عليه وسلم وللقرآن «3» .
6 يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: أي: أنزله على مقتضى علمه ببواطن الأمور.
9 فَضَلُّوا: ناقضوا إذ قالوا: اختلقها وافتراها وقالوا فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ «4» .
13 وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً: في الحديث «5» : «إنهم يستكرهون في
__________
(1) عن معاني القرآن للزجاج: 4/ 57.
وانظر معاني الفراء: 2/ 262، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 310، وتفسير الطبري:
18/ 179.
(2) ينظر المفردات للراغب: 44، وتفسير الفخر الرازي: 24/ 44، وتفسير القرطبي: 13/ 1، واللسان: 10/ 396 (برك) .
(3) تفسير البغوي: 3/ 360، وتفسير القرطبي: 13/ 2.
(4) سورة الفرقان: آية: 5.
(5) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 587 (سورة الفرقان) عن يحيى بن أبي أسيد مرفوعا وإسناده منقطع، ويحيى مسكوت عنه.
ينظر الجرح والتعديل: 9/ 129.
وأورد الحافظ ابن كثير هذا الحديث في تفسيره: 6/ 105، ولم يعلق عليه، وكذا الشوكاني في فتح القدير: 4/ 66.
(2/608)

وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)
النار كما يستكره الوتد في الحائط» .
مُقَرَّنِينَ: مصفّدين، قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال «1» ، أو قرنوا مع الشياطين «2» .
14 ثُبُوراً: هلاكا على هلاك «3» ، من ثابر على كذا: داوم.
16 وَعْداً مَسْؤُلًا: هو قول الملائكة: رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ «4» .
أو قول المؤمنين: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا «5» .
18 بُوراً: هلكى «6» . أو كاسدين، من بوار التجارة، وبوار الأرض تعطيلها من الزرع «7» .
19 فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً: صرف العذاب «8» ، أو الصّرف: الحيلة «9»
__________
(1) تفسير الطبري: 18/ 187.
(2) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 3/ 150 عن يحيى بن سلام.
(3) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 310، وتفسير الطبري: 18/ 188، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 59، والمفردات للراغب: 78، واللسان: 4/ 99 (ثبر) . [.....]
(4) من آية 8 سورة غافر.
وانظر هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 4/ 60، وتفسير الماوردي: 3/ 151، وزاد المسير: 6/ 77.
(5) من آية 194 سورة آل عمران.
وذكر الفراء هذا القول في معانيه: 2/ 263، والطبري في تفسيره: 18/ 189، وابن الجوزي في زاد المسير: 6/ 77.
(6) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 72، وغريب القرآن لليزيدي: 276، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 311، وتفسير الطبري: 18/ 190، والمفردات للراغب: 65.
(7) تفسير الطبري: 18/ 191، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 61، وتفسير الماوردي: 3/ 152، والمفردات للراغب: 65، واللسان: 4/ 86 (بور) .
(8) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (18/ 192، 193) عن مجاهد، وابن زيد.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 4/ 61، والمفردات للراغب: 279.
(9) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 311، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 152 عن ابن قتيبة.
وانظر تفسير البغوي: 3/ 364، واللسان: 9/ 189 (صرف) .
(2/609)

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22)
و «الصّيرفيّ» لاحتياله في الاستيفاء إذا اتزن والتطفيف إذا وزن «1» .
20 إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ: أي: إلّا قيل إنهم ليأكلون «2» .
بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً: هو افتنان المقلّ بالمثري والضّويّ «3» بالقويّ.
أَتَصْبِرُونَ: أي: على هذه الفتنة أم لا تصبرون فيزداد غمكم.
وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً: بالحكمة في اختلاف المعاش.
ويحكى أنّ بعض الصالحين تبرّم «4» بضنك عيشه، فخرج ضجرا فرأى أسود خصيا في موكب عظيم، فوجم لذلك، فإذا بإنسان قرأ عليه: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ فتنبّه وازداد تبصّرا أو تصبّرا.
21 لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: لا يخافون «5» ، وجاز «يرجو» بمعنى يخاف لأنّ الراجي قلق فيما يرجوه كالخائف.
22 وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً: كان الرجل في الجاهليّة يقول لمن يخافه في أشهر الحرم: حِجْراً مَحْجُوراً: أي: حراما محرّما عليك قتلي في هذا الشهر، فلا يبدأه بشرّ، فإذا كان القيامة رأى المشركون ملائكة
__________
(1) ينظر الصحاح: 4/ 1368، واللسان: 9/ 190 (صرف) .
(2) ذكره البغوي في تفسيره: 3/ 364، وقال: «كما قال في موضع آخر: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [سورة فصلت: آية: 43] .
وانظر هذا القول في تفسير القرطبي: 13/ 13، وغرائب التفسير للكرماني: 2/ 812.
(3) الضّوى: الضعيف.
النهاية: 3/ 106، واللسان: 14/ 489 (ضوا) .
(4) أي: سئم وملّ.
ينظر النهاية: 1/ 121، والصحاح: 5/ 1869، واللسان: 12/ 43 (برم) .
(5) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 265، وقال: «وهي لغة تهامية، يضعون الرجاء في موضع الخوف إذا كان معه جحد. من ذلك قول الله: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً، أي:
لا تخافون له عظمة ... » .
(2/610)

وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)
العذاب فقالوا: حِجْراً مَحْجُوراً وظنوا أنّه ينفعهم «1» .
23 وَقَدِمْنا: عمدنا وقصدنا «2» .
مِنْ عَمَلٍ: من قرب.
24 وَأَحْسَنُ مَقِيلًا: موضع قائلة، ولا نوم في الجنّة إلا أنه من تمهيدها تصلح للنوم.
تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ: أي: عن الغمام، وهو نزول الملائكة منها في الغمام «3» /.
27 يَعَضُّ الظَّالِمُ: وذلك فعل النّادم والغضبان، وفي المثل: يعلك على الأرّم و «يحرق» أيضا «4» . والأرّم الأصابع.
28 يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا: في عقبة «5» بن أبي معيط، كان يجالس النّبيّ صلى الله عليه وسلم وسمع القرآن فقال له أبيّ بن خلف: تجالسه وهو يسفّه أحلام قريش، وجهي من وجهك حرام حتى تشتمه، ففعل، فلمّا قتل من بين الأسارى قال: أأقتل من بين قريش؟!.
__________
(1) نص الكلام السالف في زاد المسير: (6/ 82، 83) عن ابن فارس.
وانظر نحوه في تفسير الطبري: 19/ 3، وتفسير البغوي: 3/ 365، والمحرر الوجيز:
11/ 26، وتفسير القرطبي: 13/ 21.
(2) عن معاني القرآن للزجاج: 4/ 64، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 11/ 27: «ومعنى الآية: وقصدنا إلى أعمالهم التي هي في الحقيقة لا تزن شيئا إذ لا نية معها، فجعلناها على ما تستحق لا تعدل شيئا، وصيرناها هباء منثورا، أي: شيئا لا تحصيل له» .
(3) تفسير الطبري: 19/ 6. وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 6/ 114: «يخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظيمة، فمنها انشقاق القمر وتفطرها وانفراجها بالغمام، وهو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار، ونزول ملائكة السماء يومئذ، فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر، ثم يجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء» . [.....]
(4) اللسان: 13/ 14 (أرم) .
(5) عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن عبد شمس، كان شديد الأذى للمسلمين في أول أمر الإسلام بمكة، أسر يوم بدر ثم قتل.
السيرة لابن هشام: 1/ 708، والروض الأنف: 3/ 65.
(2/611)

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
فتمثّل عمر: حنّ قدح ليس منها «1» ، وقال: فمن للصّبية؟ فقال عليه السلام: [النار] «2» .
30 هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً: بإعراضهم عن التدبر فيه «3» ، أو بقولهم فيه بالهجر «4» .
31 وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ: أي: جعلنا ببياننا أنهم أعداؤهم، كما تقول: جعله لصا «5» .
__________
(1) ورد هذا المثل في كتاب الأمثال لأبي عبيد: 285، ومجمع الأمثال للميداني: 1/ 341، والجمهرة للعسكري: 1/ 370، والمستقصى للزمخشري: 2/ 68، واللسان: 13/ 130 (حنن) ، ويضرب هذا المثل للرجل يدخل نفسه في القوم ليس منهم، أو يمتدح بما لا يوجد فيه.
والهاء في «منها» راجعة إلى القداح.
(2) في الأصل «النكد» ، والمثبت في النص موافق لما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: 376 عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأشار إليه ناسخ الأصل المعتمد هنا إلى وروده في نسخة أخرى.
وورد خبر عقبة- أيضا- في السيرة لابن هشام: 1/ 361، ودلائل النبوة لأبي نعيم:
(2/ 606، 607) .
وأسباب النزول للواحدي: 385، وتفسير البغوي: 3/ 367، والتعريف والإعلام للسهيلي: 123، الذي قال: «وكني عنه ولم يصرح باسمه لئلا يكون هذا الوعيد مخصوصا به ولا مقصورا عليه، بل يتناول جميع من فعل مثل فعليهما والله أعلم» اه.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 6/ 116: «وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم ... » .
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 19/ 9 عن ابن زيد، ونقله الماوردي في تفسيره:
3/ 156 عن ابن زيد أيضا.
قال الطبري رحمه الله: «وهذا القول أولى بتأويل ذلك، وذلك أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، وذلك هجرهم إياه» .
(4) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 313: «والهجر الاسم، يقال: فلان يهجر في منامه، أي: يهذي، وفي معاني الزجاج: 4/ 66: «والهجر ما لا ينتفع به من القول، وكانوا يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم يهجر» .
(5) ذكر الفخر الرازي هذا القول في تفسيره: 24/ 77 عن أبي علي الجبائي، ورده بقوله: «إن التبيين لا يسمونه ألبتة جعلا، لأن من بيّن لغيره وجود الصانع وقدمه لا يقال إنه جعل الصانع وجعل قدمه» .
(2/612)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45)
وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً: يجوز حالا وتمييزا «1» .
32 لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ: أي: باتصال الوحي، أو لنثبته في فؤادك بالإنزال متفرقا.
وَرَتَّلْناهُ: فصّلناه، والرّتل في الثّغر أن يكون مفلّجا لا لصص فيه «2» .
والقرية التي أمطرت مطر السوء «3» : سدوم قرية لوط «4» عليه السلام.
45 مَدَّ الظِّلَّ: أي: اللّيل لأنّه ظل الأرض الممدود على قريب من نصف وجهها.
وقيل «5» : هو ما بين طلوع الفجر إلى شروق الشمس.
__________
(1) ينظر معاني القرآن للزجاج: 4/ 66، وتفسير القرطبي: 13/ 28، والبحر المحيط:
6/ 496.
(2) جاء في لسان العرب: «وثغر رتل ورتل: حسن التنضيد مستوى النبات، وقيل: المفلّج، وقيل: بين أسنانه فروج لا يركب بعضها بعضا» .
والفلج في الأسنان: تباعد ما بين الثنايا والرباعيات خلقة.
واللّصص: تقارب ما بين الأضراس حتى لا ترى بينها خللا» .
ينظر اللسان: 2/ 346 (فلج) ، 7/ 87 (لصص) ، 11/ 265 (رتل) .
(3) في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ... [آية: 40] .
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 19/ 16 عن ابن جريج.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 259، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.
وانظر هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 4/ 69، وتفسير الماوردي: 3/ 158، وتفسير ابن كثير: 6/ 121، ومفحمات الأقران: 149.
(5) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 268، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 313.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 19/ 18 عن ابن عباس، وسعيد بن جبير.
وانظر هذا القول في معاني الزجاج: 4/ 70، وتفسير البغوي: 3/ 370، وزاد المسير:
6/ 93.
(2/613)

ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً: أي: بإبطال كلتي الحركتين: الغربيّة التي بها النهار واللّيل، والشّرقية التي بها فصول السّنة.
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا: إذ كان طول الظل وقصره بحسب ارتفاع الشّمس وانحطاطها ولأنّ الظلّ إذا لم يدرك أطرافه لم يسمّ ظلا بل ظلاما وليلا.
46 ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا: [هو] «1» من الغداة إلى الظهيرة، والظلّ هو المخصوص بالقبض «2» كما أنّ الفيء مخصوص بالبسط وهذه الإضافة لأنّ غاية قصر الظل عند غاية تعالي الشمس، والعلو موضع الملائكة وجهة السّماء التي فيها أرزاق العباد، ومنها نزول الغيث والغياث، وإليها ترتفع أيدي الراغبين وتشخص أبصار الخائفين.
قَبْضاً يَسِيراً: خفيا سهلا «3» لبطء حركة الظل بالقرب من نصف النهار.
[70/ أ] و «النّشور» «4» : الانتشار/ للمعايش «5» ، و «السبات» : قطع العمل «6» .
و «الأناسي» «7» : جمع أنسي. ك «كرسي» ، و «كراسيّ» ، أو كان
__________
(1) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(2) معاني القرآن للفراء: 2/ 268، وتفسير الطبري: 19/ 20، وتفسير القرطبي: 13/ 37. [.....]
(3) في تفسير الطبري: 19/ 20: «وقيل: إنما قيل: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً لأن الظل بعد غروب الشمس لا يذهب كله دفعة، ولا يقبل الظلام كله جملة، وإنما يقبض ذلك الظل قبضا خفيا، شيئا بعد شيء ويعقب كل جزء منه يقبضه جزء من الظلام» .
وانظر القول الذي ذكره المؤلف في معاني القرآن للفراء: 2/ 268، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 313، وتفسير الماوردي: 3/ 158.
(4) من قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [آية: 47] .
(5) المفردات للراغب: (492، 493) .
(6) تفسير الماوردي: 3/ 159، والمفردات: 221، واللسان: 2/ 38 (سبت) .
(7) من قوله تعالى: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً [آية: 49] .
(2/614)

وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)
«أناسين» جمع «إنسان» ، فعوّضت الياء من النون «1» .
50 وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا: أي: المطر مرّة هاهنا ومرة هناك «2» .
وعن ابن عباس «3» رضي الله عنه: ما عام بأمطر من عام ولكنّ الله يصرّفه كيف يشاء.
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً: يقولون مطرنا بنوء كذا «4» .
53 مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ: مرج وأمرج: خلّى «5» ، كأنّه أرسلهما في مجاريهما كما يرسل الخيل في المرج.
حِجْراً مَحْجُوراً: لا يفسد أحدهما الآخر «6» .
55 وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً: على أولياء ربّه معينا يعاديهم «7» .
__________
(1) عن معاني القرآن للفراء: 2/ 269، وانظر تفسير الطبري: 19/ 21، ومعاني الزجاج:
4/ 71.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 19/ 22 عن ابن زيد، وأخرج نحوه عن مجاهد.
وذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 314.
(3) أخرجه الطبري في تفسيره: 19/ 22، والحاكم في المستدرك: 2/ 403، كتاب التفسير، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأخرجه أيضا- البيهقي في السنن الكبرى: 3/ 363، كتاب صلاة الاستسقاء، باب «كثرة المطر وقلته» .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 264، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) ينظر تفسير الطبري: 19/ 22، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 71، وتفسير الماوردي:
3/ 160، وتفسير البغوي: 3/ 373.
(5) في «ج» : خلط. وفي معاني القرآن للزجاج: 4/ 72: «معنى «مرج» خلّى بينهما، تقول:
مرجت الدابة وأمرجتها إذا خليتها ترعى ... » .
وانظر هذا المعنى في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 77، وغريب القرآن لليزيدي: 278، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 314، وتفسير الطبري: 19/ 23، واللسان: 2/ 364 (مرج) .
(6) معاني القرآن للفراء: 2/ 270، وتفسير الطبري: 19/ 24، وتفسير القرطبي: 13/ 59.
(7) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 162، وابن الجوزي في زاد المسير: 6/ 97 دون عزو.
قال الماوردي: «مأخوذ من المظاهرة، وهي المعونة» .
(2/615)

الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)
أو كان هيّنا عليه لا وزن له «1» ، من قولك: ظهرت بحاجتي إذا لم تعن بها.
59 فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً: سل بسؤالك إياه خبيرا، وسل به عارفا يخبرك بالحق في صفته.
58 وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ: احمده منزّها له عما لا يجوز عليه.
62 جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً: خلفا عن صاحبه فمن فاته من عمل في أحدهما قضاه في الآخر «2» ، أو إذا مضى أحدهما خلفه صاحبه «3» .
يقال: الأمر بينهم خلفة، أي: نوبة كل واحد يخلف صاحبه «4» ،
__________
(1) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 77.
وأورده القرطبي في تفسيره: 13/ 62، وقال: «هذا معنى قول أبي عبيدة» .
وذكره الطبري في تفسيره: 19/ 27، وعقب عليه بقوله: «وكأن «الظهير» كان عنده «فعيل» صرف من مفعول إليه من مظهور به، كأنه قيل: وكان الكافر مظهورا به ... » .
وقال الفخر الرازي في تفسيره: 24/ 102: «وقياس العربية أن يقال «مظهور» ، أي مستخف به متروك وراء الظهر، فقيل فيه «ظهير» في معنى «مظهور» ، ومعناه: هين على الله أن يكفر الكافر وهو- تعالى- مستهين بكفره» اه.
(2) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 271، وأخرجه الطبري في تفسيره: (19/ 30، 31) عن عمر ابن الخطاب، وابن عباس، والحسن رضي الله تعالى عنهم.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 163 عن عمر رضي الله عنه، والحسن رحمه الله تعالى.
وأورد السيوطي في الدر المنثور: 6/ 270 رواية أبي داود الطيالسي عن الحسن: أن عمر أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه فقال: إنه بقي عليّ من وردي شيء وأحببت أن أتمه أو أقضيه. وتلا هذه الآية: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً ... الآية، ولم أقف على هذا الخبر في مسند الطيالسي المطبوع. [.....]
(3) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 271، وأبو عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 79، واليزيدي في غريب القرآن: 279، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 314، وأخرجه الطبري في تفسيره: 19/ 31 عن مجاهد، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره: 772 (سورة الفرقان) .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 270، وزاد نسبته إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.
(4) المفردات للراغب: (155، 156) ، واللسان: 9/ 86 (خلف) .
(2/616)

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)
والقوم خلفة، أي: مختلفون.
63 وَعِبادُ الرَّحْمنِ: مرفوع إلى آخر السورة على الابتداء، وخبره:
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ «1» .
هَوْناً: بسكينة ووقار دون مرح واختيال.
وقيل «2» : حلماء علماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم.
قالُوا سَلاماً: تسلما منكم، أي: نتارككم ولا نجاهلكم «3» .
وقيل «4» : سلما: سدادا من القول.
65 غَراماً: هلاكا لازما «5» .
68 أَثاماً: عقوبة وجزاء.
69 يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ: عذاب الدنيا والآخرة، وجزمه على البدل لأن مضاعفة العذاب هي لقيّ الآثام «6» .
__________
(1) من الآية: 75، من سورة الفرقان، وهذا القول الذي ذكره المؤلف في معاني القرآن للزجاج: 4/ 74.
ونقله النحاس في إعراب القرآن: 3/ 167 عن الزجاج، وكذا مكي في مشكل إعراب القرآن: 2/ 524.
قال الزجاج: «ويجوز أن يكون قوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ رفعا بالابتداء، وخبره الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً.
وقال أبو حيان في البحر المحيط: 6/ 512: «والظاهر أن وَعِبادُ مبتدأ، والَّذِينَ يَمْشُونَ الخبر» اه.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 19/ 34 عن عكرمة، والحسن.
(3) عن معاني القرآن للزجاج: 4/ 74.
(4) نص هذا القول في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 315، وتمامه: «لا رفث فيه، ولا هجر» .
وأخرج نحوه الطبري في تفسيره: 19/ 35 عن مجاهد.
(5) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 80، وغريب القرآن لليزيدي: 279، وتفسير الطبري:
19/ 35، والمفردات للراغب: 360.
(6) هذا قول سيبويه في الكتاب: 3/ 87، وهو في معاني القرآن للزجاج: 4/ 76، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 168، وتفسير القرطبي: 13/ 77 عن سيبويه أيضا.
وقراءة الجزم لنافع، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص.
وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم يضاعف بالرفع.
السبعة لابن مجاهد: 467، والتبصرة لمكي: 276، والتيسير للداني: 164.
قال مكي في مشكل إعراب القرآن: 2/ 526: «من جزم جعله بدلا من يَلْقَ لأنه جواب الشرط ولأن لقاء الأثام هو تضعيف العذاب والخلود فأبدل منه، إذ المعنى يشتمل بعضه على بعض، وعلى هذا المعنى يجوز بدل الأفعال بعضها من بعض، فإن تباينت معانيها لم يجز بدل بعضها من بعض» .
وانظر حجة القراءات: 514، والكشف لمكي: 2/ 147، والبيان لابن الأنباري:
2/ 209.
(2/617)

إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)
70 يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ: يغيّر أعمالهم أو يبدلها بالتوبة والندم على فعلها حسنات.
72 مَرُّوا كِراماً: أي: مرّ الكرماء الذين لا يرضون باللّغو ومخالطة أهله.
73 لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها: لم يسقطوا عليها.
صُمًّا وَعُمْياناً: بل سجّدا وبكيا.
[70/ ب] وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً: توحيده على المصدر «1» ، أمّ إماما/ كقام قياما أو هو جمع آم كقائم وقيام، أو إمام نفسه جمع إمام، وإن كان على لفظه كقولهم: درع دلاص «2» وأدرع دلاص، وناقة هجان «3» ونوق هجان،
__________
(1) ينظر هذا المعنى في الكشاف: 3/ 1040، والتبيان للعكبري: 2/ 992، وتفسير القرطبي:
13/ 83.
(2) درع دلاص: براقة ملساء لينة بينة الدّلص، ويقال: درع دلاص وأدرع دلاص، الواحد والجمع على لفظ واحد» .
انظر الصحاح: 3/ 1040، واللسان: 7/ 37 (دلص) .
(3) الهجان من الإبل: البيض الكرام ويستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع، يقال: بعير هجان وناقة هجان.
وفي اللسان: 13/ 431 (هجن) عن ابن سيده: «الهجان من الإبل البيضاء الخالصة اللون» .
وانظر تهذيب اللغة: 6/ 58، والصحاح: 6/ 2216 (هجن) .
(2/618)

قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)
وفقهه أنه يكسر فعيل على فعال كثيرا، فيكسر فعال على فعال أيضا لأنّ فعيلا وفعالا أختان كلاهما ثلاثي الأصل وثالثة حرف لين، وقد اعتقبا أيضا على الشيء الواحد، نحو عبيد وعباد، وكليب وكلاب.
77 ما يَعْبَؤُا بِكُمْ: ما يصنع بكم «1» ، أو أيّ وزن يكون لكم «2» ؟.
لَوْلا دُعاؤُكُمْ: رغبتكم إليه وطاعتكم له، أو دعاؤه إياكم إلى طاعته.
وقيل «3» : ما يصنع بعذابكم لولا ما تدعون من دونه.
فَقَدْ كَذَّبْتُمْ: على القول [الأول] «4» قصّرتم في طاعتي «5» .
لِزاماً: عذابا لازما.
__________
(1) هذا قول الفراء في معانيه: 2/ 275، وذكره الطبري في تفسيره: 19/ 55.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 169 عن مجاهد، وابن زيد.
ونقل الفخر الرازي في تفسيره: 24/ 116 عن الخليل: «ما أعبأ بفلان، أي: ما أصنع به.
كأنه يستقله ويستحقره» .
(2) في معاني القرآن للزجاج: 4/ 78: «وتأويل: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ أي: أيّ وزن يكون لكم عنده، كما تقول: ما عبأت بفلان، أي: ما كان له عندي وزن ولا قدر.
وأصل العبء في اللغة الثقل، ومن ذلك: عبأت المتاع جعلت بعضه على بعض» .
وانظر هذا المعنى في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 82، وتفسير الطبري: 19/ 55، والكشاف: 3/ 103، والمفردات: 320.
(3) ذكر نحوه ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: 438، فقال: «في هذه الآية مضمر، وله أشكلت، أي: ما يعبأ بعذابكم ربي لولا ما تدعونه من دونه من الشريك والولد. ويوضح ذلك قوله: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً، أي: يكون العذاب لمن كذب ودعا من دونه إلها لازما» اه.
وأشار الطبري في تفسيره: 19/ 57 إلى قول ابن قتيبة فقال: «وقد كان بعض من لا علم له بأقوال أهل العلم يقول في تأويل ذلك: قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ما تدعون من دونه من الآية والأنداد.
وهذا قول لا معنى للتشاغل به لخروجه عن أقوال أهل العلم من أهل التأويل» . [.....]
(4) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(5) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 169، وقال: «مأخوذ من قولهم: قد كذب في الحرب، إذا قصّر» .
(2/619)

إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13)
ومن سورة الشعراء
4 فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ: جماعاتهم، عن عنق من النّاس:
جماعة «1» .
وقيل «2» : رؤساؤهم، ومن حملها على ظاهرها استعارة فتذكيرها للإضافة إلى المذكر.
ومعنى «ظلت» تظلّ، والماضي في الجزاء بمعنى المستقبل، كقولك:
إن زرتني أكرمتك، أي: أكرمك «3» .
7 زَوْجٍ كَرِيمٍ: منتفع به، ك الكريم في النّاس: النّافع المرضيّ، ومعنى الزوج: كلّ نوع معه قرينه من أبيض وأحمر وأصفر، ومن حلو وحامض، ومن رائحة مسكيّة وكافوريّة.
13 فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ: ليعينني ويؤازرني «4» .
__________
(1) ذكر الأخفش هذا القول في معانيه: 2/ 644، وقال الزجاج في معانيه: 4/ 83: «وجاء في اللغة: جماعاتهم، يقال: جاء لي عنق من الناس، أي: جماعة» .
(2) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 277، والطبري في تفسيره: 19/ 59، ونقله البغوي في تفسيره: 3/ 381، والقرطبي في تفسيره: 13/ 89 عن مجاهد.
وانظر المفردات للراغب: 350، وزاد المسير: 6/ 116.
(3) ينظر معاني القرآن للأخفش: 2/ 644، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 174، والبحر المحيط: 7/ 5.
(4) قال الفراء في معانيه: 2/ 278: «ولم يذكر معونة ولا مؤازرة. وذلك أن المعنى معلوم كما تقول: لو أتاني مكروه لأرسلت إليك، ومعناه: لتعينني وتغيثني وإذا كان المعنى معلوما طرح منه ما يرد الكلام إلى الإيجاز» .
(2/620)

فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36)
16 إنَّا رَسُولُ
: يذكر الرسول بمعنى الجمع «1» ، أو كلّ واحد منا رسول «2» .
أو هو في موضع رسالة فيكون صفة بمعنى المصدر «3» .
20 وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ: الجاهلين «4» بأنّها تبلغ القتل. ومعنى إِذاً: إذ ذاك «5» .
19 وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ: أي: بحق نعمتي وتربيتي «6» .
22 وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ: كأنّه اعترف بنعمته أن «7» لم يستعبده كما استعبدهم، أو هو على الإنكار «8» ، وتقدير الاستفهام، كأنه: أو تلك نعمة؟ أي: تربيتك نفسا مع إساءتك إلى الجميع.
32 ثُعْبانٌ مُبِينٌ: أي: وجه الحجة به.
36 أَرْجِهْ «9» : أخّره واحبسه.
__________
(1) ذكره اليزيدي في غريب القرآن: 281، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 316.
(2) أورده الماوردي في تفسيره: 3/ 172، وقال: «ذكره ابن عيسى» .
وذكره البغوي في تفسيره: 3/ 382 دون عزو، وكذا الزمخشري في الكشاف: 3/ 108.
(3) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 84، وذكره اليزيدي في غريب القرآن: 281، ونقله ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 316 عن أبي عبيدة.
وانظر تفسير الطبري: 19/ 65، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 85، وتفسير الماوردي:
3/ 172.
(4) تفسير الطبري: 19/ 67، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 86، وتفسير الماوردي: 3/ 172.
والضمير في قول المؤلف: «بأنها» يرجع إلى الضربة التي قتل بها موسى عليه السلام القبطي.
(5) تفسير القرطبي: 13/ 95.
(6) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 279، وتفسير الطبري: 19/ 66، ومعاني الزجاج: 4/ 86.
(7) في «ك» : أنه، وفي معاني القرآن للفراء: 2/ 279: «يقول: هي- لعمري- نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل. ف «أن» تدل على ذلك» .
(8) ذكره الزجاج في معانيه: 4/ 86. [.....]
(9) تقدم بيان معنى هذه اللفظة عند تفسير قوله تعالى: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ ... فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ [الأعراف: آية: 111] .
(2/621)

إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60)
[71/ أ] لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ «1» : أي: كلّ واحد/ قليل ذليل، فجمع على المعنى «2» .
وشرذمة كلّ شيء: بقيّته «3» ، وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا «4» .
56 حذرون «5» : متيقظون «6» ، وحاذِرُونَ: مستعدون بالسلاح ونحوه «7» .
وأصل «فعل» للطبع و «فاعل» للتكلّف «8» .
60 مُشْرِقِينَ: داخلين في وقت شروق الشّمس وهو طلوعها «9» .
__________
(1) من قوله تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [آية: 54] .
(2) ينظر تفسير الطبري: 19/ 75، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 91، وتفسير الماوردي:
3/ 174.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 86، وتفسير الطبري: 19/ 74، والمحرر الوجيز:
11/ 111.
(4) ورد هذا القول في أثر أخرجه الطبري في تفسيره: 19/ 75 عن ابن مسعود رضي الله عنه، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره: 100 (سورة الشعراء) .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 295، وزاد نسبته إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن مسعود.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 4/ 91، وتفسير الماوردي: 3/ 174، ومفحمات الأقران:
151.
(5) «حذرون» بغير ألف، قراءة أبي عمرو بن العلاء، ونافع، وابن كثير.
السبعة لابن مجاهد: 471، والتبصرة لمكي: 278، والتيسير لأبي عمرو الداني: 165.
(6) ينظر معاني القرآن للزجاج: 4/ 92، وحجة القراءات: 517، وتفسير الماوردي:
3/ 175.
(7) «حاذرون» بألف، قراءة عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، كما في السبعة لابن مجاهد: 471، والتيسير للداني: 165.
(8) معاني القرآن للفراء: 2/ 280، وغريب القرآن لليزيدي: 282، وتفسير الطبري:
19/ 77، والكشف لمكي: 2/ 151.
(9) تفسير الماوردي: 3/ 175.
(2/622)

فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84)
63 كُلُّ فِرْقٍ: كلّ جزء انفرق منه. والفرق والفريقة: القطيع من الغنم يشذّ عن معظمها «1» .
64 وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ: قرّبناهم إلى البحر- بحر القلزم «2» - الذي يسلك النّاس فيه من اليمن ومكة إلى مصر.
66 ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ: الآخر الثاني من قسمي أحد، كقولك: أعطي أحدهما وحرم الآخر، والآخر الثاني من قسمي الأول تقول: أعطي الأول وحرم الآخر.
67 وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: أي: لم يؤمن أكثرهم مع هذا البرهان فلا تستوحش أيّها المحق «3» .
77 فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ: أي: إلّا من عبد ربّ العالمين «4» .
82 أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي: على التلطف فيما هو كائن كالعلم إذا جاء على المظاهرة في الحجاج ذكر بالظن، أي: يكفي في مثله الظن «5» .
84 لِسانَ صِدْقٍ: ثناء حسنا، أو خلفا يصدّق بالحق بعدي، وهو محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون «6» به.
__________
(1) ذكره الزجاج في معانيه: 4/ 92، وابن الجوزي في زاد المسير: 6/ 126.
ينظر الصحاح: (4/ 1542، 1543) ، واللسان: 10/ 304 (فرق) .
(2) وهو المعروف الآن بالبحر الأحمر.
(3) قال الفخر الرازي- رحمه الله- في تفسيره: 24/ 141: «وفي ذلك تسلية له (أي النبي صلى الله عليه وسلم) فقد كان يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات عليه فنبهه الله تعالى بهذا الذكر على أن له أسوة بموسى وغيره، فإن الذي ظهر على موسى من هذه المعجزات العظام التي تبهر العقول لم يمنع من أن أكثرهم كذبوه وكفروا به مع مشاهدتهم لما شاهدوه في البحر وغيره. فكذلك أنت يا محمد لا تعجب من تكذيب أكثرهم لك واصبر على إيذائهم فلعلهم أن يصلحوا ويكون في هذا الصبر تأكيد الحجة عليهم» اه.
(4) ذكر البغوي هذا القول في تفسيره: 3/ 389 عن الحسين بن الفضل. [.....]
(5) ينظر تفسير الفخر الرازي: 24/ 145.
(6) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: 11/ 125 عن مكي، ثم قال: «وهذا معنى حسن إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم في اللفظ» .
(2/623)

وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122) كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137)
86 وَاغْفِرْ لِأَبِي: اجعله من أهل المغفرة.
89 بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: مسلم أو سالم من الشّكّ «1» ، والجوارح إنّما تسلم بسلامة القلب.
94 فَكُبْكِبُوا: قلبوا بعضهم على بعض «2» ، أو كبّوا وأسقطوا على وجوههم «3» ، وحقيقته تكرر الانكباب «4» .
98 نُسَوِّيكُمْ: نشرككم في العبادة.
101 صَدِيقٍ حَمِيمٍ: قريب. حمّ الشّيء: قرب «5» ، أو الصّديق: الذي يصدق في المودّة، والحميم: الذي يحمي لغضب صاحبه «6» .
128 رِيعٍ: مكان مشرف «7» ، آيَةً: بناء يكون لارتفاعه كالعلامة.
137 خُلُقُ «8» الْأَوَّلِينَ: خرصهم واختلاقهم «9» ، وإن أراد الإنشاء
__________
(1) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 19/ 87 عن مجاهد.
وقال البغوي في تفسيره: 3/ 390: «أي خالص من الشرك والشك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، هذا قول أكثر المفسرين» .
(2) غريب القرآن لليزيدي: 282، ومعاني الزجاج: 4/ 94، ومعاني النحاس: 5/ 89.
(3) ذكره الطبري في تفسيره: 19/ 88، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 179 عن ابن زيد، وقطرب.
وانظر المفردات للراغب: 420، وتفسير القرطبي: 13/ 116.
(4) هذا قول الزجاج في معانيه: 4/ 94، ونص كلامه: «ومعنى «كبكبوا» طرح بعضهم على بعض، وقال أهل اللغة: معناه هوّروا، وحقيقة ذلك في اللغة تكرير الانكباب كأنه إذا ألقى ينكبّ مرة بعد مرة حتى يستقر فيها يستجير بالله منها» .
وانظر اللسان: 1/ 697 (كبب) ، وزاد المسير: 6/ 132.
(5) الصحاح: 5/ 1904، واللسان: 12/ 152 (حمم) .
(6) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 180 عن ابن عيسى.
(7) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 88، وغريب القرآن لليزيدي: 283، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 318، وتفسير الطبري: 19/ 93، والمفردات للراغب: 208.
(8) بفتح الخاء المعجمة وإسكان اللام، قراءة الكسائي، وأبي عمرو، وابن كثير.
السبعة لابن مجاهد: 472، والتبصرة لمكي: 278، والتيسير للداني: 166.
(9) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 281، وتفسير الطبري: 19/ 97، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 97.
(2/624)

وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153)
فالمعنى: ما خلقنا إلا كخلق الأولين ونراهم يموتون ولا يبعثون.
و «خلق «1» الأولين» بالضّم: عادتهم في ادعاء الرسالة «2» ، فيرجع الضمير إلى الأنبياء أو إلى آبائهم، أي: تكذيبنا لك كتكذيب آبائنا للأنبياء.
148 طَلْعُها/ هَضِيمٌ «3» : منضمّ منفتق انشق عن البسر لتراكب «4» بعضه بعضا.
149 فرهين «5» : أشرين، وفارهين: حاذقين «6» .
153 الْمُسَحَّرِينَ: المسحورين مرّة بعد أخرى «7» . وقيل: المعلّلين بالطعام والشراب.
ولم يقل في شعيب: أخوهم «8» ، لأنه لم يكن من نسبهم «9» .
__________
(1) بضم الخاء واللام، قراءة نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة.
(2) ينظر معاني الفراء: 2/ 281، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 97، والبحر المحيط: (7/ 33، 34) .
(3) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 319: «والهضيم: الطلع قبل أن تنشق عنه القشور وتنفتح. يريد: أنه منضم مكتنز. ومنه قيل: أهضم الكشحين، إذا كان منضمهما» . [.....]
(4) في «ج» : كتراكب.
(5) «فرهين» بغير ألف قراءة ابن كثير، ونافع وأبي عمرو، وقرأ عاصم وابن عامر، وحمزة، والكسائي «فارهين» بألف.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 472، والتبصرة لمكي: 278، والتيسير للداني: 166.
(6) راجع هذا المعنى، وتوجيه القراءتين في معاني القرآن للفراء: 2/ 282، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 88.
(7) ذكره الزجاج في معانيه: 4/ 97 فقال: «وجائز أن يكون من المسحرين، من «المفعلين» من السحر، أي ممن قد سحر مرة بعد مرة» .
وانظر تفسير الطبري: 19/ 102، وتفسير الماوردي: 3/ 183.
(8) إشارة إلى قوله تعالى: إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ [آية: 177] .
(9) قال ابن الجوزي في زاد المسير: 6/ 141: «إن قيل: لم لم يقل: أخوهم كما قال في الأعراف؟ (آية: 85) ، فالجواب: أن شعيبا لم يكن من نسل أصحاب الأيكة، فلذلك لم يقل: أخوهم، وإنما أرسل إليهم بعد أن أرسل إلى مدين، وهو من نسل مدين، فلذلك قال هناك: أخوهم» .
وانظر تفسير البغوي: 3/ 397، وتفسير القرطبي: 13/ 135.
(2/625)

وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198)
182 بِالْقِسْطاسِ: بالميزان «1» ، وقيل «2» : بالعدل.
189 يَوْمِ الظُّلَّةِ: أظلهم سحاب فاستظلّوا بها من حرّ نالهم فأطبق عليهم فاحترقوا «3» .
193- قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ: جبريل عليه السلام لأنّ الأرواح تحيى بما ينزله من البركات، أو لأنّ جسمه رقيق روحانيّ، أو الحياة أغلب عليه فكأنّه روح كله.
عَلى قَلْبِكَ: أي: نزل عليه فوعاه فثبت فيه فلا ينساه.
197 أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ: أَنْ يَعْلَمَهُ اسم كان، وآيَةً خبرها، أي: أو لم يكن علم علماء بني إسرائيل ومن آمن منهم بمحمد- عليه السلام- آية لهم؟.
198 عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ: أي: إذا لم يؤمنوا به وأنفوا، كذلك حالهم، وقد أنزلنا عليهم وسلكناه في قلوبهم، أي: هم معاندون.
وحكى [محمد] «4» بن أبي موسى قال: كنت واقفا بعرفات مع عبد الله بن مطيع «5» فقرأت هذه الآية، فقال: لو أنزل على جملي هذا وعلى كلّ
__________
(1) ذكره الطبري في تفسيره: 19/ 108، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 183 عن الأخفش، والكلبي.
(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 90، وغريب القرآن لليزيدي: 284، والمفردات للراغب: 403.
(3) ينظر تفسير الطبري: (19/ 109، 110) ، وتفسير ابن كثير: 6/ 170، والدر المنثور: 6/ 320.
(4) في الأصل ونسخة «ك» و «ج» : عمر بن أبي موسى، والتصويب من تفسير الطبري:
19/ 114، والتاريخ الكبير للبخاري: 1/ 236، وتهذيب التهذيب: 9/ 483.
(5) هو عبد الله بن مطيع بن الأسود بن حارثة القرشي العدوي المدني، صحابي جليل.
أمره ابن الزبير على الكوفة، وقتل معه بمكة سنة ثلاث وسبعين للهجرة.
ينظر ترجمته في الاستيعاب: 3/ 994، وأسد الغابة: 3/ 393، والإصابة: 5/ 25.
وأشار الحافظ ابن حجر إلى هذا الأثر عن عبد الله بن مطيع، وعزا إخراجه إلى البغوي من طريق داود بن أبي هند عن محمد بن أبي موسى.
ووصف هذا الأثر بأنه موقوف.
(2/626)

وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
دابّة عجماء فقرأ عليهم ما كانوا به مؤمنين «1» .
214 وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ: خصّهم لأنّه يمكنه أن يجمعهم.
أو الإنسان يساهل قرابته، فأمر بإنذارهم من غير تليين، أو ليعلموا أنّه لا يغني عنهم من الله شيئا «2» .
218 يَراكَ
: رؤية الله الإدراك بما يغني عن بصره «3» .
219 وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ: ليكفيك كيد من يعاديك.
223 يُلْقُونَ السَّمْعَ: الكهنة «4» .
225 يَهِيمُونَ: يجارون ويكذبون «5» .
227 وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا: شعراء المسلمين نافحوا عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال عليه السلام لحسّان: «اللهم أيده بروح القدس» «6» .
__________
(1) أخرج نحوه الطبري في تفسيره: 19/ 114 عن عبد الله بن مطيع موقوفا.
(2) يدل عليه الحديث الذي أخرجه الإمامان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، قال: يا معشر قريش- أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا ... » .
الحديث في صحيح البخاري: 6/ 17، كتاب التفسير، باب قوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وصحيح مسلم: (1/ 192، 193) ، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى:
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
(3) الأولى إجراء هذه الصفة على ظاهرها بما يليق بجلاله، ولا داعي لمثل هذا التأويل. [.....]
(4) أي أن الشياطين يسترقون السمع ثم يلقون ما سمعوه إلى أوليائهم من الإنس وهم الكهنة.
ينظر تفسير الطبري: 19/ 125، وتفسير البغوي: 3/ 402، وزاد المسير: 6/ 149.
(5) تفسير الطبري: 19/ 128، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 104.
(6) أخرجه الإمام البخاري- رحمه الله تعالى- في صحيحه: 4/ 79، كتاب بدء الخلق، باب «ذكر الملائكة صلوات الله عليهم» .
والإمام مسلم- رحمه الله تعالى- في صحيحه: 4/ 1933، كتاب فضائل الصحابة، باب «فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه» .
(2/627)

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)
ومن سورة النمل
6 لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ: يقال: لقّاني كذا: أعطاني «1» ، فتلقّيته منه: قبلته.
7 بِشِهابٍ قَبَسٍ: مقبوس، أو ذي قبس على الوصف «2» .
وبالإضافة «3» يكون الشهاب قطعة من القبس «4» ، و «القبس» النار، كقولك/: ثوب خزّ «5» .
8 نُودِيَ أَنْ بُورِكَ: نودي موسى أنه قدّس من في النّار.
مَنْ إما صلة «6» ، أو بمعنى «ما» ، أي: ما في النار من النور أو
__________
(1) ينظر تفسير الماوردي: 3/ 188، والمحرر الوجيز: 11/ 168، واللسان: 15/ 255 (لقا) .
(2) أي أن «القبس» صفة ل «شهاب» ، وهي قراءة التنوين لعاصم، وحمزة، والكسائي.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 478، والتبصرة لمكي: 281، والتيسير للداني: 167، والكشف لمكي: 2/ 154.
(3) قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر.
(4) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 322، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 199.
(5) أخرج الطبريّ هذا القول في تفسيره: 19/ 133 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 189 عن ابن عباس أيضا، وكذا البغوي في تفسيره:
3/ 407، ونقله القرطبي في تفسيره: 13/ 158 عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير.
(6) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 6/ 155 عن مجاهد.
وقال القرطبي في تفسيره: 13/ 158: «وحكى أبو حاتم أن في قراءة أبيّ، وابن عباس، ومجاهد «أن بوركت النار ومن حولها» .
قال النحاس: «ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير، فتكون البركة راجعة إلى النار، ومن حولها إلى الملائكة وموسى» .
(2/628)

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)
الشجرة التي في النار، وكانت تزداد على اشتعال النار اخضرارا.
وقيل «1» : بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ: أي: الملائكة، وَمَنْ حَوْلَها: أي:
موسى.
أو بورك من في طلب النّار، وَمَنْ حَوْلَها، من الملائكة «2» .
أو بورك من في النار سلطانه وكلامه، فيكون التقديس لله المتعالي عن المكان والزمان.
وفي التوراة «3» : جاء الله من سيناء وأشرق من [ساعير] «4» واستعلن من فاران.
أي: منها جاءت آيته ورحمته حيث كلّم موسى بسيناء، وبعث عيسى من [ساعير] ومحمدا من فاران جبال مكة «5» .
10 وَلَمْ يُعَقِّبْ: لم يرجع ولم يلتفت، من «العقب» «6» .
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 189.
(2) ذكره القرطبي في تفسيره: 13/ 159.
(3) سفر التثنية، الإصحاح الثالث والثلاثون، ص 280، والنص هناك: «وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الربّ من سيناء، وأشرق من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس ... » ، وأورد البغوي في تفسيره:
3/ 407 هذا النص عن التوراة ولم يعلق عليه، وكذا ابن عطية في المحرر الوجيز:
(11/ 173، 174) وعزاه إلى الثعلبي.
(4) في الأصل: «ساعين» ، والمثبت في النص من «ك» و «ج» ، وفي معجم البلدان: 3/ 171:
«ساعير: في التوراة اسم لجبال فلسطين ... وهو من حدود الروم وهو قرية من الناصرية بين طبرية وعكا» .
(5) قال ياقوت في معجم البلدان: 4/ 225: «فاران: بعد الألف راء، وآخره نون، كلمة عبرانية معربة، وهي من أسماء مكة ذكرها في التوراة. وقيل: هو اسم لجبال مكة» . [.....]
(6) وهو مؤخر الرجل.
ينظر هذا المعنى في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 92، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة:
322، وتفسير الطبري: 19/ 136، والمفردات للراغب: 340، واللسان: 1/ 614 (عقب) .
(2/629)

إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)
11 إِلَّا مَنْ ظَلَمَ: استثناء منقطع، أي: لكن من ظلم من غيرهم لأنّ الأنبياء لا يظلمون.
12 وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ: كان عليه مدرعة «1» صوف بغير كمين «2» .
13 مُبْصِرَةً: مبصّرة من البصيرة، أبصرته وبصّرته، مثل: أكذبته وكذبته أو ذوات بصر نحو أمر مبين، أي: ذو بيان.
16 وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ: أي: ملكه ونبوّته «3» ، وكانت له تسعة عشر ولدا «4» .
عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ: كان يفهمهم «5» كما يتفاهم بعضها عن بعض وكما يفهم بكاء الفرح من بكاء الحزن.
وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: يؤتاه الأنبياء والناس «6» .
17 وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ: كان معسكره مائة فرسخ
__________
(1) أي: القميص.
النهاية: 2/ 114، واللسان: 8/ 82 (درع) .
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 19/ 138 عن مجاهد، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره: 86 (سورة النمل) .
(3) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 288، وأخرجه الطبري في تفسيره: 19/ 141 عن قتادة، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره: 111 (سورة النمل) .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 344، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره: 6/ 192، ثم قال: «وليس المراد وراثة المال إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه كان لداود مائة امرأة، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه» .
(4) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 288، والبغوي في تفسيره: 3/ 408، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 191 عن الكلبي.
(5) في «ج» : كان يفهم عنهم.
(6) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 4/ 111، وانظر تفسير البغوي: 3/ 410.
(2/630)

فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20)
[خمسة] «1» وعشرون للإنس، ومثلها للجن، ومثلاها للطير والوحش «2» .
فَهُمْ يُوزَعُونَ: يكفّون ويحبسون، أي: يحبس أولهم على آخرهم «3» .
ومعرفة تلك النّملة لسليمان «4» ، وحديث هدهد، على اختصاصهما به وحدهما في زمن نبيّ بما يكون معجزة له، بمنزلة كلام الذئب «5» وكلام الصّبيّ في المهد، وأمّا من كلّ نوع من الحيوان وفي كل زمن فلا فضل في معارف العجم منها على خاص مصالحها.
19 أَوْزِعْنِي: ألهمني، وحقيقته: كفّني عن الأشياء إلّا عن شكرك «6» .
20 وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ: هذا التفقد منه أدب/ للملوك والأكابر في
__________
(1) في الأصل: «خمس» ، والمثبت في النص من «ك» .
(2) أخرج نحوه الطبريّ في تفسيره: 19/ 141 عن محمد بن كعب، وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 589، كتاب التاريخ، باب «ذكر نبي الله سليمان بن داود وما آتاه الله من الملك صلى الله عليه وسلم» .
(3) عن معاني القرآن للزجاج: 4/ 112، وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 323:
«وأصل «الوزع» : الكفّ والمنع. يقال: وزعت الرجل: إذا كففته. و «وازع الجيش» هو الذي يكفهم عن التفرق، ويردّ من شذّ منهم» .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 92، وغريب القرآن لليزيدي: 286، وتفسير الطبري:
19/ 141، والمفردات للراغب: 521.
(4) يريد قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [آية: 18] .
(5) ثبت ذلك في حديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 4/ 149، كتاب الأنبياء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وذلك أن ذئبا اختطف شاة من الغنم أيام مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتزعها الراعي منه، فقال الذئب: من لها يوم السّبع.
وأما كلام الصّبي في المهد فمنه معجزة عيسى عليه الصلاة والسلام. قال تعالى: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [سورة آل عمران: آية: 46] .
(6) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: (4/ 112، 113) ، وانظر معاني القرآن للفراء:
2/ 289، وغريب القرآن لليزيدي: 286، وتفسير الطبري: 19/ 143، والمفردات للراغب: 522.
(2/631)

لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25)
استشفاف «1» أمر الجند ومقابلة من أخلّ منهم بمكانه من الإمكان بما يستحقه.
21 لَيَأْتِيَنِّي: إن كانت النون ثقيلة مشاكلة لقوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ، فحذفت إحداهما استثقالا، وإن كانت الخفيفة فلا حذف، ولكن أدغمت في نون الإضافة «2» .
22 مِنْ سَبَإٍ: صرفه لأنّه في الأصل اسم رجل غلب على اسم البلد «3» .
25 أَلَّا يَسْجُدُوا: ألا يا، ثم استؤنف وقال: اسجدوا، وليست «يا» للنداء «4» [بل استعملت للتنبيه كقول الشاعر:
ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد
] «5» .
وقريء: أَلَّا «6» يَسْجُدُوا أي: زيّن الشّيطان أعمالهم لئلا يسجدوا.
__________
(1) بمعنى النظر في أمرهم.
اللسان: 9/ 180 (شفف) . [.....]
(2) ينظر هذا المعنى في إعراب القرآن للنحاس: (3/ 202، 203) ، والكشف لمكي:
2/ 155.
وقراءة التشديد لابن كثير، وقرأ باقي السبعة بالتخفيف.
السبعة لابن مجاهد: 479، والتيسير للداني: 167.
(3) ينظر تفسير الطبري: 19/ 147، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 114، والتبيان للعكبري:
2/ 1007، والبحر المحيط: 7/ 66.
(4) ورد هذا التوجيه على قراءة التخفيف، وهي للكسائي من السبعة، وهي أيضا قراءة أبي جعفر، ويعقوب في رواية رويس عنه، وهما من العشرة.
قال الزجاج في معانيه: 4/ 115: «من قرأ بالتخفيف ف «ألا» لابتداء الكلام والتنبيه، والوقوف عليه «ألايا» ، ثم يستأنف فيقول: اسجدوا لله» .
وانظر السبعة لابن مجاهد: 480، والغاية في القراءات العشر لابن مهران: 226، والكشف لمكي: 2/ 156، والنشر: 3/ 226.
(5) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» ، والبيت في البحر: 7/ 68 غير منسوب، وفي اللسان:
2/ 276 (دمج) : الدملجة تسوية الشيء كما يدملج السوار. دملج الشّيء: إذا سوّاه وأحسن صنعته.
(6) في الأصل: «أن لا» ، وأثبت رسم المصحف، والتوجيه الذي ذكره المؤلف ورد لقراءة التشديد، وعلى هذه القراءة القراء السبعة إلا الكسائي.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 480، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 115، وحجة القراءات:
527، والكشف لمكي: 2/ 157، والبحر المحيط: 7/ 68.
(2/632)

أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)
31 أَلَّا «1» تَعْلُوا: موضع «أن» رفع على البدل من [كِتابٌ، أو نصب، بمعنى: بأن لا تعلوا «2» .
25 يُخْرِجُ الْخَبْءَ: غيب السّماوات والأرض «3» .
وقيل «4» : خبء السماوات المطر، وخبء الأرض النبات.
فِي السَّماواتِ: أي: منها، لأنّ ما أخرج من شيء فهو فيه قبله.
40 الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ: رجل من الإنس عنده علم اسم الله الأعظم الذي هو: يا إلهنا وإله الخلق جميعا إلها واحدا لا إله إلّا «5» أنت. وكان يجاب دعوته معجزة لسليمان.
قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ: أي: تديم النّظر حتى يرتدّ الطّرف كليلا «6» .
__________
(1) في الأصل: «أن لا» ، والمثبت موافق لرسم المصحف.
(2) إعراب القرآن للنحاس: 3/ 209، والبيان لابن الأنباري: (2/ 221، 222) ، والتبيان للعكبري: 2/ 1008.
(3) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 291.
(4) معاني القرآن للفراء: 2/ 291، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 324، وتفسير الطبري:
19/ 150.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: 13/ 163 عن الزهري، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره: 247 (سورة النمل) ، وفي إسناديهما عثمان بن مطر الشيباني، وهو ضعيف كما في التقريب:
386.
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 19/ 164 عن مجاهد، وكذا ابن أبي حاتم بإسناد صحيح، ينظر تفسيره: 253 (سورة النمل) .
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 361، وزاد نسبته إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.
(2/633)

وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49)
وقيل «1» : هو على المبالغة في السرعة.
و «العفريت» «2» : النافذ في الأمر مع خبث ونكر «3» .
وفي الحديث «4» : «إنّ الله يبغض العفرية «5» النّفرية» ، أي: الداهي الخبيث.
43 وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ: عن أن تهتدي للحق «6» . وقيل «7» : صدها سليمان عما كانت تعبد.
47 تُفْتَنُونَ: تمتحنون بطاعة الله ومعصيته.
49 تَقاسَمُوا: تحالفوا.
51 إنا دمرناهم: على الاستئناف «8» ، أو معناه بيان العاقبة، أي: انظر أيّ شيء كان عاقبة مكرهم، ثم يفسّره إنا دمرناهم.
ويقرأ أَنَّا «9» بمعنى لأنا دمّرناهم، أو على البدل من كَيْفَ.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 24/ 198.
(2) من قوله تعالى: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ [آية: 39] .
(3) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 294، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 324، وغريب الحديث للخطابي: 1/ 249، واللسان: 4/ 586 (عفر) . [.....]
(4) أورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية: 2/ 341، كتاب الطب، باب «كفارات المرض وثواب المريض» بلفظ: «إن الله يبغض العفريت النفريت ... » ، وهو من مسند الحارث بن أبي أسامة، رواه مرسلا.
والحديث باللفظ الذي أورده المؤلف- رحمه الله- في الفائق: 1/ 414، وغريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 107، والنهاية: 3/ 262.
(5) في «ج» : العفريت النفرية.
(6) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 19/ 167 عن مجاهد، وذكره الماوردي في تفسيره:
3/ 203 دون عزو.
(7) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 295، والطبري في تفسيره: 19/ 168، والماوردي في تفسيره:
3/ 203.
(8) على قراءة كسر الهمزة، وهي لنافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 484، والتبصرة لمكي: 282، والتيسير للداني: 168.
(9) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي كما في السبعة: 484.
وانظر توجيه هذه القراءة في حجة القراءات: 532، والكشف لمكي: 2/ 163، والبحر المحيط: 7/ 86.
(2/634)

فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66)
52 خاوِيَةً: خالية، وهي حال، أي: انظر إليها خاوية.
وهذه البيوت بواد القرى بين المدينة والشّام «1» .
54 تُبْصِرُونَ: تعلمون أنها فاحشة فهي أعظم لذنوبكم.
وقيل: يرى ذلك بعضهم من بعض/ عتوا وتمرّدا.
56 فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا: نصب جَوابَ خبرا ل «كان» لأنّ النفي أحق بالخبر «2» .
يَتَطَهَّرُونَ: قالوه هزءا.
والحاجز بين البحرين «3» : المانع أن يختلطا، وفيه دليل على إمكان كف النّار عن الحطب حتى لا تحرقه ولا تسخّنه.
66 بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ [تدارك] «4» أدغمت التاء في الدال واجتلبت ألف الوصل «5» ، والمعنى إحاطة علمهم في الآخرة بها عند مشاهدتهم وكانوا في [شك] «6» منها. أو هو تلاحق علمهم وتساويه بالآخرة بما في العقول من وجوب جزاء الأعمال.
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ من وقت ورودها، بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ: تاركون مع ذلك التأمل.
__________
(1) في تاريخ الطبري: 1/ 204: «وكانت ثمود بالحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله» .
وانظر هذا الموضع في معجم البلدان: 5/ 345، والروض المعطار: 602.
(2) معاني القرآن للزجاج: 4/ 126.
(3) من قوله تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً ... [آية: 61] .
(4) ما بين معقوفين عن هامش الأصل، وعن نسخة «ك» و «ج» .
(5) جاء بعده في إعراب القرآن للنحاس: 3/ 218: «لأنه لا يبتدأ بساكن، فإذا وصلت سقطت ألف الوصل وكسرت اللّام لالتقاء الساكنين» .
وانظر معاني القرآن للزجاج: 4/ 128، والكشف لمكي: 2/ 165.
(6) في الأصل: «شد» ، والمثبت في النص من «ك» .
(2/635)

قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)
72 رَدِفَ لَكُمْ: تبعكم ودنا منكم «1» ، واللام تقتضي زيادة تتابع واتصال مع الدنوّ حتى فسّر ب «عجل لكم» «2» .
82 وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ: وجب الغضب [عليهم] «3» - أو حق القول بأنهم لا يؤمنون- أخذوا بمبادئ العقاب بإخراج الدابّة.
وسئل- عليّ رضي الله عنه- عن دابّة الأرض فقال: والله ما لها ذنب وإنّ لها للحية «4» . وقال ابن عباس «5» - رضي الله عنهما-: هي دابّة ذات زغب «6» وريش تخرج من وادي تهامة «7» .
وفي الحديث «8» : «يخرج..........
__________
(1) انظر غريب القرآن لليزيدي: 288، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 326، والمفردات للراغب: 193.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره: 20/ 10 عن مجاهد، وأورده السيوطي في الدر المنثور:
6/ 375، وزاد نسبته إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن مجاهد.
وانظر معاني القرآن للزجاج: 4/ 128، وتفسير الماوردي: 3/ 209. [.....]
(3) المثبت عن «ك» ، وانظر هذا القول في معاني القرآن للفراء: 2/ 300، وتفسير الطبري: 20/ 13.
(4) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 397 (تفسير سورة النمل) ، وإسناده ضعيف لأن فيه يونس بن بكير، وهو صدوق يخطئ، ولعنعنة ابن إسحاق عمن روى عنه دون تصريحه بالسماع، وهو معروف بالتدليس.
ينظر ترجمة يونس بن بكير في الجرح والتعديل: 9/ 236، والتقريب: 613.
وترجمة ابن إسحاق في التقريب: 467.
(5) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 404 (تفسير سورة النمل) - بلفظ: «هي دابة ذات زغب وريش لها أربع قوائم ثم تخرج في بعض أودية تهامة» .
وإسناده صحيح ورجاله ثقات.
وأورد السيوطي هذا الأثر في الدر المنثور: 6/ 381، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، ونعيم بن حماد، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(6) الزّغب: صغار الريش ولينه، وقيل: هو دقاق الريش الذي لا يطول ولا يجود.
النهاية: 2/ 304، واللسان: 1/ 450 (زغب) .
(7) تهامة- بالكسر-: سهول ممتدة تساير البحر الأحمر من الجنوب إلى الشمال.
انظر معجم ما استعجم: 1/ 13، ومعجم البلدان: 2/ 63، والروض المعطار: 141.
(8) هذا جزء من حديث طويل أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 396، (تفسير سورة النمل) عن علي رضي الله عنه واللفظ عنده: «لتخرج حضر الفرس ثلاثا، وما خرج ثلثاها» .
وفي إسناده الليث بن أبي سليم بن زنيم. قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: 464:
«صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك» .
(2/636)

وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)
حضر «1» الفرس الجواد ثلاثا وما خرج ثلثها بعد» .
87 فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ: أسرع الإجابة «2» ، إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ:
من البهائم ومن لا ثواب له ولا عقاب.
ومن [حمله] «3» على الفزع بمعنى الخوف كان الاستثناء للملائكة والشهداء.
وفي الحديث «4» : «الشهداء ثنيّة الله في الخلق» : أي: استثناؤه فلا يصعقون وهم الأحياء المرزوقون.
89 مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ: أي: قال: لا إله إلّا الله «5» ، فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها:
أي: خيره كله منها، لا أنّ الجنّة خير من كلمة التوحيد.
88 وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً: أي: في يوم القيامة تجمع وتسيّر، وكلّ شيء عظم حتى غصّ به الهواء يكون في العين [واقفا وهو سائر] «6» .
صُنْعَ اللَّهِ: مصدر، وعامله معنى وَتَرَى الْجِبالَ: أي: صنع ذلك صنعا «7» .
__________
(1) في النهاية: 1/ 398: «الحضر- بالضم-: العدو، وأحضر يحضر فهو محضر إذا عدا» .
(2) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 212، ونقله القرطبي في تفسيره: 13/ 240 عن الماوردي.
(3) في الأصل: «حمل» ، والمثبت في النص عن «ك» و «ج» .
(4) ذكره البغوي في تفسيره: 3/ 431، وهو من قول كعب الأحبار كما في غريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 130، والنهاية لابن الأثير: 1/ 225.
ونسب أيضا إلى سعيد بن جبير.
(5) تفسير الطبري: 20/ 22، وتفسير الماوردي: 3/ 213، وتفسير البغوي: 3/ 432.
(6) في الأصل و «ج» : «واقفة وهي سائرة» ، وأثبت ما أشار إليه الناسخ في نسخة أخرى.
وانظر هذا المعنى في تأويل مشكل القرآن: 4، وتفسير البغوي: 3/ 432، وتفسير القرطبي: 13/ 242.
(7) ينظر معاني القرآن للزجاج: 4/ 130، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 224، والبيان لابن الأنباري: 2/ 227.
(2/637)

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)
ومن سورة/ القصص
[73/ أ]
4 شِيَعاً: فرقا، أي: فرّق بني إسرائيل فجعلهم خولا للقبط.
5 وَنُرِيدُ: واو الحال «1» ، أي: يريد فرعون أمرا في حال إرادتنا لضده. وفيه بيان أن سنتنا فيك وفي قومك كهي في موسى وفرعون.
7 وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى: ألهمناها «2» ، ويجوز رؤيا منام «3» .
فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ: أن يسمع جيرانك صوته «4» ، وكان موسى ولد في عام القتل، وهارون في عام الاستحياء إذ بنو إسرائيل تفانوا بالقتل «5» ،
__________
(1) قال أبو حيان في البحر المحيط: 7/ 104: وَنُرِيدُ: حكاية حال ماضية، والجملة معطوفة على قوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ، لأن كلتيهما تفسير للبناء، ويضعف أن يكون حالا من الضمير في يَسْتَضْعِفُ لاحتياجه إلى إضمار مبتدأ، أي: ونحن نريد، وهو ضعيف.
وإذا كانت حالا فكيف يجتمع استضعاف فرعون وإرادة المنة من الله، ولا يمكن الاقتران» . [.....]
(2) ذكره الزجاج في معانيه: 4/ 133، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 216 عن ابن عباس، وقتادة.
(3) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 216، وقال: «حكاه أبو عيسى» ، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير: 6/ 202 عن الماوردي.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 11/ 262: «وجملة أمر أم موسى أنها علمت أن الذي وقع في نفسها هو من عند الله ووعد منه، يقتضي ذلك قوله تعالى: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
(4) الكشاف: 3/ 165، وزاد المسير: 6/ 202.
(5) في اللسان: 15/ 164 (فنى) : «تفانى القوم قتلا: أفنى بعضهم بعضا، وتفانوا أي أفنى بعضهم بعضا في الحرب» .
(2/638)

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12)
فقالت القبط: خولنا منهم، وقد فنيت شيوخهم موتا وأولادهم قتلا «1» .
10 فارِغاً: أي: من كلّ شيء إلّا من ذكر موسى «2» ، أو من موسى أيضا لأنّ الله أنساها ذكره، أو ربط على قلبها وآنسه.
والربط على القلب تقويته بإلهام الصّبر «3» .
إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ: لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت كادت تصيح وتقول: يا ابناه «4» .
11 قُصِّيهِ: اتبعي أثره لتعلمي خبره «5» .
عَنْ جُنُبٍ: عن بعد وجنابة «6» . وقيل: عن جانب كأنها ليست تريده.
12 وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ: تحريم منع لا شرع «7» .
مِنْ قَبْلُ: من قبل أن تجيء أخته»
. ومن أمر الله أن استخدم لموسى- عليه السلام- عدوّه في كفالته وهو يقتل العالم لأجله.
__________
(1) تفسير ابن كثير: (6/ 231، 232) ، والدر المنثور: (6/ 389، 390) .
(2) ذكره اليزيدي في غريب القرآن: 289، وأخرجه الطبري في تفسيره: (20/ 35، 36) عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك.
ورجحه الطبري، وذكره البغوي في تفسيره: 3/ 437، وقال: «هذا قول أكثر المفسرين» .
(3) عن الزجاج في معاني القرآن: 4/ 134، وزاد المسير: 6/ 205.
(4) نص هذا القول في تفسير البغوي: 3/ 437 عن مقاتل.
وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 303، وتفسير الطبري: 20/ 37، وزاد المسير: 6/ 205.
(5) معاني القرآن للفراء: 2/ 202، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 98، والمفردات للراغب:
404.
(6) ورد هذا المعنى، وكذلك القول الذي بعده في أثر ذكره الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما معلقا. انظر صحيح البخاري: 6/ 18، كتاب التفسير، سورة القصص، الباب الأول.
(7) ينظر تفسير الطبري: 20/ 40، وتفسير القرطبي: 13/ 257.
(8) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 219، وقال: «وفي قوله: مِنْ قَبْلُ وجهان أحدهما: ما ذكرناه (أي من قبل مجيء أخته) ، الثاني: من قبل رده إلى أمه» .
(2/639)

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17)
14 وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ: بلغ نهاية القوة وهي ثلاث وثلاثون سنة «1» .
ويجوز واحد الأشدّ «شدّة» «2» ك «نعمة» و «أنعم» ، وشد ك «فلس» و «أفلس» وشدّ يقال: هو «ودّي» والجمع أودّ «3» .
وَاسْتَوى: استحكم وانتهى شبابه، وذلك إذا تم له أربعون «4» .
15 عَلى حِينِ غَفْلَةٍ: نصف النهار وقت القائلة.
هذا مِنْ شِيعَتِهِ: إسرائيلي.
فَوَكَزَهُ مُوسى: دفعه بجمع «5» كفه.
فَقَضى عَلَيْهِ: قتله.
هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ: لأنّ الغضب من نفخ الشّيطان.
17 فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً: دخلت الفاء لأنه يدل أنه لا يكون ظهيرا لهم لما أنعم الله عليه، فهو كجواب الجزاء في أن الثاني لأجل الأول «6» .
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 20/ 42 عن قتادة، ونقله الماوردي في تفسيره:
3/ 220 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) قال المؤلف- رحمه الله- في كتابه وضح البرهان: 2/ 148: «والأشد لا واحد له من لفظه، وقيل: واحده شدة ... » .
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 99، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 215، واللسان: (3/ 235، 236) (شدد) . [.....]
(3) اللسان: 3/ 445 (ودد) .
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 20/ 42 عن مجاهد، وقتادة، وابن زيد.
وانظر هذا المعنى في معاني القرآن للفراء: 3/ 52، والمحرر الوجيز: 11/ 273.
(5) عن مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 99، وجمع الكفّ: حين تقبضها، يقال: ضربوه بإجماعهم إذا ضربوا بأيديهم. وضربته بجمع كفي- بضم الجيم-» .
وانظر الصحاح: 3/ 1198، واللسان: 8/ 56 (جمع) .
(6) ينظر إعراب القرآن للنحاس: 3/ 232، وتفسير القرطبي: 13/ 263، والبحر المحيط:
7/ 110.
(2/640)

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)
18 فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ: أي: الإسرائيلي الذي خلصه موسى استغاث به ثانيا، فقال له/ موسى: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ، أي:
للقبطي «1» ، فظنّ الإسرائيليّ أنّه عناه، فقال: تريد أن تقتلني كما قتلت [نفسا بالأمس] «2» وسمعه القبطيّ فسعى به «3» .
20 وَجاءَ رَجُلٌ: كان نجارا مؤمنا من آل فرعون اسمه حزبيل «4» .
20 يَأْتَمِرُونَ بِكَ: يتشاورون في قتلك، أي: يأمر بعضهم بعضا.
21 خائِفاً يَتَرَقَّبُ: أن يلحقه من يطلبه.
تَذُودانِ: غنمهما أن تقرب الماء «5» .
يُصْدِرَ «6» الرِّعاءُ: ينصرف الرعاة، ويُصْدِرَ: قريب من يصدر لأنّ الرعاة إذا صدروا فقد أصدروا، إلّا أنّ المفعول في يُصْدِرَ
__________
(1) وقيل: بل قال ذلك للإسرائيلي. ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 222، والبغوي في تفسيره: 3/ 440. ووصفه البغوي بأنه أصوب وعليه الأكثرون.
(2) ما بين معقوفين عن «ك» .
(3) أخرج الطبري نحو هذه الرواية في تفسيره: 20/ 48 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر تفسير الماوردي: 3/ 222، وتفسير ابن كثير: (6/ 235، 236) .
(4) كذا في «ك» ، والذي ورد في التفاسير: «حزقيل» .
ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 223 عن الضحاك، والكلبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 402 وعزا إخراجه إلى ابن المنذر عن ابن جريج.
قال القرطبي في تفسيره: 13/ 266: «قال أكثر أهل التفسير: هذا الرجل هو حزقيل بن صورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون. ذكره الثعلبي» .
(5) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 332: «أي تكفان غنمهما» . وحذف «الغنم اختصارا» .
(6) بفتح الياء وضم الدال، وهي قراءة ابن عامر، وأبي عمرو. وقرأ باقي السبعة بضم الياء وكسر الدال.
السبعة لابن مجاهد: 492، والتبصرة لمكي: 286، والتيسير للداني: 171.
وانظر توجيه القراءتين في معاني الزجاج: 4/ 139، وحجة القراءات: 543، والكشف لمكي: 2/ 173.
(2/641)

فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32)
محذوف كما هو محذوف في [قوله] «1» : لا نَسْقِي، وتَذُودانِ.
24 رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ: كان أدركه جوع شديد «2» .
25 نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: ليس لفرعون سلطان بأرضنا. وكان بين مصر ومدين «3» ثماني ليال نحو ما بين الكوفة والبصرة.
26 الْقَوِيُّ الْأَمِينُ: قوّته سقية الماشية بدلو واحدة وحده.
وأمانته غضّ طرفه وأمره لها أن تمشي خلفه.
27 عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي: تأجر لي، أي: تكون أجيرا لي «4» ، وإن كان الصداق لها، إذ مال الولد في الإضافة للوالد، ولأنّ القبض إليه.
28 وَكِيلٌ: شاهد على عقدنا.
29 جَذْوَةٍ: قطعة من النار «5» . جذوت: قطعت.
31 تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ: انقلاب العصا حيّة دليل أن الجواهر جنس واحد، إذ لا حال أبعد إلى الحيوان من الخشب.
32 وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ: اضمم يدك إلى صدرك يذهب الله ما بك من فرق «6» ، أي: لأجل الحيّة. أو هو على التوطين والتسكين
__________
(1) عن نسخة «ج» .
(2) ينظر تفسير الطبري: (20/ 58، 59) ، وتفسير الماوردي: 3/ 225، وتفسير البغوي:
3/ 441.
(3) مدين: بفتح أوله وسكون ثانيه، وفتح الياء المثناة من تحت، وآخره نون مدينة على البحر الأحمر محاذية لتبوك، وهي مدينة شعيب عليه السلام.
معجم البلدان: 5/ 77، والروض المعطار: 525.
(4) هذا قول الزجاج في معانيه: 4/ 141، وانظر تفسير البغوي: 3/ 442، وزاد المسير:
6/ 215، واللسان: 4/ 11 (أجر) . [.....]
(5) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 332، وتفسير الطبري: 20/ 69، والمفردات: 90، واللسان: 14/ 138 (جذا) .
(6) الفرق- بالتحريك-: الخوف والفزع.
الصحاح: 4/ 1541، واللسان: 10/ 304 (فرق) ، والنهاية: 3/ 438.
(2/642)

وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)
كما يقال: ليسكن جأشك وليفرخ روعك «1» .
والحكمة في تكرر هذه القصص أنّ المواعظ تكرر على الأسماع ليتقرر في الطباع. أو هو التحدي إلى الإتيان بمثله، ولو بترديد بعض هذه القصص، أو تسلية للنّبيّ وتحسيرا للكافرين حالا بعد حال.
41 وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً: من الجعل بمعنى «الوصف» ، كقوله: جعلته رجل سوء «2» . أو ذلك في الحشر حيث يقدمون أتباعهم إلى النار.
42 مِنَ الْمَقْبُوحِينَ: الممقوتين، قبحه الله وقبّحه «3» .
قال عمّار لمن تناول عائشة: اسكت مقبوحا منبوحا «4» .
__________
(1) ينظر ما سبق في تفسير البغوي: 3/ 445، والكشاف: 3/ 175، والمحرر الوجيز:
11/ 298، وزاد المسير: 6/ 219، وتفسير القرطبي: 13/ 284.
(2) ذكر نحوه الزمخشري في الكشاف: 3/ 180، فقال: «معناه: ودعوناهم أئمة دعاة إلى النار، وقلنا: إنهم أئمة دعاة إلى النار كما يدعى خلفاء الحق أئمة دعاة إلى الجنة، وهو من قولك: جعله بخيلا وفاسقا إذا دعاه وقال إنه بخيل وفاسق. ويقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله جعله بخيلا وفاسقا، ومنه قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً اه.
وأورد الفخر الرازي نحو هذا القول في تفسيره: 24/ 254 عن الجبائي، من أئمة المعتزلة.
وقال الفخر الرازي: «تمسك به الأصحاب في كونه- تعالى- خالقا للخير والشر» .
وأورد أبو حيان في البحر: 7/ 120 نص كلام الزمخشري، وعقّب عليه بقوله: «وإنما فسر «جعلناهم» بمعنى: دعوناهم لا بمعنى صيّرناهم جريا على مذهبه من الاعتزال لأن في تصييرهم أئمة خلق ذلك لهم، وعلى مذهب المعتزلة لا يجوزون ذلك من الله ولا ينسبونه إليه» .
(3) إذا جعله قبيحا.
انظر تفسير البغوي: 3/ 447، والمفردات للراغب: 390، وتفسير القرطبي:
13/ 290.
(4) أي: مبعدا، وانظر قول عمار رضي الله عنه في الفائق: 3/ 402، وغريب الحديث لابن الجوزي: 2/ 215، والنهاية: 4/ 3.
(2/643)

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)
[74/ ب] ساحران «1» تظاهرا/: هما موسى ومحمد «2» عليهما السلام، وذلك حين بعث أهل مكة إلى يهود مدينة فأخبروه بنعته وأوان مبعثه من كتابهم، وسِحْرانِ: التوراة والقرآن «3» .
49 هُوَ أَهْدى مِنْهُما: من كتابي موسى ومحمد عليهما السلام.
51 وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ: في الخبر عن أمر الدنيا والآخرة «4» .
وقيل «5» : بما أهلكنا من القرون قبلهم ليتذكروا.
52 بِهِ يُؤْمِنُونَ: بالقرآن «6» .
54 مَرَّتَيْنِ: أي: بإيمانهم بالكتاب قبل محمد وبالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.
55 سَلامٌ عَلَيْكُمْ: بيننا وبينكم المتاركة والتسليم.
61 مِنَ الْمُحْضَرِينَ: للجزاء أو إلى النار «7» .
__________
(1) هذه قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي سِحْرانِ بدون ألف قبل الحاء.
ينظر السبعة لابن مجاهد: 495، والتبصرة لمكي: 287، والتيسير للداني: 172.
(2) معاني القرآن للفراء: 2/ 306، وتفسير الطبري: (20/ 83، 84) ، ومعاني الزجاج:
4/ 148، والكشف لمكي: 2/ 175.
(3) معاني القرآن للفراء: 2/ 306، وتفسير الطبري: 20/ 84، وتفسير الماوردي: 3/ 231، وحجة القراءات: 547.
(4) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 20/ 88 عن ابن زيد.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 231، والبغوي في تفسيره: 3/ 449 عن ابن زيد أيضا.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: 20/ 88 عن قتادة، وانظر هذا القول في معاني القرآن للزجاج:
4/ 148، وتفسير الماوردي: 3/ 231، وتفسير القرطبي: 13/ 296.
(6) ذكره الطبري في تفسيره: 20/ 88، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 232 عن يحيى بن سلام.
وانظر تفسير البغوي: 3/ 449.
(7) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 334، وأخرجه الطبري في تفسيره: 20/ 97 عن قتادة، ومجاهد.
وانظر تفسير الماوردي: 3/ 235، وتفسير البغوي: 3/ 451.
(2/644)

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75) إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)
68 وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ: أي: الذي هو خير «1» لهم.
ويجوز نفيا «2» ، أي: ما كان لهم الخيرة على الله وله الخيرة عليهم.
76 إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى: كان ابن أخته «3» .
بغى عليه «4» : طلب العلو بغير حق.
لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ: يثقلها حتى تمليها كأنه لتميل «5» بالعصبة من الثقل.
ناء: مال، والنّوء: الكوكب، مال عن العين عند الغروب «6» .
لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ: البطرين «7» .
__________
(1) تكون «ما» على هذا المعنى موصولة.
ذكره الزجاج في معانيه: 4/ 125، والنحاس في إعراب القرآن: 3/ 241، والزمخشري في الكشاف: 3/ 188، وأبو حيان في البحر المحيط: 7/ 129، وهو اختيار الطبري في تفسيره: 20/ 100. [.....]
(2) رجحه الزجاج في معانيه: (4/ 151، 152) ، وانظر هذا القول في البيان لابن الأنباري:
2/ 235، والتبيان للعكبري: 2/ 1024، والبحر المحيط: 7/ 129.
(3) كذا في «ك» ، ولم أقف على هذا القول، والذي ورد في التفاسير أنه ابن أخيه، فلعله تصحف هنا.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 11/ 329: «واختلف الناس في قرابة قارون لموسى عليه السلام، فقال ابن إسحاق: هو عمه. وقال ابن جريج، وإبراهيم النخعي: هو ابن عمه، وهذا أشهر، وقيل: ابن خالته، فهو بإجماع رجل من بني إسرائيل، كان ممن آمن بموسى، وحفظ التوراة، وكان من أقرأ الناس لها، وكان عند موسى عليه السلام من عبّاد المؤمنين، ثم لحقه الزهو والإعجاب ... » .
وانظر الاختلاف في قرابته لموسى عليه السلام في تفسير الطبري: 20/ 105، وتفسير البغوي: 3/ 454، وتفسير ابن كثير: 6/ 263.
(4) يريد قوله تعالى: فَبَغى عَلَيْهِمْ [آية: 76] .
(5) في «ج» : تميل.
(6) الصحاح: 1/ 79، واللسان: 1/ 176 (نوا) .
(7) غريب القرآن لليزيدي: 293، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 335، وتفسير الطبري:
20/ 111، وتفسير القرطبي: 13/ 313.
(2/645)

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85)
79 فِي زِينَتِهِ: في موكبه على بغلة شهباء بمركب ذهب في لباس أرجواني «1» .
81 فَخَسَفْنا بِهِ: قال موسى: يا أرض خذيه فابتلعته، فقيل: أهلكه ليرثه، فخسف بداره «2» .
82 وَيْكَأَنَّ اللَّهَ: قيل: «وي» مفصول، وهو اسم سمّي به الفعل، أي:
أعجب، ثم ابتدأ وقال: «كأن الله يبسط» «3» .
وقيل «4» : بأنه «ويك بأنّ الله» فحذفت الباء، ومعناه: ألم تر؟ أو ألم تعلم؟ أو معناه: «ويح» أو «ويلك» «5» ، ومعنى الجميع التنبيه.
85 فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ: أنزل على لسانك فرائضه «6» ، أو فرض العمل به «7» أو حملك تبليغه «8» .
__________
(1) أخرج نحوه الطبري في تفسيره: 20/ 115، عن ابن جريج، والحسن.
ونقله البغوي في تفسيره: 3/ 455 عن مقاتل، وعزاه ابن الجوزي في زاد المسير:
6/ 243 إلى وهب بن منبه.
قال الزجاج في معاني القرآن: 4/ 156: «الأرجوان في اللغة صبغ أحمر» .
(2) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 3/ 240 عن مقاتل، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 245، والقرطبي في تفسيره: 13/ 317.
(3) هذا قول الخليل في كتابه: العين 8/ 443، وهو عن الخليل أيضا في الكتاب لسيبويه:
2/ 154، وتأويل مشكل القرآن: 526، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 157، وصحح الزجاج هذا القول.
(4) انظر هذا القول في الكتاب لسيبويه: 2/ 154، ومعاني الأخفش: 2/ 654، وتفسير الطبري: 20/ 120، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 156، والبحر المحيط: 7/ 135.
(5) ذكره الخليل في العين: 8/ 442. وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 312، ومعاني الزجاج:
4/ 156، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 244.
(6) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 241 عن ابن بحر.
(7) ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 336، والزجاج في معانيه: 4/ 157، وأورده الماوردي في تفسيره: 3/ 241، وقال: «حكاه النقاش» .
ونقله البغوي في تفسيره: 3/ 458 عن عطاء.
(8) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 241، وقال: «حكاه ابن شجرة» . [.....]
(2/646)

وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ: مكة «1» . نزلت ب «الجحفة» حين عسف «2» به الطريق إليها فحنّ.
88 إِلَّا وَجْهَهُ: إلّا ما أريد به وجهه «3» .
__________
(1) ورد هذا القول في أثر أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 6/ 18، كتاب التفسير، باب إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وانظر هذا القول في تفسير الطبري: 20/ 125، وتفسير الماوردي: 3/ 241، وتفسير ابن كثير: 6/ 270.
(2) قال ابن الأثير في النهاية: 3/ 237: «العسف في الأصل: أن يؤخذ المسافر على غير طريق ولا جادة ولا علم» .
وفي الصحاح: 4/ 1403 (عسف) : «العسف: الأخذ على غير الطريق» .
(3) ذكره الإمام البخاري في صحيحه: 6/ 17، كتاب التفسير، تفسير سورة القصص.
وذكره الطبري في تفسيره: 3/ 127، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 242 عن سفيان الثوري، وأورده ابن الجوزي في تفسيره: 6/ 252، وقال: «رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الثوري» .
(2/647)

أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10)
ومن سورة العنكبوت
2 أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: موضع أَنْ نصب بمعنى: لأن يقولوا، أو على البدل من أَنْ الأولى فيعمل فيه «حسب» «1» .
وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ: بالأوامر والنواهي «2» ، أو في أموالهم وأنفسهم «3» .
3 فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ: يظهرنّه ويميّزنّه، أو يعلمه كائنا واقعا.
[75/ أ] 4 أَنْ يَسْبِقُونا: يفوتونا فوت السابق لغيره «4» /.
5 مَنْ كانَ يَرْجُوا: ... مَنْ رفع بالابتداء، وكانَ خبره، وجواب الجزاء فَإِنَّ، كقولك: إن كان زيد في الدار فقد صدق الوعد.
7 وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ: هو طاعتهم لله فلا شيء أحسن منه.
10 جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ: في قوم من مكة أسلموا، فلما فتنوا وأوذوا ارتدّوا «5» .
__________
(1) عن معاني القرآن للزجاج: (4/ 159، 160) ، وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 314، وتفسير الطبري: 20/ 128، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 247، والبحر المحيط:
7/ 139.
(2) ذكره البغوي في تفسيره: 3/ 460، وابن الجوزي في زاد المسير: 6/ 255 دون عزو.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 20/ 128 عن مجاهد. ونقله الماوردي في تفسيره:
3/ 243، عن مجاهد أيضا. وانظر معاني القرآن للزجاج: 4/ 159.
(4) تفسير الطبري: 20/ 130، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 160، وزاد المسير: 6/ 256.
(5) أخرجه الطبري في تفسيره: 20/ 133 عن الضحاك، ونقله الواحدي في أسباب النزول:
396 عن الضحاك أيضا.
وانظر الدر المنثور: 6/ 453.
(2/648)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (15) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22)
12 وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ: أي: اكفروا، فإن كان عليكم شيء فهو علينا.
13 وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ: أي: أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم «1» ، أو هي أوزار السنن الجائرة «2» .
20 يُنْشِئُ النَّشْأَةَ: أي: ينشئ الخلق فينشئون. وقريء (النشاءة) «3» .
21 يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ: بالانقطاع إلى الدنيا «4» . وقيل «5» : بسوء الخلق.
22 وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ: لو كنتم فيها «6» ،
__________
(1) ذكره الطبري في تفسيره: 20/ 135، وأخرج نحو هذا القول عن ابن زيد.
وقال البغوي في تفسيره: 3/ 463: «نظيره قوله عز وجل: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ [النحل: 25] .
(2) نص هذا القول في تفسير الماوردي: 3/ 245، ويدل عليه الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: 4/ 2674، كتاب العلم، باب «من سن سنة حسنة أو سيئة» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» .
(3) هذه قراءة أبي عمرو، وابن كثير كما في السبعة لابن مجاهد: 498، والتبصرة لمكي:
289، والتيسير للداني: 173.
وقال مكي في الكشف: 2/ 178: «والنشاءة- بالمد- هو المصدر كالإعطاء، يدل على المدّة الثانية في الخلق كالكرة الثانية، فهو مصدر صدر من غير لفظ (ينشئ) ، ولو صدر عن لفظ (ينشى) لقال: الإنشاءة الآخرة، والتقدير فيه: ثم الله ينشئ الأموات، فينشئون النشأة الآخرة، فهو مثل قوله: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً [آل عمران: 37] ... » .
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 246.
(5) المصدر السابق.
(6) ذكره الطبري في تفسيره: 20/ 140، والزجاج في معانيه: 4/ 165.
وانظر تفسير البغوي: 3/ 464، والمحرر الوجيز: 11/ 375. [.....]
(2/649)

فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32)
أو هو على تقدير: ولا من في السماء «1» .
26 مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي: خارج عن جملة الظالمين على جهة الهجر لهم إلى حيث أمرني ربي، وقد كان هاجر من «كوثى» «2» قرية بسواد الكوفة إلى الشّام.
25 مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ: أي: الآلهة التي اتخذتموها من دونه تتوادّون بها في الدنيا وتتبرأون منها يوم القيامة، فتكون مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ مبتدأ «3» ، والخبر فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، أي: مودّة بينكم بسببها كائنة في الدنيا ثم ينقطع يوم القيامة.
29 وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ: أي: سبيل الولد برفض النساء «4» .
32 مِنَ الْغابِرِينَ: الباقين في العذاب.
__________
(1) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2/ 315، ثم قال: «وهو من غامض العربية، للضمير الذي لم يظهر في الثاني» .
قال أبو حيان في البحر: 7/ 247: «وهذا عند البصريين لا يكون إلا في الشعر لأن فيه حذف الموصول وإبقاء صلته» .
وانظر القول الذي أورده المؤلف- رحمه الله- في تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: 217، وتفسير الطبري: 20/ 139، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 165، والمحرر الوجيز:
11/ 375.
(2) كوثى- بالضم ثم السكون، والثاء مثلثة، وألف مقصورة.
كذا ضبطه ياقوت في معجم البلدان: 4/ 487.
وانظر هذا الموضع في معجم ما استعجم: 4/ 1138، والروض المعطار: 503.
أما السواد فسمي بذلك لسواده بالزروع والنخيل والأشجار.
معجم البلدان: 3/ 272.
(3) على قراءة أبي عمرو، والكسائي، وابن كثير برفع «مودة» .
انظر السبعة لابن مجاهد: 499، والتيسير للداني: 173، والكشف لمكي: 2/ 178، وحجة القراءات: 550، والتبيان للعكبري: 2/ 1031.
(4) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 316، وانظر معاني القرآن للزجاج: 2/ 168، وتفسير الماوردي: 2/ 247، والمحرر الوجيز: 11/ 383، وزاد المسير: 6/ 268.
(2/650)

وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49)
38 وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ: عقلاء ذوي بصائر «1» ، أو مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها «2» .
41 لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ: إذ لا يكنّ «3» من حرّ أو برد ولا يحصّن عن طالب.
45 وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ: أي: ذكر الله لكم بالرحمة أكبر من ذكركم له بالثناء «4» ، أو ذكركم الله أفضل من جميع عملكم.
46 إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: أي: في إيراد الحجة من غير سباب واضطراب.
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ: أي: منع الجزية وقاتل «5» ، أو أقام على الكفر بعد أن حجّ وألزم «6» .
49 بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ: أي: حفظ القرآن وحفظ الكتاب
__________
(1) هذا قول الفراء في معانيه: 2/ 317، ونقله البغوي في تفسيره: 3/ 467 عن الفراء أيضا، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 6/ 272، والقرطبي في تفسيره: 13/ 344.
(2) نص هذا القول في تفسير القرطبي: 20/ 150، ونقله البغوي في تفسيره: 3/ 467 عن قتادة، ومقاتل، والكلبي.
(3) أي: لا يفي ولا يصون.
الصحاح: 6/ 2188، واللسان: 13/ 361 (كنن) .
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (20/ 156، 157) عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 466، وعزا إخراجه إلى ابن السّني، وابن مردويه، والديلمي عن ابن عمر مرفوعا.
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 6/ 292: «روي هذا من غير وجه عن ابن عباس، وروي أيضا عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وسلمان الفارسي وغيرهم» .
(5) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 21/ 1 عن مجاهد، وأورده السيوطي في الدر المنثور: (6/ 468، 469) ، وزاد نسبته إلى الفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد أيضا.
(6) ذكره الطبري في تفسيره: 21/ 2، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 249 عن ابن زيد.
(2/651)

يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63) وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66)
بتمامه لهذه الأمّة «1» .
[75/ ب] وفي الحديث «2» : «أنا جيلهم في/ صدورهم وقرابينهم من نفوسهم» .
56 فَإِيَّايَ
: الفاء للجزاء، بتقدير: إن ضاق بكم موضع فإيّاي فاعبدون، لأنّ أرضي واسعة «3» .
60 وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ: لما أمروا بالهجرة قالوا: ليس لنا بالمدينة منازل ولا أموال «4» .
لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا: لا تدّخر «5» .
66 لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ: على الوعيد، كقوله «6» : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.
__________
(1) ذكره الطبري في تفسيره: 21/ 6، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 250، والبغوي في تفسيره: 3/ 471 عن الحسن.
(2) ورد نحو هذا القول في حديث طويل أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة: 1/ 77- 79 عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا وفي إسناده سهيل بن أبي صالح.
قال أبو نعيم: «وهذا الحديث من غرائب حديث سهيل، لا أعلم أحدا رواه مرفوعا إلا من هذا الوجه، تفرد به الربيع بن النعمان وبغيره من الأحاديث عن سهيل، وفيه لين» .
والحديث بلفظ: «أناجيلهم في صدورهم يصفون للصلاة كما يصفون للقتال، قربانهم الذي يتقربون به إليّ دماؤهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار» .
في معجم الطبراني: 10/ 110 حديث رقم (10046) ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: 8/ 274 وقال: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم.
(3) ينظر معاني القرآن للزجاج: (4/ 172، 173) ، والكشاف: 3/ 210، والبحر المحيط:
7/ 157.
(4) نقله الماوردي في تفسيره: 3/ 253 عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذا القرطبي في تفسيره: 13/ 360. [.....]
(5) معاني القرآن للفراء: 2/ 318، وتفسير الطبري: 21/ 11، ومعاني الزجاج: 4/ 173، وتفسير القرطبي: 13/ 359.
(6) سورة الكهف: آية: 29.
(2/652)

غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)
ومن سورة الروم
2 غُلِبَتِ الرُّومُ: غلبتهم الفرس في زمن «أنو شروان» «1» ، فأخبر الله رسوله أنّ الروم ستدال «2» على فارس فغلبوهم عام الحديبية «3» .
3 فِي أَدْنَى الْأَرْضِ: في الجزيرة «4» ، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس.
4، 5 وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ: الروم على فارس لتصديق الوعد.
أو لأنّ ضعف فارس قوة العرب» .
7 يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا: أي: عمرانها «6» ، متى يزرعون
__________
(1) ذكر السهيلي في التعريف والإعلام: 134 أن كسرى الفرس حين غلبوا الروم كان أبرويز بن هرمز بن أنو شروان.
وذكر الطبري في تاريخه: 2/ 154 أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد أنو شروان، وأنه مات وعمر النبي صلى الله عليه وسلم ست سنوات.
وانظر أخباره في تاريخ الطبري: (2/ 98، 154، 172) ، والمعارف لابن قتيبة: 663.
(2) في «ك» : «ستبدل» ، وفي «ج» : «يدال» .
(3) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 256، وانظر زاد المسير: 6/ 289، وتفسير القرطبي:
14/ 4.
(4) الجزيرة: موضع بين العراق والشام، ويطلق على البلاد العليا التي ما بين النهرين الجزيرة.
معجم ما استعجم: 2/ 381، ومعجم البلدان، 2/ 134، وبلدان الخلافة الشرقية: 40.
(5) عن تفسير الماوردي: 3/ 257، وانظر تفسير الطبري: 21/ 17، وتفسير البغوي:
(3/ 475، 476) .
(6) أخرج عبد الرزاق نحو هذا القول في تفسيره: 2/ 102 عن قتادة.
وأخرجه الطبري في تفسيره: 21/ 22 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 484، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(2/653)

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24)
ويحصدون، وكيف يبنون، ومن أين يعيشون.
8 إِلَّا بِالْحَقِّ: إلّا بالعدل، أو إلّا للحق، أي: لإقامة الحق «1» .
10 السُّواى: أي: النّار «2» .
15 يُحْبَرُونَ: يسرّون «3» . والحبرة كل نعمة حسنة «4» .
17 فَسُبْحانَ اللَّهِ: سبحوا الله في هذه الأوقات، وهو مصدر عقيم بمعنى تسبيح الله وتنزيهه.
21 مِنْ أَنْفُسِكُمْ: من شكل أنفسكم.
لِتَسْكُنُوا إِلَيْها: سكون أنس إذا كانت من جنسها.
24 وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ: تقديره: ومن آياته البرق يريكم، أو آية يريكم البرق فيها «5» .
__________
(1) عن معاني القرآن للزجاج: 4/ 178، وانظر تفسير الطبري: 21/ 24، وتفسير الماوردي:
3/ 258، وتفسير البغوي: 3/ 478.
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 21/ 25 عن قتادة، وذكره الفراء في معانيه:
2/ 322.
وانظر هذا القول في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 340، ومعاني الزجاج: 4/ 179، وتفسير القرطبي: 14/ 10.
(3) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 120، وغريب القرآن لليزيدي: 297، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 340، وتفسير الطبري: 21/ 27.
(4) هذا قول الزجاج في معانيه: 4/ 180، وانظر المحرر الوجيز: 11/ 436، وزاد المسير:
6/ 293، واللسان: 4/ 158 (حبر) .
(5) جاء في وضح البرهان: (2/ 166، 167) : «ولم يجيء «أن» في يُرِيكُمُ الْبَرْقَ لأنه عطف على وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ فكان المعطوف بمعنى المصدر، ليكون عطف اسم على اسم. وقيل: تقديره: ويريكم البرق خوفا وطمعا من آياته، فيكون عطف جملة على جملة» اه.
وانظر تفسير الطبري: 21/ 33، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 182، والبيان لابن الأنباري:
2/ 250.
(2/654)

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)
خَوْفاً: للمسافر، وَطَمَعاً: للمقيم «1» .
أو خَوْفاً: من الصّواعق، وَطَمَعاً: في الغيث «2» .
25 إِذا دَعاكُمْ: أخرجكم بما هو بمنزلة الدعاء «3» .
27 وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ: أي: عندكم «4» ، أو أهون على المعاد لأنّه في الابتداء ينقل حالا فحالا «5» .
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى: الصفة العليا، أي: إذا كان من بنى بناء يهون «6» عليه إعادته مع نقصه فمن لا يلحقه النقص والعجز أحق بالإعادة لما خلق.
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 21/ 32 عن قتادة، ونقله الماوردي في تفسيره:
3/ 263 عن قتادة.
وكذا ابن عطية في المحرر الوجيز: 11/ 444، والقرطبي في تفسيره: 14/ 18.
وعقب عليه ابن عطية بقوله: «ولا وجه لهذا التخصيص ونحوه، بل الخوف والطمع لكل بشر» . [.....]
(2) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 3/ 263 عن الضحاك، وكذا ابن عطية في المحرر الوجيز: 11/ 445، والقرطبي: 14/ 18.
(3) عن تفسير الماوردي: 3/ 263، واللفظ هناك: «أنه أخرجه بما هو بمنزلة الدعاء، وبمنزلة قوله: كُنْ فَيَكُونُ. قاله ابن عيسى» .
(4) في تفسير البغوي: 3/ 481: «قيل: هو أهون عليه عندكم» ، ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز: 11/ 450 عن الحسن، ثم قال: «وقال بعضهم: وهو أهون على المخلوق أن يعيد شيئا بعد إنشائه، فهذا عرف المخلوقين، فكيف تنكرون أنتم الإعادة في جانب الخالق؟» .
(5) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 264، وقال: «وهذا مروي عن ابن عباس» ، وأورده البغوي في تفسيره: 3/ 481، وقال: «وهذا معنى رواية ابن حيان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس» .
قال ابن عطية- رحمه الله- في المحرر الوجيز: (11/ 450، 451) : «والأظهر عندي عود الضمير على الله تعالى، ويؤيده قوله: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى، لما جاء بلفظ فيه استعارة واستشهاد بالمخلوق على الخالق، وتشبيه بما يعهده الناس من أنفسهم، خلص جانب العظمة بأن جعل له المثل الذي لا يصل إليه تكييف.
(6) في «ج» : «فيهون» .
(2/655)

ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43)
28 ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ: أي: لستم تجعلون عبيدكم شركاءكم فكيف «1» ؟.
كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ: معناه أن للسيد سلطانا على عبده/ وليس للعبد ذلك عليه، فلا يجوز «2» أن يستويا في الخوف إذا أجريت الأمور على حقها، وأنتم قد جعلتم الخيفة من العبد كالخيفة من مالك العبد إذ عبدتموه كعبادته «3» .
32 وَكانُوا شِيَعاً: صاروا فرقا.
38 فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ: من البرّ وصلة الرحم.
41 ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ: أجدب البر وانقطعت مادة البحر «4» .
وقيل «5» : البرّ مدائن البلاد والبحر جزائرها.
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا: أي: جزاءه، أقيم السبب مكان المسبّب «6» .
43 فَأَقِمْ وَجْهَكَ: قصدك، أو اجعل وجهتك للدين القيّم «7» .
يَصَّدَّعُونَ: يتفرقون «8» ، فريق إلى الجنّة وفريق إلى النار.
__________
(1) على حذف المستفهم عنه لدلالة ما قبله عليه.
(2) في «ك» : «فلا يجب» ، وأشار إليه ناسخ الأصل في الهامش.
(3) ينظر ما سبق في تفسير الطبري: 21/ 39، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 184، وزاد المسير: 6/ 299.
(4) هذا قول الفراء في معانيه: 2/ 325.
(5) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 269 عن الضحاك. ونقل ابن عطية في المحرر الوجيز:
11/ 465 عن الحسن أنه قال: «البر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة» .
قال ابن عطية: «وهذا القول صحيح» ، وانظر تفسير القرطبي: 14/ 40.
(6) البحر المحيط: 7/ 176.
(7) عن معاني القرآن للزجاج: 4/ 188، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: 11/ 466، ونقله القرطبي في تفسيره: 14/ 42 عن الزجاج.
(8) ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 325، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 123، وتفسير الطبري:
21/ 51، والمفردات للراغب: 276، والبحر المحيط: 7/ 176.
(2/656)

وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56)
49 وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ: الأول من قبل الإنزال، والثاني من قبل الإرسال «1» .
50 آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ: آثار المطر الذي هو رحمة.
51 وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا: أي: السّحاب، وإذا كان مصفرا لم يمطر «2» ، ولام لَئِنْ للقسم، ولام لَظَلُّوا جواب القسم «3» .
55 ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ: أي: من حين انقطاع عذاب القبر.
56 لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ: في علم الله «4» ، أو ما بيّن في كتابه «5» .
__________
(1) نقله الزجاج في معانيه: 4/ 189 عن قطرب.
وانظر هذا القول في تفسير البغوي: 3/ 487، وزاد المسير: 6/ 309، وتفسير القرطبي:
14/ 44. [.....]
(2) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 271، وقال: «حكاه علي بن عيسى» ، ونقله أبو حيان في البحر المحيط: 7/ 179 عن ابن عيسى، وضعفه. ثم قال: «والضمير في (فرأوه) عائد على ما يفهم من سياق الكلام، وهو النبات، وقيل إلى الأثر، لأن الرحمة هي الغيث وأثرها هو النبات» اه.
وانظر تفسير القرطبي: 14/ 45.
(3) البحر المحيط: (7/ 179، 180) .
(4) ذكره الزجاج في معانيه: 4/ 192، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 273 عن الفراء، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 6/ 312.
(5) تفسير الماوردي: 3/ 273 عن ابن عيسى.
(2/657)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11) وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)
سورة لقمان
6 لَهْوَ الْحَدِيثِ: الغناء «1» . نزلت في قرشي اشترى مغنية «2» .
وقيل «3» : الأسمار الكسروية اشتراها النّضر بن الحارث المقتول في أسرى بدر.
12 وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ: قال طاوس: الْحِكْمَةَ: العقل، فقال له مجاهد: ما العقل؟ قال: [يؤتيها] «4» من يطيع الله، وإن كان أسود
__________
(1) ثبت هذا المعنى في عدة آثار وردت عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.
راجع ذلك في الأدب المفرد: 275، وتفسير الطبري: (21/ 61- 63) ، والمستدرك للحاكم: 2/ 411، كتاب التفسير، «تفسير سورة لقمان» ، والسنن الكبرى للبيهقي:
10/ 225، كتاب الشهادات، باب «الرجل يتخذ الغلام والجارية المغنيين ويجمع عليهما ويغنيان» .
وانظر تفسير ابن كثير: (6/ 333، 334) ، والدر المنثور: (6/ 504، 505) .
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 21/ 63 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 504، وزاد نسبته إلى الفريابي، وابن مردويه عن ابن عباس أيضا.
وانظر أسباب النزول للواحدي: 400، وتفسير الماوردي: 3/ 277.
(3) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 326، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 276 عن الفراء والكلبي.
ونقله الواحدي في أسباب النزول: 400 عن الكلبي، ومقاتل.
وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان: 4/ 305، حديث رقم (5194) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
والمراد ب «الأسمار الكسروية» كتب الأعاجم وحكاياتهم وأساطيرهم القديمة.
(4) عن نسخة «ج» .
(2/658)

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)
اللّون، منتن الريح، قبيح المنظر، صغير الخطر «1» .
14 وَهْناً عَلى وَهْنٍ: نطفة وجنينا «2» . أو ضعف الحمل على ضعف الأنوثة «3» .
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ: اشكر لي حق النعمة، ولهما حق التربية «4» .
15 وَإِنْ جاهَداكَ: جهدا في قبولك الشرك وجهدت في الامتناع.
وسئل الحسن: أرأيت إن قالا له: لا تصل في المسجد. قال:
فليطعهما، فإنّما يأمرانه به شفقة أن يصيبه شيء «5» .
16 إِنَّها إِنْ تَكُ: الهاء كناية عن الخطيئة، أو عائدة إلى الحسنة «6» .
ويجوز رفع مِثْقالَ «7» مع هذا التأنيث لأنّ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ/ خَرْدَلٍ: معناه خردلة. و «المثقال» مقدار يوازن غيره ف «مثقال حبة» :
مقدار وزنها، وقد كثر المثقال على مقدار الدينار، فإذا قيل: مثقال كافور فمعناه: مقدار الدينار الوازن، وعلى هذا قول أبي حنيفة «8» في استثناء
__________
(1) لم أقف على تخريج هذا الخبر.
(2) ذكر نحوه الماوردي في تفسيره: 3/ 280.
(3) انظر هذا القول في تفسير الطبري: 21/ 69، وتفسير الماوردي: 3/ 280، والمحرر الوجيز: 11/ 494، وزاد المسير: 6/ 319.
(4) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 280، والقرطبي في تفسيره: 14/ 65.
(5) لم أقف على تخريج هذا الخبر.
(6) تفسير الطبري: 21/ 71، وتفسير البغوي: 3/ 492، والمحرر الوجيز: 11/ 499، والبحر المحيط: 7/ 187. [.....]
(7) وهي قراءة نافع كما في السبعة لابن مجاهد: 513.
وانظر توجيه هذه القراءة في معاني القرآن للفراء: 2/ 328، ومعاني القرآن للزجاج:
(4/ 197، 198) ، وحجة القراءات: 565، والكشف لمكي: 2/ 188، والبحر المحيط:
7/ 187.
(8) وهو قول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، كما في تحفة الفقهاء للسمرقندي: (3/ 327- 328) .
وانظر أقوال العلماء في هذه المسألة في الاستغناء للقرافي: (723- 724) .
(2/659)

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32)
المقدر من المقدور وإن لم يكن جنسا.
18 وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ: لا تكثر إمالته كبرا وإعراضا «1» .
ولا تصاعر «2» : لا تلزم خدك الصّعر.
19 لَصَوْتُ الْحَمِيرِ: إذ أوّله زفير وآخره شهيق «3» .
28 كَنَفْسٍ واحِدَةٍ: كخلق نفس واحد «4» .
27 وَالْبَحْرُ: بالرفع على الابتداء، والخبر يَمُدُّهُ وحسن الابتداء في أثناء الكلام لأنّ قوله: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ قد فرغ فيها «أن» من عملها.
وقيل: واو وَالْبَحْرُ واو حال وليس للعطف، أي: والبحر هذه حاله «5» .
31 لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ: كل معتبر مفكّر في الخلق.
32 مَوْجٌ كَالظُّلَلِ: في ارتفاعه وتغطيته ما تحته.
فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ: عدل وفيّ بما عاهد الله عليه في
__________
(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 127، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 344، ومعاني الزجاج: 4/ 198، والمفردات للراغب: 281.
(2) هذه قراءة نافع، والكسائي وحمزة، وأبي عمرو، كما في السبعة لابن مجاهد: 513، والتبصرة لمكي: 295، والتيسير للداني: 176.
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 21/ 77 عن قتادة، ونقله الماوردي في تفسيره:
3/ 284 عن قتادة.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 524، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة أيضا.
(4) ينظر هذا القول في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 128، وتفسير الطبري: 21/ 82، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 200، وتفسير الماوردي: 3/ 286.
(5) عن معاني القرآن للزجاج: 4/ 200، وانظر إعراب القرآن للنحاس: (3/ 287، 288) ، والبيان لابن الأنباري: 2/ 256، والتبيان للعكبري: 2/ 1045.
(2/660)

البحر «1» .
كُلُّ خَتَّارٍ: غدّار «2» ، وختره الشراب: أفسد مزاجه «3» .
__________
(1) نقله الماوردي في تفسيره: 3/ 288 عن النقاش، ونص كلامه: معناه: عدل في العهد، يفي في البر بما عاهد الله عليه في البحر» .
(2) غريب القرآن لليزيدي: 299، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 345، وتفسير الطبري:
21/ 85، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 201، والمفردات للراغب: 142.
(3) اللسان: 4/ 229 (ختر) .
(2/661)

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)
سورة السجدة
في الحديث «1» : أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يأوي إلى فراشه حتى يقرأ تنزيل السجدة وتبارك الملك.
3 أَمْ يَقُولُونَ: فيه حذف، أي: فهل يؤمنون به أم يقولون «2» ؟ أو معناه: بل يقولون «3» .
5 يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه يدبّر الأمر من السّماء ثم ينزل بالأمر الملك إلى الأرض «4» .
__________
(1) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن: 184 عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
وكذا الإمام أحمد في مسنده: 3/ 340، والإمام البخاري في الأدب المفرد: 414، والدارمي في سننه: 2/ 547، كتاب فضائل القرآن، باب «في فضل سورة تنزيل السجدة وتبارك» والترمذي في سننه: 5/ 165، كتاب فضائل القرآن، باب «ما جاء في فضل سورة الملك» ، والنسائي في عمل اليوم والليلة: 431، وابن السّني في عمل اليوم والليلة: 318، والحاكم في المستدرك: 2/ 412، كتاب التفسير، «تفسير سورة السجدة» ، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
(2) تفسير البغوي: 3/ 497.
(3) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن: 2/ 130، وقال الزمخشري في الكشاف: 3/ 240:
«وهذا أسلوب صحيح محكم أثبت أولا أن تنزيله من رب العالمين، وأن ذلك ما لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، لأن «أم» هي المنقطعة الكائنة بمعنى «بل» ، والهمزة إنكارا لقولهم وتعجيبا منه لظهور أمره في عجز بلغائهم عن مثل ثلاث آيات منه، ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك ... » .
وانظر هذا المعنى ل «أم» في كتاب حروف المعاني للزجاجي: 48، ورصف المباني:
179، والجنى الداني: 225، واللسان: 12/ 35 (أمم) .
(4) تفسير الماوردي: 3/ 291، وزاد المسير: 6/ 333. [.....]
(2/662)

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7)
ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ: إلى المكان الذي أمر أن يقوم فيه.
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ: أي: الملائكة التي تصعد بأعمال العباد في يوم واحد، تصعد وتقطع مسافة ألف سنة «1» ، أو الله يقضي أمر العالم لألف سنة في يوم واحد ثمّ يلقيه إلى الملائكة «2» .
4 ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ: ب «ثمّ» صح معنى استولى على العرش بإحداثه «3» ، كقوله «4» : حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ حتى يصح معنى نَعْلَمَ، أي: معنى الصفة بهذا.
7 أحسن كل شيء خلقه «5» : خلقه بدل من كُلَّ شَيْءٍ بدل الشيء من نفسه، أي: أحسن خلق كل شيء حتى جعل الكلب في خلقه حسنا.
ولفظ الكسائي: أحسن ما خلق، وقول/ سيبويه «6» : إنه مصدر من
__________
(1) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 21/ 93 عن ابن زيد، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 292، والقرطبي في تفسيره: 14/ 87 عن ابن شجرة.
(2) نقله الماوردي في تفسيره: 3/ 292 عن مجاهد، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير:
6/ 334، والقرطبي في تفسيره: 14/ 87.
وأخرج نحوه الطبري في تفسيره: (21/ 92، 93) عن مجاهد. ثم قال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم، كان مقدار ذلك اليوم في عروج ذلك الأمر إليه، ونزوله إلى الأرض ألف سنة مما تعدون من أيامكم، خمسمائة في النزول، وخمسمائة في الصعود، لأن ذلك أظهر معانيه، وأشبهها بظاهر التنزيل» اه.
(3) تقدم بيان مذهب السلف في الاستواء، وأنه معلوم والكيف مجهول.
ينظر ص 79.
(4) سورة محمد: آية: 31.
(5) بإسكان اللام، قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر.
السبعة لابن مجاهد: 516، والتبصرة لمكي: 296، وانظر توجيه هذه القراءة في معاني الزجاج: 4/ 204، وحجة القراءات: 568، والكشف لمكي: 2/ 191.
(6) ينظر قول سيبويه في إعراب القرآن للنحاس: 3/ 292، ومشكل إعراب القرآن لمكي:
2/ 567، والبحر المحيط: 7/ 199.
(2/663)

وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)
غير صدر أي: خلق كل شيء خلقه، وعلى قراءة خلقه «1» الضمير في الهاء يجوز للفاعل وهو الله، وللمفعول [وهو] «2» المخلوق.
10 إِذا «3» ضَلَلْنا: هلكنا وبطلنا «4» ، وصللنا «5» : تغيّرنا أو يبسنا والصّلّة: الأرض اليابسة «6» .
13 لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها: بالإيحاء «7» . أو إلى طريق الجنّة «8» .
16 تَتَجافى جُنُوبُهُمْ: تنبو وترتفع «9» . وعن أنس «10» : أنها نزلت فينا
__________
(1) بفتح اللام، قراءة عاصم، ونافع، وحمزة، والكسائي.
السبعة لابن مجاهد: 516، والتبصرة لمكي: 296، والتيسير للداني: 177.
(2) ما بين معقوفين عن «ك» .
(3) هكذا في الأصل، وهي قراءة ابن عامر كما في السبعة لابن مجاهد: 516، وقرأ الباقون:
أَإِذا ضَلَلْنا.
(4) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 346، وتفسير الطبري: 21/ 97، والمفردات للراغب:
298، وتفسير القرطبي: 14/ 91.
(5) في الأصل: «وضللنا» بالضاد المعجمة، والصواب بالصاد المهملة عن معاني الزجاج:
4/ 205.
وهي قراءة شاذة نسبت إلى علي وابن عباس، وأبان بن سعيد بن العاص، والحسن، والأعمش.
ينظر معاني القرآن للفراء: 2/ 331، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 293، والمحتسب لابن جني: 2/ 173، والبحر المحيط: 7/ 200.
(6) ينظر معاني القرآن للزجاج: 4/ 205، والصحاح: 5/ 1744، واللسان: 11/ 384 (صلل) .
(7) في «ج» : بالإلجاء.
(8) ينظر تفسير الماوردي: 3/ 295، وتفسير القرطبي: 14/ 96. [.....]
(9) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 132، وغريب القرآن لليزيدي: 300، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 346، وتفسير الطبري: 21/ 99، واللسان: 14/ 148 (جفا) .
(10) أخرجه الواحدي في أسباب النزول: 404، وذكره البغوي في تفسيره: 3/ 500، بغير سند.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 546، وعزا إخراجه إلى ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه.
(2/664)

وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)
معشر الأنصار، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء.
21 مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى: مصائب الدنيا «1» .
27 الْأَرْضِ الْجُرُزِ: اليابسة، كأنها تأكل نباتها «2» . رجل جروز: لا يبقي من الزاد شيئا «3» .
23 وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ: أي: بعد الموت «4» .
أو لقاء ربه «5» .
قال الحسن «6» : آتيناه الكتاب فلقي من قومه أذى، فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ أذى مثله.
28 مَتى هذَا الْفَتْحُ: فتح الحكم بيننا وبينكم، ويوم الفتح: يوم القيامة «7» .
30 إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ: الموت الذي يؤدي إلى ذلك، أو سيأتيهم ذلك فكأنهم ينتظرونه.
__________
(1) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: (21/ 108، 109) عن ابن عباس، وأبي بن كعب، وأبي العالية، والحسن، والضحاك.
(2) نص هذا القول في معاني القرآن للزجاج: 4/ 211.
وانظر هذا المعنى في مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 133، وغريب القرآن لليزيدي: 300، وتفسير غريب القرآن: 347، والمفردات للراغب: 91.
(3) معاني القرآن للفراء: 2/ 333، واللسان: 5/ 316 (جرز) .
(4) لم أقف على هذا القول، وأورد الماوردي في تفسيره: 3/ 299 قولا لم ينسبه، وهو: «فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى في القيامة وستلقاه فيها» .
وذكره- أيضا- القرطبي في تفسيره: 14/ 108.
(5) أي من لقاء موسى عليه السلام لربه. وأخرج الطبراني في المعجم الكبير: 12/ 160 عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ، قال: «جعل موسى هدى لبني إسرائيل، وفي قوله: فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ قال: «لقاء موسى ربه عز وجل» .
وانظر تفسير الماوردي: 3/ 299، وزاد المسير: 6/ 343، وتفسير ابن كثير: 6/ 372.
(6) ينظر قوله في تفسير الماوردي: 3/ 299، والمحرر الوجيز: (11/ 550، 551) ، وزاد المسير: 6/ 343، والبحر المحيط: 7/ 205.
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 21/ 116 عن مجاهد.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 557، وزاد نسبته إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد أيضا.
(2/665)

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3) مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)
سورة الأحزاب
1 اتَّقِ اللَّهَ: أكثر من التقوى، أو أدمها «1» .
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ: فيما سألته وقد ثقيف أن يمتّعوا باللّات سنة «2» .
4 ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ: في رجل قال: لي نفس تأمرني بالإسلام ونفس تنهاني [عنه] «3» .
وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ: في زيد بن حارثة كان يدعى ابن النبي «4» صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) معاني القرآن للزجاج: 4/ 213، وتفسير الماوردي: 3/ 301، وتفسير البغوي: 3/ 505، وزاد المسير: 6/ 348.
(2) لم أقف على هذا القول في سبب نزول هذه الآية، وذكر الواحدي في أسباب النزول: 407 أن الآية نزلت في أبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور السلمي، قدموا المدينة بعد قتال أحد، فنزلوا على عبد الله بن أبي، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وقل: إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها، وندعك وربك. فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم فقال: إني قد أعطيتهم الأمان، فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم من المدينة، وأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وأورده الحافظ في الكافي الشاف: 132، وقال: «هكذا ذكره الثعلبي والواحدي بغير سند» .
(3) ما بين معقوفين عن «ج» و «ك» .
وأخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 21/ 118 عن قتادة، ونقله الماوردي في تفسيره:
3/ 302 عن الحسن، وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 561، وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن الحسن.
(4) ينظر صحيح البخاري: 6/ 22، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، وصحيح مسلم: 4/ 1884، كتاب الفضائل، باب «فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد رضي الله عنهما» ، وتفسير الطبري: 21/ 119، وأسباب النزول للواحدي:
408.
(2/666)

النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6) وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)
6 النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ: من بعضهم ببعض، أو أولى بهم فيما يراه لهم منهم بأنفسهم.
ولمّا نزلت قال- عليه السلام «1» -: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيّما رجل توفي وترك دينا، أو ضيعة فإليّ ومن ترك مالا فلورثته» .
وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ: في التحريم والتعظيم.
إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ: أي: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز، وهو أن يوصى لمن لا يرث.
8 لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ: الله كان أم للناس، أو ليسأل الأنبياء عن تبليغهم تبكيتا «2» لمن أرسل إليهم «3» .
9 إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ: لما أجلى النبيّ- عليه السلام- يهود بني النّضير/ قدموا مكة، وحزّبوا الأحزاب، وتذكّر قريش طوائلهم «4» ، وقائدهم أبو سفيان، وقائد غطفان عيينة بن حصن، وصار المشركون واليهود يدا واحدة، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم وادع بني قريظة وهم أصحاب حصون بالمدينة،
__________
(1) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 6/ 22، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ عن أبي هريرة مرفوعا واللفظ عنده: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فأيما مؤمن هلك وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فإني مولاه» . [.....]
(2) التبكيت: التقريع والتوبيخ.
الصحاح: 1/ 244، واللسان: 2/ 11 (بكت) .
(3) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 21/ 126 عن مجاهد، ونقله الماوردي في تفسيره:
3/ 307 عن النقاش.
(4) الطوائل: الأوتار والذحول، واحدتها طائلة، يقال: «فلان يطلب بني فلان بطائلة، أي بوتر، كأن له فيهم ثأرا ... » .
اللسان: 11/ 414 (طول) .
(2/667)

إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)
فاحتال لهم حييّ بن أخطب ولم يزل يفتلهم في الذّروة والغارب «1» حتى نقضوا العهد، فعظم البلاء. فأشار سلمان بالمقام بالمدينة، وأن يخندق «2» .
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً: كانت ريح صبا «3» [تطير] «4» الأخبية.
10 إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ: عيينة في أهل نجد، وأَسْفَلَ مِنْكُمْ:
أبو سفيان في قريش «5» .
وزاغَتِ الْأَبْصارُ: شخصت «6» ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ:
لشدّة الرعب والخفقان.
ويروى «7» أن المسلمين قالوا: بلغت الحناجر فهل من شيء نقوله؟.
__________
(1) هذا مثل يضرب في المخادعة، يقال ذلك للرجل لا يزال يخدع صاحبه حتى يظفر به.
جمهرة الأمثال للعسكري: 2/ 98، ومجمع الأمثال: 2/ 436، والنهاية: 3/ 410.
(2) ينظر خبر هذه الغزوة في السيرة لابن هشام: (2/ 214، 215) ، وتفسير الطبري:
(21/ 127، 128) ، ودلائل النبوة للبيهقي: 3/ 392، وفتح الباري: (7/ 453، 454) ، وعيون الأثر: 2/ 55.
(3) ورد هذا القول في أثر أخرجه الطبري في تفسيره: 21/ 127 عن مجاهد وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 573، وزاد نسبته إلى الفريابي وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ والبيهقي عن مجاهد.
ويدل عليه الحديث المرفوع: «نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدبور» .
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 2/ 22، كتاب الاستسقاء، باب «قول النبي صلى الله عليه وسلم:
نصرت بالصبا» .
وأخرجه- أيضا- الإمام مسلم في صحيحه: 2/ 617، كتاب صلاة الاستسقاء، باب «في ريح الصبا والدبور» .
(4) في الأصل: «نظير» ، والتصويب من نسخة «ج» ، ومن كتاب وضح البرهان للمؤلف.
(5) تفسير الطبري: 21/ 129، وفتح الباري: 7/ 462.
(6) تفسير الطبري: 21/ 131، والمفردات للراغب: 217، واللسان: 8/ 432 (زيغ) .
(7) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 3/ 3، والطبري في تفسيره: 21/ 127 عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه مرفوعا.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 573، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي سعيد أيضا.
(2/668)

وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19)
فقال عليه السلام: «قولوا: اللهم استر عورتنا وآمن روعتنا» .
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا: الألف لبيان الحركة «1» ، إذ لو وقف بالسكون لخفي إعراب الكلمة، وكما تدخل الهاء لبيان الحركة في مالِيَهْ «2» وحِسابِيَهْ «3» .
12 ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً: قاله معتّب «4» بن قشير.
13 وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ: بنو سليم «5» .
يَقُولُونَ [إِنَ] «6» بُيُوتَنا عَوْرَةٌ: وهم بنو حارثة «7» .
19 سَلَقُوكُمْ: بلغوا في إيحاشكم «8» .
__________
(1) معاني القرآن للزجاج: 4/ 218، وإعراب القرآن للنحاس: 3/ 305، والبيان لابن الأنباري: 2/ 265، والتبيان للعكبري: 2/ 1053، والبحر المحيط: 7/ 217.
(2) من الآية: 28، سورة الحاقة.
(3) من الآية: 20، سورة الحاقة.
(4) ذكر الفراء في معانيه: 2/ 336 أن القائل هو معتب.
وأورده السيوطي في مفحمات الأقران: 164، وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن السدي.
وذكره البغوي في تفسيره: 3/ 516، وابن عطية في المحرر الوجيز: 12/ 24. [.....]
(5) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 310.
(6) سقط من الأصل.
(7) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 21/ 135 عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق محمد بن سعد عن أبيه ... ، وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء، وقد تقدم بيان أحوالهم ص (135) .
وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة: 3/ 433 عن ابن عباس أيضا.
وذكره البغوي في تفسيره: 3/ 516، وابن عطية في المحرر الوجيز: 12/ 25 دون عزو.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 579، وزاد نسبته إلى ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(8) كذا في «ك» وفي وضح البرهان: 2/ 182: «بلغوا في أذاكم بالكلام الموحش كل مبلغ» .
وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 135: «أي بالغوا في عيبكم ... » .
وانظر معاني القرآن للفراء: 2/ 339، وغريب القرآن لليزيدي: 302، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 349، والمفردات للراغب: 239.
(2/669)

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)
21 أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ: حسن مواساة ومشاركة «1» ، إذ قاتل يوم أحد حتى جرح وقتل عمّه وخاصّته.
23 مَنْ قَضى نَحْبَهُ: مات، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ: أي: الموت.
وإن كان النّحب: النّذر «2» ، فهو نذر صدق القتال.
25 وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ: لما اشتد الخوف أتى نعيم بن مسعود مسلما من غير أن علم قومه، فقال عليه السّلام: «إنّما أنت فينا رجل واحد وإنّما غناؤك أن تخادع عنّا فالحرب خدعة» .
فأتى بني قريظة وكان نديمهم، فذكّرهم ودّه، وقال: إنّ قريشا وغطفان طارئين على بلادكم، فإن وجدوا نهزة «3» وغنيمة أصابوها، وإلّا لحقوا ببلادهم، ولا قبل لكم بالرجل، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم [78/ أ] ليناجزوا القتال، ثم أتى قريشا وغطفان فذكرهم ودّه/ لهم، وقال: بلغني أمر أنصحكم فيه فاكتموه عليّ، إنّ معشر اليهود ندموا وترضّوا محمّدا على أن يأخذوا منكم أشرافا ويدفعوهم إليه، ثم يكونون معه عليكم، فوقع ذلك من القوم، وأرسل أبو سفيان وعيينة إلى بني قريظة: إنا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخف والحافر «4» ، فلنناجز «5» محمدا. فطلبوا رهنا، فقالت قريش:
__________
(1) نقل الماوردي هذا القول في تفسيره: 3/ 314 عن السدي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 583، وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن السدي.
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 349، والمفردات: 484، واللسان: 1/ 750 (نحب) .
(3) أي: فرصة.
الصحاح: 3/ 900 (نهز) ، والنهاية: 5/ 135.
(4) كناية عن الإبل والفرس، وفي النهاية لابن الأثير: 2/ 55: «ولا بد من حذف مضاف: أي ذي خف ... وذي حافر. والخفّ للبعير كالحافر للفرس» .
وانظر اللسان: 9/ 81 (خفف) .
(5) أي: نقاتل.
النهاية لابن الأثير: 5/ 21.
(2/670)

وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)
والله إنّ حديث نعيم لحقّ، وتخاذل القوم وانصرفوا «1» .
26 مِنْ صَياصِيهِمْ: حصونهم «2» . نزل جبريل ورسول الله في بيت زينب بنت جحش- تغسل رأسه- فقال: عفا الله عنك ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة فانهض إلى بني قريظة فإني تركتهم في زلزال وبلبال. فحاصرهم عليه السلام وقتلهم وسباهم «3» .
27 وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها: أرض فارس والروم «4» .
30 يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ: لأنّ النّعمة عندهن بصحبة الرسول أعظم والحجة عليهن ألزم.
__________
(1) ينظر خبر نعيم بن مسعود رضي الله عنه في السيرة لابن هشام: (2/ 229، 230) ، وجوامع السيرة لابن حزم: (190، 191) ، وزاد المعاد: (3/ 273، 274) .
(2) معاني القرآن للفراء: 2/ 340، وغريب القرآن لليزيدي: 303، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 349، وتفسير الطبري: 21/ 150، والمفردات للراغب: 291.
(3) أخرجه الطبريّ في تفسيره: 21/ 150 عن قتادة، وأورده السيوطي في الدر المنثور:
6/ 591، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة.
وقيل: بل المراد خيبر، وقيل: اليمن، وقيل: مكة.
وعقب ابن عطية- رحمه الله- على هذه الأقوال بقوله: «ولا وجه لتخصيص شيء من ذلك دون شيء» .
المحرر الوجيز: 12/ 49.
وقال الطبري رحمه الله في تفسيره: 21/ 155: «والصواب من القول في ذلك أن يقال:
إن الله تعالى ذكره أخبر أنه أورث المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض بني قريظة وديارهم وأموالهم، وأرضا لم يطئوها يومئذ، ولم تكن مكة ولا خيبر، ولا أرض فارس والروم ولا اليمن، مما كان وطئوها يومئذ، ثم وطئوا ذلك بعد، وأورثهموه الله، وذلك كله داخل في قوله: وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها لأنه تعالى ذكره لم يخصص من ذلك بعضا دون بعض» اه.
(4) أخرج عبد الرزاق هذا القول في تفسيره: 2/ 115 عن الحسن، وكذا الطبري في تفسيره:
21/ 155.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 592، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن الحسن رحمه الله.
(2/671)

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)
وقال أبو عمرو: أقرأ بالتشديد «1» للتفسير بالضعفين»
، ولو كان مضاعفة لكان العذاب ثلاثا أو أكثر.
33 وَقَرْنَ «3» : من: وقر يقر وقورا ووقارا، أي: كن ذوات وقار «4» ، ولا تخفقن بالخروج.
والتبرّج: التبختر والتكسر «5» .
36 وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ: في زينب بنت جحش ابنة عمة النّبيّ صلى الله عليه وسلم خطبها لزيد بن حارثة فامتنعت [هي] وأخوها عبد الله «6» .
__________
(1) قراءة أبي عمرو: يضعّف بالياء وتشديد العين وفتحها.
السبعة لابن مجاهد: 521، والتبصرة لمكي: 299، والتيسير للداني: 179. [.....]
(2) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 350: «كأنه أراد: يضاعف لها العذاب، فيجعل ضعفين، أي: مثلين، كل واحد منهما ضعف الآخر. وضعف الشيء: مثله، ولذلك قرأ أبو عمرو: يضعّف، لأنه رأى أن «يضعّف» للمثل، و «يضاعف» لما فوق ذلك» .
وانظر توجيه قراءة أبي عمرو في معاني القرآن للزجاج: 4/ 226، والكشف لمكي:
2/ 196، والبحر المحيط: 7/ 228.
(3) بكسر القاف، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي.
السبعة لابن مجاهد: 522، والتبصرة لمكي: 299، والتيسير للداني: 179.
(4) قال مكي في الكشف: 2/ 198: «فيكون الأصل في «وقرن» و «اقررن» ، فتحذف الراء الأولى استثقالا للتضعيف، بعد أن تلقى حركتها على القاف، فتنكسر القاف، فيستغنى بحركتها عن ألف الوصل، فيصير اللفظ «قرن» ... » .
(5) تفسير الطبري: 22/ 4، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 225، وتفسير الماوردي: 3/ 322.
(6) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
أي: وامتنع أخوها عبد الله بن جحش كذلك، وأخرج نحوه الطبري في تفسيره: 22/ 11 عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة. دون ذكر عبد الله بن جحش.
وأخرج نحوه أيضا الدارقطني في سننه: 3/ 301، كتاب المهر، عن الكميت بن زيد عن مذكور مولى زينب بنت جحش عن زينب رضي الله عنها.
وأورده الزمخشري في الكشاف: 3/ 261، والحافظ في الكافي الشاف: 134، وقال:
«لم أجده موصولا- وأشار إلى رواية الدارقطني ثم قال-: وإسناده ضعيف» . وأشار المناوي في الفتح السماوي: (3/ 935، 936) إلى رواية الدارقطني، وضعف سنده.
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 6/ 419: «هذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأى ولا قول كما قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ... » .
(2/672)

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)
37 أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ: [أي: على زيد] «1» بالإسلام، وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ:
بالعتق «2» .
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ: من الميل إليها وإرادة طلاقها «3» .
وقيل «4» : هو ما أعلمه الله بأنها تكون زوجته.
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً: من طلاقها «5» . وقيل «6» : من نكاحها.
38 وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً: جاريا على تقدير وحكمة.
40 ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ: [أي: من رجالكم البالغين] «7» الحسن والحسين إذ ذاك لم يكونا رجلين، والقاسم وإبراهيم والطيّب والمطهّر «8» توفوا صبيانا.
__________
(1) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(2) ورد هذا القول في أثر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: 2/ 117 عن قتادة.
وكذا الطبري في تفسيره: 22/ 13، وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 614، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني عن قتادة أيضا.
وانظر هذا القول في تفسير البغوي: 3/ 531، وتفسير القرطبي: 14/ 188، وتفسير ابن كثير: 6/ 419.
(3) المصادر السابقة.
(4) نقله الماوردي في تفسيره: 3/ 327 عن الحسن، وأورده السيوطي في الدر المنثور:
6/ 616، وعزا إخراجه إلى ابن أبي حاتم عن السدي.
(5) ذكره الزجاج في معانيه: 4/ 229، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 327، والقرطبي في تفسيره: 14/ 194 عن قتادة.
(6) تفسير القرطبي: 14/ 194.
(7) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(8) كذا ورد في رواية الطبري في تفسيره: 22/ 16 عن قتادة، وأيضا في معاني القرآن للزجاج: 4/ 230، وتفسير ابن كثير: 6/ 422.
وذكر ابن حبيب في المحبر: 53 أن عبد الله هو الطيب وهو الطاهر.
وقال ابن حزم في الجمهرة: 16: «وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الولد سوى إبراهيم:
القاسم، وآخر اختلف في اسمه، فقيل: الطاهر، وقيل: الطيب، وقيل: عبد الله ... » .
(2/673)

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51)
43 يُصَلِّي عَلَيْكُمْ: يوجب بركة الصلاة لكم، وهو الدعاء بالخير، وتوجبه الملائكة بفعل الدّعاء «1» ، وهذا مما يختلف فيه معنى الصفتين، ك «توّاب» بمعنى كثير القبول للتوبة، وبمعنى كثير الفعل لها.
[78/ ب] 48 وَدَعْ أَذاهُمْ: / لا تحزن وكلهم إلينا.
50 وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها: هي ميمونة «2» بنت الحارث.
وقيل «3» : زينب بنت خزيمة.
49 مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها: تحسبونها «تفتعلون» من العدّ «4» .
51 تُرْجِي: تؤخر، وَتُؤْوِي: تضم «5» ، ومعناهما الطلاق والإمساك.
__________
(1) قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله- في تفسيره: 6/ 428: «وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار، كقوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ...
الآية» اه. [.....]
(2) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 22/ 23 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 333 عن ابن عباس، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير:
6/ 406، والقرطبي في تفسيره: 14/ 209.
(3) أخرجه الطبري في تفسيره: 22/ 23 عن علي بن الحسين، ونقله الماوردي في تفسيره:
3/ 333، والبغوي في تفسيره: 3/ 537 عن الشعبي.
وأورده الحافظ ابن حجر في الفتح: 8/ 386، وقال: «جاء عن الشعبي وليست بثابت ...
ومن طريق قتادة عن ابن عباس قال: التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم هي ميمونة بنت الحارث، وهذا منقطع، وأورده من وجه آخر مرسل وإسناده ضعيف، ويعارضه حديث سماك عن عكرمة عن ابن عباس، «لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له» .
أخرجه الطبري وإسناده حسن، والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له وإن كان مباحا له، لأنه راجع إلى إرادته لقوله تعالى: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها ... » .
(4) المحرر الوجيز: 12/ 83، والتبيان للعكبري: 2/ 1058.
(5) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 139، وغريب القرآن لليزيدي: 304، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 351، وتفسير الطبري: 22/ 24، وتفسير البغوي: 3/ 537.
(2/674)

لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)
وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ: طلبت إصابته بعد العزل.
ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ: إذا علمن أنك لا تطلقهن أو لا تتزوج عليهن.
52 لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ: نكاح النساء أو شيء من النساء.
مِنْ بَعْدُ: من بعد التسع إذ لمّا خيّرن فاخترنه أمر أن يكتفي بهن «1» .
53 غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ: منتظرين وقت «2» نضجه «3» .
59 ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ: الحرّة من الأمة «4» ، أو الصالحات من المتبرجات «5» .
69 آذَوْا مُوسى: اتهموه بقتل هارون، فأحياه [الله] «6» فبرّأه ثم مات «7» .
__________
(1) أخرج الطبري نحو هذا القول في تفسيره: 22/ 29 عن قتادة، ونقله الماوردي في تفسيره:
3/ 334 عن ابن عباس، وقتادة.
وأورده ابن العربي في أحكام القرآن: 3/ 1570 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) في «ج» : بعد.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 140، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 352، والمفردات للراغب: 29.
والمعنى كما جاء في تفسير الطبري: 22/ 34: «يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تدخلوا بيوت نبي الله إلّا أن تدعوا إلى طعام غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ، يعني: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، وهو مصدر من قولهم: قد أنى هذا الشيء يأني إليّ وأنيا وإناء ... وفيه لغة أخرى، يقال: قد آن لك، أي: تبين لك أينا، ونال لك، وأنال لك ... » .
(4) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 22/ 46 عن قتادة، ومجاهد.
وذكره الواحدي في أسباب النزول: 421 عن السدي بغير سند.
ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 339 عن قتادة.
(5) ذكر الماوردي نحو هذا القول في تفسيره: 3/ 339.
(6) عن نسخة «ج» .
(7) ورد هذا المعنى في أثر أخرجه الطبري في تفسيره: 22/ 52 عن ابن عباس رضي الله عنهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأخرجه- أيضا- الحاكم في المستدرك: 2/ 579، كتاب التاريخ، باب «ذكر وفاة هارون بن عمران» ، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في الدر المنثور: 6/ 666، وزاد نسبته إلى ابن منيع، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وأشار الحافظ في الفتح: 8/ 395 إلى رواية الطبري وابن أبي حاتم، وقوى إسنادهما.
وثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا أن بني إسرائيل اتهموا موسى عليه الصلاة والسلام بأنه آدر، أو به برص، أو آفة في جسمه. (صحيح البخاري: 4/ 129، كتاب الأنبياء) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «لا مانع أن يكون للشيء سببان فأكثر ... » ذكره تعقيبا على الروايتين.
(2/675)

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)
وَجِيهاً: رفيع القدر إذا سأله أعطاه.
72 إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ: الأمانة: ما أودعها الله من دلائل التوحيد فأظهروها إلّا الإنسان «1» .
«الجهول» : الكافر بربه.
وقيل: هو على التمثيل أي منزلة الأمانة منزلة ما لو عرض على الأشياء مع عظمها وكانت تعلم ما فيها لأشفقت منها، إلّا أنّه خرج مخرج الواقع لأنّه أبلغ من المقدّر.
وقيل: العرض بمعنى المعارضة، أي: عورضت السّماوات والأرض، وقوبلت بثقل الأمانة، فكانت الأمانة أوزن وأرجح «2» .
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها: لم يوازنها.
73 لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ: في الأمانة، وَالْمُشْرِكِينَ: بتضييعها.
وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: بحفظهم لها.
__________
(1) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 343 وقال: «قاله بعض المتكلمين» .
وأورد الطبري- رحمه الله- عدة أقوال في المراد ب «الأمانة» هنا، ثم قال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عني بالأمانة في هذا الموضع جميع معاني الأمانات في الدين، وأمانات الناس، وذلك أن الله لم يخص بقوله: عَرَضْنَا الْأَمانَةَ بعض معاني الأمانات لما وصفنا» .
(تفسير الطبري: 22/ 57) .
وقال القرطبي في تفسيره: 14/ 253: «و «الأمانة» تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال» .
(2) ذكره الماوردي في تفسيره: 3/ 343 عن ابن بحر.
(2/676)

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)
ومن سورة سبأ
1 وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ: حمد أهل الجنّة سرورا بالنعيم من غير تكلف «1» وذلك قولهم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ «2» .
2 يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ: من المطر، وَما يَخْرُجُ مِنْها: من النبات، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ: من الأقضية والأقدار، وَما يَعْرُجُ فِيها:
من الأعمال «3» .
7 إِذا مُزِّقْتُمْ: بليتم بتقطيع أجسامكم.
10 أَوِّبِي مَعَهُ: رجّعي بالتسبيح «4» ، وَالطَّيْرَ: نصبه بالعطف على موضع المنادى «5» .
__________
(1) في تفسير الماوردي: 3/ 345: «من غير تكلف» ، ويبدو أنه مصدر المؤلف في هذا النص. [.....]
(2) سورة الزمر: آية: 74.
(3) ينظر ما سبق في تفسير الماوردي: 3/ 345، وتفسير البغوي: 3/ 548، وزاد المسير:
6/ 532.
(4) معاني القرآن للفراء: 2/ 355، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 353، وتفسير الطبري:
22/ 65، والمفردات للراغب: 30.
(5) هذا قول سيبويه في الكتاب: (2/ 186، 187) .
وقال الزجاج في معانيه: 4/ 243: «والنصب من ثلاث جهات: أن يكون عطفا على قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا ... وَالطَّيْرَ، أي: وسخرنا له الطير.
حكى ذلك أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء، ويجوز أن يكون نصبا على النداء، المعنى:
يا جبال أوّبي معه والطير، كأنه قال: دعونا الجبال والطير، فالطير معطوف على موضع «الجبال» في الأصل، وكل منادى- عند البصريين كلهم- في موضع نصب ... ويجوز أن يكون «والطير» نصب على معنى «مع» ، كما تقول: قمت وزيدا، أي: قمت مع زيد، فالمعنى: أوّبي معه ومع الطير» .
(2/677)

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14) لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16)
و «السّرد» «1» : دفع المسمار في ثقب الحلقة، والتقدير فيه: أن يجعل [79/ أ] المسمار على قدر/ الثقب «2» .
12 وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ: سالت له عين القطر، وهو النحاس، من عين فيما وراء أندلس بمسيرة أربعة أشهر، فبنى منه قصرا، وحصر فيها مردة الشياطين، ولا باب لهذا القصر. ذكر ذلك في حكاية طويلة من أخبار عبد الملك بن مروان وأنّ من جرّده لذلك تسورها من أصحابه عدد فاختطفوا فكرّ راجعا «3» .
13 كَالْجَوابِ: كالحياض يجمع فيها الماء «4» .
وَقُدُورٍ راسِياتٍ: لا تزول عن أماكنها.
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً: اعملوا لأجل شكر الله «5» . مفعول له.
14 مِنْسَأَتَهُ: عصاه. أنسأت الغنم: سقتها «6» .
16 سَيْلَ الْعَرِمِ: المسنيات واحدها عرمة «7» .
ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ: ثمر خمط، والخمط: شجر الأراك «8» ، عطف
__________
(1) من قوله تعالى: أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ... [آية: 11] .
(2) معاني القرآن للفراء: 2/ 356، وتفسير الطبري: (22/ 67، 68) ، وتفسير القرطبي:
14/ 267.
(3) لم أقف على أصل هذه الحكاية ولعلها من الخرافات الشائعة في ذلك العصر.
(4) معاني القرآن للفراء: 2/ 356، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 144، وتفسير الطبري:
22/ 71.
(5) في «ك» : «لأجل الشكر لله» .
(6) اللسان: 1/ 169 (نسأ) .
(7) معاني القرآن للفراء: 2/ 358، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 2/ 146، وغريب القرآن لليزيدي: 307.
و «المسناة» : الجسر، أو السد يقام فوق الوادي، والتقدير هنا: فأرسلنا سيل السد العرم.
(تفسير القرطبي: 14/ 285) ، والبحر المحيط: 7/ 370.
(8) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره: 22/ 81 عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد.
وذكره الفراء في معانيه: 2/ 359، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 356.
(2/678)

ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)
بيان، أي: الأكل ثمر هذا الشجر.
وقيل «1» : الخمط صفة حمل الشجر وهو المرّ الذي فيه حموضة.
والأثل: شبيه بالطرفاء «2» ، والسّدر: النّبق.
17 هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ: أي: بمثل هذا الجزاء.
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى: كانت بينهم وبين بيت المقدس «3» .
قُرىً ظاهِرَةً: إذا قاموا في واحدة ظهرت لهم الثانية.
وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ: للمبيت والمقيل من قرية إلى قرية.
19 باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا: قالوا: ليتها كانت بعيدة فنسير على نجائبنا.
فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ: حتى قيل في المثل: تفرقوا أيدي سبأ «4» .
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ: ف «غسّان» لحقوا بالشّام [والأنصار] «5» بيثرب وخزاعة بتهامة، والأزد بعمان «6» .
__________
(1) هذا قول الزجاج في معانيه: 4/ 249، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 356 عن الزجاج.
وكذا ابن الجوزي في زاد المسير: 6/ 446، والقرطبي في تفسيره: 14/ 286.
(2) في اللسان عن أبي حنيفة الدينوري: «الطرفاء من العضاه وهدبه مثل هدب الأثل، وليس له خشب وإنما يخرج عصيا سمحة في السماء» .
اللسان: 9/ 220 (طرف) . [.....]
(3) ذكره الزجاج في معانيه: 4/ 250، ونقله الماوردي في تفسيره: 3/ 356 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) مجمع الأمثال: 2/ 4، والمستقصى: 2/ 88، واللسان: 15/ 426 (يدي) عن ابن بري:
قولهم أيادي سبأ يراد به نعمهم، واليد: النعمة لأن نعمهم وأموالهم تفرقت بتفرقهم.
(5) في الأصل: «الأنمار» ، والمثبت في النص عن «ك» و «ج» ، وعن المصادر التي أوردت هذا القول.
(6) أخرجه الطبري في تفسيره: 22/ 86 عن عامر الشعبي. ونقله الماوردي في تفسيره:
3/ 358، والبغوي في تفسيره: 3/ 556 عن الشعبي. وأورده السيوطي في الدر المنثور:
6/ 693، وعزا إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الشعبي.
(2/679)

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)
20 وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ: أصاب في ظنّه، وظنّه أنّ آدم لما نسي قال: لا يكون ذريته إلّا ضعافا عصاة «1» .
21 وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ: لولا التخلية [بينهم وبين وساوسه] «2» للمحنة.
إِلَّا لِنَعْلَمَ: لنظهر المعلوم.
23 فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ: أزيل عنها الفزع، أفزعته: ذعّرته، وفزّعته:
نفّست عنه «3» ، مثل: أقذيت وقذّيت، وأمرضت، ومرّضت، والمعنى: أنّ الملائكة يلحقهم فزع عند نزول جبريل- عليه السلام- بالوحي ظنا [منهم] «4» أنه ينزل بالعذاب، فكشف عن قلوبهم الفزع فقالوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ:
أي: لأيّ شيء نزل جبريل «5» .
وقيل «6» : حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين قالت
__________
(1) ورد هذا المعنى في أثر أخرجه ابن أبي حاتم (كما في الدر المنثور: 6/ 695) عن الحسن رحمه الله تعالى.
وانظر تفسير ابن كثير: 6/ 500.
(2) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
(3) فهو من الأضداد كما في اللسان: 8/ 253 (فزع) .
(4) في الأصل: «منه» ، والمثبت في النص عن «ج» .
(5) عن معاني القرآن للزجاج: 4/ 252، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: (12/ 180، 181) : «وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية- أعني قوله تعالى:: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ إنما هي في الملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل بالأمر يأمر الله به سمعت كجرّ سلسلة الحديد على الصفوان، فتفزع عند ذلك تعظيما وهيبة» .
وانظر الأحاديث التي أشار إليها ابن عطية- رحمه الله- في صحيح البخاري: 6/ 28، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ... الآية.
وتفسير ابن كثير: 6/ 503، والدر المنثور: 6/ 697.
(6) نقله البغوي في تفسيره: 3/ 557، وابن الجوزي في زاد المسير: 6/ 453 عن الحسن، وابن زيد.
واستبعده ابن عطية في المحرر الوجيز: 12/ 182.
(2/680)

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52)
الملائكة/: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا: الحق.
24 وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ: أي: أنا وأنتم لسنا على أمر واحد، فيكون أحدنا على هدى والآخر في ضلال، فأضلهم بأحسن تعريض، كما يقول الصادق [للكاذب] «1» إنّ أحدنا لكاذب «2» .
28 إِلَّا كَافَّةً: رحمة «3» شاملة جامعة.
33 بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ: مكرهم فيها، أو كأنّهما يمكران بطول السّلامة فيهما، أو بمرّهما واختلافهما، فقالوا: إنّهما لا إلى نهاية «4» .
45 وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ: ما بلغ أهل مكة معشار ما أوتي الأولون من القوى والقدر، أو الأولون ما بلغوا معشار ما أوتوا، فلا أنتم أعلم منا، ولا كتاب أهدى من كتابنا.
46 أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى: تناظرون مثنى، وتفكرون في أنفسكم فرادى. فهل تجدون في أفعاله وأحواله ومنشأه ومبعثه ما يتهمه؟! «5» .
49 وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ: لا يثبت إذا [بدا] «6» وَما يُعِيدُ: لا يعود إذا زال. أو لا يأتي بخير في البدء والإعادة، أي: الدنيا والآخرة.
52 وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ: التناول «7» ، ناوشته: أخذته من بعيد، والمراد
__________
(1) في الأصل: «الكاذب» ، والمثبت في النص عن «ك» و «ج» ، ووضح البرهان للمؤلف.
(2) راجع هذا المعنى في معاني القرآن للفراء: 2/ 362، وتأويل مشكل القرآن: 269، وتفسير الطبري: 22/ 95، ومعاني الزجاج: 4/ 253.
(3) في «ج» : نعمة.
(4) تفسير غريب القرآن: 357، وتفسير الطبري: 22/ 98، ومعاني القرآن للزجاج: 4/ 354، وتفسير الماوردي: 3/ 360. [.....]
(5) ذكره الفراء في معانيه: 2/ 364. وأخرج نحوه الطبري في تفسيره: (22/ 104، 105) عن قتادة.
(6) في الأصل: «أبدا» ، والمثبت في النص عن «ج» ، و «ك» وكتاب وضح البرهان: 2/ 208، وتفسير الماوردي: 3/ 365.
(7) معاني القرآن للفراء: 2/ 365، وغريب القرآن لليزيدي: 308، وتفسير غريب القرآن:
358، والمفردات للراغب: 509.
(2/681)