Advertisement

سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي



الكتاب: سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي (وهو شرح منظومة حرز الأماني ووجه التهاني للشاطبي)
المؤلف: أبو القاسم (أو أبو البقاء) علي بن عثمان بن محمد بن أحمد بن الحسن المعروف بابن القاصح العذري البغدادي ثم المصري الشافعي المقرئ (المتوفى: 801هـ)
راجعه شيخ المقارئ المصرية: علي الضباع
الناشر: مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر
الطبعة: الثالثة، 1373 هـ - 1954 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] [مقدمة المؤلف]
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (قرآن كريم) بسم الله الرّحمن الرّحيم قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر البحر الفهامة أبو القاسم علي بن عثمان بن محمد بن أحمد بن الحسن القاصح العذري تغمده الله برحمته: الحمد لله الذي علم القرآن وزين الإنسان بنطق اللسان، فطوبى لمن يتلو كتاب الله حق تلاوته. ويواظب آناء الليل وأطراف النهار على دراسته، وهو كلام الله تعالى الذي أنزله على عبده ورسوله المصطفى محمد النبي الأمي العربي المختار المرتضى، صلّى الله عليه وسلم وعلى آله المكرمين، ورضي الله عن أصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فإن أسهل ما يتوصل به إلى علم القراءات من التصانيف المنظومات نظم الشيخ الإمام العالم أبي محمد قاسم بن فيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي، من قصيدته اللامية المنظومة من الضرب الثاني من بحر الطويل، المنعوتة «بحرز الأماني ووجه التهاني». فأول شارح شرحها الإمام علم الدين السخاوي تلقاها عن ناظمها، وتابعه الناس على ذلك فشرحوها، فمنهم من اقتصر، ومنهم من علل وأطال، وخرج عن حيز الاعتدال، وقد استخرت الله تعالى في حل ألفاظها واستخراج القراءات منها بعبارة سهلة يفهمها المبتدئ، ولهذا لم أتعرض للتعاليل المطولة فإنها مذكورة في تصانيف وضعت لها كإعراب القرآن والتفاسير وغير ذلك، وقد اختصرت هذا الكتاب من شرح السخاوي والفاسي وأبي شامة وابن جبارة والجعبري وغيرهم وزدت فيه فوائد ليست من هؤلاء الشروحات. وسميته:
سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي
وأسأل الله تعالى أن ينفع به كما نفع بأصله إنه قريب مجيب.
ولد الشاطبي في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بشاطبة، وهي قرية بجزيرة الأندلس من بلاد المغرب. وقولهم: الرعيني نسبة إلى قبيلة من قبائل المغرب، أخذ القراءات عن الشيخ الصالح أبي الحسن علي بن هذيل بالأندلس، عن أبي داود سليمان، عن أبي عمرو الداني مصنف كتاب التيسير. وأخذ الشاطبي أيضا عن أبي عبد الله محمد بن العاصي النفزي- بالزاي المعجمة- عن أبي عبد الله محمد بن حسن، عن علي بن عبد الله الأنصاري، عن
(1/3)

أبي عمرو الداني. ومات الشاطبي رحمه الله بمصر بعد عصر الأحد، وهو اليوم الثامن بعد العشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة ودفن بالقرافة، في يوم الاثنين في تربة القاضي الفاضل، المجاورة لتربة ولي الله تعالى الكيزاني صاحب المزار المعروف في القرافة الصغرى، بالقرب من سفح الجبل المقطم، جبل قلعة مصر فرعونه وتعرف تلك الناحية بسارية، قال رحمه الله تعالى:
بدأت ببسم الله في النّظم أوّلا ... تبارك رحمانا رحيما وموئلا
أخبر الناظم أنه بدأ ببسم الله في أول نظمه، ومعنى بدأت أي قدمت، تقول: بدأت بكذا إذا قدمته، فالباء الأولى لتعدية الفعل، والثانية هي التي في أول البسملة أي بدأت بهذا اللفظ والنظم الجمع، ثم غلب على جمع الكلمات التي انتظمت شعرا فهي بمعنى منظوم أو مصدر بحاله وتبارك تفاعل من البركة والبركة كثرة الخير ونموه واتساعه،
وقوله: رحمانا رحيما يريد به تكملة لفظ بسم الله الرّحمن الرّحيم. ثم قال: وموئلا، الموئل المرجع والملجأ، وهو مفعل من: وأل إليه، أي: رجع ولجأ، أو من وأل منه أي: خلص ونجا، وفي الحديث: «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك».
وتثنّيت صلّى الله ربّي على الرّضا ... محمّد المهدى إلى النّاس مرسلا
أخبر أنه ثنى بالصلاة على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والرضا بمعنى: ذي الرضا أي: الراضي من قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: 5]، وفي الحديث: «يا محمد أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد من أمتك مرة إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا». والمهدى مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مهداة للناس». وقوله: مرسلا، منصوب على الحال من الضمير في المهدى.
وعترته ثمّ الصّحابة ثمّ من ... تلاهم على الإحسان بالخير وبّلا
أصل العترة حجر يهتدي به الضب إلى مأواه، وما يبقى من أصل الشجرة. وعترة النبي صلى الله عليه وسلم أهل بيته لقوله عليه الصلاة والسلام: «وعترتي أهل بيتي»، وروى تفسيره بأزواجه
وذريته. وقال مالك بن أنس: أهله الأدنون وعشيرته الأقربون، وقال الجوهري: نسله ورهطه الأدنون. فلما كانت العترة أصحابا ولم يكن كل الأصحاب عترة، قال: ثم الصحابة ليعم، والصحابة اسم جمع، والصحابي من رأى النبي عليه الصلاة والسلام، أو صحبه أو نقل عنه من المسلمين. قوله: ثم من تلاهم، أي تبعهم على الإحسان أي على طريقة الإحسان، وقوله: وبلا، الوبل: جمع وابل وهو المطر الغزير، شبه الصحابة رضي الله عنهم بالأمطار لنفعهم المسلمين.
وثلّثت أنّ الحمد لله دائما ... وما ليس مبدوءا به أجذم العلا
أخبر أنه ثلث بالحمد، يعني أنه ذكر اسم الله تعالى أوّلا، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وعترته وصحابته وتابعيهم ثانيا، ثم ذكر الحمد ثالثا فليس مراده ذكره في ثالث الأبيات بل مراده أنه لم يثلث إلا بالحمد وإن كانت في بيت رابع، والحمد الثناء، ويجوز فتح إن وكسرها في البيت وكلاهما مروي: فالفتح على تقدير «بأن الحمد»، والكسر على تقدير «فقلت إن الحمد». وقد يجوز أن تكون بمعنى نعم فيجوز حينئذ رفع الحمد بعدها ونصبه والرواية النصب. قوله: دائما، أي: مستمرا قوله وما ليس إلى آخره. الجذم: القطع أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم». ويروى
(1/4)

«كل كلام»، ويروى «بذكر الله»، ويروى «فهو أقطع»، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «كل كلام لم يبدأ فيه ببسم الله جاء معكوسا».
فإن قيل: قد يبدأ الناظم ببسم الله ولم بدأ بالحمد بل جعله ثالثا قيل: تثليثه به لا يخرجه عن البداءة، لأن الجميع أعني الحمد وما تقدمه مبدوء به لأنه ذكره قبل الشروع في الأحكام التي ضمنها هذا النظم، فهو مبدوء به واتفق وقوعه في البداءة ثالثا، والعلاء بفتح العين يلزمه المد وهو الرفعة والشرف، وأتى به في قافية البيت على لفظ المقصور.
وبعد، فحبل الله فينا كتابه ... فجاهد به حبل العدا متحبّلا
أي: وبعد هذه البداءة فحبل الله فينا كتابه، جاء في تفسير قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [الفرقان: 52]، أنه القرآن، وقال عليه الصلاة والسلام: «هو حبل الله المتين». وقوله: «فجاهد به»، أي بالقرآن، كما قال تعالى: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان: 52] أي بحججه وأدلته وبراهينه. والحبل بفتح الحاء يستعار للسبب، والقرآن سبب المعرفة، لأنه وصلة بين العبد وبين ربه. والحبل بكسر الحاء: الداهية، والعدا اسم جمع والمشهور فيه كسر العين، وحكى ثعلب ضمها فإن قيل: عداة بالهاء فالضم لا غير. قوله: متحبلا، يقال: تحبل الصيد إذا أخذه بالحبالة وهي الشبكة، أي: انصب الحبائل للأعداء من الكفرة والمبتدعين، لتصيدهم إلى الحق أو تهلكهم بما تورده عليهم من ذلك، والمراد بالحبائل أدلة القرآن اللائحة وحججه الواضحة.
وأخلق به إذ ليس يخلق جدّة ... جديدا مواليه على الجدّ مقبلا
أخلق به لفظه من لفظ الأمر ومعناه التعجب، وهو كقولك: ما أخلقه، أي ما أحقه، والهاء في «به» للقرآن، وإذ هنا تعليل مثلها في قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ [الزخرف: 39]. قوله: ليس يخلق جدة، أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «إن هذا القرآن لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد». وقول الناظم: يخلق، فيه لغتان: ضم الياء مع كسر اللام، وفتح الياء مع ضم اللام. وجديدا من الجد بفتح الجيم وهو العز والشرف. قوله: مواليه، أي: مصافيه مع ملازمة العمل بما فيه، والموالي ضد المعادي.
قوله: على الجد بكسر الجيم ضد الهزل، أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «يا أبا هريرة تعلم القرآن وعلمه الناس ولا تزال كذلك حتى يأتيك الموت، فإنه إن أتاك الموت وأنت كذلك حجت الملائكة إلى قبرك كما يحج المؤمنون إلى بيت الله الحرام».
وقارئه المرضيّ قرّ مثاله ... كالأترجّ حاليه مريحا وموكلا
أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر». رواه البخاري ومسلم.
والمرضي صفة القارئ المؤمن المذكور في هذا الحديث لأنه ليس المراد به أصل الإيمان فقط بل أصله ووصفه، قال عليه الصلاة والسلام: «ما آمن بالقرآن من استحل محارمه». وقول الناظم: قر، بمعنى استقر أي: استقر مثاله في الحديث. ويقال: الأترج بتشديد الجيم والأترنج بالنون. وقوله: مريحا وموكلا، من أراح الطيب وغيره إذا
أعطى الرائحة وأكل الزرع وغيره إذا أطعم.
(1/5)

هو المرتضى أمّا إذا كان أمّة ... ويمّمه ظلّ الرّزانة قنقلا
هو ضمير القارئ، أي هو المرتضى قصده لأن معنى الأم القصد، وكان بمعنى صار، ويقال للرجل الجامع للخير أمة، كأنه قام مقام جماعة لأنه اجتمع فيه ما تفرق فيهم من المصالح. ومنه قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل: 120]، وقوله: ويممه أي قصده، والرزانة السكينة والوقار، واستعار للرزانة ظلا وجعل الرزانة هي التي تقصده كأنها تفتخر به لكثرة خلال الخير فيه، قال عليه الصلاة والسلام: «من جمع القرآن متّعه الله بعقله حتى يموت». والقنقل الكثيب من الرمل، والقنقل أيضا المكيال الضخم، وكان لكسرى تاج يسمى القنقل.
هو الحرّ إن كان الحريّ حواريا ... له بتحرّيه إلى أن تنبّلا
هو ضمير القارئ المرتضى قصده، والحر الخالص من الرق أي لم تسترقه الدنيا ولم يستعبده الهوى، وكيف يقع في ذلك من فهم قوله تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: 185]، [الحديد: 20]، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة والحريّ بمعنى الحقيق، والحواري الناصر الخالص في ولايته، والياء مشددة خففها ضرورة، والتحري بذل المجهود في طلب المقصود واشتقاقه من الحري أي اللائق والتحري القصد مع فكر، وتدبر واجتهاد أي بطلب ما هو الأحرى أي الأليق. إلى أن تنبلا أي إلى أن مات، يقال: تنبل البعير إذا مات، والهاء في «له» للقرآن، وفي «تحريه» للقارئ.
وإنّ كتاب الله أوثق شافع ... وأغنى غناء واهبا متفضّلا
هذا حث على التمسك بالقرآن والعمل بما فيه ليكون القرآن شافعا له كافيه، وهو أوثق شافع أي أقوى، وصفه بذلك لأن شفاعته مانعة له من وقوعه في العذاب، وشفاعة غيره مخرجة له منه بعد وقوعه فيه، قال عليه الصلاة والسلام: «من شفع له القرآن يوم القيامة نجا»، قوله: وأغنى غناء أي: وأكفى كفاية، أي كفاية القرآن أتم من كفاية غيره، قال عليه الصلاة والسلام: «القرآن غنى لا فقر معه ولا غنى دونه، وليس منا من لم يتغن بالقرآن»، أي: يستغن، لأنه عليه الصلاة والسلام قاله حين دخل على سعيد وعنده متاع رث. قوله:
واهبا متفضّلا، أي: زائدا في دوام هبته وبذلها على الاستمرار من غير انقطاع.
وخير جليس لا يملّ حديثه ... وترداده يزداد فيه تجمّلا
القرآن خير جليس، وهو أحسن الحديث لقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر 23]. وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما تجالس قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده». قوله: لا يمل حديثه، أي لا تمل تلاوته وسماعه، أشار إلى قولهم: «كل مكرر مملول إلا القرآن»، والهاء في ترداده تعود على القرآن، لأنه كلما ردد ازداد حسنا وجمالا، ويجوز أن يعود على القارئ لأنه يزداد بترداده من الثواب الجزيل، وفوائد العلم الجليل، ما يتجمل به في الدنيا والآخرة.
وحيث الفتى يرتاع في ظلماته ... من القبر يلقاه سنا متهلّلا
وصف القارئ بالفتوة وهو خلق جميل يجمع أنواعا من مكارم الأخلاق، ويرتاع أي:
يفزع وأضاف الظلمات إلى الفتى لأنها ظلمات أعماله الناشئة من القبر يلقاه القرآن سنى متهللا، والسنى بالقصر
(1/6)

الضوء، وبالمد الشرف والرفعة. والمتهلل الباشّ المسرور قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإن الله لينورها لهم بصلاتي
عليهم». والهاء في «يلقاه» للفتى أو للقرآن لأن كل واحد منهما يلقى الآخر.
هنالك يهنيه مقيلا وروضة ... ومن أجله في ذروة العزّ يجتلى
هنالك إشارة إلى القبر، يهنيه أي: يهنئ القارئ، مقيلا المقيل موضع القيلولة وهي الاستراحة في وسط النهار، وأراد بها الناظم مطلق الراحة أي يصير القبر كالمقيل وكالروضة بثواب القرآن، والمقيل لا يكون إلا موضعا حسنا ذا ظل وراحة، والروضة المكان المتسع قال عليه الصلاة والسلام: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار». قوله ومن أجله أي: ومن أجل القرآن في ذروة العز ذروة كل شيء أعلاه، وتقرأ في البيت بكسر الذال وضمها، والعز الشرف، ويجتلى أي: هو بارز ينظر إليه من قولك اجتليت العروس إذا نظرت إليها بارزة في زينتها.
يناشد في إرضائه لحبيبه ... وأجدر به سؤلا إليه موصّلا
يناشد أي: يلح في المسألة، والهاء في إرضائه للقرآن، والحبيب القارئ وهاؤه للقرآن ولامه للتعليل بمعنى لأجل حبيبه أي يسأل القرآن الله تعالى أن يعطي القارئ ما يرضى به القرآن، قال عليه الصلاة والسلام: «يقول القرآن يوم القيامة: يا رب رضني لحبيبي. قوله: وأجدر به تعجب كأخلق به، والسؤل المسئول وهو المطلوب أي: وما أحق الإرضاء المطلوب بالوصول إلى القارئ أو القرآن.
فيا أيّها القاري به متمسّكا ... مجلا له في كلّ حال مبجّلا
نادى قارئ القرآن المتصف بالصفات المذكورة في هذا البيت وبشره بما ذكره في البيت الآتي بعده والقارئ مهموز وإنما أبدل الهمزة ياء ضرورة، والهاء في به
للقرآن وهو متعلق بمتمسكا مقدما عليه أي: متمسكا به أي: عاملا بما فيه، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ [الأعراف: 170].
وقال عليه الصلاة والسلام: «كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به». وقوله: مجلا له إجلال القرآن تعظيمه وتبجيله توقيره وحسن الاستماع والإنصات لتلاوته.
هنيئا مريئا والداك عليهما ... ملابس أنوار من التّاج والحلا
أي: عش عيشا هنيئا والهنيء الذي لا آفة فيه والمحمود الطيب المستلذ الخالي من المنغصات، والمريء المأمون الغائلة المحمود العاقبة المنساغ في الحلق وهما من أوصاف الطعام والشراب في الأصل ثم تجوّز بهما في التهنئة بكل أمر سار، وأشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم فما ظنكم بالذي عمل بهذا».
وفي مسند بقي بن مخلد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويكسى والداه حلة لا تقوم لها الدنيا وما فيها». ففي هذا ذكر الحلة وفيما قبله ذكر التاج، والتاج الإكليل، ثم نظم بقية الحديث المتقدم وهو فما ظنكم بالذي عمل بهذا فقال.
(1/7)

فما ظنّكم بالنّجل عند جزائه ... أولئك أهل الله والصّفوة الملا
هذا استفهام تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه، أي: ظنوا ما شئتم من الجزاء بهذا الولد الذي يكرم والداه من أجله. والنجل النسل كالولد، يقع على المفرد والجمع قوله: أولئك أهل الله أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». قوله:
والصفوة أي: الخالص من كل شيء، وفي صاده الحركات الثلاث، والرواية الفتح والكسر أشار إلى قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [فاطر: 32]. والملا بفتح الميم أشرف الناس وهو مهموز أبدل همزه ألفا للوقف، أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «أشرف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل».
أولو البرّ والإحسان والصّبر والتّقى ... حلاهم بها جاء القرآن مفصّلا
أي هم أولو البر، والبر الصلاح والإحسان فعل الحسن، والصبر حبس النفس على الطاعة وردعها عن المعصية وأصله في اللغة المنع، والتقى اجتناب جميع ما نهى الله عنه.
قوله: حلاهم أي صفاتهم، جاء بها القرآن مفصلا أي مبينا أي أهل الله جمعوا صفات الخير المذكورة في القرآن نحو قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [المطففين: 22]، [الانفطار:
13]، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195]، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:
146]، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران: 68]، إلى غير ذلك من الآيات العظيمة المتضمنة لهذه المعاني والقرآن في البيت بلا همز كقراءة ابن كثير.
عليك بها ما عشت فيها منافسا ... وبع نفسك الدّنيا بأنفاسها العلا
أي بادر إلى صفاتهم وألزمها ما عشت، أي مدة حياتك فيها منافسا أي مزاحما فيها غيرك، وبع نفسك الدنيا أي أبدل نفسك الدنية بأنفاسها العلا أي بطيب أرواح الأعمال الصالحة التي هي علا، والأنفاس جمع نفس بفتح الفاء، والعلا بضم العين صفة الأنفاس.
جزى الله بالخيرات عنّا أئمّة ... لنا نقلوا القرآن عذبا وسلسلا
قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قال الرجل لأخيه: جزاك الله عني خيرا فقد أبلغ في الثناء»، معناه كأنه يقول: يا رب أنا عاجز عن مكافأة هذا فكافئه عني، دعاء لكل من نقل القرآن من الصحابة والتابعين وغيرهم إلينا لقوله عليه الصلاة والسلام: «من أولى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له». قوله: عذبا وسلسلا. أي: نقلا عذبا لم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه، ولا حرفوا ولا بدلوا، وعذوبته أنهم نقلوه إلينا غير مختلط بشيء من الرأي
بل مستندهم فيه النقل الصحيح، والعذب الحلو، والسلسل السهل الدخول في الحلق.
فمنهم بدور سبعة قد توسّطت ... سماء العلى والعدل زهرا وكمّلا
أي: فمن تلك الأئمة الناقلين للقرآن سبعة، جعلهم كالبدور لشهرتهم وانتفاع الناس بهم، والبدر إذا توسط في السماء وسلم مما يستر نوره وكمل فهو النهاية، والعلى الرفعة والشرف، والعدل الحق، واستعار للعلى وللعدل سماء وجعل هذه البدور متوسطة بها، وفيه إشارة إلى أن من لم يتوسط هذه السماء ليس من بدور القراء والأزهر المضيء والكامل التام.
(1/8)

لها شهب عنها استنارت فنوّرت ... سواد الدّجى حتى تفرّق وانجلى
الشهب جمع شهاب والشهاب في أصل اللغة اسم للشعلة الساطعة من النار، ويقال:
نار واستنار أي أضاء، والدجى الظلم جمع دجية وهي هنا كناية عن الجهل وتفرق تقطع وانجلى انكشف، أي للقراء السبعة رواة أشبهت الشهب في العلو والاشتهار والهداية أخذت القراءة عنهم وعلمتها الناس حافظين سبلها، فأماطت عنهم ظلمة الجهل وألبستهم أنوار العلم.
وسوف تراهم واحدا بعد واحد ... مع اثنين من أصحابه متمثّلا
أي ترى البدور مذكورين في هذه القصيدة على هذه الصفة، أي مرتبين واحدا بعد واحد، فكأنه نزل ظهورهم في النظم سماعا أو كتابة منزلة المتشخص من الأجسام،
والأصحاب الأتباع كما تقول: أصحاب الشافعي وأصحاب مالك. قوله متمثلا أي متشخصا، من قولهم تمثل بين يديه.
تخيّرهم نقّادهم كلّ بارع ... وليس على قرآنه متأكّلا
تخيرهم بمعنى اختارهم، والنقاد جمع ناقد، والبارع الذي فاق أضرابه، والهاء في تخيرهم ونقادهم للبدور السبعة أو للشهب أولهما، أثنى عليهم بالبراعة في العلم ثم أثنى عليهم بالزهد فقال: وليس على قرآنه متأكلا أي بارع غير متأكل بقراءته، يعني أنهم كانوا لا يجعلون القرآن سببا للأكل أشار إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تأكلوا بالقرآن».
فأمّا الكريم السّرّ في الطّيب نافع ... فذاك الّذي اختار المدينة منزلا
شرع في ذكر البدور السبعة واحدا بعد واحد فبدأ بنافع، وهو نافع بن أبي نعيم مولى جعونة ويكنى أبا رويم، وقيل غير ذلك، وأصله من أصبهان أسود، كان إمام دار الهجرة وعاش عمرا طويلا قرأ على سبعين من التابعين، منهم يزيد بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، وعبد الرحمن بن هرمز. وقرءوا على عبد الله بن عباس، على أبيّ بن كعب، على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأشار بقوله: الكريم السر، إلى ما روي عنه من أنه كان إذا تكلم يشم من فيه ريح المسك، فقيل له: أتتطيب كلما قعدت تقرئ الناس؟ قال ما أمسّ طيبا ولكني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقرأ في فيّ، فمن ذلك الوقت توجد فيه هذه الرائحة. قوله: فذالك الذي اختار المدينة منزلا، المنزل موضع النزول والسكن، يعني أن نافعا اختار السكنى بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام بها إلى أن مات فيها سنة تسع وستين ومائة في خلافة الهادي، وقيل: سنة سبع وستين، وقيل غير ذلك. وله رواة كثيرة ذكر منهم راويين في قوله:
وقالون عيسى ثمّ عثمان ورشهّم ... بصحبته المجد الرّفيع تأثّلا
الأول: هو أبو موسى عيسى بن مينا ويلقب بقالون، قرأ على نافع بالمدينة، ومات بها سنة خمس ومائتين.
الثاني: أبو سعيد عثمان بن سعيد المصري الملقب بورش، ولد بمصر ثم رحل إلى نافع فقرأ عليه بالمدينة، ومات بمصر سنة سبع وتسعين ومائة وقبره معروف في القرافة يزار.
والضمير في قوله:
(1/9)

ورشهم للقراء، أي هو الذي من بينهم لقبه ورش وكذا قوله فيما يأتي، وصالحهم أبو عمر هم وحرميهم والهاء في «بصحبته» لنافع، والمجد الشرف، والرفيع العالي، ومعنى تأثلا أي جمعا أي سادا بصحبة نافع والقراءة عليه.
ومكّة عبد الله فيها مقامه ... هو ابن كثير كاثر القوم معتلا
وهذا البدر الثاني أبو معبد عبد الله بن كثير المكي، مولى عمرو بن علقمة، تابعي وأصله من أبناء فارس، وكان طويلا جسيما أشمر أشهل يخضب بالحناء، قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي الصحابي، وعلى أبي، وعلى مجاهد بن جبير ودرباس، على عبد الله بن عباس، على أبيّ وزيد بن ثابت، على النبي صلى الله عليه وسلم، ولد بمكة سنة خمس وأربعين في أيام معاوية، وأقام مدة بالعراق ثم عاد إليها، ومات بها سنة عشرين ومائة في أيام هشام بن عبد الملك، وله رواة كثيرة ذكر منهم راويين في قوله:
روى أحمد البزّي له ومحمّد ... على سند وهو الملقّب قنبلا
الأول: منهما هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة، وإليه نسب. قرأ على عكرمة، على إسماعيل، وعلى شبل بن عباد، على ابن كثير.
والثاني: أبو عمر محمد ولقبه قنبل، قرأ على أحمد القواس، على أبي الإخريط، على إسماعيل، على شبل ومعروف، وقرأ هذان على ابن كثير، وهذا معنى قوله: «على سند»، أي بسند، يعني أنهما لم يرويا عن ابن كثير نفسه، بل بواسطة هؤلاء المذكورين. وأصل السند في اللغة ما أسند إليه من حائط ونحوه، وسند الحديث والقراءة من ذلك.
وأمّا الإمام المازنيّ صريحهم ... أبو عمرو البصري فوالده العلا
وهذا البدر الثالث: أبو عمرو بن العلاء البصري المازني، من بني مازن كازروني الأصل، أسمر طويلا. والصريح الخالص النسب، واختلف في اسمه، فقيل: اسمه كنيته، وقيل زيان، وقيل غير ذلك، قرأ على جماعة من التابعين بالحجاز والعراق، منهم ابن كثير، ومجاهد، وسعيد بن جبير، على ابن عباس، على أبيّ، على النبي صلى الله عليه وسلم. ولد بمكة سنة ثمان أو تسع وستين أيام عبد الملك، ونشأ بالبصرة، ومات بالكوفة سنة أربع أو خمس وخمسين ومائة في خلافة المنصور أو قبله بسنتين، وله رواة كثيرة ذكر منهم راويا فرع منه راويين في قوله:
أفاض على يحيى اليزيديّ سيبه ... فأصبح بالعذب الفرات معلّلا
أفاض يعني أفرغ من فاض الماء، واليزيدي هو يحيى بن المبارك اليزيدي، عرف بذلك لأنه كان عند يزيد بن المنصور يؤدب ولده نسب إليه، والسيب العطاء، والعذب الماء الحلو، والفرات الصادق الحلاوة، والمعلل الذي يسقى مرة بعد أخرى، يعني أن أبا عمرو أفاض عطاه على اليزيدي، وكنى بالسيب عن العلم الذي علمه إياه، فأصبح اليزيدي ريانا من العلم.
أبو عمر الدّوريّ وصالحهم أبو ... شعيب هو السّوسيّ عنه تقبّلا
ذكر اثنين ممن قرأ على اليزيدي: أحدهما أبو عمر حفص بن عمر الدوري، والثاني أبو شعيب
(1/10)

صالح بن زياد السوسي، والهاء في «عنه» لليزيدي، أي تقبلا عنه القراءة التي
أفاضها أبو عمرو عليه. يقال تقبلت الشيء وقبلته قبولا أي: رضيته.
وأمّا دمشق الشّام دار ابن عامر ... فتلك بعبد الله طابت محلّلا
وهذا البدر الرابع: عبد الله بن عامر الدمشقي التابعي، قرأ على المغيرة بن أبي شهاب عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعلى أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: إنه قرأ على عثمان رضي الله عنه. ووصفه الناظم بأن دمشق طابت به محلّلا أي طاب الحلول فيها من أجله، أي قصدها طلاب العلم من أجله للقراءة عليه والرواية عنه، ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين بقرية يقال لها رحاب، ثم انتقل إلى دمشق بعد فتحها، ومات بها في يوم عاشوراء من المحرم سنة ثمان عشرة ومائة في أيام هشام بن عبد الملك، ذكر من رواته اثنين في قوله:
هشام وعبد الله وهو انتسابه ... لذكوان بالإسناد عنه تنقلا
هو أبو الوليد هشام بن عمار الدمشقي، قرأ على عراك المروزي وأيوب بن تميم، على يحيى الزماري، على ابن عامر. والثاني أبو عمرو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان، قرأ
على أيوب على يحيى على ابن عامر. قوله: وهو انتسابه لذكوان يعني أن عبد الله بن ذكوان انتسب إلى جده ذكوان، قوله: بالإسناد عنه، أي عن ابن عامر، يعني أن هشاما وعبد الله نقلا القراءة عن ابن عامر بواسطة هؤلاء المذكورين شيئا بعد شيء، وهذا معنى قوله تنقلا.
وبالكوفة الغرّاء منهم ثلاثة ... أذاعوا فقد ضاعت شذا وقرنفلا
الغراء أي البيضاء المشهورة، قوله: منهم ثلاثة، أي في الكوفة ثلاثة من البدور السبعة وهم: عاصم وحمزة والكسائي، أذاعوا أي أفشوا العلم بها وشهروه، فقد ضاعت أي الكوفة أي فاحت رائحة العلم بها، شبهوا ظهور العلم بظهور رائحة الورد والقرنفل، لأن الشذا كسر العود والقرنفل معروف.
فأمّا أبو بكر وعاصم اسمه ... فشعبة راويه المبرّز أفضلا
هو عاصم بن أبي النجود وكنيته أبو بكر، تابعي قرأ على عبد الله بن حبيب السلمي، وزرّ بن حبيش الأسدي، على عثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي، وزيد، رضي الله عنهم على النبي صلى الله عليه وسلم، ومات بالكوفة أو السماوة سنة سبع أو ثمان أو تسع وعشرين ومائة أيام مروان الأخير. ذكر من رواته اثنين أحدهما شعبة ذكره في قوله فشعبة راويه المبرز أفضلا أي الذي برز فضله، يقال: إنه لم يفرش له فراش خمسين سنة، وقرأ أربعا وعشرين ألف ختمة في مكان كان يجلس فيه، ولما كان شعبة اسما مشتركا والمشهور بهذا الاسم بين العلماء هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج البصري ميز الذي عناه بما يعرف به فقال:
وذاك ابن عيّاش أبو بكر الرّضا ... وحفص وبالإتقان كان مفضّلا
ذاك إشارة إلى شعبة لأنه مشهور بكنيته واسم أبيه، ومختلف في اسمه فقيل شعبة وقيل غير ذلك.
(1/11)

وهو أبو بكر بن عياش بن سالم الكوفي، تعلم القرآن من عاصم خمسا خمسا كما يتعلم الصبي من المعلم، وذلك في نحو من ثلاثين سنة. قوله: الرضا أي العدل.
ثم ذكر الراوي الثاني فقال: وحفص إلخ، هو حفص بن سليمان الكوفي ويكنى أبا عمرو، ويعرف بحفص قرأ على عاصم، قال ابن معين: هو أقرأ من أبي بكر، ولهذا قال الشاطبي: وبالإتقان كان مفضلا، يعني إتقان حرف عاصم رحمه الله.
وحمزة ما أزكاه من متورّع ... إماما صبورا للقرآن مرتّلا
هو حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، ويكنى أبا عمارة، كان كما وصفه الناظم زكيا، متورعا، متحرزا عن أخذ الأجرة على القرآن، صبورا على العبادة، لا ينام من الليل إلا القليل مرتلا، لم يلقه أحد إلا وهو يقرأ القرآن قرأ على جعفر الصادق، على أبيه محمد الباقر، على أبيه زين العابدين، على أبيه الحسين، على أبيه علي بن أبي طالب، رضي الله
عنهم. وقرأ حمزة أيضا على الأعمش، على يحيى بن وثاب، على علقمة، على ابن مسعود، وقرأ حمزة أيضا على محمد بن أبي ليلى، على أبي المنهال، على سعيد بن جبير، على عبد الله بن عباس، على أبيّ بن كعب. وقرأ حمزة أيضا على حمران بن أعين، على أبي الأسود، على عثمان، وعلي رضي الله عنهما. وقرأ عثمان وعلي وابن مسعود وأبيّ على النبي صلى الله عليه وسلم. ولد سنة ثمانين أيام عبد الملك، ومات بحلوان سنة أربع أو ثمان وخمسين ومائة أيام المنصور أو المهدي، ذكر من رواته راويا فرع منه راويين في قوله:
روى خلف عنه وخلّاد الّذي ... رواه سليم متقنا ومحصلا
أما خلف فهو أبو محمد خلف بن هشام البزار، آخره راء مهملة، وهو صاحب الاختيار. وخلاد هو أبو عيسى خلاد بن خالد الكوفي، والهاء في «عنه» لحمزة؛ يعني أن خلفا وخلادا رويا عن حمزة بواسطة سليم الحرف الذي نقله عنه إليهما. متقنا أي محكما محفوظا، ومحصلا أي مجموعا. وجملة الأمر أن خلفا وخلادا قرآ على سليم، وسليم قرأ على حمزة.
وأمّا عليّ فالكسائيّ نعته ... لما كان في الإحرام فيه تسربلا
هو أبو الحسن علي بن حمزة النحوي، مولى لبني أسد من أولاد الفرس. قيل له:
الكسائي من أجل أنه أحرم في كساء. والسربال القميص وكل ما يلبس كالدرع وغيره. قرأ على حمزة الزيات، وقد تقدم سنده، وقرأ على عيسى بن عمر، على طلحة بن مصرف، على النخعي على علقمة، على ابن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم. عاش سبعين سنة، ومات برنبويه قرية من قرى الري صحبة الرشيد سنة تسع وثمانين
ومائة أيامه، ذكر من رواته اثنين في قوله:
روى ليثهم عنه أبو الحارث الرّضا ... وحفص هو الدّوري وفي الذّكر قد خلا
ليثهم مثل ورشهم، والهاء في عنه للكسائي، أي روى أبو الحارث الليث بن خالد عن الكسائي القراءة، والرضا العدل. والثاني هو أبو عمر حفص الدوري راوي أبي عمرو بن العلاء، وقد ذكر
(1/12)

في هذا البيت أنه روى عن الكسائي أيضا، وقد تقدم ذكره مع ذكر السوسي، فلهذا قال: وفي الذكر قد خلا.
أبو عمرهم واليحصبيّ ابن عامر ... صريح وباقيهم أحاط به الولا
أضاف أبا عمرو إلى ضمير القراء كما سبق في ورشهم. قوله: واليحصبي في صاده الحركات الثلاث مطلقا، والرواية الفتح، وقد تقدم أن أبا عمرو مازني، وذكر في هذا البيت أن ابن عامر يحصبي نسبة إلى يحصب حي من اليمن، ويحصب بطن من بطون حمير.
والصريح الخالص النسب، يعني أن أبا عمرو وابن عامر من صميم العرب، وباقيهم أي:
وباقي السبعة. أحاط به الولاء، أي أحدق به، وغلب على ذرية العجم لفظ الموالي، يقال:
فلان من العرب وفلان من الموالي، قال الجعبري في كنز المعاني: أبو عمرو وابن عامر نسبهما خالص من الرق وولادة العجم، وباقي السبعة شيب نسبهم بولاء الرق إن ثبت أنه مسهم أو أحد آبائهم، وإلا فولادة العجم وولاء الحلف لا ينافي الصراحة. وهذا النقل هو الأشهر، وإلا فقد اختلف فيهما وفي ابن كثير وحمزة انتهى كلامه.
لهم طرق يهدي بها كلّ طارق ... ولا طارق يخشى بها متمحّلا
لهم ضمير الرواة، والطرق جمع طريق وهو هنا لمن أخذ عن الراوي لأن أرباب هذا الفن اصطلحوا على أن يسموا القراءة للإمام والرواية للآخذ عنه مطلقا، والطريق للآخذ عن الراوي كذلك، فيقال مثلا: قراءة نافع رواية قالون طريق أبي نشيط ليعلم منشأ الخلاف عن الراوي. قوله: يهدي بفتح الياء وكسر الدال ويروى بضم الياء وفتح الدال، أي لهؤلاء القراء مذاهب منسوبة إليهم من الإظهار والإدغام والتحقيق والتسهيل والفتح والإمالة، وغير ذلك على ما يأتي بيانه. ومعنى يهدي أي يهتدي بها في نفسه أو يرشد المستهدي بتلك الطرق كل طارق، أي كل عالم يعرفها يهدي من طلب معرفتها. والطارق النجم المضيء، كني بالنجم عن العالم. ثم قال: ولا طارق أي: ولا مدلس، يخشى بها أي فيها متمحلا أي ماكرا.
وهنّ اللّواتي للمواتي نصبتها ... مناصب فانصب في نصابك مفضلا
وهن أي القراءات والروايات والطرق والمواتي الموافق وأصله الهمز فخفف. ونصبتها أي جعلتها مناصب أي أعلاما للعز والشرف لما لم يتضمن هذا القصيد جميع الأحرف السبعة المذكورة في الحديث بل سبع قراءات منها. قال: هذه المذاهب إنما نظمتها لمن يوافقني على قراءتها ويستعمل اصطلاحي فيما نظمته، وأما من لا يوافقني عليها بل يريد غير هذه الأئمة كيعقوب الحضرمي، والحسن البصري وعاصم الجحدري والأعمش وغيرهم ممن نقل الأحرف السبعة فليس هذا النظم موضوعا له وليطلب ذلك من غيره من كتب الخلاف.
قال الجعبري: وخفي معنى هذا البيت على أكثر القراء وبلغ جهله إلى أنه كان إذا سمع قراءة ليست في هذا النظم قال شاذة، وربما ساوت أو رجحت، والحق أن من سمع قراءة وراء علمه حققها من جهابذة النقاد وكتب الثقات.
قلت: هذا القائل إنما قال ذلك لقلة اطلاعه على حقيقة هذا الفن واقتصاره على القصيد فيزعم أن ما سواه متروك وقد ألفت مختصرا
(1/13)

لطيفا جمعت فيه ست قراءات من الأحرف السبعة الواردة في الحديث من كتب متعددة، قرأت بها وذكرتها في ذلك المختصر.
فالقراءات الست عن ستة أئمة، وهم: يزيد بن القعقاع وابن محيصن والحسن البصري ويعقوب والأعمش وخلف. فإذا قرأ القارئ بما تضمنه هذا القصيد وبما تضمنه المختصر
في القراءات الست تحصلت له ثلاث عشرة قراءة عن الأئمة الثلاثة عشر وجميعها من الأحرف السبعة الواردة في الحديث. قوله: فانصب أي اتعب في نصابك، أي في أصلك، وأراد به النية لأنها أصل العمل ونصاب الشيء أصله، ومنه نصاب المال. أي أتعب ذاتك في تحصيل العلم الذي يصير أصلا لك تنسب إليه مفضلا أي ذا فضل.
وها أنا ذا أسعى لعلّ حروفهم ... يطوع بها نظم القوافي مسهّلا
ها حرف تنبيه، وأنا ضمير المتكلم وحده، وذا اسم إشارة، وأسعى بمعنى أحرص، أي إني مجتهد في نظم تلك الطرق، راجيا حصول ذلك وتسهيله، والضمير في «حروفهم» للقراء، والمراد قراءاتهم المختلفة، قال صاحب العين، كل كلمة تقرأ على وجوه من القراءات تسمى حرفا. ويجوز أن يكون المراد بالحرف الرموز، لأنها حروفهم الدالة عليهم ويدل عليه قوله بعد ذلك جعلت أبا جاد، ويطوع بمعنى ينقاد، والقوافي جمع قافية وهي كلمات أواخر الأبيات بضابط معروف في علمها.
جعلت أبا جاد على كلّ قارئ ... دليلا على المنظوم أوّل أوّلا
أخبر أنه جعل حروف «أبي جاد» دليلا أي علامة على كل قارئ نظم اسمه من القراء السبعة ورواتهم. أول أولا أي الأول من حروف أبي جاد للأول من القراء، ففي اصطلاحه أبج لنافع وراوييه، فالهمزة لنافع، والباء لقالون، والجيم لورش. «دهز» لابن كثير وراوييه، الدال لابن كثير، والهاء للبزي والزاي لقنبل. «حطي» لأبي عمرو وراوييه، الحاء لأبي عمرو والطاء للدوري، والياء للسوسني. «كلم» لابن عامر وراوييه، الكاف لابن عامر واللام لهشام، والميم لابن ذكوان «نصع» لعاصم وراوييه، النون لعاصم والصاد لشعبة والعين لحفص. «فضق» لحمزة وراوييه، الفاء لحمزة والضاد لخلف، والقاف لخلاد «رست» للكسائي وراوييه، الراء للكسائي، والسين لأبي الحارث والتاء
للدوري عنه وترتيبها عند الحساب. (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ).
فغيرها الناظم إلى اصطلاحه فصار ترتيبها عنده أبج دهز حطي كلم نصع فضق رست ثخذ ظغش والواو للفصل.
ومن بعد ذكري الحرف أسمي رجاله ... متى تنقضي آتيك بالواو فيصلا
المراد بالحرف هنا ما وقع الاختلاف فيه بين القراء من كلم القرآن، سواء كان حرفا في اصطلاح النحويين، أو اسما أو فعلا، وأسمي بمعنى أضع. والمراد برجاله قراؤه أي أذكرهم برموزهم التي أشرت إليها لا بصريح أسمائهم، فإن ذلك يتقدم على الحرف ويتأخر كما سيأتي. وبيّن بهذا البيت كيفية استعماله الرمز بحروف أبجد فذكر أنه يذكر حروف القرآن أولا، ثم يأتي بحروف الرمز ولا يأتي بها مفردة،
(1/14)

بل في أوائل كلمات، قد تضمنت تلك
الكلمات معاني صحيحة، من ثناء على قراءة أو قارئ، أو تعليل مفيد. ثم يأتي بالواو الفاصلة كقوله: ومالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4] راويه ناصر. وعند صراط ذكر أولا حرف القرآن وهو مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4]، ثم ذكر الرمز في قوله: راويه ناصر وهما الراء والنون ثم أتى بالواو الفاصلة في قوله وعند صراط. وهذا معنى قوله: «متى تنقضي آتيك بالواو فيصلا»، أي إذا انقضى ذكر الحرف المختلف في قراءته ورمز من قرأه، آتي بكلمة أولها واو تؤذن بانقضاء تلك المسألة واستئناف كلمة أخرى. وقوله: ذكري الحرف يقرأ بإضافة ذكر إلى ياء المتكلم، ونصب الحرف ويقرأ بخفض الحرف على إضافة ذكر إليه عوض ياء المتكلم الساقطة من اللفظ لالتقاء الساكنين.
سوى أحرف لا ريبة في اتّصالها ... وباللّفظ أستغني عن القيد إن جلا
يعني أنه ربما استغنى عن الإتيان بالواو الفاصلة إذا دل الكلام بنفسه على الانقضاء والخروج إلى شيء آخر وارتفعت الريبة كقوله: وغيبك في الثاني إلى صفوه دلا خطيئته التوحيد عن غير نافع، فإن لفظ خطيئته دل على انقضاء الكلام في الغيبة والخطاب، وقوله:
وباللفظ أستغني عن القيد، كقوله وحمزة أسرى في أسارى، فإنه استغنى عن تقييد اللفظين كما قيد في قوله في بقية البيت وضمهم نقاد وهم والمد. قوله إن جلا أي إن كشف اللفظ عن المقصود وبينه ومنه، يقال جلوت الأمر إذا كشفته، يعني لا يستغني باللفظ إلا إذا كان اللفظ يكفي عن ذلك القيد وإن لم يكف قيد.
وربّ مكان كرّر الحرف قبلها ... لما عارض والأمر ليس مهوّلا
رب حرف جر في الأصح لتقليل النكرة ومكان مجرورها. وقوله: كرر يقرأ بضم الكاف وكسر الراء، والرواية بفتحهما ففي كرر ضمير يعود إلى الناظم، أي رب مكان، كرر الناظم حرف الرمز قبل الواو الفاصلة، وأراد بالحرف هنا حرف الرمز الدال على القارئ لا الكلمة المختلف فيها المعبر عنها بقوله ومن بعد ذكري الحرف. قوله: لما عارض، أي لأمر عارض اقتضى ذلك من تحسين لفظ أو تتميم قافية وهو في ذلك على نوعين: أحدهما أن يكون الرمز لمفرد مكرر بعينه كقوله: حلا حلا وعلا علا. والثاني أن يكون الرمز لجماعة ثم يرمز لواحد من تلك الجماعة كقوله سما العلا ذا أسوة تلا، وقد يتقدم المفرد كقوله: إذ سما كيف عولا، والهاء في قبلها تعود على الواو الفاصلة المنطوق بها أي قبل موضعها وإن لم توجد فإن حلا حلا وعلا علا ليس بعدهما واو فاصلة. فإن قيل فما الرمز فيهما هل هو الأول والثاني؟
قيل: ظاهر كلام الناظم أن الرمز هو الأول وهو الذي ينبغي أن يكتب بالأحمر، فإن كان صغيرا مع كبير فلا يحمر إلا الكبير الذي دخل فيه الصغير نحو إذ سما فلا يحمر ألف إذ، وكذا سما العلا لا تحمر الألف من العلا، وكذلك إذا أضيف الكبير إلى ضمير نحو
حرميهم وصحبتهم، لا يحمر الهاء والميم.
واعلم أنه كما يكرر الرمز لعارض فقد تكرر الواو الفاصلة أيضا لذلك كقوله: قاصدا ولا ومع جزمه يفعل ولم يخشوا هناك مضلّلا وأن يقبل. قوله: والأمر ليس مهولا، بكسر الواو، أي أمر استعمال الرمز هين ليس مفزعا.
(1/15)

ومنهنّ للكوفيّ ثاء مثلّث ... وستّتهم بالخاء ليس بأغفلا
عنيت الأولى أثبتّهم بعد نافع ... وكوف وشام ذالهم ليس مغفلا
لما اصطلح على رموز القراء منفردين، كل حرف من حروف «أبي جاد» رمز لقارئ كما تقدم، اصطلح أيضا على حروف من حروف «أبي جاد» دالة عليهم مجتمعين كل حرف يدل على جماعة. واعلم أن الحروف الباقية من حروف «أبي جاد» ستة يجمعها كلمتان «ثخذ، ظغش». ولهذا قال: ومنهن، أي من حروف أبي جاد للكوفي، أي للقارئ الكوفي من السبعة، أي لهذا الجنس، وهم عاصم وحمزة والكسائي. ثاء مثلث، أي ذات نقط ثلاث، جعل الثاء المثلث وهو الأول من ثخذ دالا على الكوفيين الثلاثة إذا اجتمعوا على قراءة نحو قوله: وفي درجات النون مع يوسف ثوى، فالثاء من قوله: ثوى، ذات رمز لهم.
قوله: وستتهم بالخاء، أي وستة القراء بالخاء المنقوطة، والأغفل من الحروف الذي لم ينقط. قوله: عنيت، أي أردت، الأولى أي الذين أثبتهم أي نظمتهم، أخبر أنه جعل الحرف الثاني من «ثخذ» وهو الخاء لغير نافع، فلهذا قال: عنيت الأولى أثبتهم، أي عنيت بالستة الذين ذكرتهم في النظم بعد ذكر نافع، وهم: ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، إذا اجتمعوا على قراءة رمز لهم، بالخاء كقوله: والصابئون خذ، فالخاء رمز لهم، ثم شرع في الحرف الثالث من ثخذ، فقال: وكوف وشام ذالهم، أخبر أنه جعل الذال المعجمة للكوفيين وابن عامر، إذا اجتمعوا على قراءة كقوله: «وما يخدعون»، الفتح من قبل ساكن، وبعد ذكا، فالذال من ذكا رمز لهم. وقوله: ليس مغفلا، أي ليس مغفلا من النقط بل هو منقوط. ثم لما فرغ من حروف ثخذ شرع في تفصيل حروف ظغش فقال:
وكوف مع المكّيّ بالظاء معجما ... وكوف وبصر غينهم ليس مهملا
أخبر أن الحرف الأول من حروف ظغش، وهو الظاء المعجمة أي المنقوطة جعلها للكوفيين والمكي، يعني أن عاصما وحمزة والكسائي وابن كثير، إذا اجتمعوا على قراءة رمز لهم بالظاء كقوله: وفي الطور في الثاني ظهير، فالظاء من ظهير رمز لهم. قوله: وكوف وبصر، إلخ ... أخبر أن الحرف الثاني من حروف ظغش، وهو الغين، جعلها رمز العاصم وحمزة والكسائي وأبي عمر. وإذا اجتمعوا على قراءة كقوله: وقبل، يقول: الواو غصن، فالغين رمز لهم. وقوله: غينهم ليس مهملا، أي منقوط، والمهمل الخالي من النقط، والمعجم من الحروف المنقوط من قولهم: أعجمت الكتاب، أي أزلت عجمته بالنقط.
وذو النّقط شين للكسائي وحمزة ... وقل فيهما مع شعبة صحبة تلا
صحاب هما مع حفصهم عمّ نافع ... وشام سما في نافع وفتى العلا
ومكّ وحقّ فيه وابن العلاء قل ... وقل فيهما واليحصبي نفر حلا
أخبر أن الحرف الثالث من حروف ظغش، وهو الشين المنقوط جعله رمز الحمزة، والكسائي إذا اجتمعا على قراءة كقوله: وقل حسنا شكرا، فالشين رمز لهما، وإليه أشار بقوله: ذو النقط، أي صاحب النقط. فهذا آخر حروف «أبي جاد»، وكملت حروف المعجم جميعها، وهو آخر الرمز الحرفي.
ثم اصطلح
(1/16)

على ثمان كلمات جعلها رموزا وهن: «صحبة صحاب عم سما حق نفر حرمي حصن». ثم شرع في بيان مدلول تلك الكلمات فقال: وقل فيهما مع شعبة صحبة الضمير في «فيهما» عائد على حمزة والكسائي، أي قل في الكسائي وحمزة مع شعبة هذه الكلمة وهي صحبة، فجعل صحبة علما دالا على هؤلاء، يعني أن حمزة والكسائي إذا اتفق معهما شعبة على قراءة، عبر عنهم بلفظ صحبة كقوله: وصحبة يصرف، فصحبة رمز لهم.
وتارة يرمز لهم بالحرف كقوله: «وموص ثقله صح شلشلا»، فالصاد لشعبة، والشين لحمزة والكسائي. قوله: تلا أي تبع الرمز الكلمي الرمز الحرفي.
ثم شرع في الكلمة الثانية وهي صحاب فقال: صحاب هما مع حفصهم، أخبر أنه جعلها رمزا لحمزة والكسائي وحفص، إذا اجتمعوا على قراءة، رمز لهم بصحاب كقوله:
وقل زكريا، دون همز جميعه صحاب الضمير في قوله: هما يعود إلى حمزة والكسائي ومراده حفص عاصم.
الكلمة الثالثة عم جعلها رمزا لنافع وابن عامر، فقال عم نافع وشام.
الكلمة الرابعة: سما جعلها رمزا لنافع، وأبي عمرو وابن كثير، فقال: سما في نافع وفتى العلا. ومكّ.
الكلمة الخامسة: حق جعلها رمزا لابن كثير وأبي عمرو فقال: ومك وحق وابن العلاء قل.
الكلمة السادسة: نفر جعلها رمزا لابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر فقال: وقل فيهما واليحصبي نفر حلا. ثم ذكر باقي الكلمات فقال:
وحرميّ المكّيّ فيه ونافع ... وحصن عن الكوفي ونافعهم علا
الكلمة السابعة: حرمي جعلها رمزا لابن كثير ونافع.
الكلمة الثامنة: حصن جعلها رمزا لنافع والكوفيين، وهم: عاصم وحمزة والكسائي.
قوله: حرمي بكسر الحاء وسكون الراء وتشديد الياء، لغة في الحرم. وقوله: علا أي: ظهر.
المراد وهذه الثمان كلمات تارة يأتي بها بصورتها، وتارة يضيف بعضها إلى ضمير كقوله:
«صحابهم وحقك يوم لا مع الكسر عمه».
ومهما أتت من قبل أو بعد كلمة ... فكن عند شرطي واقض بالواو فيصلا
أي: ومهما أتت كلمة أولها رمز من قبل كلمة من الكلمات الثمان، التي وضعتها رمزا تارة استعملها مجردة عن الرمز الحرفي، وتارة يجتمعان فإذا اجتمعا لم ألتزم ترتيبا بينهما، فتارة يتقدم الكلمي على الحرفي نحو وعم فتى، وتارة يتقدم الحرفي على الكلمي نحو نعم عم، وتارة يتوسط الكلمي بين حرفين نحو صفو حرميه رضى، ومدلول كل واحد من الحرفي والكلمي بحاله لا يتغير بالاجتماع، فهذا معنى قوله: فكن عند شرطي، أي: على ما شرطته واصطلحت عليه قوله: واقض بالواو فيصلا، أي احكم بعد ذلك بالواو فاصلا على القاعدة المتقدمة.
وما كان ذا ضدّ فإني بضدّه ... غنيّ فزاحم بالذّكاء لتفضلا
انتقل إلى بيان اصطلاحه في عبارات وجوه القراءات فقال: كل وجه له ضد واحد سواء كان عقليا أو اصطلاحيا، فإني أستغني بذكر أحد الضدين عن الآخر لدلالته عليه، فيكون من سمى يقرأ بما ذكره، ومن لم يسم يقرأ بضد ما ذكره. قوله: فزاحم بالذكاء أي:
زاحم العلماء بذكائك، أي بسرعة فهمك لتفضلا أي لتغلب في الفضل.
واعلم أن الأضداد المذكورة تنقسم قسمين: أحدهما: ما يعلم من جهة العقل.
والثاني ما يعلم من جهة اصطلاحه، ثم هي تنقسم قسمين آخرين منها ما يطرد وينعكس، أي كل
(1/17)

واحد من الضدين يدل على الآخر، ومنها ما يطرد ولا ينعكس. فبدأ بالقسم الأول من القسمين أعني الذي يعلم من جهة العقل المطرد المنعكس.
كمدّ وإثبات وفتح ومدغم ... وهمز ونقل واختلاس تحصّلا
المد ضده القصر كقوله: فإن ينفصل فالقصر بادره. وقوله: وعن كلهم بالمد ما قبل ساكن، وتارة يعبر بالمد عن زيادة حرف كقوله: وفي حاذرون المد، وتارة يعبر
بالقصر عن حذف الألف كقوله: وقل لابثين القصر. قوله: وإثبات الإثبات ضده الحذف كقوله:
وتثبت في الحالين درا لوامعا ... وقل قال موسى واحذف الواو دخللا
قوله: وفتح الفتح هنا ضده الإمالة الكبرى والصغرى، ولم يستعمله الناظم إلا في قوله في سورة يوسف: والفتح عنه تفضلا، وفي باب الإمالة في قوله: «ولكن رءوس الآي قد قل فتحها». وإنما لم يقع التقييد بالفتح إلا في هذين الموضعين، لأن القراءة إذا كانت دائرة بين الفتح والإمالة، فما يعبر الناظم بالفتح لعدم دلالة الفتح على أحد نوعي الإمالة،
لأن الإمالة منقسمة صغرى وكبرى فما تفهم القراءة الأخرى لو عبر بالفتح، فيعبر بالإمالة إما الصغرى أو الكبرى وأيهما كانت فضدها الفتح.
والصحيح أن الفتح هنا غير الفتح الذي يأتي مؤاخيا بينه وبين الكسر، لأن الفتح هنا ضد الإمالة بخلافه ثم فإن ضده الكسر. قوله: ومدغم إلى آخره، ضد الإدغام الإظهار.
وضد الهمز ترك الهمز وضد النقل إبقاء الهمز على حركته، وإبقاء الساكن قبله. وضد الاختلاس إكمال الحركة، لأن معنى الاختلاس خطف الحركة والإسراع بها، وقوله:
تحصلا، أي تحصل في الروية وثبت.
ثم شرع في بيان الأضداد التي اصطلح عليها فقال:
وجزم وتذكير وغيب وخفّة ... وجمع وتنوين وتحريك اعملا
الجزم ضده في اصطلاحه الرفع، وهو يطرد ولا ينعكس. أما بيان اطراده فلأنه متى ذكر الجزم فخذ ضده الرفع، كقوله: وبالقصر للمكي واجزم فلا يخف. وأما الرفع فضده النصب كما سيأتي. والتذكير ضده التأنيث، وكل من الضدين يدل على الآخر كقوله: وذكر لم يكن شاع، وقوله: وإن تكن أنث. والغيبة ضدها الخطاب، وكل من الضدين يدل على الآخر كقوله: وفي يعملون الغيب حل، وقوله: وتدعون خاطب إذ لوى. والخفة ضدها الثقل، وكل منهما يدل على صاحبه، كقوله: وكوفيهم تساءلون مخففا. وقوله: وحق وفرضنا ثقلا والجمع ضده التوحيد والإفراد، وهو من الأضداد المطردة المنعكسة باصطلاحه نحو: وجمع رسالاتي حمته ذكوره، وكقوله: خطيئته التوحيد رسالات فرد. والتنوين ضده تركه، وهو من الأضداد المطردة المنعكسة كقوله: لثمود نوّنوا واخفضوا رضى وقوله: ثمود مع الفرقان والعنكبوت لم ينون. والتحريك ضده الإسكان، سواء كان مقيدا نحو: وحرك عين «الرعب» ضما أو مطلقا، نحو: معا قدر حرك من صحاب، وقوله: اعملا أي عاملا في الحرف.
وحيث جرى التّحريك غير مقيّد ... هو الفتح والإسكان آخاه منزلا
التحريك يقع في القصيد على وجهين: مقيد، وغير مقيد، فالمقيد كقوله: واللام حركوا برفع خلودا، وكقوله: وحرك عين الرعب ضما. وغير المقيد كقوله: معا قدر حرك.
ولا يكون إذا إلا فتحا، ومثله قوله:
(1/18)

نعم ضم حرك واكسر الضم أثقلا، والإسكان ضدهما معا، وإنما قال في هذا البيت والإسكان آخاه ولم يستغن بما تقدم في البيت الذي قبله لفائدة، وليس هذا بتكرار. أراد به إذا ذكر التحريك غير مقيد فضده الإسكان، وإذا ذكر الإسكان فضده الفتح إذا كان الإسكان غير مذكور الضد كقوله: ويطهرن، في الطاء السكون
فضد هذا السكون الفتح لأنه ذكره ولم يذكر له ضدا، فإن كان للسكون ضد غير الفتح فلا بد من ذكره وتقييده كقوله:
وحيث أتاك القدس إسكان داله ... دواء وللباقين بالضم أرسلا
لما كان ضد الإسكان هنا الضم ذكره وعينه. وكقوله: وأرنا وأرني ساكنا الكسر. ثم شرع يذكر بقية الأضداد التي اصطلح فيها فقال رحمه الله:
وآخيت بين النّون واليا وفتحهم ... وكسر وبين النّصب والخفض منزلا
أخبر أنه آخى بين النون والياء، وبين الفتح والكسر، وبين النصب والخفض. وفعل ذلك لكثرة دورهما في التراجم وفرق بين لقبي الفتح والنصب، وبين لقبي الكسر والخفض، على اصطلاح البصريين في التفرقة بين ألقاب حركات الإعراب والبناء.
فحاصل هذا البيت أن النون والياء ضدان، وكل واحد منهما يدل على صاحبه، فمتى كانت القراءة دائرة بين الياء والنون فإذا ذكرت الياء لقارئ نحو قوله: ويا ويكفر عن كرام، فتأخذ للمسكوت عنهم النون لتصريحه بالياء، وإذا ذكر النون لقارئ نحو قوله: وحيث يشاء نون دار، فتأخذ للمسكوت عنهم الياء، لتصريحه بالنون. وقوله: وفتحهم وكسر إلخ الفتح والكسر ضدان، وكل واحد منهما يدل على صاحبه كقوله: إن الدين بالفتح رفلا، فتأخذ للمسكوت عنهم القراءة بكسر الهمز. ومثال الكسر كقوله: عسيتم- بكسر السين- حيث أتى انجلا، فتأخذ للمسكوت عنهم القراءة بفتح السين. وأما النصب والخفض فهما ضدان، وكل واحد منهما يدل على الآخر كقوله: وغير أولي بالنصب صاحبه كلا. ومثال التقييد بضده كقوله: والأرحام بالخفض جملا. وقوله: منزلا، بضم الميم أي: منزلا كل شيء من ذلك منزلته.
وحيث أقول الضّمّ والرّفع ساكتا ... فغيرهم بالفتح والنّصب أقبلا
أخبر أنه إذا ذكر الضم وسكت عن قراءة الباقين كانت بالفتح كقوله: وفي إذ يرون الياء بالضم كللا: فابن عامر يقرأ بالضم، والباقون يقرءون بالفتح، وإذا ذكر الرفع وسكت عن قراءة الباقين كانت بالنصب كقوله: وحتى يقول الرفع في اللام أولا، فنافع يقرأ بالرفع، والباقون يقرءون بالنصب، وإذا لم تكن قراءة الباقين في النوع الأول بالفتح، ولا في النوع الثاني بالنصب، فإنه لا يسكت عنها مثاله في الضم قوله: وجزءوا وجزء ضم الإسكان صف. فقد ذكر الضم لأبي بكر، وذكر معه الإسكان، فتأخذ لغيره الإسكان لأنه المذكور مع الضم. وكذلك قوله: ورضوان اضمم غير ثان العقود كسره صح، فتأخذ لأبي بكر الضم لنصه عليه، وتأخذ للباقين المذكور معه وهو الكسر. ومثاله في الرفع قوله: يضاعف ويخلد رفع جزم كذي صلا: فتأخذ لابن عامر وأبي بكر القراءة بالرفع وتأخذ للباقين ما ذكر مع
الرفع وهو الجزم وكذلك قوله:
وخضر برفع الخفض عم حلا علا
فالحاصل أن ضد الرفع إذا سكت النصب، وضد النصب الخفض وكذلك ضد الضم إذا سكت الفتح، وضد الفتح الكسر. فالفتح والكسر ضدان، وكل واحد منهما
(1/19)

يدل على الآخر وكذلك النصب والخفض كل واحد منهما يدل على الآخر قوله: أقبلا أي جاء الغير بالفتح في مقابلة الضم، وبالنصب في مقابلة الرفع وبالله التوفيق:
وفي الرّفع والتّذكير والغيب جملة ... على لفظها أطلقت من قيّد العلا
أي في القصيد جملة مواضع من: الرفع، والتذكير، والغيب، وأضدادها، أطلقت القارئ الذي فهم الأضداد المتقدمة على قراءتها، خالية من الترجمة. فاعلم من هنا أن الخلاف إذا دار بين الرفع وضده فلا أذكر إلا الرفع رمزا أو صريحا، وإذا دار بين التذكير وضده فلا أذكر إلا التذكير، وإذا دار بين الغيب وضده فلا أذكر إلا الغيب. فإذا علمت أحد الوجهين من هنا أخذت للمسكوت عنه ضده من المتقدم. وقوله: على لفظها، أي على قراءتها أطلقت أي أرسلت. أي: وفي الرفع والتذكير والغيب جملة من حروف القرآن، في القصيد أطلقت على لفظها من غير تقييد، يعني أنه ربما استغنى بألفاظ هذه الثلاثة عن تقييدها. وقد اتفق اجتماع هذه الثلاثة في بيت واحد بالأعراف، وهو قوله: وخالصة أصل، ولم يقل بالرفع، فكان هذا الإطلاق دليلا على أنه مرفوع. ولا يعلمون قل، ولم يقل بالغيب، لشعبة في الثاني ويفتح شمللا، ولم يقل بالتذكير، ونبه بقوله: من قيد العلا، على أنه إنما وضع قصيده لمن عرف معانيه ليرتقي به إلى أعلى هذا الشأن، أي: من حاز الرتب العلا:
وقبل وبعد الحرف آتي بكلّ ما ... رمزت به في الجمع إذ ليس مشكلا
أخبر أنه لا يلتزم لكلم الجمع مكانا، بل يأتي بها تارة قبل الحرف وتارة بعده، إذ لا إشكال فيها، بخلاف حروف أبجد. والمراد بالحرف هنا كلمة القرآن. والرمز في اللغة الإيماء والإشارة ومنه قوله تعالى: إِلَّا رَمْزاً [آل عمران: 41]، ولما كانت هذه الكلمات والحروف التي جعلها دالة على القراءة كالإشارة إليهم، سماها رمزا وأراد بما رمز به في الجمع الكلمات الثماني، فإنها هي التي لا يشكل أمرها في أنها رمز سواء تقدمت على الحروف أو تأخرت. وأما الحروف الدالة على الجمع كالتاء والخاء وما بعدهما فلها حكم الحروف الدالة على القراء منفردين، وقد التزم ذكرها بعد حرف القرآن بقوله:
ومن بعد ذكري الحرف أسمي رجاله
وقد تقدم هذا، ومثال ذكره رمز الجمع قبل حرف القرآن، نحو: وصحبة يصرف
ومثال ذكره إياه بعده نحو يستبين صحبة ذكر وأولا وقوله ليس مشكلا أي ليس بصعب؛
وسوف أسمّي حيث يسمح نظمه ... به موضحا جيدا معمّا ومخولا
أخبر أنه يسمي القارئ باسمه ولا يرمزه، حيث يسمح نظمه به، أي حيث يسهل عليه نظمه تارة يذكره قبل حرف القرآن، وتارة بعده على حسب ما يسهل كقوله: «لحمزة فاضمم كسرها أهله امكثوا»، وقوله: «ولا كذابا بتخفيف الكسائي أقبلا.
واعلم أن التصريح تارة يكون باسم القارئ كما تقدم وتارة يكون بكنيته كقوله:
«وقطبه أبو عمرو»، وتارة يكون بنسبه كقوله: «وكوفيهم تساءلون»، وتارة يكون بضمير كقوله: «وبصروهم أدرى». وأما حرمي فإنه وإن كان نسبة فإنه جعله رمزا، فيجتمع مع الرمز كقوله: وإستبرق حرمي نصر وقد استمر له أنه لا يجمع بين رمز واسم صريح في ترجمة واحدة، ويجمع بينهما في ترجمتين فإنه قد يرمز بقراءة القارئ في الحرف الواحد، ويصرح فيه بالقراءة الأخرى لغيره كما قال: «يلهث له دار جهلا»، ثم قال: «وقالون ذو خلف»، وكذلك قد يرمز للقراء ويستثني بالصريح كقوله «وإضجاع «را» كل الفواتح»، ذكره حمى غير حفص. وقوله: «ليقضوا سوى بزيهم نفر
(1/20)

جلا وموضحا» أي مبينا، والجيد العنق، والمعم المخول ذو الأعمام والأخوال، وذلك أنهم كانوا يعرفون الصبي ذا الأعمام والأخوال بجيده لما فيه من الزينة.
ومن كان ذا باب له فيه مذهب ... فلا بدّ أن يسمى فيدرى ويعقلا
يريد أن القارئ إذا انفرد بباب لم يشاركه فيه غيره ذكره في ذلك الباب باسمه من غير رمز زيادة في البيان كقوله: ودونك الإدغام الكبير «وقطبه: أبو عمرو»، وقوله: وفي هاء تأنيث الوقوف وقبلها: «ممال الكسائي»، وقوله: «وغلظ ورش فتح لام لصادها». وبانتهاء هذا البيت انتهى ما رتبته من الرموز والاصطلاح في القصيد، ثم شرع يثني عليها فقال:
أهلّت فلبّتها المعاني لبابها ... وصغت بها ما ساغ عذبا مسلسلا
الإهلال: رفع الصوت أي نادت صارخة بالمعاني، فلبتها أي أجابتها بقولها: لبيك، أي أقامت دائمة على الإجابة، من ألبّ بالمكان: أقام به، ولباب المعاني خالصها، وضعت من الصياغة ويعبر بها عن إتقان الشيء وإحكامه، وساغ سهل، والعذب الحلو والمسلسل السلس، يعني أنه نظم فيها اللفظ الحلو السلس الذي سهل على اللسان لتناسب مادته حال التذاذ السمع به لملاءمة الطبع.
وفي يسرها التّيسير رمت اختصاره ... فأجنت بعون الله منه مؤمّلا
رمت الشيء طلبت حصوله: أي أنه لما قصد اختصار كتاب التيسير ونظم مسائله في هذه القصيدة استعان بالله تعالى، فحصل له فيها ما أمله من المنفعة للمسلمين، واختصار
الشيء جمع معانيه في أقل من ألفاظه واستعار الجني للمعاني للطافتها. والتيسير يقرأ برفع الراء ونصبها والرفع الرواية. ومصنف التيسير هو الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، وأصله من قرطبة وهو مقرئ محدث مات بدانية في شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وكتاب التيسير من محفوظات الشاطبي قال: عرضته حفظا عن ظهر قلب، وتلوت ما فيه على ابن هذيل بالأندلس:
وألفافها زادت بنشر فوائد ... فلفّت حياء وجهها أن تفضّلا
الألفاف: الأشجار الملتفة لكثرتها، والفوائد: جمع فائدة، أي نشرت فوائد زائدة على ما في كتاب التيسير من زيادة وجوه وإشارة إلى تعليل وغير ذلك، ومن جملة ذلك باب مخارج الحروف ثم بعد هذا استحيت أن تفضل على كتاب التيسير استحياء الصغير من الكبير، ولفت أي سترت والذي سترت به وجهها هو الرمز.
وسمّيتها حرز الأماني تيمّنا ... ووجه التّهاني فاهنيه متقبّلا
أخبر أنه سمى هذه القصيدة «حرز الأماني ووجه التهاني» وأخبر بهذه التسمية أيضا أنه أودع فيها أماني طالبي هذا العلم وأنها تقابلهم بوجه مرضي مهنئ بمقصودهم، وتيمنا تبركا ومعنى فأهنئه متقبلا: أي تهنأ بهذا الحرز في حال تقبلك وكن به متهنئا.
وناديت اللهمّ يا خير سامع ... أعذني من التّسميع قولا ومفعلا
ناديت: أي قلت ومعنى اللهم يا الله الميم عوض عن حرف النداء وقطع همزته ضرورة، ثم كرر
(1/21)

النداء بقوله: يا خير سامع أعذني، أي اعصمني من التسميع أي من السمعة قولا ومفعلا أي في قولي وفعلي:
إليك يدي منك الأيادي تمدّها ... أجرني فلا أجري بجور فأخطلا
لما مد يده حال الدعاء قال: إليك يدي أي إليك مددت يدي سائلا الإعاذة من التسميع والإجارة من الجور، وقوله: «منك الأيادي تمدها»، الأيادي النعم أي هي الحاملة والمسهلة لي على مد يدي، أجرني أي خلصني من الخطأ فإنك إن أجرتني فلا أجري بجور أي فلا أفعله، والجور الميل عن الحق، فأخطلا أي فأقع في الخطل وهو الكلام الفاسد.
أمين وأمنا للأمين بسرّها ... وإن عثرت فهو الأمون تحمّلا
لما دعا أمن على دعائه فقال: أمين، ومعناه استجب، وفيه لغتان قصر الهمزة وهو الأصل، ومدها وهو الأفصح، وهو مبني على الفتح، وقد حكي فيه التشديد، والأمن ضد الخوف والأمين الموثوق به والسر ضد العلانية، كأنه قال: اللهم استجب، وهب أمنا للأمين بسرها أي بخالصها ومن أمانته اعترافه بما فيها من الفوائد، وقوله: وإن عثرت إلخ أصل
العثار في المشي، ثم يستعمل في الكلام يقال: عثر في منطقه إذا غلط، والعثرة الزلة، وأضافها إلى القصيدة مجازا، وإنما يعني عثرة ناظمها فيها، والأمون الناقة القوية أي يكون الناظر في هذه القصيدة قويا بمنزلة هذه الناقة في تحمل ما يراه من زلل أو خطأ فيقيم المعاذير:
أقول لحرّ والمروءة مرؤها ... لإخوته المرآة ذو النّور مكحلا
أخبر أنه مخاطب للحر بما تضمنته الأبيات التي تلي هذا البيت، وأراد الحر الذي تقدم شرحه في قوله: هو الحر، فقال: أقول لحر أخي أيها المجتاز واعترض بين القول والمقول بقوله: والمروءة مرؤها إلى آخر البيت، والمروءة كمال المرء بالأخلاق الزكية، وهي مشتقة من لفظ المرء كالإنسان من لفظ الإنسانية، وقوله: مرؤها معناه رجلها الذي قامت به المروءة، وأشار بقوله والمروءة مرؤها لإخوته المرآة ذو النور إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن مرآة المؤمن»، وروي «إن أحدكم مرآة أخيه فإذا رأى شيئا فليمطه».
والمكحل الميل الذي يكتحل به:
أخي أيّها المجتاز نظمي ببابه ... ينادى عليه كاسد السّوق أجملا
هذا من المقول للحر نادى أخاه في الإسلام الذي جاز هذا النظم ببابه أي: مر به، كني بذلك عن السماع به أو الوقوف عليه إنشادا أو في كتاب، واستعار الكساد للخمول وكساد السلعة ضد نفاقها أي إذا رأيت هذا النظم خاملا غير ملتفت إليه فأجمل أنت أي ائت بالقول الجميل فيه.
وظنّ به خيرا وسامح نسيجه ... بالاغضاء والحسنى وإن كان هلهلا
أي ظن بالنظم خيرا لأن ظن الخير بالشيء يوجب حسن الاعتذار عنه، وسامح من المسامحة وهي ضد المشاححة، نسيجه يعني ناسجه أي ناظمه بالإغضاء أي بالتغافل والحسنى أي بالطريقة الحسنى، وإن كان هلهلا في نسيجه، والهلهل الخفيف النسج.
(1/22)

وسلّم لإحدى الحسنيين إصابة ... والأخرى اجتهاد رام صوبا فأمحلا
أي إذا اجتهد العالم فأصاب فله أجران أي أجر اجتهاده وأجر إصابته، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر أي أجر اجتهاده: أي سلم لي حالي وأمسك عن لومي لحصول إحدى الحسنيين لي ثم بينهما فقال إصابة أي إحداهما إصابة وهي التي يحصل بها الأجران للواحد والأخرى اجتهاد لا يحصل معه الإصابة وهو الذي يحصل به الأجر الواحد أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «من طلب علما فأدركه كان له كفلان من الأجر وإن لم يدركه كان له كفل من الأجر». وعبر عن الخطأ بعد الاجتهاد بقوله: «رام صوبا فأمحلا»، ومعنى رام حاول وطلب، والصوب نزول المطر والمحل جفاف النبات لعدم المطر. وقوله: سلم معناه
وافق، وإصابة بالرفع الرواية، ويجوز فيها الجر على البدل من إحدى الحسنيين:
وإن كان خرق فادّركه بفضلة ... من الحلم وليصلحه من جاد مقولا
أي وإن وقع في نسيجه خرق كنى بالخرق عن الخطأ، رشح استعارة النسج والهلهل بالخرق للعيب. قوله فأدركه، أي فتدارك ذلك الخرق بفضله من الحلم، أي من الرفق والحلم هنا الصفح وأصله تأخير المؤاخذ، وليصلحه أي يزيل فساده من جاد مقولا والمقول اللسان وهو بكسر الميم، وأذن في هذا البيت لمن وجد خطأ في نظمه وجاد مقوله أن يصلح ذلك الخطأ وهذا تواضع منه:
وقل صادقا لولا الوئام وروحه ... لطاح الأنام الكلّ في الخلف والقلا
أي وقل قولا صادقا، لولا الوئام أي لولا الوفاق وروحه أي وروح الوئام أي حياته، لطاح لهلك الأنام، والأنام الإنس، وقيل الإنس والجن، وقيل كل ذي روح. والقلا البغض، أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم»، أي لولا الموافقة لهلك الأنام في الاختلاف والتباغض وفي المثل السائر: «لولا الوئام لهلك الأنام».
وعش سالما صدرا وعن غيبة فغب ... تحضّر حظار القدس أنقى مغسّلا
عش: أي دم سالما صدرا، أي خالص الصدر من كل غش «وعن غيبة فغب» أي لا تحضر مع المغتابين، وقوله تحضر من الحضور حظار القدس، الحظار والحظيرة ما يحوط به على الماشية من نحو أغصان الشجر ليقيها البرد والريح. والقدس الطهارة، وحظار القدس الجنة، وقيل: هو موضع في السماء فيه أرواح المؤمنين وعليهما المعنى. وأنقى نظيف أي نقيا من الذنوب مغسلا أي مطهرا منها.
وهذا زمان الصّبر من لك بالّتي ... كقبض على جمر فتنجو من البلا
هذا إشارة إلى زمانه: أي هذا الزمان زمان الصبر لأنه قد أنكر المعروف وعرف المنكر، وأوذى المحق وأكرم المبطل، فمن يسمح لك بالحالة التي لزومها في الشدة كقابض على جمر فتأس به فتسلم من العذاب، أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر». ويقال فيما يستبعد وقوعه: «من لك بكذا». والبلاء ممدود قصره وأصله الاختبار، والمراد به هنا عذاب الآخرة:
ولو أنّ عينا ساعدت لتوكّفت ... سحائبها بالدّمع ديما وهطّلا
ساعدت أي عاونت صاحبها على البكاء لتوكفت أي قطرت، يقال: وكف البيت وكفا إذا قطر.
(1/23)

وسحائبها أي مدامعها، أي: لسال دمعها دائما بكثرة بكائها، على التقصير في الطاعة، والديم: جمع ديمة وهو المطر الدائم، وقيل أقله يوم وليلة والهطل تتابع المطر
والدمع وسيلانه:
ولكنّها عن قسوة القلب قحطها ... فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا
لكن للاستدراك، وقسوة القلب غلظه، والقحط الجدب. أي: لم ينقطع الدمع إلا بسبب أن القلب قاس، قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «أربعة من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل والحرص على الدنيا». قوله: «فيا ضيعة الأعمار» نادى ضيعة الأعمار على معنى التأسف، وضيعة الأعمار ذهابها بلا كسب عمل صالح. تمشي أي:
تمضي سبهللا أي فارغة، يقال لكل شيء فارغ سبهلل:
بنفسي من استهدى إلى الله وحده ... وكان له القرآن شربا ومغسلا
أي: أفدي بنفسي من كل محذور. من استهدى، أي: من طلب الهداية من الله وحده لا من غيره، أي: منفردا بطلب الهداية في زمن إعراض الناس عنها، وكان له القرآن شربا أي نصيبا. أي إذا اقتسم الناس حظوظهم كان القرآن حظه يتروى به ومغسلا يتطهر به من الذنوب، أي بدوام تلاوته والعمل بما فيه:
وطابت عليه أرضه فتفتّقت ... بكلّ عبير حين أصبح مخضلا
أي طابت على المستهدي أرضه، فتفتقت: أي فتفتحت له بكل عبير لما يثني به عليه أهلها من الثناء الذي يشبه العبير طيبا والعبير الزعفران، وقيل: هو أخلاط من الطيب يجمع بالزعفران حين أصبح مخضلا أي مبتلا، كني بذلك عما أفاض الله عليه من نعمه بالمحافظة على حدوده:
فطوبى له والشّوق يبعث همّه ... وزند الأسى يهتاج في القلب مشعلا
طوبى له أي للمستهدي أي الجنة له، أي ما أطيب عيشه حين يبعث الشوق همه، والهم هنا الإرادة، أي الشوق إلى ثواب الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم يثير إرادته ويوقظها مهما أنس منها فتورا أو غفلة. والزند الأعلى مما يقدح به النار والزندة السفلى استعارة له. والأسى الحزن من أسيت على الشيء أي أسفت عليه، ويهتاج أي يثور وينبعث، ومشعلا أي: موقدا. وسبب هذا الحزن التأسف على ما ضاع من العمر:
هو المجتبى يغدو على النّاس كلّهم ... قريبا غريبا مستمالا مؤمّلا
هو ضمير المستهدي والمجتبى المختار يغدو إذا مر أي يمر بالناس متصفا بهذه الصفات المذكورة قريبا من الله غريبا من الناس، مستمالا أي يطلب منه من يعرف حاله الميل إليه والإقبال عليه، مؤملا أي يؤمل عند نزول الشدائد:
يعدّ جميع النّاس مولّى لأنّهم ... على ما قضاه الله يجرون أفعلا
يعد أي يعتقد أن كل واحد من الناس مولى أي عبد الله. مأمورا مقهورا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فلا يرجوهم ولا يخافهم لأن أفعالهم تجري على ما سبق به القضاء والقدر، أو يكون أراد بمولى: سيدا فلا يحتقر أحدا منهم بل يتواضع لكبيرهم وصغيرهم لجواز أن يكون خيرا منه:
(1/24)

يرى نفسه بالذّم أولى لأنّها ... على المجد لم تلعق من الصّبر والألا
يرى هنا من رؤية القلب أي لا يشغل نفسه بعيب الناس وذمهم ويرى ذمه لنفسه أولى لأنها على المجد أي على تحصيل المجد وهو الشرف لم تلعق من الصبر والألا أي لم تتحمل المكاره وعبر عن تحمله ذلك بتناول ما هو مر المذاق كلعق الصبر وأكل الألا والصبر فيه ثلاث لغات وأصله بفتح الصاد وكسر الباء وجاز فيه إسكان الباء مع كسر الصاد وفتحها كما في كبد وكتف وهذه الرواية والآلاء بالمد وقصر للوزن وهو نبت يشبه الشيح رائحة وطعما.
وقد قيل كن كالكلب يقصيه أهله ... وما يأتلي في نصحهم متبذّلا
أوصى بعض الحكماء رجلا فقال: انصح لله كنصح الكلب لأهله فإنهم يجيعونه ويضربونه ويأبى إلا أن يحوطهم وما يأتلي ما يقصر من قولهم ما يألو جهدا، والنصح ضد الغش والتبذل في الأمر الاسترسال فيه لا يرفع نفسه عن القيام بشيء منه جليله وحقيره وهو بالذال المعجمة وبالله التوفيق.
لعلّ إله العرش يا إخوتي بقي ... جماعتنا كلّ المكاره هوّلا
ويجعلنا ممّن يكون كتابه ... شفيعا لهم إذ ما نسوه فيمحلا
أي لعل الله يقينا إن قبلنا هذه الوصايا وعملنا بها جميع مكاره الدنيا والآخرة وأهوالها ويجعلنا ممن يفوز بشفاعة الكتاب العزيز أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «القرآن شافع مشفع وما حل مصدق من شفع له القرآن يوم القيامة نجا ومن محل به القرآن يوم القيامة أكبه الله في النار على وجهه»، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «عرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها»، وفي الدعاء «ولا تجعل القرآن بنا ماحلا»، يقال محل به إذا سعى به إلى سلطان أو نحوه وبلغ أفعاله القبيحة.
وبالله حولي واعتصامي وقوتي ... وما لي إلّا ستره متجلّلا
حولي أي تحولي والاعتصام الامتناع والقوة القدرة، أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة»، وفسرها عليه الصلاة والسلام لابن مسعود: «لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله». قوله:
وما لي إلا ستره أي وما لي ما أعتمد عليه إلا ما جللني به من ستره في الدنيا وأنا أرجو مثل ذلك في الآخرة. وقوله: متجللا أي متغطيا به
فيا ربّ أنت الله حسبي وعدّتي ... عليك اعتمادي ضارعا متوكّلا
حسبي أي محسبي والمحسب الكافي والعدة بضم العين ما يعد للحوادث واعتمادي مصدر اعتمد عليه أي استعان به والضارع الذليل والمتوكل المظهر العجز معتمدا على من يتوكل عليه نظم في هذا البيت معنى حسبنا الله ونعم الوكيل.

باب الاستعاذة
باب الشيء هو الذي يتوصل إليه منه والاستعاذة الاستجارة، يقال: عاذ بكذا أي استجار به وليست من القرآن بالإجماع في أول التلاوة.
(1/25)

إذا ما أردت الدّهر تقرا فاستعذ ... جهارا من الشّيطان بالله مسجلا
نبه على معنى قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: 98]، لأن معناه إذا أردت قراءة القرآن وهو كقوله: إذا أكلت فسمّ الله إذا أي أردت الأكل، قوله: تقرأ يجوز نصبه، والرواية الرفع، وقوله: فاستعذ جهارا هو المختار لسائر القراء وهذا في استعاذة القارئ على المقرئ أو بحضرة من يسمع قراءته، أما من قرأ خاليا أو في الصلاة فالإخفاء أولى والاستعاذة قبل القراءة بإجماع، وقوله: مسجلا أي مطلقا لجميع القراء وفي جميع القرآن.
على ما أتى في النّحل يسرا وإن تزد ... لربّك تنزيها فلست مجهّلا
أي استعذ على اللفظ الذي نزل في سورة النحل جاعلا مكان استعذ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومعنى يسرا أي ميسرا وتيسره قلة كلماته وزيادة التنزيه أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم أو أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ونحو ذلك، وقوله: فلست مجهلا أي لست منسوبا إلى الجهل لأن ذلك كله صواب ومروي، قيل: هذه الزيادة وإن أطلقها فإنها مقيدة بالرواية ولم يروها بل نبه على مذهب الغير، وهو قوله في التيسير
(1/26)

المستعمل عند الحذاق من أهل الأداء في لفظها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم دون غيره، ثم عضد روايته بدليل من السنة فقال:
وقد ذكروا لفظ الرّسول فلم يزد ... ولو صحّ هذا النّقل لم يبق مجملا
الضمير في ذكروا للقراء والمحدثين ومفعوله لفظ الرسول أي استعاذته فلم يزد أي لم
يزد لفظها على ما أتى في سورة النحل، أشار إلى قول ابن مسعود قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي. قل يا ابن أم عبد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وروى نافع عن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قبل القراءة أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم وكلا الحديثين ضعيف وأشار بقوله: ولو صح هذا النقل إلى عدم صحة الحديثين، وقوله: لم يبق مجملا أي لو صح نقل ترك الزيادة لذهب إجمال الآية واتضح معناها وتعين لفظ النحل دون غيره ولكنه لم يصح فبقي اللفظ مجملا، ومع ذلك فالمختار أن يقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لموافقة لفظ الآية وإن كان مجملا ولورود الحديث به على الجملة وإن لم يصح لاحتمال الصحة.
وفيه مقال في الأصول فروعه ... فلا تعد منها باسقا ومظلّلا
أي وفي التعوذ مقال أي قول طويل انتشرت فروعه في الأصول يعني أصول الفقه وأصول القراءات وذلك أن الفقهاء يقولون اتباعا لنص الكتاب فلا بد من معرفة النص والظاهر وهل هذا الأمر على الوجوب أم لا؟ وأما أصول القراءات ففيها الحديث في استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتاج إلى معرفة ما قيل في سنده والباسق الطويل المرتفع والمظلل الساتر بظله من استظل به.
وإخفاؤه فصل أباه وعاتنا ... وكم من فتى كالمهدوي فيه أعملا
الإخفاء هنا الإسرار، أي روى إخفاء التعوذ عن حمزة ونافع، وأشار إلى حمزة بالفاء من فصل لأنها رمزه، وأشار إلى نافع بالألف من أباه لأنها رمزه، وهذا أول رمز وقع في نظمه والواو من وعاتنا للفصل، وتكرر بقوله: وكم وجهر به الباقون وهم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي، هذا هو المقصود بهذا النظم في الباطن ونبه بظاهره على أن من ترجع قراءته إليهم من الأئمة أبوا الإخفاء ولم يأخذوا به، بل أخذوا بالجهر للجميع، ولذلك أمر به مطلقا في أول الباب، قوله: وإخفاؤه فصل الفصل الفرق والإباء الامتناع ووعاتنا حفاظنا، ثم قال: وكم من فتى كالمهدوي يشير إلى أن كثيرا من الأقوياء في هذا العلم اختاروا الإخفاء، ومن جملتهم المهدوي وهو أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي منسوب إلى مهدية من بلاد إفريقية بأوائل الغرب كان يأخذ بالإخفاء لحمزة فيه أعملا أي أعمل فكره في تصحيح الإخفاء.
(1/27)

باب البسملة
ذكره بعد باب الاستعاذة لتناسبهما بالتقدم على القراءة. والبسملة مصدر بسمل إذا قال بسم الله:
وبسمل بين السّورتين بسنّة ... رجال نموها درية وتحمّلا
أخبر أن رجالا بسملوا بين السورتين آخذين في ذلك بسنة نموها أي رفعوها ونقلوها وهم قالون والكسائي وعاصم وابن كثير، وأشار إليهم بالباء والراء والنون والدال من قوله:
بسنة رجال نموها درية، وعلم من ذلك أن الباقين لا يبسملون بين السورتين لأن هذا من قبيل الإثبات والحذف وأراد بالسنة التي نموها كتابة الصحابة لها في المصحف وقول عائشة رضي الله عنها اقرءوا ما في المصحف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم انقضاء السورة حتى نزل عليه بسم الله الرّحمن الرّحيم، ففيه دليل على تكرير نزولها مع كل سورة، ومعنى درية وتحملا أي دارين متحملين لها أي جامعين بين الرواية والدراية.
ووصلك بين السّورتين فصاحة ... وصل واسكتن كلّ جلاياه حصّلا
أخبر أن وصل السورة بالسورة من باب الفصاحة لما فيه من بيان الإعراب نحو الحاكمين اقرأ والأبتر، قل ولي دين إذا، ومعرفة أحكام ما يكسر منها وما يحذف لالتقاء الساكنين كآخر المائدة والنجم وبيان همزة الوصل والقطع كأول القارعة وألهاكم التكاثر وما يسكت عليه في مذهب خلف كآخر والضحى، وأشار بالفاء من قوله: فصاحة إلى حمزة لأنه روى عنه أنه كان يصل آخر السورة بأول الأخرى ولا يبسمل بينهما. قوله: وصل واسكتن إلخ، أمر بالتخيير بين الوصل والسكت لمن أشار إليهم بالكاف والجيم والحاء في قوله: كل جلاياه حصلا وهم ابن عامر وورش وأبو عمرو والمعنى صل السورة بالسورة إن شئت واسكت بينهما إن شئت وبهذا التقدير دخل الكلام معنى التخيير وإلا فالواو ليست موضوعة
له والجلايا جمع جلية من جلا الأمر إذا بان واتضح أي كل من القراء حصل جلايا ما ذهب إليه وصوبه.
ولا نصّ كلّا حبّ وجه ذكرته ... وفيها خلاف جيده واضح الطّلا
اختلف الشراح هل في هذا البيت رمز أم لا، فأكثرهم على أن الكاف والحاء من كلا حب رمز، وكذلك الجيم من جيده رمز، وقوله: ولا نص أي لم يرد نص عن ابن عامر وأبي عمرو بوصل ولا سكت وإنما التخيير لهما استحباب من الشيوخ، وإلى ذلك أشار بقوله:
كلا حب وجه ذكرته،
(1/28)

وقيل: لا نص أي لا رواية منصوصة عن ابن عامر وأبي عمرو بالفصل بالبسملة ولا تركه بل إن البسملة لهما اختيار من أهل الأداء، فعلى هذا التفسير لا بسملة لابن عامر وأبي عمرو في رواية الشاطبي وهو مطابق لنقل التيسير، لكن وجه النفي إلى التخيير أي ثبت عن الاثنين ترك البسملة، ولا نص لهما في السكت ليمتنع الوصل ولا في الوصل ليمتنع السكت، فأخذ النقلة لهما بالتخيير، وقوله: وفيها خلاف أي وفي البسملة خلاف عن المشار إليه بالجيم من قوله: جيده وهو ورش وذلك أن أبا غانم كان يأخذ له بالبسملة بين السورتين وأن المصريين أخذوا له بتركها بينهما، وقيل: لا رمز في هذا البيت لأحد، وفيها خلاف عنهم أي وفي البسملة خلاف عن ابن عامر وأبي عمرو وورش فعلى هذا التفسير البسملة للثلاثة من زيادات القصيدة فحصل من مجموع ما ذكر أن لكل واحد من الثلاثة أعني أبا عمرو وابن عامر وورشا ثلاثة أوجه، أحدها: صلة السورة بالسورة، الثاني:
السكت بينهما، الثالث: الفصل بينهما بالبسملة والجيد العنق والطلا جمع طلية والطلية صفحة العنق يعني أن جيد هذا الخلاف مشهور عند العلماء.
وسكتهم المختار دون تنفّس ... وبعضهم في الأربع الزّهر بسملا
لهم دون نصّ وهو فيهنّ ساكت ... لحمزة فافهمه وليس مخذّلا
الضمير في وسكتهم يعود على الثلاثة المخير لهم بين الوصل والسكت وهم ابن عامر وورش وأبو عمرو أي وسكت السكات بين السورتين دون تنفس أي من غير قطع نفس وبعضهم في الأربع الزهر بسملا لهم أي لابن عامر وورش وأبي عمرو أي وبعض أهل الأداء من المقرئين الذين استحبوا التخيير بين الوصل والسكت واختاروا في السكت أن يكون دون تنفس اختاروا أيضا البسملة لابن عامر وورش وأبي عمرو في أوائل أربع سور وهي: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بهذا البلد وويل للمطففين وويل لكل همزة دون نص أي من غير نص وإنما هو استحباب من الشيوخ وهو فيهن ساكت لحمزة وهو يعود على البعض في البيت المتقدم أي ذلك البعض الذي بسمل لابن عامر وورش وأبي عمرو في هذه السور الأربع يسكت لحمزة فيهن فيتعين أن البعض الآخر لا يسكت له فيهن فيقرأ له فيهن بالوصل والسكت ليشمل الطريقين فافهمه وليس مخذّلا أي فافهم هذا المذهب المذكور لحمزة وهو
السكت له في هذه السورة فإنه منصور يقال خذله إذا ترك عونه ونصرته وينبغي لمن أخذ للثلاثة المذكورين بالوصل كحمزة أن يسلك هذه الطريقة أي يكتفي لهم فيهن بالسكت
(1/29)

ومن عدا من أشار إليه من أهل الأداء لا يفرقون بين هذه السور وغيرهن ويجرون كل واحد من الأربعة فيهن على عادته في غيرهن.
ومهما تصلها أو بدأت براءة ... لتنزيلها بالسّيف لست مبسملا
تصلها الضمير فيه لبراءة أضمر قبل الذكر على شريطة التفسير يعني أن سورة براءة لا بسملة في أولها سواء وصلها القارئ بالأنفال أو ابتدأ بها ثم ذكر الحكمة في ترك البسملة في أولها فقال لتنزيلها بالسيف يعني أن براءة نزلت على سخط ووعيد وتهديد وفيها آية السيف قال ابن عباس سألت عليا رضي الله عنه لم لم تكتب في براءة بسم الله الرّحمن الرّحيم فقال لأن بسم الله أمان وبراءة ليس فيها أمان نزلت بالسيف وقوله لست مبسملا أي لا تبسمل لأحد من القراء لمنافاة الرحمة للعذاب.
ولا بدّ منها في ابتدائك سورة ... سواها وفي الأجزاء خيّر من تلا
قوله: ولا بد منها أي لا فرار من البسملة أخبر أن القارئ إذا ابتدأ بالسورة فلا بد من البسملة لسائر القراءة إلا براءة سواء في ذلك من بسمل منهم بين السورتين ومن لم يبسمل.
قوله: وفي الأجزاء أي وفي الأجزاء خير أهل الأداء القارئ في البسملة إن شاء أتى بها وإن شاء تركها لكل القراء وليس المراد به الأجزاء المصطلح عليها بل كل آية ابتدأ بها في غير أول سورة فيدخل في ذلك الأجزاء والأحزاب والأعشار والرواية في خير فتح الخاء والياء، وتلا قرأ.
ومهما تصلها مع أواخر سورة ... فلا تقفنّ الدّهر فيها فتثقلا
اختار الأئمة لمن يفصل بالبسملة أن يقف القارئ على أواخر السور ثم يبتدي لمن يسمي بالبسملة موصولة بأول السورة المستأنفة هذا هو المختار وعكسه لا يجوز وهو ما نهى عنه الناظم بقوله: فلا تقفن وهو أن يصل القارئ البسملة بأواخر السور ثم يقف على البسملة لأن البسملة لأوائل السور لا للأواخر فهذان وجهان: الأول: مختار، والثاني: منهي عنه، والثالث: أن تصل طرفي البسملة بآخر السورة السابقة وأول السورة اللاحقة، والرابع:
أن تقطع طرفي البسملة لأن كل واحد منهما وقف تام، وتلفظ بالبسملة وحدها فحصل من ذلك أن في البسملة ثلاثة أوجه. فآن قلت من أين تأخذ هذه الأوجه. قلت لما نهى عن الوقف على آخر البسملة إذا وصلت بالسورة الماضية علم أن ما عدا هذا الوجه من تقاسيم البسملة جائز والضمير في تصلها وفي فيها للبسملة وفيها بمعنى عليها
(1/30)

وإذا وقفت على السورة الماضية ولفظت بالبسملة وحدها ووقفت على الرحيم يتجه فيه أربعة أوجه المد والقصر ومد متوسط بين القصر والمد فهذه ثلاثة أوجه مع الإسكان المجرد في الميم من
قوله فيما يأتي وعند سكون الوقف، والرابع: روم حركة الميم من غير مد وعلى ذلك فقس أواخر السور إذا وقفت عليها. وسيأتي شرح الروم والإشمام.
سورة الفاتحة
سميت الفاتحة أم القرآن لأنها أول القرآن ولأن سور القرآن تتبعها كما يتبع الجيش أمه وهي الرواية، ولهما أسماء كثيرة.
ومالك يوم الدّين راويه ناصر ... وعند سراط والسّراط لقنبلا
بحيث أتى والصّاد زاء أشمّها ... لدى خلف وأشمم لخلّاد الأوّلا
مالك هو أول المواضع التي وقع فيها الاستغناء باللفظ عن القيد فلم يحتج أن يقول ومالك بالمد أو نحو ذلك فأخبر أن المشار إليهما بالراء والنون في قوله: راويه ناصر وهما الكسائي وعاصم، قرآ مالك يوم الدين على ما لفظ به من إثبات الألف فتعين للباقين القراءة بحذفها فهو من قبيل الإثبات والحذف، وأشار بظاهر قوله: رواية ناصر إلى أن من قرأ بالألف نصر قراءته لأن المصاحف اجتمعت على حذف الألف فرسم ملك ثم قال وعند سراط والسراط أي مجردا عن لام التعريف ومتصلا بها ثم المجرد عن اللام قد يكون نكرة نحو إلى صراط مستقيم صراطا سويا، وقد يكون معرفة بالإضافة نحو صراط الذين صراطك المستقيم صراطي مستقيما ثم هذا أيضا مما استغنى فيه باللفظ عن القيد فكأنه قال بالسين واعتمد على صورة كتابتها في البيت بالسين وهو مرسوم بالصاد في جميع المصاحف، وهذه اللام المفردة من قوله «ل» قنبلا هي فعل أمر من قولك ولي هذا يليه إذا جاء بعده أي اتبع قنبلا فاقرأ قراءته بالسين في هذا اللفظ أين أتى أي في جميع القرآن قوله والصادر زاء أشمها لدى خلف أي عند خلف والصاد يروي بالنصب والرفع أمر بقراءته بالصاد مشمة زاء لخلف حيث وقع ثم أمر بإشمامها في الأول خاصة لخلاد أي الأول الذي في الفاتحة يعني اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: 6]، فحصل من مجموع ما ذكر أن قنبلا قرأ بالسين في جميع القرآن وأن خلفا يشم الصاد صوت الزاي في جميع القرآن وأن خلادا قرأ الأول
من الفاتحة بإشمام الصاد الزاي وقرأ في جميع ما بقي من القرآن بالصاد الخالصة وأن الباقين قرءوا بالصاد الخالصة في جميع القرآن والمراد بهذا الإشمام خلط صوت الصاد بصوت الزاي فيمتزجان فيتولد منهما حرف ليس بصاد ولا زاي.
عليهم إليهم حمزة ولديهمو ... جميعا بضمّ الهاء وقفا وموصلا
أي قرأ حمزة عليهم وإليهم ولديهم هذه الألفاظ الثلاثة في جميع القرآن بضم الهاء في الوقف والوصل والواقع في الفاتحة عليهم فقط فأردفها بذكر إليهم ولديهم لاشتراكهن في الحكم وعلمت قراءة الباقين من قوله كسر الهاء بالضم شمللا لأن المقابل للضم هنا الكسر
ونص على الحالين
(1/31)

لئلا يتوهم دخول الثلاثة في قوله وقف للكل بالكسر والأولى أن يلفظ بالثلاثة في البيت مكسورات الهاء ليؤخذ الضد من اللفظ ويلفظ بلديهم موصولة الميم للوزن.
وصل ضمّ ميم الجمع قبل محرّك ... دراكا وقالون بتخييره جلا
أمر بضم ميم الجمع موصولا بواو للمشار إليه بالدال في قوله داركا وهو ابن كثير إذا وقع قبل حرف متحرك نحو عليهم غير معكم أينما جاءكم موسى وقوله: قبل محرك احتراز من وقوعها قبل ساكن فإنها لا توصل نحو ومنهم الذين فإن اتصل بها ضمير وصلت للكل نحو أنلزمكموها ومعنى دراكا أي متابعة ثم قال وقالون بتخييره جلا يعني أن قالون روى عنه في ضم ميم الجمع وجهان خير فيهما القارئ إن شاء ضمها ووصلها بواو كابن كثير وإن شاء قرأ بإسكانها كالجماعة. وحكى مكي الخلاف مرتبا الإسكان لأبي نشيط والصلة للحلواني وليست جيم جلا رمزا لتصريحه بالاسم ومعناه كشف لأنه نبه بالتخيير على ثبوت القراءتين.
ومن قبل همز القطع صلها لورشهم ... وأسكنها الباقون بعد لتكملا
أي ضم ميم الجمع وصل ضمها بواو لورش إذا جاء بعدها همز القطع وهمز القطع هو الذي يثبت في الوصل نحو عليهم أأنذرتهم أم لم، ومنهم أميون ولما لم يمكن أخذ قراءة الباقين من الضد قال وأسكنها الباقون لأنه قد تقدم ضم الميم مع صلتها وضد الضم الفتح وضد الصلة تركها ولا يلزم من تركها الإسكان إذ ربما تبقى الميم مضمومة من غير صلة ولم يقرأ به أحد فاحتاج إلى ذكر قراءة الباقين فأخبر أن باقي القراء أسكنها أي أسكن ميم الجمع الباقون وهم الكوفيون وابن عامر وأبو عمرو قوله بعد متعلق بالباقون أي الذين بقوا بعد ذكر نافع وابن كثير لتكملا أي لتكمل وجوه القراءات في ميم الجمع قبل المتحرك.
ومن دون وصل ضمّها قبل ساكن ... لكلّ وبعد الهاء كسر فتى العلا
مع الكسر قبل الها أو الياء ساكنا ... وفي الوصل كسر الهاء بالضّمّ شمللا
كما بهم الأسباب ثمّ عليهم ال ... قتال وقف للكلّ بالكسر مكملا
كلامه في هذه الأبيات الثلاثة على ميم الجمع الواقع قبل الساكن أمر بضمه أي أمر بضم ميم الجمع إذا وقعت قبل ساكن لكل القراء بدون صلة أي من غير صلة نحو عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة: 183]، وقوله ضمها يروى بفتح الضاد وضم الميم ويروى بضم الضاد وفتح الميم. قوله وبعد الهاء كسر فتى العلا مع الكسر قبل الهاء أو الياء ساكنا أخبر أن فتى العلا وهو أبو عمرو كسر ميم الجمع الواقعة قبل ساكن بأحد الشرطين أحدهما إذا وقع قبل الميم هاء قبلها كسرة مطلقا أو وقع قبل الميم هاء قبلها ياء ساكنة لفظية واحترز بقوله ساكنا
من المتحرك نحو لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ [هود: 31]، قوله وفي الوصل كسر الهاء بالضم شمللا أخبر أن المشار إليهما بالشين في قوله شمللا وهما حمزة والكسائي ضما في حال الوصل الهاء التي
(1/32)

قبلها كسرة أو ياء ساكنة أي جعلا مكان الكسر في الهاء الضم، ومن هنا علم أن الهاء إنما هي دائرة بين الضم والكسر فقط وذكر الوصل لهما زيادة إيضاح وإلا فهو معلوم من قوله فيما بعد وقف للكل بالكسر ومعنى شمللا أسرع ثم أتي بمثال ما كسر أبو عمرو ميمه وضم حمزة والكسائي هاءه في حال وصلهم فقال كما بهم الأسباب أي المختلف فيه كهم الأسباب وما زائدة أراد قوله تعالى: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ [البقرة: 166]، وهذا مثال الهاء المكسور ما قبلها وفيه إشارة إلى اشتراط مجاورة الكسرة للهاء ومثله فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: 93]، مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ [القصص: 23]، فلو حال بين الكسر والهاء ساكن لا يكسره نحو ومنهم الذين المثال الثاني في قوله تعالى: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ [البقرة: 246]، هذا مثال الهاء الواقع قبلها ياء ساكنة ومثله يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ [البقرة:
167]، أرسلنا إليهم اثنين كلامه من أول الباب إلى هنا كان على الوصل ثم ذكر حكم الوقف فقال وقف للكل بالكسر أمر بالوقف لكل القراء بالكسر أي في الهاء الواقعة قبل ميم الجمع ومكملا حال أي قف بالكسر في حال إكمالك معرفة ما ذكرته من الأوجه.
توضيح: اعلم أن ميم الجمع الواقع قبل الساكن قسمان: قسم لا خلاف في ضمه وهو ما لم يقع قبله هاء قبلها كسرة أو ياء ساكنة نحو عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة: 183]، وقسم فيه خلاف وهو ما وقع قبله ذلك نحو ما مثل به الناظم في المثالين والقراء فيه على ثلاث مراتب في حال الوصل منهم من ضم الهاء والميم وهما حمزة والكسائي ومنهم من كسر الهاء والميم وهو أبو عمرو. ومنهم من كسر الهاء وضم الميم وهم الباقون وأما الوقف فكلهم كسروا الهاء فيه ولا خلاف بين الجماعة أن الميم في جميع ما تقدم ساكنة في الوقف.
خاتمة: آمين ليست من القرآن، وهي مستحبة لتأكيد الدعاء.

باب الإدغام الكبير
الإدغام في اللغة عبارة عن إدخال الشيء في الشيء وهو ينقسم إلى كبير وصغير، فالكبير يكون في المثلين والمتقاربين وسمي بالكبير لتأثيره في إسكان الحرف المتحرك قبل إدغامه والصغير ما اختلف في إدغامه من الحروف السواكن نحو ومن لم يتب فأولئك ودال قد وذال إذ وتاء التأنيث ولام هل وبل ولا يكون إلا في المتقاربين.
ودونك الإدغام الكبير وقطبه ... أبو عمرو البصريّ فيه تحفّلا
ودونك إغراء أي خذ الإدغام وحقيقة الإدغام أن تصل حرفا ساكنا بحرف متحرك فتصيرهما حرفا واحدا مشددا يرتفع اللسان عنه ارتفاعة واحدة وهو بوزن حرفين. قوله وقطبه أبو عمرو قطب كل شيء ملاكه وقطب القوم سيدهم الذي يدور عليه أمرهم أي مدار الإدغام على أبي عمرو وهو منقول عن جماعة كالحسن وابن محيصن والأعمش إلا أنه اشتهر عن أبي عمرو فنسب إليه فصار قطبا له يدور عليه كقطب الرحا. قوله فيه تحفلا أي تحفل أبو عمرو في أمر الإدغام من جمع حروفه ونقله والاحتجاج له يقال احتفل في كذا أو بكذا والناظم نسب الإدغام إلى أبي عمرو ولم يصرح بخلفه كالتيسير لكنه صرح به في الهمز الساكن ونسبه إلى أبي عمرو بشرط علم منه الخلاف والناظم خص السوسي بإبدال الهمز والدوري بتحقيقه فأسقط وجه إبدال الدوري ووجه تحقيق
(1/33)

السوسي اختيارا منه، والمشهور عند النقلة إجراء الوجهين لكل منهما ثم إن الناظم اعتمد على القاعدة المصطلح عليها غالبا وهو أن الإدغام يمتنع مع التحقيق فحصل لأبي عمرو في القصيد مذهبان مرتبان وهما المتقابلان الإدغام مع الإبدال للسوسي والإظهار مع الهمز للدوري وهما المحكيان عن الناظم في الإقراء كما قال السخاوي ونقص عن التيسير مذهب الإبدال مع الإظهار لأن المفهوم من التيسير ثلاثة أوجه: الإدغام والإبدال من قوله إذا قرأ بالإدغام لم يهمز والإظهار
والهمز من ضده أي إذا لم يدغم همز والإظهار والإبدال من قوله إذا أدرج القراءة أي ولم يدغم لا يهمز معناه إذا أسرع وأظهر خفف وقدرنا إذا أدرج ولم يدغم لعطفه الإدغام على الدرج بأو.
ففي كلمة عنه مناسككم وما ... سلككم وباقي الباب ليس معوّلا
اعلم أن المثلثين إذا التقيا فإما أن يكونا في كلمة أو في كلمتين فإن كانا في كلمة واحدة فالمنقول عن أبي عمرو المعول عليه إدغام الكاف في مثلها أي في الكاف من هاتين الكلمتين وهما: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [البقرة: 200]، وما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: 42]، وباقي الباب ليس معولا أي باقي كل مثلين اجتمعا في كلمة واحدة نحو بأعيننا وجباههم وبشرككم فإنه روي عن أبي عمرو إدغامه ولكنه متروك لا يعول عليه فليس فيه إلا الإظهار والهاء في عنه لأبي عمرو أي أدغم السوسي عن أبي عمرو مناسككم وما سلككم وقوله: ففي كلمة تقرأ في البيت بسكون اللام ومناسككم بإظهار الكاف مع إسكان الميم وبالإدغام مع صلة الميم وما سلككم بالإدغام وسكون الميم للوزن.
وما كان من مثلين في كلمتيهما ... فلا بدّ من إدغام ما كان أوّلا
كيعلم ما فيه هدى وطبعّ عليّ ... قلوبهم والعفو وأمر تمثّلا
أي إذا التقى حرفان متماثلان متحركان بأي حركة تحركا سكن ما قبل الأول أو تحرك أولهما آخر كلمة وثانيهما أول كلمة أخرى وارتفع المانع الآتي ذكره وجب إدغام الأول منهما في الثاني للسوسي في الوصل ثم أتى بأربعة أمثلة تضمنت ثلاثة أنواع عليها مدار الباب وذلك أن الحرف المدغم إما أن يكون قبله متحركا أولا فإن كان متحركا فمثاله يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [البقرة: 255]، وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [التوبة: 87]، وإن لم يكن قبله متحرك فإما أن يكون حرف مد أو لا فإن كان حرف مد فمثاله فيه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]، وإن لم يكن حرف مد فهو حرف صحيح فمثاله خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف:
199]، واعلم أن قراءة المثالين الأولين والأخير في البيت بالإظهار وهاء فيه بالصلة للرواية وإن جاز حذفها وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [التوبة: 87]، بالإدغام وصلة الميم ثم ذكر موانع الإدغام فقال:
إذا لم يكن تا مخبر أو مخاطب ... أو المكتسى تنوينه أو مشقّلا
ككنت ترابا أنت تكره واسع ... عليم وأيضا تمّ ميقات مثّلا
الضمير في يكن عائد إلى قوله ما كان أولا أي أدغم السوسي الأول من المثلين إذا لم يكن ذلك الأول تاء مخبر أي ضميرا هو تاء دالة على المتكلم نحو كُنْتُ تُراباً [النبأ: 4]، أو يكن تاء مخاطب نحو أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ [يونس: 99]، أو يكون الذي اكتسى تنوينه
نحو واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 115]، أي تنوينا فاصلا بين الحرفين، وأشار
(1/34)

بذلك إلى أن التنوين كالحلية والزينة وقصر لفظ تا وأسكن ياء المكتسى ضرورة والمثقل هو المشدد نحو فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ [الأعراف: 142]، قوله: وأيضا أي مثل النوع الرابع وهو مصدر آض إذا رجع. وقوله: مثلا أي مثل الموانع الأربعة أي متى وجد أحد هذه الموانع الأربعة تعين الإظهار واستدرك مانع خامس عام نحو أَنَا نَذِيرٌ [الملك: 26] وأنا لكم فإن المثلين والمتقاربين التقيا لفظا ولا إدغام محافظة على حركة النون ولهذا تعمد بألف في الوقف فتصير انا وقد أورد على استثناء المنون الهاء الموصولة بواو أو ياء نحو سبحانه هو الله من فضله هو خيرا لهم فقيل أدغم السوسي الهاء لأن صلة الضمير تفتقر ثم ذكر بقية الموانع فقال:
وقد أظهروا في الكاف يحزنك كفره ... إذ النّون تخفى قبلها لتجمّلا
أي أظهر رواة الإدغام عن السوسي كاف يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ [لقمان: 23] بلقمان وبه أخذ الداني وعليه عول الناظم ثم ذكر التعليل، فقال إذ النون تخفى قبلها أي أظهروا الكاف لأن النون الساكنة التي قبلها أخفيت فانتقل مخرجها إلى الخيشوم فصعب التشديد بعدها فامتنع الإدغام. وقوله: لتجملا تعليل أي لتجمل الكلمة ببقائها على صورتها فحاصله أنا نقرأ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ [لقمان: 23]، بترك الإدغام لأبي عمرو من طريق الدوري والسوسي من هذا القصيد على ما سيأتي تقريره في أحكام النون الساكنة والتنوين من أنها تخفى عند الكاف.
وعندهم الوجهان في كلّ موضع ... تسمّى لأجل الحذف فيه معلّلا
كيبتغ مجزوما وإن يك كاذبا ... ويخل لكم عن عالم طيّب الخلا
وعندهم أي عند المدغمين من أصحاب السوسي الوجهان أي الإظهار والإدغام في كل موضع أي في كل مكان التقى فيه مثلان بسبب حذف وقع في آخر الكلمة الأولى لأمر اقتضى ذلك، وقد يكون المحذوف حرفا أو حرفين وكل كلمة فيها حرف من حروف العلة وهي الألف والواو والياء يقال هذه الكلمة معتلة وقد أعلت كأنه حصل بها إعلال ومرض وكل خلاف يذكر هنا رواية يجب أن يكون متشعبا عن السوسي لأنه صاحب روايته ثم نص على المواضع فقال كيبتغ مجزوما الوجه أن تكون الكاف في كيبتغ مجزوما زائدة لئلا يتوهم أن ثم كلمات غير هذه والواقع فيه الخلاف إنما هي هذه الكلمات الثلاث أولاهن وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ [آل عمران: 85]، فأصله يبتغي بالياء ثم حذفت للجزم الثانية وإن يك كاذبا فأصله يكون بالنون فحذف الجازم حركة النون فاجتمع ساكنان هي والواو قبلها فحذفت الواو لالتقاء الساكنين ثم حذفت النون تخفيفا فهذه الكلمة حذف منها حرفان وحركة الكلمة الثالثة يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ [يوسف: 9]، فأصله يخلو بالواو فحذفت الواو لجواب
الأمر. قوله عن عالم أي عن رجل عالم طيب الخلا والخلا بالقصر العشب الرطب استعير للحديث الطيب يقال هو الطيب الخلا أي حسن الحديث والعالم هو السوسي أي الوجهان أعني الإظهار والإدغام في هذه الكلمات الثلاث تروى عن السوسي.
(1/35)

ويا قوم ما لي ثمّ يا قوم من بلا ... خلاف على الإدغام لا شكّ أرسلا
لا خلاف عن السوسي في إدغام الميم من وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ [غافر: 41]، وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ [هود: 30]، وقوله: أرسلا أي أطلق على الإدغام بلا شك في ذلك وفائدة ذكرهما رفع توهم من يعتقد أنهما من قبيل يبتغي وليسا منه لأن قوم لم يحذف منه شيء فأصوله باقية فلا يسمى معتلا وإنما الياء المحذوفة ياء الإضافة وهي كلمة مستقلة، واللغة الفصيحة حذفها.
وإظهار قوم آل لوط لكونه ... قليل حروف ردّه من تنبلا
عني بالقوم أبا بكر بن مجاهد وغيره من البغداديين الناقلين للإدغام منعوا إدغام آل لوط حيث وقع وأظهروا محتجين بقلة حروف الكلمة. وقوله: رده من تنبلا يعني به الداني وغيره أي من صار نبيلا في العلم أو من مات من المشايخ يقال تنبل البعير إذا مات يعني أن هذا الرد قديم ثم بين الذي رده به فقال:
بإدغام لك كيدا ولو حجّ مظهر ... بإعلال ثانيه إذا صحّ لا اعتلا
أي رده الداني وغيره بإدغام لك كيدا قال الداني: أجمعوا على إدغام لك كيدا في يوسف وهو أقل حروفا من آل لأنه على حرفين فدل ذلك على صحة الإدغام فيه أي رد تعليل إظهار آل لوط لكونه قليل الحروف بإدغام لك كيدا لأنه على حرفين باعتبار الاتصال وعلى حرف باعتبار الانفصال وهو مدغم فلو كانت قلة الحروف مانعة لامتنع هذا بطريق الأولى لأنه أقل حروفا منه. قوله ولو حج مظهر أي لو احتج من اختار الإظهار بإعلال ثاني آل لوط وهو الألف إذا صح يعني إذا صح له الإظهار من جهة النقل فإن الداني قال في غير التيسير لا أعلم الإظهار فيه من طريق اليزيدي. وقوله لا اعتلا أي لا ارتفع عمن اختار والإدغام يقال لمن غلب علا كعبه ثم بيّن كيفية الإعلال فقال:
فإبداله من همزة هاء أصلها ... وقد قال بعض النّاس من واو ابدلا
ذكر في كيفية الإعلال مذهبين أحدهما: مذهب سيبويه أن أصل آل أهل قلبت الهاء همزة توصلا إلى الألف ثم قلبت الهمزة ألفا وجوبا لاجتماع الهمزتين فصار آل والثاني مذهب الكسائي المشار إليه ببعض الناس أن أصله أول تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصار آل وهذا المذهب الثاني من زيادات القصيد ولم يرو الناظم في آل لوط سوى الإدغام قال الداني في التيسير وبه قرأت انتهى والإظهار حكاية مذهب الغير فتقدير قوله
وإظهار قوم أي من غير شيوخنا فهذا التقدير منع رمزية القاف مع تقدم الصريح دل على التقدير قوله إذا صح أي إظهاره كما في التيسير لأنه لو رواه ما علقه.
وواو هو المضموم هاء كهو وّ من ... فادغم ومن يظهر فبالمد علّلا
ويأتي يوم أدغموه ونحوه ... ولا فرق ينجي من على المدّ عوّلا
قوله: ووا وهو احترز به من الواو الواقعة في غير لفظ هو عني خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ [الأعراف: 199]، ومِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ
(1/36)

التِّجارَةِ [الجمعة: 11]، وقوله المضموم هاء بجر الميم صفة هو احترز به عن ساكنها وهو ثلاثة مواضع: وَهُوَ وَلِيُّهُمْ [الأنعام: 127]، بما في الأنعام فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ [النحل: 63]، بالنحل، وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ [الشورى: 22]، فهذه الثلاث مدغمة عند السوسي بلا خلاف لاندراجها في المثلين. وقولي احترز به عن ساكنها أعني أن أبا عمرو يقرؤها بإسكان الهاء وتوجه كلام الناظم إلى ثلاثة عشر بالبقرة جاوزه هو والذين وآل عمران إلا هو والملائكة والأنعام إلا هو وإن يمسسك إلا هو ويعلم إلا هو وأعرض، والأعراف هو وقبيله ويونس إلا هو وإن يردك والنحل
هو ومن يأمر وهذا الذي مثل به الناظم وطه إلا هو وسع والنمل هو وأوتينا والقصص هو وجنوده والتغابن هو وعلى الله والمدثر إلا هو وما هي إلا ذكرى فرواية الناظم فيها الإدغام ولهذا قال فأدغم وقال في التيسير وبه قرأت وإشارته موهمة ثم حكى مذهب الغير ليبين فساد تعليله فقال: ومن يظهر فبالمد عللا أي ومن يظهر علل بالمد يعني أنه إذا أريد إدغام الواو وجب إسكانها فإذا سكت وقبلها ضمة فتصير حرف مد ولين وحرف المد لا يدغم بالإجماع لأداء الإدغام إلى ذهاب المد الذي في مثل واو قالوا واقبلوا آمنوا وكانوا ومثل ياء في يومين الذي يوسوس ثم أورد نقضا على من علل بالمد بقوله: ويأتي يوم أدغموه ونحوه يعني الذين قالوا بالإظهار في هذا المضموم الهاء لأجل المد أدغموا يأتي يوم يعني الياء من يأتي في الياء من يوم ومراده يأتي يوم لا مرد له وقوله ونحوه يعني كل ياء متحركة مكسور ما قبلها مثل نُودِيَ يا مُوسى [طه: 11]، وينبغي لهم أن يظهروه كما أظهروا الواو من هو المضموم الهاء لأن العلة الموجبة للإظهار هناك موجودة هنا فإما أن يدغم في الموضعين وإما أن يظهر فيهما لعدم الفارق بينهما أي لا فرق بين هو المضموم الهاء وبين يأتي يوم ينجي من علل بالمد وعول عليه:
وقبل يئسن الياء في اللّاء عارض ... سكونا أواصلا فهو يظهر مسهلا
أخبر أن أبا عمرو أظهر الياء في اللائي الواقع قبل يَئِسْنَ [الطلاق: 4] بسورة الطلاق وإنما قيده بيئسن احترازا من غيره لأن هذا هو الذي اجتمع فيه مثلان لأنه يقرأ بياء ساكنة في إحدى الروايتين عنه كما يأتي بالأحزاب فقد اجتمع فيه مثلان في هذه الرواية فأظهره بلا خلاف ولم يدغمه بحال لكونه راكبا للطريق الأسهل يقال أسهل إذا ركب الطريق السهل
وسكونا أو أصلا تمييز الرواية بنقل حركة همزة أصلا إلى الواو وعلل ذلك بعلتين إحداهما كون سكون الياء عارضا والثانية أنها عارضة لأن أصل اللائي بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة فحذفت الياء تخفيفا لتطرفها وانكسار ما قبلها على حد حذفها في الرام والغاز ثم أبدل من الهمزة ياء مكسورة على غير قياس لأن القياس فيها التسهيل بين بين ثم أسكنت الياء استثقالا للحركة عليها وجاز الجمع بين الساكنين للمد فلم يدغمها لما تقدم.
توضيح: فإن قيل قد ذكر لأبي عمرو في هذا الباب كلمات متفق على إدغامها وكلمات متفق على إظهارها وكلمات مختلف في ادغامها واظهارها وأنت تقول الإدغام والإظهار مرويان عن أبي عمرو وتقرأ له بهما فهذا ينافي ما ذكرته. قيل إذا قرأنا لأبي عمرو بطريق الإدغام فما نقل عنه أنه يدغمه في الباب قولا واحدا أدغمناه قولا واحدا وهو أكثر الباب مما التقى فيه مثلان وكذا ما نص عليه في الباب مثل: يا قَوْمِ ما لِي [غافر: 41]، وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي
(1/37)

[هود: 30]، ونحوه وما نقل عنه أنه يظهره قولا واحدا أظهرناه قولا واحدا كتاء المتكلم والمخاطب والمنون والمثقل وما دخله موانع الإدغام كسبق الإخفاء والحذف وتعدد الإعلال والضعف واللبس والعروض وكذا اللَّائِي يَئِسْنَ [الطلاق: 4] وما نقل عنه فيه وجهان قرأنا له بهما. هذا كله إذا قرأنا له طريقة الإدغام فإذا قرأنا له بطريقة الإظهار فإنا لا ندغم شيئا من الباب وإن كان متفقا على إدغامه. وقوله بلا خلاف على الإدغام يريد إذا قرئ لأبي عمرو بطريقة الإدغام وقد تقدم أن الناظم كان يقرأ بالإظهار من طريق الدوري وبالإدغام من طريق السوسي، فإذا قرأنا من طريق الدوري قرأنا بالإظهار في الباب كله وإذا قرأنا من طريق السوسي قرأنا بالإدغام فيما اتفق على ادغامه وبالإظهار فيما اتفق على إظهاره على حسب ما نص عليه الناظم رحمه الله ورضي عنه من الاختلاف في هذا الباب وبالله التوفيق.

باب إدغام الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين
هذا الباب مقصور على إدغام حرف في حرف يقاربه في المخرج ويحتاج فيه مع تسكينه إلى قلبه إلى لفظ الحرف المدغم فيه فترفع لسانك بلفظ الثاني منهما مشددا ولا يبقى للأول أثر إلا أن يكون حرف إطباق أو ذا غنة فيبقى الإطباق والغنة.
وإن كلمة حرفان فيها تقاربا ... فإدغامه للقاف في الكاف مجتلى
الهاء في قوله فإدغامه للسوسي أي إن اجتمع حرفان متحركان متقاربان في المخرج في كلمة اصطلاحية نخص السوسي من ذلك بإدغام القاف في الكاف. وقوله مجتلى أي منظور إليه يريد بذلك أنه مشهور يعني أنه لم يدغم من كل حرفين متقاربين التقيا في كلمة واحدة سوى القاف في الكاف بشرطين ذكرهما في قوله:
وهذا إذا ما قبله متحرّك ... مبين وبعد الكاف ميم تخلّلا
هذا إشارة إلى الإدغام والهاء في قوله قبله يعود على القاف في أدغم السوسي القاف في الكاف المتصل بالقاف إذا كان قبلها متحرك لفظي وبعد الكاف ميم جمع في الحالين وخرج بقوله متحرك ما قبله ساكن وقوله مبين أي بين ظاهر واحترز به من لفظ ما ساكنه الألف لأن المد الذي فيها يقوم مقام الحركة لكن ما هو مبين وخرج بقوله ميم ما ليس بعده شيء وما بعده حرف غير الميم وعلم من قوله تخللا أن يكون ميم جمع وأصله الصلة فهو متخلل بين الكاف والواو المقدرة وتخلل من قولهم تخلل المطر إذا خص ولم يكن عاما أي تخلل أبو عمرو بإدغامه ذلك ولم يعم جميع ما التقت فيه القاف بالكاف ثم مثل للمدغم والمظهر فقال:
كيرزقكم واثقكم وخلقكّمو ... وميثاقكم أظهر ونرزقك انجلا
أي مثال إدغام القاف في الكاف يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ [النمل: 64]، [يونس:
31]، واثَقَكُمْ بِهِ [المائدة: 7]، وخَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [الأنعام: 2]، هذه الأمثلة اجتمع فيها هذا الشرطان لأن قبل القاف متحرك وبعد الكاف ميم وأتى بكاف التشبيه لتدل على أن المراد كل ما جاء مثل هذا. وقوله وميثاقكم أظهر ونرزقك أي أظهر نحو ميثاقكم ولا تدغمه لأنه عدم فيه أحد الشرطين وهو كون الحرف الذي قبل القاف ليس متحركا
لأن قبلها ألفا ساكنة،
(1/38)

وأظهر أيضا نحو نرزقك لأنه عدم فيه أحد الشرطين أيضا وهو وجود الميم بعد الكاف وإن كان قبل القاف متحرك فقد وجد في كل واحدة من الكلمتين أحد الشرطين وعدم الآخر فلأجل ذلك وجب الإظهار لأن شرط الإدغام إنما هو اجتماعهما، وقوله:
انجلى أي انكشف الأمر وظهر بتمثيل ما يدغم وما لا يدغم واعلم أن يرزقكم يمكن أن يقرأ في النظم مدغما وغير مدغم وواثقكم وخلقكم لا يتزن في البيت إلا بقراءتهما مدغمين ويلزم الإدغام في الألفاظ الثلاثة صلة ميم الجمع بواو. فإن قيل لم يقرأ أحد بالإدغام والصلة.
قلت: قد قرأت بهما لابن محيصن من طريق الأهواز وأجمعوا على إدغام أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ [المرسلات: 20] في المرسلات.
وإدغام ذي التّحريم طلّقكنّ قل ... أحقّ وبالتّأنيث والجمع أثقلا
ذي التحريم أي صاحبة التحريم أي إدغام طلقكن الذي في سورة التحريم أحق من إظهاره وفهم من هذا وجه الآخر حق وهو الإظهار أي إدغامه أحق من إدغام الجمع المذكور فلا يعلم منه وجه الإظهار، وقد حكى في التيسير فيه خلافا لكن نسب الإظهار إلى ابن مجاهد وهي طريق الدوري وقال قرأته أنا بالإدغام فجعل الإظهار حكاية مذهب الغير فعلى التقدير الأول نقل للسوسي وجهين: الإظهار والإدغام ويكون وجه الإظهار له من زيادات القصيد على التيسير وعلى التقدير الثاني لا يفهم منه إلا الإدغام ثم بيّن أحقية الإدغام فقال وبالتأنيث والجمع أي كون الكلمة قد اتصل بها ضمير جمع دالّ على التأنيث فقد ساوت طلقكن ما تقدم من تحريك ما قبل القاف وكون كل واحدة منهما قد اتصل بها ضمير جمع دال عليه لكن فقد الشرط الثاني وهو وجود الميم لكن قام مقامها ما هو أثقل منها وهو النون لأنها محركة مشددة دالة على الجمع والتأنيث بخلاف الميم لأنها ساكنة خفيفة دالة على التذكير فزادت طلقكن على ما تقدم بالتأنيث وتشديد النون فلهذا قال أثقلا. ثم انتقل إلى ما هو من كلمتين فقال:
ومهما يكونا كلمتين فمدغم ... أوائل كلم البيت بعد على الولا
ومهما يكونا أي المتقاربين ذوي كلمتين أي إذا اجتمع الحرفان المتقاربان المتحركان أولهما آخر كلمة وثانيهما أول الثانية فالسوسي يدغم الأول منهما في الثاني في الوصل على الشروط الآتية: إذا ارتفع المانع الآتي وكان الحرف الأول أحد الحروف الستة عشر المنظومة
في أوائل كلمات هذا البيت وهو:
شفا لم تضق بها رم دواضن ... ثوى كان ذا حسن سأى منه قد جلا
هذه الستة عشر حرفا هي التي اتفق وقوعها في القرآن في الإدغام الكبير وإلا فهي أكثر وهي: الشين واللام والتاء والنون والباء والراء والدال والضاد والثاء والكاف والدال والحاء والسين والميم والقاف والجيم، وأشار بظاهر البيت إلى التغزل بحورية من حور الجنة سماها شفا وقد سمت العرب بذلك النساء ومعنى رم أي اطلب والدواء ما يتداوى به من الضنى وهو المرض ومعنى ثوى أقام، وقوله: سأي على وزن رأي مقلوب ساء على وزن جاء وهو بمعناه وجلا كشف والهاء في قوله منه ضمير المحب أي أن هذا المحب كشف الضنى أمره وساءت حاله لبعده عن مطلوبه، ثم شرط في إدغام هذه الحروف الستة عشر أن تكون سالمة من أحد الموانع المذكورة في قوله:
(1/39)

إذ لم ينوّن أو يكن تا مخاطب ... وما ليس مجزوما ولا متثقّلا
أي أدغم السوسي الحروف التي ذكرت إذا لم يكن الحرف الأول الذي يدغم في غيره منونا نحو: ولا نصير لقد رجل رشيد أو يكن تاء مخاطب نحو كنت ثاويا، دخلت جنتك ولم يقع في القرآن تاء مخبر عند مقارب لها فلهذا لم يذكرها في المستثنى، وأما المجزوم فهو لم يؤت سعة من المال ليس في القرآن غيره ولم يدغمه السوسي بلا خلاف وإن كان المجزوم من باب المثلين عنه فيه وجهان لأن اجتماع المثلين فيه أثقل من اجتماع المتقاربين وقوله ولا متثقلا أي ولا مشددا لأن الحرف المشدد بحرفين نحو: أشد ذكرا والحق كمن هو ونحوه لا يدغم.
فزحزح عن النّار الذي حاه مدغم ... وفي الكاف قاف وهو في القاف أدخلا
شرع عفا الله عنه يبين المواضع التي أدغمت فيها الحروف الستة عشر المذكورة في البيت الذي أوله شفا فبدأ بالحاء لسبق مخرجها وهي مذكورة في قوله حسن فأخبر أنها أدغمت في العين عن السوسي من قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ [آل عمران:
185]، فقط، وقوله: فزحزح بالفاء أراد فمنها أي من الكلمات المدغمات زحزح الذي أدغم حاؤه وقصر الحاء ضرورة وقوله وفي الكاف قاف إلخ الكاف والقاف من حروف شفا ذكرهما في قوله كان وقد أخبر أن كل واحدة منهما تدغم في الأخرى بشرط أن يتحرك ما قبل كل واحدة منهما.
تنبيه: اعلم أن الناظم رضي الله عنه إذا عين حرفا من كلمة من القرآن وأخبر أنه يدغم في غيره فلا تأخذ سواه، مثال ذلك الحاء من زحزح لا تدغم إلا في هذا لا غير أي وتظهر في نحو: المسيح عيسى والريح عاصفة من طريق هذا القصيد وأصله فإن أطلق ولم يعين
مثل قوله وفي الكاف قاف وهو في القاف أدخلا فتأخذ العموم في جميع القرآن وبالله التوفيق.
خلق كلّ شيء لك قصورا وأظهرا ... إذا سكن الحرف الّذي قبل أقبلا
أي مثال إدغام القاف في الكاف من كلمتين: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان: 2]، فاللام قبل القاف من خلق متحركة فلهذا ساغ الإدغام ومثله يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [المائدة: 64]، ويُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ [الدخان: 4]، ونحوه ومثال إدغام الكاف في القاف ويجعل لك قصورا فاللام قبل الكاف متحركة ومثله يعجبك قوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً [البقرة: 144]، وقوله وأظهرا أي فأظهر القاف عند الكاف والكاف عند القاف إذ سكن ما قبل كل واحد منهما ومن هذا علم أن شرط إدغامهما تحرك ما قبلهما فيظهر أن نحو فَوْقَ كُلِّ ذِي
عِلْمٍ
[يونس: 76]، وهدنا إليك قال لسكون الواو قبل القاف وسكون الياء قبل الكاف فيهما ومعنى أقبلا أي الذي جعل قبلهما من أقبل تقول أقبلت فلانا الرمح وغيره إذا جعلته قبله.
(1/40)

وفي ذي المعارج تعرج الجيم مدغم ... ومن قبل أخرج شطأه قد تثقّلا
المعارج بسورة سَأَلَ سائِلٌ [المعارج: 1]، أي تدغم الجيم في حرفين في التاء في قوله تعالى: ذِي الْمَعارِجِ تَعْرُجُ [المعارج: 3]، فقط وفي الشين في قوله تعالى:
أَخْرَجَ شَطْأَهُ [الفتح: 29] لا غير والجيم من حروف شفا وذكرها في قوله جلا، فقوله ومن قبل أي من قبل ذِي الْمَعارِجِ [المعارج: 1]، أخرج شطأه لأنها قبلها في التلاوة، وقوله: قد تثقلا أي اندغم.
وعند سبيلا شين ذي العرش مدغم ... وضاد لبعض شأنهم مدغما تلا
أي الشين من شفا والضاد من ضن أي الشين تدغم في السين من إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: 42]، فقط للسوسي وقوله: وضاد يجوز فيه الرفع والنصب أما الرفع فعلى الابتداء وتلا خبره والنصب على أنه مفعول تلا وفاعله ضمير يعود على السوسي أي تلاه السوسي مدغما أي وأدغم السوسي الضاد في الشين من بعض شأنهم لا غير.
وفي زوّجت سين النّفوس ومدغم ... له الرأس شيبا باختلاف توصّلا
السين من حروف شفا وذكرها في قوله سأي أي أدغم السوسي السين في الزاي من قوله تعالى وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير: 7]، وله في إدغامها في الشين من قوله تعالى: الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: 4]، وجهان الإدغام عن المعدل عن ابن جرير عنه والإظهار عن المطوعي عنه وهذا معنى الخلاف الموصل وأجمع على الإظهار في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ [يونس: 44]، شيئا لخفة الفتحة والله أعلم.
وللدّال كلم ترب سهل ذكا شذا ... ضفا ثمّ زهد صدقه ظاهر جلا
الدال من حروف شفا ذكرها في قوله دوا وأخبر في هذا البيت أن السوسي أدغمها في عشرة أحرف جمعها الناظم رحمه الله في أوائل كلم عشرة وإلى ذلك أشار بقوله: للدال كلم أي كلم تدغم الدال في أوائلها وهي من قوله: ترب سهل إلخ وهي التاء والسين والذال والشين والضاد والثاء والزاي والصاد والظاء والجيم. ومثال إدغام الدال في الحروف العشرة المساجد تلك، عدد سنين والقلائد ذلك وشهد شاهد، ومن بعد ضراء ويريد ثواب، وتريد زينة، وتفقد صواع، ومن بعد ظلمه، وداود جالوت وقوله ترب التراب والتراب لغتان وذكا من ذكت النار أي أشعلت والشذا حدة رائحة الطيب وضفا طال وثم بفتح الثاء بمعنى هناك، وأشار بذلك إلى تربة كل مؤمن موصوف بالسهولة والصدق الزهد وغير ذلك من الصفات المحمودة ثم ذكر حكم الدال بعد الساكن فقال:
ولم تدغم مفتوحة بعد ساكن ... بحرف بغير التّاء فاعلمه واعملا
قوله: ولم تدغم بتشديد الدال يقال أدغم وادغم بوزن أفعل وافتعل، أخبر رحمه الله أن الدال إذا فتحت وقبلها ساكن لم تدغم في غير التاء أي لم تدغم إلا في التاء خاصة وذلك في موضعين كاد تزيغ قلوب وبعد توكيدها لا غير ومثال الدال المفتوحة وقبلها ساكن مع غير التاء مما لا يدغم لوجود الشرطين فيه أبعد ضراء داود زبورا ونحوه وإذا عدم أحد الشرطين عنى الانفتاح أو السكون ساغ
(1/41)

الإدغام ولم يمتنع، نحو وشهد شاهد، من بعد ذلك وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ [البقرة: 251]، فاعلمه أي فاعلم ذلك واعمل به.
وفي عشرها والطّاء تدغم تاؤها ... وفي أحرف وجهان عنه تهلّلا
لما انقضى كلامه في الدال انتقل إلى التاء المثناة وهي من حروف شفا ذكرها في قوله تضق وأخبر في هذا البيت أنها تدغم في الأحرف العشرة التي أدغمت فيها الدال وتدغم أيضا في الطاء معها والهاء في عشرها للدال وفي تائها يجوز أن تكون للعشر ويجوز أن تكون للأحرف السابقة الستة عشر فإن قيل من جملة حروف الدال العشرة التاء فإدغام التاء في التاء من باب المثلين قيل لم يسغ استثناؤها إذ هي مما تدغم في الجملة ومثال إدغامها في مثلها الشوكة تكون ومثال إدغامها في السين الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ [النساء: 57، 122]، وفي الذال وَالذَّارِياتِ ذَرْواً [الذاريات: 1]، وفي الشين بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور: 4]، وفي الضاد وَالْعادِياتِ ضَبْحاً [العاديات: 1]، وفي الثاء الصَّالِحاتِ [العصر: 3]، ثم وفي الزاي فَالزَّاجِراتِ زَجْراً [الصافات: 2]، وفي الصاد قوله تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً [العاديات: 3]، وفي الظاء قوله تعالى: الْمَلائِكَةُ ظالِمِي [النساء: 97]، [النحل: 28]، وفي الجيم قوله: مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2]، وفي الطاء قوله تعالى:
الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ [النحل: 32]، ولا خلاف في إدغام هذا جميعه ونحوه، ولم يذكر في
التاء ما ذكر في الدال من كونها لم تدغم مفتوحة بعد ساكن لأن التاء لم تقع كذلك إلا وهي حرف خطاب وهو قد علم استثناؤه نحو قوله تعالى: دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [الكهف: 39]، وقوله تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ [طه: 36]، إلا مواضع وقعت فيها مفتوحة بعد ألف فهي على قسمين منها موضع واحد لا خلاف في إدغامه، وهو قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ [هود: 114]، ومنها ما نقل فيه الخلاف وهو المشار إليه بقوله: وفي أحرف وجهان عنه أي عن السوسي تهللا أي استنار فظهر.
فمع حمّلوا التّوراة ثمّ الزّكاة قل ... وقل آت ذال ولتأت طائفة علا
هذه الأحرف التي فيها وجهان مثل الذين حملوا التوراة ثم لم بالجمعة وآتوا الزكاة ثم توليتم بالبقرة، وقوله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ [الإسراء: 26]، بسبحان وفَآتِ ذَا الْقُرْبى [الروم: 38]، وهما المراد بقوله وقل آت ذل وبين الذال ولام التعريف من القربى ألفان إحداهما ألف ذا والأخرى همز الوصل في القربى وهي تسقط في الدرج وتسقط ألف ذا لأجل لام التعريف بعدها لكونها ساكنة فلذلك رسمت في بعض النسخ ذل بإسقاط ألفين على صورة اللفظ وهي الرواية، وفي بعضها بألفين وهو الصواب على الأصل والحرف الخامس بالنساء قوله تعالى: وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى [النساء: 102]، فهذه المواضع في كل منها وجهان عن السوسي الإظهار والإدغام وليس في قوله على رمز لأن الباب كله لأبي عمرو رضي الله عنه ثم ذكر الحرف السادس فقال:
وفي جئت شيئا أظهروا لخطابه ... ونقصانه والكسر الإدغام سهّلا
أي في لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا [مريم: 27]، للسوسي وجهان الإظهار والإدغام أما الإظهار فلأجل تاء الخطاب الموجودة فيه ولأجل نقصانه وهو حذف عين الفعل وضمير أظهروا عائد على ابن مجاهد وأصحابه، فأما المفتوح التاء فلا خلاف في إظهاره وهو موضعان بالكهف قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [الكهف: 71]، وقوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف: 74]، وعلم ذلك من قوله والكسر الإدغام سهلا يعني أن تاء الخطاب مكسورة والكسر ثقيل ففارقت غيرها من تاءات الخطاب المفتوحة فسهل كسره الإدغام وسوغه.
(1/42)

وفي خمسة وهي الأوائل ثاؤها ... وفي الصّاد ثمّ السّين ذال تدخّلا
لما أتم كلامه في التاء المثناة انتقل إلى الثاء المثلثة وهي من حروف شفا ذكرها في قوله: ثوى وأخبر أنها تدغم للسوسي في خمسة أحرف وهي أوائل كلمات: ترب سهل ذكا شذا ضفا وهي التاء والسين والذال والشين والضاد وأمثلتها حيث تؤمرون الحديث سنستدرجهم والحرث ذلك وليس غيره حيث شئتما وحديث ضيف إبراهيم وليس غيره.
قوله: وفي الصاد إلخ، أخبر رحمه الله أن الذال المعجمة تدخل في الصاد والسين المهملتين
أدغم فيهما السوسي وذلك نحو قوله تعالى: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ [الكهف: 61]، في موضعين، وقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً [آل عمران: 117]، لا غير وتدخل مثل تحصل يقال تدخل الشيء إذا تحصل قليلا قليلا.
وفي اللّام راء وهي في الرّا وأظهرا ... إذا انفتحا بعد المسكّن منزلا
اللام والراء من حروف شفا ذكرهما في قوله لم وفي قوله رم أي أدغم السوسي الراء في اللام واللام في الراء نحو قوله تعالى: سَيُغْفَرُ لَنا، كَمَثَلِ رِيحٍ [آل عمران:
117]، وقوله: أظهرا إلخ يعني أن ما انفتح منهما وقبله ساكن استثنى فأظهر نحو قوله تعالى: خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ [النور: 27]، ورَسُولَ رَبِّهِمْ [الحاقة: 10]، ولا يمنع الإدغام إلا باجتماع السببين أما لو انفتح أحدهما بعد الحركة نحو قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ [إبراهيم: 32]، وجَعَلَ رَبُّكِ [الإسراء: 24]، أو تحرك بغير الفتح بعد السكون نحو المصير لا يكلف، وبالذكر لما ويقول ربي وفضل ربي فإن هذا كله ونحوه مدغم ثم ذكر تمامه فقال:
سوى قال ثمّ النّون تدغم فيهما ... على إثر تحريك سوى نحن مسجلا
أخبر رحمه الله أن لام قال: مستثنى من فصل اللام يعنى سوى كلمة قال فإنها أدغمت في كل راء بعدها للسوسي وإن كانت اللام مفتوحة وقبلها حرف ساكن وهو الألف نحو قال رب قال رجلان فخفف بالإدغام لكثرة دوره في القرآن بخلاف فيقول رب ورسول ربهم ونحوه فإنه مظهر. ثم انتقل إلى الكلام في النون وهي من حروف شفا ذكرها في قوله نفسا فأخبر أنها تدغم فيهما أي في اللام والراء للسوسي بشرط أن يتحرك ما قبلها وهو معنى قوله على أثر تحريك أي تكون النون بعد محرك نحو إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ [الأعراف: 167]، خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ [ص: 9]، ولَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [البقرة: 55]، فإن وقع قبل النون ساكن لم تدغم مطلقا سوى كان ذلك ألفا أو غيره وسواء كانت النون مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة نحو قوله تعالى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ [النحل: 50]، بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [القدر: 4]، أَنَّى يَكُونُ لِي [آل عمران: 40]، ما خلا حرفا واحدا فإنه يدغم نونه في اللام مع وجود السكون قبل النون وذلك نحو قوله تعالى: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: 133، 136]، ونحن لك، نحن لكما، وشبهه حيث وقع وهو المراد بقوله سوى نحن، وقوله مسجلا: أي مطلقا في جميع القرآن:
وتسكن عنه الميم من قبل بائها ... على إثر تحريك فتخفى تنزّلا
الميم من حروف شفا ذكرها في قوله: منه أخبر أنها تسكن عنه أي عن السوسي قبل الباء إذا وقعت بعد متحرك فتخفى نحو قوله: آدَمَ بِالْحَقِّ [المائدة: 27]، وبِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام: 53]، فإن سكن ما قبلها لم يفعل ذلك نحو قوله تعالى: إِبْراهِيمُ
بَنِيهِ [البقرة: 132]، اليوم بجالوت والرواية في البيت بضم التاء من تسكن وفتحها من تخفى والهاء في بائها ضمير الميم وقوله: تُنَزِّلَ [النساء: 153]، تمييز أي فيخفى تنزلها في محلها.
(1/43)

وفي من يشاء با يعذّب حيثما ... أتى مدغم فادر الأصول لتأصلا
الباء من حروف شفا ذكرها في قوله بها أي أدغم السوسي باء يعذب في ميم من يشاء أينما جاء وهو خمسة مواضع سوى الذي بالبقرة موضعان بالمائدة وموضع بآل عمران والعنكبوت والفتح، أما الذي بالبقرة فإنه ساكن الباء في قراءة أبي عمرو فهو واجب الإدغام عنده من جهة الإدغام الصغير لا الإدغام الكبير ولهذا وافقه عليه جماعة كما سنذكره وفهم من تخصيص الباء بيعذب وميم من يشاء إظهار ما عداه نحو أن يضرب مثلا سَنَكْتُبُ ما قالُوا [آل عمران: 181]، [مريم: 79]، ولما انقضى كلامه من حروف شفا الستة عشر التي تدغم في غيرها ختم بقوله: فادر الأصول أي اعلم القواعد المذكورة في هذا النظم لتأصلا أي لتكون أصلا أي ذا أصل يرجع إليه في معرفة هذا الفن ثم ذكر ثلاث قواعد تتعلق بجميع باب الإدغام الكبير مثليا كان أو متقاربا وكل قاعدة في بيت فقال في القاعدة الأولى:
ولا يمنع الإدغام إذ هو عارض ... إمالة كالأبرار والنّار أثقلا
يريد إذا كانت ألف مما له في البابين لأجل كسرة بعدها على حرف وذلك الحرف مما يدغم في غيره فإذا أدغم تبقى الإمالة بحالها لكون الإدغام عارضا فكأن الكسرة موجودة فكما أن الوقف لا يمنع فكذلك الإدغام مثال ذلك إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: 18]، فإن الألف في الأبرار ممالة لأجل كسرة الراء والراء تدغم في اللام فإذا أدغمت فيها زال موجب الإمالة، وكذلك قوله تعالى: وَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران:
16]، ربنا وأتى بمثالين الأول منهما لبيان إدغام المتقاربين والثاني لبيان إدغام المثلين، وقوله: أثقلا حال أي في حال الإدغام الصريح احترازا من الروم فإنه لا يمنع قولا واحدا لأن الكسرة موجودة. ثم ذكر القاعدة الثانية فقال:
وأشمم ورم في غير باء وميمها ... مع الباء أو ميم وكن متأمّلا
يقول رحمه الله إذا أدغمت حرفا في حرف مماثل له أو مقارب فأشمم حركة الحرف الأول المدغم إن كان ضمة ورمها إن كانت ضمة أو كسرة إلا في الباء والميم إذا لقيت كل واحدة منهما الباء والميم وذلك في أربعة صور وهي أن تلتقي الباء بمثلها نحو قوله تعالى:
نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا [يوسف: 56]، أو مع الميم نحو قوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [العنكبوت: 21]، وتلتقي الميم مع مثلها نحو أيعلم ما أو مع الباء نحو أعلم بما فإن الروم والإشمام يتعذران في ذلك لانطباق الشفتين بالباء والميم والضمير في ميمها عائد على الباء وكن متأملا أي متدبرا كلام العلماء في كتبهم ثم ذكر القاعدة الثالثة فقال:
وإدغام حرف قبله صحّ ساكن ... عسير وبالإخفاء طبّق مفصلا
أي إذا كان قبل الحرف الذي يدغم في غيره حرف صحيح ساكن فإن إدغامه المحض عسير أي يعسر النطق به وتعسر الدلالة على توجيهه لما يؤدي إليه من الجمع بين الساكنين على غير حدهما لأن المدغم لا بد من تسكينه فحقيقة الإدغام فيه راجعة إلى الإخفاء وتسميته بالإدغام مجاز واحترز بقوله: صح ساكن عما قبله ساكن ليس بحرف صحيح بل هو حرف مد فإن الإدغام يصح معه نحو قوله فيه هدى قال لهم يقول ربنا وكذا إذا انفتح ما قبل الياء والواو ونحو قوله: كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ [الفجر: 6]، [الفيل: 1]، قوم موسى فإن في ذلك من المد ما يفصل بين الساكنين وأما ما قبله ساكن صحيح فلا يتأتى إدغامه
(1/44)

إلا بتحريك ما قبله وإن خفيت الحركة فإن لم تحرك انحذف الحرف الذي تسكينه للإدغام وأنت تظن أنه مدغم فإذا كان كذلك فالطريق السهل حينئذ إما الإظهار وإما الإخفاء فرجح الناظم رحمه الله الإخفاء فقال وبالإخفاء طبق مفصلا والضمير في طبق للقارئ أي إذا أخفاه القارئ أصاب وهو من قوله: طبق السيف المفصل إذا أصاب المفصل، ثم مثل بما قبله حرف صحيح ساكن فقال:
خذ العفو وأمر ثم من بعد ظلمه ... وفي المهد ثم الخلد والعلم فاشملا
ذكر رحمه الله خمسة أمثلة في كل مثال منها حرف صحيح سكن قبل الحرف المدغم من المثلين والمتقاربين فمن المثلين قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف:
199]، فيه فاء ساكنة قبل الواو ومن العلم مالك فيه لام ساكنة قبل الميم ومن المتقاربين من بعد ظلمه فيه عين ساكنة قبل الدال والمهد صبيا فيه هاء ساكنة قبل الدال والخلد جزاء فيه لام ساكنة قبل الدال ولما لم يوردها على طريق التمثيل خاف أن يتوهم الحصر فقال فأشملا أي عمم الكل وقس المتروك على المذكور نحو قوله تعالى زادته هذه لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ [النور: 62] وشبه ذلك، يقال: شملهم الأمر إذا عمهم.

باب هاء الكناية
سميت هاء الكناية لأنها يكنى بها عن الاسم الظاهر الغائب نحو به وله عليه وتسمى هاء الضمير أيضا والمراد بها الإيجاز والاختصار وأصلها الضم.
ولم يصلوا ها مضمر قبل ساكن ... وما قبله التّحريك للكلّ وصّلا
أخبر رضي الله عنه أن القراء كلهم لم يصلوا هاء الضمير إذا وقعت قبل ساكن لأن الصلة تؤدي إلى الجمع بين الساكنين بل تبقى على حركتها ضمة كانت أو كسرة نحو قوله تعالى: يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: 197]، رَبِّهِ الْأَعْلى [الليل: 20]، وكذا إذا كانت الصلة ألفا وذلك في ضمير المؤنث المجمع على صلته بها مطلقا فإن صلتها تحذف للساكن بعدها نحو من تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [البقرة: 25]، وقوله تعالى: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ [مريم:
23]، وقوله: لَمْ يُصَلُّوا [النساء: 102]، هاء مضمر عام يشمل ضمير المذكر والمؤنث وإن كان خلاف القراء واقعا في المذكر لا غير ولا يرد على هذا الإطلاق إلا موضع واحد في عبس قوله تعالى: عَنْهُ تَلَهَّى [عبس: 10]، في قراءة البزي ثم قال وما قبله التحريك أي والذي تحرك ما قبله من هاءات الضمير المذكر التي ليس بعدها ساكن فكل القراء يصلونها بواو إن كانت مضمومة، وبياء إن كانت مكسورة نحو قوله تعالى: أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:
21]، وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ [الجاثية: 23]، واعلم أن الصلة تسقط في الوقف إلا الألف في ضمير المؤنث ثم انتقل إلى المختلف فيه فقال:
وما قبله التّسكين لابن كثيرهم ... وفيه مهانا معه حفص أخو ولا
أي والذي قبله من هاءات الضمير ساكن فإنه موصول لابن كثير وحده نحو قوله تعالى: اجْتَباهُ وَهَداهُ [النحل: 121]، وعَقَلُوهُ [البقرة: 75]، وفيه وعليه وإليه فإن لقي الهاء ساكن لم يصل على ما سبق تقريره نحو قوله تعالى يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: 197]، وقرأ باقي القراء بترك الصلة في كل ما قبله ساكن وعلم ذلك من الضد لأن ضد الصلة تركها
ووافقه حفص على صلة ويخلد فيه مهانا، فهذا معنى قوله: فِيهِ مُهاناً [الفرقان: 69]، معه حفص أي مع ابن كثير أخو ولا أي أخو متابعة لأن الولاء بكسر الواو والمد بمعنى المتابعة وقصره الناظم. واعلم أن هشاما وافق ابن كثير على الصلة في أرجئه في الموضعين كما سيأتي:
وسكّن يؤدّه مع نولّه ونصله ... ونؤته منها فاعتبر صافيا حلا
أراد يؤدي إليك موضعان بآل عمران ونُوَلِّهِ [النساء: 115]، ونُصْلِهِ [النساء:115] بالنساء ونُؤْتِهِ مِنْها [الشورى: 20] موضعان بآل عمران وموضع بالشورى أمر بتسكين الهاء في هذه السبعة موضع لمن أشار إليهم بالفاء والصاد والحاء في قوله:
(1/45)

فاعتبر صافيا حلا وهم حمزة وشعبة وأبو عمرو فتعين للباقين التحريك لأنه ضد الإسكان وإذا تعين للباقين التحريك فهو بالكسر فمنهم من يصل الهاء بياء ومنهم من يختلسها وعلم الاختلاس من قوله وفي الكل قصر الهاء.
توضيح: اعلم أن القراء في هذا البيت على أربع مراتب منهم من سكن هاءاتها قولا واحدا وهم حمزة وشعبة وأبو عمرو، ومنهم من يحركها بكسرة مختلسة قولا واحدا وهو:
قالون ومنهم من له وجهان أحدهما تحريكها بكسرة مختلسة، والثاني: تحريكها بكسرة موصولة بياء وهو هشام ومنهم من يحركها بكسرة موصولة بياء قولا واحدا وهم الباقون وقد لفظ بالكلمات المذكورات في هذا البيت على ما تأتي له في النظم فسكن يؤده ونوله ووصل نصله واختلس نؤته ونبه بقوله فاعتبر صافيا حلا على صحة وجه القراءة وثبوتها.
وعنهم وعن حفص فالقه ويتّقه ... حمى صفوه قوم بخلف وأنهلا
وقل بسكون القاف والقصر حفصهم ... ويأته لدى طه بالإسكان بجتلا
وفي الكلّ قصر الهاء بان لسانه ... بخلف وفي طه بوجهين بجّلا
الواو في قوله: وعنهم فاصلة عاطفة أي من المذكورين في بيت وسكن يؤده وهم حمزة وشعبة وأبو عمرو ثم قال وعن حفص أي عن المذكورين وعن حفص في فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ بالنمل إسكان الهاء فبقي على إسكان فألقه حمزة وعاصم وأبو عمرو فتعين للباقين التحريك كما سيأتي ثم استأنف فقال ويتقه حمى صفوه قوم بخلف أراد بقوله: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور: 52]، بالنور فأشار إلى تسكين هائه بلا خلاف للمشار إليهما بالحاء والصاد في قوله حمى صفوه وهما أبو عمرو وشعبة والمشار إليه بالقاف من قوله قوم وهو خلاد بخلاف عنه فعلم أن الوجه الآخر هو التحريك ولم يذكر بعد ذلك مع أصحاب القصر الذي هو الاختلاس فعلم أن الوجه الثاني هو الكسر والصلة ومعنى وأنهلا سقاه النهل وهو الشرب الأول ثم قال وقل بسكون القاف والقصر حفصهم يعني أن حفصا قرأ ويتقه بسكون القاف
وقصر حركة الهاء أي باختلاسها وقوله ويأته لدى طه بالإسكان يجتلا أراد وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً [طه: 75]، بطه فأخبر أن المشار إليه بالياء من قوله يجتلا وهو السوسي قرأ يأته بسكون الهاء فتعين للباقين التحريك كما سيأتي ويجتلا ينظر إليه وقوله وفي الكل قصر الهاء بأن لسانه بخلف يعني بالكل جميع الألفاظ المتقدمة من قوله وسكن يؤده إلى قوله ويأته لدى طه وهي سبع كلمات وأراد بقصر الهاء اختلاسها وأخبر أن قالونا وهو المشار إليه بالباء من قوله بأن قرأها كلها باختلاس كسرة الهاء بلا خلاف وإن هشاما وهو المشار إليه باللام من قوله لسانه قرأها جميعها بوجهين أحدهما باختلاس الهاء كقالون والثاني بالصلة كباقي القراء ولا يجوز أن يكون له الإسكان لأنه قد ذكر الإسكان عن الذين قرءوا به ولم يذكر هشاما منهم قوله بخلف عائد على هشام لأنه الذي يليه ولو كان الخلاف عنه وعن قالون لقال بخلفهما ولو كان عن ثلاثة أو أكثر لقال بخلفهم وليس الباء من يخلف رمزا لأن المراد منه أن القارئ الذي قبله اختلفت الرواية عنه وإنما تعينت الصلة لباقي القراء لأنه لم يذكرهم مع أصحاب الإسكان ولا مع أصحاب الاختلاس وقوله وفي طه بوجهين بجلا أخبر أن قالونا وهو المشار إليه بالباء من قوله بجلا عنه في يأته
(1/46)

مؤمنا وجهان وقد تقدم أن السوسي وحده قرأ بالإسكان فعلمنا أن الوجهين هما الاختلاس والصلة وتعين للباقين القراءة بالصلة ومعنى بجلا أي وقر وهو عائد على الوجهين.
توضيح: قوله فألقه القراء فيها على أربع مراتب منهم من سكن هاءه قولا واحدا وهم حمزة وعاصم وأبو عمرو، ومنهم من حرك الهاء بكسرة مختلسة قولا واحدا وهو قالون، ومنهم من له وجهان أحدهما تحريكها بكسرة مختلسة، والثاني تحريكها بكسرة موصولة بياء وهو هشام ومنهم من حركها بكسرة موصولة بياء قولا واحدا وهم الباقون وأما يتقه فالقراء كلهم يكسرون قافه إلا حفصا وهم من بعد ذلك في الهاء على خمس مراتب منهم من يسكنها قولا واحدا وهما أبو عمرو وشعبة ومنهم من روى عنه وجهان أحدهما الإسكان والثاني صلتها بياء وهو خلاد ومنهم من روى عنه وجهان أيضا الاختلاس والثاني صلتها بياء وهو هشام ومنهم من له الاختلاس قولا واحدا وهما قالون وحفص ومنهم من يحركها موصولة بياء قولا واحدا وهم الباقون وأما يأته فالقراء فيه على ثلاث مراتب (1) منهم من سكن الهاء قولا واحدا وهو السوسي ومنهم من قرأ بوجهين أحدهما الاختلاس والثاني صلتها بياء وهو قالون ومنهم من وصل كسرة الهاء بياء قولا واحدا وهم الباقون.
وإسكان يرضه يمنه لبس طيّب ... بخلفهما والقصر فاذكره نوفلا
له الرّحب والزّلزال خيرا يره بها ... وشرا يره حرفيه سكّن ليسهلا
أخبر رحمه الله أن المشار إليه بالياء في قوله يمنه وهو السوسي قرأ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: 7] بإسكان الهاء في الوصل بلا خلاف وأن المشار إليهما باللام والطاء في قوله لبس طيب وهما هشام والدوري عن أبي عمرو اختلف عنهما في الإسكان وأن المشار إليهم بالفاء والنون واللام والألف في قوله فاذكره نوفلا له الرحب وهم حمزة وعاصم وهشام ونافع قرءوا بالقصر يعني باختلاس ضمة الهاء والخلف الذي للدوري هو الإسكان والصلة والذي لهشام الإسكان والقصر، وعلم ذلك من جهة أنه ذكر هشاما مع أصحاب القصر في البيت الثاني ولم يذكر الدوري معهم فكان مع المسكوت عنهم وهم أصحاب الصلة ويجوز في قوله القصر الرفع على الابتداء والنصب بفعل مضمر والنوفل الكثير العطاء يقال رجل نوفل أي كثير النوافل والنفل الزيادة.
توضيح: قوله: يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: 7]، القراء فيه على خمس مراتب، منهم من له الإسكان فقط وهو السوسي ومنهم من له الوجهان الإسكان واختلاس الضمة وهو هشام ومنهم من له وجهان أيضا الإسكان وصلة الضمة بواو وهو الدوري ومنهم من له اختلاس الضمة فقط وهم حمزة ونافع وعاصم ومنهم من له صلة الهاء بواو فقط وهم الباقون قوله والزلزال اسم لسورة إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ [الزلزلة: 1] أمر إسكان الهاء في الموضعين في قوله خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7] وشَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 8]، للمشار إليه باللام من قوله ليسهلا وهو هشام وعلم أن قراءة الباقين بتحريك الهاء بالضم وصلتها بواو مما تقرر في أصل الباب من أن هاء الضمير إذا وقعت بين متحركين فإن حكمها الصلة والألف من قوله ليسهلا للتثنية أي ليسهل الحرفان بالإسكان وقوله بها بسورة الزلزال احترز من الذي في سورة البلد وهو قوله: يَرَهُ أَحَدٌ [البلد: 7].
_________
(1) قول ابن القاصح: وأما يأته فالقراء فيه على ثلاث مراتب، الظاهر من القصيد أن القراء فيه على أربع مراتب، لأن هشاما له وجهان: قصر الهاء وصلتها كقالون وإنما لم يذكر الشارح ذلك لأن حذف الصلة لهشام قال فيه بعضهم إنه من زيادات القصيد والأولى أن لا يقرأ به لأنه لم يذكره المحقق وتبعه على ذلك كثير من المحققين فالشارح رحمه الله ممن تبع المحقق ولم يتبع القصيد. أه.
(1/47)

وعى نفر أرجئه بالهمز ساكنا ... وفي الهاء ضمّ لفّ دعواه حرملا
وأسكن نصيرا فاز واكسر لغيرهم ... وصلها جوادا دون ريب لتوصلا
أخبر رضي الله عنه أن المشار إليهم بنفر وهم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر حفظوا أرجئه بالهمزة الساكن في الموضعين بالأعراف والشعراء فتعين للباقين ترك الهمز فيهما ومعنى وعى أي حفظ وليست العين من وعى برمز لأن الواو أصلية فصارت العين متوسطة والرمز الحرفي لا يكون إلا في أول الكلم ثم انتقل إلى الكلام في الهاء فقال وفي الهاء ضم أخبر أن المشار إليهم باللام والدال والحاء في قوله لف دعواه حرملا يضمونها وهم هشام وابن كثير وأبو عمرو ثم أمر بإسكانها للمشار إليهما بالنون والفاء من قوله نصيرا فأزوهما
عاصم وحمزة ثم قال واكسر لغيرهم أمر بكسرها لغير الذين ضموا الذين سكنوا وهم نافع والكسائي وابن ذكوان ثم أمر بالصلة للمشار إليهم بالجيم والدال والراء واللام من قوله جواد دون ريب لتوصلا وهم ورش وابن كثير والكسائي وهشام.
توضيح: أرجئه فيها ست قراءات الأولى لقالون أرجه بترك الهمز لأنه ليس من نفر وبكسر الهاء لأنه داخل فيمن أراد بقوله واكسر لغيرهم وبالقصر لأنه لم يذكره في أصحاب الصلة الثانية لورش والكسائي مثل قراءة قالون إلا أنهما يصلان الهاء بياء لأنه ذكرهما في أصحاب الصلة فصار اللفظ أرجه الثالثة لابن كثير وهشام وذلك أنهما قرآ أرجئهو بالهمز لأنهما من نفر وبضم الهاء وصلتها بواو لأنه يذكرهما مع أصحاب الصلة الرابعة لأبي عمرو وذلك أنه قرأ مثل ابن كثير وهشام إلا أنه لم يصل الهاء لأنه لم يذكره مع أصحاب الصلة فصار اللفظ أرجئه الخامسة لابن ذكوان وذلك أنه قرأ أرجئه بالهمز لأنه من نفر وبكسر الهاء لأنه داخل فيمن أراد بقوله واكسر لغيرهم وبترك الصلة لأنه لم يذكره مع أصحابها السادسة لعاصم وحمزة قرءا أرجه بترك الهمز لأنهما ليسا من نفر وبإسكان الهاء لأنه نص لهما على ذلك والهاء في قوله دعواه للضم، والحرمل نبت معروف، والجواد الفرس الجيد والرجل السخي والريب: الشك.

باب المد والقصر
المد في هذا الباب عبارة عن زيادة المد في حروف المد لأجل همز أو ساكن والقصر ترك تلك الزيادة أي باب زيادة المد على الأصل وحذفها وقدم المد على القصر وإن كان فرعا لعقد الباب له والمد طول زمان الصوت والقصر الأصل لعدم توقفه على سبب بخلاف المد وأصل القصر الحبس ومنه حُورٌ مَقْصُوراتٌ [الرحمن: 72]، أي محبوسات وللمد عشرة ألقاب مد الحجز ومد العدل ومد التمكين ومد الفصل ومد الروم ومد الفرق ومد البنية ومد المبالغة ومد البدل ومد الأصل فأما مد الحجز فإنه يحجز بين الساكنين والمتحرك نحو الضالين ودابة وأما مد العدل فإنه سمي بذلك لاعتدال النطق بالهمز نحو آأنذرتهم على قراءة من يمد بين الهمزتين وأما مد التمكين فإنه يمكن الكلمة عن الاضطراب نحو أولئك وبابه وأما مد الفصل فإنه يفصل بين الكلمتين نحو بما أنزل وأما مد الروم فإنه يروم بالمد الهمز نحوها أنتم وأما مد الفرق فإنه يفرق بين الاستفهام وغيره ولا زيادة عليها نحو آلذكرين الآن وأما مد البنية نحو دعاء ونداء فإن الكلمة بنيت على المد دون القصر وأما مد المبالغة فللتعظيم نحو لا إله إلا الله وأما مد البدل فإنه نحو آمن وآزر وآدم لأن المد بدل من الهمزة الثانية وأما مد الأصل فنحو جاء وشاء لأن الهمزة والمد من أصل الكلمة.
(1/48)

إذا ألف أو ياؤها بعد كسرة ... أو الواو عن ضمّ لقي الهمز طوّلا
ذكر رحمه الله حروف المد الثلاثة فقال إذا ألف ولم يقيد ما قبلها بشيء لأنها ساكنة حتما مفتوح ما قبلها لزوما ثم قال أو ياؤها بعد كسرة فقيد الياء بكسر ما قبلها لأنه يجوز أن يقع قبلها فتحة نحو هيئة وشيء والضمير في قوله ياؤها يعود على الألف ثم قال أو الواو عن ضم فقيد الواو بأن تكون قبلها ضمة لأنه يجوز أن يكون قبلها فتحة نحو سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة: 31]، فالألف لا تزال حرف مد لأن ما قبلها لا يكون إلا من جنس حركتها والواو والياء لهما شرطان أحدهما السكون والثاني أن تكون حركة ما قبلهما من جنسهما فيكون قبل الياء
كسرة وقبل الواو ضمة فحينئذ يكونان حرفي مد ولين وسواء في ذلك حرف المد المرسوم في المصحف والذي لم يرسم له صورة نحوها أنتم ويا آدم ولم يرسم في كل كلمة سوى ألف واحد وهي صورة الهمز وألف هاويا محذوفة نحو صلة هذه الكناية وميم الجمع نحو قوله تعالى به أن يوصل وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ [البقرة: 78]، يجري الأمر فيه كغيره من المد والقصر على ما تقتضيه مذاهب القراء ثم قال لقي الهمز أي استقبله ثم قال طولا أي مد لأن المد
(1/49)

إطالة الصوت بالحرف الممدود أي إذا لقي الألف أو الياء الساكنة المكسور ما قبلها أو الواو الساكنة المضموم ما قبلها همزة مخففة من كلمة حرف المد زيد مد حرف المد على ما فيه من المد الطبيعي للسبعة وعلم أن كلامه في هذا البيت على المد المتصل من قوله بعد فإن ينفصل ولم يخص أحدا من القراء فحمل على العموم وسمي هذا النوع من المد المتصل لاتصال الهمزة بكلمة حرف المد وله محل اتفاق ومحل اختلاف فمحل الاتفاق هو أن السبعة الأشياخ اتفقوا على المد قبل الهمز ومحل الخلاف هو تفاوت الزيادة في المراتب ونصوص النقلة فيها مختلفة وعبارة بعضهم توهم التسوية وأما عبارة الناظم رضي الله عنه فمطلقة تحتمل التفاوت والتسوية وقال السخاوي عنه أي عن الشاطبي رحمه الله إنه كان يروى في هذا النوع مرتبتين طولى لورش وحمزة ووسطى للباقين ويعلل عدوله عن المراتب الأربع التي ذكرها صاحب التيسير وغيره بأنها لا تتحقق ولا يمكن الإتيان بها في كل مرة على قدر السابقة وقال صاحب النكت لم يتعرض في القصيد لذكر التفاضل في المد فكان رأيه يعني الناظم أنه يمد في المتصل مدتين طولى لورش وحمزة ووسطى لمن بقي وفي المنفصل أن يمد لورش وحمزة مدة طولى ويمد لقالون والدوري على رواية من يروي لهما المد وابن عامر والكسائي
(1/50)

وعاصم مدة وسطى ويقصر لابن كثير والسوسي بلا خلاف ولقالون والدوري في رواية من يروى لهما القصر وقيل الأولى لمن قرأ من هذه القصيدة أن يسلك طريقة الناظم رحمه الله ولعله استأثر بنقله. قلت وكذلك قرأت على الشيخ علاء الدين رحمه الله ثم ذكر المنفصل فقال:
فإن ينفصل فالقصر بادره طالبا ... بخلفهما يرويك درّا ومخضلا
أي فإن ينفصل حرف المد واللين من الهمز مثل أن يكون حرف المد آخر كلمة والهمز أول الكلمة الأخرى فالقصر بادره أي سارع إليه، أمر بمبادرة القصر للمشار إليهما بالباء والطاء من قوله بادرة طالبا وهما قالون والدوري عن أبي عمرو ثم قال بخلفهما أي بخلاف عنهما أي بوجهين القصر والمد وأشار بالياء والدال من قوله يرويك درّا إلى السوسي وابن كثير يعني أنهما قرآ بالقصر بلا خلاف فتعين للباقين المد لا غير، وتفاضل المد في هذا الضرب أيضا على حسب ما ذكر عن الناظم من كونه على مرتبتين ولم يذكر صاحب التيسير القصر عن الدوري فهو من زيادات القصيد وحدّ القصر أن يقتصر على ما في حرف المد من المد الطبيعي الذي فيه كما إذا لم يصادف همزة وإنما أمر
(1/51)

بمبادرة القصر لأصالته ولأن المد
فرعه وإذا قرأ القارئ على المقرئ نحو قراءة قالون والدوري عن أبي عمرو فالأولى أن يقدم القصر ثم يأتي بالمد بعده لسهولته لا سيما في جمع الروايات لأن القارئ يبقى كالذي يترقى درجة درجة فيستعين بذلك على تحرير مقادير المدود وبعض أهل الأداء لم يذكروا في تصانيفهم عن أبي عمرو وقالون إلا القصر في المنفصل ولعل الناظم أشار إلى هذا المعنى حيث قال فالقصر بادره ويجوز في قوله فالقصر الرفع والنصب والنصب أجود والدر اللبن والمخضل النبات الناعم، كل هذا ثناء على القصر ثم ذكر أمثلة المتصل والمنفصل فقال:
كجيء وعن سوء وشاء اتّصاله ... ومفصوله في أمّها أمره إلى
مثال الياء وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ [الفجر: 23]، ومثله سِيءَ بِهِمْ [العنكبوت: 33]، [هود: 77] ومثال الواو وتَعْفُوا عَنْ سُوءٍ [النساء: 149] ومثله ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:
228]، ومثال الألف شاء الله ومثله جاء فهذه أمثلة المتصل ونبه عليه بقوله اتصاله أي اتصال حرف المد بالهمز في كلمة واحدة وقوله ومفصوله أي أمثلة المنفصل في أمها رسولا هذا مثال الياء ومثله أولى أجنحة ومثال الواو أمره إلى الله، ونبه بهذا المثال على أن واو الصلة التي لا ترسم في المصحف كغيرها في الحكم
(1/52)

مما رسم في المصحف نحو قالُوا آمَنَّا [البقرة: 14] وضاق عليه تمثيل الألف من القرآن فلم يساعده النظم ولكنه حاصل من قوله أمها أمره ومثاله في القرآن لا إله إلا الله وَلا أُشْرِكُ بِهِ [الجن: 20]، ولا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ [الكافرون: 2] والهاء في اتصاله ومفصوله لحرف المد، ولما فرغ من حرف المد الواقع قبل الهمزة انتقل إلى حرف المد الواقع بعدها فقال:
وما بعد همز ثابت أو مغيّر ... فقصر وقد يروى لورش مطوّلا
ووسّطه قوم كآمن هؤلا ... ء آلهة آتى للإيمام مثّلا
أي والذي وقع من حروف المد بعد همز ثابت، يعني بالثابت الباقي لفظه وصورته ثم قال أو مغير ويعني بالمغير ما لحقه نقل أو تسهيل أو بدل على ما نبينه ثم قال فقصر أي بالقصر لجميع القراء ورش وغيره ثم قال وقد يروى لورش مطولا أي ممدودا مدا طويلا قياسا على ما إذا تقدم حرف المد واللين على الهمز ثم قال ووسطه قوم أي
جماعة من أهل الأداء رووا عن ورش مدا متوسطا وذكروه في كتبهم فيكون المد في هذا النوع أقل منه فيما إذا تقدم حرف المد واللين على الهمز
(1/53)

لظهور الفارق بينهما ولم يذكر في التيسير غير هذا حيث قال زيادة متوسطة فالطويل والقصير من زيادات القصيدة فصار لورش ثلاثة أوجه في هذا النوع القصر كسائر القراء والمد المتوسط والمد المطول، وأما القاف من قوله قوم فليست برمز بخلاف حمى صفوه قوم ثم مثل لما فيه هذه الأوجه بأربعة أمثلة اثنان فيهما الهمز ثابت وهما آمن وآتى الذي بعد همزه ألف واثنان فيهما الهمز مغير أحدهما لو كان هؤلاء آلهة فقرأ ورش بإبدال همزة آلهة ياء في الوصل وبعدها ألف فهي حرف مد بعد همز
مغير والثاني للإيمان بنقل حركة همزة إيمان إلى اللام فالياء من إيمان حرف مد بعد همز مغير ونحو جاء آل يسهله ورش بين بين فالألف من آل حرف مد بعد همز مغير، ومثال ما بعده واو أوحى والمنقول الحركة نحو قل أوحى من آمن، ومثال ما بعده ياء إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [النحل: 90] وإيلافهم ثم إن بعض القائلين بالوجوه الثلاثة لورش استثنوا له مواضع فلم يمدوها ذكرها الناظم رحمه الله فقال:
سوى ياء إسرائيل أو بعد ساكن ... صحيح كقرآن ومسئولا اسألا
(1/54)

ياء إسرائيل وما عطف عليه مستثنى من حرف المد المعبر عنه بلفظ ما الواقعة في البيت المتقدم وتقديره الكلام وما وقع من حروف المد بعد همز ثابت أو مغير فلورش فيه ثلاثة أوجه سوى يا إسرائيل فإنه لم يمده حيث وقع ثم قال أو بعد ساكن يعني واستثنوا من ذلك ما وقع من حروف المد واللين بعد همز وذلك الهمز وقع بعد ساكن صحيح نحو القرآن وقرآن ومسئولا ومذءوما فقصروه ولم يمدوه واحترز بقوله صحيح من حروف العلة نحو جاءوا والموءودة وسوآت والنبئين فإن المد في هذا كله منصوص عليه وقوله اسألا فعل أمر أي اسأل عن علة استثنائه فإن قيل ما الحكم في وجاءوا أباهم هل يمد على الواو لأجل همزة جاءوا وتجري فيها الأوجه الثلاثة أو يمد مدة واحدة لأجل همزة أباهم فقيل يمد مدتين مدة على الألف قبل همزة جاءوا وهي من المتصل ومدة على الواو لأجل همزة أباهم وهي من المنفصل وكذلك يفعل في كل ما يأتي مثله واتفقوا على منع المد في الألف المبدلة من التنوين بعد الهمزة نحو ماء وملجأ وعشاء ثم ذكر بقية المستثنى فقال:
(1/55)

وما بعد همز الوصل ايت وبعضهم ... يؤاخذكم الآن مستفهما تلا
وعادا الأولى وابن غلبون طاهر ... بقصر جميع الباب قال وقوّلا
أي واستثنوا أيضا الذي وقع من حروف المد واللين بعد همزة الوصل فقصروه ونحو آيت بقرآن ائذن لي أو تمن أمانته فإذا ابتدأنا بهذه الكلمات وقع حرف المد الذي هو بدل عن فاء الكلمة التي أصلها همزة في جميع المواضع بعد همزة الوصل لأنك إذا ابتدأت وأتيت بهمزة الوصل اجتمع همزتان همزة الوصل مع الهمزة التي هي فاء الكلمة فأبدلت فاء الكلمة من جنس حركة همزة الوصل فلا يوجد حرف المد إلا إذا ابتدئ بالكلمة فإن وصلت الكلمة بما قبلها سقطت الهمزة وبقيت فاء الكلمة همزة ساكنة على حالها فهذا آخر ما استثنى بعد همز ثابت وهو آخر باب المد والقصر في التيسير وزاد الناظم ما استثنى من هذا النوع بعد همز مغير فقال: وبعضهم يؤاخذكم الآن مستفهما تلا وعادا الأولى، يعني وبعض أهل الأداء الناقلين قراءة ورش استثنوا له مواضع أخر لم يجروا فيها الأوجه الثلاثة بل قصروا له فيها فتعين أن البعض الآخر لم يستثن هذه المواضع فيقرأ
(1/56)

له فيها بوجه واحد بالنظر إلى من استثناها وبالأوجه الثلاثة بالنظر إلى البعض الذي لم يستثنها: الموضع الأول أعني لفظ
يؤاخذكم حيث وقع وكيفما تصرف نحو قوله تعالى: لا تُؤاخِذْنا [البقرة: 268] ولا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ [البقرة: 225]، وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ [النحل: 61]. الموضع الثاني لفظ آلآن المستفهم بها وهي في موضعين بيونس آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ [يونس: 51]، وآلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ [يونس: 91]، أو خرج بقيد الاستفهام الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ [البقرة: 71] والْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ [يوسف: 51]، ونحوه فإنه على أصله، والمراد من آلآن الألف الأخيرة فإن الأولى ليست من هذا الأصل لأن مدها للساكن المقدر أو للهمز. الموضع الثالث عاداً الْأُولى [النجم: 5] قيد الأولى بعادا احترازا من الأولى إذا لم يصاحبها عادا نحو سِيرَتَهَا الْأُولى [طه: 21]، فإنها ممدودة على أصله أي وبعضهم تلا يؤاخذكم والآن والأولى بالقصر لا غير، وقوله: وابن غلبون طاهر. وهو أبو الحسن طاهر بن عبد المنعم بن غلبون الحلبي نزل بمصر ومات بها ودفن بالبقعة من القرافة وقبره يزار إلى الآن، قال بقصر جميع الباب أي باب المد المتأخر عن الهمز وهو من قوله وما بعد همز ثابت أو مغير إلى هنا وقول الناظم بقصر متعلق بقال بعده يعني أن ابن غلبون قال بالقصر وقول لورش بذلك أي جعله هو المذهب له وما سواه غلطا وقرر ذلك في كتاب التذكرة وإنما اعتمد على رواية للبغداديين فأما المصريون فإنهم رووا التمكين عن ورش.
(1/57)

ولما تم الكلام في المد للهمز انتقل إلى الكلام على المد للساكن فقال:
وعن كلّهم بالمدّ ما قبل ساكن ... وعند سكون الوقف وجهان أصلا
الساكن ينقسم إلى قسمين: لازم وعارض وقدم الكلام على اللازم فقال: وعن كلهم بالمد ما قبل ساكن. وذلك نحو «الضالين، والطامة، ودابة، وحاجة قومه وآلذكرين، وآلله خير»، ونحو ذلك مما هو واجب الإدغام أخبر أن جميع ذلك ممدود مدا مشبعا عن القراء كلهم ثم ذكر القسم الثاني للجميع وهو العارض فقال وعند سكون الوقف وجهان يعني إذا كان الساكن بعد حرف المد واللين إنما سكنه للوقف وقد كان محركا في الوصل فسكونه عارض وذلك نحو «الرحيم، والعالمين، ويوم الدين، ونستعين، والضالين، ويؤمنون، وينفقون، ومتاب، وعقاب» فإذا وقف على جميع ذلك بالسكون مصاحبا للاشمام حيث يسوغ أو خاليا منه كان فيه لجميع القراء وجهان المد الطويل والمد المتوسط ولم يصرح بهما الناظم لشهرتهما فإذا وقف بالروم فالحكم القصر لا غير لعدم موجب المد وهو السكون لأن الروم هو الإتيان ببعض الحركة وأشار بقوله أصلا إلى وجه ثالث لم يؤصل: أي لم يكن أصلا وهو الاقتصار على ما في حرف المد من المد يعني القصر وهو رأي جماعة يعني أن جماعة من المتأخرين قالوا إن التقاء الساكنين يفتقر في الوقف. واعلم أنه لا فرق في حرف المد واللين بين أن يكون مرسوما نحو قال أو غير مرسوم نحو الرحمن أو كان بدلا من همزة نحو الذيب.
(1/58)

توضيح: إذا وقفت على نحو «العالمين، والضالين، وينفقون»، ففيه لكل القراء ثلاثة أوجه القصر والتوسط والمد مع الإسكان المجرد وليس فيه روم ولا إشمام وإذا وقفت على نحو يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4] وحَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة: 243] وفَارْهَبُونِ ففيه لكل القراء أربعة أوجه: القصر والتوسط والمد مع الإسكان المجرد كما تقدم في نحو العالمين. والرابع الروم مع القصر وإذا وقفت على نحو نَسْتَعِينُ وإِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 20]، ففيه سبعة أوجه القصر والتوسط والمد مع الإسكان المجرد وهذه الثلاثة أيضا مع الإشمام والسابع الروم ولا يكون إلا مع القصر خلافا لابن شريح فتأمل هذه المسائل وقس عليها نظائرها في جميع القرآن.
فصل: ويجوز المد للساكن المدغم الواقع بعد حرف المد نحو قراءة البزي وَلا تَيَمَّمُوا [البقرة: 267] ولا تَعاوَنُوا [المائدة: 2]، ونحو قراءة أبي عمرو بالإدغام نحو قوله تعالى: وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ [البقرة: 49]، [الأعراف: 141]، [إبراهيم: 6]، وفيه هدى، وقال لهم والْأَبْرارَ لَفِي [الانفطار: 13]، ومَنْ يَقُولُ رَبَّنا [البقرة: 200]، وكذلك يجوز المد للساكن غير المدغم نحو الآن موضعين بيونس وكذلك اللاي ومحياي في قراءة من سكن الياء.
(1/59)

ومدّ له عند الفواتح مشبعا ... وفي عين الوجهان والطّول فضّلا
وفي نحو طه القصر إذ ليس ساكن ... وما في ألف من حرف مدّ فيمطلا
قوله ومد فعل أمر وفي داله الحركات الثلاث والرواية الفتح أي ومد للساكن لأن كلامه في البيت السابق فيما يمد قبل الساكن فكأنه قال ومد لأجل الساكن أيضا في موضع آخر وهو فواتح السور نحو الم والمص وكهيعص ونحو ذلك وقوله عند الفواتح أي فيها فكأنه قال إذا وجدت في هذه الفواتح حرف مد ولين لقي ساكنا فأشبع المد لأجل الساكن وذلك لجميع القراء كمد طامة ودابة بخلاف المد لسكون الوقف، واعلم أن الحروف التي تمد لأجل الساكن سبعة أحرف لام كاف صاد قاف سين ميم نون وقوله: مشبعا أي مدا مشبعا أي طويلا ومشبعا بكسر الباء الرواية ويجوز فتحها وقوله وفي عين الوجهان يعني أن في عين من حروف الفواتح وذلك في كهيعص وحم عسق وفي قوله الوجهان إشارة إلى إشباع المد وهو المراد بالطول وإلى عدم الإشباع وهو التوسط ثم قال والطول فضلا يعني الإشباع أفضل من التوسط وهذان الوجهان لجميع القراء وقوله وفي نحو طه القصر يعني أن كل ما كان من حروف الهجاء على حرفين فإنه يجب فيه القصر وذلك خمسة أحرف الطاء والهاء والراء والياء والحاء ثم قال إذ ليس ساكن يعني ليس فيه ساكن فيمد حرف المد لأجله ثم قال وما في ألف من حرف مد يعني أن الألف على ثلاثة أحرف وليس الأوسط حرف مد ولين وإنما هو لام مكسورة بعدها فاء ساكنة وقوله فيمطلا أي فيمد فكل ممطول ممدود ومنه
اشتقاق المطل بالدين لأنه مد في المدة:
توضيح: قد تحرر من هذين البيتين أن حروف الفواتح على أربعة أقسام:
القسم الأول: ما كان على ثلاثة أحرف أوسطها حرف مد ولين نحو لام ميم نون فهو ممدود بلا خلاف.
القسم الثاني: ما كان على ثلاثة أحرف وليس فيه حرف مد ولين وهو الألف فهو مقصور بلا خلاف.
القسم الثالث: ما كان على ثلاثة أحرف أيضا وأوسطها حرف لين لا حرف مد وهو عين ففيه الوجهان.
القسم الرابع: ما كان على حرفين نحو راويا وطا فهو مقصور بلا خلاف.
وإن تسكن اليا بين فتح وهمزة ... بكلمة أو واو فوجهان جمّلا
بطول وقصر وصل ورش ووقفه ... وعند سكون الوقف للكلّ أعملا
وعنهم سقوط المدّ فيه وورشهم ... يوافقهم في حيث لا همز مدخلا
تكلم فيما تقدم في حروف المد واللين وهو الآن يتكلم في حرفي اللين وهما الياء الساكنة
(1/60)

المفتوح ما قبلها والواو الساكنة المفتوح ما قبلها وقسمهما أيضا إلى ما يقع المد فيه مجاور الهمزة وإلى ما يقع مجاور السكون فقال فيما يقع مجاور الهمزة وإن تسكن اليا بين فتح وهمزة بكلمة وذلك نحو شيء وشيئا وكهيئة ولا تيأسوا ثم قال أو واو وذلك نحو ظَنَّ السَّوْءِ [الفتح: 6] وسَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة: 31] وسوآت، وقوله بكلمة احتراز من أن يكون حرف اللين في كلمة والهمزة في كلمة أخرى نحو ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [المائدة:
27] ولَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ [آل عمران: 110]، لأن المد في هذا النوع لورش ومذهبه في هذا نقل حركة الهمزة ثم قال فوجهان بطول وقصر وصل ورش ووقفه يعني أن لورش في ذلك وجهين حسنين جيدين في الوصل والوقف والمراد بالوجهين المد المشبع والمتوسط وعبر عن المتوسط بالقصر لأنه قصر عن مقدار الطويل وليست جيم جملا رمزا لتصريحه بعدها بصاحبها. ثم انتقل إلى القسم الثاني وهو ما يقع فيه المد مجاورا للسكون فقال:
وعند سكون الوقف للكل أعملا أي أعمل الوجهان المذكوران للقراء كلهم وهما الطول والتوسط المعبر عنه بالقصر ثم حكى عنهم وجها ثالثا فقال وعنهم سقوط المد فيه وبتصريحه بسقوط المد في هذا الوجه الثالث يعلم أن المراد من القصر المذكور التوسط ثم أخبر أن ورشا يوافقهم في الأوجه الثلاثة فيما لم يكن آخره همزا فأما ما كان آخره همزا فإنه لا يوافقهم في سقوط المد فيه فحصل مما ذكر أن حرف اللين إذا وقع قبل الساكن العارض في الوقف فلا يخلو الساكن من أن يكون همزا أو غيره فإن كان همزا نحو شيء والشيء والسوء
فلورش فيه وجهان الطول والتوسط وسواء وقف بالسكون أو بالروم لأن مده فيه لأجل الهمز ولغير ورش الأوجه الثلاثة مع السكون والقصر مع الروم وإن كان غير
همز نحو الميت والموت فلورش وغيره الأوجه الثلاثة مع السكون والقصر مع الروم.
توضيح: إذا وقفت على شيء المرفوع لورش فله فيه ستة أوجه المد والمتوسط مع الإسكان المجرد وله الوجهان أيضا مع الإشمام وله الوجهان أيضا مع الروم لأن المعتبر عنده الهمز وإذا وقفت عليه لغير ورش ففيه سبعة أوجه كما تقدم في نحو نستعين وقدير إلا أن ورشا يوافقهم على القصر هنا لأنه غير مهموز فقد ظهر لك أن حرفي اللين وهو الياء والواو المفتوح ما قبلهما لا مد فيه إلا إذا كان بعده همزة أو ساكن عند من يرى ذلك فإن خلا من واحد منهما لم يجز مده فمن مد نحو عليهم وإليهم، وصلا أو وقفا فهو لاحن كما أن من مد نحو الصيف والبيت والموت وصلا فهو لاحن مخطئ وقد ذكر الداني هذا الأصل في البقرة فلم يذكر لورش إلا وجها واحدا عبر عنه بالتمكين وهو ظاهر في التوسط فوجه المد له من الزيادات ولم يذكر للباقين سوى القصر فوجه المد والتوسط لهم منها.
(1/61)

وفي واو سوآت خلاف لورشهم ... وعن كلّ الموءودة اقصر وموئلا
قوله: وفي واو سوآت احتراز من الألف التي فيها بعد الهمزة فإن فيها الأوجه الثلاثة:
لورش أي اختلف عن ورش في مد الواو من سَوْآتِهِما [الأعراف: 20] وسوآتكم، وقصرها؛ فبعضهم نقل المد فيها وبعضهم نقل القصر فمن مد فله وجهان: المد الطويل المشبع والمد المتوسط على أصله في مد الواو إذا سكنت ولقيت الهمزة وانفتح ما قبلها نحو سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة: 31]، ومن قصر ولم يمد فلأن أصل هذه الواو الحركة فحاصله أن في الواو ثلاثة أوجه وفي الألف ثلاثة أوجه وإن ضربت الثلاثة في مثلها صارت تسعة أوجه لورش رحمه الله وقد قطع في التيسير بتمكين سوآت فوجه القصر من الزيادات وقوله وعن كل الموءودة أقصر وموئلا أمر رحمه الله بقصر الواو من قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ [التكوير: 8]، وموئلا بالكهف لكل القراء فورش مخالف لأصله والباقون على أصولهم ومراده الواو الأولى من الموءودة لأن فيها واوين فأجمعوا على ترك المد في الأولى وأما الواو الثانية فيها ففيها الأوجه الثلاثة لورش رحمه الله ورضي عنه.

باب الهمزتين من كلمة
أي باب حكم الهمزتين المعدودتين في كلمة واحدة. والهمزتان في هذا الباب على ثلاثة أنواع مفتوحتان أو مفتوحة بعدها مكسورة أو مضمومة فالهمزة الأولى لا تكون إلا مفتوحة وقدم الكلام على الهمزة الثانية فقال:
وتسهيل أخرى همزتين بكلمة ... سما وبذات الفتح خلف لتجملا
وقل ألفا عن أهل مصر تبدّلت ... لورش وفي بغداد يروى مسهّلا
أخبر رحمه الله أن الهمزة الأخيرة من الأنواع الثلاثة تسهيلها بين بين للمشار إليهم بسما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو ثم قال: وبذات الفتح خلف أي بصاحبة الفتح أي في الهمزة الثانية المفتوحة خلاف يعني التسهيل بين بين والتحقيق للمشار إليه باللام من قوله لتجملا وهو هشام ونبه بقوله
(1/62)

لتجملا على ما حصل لها من المزية في قراءته باستعمال اللغتين والتحقيق له فيها من الزيادات ثم قال وقل ألفا عن أهل مصر تبدلت إلخ. يعني أن أصحاب ورش اختلفوا عنه في كيفية تغيير الهمزة الثانية ذات الفتح فمنهم من أبدالها ألفا وهم المصريون ومنهم من سهلها بين بين وهم البغداديون فتعين لباقي القراء تحقيق الهمزة الثانية كالأولى.
توضيح: قد عرف من هذين البيتين من له التحقيق والتغيير في الثانية وعرف من قوله بعد: ومدك قبل الفتح والكسر حجة بها لذ. أن قالون وأبا عمرو وهشاما يمدون بين الهمزتين وأن الباقين لا يفعلون ذلك وإذا اجتمع التحقيق والتغيير إلى المد بين الهمزتين وتركه كان القراء على مراتب فقالون وأبو عمرو يحققان الأولى ويسهلان الثانية ويمدان بينهما وابن كثير يسهل الثانية ولا يمد ويحقق الأولى إلا قنبلا في الأعراف والملك وورش له وجهان تحقيق الأولى وإبدال الثانية ألفا فإن كان بعدها ساكن طول المد لأجله نحو قوله
تعالى: أَأَنْذَرْتَهُمْ [يس: 10]، وليس في القرآن متحرك بعد الهمزتين في كلمة سوى موضعين يا وَيْلَتى أَأَلِدُ [هود: 72]، في سورة هود وأَ أَمِنْتُمْ مَنْ [الملك: 16]، الوجه الثاني تحقيق الأولى وتسهيل الثانية من غير مد بينهما لورش وهشام له وجهان تحقيق الأولى والثانية أيضا وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع المد في كليهما والكوفيون وابن ذكوان يحققون الأولى والثانية أيضا من غير مد بينهما وقوله: وفي بغداد، الرواية بإعجام الذال الثانية وإهمال الأولى وفيها ست لغات بدالين مهملتين وبإعجامهما وبإعجام الأولى وإهمال الثانية وعكسه وبنون بعد الألف مع إعجام الأولى وإهمالها.
ولما ذكر حكم تسهيل الهمزة الثانية من الأنواع الثلاثة على العموم أتبعه حكم ما تخصص وقدم التي في فصلت فقال:
وحقّقها في فصّلت صحبة ... ء أعجميّ والأولى أسقطنّ لتسهلا
بين رحمه الله تحقيق الهمزة الثانية التي هي ذات الفتح وذلك بعد تحقيق الأولى من أأعجمي وعربي في سورة فصلت المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة قرءوا بهمزتين محققتين ثم أمر بإسقاط الأولى للمشار إليه باللام في قوله لتسهلا وهو هشام وقوله في فصلت (احترز به)، من قوله تعالى: يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ [النحل: 103]، بالنحل ولا يرد عليه وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا [فصلت: 44]، لأنه منصوب وهذا لفظه في البيت مرفوع ولم يتعرض هنا للمد والقصر لبقاء من قرأ بهمزتين في ذلك على ما تقدم فنافع إذا
(1/63)

وابن كثير وأبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي يقرءونه كما يقرءون أأنذرتهم ونحوه وهشام يقرؤه بهمزة واحدة وابن ذكوان وحفص يسهلان الثانية ويقصران كما يفعل ابن كثير وورش في أحد وجهيه فمخالفة القاعدة حصلت من جهة ابن ذكوان وهشام وحفص ففيها خمس قراءات وقوله: لتسهل، أي ليسهل اللفظ بإسقاطها يقال: أسهل إذا ركب الطريق السهل.
وهمزة إذ هبتم في الأحقاف شفّعت ... بأخرى كما دامت وصالا موصلا
أخبر رحمه الله أن الهمزة في أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ [الأحقاف: 20] شفعت أي صارت شفعا بزيادة همزة أخرى قبلها للمشار إليهما بالكاف والدال في قوله: كما دامت، وهما ابن عامر وابن كثير فتعين للباقين القراءة بالوتر أي بهمزة واحدة وكل منهما على أصله فابن كثير يسهل الثانية من غير مد بين الهمزتين وابن عامر، يقرأ لصاحبيه كما يقرأ في أأنذرتهم ونحوه فيقرأ لهشام بالتحقيق والتسهيل كلاهما مع المد ويقرأ لابن ذكوان بالتحقيق والقصر ففيهما أربع قراءات وقوله: وصالا موصلا، أي منقولا يوصله بعض القراء إلى بعض.
وفي نون في أن كان شفّع حمزة ... وشعبة أيضا والدّمشقيّ مسهّلا
أخبر رحمه الله أن حمزة وشعبة وابن عامر قرءوا في سورة ن والقلم أَنْ كانَ ذا مالٍ
وَبَنِينَ [القلم: 14]، بالتشفيع أي بزيادة همزة أخرى على همزة أن كان فتعين للباقين القراءة بهمزة واحدة وحمزة وشعبة فيه على ما تقدم لهما من القراءة بتحقيق الهمزتين من غير مد بينهما ونص الدمشقي وهو ابن عامر على القراءة بالتسهيل فتقرأ لابن ذكوان بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية من غير مد بينهما وتقرأ لهشام بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع المد بينهما ففيها أربع قراءات وقد خالف ابن ذكوان أصله في التحقيق وتركه لهشام.
وفي آل عمران عن ابن كثيرهم ... يشفّع أن يؤتى إلى ما تسهّلا
أخبر رحمه الله أن ابن كثير قرأ بالتشفيع أي بزيادة همزة أخرى على همزة أن من قوله تعالى: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ [آل عمران: 73]، فتعين للباقين القراءة بهمزة واحدة وقد نص على التسهيل لابن كثير في قوله إلى ما تسهلا فابن كثير يقرأ بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية من غير مد بينهما
(1/64)

وهذا المعنى مفهوم من قاعدته في الهمزتين ولكن الناظم تمم به البيت وقوله وفي آل عمران احترز به عن الذي بالمدثر أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً [المدثر: 52].
وطه وفي الأعراف والشّعرا بها ... ء آمنتم للكلّ ثالثا أبدلا
وحقّق ثان صحبة ولقنبل ... بإسقاطه الأولى بطه تقبّلا
وفي كلّها حفص وأبدل قنبل ... في الأعراف منها الواو والملك موصلا
قوله: بها أي بهذه السور الثلاث لفظ آمنتم وكان ينبغي أن يذكر أَآلِهَتُنا خَيْرٌ [الزخرف: 58]، هاهنا لمناسبة أآمنتم في اجتماع ثلاث همزات في الأصل لكنه أخره إلى سورته تبعا للتيسير وأراد قوله تعالى في سورة طه (أآمنتم له)، وفي الأعراف (أآمنتم به)، وفي الشعراء قال (ء آمنتم له)، وأصل هذه الكلمة أأمن على وزن أفعل فالهمزة التي هي فاء الفعل ساكنة أبدلت ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها كما أبدلت في آدم وآزر ثم دخلت على الكلمة همزة الاستفهام فاجتمع ثلاث همزات فأخبر في البيت الأول أن الهمز الثالث الذي هو فاء الفعل أبدل للقراء كلهم ألفا ثم أخبر في البيت الثاني أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة حققوا الهمزة الثانية بعد تحقيق الأولى على أصولهم في تحقيق الهمزتين فتعين للباقين القراءة بالتسهيل بين بين إلا ما سنذكره عن قنبل وحفص، وقوله ولقنبل بإسقاطه الأولى بطه أخبر أن قنبلا أسقط الهمزة الأولى في سورة طه، وقوله: تقبلا أي قبل الإسقاط ثم قال وفي كلها حفص أخبر أن حفصا أسقط الهمزة الأولى في كلها أي في السور الثلاث ومن أبدل لورش الهمزة الثانية في نحو أأنذرتهم ألفا أبدلها أيضا هاهنا ألفا ثم حذفها لأجل الألف التي بعدها فتبقى قراءة ورش على هذا بوزن قراءة حفص بإسقاط الهمزة الأولى فلفظهما متحد ومأخذهما مختلف ولا تصير قراءة ورش كلفظ قراءة حفص إلا
إذا قصر ورش أما إذا قرأ بالتوسط وبالمد فيخالفه وقوله وأبدل قنبل في الأعراف منها الواو والملك أخبر أن قنبلا أبدل من الهمزة الأولى واوا في حال الوصل في سورة الأعراف وأنه فعل ذلك في وإليه النشور وأمنتم في سورة الملك وقوله موصلا بكسر الصاد حال من قنبل يعني أن قنبلا إذا وصل أبدلها واوا مفتوحة للضمة التي قبلها في فرعون والنشور وإذا ابتدأ حقق لزوال الضمة.
توضيح: اعلم أن في أأمنتم التي في الأعراف أربع قراءات:
القراءة الأولى: بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين بين لنافع والبزي وأبو عمرو وابن عامر.
القراءة الثانية: بإسقاط الهمزة الأولى وتحقيق الثانية لحفص (ويوافقه ورش في اللفظ في أحد وجهيه إذا قرأ بالبدل).
القراءة الثالثة: بإبدال الهمزة الأولى واوا مفتوحة وتسهيل الثانية على أثرها لقنبل وحده.
القراءة الرابعة:
(1/65)

بتحقيق الهمزتين لحمزة والكسائي وشعبة.
وأما أأمنتم التي بطه ففيها ثلاث قراءات:
القراءة الأولى: بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية لنافع والبزي وأبي عمرو وابن عامر.
القراءة الثانية: بإسقاط الهمزة الأولى وتحقيق الثانية لقنبل وحفص.
القراءة الثالثة: بتحقيق الهمزة الأولى والثانية لحمزة والكسائي وشعبة.
وأما أمنتم التي بالشعراء ففيها أيضا ثلاث قراءات:
القراءة الأولى: بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية لنافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر.
القراءة الثانية: بإسقاط الهمزة الأولى وتحقيق الثانية لحفص (ويوافقه ورش في أحد وجهيه إذا قرأ بالبدل).
القراءة الثالثة: بتحقيق الأولى والثانية لحمزة والكسائي وشعبة.
وقد تقدم أن الجميع أبدلوا من الهمزة الثالثة ألفا في الأعراف وطه والشعراء. فإن قيل: قد تقدم أن مذهب ورش رحمه الله في حرف المد الواقع بعد همز ثابت أو مغير المد والتوسط والقصر وهذا حرف مد بعد همز مغير أعني الألف المبدلة عن الهمزة الثالثة في لفظ
أأمنتم المجتمع فيه ثلاث همزات فهل يقرأ له بالأوجه الثلاثة أم لا. قيل: ظاهر كلام الناظم رحمه الله اندراجه في القاعدة لأنه لم يستثنه فيما استثنى منها وأما أأمنتم التي في سورة الملك فليس فيها إلا همزتان فحكمها حكم أأنذرتهم وشبهه لأنها من باب اجتماع همزتين ففيها إذا ست قراءات:
القراءة الأولى: وتسهيل الثانية ومدة بينهما لأبي عمرو وقالون وهشام.
القراءة الثانية: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية على أثرها من غير مد بينهما لورش ويدخل معه البزي في هذا الوجه.
القراءة الثالثة: بتحقيق الأولى وإبدال الثانية ألفا لورش أيضا.
القراءة الرابعة: بإبدال الأولى واوا مفتوحة وتسهيل الثانية على أثرها من غير مد بينهما لقنبل وحده.
القراءة الخامسة: بتحقيق الأولى والثانية ومدة بينهما لهشام.
القراءة السادسة: بتحقيق الهمزتين من غير مد بينهما للكوفيين وابن ذكوان فتأمل ترشد إن شاء الله تعالى.
وإن همز وصل بين لام مسكّن ... وهمزة الاستفهام فامدده مبدلا
فللكلّ ذا أولى ويقصره الّذي ... يسهّل عن كلّ كالآن مثّلا
ولا مدّ بين الهمزتين هنا ولا ... بحيث ثلاث يتّفقن تنزّلا
انتقل إلى الكلام فيما دخلت فيه همزة الاستفهام على همزة الوصل الداخلة على لام التعريف وذلك ستة مواضع لسائر القراء وموضع سابع على قراءة أبي عمرو وحده فأما الستة التي لسائر القراء قوله تعالى: آلذَّكَرَيْنِ [الأنعام: 143]، وآلآن موضعي يونس وآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس: 59]، بها أيضا وآلله خير أما يشركون بالنمل وأما الموضع الذي انفرد به أبو عمرو في قراءته فهو في يونس في قوله تعالى: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ [يونس: 81]، وقوله: وإن همزة وصل أي وإن وقع همز وصل وقوله بين لام مسكن
(1/66)

وهمزة الاستفهام. أي بين لام التعريف الساكنة وهمزة الاستفهام وقوله فامدده مبدلا. أي فامدد الهمز في حال إبدالك إياه ألفا وأراد بالمد المذكور المد الطويل لأجل سكون لام التعريف وقوله: فللكل ذا أولى، أي فلكل السبعة هذا الوجه وهو وجه البدل أولى من وجه التسهيل بين الألف والهمزة الساكنة، وقوله: ويقصره، الذي يسهل عن كل أي ويقصر الهمزة من أخذ بالتسهيل عن كل السبعة وقوله الآن مثلا بواحدة من الكلم المذكورة وقوله: مثلا أي مثل ذلك وقوله ولا مد بين الهمزتين هنا يعني في هذا الذي سهلت فيه همزة الوصل الداخلة على لام التعريف في
المواضع المذكورة. ثم قال: ولا بحيث ثلاث يتفقن تنزلا يعني ولا مد أيضا في موضع يتفق فيه اجتماع ثلاث همزات وهو: أآمنتم وأ آلهتنا بالزخرف أي لا مد في النوعين المذكورين لمن مذهبه المد بين الهمزتين نحو أآنذرتهم وهم قالون وأبو عمرو وهشام كما سيأتي، ومعنى تنزلا أي اتفق نزولهن:
وأضرب جمع الهمزتين ثلاثة ... ء أنذرتهم أم لم أءنّا أءنزلا
أخبر أن اجتماع الهمزتين من كلمة واحدة يأتي في القرآن على ثلاثة أضرب مفتوحتان ومفتوحة بعدها مكسورة ومفتوحة بعدها مضمومة وقد بينها بالأمثلة بقوله: أَأَنْذَرْتَهُمْ [يس: 10]، مثال المفتوحتين ونحوه أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ [البقرة: 140]، أَأَسْلَمْتُمْ [آل عمران: 20]، أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ [هود: 72]، وقوله: أم لم تتمة لقوله تعالى أَأَنْذَرْتَهُمْ [يس: 10] احتاج إليه لوزن البيت، وقوله: أَإِنَّا، مثال المفتوحة وبعدها مكسور نحو أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا [الصافات: 36] أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ [الأنعام: 19] أَئِمَّةً يَهْدُونَ [الأنبياء: 73] وقوله: أَأُنْزِلَ [آل عمران: 20] مثال الهمزة المفتوحة وبعدها مضمومة وذلك ثلاث مواضع. قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ [آل عمران: 15]، بآل عمران أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ [8] بص، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ [القمر: 25]، والرابع على قراءة نافع أَشَهِدُوا [الزخرف: 19] بالزخرف، ذكر ذلك توطئة لقوله:
ومدّك قبل الفتح والكسر حجّة ... بها لذ وقبل الكسر خلف له ولا
أخبر رضي الله عنه أن المد قبل الفتح والكسر أي قبل الهمزة الثانية ذات الفتح أي المفتوحة وذات الكسر أي المكسورة للمشار إليهم بالحاء والباء واللام في قوله حجة بها لذ وهم أبو عمرو وقالون وهشام أي يمدون بين الهمزة الثانية والأولى وهذا المد لا يكون إلا بقدر الألف وتعين للباقين ترك المد وقوله بها لذ أي لجأ إليها وتمسك بها وقوله وقبل الكسر خلف له أخبر رحمه الله أن في المد قبل الهمزة الثانية ذات الكسر أي المكسورة خلافا يعني المد وتركه للمشار إليه باللام في له وهو هشام والولا مصدر ولي يلي ولاء فهو ولي، والولي الناصر.
وفي سبعة لا خلف عنه بمريم ... وفي حرفي الأعراف والشّعرا العلا
أءنّك إفكا معا فوق صادها ... وفي فصّلت حرف وبالخلف سهّلا
أخبر رحمه الله أن هشاما يمد في سبعة مواضع بين الهمزتين بلا خلاف عنه وقد ذكرها معينة
(1/67)

فقال بمريم يعني أَإِذا ما مِتُّ [مريم: 66]، وفي حرفي الأعراف يعني أئنكم لتأتون، آئن لنا لأجرا والشعراء آئن لنا لأجرا وقوله العلا جمع صفة السور أي المتقدمة في الترتيب والنظم على ما في قوله أئنك إفكا معا فوق صادها يعني آئنك لمن المصدقين، آئفكا آلهة الموضعان في السورة التي فوق صادها. يعني والصافات، ثم قال وفي فصلت حرف
يعني آئنكم لتكفرون ثم قال وبالخلف سهلا أي جاء عن هشام في حرف فصلت وجهان أحدهما التسهيل ولم يذكر في التيسير غيره والثاني التحقيق وهو من زيادات القصيد. واعلم أن هشاما لم يسهل من المكسورة بعد المفتوحة غير حرف فصلت.
توضيح: قد تقدم في أول الباب أن نافعا رضي الله عنه وابن كثير وأبا عمرو يسهلون الثانية من هذا النوع أيضا فتعين للباقين التحقيق وإذا اجتمع التحقيق والتسهيل إلى المد بين الهمزتين وتركه كان القراء على مراتب. منهم من يسهل الثانية ويمد ما قبلها قولا واحدا وهما قالون وأبو عمرو، ومنهم من يسهل الثانية ولا يمد ما قبلها قولا واحدا وهما ورش وابن كثير، ومنهم من يحققها ولا يمد قبلها قولا واحدا وهم الكوفيون وابن ذكوان، ومنهم من يفرق بين المواضع فيقرأ ما عدا السبعة المذكورة بالمد وتركه كلاهما مع التحقيق ويقرأ في حرف فصلت بالتحقيق والتسهيل كلاهما مع إدخال المد ويقرأ في الستة المذكورة قبله في هذين البيتين بالتحقيق والمد فقط وهو هشام ثم أفرده فقال:
وآئمّة بالخلف قد مدّ وحده ... وسهّل سما وصفا وفي النّجو أبدلا
أخبر رحمه الله أن هشاما انفرد بالمد بين الهمزتين في لفظ أئمة حيث وقع بخلاف عنه في ذلك فتعين للباقين ترك المد وأئمة لا يتزن به البيت إلا على قراءة هشام والهاء في وحده ضمير هشام، وقوله وسهل سما وصفا أمر بتسهيل الهمزة الثانية للمشار إليهما بسما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو فتعين للباقين التحقيق ونبه بسموّ وصف التسهيل على حسنه واشتهاره، وقوله وفي النحو أبدلا إخبار بمذهب بعض النحويين في هذه الهمزة فإنهم يبدلونها ياء نص على ذلك أبو علي في الحجة والزمخشري في مفصله ووافقهم بعض القراء وقرءوا بياء مكسورة ونصوا عليه في كتبهم واختار الزمخشري مذهب القراء ونص عليه في تفسيره فحصل من الكتابين مجموع الأمرين وقال الداني بهمزة وياء مختلسة الكسر. قلت يريد التسهيل وأما البدل فمن الزيادات.
توضيح: اعلم أن في لفظ أئمة أربع قراءات لنافع وابن كثير وأبي عمرو وقراءتان التسهيل والبدل من غير مد ولهشام وجهان تحقيق الهمزتين مع المد بينهما وتركه، وللكوفيين وابن ذكوان تحقيق الهمزتين من غير مد بينهما كأحد وجهي هشام.
ومدّك قبل الضّمّ لبّى حبيبه ... بخلفهما برّا وجاء ليفصلا
وفي آل عمران رووا لهشامهم ... كحفص وفي الباقي كقالون واعتلا
لما فرغ رحمه الله من الهمزة المفتوحة والمكسورة شرع يذكر المضمومة وقد تقدم أنها في قوله
(1/68)

تعالى: أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ وأَ أُنْزِلَ وأَ أُلْقِيَ، فأخبر أن المد بين الهمزتين في هذا النوع للمشار إليهما باللام والحاء في قوله لبى حبيبه وهما هشام وأبو عمرو
بخلاف عنهما وللمشار إليه بالباء في قوله برا وهو قالون المد بلا خلاف فتعين للباقين القصر ومعنى لبى حبيبه برا وجاء، يعني أن القارئ المتصف بالبر لما أحب المد دعاه فلباه وجاء ليفصل بين الهمزتين، والبر والبار بمعنى واحد وهو ضدّ العاق المخالف، وقوله وفي آل عمران رووا لهشامهم كحفص أخبر أن هشاما قرأ أقل أؤنبئكم بآل عمران كقراءة حفص، وقد علم أن مذهب حفص يحقق الهمزتين من غير مد بينهما لأن مراده بحفص حفص عاصم وقوله وفي الباقي أي وفي باقي الثلاثة وهو أأنزل عليه في ص وأ ألقى بالقمر كقالون أي قرأهما هشام كقالون وقد علم أن مذهب قالون المد بين الهمزتين مع تسهيل الثانية منهما، وقوله واعتلا أي على هذا الوجه الثالث يعني التفصيل.
توضيح: اعلم أن الرواة اختلفوا عن هشام فمنهم من نقل عنه المد في المواضع الثلاثة بغير خلاف مع تحقيق الهمزتين ومنهم من نقل عنه في المواضع الثلاثة ترك المدّ بغير خلاف مع تحقيق الهمزتين وهذا الوجه من الزيادات فاتفق الناقلان على تحقيق الهمزتين لكن ما وقع عنهما الخلاف إلا في المد وأما الناقل الثالث الذي ذكره الناظم في البيت الثاني فإنه نقل عن هشام التفصيل في المواضع الثلاثة كما تقدم فحصل لهشام في آل عمران قراءتان تحقيق الهمزتين مع المد وتركه وله في ص والقمر ثلاث قراءات تحقيق الهمزتين مع المد وتركه أيضا من الناقلين الأولين وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية والمد بينهما من هذا الناقل الثالث المفصل. وأما باقي القراء فهم في المواضع الثلاثة على مراتب منهم من حقق الأولى وسهل الثانية ومد بينهما قولا واحدا وهو قالون ومنهم من حقق الأولى وسهل الثانية من غير مد بينهما قولا واحدا وهما ورش وابن كثير ومنهم من حقق الأولى وسهل الثانية وله المد بينهما وتركه وهو أبو عمرو غير أن المد له في المواضع الثلاثة من الزيادات، ومنهم من له تحقيق الهمزتين من غير مد بينهما وهو الكوفيون وابن ذكوان.

باب الهمزتين من كلمتين
أي هذا باب حكم الهمزتين المجتمعتين في كلمتين وهما على ضربين متفقتين ومختلفتين فأما المتفقتان فعلى ثلاثة أنواع مفتوحتين ومكسورتين ومضمومتين، وأما المختلفتان فعلى خمسة أضرب كما سيأتي، وقدم رحمه الله الكلام على المتفقتين فقال:
وأسقط الأولى في اتفاقهما معا ... إذا كانتا من كلمتين فتى العلا
وأسقط أي حذف الأولى أي الهمزة الأولى ولا يتزن البيت إلا بالنقل، وقوله: في اتفاقهما أي في الحركة مثل كونهما مفتوحتين أو مكسورتين أو مضمومتين وقوله معا شرط أن تكون الأولى
(1/69)

تلي الثانية لأن معا تدل على ذلك، وقوله: إذا كانتا أي إذا حصلتا من كلمتين أي حذف أبو عمرو بن العلاء الهمزة الأولى من همزتي القطع المتفقتين في الحركة إذا تلاصقتا بأن تكون الهمزة الأولى في آخر كلمة والهمزة الثانية في أول كلمة أخرى وليس بينهما حاجز فإن وقع بينهما حاجز فاتفق القراء كلهم على تحقيقهما نحو السوأى أن كذبوا [الروم: 10]، فمن غير همزة السوأى لأجل اجتماع الهمزتين فقد أخطأ وكذلك كل ما جاء من نحو هذا.
تنبيه: اعلم أن أهل الأداء عبروا عن قراءة أبي عمرو بإسقاط الهمزة. فمنهم من يرى أن الساقطة هي الأولى كالناظم ومنهم من يجعل الساقطة هي الثانية، ومن فوائد هذا الخلاف ما يظهر في نحو جاء أمرنا من حكم المد فإن قيل الساقطة هي الأولى كان المد فيه من قبيل المنفصل وإن قيل هي الثانية كان المد فيه من قبيل المتصل لا غير. ثم ذكر الأمثلة فقال:
كجاء أمرنا من السّما إن أوليا ... أولئك أنواع اتّفاق تجمّلا
كجاء أمرنا مثال المفتوحتين من السماء إن مثال المكسورتين أولياء أولئك مثال المضمومتين وليس في القرآن غيرهما وقوله أنواع اتفاق أي هذه الأمثلة فيها أنواع المتفقتين
من كلمتين وتجملا معناه تجمعا أو تحسن ولفظ بالأمثلة الثلاثة على قراءة أبي عمرو لأجل الوزن. واعلم أن الآتي في القرآن من المفتوحتين تسعة وعشرون موضعا وهي: السفهاء أموالكم في النساء أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ [المائدة: 6] وجاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ [الأنعام: 61] وتِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ [الأعراف: 47] وفَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ [الأعراف:
34] وفَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ [المؤمنون: 27] وجاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً [هود: 58] وجاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً [هود: 66] وقَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: 76] وجاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا [هود: 82] وجاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً [هود: 94] ولَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود:
101]، سبعة في هود: جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: 171] وإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ [يونس: 49]، فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ [الحجر: 61]، وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ [الحجر: 67]، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ [النحل: 61]، السَّماءَ أَنْ تَقَعَ [الحج: 82] وجاءَ أَمْرُنا وَفارَ [المؤمنون:
27] وإِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ [المؤمنون: 99] وإِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ [الفرقان:
57] وإِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [الأحزاب: 24] وفَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ [فاطر: 45] وفَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ [غافر: 78] وفَقَدْ جاءَ أَشْراطُها [محمد: 18] في القتال إِذا جاءَ أَجَلُها [المنافقون: 11] وجاءَ آلَ فِرْعَوْنَ [القمر: 41] وجاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ [الحديد: 14] وشاءَ أَنْشَرَهُ [عبس: 22]، ومن المكسورتين خمسة عشر موضعا عند الجماعة وسبعة عشر عند ورش لزيادة وهبت نفسها للنبي إن ولا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا [الأحزاب: 53]،
(1/70)

وستة عشر عند حمزة لزيادة من الشهداء أن تضل وهي بأسماء هؤلاء إن كنتم من النساء إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: 22] وإِلَّا ما مَلَكَتْ [النساء: 24] ومِنْ وَراءِ إِسْحاقَ [هود: 71] ولَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف: 53] وما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا [الإسراء: 102] وعَلَى الْبِغاءِ [النور: 33] إن من السماء إن كنت من السماء إلى الأرض: وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ [الأحزاب: 55]، من النساء أن اتقين من السماء إن هؤلاء إياكم هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [ص: 15] وهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ [الزخرف:
84]، وقد ذكرت هذه المواضع لئلا تلتبس على المبتدي بهمز الوصل نحو فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ [النبأ: 39]، فالهمزة في شاء همزة قطع وألف اتخذ ألف وصل أسقط في الدرج ومثله: الْماءَ اهْتَزَّتْ [الحج: 5]، فالهمزة في الماء همزة قطع وألف اهتزت ألف وصل والألف التي تصحب لام التعريف نحو جاءَ الْحَقُّ [الإسراء: 81]، فالهمزة في جاء همزة قطع وألف الحق ألف وصل.
وقالون والبزّيّ في الفتح وافقا ... وفي غيره كاليا وكالواو سهّلا
وبالسّوء إلّا أبدلا ثمّ أدغما ... وفيه خلاف عنهما ليس مقفلا
أخبر رحمه الله أن قالون والبزي وافقا أبا عمرو في إسقاط الهمزة الأولى من المفتوحين ثم قال وفي غيره أي في غير الفتح أي الذي في غير الفتح وهو الكسر والضم
يعني أن قالون والبزي سهلا الهمزة الأولى من المتفقتين بالكسر فجعلاها كالياء أي بين الهمزة والياء وسهلا الهمزة الأولى من المتفقتين بالضم فجعلاها كالواو أي بين الهمزة والواو وقد تقدم أنه «أولياء أولئك»، لا غير وقوله: وبالسوء إلا أبدلا ثم أدغما أخبر أن قالون والبزي أبدلا الهمزة الأولى من بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [يوسف: 53]، واوا ثم أدغما الواو الساكنة التي قبلها فيها فصارت واوا واحدة مشددة مكسورة بعدها همزة محققة، وهي همزة إلا وقوله وفيه خلاف عنهما أي وفي تخفيف همزة السوء إلا خلاف عن قالون والبزي يعني أن فيه ما ذكر من الإبدال والإدغام ووجه آخر وهو تسهيل الأولى بين الهمزة والياء وتحقيق الثانية على أصلها في المكسورتين، وقوله ليس مغفلا أي ليس مقلقا ولا مشكلا لكون صاحب التيسير ما ذكره وذكر البدل والإدغام فالتسهيل من الزيادات. ثم انتقل إلى الهمزة الثانية فقال:
والأخرى كمدّ عند ورش وقنبل ... وقد قيل محض المد عنها تبدّلا
مذهب أبي عمرو وقالون والبزي كان متعلقا بالهمزة الأولى ومذهب ورش وقنبل متعلق
(1/71)

بالهمزة الثانية وهي المرادة بقوله والأخرى أي الهمزة الأخيرة، يعني أن ورشا وقنبلا أوقعا التغيير في الهمزة الأخيرة من المتفقتين في الأنواع الثلاثة، وعنهما في تغييرها وجهان فروي عنهما أنهما جعلا الثانية من المفتوحتين بين الهمزة والألف والثانية من المكسورتين بين الهمزة والياء الساكنة والثانية من المضمومتين بين الهمزة والواو الساكنة وإلى ذلك أشار بقوله كمد لأنها تصير في اللفظ كذلك وهذا هو المذكور في التيسير فقط وروي عنهما أنهما جعلا الثانية من المفتوحتين ألفا والثانية من المكسورتين ياء ساكنة والثانية من المضمومتين واوا ساكنة وهذا من الزيادات وإليه أشار بقوله: وقد قيل محض المد عنها تبدلا. وهذا الوجه يسمى البدل والوجه الأول هو الذي في التيسير يسمى التسهيل وهو القياس.
تنبيه: إن كان ما بعد الهمزة الثانية متحركا فلا إشكال وإن كان ساكنا غير حرف مد فعلى البدل يزاد مد الحجز نحو جاءَ أَمْرُنا [هود: 40] ومِنَ النِّساءِ إِلَّا [النساء:
24]، وإن كان حرف مد نحو جا آل فعلى التسهيل تجري وجوه ورش رحمه الله في الألف الثانية فيقرأ له: جاءَ آلَ لُوطٍ [الحجر: 61] بألف طويلة وبعدها محققة بعدها مسهلة وبعدها ألف مقصورة ومتوسطة ومطولة ولقنبل ألف ممكنة بعدها محققة بعدها مسهلة بعدها ألف مقصورة وعلى البدل لورش ألف مطولة بعدها محققة بعدها ألف مقصورة ومتوسطة ومطولة ولقنبل ألف ممكنة بعدها محققة بعدها ألف مقصورة. ثم أفرد ورشا بوجه فقال:
وفي هؤلاء إن والبغا إن لورشهم ... بياء خفيف الكسر بعضهم تلا
أخبر أن بعض أهل الأداء رووا أن ورشا قرأ بالبقرة: هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: 31] وعَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [النور: 33]، بوجه ثالث بإبدال الهمزة
الثانية ياء خفيفة الكسر أي مختلسة الكسر وهذا الوجه مختص بورش في هذين الموضعين لا غير وله ولقنبل الوجهان السابقان في هذين الموضعين وغيرهما:
توضيح: قد تقدم أن أبا عمرو حذف الأول في الأنواع الثلاثة وقالون والبزي حذفا أولى المفتوحتين وسهلا أولى المضمومتين والمكسورتين وزاد أوجه البدل في بالسوء إلا ما وورش وقنبل بتسهيل الأخرى وإبدالها مدا في الأنواع الثلاثة، وزاد ورش إبدالها ياء مختلسة في «هؤلاء إن، والبغاء إن» والباقون بتحقيق الهمزتين في الأنواع الثلاثة. ثم ذكر حكما يتعلق بتغير الهمز فقال:
(1/72)

وإن حرف مدّ قبل همز مغيّر ... يجز قصره والمدّ ما زال أعدلا
ذكر رحمه الله في هذا البيت قاعدة كلية لكل القراء فأخبر أن حرف المد إذا وقع قبل همز مغير قد غير بالتسهيل أو الحذف ففيه وجهان: أحدهما القصر، والثاني: المد، ورجحه بقوله والمد ما زال أعدلا أي أرجح من القصر؛ فمثال ما جاء قبل المسهل من ذلك من السماء إن أولياء أولئك في قراءة قالون والبزي وإسرائيل والملائكة في وقف حمزة وهشام وها أنتم في قراءة أبي عمرو وموافقيه على رأي الناظم، ومثال ما جاء قبل المحذوف منه جاء أمرنا في قراءة البزي والسوسي وفي قراءة قالون والدوري عند من أخذ لهما بالقصر في المنفصل.
توضيح: إذا سهلت الأولى من نحو هؤلاء إن فلقالون والبزي وجهان القصر والمد، ولحمزة في نحو إسرائيل والملائكة وجاءهم الوجهان القصر والمد مع التسهيل وإذا حذفت نحو جاءَ أَجَلُهُمْ [الأعراف: 34]، فالوجهان لأبي عمرو وقالون والبزي: واعلم، أن هذا عام في كل حرف مد قبل همز مغير فيندرج فيه ألف الفصل بين الهمزتين لأنها حرف مد قبل همز مغير عند من يغير الهمزة الثانية. وحكي أن ابن الحاجب المالكي رحمه الله وقع بينه وبين السخاوي خلاف في ألف الفصل فكان ابن الحاجب يقول بالمد من غير نقل ثم عادا واطلعا على النقل فيها فوجدا فيها خلافا. ثم انتقل إلى المختلفتين فقال:
وتسهيل الأخرى في اختلافهما سما ... تفيء إلى مع جاء أمّة أنزلا
أخبر رحمه الله أن المشار إليهم بقوله سما، وهم: نافع وابن كثير وأبو عمرو يسهلون الهمزة الأخيرة من الهمزتين في الكلمتين إذا اختلفتا في الحركة وأراد بالتسهيل مطلق التغيير على ما سيأتي. واعلم أن الهمزة الأولى محققة لكل القراء والثانية مختلف فيها وإذا تعين لنافع وابن كثير وأبي عمرو فيها التغيير تعين لغيرهم التحقيق واختلافهما على خمسة أنواع والقسمة العقلية تقتضي ستة إلا أن النوع السادس لم يوجد في القرآن فلذلك لم يذكره أما الخمسة الموجودة في القرآن فهي أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مكسورة أو مضمومة وأن تكون الثانية مفتوحة والأولى مضمومة أو مكسورة فهذه أربعة أنواع وسيأتي النوع الخامس
في قوله: يشاء إلى كالياء أقيس معدلا، والنوع السادس الساقط من القرآن هي أن تكون الأولى مكسورة والثانية مضمومة نحو على الماء أمم فذكر في هذا
(1/73)

البيت النوعين الأولين من الخمسة فقوله تفيء إلى مثال الهمزة المكسورة بعد المفتوحة نحو تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: 9]، شهداء إذ حضر، والْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [المائدة: 14]، والنوع الثاني مفتوحة بعدها مضمومة وهو جاءَ أُمَّةً رَسُولُها [المؤمنون: 44]، بقد أفلح، وليس في القرآن من هذا النوع غيره ومعنى أنزلا أي أنزل ذلك ولا يتزن البيت إلا بنقل حركة الهمزة إلى الساكن في قوله وتسهيل الأخرى وفي قوله أمة أنزلا.
نشاء أصبنا والسّماء أو ائتنا ... فنوعان قل كاليا وكالواو سهّلا
وهذان نوعان على العكس مما تقدم وهما مضمومة بعدها مفتوحة نحو قوله تعالى:
نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ [الأعراف: 100] ويا سَماءُ أَقْلِعِي [هود: 44]، ومكسورة بعدها مفتوحة نحو قوله: مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: 32] ومِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ [البقرة: 235] أو هؤُلاءِ أَهْدى [النساء: 51]، ثم بين ذكر كيفية التسهيل في النوعين الأولين فقال فنوعان قل كاليا وكالواو يعني أن الهمزة الثانية المكسورة من قوله:
تفيء إلى ونحوه تسهل كالياء أي بين الهمزة والياء وأن الهمزة المضمومة من جاءَ أُمَّةً [المؤمنون: 44]، تسهل كالواو أي بين الهمزة والواو. ثم ذكر حكم النوعين الأخيرين
فقال:
ونوعان منها أبدلا منهما وقل ... يشاء إلى كالياء أقيس معدلا
يعني ونوعان من الأنواع الأربعة أبدلا أي أبدل الواو والياء منهما أي من همزتهما يعني أن الهمزة الثانية المفتوحة في نَشاءُ أَصَبْناهُمْ [الأعراف: 100]، ونحوه أبدلت واوا وأن الهمزة الثانية المفتوحة مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا [الأنفال: 32]، ونحوه أبدلت ياء. ولما انقضى كلامه في حكم الأنواع الأربعة شرع في ذكر النوع الخامس فقال وقل يشاء إلى وهو ما وقع فيه همزة مضمومة بعدها مكسورة نحو قوله تعالى: يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: 25]، والشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا [البقرة: 282]، يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي [يوسف: 43]، وقوله كالياء أقيس معدلا يعني أن الهمزة الثانية المكسورة في يشاء إلى ونحوه تسهل كالياء أي أن «الهمزة والياء» وهو القياس في تسهيلها ونبه على ذلك بقوله أقيس معدلا: أي أقيس عدولا؛ يعني أن عدوله إلى التسهيل بين «الهمزة والياء»، أقيس من عدوله إلى البدل ومن عدوله إلى التسهيل بين «الهمزة والواو». ثم ذكر مذاهب القراء فقال:
وعن أكثر القرّاء تبدل واوها ... وكلّ بهمز الكلّ يبدا مفصّلا
أخبر رحمه الله أن أكثر القراء أبدلوا من الهمزة الثانية واوا في «يشاء إلى»، ونحوه ومن القراء من يجعلها بين «الهمزة والواو» فحصل في تخفيف الهمزة الثانية المكسورة بعد
المضمومة ثلاثة أوجه التسهيل بين «الهمزة والياء» وإبدالها «واوا» والثالث تسهيلها بين «الهمزة والواو» ولم يذكر هذا الوجه في التيسير وهو مذهب القليل من القراء وقد تم الكلام في الهمزتين المختلفتين فعلم ما لنافع وابن كثير وأبي عمرو
(1/74)

من التغيير على اختلاف أنواعه.
وعلم أن للباقين وهم الكوفيون وابن عامر التحقيق في الأنواع الخمسة وقوله: «وكل بهمز الكل يبدأ مفصلا». أي كلّ من سهل «الهمزة الثانية»، من المتفقتين أو المختلفتين إنما ذلك في حال وصلها بالكلمة قبلها. فأما إذا وقف على الكلمة الأولى، فقد انفصلت «الهمزتان»، فإذا ابتدأ بالثانية حققها؛ ومعنى مفصلا، مبينا لما هو أصلها من الهمز.
والإبدال محض والمسهل بين ما ... هو الهمز والحرف الذي منه أشكلا
بيّن رحمه الله بهذا البيت حقيقة الإبدال والتسهيل، فأخبر أن الإبدال محض أي تبدل «الهمزة» حرف مد محض ليس يبقى منه شائبة من لفظ الهمز فتكون «ألفا أو واوا أو ياء ساكنين أو متحركين». والتسهيل أن تجعل بين الهمزة والحرف الذي تولدت منه حركة الهمزة فتسهل الهمزة المفتوحة، بين «الهمزة والألف»، والمضمومة بين «الهمزة والواو» والمكسورة، بين «الهمزة والياء» هذا معنى قوله منه أشكلا. قال الجوهري: شكلت الكتاب أي قيدته بالإعراب. وأشكلته أزلت إشكاله.

باب الهمز المفرد
يعني بالمفرد الذي لم يجتمع مع همز آخر بخلاف البابين المتقدمين فقال:
إذا سكنت فاء من الفعل همزة ... فورش يريها حرف مدّ مبدلا
أخبر أن الهمزة إذا سكنت وكانت «فاء من الفعل» فإنّ ورشا يبدلها حرف «مدّ ولين»، ولا يبدلها إلا بهذين الشرطين. أحدهما: «كونها ساكنة»، والثاني: كونها «فاء الكلمة»، فيبدلها على قاعدة الإبدال فيما سكن من «الهمز»، فإنه يبدل بعد الفتحة «ألفا»، وبعد الكسرة «ياء» وبعد الضمة «واوا». وفاء الفعل عبارة عما يقابل «الفاء»، بما جعل معيارا لمعرفة الأصلي والزائد من لفظ الفعل وتعرف «الهمزة» التي هي فاء الفعل بثلاثة أشياء.
أحدها أن يقال كل ما كان وقوعه بعد همزة وصل فهو فاء الفعل نحو «ائت وأمر وائتمن وائتمروا»، ألا ترى أن أوزانها أفعل وأفعل وافتعل وافتعلوا. والثاني: أن يقال كل ما كان ساكنا بعد ميم في اسم الفاعل أو المفعول فهو فاء الفعل نحو «المؤمنون والمؤمنين ومأمون ومأكول»، ألا ترى أن أوزانها المفعلون والمفعلين ومفعول. الثالث: أن كل ما كان منه بعد حرف المضارعة فهو فاء الفعل نحو، «يؤمن وتألمون ويألمون»، ألا ترى أن أوزانها «يفعل وتفعلون ويفعلون» وتقريبه على المبتدئ أن كل همزة ساكنة بعد همزة وصل أو تاء أو ياء أو نون أو واو أو فاء أو ميم فإنها همزة فاء الفعل ثم استثنى فقال:
(1/75)

سوى جملة الإيواء والواو عنه إن ... تفتّح إثر الضّمّ نحو مؤجّلا
أي استثنى ورش من الهمز الساكن الذي هو فاء الفعل جميع ما وقع من لفظ الإيواء نحو «تؤوى وتؤويه والمأوى ومأواهم ومأواكم وفأووا إلى الكهف» فقرأه بالهمزة ولم يبدله؛ ثم استأنف كلاما آخر بقوله والواو عنه أي عن ورش إن تفتح يعني الهمز الذي هو فاء الفعل أثر الضم أي بعد الضم نحو مؤجلا، مثال ما وجد فيه ذلك يعني أن الهمز الذي وجد فيه ما ذكر من الشروط الثلاثة الانفتاح وكونه فاء الكلمة وكونه بعد الضم فإن ورشا يبدله واوا نحو
يؤاخذ يؤلف ويؤخر ومؤذن ومؤجلا فإن لم يجتمع فيه الشروط الثلاثة حققه ولم يبدله نحو وَلا يَؤُدُهُ [البقرة: 255] وتَؤُزُّهُمْ [مريم: 83] ووَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى [القصص: 10] وظَلَمَكَ بِسُؤالِ [ص: 24] وتأذن، وما تأخر، ألا ترى أن المثالين الأولين وإن كانت الهمزة فيهما فاء الفعل فإنها مضمومة وما قبلها مفتوحة وأن المثالين الثانيين وإن كانت الهمزة فيهما مفتوحة وما قبلهما مضموم فليست بفاء الفعل وأن المثالين الثالثين وإن كانت الهمزة فيهما فاء الفعل وهي المفتوحة فإن ما قبلها غير مضموم:
ويبدل للسّوسيّ كلّ مسكّن ... من الهمز مدّا غير مجزوم اهملا
أخبر عفا الله عنه أن السوسي أبدل له كل مسكن أي كل همز ساكنة على قاعدة الإبدال كما تقدم سواء كانت فاء أو عينا أو لاما مثال الفاء نحو ما تقدم لورش ومثال العين نحو البأس والرأس وبئر وبئس وما تصرف من ذلك ومثال اللام نحو قوله تعالى: فَادَّارَأْتُمْ [البقرة: 72] وجئت وشِئْتَ [الأعراف: 155]، وما تصرف من ذلك، وقوله غير مجزوم أهملا استثناء يعني أن السوسي يبدل له الهمز الساكن إلا المجزوم منه فإنه أهمل من البدل فبقي محققا على أصله. ثم ذكر المجزوم منه فقال:
تسؤ ونشأ ستّ وعشر يشأ ومع ... يهيّئ وننسأها ينبّأ تكمّلا
اعلم أن هذا المستثنى على خمسة أنواع: الأول ما سكونه علامة للجزم وهو جميع المذكور في هذا البيت. والنوع الثاني ما سكونه علامة للبناء. والثالث ما همزه أخف من إبداله. والنوع الرابع ما ترك همزة يلبسه بغيره. والخامس ما يخرجه الإبدال من لغة إلى لغة أخرى وعد في هذا البيت الكلم المجزوم وهي تسع عشر كلمة فمنها تسؤ في ثلاثة مواضع تسؤهم في آل عمران والتوبة وتسؤكم بالمائدة ومنها نشأ في ثلاثة مواضع إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ [الشعراء: 4]، وإِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ [سبأ: 9] وإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ [يس:
43] ومنها يشأ في عشرة مواضع إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ [النساء: 133]، [الأنعام: 133]، [إبراهيم: 19]، [فاطر: 16]، مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ [الأنعام: 39]، إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ [الإسراء: 54] وفَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ [الشورى: 24] وإِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ [الشورى: 33]، وبالشورى وعد في جملتها مكسورتين في الوصل لالتقاء الساكنين وهما: من يشأ الله يضلله وقوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ [الشورى:
24] والجزم فيهما يظهر في الوقف ومنها يهيئ في الكهف وننسأ بالبقرة وينبأ بالنجم فالهمزة في جميع ذلك ساكنة للجزم وقوله: تكملا أي تكمل المجزوم الذي لا يبدله السوسي. وأما قوله تعالى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الإسراء: 7]، فالسوسي يبدل همزه وليس من المستثنى لأن سكون الهمز فيه لأجل ضمير الفاعل لا للجزم.
(1/76)

وهيّئ وأنبئهم ونبّئ بأربع ... وأرجئ معا واقرأ ثلاثا فحصّلا
ذكر في هذا البيت النوع الثاني وهو ما سكونه علامة للبناء أي واستثنى لأبي عمرو هذه الكلمات المذكورة أيضا، وهي إحدى عشرة كلمة وجميعها مبني على السكون وهي: هيئ لنا بالكهف وأنبئهم بأسمائهم بالبقرة وقوله ونبىء بأربع أي في أربع كلمات نبئنا بتأويله بيوسف ونبىء عبادي ونبئهم عن ضيف إبراهيم كلاهما بالحجر ونبئهم أن الماء قسمة بالقمر وأرجئ معا أي في موضعين أرجئه وأخاه وأرسل في الأعراف وأرجئه وأخاه وابعث في الشعراء واقرأ ثلاثا أي في ثلاث مواضع أولها في الإسراء اقرأ كتابك والثاني والثالث بالعلق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: 1] واقْرَأْ وَرَبُّكَ [العلق: 3]، فجميع هذا يقرأ لأبي عمرو بتحقيق الهمزة وإبقائه على حاله وليست الفاء من قوله فحصلا رمزا أي فحصل العلم.
وتؤوي وتؤويه أخفّ بهمزه ... ورئيا بترك الهمز يشبه الامتلا
ذكر في هذا البيت النوع الثالث والرابع، فأخبر أن تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [الأحزاب:
51] وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ [المعارج: 13]، مما استثنى لأبي عمرو أيضا فهمزه على الأصل ولم يخفف بالإبدال وذكر أن علة استثنائه فيه كونه بالهمز أخف من الابدال، ثم أخبر أن رئيا مستثنى له أيضا فهمزه على الأصل ولم يخفف بالإبدال وذكر أن علة استثنائه ما يؤدي إليه الإبدال من التباس المعنى واشتباهه وذلك أنه لو أبدل الهمزة ياء لوجب إدغامها في الياء التي بعدها كما قرأ قالون وابن ذكوان فكان يشبه لفظ الري وهو الامتلاء بالماء، ورئيا بالهمز من الرؤية وهو ما رأته العين من حالة حسنة وكسوة ظاهرة وبترك الهمز يحتمل المعنيين فترك أبو عمرو إبداله لذلك:
ومؤصدة أوصدت يشبه كلّه ... تخيّره أهل الأداء معلّلا
ذكر في هذا البيت النوع الخامس وأخبر أن عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ [البلد: 20]، وإِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ [الهمزة: 8]، بالهمزة مما استثنى لأبي عمرو أيضا فهمز على الأصل ولم يخفف بالإبدال. واختلف أهل العربية في اشتقاقه فذهب قوم وأبو عمرو منهم إلى أن أصله أأصدت أي أطبقت فله أصل في الهمزة وقال آخرون هو من أوصدت ولا أصل له في الهمز فاختار أبو عمرو همزه لئلا يتوهم أنه قرأ بلغة أوصدت كما يقرأ غيره وليس هو عنده كذلك فلهذا قال الناظم أوصدت يشبه أي موصدة بترك الهمز يشبه لغة أوصدت ثم قال كله أي كل هذا المستثنى تخيره المشايخ وأهل الأداء القراءة كابن مجاهد ومن وافقه كانوا يختارون تحقيق الهمزة في ذلك كله معللا بهذه العلل المذكورة.
تنبيه: المراد أكثر أهل الأداء ومعنى اختيار أهل الأداء يعني اختيار ابن مجاهد أنه قد روى عن أبي عمرو تحقيق الهمز الساكن مطلقا وروى عنه تخفيفه مقيدا فاختار ابن مجاهد وحذاق الناقلين رواية التقييد على الإطلاق لا أنهم قرءوه برأيهم كما توهم.
وبارئكم بالهمز حال سكونه ... وقال ابن غلبون بياء تبدّلا
أخبر رحمه الله أن بارئكم قرأ للسوسي في موضعي البقرة بالهمز الساكن على الأصل وقوله حال سكونه فيه تنبيه على قراءته إياه بالسكون كما سيأتي في قوله وإسكان بارئكم وبذلك دخل في هذا الباب فكأنه قال استثنى له بارئكم في حال كونه ساكنا في قراءته ثم أخبر أن أبا الحسن طاهر بن غلبون
(1/77)

روى البدل قال في تذكرته وكذا السوسي أيضا بترك همز بارئكم في الموضعين. قلت حصل للسوسي وجهان: أحدهما بهمزة ساكنة وهو زائد على التيسير، والثاني: إبدالها ياء ساكنة فجملة المستثنى
عند الناظم اتفاقا واختلافا سبعة وثلاثون موضعا وعند صاحب التيسير خمسة وثلاثون لإخراجه موضعي بارئكم وروايته في النظم بإسكان الهمزة وضم الميم وبكسر الهمزة وإسكان الميم.
وولاه في بئر وفي بئس ورشهم ... وفي الذّئب ورش والكسائي فأبدلا
وولاه أي تابعه يعني أن ورشا تابع السوسي على إبدال وبئر معطلة بالحج وبئس حيثما وقع وسواء اتصلت به في آخره «ما» أو في أوله فاء أو واو أو لام أو تجرد عنها نحو لبئسما وفبئسما وفلبئس وبئس ولبئس ذلك من أصل ورش لأن الهمزة في الجميع ليست بفاء الفعل بل هي عينه فأما الذي في الأعراف بِعَذابٍ بَئِيسٍ [الأعراف: 165]، فليس من هذا الباب ونافع بكماله أبدله ثمت. قوله وفي الذئب ورش والكسائي أخبر أن ورشا والكسائي وافقا السوسي على إبدال همزة الذئب ياء وهو موضعان بيوسف:
وفي لؤلؤ في العرف والنكر شعبة ... ويألتكم الدّوريّ والإبدال يجتلا
أخبر رضي الله عنه شعبة عن عاصم تابع السوسي في إبدال الهمزة الأولى من لؤلؤ واوا ساكنة سواء كانت الكلمة معرفة باللام نحو يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن:
22]، أو منكرة نحو مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً [الحج: 23]، [فاطر: 33]، ثم أخبر أن الدوري عن أبي عمرو قرأ لا يألتكم من أعمالكم بهمزة ساكنة وفهم ذلك من لفظه فلم يحتج إلى تقييد، ثم أخبر أن الإبدال فيه للمشار إليه بالياء من يجتلا وهو السوسي فإبداله فيه على قاعدته؛ ولما تعين أن لفظ يألتكم للدوري بالهمز وأن السوسي أبدلها ألفا تعين للباقين ضد ذلك وهو ترك الهمز وحذف الألف المبدلة منه فصار لفظه يلتكم بغير همز ولا ألف وهي قراءة الباقين ومعنى قوله يجتلا أي ينكشف وبالله التوفيق:
وورش لئلّا والنّسيء ببائه ... وأدغم في ياء النّسيّ فثقّلا
أخبر رضي الله عنه أن ورشا قرأ ليلا بياء مفتوحة حيث وقع نحو «ليلا يكون، ليلا يعلم»، وقرأ في التوبة إِنَّمَا النَّسِيءُ [التوبة: 37] بإبدال الهمزة ياء وإدغام الياء التي قبلها فيها فصارت ياء واحدة مشددة مرفوعة، وقرأ الباقون لئلا بهمزة مفتوحة بين اللامين والنسيء
بياء ساكنة خفيفة بعدها همزة مرفوعة تمد الياء لأجلها، وقوله فثقلا أي فشدد ولأن الإدغام يحصل بذلك وليست الفاء رمزا والرواية في النسيء الأول بالهمز والحكاية والثاني بالإدغام والإعراب.
وإبدال أخرى الهمزتين لكلّهم ... إذا سكنت عزم كآدم أوهلا
ذكر رحمه الله قاعدة كلية لكل القراء وليست في التيسير، يقول: إذا اجتمع همزتان في كلمة والثانية ساكنة فإبدالها عزم أي واجب لا بد منه لكل القراء فتبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها، فإن كانت قبلها فتحة أبدلت ألفا نحو آدم وآزر وآتى وآمن، وإن كان قبلها ضمة أبدلت واوا نحو أوتي وأوذي، وإن كان قبلها كسرة أبدلت ياء نحو لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ [قريش: 1 - 2]، وايت بقرآن إذا
(1/78)

ابتدئ به ومثل الناظم بمثالين أحدهما آدم وأصله على رأي الأكثرين أأدم ووزنه أفعل ولم يتأت له من القرآن مثال يكمل به البيت فأتى بمثال من كلام العرب وهو أوهلا قالوا وفيه بدل من همزة هي فاء الفعل يقال أو هل فلان لكذا أي جعل أهلا له ومثاله من القرآن أُوتِيَ مُوسى [البقرة: 136]، وأُوذِينا مِنْ قَبْلِ [الأعراف: 129] واؤتمن، إذا ابتدأ بها.

باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها
هذا نوع من أنواع تخفيف الهمز المفرد وأدرج معه في الباب مذهب حمزة في السكت فقال:
وحرّك لورش كلّ ساكن آخر ... صحيح بشكل الهمز واحذفه مسهلا
وصف الساكن بوصفين: أحدهما أن يكون آخرا ويعني به أن يكون آخر كلمة، والهمز أول الكلمة التي بعدها. والثاني: أن يكون الساكن الآخر صحيحا أي ليس بحرف مد ولين نحو من آمن وقد أفلح فإن كان قبل الهمز واو أو ياء ليس بحرفي مد ولين وذلك بأن ينفتح ما قبلهما فإنه ينقل حركة الهمزة إليهما نحو خَلَوْا إِلى [البقرة: 14]، وابْنَيْ آدَمَ [المائدة: 27]، وقد استعمل الناظم هنا قوله: ساكن آخر صحيح باعتبار أنه ليس بحرف مد ولين ولم يرد أنه ليس بحرف علة وهذا بخلاف استعماله في باب المد والقصر حيث قال أو بعد ساكن صحيح فإنه احترز بذلك عن حرف العلة مطلقا ودخل في الضابط أنه ينقل حركة الهمزة من أَحَسِبَ النَّاسُ [العنكبوت: 2]، إلى الميم من الم فاتحة العنكبوت وينقل إلى لام التعريف نحو الأرض والآخرة لأنها منفصلة مما بعدها فهي وهمزتها كلمة مستقلة وينقل إلى تاء التأنيث نحو قالَتْ أُولاهُمْ [الأعراف: 39] وقالَتْ إِحْداهُما [القصص:
26]، وينقل إلى التنوين لأنه نون ساكنة نحو من شيء إذ كانوا كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:
4]، قوله بشكل الهمز أي حرك ذلك الساكن الذي هو آخر الكلمة بحركة الهمز الذي بعده أي حركة كانت، قوله واحذفه يعني الهمز بعد نقل حركته وقوله مسهلا أي راكبا للطريق السهل والرواية بنقل حركة همزة آخر إلى التنوين قبلها من قوله ساكن آخر.
وعن حمزة في الوقف خلف وعنده ... روى خلف في الوصل سكتا مقلّلا
ويسكت في شيء وشيئا وبعضهم ... لدى اللّام للتّعريف عن حمزة تلا
وشيء وشيئا لم يزد ولنافع ... لدى يونس الآن بالنّقل نقّلا
أخبر رضي الله عنه أن حمزة اختلف عنه في الوقف على الكلمة التي نقل همزها لورش، فروى عنه النقل كقراءة ورش وروى عنه ترك النقل كقراءة الجماعة. وقال الفاسي:
فإن قيل ما حكم ميم الجمع في البابين قبل الخروج من باب النقل والدخول في باب السكت يعني أن حمزة يسكت عليها ولا ينقل إليها وورش يصلها بواو فيمد الهمزة التي بعدها. وقال السخاوي فأما قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [المائدة: 105] وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ [التوبة: 118]، فلا خلاف في تحقيق مثل هذا في الوقف، انتهى كلامه، وذكر أبو بكر بن مهران النقل وذكر فيه ثلاثة مذاهب أحدها وهو الأحسن نقل حركة الهمزة إلى الميم مطلقا فتضم تارة وتفتح تارة وتكسر تارة نحو وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ [البقرة: 78] وعَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ [المنافقون: 6] وذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: 81]، والثاني أنها تضم مطلقا وإن كانت الهمزة مفتوحة أو مكسورة حذرا من تحريك الميم بغير حركتها الأصلية، والثالث أنها تنقل في الضم والكسر دون الفتح لئلا يشبه لفظ التثنية، وقال الجعبري: أسكنها حمزة
(1/79)

على أصله فدخلت في ضابط النقل لأنها ساكن صحيح آخر لفظا وقد نص ابن مهران على نقله فلا وجه حينئذ لمنع بعض الشراح النقل وقوله: وعنده أي وعند الساكن الذي نقل إليه ورش وهو كل ساكن آخر صحيح روى خلف في الوصل سكتا أي روى خلف عن سليم عن حمزة أنه يسكت عليه قبل النطق بالهمزة سكتا مقللا أي قليل من غير قطع نفس استعانة على النطق بالهمزة يعني إذا وصل الكلمة التي آخرها ذلك الساكن بالكلمة التي أولها همزة يسكت بينهما على الساكن، ثم أخبر أنه يزيد أيضا في السكت فيسكت على ساكن لم ينقل إليه ورش فقال ويسكت في شيء وشيئا أي روى خلف أيضا عن حمزة أنه يسكت على الساكن من لفظ شيء وشيئا في جميع القرآن وهو الياء فحصل لخلف السكت في الساكن الذي تقدم ذكره لورش وفي لفظ شيء وشيئا وتعين لخلاد ترك السكت في ذلك كله كالباقين هذا آخر الطريق الأول في التيسير وهي طريقة أبي الفتح فارس، ثم ذكر طريق ابن غلبون وهو الطريق الثاني في التيسير فقال وبعضهم أي وبعض أهل الأداء يعني ابن غلبون لدى اللام للتعريف عن حمزة تلا وشيء وشيئا يعني أن ابن غلبون روى السكت عن حمزة في لام التعريف وشيء وشيئا لم يزد أي لم يسكت فيما عدا لام التعريف وشيء وشيئا هذا تمام الطريق الثاني إشارة إلى قول الداني في التيسير وقرأت على أبي الحسن يعني ابن غلبون في الروايتين يعني في رواية خلف وخلاد بالسكوت على لام التعريف وعلى شيء وشيئا حيث وقع انتهى.
(1/80)

توضيح: قد عرفت أن مذهب أبي الفتح ترك السكت لخلاد في جميع القرآن والسكت لخلف في جميع القرآن أيضا ومذهب ابن غلبون ترك السكت لهما إلا على لام التعريف وشيء وشيئا من الطريقين فقد صار لخلف وجهان ولخلاد وجهان؛ وذلك أن خلفا ليس له
في لام التعريف وشيء وشيئا من الطريقين إلا السكوت بلا خلاف وله فيما بقي من الساكن المذكور بشرطه وجهان السكت وترك السكت ولخلاد في لام التعريف وشيء وشيئا وجهان السكت وتركه وله فيما بقي من الساكن المذكور ترك السكت لا غير فتأمل ذلك:
تفريع: على الطريقين إذا وقفت على شيء وشيئا سقط السكت وإذا وقفت على نحو قَدْ أَفْلَحَ [المؤمنون: 1]، فلخلف ثلاثة أوجه: النقل والسكت وتركهما ولخلاد وجهان:
النقل وتركه بلا سكت، وإذا وقفت على نحو «الأرض» فلخلف وجهان النقل والسكت ولخلاد ثلاثة أوجه النقل والسكت وعدمهما فإذا اجتمعا وصلا نحو إذ أنذر قومه بالأحقاف فلخلف وجهان: السكت عليهما وعلى الثاني فقط ولخلاد وجهان ترك السكت عليهما وتركه على الأول فقط وترجع الأربعة إلى ثلاثة: لاتحاد الأخيرين وقوله: ولنافع لدى يونس «آلآن» بالنقل أخبر أن نافعا من طريق ورش وقالون قرأ في يونس بنقل حركة الهمز إلى اللام في «آلآن» وقد كنتم وآلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ [يونس: 91]، وقوله: نقلا أي نقل من قوم إلى قوم حتى وصل إلينا على هذه الصفة.
تفريع: اعلم أن لورش في آلآن ستة أوجه لأن همزة الوصل لكل القراء فيها وجهان:
(1/81)

التسهيل والبدل كما تقدم في قوله وإن همز وصل وورش من جملتهم فيكون له فيها وجهان وله في حرف المد الذي وقع بعد همز ثابت أو مغير ثلاثة أوجه المد والقصر والتوسط فتأخذ الأوجه الثلاثة مع إبدال همزة الوصل ومع تسهيلها أيضا فيكون المجموع ستة على رأي من لم يستثن آلآن كما تقدم في قوله وابن غلبون طاهر بقصر جميع الباب، ولقالون وجهان:
القصر في حرف المد مع تسهيل همزة الوصل وإبدالها وكذلك لبقية القراء إلا أن حمزة ينقل في حال الوقف بخلاف عنه ويسكت في حال الوصل أيضا بخلاف عنه.
وقل عادا الأولى بإسكان لامه ... وتنوينه بالكسر كاسيه ظلّلا
وأدغم باقيهم وبالنّقل وصلهم ... وبدؤهمو والبدء بالأصل فضّلا
لقالون والبصري وتهمز واوه ... لقالون حال النّقل بدءا وموصلا
وتبدأ بهمز الوصل في النّقل كلّه ... وإن كنت معتدّا بعارضه فلا
أمر رحمه الله بالإخبار عن حكم عاداً الْأُولى [النجم: 50] بالنجم للمشار إليهم بالكاف والظاء في قوله: كاسيه ظللا وهم ابن عامر وابن كثير والكوفيون وحكم ذلك في قراءتهم إسكان لام التعريف وكسر التنوين
(1/82)

في عادا لالتقاء الساكنين هو واللام ثم قال وأدغم باقيهم أخبر أن من بقي من السبعة وهما نافع وأبو عمرو أدغما تنوين عادا في لام التعريف من الأولى بعد ما نقلا إلى اللام حركة الهمزة في الوصل والابتداء ويعني بالوصل وصل الأولى بعادا فالنقل لهما فيه لازم لأجل أنهما أدغما التنوين في
اللام، فإن وقفا على عادا ابتدأ الأولى بالنقل أيضا ليبقى حاكيا بحاله في الوصل فأما ورش فتعين له النقل على أصله؛
وأما قالون وأبو عمرو فالأولى أن يبتدئا بالأصل كما يقرأ الكوفيون وابن كثير وابن عامر لأنهما ليس من أصلهما النقل فهذا معنى قوله والبدء بالأصل فضلا لقالون والبصري، ثم قال وتهمز واوه لقالون حال النقل بدءا وموصلا: أي إن قالون يهمز واو الولي إذا ابتدأ بالنقل وفي الوصل مطلقا أي حيث قلنا بالنقل لقالون سواء ابتدأ كلمة لولي أو وصلها بعادا فواو الولي مهموز بهمزة ساكنة، وإن قلنا يبتدئ بالأصل فلا يهمز لئلا يجتمع همزتان فهذا معنى قوله حال النقل؛ ثم ذكر كيفية البدء في حال النقل فقال: وتبدأ بهمز الوصل في النقل كله يعني همزة الوصل التي تصحب لام التعريف؛ يقول إذا ابتدأت كلمة دخل فيها لام التعريف على ما أوله همز قطع نحو الإنسان والأرض والآخرة فنقلت حركة الهمز إلى اللام ثم أردت الابتداء بتلك الهمزة بدأت بهمزة الوصل كما تبتدئ بها في صورة عدم النقل لأجل سكون اللام فاللام بعد النقل إليها كأنها تعد ساكنة لأن حركة النقل عارضة فتبقى همزة الوصل على حالها لا تسقط إلا في الدرج فهذا هو الوجه المختار فتقول الرض النسان، ثم ذكر وجها آخر فقال: وإن كنت معتدا بعارضه فلا نهي عن الابتداء بهمزة الوصل مع الاعتداد بحركة النقل العارضة، يعني إن كنت منزلا حركة النقل منزلة الحركة الأصلية فلا تبتدئ بهمز الوصل إذ لا حاجة إليه لأن همزة الوصل إنما اجتلبت لأجل سكون اللام وقد زال سكونها بحركة النقل العارضة فاستغنى عنها فتقول لرض للسان ثم قال في النقل كله يشمل جميع ما ينقل إليه ورش لام المعرفة ويدخل في ذلك الأولى من عادا الأولى.
توضيح: تلخص مما ذكر في الأبيات الأربعة أن ابن كثير وابن عامر والكوفيين يقرءون في الوصل عادا الأولى بكسر التنوين وسكون اللام وبعدها همزة مضمومة ويبتدئون بهمزتين بينهما لام ساكنة وأن قالون يقرأ في الوصل عادا لولي بنقل حركة الهمزة إلى اللام وإدغام التنوين فيها وهمز الواو بعدها، وله في الابتداء ثلاثة أوجه أحدها الولي بالنقل مع همزة الوصل، والثاني: لولي بالنقل دون همز الوصل ولا بد في كليهما من همز الواو، والثالث: الأولى كابتداء ابن عامر ومن ذكر معه وأن ورشا يقرأ في الوصل عاد الولي بنقل حركة الهمزة إلى اللام وإدغام التنوين فيها؛ وله في الابتداء وجهان: أحدهما الولي بالنقل مع همز الوصل، والثاني: لولي بالنقل دون همز الوصل وأن
(1/83)

أبا عمرو يقرأ عاد الولي في الوصل بنقل حركة الهمزة إلى اللام وإدغام التنوين فيها، وله في الابتداء ثلاثة أوجه:
أحدها: كابن عامر ومن ذكر معه. والثاني: الولي بالنقل مع همز الوصل، والثالث: لولي بالنقل دون همز الوصل وهم على أصولهم في الفتح والإمالة وبينهما.
ونقل ردا عن نافع وكتابيه ... بالإسكان عن ورش أصحّ تقبّلا
أخبر رحمه الله أن نافعا نقل حركة الهمزة إلى الدال وحذفها من رد أيصدقني بالقصص فتعين للباقين القراءة بالهمز ثم أخبر أن إسكان الهاء من كتابيه بالحاقة وإبقاء همزة إني ظننت
على حالها محققة بعد الهاء كقراءة الباقين أصح تقبلا من نقل حركة همزة إني ظننت إلى الهاء من كتابيه وقوله: أصح تقبلا فيه إشارة إلى صحة الوجهين وذلك أن الإسكان تقبله قوم والتحريك تقبله قوم ولكن الإسكان أصح عند علماء العربية والتحريك من زيادات القصيد:

باب وقف حمزة وهشام على الهمز
قد تقدم الكلام على مذهب حمزة في الهمزات المبتدآت في شرح قوله: في الباب الذي قبل هذا وعن حمزة في الوقف خلف والكلام في هذا الباب على المتوسط والمتطرف الذي في آخر الكلمة:
وحمزة عند الوقف سهّل همزه ... إذا كان وسطا أو تطرّف منزلا
أخبر رحمه الله أن حمزة كان يسهل الهمز المتوسط والمتطرف في الكلمة الموقوف عليها ومراده بالتسهيل هنا مطلق التغيير، والتغيير ينقسم إلى التسهيل بين بين وإلى البدل وإلى النقل فأطلق التسهيل ليشمل هذه الأنواع والهمزة المتوسطة هي التي ليست أول الكلمة ولا آخرها وقوله: منزلا أي تطرف منزله أي موضعه.
فأبدله عنه حرف مدّ مسكّنا ... ومن قبله تحريكه قد تنزّلا
اعلم أن هذا الهمز ينقسم إلى ساكن ومتحرك وكلامه في هذا البيت على الساكن والساكن
(1/84)

ينقسم إلى متوسط نحو «يؤمنون، ويألمون، والذئب»، وإلى متطرف والمتطرف ينقسم إلى ما سكونه أصلي وإلى ما سكونه عارض؛ فالأصلي ما يكون ساكنا في الوصل والوقف نحو «اقرأ، ونبئ، وهيئ»، والعارض ما يكون متحركا في الوصل فإذا وقف القارئ عليه سكنه للوقف وذلك نحو «قال الملأ، ولكل امرئ، وملجأ»، ويستوي في ذلك المنون وغيره، وقوله: فأبدله أي أبدل الهمز المتوسط والمتطرف الساكن الأصلي والعارض عن حمزة حرف مد ولين من جنس حركة ما قبله، فإن كان قبله ضمة أبدله واوا، وإن كان قبله كسرة أبدله ياء، وإن كان قبله فتحة أبدله ألفا، وقوله: مسكنا بكسر الكاف ليحصل تقييد الهمز بالسكون، أي أبدل الهمز في حال كونك مسكنا له سواء كان ساكنا قبل
نطقك به أو سكنته أنت للوقف وقوله: ومن قبله تحريكه قد تنزلا شرط للبدل شرطين:
أحدهما أن يكون الهمز ساكنا والثاني أن يتحرك ما قبله واشتراط تحرك ما قبل الهمز إنما يحتاج إليه في المتحرك الذي يسكنه القارئ للوقف نحو قالَ الْمَلَأُ [الأعراف: 60]، ليحترز به من نحو يشاء وقروء وهنيئا وسيأتي أحكام ذلك كله، وأما الهمزة الساكنة قبل الوقف فلا يكون ما قبلها إلا متحركا وليس في القرآن همزة ساكنة متطرفة في الوقف والوصل وقبلها ضمة فاعلم ذلك.
وحرّك به ما قبله متسكّنا ... وأسقطه حتى يرجع اللّفظ أسهلا
لما انقضى كلامه في الهمز الساكن انتقل إلى الهمز المتحرك، وهو ينقسم إلى ما قبله ساكن وإلى ما قبله متحرك، فالذي قبله متحرك يأتي ذكره والذي قبله ساكن ينقسم إلى ما يصح نقل حركته إلى ذلك الساكن وإلى ما لا يصح نقل حركته إليه وسيأتي ذكره، وكلامه في هذا البيت على الهمز المتحرك الذي قبله ساكن ويصح نقل حركته إليه وكل ساكن يصح نقل الحركة إليه إلا الألف على الإطلاق والواو والياء المشتبهتين بالألف الزائدتين، وإذا اعتبر ما يصح نقل الحركة إليه من الساكن وجد على ثلاثة أقسام: صحيح وحرف لين ويعني به الواو والياء المفتوح ما قبلهما وحرف مدّ ولين ويعني به الياء المكسور ما قبلها والواو المضموم ما قبلها الأصليتين وكلا النوعين يجري مجرى الصحيح في صحة نقل الحركة إليه وكل قسم من هذه الأقسام يقع متوسطا ومتطرفا، فمثال الصحيح متوسطا يجأرون ويسأمون ومسئولا ومذءوما والقرآن والظمآن ومثاله متطرفا دفء والخبء والمرء ومثال حرف اللين متوسطا «سوآتهما وموئلا، وكهيئة الطير وشيئا»، ومثاله متطرفا «سيىء وشيء وظن السوء»، ومثال حرف المد واللين متوسطا سيئت وجوه والسوأى ومثاله متطرفا جيء وسيىء والسوء.
أخبر الناظم أن جميع ذلك حكمه النقل فقال: وحرك به أي بحركته يعني بحركة الهمز ما قبله متسكنا أي الحرف الساكن الذي يأتي قبل الهمز ويعني بذلك ما يصح النقل إليه لا غير وأسقطه يعني أسقط الهمز كما تقدم في باب نقل الحركة حتى يرجع اللفظ أسهلا أي أسهل مما كان قبل التغيير ويحذف التنوين إن كانت الكلمة منونة ثم استثنى من هذا أن يكون الساكن قبل الهمز ألفا فقال:
سوى أنّه من بعد ما ألف جرى ... يسهّله مهما توسّط مدخلا
لما انقضى الكلام في حكم ما يصح نقل الحركة إليه من السواكن انتقل إلى الكلام في حكم
(1/85)

ما لا يصح نقل الحركة إليه منها وقد تقدم أنه الألف على الإطلاق وحرفا المد واللين الزائدان وكلامه في هذا البيت في حكم الهمز الواقع بعد الألف في وسط الكلمة الذي لا يصح نقل حركته إلى الألف فأخبر أن حكمه التسهيل فإن كان مفتوحا سهل بين الهمزة والألف وإن كان مضموما سهل بين الهمزة والواو وإن كان مكسورا سهل بين الهمزة والياء
وذلك نحو «جاءهم وآباءهم وآباؤهم وآباؤكم ونساؤكم، وبأسمائهم، ولآبائهم، وغثاء، ودعاء، ونداء لأن الهمز في هذا متوسط لأجل لزوم الألف التي هي عوض من التنوين»، وقوله: سوى أنه معناه أن حمزة سهل الهمز المتحرك الجاري أي الواقع من بعد الألف مهما توسط مدخلا أي محلا ولا فرق في هذا الضرب بين ألف زائدة أو مبدلة من حرف أصلي ولذلك قال من بعد ألف جرى فأطلق وإذا سهلت الهمزة بعد الألف إن شئت مددت وإن شئت قصرت لأن الألف حرف مد قبل همز مغير. ثم ذكر المتطرفة فقال:
ويبدله مهما تطرّف مثله ... ويقصر أو يمضي على المدّ أطولا
كلامه في هذا البيت في حكم الهمز الواقع بعد الألف في طرف الكلمة التي لا يصح نقل حركته إلى الألف وذلك نحو جاء وشاء والسماء والماء والعلماء والسراء والضراء، فأخبر الناظم أن حمزة يبدله فقوله ويبدله مهما تطرف مثله أي مثل الألف ألفا والهاء في مثله تعود على الألف في قوله في البيت الذي قبل هذا من بعد ما ألف جرى وقوله ويقصر إلخ يعني أن الهمزة المتطرفة إذا سكنت للوقف أبدل منها ألفا وألف قبلها فاجتمع ألفان، فإما أن تحذف إحداهما فتقصر أي إن قدرنا أن المحذوف هي الأولى بقرينة ما يأتي ولا تمد أو تبقيهما لأن الوقف يحتمل اجتماع ساكنين فتمد مدا طويلا، ويجوز أن يكون متوسطا لقوله في باب المد والقصر وعند سكون الوقف وجهان أصلاه وهذا من ذلك، ويجوز أن تمد على تقدير حذف الثانية لأن حرف المد موجود والهمزة منوية فهو حرف مد قبل همز مغير، وإن قدر حذف الألف الأولى فلا مدّ والمد هو الأوجه وبه ورد النص عن حمزة من طريق خلف وغيره، وهذا كله مبني على الوقف بالسكون، فإن وقف بالروم كما سيأتي في آخر الباب فله حكم آخر، وإن وقف على اتباع الرسم أسقط الهمزة فيقف على الألف التي قبلها فلا يمد أصلا.
ويدغم فيه الواو والياء مبدلا ... إذا زيدتا من قبل حتى يفصّلا
لما انقضى كلامه في حكم الهمزة الواقعة بعد الألف انتقل إلى الكلام في حكم الهمزة الواقعة بعد الواو المضموم ما قبلها والهمزة الواقعة بعد الياء المكسور ما قبلها إذا كانتا زائدتين نحو «قروء وخطيئة وبريء والنسيء وهنيئا ومريئا فأخبر أن حمزة يبدل الهمزة الواقعة بعد الواو المذكورة واوا ويدغم الواو الزائدة في الواو المبدلة ويبدل الهمزة الواقعة بعد الياء المذكورة ياء ويدغم الياء الزائدة في الياء المبدلة وقوله: حتى يفصلا معناه حتى يفرق بين الزائد والأصلي فإن الواو والياء الأصليتين تنقل إليهما الحركة ويعرف الزائد من الأصلي بأن الزائد ليس بفاء الكلمة ولا عينها ولا لامها بل يقع ذلك بين ذلك وفي هذه الكلمات وقع بين العين واللام لأن قروء فعول وخطيئة فعيلة وبريء والنسيء فعيل وهنيئا ومريئا فعيلا والأصلي بخلافه نحو «هيئة، وشيء»، لأن وزنهما فعلة وفعل فهذا النوع تنقل
(1/86)

إليه الحركة كما تقدم وبعضهم أجرى الأصلي مجرى الزائد في الإبدال والإدغام وسيأتي ذلك في قوله: «وما واو وأصلي تسكن قبله»، أو الياء.
ويسمع بعد الكسر والضّمّ همزه ... لدى فتحه ياء وواوا محوّلا
لما انقضى كلامه في حكم الهمز المتحرك بعد أنواع الساكن انتقل إلى الكلام في حكم الهمز المتحرك بعد الحركة وهي تنقسم تسعة أقسام مفتوحة بعد الحركات الثلاثة نحو:
«سألتهم، ويؤيد، خاطئة»، ومكسورة بعد الحركات الثلاث نحو «خاطئين، وبئيس وسئلوا» ومضمومة بعد الحركات الثلاث نحو رءوسكم ورءوف ومستهزءون ذكر في هذا البيت قسمين من الأقسام التسعة وهما المفتوحة بعد الكسر نحو «خاطئة وناشئة ومائة فئة»، والمفتوحة بعد الضم نحو يؤيد ويؤلف ويؤخر ومؤجلا أخبر أن
حكمهما في التخفيف البدل تبدل الهمزة في النوع الأول ياء وفي الثاني واو فقال ويسمع أي ويسمع حمزة همزة المفتوح بعد الكسر ياء وبعد الضم واوا محولا من الهمز أي مبدلا منه.
وفي غير هذا بين بين ومثله ... يقول هشام ما تطرّف مسهلا
هذا في قوله وفي غير هذا إشارة إلى الهمز المفتوح بعد الكسر والضم والمراد بغيره الأقسام الباقية من التسعة وهي المفتوحة بعد الفتح والمكسورة بعد الحركات الثلاثة والمضمومة بعد الحركات الثلاث فأخبر أن الحكم في جميعها أن تجعل الهمزة بين بين يعني أن تجعل الهمزة بين لفظها وبين الحرف الذي منه حركتها فتجعل الهمزة المفتوحة بعد الفتحة نحو «سأل، ومآرب، وتأذن» بين الهمزة والألف، وأما الهمزة المكسورة الواقعة بعد الحركات الثلاث فمثالها بعد الفتحة يومئذ وبعد الكسرة خاسئين وبعد الضمة سئلوا فتسهيلها بين الهمزة والياء في الأنواع الثلاثة، وأما الهمزة المضمومة الواقعة بعد الفتحة نحو «رءوف» وبعد الكسرة نحو «فمالئون» وبعد الضمة نحو «برءوسكم» فتسهيلها بين الهمزة والواو في الأحوال الثلاثة فهذه أصول مذهب حمزة في تخفيف الهمز على ما اقتضته لغة العرب ثم قال ومثله يقول هشام ما تطرف أي ومثل مذهب حمزة مذهب هشام فيما تطرف من الهمز أي كل ما ذكرناه لحمزة في الهمزة المتطرفة فمثله لهشام ويقع في النسخ مثله بضم اللام ونصبها أجود، ومسهلا حال من هشام أي راكبا للسهل. ثم ذكر فروعا للقواعد المتقدمة وقع فيها الخلاف فقال:
ورئيا على إظهاره وادّغامه ... وبعض بكسر الها لياء تحوّلا
كقولك أنبئهم ونبّئهم وقد ... رووا أنّه بالخطّ كان مسهّلا
يريد «أحسن أثاثا ورئيا» أي على إظهاره قوم وعلى إدغام قوم آخرون وقياس تخفيف همزه أن يفعل فيه ما تقدم من إبدال الهمزة ياء ساكنة لسكونها بعد الكسر وإذا فعل ذلك
اجتمع فيه ياءان ففيه حينئذ وجهان فروي الإدغام لأنه قد اجتمع مثلان أولهما ساكن ولأنه رسم بياء واحدة وروي الإظهار نظرا إلى أصل الياء المدغمة وهو الهمز لأن البدل عارض والحكم في تؤوي وتؤويه بعد الإبدال كالحكم في رئيا لاجتماع واوين وقد نص في التيسير على ذلك ولم يذكره الناظم لما في رئيا من التنبيه عليه ثم قال «وبعض بكسر الها لياء تحولا»، كقولك: أنبئهم ونبئهم. أخبر أن بعض أهل الأداء يكسرها الضمير المضمومة لأجل ياء قبلها تحولت تلك الياء عن همزة أي أبدلت الهمزة الساكنة المكسور ما قبلها ياء على ما تقدم
(1/87)

ومثل بأنبئهم بالبقرة ونبئهم بالحجر والقمر فيقول أنبيهم ونبيهم بكسر الهاء وقبلها ياء ساكنة كما يقول فيهم ويزكيهم، ويفهم مما ذكر أن البعض الآخر يبقون الهاء على ما كانت عليه من الضم لأن الياء قبل هاء عارضة في الوقف فحصل في أنبئهم ونحوه وجهان صحيحان وهاتان المسألتان رئيا وأنبئهم فرعان لقوله: فأبدله عنه حرف مد مسكنا، ثم ذكر قاعدة أخرى مستقلة فقال: وقد رووا أنه بالخط كان مسهلا يعني أن حمزة كان يعتبر تسهيل الهمزة بخط المصحف على ما كتب في زمن الصحابة رضي الله عنهم وضابط ذلك أن ينظر في القواعد المتقدم ذكرها فكل موضع أمكن إجراؤها فيه من غير مخالفة للرسم لم يعدل إلى غيره نحو جعل بارئكم بين الهمزة والياء وإبدال همزة أبرئ ياء وإبدال همزة ملجأ ألفا وإن لزم منها مخالفة الرسم فتسهل على موافقة الرسم فاجعل همزة تفتؤا بين الهمزة والواو ومن نبأني بين الهمزة والياء ولا تبدلها ألفا وكان القياس على ما مضى ذلك لأنهما يسكنان للوقف وقبلهما فتح فيبدلان ألفا وهذا الوجه يأتي تحقيقه في قوله فالبعض بالروم سهلا. ثم بين كيفية اتباع الرسم فقال:
ففي اليا يلي والواو والحذف رسمه ... والأخفش بعد الكسر ذا الضّمّ أبدلا
بياء وعنه الواو في عكسه ومن ... حكى فيهما كاليا وكالواو أعضلا
معنى يلي يتبع يعني أن حمزة يتبع رسم المصحف في الياء والواو والحذف فما كان صورته ياء أبدله ياء وما كان صورته واوا أبدله واوا، وما لم يكن له صورة حذفه فيقول نسايكم وأبنايكم ومويلا بياء خالصة ويقول نساوكم وأبناؤكم ويذروكم بواو خالصة، وأما الحذف ففي كل همزة بعدها واو جمع نحو فمالون وبطون ومستهزون، وإنما ذكر هذه الأقسام الثلاثة ولم يذكر الألف وإن كان تصويره كثيرا لأن تخفيف كل همزة صورت ألفا على القواعد المتقدمة لا يلزم منه مخالفة الرسم لأنها إما أن تسهل بين الهمزة والألف نحو سأل أو تبدل ألفا نحو ملجأ وهذا موافق للرسم وإنما تجري المخالفة في رسمها بالياء والواو وفي عدم رسمها، وقد بينت المخالفة في الياء والواو في كلمتي تفتؤا ومن نبأ. ثم بين الناظم مذهب الأخفش النحوي، وهو أبو الحسن سعيد بن مسعدة وهو الذي يأتي ذكره في سورة الأنعام وغير الذي ذكره في سورة النحل فقال: والأخفش بعد الكسر ذا الضم أبدلا بياء، أخبر أن الأخفش كما يبدل ذا الضم يعني الهمز المضموم إذا وقع بعد الكسر ياء نحو أأنبئكم
وسنقرئك ومستهزءون ونحوه بياء مضمومة خالصة وقوله وعنه الواو في عكسه: أي وعن الأخفش إبدال الواو في عكس ذلك وهو أن تكون الهمزة مكسورة بعد ضم وهو عكس ما تقدم فيقول سولوا ونحوه بواو خالصة وهما من الأقسام التسعة التي تقدم أن الحكم فيها أن تجعل بين بين فتكون في القسم الأول بين الهمزة والواو، وفي القسم الثاني بين الهمزة والياء وهو مذهب سيبويه وخالفه الأخفش فيهما فأبدلها في القسم الأول ياء وفي الثاني واوا فتصير مواضع الإبدال على قول الأخفش أربعة هذان القسمان وقسمان وافق فيهما سيبويه وهما المذكوران في قوله:
«ويسمع بعد الكسر والضم همزه»، ثم قال: ومن حكى فيهما أي في المضمومة بعد الكسر والمكسورة بعد الضم كالياء وكالواو أي يجعل المضمومة كالياء والمكسورة كالواو أي تسهل كل واحدة منهما بينها وبين حرف من جنس حركة ما قبلها لا من جنس حركتها فمن حكى ذلك أعضل
(1/88)

أي أتى بمعضلة وهو الأمر الشاق لأنه جعل همزة بين بين مخففة بينها وبين الحرف الذي منه حركة ما قبلها والوجه تدبيرها بحركتها. ثم بين شيئا من مواضع الحذف فقال:
ومستهزءون الحذف فيه ونحوه ... وضمّ وكسر قبل قيل وأخملا
هذا مفرع على القول بالوقف على رسم المصحف، وقد عرف مما تقدم تسهيل الهمزة المضمومة المكسور ما قبلها وإنما أراد بهذا البيت بيان الحركة لما قبل الواو بعد حذف الهمزة وهذه مسألة ليست في التيسير وقوله: ومستهزءون الحذف فيه ونحوه. أخبر رحمه الله أن مستهزون ذكر فيه الحذف لأن الهمزة فيه ليس لها صورة ومحلها بين الواو والزاي والواو المرسوم فيه واو الجمع قوله ونحوه يعني أن كل همزة مضمومة ليس لها صورة قبلها كسرة وبعدها واو نحو «ليطفوا، وليواطوا، ويستنبونك، وخاطون»، وما أشبه ذلك فإن فيه الحذف بناء على ما تقدم من أنواع الرسم، وقوله: وضم وكسر قبل قيل يعني قيل بالضم قبل الواو وقيل بالكسر قبل الواو أيضا أخبر أن في ذلك وجهين بعد حذف الهمزة وذلك أن الهمزة إذا حذفت على ما روي من حذف الهمز الذي ليس له صورة بقيت الواو ساكنة قبلها كسرة فمن الناس من يحرك الحرف المكسور بالحركة التي كانت على الهمزة وهي الضمة ومنهم من يبقيه مكسورا على حاله وقوله وأخملا قال السخاوي يعني هذين المذهبين المذكورين وإنما أخملا لأن حركة الهمزة ألقيت على متحرك وفي الوجه الآخر أنها واو ساكنة قبلها كسرة وليس ذلك في العربية اه كلامه، أما هذا الوجه أعني الواو الساكنة المكسور ما قبلها فحقيق بالإخمال وهو الذي أراد الناظم وأما ضم ما قبل الواو فوجه جيد وعليه قرأ نافع والصابون فلا وجه لإخمال هذا الوجه، فالألف في أخملا للإطلاق لا للتثنية. والخامل: الساقط الذي لا نباهة له فقد اجتمع في مستهزءون ونحوه خمسة أوجه ما بين مستعمل ومتروك: أحدها
تسهيل الهمزة على ما تقدم أولا بين الهمزة والواو وهو مذهب سيبويه. والثاني إبدال الهمزة ياء مضمومة وهو مذهب الأخفش. والثالث تسهيلها بين الهمزة والياء وهو الذي حكى أن صاحبه أعضل. والرابع حذف الهمزة وتحريك الحرف الذي قبلها بحركتها والخامس حذف الهمزة وإبقاء ما قبلها على حاله من الكسر، وهذان الوجهان المخلان على رأي بعضهم، وقال الفاسي ويتأتى في ذلك وجه سادس إبدال الهمزة واوا مضمومة وذلك أن هذا النوع رسم بواو واحدة، واختلف فيها فقيل هي صورة الهمزة وواو الجمع محذوفة وقيل هي واو الجمع وصورة الهمزة محذوفة فيجوز على اعتماد أنها صورة الهمزة إبدالها واوا فيقول مستهزون كما يقال أبناوكم ونساوكم على الوجه المذكور في اتباع الخط.
وما فيه يلقى واسطا بزوائد ... دخلن عليه فيه وجهان أعملا
كما ها ويا واللّام والبا ونحوها ... ولا مات تعريف لمن قد تأمّلا
الهمز المتوسط على قسمين: متوسط لا ينفصل من الحرف الذي قبله نحو الملائكة وأبناؤكم ونساؤكم فوجهه التسهيل على ما تقدم بلا خلاف. والقسم الآخر متوسط بسبب ما دخل عليه من الزوائد وهو المشار إليه بقوله وما فيه: أي وما في الهمز يلفي أي يوجد أي واللفظ الذي فيه يوجد الهمز متوسطا بسبب حروف زوائد دخلن عليه واتصلن به خطأ أو لفظا ففي الوقف عليه لحمزة وجهان مستعملان وهما التحقيق والتخفيف ولا ينبغي أن يكون الوجهان إلا تفريعا على قول من
(1/89)

لا يرى تخفيف الهمزة المبتدأة لحمزة المأخوذ من قوله وعن حمزة في الوقف خلف، أما من يرى ذلك فتسهيله لهذا أولى لأنه متوسط صورة ثم أتى بأمثلة الزوائد المشار إليها فقال كما هاويا، وما في قوله كما زائدة: أي الزائد من لفظ ها وياء أما ها ففي هؤلاء وها أنتم ويا نحو «يا أيها، ويا آدم، ويا إبراهيم ويا أخت»، واللام نحو لَأَنْتُمْ أَشَدُّ [الحشر: 13] ولِأَبَوَيْهِ [النساء: 11] ولَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [آل عمران: 158]، والياء نحو بأنهم وبآخرين ولبإمام وفبأي وقوله ونحوها أي ونحو هذه الزوائد الواو نحو وأنتم وأمر والفاء نحو «فآتوهن، وفآمنوا، وفأووا، وفأنت»، والكاف نحو «كأنهم فكأنها وكأنهن»، والسين نحو سَأُرِيكُمْ [الأعراف: 145]، [الأنبياء: 37] وسَأَصْرِفُ [الأعراف: 146]، والهمزة نحو «أأنذرتهم، وأ ألد، وأ ألقي»، فجميع هذه الأمثلة ونحوها فيها وجهان التحقيق والتخفيف بحسب ما تقتضيه حركة الهمزة وحركة ما قبلها من أنواع التخفيف على ما تقدم، وقوله: ولا مات تعريف يريد به نحو الأرض والإنسان والأولى والأخرى ففي جميع ذلك التحقيق والنقل وهذا مفهوم من قوله وعن حمزة في الوقف خلف ولكنه ذكره هنا ليعلم أنه من هذا النوع فلهذا قال لمن قد تأملا.
توضيح: المراد بالزوائد المشار إليها ما إذا حذف بقيت الكلمة بعد حذفه مفهومة نحو ما ذكرته من الأمثلة هنا، فأما إذا بقيت الكلمة بعد حذفه غير مفهومة نحو «يؤمن، ويؤتى،
ويؤيد، والمؤمنون، والمؤتون، ومؤجلا»، فلا خلاف في تحقيق الهمز في ذلك كله على ما سبق والهمز في نحو «وأمر، وفأووا»، ابتداء باعتبار الأصل ومتوسطا باعتبار الزائد الذي اتصل به وصار كأنه منه بدليل أنه لا يتأتى الوقف عليه وقد يشتبه به نحو الَّذِي اؤْتُمِنَ [البقرة: 283] ويا صالِحُ ائْتِنا [الأعراف: 77] والْهُدَى ائْتِنا [الأنعام: 71]، لأن الكلمة التي قبل الهمزة قامت مقام الواو والفاء في وأمر وفأووا، فإن قيل ما الحكم في هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: 19]، قيل التسهيل بلا خلاف لأن همزة هاؤم متوسطة لأنها من تتمة كلمتها بمعنى خذ ثم اتصل بها ضمير الجماعة ويوقف على هاؤم على الرسم وهاؤمو على الأصل لأن الواو حذفت في الوصل للساكن بعدها.
واشمم ورم فيما سوى متبدّل ... بها حرف مدّ واعرف الباب محفلا
أمر بالإشمام والروم لحمزة وهشام فيما لا تبدل الهمزة المتطرفة فيه حرف مد ولين يعني أن في كل ما قبله ساكن غير الألف الروم والاشمام وهو نوعان أحدهما ما ألقى فيه حركة الهمزة على الساكن نحو «دفء والمرء والسوء»، والثاني ما أبدل فيه الهمزة حرفا وأدغم فيه ما قبله نحو «قروء وشيء» وكل واحد من هذين النوعين قد أعطى حركة فترام تلك الحركة وضابطه كل همز طرف قبله ساكن غير الألف وأما ما يبدل طرفه بالهمز حرف مد ولين ألفا أو واوا أو ياء سواكن وقبلهن حركات من جنسهن نحو «الملأ ولؤلؤ والبارئ ويشاء والسماء والماء»، فلا يدخله روم ولا إشمام لأن الألف والواو والياء فيه كألف يخشى وياء يرمي وواو يغزو وضابطه كل
همز طرف قبله متحرك أو ألف، وقوله: واشمم معناه حيث يصح الإشمام من المرفوع والمضموم ورم معناه حيث يصح الروم من المرفوع والمضموم والمجرور والمكسور، وقوله فيما سوى متبدل بها حرف مد فيما سوى طرف متبدل الهمز فيه حرف مد وقوله واعرف الباب محفلا أي مجتمعا ومحفل القوم مجتمعهم أي هذا الباب موضع اجتماع تخفيف الهمز عن حمزة:
وما واو اصلي تسكّن قبله ... أو اليا فعن بعض بالإدغام حمّلا
قد تقدم أن الواو والياء الساكنتين قبل الهمز المتحرك ينقسمان إلى زائد وأصلي وأن حكم
(1/90)

الزائد إبدال الهمزة بعده حرفا مثله وإدغامه فيه نحو «قروء وخطيئة» وأن حكم الأصلي أن تنقل حركة الهمزة سواء كان حرف لين نحو «سوأة» وكهيئة أو حرف مد ولين نحو «السوأى وسيئت» وأتى في الواو والياء الأصليتين هنا بوجه آخر فأخبر في هذا البيت أن من الرواة من نقل عنه إجراء الأصلي مجرى الزائد فيوقف على ذلك سوة وهية والسوى وسيت بالبدل والإدغام حملا أي نقل عن حمزة رحمه الله:
وما قبله التّحريك أو ألف محرّ ... ركا طرفا فالبعض بالرّوم سهّلا
ومن لم يرم واعتدّ محضا سكونه ... وألحق مفتوحا فقد شذّ موغلا
كلامه فيما امتنع رومه وإشمامه على ما تقدم بيانه وهو إذا كان الهمز طرفا متحركا وقبله حركة نحو بدأ ويبدئ ويبدأ أو كان طرفا محركا وقبله ألف نحو السماء والماء والدعاء فحكمه أن يبدل حرف مد ولين من جنس الحركة التي قبله بعد تقدير سكونه للوقف على ما تقدم وهو مذهب سيبويه وقد ذكر الناظم النوع الأول في قوله: «فأبدله عنه حرف مد مسكنا»، والنوع الثاني في قوله: «ويبدله مهما تطرف مثله»، وذكر هنا وجها آخر، وهو الروم وهو ما روى سليم عن حمزة أنه كان يجعل الهمزة في جميع ذلك بين بين أي بينها وبين الحرف المجانس لحركتها ولا يتأتى ذلك إلا مع روم الحركة لأن الحركة الكاملة لا يوقف عليها ولأن الهمزة الساكنة لا يتأتى تسهيلها بين بين لما تقدم. ثم لأهل الأداء فيما روي من هذا الوجه ثلاثة مذاهب: منهم من رده ولم يعمل به واعتل بأن الهمزة إذا سهلت بين بين قربت من الساكن وإذا قربت من الساكن كان حكمها حكم الساكن فلا يدخلها الروم كما لا يدخل الساكن فلم يرم المفتوحة ولا المكسورة ولا المضمومة واقتصر في الجميع على البدل ومنهم من يعمل بعموم ما روي من ذلك في الحركات الثلاث واعتل بأن الهمزة المسهلة بين بين وإن قربت من الساكن فإنه يزنه بزنة المتحرك بدليل قيامه مقامه في الشعر وإذا كان بزنة المتحرك جاز رومه واعتذر عن روم المفتوح لأنه دعت الحاجة إليه عند إرادة التسهيل مع جوازه في العربية ومنهم من اقتصر فأجاز ذلك في الضم والكسر دون الفتح واحتج بجوازه فيهما وهو الوجه المختار من الأوجه الثلاثة فقول الناظم وما قبله التحريك أو ألف محركا طرفا يعني به النوعين المذكورين نحو بدأ ويبدأ ويبدئ ونحو السماء والماء والدعاء وقوله: فالبعض بالروم سهلا يعني به حيث يصح الروم وأطلق اللفظ وهو يريد ما ذكرناه وهذا الوجه المذكور وهو الذي اقتصر عليه من قال به ولذلك قدمه. قوله ومن لم يرم يعني في شيء من الحركات الثلاث لما ذكرناه من العلة وإليه أشار الناظم بقوله واعتد محضا سكونه لأنه لما أعطاه حكم الساكن كان عنده من جملة السواكن في الحكم وقوله والحق مفتوحا فيه حذف والتقدير ومن الحق المفتوح بالمضموم والمكسور في الروم فقد شذ موغلا أي مبعدا في شذوذه وأصل الإيغال الإبعاد في السير والإمعان فيه فحاصله أنه نقل في المخصص ثلاث مذاهب: الأول روم الضم والكسر وإسكان الفتح وهو معنى قوله فالبعض بالروم سهلا. والثاني الوقف بالسكون في الضم والكسر والفتح وهو معنى قوله: ومن لم يرم واعتد محضا سكونه. الثالث: الروم في الأحوال الثلاثة وهو معنى قوله والحق مفتوحا أي بالمضموم والمكسور وهذان المذهبان اللذان غلا من قال بهما وهما زائدان على التيسير.
(1/91)

وفي الهمز أنحاء وعند نحاته ... يضيء سناه كلّما اسودّ أليلا
أي روي في تخفيف الهمز وجوه كثيرة وطرائق متعددة، والأنحاء المقاصد والطرائق واحدها نحو: وهو القصد والطريقة وقد ذكر الناظم رحمه الله من تلك الطرق أشهرها وأقواها لغة ونقلا، وقد ذكر شيئا من الأوجه الضعيفة ونبه على كثرة ذلك في كتب غيره
والهاء في نحاته وسناه للهمز أي يضيء ضوءه عند النحاة لمعرفتهم به وقيامهم بشرحه كل ما اسود عند غيرهم لأن الشيء الذي يجهل كالمظلم عند جاهله واستعار الإضاءة للوضوح عند العلماء والاسوداد للغموض عند الجاهلين، والأليل: الشديد السواد يقال ليل أليل ولائل:
أي شديد الظلمة.

باب الإظهار والإدغام
قدم الإظهار على الإدغام لأنه الأصل وهذا الإدغام هو الإدغام الصغير وأخره أول باب الإمالة وهو إدغام الحروف السواكن فيما قاربها. ثم ذكر مقدمة فقال:
سأذكر ألفاظا تليها حروفها ... بالإظهار والإدغام تروى وتجتلا
وعد رحمه الله بذكر ألفاظ يرتب أحكامها عليها والألفاظ هي الكلمات التي تدغم أواخرها السواكن هي لفظ إذ وقد وتاء التأنيث وهل وبل وقوله تليها حروفها أي يتبع كل لفظ منها الحروف التي تدغم أواخر هذه الألفاظ فيها وتظهر على اختلاف القراءة في ذلك، وإنما يذكر تلك الحروف في أوائل كلمات على حد ما مضى في شفا لم تضق وللدال كلم ترب سهل ونحو ذلك، وقوله: تروى أي تروى بالإظهار والإدغام وتجتلا أي وتكشف في كتب القراءات.
فدونك إذ في بيتها وحروفها ... وما بعد بالتّقييد قده مذلّلا
فدونك أي خذ إذ في بيتها وحروفها في أوائل الكلم التي تليها يعني أنه يذكر إذ وحروفها بعدها في بيت واحد، وقوله: وما بعد بالتقييد قده مذللا أي وما بعد البيت
الذي فيه إذ وحروفها قده إليك منقادا بالتقييد الذي تقدم ذكره أو بالتقييد الآتي ذكره فأما بالتقييد الذي تقدم ذكره فهو أنه إذا قال أظهر لفلان فإن الباقين يتعين لهم الإدغام وإذا قال أدغم لفلان فإن الباقين يتعين لهم الإظهار ومعنى قده مذللا أي خذ مسهلا بسبب التقييد الذي أبينه به وهو من قولهم بعير مذلل إذا كان سهل الانقياد وهو الذي خزم في أنفه ليطاوع قائده، وأما التقييد الآتي ذكره فهو قوله:
سأسمي وبعد الواو تسمو حروف من ... تسمّى على سيما تروق مقبّلا
اعلم أن هذه الترجمة تخالف بعض الترجمة الأولى التي بنيت عليها القصيدة أعني قوله: ومن بعد ذكري الحرف أسمي رجاله، فلأجل ذلك احتاج إلى بيانها لأن القاعدة في الرمز الصغير إذا انفرد إنما يذكره بعد حرف القرآن وتقييده في الغالب. وفي هذا الباب الأمر بالعكس أول ما يذكر أسماء القراء إما رمزا وإما صريحا ثم يأتي بعدها بواو فاصلة إيذانا بأن القراء انقضت رموزهم ثم يأتي بعد الواو بالحرف المختلف في الإظهار والإدغام فيه لمن تقدم ذكره قبل الواو، فقوله سأسمي معناه سأذكر أسماء القراء، ثم آتي بالواو ثم آتي بعد الواو بحروف من سميت من القراء يعني التي يظهر ذلك القارئ نحو ذال إذ عندها أو يدغم. واعلم أن هذا إنما يفعله فيمن لم يطرد أصله في إظهار
(1/92)

جميعها أو إدغامه، وأما من طرد أصله فإنه لم يسلك فيه هذا المسلك فليأت برمزه بعد الحرف وكذلك من صرح باسمه لم يأت بعده بالواو وإنما احتاج إلى الإتيان بالواو لئلا تلتبس أسماء القراء بالحروف المختلف فيها في الإظهار والإدغام فإذا صرح باسم القارئ عدم اللبس لأنه لا يجمع بين الرمز والصريح في مسألة واحدة في ترجمة واحدة كما تقدم بيانه. فحاصل الأمر أنه احتاج في هذا الباب إذا ذكر القارئ المفصل بالرمز إلى واوين فاصلتين الأولى بين القارئ والحروف والثانية بين المسائل وهذه الثانية هي المذكورة في قوله: «متى تنقضي آتيك بالواو فيصلا»، فهي دائرة في القصيد جميعه، وقوله: تسمو أي تعلو حروف من تسمى قبل الواو على سيما أي على علامة تروق مقبلا أي يروق تقبيلها والتقبيل للثغر استعاره هنا للعلامة.
ثم قال:
وفي دال قد أيضا وتاء مؤنّث ... وفي هل وبل فاحتل بذهنك أحيلا
أي وفي هذه الألفاظ افعل مثل ذلك، يعني أن اصطلاحه في دال قد وتاء التأنيث ولامي هل وبل كاصطلاحه في دال إذ، وقوله فاحتل فعل أمر من الحوالة، والذهن الفطنة:
أي فاحتل بفطنتك لما أخبرك بما رتبه من المعاني أحالك على استخراج ما لكل قارئ من الإظهار والإدغام، والأحيل: الكثير الحيل، يقال رجل أحيل إذا صدقت حيلته.

ذكر ذال إذ
نعم إذ تمشّت زينب صال دلّها ... سميّ جمال واصلا من توصّلا
كأنّ الناظم رحمه الله قدّر أن مستدعيا استدعى منه الوفاء بما وعده في قوله: سأذكر ألفاظا فقال مجيبا له نعم ثم أتى بإذ وحروفها الستة في بيت على ما وعد به وحروف إذ الستة هي أوائل الكلم الست التي تلي إذ وهي التاء من تمشت والزاي من زينب والصاد من صال والدال من دلها والسين من سمى والجيم من جمال، وأمثلتها على الترتيب فالتاء إذ تبرأ إذ تخلق ونحوه والزاي إذ زين وإذ زاغت ليس غيرهما والصاد وإذ صرفنا ولا ثاني لها والدال إذ
دخلوا بالحجر وص والذاريات وإذ دخلت جنتك ليس غيرها والسين لولا إذ سمعتموه ظن ولولا إذ سمعتموه قلتم ليس غيرهما والجيم وإذ جعلنا وإذ جاءتهم ونحوه والواو في قوله واصلا فاصلة وما بعدها تمم به البيت وصال بمعنى استطال والدل: الدلال، والسمي:
الرفيع:
فإظهارها أجرى دوام نسيمها ... وأظهر ريّا قوله واصف جلا
أخبر أن المشار إليهم بالهمزة والدال والنون في قوله: أجرى دوام نسيمها وهم نافع وابن كثير وعاصم أظهروا ذال إذ عند حروفها الستة وأتى بالرموز مؤخرة لعدم الالتباس، وقوله: وأظهر ريا إلى آخره. أخبر أن المشار إليهما بالراء والقاف في قوله ريا قوله وهما الكسائي وخلاد أظهرا الذال عند الجيم خاصة فتعين لهما الإدغام في باقي الحروف وأتى بما شرط من تقديم الرمز ثم أتى بالواو ثم أتى بالحرف المختلف في إدغامه والواو في وأظهر وفي واصف للفصل، والنسيم: الريح الطيبة، والريا، بالقصر. الرائحة الطيبة، وجلا أي كشف:
(1/93)

وأدغم ضنكا واصل توم درّه ... وأدغم مولى وجده دائم ولا
أخبر رحمه الله أن المشار إليه بالضاد في قوله: ضنكا وهو خلف أدغم في التاء والدال فتعين له الإظهار عند الأربعة الباقية، وقوله: وأدغم مولى إلى آخره أخبر أن المشار إليه بالميم من قوله مولى وهو ابن ذكوان أدغم في الدال فتعين له الإظهار عند الخمسة الباقية وتعين لباقي القراء وهما أبو عمرو وهشام إدغام ذال إذ في حروفها الستة والواو في وأدغم في الموضعين وفي ولا للفصل والواو في واصل وفي وجده للفصل بين الرمز والحروف المختلف في إدغامها، والضنك: الضيق، والتوم: جمع تومة والتومة: خرزة تعمل من الفضة كالدرة والدر معروف، والمولى هنا الولي والوجد الغني والرواية بضم الواو وقد تكسر وعليه قرأ روح من وجدكم، والواو بكسر الواو: المتابعة.
توضيح: القراء في فصل ذال إذ على ثلاث مراتب: منهم من أظهرها عند حروفها الستة وهم نافع وابن كثير وعاصم ومنهم من أدغمها في حروفها الستة وهما أبو عمرو وهشام ومنهم من أظهرها عند بعضها وأدغم في بعضها وهم الكسائي وخلف وخلاد وابن ذكوان فأما الكسائي وخلاد فإنهما أظهراها عند الجيم وأدغماها فيما بقي، وأما خلف فإنه أدغم في التاء والدال وأظهر عند ما بقي وأما ابن ذكوان فإنه أدغم في الدال وأظهر عند ما بقي.

ذكر دال قد
وقد سحبت ذيلا ضفا ظلّ زرنب ... جلته صباه شائقا ومعلّلا
أتى بدال قد وحروفها في بيت واحد كما فعل في إذ، أي والحروف التي تدغم فيها دال قد وتظهر عندها هي هذه الثمانية المضمنة أوائل الكلم التي وليتها وهي السين من سحبت والذال من ذيلا والضاد من ضفا والظاء من ظل والزاي من زرنب والجيم من جلته والصاد من صباه والشين من شائقا وأمثلتها السين نحو قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ [المائدة: 102] ولَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ [آل عمران: 181]، [المجادلة: 1]، والذال وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [الأعراف: 179]، ليس غيره والضاد نحو فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا [النساء: 116، 136] ولَقَدْ ضَرَبْنا [الروم: 58]، [الزمر: 27]، والظاء نحو فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة: 231] ولَقَدْ ظَلَمَكَ [ص: 24]، والزاي وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ [الملك: 5]، ليس غيره ولجيم نحو قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: 173] ولَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ [التوبة: 128]، والصاد نحو وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ [آل عمران: 152] ولَقَدْ صَرَّفْنا [الإسراء: 89، 41]، والشين قَدْ شَغَفَها حُبًّا [يونس: 30]، ولا نظير له والواو في ومعللا فاصلة يقال علله إذا سقاه مرة بعد أخرى، وقوله: ضفا أي طال وقوله ظل يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا وقد يراد به مداومة الفعل والزرنب: شجر طيب الرائحة يعمل منه أنفس الطيب، والانجلاء:
الانكشاف، والصبا: اسم للريح الشرقية، وإنما سميت صبا لأنها تصبو لوجه الكعبة.
فأظهرها نجم بدا دلّ واضحا ... وأدغم ورش ضرّ ظمئان وامتلا
أخبر أن المشار إليهم بالنون والباء والدال في قوله نجم بدا دل وهم عاصم وقالون وابن كثير أظهروا دال قد عند حروفها الثمانية وأتى بالرموز مؤخرة لعدم الالتباس. قوله:
وأدغم ورش ضر ظمئان أخبر أن ورشا أدغم في الضاد والظاء فتعين له الإظهار فيما بقي وأتى باسمه صريحا فلم يحتج إلى الواو الفاصلة بين الاسم والحرف لعدم الالتباس والواو في واضحا وامتلا للفصل بين المسائل، وقد تكرر في الموضعين بواو وأدغم بعدهما في هذا البيت والذي بعده فحصل أربع واوات، والنجم
(1/94)

يكنى به عن العالم، وبدا معناه ظهر ودل من قولك دللته على كذا أي أرشدته، والواضح الظاهر البين: والضر سوء الحال، والظمآن:
العطشان وامتلا: من الامتلاء.
وأدغم مرو واكف ضير ذابل ... زوى ظلّه وغر تسدّاه كلكلا
أخبر رحمه الله أن المشار إليه بالميم في قوله مرو وهو ابن ذكوان أدغم دال قد في الضاد والذال والزاي والظاء فتعين له الإظهار عند الأربعة الباقية وأتى بما شرط من تقديم الرمز والإتيان بالواو ثم بحروف من رمزه والواو في واكف وفي وغر فاصلة وقوله: تسداه كلكلا تمم به البيت ولم يتعلق به حكم وقوله مرو اسم فاعل من أروى يروي، والواكف:
الهاطل: يقال وكف البيت أي هطل والضير: الضرر، والذابل: النحيف وزوى من زويت الشيء إذا جمعته ومنه الزاوية التي تزوي الفقراء أي تجمعهم. والظل معروف والوغر جمع
وغرة، وهي شدة توقد الحر، وتسدّاه أي علاه والكلكل: الصدر من أي حيوان كان ابن آدم أو غيره:
وفي حرف زيّنّا خلاف ومظهر ... هشام بصاد حرفه متحمّلا
أي اختلف عن ابن ذكوان في قوله: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [الملك:
5]، فروي عنه الإظهار والإدغام وقوله: ومظهر هشام إلى آخره أخبر أن هشاما أظهر لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ [ص: 24]، وليس في ص غير هذا الموضع فلهذا قال بص ولم يعينه فتعين لهشام الإدغام في السبعة الباقية وبقي من لم يسمعه في هذا الباب على الإدغام في الجميع، وهم أبو عمرو وحمزة والكسائي وقوله: متحملا حال أي تحمل هشام ذلك ونقله والهاء في حرفه تعود على هشام لأنه لم يظهر إلا في هذا الموضع فهو حرفه الذي اشتهر بإظهاره.
توضيح: القراء في دال قد على ثلاث مراتب: منهم من أظهرها عند حروفها الثمانية بلا خلاف، وهم قالون وابن كثير وعاصم. ومنهم من أدغمها في حروفها الثمانية بلا خلاف وهم أبو عمرو وحمزة والكسائي. ومنهم من أظهر عند بعضها وأدغم في بعضها وهم ورش وابن ذكوان وهشام. أما ورش فإنه أدغم في الضاد والظاء وأظهرها عند الستة الباقية وأما ابن ذكوان فإن الأحرف الثمانية عنده على ثلاث مراتب: منها أربعة أظهر عندها بلا خلاف وهي السين والصاد والجيم والشين، ومنها ثلاثة أدغم فيها بلا خلاف وهي الضاد والظاء والذال، ومنها حرف واحد اختلف عنه فيه وهو الزاي وأما هشام فإنه أظهر قال لقد ظلمك وأدغم في السبعة البواقي.

ذكر تاء التأنيث
وأبدت سنا ثغر صفت زرق ظلمه ... جمعن ورودا باردا عطر الطّلا
التاء في قوله: وأبدت هي تاء التأنيث أتى بها وحروفها الستة في بيت واحد وهي السين من سنا والثاء من ثغر والصاد من صفت والزاي من زرق والظاء من ظلمة والجيم من جمعن وأمثلتهما عند السين أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ [البقرة: 261]، والثاء كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 141]، ونحوه والصاد حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء: 90] ولَهُدِّمَتْ
(1/95)

صَوامِعُ [الحج: 40]، وليس غيرهما، والزاي كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ [الإسراء: 97]، لا غير والظاء نحو قوله تعالى: وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها [الأنعام:
138]، والجيم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ [الحج: 40] ووَجَبَتْ جُنُوبُها [الحج:
36]، ليس غيرهما، والواو في ورودا فاصلة وقوله باردا عطر الطلا لم يتعلق به حكم وإنما
تمم به البيت، والسنا: الضوء، والثغر: ما تقدم من الأسنان، وزرق جمع أزرق يوصف به الماء لكثرة صفائه، والظلم ماء الأسنان، والورود الحضور والعطر الطيب الرائحة والطلاء بالمد. ما طبخ من عصير العنب وقصره ضرورة:
فإظهاره درّ نمته بدوره ... وأدغم ورش ظافرا ومخولا
أخبر رحمه الله أن المشار إليهم بالدال والنون والباء من قوله: درّ نمته بدوره، وهم ابن كثير وعاصم وقالون أظهروا تاء التأنيث عند حروفها الستة وأخر الرمز لعدم الالتباس.
وقوله: وأدغم ورش ظافرا أخبر أن ورشا أدغم في الظاء خاصة فتعين له الإظهار عند الخمسة البواقي ولم يحتج إلى الواو الفاصلة لصريح الاسم، والنمو الزيادة والظافر الفائز والمخول المملك يقال خولك الله كذا أي ملكك إياه.
وأظهر كهف وافر سيب جوده ... زكيّ وفيّ عصرة ومحلّلا
وأظهر راويه هشام لهدّمت ... وفي وجبت خلف ابن ذكوان يفتلا
أخبر رحمه الله أن المشار إليه بالكاف في قوله كهف وهو ابن عامر أظهر تاء التأنيث عند ثلاثة أحرف السين والجيم والزاي والواو من قوله وافر ومن قوله وفيّ فاصلة وقوله وأظهر راويه أي راوي ابن عامر المسمى بهشام لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ [الحج: 40]، وقوله وفي «وجبت» خلف بن ذكوان. يعني أن الراوي الثاني عن ابن عامر وهو ابن ذكوان قرأ وَجَبَتْ جُنُوبُها [الحج: 36] بالإظهار والإدغام، وقوله: يفتلا من فليت الشعر إذا تدبرته، وإنما قال ذلك لأن الإظهار هو المشهور عن ابن ذكوان ولم يذكر في التيسير غيره.
توضيح: القراء في تاء التأنيث على ثلاث مراتب: منهم من أظهرها عند جميع حروفها وهم: عاصم وقالون وابن كثير، ومنهم من أدغمها في حروفها الجميع وهم أبو عمرو وحمزة والكسائي، ومنهم من أظهرها عند بعضها وأدغمها في بعضها وهما ورش وابن عامر فأما ورش فإنه أدغمها في الظاء خاصة وأظهرها عند الخمسة الباقية، وأما ابن عامر فإن الحروف المذكورة عنده على ثلاث مراتب: منها ما أظهر عنده قولا واحدا وهما السين والزاي، ومنها ما أدغم فيه قولا واحدا وهما الطاء والثاء، ومنها ما عنده فيه تفصيل وهما الصاد والجيم، فأما الصاد فإنه أدغم فيه بلا خلاف في قوله تعالى: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء: 90]، واختلف راوياه عنه في قوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ [الحج: 40]، فأظهر هشام وأدغم ابن ذكوان، وأما الجيم فإنه أظهر عندها بلا خلاف في نضجت جلودهم وأما وَجَبَتْ جُنُوبُها [الحج: 36]، فإنه أظهرها من رواية هشام وعنه فيها الإظهار والإدغام من رواية ابن ذكوان، وظاهر البيت ثناء على ابن عامر، أخبر الناظم عنه بأنه كهف تأوي إليه الناس وقوله: وافر سيب جوده أي زائد عطاء كرمه؛ وقوله: زكي وفيّ أي صادق الوعد عصرة أي ملجأ في وقت الشدة ومحللا أي منزله محل الضيف.
(1/96)

ذكر لام هل وبل
قدم هل على بل في الترجمة وعكس ذلك في البيت ليعطي كل واحد من الحرفين حظا من التقديم والتأخير فقال:
ألا بل وهل تروي ثنا ظعن زينب ... سمير نواها طلح ضرّ ومبتلا
أتى بلام بل وهل وحروفها الثمانية وهي التاء من تروي والثاء من ثنا والظاء من ظعن والزاي من زينب والسين من سمير والنون من نواها والطاء من طلح والضاد من ضر وأمثلتها عند التاء نحو بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً [الأنبياء: 40] وبَلْ تَحْسُدُونَنا [الفتح: 15]، والظاء بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ [الفتح: 12]، ليس غيره والزاي بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ [الرعد: 33] وبَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ [الكهف: 48]، ليس غيرها والسين بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [يوسف: 18، 83]، موضعان بيوسف ليس غيرهما. والنون قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا [لقمان: 21] وبَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة: 67]، ونحوه والطاء بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [النساء: 55]، والضاد بل ضَلُّوا عَنْهُمْ [الأحقاف: 28]، ولا ثاني له والثاء هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ [المطففين: 36]، ليس غيره والتاء هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا [المائدة: 59] وهَلْ تَعْلَمُ لَهُ [مريم: 65]، والنون هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ [الكهف: 103] وهَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ [الشعراء: 203].
تنبيه: ظاهر عبارة الناظم رحمه الله توهم أن كل واحدة تدغم في الثمانية وليس كذلك بل لام بل تدغم في سبعة النون والضاد والطاء والظاء والتاء والسين والزاي، ولام هل تدغم في ثلاثة النون والتاء والثاء ولام بل تختص بخمسة الضاد والطاء والظاء والزاي والسين وتختص هل بحرف الثاء ويشتركان في حرفين النون والتاء وقد نظم بعض الشراح على هذا التفصيل فأحسن حيث قال:
ألا بل وهل تروي نوى هل ثوى وبل ... سرى ظل ضر زائد طال وابتلا
أي لام هل وبل لهما التاء والنون ولهل وحدها الثاء ولبل الخمسة البواقي والظعن السير والسمير المحدث ليلا والنوى البعد والطلح الذي تعب وأعيا والضر ضد النفع والمبتلى المختبر.
فأدغمها راو وأدغم فاضل ... وقور ثناه سرّ تيما وقد حلا
أخبر رحمه الله أن المشار إليه بالراء في قوله راو وهو الكسائي أدغم لام هل وبل في حروفهما وأخر الرمز لعدم الالتباس وقوله: وأدغم فاضل إلخ أخبر أن المشار إليه
بالفاء في قوله فاضل وهو حمزة أدغم في الثاء والسين والتاء المشار إليهن في قوله ثناه سر تيما وأتى بما شرط من تقديم الرمز وتأخير الحروف المختلف فيها والواو في قوله وأدغم فاصلة بين
المسألتين والواو في قوله وقور فاصلة بين الحرف الدال على القارئ وبين الحروف المختلف في إظهارها وإدغامها. والوقور ذو الحلم والرزانة وتيما اسم قبيلة ينتسب إليها حمزة والواو في قوله وقد فاصلة وحلا تمم به البيت أي ثناء حمزة سر قومه وحلا.
وبل في النّسا خلّادهم بخلافه ... وفي هل ترى الإدغام حبّ وحمّلا
أخبر أن خلادا قرأ في سورة النساء قوله: بل طبع الله عليها بالإظهار والإدغام، وهذا معنى قوله: بخلافه وأتى باسمه صريحا فلم يحتج إلى الواو الفاصلة وقوله وفي هل ترى الإدغام حب. أخبر أن المشار إليه بالحاء في قوله حب وهو أبو عمرو وأدغم هل ترى من فطور بالملك وأدغم فهل ترى لهم من باقية في الحاقة وحملا أي نقل عن أبي عمرو.
(1/97)

وأظهر لدى واع نبيل ضمانه ... وفي الرّعد هل واستوف لا زاجرا هلا
أمر بالإظهار للمشار إليه باللام في قوله لدى وهو هشام عند الحرفين المذكورين بعد الواو وهما النون والضاد وعند التاء في حرف واحد بالرعد أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ [الرعد: 16]، ولم يدغمه أحد لأن حمزة والكسائي يقرءان يستوي بالياء المعجمة الأسفل وهم أصحاب الإدغام وقوله: واستوف لا زاجرا هلا كمل به البيت والواو في واع واستوف فاصلة أي استوف ما ذكرت لك من الفوائد غير زاجر بهلا وهي كلمة يزجر بها الخيل.
توضيح: القراء في لام هل وبل على ثلاث مراتب: منهم من أدغم في الجميع وهو الكسائي وحده ومنهم من أظهر الجميع وهم نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم ومنهم من أدغم في البعض وأظهر عند البعض وهم أبو عمرو وهشام وحمزة؛ أما أبو عمرو فإنه أدغم هل ترى بالملك والحاقة خاصة وأظهر عند البواقي خاصة، وأما هشام فإنه أظهر عند النون والضاد وعند التاء بالرعد خاصة وأدغم فيما سوى ذلك وأما حمزة فإنه أدغم في الثاء والسين والتاء وأدغم من رواية خلاد بخلاف عنه في الطاء من بل طبع في النساء.

باب اتفاقهم في إدغام إذ وقد وتاء التأنيث وهل وبل
إنما احتاج إلى ذكر اتفاقهم في هذه الكلمات لأنه قد وقع في بعضها اختلاف بين الرواة في الكتب المبسوطات غير هذا القصيد كإظهار دال عند التاء من طريق أبي حمدون والمروزي عن المسيبي نحو قد تبين وتاء التأنيث عند الدال فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ [الأعراف: 189]، ومحمد عنه في نحو فَآمَنَتْ طائِفَةٌ [الصف: 14]، والفضل بن شاهي عن حفص غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ [الكهف: 17]، والبرجمي عن أبي بكر لام بل وقل عند الراء نحو قوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء: 158] وقُلْ رَبِّي أَعْلَمُ [الكهف: 22]، كل هذا نقل فيه الإظهار.
ولما كان هذا ونحوه متفقا على إدغامه في هذا القصيد نبه عليه بقوله:
ولا خلف في الإدغام إذ ذلّ ظالم ... وقد تيّمت دعد وسيما تبتّلا
أخبر أنه لا خلاف في إدغام ذال إذ في الحرفين المذكورين في الكلمتين اللتين بعدها وهما الذال من ذل والظاء من ظالم نحو إذ ذهب وإذ ظلموا. قوله: وقد تيمت أي لا خلاف أيضا في إدغام دال قد في الحرفين المذكورين بعدها وهمت التاء من تيمت والذال من دعد نحو قد تبين وقد دخلوا. ومعنى تيمت أمرضت من الحب ودعد امرأة والوسيم الحسن الوجه والتبتل الانقطاع.
وقامت تريه دمية طيب وصفها ... وقل بل وهل رآها لبيب ويعقلا
أي لا خلاف في إدغام تاء التأنيث في الأحرف الثلاثة المذكورة بعدها وهي التاء من تريه والدال من دمية والطاء من طيب نحو فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: 16] وأُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما [يونس: 89] وفَآمَنَتْ طائِفَةٌ [الصف: 14]، والواو في وصفها فاصلة وقد تكررت. والدمية صورة تشبه المرأة، وقوله وقل بل وهل إلخ أي لا خلاف في إدغام اللام
من قل وبل وهل في الحرفين الأولين من الكلمتين اللتين بعدهن وهما الراء واللام من قوله رآها لبيب نحو قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ [الكهف: 22] و (قل للذين هل لكم)، (بل لا يكرمون) [الفجر: 17] وبَلْ رَبُّكُمْ [الأنبياء: 56]، وقوله: رآها بالقصر من غير همز ولبيب أي عاقل أي وهل رأى هذه الحسناء عاقل ويثبت عقله؟
(1/98)

وما أوّل المثلين فيه مسكّن ... فلا بدّ من إدغامه متمثّلا
أي إذا اجتمع حرفان متمثلان وسكن الأول منهما وجب إدغامه في الثاني لغة وقراءة وسواء كانا في كلمة نحو قوله تعالى: يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء: 78] أو في كلمتين نحو وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ [النحل: 53]، ولا يخرج من هذا العموم إلا حرف المد نحو آمنوا وعملوا الَّذِي يُوَسْوِسُ [الناس: 5]، فإنه واجب الإظهار فيمد ولا يدغم وقوله متمثلا أي متشخصا.

باب حروف قربت مخارجها
جميع ما سبق هو إدغام حروف قربت مخارجها فكأنه يقول في باب إدغام حروف أخر قربت مخارجها والمذكور في هذا الباب ثمانية أحرف الباء واللام والفاء والدال والتاء والراء والنون والذال وقد قدم الكلام في الباء فقال:
وإدغام باء الجزم في الفاء قد رسا ... حميدا وخيّر في يتب قاصدا ولا
أخبر أن الباء المجزومة تدغم في الفاء للمشار إليهم بالقاف والراء والحاء في قوله:
قد رسا حميدا وهم خلاد وأبو عمرو والكسائي، وجميع ما في القرآن خمسة مواضع أولها قوله تعالى: أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [النساء: 74]، إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ [الرعد: 5] وقالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ [الإسراء: 63] وقالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ [طه:97] ومَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ [الحجرات: 11] بالحجرات. ثم أخبر أن المشار إليه بالقاف من قاصدا وهو خلاد له وجه آخر وهو الإظهار في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ [الحجرات: 11] فأمرك أن تخير في إدغامه وإظهاره لأن الكل صحيح وتعين لمن لم يذكره الإظهار في الخمسة ومعنى رسا حميدا أي ثبت محمودا والولا بالفتح النصر:
ومع جزمه يفعل بذلك سلّموا ... ونخسف بهم راعوا وشذّا تثقّلا
أخبر أن اللام من يفعل إذا كان مجزوما يدغم في الذال من ذلك للمشار إليه بالسين في قوله سلموا وهو أبو الحارث وجميع ما في القرآن ستة مواضع أولها بالبقرة وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة: 231]، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران: 28] ووَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً [النساء: 30]، وفيها وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [النساء: 114]، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [الفرقان: 68] وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [المنافقون: 9]، وتعين للباقين الإظهار، فإن لم يكن
يفعل مجزوما لم يدغمه أحد نحو فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ [البقرة: 85]، وقوله:
ونخسف بهم راعوا. أخبر أن المشار إليه بالراء في قوله راعوا وهو الكسائي أدغم الفاء في الباء من نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ [سبأ: 9]، في سبأ فتعين للباقين الإظهار. ومعنى راعوا أي راقبوا الإدغام فقرءوا به. قوله: وشذا تثقلا الألف في قوله وشذا ضمير يفعل ونخسف أي وشذ إدغام هذين الحرفين عند النحاة إلا القراء لأن الشاذ عند القراء ما لم يتواتر وهذان تواترا»، والشاذ عند النحاة: ما خرج عن قياسه أو ندر.
وعذت على إدغامه ونبذتها ... شواهد حمّاد وأورثتمو حلا
له شرعه والرّاء جزما بلامها ... كو اصبر لحكم طال بالخلف يذبلا
أخبر أن المشار إليهم بالشين والحاء في قوله شواهد حماد وهم حمزة والكسائي وأبو عمرو أدغموا الدال في التاء من كلمتين إحداهما: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي [غافر: 27]، [الدخان: 20]، والثانية فَنَبَذْتُها [طه: 96] فتعين
(1/99)

للباقين الإظهار فيهن، والشواهد الأدلة والحماد الكثير الحمد، وقوله: وأورثتمو حلا له شرعه. أخبر أن المشار إليهم بالحاء واللام والشين في قوله حلاله شرعه وهم أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي أدغموا الثاء في التاء من (أورثتمو) [الأعراف: 43]، [الزخرف: 72]، فتعين للباقين الإظهار ومعنى حلا عذب والشرع الطريق وقوله والراء جزما بلامها إلخ. أخبر أن الراء المجزومة تدغم في اللام للمشار إليه بالطاء في قوله طال وهو الدوري بخلاف عنه أي للدوري الإظهار والإدغام وأن المشار إليه بالياء في قوله يذبلا وهو السوسي يدغم الراء في اللام بلا خلاف ومثل ذلك بقوله تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الطور: 48]، ونظيره أَنِ اشْكُرْ لِي [لقمان: 14] ويَغْفِرْ لَكُمْ [الحديد: 28] ونحوه. ويذبل: اسم جبل معروف.
وياسين أظهر عن فتى حقّه بدا ... ونون وفيه الخلف عن ورشهم خلا
أمر بإظهار النون من يس عند الواو من والقرآن وإظهار النون من هجاء نون عند الواو من والقلم للمشار إليهم بالعين والفاء والحاء والباء في قوله: عن فتى حقه بدا وهم حفص وحمزة وابن كثير وأبو عمرو وقالون ونون معطوف على قوله: ويس يعني أن الذين أظهروا يس والقرآن أظهروا نون والقلم ثم قال وفيه الخلف يعني في نون والقلم عن ورش وجهان:
الإظهار والإدغام وتعين للباقين الإدغام فيهما، وخلا أي مضى.
وحرميّ نصر صاد مريم من يرد ... ثواب لبثت الفرد والجمع وصّلا
أخبر أن المشار إليهم بحرمي وبالنون في قوله حرمي نصر وهم نافع وابن كثير وعاصم أظهروا الدال من هجاء صاد من كهيعص عند ذال ذكر وأظهروا الدال أيضا عند الثاء من قوله تعالى: يُرِدْ ثَوابَ [آل عمران: 145]، حيث وقع وأظهروا الثاء عند التاء من لبثت كيفما
تصرف فردا وجمعا نحو كَمْ لَبِثْتَ [البقرة: 259]، إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:
52]، وتعين للباقين الإدغام فيهن.
وطاسين عند الميم فاز اتّخذتمو ... أخذتم وفي الإفراد عاشر دغفلا
أخبر أن النون من هجاء طسم في أول الشعراء والقصص تظهر عند الميم للمشار إليه بالفاء في قوله: فاز وهو حمزة فتعين للباقين الإدغام، وقوله عند الميم احترز به من
طس تلك أول النمل فإنها مخفاة للكل كما سيأتي وقوله اتخذتم إلى آخره: أخبر أن الذال تظهر عند التاء فيما كان مسندا إلى ضمير الجمع نحو اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ [الجاثية: 35] وأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: 81]، وفي الإفراد نحو اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي [الشعراء: 29] ولَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ [الكهف: 77]، للمشار إليهما بالعين والدال في قوله عاشر دغفلا وهما حفص وابن كثير وتعين للباقين الإدغام. ودغفلا من قولهم عام دغفل، أي خصب.
وفي أركب هدى برّ قريب بخلفهم ... كما ضاع جا يلهث له دار جهّلا
وقالون ذو خلف وفي البقرة فقل ... يعذّب دنا بالخلف جودا وموبلا
أخبر أن إظهار الباء عند الميم من يا بنيّ اركب معنا للمشار إليهم بالهاء والباء والقاف في قوله هدى بر قريب، وهم البزي وقالون وخلاد بخلاف عنهم، أي لكل منهم الإظهار والإدغام وأن المشار
(1/100)

إليهم بالكاف والضاد والجيم في قوله كما ضاع جا وهم ابن عامر وخلف وورش أظهروا الباء عند الميم من أركب معنا بلا خلاف فتعين للباقين إدغامه وقوله يلهث له دار جهلا. أخبر أن إظهار الثاء من يلهث عند الذل في ذلك مثل القوم للمشار إليهم باللام والدال والجيم في قوله له دار جهلا وهم هشام وابن كثير وورش. ثم قال وقالون ذو خلف يعني أن قالون له في يلهث ذلك وجهان الإظهار والإدغام وتعين للباقين الإدغام.
والبر الصلاح وضاع أي انتشر من ضاع الطيب إذا فاحت رائحته ودار فعل أمر من داري يداري وجهلا جمع جاهل. وقوله وفي البقرة إلخ أمر بإظهار الباء عند الميم من يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [البقرة: 284]، بالبقرة للمشار إليه بالدال في قوله: دنا وهو ابن كثير بالخلف أي عنه وجهان الإظهار والإدغام، وللمشار إليه بالجيم في قوله جودا بلا خلاف وهو ورش أي عنه الإظهار لا غير وتعين للباقين الإدغام وسكن الناظم الهاء من البقرة ضرورة ودنا قرب.
والجود: المطر الغزير وموبلا من أو بل المطر إذا اشتد وقعه.

باب أحكام النون الساكنة والتنوين
هذا الباب أيضا من إدغام حروف قربت مخارجها. وأحكام جمع حكم وإنما جمع لأن للنون الساكنة والتنوين هنا أحكاما من الإظهار والإدغام والقلب والإخفاء، وقد أفردت لهما تصنيفا وقدم الكلام في الإدغام فقال:
وكلّهم التّنوين والنّون أدغموا ... بلا غنّة في اللّام والرّا ليجملا
أخبر أن القراء كلهم يعني السبعة أدغموا التنوين والنون الساكنة المتطرفة في اللام والراء من غير غنة نحو هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] وثَمَرَةٍ رِزْقاً [البقرة: 25] ولكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: 13] ومِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 5]، وقوله: ليجملا أي ليجملا في اللفظ بهما من غير كلفة وسيأتي بيان الغنة في باب مخارج الحروف.
وكلّ بينمو أدغموا مع غنّة ... وفي الواو واليا دونها خلف تلا
أخبر أن كل القراء السبعة أدغموا النون الساكنة والتنوين في حروف ينمو الأربعة وهي الياء والنون والميم والواو إدغاما مصاحبا للغنة فالياء نحو من يقول وبرق يجعلون والنون نحو من نور ويَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ [الغاشية: 8]، والميم نحو مِمَّنْ مَنَعَ [البقرة: 114] ومَثَلًا ما بَعُوضَةً [البقرة: 26]، والواو نحو مِنْ والٍ [الرعد: 1]، وغِشاوَةٌ [البقرة: 7]، [الجاثية: 23]، ولهم وقوله وفي الواو واليا إلخ أخبر أن خلفا قرأ بإدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء بدون غنة أي بغير غنة:
وعندهما للكلّ أظهر بكلمة ... مخافة إشباه المضاعف أثقلا
أمر رحمه الله بإظهار النون الساكنة لكل القراء عندهما أي عند الياء والواو وإذا جاءت النون قبلهما في كلمة واحدة نحو الدنيا وبنيان وقنوان وصنوان فلا يدخل التنوين في ذلك لأنه مختص بالأواخر ثم علل بقوله مخافة أشباه المضاعف يعني أن النون الساكنة إذا وقعت
مع الياء والواو في كلمة واحدة وأدغمت النون فيهما فإنه يشبه المضاعف الذي أدغم فيه الحرف في مثله فيصير لفظ صنوان صوان وبنيان بيان فيقع الالتباس ولم يفرق السامع بين ما أصله النون وبين ما أصله التضعيف فأبقيت النون مظهرة مخافة أن يشبه المضاعف في حال كونه ثقيلا والمضاعف هو الذي في جميع تصرفاته يكون أحد حروفه الأصول مكررا نحو حيان ورمان وشبه ذلك.
(1/101)

وعند حروف الحلق للكل أظهرا ... ألا هاج حكم عمّ خاليه غفّلا
أخبر أن النون الساكنة والتنوين أظهرا لكل القراء السبعة إذا كان بعدهما أحد حروف الحلق وسواء كان ذلك في كلمة أو في كلمتين، ثم بين حروف الحلق بأوائل هذه الكلمات وهي الهمزة من قوله: ألا والهاء من قوله هاج والخاء من قوله حكم والعين من قوله عم والخاء من قوله خاليه والغين من قوله غفلا، فمثال النون الساكنة والتنوين عند الهمزة من آمن وكل آمن وينأون وعند الهاء من هاجر وجرف هار ومنها وعنها وعند الحاء مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة: 22] ونارٌ حامِيَةٌ [القارعة: 11] ولِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: 2]، وعند العين وَمَنْ عاقَبَ [الحج: 60] وبُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: 18] وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: 7]، وعند الخاء من خزي يومئذ ويومئذ خاشعة والمنخنقة وعند الغين من غل قولا غير فسينغضون وشبه ذلك:
وقلبهما ميما لدى البا وأخفيا ... على غنّة عند البواقي ليكملا
أخبر أن النون الساكنة والتنوين يقلبان ميما عند الباء لجميع القراء إذا وقعت الباء بعدهما نحو من بعدهم وأنبئهم وصُمٌّ بُكْمٌ [البقرة: 18]، وقوله: وأخفيا على غنة إلخ الإخفاء حالة بين الإظهار والإدغام وهو عار من التشديد. أخبر أن النون الساكنة والتنوين يخفيان مع بقاء غنتهما عند باقي حروف المعجم غير الثلاثة عشر المتقدمة
وهي ستة الإدغام وستة الإظهار وواحد للقلب فالذي بقي من حروف المعجم خمسة عشر حرفا جمعتها في أوائل كلمات هذا البيت فقلت:
تلائم جادر ذكا زاد سل شذا ... صفا ضاع طاب ظل في قرب كملا
وهي التاء والتاء والجيم والدال والذال والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والفاء والقاف والكاف فهذه حروف الإخفاء لا خلاف بين القراء في إخفاء النون الساكنة والتنوين عند هذه الحروف وسواء اتصلت النون بهن في كلمة أو انفصلت عنهن في كلمة أخرى، فالإخفاء عند التاء نحو من تحتها وينتهون وجنات تجري، وعند الثاء نحو من ثمرة ومنثورا وجميعا ثم، وعند الجيم إن جاءكم فأنجيناكم وشيئا جنات وعند الدال نحو من دابة وأندادا وقنوان دانية وعند الذال نحو من ذكر ومنذرون وسراعا ذلك وعند الزاي فإن زللتم فأنزلنا ويومئذ زرقا، وعند السين أن سلام ومنسأته وعظيم سماعون، وعند الشين نحو
من شاء وينشأ وعليم شرع وعند الصاد نحو أن صدوكم وينصركم ورِيحاً صَرْصَراً [القمر: 19]، وعند الضاد نحو إن ضللت ومنضود وقوما ضالين وعند الطاء نحو وإن طائفتان وينطقون وقَوْماً طاغِينَ [الصافات: 30]، وعند الظاء نحو إِنْ ظَنَّا [البقرة:
230]، وينظرون وقوما ظلموا وعند الفاء نحو وإن فإنكم وانفروا وعمى فهم وعند القاف نحو لئن قلت ومنقلبون وشيء قدير وعند الكاف نحو من كان وينكثون وعادا كفروا وشبه ذلك فذلك خمسة عشر حرفا وخمسة وأربعون مثالا للإخفاء. وقوله: ليكملا أي الأحكام:

باب الفتح والإمالة وبين اللفظين
أي فتح الصوت لا الحرف والفتح هنا ضد الإمالة، وقدمه لأنه الأصل والإمالة فرع عنه فكل ما يمال يجوز فتحه وليس كل ما يفتح يجوز إمالته لأن الإمالة لا تكون إلا لسبب من الأسباب، وهي
(1/102)

تنقسم إلى كبرى وصغرى، فالكبرى متناهية في الانحراف والصغرى متوسطة بين اللفظين أي بين لفظ الفتح ولفظ الإمالة المحضة، وقد أفردت للإمالة تصنيفا مرتبا على سور القرآن:
وحمزة منهم والكسائيّ بعده ... أمالا ذوات الياء حيث تأصّلا
وحمزة منهم أي من السبعة والكسائي بعده يعني بعد حمزة لأنه قرأ عليه واختار بعده هذه القراءة. أخبر الناظم أن حمزة والكسائي أمالا ذوات الياء أي كل ألف منقلبة عن ياء من الأسماء والأفعال حيث تأصلا أي حيث كان الياء أصلا وانقلبت الألف عنه وهذا أحد أسباب الإمالة. وأسباب الإمالة عند القراء ثمانية كسرة موجودة في اللفظ أو عارضة في بعض الأحوال أو ياء موجودة في اللفظ أو انقلاب عنها أو تشبيه بالانقلاب عنها أو تشبيه بما أشبه المنقلب عن الياء أو مجاورة إمالة وجميعها راجعة إلى الكسرة والياء. الثامن أن تكون الألف رسمت بالياء وإن كان أصلها الواو. ولما توقفت الإمالة على معرفة أصل الألف ذكر له ضابطا فقال:
وتثنية الأسماء تكشفها وإن ... رددت إليك الفعل صادفت منهلا
أي تكشف لك ذوات الواو من ذوات الياء، يريد أنك إذا ثنيت الاسم الذي فيه الألف فإن ظهرت في التثنية ياء أملتها وإن ظهرت واوا لم تمل، وكذلك إذا وجدت في الفعل ألفا ورددته إلى نفسك فإن ظهرت واوا لم تمل وإن ظهرت ياء أملتها. وقوله: صادفت منهلا أي
وجدت مطلوبك شبه الطالب بالظمآن الذي يجد منهل الماء. ثم مثل فقال:
(1/103)

هدى واشتراه والهوى وهداهم ... وفي ألف التّأنيث في الكلّ ميّلا
أي بمثالين في الأفعال وهما هدى واشتراه ومثالين في الأسماء وهما الهوى وهداهم لأنك إذا رددت هدى إلى نفسك قلت هديت وكذلك اشترى تقول اشتريت وإذا ثنيت الأسماء تقول هويان وهديان، فعلمنا من هذه الأمثلة أن الألف لا بد أن تكون لاما في الأسماء والأفعال. ثم انتقل إلى الأصل الثاني فقال: وفي ألف التأنيث في الكل ميلا، يعني أن حمزة والكسائي أمالا ألفات التأنيث كلها والألف من قوله ميلا ضمير حمزة والكسائي.
ثم بين محل ألفات التأنيث فقال:
وكيف جرت فعلى ففيها وجودها ... وإن ضمّ أو يفتح فعالى فحصّلا
أي وجود ألف التأنيث في موزون فعلى ساكنة العين كيف جرت بضم الفاء وفتحها وكسرها فالذي بضم الفاء نحو الدنيا والأنثى والسوأى والأخرى والبشرى والكبرى والذي بفتح الفاء نحو التقوى والنجوى وشتى وأسرى وسكرى والذي بكسر الفاء نحو إحدى وسيماهم والشعرى والذكرى والحق بهذا الباب موسى ويحيى وعيسى، وقوله: وإن ضم أو يفتح فعالى أي وكذلك تجري ألف التأنيث في موزون فعالى أي بضم الفاء وفتحها فالذي بضم الفاء نحو سكارى وكسالى وفرادى والذي بفتح الفاء نحو اليتامى والأيامى والنصارى وقوله فحصلا أي فحصل ذلك والفاء ليست برمز:
(1/104)

وفي اسم في الاستفهام أنّى وفي متى ... معا وعسى أيضا أمالا وقل بلى
أخبر أن حمزة والكسائي أمالا كل اسم مستعمل في الاستفهام وهو أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: 223] وأَنَّى يَكُونُ لِي [آل عمران: 40، 47] وأَنَّى يُحْيِي هذِهِ [البقرة:
259] وأَنَّى لَكِ هذا [آل عمران: 37] وأَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [آل عمران: 40] وأَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ [آل عمران: 47] وقُلْتُمْ أَنَّى هذا [آل عمران: 165] وأَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة: 75] وفَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [الأنعام: 95] وأَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ [الأنعام: 101] وأَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة: 30] وأَنَّى يُصْرَفُونَ [يونس: 32] وفَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [يونس: 34] وقالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [مريم: 20] وفَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: 89] وفَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت: 61] ووَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ [سبأ: 52] و (فأنى يؤفكون) [فاطر: 3] وفَأَنَّى يُبْصِرُونَ [يس: 66]
وفَأَنَّى تُصْرَفُونَ
[الزمر:
6] و (فأنى يؤفكون) [غافر: 62] وأَنَّى يُصْرَفُونَ [غافر: 69] وفَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف: 87] وأَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى [الدخان: 13] وفَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ [محمد: 18] وأَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: 40] وأَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى [الفجر: 23]، فهذه جميع ما في القرآن وهي ثمانية وعشرون موضعا، وقوله: وفي متى معا وعسى إلخ،
يعني أن حمزة والكسائي أمالا متى وعسى وبلى حيث وقعن نحو متى هذا الوعد، وعسى ربكم، وبلى من كسب سيئة:
وما رسموا بالياء غير لدى وما ... زكى وإلى من بعد حتى وقل على
أي وأمال حمزة والكسائي كل ألف متطرفة كتبت في المصحف العثماني ياء في الأسماء والأفعال مما ليس أصله الياء بأن تكون زائدة أو عن واو في الثلاثي إلا ما يختص نحو: يا ويلتي ويا أسفي ويا حسرتي وضحى ولا تضحي ثم استثنى خمس كلمات اسم وفعل وثلاثة أحرف فلم تمل فالاسم الذي رسم بالألف في يوسف أعني لدا الباب واختلفت المصاحف فيه بغافر أعني لدا الحناجر فرسم في بعضها بالألف وفي بعضها بالياء، والفعل ما زكى منكم من أحد وهو من ذوات الواو بدليل قولك: زكوت فلم يمله أحد تنبيها على ذلك، والحروف إلى وحتى وعلى فلم تمل لأن الحرف لا حظ له في الإمالة. والله أعلم:
(1/105)

وكلّ ثلاثيّ يزيد فإنّه ... ممال كزكّاها وأنجى مع ابتلى
أي وأما حمزة والكسائي كل ألف هو لام الكلمة منقلب عن واو في الفعل والاسم زائدين على ثلاثة أحرف فصار رباعيا أو أكثر نحو ما مثل به قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس:
9]، فلما أنجاهم وإذ أنجاكم وفَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ [العنكبوت: 24] ونَجَّانَا اللَّهُ مِنْها [الأعراف: 89]، وإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ [البقرة: 124]، واستعلى، وفي المضارع نحو يتلى ويدعى، والاسم نحو الأدنى والأعلى وأزكى. والناظم لم يمثل الفعل المضارع ولا الاسم. فإن قيل من أين تأخذ العموم في الفعل المضارع والاسم قيل من قوله وكل ثلاثي يزيد فإنه يشمل الفعل الماضي والمضارع والاسم. فإن قيل تمثيله بالماضي فقط يقتضي اختصاص الحكم به. قيل الأصل العمل بالعموم. وما ذكرته لا يصح أن يكون مختصا ونبه بالأمثلة على إرادة اللام الواوية فلا يرد عليه نحو فَأَثابَهُمُ اللَّهُ [المائدة:
85]، فإن الألف فيه ليست لام الكلمة فلا تمال.
ولكنّ أحيا عنهما بعد واوه ... وفيما سواه للكسائيّ ميّلا
قوله: عنهما أي عن حمزة والكسائي أخبر أنهما أمالا أحيا إذا كان قبلها واو: يريد ويحيى من بالأنفال ونموت ونحيى بقد أفلح والجاثية وأَماتَ وَأَحْيا [النجم: 44] ولا يَحْيى، وسَبِّحِ [الأعلى: 1]. ثم قال: وفيما سواه للكسائي ميلا، أخبر أن الكسائي انفرد دون حمزة بإمالة ما سوى ذلك يريد فأحياكم وفأحيا به وثم أحياهم بالبقرة ومن أحياها بالمائدة، وفأحيا به الأرض بالنحل. والعنكبوت والجاثية، وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ [الحج: 66] وإِنَّ الَّذِي أَحْياها [فصلت: 39]، وكذلك إذا وقف على
قوله فكأنما أحيا الناس:
(1/106)

ورؤياي والرّؤيا ومرضات كيفما ... أتى وخطايا مثله متقبّلا
ومحياهمو أيضا وحقّ تقاته ... وفي قد هداني ليس أمرك مشكلا
أخبر رحمه الله أن الكسائي انفرد بإمالة رؤياي والرؤيا هاتين اللفظتين ومرضات كيفما أتى نحو مرضت الله ومرضاتي وخطايا مثله أي مثل مرضات كيفما أتت نحو خطاياكم وخطاياهم والإمالة في ألفاتها الأخيرة، وانفرد الكسائي أيضا بإمالة سَواءً مَحْياهُمْ [الجاثية: 21] وحَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: 102] وقَدْ هَدانِ [الأنعام: 80]، وقيده بقد احترازا من الذي في آخر السورة قُلْ إِنَّنِي هَدانِي [الأنعام: 161] ولَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [الزمر: 57]، فإن ذلك ممال لحمزة والكسائي على أصليهما. وقوله: ليس أمرك مشكلا كمل به البيت ولم يكن في البيتين رمز لأحد:
وفي الكهف أنساني ومن قبل جاء من ... عصاني وأوصاني بمريم يجتلا
وفيها وفي طس أتاني الّذي ... أذعت به حتى تضوّع مندلا
أي ومما انفرد به الكسائي دون حمزة إمالة وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [الكهف:
63]، ومن قبل يعني في سورة إبراهيم جاء وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:
36] وأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ [مريم: 31]، ويجتلا أي يكشف وفيها يعني في مريم آتانِيَ الْكِتابَ [مريم: 30] وفي طس يعني في النمل آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ [النمل: 36]، فهذه خمسة أفعال أمالها الكسائي دون حمزة. وقوله: الذي أذعت به حتى تضوع مندلا لم يتعلق به حكم وكمل به البيت وأذعت: أفشت وتضوع فاح، والمندل العود الهندي وليس في البيتين رمز لأحد:
وحرف تلاها مع طحاها وفي سجى ... وحرف دحاها وهي بالواو تبتلا
أي ومما انفرد بإمالته الكسائي أيضا تَلاها [الشمس: 2] وطَحاها [الشمس:
6] وسَجى [الضحى: 2] ودَحاها [النازعات: 30]، وقوله: وهي بالواو يعني أن ألفها منقلبة عن واو وما تقدم كانت ألفه عن ياء، ومعنى تبتلا: تختر:
(1/107)

وأمّا ضحاها والضّحى والرّبا مع ال ... قوى فأمالاها وبالواو تختلا
أخبر أن هذه الكلم الأربع اتفق حمزة والكسائي على إمالتها وأنها من ذوات الواو ونبه على ذلك بقوله وهي بالواو، يعني وَالشَّمْسِ وَضُحاها [الشمس: 1] والضُّحى وَاللَّيْلِ [الضحى: 1] والربا حيث وقع، والقوى بالنجم وتختلا من قولك: اختليت الحشيش: إذا حززته:
ورؤياك مع مثواي عنه لحفصهم ... ومحياي مشكاة هداي قد انجلا
أراد بقوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ [يوسف: 5] وأَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف:
23]، ومحياي بالأنعام ومشكاة بالنور وفَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ [طه: 123] وفَمَنْ تَبِعَ هُدايَ [البقرة: 38]، جميع هذا انفرد بإمالته حفص الدوري عن الكسائي دون أبي الحارث. وقوله: قد انجلا أي قد انكشف وليس في البيت رمز لأحد:
وممّا أمالاه أواخر آي ما ... بطه وآي النّجم كي تتعدّلا
وفي الشّمس والأعلى وفي اللّيل والضّحى ... وفي اقرأ وفي والنّازعات تميّلا
ومن تحتها ثمّ القيامة ثمّ في ال ... معارج يا منهال أفلحت منهلا
أخبر أن من جملة ما اتفق حمزة والكسائي على إمالته على الأصول المتقدمة رءوس الآي من إحدى عشرة سورة طه والنجم وسأل والقيامة والنازعات وعبس وسبح والشمس والضحى والليل والعلق ورتبها على ما تأتي له النظم، وآي جمع آية أراد الألفات التي هي أواخر الآيات مما جميعه لأم الكلمة سواء المنقلب فيها عن الياء والمنقلب عن الواو إلا ما سبق استثناؤه من أن حمزة لا يميله فأما الألف المبدلة من التنوين في الوقف نحو همسا وضنكا ونسفا وعلما وعزما فلا تمال لأنها لا تصير ياء في موضع، بخلاف المنقلبة عن الواو فإن الفعل المبني للمفعول تنقلب فيه ألفات الواو ياء فألفات التنوين كألف التثنية لا إمالة فيها نحو فَخانَتاهُما [التحريم: 10] وإِلَّا أَنْ يَخافا [البقرة: 229] واثْنَتا عَشْرَةَ [البقرة: 60]، وأما المنوّن من المقصور نحو هدى وسوى وسدى ففي الألف الموقوف عليها خلاف ويأتي ذكره في آخر الباب. وقوله: كي تتعدلا أي تتعدل آيها لما في إمالة جميعها من المناسبة وأتى بقوله تتعدلا بعد اي طه والنجم وهو مراده مع ما ذكر من الآي بعد ذلك في السور المذكورة وقوله تميلا أي تميل أواخر آي طه وَالنَّجْمِ [النجم: 1] والشَّمْسِ وَضُحاها [الضحى: 1] وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1] واللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل: 1] والضُّحى [الضحى: 1] واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: 1] والنَّازِعاتِ [النازعات: 1] ومن تحتها أي والتي تحت والنازعات وهي عبس ثم القيامة أي سورة لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [القيامة: 1]، ثم المعارج أي سورة سَأَلَ سائِلٌ [المعارج: 1]، وهذا الذي ذكره من إمالة رءوس الآي لا يظهر له فائدة على مذهب حمزة والكسائي لاندراجه في أصولهم المتقررة لهم
(1/108)

وتظهر فائدته على مذهب ورش وأبي عمرو حيث يميلان فيها ما لا يميلانه في غيرها. ثم كل من المميلين إنما يعتد بعدد بلده، فحمزة والكسائي يعتبران الكوفي وأبو عمرو يعتبر المدني الأول لعرضه على أبي جعفر نص عليه الداني وورش أيضا لأنه عن إمامه. واعلم أن الهاء من طه ليست آخر آية عند المدني والبصري وأمالها ورش وأبو عمرو باعتبار كونها حرف هجاء في فواتح السور كهاء مريم
ولهذا أمالاها إمالة محضة وسيأتي الكلام عليها في أول سورة يونس، وقوله: يا منهال أفلحت منهلا كمل به البيت. والمنهال: الكثير الإنهال، والإنهال إيراد الإبل المنهل والمنهال: الكثير العطاء، يقال أنهلت الرجل إذا أعطيته أي يا معطي العلم أفلحت أو كثرت منهلا أي معطيا.
رمى صحبة أعمى في الإسراء ثانيا ... سوى وسدى في الوقف عنهم تسبّلا
أخبر أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة أمالوا وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: 17] وفَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى [الإسراء: 72]، ثاني سبحان وفي الوقف مكانا سوى بطه وأَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة: 36]، وقوله: في الوقف عنهم أي عن حمزة والكسائي وشعبة إمالتهما في الوقف على خلاف يأتي وقوله: تسبلا أي أبيح:
وراء تراءى فاز في شعرائه ... وأعمى في الإسرا حكم صحبة أوّلا
أخبر أن المشار إليه بالفاء في قوله: فاز وهو حمزة أمال الراء من تراء الجمعان ويلزم من إمالة الراء إمالة الألف وقوله في شعرائه تقييد احترز به من تراءت الفئتان بالأنفال فإن الراء فيها لا تمال لأحد من السبعة وأصل تراء الجمعان تراءى على وزن تفاعل فألفه الأولى زائدة والأخيرة منقلبة عن ياء هي لام الكلمة وهو مرسوم في جميع المصاحف بألف واحدة بعد الراء واختلف في هذه الألف هل هي ألف تفاعل ولام الكلمة محذوفة أو لام الكلمة وألف تفاعل محذوفة على قولين؟ فحمزة يميل الراء والألف التي بعدها في الوصل والباقون لا إمالة عندهم في الوصل.
توضيح: أما قالون فلا إمالة له في تراءى الجمعان فإذا وقف يحقق الهمزة وينطق بألفين بينهما همزة محققة ويمد الألف التي قبل الهمزة لقوله: لقي الهمز طولا وكذلك يدخل معه بقية القراء غير ورش وحمزة والكسائي ولا تفاوت بينهم في المد من طريق الناظم رحمه الله أما ورش فله ستة أوجه لأي تراءى من ذوات الياء وله في إمالتها بين بين والفتح وجهان وله في حرف المد الواقع بعد الهمزة ثلاثة أوجه المد والتوسط والقصر مع كل من الإمالة والفتح فهذه ستة أوجه. واعلم أن ورشا إذا أمال فإنما يميل الألف الأخيرة والهمزة التي قبلها فقط وأما حمزة إذا وقف فله وجوه كثيرة منها أنه يسهل الهمزة بين بين ويميل الراء والألف التي قبل الهمزة والألف التي بعدها
اتباعا لإمالة فتحة
(1/109)

الهمزة المسهلة فيمد على هذا بعد الراء مدة مطولة في تقدير ألفين ممالين وهذا الوجه هو المختار. الوجه الثاني أن يحذف الهمزة المسهلة فيجتمع ألفان فيحذف إحداهما فتبقى ألف واحدة ممالة. الوجه الثالث إبقاء الألف الأخيرة على حذفها في الوصل فتكون الهمزة على هذا متطرفة فتقف له، ولهشام على هذا بإبدال الهمزة لهشام ألفا ولحمزة ياء لأنها سكنت للوقف وانكسر ما قبلها فتمد على تقدير ألف ممالة بعدها ياء ساكنة. الوجه الرابع تراينا بكسر الراء وإبدال الهمزة ياء وهو
ضعيف وأما الكسائي فإنه إذا وقف أمال الألف الأخيرة إمالة محضة وأمال فتحة الهمزة قبلها وهم على أصولهم في باب المد وقوله: «وأعمى في الأسرا حكم صحبه أولا». أخبر أن المشار إليهم بالحاء وصحبة في قوله حكم صحبة وهم: أبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة أمالوا أعمى أول موضعي سبحان وقوله: أولا ليس برمز وإنما هو بيان موضع أعمى:
وما بعد راء شاع حكما وحفصهم ... يوالي بمجراها وفي هود أنزلا
أخبر أن ما وقع بعد الراء من الالفات المتقدم ذكرها أعني مما انقلب عن الياء أو كان للتأنيث أو للإلحاق نحو القرى وأدرى، وقد نرى وأسرى وذكرى وبشرى أماله المشار إليهم بالشين، والحاء في قوله: شاع حكما وهم حمزة والكسائي وأبو عمرو، ونبه بقوله شاع حكما على شهرته عن العرب والقراء ثم قال وحفصهم: أخبر أن حفصا يواليهم أي يتابعهم ويوافقهم في إمالة مجراها في هود ولم يمل غيره:
ناي شرع يمن باختلاف وشعبة ... في الإسرا وهم والنّون ضوء سنا تلا
أخبر أن الألف من ونأي بجانبه في فصلت أمالاها المشار إليهما بالشين في قوله:
شرع وهما حمزة والكسائي بلا خلاف وأن المشار إليه بالياء في قوله: يمن وهو السوسي أمال الألف بخلاف عنه أي عنه وجهان الإمالة والفتح، والفتح عنه أشهر ثم قال: وشعبة في الإسرا وهم أي وأمال الألف من ونأى في سورة سبحان شعبة وهؤلاء المتقدم ذكرهم أي وهم حمزة والكسائي والسوسي يعني على ما تقدم للسوسي من الخلاف ثم قال والنون إلخ.
أخبر أن إمالة النون من ونأى في السورتين للمشار إليهم بالضاد والسين والتاء في قوله:
ضوء سنا تلا وهم خلف وأبو الحارث والدوري عن الكسائي.
توضيح: القراء على خمس مراتب في السورتين: قالون وابن كثير والدوري عن أبي عمرو وهشام وحفص عن عاصم وابن ذكوان على فتح النون والهمزة والألف في السورتين لكن ابن ذكوان يؤخر الهمزة عن الألف لأنهم لم يذكروا فتأخذ لهم ضد الإمالة وهو الفتح وورش يميل الألف والهمزة قبلها بين بين بخلاف عنه لأنهما من ذوات الياء، وخلاد بإمالة فتحة الهمزة فقط
(1/110)

في السورتين والسوسي أيضا، كذلك بخلاف عنه في السورتين وشعبة يميل الألف والهمزة قبلها في سبحان فقط وخلف والكسائي يميلان الألف والهمزة قبلها والنون في السورتين والشرع المذهب والطريقة واليمن البركة والسنا النور وتلا تبع يشير إلى أن إمالة النون تبع لإمالة الألف:
إناه له شاف وقل أو كلاهما ... شفا ولكسر أولياء تميّلا
أخبر أن المشار إليهم باللام والشين في قوله له شاف وهم هشام وحمزة والكسائي أمالوا الألف من ناظرين إناه، وأن المشار إليهما بالشين في قوله شفا وهما حمزة والكسائي
أما الألف من كلاهما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: 23]، ثم بين سبب الإمالة فقال ولكسر أولياء تميلا أي تميل الألف من كلاهما لوجود الكسرة أولا نقلا به عن ياء:
وذو الرّاء ورش بين بين وفي أرا ... كهم وذوات اليا له الخلف جمّلا
الرواية هنا وذو الراء ورش يمد الراء ورفع ورش من غير لام وفي يونس وذو الرا لورش قصر الراء وجر ورش بلام الجر. أخبر أن ورشا قرأ ذا الراء من ذوات الياء بين بين أي بين لفظي الفتح والإمالة المحضة وعنى بقوله وذو الراء ما كانت الألف الممالة المتطرفة بعد الراء نحو القرى والذكرى وبشرى وهو الذي أماله أبو عمرو جميعه وهو المأخوذ من قوله: وما بعد راء شاع حكما ولا يدخل في ذلك ما بعد راء ترآءى الجمعان فإنها ليست بمتطرفة. واعلم أن جميع ما أماله ورش عن نافع بين بين إلا الهاء من طه وقوله: وفي أراكهم وذوات الياء له الخلف. أخبر أن ورشا عنه خلاف في قوله تعالى: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً، روى عنه فيه وجهان: الفتح والإمالة بين بين ولم يختلف عنه في إمالة ما عداه مما فيه راء وكذلك اختلف عنه فيما كان من ذوات الياء من الأسماء والأفعال مما ليس فيه راء روى عنه فيه وجهان: الفتح والإمالة بين بين وليس يريد الناظم بقوله: وذوات الياء تخصيص الحكم بالألفات المنقلبات عن الياء فإن إمالة ورش أعم من ذلك فالأولى حمله على ذلك وعلى المرسوم بالياء مطلقا مما أماله حمزة والكسائي أو انفرد به الكسائي أو الدوري عنه أو زاد مع حمزة والكسائي في إمالة غيرهما نحو أعمى ورمى ونأى وإناه وفعلى وفعالى كيف تحركت الفاء وأنى ومتى وعسى وبلى وأزكى ويدعى وخطايا ومزجاة وتقاة وحق تقاته، والرؤيا كيف أتت ومحياي ومثواي وهداي كل هذا ونحوه لورش فيه وجهان:
الفتح والإمالة بين بين إلا كمشكاة ومرضاة ومرضاتي والربا حيث جاء فإن ورشا قرأها بالفتح لا غير، وأما أو كلاهما فالخلاف الواقع في لفظه يقتضي احتمال الوجهين أعني الفتح والإمالة بين بين وقيل فيه عن ورش بالفتح لا غير:
(1/111)

ولكن رءوس الآي قد قلّ فتحها ... له غير ما ها فيه فاحضر مكمّلا
أخبر أن ورشا أمال رءوس الآي في الإحدى عشرة سورة التي تقدم ذكرها لا يجري فيها الخلاف المذكور لورش بل قراءته فيها على وجه واحد وهو بين اللفظتين وعبر
عن ذلك بقوله: قد قل فتحها أي فتحها ورش فتحا قليلا وتقليل الفتح عبارة عن الإمالة بين بين ويستوي في ذلك ذوات الواو وذوات الياء ثم استثنى ما وقع فيه بعد الألف هاء مؤنث فقال غير ماها فيه يعني فإنه لا يعطي حكم آي السور المذكورة وإنما يعطي حكم ما سواها وحكم ما سواها أن يفتح ما كان من ذوات الواو قولا واحدا نحو عفا وشفا ويقرأ بين اللفظين ما كان من ذوات الياء وقبل ألفه راء قولا واحدا نحو ترى ويقرأ بالوجهين ما كان من ذوات الياء وليس قبل ألفه راء نحو هدى والهدى وليس في الآي المذكورة من ذوات الواو إلا
ضحاها وطحاها وتلاها ودحاها في اللغة الفاشية فتقرأ بالفتح وليس فيها من ذوات الياء وقبل ألفه راء وبعده هاء إلا ذكراها فتقرأ بين بين وما عدا ذلك فجميعه من ذوات الياء مما ليس قبل ألفه راء وذلك نحو بناها وسواها ومرعاها وشبه ذلك فتقرأ بالوجهين فهذه ثلاثة أقسام وقوله فاحضر مكملا: أي أحضر مجالس العلم بقلبك وقالبك لتنال الفوائد والله أعلم.
وكيف أتت فعلى وآخر آي ما ... تقدّم للبصري سوى راهما اعتلا
أخبر أن ما كان على وزن فعلى كيف أتت بفتح الفاء أو بكسرها أو بضمها نحو تقوى وإحدى ودنيا وآخر آي السور الإحدى عشرة المتقدم ذكرها كيف أتت من وجود ضمير المؤنث فيها أو عدمه نحو بناها وطحاها وفسوى وفهدى كل هذا ونحوه يقرأ لأبي عمرو بين بين ثم استثنى من
(1/112)

النوعين فقال سوى رآهما أي سوى ما وقع فيه الراء من فعلى وفعلى وفعلى بالحركات الثلاث في الفاء وآخر آي السور المذكورة نحو أسرى وذكرى وبشرى وتحت الثرى ومآرب أخرى ومن افترى وشبه ذلك فإنه اعتلى أي أماله أبو عمرو إمالة محضة على ما تقدم من ذلك في قوله: وما بعد راء شاع حكما والضمير في قوله: راهما يعود على فعلى وعلى أواخر الآي وقصر الراء في قوله: راهما ضرورة. فإن قيل من أين نأخذ الإمالة بين بين. قلت من موضعين من عطفه على قوله وذو الراء ورش بين بين ومن قوله سوى راهما.
ويا ويلتا أنّى ويا حسرتى طووا ... وعن غيره قسها ويا أسفى العلا
أخبر أن المشار إليه بالطاء في قوله: طووا وهو الدوري عن أبي عمرو قرأ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ [المائدة: 31] ويا وَيْلَتى أَأَلِدُ [هود: 72] ويا وَيْلَتى لَيْتَنِي [الفرقان:
28]، وأنى الاستفهامية ويا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ [الزمر: 56] ويا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف: 84]، بين اللفظين لدلالة ما تقدم عليه وقد تقدم عدد أنى الاستفهامية في شرح قوله وفي اسم في الاستفهام أنى وهي هذه. وقوله: وعن غيره قسها أي وعن غير الدوري قس هذه الكلمات على أشباهها من ذوات الياء فافتحها لقالون وابن كثير والسوسي وابن عامر وعاصم وأملها إمالة محضة لحمزة والكسائي وأجر فيها وجهي التقليل والفتح لورش وعنى في التيسير بطريق أهل العراق الدوري وبطريق أهل الرقة السوسي ولم يذكر فيه إمالة أسفى ونبه الناظم عليه بتأخيرها ووصفها بالارتفاع لتقدمها في التلاوة وليست الهمزة رمزا في العلا.
وكيف الثّلاثي غير زاغت بماضي ... أمل خاب خافوا طاب ضاقت فتجملا
وحاق وزاغو شاء جاء وزاد فز ... وجاء ابن ذكوان وفي شاء ميلا
فزادهم الأولى وفي الغير خلفه ... وقل صحبة بل ران واصحب معدّلا
أمر بالإمالة في هذه الأفعال وهي خاب وخاف وطاب وضاق وحاق وزاغ وشاء وجاء وزاد للمشار إليه بالفاء في قوله: فز، وهو حمزة وشرط ما أميل منها أن يكون ثلاثيا ماضيا ومعنى قوله: وكيف الثلاثي أي وكيف أتى اللفظ الذي على ثلاثة أحرف من هذه الأفعال سواء اتصل به ضمير أو لحقته تاء التأنيث أو تجرد عن ذلك أمله على أي حالة جاء بعد أن يكون ثلاثيا نحو خافوا وخافت وجاءوا وجاءت وجاءه وجاءهم وزاده وفزادهم وزادكم وما زاغ البصر وفَلَمَّا زاغُوا [الصف: 5]، واستثنى من ذلك وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ [الأحزاب: 10] وأَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ [ص: 63]، فقرأهما بالفتح لا غير، واحترز بالثلاثي عن الرباعي فإنه لا يميله نحو فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ [مريم: 23] وأَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5]، والرباعي ما زاد على الثلاثي همزة في أوله دون ما زاد في آخره ضمير أو علامة تأنيث فلهذا أمال نحو خافوا وخافت ولم يمل أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:
5]، واحترز بقوله بماضي عن غير الفعل الماضي فلا تمل نحو يخافون ويشاءون ولا تخافا ولا تخافي وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 175]، وشبه ذلك فلا يمال وقوله:
وجاء ابن ذكوان وفي شاء ميلا، أخبر أن
(1/113)

ابن ذكوان أمال من الأفعال المذكورة جاء وشاء حيث كان وأمال فَزادَهُمُ اللَّهُ [البقرة: 10]، بلا خلاف وهو الأول من البقرة وأمال ما بقي في القرآن من لفظ زاد بخلاف عنه كيف أتى نحو فَزادَهُمْ إِيماناً [آل عمران: 173]، وزاده وزادكم وزادوهم وشبه ذلك وهذا معنى قوله: فزادهم الأولى وفي الغير خلفه. وقل صحبة بل ران. أخبر أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة أمالوا بَلْ رانَ [المطففين: 14]، ثم قال واصحب معدلا أي اصحب مشهودا له بالعدالة.
وفي ألفات قبل را طرف أتت ... بكسر أمل تدعى حميدا وتقبلا
كابصارهم والدّار ثمّ الحمار مع ... حمارك والكفّار واقتس لتنضلا
هذا نوع آخر من الممالات وهي كل ألف متوسطة قبل راء مكسورة وتلك الراء طرف الكلمة أمر بإمالة هذه الألفات للمشار إليهما بالتاء والحاء في قوله: تدعى حميدا وهما الدوري عن الكسائي وأبو عمرو أراد براء الطرف الراء المتطرفة كأبصارهم وزنه أفعال ودار وزنه فعال وحمار وزنه فعال وكفار وزنه فعال والراء في جميع
الأمثلة لام الكلمة وذلك مناسب لقول الداني كل ألف بعدها راء مجرورة وهي لام الفعل واحترز الناظم بقوله: را طرف عن مثل نمارق والحواريين وعبارة الداني منتقضة به ولما أتى بالأمثلة قال واقتس لتنضلا أي اقتس على هذه الأمثلة مشابهها لتغلب يقال ناضلهم يناضلهم إذا راماهم فغلبهم في الرمي:
ومع كافرين الكافرين بيائه ... وهار روى مرو بخلف صد حلا
بدار وجبّارين والجار تمّموا ... وورش جميع الباب كان مقلّلا
وهذان عنه باختلاف ومعه في ال ... بوار وفي القهّار حمزة قلّلا
أمر رحمه الله بإمالة الكافرين المعرف باللام في حال كونه بالياء مع كافرين المنكر حال كونه كذلك أيضا لأبي عمرو والدوري عن الكسائي ودل عليه قوله فيما تقدم: أمل تدعى حميدا وقوله بيائه احترز به عن الذي بالواو ومن الذي ليس فيه ياء نحو الكافرون وكافرون وكافر وكافرة فإن ذلك يقرأ بالفتح، وقوله: وهار أخبر أن المشار إليهم بالراء والميم والصاد والحاء والباء في قوله: روى مرو بخلف صد حلا بدار وهم والكسائي وابن ذكوان وشعبة وأبو عمرو وقالون أمالوا جرف هار بخلاف عن ابن ذكوان لأنه ذكر الخلاف بعد رمزه، وقوله: بخلف أي عنه وجهان الفتح والإمالة، وقوله: وجبارين والجار تمموا.
أخبر أن المشار إليه بالتاء في قوله: تمموا وهو الدوري عن الكسائي أمال قَوْماً جَبَّارِينَ [المائدة: 22] بالمائدة بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء: 130] بالشعراء وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى [النساء: 36] وَالْجارِ الْجُنُبِ [النساء: 36] الموضعين بالنساء، وقوله: وورش جميع الباب كان مقللا. أخبر أن جميع الباب كان ورش يقلله أي يقلل فتحته أي يقرؤه بين اللفظين فأراد بجميع الباب ما ذكره من قوله: وفي ألفات إلى هذا الموضع وهو ما وقعت فيه الألف قبل الراء المكسورة المتطرفة وبالكافرين وكافرين وهار وجبارين والجار.
(1/114)

ثم أخبر أن عن ورش خلافا في جبارين والجار وإليهما الإشارة بقوله: وهذان عنه باختلاف لأن الهاء في عنه لورش أي وعن ورش في تقليل جبارين معا والجار كليهما وجهان: التقليل وبه قطع الداني في التيسير، والفتح وهو من زيادات الشاطبية نقله ابن غلبون. ثم أخبر أن حمزة وافق ورشا على التقليل في البوار والقهار وقوله: روى معناه نقل. والصدى العطش، وبدار من المبادرة:
وإضجاع ذي راءين حجّ رواته ... كالأبرار والتّقليل جادل فيصلا
يريد بالإضجاع الإمالة الكبرى. أخبر أن إمالة ما اجتمع فيه راءان راء قبل الألف وراء بعدها مكسورة متطرفة كالأبرار والأشرار للمشار إليهما بالحاء والراء في قوله: حج رواته وهما أبو عمرو والكسائي، ثم أخبر أن التقليل للمشار إليهما بالجيم والفاء في قوله: جادل فيصلا وهما ورش وحمزة والفيصل: القول الفصل:
وإضجاع أنصاري تميم وسارعوا ... نسارع والباري وبارئكم تلا
وآذانهم طغيانهم ويسارعو ... ن آذاننا عنه الجواري تمثّلا
أخبر أن المشار إليه بالتاء في قوله: تميم، وهو الدوري عن الكسائي قرأ بالإضجاع أي أمال مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [الصف: 14]، [آل عمران: 52]، وسارعوا بها وبالحديد ونُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ [المؤمنون: 56] والْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر: 24] وفَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [البقرة: 54] وعِنْدَ بارِئِكُمْ [البقرة: 54]، وآذانهم المجرورة،
وهو سبعة مواضع بالبقرة والأنعام وسبحان وموضعي الكهف وبفصلت ونوح، وطغيانهم خمسة مواضع بالبقرة والأنعام والأعراف ويونس وقد أفلح ويسارعون سبعة مواضع موضعان بآل عمران وثلاثة بالمائدة والأنبياء والمؤمنين وفي آذاننا بفصلت والجواري ثلاثة مواضع بحم عسق والرحمن وكوّرت. واعلم أن الممال في آذان الألف الثانية والضمير في عنه للدوري انفرد بإمالة ما في هذين البيتين في روايته عن الكسائي:
يواري أواري في العقود بخلفه ... ضعافا وحرفا النّمل آتيك قوّلا
بخلف ضممناه مشارب لامع ... وآنية في هل أتاك لأعدلا
وفي الكافرون عابدون وعابد ... وخلفهم في النّاس في الجرّ حصّلا
أخبر أن للدوري عن الكسائي في يواري سوأة أخيه فأواري سوأة أخي بالمائدة المعبر عنها بالعقود وجهين: الفتح، والإمالة. وقوله: في العقود احترز به من يواري سوآتكم بالأعراف فإنه بالفتح للجميع بلا خلاف، وقوله: ضعافا وحرفا النمل آتيك قولا بخلف ضممناه. أخبر أن المشار إليه بالقاف في قوله قولا وهو خلاد أمال ذرية ضعافا بالنساء وأمال أنا آتيك به قبل أن تقوم من، وأنا آتيك به قبل أن يرتدّ بالنمل بخلاف عنه في المواضع الثلاثة وأن المشار إليه بالضاد في قوله: ضممناه وهو خلف أمالها بلا خلاف. وقوله:
مشارب لامع. أخبر أن المشار إليه باللام في قوله لامع وهو هشام أمال ومشارب أَفَلا يَشْكُرُونَ وقوله بِآنِيَةٍ في هل أتاك لأعدلا وفي الكافرون عابدون وعابد. أخبر
(1/115)

أن المشار إليه باللام في قوله لأعدلا وهو هشام أيضا أمال من عين آنية بالغاشية وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ [الكافرون: 3]، كليهما وَلا أَنا عابِدٌ [الكافرون: 5]، وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [الكافرون: 1]، وقوله: وخلفهم في الناس في الجر أي وخلف الرواة في إمالة الناس المجرورة نحو من الناس وبالناس عن المشار إليه بالحاء في قوله: حصلا وهو أبو عمرو فروى عنه إمالته وروى عنه فتحه أي لكل من الدوري والسوسي وجهان: الفتح والإمالة والترتيب أن يقرأ بالإمالة للدوري وبالفتح للسوسي وهو نقل السخاوي عن الناظم لأن الأشهر عن الدوري الإمالة والأشهر عن السوسي الفتح:
حمارك والمحراب إكراههنّ وال ... حمار وفي الإكرام عمران مثّلا
وكلّ بخلف لابن ذكوان غير ما ... يجرّ من المحراب فاعلم لتعملا
أراد وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ [البقرة: 259] وكَمَثَلِ الْحِمارِ [الجمعة: 5] ومِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ [النور: 33]، والإكرام موضعان بالرحمن والمحراب وعمران حيث وقع أي أمال ابن ذكوان هذه الألفات بخلاف عنه إلا المحراب المجرور فإنه أماله بلا خلاف عنه وهو موضعان قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ [آل عمران: 39] وعَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ [مريم: 11]، فاعلم ذلك لتعمل به.
ولا يمنع الإسكان في الوقف عارضا ... إمالة ما للكسر في الوصل ميّلا
أخبر أن كل ألف أميلت إمالة كبرى أو صغرى في الوصل لأجل كسرة متطرفة بعدها نحو بدينار ومن النار ومن الأشرار وللناس ومن الأخيار فتلك الكسرة تزول في الوقف ويوقف بالسكون فلا يمنع إسكان ذلك الحرف المكسور إمالتها في الوقف لكون سكونه عارضا ولأن الإمالة سبقت الوقف فبقيت على حالها، وهذا تتمة قوله: وفي ألفات قبل را طرف أتت. بكسر أمل. ثم قال:
وقبل سكون قف بما في أصولهم ... وذو الرّاء فيه الخلف في الوصل يجتلا
كموسى الهدى عيسى ابن مريم والقرى ال ... لتي مع ذكرى الدّار فافهم محصّلا
أمر بالوقف قبل السكون بما في أصول السبعة من الفتح والإمالة وبين اللفظين يعني في الألف الممالة المتطرفة التي يقع بعدها ساكن نحو آتَيْنا مُوسَى الْهُدى [غافر: 53]، إذا وقفت على موسى أملت ألف موسى لحمزة والكسائي وجعلتها بين اللفظين لأبي عمرو وورش وفتحتها للباقين وكذا عيسى ابن مريم فهذا مثال ما ليس فيه راء ومثال ما فيه الراء الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها [سبأ: 18]، وبخالصة ذكرى الدار فإذا وقفت على القرى وذكرى أملت لأبي عمرو وحمزة والكسائي وبين اللفظين لورش وفتحت للباقين. واعلم أن لورش في مثل ذكرى الدار ترقيق الراء في الوقف والوصل على قاعدته لأجل كسر الذال ولا يمنع من ذلك سكون الكاف فيتحد لفظا الترقيق والإمالة بين بين في هذا فكأنه أمال الألف وصلا وكلهم قرءوا بالفتح في الوصل غير أن المشار إليه بالياء في قوله: يجتلا وهو السوسي اختلف عنه
(1/116)

في ذوات الراء في الوصل فأخذ له بالإمالة وهو نقل التيسير وأخذ له بالفتح كالجماعة وهو من زيادات القصيد وجملة ما في القرآن من ذلك ثلاثون موضعا أولها بالبقرة: نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: 55] ولَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة: 165] وفَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [المائدة: 52] وقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ [التوبة:
30] وسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ [الكهف: 17] وفَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ [التوبة: 105] وتَرَى الْمُجْرِمِينَ [إبراهيم: 49] وتَرَى الْفُلْكَ [النحل: 14] وتَرَى الشَّمْسَ [الكهف: 17] وتَرَى الْأَرْضَ [الكهف: 47] وفَتَرَى الْمُجْرِمِينَ [إبراهيم: 49] والْكُبْرى [طه: 23] واذْهَبْ [طه: 24] وتَرَى النَّاسَ [الحج: 2] وتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً [الحج: 5] وفَتَرَى الْوَدْقَ [النور: 43] ولا أَرَى الْهُدْهُدَ [النمل:
20] وتَرَى الْجِبالَ [النمل: 88] وفَتَرَى الْوَدْقَ [النور: 43] ويَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [سبأ: 6] والْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها [سبأ: 18] وتَرَى الْفُلْكَ [فاطر: 12] وذِكْرَى الدَّارِ [ص: 46] وتَرَى الْعَذابَ [الزمر: 58] وتَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا [الزمر: 60] وتَرَى الْمَلائِكَةَ [الزمر: 75] وتَرَى الْأَرْضَ [فصلت: 39] وتَرَى
الظَّالِمِينَ [الشورى: 22، 44] في موضعين، يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ [الحديد: 12] وفَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى [الحاقة: 7]، وقوله: فافهم محصلا كمل به البيت وليس فيه رمز لأحد:
وقد فخّموا التّنوين وقفا ورقّقوا ... وتفخيمهم في النّصب أجمع أشملا
هذا فرع من فروع المسألة المتقدمة داخل تحت قوله: «وقبل سكون قف بما في أصولهم»، وأفردها بالذكر لما فيها من الخلاف، والأصح والأقوى أن حكمها حكم ما تقدم: تمال لمن مذهبه الإمالة وهو الذي لم يذكر في التيسير غيره وجعل للمنون ولما سبق حكما واحدا وقوله: وقد فخموا التنوين يعني أن بعض أهل الأداء فخموا اللفظ ذا التنوين.
أراد بذلك الأسماء المقصورة لا غير وهي التي قصرت على حالة واحدة نحو مسمى ومولى وشبه ذلك، وعبر بالتفخيم عن الفتح وبالترقيق عن الإمالة وحكى في هذا البيت للناس ثلاث مذاهب: المذهب الأول فتح جميع ما جاء من ذلك سواء كان في موضع رفع أو نصب أو جر، وإلى ذلك أشار بقوله: وقد فخموا التنوين يعني مطلقا في الرفع والنصب والجر.
المذهب الثاني الإمالة في الأنواع الثلاثة وأشار إليه بقوله: ورققوا يعني مطلقا. المذهب الثالث إمالة المجرور والمرفوع وفتح المنصوب وإليه أشار بقوله: «وتفخيمهم في النصب أجمع أشملا»، أي اجتمع شمل أصحاب الوجهين فيه. ثم مثل فقال:
مسمّى ومولى رفعه مع جرّه ... ومنصوبه غزّى وتترا تزيّلا
أخبر أن لفظ مسمى ومولى وقع كل واحد منهما في القرآن مرفوعا ومجرورا فمثال مسمى في موضع رفع وأجل مسمى عنده ومثاله في موضع جر إلى أجل مسمى، ومثال مولى في موضع رفع يوم لا يغني مولى ومثاله في موضع جر عن مولى. ثم قال ومنصوبه غزا وتترا يعني أن كل واحد منهما منصوب أما غزا فإنه خبر كان وخبر
كان منصوب وتترا في موضع نصب على الحال أيضا ولا يدخل تترا في هذه الأمثلة إلا على قراءة أبي عمرو وخاصة فأما حمزة والكسائي فلا خلاف عنهما في إمالته لأنهما لا ينوّنانه وكذلك ورش لا خلاف عنه في تقليله وقوله: تزيلا أي تميز المنصوب من غيره.
(1/117)

باب مذهب الكسائي في إمالة هاء التأنيث في الوقف
وهي الهاء التي تكون في الوصل تاء وفي الوقف هاء نحو رحمة ونعمة.
وفي هاء تأنيث الوقوف وقبلها ... ممال الكسائي غير عشر ليعدلا
ويجمعها حقّ ضغاط عص خظا ... وأكهر بعد الياء يسكن ميّلا
أو الكسر والإسكان ليس بحاجز ... ويضعف بعد الفتح والضّم أرجلا
لعبره مائه وجهه وليكه وبعضهم ... سوى ألف عند الكسائي ميّلا
أخبر أن إمالة الكسائي توجد في هاء التأنيث وما قبلها في حال الوقف ما لم يكن الواقع قبل الهاء حرفا من عشرة أحرف، ثم ذكر الأحرف العشر فقال ويجمعها حق ضغاط عص خظا، وهي الحاء نحو النطيحة والقاف نحو الحاقة والضاد نحو قبضة والغين نحو بالغة والألف نحو الصلاة والطاء نحو بسطة والعين نحو القارعة والصاد نحو خصاصة والخاء نحو الصاخة والظاء نحو موعظة فتمتنع الإمالة لذلك وأشار بقوله ليعدلا إلى هذه الحروف العشرة تناسب الفتح دون الإمالة. ثم قال: وأكهر أي وحروف أكهر وهي أربعة الهمزة والكاف والهاء والراء يعني إذا وقع أحد هذه الحروف الأربعة قبل هاء التأنيث ساغت الإمالة في ذلك على صفة وامتنعت على صفة وامتنعت على صفة فتصح الإمالة إذا كانت قبل هذه الحروف ياء ساكنة أو كسرة سواء حال بين الكسرة وبينها ساكن أو لم يحل، وهذا معنى قوله بعد الياء يسكن ميلا أو الكسر والإسكان ليس بحاجز أي ليس الإسكان بمانع للكسر من اقتضائه الإمالة فمثال الراء إذا وقع قبلها ساكن قبله كسرة نحو عبرة ألا ترى أن الراء في عبرة من حروف أكهر وقبلها العين مكسورة وبين الكسرة والراء ساكن لا يعد حاجزا وهو الباء. واختلف في فطرة لأجل أن الساكن حرف استعلاء ومثال الهمزة مائة فالهمزة من حروف أكهر وقبلها كسرة الميم ومثال الهاء وجهة وهي من حروف أكهر وقبلها الواو مكسورة وبين الكسرة والهاء ما لا يعد
حاجزا وهو الجيم ومثال الكاف ليكة وهي من حروف أكهر وقبلها الياء ساكنة فكل هذا ونحوه ممال للكسائي. ثم ذكر الصفة التي تمنع الإمالة معها في حروف أكهر فقال ويضعف بعد الفتح والضم يعني أكهر ضعفت حروفه عن تحمل الإمالة إذا انفتح ما قبلها أو انضم أو كان ألفا فمثال الهمزة بعد الفتح امرأة فإن فصل بين الفتح وبين الهمزة فاصل ساكن فإن كان ألفا منع أيضا نحو براءة وإن كان غير ألف اختلف فيه نحو سوأة وكهيئة والنشأة ومثال الكاف بعد الفتح مباركة والشوكة سواء في ذلك ما فصل فيه وما لا فصل فيه وبعد الضم نحو التهلكة ومثال الهاء بعد الفتح مع فصل الألف وغيرها من السواكن نحو سيارة ونضرة وبعد الضم مع الحاجز عسرة ومحشورة ويجمع ذلك كله أن تقع حروف أكهر بعد فتح أو ضم بفصل بساكن وبغير فصل
(1/118)

فلهذا أطلق قوله بعد الفتح والضم وأرجلا جمع رجل يقال لكل مذهب ضعيف هذا لا يتمشى ونحوه لأن الرجل هي آلة المشي والحكم مع الأربعة عشر حرفا المتقدمة ما ذكر والحكم مع الخمسة عشرة الباقية الإمالة بلا خلاف ويجمعها قولك فجثت زينب لذود شمس فمثال الفاء خليفة والجيم حجة والثاء مبثوثة والتاء ميتة والزاي بارزة والياء معصية والنون زيتونة والباء حبة واللام ليلة والذال لذة والواو قسوة والدال واحدة والشين معيشة والميم رحمة والسين خمسة وقوله: وبعضهم سوى ألف أي وبعض المشايخ من أهل الأداء ميل للكسائي جميع الحروف قبل هاء التأنيث مطلقا من غير استثناء شيء سوى الألف نحو الصلاة والنجاة ومناة فلا تمال الهاء في شيء من ذلك وقوله ضغاط جمع ضغطة ومنه ضغطة القبر، وعص: بمعنى عاص، وخظا بمعنى سمن والأكهر: الشديد العبوس.

باب الراءات
أي باب حكم الراءات في الترقيق والتفخيم، والأصل في الراءات التفخيم بدليل أنه لا يفتقر إلى سبب من الأسباب، والترقيق ضرب من الإمالة فلا بد له من سبب.
ورقّق ورش كلّ راء وقبلها ... مسكّنة ياء أو الكسر موصلا
اعلم أن الراء لها حكمان: حكم في الوصل وحكم في الوقف فأما حكمها في الوقف فيأتي في آخر الباب، والكلام الآن في حكمها في الوصل وهي تأتي على قسمين: متحركة وساكنة وسيأتي حكم الساكنة وأما المتحركة فإنها تأتي على ثلاثة أقسام مفتوحة ومكسورة ومضمومة فأما المكسورة فلا خلاف في ترقيقها للجميع والمضمومة لا خلاف في تفخيمها لسائر القراء إلا أن ورشا له فيها مذاهب وكذلك المفتوحة أيضا مفخمة للجميع إلا من أمال منها شيئا فإنه يرققه ولورش فيه مذاهب وقوله: ورقق ورش كل راء يعني ساكنة أو متحركة بأي حركة كانت وكلامه هنا في الراء المفتوحة والمضمومة يعني أن ورشا رقق منها ما كان قبله ياء ساكنة نحو خبير ونذير ولا ضير وما كان قبله كسرة نحو يبشرهم وسراجا وشبه ذلك وقوله موصلا، أي في حال كون الكسر موصلا بالراء في كلمة واحدة.
ولم ير فصلا ساكنا بعد كسرة ... سوى حرف الاستعلا سوى الخا فكمّلا
أخبر أن الساكن إذا حال بين الكسرة والراء لم يعده فاصلا ولا حاجزا لضعفه ورقق لأجل الكسرة نحو الشعر والسحر والذكر وشبه ذلك إلا أن يكون الساكن حرف استعلاء فإنه يعده إذا وجد بين الكسرة والراء فاصلا وحاجزا فيفخم الراء ولا يبقى للكسرة حكما نحو إصرهم وفطرة وشبه ذلك إلا أن يكون الساكن من حروف الاستعلاء حرف الحاء فإنه لا يعطيه حكم حروف الاستعلاء
(1/119)

ويرقق الراء مع وجوده كما يرققها مع غير حروف الاستعلاء وذلك نحو إخراجكم وإخراجا، وقصر الناظم
لفظي الاستعلاء والخاء للوزن والضمير في
ولم ير وفي فكملا لورش أي كمل حسن اختياره بالترقيق بعد الخاء، والله أعلم.
وفخّمها في الأعجميّ وفي إرم ... وتكريرها حتى يرى متعدّلا
ذكر في هذا البيت ما خالف فيه ورش أصله فلم يرققه مما كان يلزمه ترقيقه على قياس ما تقدم أي وفخم ورش الراء في الاسم الأعجمي والذي منه في القرآن ثلاثة أسماء إبراهيم وإسرائيل وعمران ثم قال وفي إرم يعني إرم ذات العماد، وإرم أيضا اسم أعجمي وقيل عربي فلأجل الخلاف الذي فيه أفرده بالذكر وفخم راءه ثم قال وتكريرها أي وفخم أيضا الراء في حال تكريرها يعني أن الراء إذا وقع قبلها ما يجب به ترقيقها وجاء بعدها راء مفتوحة أو مضمومة نحو ضرارا ومدرارا وفرارا والفرار فإن الراء الأولى تفخم لأجل تفخيم الثانية لتناسب اللفظ واعتداله وإلى ذلك أشار بقوله: حتى يرى متعدلا:
وتفخيمه ذكرا وسترا وبابه ... لدى جلّة الأصحاب أعمر أرحلا
أخبر أن ما كان وزنه فعلا نحو ذكرا وسترا وصهرا وحجرا فإن فيه وجهين: التفخيم وبه قطع الداني في التيسير والترقيق وهو من زيادات القصيد ولكن التفخيم فيه أشهر عن الأكابر من أصحاب ورش والجلة جمع جليل وقوله: أعمر أرحلا من أعمر المكان وأرحلا جمع رحل، أشار بهذه العبارة إلى اختيار التفخيم، يعني أن التفخيم أعمر منزلا من غيره.
وفي شرر عنه يرقّق كلّهم ... وحيران بالتّفخيم بعض تقبّلا
أخبر أن جميع أصحاب ورش رحمه الله نقلوا عنه في قوله تعالى: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ [المرسلات: 32] ترقيق الراء الأولى لأجل كسرة الراء الثانية وهذا خارج عن الأصل المتقدم وهو ترقيق الراء لأجل كسرة قبلها وهذا لأجل كسرة بعدها. وقوله: وحيران بالتفخيم. أخبر أن بعض أهل الأداء تقبل في الأنعام في قوله تعالى: حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ [الأنعام: 71]، التفخيم أي أخذه ورواه ويكون غير البعض المشار إليهم على قاعدته في الترقيق، فحصل في حيران وجهان لورش الترقيق وبه قطع الداني في التيسير، والتفخيم وهو من زيادات القصيد:
وفي الرّاء عن ورش سوى ما ذكرته ... مذاهب شذّت في الأداء توقّلا
أخبر أن في الراء عن ورش مذاهب وأحكاما غير ما ذكره وهو مذهب أهل القيروان وغيرهم كنحو ما ذكر عنهم من التفخيم في حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء: 90] وعشرون وإجرامي وسراعا وأخبر أنها شاذة، وقوله: توقلا. من قولهم توقل الجبل إذا علا صاعدا:
(1/120)

ولا بدّ من ترقيقها بعد كسرة ... إذا سكنت يا صاح للسّبعة الملا
أي رقق القراء السبعة باتفاق كل راء ساكنة لغير الوقف سكونا لازما أو عارضا متوسطة ومتطرفة وقفا ووصلا إن كان قبلها كسرة متصلة لازمة وليس بعدها حرف استعلاء متصلا مباشرا أو مفصولا بألف في الفعل والاسم العربيّ والأعجمي نحو شرعة ومرية وشرذمة
والإربة وفرعون واستغفر لهم وفانتصر وفاصبر. وقوله: يا صاح معناه يا صاحب ثم رخم:
والملا: الأشراف:
وما حرف الاستعلاء بعد فراؤه ... لكلّهم التّفخيم فيها تذلّلا
ويجمعها قظ خصّ ضغط وخلفهم ... بفرق جرى بين المشايخ سلسلا
أي كل راء مفتوحة أو مضمومة في أصل ورش أو ساكنة في أصل السبعة تقدمها سبب الترقيق وأتي بعدها أحد حروف الاستعلاء السبعة المجموعة في قوله: «قظ خص ضغط» وهي القاف والظاء والخاء والصاد والضاد والغين والطاء فإنها تفخم لكل القراء والواقع من حروف الاستعلاء في القرآن في أصل ورش ثلاثة القاف والضاد والطاء مفصولات نحو هذا فراق وظن أنه الفراق بالعشي والإشراق وإعراضا وعليك إعراضهم واهدنا الصراط وهذا صراط وإلى صراط وفي أصل السبعة ثلاثة القاف والطاء والصاد مباشرات نحو كل فرق وفي قرطاس وبالمرصاد وإرصادا وقوله: وخلفهم بفرق إلخ. أخبر أن المشايخ القراء جرى بينهم الخلاف في قوله تعالى: فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: 63]، فمنهم من فخم الراء فيه للجميع لوقوع حرف الاستعلاء بعدها، ومنهم من رققها لانكسار حرف الاستعلاء بعدها ولانكسار الفاء قبلها فالوجهان جيدان:
وما بعد كسر عارض أو مفصّل ... ففخّم فهذا حكمه متبذّلا
الكسر العارض يأتي قبل الراء على نوعين: أحدهما ما كسر لالتقاء الساكنين نحو وإن امرأة، وقالت امرأة العزيز. الثاني أن يبتدأ بهمزة الوصل في مثل هذه الكلمات فتقول امرأة فتكسر همزة الوصل فهذا يفخم لأن الكسرة عارضة غير أصلية ولأن الكسرة في همزة الوصل غير لازمة لأنها لا توجد إلا في حال الابتداء. وأما المنفصل فهو أيضا ضربان: أحدهما أن تكون الكسرة في كلمة والراء في أخرى نحو بأمر ربك وفيه ربى خير وفي المدينة امرأة وأبوك امرأ. والضرب الثاني أن يتقدمها لام الجر أو باؤه نحو لرسول ولرجل وبرازقين وبرشيد فهذا في حكم المنفصل لأنه زائد في الكلمة يمكن إسقاطه منها فاقتضى ذلك التفخيم لعدم ملازمة المجاورة بين الراء والكسرة.
(1/121)

وما بعده كسر أو اليا فما لهم ... بترقيقه نصّ وثيق فيمثلا
أخبر أن الكسرة والياء يوجبان الترقيق إذا كانا قبل الراء فأما إذا وقعا بعد الراء نحو يرجعون وكرسيه وشرقية وغربية وأرجئه ورضيا وردف لكم ومريم وقرية وشبه ذلك فإنهما لا يوجبان الترقيق ويفخم ذلك كله على الإطلاق وقد رقق بعضهم واعتمد مع ضعف الرواية على القياس وإلى هذا أشار الناظم بقوله: فما لهم بترقيقه نص وثيق فيمثلا:
وما لقياس في القراءة مدخل ... فدونك ما فيه الرّضا متكفّلا
أي خذ ما فيه الرضا يعني ما ذكره من التفخيم في جميع ذلك عن أشياخه الذين تكفلوا بنقله:
وترقيقها مكسورة عند وصلهم ... وتفخيمها في الوقف أجمع أشملا
ولكنّها في وقفهم مع غيرها ... ترقّق بعد الكسر أو ما تميّلا
أو الياء تأتي بالسّكون ورومهم ... كما وصلهم فابل الذّكاء مصقّلا
أخبر أن الراء المكسورة لا خلاف في ترقيقها في الوصل نحو دسر ومنهمر ومذكر ومثل ذلك ما لم تكن في الآخر نحو رجال وريح وآخرين وكافرين وشبه ذلك. ثم قال:
وتفخيمها في الوقف أجمع أشملا، أخبر أن السبعة الأشياخ وقفوا على الراء المكسورة بالتفخيم نحو مطر ودسر ونبه بقوله أجمع أشملا على كثرة القائلين بالتفخيم ثم قال ولكنها في وقفهم مع غيرها ترقق بعد الكسر أي ولكن الراء المكسورة حكمها في الوقف بالإسكان مع غيرها من الراءات المفتوحة والمضمومة أن ترقق بعد الكسرة نحو مقتدر وفلا ناصر وبه السحر. ثم قال أو ما تميلا يعني إذا كان قبلها حرف ممال فإنها ترقق نحو القهار والأبرار والدار في مذهب من يميل ذلك وبشرر في مذهب ورش. ثم قال أو الياء تأتي بالسكون أي إذا وقع قبلها ياء ساكنة فإنها ترقق نحو الخبير ولا نصير وقدير وقوله: ورومهم كما وصلهم.
أخبر الآن بحكم الراء إذا وقف عليها بالروم لأن كلامه قبل هذا على حكم الوقف بالإسكان، يعني الراء تعتبر في الروم بحالها في الوصل فإن كانت في الوصل مفخمة فخمت وإن كانت في الوصل مرققة رققت في الوقف بالروم ولا ينظر في الروم إلى ما قبلها كما فعل في الإسكان. وقوله: فابل الذكاء أي اختبر الذكاء، وهو سرعة الفهم، ومصقلا أي مصقولا:
وفيما عدا هذا الذي قد وصفته ... على الأصل بالتّفخيم كن متعمّلا
لما ذكر ما يرقق من الراءات في مذهب ورش وحده وفي مذهب السبعة أيضا وبين أحكام ذلك في الوصل والوقف. أخبر أن ما عدا ذلك مفخم على الأصل وهذا المعنى معروف بطريق الضدية لأن الترقيق ضد التفخيم وقد تقدم أن الأصل في الراءات التفخيم، ومتعملا بمعنى عاملا أي كن عاملا بالتفخيم على الأصل.
(1/122)

باب اللامات
أي هذا باب أحكام اللامات في التفخيم. والترقيق. واعلم أن الأصل في اللام الترقيق عكس الراء:
وغلّظ ورش فتح لام لصادها ... أو الطّاء أو للظّاء قبل تنزّلا
إذا فتحت أو سكّنت كصلاتهم ... ومطلع أيضا ثمّ ظلّ ويوصلا
أخبر أن ورشا غلظ اللام المفتوحة أي فخمها إذا جاء قبلها أحد ثلاثة أحرف وهي الصاد المهملة والطاء المهملة، والظاء وكانت هذه الأحرف مفتوحة أو ساكنة نحو على صلاتهم تابوا وأصلحوا أو يصلبوا آيات مفصلات أن يوصل له طلبا مطلع الفجر بئر معطلة إن طلقكن ظل وجهه فيظللن وشبه ذلك. وأما إذا كانت اللام مضمومة أو مكسورة أو ساكنة نحو لظلوا إلا من ظلم وفظلتم تطلع على قوم يصلى عليكم وصلنا لهم القول وشبه ذلك فإن اللام ترقق لا غير وكذلك إذا كانت هذه الأحرف مضمومة أو مكسورة نحو في ظلل وظلال وعطلت وفصلت فالترقيق لا غير، وقوله: لصادها أي لأجل الصاد الواقعة قبلها إذا تنزل أحد هذه الأحرف الثلاثة قبل اللام المفتوحة غلظت اللام.
وفي طال خلف مع فصالا وعند ما ... يسكّن وقفا والمفخّم فضّلا
أخبر أن ما حالت الألف فيه بين الطاء واللام أو بين الصاد واللام نحو فطال عليهم الأمد وأ فطال عليكم العهد وأن يصالحا وفصالا عن تراض، فإن في ذلك خلافا بين أهل الأداء فذهب بعضهم إلى الترقيق وذهب بعضهم إلى التفخيم وقوله وعند ما يسكن وقفا يعني أن اللام المفتوحة إذا وقعت طرفا ووليها أحد الأحرف الثلاثة نحو يوصل وبطل وظل وسكنت في الوقف فإن فيها وجهين التفخيم والترقيق والمفخم فضلا يعني في هذين النوعين
المذكورين في هذا البيت أحدهما ما يأتي بين حرف الاستعلاء واللام فيه ألف، والآخر ما يسكن لأجل الوقف.
وحكم ذوات الياء منها كهذه ... وعند رءوس الآي ترقيقها اعتلا
أخبر أن اللام المفتوحة إذا أتى قبلها ما يوجب تفخيمها وأتى بعدها ألف منقلبة عن ياء نحو لا يصلاها وشبهه فإن حكمها حكم هذين النوعين يعني أن فيه خلافا وتفخيمها أفضل أن تقع في رأس آية من آي السور الإحدى عشرة المذكورة فإن الترقيق يعتلي فيه مع جواز التفخيم أيضا.
توضيح: جملة الأمر في هذا الفصل أن اللام المفتوحة إذا وقع بعدها ألف منقلبة عن ياء وقبلها حرف مطبق ولم يقع إلا صادا فلا يخلو من أن تقع في غير آي السور المذكورة وفي آي السور المذكورة فإن وقعت في غير آي السور المذكورة ولم تقع إلا في ستة مواضع مصلي بالبقرة في حال الوقف ويصلاها مذموما بالإسراء ويصلي بالانشقاق والغاشية ولا يصلاها في وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل: 1]، وسيصلي في تبت فلا يخلو القارئ من أن يقرأ ذوات الياء لورش بالفتح أو بالتقليل فإن كان يقرأ بالفتح فلا خلاف
(1/123)

في تفخيم اللام وإن كان يقرأ له بالتقليل فلا يتأتى له الجمع بينه وبين التفخيم لتنافرهما وإذا لم يتأت له ذلك أتى بأحدهما وترك الآخر فإن فتح فخم وإن قلل رقق وإن وقعت في أواخر آي السور المذكورة فلا تقع إلا في ثلاثة مواضع: في القيامة فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى [القيامة: 31] وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: 15] وعَبْداً إِذا صَلَّى [العلق: 10]، ففيها التفخيم والترقيق وقوله: منها أي من هذه الألفاظ التي فيها اللام المستحقة للتفخيم، وقوله: كهذه يعني النوعين المتقدمين أحدهما ما أتى بين حرف الاستعلاء التي فيه ألف والآخر ما يسكن للوقف.
وكلّ لدى اسم الله من بعد كسرة ... يرقّقها حتى يروق مرتّلا
كما فخّموه بعد فتح وضمّة ... فتمّ نظام الشّمل وصلا وفيصلا
أخبر أن كل القراء متفقون على ترقيق اللام من اسم الله تعالى إذا وقع بعد كسرة نحو.
بسم الله وبالله وما يفتح الله ثم قال حتى يروق مرتلا أي يروق اللفظ في حال ترتيله ثم قال كما فخموه بعد فتح وضمة، أي وأجمعوا أيضا على تفخيم لام اسم الله تعالى بعد الفتحة والضمة نحو سيؤتينا الله، وقال الله، وقالوا اللهم، ورسل الله وشبهه وكذلك إذا ابتدئ به وقوله فتم نظام الشمل أي تم ما ذكرته من الأحكام بنظم يشمل اللام وصلا وفيصلا أي في حال الوصل والفصل. والله الموفق.

باب الوقف على أواخر الكلم
لم يرد بالوقف الوقف التام دون غيره بل مطلق الوقف إذا وقف على الكلمة ما حكمها أي باب حكم الوقف على أواخر الكلم المختلف فيها. والاصطلاح أن يقال باب الروم والإشمام أو الإشارة، وحد الوقف قطع الصوت آخر الكلمة الوضعية زمانا:
والإسكان أصل الوقف وهو اشتقاقه ... من الوقف عن تحريك حرف تعزّلا
أخبر أن الإسكان أصل الوقف وإنما كان أصل الوقف السكون لأن الوقف ضد الابتداء والابتداء قد ثبتت له الحركة فوجب أن يثبت لضده ضدها وهو السكون، وقوله: وهو اشتقاقه من الوقف يعني أن الوقف مأخوذ من وقفت عن كذا إذا لم تأت به فلما كان ذلك وقوفا عن الحركة وتركا لها سمي وقفا وفيه: لغات السكون وهو الفصيح المختار وهو الأصل وفيه الروم والإشمام كما سيأتي بيانه وقوله تعزلا أي أن الحرف صار بمعزل عن الحركة والأعزل الذي لا سلاح معه. ومنه السماك الأعزل: وهو كوكب يضيء من جملة منازل القمر الثماني وعشرين:
وعند أبي عمرو وكوفيّهم به ... من الرّوم والإشمام سمت تجمّلا
روي عن أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي الروم والإشمام مع إجازتهم الوقف بالإسكان والباقون لم يأت عنهم في الروم والإشمام نص، والمعنى وعند أبي عمرو والكوفيين به أي بالوقف من الروم والإشمام سمت، أي طريق تجملا، أي تحسن:
(1/124)

وأكثر أعلام القرآن يراهما ... لسائرهم أولى العلائق مطولا
أخبر أن أكثر الأئمة المشاهير من أهل الأداء بالقراءة يراهما يعني الروم والإشمام لسائرهم أي لسائر القراء السبعة لمن رويا عنه ولمن لم يرويا عنه أولى العلائق أي أولى ما تعلق به حبلا لما فيهما من بيان الحركة، والمطول: الحبل بالحاء، ويكنى به عن السبب
الموصل إلى المطلوب فكأنه قال أولى الأسباب سببا:
ورومك إسماع المحرّك واقفا ... بصوت خفيّ كلّ دان تنوّلا
أخذ يبين حقيقة الروم فقال: هو أن يسمع الحرف المحرك، احترازا من الساكن في الوصل نحو قوله تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص: 3]، فلا روم في هذا وشبهه وإنما يكون الروم في المحرك في حال الوصل فرومه في الوقف بأن تسمع كل دان أي قريب منك ذلك المحرك بصوت خفي أي ضعيف يعني أن تضعف الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك معظم صوتها فتسمع لها صوتا خفيا يدركه الأعمى بحاسة سمعه، وقوله تنوّلا: أي تنوله منك وأخذه عنك. ثم شرع يبين الإشمام فقال:
والإشمام: إطباق الشّفاه بعيد ما ... يسكّن لا صوت هناك فيصحلا
أخبر أن الإشمام هو أن تطبق شفتيك بعد تسكين الحرف فيدرك ذلك بالعين ولا يسمع وهو معنى قوله لا صوت هناك، وحقيقته أن تجعل شفتيك على صورتهما إذا نطقت بالضمة والشفاه بالهاء جمع شفة، فيصحلا، يقال صحل صوته بكسر الحاء يصحل بفتحها: إذا صار أبحّ، يعني إذا كانت فيه بحوحة لا يرتفع الصوت معها فكأنه شبه إضعاف الصوت في الروم بذلك فالروم هو الإتيان ببعض حركة الحرف وذلك البعض الذي يأتي به هو صوت خفي يدركه الأعمى، والإشمام لا يدركه الأعمى لأنه لرؤية العين لا غير، وإنما هو إيماء بالعضو إلى الحركة. ثم ذكر مواضع استعمال الروم والإشمام فقال:
وفعلهما في الضّمّ والرّفع وارد ... ورومك عند الكسر والجرّ وصّلا
ولم يره في الفتح والنّصب قارئ ... وعند إمام النّحو في الكلّ أعملا
أخبر أن فعل الروم والإشمام وارد في الضم والرفع وأن الروم وصل ونقل في الكسر والجر وقوله: ولم يره أي ولم ير الروم في الفتح والنصب أحد من القراء وقوله وعند إمام النحو إلى آخره يعني أن إمام النحو، وهو سيبويه استعمل الروم في الحركات الثلاث.
توضيح: اعلم أن الحرف المتحرك إذا وقف عليه لا تخلو حركته من أن تكون ضما أو رفعا أو فتحا أو نصبا أو كسرا أو جرا، فإن كانت ضما أو رفعا جاز الوقف عليه بالسكون والروم والإشمام وإن كانت كسرا أو خفضا جاز الوقف عليه بالسكون والروم ولم يجز الإشمام وإن كانت فتحا أو نصبا وليس معهما تنوين كان الوقف بالسكون لا غير ولم يجز الروم ولا الإشمام وذهب سيبويه وغيره من النحويين إلى جواز الروم في المفتوح والمنصوب ولم يقرأ به أحد.
(1/125)

وما نوّع التّحريك إلّا للازم ... بناء وإعرابا غدا متنقّلا
يقول إنما نوعت التحريك وقسمته هذه الأقسام إلا لأعبر عن حركات البناء وحركات
الإعراب ليعلم أن حكمهما واحد في دخول الروم والإشمام وفي المنع منهما أو من أحدهما وحركة البناء توصف باللزوم لأنها لا تتغير ما دام اللفظ بحاله فلهذا قال للازم بناء أي ما نوعته إلا لأجل أنه ينقسم إلى لازم البناء وإلى ذي إعراب غدا بذلك متنقلا من رفع إلى نصب وإلى جر باعتبار ما تقتضيه العوامل المسلطة عليه، فمثال حركات البناء في القرآن من قبل ومن بعد ومن حيث، ألا ترى أن اللام، والدال والثاء مبنية على الضم ولم تعمل فيها حروف الجر، ومثال حركات الإعراب قال الملأ وإن الملأ وإلى الملأ ألا ترى أن الملأ الأول مرفوع والثاني منصوب والثالث مجرور فهو منتقل بحسب العوامل، وحركات البناء لها ألقاب وحركات الإعراب لها ألقاب عند البصريين فلقبوا من ذلك ما كان للبناء بالضم والفتح والكسر، والذي للإعراب بالرفع والنصب والجر، والذي آخره ساكن للإعراب يسمى جزما، والذي للبناء يسمى وقفا، فأتى الناظم بالجميع ليعلم أن ما ذكره يكون في القبيلين ولو أتى بألقاب أحدهما لتوهم أن ما ذكره يختص به دون الآخر.
وفي هاء تأنيث وميم الجمع قل ... وعارض شكل لم يكونا ليدخلا
أخبر أن الروم والإشمام لا يدخلان في هاء التأنيث ولا في ميم الجمع ولا في الشكل العارض أما هاء التأنيث وهي التي تكون في الوصل تاء ويوقف عليها بالهاء نحو رحمة ونعمة وشبهه وأما ميم الجمع فنحو إليهم وعليهم وشبهه وعارض الشكل يعني الحركة العارضة نحو من يشأ الله ولقد استهزئ وشبه ذلك كله يوقف عليه بالسكون. واعلم أن هاء التأنيث تنقسم إلى ما رسم في المصحف بالهاء نحو رحمة وقد تقدم حكمه وهو مراد الناظم وإلى ما رسم بالتاء نحو. بقيت الله وجنت نعيم وشبهه فإن الروم والإشمام يدخلان فيه في مذهب من وقف عليه بالتاء.
وفي الهاء للإضمار قوم أباهما ... ومن قبله ضمّ أو الكسر مثّلا
أو اما هما واو وياء وبعضهم ... يرى لهما في كلّ حال محلّلا
يعني أن هاء الضمير وهي هاء الكناية التي سبق لها باب اختلف أهل الأداء في الوقف عليها فأبى قوم الروم والإشمام فيها إذا كان قبلها ضم أو كسر نحو يعلمه الله وبمزحزحه أو يكون قبلها إما الضم أو الكسر وهما الواو والياء نحو عقلوه وفيه. وهذا معنى قوله: أو اما هما واو وياء لأن ذلك معطوف على قوله أو الكسر لأنهم أبوا الروم والإشمام في هاء الضمير الذي قبله ضم أو كسر أو واو أو ياء واستثناء ذلك من زيادات القصيد، وأشار بقوله أو اما هما واو وياء إلى أن الواو والياء أصلان
(1/126)

للضمة والكسرة بدليل أنك إذا أشبعت الضمة أو الكسرة تولد منهما واو وياء، وقوله: وبعضهم أي وبعض أهل الأداء يرى محللا لهما أي يجوز الروم والإشمام في هاء الضمير كيف كان على أي حالة وجدت، ولم يستثن ما ذكره هؤلاء القوم، والوجهان جيدان، ومحللا من التحليل وهو: ضد التحريم.

باب الوقف على مرسوم الخط
الباب المتقدم كان في كيفية الوقف وهذا في بيان الحروف الموقوف عليها ومراده بمرسوم الخط يعني المصحف الكريم على ما وضعته عليه الصحابة رضي الله عنهم لما كتبوا المصاحف في زمن عثمان رضي الله عنه وأنفذها إلى الأمصار ففيها مواضع وجدت الكتابة فيها على خلاف ما الناس عليه الآن وأصل الرسم الأثر فيعني بمرسوم الخط ما أثره الخط فقال:
وكوفيّهم والمازنيّ ونافع ... عنوا باتّباع الخطّ في وقف الابتلا
ولابن كثير يرتضى وابن عامر ... وما اختلفوا فيه حر أن يفصّلا
أي روي عن نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي الاعتناء بمتابعة صورة خط المصحف في الوقف وفعل ذلك شيوخ الأداء لابن كثير وابن عامر اختيارا دون رواية وليس هذا الكلام على عمومه بل يختص بالحرف الأخير نحو الصلاة فلا يوقف بالواو ونحو الرحمن وسليمان فلا بد من الألف علم هذا من قرينة الوقف. والابتلاء بالمد الاختبار أي إذا اختبروا بالوقف على كلمات ليست بموضع وقف ليعلم به معرفة القارئ بحقيقة تلك الكلمة أو إذا انقطع نفسه ويحتاج القارئ إلى معرفة الرسم في ذلك فيقف بالحذف على ما رسم بالحذف وبالإثبات على ما رسم بالإثبات، وقوله: وما اختلفوا فيه حر أن يفصلا أشار إلى أن بعض السبعة يخالف الرسم في بعض المواضع وحر أن يفصل ما اختلف فيه أي حقيق تفصيله أي تبيينه بطريق التفصيل واحدا بعد واحد في باقي الباب وأشار الناظم إلى المختلف فيه ولم يذكر المتفق عليه لأنه لم يضع هذه القصيدة إلا لما اختلفوا فيه، وهذه نبذة من المتفق عليه لتكمل الفائدة بذلك ومداره على معرفة الحذف والإثبات في الياء والواو والألف وعلى معرفة الموصول والمقطوع من الكلم (أما الياء) فإنها تنقسم إلى ما ذكر في باب الزوائد وغيره فأما ما ذكر في باب الزوائد فجميعه محذوف من المصحف. وأما ما لم يذكر
في باب الزوائد فإنه ينقسم إلى متحرك وساكن فالمتحرك كله ثابت في الرسم موقوف عليه بالسكون. والساكن ينقسم إلى ثابت في المصحف ومحذوف منه فالثابت في الرسم ثابت في الوقف والمحذوف في الرسم محذوف في الوقف وها أنا أذكر ما حذف من الياءات إلا أني لا أعدّ الزوائد اعتمادا على معرفتها من بابها فأولها بالبقرة فَارْهَبُونِ فَاتَّقُونِ وَلا تَكْفُرُونِ وبآل عمران وَأَطِيعُونِ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ [النساء: 146] ووَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ [المائدة: 3] ويَقُصُّ الْحَقَّ [الأنعام: 57] وفَلا تُنْظِرُونِ [الأعراف: 195]
(1/127)

وفَلا تُنْظِرُونِ ونُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [هود: 55] وثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [هود: 55] وفَأَرْسِلُونِ [الحجر: 54] وَلا تَقْرَبُونِ وتُفَنِّدُونِ [يوسف: 94] ومَتابِ [ص: 17] و (مآب) [ص: 30] وعِقابِ [الرعد: 32] وفَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54] فَلا تَفْضَحُونِ ولا تُخْزُونِ [هود: 78] وفَاتَّقُونِ وفَارْهَبُونِ [البقرة: 40] وتُشَاقُّونَ فِيهِمْ [النحل: 27] وبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ [طه: 12] وبالأنبياء فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:
56] في موضعين، وفَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء: 37] ولَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: 54] وبِالْمُؤْمِنِينَ بِما كَذَّبُونِ [المؤمنون: 39] في موضعين، وفَاتَّقُونِ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: 98]، وارْجِعُونِ [المؤمنون: 99]، وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108] وأن يكذبون وأن يقتلون سيهدين فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: 78] ويسقين ويشفين ويحيين وأطيعون ثمانية مواضع وكذبون وادِ النَّمْلِ [النمل: 18] وحَتَّى تَشْهَدُونِ [النمل: 232] وبالواد الأيمن [القصص: 30] وأَنْ يَقْتُلُونِ [التوبة:
111] وفَاعْبُدُونِ [العنكبوت: 56] وبِهادِ الْعُمْيِ [الروم: 53] وإِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ [يس: 23] وفَاسْمَعُونِ [يس: 25] وسَيَهْدِينِ [الشعراء: 62] صالِ الْجَحِيمِ [الصافات: 163] وعذاب وعقاب [البقرة: 196] و (عقاب) [العنكبوت:
56] وسَيَهْدِينِ [الشعراء: 62] وَأَطِيعُونِ [آل عمران: 50] ويَوْمَ يُنادِ [ق: 41] و (ليعبدون وأن يطعمون فلا تستعجلون) [الأنبياء: 37] وفَما تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: 5] والْجَوارِ الْمُنْشَآتُ [الرحمن: 24] ووَ أَطِيعُونِ [آل عمران: 50] وفَكِيدُونِ [هود: 55] وبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ [النازعات: 16] والْجَوارِ الْكُنَّسِ [التكوير: 16] ووَ لِيَ دِينِ [الكافرون: 6]، فهذه سبعة وسبعون ياء لم يختلف القراء السبعة في حذفها وصلا ووقفا اتباعا للرسم وكذلك ما سقطت منه الياء للجازم نحو اتَّقِ اللَّهَ ويُغْنِ اللَّهُ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ [القصص: 77] وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ [غافر: 9] وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ [النساء: 14] ومَنْ يَهْدِ اللَّهُ [الأعراف: 178] وشبه ذلك وكذلك إن سقطت ياء الإضافة من آخر الاسم للنداء نحو يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا [هود: 52] ويا قَوْمِ اذْكُرُوا [المائدة:
20] ويا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ ورَبِّ اغْفِرْ لِي [الأعراف: 151] ورَبِّ انْصُرْنِي [العنكبوت:
30] ويا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا [الزمر: 10] ويا عِبادِ فَاتَّقُونِ [الزمر: 16]، فيها وشبه ذلك ما خلا ثلاثة أحرف اختلف القراء في إثباتها وحذفها على ما سيأتي وهي: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ [العنكبوت: 56] ويا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا [الزمر: 53] ويا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ [الزخرف: 68]، وهذه الثلاثة مرسومة في المصاحف بإثبات الياء ما خلا الذي بالزخرف فإن الياء ثابتة فيه في مصاحف المدينة والشام خاصة، وأما ذَا الْأَيْدِ [ص: 17]، فإنه في الوصل والوقف بغير ياء وجميع ما ذكرته محذوف الياء في رسم المصاحف إلا الثلاثة المذكورة بالعنكبوت والزمر والزخرف وإذا علم ذلك فما بقي متفق على إثبات الياء فيه في الرسم ثم إن كان بعده ساكن حذفت الياء منه في الوصل لأجله وتثبت في الوقف لعدمه نحو وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ [البقرة: 71] ويُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [البقرة: 269] ويَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ [المائدة: 54] وأُوفِي الْكَيْلَ [يوسف:
59] ونَأْتِي الْأَرْضَ [الرعد: 41] وآتِي الرَّحْمنِ [مريم: 93] ولا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: 55] ولا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آل عمران: 86] وأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الحشر: 2] ويُلْقِي الرُّوحَ [غافر: 15] وتَأْتِي السَّماءُ [الدخان: 10]، وهذا الأصل جميعه مرسوم بالياء في المصاحف والوقف عليه بالياء للأئمة السبعة وكذلك ما كان من الأسماء المجموعة جمع السلامة بالياء والنون وأضيف ذلك إلى ما في أوله الألف واللام وحذفت النون منه للإضافة وسقطت الياء للساكنين فإنك إذا وقفت على ذلك وفصلته مما أضيف إليه وقفت عليه بالياء وحذفت النون وذلك باتفاق القراء نحو حاضِرِي الْمَسْجِدِ [البقرة: 196] ومُحِلِّي الصَّيْدِ [المائدة: 1] والْمُقِيمِي الصَّلاةِ [الحج:
35] ومُهْلِكِي الْقُرى [القصص: 59]، وكذلك الوقف بالياء أيضا على قوله تعالى:
ادْخُلِي الصَّرْحَ [النمل: 44] وهي ياء المؤنث وذلك كله مرسوم في المصاحف بالياء فإن كان بعد الياء متحرك
(1/128)

ثبتت الياء في الوصل والوقت لجميع القراء اخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ [البقرة:
150]، وكادوا ويَأْتِي بِالشَّمْسِ [البقرة: 258] وفَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:
31] وأَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ [الأنعام: 80] ولَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي [الأنعام: 77] ويَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ [الأنعام: 158] وهَدانِي رَبِّي [الأنعام: 161] ويَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف: 53] ولن (تراني واستضعفوني ويقتلونني) [الأعراف: 150] وفهو المهتدي، ويهود فَكِيدُونِي [هود: 55] وما نَبْغِي وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: 18] وفَمَنْ تَبِعَنِي وبالحجر أَبَشَّرْتُمُونِي [الحجر: 54] ومِنَ الْمَثانِي ويَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ [النحل: 111] ووَ قُلْ لِعِبادِي [الإسراء: 53] وفَإِنِ اتَّبَعْتَنِي [الكهف:
70] وفَلا تَسْئَلْنِي [هود: 46] وفَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ [مريم: 43] وأَنْ أَسْرِ بِعِبادِي [طه: 77] وفَاتَّبِعُونِي [آل عمران: 31] ووَ الزَّانِي أَمْناً يَعْبُدُونَنِي [النور: 55] وأَنْ يَهْدِيَنِي [القصص: 22] ووَ أَنِ اعْبُدُونِي [يس: 61] وأُولِي الْأَيْدِي [ص:
5] فمن يتقي لو أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [الأنعام: 161] وفَأَسْرِ بِعِبادِي [الدخان: 23] وبِالنَّواصِي وبالصف لِمَ تُؤْذُونَنِي وبِرَسُولٍ يَأْتِي [الصف: 6] وأَخَّرْتَنِي [الإسراء: 62] وبِأَيْدِي سَفَرَةٍ
[عبس: 15] وفَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر: 30]، فهذه الياءات لم تختلف القراء في إثباتها وصلا ووقفا اتباعا للرسم إلا ما روي عن ابن ذكوان في تسألني في الكهف على ما سيأتي. (وأما الواو) فإنها إذا تطرفت في الكلمة وسقطت من اللفظ لساكن لقيها فإنك إذا وقفت على الكلمة التي هي فيها أثبتها لجميع القراء وذلك نحو تَتْلُوا الشَّياطِينُ [البقرة: 102] ويَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ [الرعد:
39] ويرجو الله ولا تسبوا الذين فيسبوا الله وتبوءوا الدار وملاقوا الله وأسروا النجوى وإِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ [الدخان: 15] ومُرْسِلُوا النَّاقَةِ [القمر: 27] ولَصالُوا الْجَحِيمِ [المطففين: 16] وصالُوا النَّارِ [ص: 59] وما قَدَرُوا اللَّهَ [الأنعام: 91] ونَسُوا اللَّهَ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ [يس: 66] وجابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ [الفجر: 9]، وشبه ذلك فالوقف عليه بالواو وهو مرسوم بالواو في المصاحف ما خلا خمس مواضع فإنها رسمت بغير واو وهي بالإسراء ويدع الإنسان وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ [الشورى: 24] ويَدْعُ الدَّاعِ [القمر: 6] وصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم: 4] وسَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: 18]، فالوقف على هذه الخمسة لجميع القراء بغير واو اتباعا للرسم وقيل إن صالح المؤمنين اسم جنس وهو يلفظ الافراد ليس بجمع صالح فلا تكون على هذا الواو فيه محذوفة ويكون قد رسم في المصاحف بغير واو على الأصل فهو واحد يراد به الجمع مثل إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: 2]، (وأما الألف) فإن كل ألف سقطت من اللفظ لساكن لقيها فإنك إذا وقفت عليها وفصلتها من الساكن أثبتها في الوقف لجميع القراء وذلك نحو فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ [النساء: 176] ودَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما [الأعراف: 189] وقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ [النمل: 15] وقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ [التحريم: 10] واسْتَبَقَا الْبابَ [يوسف: 25]، وشبهه وتثبت الألف في قوله تعالى: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف: 38] في الوقف وفيها خلاف في الوصل يأتي ذكره وتثبت الألف أيضا في وَلَيَكُوناً ولَنَسْفَعاً في الوقف ويا أيها حيث وقع نحو يا أيها الرسول يا أيها الذين آمنوا فجميع هذا مرسوم بالألف في المصاحف وأجمعوا على الوقف عليه بالألف ما خلا (أيه المؤمنون) (وأيه الساحر) [الزخرف: 49] و (أيه الثقلان) [الرحمن: 41] فإن الألف فيها محذوفة في الخط والوصل وفيها في الوقف خلاف كما سيأتي بيانه وأما الموصول والمقطوع نحو من ما وعن ما وممن وفإن لم وإن لن وأن ما وعن من وأم من وفى ما وبئس ما وأين ما وحيث وما ولكي لا وإذ ما ويوم هم ولبئس ما وكل ما أشبهه فإنه يوقف عليه على وفق رسمه في الهجاء وذلك باعتبار الأواخر في تفكيك الكلمات بعضها من بعض وتقطيعها فما
(1/129)

كتب من كلمتين موصولتين لم يوقف إلا على الثانية منهما وما كتب منها مفصولا يجوز أن يوقف على كل واحدة منهما ومثاله مما هما كلمتان كتبتا بالوصل وبالقطع فتقف في الموصول على ما وفي المقطوع على من
وكذلك تفعل فيما بقي من المقطوع والموصول. ثم شرع في ذكر الحريّ بالتفصيل واحدا بعد واحد فقال:
إذا كتبت بالتّاء هاء مؤنّث ... فبالهاء قف حقّا رضى ومعوّلا
أمر أن يوقف بالهاء على ما رسم من هاء التأنيث بالتاء للمشار إليهم بحق والراء في قوله: حقا رضا وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويوقف للباقين بالتاء وفهم من تقييد محل الخلاف بالوقف أن الوصل بالتاء على الرسم، ومن قوله إذا كتبت بالتاء أن المرسومة بالهاء لا خلاف فيها بل هي تاء في الوصل هاء في الوقف، وأما ما كتبت بالتاء فنحو رحمت ونعمت وامرأت وسنت ومعصيت ولعنت وابنت وقرت ومرضات وذات وبقيت وهيهات وفطرت ولات حين وشجرت وجنت وكلمت ويا أبت وشبه ذلك فعوّل عليه،
وفي اللّات مع مرضات مع ذات بهجة ... ولات رضى هيهات هاديه رفّلا
أمر بالوقف بالهاء على قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ [النجم: 19]، ومرضات كيف جاء وذات بهجة وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [ص: 3]، للمشار إليه بالراء في قوله: رضا، وهو الكسائي فتعين للباقين الوقف بالتاء ثم أخبر أن هيهات كهذه الكلمات يعني في الوقف عليها بالهاء للمشار إليهما بالهاء والراء في قوله: هاديه رفلا وهما البزي والكسائي فتعين للباقين أيضا الوقف بالتاء وليس الكلام في بهجة فإن الوقف عليها بالهاء إجماع لأنها رسمت كذلك بل الكلام على ذات التي قبل بهجة بخلاف ذات بينكم ونحوها، ومعنى رفل. عظم.
وقف يا أبه كفؤا دنا وكأين ال ... وقوف بنون وهو بالياء حصّلا
أمر بالوقف على يا أبت بالهاء حيث وقع على ما لفظ به للمشار إليهما بالكاف والدال في قوله: كفؤا دنا وهما ابن عامر وابن كثير فتعين للباقين الوقف بالتاء وذلك نحو يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ [يوسف: 4] ويا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ [مريم: 45]، وبانقضاء حكم هذه الكلمة انقضى حكم الوقف على هاء التأنيث. ثم انتقل إلى غيره فقال: وكأين. أخبر أن الوقف على وكأين بالنون حيث وقع للجماعة وأن الوقف عليه للمشار إليه بالحاء في قوله حصلا، وهو أبو عمرو فمن وقف على النون اتبع الرسم ومن وقف على الياء نبه على الأصل والواو في قوله، وكائن الوقوف للعطف ليشمل ما جاء من لفظ كائن بالواو والفاء نحو وكائن من نبيّ فكائن من قرية.
(1/130)

ومال لدى الفرقان والكهف والنّسا ... وسال على ما حجّ والخلف رتّلا
أخبر أن المشار إليه بالحاء في قوله: حج وهو أبو عمرو وقف على ما من مالِ هذَا الرَّسُولِ [الفرقان: 7] ومالِ هذَا الْكِتابِ [الكهف: 49] وفَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ [النساء: 78] وفَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا [المعارج: 36]، في سأل سائل. ثم قال: والخلف رتلا. أخبر أن المشار إليه بالراء في قوله: رتلا وهو الكسائي اختلف عنه في هذه المواضع
الأربعة فروي عنه الوقف على ما كأبي عمرو، وروي عنه الوقف على اللام كالباقين. وهذه الأربعة كتبت في المصحف مال فمال بانفصال اللام مما بعدها فمن وقف على ما ابتدأ باللام متصلة بما بعدها ومن وقف على اللام ابتدأ بما بعدها من الأسماء وكذلك قرأت من طريق المبهج والتذكرة ونص عليه صاحب المبهج في كتاب الاختيار
وابن غلبون في التذكرة والصفراوي في كتاب الإعلان، ولم يذكر الناظم الابتداء تبعا للتيسير.
ويا أيّها فوق الدّخان وأيّها ... لدى النّور والرّحمن رافقن حمّلا
وفي الها على الإتباع ضمّ ابن عامر ... لدى الوصل والمرسوم فيهنّ أخيلا
أخبر أن المشار إليهما بالراء والحاء في قوله: رافقن حملا، وهما الكسائي وأبو عمرو وقفا على (يا أيه الساحر) [الزخرف: 49]، لأنها فوق الدخان و (أيه المؤمنون) [النور:
31] و (أيه الثقلان) [الرحمن: 31]، بالألف على ما لفظ به فتعين للباقين الوقف على الهاء من غير ألف اتباعا للرسم. ثم قال: وفي الهاء على الإتباع ضم ابن عامر. لدى الوصل، يعني أن ابن عامر ضم الهاء في الوصل في هذه المواضع الثلاثة اتباعا لضمة الياء قبلها والأوجه فتح الهاء وهي قراءة الباقين، وحملا جمع حامل وروي ضم ابن عامر بفتح الميم ورفع النون، ويروى بضم الميم وجر النون وقوله: والمرسوم فيهن أخيلا، يعني أن يا أيها رسم في جميع القرآن بالألف آخرها إلا في هذه المواضع الثلاثة وأخيل من أخيلت السماء: أظهرت المطر.
وقف ويكأنّه ويكأنّ برسمه ... وبالياء قف رفقا وبالكاف حلّلا
أمر بالوقف للجميع على النون في ويكأن وعلى الهاء في ويكأنه برسمه لأنه كذلك رسم على ما لفظ به ثم أخرج الكسائي وأبا عمرو فقال: وبالياء قف رفقا أمر بالوقف على الباء للمشار إليه بالراء في قوله: رفقا وهو الكسائي. ثم قال وبالكاف حللا، يعني أن المشار إليه بالحاء في قوله حللا وهو أبو عمرو وقف على الكاف، ومعنى حلل: أبيح فحصل من ذلك أن أبا عمرو يقف ويك ويبتدئ أن الله أنه، وأن الكسائي يقف على قوله وى ويبتدئ بقوله كأن الله كأنه وأن الباقين يقفون على ويكأن ويكأنه ويبتدئون بالكلمة بكمالها ولم يذكر الناظم الابتداء ونص عليه الصفراوي وابن غلبون وسبط أبي منصور في تصانيفهم نحو ما ذكرته.
(1/131)

وأيّا بأيّا ما شفا وسواهما ... بما وبوادي النّمل باليا سنا تلا
أخبر أن الوقف على أيا من أياما تدعوا بالإسراء على ما لفظ به من إبدال التنوين ألفا للمشار إليهما بالشين في قوله شفا. وهما حمزة والكسائي، ثم قال وسواهما بما أخبر أن الباقين وقفوا على ما لا على أيا، يقال وقفت به أي عليه وأيا كلمة مستقلة زيدت عليها ما
وهي مفصولة في الخط. ثم قال: وبواد النمل إلخ أخبر أن الوقف على حتى إذا أتوا على واد النمل بالياء للمشار إليهما بالسين والتاء في قوله: سناتلا، وهما أبو الحرث والدوري راويا الكسائي ووقف الباقون بغير ياء على الرسم.
وفيمه وممّه قف وعمّه لمه بمه ... بخلف عن البزّيّ وادفع مجهّلا
أمر بالوقف بالهاء كما لفظ به للبزي بخلاف عنه على قوله تعالى: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها [النازعات: 43] وفَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق: 5] وعَمَّ يَتَساءَلُونَ [النبأ: 1] ولِمَ تَقُولُونَ [الصف: 2] وبِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: 35]، وشبه ذلك فتعين للباقين الوقف بغير هاء تباعا للرسم. وقوله: وادفع مجهلا، أي ادفع من جهل قارئ هذه القراءة وحجه بما يزجره عن تجهيله له.

باب مذاهبهم في ياءات الإضافة
أي هذا باب بيان مذاهبهم في ياءات الإضافة، وهي ياء المتكلم بها وتكون متصلة بالاسم نحو سبيلي وبالفعل نحو ليبلوني وبالحرف نحو إني. ولما توقفت معرفتها على معرفة العربية ذكر لها ضابطا يهدى إليها فقال:
وليست بلام الفعل ياء إضافة ... وما هي من نفس الأصول فتشكلا
ولكنّها كالهاء والكاف كلّ ما ... تليه يرى للهاء والكاف مدخلا
أخبر أن ياء الإضافة ليست لاما للفعل ولا من نفس أصول الكلمة وإنما هي زائدة وأصول الكلمة هي الفاء والعين واللام، وجملة الأمر أن الكلمة إن كانت مما يوزن ووقع في آخرها ياء فزنها بالفاء والعين واللام فإن صادفت اللام مكان الياء فيعلم أنها لام الفعل وإن كانت الكلمة مما لا يوزن وذلك في الأسماء المبهمة نحو التي والذي وفي الضمائر هي فالياء فيها ليست بياء الإضافة لأنها من نفس أصول الكلمة فليست زائدة عليها واحترز بقوله: وما هي من نفس الأصول من مثل ذلك لأن ياء الإضافة كلمة تتصل بكلمة أخرى فإذا قلت سبيلي فسبيل كلمة والياء كلمة أخرى، ثم زاد في بيانها فقال: ولكنها كالهاء والكاف إلخ.
أخبر أن ياء الإضافة كهاء الضمير وكافه فكل كلمة وليتها الياء واتصلت بها صح أن الهاء والكاف يليانها ويتصلان بها، يعني أن كل موضع تدخل فيه فإنه يصح فيه دخول الهاء والكاف مكانها فتقول في سبيلي سبيله وسبيلك، وليبلوني ليبلوه ليبلوك وإني إنه وإنك ومدخلا: موضع الدخول:
وفي مائتي ياء وعشر منيفة ... وثنتين خلف القوم أحكيه مجملا
أخبر أن الأئمة السبعة وهم المعنيون بالقوم اختلفوا في مائتي ياء واثنتا عشرة ياء من ياءات الإضافة وعدها صاحب التيسير مائتي ياء وأربع عشرة ياء لأنه عدّ في هذه الياءات يائي
فَما آتانِيَ اللَّهُ [النمل: 36] وفَبَشِّرْ عِبادِ [الزمر: 17] والَّذِينَ [الزمر: 18]، لكونهما مفتوحتين وعدهما الشاطبي في ياءات الزوائد لكونهما محذوفتين في الرسم، وقوله:
منيفة أي زائدة يقال: أنافت الدراهم على مائة أي زادت عليها وقوله: أحكيه
(1/132)

مجملا يعني خلف القراء فيها بالفتح والإسكان اذكره على الإجمال بضابط يشملها من غير بيان مواضع الخلاف فيها، ويروى مجملا بكسر الميم الثانية وفتحها، وهو من إجمال العدد، وهو جمع ما كان منه متفرقا، والله أعلم.
فتسعون مع همز بفتح وتسعها ... سما فتحها إلّا مواضع همّلا
اعلم أن ياءات الإضافة تنقسم إلى ستة أقسام: منها ما يأتي قبل همز القطع المفتوح، ومنها ما يأتي قبل همز القطع المكسور، ومنها ما يأتي قبل همز القطع المضموم، ومنها ما يأتي قبل همز الوصل المصاحب للام التعريف. ومنها ما يأتي قبل همز الوصل المنفرد عن لام التعريف. ومنها ما يأتي قبل غير الهمز من سائر الحروف، وقدم الكلام على ما وقع من هذه الأقسام قبل همز القطع المفتوح فأخبر أن جملة ما اختلف فيه منه تسعة وتسعون ياء أولها: إِنِّي أَعْلَمُ [البقرة: 30] موضعان وفَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: 152] واجْعَلْ لِي آيَةً [آل عمران: 41] وأَنِّي أَخْلُقُ [آل عمران: 49] وإِنِّي أَخافُ اللَّهَ [المائدة: 28] ولِي أَنْ أَقُولَ [المائدة: 116] وإِنِّي أَخافُ [الأنعام: 15] وإِنِّي أَراكَ [الأنعام: 74] وإِنِّي أَخافُ [الأعراف: 59] وبَعْدِي أَعَجِلْتُمْ [الأعراف:
15] وإِنِّي أَرى [الأنفال: 48] وإِنِّي أَخافُ [الأنعام: 48] ومَعِيَ أَبَداً [التوبة:
83] ولِي أَنْ أُبَدِّلَهُ [يونس: 15] وإِنِّي أَخافُ [يونس: 15] وإِنِّي أَخافُ [هود: 84] ثلاثة مواضع ووَ لكِنِّي أَراكُمْ [هود: 29] وإِنِّي أَعِظُكَ [هود: 46] وإِنِّي أَعُوذُ بِكَ [هود: 47] وفَطَرَنِي أَفَلا [هود: 51] وضَيْفِي أَلَيْسَ [هود:
51] وإِنِّي أَراكُمْ [هود: 84] وشِقاقِي أَنْ [هود: 89] وأَ رَهْطِي أَعَزُّ [هود:
62] ولَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا [يوسف: 13] ورَبِّي أَحْسَنَ [يوسف: 23] وإِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ [يوسف: 36] وإِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ [يوسف: 36] وإِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ [يوسف: 43] ولَعَلِّي أَرْجِعُ [يوسف: 46] وإِنِّي أَنَا أَخُوكَ [يوسف: 69] ولِي أَبِي [يوسف: 80] وإِنِّي أَعْلَمُ [البقرة: 30] وسَبِيلِي أَدْعُوا [يوسف: 108] وإِنِّي أَسْكَنْتُ [إبراهيم: 37] وعِبادِي أَنِّي أَنَا [الحجر: 49] وقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ [الحجر: 89] ورَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ [الكهف: 22] وبِرَبِّي أَحَداً [الكهف: 38] و (لولا) وفَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ [الكهف: 40] وبِرَبِّي أَحَداً وَلَمْ [الكهف: 38] ومِنْ دُونِي أَوْلِياءَ [الكهف: 102] واجْعَلْ لِي آيَةً [مريم: 40] وإِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ [مريم: 18] وإِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ [مريم: 45] وإِنِّي آنَسْتُ ناراً
لَعَلِّي آتِيكُمْ [طه: 10] وإِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: 12] وإِنَّنِي أَنَا اللَّهُ [طه: 14] ويَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه: 26] وحَشَرْتَنِي أَعْمى [طه: 125] ولَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً [المؤمنون: 100] وإِنِّي أَخافُ [المائدة: 28] موضعان ورَبِّي أَعْلَمُ بِما [الكهف:
22] وإِنِّي آنَسْتُ [النمل: 7] وأَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ [النمل: 19] ولِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ [النمل: 40] وعَسى رَبِّي أَنْ [القصص: 22] وإِنِّي آنَسْتُ [طه: 10] ولَعَلِّي آتِيكُمْ [القصص: 29] وإِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [القصص: 30] وإِنِّي أَخافُ أَنْ [القصص: 34] ورَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ [القصص: 37] ولَعَلِّي أَطَّلِعُ [القصص: 38] وعِنْدِي أَوَلَمْ [القصص: 78] ورَبِّي أَعْلَمُ مَنْ [القصص: 85] وإِنِّي آمَنْتُ [يس: 25] وإِنِّي أَرى [الصافات: 102] وأَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: 102] وإِنِّي أَحْبَبْتُ [ص: 32] وإِنِّي أَخافُ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ [الزمر: 64] وذَرُونِي أَقْتُلْ [غافر: 26]، إِنِّي أَخافُ [الأعراف: 59] ثلاث مواضع لَعَلِّي أَبْلُغُ وما لِي أَدْعُوكُمْ [غافر: 41] وادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60]، وبالزخرف تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا وبالدخان إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ [الدخان: 19]، أَوْزِعْنِي [الأحقاف:
15]، أن أَتَعِدانِنِي أَنْ [الأحقاف: 17] إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ [الجن: 25] وَلكِنِّي أَراكُمْ [هود: 84] بالحشر إِنِّي أَخافُ اللَّهَ [الأعراف: 59]، وبالملك مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا وبنوح إِنِّي أَعْلَنْتُ [نوح: 9]، ورَبِّي أَمَداً [الجن: 25]، (ربي أكرمني وربي أهانني) [الفجر: 15 - 16]. ثم أشار إلى من فتح هذه الياءات بقوله: «سما فتحها إلا مواضع هملا». أخبر أن قاعدة المشار إليهم بسما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو يفتحونها إلا مواضع خرجت عن هذا الأصل ففتحها بعض مدلول سما وزاد معهم غيرهم واختلف عن بعضهم في شيء من ذلك والبعض أهملوا الفتح فسكنوا فعين المواضع التي جاءت مخالفة لهذا الأصل فكل ما لم يعينه فهو على القاعدة من فتح أصحاب سما وإسكان الباقين وإذا ذكر الإسكان في شيء منها لبعضهم تعين للباقين الفتح، وهملا: جمع هامل، يقال: بعير هامل: أي متروك.
(1/133)

فأرني وتفتنّي اتّبعني سكونها ... لكلّ وترحمني أكن ولقد جلا
أخبر أن هذه الياءات الأربع أجمعوا على سكونها وهي أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:
143]، وأتى به في البيت ساكن الراء على قراءة ابن كثير والسوسي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة: 49] وفَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا [مريم: 43] ووَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ [هود: 47]، وهذه الأربعة داخلة تحت الضابط المذكور لأنها قبل همز القطع المفتوح فلولا تنصيصه عليها بالإسكان للكل لظن أنها من جملة العدة، ولقد جلا: أي كشف مواضع الخلاف.
ذروني وادعوني اذكروني فتحها ... دواء وأوزعني معا جاد هطّلا
أخبر أن المشار إليه بالدال في قوله دواء، وهو ابن كثير فتح الياء من ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى [غافر: 26] وادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] وفَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: 152]، وهو على القاعدة المتقدمة، ونافع وأبو عمرو مخالفان له فهما يقرءان بالإسكان كالباقين، وقوله: وأوزعني معا أراد أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [النمل: 19]، [الأحقاف: 15]، فتح الياء فيهما المشار إليهما بالجيم والهاء في قوله: جاد هطلا، وهما ورش والبزي فهما على القاعدة، وقالون وقنبل وأبو عمرو مخالفون فهم يقرءون فيهما
بالإسكان كالباقين ومعنى جاد: أمطر، وهطلا: جمع هاطل، أي قطر.
ليبلوني معه سبيلي لنافع ... وعنه وللبصري ثمان تنخّلا
بيوسف إنّي الأوّلان ولي بها ... وضيفي ويسّر لي ودوني تمثّلا
وياءان في اجعل لي وأربع إذ حمت ... هداها ولكني بها اثنان وكّلا
وتحتي وقل في هود إني أراكمو ... وقل فطرن في هود هاديه أوصلا
معه أي مع ليبلوني أأشكر سبيلي أدعو فتحهما نافع وهو فيهما على القاعدة وابن كثير وأبو عمرو مخالفان له فهما على الإسكان فيهما كالباقين. ثم قال وعنه أي وعن نافع وأبي عمرو فتح ثمان ياءات. وتنخلا: أي اختير فتحها بيوسف إني الأولان أراد قال أحدهما إني وقال الآخر إني ولي بها أي بيوسف أيضا حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف: 80] وضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ [هود: 78] ويَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه: 26] ودُونِي أَوْلِياءَ [الكهف:
102]، وتمثلا: أي تشخص، وياءان في اجعل لي أراد اجْعَلْ لِي آيَةً [آل عمران: 41]، [مريم: 10]، فهذه آخر الياءات الثمان لنافع وأبي عمرو فتحاها على القاعدة وابن كثير مخالف لهما فيقرأ الثمانية بالإسكان كالباقين واحترز بقوله الأولان من قوله: إِنِّي أَرى سَبْعَ [يوسف: 43]، إِنِّي أَنَا أَخُوكَ [يوسف: 69]، وإِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ [يوسف:
96]، فهذه الثلاثة يفتحها نافع وابن كثير وأبو عمرو على القاعدة. وقوله: وأربع إذ حمت هداها. أخبر أن المشار إليهم بالهمزة والحاء والهاء في قوله إذ حمت هداها وهم نافع وأبو عمرو والبزي فتحوا أربع ياءات ثم بينها فقال ولكني بها أي ولكني بهذا اللفظ موضعان يعني ولكني أراكم بهود والأحقاف، والثالث بالزخرف مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:
51]، والرابع إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ [هود: 84]، وهم على القاعدة وقنبل مخالف لهم يقرأ بإسكان الأربعة كالباقين، وقوله: وقل فطرن إلى آخره يعني أن المشار إليهما بالهاء والهمزة في قوله هاديه أوصلا وهما البزي ونافع قرآ في هود فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ [هود: 51]، بفتح الياء وهما على القاعدة وقنبل وأبو عمرو مخالفان لهما فقرءا بالإسكان فيها كالباقين وحذف الناظم الياء من فطرني وأسكن النون ضرورة، ومعنى قوله هاديه أوصلا أي أوصل فتحه، وهاديه: ناقله.
(1/134)

ويحزنني حرميّهم تعدانني ... حشرتني أعمى تأمروني وصلا
أخبر أن المشار إليهما بحرمي في قوله: حرميهم وهما نافع وابن كثير قرآ بفتح الياء في لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ [يوسف: 13] وأَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ [الأحقاف: 17] ولِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى [طه: 125] وتَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ [الزمر: 64] وهما في ذلك على القاعدة وأبو عمرو مخالف لهما فإنه قرأ بإسكان الأربعة كالباقين فهذا آخر ما أهمل فتحه بعض مدلول سما. ثم ذكر ما زاد معهم على فتحه غيرهم فقال:
أرهطي سما مولى وما لي سما لوى ... لعلّي سما كفؤا معي نفر العلا
عماد وتحت النّمل عندي حسنه ... إلى درّه بالخلف وافق موهلا
أخبر أن المشار إليهم بسما والميم من مولى، وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن ذكوان فتحوا الياء من أرهطي أعزّ ومدلول سما على قاعدتهم وزاد معهم ابن ذكوان ففتح وخالف أصله وتعين للباقين الإسكان وقوله وما لي سما لوى. أخبر أن المشار إليهم بسما واللام في قوله سما لوى وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام قرءوا وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ [غافر: 41] بفتح الياء وسكنها الباقون. وقوله: لعلي سما كفؤا. أخبر أن المشار إليهم بسما والكاف في قوله سما كفؤا وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر قرءوا لعلي بفتح الياء وهي ستة مواضع في القرآن لَعَلِّي أَرْجِعُ [يوسف: 46] ولَعَلِّي آتِيكُمْ [طه: 10]، وبقد أفلح ولَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً [المؤمنون: 100] ولَعَلِّي آتِيكُمْ [القصص: 29] ولَعَلِّي أَطَّلِعُ [القصص: 38] ولَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ [غافر:
36]، فتعين للباقين الإسكان فيهن. وقوله: معي نفر العلا عماد. أخبر أن المشار إليهم بنفر وبالألف من العلا وبالعين من عماد وهم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ونافع وحفص فتحوا الياء من معي أبدا بالتوبة وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا [التوبة: 28]، بالملك، وقوله: وتحت النمل عندي حسنه إلى آخره. أخبر أن المشار إليه بالحاء والهمزة والدال في قوله حسنه إلى دره، وهم أبو عمرو ونافع وابن كثير قرءوا على علم عندي أو لم بفتح الياء بخلاف عن ابن كثير في ذلك فله الفتح والإسكان فيها وبقي من لم يذكره على الإسكان وإلى سورة القصص أشار بقوله وتحت النمل. وقوله وافق موهلا: أي جعل أهلا للموافقة، والميم ليست برمز.
توضيح: إذا عددت الكلم التي ينقص فيها من مدلول سما عن قاعدتهم وجدت أربعا وعشرين كلمة، وهي من قوله ذروني إلى تأمروني، وإذا عددت التي انضاف فيها إلى مدلول سما غيرهم وجدت عشر كلمات وهي من أرهطي له معي وأما عندي فإن نافعا وأبا عمرو على القاعدة وابن كثير إن أخذت له بالإسكان كان مخالفا لها وتلحق بالأربعة وعشرين المتقدمة وإن أخذت له بالفتح فهو زائد عليها ويلحق بما لم يعينه مما لزم قاعدة سما من غير
نقصان ولا زيادة وجملتها أربع وستون ياء وقد تقدمت في جملة التسع والتسعين المنصوص عليها في شرح قوله: «فتسعون مع همز بفتح وتسعها». ولما أتم الكلام في الهمز المفتوح انتقل إلى غيره فقال:
وثنتان مع خمسين مع كسر همزة ... بفتح أولى حكم سوى ما تعزّلا
هذا النوع الثاني وهو ما بعد يائه همزة قطع مكسورة، وجملة المختلف فيها اثنتان وخمسون ياء وأن قاعدة المشار إليهما بالهمزة والحاء في قوله: أولى حكم، وهما نافع وأبو عمرو يفتحانها سوى ما تعزلا عن ترجمة أولى حكم بنقص أو زيادة. ثم شرع ينص على المتعزل فقال:
بناتي وأنصاري عبادي ولعنتي ... وما بعده إن شاء بالفتح أهملا
أخبر أن المشار إليه بالهمزة في قوله أهملا، وهو نافع قرأ بفتح الياء في جميع هذا البيت فأهمل
(1/135)

فلم يجر على الأصل المتقدم وهو فتحه لمدلول أولى حكم، وأراد الذي بالحجر بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ [الحجر: 71]، وبآل عمران والصف أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ، وبالشعراء بِعِبادِي إِنَّكُمْ [الشعراء: 52]، وبص لَعْنَتِي إِلى [ص: 78]، وبالكهف والقصص والصافات سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ، [الصافات: 102]، وهو المشار إليه بقوله:
«وما بعده إن شاء»، فجميع ما ذكر يفتحه نافع على القاعدة المتقدمة. وأبو عمرو يخالفها ويقرأ جميع ذلك بالإسكان كالباقين:
وفي إخوتي ورش يدي عن أولى حمى ... وفي رسلي أصل كسا وافي الملا
أخبر أن ورشا قرأ في يوسف إِخْوَتِي إِنَّ بفتح الياء، وهو في ذلك كله على القاعدة وقالون وأبو عمرو مخالفان لهما فيقرءان بإسكان «الياء» كالباقين. وقوله يدي عن أولى حمى» أخبر أن المشار إليهم «بالعين والهمزة والحاء، في قوله: عن «أولى حمى» وهم حفص ونافع وأبو عمرو، قرءوا «ما أنا بباسط يدي إليك» بفتح «الياء» فتعين للباقين الإسكان، وقوله: «وفي رسلي أصل كسا»، أخبر أن المشار إليهما «بالهمزة والكاف» في قوله: «أصل كسا» وهما نافع وابن عامر، قرآ بالمجادلة «ورسلي إن الله» بفتح الياء، وسكنها الباقون، وقوله «وافى الملا»، ليس فيه رمز، والملا: جمع ملاءة وهي: الملحفة.
وأمّي وأجري سكّنا دين صحبة ... دعائي وآبائي لكوف تجمّلا
أخبر أن المشار إليهم بالدال من «دين وبصحبة»، في قوله: دين صحبة، وهم ابن كثير وحمزة والكسائي وشعبة، سكنوا الياء من وَأُمِّي إِلهَيْنِ [المائدة: 116]، وإِنْ أَجْرِيَ [الشعراء: 127]، إلا في تسعة مواضع: بيونس موضع، ويهود موضعان، وبالشعراء خمسة مواضع، وبسبإ موضع، فتعين للباقين الفتح. «والدين»: العادة، أي عادة
صحبة الإسكان. وقوله: دعائي إلخ. أخبر أن الكوفيين، وهم عاصم وحمزة والكسائي سكنوا الياء من دُعائِي إِلَّا فِراراً [نوح: 6]، وآبائِي إِبْراهِيمَ [المائدة: 116]، في يوسف فتعين للباقين «الفتح»، و «تجملا»، هنا بالجيم، أي تحسن:
وحزني وتوفيقي ظلال وكلّهم ... يصدّقني أنظرني وأخّرتني إلى
وذرّيّتي يدعونني وخطابه ... وعشر يليها الهمز بالضّم مشكلا
فعن نافع فافتح وأسكن لكلّهم ... بعهدي وآتوني لتفتح مقفلا
أخبر أن المشار إليهم بالظاء من قوله: ظلال، وهم الكوفيون وابن كثير، قرءوا بيوسف وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف: 86]، وبهود وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ [هود: 88] بإسكان الياء، فتعين للباقين الفتح. وقوله: وكلهم يصدقني، أخبر أن كل السبعة القراء اتفقوا على إسكان الياء في قوله: رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [القصص: 34] بالقصص أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف: 14] بالأعراف وبالحجر وص و (أخرتني إلى أجل مسمى) بالمنافقون وذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ [الأحقاف: 15] بالأحقاف ويَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف: 33]، بيوسف وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر: 41]، وتَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [غافر: 43] كلاهما بغافر، وهما المعنيان بقوله وخطابه، وجميع ذلك «تسع ياءات»، وليست من العدد المذكور، لأن العدد المذكور مختلف فيه، وهذه متفق على إسكانها. وإذا عددت الياءات التي خرجت على أصل أولى، حكم بزيادة أو نقصان، وجدت خمسا وعشرين كلمة أولها «بناتي» وآخرها «توفيقي»، وجملة ما بقي سبع وعشرون ياء لم يعينها، فهي على القاعدة فتحول مدلول أولى حكم، وهما نافع وأبو عمرو، وسكنها الباقون. وها أنا أذكر لتكمل الفائدة
(1/136)

بالبقرة فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا، وبآل عمران فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ [آل عمران: 35]، وبالأنعام رَبِّي إِلى صِراطٍ [الأحقاف: 15]. وبيونس نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ [يونس: 15]، وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ، وبهود عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ [هود: 10]، ونُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ [هود:
34]، وإِنِّي إِذاً لَمِنَ، وبيوسف رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ [يوسف: 37]، نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ [يوسف: 53]، رَبِّي إِنَّ رَبِّي، ربي إنه أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي [يوسف: 100]، وبالإسراء رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ [الإسراء: 100] وبمريم رَبِّي إِنَّهُ كانَ [مريم: 47]، وبطه لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ [طه: 14]، وعَلى عَيْنِي [طه: 39]، وَلا بِرَأْسِي إِنِّي، وبالأنبياء مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ [الأنبياء: 29]، بالشعراء عَدُوٌّ لِي إِلَّا [سبأ: 5]، ولِأَبِي إِنَّهُ، وبالعنكبوت إِلى رَبِّي إِنَّهُ [العنكبوت: 26]، وبسبإ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سبأ: 5]، وبيس إِنِّي إِذاً [يس: 24]، وبص مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ [ص: 35] وبغافر أَمْرِي إِلَى اللَّهِ [غافر: 44]، وبفصلت إِلى رَبِّي إِنَّ لِي [فصلت: 50]، على أحد الوجهين. ثم انتقل إلى النوع الثالث، وهو ما وقع من الياءات قبل همز القطع المضموم
فقال: وعشر يليها الهمز بالضم مشكلا، أخبر أنها «عشر ياءات» بعدها، «الهمز مشكلا بالضم»، والعشر، أولها بآل عمران إِنِّي أُعِيذُها [يوسف: 100]، وبالمائدة إِنِّي أُرِيدُ [المائدة: 49]، وفَإِنِّي أُعَذِّبُهُ [المائدة: 115]، وبالأنعام إِنِّي أُمِرْتُ [الأنعام:
14]، وبالأعراف عَذابِي أُصِيبُ، وفي هود إِنِّي أُشْهِدُ [هود: 54]، وبيوسف أَنِّي أُوفِي [يوسف: 49]، وبالنمل إِنِّي أُلْقِيَ [النمل: 29]، وبالقصص إِنِّي أُرِيدُ، وبالزمر وبغافر إِنِّي أُمِرْتُ. وقوله: «فعن نافع فافتح»، أمر بفتح «الياء» في هذه العشر لنافع وحده، فتعين للباقين الإسكان. وقوله: (أسكن لكلهم)، أمر بإسكان «ياءين» لكل السبعة. وهما
بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
[البقرة: 40] بالبقرة، وآتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ [الكهف: 96] بالكهف، وقوله: «لتفتح مقفلا»، أي لتفتح بابا من العلم كان مقفلا قبل ذكره، وهو ما أجمع على إسكانه لأن صاحب التيسير لم يذكره:
وفي اللّام للتّعريف أربع عشرة ... فإسكانها فاش وعهدي في علا
انتقل إلى النوع الرابع، وهو ما وقع من «ياءات الإضافة» قبل همز الوصل المصاحب للام التعريف، وأخبر أن المشار إليه بالفاء في قوله: «فاش»، وهو حمزة، أسكن جميعها.
وإن حفصا وافقه على إسكان الياء في قوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي [البقرة: 124]، وهو من جملة الأربع عشرة، وإليهما أشار بالفاء والعين في قوله علا:
وقل لعبادي كان شرعا وفي النّدا ... حمى شاع آياتي كما فاح منزلا
أخبر أن ابن عامر والكسائي وافقا حمزة على إسكان قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم:
31]، وإليهما أشار بالكاف والشين في قوله «كان شرعا»، ثم قال: «وفي الندا» أخبر أن أبا عمرو والكسائي وافقا حمزة على إسكان عبادي، إذا كان قبله حرف النداء، أو أتى بعده لام التعريف، وذلك حرفان أحدهما بالعنكبوت يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ [العنكبوت: 56]، والثاني بالرمز قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا [الزمر: 53]، وأشار بالحاء والشين في قوله «حمى» شاع إلى أبي عمرو وحمزة والكسائي. ثم قال: «آياتي» إلخ أخبر أن ابن عامر وافق حمزة على إسكان آياتي الذين يتكبرون بالأعراف، وإليهما أشار «بالكاف والفاء» في قوله: «كما فاح» وقوله: «منزلا» كمل به البيت. ثم عدّ هذه الأربع عشرة فقال:
فخمس عبادي اعدد وعهدي أرادني ... وربي الّذي آتان آياتي الحلا
وأهلكني منها وفي صاد مسّني ... مع الأنبيا ربي في الأعراف كمّلا
أخبر أن عبادي خمس: منها الثلاث التي ذكرها، وهي قُلْ لِعِبادِيَ [إبراهيم: 31] ويا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [العنكبوت: 56] وقُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا [الزمر: 53]، يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105]، وعِبادِيَ الشَّكُورُ [البقرة: 258] في سبأ، ثم قال: وعهدي يعني عَهْدِي الظَّالِمِينَ بالبقرة ثم قال: أرادني» يعني إن أرادني
(1/137)

الله بضر
بالزمر ثم قال وربي الذي يعني بالبقرة ربي الذي يحيي ويميت ثم قال آتاني يعني بمريم آتانِيَ الْكِتابَ [مريم: 30]، ثم قال آياتي الحلا يعني بالأعراف آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ [الأعراف: 246] والحلا جمع حلية ثم قال وهلكني منها من الأربع عشرة بالملك إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ. ثم قال وفي ص مَسَّنِيَ مع الأنبياء، وأراد بهما مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ [ص:
41] في سورة ص ومَسَّنِيَ الضُّرُّ [الأنبياء: 83] بالأنبياء وعين سورتيهما احترازا من وما مسني السوء وعلى أن مسني الكبر ثم قال رَبِّيَ في الأعراف أراد به حرم ربي الفواحش.
ولما فرغ من عدها قال كملا يعني أن قوله ربي في الأعراف كمل العدد المذكور، وهو أربع عشرة ياء انفرد حمزة بإسكان تسع منها وشاركه غيره في إسكان الخمسة الباقية وكل من سكن شيئا من هذه الياءات فإنه يحذفه من اللفظ في حال الوصل لاجتماعه بالساكن الذي بعده ويثبته ساكنا في الوقف:
وسبع بهمز الوصل فردا وفتحهم ... أخي مع إنّي حقّه ليتني حلا
ونفسي سما ذكري سما قومي الرّضا ... حميد هدى بعدي سما صفوه ولا
انتقل إلى النوع الخامس وهو ما وقع من ياءات الإضافة قبل همز الوصل المنفرد عن لام التعريف، ولهذا قال فردا. ثم أخبر أن الاختلاف وقع مع ذلك في سبع ياءات ذكرها واحدة بعد واحدة ولم يعمها بحكم واحد كما فعل في الأنواع السابقة فأخبر أن المشار إليهما بحق في قوله حقه. وهما ابن كثير وأبو عمرو وقرآ بطه أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [طه: 31]، إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ [الأعراف: 144] بفتح الياء فيهما. وقوله ليتني حلا أخبر أن المشار إليه بالحاء في قوله حلا وهو أبو عمرو قرأ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ [الفرقان: 27]، بفتح الياء وقوله ونفسي سما ذكري سما، أخبر أن المشار إليهم بسما مرتين وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو قرءوا بطه وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: 41] اذهب وذكرى اذهبا بفتح الياء فيهما وتكرير الرمز لضرورة النظم لا غير. وقوله قومي إلخ أخبر أن المشار إليهم بالألف والحاء والهاء في قوله الرضى حميد هدى وهم نافع وأبو عمرو والبزي قرءوا بالفرقان إن قومي اتخذوا بفتح الياء. وقوله بعدي إلخ أخبر أن المشار إليهم بسما وبالصاد في قوله سما صفوه، وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة قرءوا في سورة الصف مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: 6] بفتح الياء. والولاء بكسر الواو: المتابعة:
ومع غير همز في ثلاثين خلفهم ... ومحياي جىء بالخلف والفتح خوّلا
انتقل إلى النوع السادس وهو الذي ليس بعد الياء فيه همز قطع ولا وصل وذكر أن الخلاف وقع من ذلك في ثلاثين ياء، وعينها واحدة بعد واحدة. فأخبر أوّلا أن المشار إليه بالجيم في قوله جيء وهو ورش فتح الياء من محياي بالأنعام بخلاف عنه وقوله جيء بالخلف أي ائت به ثم قال والفتح خوّلا أخبر أن المشار إليهم بالخاء في قوله خوّلا، وهم
السبعة إلا نافعا فتحوا ياء محياي بلا خلاف فتعين لقالون الإسكان بلا خلاف. وخولا معناه: ملك:
وعمّ علا وجهي وبيتي بنوح عن ... لوى وسواه عدّ أصلا ليحفلا
أخبر أن المشار إليهم بعمّ والعين من علا وهم نافع وابن عامر وحفص قرءوا بآل عمران أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [آل عمران: 20] وبالأنعام وَجَّهْتُ وَجْهِيَ [الأنعام:
79]، للذي بفتح الياء فيهما وقوله وبيتي بنوح أخبر أن المشار إليهما بالعين واللام في قوله عن لوى وهما حفص وهشام فتحا الياء من بيتي مؤمنا بسورة نوح ثم قال
(1/138)

وسواه أي سوى الذي بسورة نوح وهما موضعان بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [البقرة: 125] والحج، أخبر أن المشار إليهم بالعين والهمزة واللام في قوله عد أصلا ليحفلا، وهم حفص ونافع وهشام قرءوا بفتح الياء في الموضعين وقوله ليحفلا. أي يهتم به:
ومع شركائي من وراءي دوّنوا ... ولي دين عن هاد بخلف له الحلا
أخبر أن المشار إليه بالدال في قوله دوّنوا وهو ابن كثير قرأ في فصلت أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ مع التي بمريم مِنْ وَرائِي [فصلت: 47]، وكانت بفتح الياء في الموضعين، ودوّنوا أي كتبوا. وقوله: ولي دين أخبر أن المشار إليهم بالعين والهاء واللام والألف في قوله عن هاد بخلف له الحلا وهم حفص والبزي وهشام ونافع قرءوا في قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 1 - 6]، بفتح الياء بخلاف عن البزي وحده فله الفتح والإسكان وتعين للباقين غير المذكورين الإسكان:
مماتي أتى أرضي صراطي ابن عامر ... وفي النّمل ما لي دم لمن راق نوفلا
أخبر أن المشار إليه بالهمزة في قوله أتى وهو نافع قرأ في الأنعام ومماتي بفتح الياء وقوله: أرضي صراطي، أخبر أن ابن عامر قرأ إن أرضي واسعة وأن هذا صراطا مستقيما بفتح الياء فيهما وقوله: وفي النمل إلى آخره أخبر أن المشار إليهم بالدال واللام والراء والنون في قوله: دم لمن راق نوفلا وهم ابن كثير وهشام والكسائي وعاصم قرءوا بالنمل وتفقد الطير فقال ما لي بفتح الياء وقوله دم دعا للمخاطب بالدوام. وراق الشيء: صفا.
والنوفل: السيد المعطاء:
ولي نعجة ما كان لي اثنين مع معي ... ثمان علا والظّلّة الثّان عن جلا
أخبر أن المشار إليه بالعين في قوله علا، وهو حفص فتح الياء من ولي نعجة واحدة، وما كان لي عليكم من سلطان، وما كان لي من علم ومن معي في ثمان مواضع: أولها مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ [الأعراف: 105]، ومَعِيَ عَدُوًّا [التوبة: 83]، مَعِيَ صَبْراً ثلاثة [الكهف: 67]، وذكر من معي بالأنبياء وإِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: 62]،
ومَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [القصص: 134]، فذلك ثمان ياءات. ثم قال والظلة الثان، أخبر أن المشار إليهما بالعين والجيم في قوله عن جلا، وهما حفص وورش فتحا الياء من وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 118]، وهو الثاني من الظلة، وهي سورة الشعراء.
توضيح: حصل مما ذكر في هذا الفصل وفي فصل همز القطع المفتوح أن معي جاء في القرآن في أحد عشر موضعا فتح حفص الياء في جميعها، ووافقه ورش في الثاني من الظلة، ووافقهما المرموزون في نفر العلا في معي أبدا ومعي أو رحمنا لا غير.
ومع تؤمنوا لي يؤمنوا بي جاويا ... عبادي صف والحذف عن شاكر دلا
أخبر أن المشار إليه بالجيم في قوله جا، وهو ورش قرأ بالدخان وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي [الدخان: 21]، وبالبقرة وَلْيُؤْمِنُوا بِي [البقرة: 186] بفتح الياء فيهما، وقوله: يا عِبادِيَ [الزمر: 53]، أخبر أن المشار إليه بالصاد في قوله صف وهو شعبة قرأ بالزخرف (يا عبادى لا خوف عليكم) بفتح الياء على ما لفظ به ويقف بالسكون لأن ما حرك في الوصل فوجهه الإسكان في الوقف. ومعنى صف، أي اذكر. ثم قال والحذف إلى آخره أخبر أن المشار إليهم بالعين والشين والدال في قوله عن شاكر دلا، وهم حفص وحمزة والكسائي وابن كثير قرءوا
(1/139)

بالزخرف (يا عبادى لا خوف عليكم) [الزخرف: 68] بحذف الياء في الوصل والوقف، وتعين للباقين إثباتها ساكنة في الحالين، ودلا: تقدم شرحه.
وفتح ولي فيها لورش وحفصهم ... وما لي في يس سكّن فتكملا
أخبر أن ورشا وحفصا قرآ في طه وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [طه: 18] بفتح الياء وقوله: وَما لِيَ في يس سكن أمر بإسكان الياء لحمزة في وَما لِيَ لا أَعْبُدُ وأشار إليه بالفاء في قوله: فتكملا أي فتكمل أحكام الياءات وقد تقدم أنه إذا ذكر الفتح أخذ للباقين بالإسكان، وإذا ذكر الإسكان أخذ للباقين بالفتح.

باب مذاهبهم في ياءات الزوائد
أي هذا باب حكم اختلافهم في الياءات الزوائد على الرسم وهي ياءات أواخر الكلم، ذكر في هذا الباب اختلاف القراء في إثباتها وحذفها في الوصل والوقف معا، وهذا الباب تتمة قوله: وما اختلفوا فيه حر أن يفصلا.
ودونك ياءات تسمّى زوائدا ... لأن كنّ عن خطّ المصاحف معزلا
يقال دونك كذا. أي خذه، أي خذ ياءات تسمى زوائد ثم بيّن السبب في تسميتها بهذا الاسم فقال: لأن كنّ عن خط المصاحف معزلا، يعني إنما سميت زوائد لزيادتها في القراءة على الكتابة لأنها زادت في الرسم في قراءة من أثبتها على حال، ومن لم يثبتها فليست عنده بزائدة، وهي تنقسم إلى أصليّ وزائد، فالأصليّ عبارة عما هو لام الكلمة. والزائد عبارة عما هو ليس بلام الكلمة، وكلامها يأتي في الأسماء والأفعال كما ستراه ومعزلا. أي عز لن عن الرسم فلم يكتب لهن صورة في المصاحف العثمانية.
ثم بين حكمها فقال:
وتثبت في الحالين درّا لوامعا ... بخلف وأولى النّمل حمزة كمّلا
وفي الوصل حمّاد شكور إمامه ... وجملتها ستّون واثنان فاعقلا
قدم هذا الأصل ليبني عليه ما يأتي ذكره من الزوائد فأخبر أن المشار إليهما بالدال واللام في قوله درّا لوامعا وهما ابن كثير وهشام أثبتا ما زاده في حالتي الوصل والوقف، وقوله: بخلف راجع إلى هشام وحده وليس له إلا زائدة واحدة، وهي كيدون بالأعراف روى عنه إثباتها في الحالين وحذفها في الحالين فهذا معنى قوله بخلف ثم قال وأولى النمل حمزة كملا، أي وأثبت حمزة موضعا واحدا في الحالين وهو أتمدونني بمال، وهو أولى النمل لأن فيها ياءين زائدتين على رأي الناظم
(1/140)

وكلاهما في آية واحدة أتمدونني بمال وهي الياء الأولى وبعدها فما آتاني الله واحترز بقوله وأولى النمل عن ياء آتاني، وقوله كملا ليس برمز لأن
الرمز لا يجتمع مع صريح الاسم وإنما معناه أن حمزة كمل الكلمة بإثبات الياء في الحالين، وله مع ذلك إدغام النون كما سيأتي في النمل ثم قال وفي الوصل حماد شكور إمامه أخبر أن المشار إليهم بالحاء والشين والهمزة في قوله حماد شكور إمامه وهم أبو عمرو وحمزة والكسائي ونافع أثبتوا ما زادوه في الوصل خاصة وحذفوه في الوقف وليس الأمر على العموم، وهو أن هؤلاء أثبتوا الجميع في الحالين، وهؤلاء أثبتوا الجميع في الوصل بل معنى هذا الكلام أن كل من أذكر عنه أنه أثبت شيئا ولم أقيده فانظر فيه فإن كان من المذكورين في البيت الأول فاعلم أنه يثبته في الحالين على قاعدته وإن كان من المذكورين في البيت الثاني فاعلم أنه يثبته في الوصل خاصة على قاعدته والباقون يحذفون في الحالين فاختلاف القراء في الزوائد على أربعة أقسام: إثبات في الوقف والوصل، ومقابله حذف في الحالين.
وإثبات في الوصل وحذف في الوقف وعكسه حذف الوصل وإثبات في الوقف. وقوله جملتها ستون واثنان أخبر أن الياءات الزوائد المشار إليها اثنتان وستون ياء وعينها بعد ذلك ياء ياء إلى أن أتى على جميعها وعدها صاحب التيسير إحدى وستين لأنه أسقط فَما آتانِيَ اللَّهُ بالنمل (فبشر عبادي) [الزمر: 17]، وعدها في باب ياءات الإضافة. فإن قيل بقي ستون فما هي الواحدة الزائدة؟ قلت: هي يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ [الزخرف: 68] التي بالزخرف ذكرها في باب ياءات الإضافة وذكرها أيضا في باب ياءات الزوائد.
فيسري إلى الدّاع الجوار المناد يهد ... ين يؤتين مع أن تعلّمني ولا
وأخّرتني الإسرا وتتّبعن سما ... وفي الكهف نبغي يأت في هود رفّلا
سما ودعائي في جنا حلو هديه ... وفي اتّبعوني أهدكم حقّه بلا
شرع بذكر الزوائد مفصلة ياء ياء فأخبر أن المشار إليهم بقوله: سما في البيت الثاني وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو أثبتوا الكلم المذكورة قبل سما وهي تسع كلمات أولها يسري بسورة الفجر و (مهطعين إلى الداعي) [القمر: 8]، (ومن آياته الجواري) [الشورى:
32]، (المنادي من مكان) [ق: 41]، و (قل عسى أن يهديني) [الكهف: 24]، وفيها (أن يؤتيني خيرا من جنتك) [الكهف: 40]، (وأن تعلمني مما علمت) [الكهف: 66]، وبالإسراء (لئن أخرتني إلى) [الإسراء: 62]، وقيده بالإسراء احترازا من التي في المنافقين والكلمة التاسعة قوله تعالى: (ألا تتبعني أفعصيت) [طه: 93]، فهذه تسع
(1/141)

كلمات يمضون فيها على أصولهم المتقدمة فنافع وأبو عمرو يقرءان بإثباتها في الوصل ويحذفانها في الوقف.
وأما ابن كثير فإنه يثبتها في الحالين والباقون يحذفونها في الحالين. وقوله: وفي الكهف نبغي يأت في هود رفلا. سما، أخبر أن المشار إليهم بالراء وبسما في قوله رفلا سما وهم الكسائي ونافع وابن كثير وأبو عمرو يثبتون الياء في ذلك عند قوله تعالى: (ما كنا نبغي) [يوسف: 65]، بالكهف (ويأت لا تكلم نفس) [هود: 105] على أصولهم المتقدمة فابن
كثير يثبت في الحالين ونافع وأبو عمرو والكسائي يثبتون في الوصل ويحذفون في الوقف ويبقى الباقون على الحذف في الحالتين وقيد نَبْغِي بالكهف احترازا من قوله تعالى يا أَبانا ما نَبْغِي [يوسف: 65] بيوسف وقيد (يأت بهود) احترازا من قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ [الأنعام: 158]، وأم من يأتي آمنا وشبهه. ورفل معناه: عظم. وقوله ودعائي في جنا حلو هدية أخبر أن المشار إليهم بالفاء والجيم والحاء والهاء في قوله: في جنا حلو هديه وهم حمزة وورش وأبو عمرو والبزي أثبتوا الياء في قوله تعالى و (تقبل دعائي) [إبراهيم: 40]، وهم على أصولهم فأما حمزة وورش وأبو عمرو فيزيدونها في الوصل ويحذفونها في الوقت والبزي يزيدها في الحالين والباقون على حذفها في الحالين ولم يقيدها بشيء لأنها لا تلتبس بدعائي إلا فرارا لأن الياء في ذلك من ياءات الإضافة وقد ذكرت في فصل الهمزة المكسورة المتقدمة وقوله وفي اتبعون إلى آخره أخبر أن المشار إليهم بقوله حق وبالباء من قوله حقه بلا وهم ابن كثير وأبو عمرو وقالون أثبتوا الياء في غافر (من اتبعون أهدكم سبيل الرشاد) [غافر: 38]، وهم أصولهم المتقدمة فابن كثير يثبت في الحالين وأبو عمرو وقالون في الوصل دون الوقف والباقون على الحذف في الحالين وقيد اتبعون بقوله أهدكم احترازا من قوله تعالى فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31]، فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [طه: 90]، و (اتبعوني هذا صراط مستقيم) [الزخرف: 61]، وقوله بلا بمعنى اختبر والرواية في البيت الأول إثبات ياء الطرفين وحذف البواقي وإسكان النونين وفي البيت الثاني قصر الإسراء ولا يتزن البيت إلا بإسكان نون تتبعن وحذف الأولى والأخيرة. وأما نبغ فيتزن بالحذف على القبض والإثبات على التمام وهو الرواية والبيت الثالث يتزن بحذف الياءين والرواية إثباتهما.
وإن ترني عنهم تمدّونني سما ... فريقا ويدع الدّاع هاك جنا حلا
قوله عنهم أي عن المشار إليهم بقوله حقه بلا في البيت الذي قبل هذا وهم ابن كثير وأبو عمرو وقالون أثبتوا الياء في إن ترني أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ [الكهف: 39] بالكهف وهم على أصولهم المتقدمة. وقوله: تمدونني أخبر أن المشار إليهم بسما وبالفاء في قوله سما فريقا، وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وحمزة أثبتوا الياء في (أتمدونني بمال) [النمل: 36]، وهم على ما تقدم، أما ابن كثير فيثبت في الحالين على أصله وكذلك يثبت حمزة هذه في الحالين وهو المشار إليه بقوله وأولى النمل حمزة كملا، وأما نافع أبو عمرو فإنهما يثبتانها في الوصل دون الوقف والباقون على الحذف في الحالين وقوله (ويدع الداع) إلى آخره
(1/142)

أخبر أن المشار إليهم بالهاء والجيم والحاء في قوله هاك جنى حلا، وهم البزي وورش وأبو عمرو أثبتوا الياء في قوله يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ [القمر: 6] وهم على أصولهم فالبزي يثبت في الحالين وورش وأبو عمرو في الوصل لا غير والباقون على الحذف في الحالين. وقيد الداع بقوله يدع احترازا من دعوة الداع وإلى الداع وقوله هاك بمعنى خذ أي خذ ثمرا حلوا وهو ما نظمه
والوزن على إثبات الأوليين وحذف الأخيرة.
وفي الفجر بالوادي دنا جريانه ... وفي الوقف بالوجهين وافق قنبلا
أخبر أن المشار إليهما بالدال والجيم في قوله دنا جريانه، وهما ابن كثير وورش أثبتا الباء في جابوا الصخر بالواد في الفجر أما ورش فعلى أصله في إثباتها في الوصل وحذفها في الوقف وأما ابن كثير فإنه يثبتها في رواية البزي عنه في الحالين على أصله وعنه من رواية قنبل وجهان إثباتها في الحالين على أصله وإثباتها في الوصل وحذفها في الوقف وهذا معنى قوله وفي الوقف بالوجهين وافق قنبلا وبقي الباقون على الحذف في الحالين، وقيد الواد بالفجر احترازا من قوله: بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ [طه: 12].
وأكرمني معه أهانن إذ هدى ... وحذفهما للمازني عدّ أعدلا
أخبر أن المشار إليهما بالهمزة والهاء في قوله إذ هدى وهما نافع والبزي أثبتا الياء من أكرمني وأهانني بالفجر وكل واحد منهما على أصله فنافع يثبتهما في الوصل ويحذفهما في الوقف والبزي يثبتهما في الحالين وهي رواية ابن مجاهد وعليها عوّل الداني والناظم. ثم قال وحذفهما إلى آخره أخبر أن حذف الياءين من أكرمني وأهانني لأبي عمرو عدّ أعدل أي أحسن لأنهما رأس آيتين وهو يعتمد الحذف في رءوس الآيات وقد روى إثباتهما في الوصل دون الوقف على قاعدته والحذف أولى كما ذكر الناظم. وبقي الباقون على الحذف فيهما في الحالين والوزن على إثبات الأولى وحذف الثانية.
وفي النّمل آتاني ويفتح عن أولي ... حمى وخلاف الوقف بين حلا علا
أخبر أن المشار إليهم بالعين والهمزة والحاء في قوله عن أولي حمى وهم حفص ونافع وأبو عمرو قرءوا بالنمل فَما آتانِيَ اللَّهُ [النمل: 36] بإثبات الياء مفتوحة في الوصل ثم أخبر أن المشار إليهم بالياء والحاء والعين في قوله بين حلا علا وهم قالون وأبو عمرو وحفص وهم المذكورون في الترجمة الأولى إلا ورشا اختلف عنهم في الوقف فروى عنهم إثباتها ساكنة وحذفها وسكت عن ورش لبقائه على
(1/143)

قاعدته يحذفها في الوقف على أصله في زوائده ويثبتها في الوصل مفتوحة لأنه مذكور في جملة من يفتح في الوصل وأما الباقون فإنهم يحذفونها في الحالين اتباعا للرسم ولأجل ذلك عدها الناظم في الزوائد وقيدها بالنمل ليخرج نحو آتاني الكتاب وآتاني رحمة.
ومع كالجواب الباد حقّ حناهما ... وفي المهتد الإسرا وتحت أخو حلا
أخبر أن المشار إليهم بحق وبالجيم في قوله: حق جناهما، وهم ابن كثير وأبو عمرو وورش قرءوا وجفان كالجواب والعاكف فيه والباد بإثبات الياء فيهما وهم على أصولهم فابن كثير يثبت في الحالين أبو عمرو وورش في الوصل والباقون بالحذف في الحالين. والجنى:
المجني. ثم أخبر أن المشار إليهما بالهمزة والحاء في قوله أخو حلا وهما نافع وأبو عمرو أثبتا الياء في قوله تعالى فهو المهتد بسبحان والكهف وهما على أصولهما يثبتان في الوصل دون الوقف والباقون على الحذف في الحالين وقيد المهتدي بقوله الإسراء وبقوله تحت احترازا من المهتدي بالأعراف لأنه من الثوابت. فإن قيل كيف يصح قوله وفي المهتدي الإسرا وإنما هو المهتدي في الإسراء. قيل معناه واشترك في المهتدي سورة الإسراء والسورة التي تحتها وهي سورة الكهف.
وفي اتّبعن في آل عمران عنهما ... وكيدون في الأعراف حجّ ليحملا
بخلف وتؤتوني بيوسف حقّه ... وفي هود تسألني حواريه جمّلا
قوله عنهما. أي عن المشار إليهما بالهمزة والحاء في البيت الذي قبل هذين البيتين في قوله أخو حلا، وهما نافع وأبو عمرو أثبتا الياء في قوله تعالى: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ في الوصل خاصة على قاعدتهما والباقون على الحذف في الحالين وقوله:
(وكيدون) [الأعراف: 195]، حج ليحملا بخلف أخبر أن المشار إليهما بالحاء واللام في قوله حج ليحملا، وهما أبو عمرو وهشام أثبتا الياء في ثم كيدون في الأعراف فأما أبو عمرو فلا خلاف عنه في ذلك وهو على أصله يثبتها في الوصل ويحذفها في الوقف، وأما هشام فإن عنه خلافا فيها روى عنه إثباتها في الحالين وحذفها في الحالين، والباقون يحذفونها في الحالين وقيد اتبعن بآل عمران ليخرج ومن اتبعني بيوسف فإنها ثابتة للكل، (وكيدون) [الأعراف: 195]، ليخرج فَكِيدُونِي [هود: 55]، فإنها ثابتة للكل، فَكِيدُونِ [المرسلات: 39]، فإنها محذوفة للسبعة وقوله حج أي غلب في الحجة ليحمل أي ليحمل ذلك عنه ويقرأ به وقوله (وتؤتوني) [هود: 55] بيوسف حقه أخبر أن المشار إليهما بحق في قوله حقه وهما ابن كثير وأبو عمرو أثبتا الياء في قوله تعالى: حَتَّى تُؤْتُونِ [يوسف:
66] موثقا من الله في يوسف وكل منهما على قاعدته فأما أبو عمرو فإنه يثبت في الوصل دون الوقف وابن كثير يثبت في الحالين والباقون بالحذف في الحالين وقوله
وفي هود إلخ أخبر أن المشار إليهما بالحاء والجيم في قوله حواريه جملا وهما أبو عمرو وورش أثبتا الياء في الوصل خاصة في قوله تعالى: فَلا تَسْئَلْنِ
(1/144)

ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [هود: 46]، وحذفها الباقون في الحالين (وقيدها) بهود ليخرج فَلا تَسْئَلْنِ [هود: 46] بالكهف وفي البيت الأول أتبعن بإسكان النون وكيدون بكسرها من غير ياء وفي الثاني تؤتوني وتسألني بإثبات الياءين للوزن.
وتخزون فيها حجّ أشركتمون قد ... هدان اتّقون يا أولي اخشون مع ولا
قوله فيها أي في سورة هود وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [هود: 78] أخبر أن المشار إليه بالحاء في قوله حج وهو أبو عمرو قرأ جميع ما في هذا البيت بإثبات الياء في الوصل وحذفها في الوقف على قاعدته وهي خمس وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [هود: 78]، وبِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم: 22]، وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ [الأنعام: 80]، وَاتَّقُونِ يا
أُولِي الْأَلْبابِ البقرة، وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا [المائدة: 44]، وحذفها الباقون في الحالين وقيد تخزون، ليخرج وَلا تُخْزُونِ بالحجر فإنها محذوفة وهدان بقد ليخرج لو أن الله هداني وشبهه لأنه ثابت واتقون يا أولي الألباب ليخرج نحو قوله تعالى وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ فإنها محذوفة وَاخْشَوْنِي بقوله مع ولا ليخرج واخشون اليوم فإنها محذوفة واخشوني ولأتمّ بالبقرة فإنها ثابتة، ووزن البيت على حذف الياءات.
وعنه وخافوني ومن يتّقي زكا ... بيوسف وافى كالصّحيح معلّلا
قوله: وعنه أي وعن أبي عمرو المشار إليه بالحاء من حج في البيت الذي قبل هذا إثبات الياء في الوصل دون الوقف في قوله تعالى: وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:
175]، وقرأ الباقون بحذفها في الحالين. وقوله ومن يتقي زكا إلى آخره أخبر أن المشار إليه بالزاي في قوله زكا وهو قنبل قرأ في يوسف إنه من يتقي ويصبر بإثبات الياء في الحالين على أصله وحذفها الباقون في الحالين وقيد يتقي بيوسف ليخرج أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ [الزمر:
24]، لأنه من الثوابت وقوله وافي كالصحيح أي جاء ساكن الآخر من غير حذف كمجيء الفعل الصحيح وقوله معللا أي معتلا بوجود حرف العلة في آخره وهو الياء، والله أعلم.
وفي المتعالي درّه والتّلاق والت ... ناد درا باغيه بالخلف جهّلا
أخبر أن المشار إليه بالدال في قوله در وهو ابن كثير أثبت الياء في المتعالي في الرعد وهو على أصله يثبت في الحالين والباقون بالحذف في الحالين. وقوله والتلاق إلى آخره أخبر أن المشار إليهم بالدال من درا والباء من باغيه والجيم من جهلا وهم ابن كثير وقالون وورش أثبتوا الياء في غافر من قوله تعالى: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ويَوْمَ التَّنادِ [غافر: 25]، وقوله بالخلف أي عن قالون وحده وهم على أصولهم فابن كثير يثبتهما في الحالين وورش يثبتهما في الوصل ويحذفهما في الوقف وقالون عنه فيهما وجهان روي عنه إثباتهما في الوصل وحذفهما في الوقف على أصله وروي عنه حذفهما في الحالين وأما باقي القراء فإنهم يحذفونهما في الحالين. ودرا بمعنى دفع فأبدل الهمزة ألفا وباغيه بمعنى طالبه يقال ابغ كذا أي اطلبه وجهلا جمع جاهل والوزن على حذف الأخيرتين والرواية إثبات الأولى ويجوز حذفها مع دخول الزحاف، وهو قبض مفاعيلن.
ومع دعوة الدّاعي دعاني حلا جنا ... وليسا لقالون عن الغرّ سبّلا
أخبر أن المشار إليهما بالحاء والجيم في قوله حلا جنا وهما أبو عمرو وورش أثبتا الياء في دعوة
(1/145)

الداع إِذا دَعانِ [البقرة: 186]. ثم قال وليسا لقالون عن الغرّ سبلا يعني أن الباء في هاتين الكلمتين لقالون عن الغر أي عن الأئمة الغرّ المشهورين وسبلا أي طرقا وفي هذا الكلام إشارة إلى أن إثباتهما ورد عن قالون ولم يأخذ بذلك الأئمة الغر لأنه لم
يصح عندهم عنه سوى حذفهما والاعتماد عليه، وقد تلخص من ذلك أن ورشا وأبا عمرو يثبتان في الوصل دون الوقف على أصليهما وأن قالون يحذفهما في الوقف وله فيهما في الوصل وجهان الحذف والإثبات. فإن قلت ما الذي دل على هذا التقدير. قلت تقييد النفي بالمشهورين إذ لو أراد مطلق النفي لقال وليسا منقولين عنه وأمسك، بل الإثبات منقول عن رواة دونهم في الشهرة ولم يتعرض له في التيسير قطعا بالحذف والباقون بحذفهما في الحالين ولا يتزن البيت إلا بإثبات الياء الأولى والرواية إثبات الثانية.
نذيري لورش ثمّ تردين ترجمو ... ن فاعتزلون ستّة نذري جلا
وعيدي ثلاث ينقذون يكذّبو ... ن قال نكيري أربع عنه وصلا
أخبر أن جميع ما في هذين البيتين من الكلم أثبت فيهن الياء ورش وحده في الوصل دون الوقف على أصله وحذفها الباقون في الحالين وهي فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك: 17]، وإِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: 56]، وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ [الدخان:
200]، وفيها وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [الدخان: 200]، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ [القمر: 18]، في ستة مواضع، وبإبراهيم ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ [إبراهيم:
14] وبقاف فَحَقَّ وَعِيدِ، وفيها مَنْ يَخافُ وَعِيدِ وفي يس وَلا يُنْقِذُونِ [يس: 23]، وبالقصص أَنْ يُكَذِّبُونِ [القصص: 34]، قال سنشدّ. وقيده بقال ليخرج يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي [الشعراء: 12]، فإنها محذوفة في الحالين ونكير أربع كلمات فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ [الملك: 18]، فكأين من بالحج قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ [سبأ: 46]، ونكير ألم تر أن الله بفاطر
ونكير أو لم يروا إلى الطير بالملك فهذه تسع عشرة زائدة. وقوله عنه أي عن ورش وصلا أي نقل المذكور عنه وترجمون في البيت الأول بلا ياء والرواية إثبات البواقي وإن أمكن حذف البعض وفي البيت الثاني الوسطاني بلا ياء والرواية إثبات الطرفين.
فبشّر عباد افتح وقف ساكنا يدا ... وو اتّبعوني حجّ في الزّخرف العلا
أمر للمشار إليه بالياء في قوله يدا وهو السوسي بفتح الياء في الوصل في قوله تعالى:
(فبشر عبادي) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ [الزمر: 17]، وإسكانها في الوقف ولا خلاف بين الباقين في حذفها في الحالين اتباعا للرسم ولذلك عدها الناظم في الزوائد ووقع في نقل هذه الكلمة اختلاف كثير وأشار الناظم بقوله وقف ساكنا يدا إلى ترك الجدال أي النقل كذا فلا ترده بقياس وقف ساكنا يدا، وذلك أن المتكلم في إبطال الشيء أو إثباته قد يحرك يده في تضاعيف كلامه. وقوله واتبعوني، أخبر أن المشار إليه بالحاء في قوله حج وهو أبو عمرو أثبت الياء في الوصل في قوله تعالى: (واتبعوني هذا صراط) [الزخرف: 61]، وحذفها الباقون في الحالين وقيدها بالزخرف ليخرج المتفق على إثباتها نحو فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31]، والمحذوفة المتقدمة وتكفي الواو قيدا لكنه خفي وقوله العلا ليس برمز
لأن الناظم لا يفصل بين الرمز إلا بلفظ الخلف فامتنع العلا أن يكون رمزا لانفصاله عن حج بلفظ غير الخلف.
وفي الكهف تسألني عن الكلّ ياؤه ... على رسمه والحذف بالخلف مثّلا
أخبر أن الياء في قوله تعالى فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ [الكهف: 70]، ثابتة عن كل القراء في الحالين اتباعا
(1/146)

للرسم ثم قال والحذف إلى آخره. أخبر أن المشار إليه بالميم في قوله مثلا هو ابن ذكوان روي عنه حذفها بخلاف عنه فله إثباتها في الحالين كالجماعة وله حذفها فيهما، فإن قيل من أين يفهم أن إثبات الكل في الحالين، وهلا جرى على قاعدة الباب؟ قيل هي زائدة على عدة الياءات المقرر لها تلك القاعدة فهي مطلقة والعموم هو المفهوم من الإطلاق بخلاف التي بهود فإنها من العدة وهي محذوفة رسما وهذه ثابتة فيه، وعلم أن الحذف في الحالين لأنه المقابل للإثبات العام.
وفي نرتعي خلف زكا وجميعهم ... بالإثبات تحت النّمل يهديني تلا
أخبر أن المشار إليه بالزاي من زكا وهو قنبل اختلف عنه في قوله تعالى: (أرسله معنا غدا نرتع ونلعب) [يوسف: 12]، فروي عنه إثبات الياء بعد العين في الحالين، وروي عنه حذفها فيهما والباقون يحذفونها في الحالين وسيأتي الخلاف فيه في سورته وقوله وجميعهم إلى آخره. أخبر أن جميع القراء تلا أي قرأ أن يهديني سواء السبيل بإثبات الياء في الحالين لثبوتها في الرسم في القصص وهي التي عبر عنها بقوله تحت النمل:
فهذي أصول القوم حال اطّرادها ... أجابت بعون الله فانتظمت حلا
لما تم الكلام في الأبواب المسماة أصولا أشار إليها بما للحاضر أي هذه الأصول قد تمت في أبوابها والقوم هم القراء أي هذه أصول القراء السبعة من الطرق التي ذكرتها أجابت مطردة لما دعوتها أي انقادت لنظمي طائعة بإذن الله تعالى فانتظمت مشبهة حلا والحلى جمع حلية والمطرد هو المستمر الجاري في أشباه ذلك الشيء وكل باب من أبواب الأصول لم يخل من حكم كلي مستمر في كل ما تحقق فيه شرط ذلك الحكم. والله أعلم.
وإنّي لأرجوه لنظم حروفهم ... نفائس أعلاق تنفّس عطّلا
أي أرجو عون الله أيضا لتسهيل نظم الحروف المنفردة غير المطردة أي حروف القراء السبعة وهو ما يأتي ذكره في الفرش من الحروف المختلف فيها نفائس أعلاق أي قلائد نفائس وعطلا جمع عاطل يقال جيد عاطل للعنق الذي لا حلى فيه. وتنفيسه أن تجعله ذا نفاسة، أشار إلى أن هذه الحروف المنظومة إذا قرأها من ليس له بها علم صار بها ذا شرف ونفاسة كالجيد العاطل إذا حلى بالأعلاق أي بالقلائد النفيسة صار ذا نفاسة بتحليه بعلمها وتزينه بفوائدها بعد أن لم يكن كذلك.
سأمضي على شرطي وبالله أكتفي ... وما خاب ذو جدّ إذا هو حسبلا
نص على أن اصطلاحه في الفرش كما هو في الأصول أي سأستمر على ما التزمته في أول القصيد من شرط القراءة والترجمة والرمز والقيود وأكتفي بالله معينا ثم قال وما خاب ذو جدّ أي صاحب جد وهو ضد الهزل وهو بكسر الجيم وبالفتح: العظمة وإذا قال المحق في شيء حسبي الله فإنه لا يخسر بل يظفر بأمنيته وهو قد حسبل بقوله: وبالله أكتفي فحصل له مراده إلى أن تمّ إنشاده، يقال حسبل إذا قال حسبي الله، وقد ذكرنا ما يسر الله تعالى من الوصول في الكلام على الأصول، والحمد لله وحده وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(1/147)

باب فرش الحروف
سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم القراء يسمون ما قلّ دوره من حروف القراءات المختلف فيها فرشا لأنها لما كانت مذكورة في أماكنها من السور فهي كالمفروشة بخلاف الأصول لأن الأصل الواحد منها ينطوي على الجميع وسمى بعضهم الفرش فروعا مقابلة للأصول وقوله سورة البقرة أي السورة التي يذكر فيها البقرة:
وما يخدعون الفتح من قبل ساكن ... وبعد ذكا والغير كالحرف أوّلا
أخبر أن المشار إليهم بالذال من ذكا وهم الكوفيون وابن عامر قرءوا وما يخدعون إلا أنفسهم بالفتح قبل الساكن يعني في الياء وبعد الساكن يعني في الدال وأراد
بالساكن الخاء ويلزم من ذلك حذف الألف. وقوله وما أي المصاحبة ليخدعون أتى به للوزن والخلاف في الثاني علم من قوله كالحرف أوّلا وإن شئت قلت التقييد ليخدعون بمصاحبة ما قبله كما نطق به احترازا من الحرف الأول من البقرة والثاني من النساء فإنهما ليس فيهما خلاف للسبعة.
ولما كانت قراءة الباقين لا يمكن أخذها من الضد لأن ضد الفتح في الياء وفي الدال الكسر كما تقدم وضد السكون في الخاء الحركة بالفتح ولم يقرأ بذلك أحد فاحتاج إلى بيان قراءة الباقين فأحالهما على الحرف الأول فقال والغير كالحرف أولا يعني أن غير الكوفيين وابن عامر وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو قرءوا وما يخادعون بضم الياء وفتح الخاء وألف بعدها كالحرف الأول الذي لا خلاف فيه وهو يخادعون الله والذين آمنوا والمراد بالحرف الفعل وسماه حرفا تنبيها على مذهب سيبويه في إطلاق الحرف على كل كلمة، ومعنى ذكا: أضاء من قولهم: ذكت النار: إذا اشتعلت.
وخفّف كوف يكذبون وياؤه ... بفتح وللباقين ضمّ وثقّلا
أخبر أن المشار إليهم بكوف وهم عاصم وحمزة والكسائي خففوا بما كانوا يكذبون.
والمراد بالتخفيف إسكان الكاف وإذهاب ثقل الذال ثم قال وياؤه بفتح، يعني لهم، أي قرأ عاصم وحمزة والكسائي يكذبون بفتح الياء وتخفيف الذال ويلزم من ذلك سكون الكاف ولما لم يمكن أخذ قراءة الباقين من الضد نص عليها لأن ضد الفتح الكسر فلو كسرت لكانت تختل ولكن نص عليها بقوله: وللباقين ضم أي الياء وثقلا أي الذال فيلزم من ذلك فتح الكاف والباقون هم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر قرءوا يكذبون بضم الياء وتشديد الذال وفتح الكاف. فإن قلت يكذبون في القرآن في ثلاثة مواضع: هنا وموضع آخر بالتوبة وهو قوله تعالى: أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة: 77]، وبالانشقاق بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق: 22]، فلم لم يعين هذا دون غيره؟. قلت الكلام في الفرش لا يعم إلا بقرينة ولا قرينة فتعين هذا دون غيره ولأنه لو أراد جميعها لقال بحيث أتى، أو موضعين منها لقال معا ونحوه فالذي بالتوبة لا خلاف بين السبعة في تخفيفه، وعكسه الذي بالانشقاق.
وقيل وغيض ثمّ جيء يشمّها ... لدى كسرها ضمّا رجال لتكمّلا
وحيل بإشمام وسيق كما رسا ... وسيء وسيئت كان راويه أنبلا
(1/148)

أخبر أن المشار إليهما بالراء واللام في قوله رجال لتكملا وهما الكسائي وهشام أشما كسر قيل وغيض وجيء ضما وأن المشار إليهما بالكاف والراء في قوله كما رسا وهما ابن عامر والكسائي فعلا ذلك في حيل وسيق وأن المشار إليهم بالكاف والراء والهمزة في قوله كان راويه أنبلا وهم ابن عامر والكسائي ونافع فعلوا ذلك في سيء وسيئت فحصل من جميع ذلك أن الكسائي وهشاما يشمان في الجميع وأن ابن ذكوان يوافق في حيل وسيق وسيء وسيئت وأن نافعا يوافق في سيء وسيئت فتعين للباقين الكسر الخالص في الجميع، وأطلق الناظم هذه الأفعال ولم يبين مواضع القراءة وفيها ما قد تكرر والعادة المستمرة منه فيما يطلق أنه يختص بالسورة التي هو فيها كما في يكذبون السابقة ولكن لما أدرج مع قيل هذه الأفعال الخارجة من هذه السورة كان ذلك قرينة واضحة في طرد الحكم حيث وقعت قيل وغيرها من هذه الأفعال وأراد وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض وإذا قيل لهم آمنوا وما جاء من لفظ قيل وهو فعل ماض وَغِيضَ الْماءُ [هود: 44]، وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ [الزمر: 69]، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: 23]، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ [سبأ: 54]، وَسِيقَ الَّذِينَ [الزمر: 71]، موضعان بالزمر (وسيء بهم) [هود: 77]، في هود والعنكبوت وسِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الملك: 27]، وكيفية الإشمام في هذه الأفعال أن تنحو بكسر أوائلها نحو الضمة، وبالياء بعدها نحو الواو فهي حركة مركبة من حركتين كسر وضم، لأن هذه الأوائل وإن كانت مكسورة فأصلها أن تكون مضمومة لأنها أفعال ما لم يسم فاعله فأشمت الضم دلالة على أنه أصل ما تستحقه وهي لغة فاشية للعرب وأبقوا شيئا من الكسر تنبيها على ما تستحقه من الإعلال ولهذا قال الناظم لتكملا أي لتكمل الدلالة على الأمرين ولم يقتصر على ذكر الإشمام بل قال
يشمها لدى كسرها ضما لأنه لو سكت على الإشمام لحمل على ضم الشفتين المذكور في باب الوقف، وهذا يخالف المذكور في باب الوقف لأنه في الأول ويعم الوصل والوقف ويسمع وحرفه متحرك وذاك في الأخير والوقف ولا يسمع وحرفه ساكن ويخالف المذكور في الصاد أعني النوع الثالث في اصطلاحه وهو إشمام الصاد الزاي وقوله وقيل مقيد بالفعل كما نطق به ليخرج غير الفعل نحو من الله قيلا وقيله يا رب إلا قيلا سلاما وأقوم قيلا، جميع هذا لا أصل له في الضم فلا يدخل في هذا الباب بل يقرأ بكسر أوائله للجميع وقوله وحيل الواو فيه فاصلة فقط لأنه استأنف الحكم فلو لم يستأنفه لجعلناها عاطفة فاصلة والواو في قوله وسيء عاطفة فاصلة ومعنى رسا أي استقر في النقل وثبت وأنبلا أي نبيلا عظيما أو زائد النبل:
وها هو بعد الواو والفا ولامها ... وها هي أسكن راضيا باردا حلا
وثمّ هو رفقا بان والضّمّ غيرهم ... وكسر وعن كلّ يملّ هو انجلا
أمر بإسكان الهاء من لفظ هو والهاء من لفظ هي بعد واو أو فاء أو لام زائدة نحو وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 29]، فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ [النحل: 63]، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ [الحج: 64]، وهي تجري بهم فهي كالحجارة لهي الحيوان للمشار إليهم بالراء والباء والحاء في قوله راضيا باردا حلا وهم الكسائي وقالون وأبو عمرو وقولنا زائدة أخرج لهو ولعب ولهو الحديث عن المختلف فيه إذ الهاء ساكنة باتفاق لأنها ليست هاء هو الذي هو ضمير مرفوع منفصل ثم أمر بإسكان الهاء من ثم هو يوم القيامة من المحضرين للمشار إليهما بالراء وبالباء في قوله رفقا بان وهما الكسائي وقالون ثم أخبر أن غير المذكورين يضمون الهاء من هو ويكسرونها من هي فقال والضم
غيرهم وكسر ثم أخبر أن كلهم قرءوا أن يمل هو بضم الهاء على ما لفظ به وإنما ذكر ذلك احترازا من أن
(1/149)

يدخل فيما سكن بعد اللام المذكور في ولامها فبين أن يمل ليس منه لأن يمل كلمة مستقلة فليست حرفا لتحمل على أخواتها ونبه أيضا على أن الرواية التي جاءت عن قالون من طريق الحلواني في إسكانه متروكة فإنها مخالفة لما رواه جميع أصحاب قالون فلهذا قال انجلى أي انكشف.
وفي فأزلّ اللّام خفّف لحمزة ... وزد ألفا من قبله فتكمّلا
أمر بتخفيف اللام من فأزلهما الشيطان عنها لحمزة وبزيادة ألف قبل اللام لأنه لا يكمل مع تخفيف اللام إلا بزيادة ألف ولذلك قال فتكملا وتعين للباقين تثقيل اللام من غير ألف والضمير في قبله يعود على اللام وليست الفاء في فتكملا برمز فإنه صرح باسم القارئ لما سمح له النظم.
وآدم فارفع ناصبا كلماته ... بكسر وللمكيّ عكس تحوّلا
أمر أن يقرأ لكل القراء غير ابن كثير فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة: 37]، برفع آدم ونصب كلمات بالكسر.
يعني أن إشمام كسر القاف الضم خاص بلفظ قيل إذا كان فعلا ماضيا مبنيا للمجهول، وبهذا على قاعدة الجمع المؤنث السالم لأن علامة النصب فيه الكسر ثم أخبر أن المكي وهو عبد الله بن كثير عكس ذلك وعكسه نصب آدم ورفع كلمات، ومعنى التحول: الانتقال.
ويقبل الأولى أنّثوا دون حاجز ... وعدنا جميعا دون ما ألف حلا
أخبر أن المشار إليهما بالدال والحاء في قوله دون حاجز وهما ابن كثير وأبو عمرو قرآ ولا تقبل منها شفاعة بالتاء المثناة فوق للتأنيث وقيد كلمة الخلاف بقوله الأولى احترازا من قوله تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ [البقرة: 123]، لأن الفعل هناك مسند إلى مذكر وهو عدل فلا يجوز فيه إلا التذكير ومعنى دون حاجز الحجز المنع أي دون مانع من التأنيث لأن الشفاعة مؤنثة وتعين للباقين القراءة بالياء المثناة من تحت للتذكير. ثم أخبر أن المشار إليه بالحاء من حلا وهو أبو عمرو وقرأ وعدنا دون ألف أي بغير ألف بين الواو والعين وقوله جميعا أي في جميع القرآن في قصة موسى فقط وهو ثلاث مواضع وإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [البقرة: 51]، هنا وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً [الأعراف: 142]، وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ [طه: 80]، فإن قيل ظاهر كلامه العموم فيها وفي غيرها. قيل لا نسلم ذلك لأنه لما ذكرها في قصة موسى قضى بالتقييد واقعا في القصة فلا يؤخذ في غيرها ولا يرد عليه أفمن وعدناه وعدا ونحوه. وقوله دون ما ألف تقييد ليس فيه رمز وتعين للباقين القراءة بإثبات الألف.
وإسكان بارئكم ويأمركم له ... ويأمرهم أيضا وتأمرهم تلا
وينصركم أيضا ويشعركم وكم ... جليل عن الدّوريّ مختلس جلا
الهاء في له عائد عن أبي عمرو والمتقدم الذكر في قوله حلا في البيت السابق يعني أن إسكان الكلم الستّ المذكورة في البيتين لأبي عمرو ويريد إسكان الهمزة من بارئكم في الموضعين وإسكان الراء فيما بقي حيث وقع وجملته اثنا عشر موضعا وهو يَنْصُرْكُمُ [آل عمران: 160]، والملك ويأمركم ويأمرهم وتأمرهم تسعة مواضع أربعة مواضع بالبقرة وموضعان بآل عمران وموضع بالنساء وموضع بالأعراف وموضع بالطور ويشعركم بالأنعام ثم أخبر أن كثيرا ممن يوصف بالجلالة من العراقيين روي عن الدوري الاختلاس وهي الرواية الجيدة المختارة وكيفية الاختلاس أن تأتي بثلثي الحركة فحصل للدوري وجهان:
الاختلاس والإسكان وللسوسي الإسكان فقط وللباقين إتمام الحركة. فإن قيل يقتضي أن تكون قراءة الباقين بالفتح
(1/150)

لأن ضد السكون إذا أطلق الحركة الفتح. قيل أما بارئكم فإنه في الآية في الموضعين مجرور ولا يتصور فيه الفتح وإذا كان كذلك لم يبق فيه إلا الإسكان أو
الإشباع أو الاختلاس وأما الألفاظ التي بعد بارئكم فرويت في النظم بالإسكان كلها مع صلة الميم ورويت برفعها مع عدم الصلة والوزن في الروايتين مستقيم لكن الأولى أن يقرأ بإشباع الحركة في الجميع ليكون قد نطق بقراءة غير أبي عمرو، وقيد قراءة أبي عمرو بالإسكان وليست همزة أيضا برمز لأنها ترجمة وكذا تاء تلا وجيم جلا للصريح ومعنى جلا كشف أي كشف الاختلاس بالرواية والتلاوة.
وفيها وفي الأعراف نغفر بنونه ... ولا ضمّ واكسر فاءه حين ظلّلا
وذكّر هنا أصلا وللشّام أنّثوا ... وعن نافع معه في الأعراف وصّلا
قوله: وفيها أي في البقرة أي اقرأ للمشار إليهم بالحاء والظاء في قوله حين ظللا وهم أبو عمرو والكوفيون وابن كثير يَغْفِرْ لَكُمْ [البقرة: 58]، [الأعراف: 161]، بالتقييد الذي ذكره بنون مفتوحة مكسورة الفاء. وقوله ولا ضم يعني في النون فتعين فتحها لأنه ضد الضم وتعين للغير الضم وفتح الفاء وضد النون وهو الياء ثم أخبر أن المشار إليه بالهمزة في قوله أصلا وهو نافع قرأ بالتذكير هنا يعني بالبقرة وقوله وللشام أنثوا يعني الشامي وهو ابن عامر قرأ في البقرة والأعراف بالتأنيث وهو ضد التذكير وقوله وعن نافع معه أي مع ابن عامر في الأعراف يعني أن نافعا قرأ في الأعراف بالتأنيث كقراءة ابن عامر ومعنى وصلا أي وصل الحكم الذي قرأ به هنا إلى سورة الأعراف فحصل مما ذكر أن أبا عمرو ومن ذكر معه قرءوا في السورتين بالنون وفتحها وكسر الفاء وأن نافعا قرأ في البقرة بالياء المثناة تحت للتذكير وضمها وفتح الفاء وقرأ بالأعراف بالتاء المثناة فوق وضمها وفتح الفاء وأن ابن عامر قرأ في السورتين كقراءة نافع بالأعراف فصار أبو عمرو وأصحابه بالنون فيهما وابن عامر بتأنيثهما ونافع بتذكير الأولى وتأنيث الثانية وكلهم قرءوا في هذه السورة خَطاياكُمْ [البقرة: 58]، بوزن قضاياكم.
وجمعا وفردا في النّبيء وفي النّبو ... ءة الهمز كلّ غير نافع أبدلا
وقالون في الأحزاب في للنّبيّ مع ... بيوت النّبيّ الياء شدّد مبدلا
أي قرأ القراء كلهم إلا نافعا في النبي الواحد حيث وقع وكذا جمع السلامة بياء مشددة تابعة وجمع التكسير بياء خفيفة بعد الباء والمصدر بواو مشددة مفتوحة، وهمز نافع جميع ذلك فظهر المدغم إلا قالون فإنه قرأ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ [الأحزاب: 50]، ولا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ [الأحزاب: 53]، بياء مشددة في الوصل وبالهمز في الوقف وذلك نحو يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأحزاب: 45]، وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: 112]، وما كانَ لِلنَّبِيِّ [التوبة: 113]، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ [البقرة: 61]، ويَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ [المائدة: 44]، وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ [آل عمران: 112]، وأنبياء الله والحكم والنبوة وهذه
في البيت منصوبة التاء على حكاية لفظ القرآن واتفقوا كلهم على إثبات الهمزة المتطرفة التي بعد الألف من لفظ أنبياء والأنبياء في الوصل والوقف إلا حمزة وهشاما فإنهما يقفان بتركها وعلمت قراءة نافع من الضد لأن ضد التخفيف التحقيق والإظهار ضد الإدغام وفائدة قوله مبدلا لينص على أن قالون فعل ذلك لما عرض من اجتماع الهمزتين لأن كل واحد من هذين الموضعين بعد همزة مكسورة ومذهبه في باب الهمزتين المكسورتين أن يسهل الأولى إلا أن يقع قبلها حرف مد فتبدل فلزمه أن يفعل هنا ما فعل في بالسوء إلا أبدل ثم أدغم غير أن هذا الوجه متعين هنا لم يرو غيره.
(1/151)

وفي الصّابئين الهمز والصّابئون خذ ... وهزؤا وكفؤا في السّواكن فصّلا
وضمّ لباقيهم وحمزة وقفه ... بواو وحفص واقفا قم موصلا
أمر بالأخذ بالهمزة للمشار إليهم بالخاء في قوله خذوهم القراء كلهم إلا نافعا قرءوا وَالصَّابِئِينَ [البقرة: 62]، والحج بزيادة همزة مكسورة وَالصَّابِئُونَ [المائدة: 69]، بزيادة همزة مضمومة بعد كسر وقرأ نافع جميع ذلك بلا همز وضم ما قبل الواو وهو مفهوم من قوله ومستهزءون الحذف فيه ونحوه وضم وأخمل الكسر ثم وأما قراءة نافع الصابين والصابون بوزن الغازين والغازون فجيدة وقوله وهزوا وكفوا يعني أن المشار إليه بالفاء في قوله فصلا وهو حمزة قرأ هزوا كيف حصل نحو أَتَتَّخِذُنا هُزُواً [البقرة: 67] وهزوا لعبا بإسكان الزاي وكفوا أحد بإسكان الفاء والباقون بضمها وأبدل حمزة همزهما واوا في الوقف وحققهما في الوصل وأبدلهما حفص واوا في الوقف والوصل والباقون بتحقيقهما في الحالين ومعنى في السواكن فصلا أي انتقلا في قراءته من نوع الهمزة المتحركة المتحرك ما قبلها إلى المتحركة الساكن ما قبلها:
وبالغيب عمّا تعملون هنا دنا ... وغيبك في الثّاني إلى صفوه دلا
أخبر أن المشار إليه بالدال في قوله دنا وهو ابن كثير قرأ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: 85]، (أفتطمعون بالغيب) أي بالياء المثناة تحت فتعين للباقين القراءة بالتاء المثناة فوق للخطاب وأشار بقوله هنا للمكان الذي فيه هزوا وقوله دنا أي قرب مما انقضى الكلام فيه. ثم أخبر أن المشار إليهم بالهمزة والصاد والدال في قوله إلى صفوه دلا وهم نافع وشعبة وابن كثير قرءوا بالغيب في الثاني وهو عما يعملون أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا [البقرة: 86]، فتعين للباقين القراءة بالخطاب، ومعنى دلا: أرسل دلوه:
خطيئته التّوحيد عن غير نافع ... ولا يعبدون الغيب شايع دخللا
أخبر أن السبعة إلا نافعا قرءوا وأحاطت به خطيئته بالتوحيد كما نطق فتعين أن نافعا قرأ خطيئاته بزيادة ألف الجمع وهو جمع السلامة لأن الجمع المطلق يحمل على التصحيح
للوضوح وقال بعضهم في كلامه ما يدل على إرادة جمع التصحيح بالألف والتاء لأنه نطق بالتاء مضمومة فكأنه قال التاء مضمومة للكل ثم أخبر أن المشار إليهم بالشين والدال في قوله شايع دخللا وهم حمزة والكسائي وابن كثير قرءوا لا يعبدون إلا الله بالغيب فتعين للباقين القراءة بالخطاب وروي في النظم الغيب بالرفع والنصب وقوله شايع أي تابع الغيب هنا الغيب فيما قبله من يعملون لأن الأشياع الأتباع والدخلل الذي يداخلك في أمورك:
وقل حسنا شكرا وحسنا بضمّه ... وساكنه الباقون وأحسن مقوّلا
أمر بالقراءة في قوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة: 83]، بفتح الحاء والسين على ما لفظ به للمشار إليهما بالشين في قوله شكرا وهما حمزة والكسائي ثم بين قراءة الباقين وقيدها بالضم والإسكان أي بضم الحاء وإسكان السين ولزم من ذلك تقييد قراءة حمزة والكسائي وأن لفظهما قد جلا عنهما لأن الضم ضده الفتح والإسكان ضده التحريك المطلق والتحريك المطلق هو الفتح، وقوله وأحسن مقولا، أي ناقلا:
وتظّاهرون الظّاء خفّف ثابتا ... وعنهم لدى التّحريم أيضا تحلّلا
أخبر أن المشار إليهم بالثاء في قوله ثابتا وهم الكوفيون قرءوا تظاهرون عليهم بتخفيف الظاء
(1/152)

وانهم قرءوا، وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ [التحريم: 4]، في سورة التحريم كذلك فتعين للباقين تثقيل الظاء فيهما وقوله تحللا أي أبيح من التحليل وحسن ذكره بعد ذكر التحريم:
وحمزة أسرى في أسارى وضمّهم ... تفادوهمو والما إذ راق نفّلا
أخبر أن حمزة قرأ وإن يأتوكم أسرى بفتح الهمزة على وزن فعلى في موضع أسارى بضم الهمزة على وزن فعالى في قراءة الباقين ولفظ بالقراءتين من غير تقييد على ما
قرره في قوله:
«وباللفظ استغنى عن القيد إن جلا»، ثم إنه أخبر أن المشار إليهم بالهمزة والراء والنون في قوله إذ راق نفلا وهم نافع والكسائي وعاصم قرءوا تفادوهم بضم التاء والمد وأراد به إثبات الألف ومن ضرورة إثباتها فتح الفاء قبلها فتعين للباقين فتح التاء وحذف الألف ومن ضرورة حذف الألف سكون الفاء وراق الشراب أي صفا، ونفل أي زاد وأعطى النفل، والنفل الزيادة والغنيمة:
وحيث أتاك القدس إسكان داله ... دواء وللباقين بالضّم أرسلا
أخبر أن المشار إليه بالدال في قوله دواء وهو ابن كثير قرأ بإسكان دال القدس حيث وقع وإن الباقين قرءوا بضم الدال وإنما احتاج إلى بيان قراءة الباقين لأن الإسكان المطلق
ضده الفتح لا الضم وأرسل: أي أطلق الضم لهم. والقدس في البيت ساكن الدال للوزن:
وينزل خفّفه وتنزل مثله ... وننزل حقّ وهو في الحجر ثقّلا
أخبر أن المشار إليهما بحق وهما ابن كثير وأبو عمرو قرآ جميع ما جاء من لفظ ينزل وتنزل وننزل بتخفيف الزاي ويلزم من ذلك إسكان النون فتعين للباقين القراءتين بتثقيل الزاي ويلزم من ذلك فتح النون وإنما ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لأن مواضع الخلاف في القراءتين لا تخرج عنها من جهة أن أوائلها لا تخلو من ياء أو تاء أو نون وقد لفظ بها مضمومة الأوائل في البيت فلا يرد عليه ما كان مفتوح الأول نحو وما ينزل من السماء وما يعرج فيها فكأنه قال مثل هذا اللفظ مضموم إن كان ياء أو تاء أو نونا ومواضع الخلاف منقسمة إلى فعل مسند للفعل كالأمثلة التي ذكرها وإلى أمثلة مسندة للمفعول نحو أن ينزل عليكم من خير من ربكم ومن قبل أن تنزل التوراة ولم يذكر شيئا منها كما فعل صاحب التيسير والخلاف عام في كل فعل مضارع من هذا اللفظ ضم أوله سواء كان مبنيا للفاعل أو المفعول. وقوله وهو في الحجر ثقلا الضمير في قوله وهو عائد إلى آخر الأمثلة الثلاثة المذكورة وهو ننزل مثل الذي في الحجر لأن فيها موضعين أحدهما ما ننزل الملائكة وإن اختلف القراء في قراءته فزاؤه مشددة للجميع على ما سيأتي بيانه في سورته والثاني وما ننزله إلا بقدر معلوم أخبر أنه مثقل لجميع القراء ولهذا قال ثقلا بضم الثاء:
وخفّف للبصري بسبحان والّذي ... في الأنعام للمكّي على أن ينزّلا
أخبر أن ما جاء من ذلك في سورة سبحان خفف لأبي عمرو والذي جاء منه في سبحان موضعان أحدهما وننزل من القرآن والثاني حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه فبقي ابن كثير على التثقيل كالباقين والبصري على قاعدته وابن كثير مخالف لقاعدته ثم أخبر أن المكي وهو ابن كثير خفف في الأنعام إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً فبقي أبو عمرو فيه على التثقيل كالباقين وقيده الناظم بمصاحبة على احترازا
(1/153)

من غيره في السورة فابن كثير على أصله وأبو عمرو مخالف فإن قيل هل لا قال وثقل للمكي بسبحان والذي في الأنعام للبصري، قيل: لو قال ذلك لأوهم أن المكي انفرد بالتثقيل في سبحان وأن البصري انفرد بالتثقيل في الأنعام فيقرأ للباقين بالتخفيف في السورتين وليس الأمر كذلك:
ومنزلها التّخفيف حقّ شفاؤه ... وخفّف عنهم ينزل الغيث مسجلا
أخبر أن المشار إليهم بحق وبالشين في قوله حق شفاؤه وهم ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي خففوا إني منزلها عليكم بالمائدة وينزل الغيث بلقمان والشورى وتعين للباقين التثقيل وقوله مسجلا أي مطلقا.
وجبريل فتح الجيم والرّا وبعدها ... وعى همزة مكسورة صحبة ولا
بحيث أتى والياء يحذف شعبة ... ومكّيّهم في الجيم بالفتح وكّلا
أخبر أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة قرءوا جبرئيل بفتح الجيم والراء وإثبات همزة مكسورة بعدها حيث وقع ثم أخبر أن شعبة يحذف الياء وأن الهمزة باقية على حالها ثم أخبر أن المكي وهو ابن كثير يفتح الجيم من جبريل الملفوظ به فحصل مما ذكر أن حمزة والكسائي يقرءان بفتح الجيم والراء وإثبات همزة مكسورة بعدها ياء بوزن جبرعيل وأن شعبة يقرأ بفتح الجيم والراء وإثبات همزة مكسورة بعد الراء من غير ياء بوزن جبرعل وأن ابن كثير يقرأ جبريل بفتح الجيم وكسر الراء وإثبات الياء من غير همز وأن الباقين وهم نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص يقرءون جبريل بكسر الجيم والراء وإثبات ياء من غير همز على ما لفظ به في البيت فهذه أربع قراءات وقوله وعى، أي حفظ:
ودع ياء ميكائيل والهمز قبله ... على حجّة والياء يحذف أجملا
قوله دع أي اترك أمر بترك الياء والهمزة التي قبل الياء من لفظ ميكائيل للمشار إليهما بالعين والحاء في قوله على حجة وهما حفص وأبو عمرو فتعين للباقين إثباتهما على ما لفظ به ثم أخبر أن المشار إليه بالهمزة في قوله أجملا وهو نافع بحذف الياء وحدها ودلنا على أنه أراد الثانية قوله والهمز قبله فلما عرف ذلك أعاد ذكرها بحرف العهد فقال والياء فحصل مما ذكر ثلاث قراءات فحفص وأبو عمرو يقرءان ميكال بلا همز ولا ياء بوزن مثقال ونافع يقرأ ميكائيل بالهمز من غير ياء بوزن ميكاعل والباقون يقرءون ميكائيل بالهمز وبعده الياء بوزن ميكاعيل، وأجملا: أي جميلا:
ولكن خفيف والشّياطين رفعه ... كما شرطوا والعكس نحو سما العلا
أخبر أن المشار إليهم بالكاف والشين في قوله كما شرطوا وهم ابن عامر وحمزة والكسائي قرءوا ولكن الشياطين كفروا بتخفيف نون ولكن وكسرها في الوصل ورفع الشياطين كما شرطوا أي كما شرط النحاة أن لكن إذا خففت بطل عملها ثم أخبر أن المشار إليهم بالنون وسما في قوله نحو سما وهم عاصم ونافع وابن كثير وأبو عمرو قرءوا ولكن بتشديد النون وفتحها والشياطين بالنصب وهو عكس القيد المذكور:
(1/154)

وننسخ به ضمّ وكسر كفى وننس ... ها مثله من غير همز ذكت إلى
أخبر أن المشار إليه بالكاف في قوله كفى وهو ابن عامر قرأ ما ننسخ بضم النون الأولى وكسر السين فتعين للباقين القراءة بفتحهما ثم أخبر أن المشار إليهم بالذال والهمزة في قوله ذكت إلا وهم الكوفيون ونافع وابن عامر قرءوا أو ننسها بالتقييد الذي ذكره لابن عامر في ننسخ وهو ضم النون الأولى وكسر السين وأضاف إلى ذلك ترك الهمز فتعين للباقين القراءة بفتح النون والسين وإثبات همزة ساكنة للجزم. قوله ذكت ألا أي اشتهرت القراءة
وألا هنا اسم وهو واحد الآلاء التي هي النعم يقال للمفرد بفتح الهمزة وكسرها:
عليم وقالوا الواو الأولى سقوطها ... وكن فيكون النّصب في الرّفع كفّلا
وفي آل عمران في الأولى ومريم ... وفي الطّول عنه وهو باللّفظ أعملا
أخبر أن المشار إليه بالكاف في قوله كفلا وهو ابن عامر قرأ عليم قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: 116]، بإسقاط الواو الأولى من وقالوا وقيده بقوله عليم وقيده بقوله عليم احترازا من وقالوا لن يدخل الجنة وتعين للباقين أن يقرءوا عليم وقالوا بإثبات الواو.
ثم أخبر أن ابن عامر المشار إليه بكاف كفلا أتي بالنصب في موضع الرفع في قوله فيكون الذي قبله كن وقيد القراءتين تصحيحا للمعنى وجمع مسألتين برمز واحد جريا على اصطلاحه وأراد في هذه السورة كن فيكون وقال الذين لا يعلمون وبآل عمران كن فيكون ونعلمه الكتاب وقيده بقوله الأولى احترازا من كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82]، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [يونس: 94]، فإنه لا اختلاف فيه وأراد في مريم كُنْ فَيَكُونُ [مريم: 35]، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ [البقرة: 147] وفي الطول عنه أي عن ابن عامر في سورة غافر كُنْ فَيَكُونُ [غافر: 68]، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ [غافر: 69]، وقرأ الباقون برفع النون في الأربعة وقوله وهو باللفظ أعملا أشار إلى وجه قراءة النصب وذلك أن الفاء تنصب في جواب الأمر كقولك زرني فأكرمك فأتى لفظ كن فيكون مشبها لهذا وليس هو من باب الأمر والجواب على الحقيقة ولكنه أشبهه:
وفي النّحل مع يس بالعطف نصبه ... كفى راويا وانقاد معناه يعملا
أخبر أن المشار إليهما بالكاف والراء في قوله كفى راويا وهما ابن عامر والكسائي قرآ في النحل كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40]، وَالَّذِينَ هاجَرُوا [البقرة: 218]، وفي يس كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82]، فسبحان بالنصب وقرأ الباقون بالرفع فيهما وقوله بالعطف نصبه إشارة إلى ظهور وجه النصب لأنه تقدم قبله منصوب في هذين الموضعين بخلاف غيرهما فلأجل ذلك وافقه الكسائي فيهما ومعنى كفى راويا أي كفى راويه الوقيعة فيه من جهلة النحاة لظهور وجهه لأن المواضع الأربعة التي انفرد بها ابن عامر طعن فيه عليها قوم من النحاة قالوا لا يصح فيها النصب وجميع ما في القرآن من قوله كن فيكون ثمانية مواضع:
ستة مختلف فيها وهي هذه، واثنان لم يقع فيهما خلاف. الثاني في آل عمران وهو قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [البقرة: 147]، وفي الأنعام وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ [الأنعام: 73]، قوله الحق وقوله وانقاد أي سهل أي مشى معنى النصب مشبها يعملا واليعمل: الجمل القوي:
(1/155)

وتسأل ضمّوا التّاء واللّام حرّكوا ... برفع خلودا وهو من بعد نفي لا
أخبر أن المشار إليهم بالخاء في قوله خلودا وهم السبعة إلا نافعا قرءوا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم بضم التاء وتحريك اللام بالرفع وقوله وهو يعني الرفع أي والرفع من بعد لا النافية وتعين لنافع القراءة بفتح التاء وإسكان اللام لأن التحريك إذا ذكر دل على الإسكان في القراءة الأخرى، مقيدا كان مثل هذا أو غير مقيد. والخلود الإقامة على الدوام ولا نافية في قراءة الجماعة وناهية في قراءة نافع لأن النهي ضد النفي:
وفيها وفي نصّ النّساء ثلاثة ... أواخر إبراهام لاح وجمّلا
ومع آخر الأنعام حرفا براءة ... أخيرا وتحت الرّعد حرف تنزّلا
وفي مريم والنّحل خمسة أحرف ... وآخر ما في العنكبوت منزّلا
وفي النّجم والشّورى وفي الذّاريات وال ... حديد ويروي في امتحانه الأوّلا
ووجهان فيه لابن ذكوان هاهنا ... وو اتّخذوا بالفتح عمّ وأوغلا
أخبر أن المشار إليه باللام في قوله لاح وهو هشام قرأ إبراهام بالألف على ما لفظ به في ثلاثة وثلاثين موضعا منها جميع ما في البقرة وهو خمسة عشر موضعا وإذ ابتلى إبراهام ومن مقام إبراهام وعهدنا إلى إبراهام وإذ قال إبراهام وإذ يرفع إبراهام ومن يرغب عن ملة إبراهام ووصى بها إبراهام وآبائك إبراهام قل بل ملة إبراهام وما أنزل إلى إبراهام أم يقولون إن إبراهام ألم تر إلى الذي حاج إبراهام وإذ قال إبراهام قال إبراهام وإذ قال إبراهام رب أرني فهذا معنى قوله وفيها أي وفي البقرة وقوله وفي نص النسا ثلاثة أي وفي سورة النساء ثلاثة مواضع وهي آخر ما فيها يعني واتبع ملة إبراهام واتخذ الله إبراهام وأوحينا إلى إبراهام وقوله أواخر احترازا من الأول وهو قوله تعالى: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ [النساء: 54]،، وقوله لاح أي بان إبراهام وجملا أي حسن وقوله مع آخر الأنعام أراد قوله تعالى دنيا قيما
ملة إبراهام وهو آخر ما في الأنعام وقيده بالآخر احترازا من جميع ما فيها وقوله حرفا براءة أخيرا يريد بذلك (وما كان استغفار إبراهام) [البقرة: 114]، (وإن إبراهام لأواه) [هود:
75]، وقيدهما بآخر السورة احترازا عن كل ما فيها وقوله وتحت الرعد حرف يعني بسورة إبراهيم فيها (وإذ قال إبراهام رب اجعل) [إبراهيم: 35]، وقوله حرف تنزلا أي تنزل في سورة إبراهيم وقوله وفي مريم والنحل خمسة أحرف أي في مجموعهما خمسة أحرف اثنان في النحل (إن إبراهام كان أمة) [النحل: 12]، (وأن اتبع ملة إبراهام) [النحل: 123]، وبمريم ثلاثة أحرف وأذكر في الكتاب إبراهام (وأ راغب أنت عن آلهتي يا إبراهام) [مريم:
46]، (ومن ذرية إبراهام) [مريم: 58]، وقوله وآخر ما في العنكبوت أراد (ولما جاءت رسلنا إبراهام) [العنكبوت: 31]، واحترز بقوله وآخر عما قبله وهو وإبراهيم إذ قال لقومه وقوله تنزلا حال وقوله وفي النجم والشورى وفي الذاريات والحديد يريد (وإبراهام الذي وفى) [النحل: 12]، بالنجم (وما وصينا به إبراهام) [الشورى: 13]، (وهل أتاك
حديث ضيف إبراهام) [الذاريات: 24]، (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهام) [الحديد:
26]، وقوله ويروى في امتحانه الأولا يريد الأول بالممتحنة وهو قوله تعالى: (أسوة حسنة في إبراهام) [الممتحنة: 4]، واحترز بقوله الأول مما بعده وهو قوله إلا قوال إبراهيم فهذه ثلاثة وثلاثون قرأها هشام بالألف وقرأ ما عداها بالياء وقرأ الباقون بالياء في جميع القرآن وقوله ووجهان فيه أي في لفظ إبراهيم لابن ذكوان هاهنا أي بالبقرة يعني أن ابن ذكوان قرأ جميع ما في البقرة من لفظ
(1/156)

إبراهيم بوجهين أحدهما بالألف كهشام والثاني بالياء كالجماعة فإن قيل من أين تؤخذ قراءة الجماعة بالياء بعد الهاء. قيل لما قرأ هشام بالألف وبالفتح، وضد الفتح الكسر ويلزم من الكسر قبل الألف قلبها ياء فتكون قراءة الجماعة إبراهيم بها مكسورة بعدها ياء وقوله واتخذوا بالفتح عم أخبر أن المشار إليهما بعم وهما نافع وابن عامر قرآ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ [البقرة: 125]، بفتح الخاء فتعين للباقين القراءة بكسرها وقوله وأوغلا أي أمعن في الإيغال، وهو السير السريع:
وأرنا وأرني ساكنا الكسر دم يدا ... وفي فصّلت يروى صفا درّه كلا
وأخفاهما طلق وخفّ ابن عامر ... فأمتعه أوصى بوصيّ كما اعتلا
أخبر أن المشار إليهما بالدال والياء في قوله دم يدا وهما ابن كثير والسوسي قرآ قوله تعالى: وَأَرِنا مَناسِكَنا [البقرة: 128]، وأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: 153]، وأَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: 143]، بسكون الكسر فقيد القراءتين. ثم أخبر أن المشار إليهم بالياء والصاد والدال والكاف في قوله يروى صفا دره كلا وهم السوسي وشعبة وابن كثير وابن عامر فعلوا ذلك في سورة فصلت في قوله تعالى: أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا [فصلت:
29]، ثم أخبر أن المشار إليه بالطاء في قوله طلق وهو الدوري قرأ بإخفاء الكسر في أرنا وأرني حيث وقعا وأراد بالإخفاء الاختلاس الذي تقدم ذكره في بارئكم ويأمركم وتعيين للباقين القراءة في الجميع بإتمام كسرة الراء. ثم أخبر أن ابن عامر قرأ فأمتعه بتخفيف التاء ويلزم من ذلك سكون الميم وتعين القراءة بتثقيل التاء ويلزم من ذلك فتح الميم. ثم أخبر أن المشار إليهما بالكاف والألف في قوله كما اعتلا وهما ابن عامر ونافع قرآ وأوصى بها إبراهيم بألف بين الواوين وقراءة الباقين ووصى بغير ألف على ما لفظ به في القراءتين وقوله دم أي أبق واليد النعمة والقوة والرواية في البيت يروى بضم الياء وبكسر الواو من الري وصفا قصر للوزن ودره من در اللبن، وكلا جمع كلية، وطلق سمح واعتلا: ارتفع.
وفي أم يقولون الخطاب كما علا ... شفا ورءوف قصر صحبته حلا
أخبر أن المشار إليهم بالكاف والعين والشين في قوله كما على شفا وهم ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي قرءوا أم يقولون إن إبراهيم بالخطاب فتعين للباقين القراءة بالغيب ثم أخبر أن المشار إليهم بصحبته وبالحاء من حلا وهم حمزة والكسائي وشعبة وأبو عمرو
قرءوا رءوف بالقصر أي بوزن فعل حيث وقع فتعين للباقين القراءة بالمد على وزن فعول وذلك نحو أن الله بالناس لرءوف رحيم بالمؤمنين رءوف رحيم ونطق به في البيت ممدودا وأراد بالقصر حذف حرف المد.
وخاطب عمّا يعملون كما شفا ... ولام مولّيها على الفتح كمّلا
أخبر أن المشار إليهم بالكاف والشين في قوله كما شفا وهم ابن عامر وحمزة والكسائي قرءوا عما يعملون ولئن أتيت بتاء الخطاب فتعين للباقين القراءة بياء الغيب وعلم أنه الذي بعده ولئن أتيت لوقوعه بعد ترجمة رءوف لأنه في الآية التي بعدها ثم أخبر أن المشار إليه بالكاف في قوله كملا وهو ابن عامر قرأ ولكل وجهة هو مولاها بفتح اللام وانقلبت الياء ألفا فتعين للباقين القراءة بكسر اللام وبعدها ياء ساكنة والله أعلم.
(1/157)

وفي يعملون الغيب حلّ وساكن ... بحرفيه يطّوّع وفي الظّاء ثقّلا
وفي التّاء ياء شاع والريح وحّدا ... وفي الكهف معها والشّريعة وصّلا
وفي النّمل والأعراف والرّوم ثانيا ... وفاطر دم شكرا وفي الحجر فصّلا
في سورة الشّورى ومن تحت رعده ... خصوص وفي الفرقان زاكيه هلّلا
أخبر أن المشار إليه بالحاء من قوله حلا وهو أبو عمرو قرأ عما يعملون ومن حيث خرجت بياء الغيب فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب وعلم أنه الذي بعده ومن حيث
خرجت لأنه الواقع بعد مولاها ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شاع وهما حمزة والكسائي قرآ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة: 158]، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة: 184]، في الموضعين بسكون العين وتثقيل الطاء وبالياء في مكان التاء وبدأ بالتقييد في العين ثم قال وفي الطاء ثم التاء على حسب ما تأتي له فحصل مما ذكر أن حمزة والكسائي يقرءان بالياء معجمة الأسفل وتشديد الطاء وسكون العين وأن الباقين يقرءون بالتاء معجمة الأعلى وتخفيف الطاء وفتح العين ثم أشار إلى حمزة والكسائي بالضمير العائد عليهما في قوله واحدا فأخبر أنهما قرآ بالتوحيد في هذه السورة (وتصريف الريح) [البقرة:
164]، وبالكهف (تذروه الريح) [الكهف: 45]، وبالشريعة وتصريف الريح فتعين للباقين أن يقرءوا الرياح بالجمع وقوله وفي الكهف معها أي في الكهف معها أي في سورة الكهف مع سورة البقرة والشريعة وهي سورة الجاثية وصلا أي وصلا التوحيد ثم أخبر أن المشار إليهم بالدال والشين في قوله دم شكرا وهم ابن كثير وحمزة والكسائي قرءوا بالتوحيد في النمل في قوله تعالى (ومن يرسل الريح) [النمل: 63]، وفي الأعراف (وهو الذي يرسل الريح) [الأعراف: 57]، الثاني من الروم (الله الذي يرسل الريح) [الروم: 48]، وفي فاطر (الله الذي أرسل الريح) [فاطر: 9]، فتعين للباقين القراءة بالجمع وقيد الذي في الروم بالثاني
احترازا من الذي قبله (يرسل الرياح مبشرات) [الأعراف: 57]، فإنه لا خلاف في قراءته بالجمع وقوله دم شكرا مقلوب أي اشكر دائما ثم أخبر أن المشار إليه بالفاء من فصلا وهو حمزة قرأ في الحجر (وأرسلنا الريح) [الحجر: 22]، لواقح بالتوحيد وقرأه الباقون بالجمع ثم أخبر أن المشار إليهم بالخاء من خصوص وهم القراء كلهم إلا نافعا قرءوا بالتوحيد في سورة الشورى إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ [فاطر: 9]، وفي السورة التي تحت الرعد يعني في سورة إبراهيم اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ [الروم: 46]، فتعين للباقين القراءة في الموضعين في الشورى وإبراهيم بالجمع ثم أخبر أن المشار إليهما بالزاي والهاء في قوله زاكيه هللا وهما قنبل والبزي قرآ في الفرقان يرسل الريح نشرا بالتوحيد فتعين للباقين القراءة بالجمع وجملة الكلم الذي وقع فيها الخلاف إحدى عشرة كلمة في إحدى عشرة سورة فإذا تأملت مذاهب القراء في ذلك وجدت نافعا يقرأ بالجمع في الجميع وابن كثير يقرأ بالجمع في الثلاثة المذكورة في البيت الأول وفي الحجر وأبا عمرو وابن عامر وعاصما قرءوا بالجمع في الجميع فيما عدا إبراهيم والشورى وحمزة قرأ بالجمع في الفرقان والكسائي قرأ بالجمع في الحجر والفرقان واتفقوا على توحيد ما بقي من القرآن من لفظه وهو ستة مواضع وهي قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ [الإسراء: 69]، بسبحان وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ [الروم: 51]، بالأنبياء أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ [الحج: 31]، وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ [سبأ: 12]، فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ [ص: 36]، (والريح
(1/158)

العقيم) [الذاريات: 41]، ولا خلاف في توحيد ما ليس فيه ألف ولام نحو ولئن أرسلنا ريحا، والزاكي: الطهر والمبارك: الكثير، والهاء للتوحيد وهللا قال: لا إله إلا الله.
وأيّ خطاب بعد عمّ ولو ترى ... وفي إذ يرون الياء بالضّم كلّلا
أخبر أن المشار إليهما بعم وهما نافع وأبو عامر قرآ ولو ترى الذين ظلموا بتاء الخطاب فتعين للباقين القراءة بالغيب ثم أخبر أن المشار إليه بالكاف في قوله كللا وهو ابن عامر قرأ إذ يرون بضم الياء فتعين للباقين القراءة بفتحها، وأتى بالرمز بين التقييد وحرف القرآن لأنه الكثير ولم يلتزم لذكره موضعا كما تقدم وأي خطاب بعد أي بعد مسألة الريح ومعنى كللا أي صورت الضمة على الياء فصارت كالإكليل عليها، والإكليل: عصابة من الجوهر تلبسها الملوك.
وحيث أتى خطوات الطّاء ساكن ... وقل ضمّه عن زاهد كيف رتّلا
أخبر أن الطاء في قوله تعالى وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ [البقرة: 168]، ساكتة وحيث أتى أي وحيث وقع خطوات فالطاء فيه ساكنة لكل القراء إلا المشار إليهم بالعين والزاي والكاف والراء في قوله عن زاهد كيف رتلا وهم حفص وقنبل وابن عامر والكسائي فإنهم قرءوا بضم الطاء، وهي خمسة مواضع في القرآن وقيد القراءتين معا لأن تقييد
إحداهما لا يدل على تقييد الأخرى وأشار بقوله عن زاهد إلى عدالة نقلته كيف رتلا أي كيفما قرأ فإنه بضم الطاء.
وضمّك أولى السّاكنين لثالث ... يضمّ لزوما كسره في ند حلا
قل ادعوا أو انقص قالت اخرج أن اعبدوا ... ومحظورا انظر مع قد استهزئ اعتلا
سوى أو وقل لابن العلا وبكسره ... لتنوينه قال ابن ذكوان مقولا
بخلف له في رحمة وخبيثة ... ورفعك ليس البرّ ينصب في علا
يعني إذا كان آخر الكلمة ساكنا ولقي ساكنا من كلمة أخرى وهو فاء فيل وكان الحرف الثالث من الكلمة الثانية مضموما ضما لازما فإن ذلك الساكن الأول يضم لمن يذكر الكسر له سواء كان تنوينا أو غيره ويكسر للمشار إليهم بالفاء والنون والحاء في قوله في ند حلا وهم حمزة وعاصم وأبو عمرو والساكن الأول في القرآن من أحد حروف التنود وهي اللام والتاء والنون والتنوين والواو والدال وقوله قُلِ ادْعُوا مثال اللام فاللام من قل ساكنة التقت بالدال من ادعوا وهي ساكنة أيضا. فوجب تحريك اللام لاجتماع الساكنين فمن حركها بالكسر، فعلى الأصل في حكم التقاء الساكنين ومن ضمها أتبعها ضمة العين اللازمة والدليل على لزوم ضمة العين أنك تقول تدعوا ويدعوا وأدعوا فتجد العين مضمومة في الفعل المستقبل وفعل الأمر على أصل البناء ولا يتغير والعين في قوله ادعوا ثالثة باعتبار وجود ألف الوصل في حال الابتداء وكذلك باقي الأمثلة، وأراد بل ادعوا حيث كان وهو بالأعراف قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ [الأعراف: 195] وبالإسراء موضعان قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الإسراء: 56]، قُلِ ادْعُوا اللَّهَ [الإسراء: 110]، وبسبإ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [سبأ: 22]، وبيونس قُلِ انْظُرُوا [يونس: 101]، ثم أتى بمثال الواو فقال:
أو انقص، يعني أَوِ انْقُصْ مِنْهُ [المزمل: 3]، أو اخرجوا من دياركم بالنساء أو ادعوا الرحمن بالإسراء ولا رابع لها. والتاء قالت اخرج عليهن بيوسف وليس غيره وإنما ذكر
(1/159)

هذا الأصل هنا لأن أوله فمن اضطر ولم يتفق التمثيل به وأغنى عنه قوله أن اعبدوا الله وهو مثال النون ومثله أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 66]، وَأَنِ احْكُمْ [المائدة: 49]، ولكن انظر (وأن أشكر) [لقمان: 12]، (وأن أغدوا على حرثكم) [القلم: 22]، ومثال التنوين محظورا انظر وأول وقوع التنوين بالنساء فتيلا انْظُرْ [النساء: 5]، وبالأنعام مُتَشابِهٍ انْظُرُوا [ق:
42]، وبالأعراف بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، وبيوسف مُبِينٍ اقْتُلُوا وبإبراهيم خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ وبالحجر وَعُيُونٍ ادْخُلُوها بالإسراء محظورا انظر وهو المثال وفيها مَسْحُوراً انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا [الفرقان: 9]، وفي الفرقان مَسْحُوراً [الفرقان: 8]، انْظُرْ وبص وعَذابٌ [ص: 26]، ارْكُضْ [الأنعام: 11]، وبق مُنِيبٍ [ق: 8]، ادْخُلُوها [ق: 34]، وأما عزير ابن فإن ضمة النون فيه عارضة والذي نوّنه اثنان عاصم والكسائي
وكلاهما بكسر التنوين فأما عاصم فعلى أصله وأما الكسائي فلأجل عروض الضمة في ابن ومثال الدال ولقد استهزئ وهو بالأنعام والرعد والأنبياء ووصف الضم باللزوم احترازا من العارض فإن الساكن الأول لم يكن فيه إلا الكسر نحو أن امشوا وأصله أن امشيوا كاضربوا إلا أنك إذا أمرت الواحد أو الاثنين قلت امش وامشيا فتجد الشين مكسورة فتعلم أن الضمة عارضة وكذلك أن اتقوا الله وأن امرؤ ونحوه الضمة فيه عارضة وضابط اللازم أن تكون الألف التي تدخل على الساكن الثاني إذا ابتدئ بها ابتدئ بالضم نحو أدعوا أنقص أخرج أستهزئ بخلاف اتقوا الله ونحوه فإنه يبتدأ بالكسر وفي نحو قل الروح يبتدأ بالفتح وقوله سوى أو وقل لابن العلا أخبر أن أبا عمرو بن العلاء استثنى الواو من أو واللام من قل حيث وقعا نحو أو ادعوا الرحمن وقل انظرا فقرأ فيها بالضم وأخبر أن ابن ذكوان كسر التنوين وأن عنه في برحمة ادخلوا الجنة وخبيثة اجتثت الكسر والضم وقرأ عاصم وحمزة بكسر الساكن الأول في جميعه سواء كان تنوينا أو غيره وقرأ أبو عمرو بكسر ذلك كله سوى أو وقل فإنه يضم فيهما وقرأ ابن ذكوان بكسر التنوين لا غير وعنه خلاف في برحمة وخبيثة وقرأ الباقون بالضم في الجميع وقوله ورفعك ليس البر أخبر أن لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [البقرة:
177]، يرفع راؤه لكل القراء إلا حمزة وحفصا فإنهما قرآ بنصب الراء وأشار إليهما بالفاء والعين في قوله في علا ولا خلاف في وليس البر بأن تأتوا البيوت أنه بالرفع ولا يرد على الناظم لأنه قال ليس البر واو وهذا بالواو.
ولكن خفيف وارفع البرّ عمّ في ... هما وموصّ ثقله صحّ شلشلا
أخبر أن المشار إليهما بقوله عم وهما نافع وابن عامر قرآ ولكن البر من آمن بالله ولكن البر من اتقى بتخفيف نون ولكن وكسرها ورفع البر في الموضعين فتعين للباقين القراءة بتشديد النون وفتحها ونصب الراء فيهما ثم أخبر أن المشار إليهم بالصاد والشين في قوله صح شلشلا وهم شعبة وحمزة والكسائي قرءوا فمن خاف من موص بتثقيل الصاد ومن ضرورة تشديدها فتح الواو وتعين للباقين القراءة بتخفيف الصاد ومن ضرورة تخفيفها سكون الواو وقوله شلشلا أي خفيفا.
وفدية نون وارفع الخفض بعد في ... طعام لدى غصن دنا وتذلّلا
مساكين مجموعا وليس منوّنا ... ويفتح منه النّون عمّ وأبجلا
أمر بتنوين فدية ورفع الخفض بعد أي الخفض في طعام الذي بعد فدية للمشار إليهم باللام والعين
(1/160)

والدال في قوله لدى غصن دنا وهم هشام وأبو عمرو والكوفيون وابن كثير فتعين للباقين ترك تنوين فدية وخفض طعام لأنه نص لهم على الخفض ومعنى غصن دنا وتذللا أي قرب وسهل ثم أمر بقراءة مساكين بالجمع وترك التنوين وفتح النون للمشار إليهما بقوله عم وهما نافع وابن عامر فتعين للباقين القراءة بالإفراد وإثبات التنوين وكسر النون
فصار نافع وابن ذكوان بالإضافة والجمع وهشام بالتنوين والجمع والباقون بالتنوين والتوحيد فمن جمع فتح الميم والسين والنون وأثبت ألفا ومن وحد كسر الميم والنون ونوّنها وحذف الألف فتسكن السين وأبجلا كفى يقال أبجله الشيء إذا كفاه.
وتقل قران والقران دواؤنا ... وفي تكملوا قل شعبة الميم ثقّلا
أخبر أن المشار إليه بالدال في قوله دواؤنا وهو ابن كثير قرأ بنقل حركة همزة القرءان الاسم إلى الراء قبلها وحذفها سواء كان معرفة أو نكرة وصلا ووقفا حيث جاء نحو الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: 18]، و (ائت بقرآن) [يونس: 15]، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:
18]، وَقُرْآناً فَرَقْناهُ [الإسراء: 106]، وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ [طه: 114]، وجَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة: 17]، وبَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ [البروج: 21]، فإنه لما قال: ونقل قران والقرآن فكأنه قال مجردا عن اللام وغير مجرد ونبه بظاهر اللفظ على أن نقل القرآن عن الأئمة وروايته دواؤنا وتعين للباقين القراءة بإثبات الهمزة وسكون الراء ثم أخبر أن شعبة راوي عاصم قرأ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة: 185]، بتشديد الميم ومن ضرورة تثقيلها فتح الكاف فتعين للباقين القراءة بتخفيف الميم وإسكان الكاف.
وكسر بيوت والبيوت يضمّ عن ... خمى جلّة وجها على الأصل أقبلا
أخبر أن المشار إليهم بالعين والحاء والجيم في قوله عن حمى جلة وهم حفص وأبو عمرو وورش ضموا كسر البيوت حيث جاء معرفة أو نكرة نحو قوله تعالى بأن تأتوا البيوت وبيوت النبي وغير بيوتكم ولا تدخلوا بيوتا وتعين للباقين الكسر ووجه قراءة الضم أنها جاءت على الأصل في الجمع كقلب وقلوب ولهذا قال وجها على الأصل
ووجه قراءة الكسر مجانسة الياء استثقالا لضمة الياء بعد ضمة وهي لغة معروفة.
ولا تقتلوهم بعده يقتلوكمو ... فإن قتلوكم قصرها شاع وانجلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين في قوله شاع وهما حمزة والكسائي قرآ ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم بفتح تاء الأول وياء الثاني وإسكان قافيهما وضم ما بعدهما وحذف ألف الثلاثة كما لفظ بها وقرأ الباقون بضم أولى الأوليين وفتح قافيهما وكسر ثالثهما وألف في الثلاثة بين القاف والتاء ولا خلاف في فاقتلوهم أنه بغير ألف، ومعنى شاع وانجلى، أي اشتهر القصر وانكشف.
وبالرّفع نوّنه فلا رفث ولا ... فسوق ولا حقّا وزان مجمّلا
أمر بالرفع والتنوين في قوله فلا رفث ولا فسوق للمشار إليهما بقوله حقا وهما ابن كثير وأبو عمرو فتعين للباقين القراءة بالنصب وترك التنوين وأتى بقوله ولا بعد فسوق لإقامة
وزن البيت ولا خلاف في ولا جدال أنه بالفتح ومعنى زان مجملا أي زان الرفع والتنوين رواية، والله أعلم.
وفتحك سين السّلم أصل رضى دنا ... وحتى يقول الرّفع في اللّام أوّلا
أخبر أن المشار إليهم بالهمز والراء والدال في قوله أصل رضا دنا وهم نافع والكسائي
(1/161)

وابن كثير قرءوا قوله تعالى ادخلوا في السلم بفتح السين فتعين للباقين القراءة بكسرها وأخر الذي بالأنفال والقتال إلى سورة الأنفال ثم أخبر أن المشار إليه بهمزة أولا وهو نافع قرأ وزلزلوا حتى يقول الرسول برفع اللام فتعين للباقين القراءة بنصبها ومعنى أولا أي أول الرفع بتأويل وهو بيان وجهه في العربية.
وفي التّاء فاضمم وافتح الجيم ترجع ال ... أمور سما نصّا وحيث تنزّلا
أمر بضم التاء وفتح الجيم في ترجع الأمور للمشار إليهم سما وبالنون في قوله سما نصا وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم فتعين للباقين القراء بفتح التاء وكسر الجيم حيث تنزل في جميع القرآن.
وإثم كبير شاع بالثّا مثلّثا ... وغيرهما بالباء نقطة اسفلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شاع وهما حمزة والكسائي قرآ قل فيهما إثم كثير بالثاء وقوله مثلثا تقييد للثاء بكونها ذات ثلاث نقط لئلا تلتبس عند عدم النقط بغيرها ثم أخبر أن قراءة غيرهما أي غير حمزة والكسائي بالباء وقيدها بقوله نقطة أسفلا.
قل العفو للبصريّ رفع وبعده ... لأعنتكم بالخلف أحمد سهّلا
أخبر أن البصري وهو أبو عمرو بن العلاء قرأ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو برفع الواو فتعين للباقين نصبها وقوله وبعده لأعنتكم أي بعد العفو وأخبر أن أحمد البزي قرأ ولو شاء الله لأعنتكم بتسهيل الهمزة بين بين وبتحقيقها أيضا وهذا معنى قوله بالخلف فتعين للباقين القراءة بالتحقيق.
ويطهرن في الطّاء السّكون وهاؤه ... يضمّ وخفّا إذ سما كيف عوّلا
أخبر أن المشار إليهم بسما والكاف والعين في قوله سما كيف عوّلا وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص قرءوا ولا تقربوهن حتى يطهرن بسكون الطاء وضم الهاء وتخفيفهما فتعين للباقين القراءة بفتح الطاء والهاء وتشديدهما وقوله إذ ليس برمز لاندراجه في سما.
وضمّ يخافا فاز والكلّ أدغموا ... تضارر وضمّ الرّاء حقّ وذو جلا
أخبر أن المشار إليه بالفاء من فاز وهو حمزة قرأ إلا أن يخافا بضم الياء فتعين للباقين
القراءة بفتحها ثم أخبر أن السبعة اتفقوا على إدغام الراء الأولى من قوله تعالى لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها في الراء الثانية وأن المشار إليهما بحق وهما ابن كثير وأبو عمرو ضما الراء منه فتعين للباقين القراءة بفتحها والمراد الضم والفتح في الراء الثانية لأن الأولى ساكنة مدغمة في الراء المشددة لأن الراءين صارا كراء واحدة قوله وذو جلا أي وذو انكشاف وظهور، والدال والجيم ليسا برمز.
وقصر أتيتم من ربا وأتيتموا ... هنا دار وجها ليس إلّا مبجّلا
أخبر أن المشار إليه بالدال من دار وهو ابن كثير قرأ وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً [الروم:
39]، وإذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف هنا أي في هذه السورة بالقصر وأراد بالقصر حذف الألف التي بعد الهمزة فتعين
(1/162)

للباقين القراءة بالمد في السورتين والقصر من باب المجيء بمعنى فعلتم والمد من باب الإعطاء بمعنى أعطيتم وقوله ليس إلا مبجلا ما فيه رمز لأنه بعد الواو الفاصلة. والمبجل: الموقر.
معا قدر حرّك من صحاب وحيث ... يضمّ تمسّوهنّ وامدده شلشلا
أمر بتحريك الدال من كلمتي قدر معا أي في الموضعين للمشار إليهم بالميم وصحاب في قوله من صحاب وهم ابن ذكوان وحفص وحمزة والكسائي قرءوا على الموسع قدره وعلى المقتر قدره بفتح داليهما فتعين للباقين إسكانهما لأن التحريك المطلق يحمل على الفتح وضده الإسكان على ما تقرر وقوله وحيث جا يضم تمسوهن أي حيث جاء لفظ تمسوهن وهو في القرآن في ثلاثة مواضع موضعان في هذه السورة وموضع في الأحزاب يعني أن المشار إليهما بالشين من شلشلا وهما حمزة والكسائي قرآ
تمسوهن حيث جاء بضم التاء والمد وأراد بالمد إثبات الألف بعد الميم فتعين للباقين القراءة بفتح التاء لأنه ضد الضم والقصر، وهو حذف الألف.
وصيّة ارفع صفو حرميّه رضى ... ويبصط عنهم غير قنبل اعتلا
وبالسّين باقيهم وفي الخلق بصطة ... وقل فيهما الوجهان قولا موصّلا
أمر برفع ويذرون أزواجا وصية للمشار إليهم بالصاد والراء وحرمي الواقع بينهما في قوله: صفو حرميه رضا، وهم شعبة ونافع وابن كثير والكسائي فتعين للباقين القراءة بالنصب ثم قال ويبصط عنهم أي عن المذكورين وهم شعبة ونافع وابن كثير والكسائي إلا قنبلا قرءوا والله يقبض ويبصط بالصاد على حسب ما لفظ به ثم أخبر أن الباقين قرءوا بالسين وهم قنبل وأبو عمرو وابن عامر وحفص وحمزة ثم قال وفي الخلق بصطة. أخبر أن اختلافهم في وزادكم في الخلق بصطة بالأعراف كاختلافهم في ويبصط بالبقرة فشعبة ونافع والكسائي والبزي قرءوا بالصاد كما نطق به والباقون قرءوا بالسين ثم قال وقل فيهما أي في يقبض
ويبصط بالبقرة وفي الخلق بسطة بالأعراف الوجهان أي القراءة بالصاد والسين في كل من الموضعين للمشار إليهما بقاف قولا وميم موصلا وهما خلاد وابن ذكوان وقوله موصلا أي منقولا إلينا وقيد بسطة الذي بالأعراف بقوله في الخلق احترازا من قوله تعالى: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ [البقرة: 247]، فإن السبعة قرءوها بالسين من طريق القصيد لأنها رسمت في جميع المصاحف بالسين.
يضاعفه ارفع في الحديد وهاهنا ... سما شكره والعين في الكلّ ثقّلا
كما دار واقصر مع مضعّفة وقل ... عسيتم بكسر السّين حيث أتى أنجلا
أمر برفع فيضاعفه له وله أجر بالحديد وفيضاعفه له أضعافا هاهنا يعني في البقرة للمشار إليهم بسما وبالشين في قوله سما شكره وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي فتعين لابن عامر وعاصم القراءة بنصب الفاء لأن النصب ضد الرفع ثم أخبر أن المشار إليهما بالكاف والدال في قوله كما دار وهما ابن عامر وابن كثير قرآ بتشديد العين وحذف الألف في كل مضارع يضاعف بني للفاعل أو المفعول عرى عن الضمير أو اتصل به فبأي إعراب كان واسم المفعول نحو وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: 261]، ويُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا [هود: 20]، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها [النساء:
40]، ويُضاعِفْهُ لَكُمْ [الحديد: 11]، وأَضْعافاً مُضاعَفَةً [آل عمران: 130]، وأراد بالقصر حذف الألف فتعين للباقين المد وهو إثبات الألف وتخفيف العين فصار
(1/163)

في البقرة والحديد أربع قراءات ابن كثير بالرفع والتشديد وابن عامر بالنصب والتشديد وعاصم بالنصب والتخفيف والباقون بالرفع والتخفيف وفيما عدا هذين الموضعين المذكورين قراءتان التشديد لابن عامر وابن كثير والتخفيف للباقين ثم أخبر أن المشار إليه بهمزة الوصل في قوله انجلى وهو نافع قرأ هل عسيتم إن كتب هاهنا وفهل عسيتم إن توليتم بالقتال بكسر السين فتعين للباقين القراءة بفتح السين:
دفاع بها والحجّ فتح وساكن ... وقصر خصوصا غرفة ضمّ ذو ولا
أخبر أن المشار إليهم بالخاء من خصوصا وهم القراء كلهم إلا نافعا قرءوا وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة: 251]، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ [الحج: 40]، بفتح الدال وسكون الفاء ومن ضرورة سكون الفاء أن لا يكون بعدها ألف ولكنه أشار إليه بالقصر فتعين لنافع القراءة بكسر الدال وفتح الفاء وألف بعدها على ما لفظ به ثم أخبر أن المشار إليهم بالذال في قوله ذو، وهم الكوفيون وابن عامر قرءوا غرفة بضم الغين فتعين للباقين القراءة بفتحها وغرفة في التلاوة قبل دفاع فأوردهما كما أمكن:
ولا بيع نوّنه ولا خلّة ولا ... شفاعة وارفعهنّ ذا أسوة تلا
ولا لغو لا تأثيم لا بيع مع ولا ... خلال بإبراهيم والطّور وصّلا
أمر بالقراءة في قوله تعالى: لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة هنا ويَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [إبراهيم: 31]، وكَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ [الطور: 23]، سبعتها بالرفع والتنوين للمشار إليهم بالدال والهمزة في قوله ذا أسوة، وهم الكوفيون وابن عامر ونافع فتعين لابن كثير وأبي عمرو القراءة بالنصب وترك التنوين وتسامح الناظم في الضد لأن الفتح في قراءتهما ليس نصبا بل هو بناء فمتى كانت القراءة دائرة بين حركة إعراب وبناء فلا بد من التسامح، إما في الضد أو في التصريح كما تقدم مرارا خلافا لاصطلاح البصريين في التفرقة بين ألقاب حركات الإعراب والبناء وقوله وصلا أي وصل المذكور: أي نقل:
ومدّ أنا في الوصل مع ضمّ همزة ... وفتح أتى والخلف في الكسر بجّلا
أخبر أن المشار إليه بالهمزة في قوله أتى وهو نافع مد النون من أنا في الوصل إذا وقع بعدها همزة مضمومة وهو موضعان بالبقرة أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: 258]، وبيوسف أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ [يوسف: 45]، أو مفتوحة وهو عشرة مواضع وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 163]، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: 188]، وأَنَا أَخُوكَ [يوسف:
69]، وأَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وأَنَا أَقَلَّ [الكهف: 34]، وأَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ [النمل: 39]، (وأنا آتيك به قبل يرتد إليك طرفك) [النمل: 40]، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ [غافر: 42]، فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [الزخرف: 81]، وأنا أعلم بالامتحان فتعين للباقين القراءة بالقصر ثم أخبر أن المشار إليه بالباء في قوله بحلا وهو قالون مد أيضا مع الهمزة المكسورة بخلاف عنه وهو ثلاث مواضع إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 188]، وإِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الشعراء: 115]، قالوا بالشعراء وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الأحقاف: 9]، وقرأ
الباقون بالقصر كأحد وجهي قالون ومراده بالمد زيادة ألف بعد نون أنا وعلم أنه الألف من لفظه وقوله في الوصل احترازا من حالة الوقف على أنا لأن القراء كلهم اتفقوا على إثبات الألف في الوقف سواء وقع بعده همزة أو لا وعلى حذفها في الوصل مع غير الهمزة نحو أنا ربكم الأعلى، وأنا على ذلكم، ومعنى بجل: وقر.
(1/164)

وننشزها ذاك وبالرّاء غيرهم ... وصل يتسنّه دون هاء شمردلا
أخبر أن المشار إليهم بالذال المعجمة في قوله ذاك وهم الكوفيون وابن عامر قرءوا كيف ننشزها بالزاي المعجمة كلفظه ولما لم يكن في ذلك دلالة على القراءة الأخرى قال وبالراء غيرهم يعني أن غير الكوفيين وابن عامر قرءوا بالراء المهملة ثم أمر أن يقرأ لم يتسنه وانظر بغير هاء في الوصل للمشار إليهما بالشين من شمردلا وهما حمزة والكسائي فتعين لغيرهما القراءة بإثبات الهاء واتفق السبعة على إثباتها في الوقف، وشمردلا: خفيف أو كريم.
وبالوصل قال اعلم مع الجزم شافع ... فصرهنّ ضمّ الصّاد بالكسر فصّلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شافع وهما حمزة والكسائي قرآ فلما تبين له قال اعلم بوصل همزة اعلم وجزمه فتعين للباقين القراءة بالقطع لأنه ضد الوصل وبالرفع لأنه ضد الجزم ثم أخبر أن المشار إليه بالفاء من قوله فصلا وهو حمزة قرأ فصرهن إليك بكسر الصاد المضمومة في قراءة الباقين، وقيد اعلم بقال ليخرج سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم. ويعلم كسر همزة الوصل في الابتداء وفتح همزة القطع في الحالين من الإجماع، والشفع: جعل الفرد زوجا:
وجزءا وجزء ضمّ الإسكان صف وحي ... ثما أكلها ذكرا وفي الغير ذو حلا
أمر بوصف ضم الإسكان أي ضم الزاي الساكنة في جزء المنصوب وجزء المرفوع حيث جاء للمشار إليه بالصاد من قوله صف وهو شعبة وقرأ الباقون بإسكانها وهو منصوبان ومرفوع على كل جبل منهن جزءا هنا وجعلوا له من عباده جزءا بالزخرف ولكل باب منهم جزء مقسوم بالحجر ومعنى صف أي اذكر وإنما قدم ذكر المنصوب لأجل الذي في البقرة وقوله وحيثما أكلها ذكرا أي وصف ضم الإسكان في أكلها حيثما وقع، يعني أن المشار إليهم بالذال من قوله ذكرا وهم الكوفيون وابن عامر قرءوا بضم الكاف في أكل المضاف إلى ضمير المؤنث حيثما جاء نحو فآتت أكلها ضعفين وأكلها دائم تؤتى أكلها كل حين وقوله وفي الغير ذو حلا أخبر أن المشار إليهم بالذال والحاء في قوله ذو حلا وهم الكوفيون وابن عامر وأبو عمرو ضموا الإسكان في غير ما أضيف إلى ضمير المؤنث أي في غير أكلها يعني ضموا الكاف فيما أضيف إلى ضمير المذكر وإلى الظاهر أو لم يضف إلى شيء نحو قوله مختلفا أكله وأكل خمط ونفضل بعضها على بعض في الأكل فتعين لمن لم يذكره الإسكان في الجميع فصار نافع وابن كثير بالإسكان في الجميع وأبو عمرو بإسكان أكلها فقط وضم باقي الباب والباقون بالضم في الجميع، وعلم عموم جزءا المنصوب من ضم المرفوع إليه لا من لفظه به:
وفي ربوة في المؤمنين وهاهنا ... على فتح ضمّ الرّاء نبّهت كفّلا
أخبر أن المشار إليهما بالنون والكاف في قوله نبهت كفلا وهما عاصم وابن عامر قرآ في المؤمنين أي في سورة قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 1]، وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ [المؤمنون: 50]، وهاهنا أي في هذه السورة كمثل جنة بربوة بفتح ضم الراء فتعين للباقين القراءة بضم الراء فيهما على ما عينه لهم، وكفل جمع كافل، وهو الضامن والذي يعول غيره:
(1/165)

وفي الوصل للبزيّ شدّد تيمّموا ... وتاء توفى في النّسا عنه مجملا
وفي آل عمران له لا تفرّقوا ... والانعام فيها فتفرّق مثّلا
وعند العقود التّاء في لا تعاونوا ... ويروي ثلاثا في تلقّف مثّلا
أمر بتشديد التاء في الوصل للبزي من أحد وثلاثين موضعا باتفاق وبخلاف في موضعين وأول المتفق عليه وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ [البقرة: 267]، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103]، وإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [النساء: 97]، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ [المائدة: 20]، والسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ [الأنعام: 153]، فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ [الأعراف: 117]، وتَلْقَفْ ما صَنَعُوا [طه: 69]، فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ [الشعراء: 45]، وقوله في الوصل احترازا من الوقف على ما قبل هذه الكلمة التي فيها التاء فإن التاء في حال الوقف لا تشدد لأحد من القراء لأن الحرف المشدد بحرفين أولهما ساكن والساكن لا يبتدأ به فخص التشديد بحالة الوصل ليتصل الساكن المدغم بما قبله والذي قبله على ثلاثة أقسام: قسم قبله ساكن صحيح نحو هل تربصون بنا، وقسم قبله متحرك نحو الذين توفاهم الملائكة، وقسم قبله حرف مد نحو قوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا وعنهو تلهى فيحتاج القارئ إلى مد حرف المد قبله لوقوع التشديد بعده وأراد تيمموا على هذه الصيغة فخرج عنه فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء: 43]، وخص تُوَفَّى بالنساء ليخرج نحو تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ [النحل: 32]، وقيد فتفرق بالسورتين فخرج عنه ولا تفرقوا فيه كبر، وعلم تعاونوا بلا فخرج عنه وتعاونوا على البر وقوله عنه مجملا أي عن البزي جميلا وقوله فتفرق مثلا أي أحصر التشديد في تائها وقرأ الباقون بتخفيف التاء في الجميع والتخفيف حذف إحدى التاءين فتصير تاء واحدة خفيفة، ولا خلاف في الابتداء أنه بالتخفيف وقوله ويروى ثلاثا في تلقف أي البزي، ومثلا جمع ماثل من قولهم تمثل بين يديه إذا قام:
تنزّل عنه أربع وتناصرو ... ن نارا تلظّى إذ تلقّون ثقّلا
تكلّم مع حرفي تولّوا بهودها ... وفي نورها والامتحان وبعد لا
في الأنفال أيضا ثمّ فيها تنازعوا ... تبرّجن في الأحزاب مع أن تبدّلا
وفي التّوبة الغرّاء قل هل تربّصو ... ن عنه وجمع السّاكنين هنا انجلى
قوله: تنزل عنه أي عن البزي أي وشدد البزي ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ [الحجر: 8]، وعَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ [الشعراء: 221]، والرابع تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ [القدر: 4]، وما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ [الصافات: 25]، وناراً تَلَظَّى [الليل:
14]، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل: 1]، وإِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور: 15]، ولا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هود: 105]، وفيها وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ [هود: 3]، وفي
قصة عاد فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ [هود: 57]، وفي نورها أي فإن تولوا فإنما عليه ما حمل في سورة النور وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم بالامتحان أي سورة الممتحنة ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا [الأنفال: 46]، وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ [الأحزاب: 33]، وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ [الأحزاب: 52]، وقُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا [التوبة: 52]، وقوله عنه أي عن البزي أي شدد البزي جميع ما ذكر وقرأ الباقون بالتخفيف في ذلك كله وقيد تولوا بالأنفال بوقوع لا قبله فقال وبعد لا احترازا من قوله تعالى: لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 23]، قوله وجمع الساكنين هنا انجلى أي انكشف وظهر أي فيما تقدم من هذا الفصل لأن هل تربصون هو آخر موضع وقع فيه الجمع بين الساكنين على
(1/166)

غير حدهما لأن ما يأتي بعد هذا من تشديد التاءات لم يقع فيه الجمع بين الساكنين إلا على حدهما فإن قيل وما حد اجتماع الساكنين، قيل اختلف النحاة فيه لكن المشهور منه أن يكون الأول منهما حرف مد ولين والثاني مدغما نحو ولا تيمموا ومنهم من أجاز الجمع إذا كان الثاني مدغما فيكون حدهما عنده إدغام الثاني فقط وعليه قراءة البزي في بعض هذه التاءات، ومنهم من قال أن يكون الأول حرف مد ولين فقط وعليه قراءة نافع في محياي بإسكان الياء بخلاف عن ورش وجملة المواضع التي وقع فيها الساكن على غير حده عشرة: هَلْ تَرَبَّصُونَ، وَإِنْ تَوَلَّوْا [الأنفال: 40]، وفَإِنْ تَوَلَّوْا حرفي هود وإِذْ تَلَقَّوْنَهُ فَإِنْ تَوَلَّوْا بالنور وعَلى مَنْ تَنَزَّلُ وأَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ وأَنْ تَوَلَّوْهُمْ وناراً تَلَظَّى وشَهْرٍ تَنَزَّلُ وقد قررنا فيما تقدم أن الساكن الذي قبل المدغم على ثلاثة أقسام قسم قبله ساكن صحيح نحو هل تربصون وقسم قبله متحرك نحو الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ، وقسم قبله حرف مد نحو وَلا تَيَمَّمُوا. ثم ذكر بقية التاءات فقال:
تميّز يروي ثمّ حرف تخيّرو ... ن عنه تلهّى قبله الهاء وصّلا
وفي الحجرات التّاء في لتعارفوا ... وبعد ولا حرفان من قبله جلا
وكنتم تمنّون الّذي مع تفكّهو ... ن عنه على وجهين فافهم محصّلا
الضمير في يروى يعود على البزي أي وشدّد البزي التاء في قوله تكاد تميز بالملك وإن لكم فيه لما تخيرون بالقلم فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس: 10] في عبس قبله الهاء وصلا يعني أن البزي يصل الهاء بواو على أصله فيقع التشديد بعد حرف مد وهو الواو فتبقى مثل وَلا تَيَمَّمُوا وشدد البزي أيضا التاء في وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا بالحجرات وفيها وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات: 12]، فهذان موضعان كل منهما بعد لفظ ولا هما من قبل لِتَعارَفُوا في سورة الحجرات فهذا آخر الكلمات المعدودة الإحدى والثلاثين المشددة للبزي بلا خلاف فيها: سبعة بعد متحرك وأربعة عشر بعد حرف مد وعشرة بعد ساكن صحيح ثم ذكر موضعين آخرين مختل عنه فيهما وهما وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ
[آل عمران: 143]، وفَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: 65]، وقوله عنه أي عن البزي فيهما وجهان التشديد وتركه. واعلم أنه في كلا الوجهين يصل ميم الجمع أما إذا لم يشدد التاء فظاهر لوقوعها قبل محرك وأما إذا شدد التاء فيصلها كما وصل الهاء في عنه تلهى ويزاد حرف المد مدّ الحجز كآمين فإن قيل لم ينص على صلة الميم هنا كما فعل في قوله عنه تلهى. قيل لا حاجة لذلك فإنه معلوم من موضعه وإنما احتاج إلى تتمة البيت فتممه بقوله قبله الهاء وصلا وقرأ الباقون بتخفيف التاء في الباب كله. وقوله فافهم محصلا أي كن صاحب فهم في حال تحصيلك العلم.
نعمّا معا في النون فتح كما شفا ... وإخفاء كسر العين صيغ به حلا
أخبر أن المشار إليهم بالكاف والشين في قوله كما شفا وهم ابن عامر وحمزة والكسائي قرءوا إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وإِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ [النساء: 58]، بفتح النون وإلى الموضعين أشار بقوله معا وتعين للباقين القراءة بكسر النون ثم أخبر أن المشار إليهم بالصاد والباء والحاء في قوله صيغ به حلا وهم شعبة وقالون وأبو عمرو قرءوا بإخفاء كسر العين والمراد بالإخفاء هنا اختلاس كسر العين فتعين للباقين القراءة بإتمام الكسر فصار ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين وابن كثير وورش وحفص بكسر النون والعين وأبو عمرو وقالون وشعبة بكسر النون واختلاس كسرة العين فتصير بين الكسر والسكون.
(1/167)

ويا ونكفّر عن كرام وجزمه ... أتى شافيا والغير بالرّفع وكّلا
أخبر أن المشار إليهما بالعين والكاف في قوله عن كرام وهما حفص وابن عامر قرآ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ [البقرة: 371]، بالياء فتعين للباقين القراءة بالنون وأن المشار إليهم بالهمزة والشين في قوله أتى شافيا وهم نافع وحمزة والكسائي قرءوا بجزم الراء فتعين للباقين القراءة برفعه وقوله والغير بالرفع وكلا زيادة بيان لأن الجزم ضده الرفع في اصطلاحه فصار نافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم وأبو عمرو وابن كثير وشعبة بالنون والرفع وابن عامر وحفص بالياء والرفع.
ويحسب كسر السّين مستقبلا سما ... رضاه ولم يلزم قياسا موصّلا
أخبر أن المشار إليهم بسما وبالراء في قوله سما رضاه وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي قرءوا ما جاء من يحسب مستقبلا بكسر السين فتعين للباقين القراءة بفتحها فالتقييد واقع بالاستقبال مطلقا كما لفظ به وإنما قال مستقبلا ليشمل كل فعل مستقبل في القرآن سواء كان بالياء أو بالتاء متصل به ضمير أو غير متصل نحو يحسبهم الجاهل، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ [الزخرف: 37]، ويَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ [النور: 39]، وأَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ [الفرقان: 44]، وأَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ [القيامة: 36]، و (ايحسب أن
ماله) [الهمزة: 44]، وأشار بقوله ولم يلزم قياسا مؤصلا إلى أن الكسر خرج عن القياس المؤصل أي الذي جعل أصلا والقياس أن مستقبل حسب يحسب بفتح السين.
وقل فأذنوا بالمدّ واكسر فتى صفا ... وميسرة بالضّمّ في السّين أصّلا
أمر بمد الهمزة وكسر الذال للمشار إليهما بالفاء والصاد في قوله فتى صفا وهما حمزة وشعبة قرآ فآذنوا بحرب من الله بالمد أي بفتح الهمزة وألف بعدها وكسر الذال وأراد بالمد الألف بعد الهمزة ومن ضرورتها فتح الهمزة وتعين للباقين القراءة بترك المد وسكون الهمزة وفتح الذال كلفظه ثم أخبر أن المشار إليه بالهمزة من أصلا وهو نافع قرأ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: 280] بضم السين فتعين للباقين القراءة بفتحها.
وتصدّقوا خفّ نما ترجعون قل ... بضمّ وفتح عن سوى ولد العلا
أخبر أن المشار إليه بالنون من نما وهو عاصم قرأ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:
280] بتخفيف الصاد فتعين للباقين القراءة بتشديدها وأن القراء كلهم إلا أبا عمرو بن العلاء قرءوا وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ [البقرة: 281] بضم التاء وفتح الجيم فتعين لابن العلاء القراءة بفتح التاء وكسر الجيم.
وفي أن تضلّ الكسر فاز وخفّفوا ... فتذكر حقّا وارفع الرّا فتعدلا
أخبر أن المشار إليه بالفاء من فاز وهو حمزة قرأ إن تضل بكسر الهمزة فتعين للباقين القراءة بفتحها وأن المشار إليهما بحق وهما ابن كثير وأبو عمرو خففا فتذكر فتعين للباقين القراءة بتشديده وأن المشار إليه بالفاء من فتعدلا وهو حمزة رفع الراء فتعين للباقين القراءة بنصبها فصار حمزة بالكسر والتشديد والرفع وأبو عمرو وابن كثير بالفتح والتخفيف والنصب ونافع وابن عامر وعاصم والكسائي بالفتح والتشديد والنصب. وإنما قال فتعدلا لأنه لا يستقيم مع كسر الهمزة ووجود الفاء إلا الرفع:
تجارة انصب رفعه في النّسا ثوى ... وحاضرة معها هنا عاصم تلا
أمر بنصب الرفع في تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ [النساء: 29]، للمشار إليهم بالثاء من ثوى وهم الكوفيون ثم أخبر أن عاصما قرأ بنصب تجارة هنا ونصب معها حاضرة فقوله وحاضرة معها هنا أي انصب
(1/168)

حاضرة مع تجارة هنا أي في سورة البقرة لعاصم، فتعين لمن لم يذكره القراءة بالرفع في المواضع الثلاثة كما قيده لهم. وثوى: أقام:
وحقّ رهان ضمّ كسر وفتحة ... وقصر ويغفر مع يعذّب سما العلا
شذا الجزم والتّوحيد في وكتابه ... شريف وفي التّحريم جمع حمى علا
أخبر أن المشار إليهما بحق وهما ابن كثير وأبو عمرو قرآ فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:
283] بضم كسر الراء وضم فتح الهاء والقصر أي بضم الراء والهاء من غير ألف فتعين للباقين القراءة بكسر الراء وفتح الهاء والمد كلفظه والمراد بالمد إثبات الألف بعد الهاء ثم أخبر أن المشار إليهم بسما وبالشين من شذا الجزم وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي قرءوا فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [البقرة: 284] بجزمهما
(1/169)

فتعين للباقين القراءة برفعهما وألف العلا ليس برمز لاندراج نافع في سما. ثم خبر أن المشار إليهما بالشين من شريف وهما حمزة والكسائي قرآ في هذه السورة وكتابه ورسله بالتوحيد فتعين للباقين أن يقرءوا وكتبه ورسله على الجمع ثم أخبر أن المشار إليهما بالحاء والعين في قوله حمى علا وهما أبو عمرو وحفص قرآ في سورة التحريم وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها [التحريم: 12]، وكتبه بالجمع وهو ضم الكاف والتاء من غير ألف فتعين للباقين القراءة بالتوحيد وهو كسر الكاف وفتح التاء وألف بعدها.
وبيتي وعهدي فاذكروني مضافها ... وربّي وبي منّي وإنّي معا حلا
أخبر أن في هذه السورة من ياءات الإضافة المختلف في فتحها وإسكانها ثمان ياءات بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج: 26]،
(1/170)

وعَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124]، وفَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: 152]، ورَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: 258] وبِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186]، ومِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [البقرة: 249]، وإِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، وإِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وهما المشار إليهما بقوله وإني معا أي في موضعين وقد تقدم شرح اختلاف القراء في فتحها وإسكانها في بابها فلا حاجة إلى إعادته، وأراد الناظم حصر ما في كل سورة من ياءات الإضافة نصا على أعيانها حيث ذكرها مجملا في بابها حرصا على بيانها ليأمن الطالب الالتباس نحو تزدري أعينكم ومن ثم جردها عن الأحكام ونحن نسلك طريقته ولم يحتج إلى تعداد الزوائد لنصه عليها في بابها واحدة واحدة وبالله التوفيق.
(1/171)

سورة آل عمران
وإضجاعك التّوراة ما ردّ حسنه ... وقلّل في جود وبالخلف بلّلا
قد تقدم في باب الإمالة أن مراده بالإضجاع الإمالة الكبرى ومراده بالتقليل الإمالة بين بين
(1/172)

فأخبر أن المشار إليهم بالميم والراء والحاء في قوله ما رد حسنه وهم ابن ذكوان والكسائي وأبو عمرو أمالوا ألف التوراة إمالة محضة حيث كانت نحو وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ [آل عمران: 3]، وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ [آل عمران: 65]، وقُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ [آل عمران: 93]،
(1/173)

وأن المشار إليهما بالفاء والجيم في قوله في جود وهما حمزة وورش أمالاها بين بين وأن المشار إليه بالباء من بللا وهو قالون اختلف عنه فيها فله الفتح وله
الإمالة بين بين فتعين لمن لم يذكره في التراجم المتقدمة ضد الإمالة وهو الفتح. فإن قيل التوراة عام في جميع القرآن والقاعدة أن الفرش لا يعم إلا بقرينة تدل على العموم وأين القرينة؟ قيل في كلامه ما يدل على العموم فيها في جميع القرآن، وبيانه من وجهين: الأول أن الألف واللام للعموم وإن كانت لازمة فيها. الثاني أن الحكم يعم لعموم علته. واعلم أن ألف التوراة منقلبة عن ياء وأميلت لأنها بعد راء فهي كالألفات المشار إليها بقوله. وما بعد راء
(1/174)

شاع حكما ورشح استعارة الجود بالبلل. والجود: المطر الغزير.
وفي تغلبون الغيب مع تحشرون في ... رضا وترون الغيب خصّ وخلّلا
أخبر أن المشار إليهما بالفاء والراء من قوله في رضا وهما حمزة والكسائي قرآ (قل للذين كفروا سيغلبون ويحشرون) [آل عمران: 12] بالياء من تحت على الغيب وأن المشار إليهم بالخاء من خص وهم القراء كلهم إلا نافعا قرءوا يرونهم مثليهم بياء الغيب أيضا فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة وبالتاء فوق للخطاب وأراد بقوله يرون يرونهم فحذف الضمير للوزن وقوله خص وخللا معناه واحد وبالنظر إلى معنى الآية يظهر معناهما، أي خص الغيب المقاتلين في سبيل الله.
(1/175)

ورضوان اضمم غير ثاني العقود كس ... ره صحّ إنّ الدّين بالفتح رفّلا
أمر بضم كسر راء رضوان حيث وقع إلا من اتبع رضوانه ثاني موضعي العقود للمشار إليه بالصاد من صح وهو شعبة نحو: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: 15]، فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً [المائدة: 2]، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ [التوبة: 21].
وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ [محمد: 28]، فتعين للباقين القراءة بكسر الراء في الجميع على حسب ما قيد لهم وصار
(1/176)

السبعة على كسر من اتبع رضوانه باتفاق. ثم أخبر أن المشار إليه بالراء من رفلا وهو الكسائي قرأ أن الدين عند الله الإسلام بفتح الهمزة فتعين للباقين القراءة بكسرها، ومعنى رفلا عظم وأصله الزيادة، ومنه ثوب مرفل. والترفيل في علم العروض: زيادة سبب خفيف آخرا.
وفي يقتلون الثّان قال يقاتلو ... ن حمزة وهو الحبر ساد مقتّلا
أخبر أن حمزة قرأ (ويقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس) [آل عمران: 21] بضم الياء وفتح القاف وألف بعدها وكسر التاء، وأن الباقين قرءوا ويقتلون الذين يفتح الياء وإسكان القاف وضم التاء بلا ألف على ما لفظ به في القراءتين وهو الفعل الثاني ولا خلاف في الأول أنه ويقتلون النبيين بفتح الياء وضم التاء من غير ألف من القتل على ما جاء من نظائره والتقدير قال أي قرأ حمزة يقاتلون مكان يقتلون بغير ألف. والحبر: العالم العظيم بفتح الحاء وكسرها وساد من السيادة. والمقتل: المجرب للأمور يشير إلى أن حمزة ساد في زمانه على من كان فيه لخبرته بهذا العلم.
وفي بلد ميت مع الميت خفّفوا ... صفا نفرا والميتة الخفّ خوّلا
أخبر أن المشار إليهم بالصاد وبنفرا في قوله صفا نفرا وهم شعبة وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر قرءوا إلى بلد ميت ولبلد ميت وجميع ما جاء من لفظ الميت نحو الحي من الميت والميت من الحي بالتخفيف أي بسكون الياء قال الداني في التيسير الحي من الميت والميت من الحي وإلى بلد ميت وشبهه إذا كان قد مات أي الخلف وقع في الميت والميت هذين اللفظين حيث أتيا. ثم أخبر أن المشار إليهم بالخاء من خولا وهم القراء كلهم إلا نافعا قرءوا في سورة يس وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ [يس: 33] بالتخفيف فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بتشديد الياء ولا شك أن إطلاق الناظم لفظ الميتة يلتبس على المبتدئ بالميتة والدم في المائدة والنحل أما الذي بالبقرة فلا يلتبس به لأنه تعداه ولم يذكره فدل على أنه غير مختلف فيه وقصر صفا ضرورة ونصب نفرا على التمييز وقد استعمل هذا اللفظ بعينه في موضعين آخرين أحدهما في أواخر هذه السورة في متم ومتنا وقال فيه صفا نفر بالرفع على الفاعلية والموضع الآخر في آخر التوبة ترجئ همزه صفا نفر بالجر على الإضافة. قوله خولا أي ملك. وقيل معناه حفظ، من خال الراعي يخول إذا: حفظ.
وميتا لدى الأنعام والحجرات خذ ... وما لم يمت للكلّ جاء مثقّلا
الواو عاطفة فاصلة أي خذ الحكم المتقدم وهو التخفيف، أمر بالأخذ بالتخفيف للمشار إليهم
(1/177)

بالخاء من خذ وهم القراء كلهم إلا نافعا قرءوا بالأنعام أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً [الأنعام: 122]، لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات: 12] بتخفيف الياء فتعين لنافع القراءة بالتشديد. ثم أخبر أن ما لم يمت ثقل لكل القراء أي قرءوا بالتشديد فيما لم يتحقق فيه صفة الموت نحو وَما هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: 17]، وإِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30]، وبَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ [المؤمنون: 15]، وكذلك أجمعوا على تخفيف الميتة بالبقرة والمائدة والنحل وإلا أن يكون ميتا بالأنعام وفيها وإن يكن ميتة وبقاف فأحيينا به بلدة ميتا ونحوه:
وكفّلها الكوفي ثقيلا وسكّنوا ... وضعت وضمّوا ساكنا صحّ كفّلا
أخبر أن الكوفيين وهم عاصم وحمزة والكسائي قرءوا وكفلها بالتثقيل أي بتشديد الفاء فتعين للباقين القراءة بتخفيفها. ثم أخبر أن المشار إليهما بالصاد والكاف من صح كفلا وهما شعبة وابن عامر قرآ بما وضعت بسكون العين وضم سكون التاء فتعين للباقين القراءة بفتح العين وسكون التاء على ما قيد لهم، وعلم أن السكون في العين من اللفظ وقيد الضم لخروجه عن القاعدة وقدم وكفلها عليها للوزن فانفصلت عن معمولها، وكفلا: جمع كافل.
وقل زكريّا دون همز جميعه ... صحاب ورفع غير شعبة الأوّلا
أخبر أن المشار إليهم بصاحب وهم حمزة والكسائي وحفص قرءوا زكريا حيث جاء
بغير همز يعني بالقصر فتعين للباقين القراءة بالهمزة بعد الألف. ثم أخبر أن من عدا شعبة يعني ممن قرأ بالمد والهمز رفع زكريا الأول فتعين لشعبة نصبه فقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وكفلها بالتخفيف زكريا بالهمز والرفع وشعبة بالتشديد والهمز والنصب والباقون بالتشديد وبألف من غير همز ولا مد لأن من همز يمد قبل الهمز على قاعدته في باب المد، وأما ما عدا زكريا الأول فإن حمزة والكسائي وحفصا قرءوا فيه بالقصر من غير همز، وأن الباقين وهم شعبة ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر قرءوا بالمد والرفع.
وذكّر فناداه وأضجعه شاهدا ... ومن بعد أنّ الله يكسر في كلا
أمر بالتذكير والإضجاع في فناداه للمشار إليهما بالشين من شاهدا وهما حمزة والكسائي قرآ فناداه الملائكة بألف ممالة على التذكير وقرأ الباقون فنادته بالتاء المثناة فوق للتأنيث وليس معه إمالة وقد تقدم أن مراده بالإضجاع الإمالة الكبرى فأمالها على أصلهما في ذوات الياء ونص على الإمالة
(1/178)

لينبه على محل العلامة. ثم أخبر أن المشار إليهما بالفاء والكاف من قوله في كلا وهما حمزة وابن عامر قرآ أن الله يبشر الواقع بعد فنادته بكسر الهمزة فتعين للباقين القراءة بفتحها. والكلا: الحفظ والحراسة وهو ممدود قصره ضرورة، يقال كلأت كذا أي حفظته.
مع الكهف والإسراء يبشر كم سما ... نعم ضمّ حرّك واكسر الضّمّ أثقلا
نعم عمّ في الشّورى وفي التّوبة اعكسوا ... لحمزة مع كاف مع الحجر أوّلا
لم يأت بالواو الفاصلة لعدم الريبة وقوله مع الكهف أي خذ في هذه السورة من لفظ يبشر إذا كان فعلا مضارعا فالتقييد واقع به احترازا من كونه فعلا ماضيا مع ما في سورة الكهف والإسراء وجرده من الضمير المتصل به لأن بعضه اتصل به ضمير مخاطب مذكر وبعضه مؤنث وبعضه غائب فلو أتى به مع أحد هذه الضمائر لتوهم التقييد بذلك الضمير وأمر بالتقييد المذكور وهو قوله ضم يعني الياء وحرك أي افتح الياء واكسر الضم يعني الذي في الشين أثقلا أي حالة كونه ثقيلا أي اقرأ للمشار إليهم بالكاف من كم وبالنون من نعم وبسما الموسطة بينهما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى [آل عمران: 39]، ويُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ [آل عمران: 45]، هنا وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:
9]، وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ [الكهف: 2] بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين وتشديدها قوله نعم عم في الشورى أي اقرأ للمشار إليهم بالنون من نعم ويعم وهم عاصم ونافع وابن عامر في سورة الشورى ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ [الشورى: 23] بالتقييد المذكور وهو ضم الياء وفتح الباء وكسر الشين وتشديدها وقوله وفي التوبة اعكسوا إلى آخره، أمر القراء أن يقرءوا لحمزة يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ [التوبة: 21]، وإِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الحجر: 53]، ويا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ [مريم: 7]، ولِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ
[مريم: 97]، بعكس التقييد المذكور أي بضده وهو فتح حرف المضارعة وإسكان الباء وضم الشين وتخفيفها فصار نافع وابن عامر وعاصم بتشديد التسعة وحمزة بتخفيفها وشدد ابن كثير وأبو عمرو ثمانية وخففا الشورى وخفف الكسائي بآل عمران وسبحان والكهف والشورى وشدد التوبة والحجر ومريم وخفف حمزة التوبة والحجر ومريم ومراده بالتوبة سورة براءة وعبر عن مريم بكاف لأنه أول هجائها فقال مع كاف أي مع سورة كهيعص وقيد الحجر بالأول ليخرج بشرتموني وفيم تبشرون فإنهما متفقا التشديد.
نعلّمه بالياء نصّ أئمة ... وبالكسر إنّي أخلق اعتاد أفصلا
أخبر أن المشار إليهما بالنون والهمزة في قوله نص أئمة وهما عاصم ونافع قرآ ويعلمه الكتاب
(1/179)

بالياء المثناة تحت فتعين للباقين القراءة بالنون وأن المشار إليه بالهمزة في قوله اعتاد وهو نافع قرأ إني أخلق لكم بكسر الهمزة فتعين للباقين القراءة بفتحها وقيد إني بكلمة أخلق ليخرج أني قد وقوله أفصلا كمل به البيت.
وفي طائرا طيرا بها وعقودها ... خصوصا وياء في نوفّيهمو علا
أخبر أن المشار إليهم بالخاء من خصوصا وهم السبعة إلا نافعا قرءوا فيكون طيرا بإذن الله هنا و (فيكون طيرا بإذني) [المائدة: 110] بياء ساكنة بين الطاء والراء وقرأ نافع طائرا بألف وهمزة مكسورة وتمد الألف من أجلها في الموضعين وذلك على حسب ما لفظ به في القراءتين ثم أخبر أن المشار إليه بالعين من علا وهو حفص قرأ فيوفيهم أجورهم بالياء المثناة تحت فتعين للباقين القراءة بالنون، وأراد بقوله (وعقودها) سورة المائدة.
ولا ألف في ها هأنتم زكا جنا ... وسهّل أخا حمد وكم مبدل جلا
أخبر أن المشار إليهما بالزاي والجيم من قوله زكا جنا وهما قنبل وورش قرآ هأنتم حيث جاء بلا ألف قبل الهمزة فتعين للباقين القراءة بألف بين الهاء والهمز ثم أمر بتسهيل الهمزة للمشار إليهما بالهمزة والحاء في قوله أخا حمد وهما نافع وأبو عمرو فتعين للباقين القراءة بتحقيق الهمزة. ثم أخبر أن كثيرا من أهل الأداء قرءا بإبدال الهمزة ألفا للمشار إليه بالجيم من جلا وهو ورش فحاصله أن قالون وأبا عمرو قرءاها أنتم بألف بعد الهاء وهمزة مسهلة بين بين بعد الألف وأن ورشا له وجهان تسهيل الهمزة بين بين وهو المعز وإلى البغداديين وإبدالها ألفا وهو المعزوّ إلى المصريين كلاهما على أثر الهاء وأن قنبلا قرأ الهمزة محققة إلى أثر الهاء وأن الباقين وهم البزي وابن عامر والكوفيون قرءوا بألف بعد الهاء وهمزة محققة بعد الألف.
ولما انقضى كلامه فيما يرجع إلى اختلاف القراء في ها أنتم أخذ يتكلم في توجيه الهاء
الموجودة فيه فقال:
وفي هائه التّنبيه من ثابت هدى ... وإبداله من همزة زان جملا
ويحتمل الوجهين عن غيرهم وكم ... وجيه به الوجهين للكل حمّلا
ويقصر في التّنبيه ذو القصر مذهبا ... وذو البدل الوجهان عنه مسهّلا
أخبر أن الهاء في هأنتم للتنبيه عند المشار إليهم بالميم والثاء والهاء في قوله من ثابت هدى وهم
(1/180)

الكوفيون وابن ذكوان والبزي وهي تدخل في الكلام للتنبيه كما في قولك هذا وهذه وهؤلاء ونحو ذلك ودخلت أيضا على أنتم ووجه ذلك أن الهاء في ها أنتم لو كانت مبدلة من همزة لم يدخلوا بينها وبين الهمزة ألفا لأن مذهب هؤلاء ترك إدخال الألف بين الهمزتين فلما وجدت الألف بعد الهاء حمل ذلك على أنها ألف الهاء التي للتنبيه ثم قال وإبداله من همزة زان جملا. أخبر أن الهاء في قراءة المشار إليهما بالزاي والجيم في قوله زان جملا وهما قنبل وورش مبدلة من همزة وأن الأصل عندهما أأنتم فأبدلا من الهمزة الأولى هاء كما يقولون إياك وهياك ولو كانت الهاء التي للتنبيه لوجد مع الهاء ألف وليس عندهما فيها ألف ثم قال ويحتمل الوجهين عن غيرهم أي عن غير هؤلاء المذكورين وهم قالون وأبو عمرو وهشام يحتمل في قراءتهم أن تكون الهاء مبدلة من همزة وأن تكون الهاء التي للتنبيه دخلت على أنتم وإنما احتمل الوجهان عن هؤلاء لأنهم قرءوا بألف بعد الهاء وهم على أصولهم في الهمزتين المفتوحتين يدخلون ألفا بين الهمزتين فلما وجدت عندهم الألف في ها أنتم احتمل أن يكون الأصل عندهم أنتم ثم أبدلوا من الهمزة هاء واحتمل أن تكون الهاء التي للتنبيه دخلت على أنتم ثم قال: وكم وجيه به الوجهين للكل حملا، أخبر أن جماعة من الأئمة ذوي الوجاهة في العلم أجازوا للجميع أن تكون الهاء مبدلة من همزة وتكون الهاء التي للتنبيه دخلت على أنتم ثم قال ويقصر في التنبيه ذو القصر مذهبا، أخبر أن من جعل الهاء للتنبيه قصر لمن مذهبه القصر في المنفصل ومدّ لمن مذهبه المد لأنه يكون من باب ما انفصلت عنه الألف عن الهمزة لأن ها كلمة وأنتم كلمة ثم قال: وذو البدل الوجهان عنه مسهلا، قال السخاوي يعني ورشا لأن ذا البدل المسهل لا تجده إلا ورشا لأنه قال: وإبداله من همزة زان جملا وقنبل لا يسهل الهمزة هاهنا فبقي ورش له وجهان كما سبق فعلى قول من يسهل بين بين يأتي بهاء بعدها همزة مسهلة وعلى قول من يسهل بالبدل له يأتي بهاء بعدها مدة طويلة لأجل الساكن بعدها وأراد بقوله مسهلا مذهبي ورش البدل وبين بين ومقصوده بذلك أن يفصله من قنبل.
وضمّ وحرّك تعلمون الكتاب مع ... مشدّدة من بعد بالكسر ذلّلا
أخبر أن المشار إليهم بالذال من ذللا وهم الكوفيون وابن عامر قرءوا بضم التاء من
تعلمون الكتاب وتحريك العين أي فتحها مع كسر اللام وتشديدها فتعين للباقين القراءة بفتح التاء وسكون
(1/181)

العين مع فتح اللام وتخفيفها وقوله مشددة من بعد يعني اللام مشددة بعد العين، وقوله: ذللا، أي قرب في المعنى حتى فهمه كل واحد.
ورفع ولا يأمركمو روحه سما ... وبالتّاء آتينا مع الضّمّ خوّلا
وكسر لما فيه وبالغيب ترجعو ... ن عاد وفي تبغون حاكيه عوّلا
أخبر أن المشار إليهم بالراء من روحه وبسما وهم الكسائي ونافع وابن كثير وأبو عمرو قرءوا ولا يأمركم أن برفع الراء فتعين للباقين القراءة بنصبها وأن المشار إليهم بالخاء من خولا وهم السبعة إلا نافعا قرءوا لما آتيتكم من كتاب بتاء مضمومة بين الياء والكاف بلا ألف ولفظ بقراءة نافع فقال آتينا يعني آتيناكم بنون مفتوحة بعدها ألف ثم قال وكسر لما فيه. أخبر أن المشار إليه بالفاء من قوله فيه وهو حمزة قرأ لما آتيتكم بكسر اللام فتعين للباقين القراءة بفتحها. ثم أخبر أن المشار إليه بالعين من عاد وهو حفص قرأ وإليه يرجعون بالياء المثناة تحت للغيب فتعين للباقين القراءة بالتاء المثناة فوق للخطاب ثم قال وفي يبغون. أخبر أن المشار إليهما بالحاء والعين في قوله: حاكيه عولا وهما أبو عمرو وحفص قرآ (أفغير دين الله يبغون بالغيب) [آل عمران: 83]، أيضا فتعين للباقين القراءة بالخطاب ولا يأمركم يقرأ في البيت بسكون الراء وصلة الميم وهي الرواية ويقرأ بتحريك الراء وسكون الميم على كف مفاعيلن ويجري أبو عمرو على أصله في الاختلاس والإسكان لأنه مندرج في قوله وإسكان بارئكم ويأمركم له. والجاه الوزن إلى تقديم آتيتكم على لما وترجعون على تبغون وهما مؤخران والهاء في فيه تعود على آتيتكم لأنه معه. ومعنى حاكيه عولا. أي عول عليه حاكي الغيب.
وبالكسر حجّ البيت عن شاهد وغي ... ب ما تفعلوا لن تكفروه لهم تلا
أخبر أن المشار إليهم بالعين والشين في قوله عن شاهد وهم حفص وحمزة والكسائي قرءوا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: 97]، بكسر الحاء وقرءوا أيضا وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ [آل عمران: 115] بياء الغيب فتعين للباقين القراءة بفتح حاء حج البيت وبتاء الخطاب في تفعلوا وفلن تكفروه والضمير في قوله لهم يعود على
حفص وحمزة والكسائي، وتلا: تبع الغيب سابقه.
(1/182)

يضركم بكسر الضّاد مع جزم رائه ... سما ويضمّ الغير والرّاء ثقّلا
أخبر أن المشار إليهم بسما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو قرءوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران: 120] بكسر الضاد وجزم الراء ثم بيّن قراءة الباقين فقال ويضم الغير يعني يضم الضاد لأن ضد الكسر الفتح لا الضم فاحتاج إلى بيانه وأما جزم الراء فيفهم منه أن
القراءة الأخرى بالرفع لأن الجزم ضده الرفع ثم أخبر أن الذين ضموا الضاد ثقلوا الراء يعني بعد رفعها فقراءة الباقين بضم الضاد وضم الراء وتشديدها.
وفيما هنا قل منزلين ومنزلو ... ن لليحصبي في العنكبوت مثقلا
يعني أن اليحصبي وهو ابن عامر قرأ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران:
124]، هنا أي في هذه السورة وإِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ [العنكبوت: 34] بالتثقيل أي بتشديد الزاي ولزم منه فتح النون فلزم الباقين القراءة بتخفيف الزاي فيهما فلزم منه سكون النون، وقوله قل: بمعنى اقرأ.
وحقّ نصير كسر واو مسوّمي ... ن قل سارعوا لا واو قبل كما انجلى
أخبر أن المشار إليهم بحق وبالنون من نصير وهم ابن كثير وأبو عمرو وعاصم قرءوا مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: 125] بكسر الواو فتعين للباقين القراءة بفتحها وأن المشار إليهما بالكاف وبهمز الوصل في قوله كما انجلى وهما ابن عامر ونافع قرآ وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ [آل عمران: 133] بلا واو عطف قبل أي قبل السين فتعين للباقين القراءة بإثبات الواو ويروى حق نصير بإضافة حق إلى نصير وبدون إضافة على أنه صفة لحق.
وقرح بضمّ القاف والقرح صحبة ... ومع مدّ كائن كسر همزته دلا
ولا ياء مكسورا وقاتل بعده ... يمدّ وفتح الضّمّ والكسر ذو ولا
أخبر أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة قرءوا إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران: 140]، ومن بعد ما أصابهم القرح بضم القاف فتعين للباقين القراءة بفتح قاف الثلاثة وليس في القرآن
(1/183)

غيرها. وقوله: ومع مد كائن كسر همزته دلا ولا ياء مكسورا. أخبر أن المشار إليه بالدال من دلا وهو ابن كثير قرأ وكائن حيث جاء بألف وهمزة مكسورة بين الكاف والنون من غير ياء وأراد بالمد إثبات الألف فتعين للباقين القراءة بهمزة مفتوحة وياء مكسورة مشددة بين الكاف والنون من غير ألف ونطق بكائن في البيت مجردة عن الواو والفاء ليعم جميع ما في القرآن نحو وكائن من نبيّ وكائن من دابة فكائن من قرية ثم قال وقاتل بعده أي بعد لفظ كائن أخبر أن المشار إليهم بالذال من قوله ذو ولا وهم الكوفيون وابن عامر قرءوا قاتل معه ربيون بالمد أي بألف قبل التاء وبعد القاف وفتح ضم القاف وفتح كسر الثاء فتعين للباقين القراءة بالقصر أي بحذف الألف وضم القاف وكسر التاء. وقوله: ولا بكسر الواو، أي متابعة.
وحرّك عين الرّعب ضمّا كما رسا ... ورعبا ويغشى أنّثوا شائعا تلا
أخبر أن المشار إليهما بالكاف والراء في قوله: كما رسا وهما ابن عامر والكسائي حركا عين الرعب ورعبا بالضم، فتعين للباقين القراءة بالإسكان حيث جاء وهو خمسة
مواضع: الأول سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [آل عمران: 151] هنا وفي الأنفال وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الأحزاب: 26] والحشر، وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [الكهف:
18]، ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شائعا وهما حمزة والكسائي قرآ نعاسا تغشى بتاء التأنيث فتعين للباقين القراءة بياء التذكير.
وقل كلّه لله بالرّفع حامدا ... بما يعملون الغيب شايع دخللا
يعني أن المشار إليه بالحاء من قوله حامدا وهو أبو عمرو قرأ إن الأمر كله لله برفع كله فتعين للباقين القراءة بنصب اللام وأن المشار إليهم بالشين والدال من قوله شايع دخللا وهم حمزة والكسائي وابن كثير قرءوا بما يعملون الذي بعده بصير بياء الغيب فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب علم أن الخلاف في يعلمون الذي بعده بصير ولئن قتلتم لا الذي قبله بصير من الترتيب لأنه بعد قوله تعالى كلّه لله وقبل متم وبابه والمتفق بعدها لأن اصطلاح الناظم رحمه الله إذا كانت الكلمة المختلف فيها ذات نظير مجمع عليه التزم الترتيب فعلم من ذكرها موضعها.
ومتّم ومتنا متّ في ضمّ كسرها ... صفا نفر وردا وحفص هنا اجتلا
أخبر أن المشار إليهم بالصاد وبنفر في قوله صفا نفر وهم شعبة وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر قرءوا بضم كسر الميم من متم ومتنا ومت حيث وقع نحو وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران: 157]، أَوْ مُتُّمْ [آل عمران: 157]، وَلَئِنْ مُتُّمْ
(1/184)

أَوْ قُتِلْتُمْ [آل عمران: 185]، وأَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ [المؤمنون: 35]، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً [المؤمنون: 82]، ويَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ [مريم: 66]، وأَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [الأنبياء: 34]، ثم قال وحفص هنا اجتلا أي وضم حفص متم في موضعي آل عمران وكسر ميم البواقي فكمل عاصم فيها وتعين لنافع وحمزة والكسائي كسر الميم في الكل.
وبالغيب عنه تجمعون وضمّ في ... يغلّ وفتح الضّمّ إذ شاع كفّلا
أخبر أن المشار إليه بالضمير في عنه وهو حفص قرأ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ بياء الغيب فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب، ثم أخبر أن المشار إليهم بالهمزة
والشين والكاف في قوله إذ شاع كفلا وهم نافع وحمزة والكسائي وابن عامر قرءوا بضم الياء في وما كان لنبي أن يغل فأخبر أن فتح الضم لهم يعني في الغين أي قرءوا يغل بضم الياء وفتح الغين فتعين للباقين القراءة بفتح الياء وضم الغين على ما قيده وعاد الضمير إلى حفص لأنه أقرب مذكور في البيت السابق.
بما قتلوا التّشديد لبّى وبعده ... وفي الحجّ للشّامي والآخر كمّلا
دراك وقد قالا في الأنعام قتّلوا ... وبالخلف غيبا يحسبنّ له ولا
أراد بما قتلوا الواقع بعد يغلّ لأن الذي قبله لا خلاف في تخفيفه وهو قوله تعالى:
لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا [آل عمران: 156]، وأخبر أن المشار إليه باللام من لبى وهو هشام قرأ لو أطاعونا ما قتلوا بتشديد التاء فتعين للباقين القراءة بتخفيفها وقوله لبى أي أجاب بالتلبية وقوله وبعده وفي الحج للشامي الواو عاطفة فاصلة، أخبر أن الشامي وهو ابن عامر قرأ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً [آل عمران: 169]، في هذه السورة وثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا [الحج: 58] بتشديد التاء فتعين للباقين القراءة بتخفيف التاء فيهما وأراد بقوله وبعده وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الواقع بعد لو أطاعونا ما قتلوا في التلاوة. وقوله والآخر كملا دراك وقد قالا في الأنعام، أخبر أن المشار إليهما بالكاف والدال في قوله كملا دراك وهما ابن عامر وابن كثير قرآ وقتلوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ [آل عمران: 195] وهو الأخير الذي في هذه السورة وقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ [الأنعام: 140] بتشديد التاء فتعين للباقين القراءة فيهما بتخفيف التاء والضمير في قالا عائد إلى ابن عامر وابن كثير. وقوله وبالخلف غيبا يحسبن له أخبر أن المشار إليه باللام من له وهو هشام قرأ (ولا يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) [آل عمران:
169] بياء الغيب بخلاف عنه في ذلك وقرأ الباقون بتاء الخطاب كالوجه الثاني لهشام.
والولا بفتح الواو: النصر.
(1/185)

وأنّ اكسروا رفقا ويحزن غير الأن ... بياء بضمّ واكسر الضّمّ أحفلا
أمر بكسر الهمزة من وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 171] للمشار إليه بالراء من رفقا وهو الكسائي فتعين للباقين القراءة بفتحها، ثم أخبر أن المشار إليه بالهمز من أحفلا وهو نافع قرأ لفظ يحزن بضم الياء وكسر الضم الذي في الزاي حيث جاء نحو وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ [آل عمران: 176] ولَيَحْزُنُنِي أَنْ [يوسف: 13]، إلا لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء: 103] فإنه بفتح الياء وضم الزاي للسبعة كغيره. وقوله أحفلا: أي حافلا مهتما.
وخاطب حرفا يحسبنّ فخذ وقل ... بما يعملون الغيب حقّ وذو ملا
أي اقرأ للمشار إليه بالفاء من قوله فخذ وهو حمزة (ولا تحسبن الذين كفروا) [النور: 57]، (ولا تحسبن الذين يبخلون) [آل عمران: 180] بتاء الخطاب فيهما فتعين للباقين القراءة بياء الغيب فيهما وقل بمعنى اقرأ أي للمشار إليهما بحق وهما ابن كثير وأبو عمرو بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: 37] لقد سمع الله بياء الغيب فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب. وذو ملا بفتح الميم: الأشراف.
يميز مع الأنفال فاكسر سكونه ... وشدّده بعد الفتح والضّمّ شلشلا
أمر في حتى يميز الخبيث من الطيب هنا ولِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ [الأنفال: 37]، بكسر سكون الياء الثانية من يميز. وتشديدها بعد الفتح في الميم والضم في الياء الأولى، للمشار إليهما بالشين من شلشلا وهما حمزة والكسائي فتعين للباقين القراءة بسكون الياء على ما قيد لهم بعد الكسر في الميم والفتح في الياء الأولى.
سنكتب ياء ضمّ مع فتح ضمّه ... وقتل ارفعوا مع يا نقول فيكملا
أخبر أن المشار إليه بالفاء من فيكملا وهو حمزة قرأ سنكتب ما قالوا بياء مضمومة مع فتح ضم التاء من سيكتب وقتلهم برفع اللام ويقول ذوقوا بالياء فتعين للباقين القراءة بالنون مفتوحة مع ضم التاء من سنكتب ونصب اللام من قتلهم وبالنون في وتقول ونبه بقوله فيكملا على كمال تقييد قراءة حمزة بما ذكر وحذف ضمير قتلهم للوزن.
وبالزّبر الشّامي كذا رسمهم وبال ... كتاب هشام واكشف الرّسم مجملا
أخبر أن الشامي وهو عبد الله بن عامر قرأ وبالزبر بالباء وأن رسم مصاحف الشام كذلك ثم أخبر أن هشاما قرأ وبالكتاب بالباء فتعين للباقين القراءة بغير باء فيهما، وروى الداني في المقنع عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن الباء ثابتة في الموضعين للشامي. قال الأخفش إن الباء زيدت
(1/186)

في الإمام، أي في مصحف الشام في وبالزبر وحده وقال مكي في الهداية لم يرسم الثاني بالباء أصلا، قال الداني رواية أبي الدرداء أثبت. قلت: وإلى هذا الاختلاف أشار بقوله واكشف الرسم مجملا أي قائلا جميلا. وقيل إنما اعتمد ابن عامر على النقل والرواية لا رسمه. والوفاق اتفاق.
صفا حقّ غيب يكتمون يبيّن ... ن لا تحسبنّ الغيب كيف سما اعتلا
أخبر أن المشار إليهم بالصاد وبحق في قوله صفا حق وهم شعبة وابن كثير وأبو عمرو قرءوا ليبيننه للناس ولا يكتمونه بياء الغيب فيهما فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب، ثم أخبر أن المشار إليهم بالكاف من كيف وبسما وهم ابن عامر ونافع وابن كثير وأبو عمرو قرءوا لا يحسبن الذين يفرحون بياء الغيب فتعين للباقين القراءة
بتاء الخطاب.
وحقّا بضمّ فلا يحسبنّهم ... وغيب وفيه العطف أو جاء مبدلا
أخبر أن المشار إليهما بقوله: وحقا وهما ابن كثير وأبو عمرو قرآ فلا يحسبنهم بمفازة بضم الباء وبالغيب فتعين للباقين القراءة بفتح الباء وبتاء الخطاب. وقوله: وفيه العطف أو جاء مبدلا توجيه قراءة ابن كثير وأبي عمرو فذكر لهما وجهين: إما العطف على الفعل الأول أو البدل.
هنا قاتلوا أخّر شفاء وبعد في ... براءة أخّر يقتلون شمردلا
أمر بتأخير قاتلوا هنا أي في هذه السورة للمشار إليهما بالشين من شفاء وهما حمزة والكسائي قرآ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي [آل عمران: 195]، وقتلوا وقاتلوا بتأخير الممدود وتقديم المقصور فتعين للباقين أن يقرءوا وقاتلوا وقتلوا بتقديم الممدود على المقصور. ثم أمر بتأخير يقتلون في سورة براءة للمشار إليهما بالشين من شمردلا وهما حمزة والكسائي قرآ أيضا فيقتلون ويقتلون بتقديم المفعول على الفاعل أي بفتح التاء بعد القاف في الأول وضمها في الثاني. وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على المفعول أي بضم التاء بعد القاف في الأول وفتحها في الثاني وقوله وبعد في براءة أي بعد قاتلوا في هذه السورة يعني ومثله يقتلون في سورة براءة. والشمردل: الكريم.
ويا آتها وجهي وإنّي كلاهما ... ومنّي واجعل لي وأنصاري الملا
أخبر أن فيها ست ياءات إضافة: (وجهي الله) [آل عمران: 20]، وإني كلاهما إِنِّي أُعِيذُها [آل عمران: 36] وأَنِّي أَخْلُقُ [آل عمران: 49] ومِنِّي إِنَّكَ واجْعَلْ لِي آيَةً [مريم: 10] وأَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: 52]، وقوله الملأ بكسر الميم جمع مليء: السعة والغنى.
(1/187)

سورة النساء
وكوفيّهم تسّاءلون مخفّفا ... وحمزة والأرحام بالحفض جمّلا
أخبر أن الكوفيين وهم عاصم وحمزة والكسائي قرءوا الذي تساءلون بتخفيف السين فتعين للباقين القراءة بتشديدها وأن حمزة قرأ والأرحام بخفض الميم فتعين للباقين القراءة بنصبها. وقوله جملا من الجمال. واعلم أن نصف هذا البيت هو نصف القصيد الأول باعتبار الأبيات، وهو خمسمائة وستة وثمانون بيتا ونصف بيت.
وقصر قياما عمّ يصلون ضمّ كم ... صفا نافع بالرّفع واحدة جلا
أخبر أن المشار إليهما بعم وهما نافع وابن عامر قرآ التي جعل الله لكم قياما بالقصر أي بحذف الألف فتعين للباقين القراءة بالمد أي بإثبات الألف قبل الميم ثم أمر للمشار إليهما بالكاف والصاد في قوله كم صفا وهما ابن عامر وشعبة قرآ بضم الياء في وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء: 10] فتعين للباقين القراءة بفتحها، ثم أخبر أن نافعا قرأ وإن كانت واحدة بضم التاء فتعين للباقين القراءة بنصبها. وجلا: كشف.
ويوصي بفتح الصّاد صحّ كما دنا ... ووافق حفص في الأخير مجمّلا
أخبر أن المشار إليهم بالصاد والكاف والدال في قوله صح كما دنا وهم شعبة وابن عامر وابن كثير قرءوا يوصى بها أو دين آباؤكم، ويوصى بها أو دين غير مضار بفتح صاديهما
وألف بعدها ووافقهم حفص في الثاني أي قرأ حفص بكسر صاد الأول وفتح صاد الثاني ويلزم من فتح الصاد وجود الألف بعدها كما نطق به وتعين للباقين القراءة بكسر الصاد فيهما ويلزم منه وجود الياء بعدها وأشار بمحملا إلى اتباعه الراوية فيه.
وفي أمّ مع في أمّها فلأمّه ... لدى الوصل ضمّ الهمز بالكسر شمللا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شمللا وهما حمزة والكسائي قرآ فلأمه الثلث وفلأمه السدس هاهنا وفِي أُمِّها رَسُولًا [القصص: 59]، فِي أُمِّ الْكِتابِ [الزخرف: 4] بكسر ضم الهمزة إن وصلت بما قبلها، فتعين للباقين القراءة بضم الهمزة في الأربعة. وقوله لدى الوصل يريد به وصل حرف الجر بهمزة أم
(1/188)

فلو فصلت ووقفت على حرف الجر ضمت الهمزة بلا خلاف لأنه لم يبق قبلها ما يقتضي كسرها فصارت كما لو كان قبلها غير الكسر والياء نحو ما هن أمهاتكم وأمه آية وكذا إذا فصل بين الكسرة والهمزة فاصل غير الياء نحو إِلى أُمِّ مُوسى [القصص: 7]، فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ [القصص: 13]، فلا خلاف في ضم ذلك كله. وقوله وفي أم قيده بذكر في احترازا من مثل ذلك. ومعنى شمللا: أسرع.
وفي أمّهات النّحل والنّور والزّمر ... مع النّجم شاف واكسر الميم فيصلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شاف وهما حمزة والكسائي قرآ من بطون أمهاتكم بالنحل أو بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ [النور: 61]، ويَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ [الزمر: 6]، وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ [النجم: 32] بكسر ضم الهمزة في الوصل لوجود الكسرة قبل الهمزة وتعين للباقين القراءة بضم الهمزة في الأربعة ثم أمر بكسر الميم في المواضع الأربعة في الوصل للمشار إليه بالفاء من فيصلا وهو حمزة وتعين للباقين القراءة بفتحها، وكلهم إذا وقفوا على ما قبل أمهاتكم وابتدءوا بها يضمون الهمزة ويفتحون الميم بلا خلاف. وقوله فيصلا أي فاصل بين قراءة حمزة والكسائي. فإن قلت من أين تأخذ التقييد في كسر أمهاتكم وضمها. قلت من قوله في البيت السابق: لدى الوصل ضم الهمز بالكسر والواو في قوله وفي أمهات النحل عاطفة فاصلة.
وندخله نون مع طلاق وفوق مع ... نكفّر نعذّب معه في الفتح إذ كلا
أخبر أن المشار إليهما بالهمزة والكاف في قوله: إذ كلا وهما نافع وابن عامر قرآ (ندخله جنات) [النساء: 13]، و (ندخله نارا) [النساء: 14] في هذه السورة، و (ندخله جنات) [الطلاق: 11]، و (نكفر عنه سيئاته وندخله جنات) [التغابن: 3]، وأشار إليهما بقوله وفوق مع نكفر (وندخله جنات ونعذبه عذابا أليما) [الفتح: 17] وإليهما أشار بقوله:
نعذب معه في الفتح بالنون في السبعة وتعين للباقين القراءة بالياء في الجميع. ومعنى كلا:
حفظ.
(1/189)

وهذان هاتين اللّذان اللّذين قل ... يشدّد للمكّي فذانك دم حلا
أخبر أن المكي وهو ابن كثير يشدد له النون من هذانِ لَساحِرانِ [طه: 63]، وهذانِ خَصْمانِ [الحج: 19]، وإِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ [القصص: 27]، والَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ [النساء: 16]، والَّذَيْنِ أَضَلَّانا [فصلت: 29]، وأن المشار إليهما بالدال والحاء في قوله: دم حلا، وهما ابن كثير وأبو عمرو يشدد لهما النون من قوله تعالى:
فَذانِكَ بُرْهانانِ [القصص: 32] فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بتخفيف النون.
وضمّ هنا كرها وعند براءة ... شهاب وفي الأحقاف ثبّت معقلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شهاب وهما حمزة والكسائي قرآ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء: 16]، بهذه السورة وقُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [التوبة: 53] بضم الكاف فيهما وأن المشار إليهم بالثاء والميم في قوله ثبت معقلا وهم الكوفيون وابن ذكوان قرءوا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً [الأحقاف: 15] بضم الكاف فيهما فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بفتح الكاف. ومعنى ثبت معقلا أي ثبت معقل الضم. والمعقل:
الملجأ يقال فلان معقل لقومه.
وفي الكلّ فافتح يا مبيّنة دنا ... صحيحا وكسر الجمع كم شرفا علا
أمر بفتح ياء كل ما جاء من لفظة مبينة مفردا وهو قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق: 1] بالنساء والطلاق ويا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الأحزاب: 30] للمشار إليهما بالدال والصاد من قوله دنا صحيحا وهما ابن كثير وشعبة فتعين للباقين القراءة بكسر الياء فيهن، ثم أخبر أن المشار إليهم بالكاف والشين والعين في قوله: كم شرفا علا وهم ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص قرءوا بكسر الياء في كل ما جاء من لفظ مبينات مجموعا وهو وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ [النور: 34]، ومثلا لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ [النور: 46]، وَاللَّهُ يَهْدِي [النور: 46]، يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ [الطلاق: 11] فتعين للباقين القراءة بفتح الياء فيهن.
وفي محصنات فاكسر الصّاد راويا ... وفي المحصنات اكسر له غير أوّلا
أمر بكسر الصاد في محصنات المجرد عن اللام والمحلى بها حيث بها حيث جاء نحو مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ [النساء: 25]، وأَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ [النساء:
25] للمشار إليه بالراء من قوله راويا. وهو الكسائي قرأ بكسر الصاد
(1/190)

في جميع ذلك كله إلا قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، الأول من هذه السورة فإنه بفتح الصاد باتفاق وتعين للباقين القراءة بفتح الصاد حيث جاء. والهاء في له ضمير الكسائي وليست اللام رمزا.
وضمّ وكسر في أحلّ صحابه ... وجوه وفي أحصنّ عن نفر العلا
أخبر أن المشار إليهم بصحاب في قوله صحابه وهم حمزة والكسائي وحفص قرءوا وأحلّ لكم ما وراء ذلك بضم الهمزة وكسر الحاء فتعين للباقين القراءة بفتحهما، ومعنى صحابه وجوه أي رواته رؤساء من قولهم: هم وجوه القوم أي أشرافهم، وقوله وفي أحصن الواو عاطفة فاصلة أخبر أن المشار إليهم بالعين وهمزة الوصل ونفر المتوسط بينهما وهم حفص ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر قرءوا فإذا أحصن بضم الهمزة وكسر الصاد فتعين للباقين القراءة بفتحهما. وترجمة أحصن معلومة من عطفها على أحلّ ومن ثم أعيد الجار.
مع الحجّ ضمّوا مدخلا خصّه وسل ... فسل حرّكوا بالنّقل راشده دلا
أخبر أن المشار إليهم بالخاء من خصه وهم السبعة إلا نافعا قرءوا وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً [النساء: 31]، ولَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا [الحج: 59] بضم ميميهما فتعين لنافع القراءة بفتحهما. ومعنى خصه أي خص مدخلا بالخلف هنا وبالحج دون مدخل صدق بالإسراء فإنه مضموم بلا خلاف؛ ثم أخبر أن المشار إليهما بالراء والدال في قوله راشده دلا. وهما الكسائي وابن كثير قرآ بنقل فتحة همزة سل الأمر المواجه إلى السين وحذفها إذا سبق بواو أو فاء خلا من الضمير البارز أو اتصل به وتعين للباقين القراءة بإسكان السين وإثبات الهمزة نحو وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا [الزخرف: 45]، (فسئل الذين يقرءون الكتاب) [يونس: 94]، وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 32]، فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل:
43]، فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا [الأنبياء: 63].
وفي عاقدت قصر ثوى ومع الحدي ... د فتح سكون البخل والضّمّ شمللا
أخبر أن المشار إليهم بالثاء من ثوى. وهم الكوفيون قرءوا والذين عاقدت أيمانكم بالقصر أي
(1/191)

بحذف الألف فتعين للباقين القراءة بالمد أي بالألف، ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شمللا وهما حمزة والكسائي قرآ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [النساء: 37]، وَأَعْتَدْنا هنا، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الحديد: 24]، بفتح سكون الخاء وفتح ضم الباء فتعين للباقين القراءة بسكون الخاء وضم الباء.
وفي حسنه حرميّ رفع وضمّهم ... تسوّى نما حقّا وعمّ مثقّلا
أخبر أن المشار إليهما بحرمي، وهما نافع وابن كثير قرآ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً [النساء:
40] بالرفع فتعين للباقين القراءة بالنصب، وأن المشار إليهم بالنون من نما وبحق، وهم عاصم وابن كثير وأبو عمرو قرءوا لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ [النساء: 42] بضم التاء فتعين للباقين القراءة بفتحها وأن المشار إليهما بعم وهما نافع وابن عامر شددا السين فتعين للباقين
القراءة بتخفيفها فقرأ حمزة والكسائي تسوى بفتح التاء وتخفيف السين مع الإمالة الكبرى وابن عامر وقالون بفتح التاء وتشديد السين من غير إمالة وورش بفتح التاء وتشديد السين مع الإمالة بين بين ومع الفتح أيضا. وعاصم وابن كثير وأبو عمرو بضم التاء وتخفيف السين من غير إمالة.
ولامستم اقصر تحتها وبها شفا ... ورفع قليل منهم النّصب كلّلا
أمر للمشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي بقصر لامستم النساء بهذه السورة وبالتي تحتها يعني المائدة فتعين للباقين القراءة بالمد فيهما والمراد بالمد إثبات الألف بعد اللام والمراد بالقصر حذفها. ثم أخبر أن المشار إليه بالكاف من كللا وهو ابن عامر قرأ ما فعلوه إلا قليلا منهم بالنصب فتعين للباقين القراءة بالرفع.
وأنّث يكن عن دارم تظلمون غي ... ب شهد دنا إدغام بيّت في حلا
أمر أن يقرأ للمشار إليهما بالعين والدال في قوله عن دارم وهما حفص وابن كثير كأن لم تكن بينكم بتاء التأنيث فتعين للباقين القراءة بالتذكير، ثم أخبر أن المشار إليهم بالشين والدال في قوله: شهد دنا وهم حمزة والكسائي وابن كثير قرءوا وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء: 49]، أينما بياء الغيب فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب وأن المشار إليهما بالفاء والحاء في قوله في حلا وهما حمزة وأبو عمرو قرآ بيت طائفة منهم بإدغام التاء في الطاء فتعين للباقين القراءة بفتح التاء وإظهارها، ولفظ الناظم رحمه الله
(1/192)

بالتاء مفتوحة ليضم الفتح إلى الإظهار ويعلم أن الإدغام من الكبير، واعلم أن الخلاف في يظلمون الثاني لأن الأول قبل قليل متفق الغيب، ودارم: اسم قبيلة.
وإشمام صاد ساكن قبل داله ... كأصدق زاء شاع وارتاح أشملا
أخبر أن المشار إليهما بالشين في قوله شاع وهما حمزة والكسائي أشما كل صاد ساكنة قبل داله زاء أي قرآ الحرف بين الصاد والزاي كما قررنا في الصراط وقوله كأصدق مثال الصاد الساكنة قبل الدال وهو اثنا عشر موضعا: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء:
87]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: 122]، ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [الأنعام: 46]، وسَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ [الأنعام: 157]، بِما كانُوا يَصْدِفُونَ [الأنعام: 157]، ومُكاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال: 35]، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [يونس: 37]، [يوسف: 111]، وفَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: 94]، وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [النحل: 9]، وحتى يصدر الرعاء بالقصص ويومئذ يصدر الناس بالزلزال، وقرأهن الباقون بالصاد الخالصة ومعنى شاع: أي انتشر، والارتياح النشاط. وأشملا جمع شمال: اليد.
وفيها وتحت الفتح قل فتثبّتوا ... من الثّبت والغير البيان تبدّلا
أخبر أن المشار إليهما في البيت السابق بقوله شاع وهما حمزة والكسائي قرآ إذا ضربتم في سبيل الله فتثبتوا فمنّ الله عليكم فتثبتوا هنا و (إن جاءكم فاسق بنبإ فتثبتوا تحت)
(الفتح) [الحجرات: 6]، أي في الحجرات بثاء مثلثة وباء موحدة وتاء مثناة فوق، من التثبت، وقوله: والغير يعني الباقين قرءوا بباء موحدة وياء مثناة تحت ونون، من التبيين وقل معناه اقرأ. والتثبت: الوقوف خلاف الإقدام والسرعة، والبيان الظهور، وتبدل: أي اعتاض، يعني أن غير حمزة والكسائي اعتاض من الثبت البيان.
وعمّ فتى قصر السّلام مؤخّرا ... وغير أولي بالرّفع في حقّ نهشلا
أخبر أن المشار إليهم بعم وبالفاء من فتى وهم نافع وابن عامر وحمزة قرءوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم بالقصر أي بلا ألف بعد اللام فتعين للباقين القراءة بالمد أي بالألف بين اللام والميم وهذا المختلف فيه هو الثالث وإليه أشار بقوله مؤخرا أي الأخيرة بهذه السورة لأن قبله وألقوا إليكم السلم ويلقوا إليكم السلم لا خلاف في قصرهما وكذلك لا خلاف في قصر وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ
(1/193)

السَّلَمَ [النحل: 87]. ثم أخبر أن المشار إليهم بالفاء والنون وبحق المتوسط بينهما من قوله في حق نهشلا وهم حمزة وابن كثير وأبو عمرو وعاصم قرءوا لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء: 5]، برفع الراء فتعين للباقين القراءة بنصبها. ونهشل اسم: قبيلة.
ونؤتيه باليا في حماه وضمّ يد ... خلون وفتح الضّمّ حقّ صرى حلا
وفي مريم والطّول الأوّل عنهم ... وفي الثّان دم صفوا وفي فاطر حلا
أخبر أن المشار إليهما بالفاء والحاء في قوله في حماه وهما حمزة وأبو عمرو قرآ و (من يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف يؤتيه) [النساء: 114] بالياء تحت فتعين للباقين القراءة بالنون. فإن قلت في السورة موضعان من لفظ يؤتيه فمن أين يعلم من القصيد أن هذا الذي بعد لا خير في كثير من نجواهم هو المراد بقوله. قلت لما تكلم عليه بعد غير أولي فتأخذ الذي بعده وهو ما ذكر والحرف الذي قبله لا خلاف في قراءته بالنون وهو ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما والهاء
في حماه عائدة على الياء، ثم أخبر أن المشار إليهم بحق وبالصاد في قوله حق صرى وهم ابن كثير وأبو عمرو وشعبة قرءوا فأولئك يدخلون الجنة هنا وفَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً [مريم:
60]، وفَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ [غافر: 40]، أول موضعي الطول أي سورة غافر بضم الياء وفتح ضم الخاء فتعين للباقين القراءة بفتح الياء وضم الخاء. وقوله وفي الثان إلى آخره، أخبر أن المشار إليهما بالدال والصاد من قوله دم صفوا وهما ابن كثير وشعبة قرآ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر: 60] بضم الياء وفتح الخاء وهو الثاني بغافر وأن المشار إليه بالحاء من حلا وهو أبو عمرو قرأ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [فاطر: 33] بضم الياء وفتح ضم الخاء فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بفتح الياء وضم الخاء على ما قيد لهم في البيت السابق وعلمت التراجم الثلاثة من عطفها على الأول
واتفقوا على فتح الياء وضم الخاء في جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [الرعد: 23]، [النحل:
31]، والضمير في عنهم يعود إلى مدلول حق صرى. والصرى: الماء المجتمع المستنقع والرواية بكسر الصاد ويجوز فتحها. وحلا أي عذب. وقوله في البيت الثاني حلا من قولهم حلى زوجته أي ألبسها الحلى فهو من التجنيس، لا من الإيطاء.
(1/194)

ويصّالحا فاضمم وسكّن مخفّفا ... مع القصر واكسر لامه ثابتا تلا
أمر بضم الياء وسكون الصاد مع تخفيفها وحذف الألف المعبر عنه بالقصر وبكسر اللام في فلا جناح عليهما أن يصالحا للمشار إليهم بالثاء في ثابتا وهم الكوفيون فتعين للباقين القراءة بفتح الياء وتشديد الصاد وفتحها وإثبات الألف بعدها وفتح اللام كما لفظ به.
وتلووا بحذف الواو الأولى ولامه ... فضمّ سكونا لست فيه مجهّلا
أخبر أن المشار إليهم باللام والفاء والميم في قوله لست فيه مجهلا وهم هشام وحمزة وابن ذكوان قرءوا وإن تلووا بحذف الواو الأولى وهي المضمومة ثم أمر بضم سكون اللام لهم فتصير تلو بوزن تفو وتعين للباقين القراءة بإثبات الواوين وسكون اللام كما لفظ به وقيد الواو بالأولى ليعلم أن الثانية ساكنة وعلم أن الباقين بواوين لأن ضد الحذف الإثبات.
ونزّل فتح الضّمّ والكسر حصنه ... وأنزل عنهم عاصم بعد نزّلا
أخبر أن المشار إليهم بحصن وهم الكوفيون ونافع قرءوا والكتاب الذي نزل على رسوله بفتح النون وفتح كسر الزاي ثم قال وأنزل عنهم أي عن نافع والكوفيين فتح ضم الهمزة وفتح كسر
(1/195)

الزاي في والكتاب الذي أنزل من قبل فتعين للباقين القراءة في نزل بضم النون وكسر الزاي وفي أنزل بضم الهمزة وكسر الزاي ثم قال عاصم بعد نزلا أي قرأ عاصم نزل الواقع بعد هذين الحرفين وهو وقد نزل عليكم في الكتاب بفتح ضم النون وفتح كسر الزاي فتعين للباقين القراءة بضم النون وكسر الزاي على ما قيد لهم.
ويا سوف نؤتيهم عزيز وحمزة ... سيؤتيهم في الدّرك كوف تحمّلا
بالإسكان تعدوا سكّنوه وخفّفوا ... خصوصا وأخفى العين قالون مسهلا
أخبر أن المشار إليهم بالعين من عزيز وهو حفص قرأ سوف يؤتيهم أجورهم بالياء تحت وأن حمزة قرأ سيؤتيهم أجرا عظيما كذلك يعني بالياء تحت فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بالنون وقوله في الدرك كوف تحملا بالإسكان، أخبر أن الكوفيين وهم عاصم وحمزة والكسائي قرءوا إن المنافقين في الدرك بإسكان الراء فتعين للباقين القراءة بفتحها ثم أخبر أن المشار إليهم بالخاء من خصوصا وهم السبعة إلا نافعا قرءوا لا تعدوا في السبت بإسكان العين وتخفيف الدال فتعين لنافع
(1/196)

القراءة بفتح العين وتشديد الدال؛ ثم أخبر أن قالون أخفى العين أي اختلس حركتها فتعين لورش إتمام الفتح ومعنى تحملا أي تحمل
الكوفيون الرواية بالإسكان. وقوله مسهلا أي راكبا الطريق السهل.
وفي الأنبياء ضمّ الزّبور وهاهنا ... زبورا وفي الإسرا لحمزة أسجلا
أخبر أن حمزة قرأ في سورة الأنبياء وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ [الأنبياء: 105] وهاهنا أي بهذه السورة وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً وَرُسُلًا [النساء: 163]، وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً قُلِ ادْعُوا [الإسراء: 55] بضم الزاي فتعين للباقين القراءة بفتحها فيهن، ومعنى أسجل: أبيح، وليس في سورة النساء شيء من ياءات الإضافة ولا ياءات الزوائد المختلف فيها من طرقه.
(1/197)

سورة المائدة
وسكّن معا شنآن صحّا كلاهما ... وفي كسر أن صدّوكم حامد دلا
أمر للمشار إليهما بالصاد والكاف في قوله صح كلاهما وهما شعبة وابن عامر بإسكان النون من شنآن قوم في الموضعين فتعين للباقين القراءة بفتحها، ثم أخبر أن المشار إليهما بالحاء والدال في قوله حامد دلا وهما أبو عمرو وابن كثير قرآ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الفتح: 25] بكسر الهمزة فتعين للباقين القراءة بفتحها ويروى صح مسندا إلى كلاهما ويروى صحا بالألف وهو عائد إلى الإسكان والفتح وكلاهما تأكيد لهما والضمير لهما إشارة إلى صحة القراءة بهما والرواية لأن بعض الناس أنكر الإسكان ورآه غلطا.
مع القصر شدّد ياء قاسية شفا ... وأرجلكم بالنّصب عمّ رضا علا
أمر للمشار إليهما بالشين في قوله شفا وهما حمزة والكسائي قرآ بالقصر أي بحذف الألف وتشديد الياء من وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً [المائدة: 13] فتصير قسية بوزن مطية فتعين لغيرهما القراءة بالمد أي بإثبات الألف بعد القاف وتخفيف الياء كما نطق به بوزن راضية، ثم أخبر أن المشار إليهم بعم والراء والعين في قوله عم رضا علا، وهم نافع وابن عامر والكسائي وحفص قرءوا وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6]، بنصب اللام فتعين للباقين القراءة بخفضها.
(1/198)

وفي رسلنا مع رسلكم ثمّ رسلهم ... وفي سبلنا في الضّمّ الإسكان حصّلا
وفي كلمات السّحت عمّ نهي فتى ... وكيف أتى أذن به نافع تلا
ورحما سوى الشّامي ونذرا صحابهم ... حموه ونكرا شرع حقّ له علا
ونكر دنا والعين فارفع وعطفها ... رضى والجروح ارفع رضى نفر ملا
أخبر أن المشار إليه بالحاء من حصلا وهو أبو عمرو قرأ بإسكان السين المضمومة في رسل المضاف إلى نون العظمة وضمير المخاطبين والغائبين نحو وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا
بِالْبَيِّناتِ [يونس: 13]، أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ [غافر: 50]، فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا [غافر: 83]، فتعين للباقين القراءة بضم السين فيهن ولا خلاف بينهم في ضم المضاف إلى ضمير المفرد وفيما لا ضمير معه نحو رسله والرسل وقوله وفي سبلنا أي وقرأ أبو عمرو أيضا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69] بإسكان ضم الباء فتعين للباقين القراءة بضمها، ولا خلاف في ضم الباء من سبل ربك وسبل السلام. وقوله وفي كلمات السحت، أخبر أن المشار إليهم بعم وبالنون وبالفاء من قوله عم نهى فتى، وهم نافع وابن عامر وعاصم وحمزة قرءوا بإسكان ضم الحاء في قوله تعالى: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة: 42]، ويُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ [المائدة: 62]، لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ [المائدة: 63]، فتعين للباقين القراءة بالضم فيهن ونهى جمع نهية وهي النهاية والغاية. وقوله وكيف أتى أذن به نافع تلا الهاء في به للإسكان أخبر أن نافعا قرأ بإسكان ضم الذال في أذن كيفما أتى معرفا أو منكرا أو مفردا أو مثنى نحو ويقولون هو أذن قل أذن والأذن بالأذن وفي أذنيه وقر فتعين للباقين القراءة بضم الذال. وقوله ورحما سوى الشامي، أخبر أن السبعة إلا ابن عامر قرءوا بالكهف وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف: 81] بإسكان ضم الحاء فتعين لابن عامر القراءة بضم الحاء.
وقوله ونذر أصحابهم حموه، أخبر أن المشار إليهم بصحاب وبالحاء في حموه وهم حمزة والكسائي وحفص وأبو عمرو قرءوا أَوْ نُذْراً [المرسلات: 6] بإسكان ضم الذال فتعين للباقين القراءة بضم الذال ولا خلاف في إسكان ذال عذرا وقوله ونكرا أخبر أن المشار إليهم بالشين وبحق وباللام والعين في قوله شرع حق له علا وهم حمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو وهشام
(1/199)

وحفص قرءوا بالكهف لقد جئت شيئا نكرا وبالطلاق وعذبناها عذابا نكرا بإسكان ضم الكاف فتعين للباقين القراءة بضم الكاف ثم قال ونكر دنا، أخبر أن المشار إليه بالدال من قوله دنا وهو ابن كثير قرأ بسورة القمر إلى شيء نكر بإسكان ضم الكاف فتعين للباقين القراءة بضم الكاف. واعلم أن هذه التراجم المذكورة في هذه الأبيات معطوفة على التقييد المتقدم في رسلنا وهو جعل الإسكان في الضم وقوله والعين فارفع وعطفها أمر برفع العين وما عطف على العين للمشار إليه بالراء من رضا وهو الكسائي قرأ والعين بالرفع وعطفها يعني والأنف والأذن والسن برفع الفاء والنون فيهن فتعين للباقين القراءة بالنصب في الأربعة ثم قال والجروح ارفع أمر برفع الحاء من والجروح قصاص للمشار إليهم بالراء وبنفر في قوله رضا نفر، وهم الكسائي وابن كثير وأبو عمر وابن عامر فتعين للباقين القراءة بنصب الحاء. فصار الكسائي برفع الخمسة ونافع وعاصم وحمزة بنصب الخمسة، وابن كثير وابن عامر وأبو عمر بنصب الأربعة الأول ورفع الخامس.
وحمزة وليحكم بكسر ونصبه ... يحرّكه تبغون خاطب كمّلا
أخبر أن حمزة قرأ وليحكم أهل الإنجيل بكسر اللام ونصب الميم، وأتى بقوله يحركه
ليعلم أن قراءة الباقين بسكون اللام وجزم الميم لأن التحريك متى ذكر مقيدا كان أو غير مقيد فإنه يدل على السكون في القراءة الأخرى. وقوله تبغون خاطب، أخبر أن المشار إليه بالكاف من كملا وهو ابن عامر قرأ (أفحكم الجاهلية تبغون) [المائدة: 50] بتاء الخطاب فتعين للباقين القراءة بياء الغيب.
وقبل يقول الواو غصن ورافع ... سوى ابن العلا من يرتدد عمّ مرسلا
وحرّك بالإدغام للغير داله ... وبالخفض والكفّار راويه حصّلا
أخبر أن المشار إليهم بالغين من غصن وهم الكوفيون وأبو عمرو قرءوا ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بواو عاطفة قبل يقول فتعين للباقين القراءة بغير واو ثم قال ورافع سوى
(1/200)

ابن العلا يعني أن السبعة إلا أبا عمرو بن العلاء قرءوا يقول الذين آمنوا برفع اللام فتعين لأبي عمرو القراءة بنصبه فصار الكوفيون بإثبات الواو مع الرفع وأبو عمرو بالواو مع النصب والباقون بالرفع من غير واو. وقوله ومن يرتدد أخبر أن المشار إليهما بعم وهما نافع وابن عامر قرآ يا أيها الذين آمنوا من يرتدد بدالين مخففتين الأولى مكسورة والثانية ساكنة كما لفظ به وقوله مرسلا أي مطلقا لأنه أطلق من عقال الإدغام ثم أخبر أن الدال الثانية حركت بالفتح مصاحبة لإدغام
الأولى فيها لغير نافع وابن عامر وهم الباقون قرءوا بدال مشددة مفتوحة وعلم الفتح من الإطلاق في قوله وحرك بالإدغام لأنه لم يقيده وإذا أطلق التحريك ولم يقيده فمراده التحريك بالفتح. وقوله وبالخفض والكفار أخبر أن المشار إليهما بالراء والحاء في قوله راويه حصلا وهما الكسائي وأبو عمرو قرآ من قبلكم والكفار بخفض الراء فتعين للباقين القراءة بنصبها:
ربا عبد اضمم واخفض التا بعد فز ... رسالته اجمع واكسر التّا كما اعتلا
صفا وتكون الرّفع حجّ شهوده ... وعقّدتم التّخفيف من صحبة ولا
وفي العين فامدد مقسطا فجزاء نو ... ونوا مثل ما في خفضه الرّفع ثمّلا
أمر للمشار إليه بالفاء من فز وهو حمزة بضم الباء من عبد وخفض التاء من الطاغوت وهو المراد بقوله: والخفض التاء بعد أي التاء الواقعة بعد عبد فتعين للباقين القراءة بفتح باء عبد ونصب تاء الطاغوت ثم أمر بجمع رسالات وكسر التاء للمشار إليهم بالكاف وهمزة الوصل والصاد في قوله: كما اعتلا صفا وهم ابن عامر ونافع وشعبة قرءوا فما بلغت رسالاته بألف بعد اللام وكسر التاء على جمع التأنيث السالم فتعين للباقين القراءة بحذف الألف وفتح التاء على التوحيد ثم أخبر أن المشار إليهم بالحاء والشين في قوله: حج شهوده، وهم أبو عمرو وحمزة والكسائي قرءوا وحسبوا أن لا تكون فتنة بالرفع فتعين للباقين القراءة بالنصب وأخبر أن المشار إليهم بالميم وبصحبة في قوله: من صحبة، وهم ابن ذكوان وحمزة والكسائي
وشعبة قرءوا بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ [المائدة: 89] بتخفيف القاف فتعين للباقين القراءة بتشديدها ثم أمر بمد العين للمشار إليه بالميم من مقسطا وهو ابن ذكوان فتعين
(1/201)

للباقين القراءة بقصرها وأراد بالمد إثبات الألف بعد العين وبالقصر حذفها فقراءة ابن ذكوان عاقدتم بالمد والتخفيف وحمزة والكسائي وشعبة عقدتم بالقصر والتخفيف والباقين عقدتم بالقصر والتشديد. ثم أمر بتنوين جزاء وأخبر برفع خفض مثل للمشار إليهم بالثاء من ثملا وهم الكوفيون قرءوا فجزاء بالتنوين مثل ما قتل من النعم برفع خفض اللام فتعين للباقين القراءة بترك التنوين وخفض لام مثل على ما قيده لهم. وثملا جمع ثامل. والثامل: المصلح والمقيم أيضا:
وكفّارة نون طعام برفع خف ... ضه دم غنى واقصر قياما له ملا
أمر بتنوين كفارة مع رفع الخفض في طعام للمشار إليهم بالدال والغين في قوله: دم غنى، وهم ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون قرءوا أو كفارة بالتنوين طعام برفع خفض الميم فتعين للباقين القراءة بترك تنوين كفارة وخفض ميم طعام وقد تقدم مثله في البقرة ولكن مساكين هنا بالجمع بلا خلاف ثم أمر بقصر قياما للمشار إليهما باللام والميم من قوله له ملا وهما هشام وابن ذكوان قرآ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً [المائدة: 97] بالقصر فتعين للباقين القراءة بالمد والمراد بالمد إثبات الألف قبل الميم. وبالقصر حذف الألف وقد تقدم مثله بالنساء. والملا بضم الميم جمع ملاءة، وهي: الملحفة:
وضمّ استحقّ افتح لحفص وكسره ... وفي الأوليان الأوّلين فطب صلا
أمر لحفص بفتح ضم التاء وفتح كسر الحاء في استحق عليهم الأوليان فتعين للباقين القراءة بضم التاء وكسر الحاء وحفص إذا ابتدأ كسر الألف والباقون إذا ابتدءوا ضموا الألف. ثم أخبر أن المشار إليهما بالفاء والصاد في قوله: فطب صلا وهما حمزة وشعبة قرآ الأولين بلفظ الجمع في موضع الأوليان بلفظ التثنية على ما لفظ به في القراءتين أي قرأ حمزة وشعبة الأولين بتشديد الواو وكسر
(1/202)

اللام وإسكان الياء وفتح النون على جمع أول المجرور وقرأ الباقون الأوليان بتخفيف الواو وإسكانها وفتح اللام وكسر النون وألف قبلها على تثنية أولى المرفوعة:
وضمّ الغيوب يكسران عيونا ال ... عيون شيوخا دانه صحبة ملا
جيوب منير دون شكّ وساحر ... بسحر بها مع هود والصّف شمللا
أخبر أن من أعاد الضمير عليهما في قوله يكسران وهما حمزة وشعبة المرموزان في قوله فطب صلا في البيت السابق يكسران ضم الغين من الغيوب حيث وقع نحو إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة: 109]، وأن المشار إليهم بالدال وبصحبة وبالميم في قوله دانه
صحبة ملا وهم ابن كثير وشعبة وحمزة والكسائي وابن ذكوان
(1/203)

فعلوا ذلك في عيون أي قرءوا بكسر ضم العين في عيون المنكر والعيون المعرف حيث وقع نحو في جنات وعيون وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [القمر: 12]، وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ [يس: 34]، وبكسر ضم الشين من ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً [غافر: 67]، وأن المشار إليهم بالميم والدال والشين في قوله منير دون شك وهم ابن ذكوان وابن كثير وحمزة والكسائي فعلوا ذلك في جيوبهن أي قرءوا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ [النور: 31] بكسر ضم الجيم فتعين لمن لم يذكره في كل ترجمة من التراجم القراءة بالضم على ما قيد لهم ومعنى دانه أي اتخذه دينا بعد تدين بقراءته وملا بكسر الميم وقوله وساحر بسحر أخبر أن المشار إليهما بالشين من شمللا وهما حمزة والكسائي قرآ فقال الذين كفروا منهم إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [سبأ:
43]، ولَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [هود: 7]، وقالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف: 60] بفتح السين
(1/204)

والألف بعدها وكسر الحاء، وقرأ الباقون سحر مبين بكسر السين وإسكان الحاء من غير ألف فهذا معنى قوله وساحر بسحر بها مع هود والصف أي قرآ في هذه المواضع ساحر في موضع قراءة الباقين سحر فنطق بالقراءتين واستغنى بالتمثيل عن التقييد:
وخاطب في هل يستطيع رواته ... وربّك رفع الباء بالنّصب رتّلا
أخبر أن المشار إليه بالراء في قوله رواته وفي قوله رتلا وهو الكسائي قرأ هل تستطيع ربك بتاء الخطاب ونصب ربك فتعين للباقين القراءة بياء الغيب ورفع ربك والكسائي مستمر على أصله في إدغام لام هل في التاء والباقون على أصولهم في إظهارها وكرر الناظم الراء لاتساع الموضع:
ويوم برفع خذ وإنّي ثلاثها ... ولي ويدي أمّي مضافاتها العلا
أمر برفع الميم في هذا يوم ينفع الصادقين للمشار إليهم بالخاء من خذ وهم القراء كلهم إلا نافعا فتعين لنافع القراءة بنصب الميم؛ ثم أخبر أن فيها ست ياءات إضافة: إني أخاف الله وإني أريد فإني أعذبه ما يكون لي أن أقول ويدي إليك وأمي إلهين:
(1/205)

سورة الأنعام
وصحبة يصرف فتح ضمّ وراؤه ... بكسر وذكّر لم يكن شاع وانجلا
وفتنتهم بالرّفع عن دين كامل ... ويا ربّنا بالنّصب شرّف وصّلا
أخبر أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة قرءوا من يصرف عنه بفتح ضم الياء وكسر الراء فتعين للباقين القراءة بضم الياء وفتح الراء. ثم أخبر أن المشار إليهما
بالشين من شاع وهما حمزة والكسائي قرآ ثم لم يكن فتنتهم بياء التذكير فتعين للباقين القراءة بتاء التأنيث وأن المشار إليهم بالعين والدال والكاف في قوله عن دين كامل وهم حفص وابن كثير وابن عامر قرءوا فتنتهم برفع التاء فتعين للباقين القراءة بنصبها فصار حمزة والكسائي بتذكير لم يكن ونصب فتنتهم وابن كثير وابن عامر وحفص بالتأنيث والرفع ونافع وأبو عمرو وشعبة بالتأنيث والنصب ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شرف وهما حمزة والكسائي قرآ والله ربنا بنصب الباء فتعين للباقين القراءة بخفضها. ومعنى شرف وصلا أي شرف القرآن من وصله ونقله:
نكذّب نصب الرّفع فاز عليمه ... وفي ونكون انصبه في كسبه علا
أخبر أن المشار إليهما بالفاء والعين في قوله فاز عليمه وهما حمزة وحفص قرآ نردّ ولا نكذب
(1/206)

بنصب رفع الباء، وأن المشار إليهم بالفاء والكاف والعين في قوله في كسبه علا.
وهم حمزة وابن عامر وحفص قرءوا بذلك في وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بالرفع على ما قيد لهم فقرأ ابن عامر ولا نكذب بالرفع وتكون بالنصب وحمزة وحفص بنصبهما والباقون برفعهما:
وللدّار حذف اللّام الأخرى ابن عامر ... والآخرة المرفوع بالخفض وكّلا
أخبر أن ابن عامر قرأ ولَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأنعام: 32] بحذف اللام الأخرى من وللدار وخفض رفع التاء من الآخرة فتعين للباقين القراءة بإثبات اللام ورفع التاء من الآخرة وقيد الناظم اللام بالأخرى لينص على أن اللام المحذوفة هي لام التعريف وسميت لاما باعتبارها قبل الإدغام والأولى هي لام الابتداء فيعلم منه تخفيف الدال لأن لام الابتداء لا تدغم في الدال، ويعلم تشديد الدال المثبت من لفظه وقيد الخفض للضد. ومعنى وكلا لزم أي لما حذفت اللام لزم الخفض بالإضافة:
وعمّ علا لا يعقلون وتحتها ... خطابا وقل في يوسف عمّ نيطلا
وياسين من أصل ولا يكذبونك ال ... خفيف أتى رحبا وطاب تأوّلا
أخبر أن المشار إليهم بعم وبالعين في قوله عم علا وهم نافع وابن عامر وحفص قرءوا في هذه السورة أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس: 62]، قد نعلم وفي السورة التي تحت هذه السورة وهي سورة الأعراف فَلا يَعْقِلُونَ والذين يمسكون بتاء الخطاب وأن المشار إليهم بعمّ وبالنون في قوله عم نيطلا وهم نافع وابن عامر وعاصم قرءوا أَفَلا يَعْقِلُونَ [يوسف: 2]، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ [يوسف: 110] بالخطاب وأن المشار إليهما بالميم والهمزة في قوله من أصل وهما ابن ذكوان ونافع قرآ أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس: 62]، وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [يس: 69] بالخطاب فتعين لمن لم يذكره في التراجم المذكورة القراءة بياء الغيب
ثم أخبر أن المشار إليهما بالهمزة والراء في قوله أتى رحبا وهما نافع والكسائي قرآ فإنهم لا يكذبونك بإسكان الكاف وتخفيف الذال فتعين للباقين القراءة بفتح الكاف وتشديد الذال وعلم سكون الكاف من لفظه وفتحه من الإجماع، والنيطل: الدلو، والرحب: الواسع:
رأيت في الاستفهام لا عين راجع ... وعن نافع سهّل وكم مبدل جلا
(1/207)

أصل رأيت رأى فالراء فاء الفعل والهمزة عينه ثم دخلت همزة الاستفهام على رأى فهمزة الاستفهام هي التي قبل الراء وقوله في الاستفهام يعني إذا كان قبل الراء همزة الاستفهام سواء اتصل بهذا الفعل حرف خطاب أو حرف عطف أم لا نحو قل أرأيتكم إن أتاكم قل أرأيتم إن كان أفرأيت من اتخذ وأ رأيت وشبهه أخبر أن المشار إليه بالراء من راجع وهو الكسائي قرأ بإسقاط الهمزة الثانية المعبر عنها بعين الفعل وهي التي بعد الراء ثم أمر بتسهيلها لنافع من رواية قالون وورش ثم أخبر أن جماعة من القراء وهم المصريون أبدلوها ألفا للمشار إليه بالجيم من جلا وهو ورش فصار له وجهان كما تقدم له في أَأَنْذَرْتَهُمْ [يس: 10]، وها أنتم ويمد إذا أبدل مد الحجز والبدل له من زيادات القصيد وتعين للباقين القراءة بإثباتها محققة على حالها وحمزة فيها جار على تخفيف وقفه:
إذا فتحت شدّد لشام وهاهنا ... فتحنا وفي الأعراف واقتربت كلا
وبالغدوة الشّاميّ بالضّمّ هاهنا ... وعن ألف واو وفي الكهف وصّلا
أمر بتشديد حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج بالأنبياء للشامي وهو ابن عامر والمراد بالتشديد التاء الأولى من فتحت ثم أمر بتشديد التاء هنا في فتحنا عليهم أبواب كل شيء وفي الأعراف لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ [الأعراف: 96]، فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ [القمر: 11]، لابن عامر فتعين للباقين القراءة بتخفيف التاء في الأربعة ومعنى كلا حفظ التشديد ثم أخبر أن الشامي وهو ابن عامر قرأ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام: 52] بضم الغين وسكون الدال وبواو مفتوحة مكان الألف هنا وبالكهف كما نطق به فتعين للباقين القراءة بفتح الغين والدال وألف بعدها وقيد الناظم فتحت بإذا فيخرج عنه فتحت بالزمر وعم يتساءلون وفهم من حصر فتحنا تخفيف غيرها فتحنا عليهم بابا:
وإنّ بفتح عمّ نصرا وبعد كم ... نما يستبين صحبة ذكّروا ولا
سبيل برفع خذ ويقض بضمّ سا ... كن مع ضمّ الكسر شدّد واهملا
نعم دون إلباس وذكّر مضجعا ... توفّاه واستهواه حمزة منسلا
أخبر أن المشار إليهم بعم وبالنون في قوله عم نصرا وهم نافع وابن عامر وعاصم قرءوا أنه من عمل منكم سوء بجهالة بفتح الهمزة وأن المشار إليهما بالكاف والنون من قوله كم نما وهما ابن عامر وعاصم قرآ فإنه غفور رحيم بفتح الهمزة وهو المراد بقوله بعد فتعين
لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بكسرهما فصار ابن عامر وعاصم بفتح الهمزتين ونافع بفتح الأولى وكسر الثانية والباقون
(1/208)

بكسرهما ثم أخبر أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة قرءوا وليستبين بياء التذكير فتعين لابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحفص القراءة بتاء التأنيث ونافع بتاء الخطاب، ثم أخبر أن المشار إليهم بالخاء من خذوهم القراء كلهم إلا نافعا قرءوا سبيل المجرمين برفع اللام فتعين لنافع القراءة بنصبها فصار حمزة والكسائي وشعبة وليستبين سبيل المجرمين بالتذكير والرفع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص بالتأنيث والرفع ونافع بتاء الخطاب والنصب وقوله ويقض بضم ساكن، أخبر أن المشار إليهم بالنون والدال والهمزة في قوله نعم دون البأس وهم عاصم وابن كثير ونافع قرءوا إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف: 40]، يقصّ بضم القاف الساكنة مع ضم الكسر في الضاد وأمر لهم بتشديدها وإهمالها وأراد بالإهمال إزالة النقطة فتصير يقصّ الحق من القصص فتعين للباقين القراءة بإبقاء القاف على سكونها والضاد على كسرها وتخفيفها معجمة بنقطة من القضاء كما لفظ به وقوله وذكر مضجعا، أخبر أن حمزة قرأ توفته رسلنا واستهوته الشياطين بألف ممالة إمالة محضة قبل الهاء على التذكير فتعين للباقين القراءة بتاء التأنيث مكان الألف وقوله منسلا من انسلت القوم أي تقدمتهم وهو حال من حمزة.
معا خفية في ضمّة كسر شعبة ... وأنجيت للكوفيّ أنجى تحوّلا
قل الله ينجيكم يثقّل معهم ... هشام وشام ينسينّك ثقّلا
قوله: معا خفية يعني في موضعين تدعونه تضرعا وخفية هنا، وادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [الأعراف: 55]، أخبر أن شعبة وهو أبو بكر قرأ بكسر ضم الخاء في الموضعين هنا وفي الأعراف فتعين للباقين القراءة بضم الخاء فيهما ثم أخبر أن أنجيتنا تحول للكوفي أنجانا على ما لفظ به في القراءتين يعني أن عاصما وحمزة والكسائي قرءوا لئن أنجانا من هذه بألف بين الجيم ونون الضمير والباقون أنجيتنا بياء مثناة تحت وأخرى مثناة فوق، والهاء والميم من قوله معهم يعود على الكوفيين المذكورين في البيت السابق، أخبر أن الكوفيين وهشاما معهم قرءوا قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ [الأنعام: 64] منها بفتح النون وتشديد الجيم فتعين للباقين القراءة بإسكان النون وتخفيف الجيم وقيد ينجيكم بقل الله ليخرج به قل من ينجيكم المتفق التشديد ثم أخبر أن الشامي وهو ابن عامر قرأ وإما ينسينك الشيطان بفتح النون الأولى وتشديد السين فتعين للباقين القراءة بسكون النون وتخفيف السين.
وحرفي رأى كلا أمل مزن صحبة ... وفي همزة حسن وفي الرّاء يجتلا
بخلف وخلف فيهما مع مضمر ... مصيب وعن عثمان في الكلّ قلّلا
(1/209)

يريد رأى إذا كان فعلا ماضيا عينه همزة بعدها ألف وأراد بحرفيه الراء والهمزة كلا أي
كل ما جاء منها في القرآن فكلامه في هذين البيتين على ما جاء من ذلك قبل حرف متحرك وهو ستة عشر موضعا: رَأى كَوْكَباً [الأنعام: 76]، ورَأى أَيْدِيَهُمْ [هود: 70]، ورَأى بُرْهانَ [يوسف: 240]، ورَأى قَمِيصَهُ [يوسف: 280]، ورَأى ناراً [طه:
10]، وَإِذا رَآكَ [الأنبياء: 36]، ورَآها تَهْتَزُّ [النمل: 10]، ورَآهُ مُسْتَقِرًّا [النمل: 40]، ورَآها تَهْتَزُّ [القصص: 31]، فَرَآهُ حَسَناً [فاطر: 8]، فَاطَّلَعَ فَرَآهُ [الصافات: 55]، ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [النجم: 11]، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: 13]، ولَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النجم: 18]، وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ [التكوير: 23]، وأَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: 70]، أمر بإمالة الراء والهمزة في حالين من هذه المواضع كلها للمشار إليهم بالميم وبصحبة من قوله مزن صحبة وهم ابن ذكوان وحمزة والكسائي وشعبة. والمزن جمع مزنة وهي السحابة البيضاء والمطر ثم قال وفي همزة حسن، أخبر أن المشار إليه بالحاء من حسن وهو أبو عمرو أمال الهمزة دون الراء ثم قال وفي الراء يجتلا بخلف، أخبر أن المشار إليه بالياء من يجتلا وهو السوسي أمال الراء بخلاف عنه فصار للسوسي وجهان إمالة الراء والهمزة وفتح الراء وإمالة الهمزة. ثم قال وخلف فيهما مع مضمره مصيب، أخبر
أن المشار إليه بالميم من مصيب وهو ابن ذكوان اختلف عنه فيهما أي في إمالة الراء والهمزة إذا كانا مع مضمر وجملته تسعة مواضع وَإِذا رَآكَ [الأنبياء: 36]، فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ [النمل: 10]، فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ [النمل: 40]، فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ [القصص: 31]، فَرَآهُ حَسَناً [فاطر: 8]، فَاطَّلَعَ فَرَآهُ [الصافات: 55]، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: 13]، وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ [التكوير: 23]، وأَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: 7]، والخلف المشار إليه أن ابن ذكوان روي عنه إمالة الراء والهمزة وروي عنه فتحهما، وأما إذا لم يكن مع مضمر فلا خلاف عنه في إمالة الراء والهمزة. ثم قال وعن عثمان في الكل قللا، أخبر أن ورشا روى عنه تقليل الراء والهمزة أي قراءتهما بين اللفظين في الكل أي في كل ما كان مع مضمر وما كان مع ظاهر فتعين لمن لم يذكره في هذه التراجم القراءة بفتح الراء والهمزة فصار قالون وابن كثير وهشام وحفص بفتح الراء والهمزة مطلقا وورش بتقليلهما وحمزة والكسائي وشعبة بإمالتهما والدوري أمال الهمزة وفتح الراء والسوسي قرأ مثله في رواية عنه وأمالهما في رواية أخرى وابن ذكوان فرق بين ما لم يتصل به ضمير وبين ما اتصل به فأمالهما فيما لم يتصل به مضمر بلا خلاف وقرأ بإمالتهما وفتحهما فيما اتصل به ضمير ثم انتقل إلى القسم الثاني وهو ما وقع قبل ساكن فقال:
وقبل السكون الرّا أمل في صفا يد ... بخلف وقل في الهمز خلف يقي صلا
وقف فيه كالأولى ونحو رأت رأوا ... رأيت بفتح الكلّ وقفا وموصلا
(1/210)

كلامه الآن فيما جاء من رأى قبل الساكن المنفصل أي قبل لام التعريف الساكن وهو ستة مواضع: رَأَى الْقَمَرَ [الأنعام: 77]، ورَأَى الشَّمْسَ [الأنعام: 78]، ورَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [النحل: 85]، ورَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا [النحل: 86]، وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ [الكهف: 53]، ورَأَ الْمُؤْمِنُونَ [الأحزاب: 22]، أمر بإمالة الراء في الوصل من هذه المواضع للمشار إليهم بالفاء والصاد والياء من قوله في صفائد وهم حمزة وشعبة والسوسي. ثم قال بخلف: يعني عن المذكور منهم آخرا وهو السوسي، ثم أخبر أن المشار إليهما بالياء والصاد في قوله يقي صلا وهما السوسي وشعبة أمالا الهمزة بخلاف عنهما فصار حمزة بإمالة الراء وفتح الهمزة وشعبة عنه وجهان إمالة الراء وفتح الهمزة كحمزة وإمالة الراء والهمزة معا والسوسي عنه وجهان فتح الراء والهمزة معا وإمالة الراء والهمزة معا والباقون بفتح الراء والهمزة معا والخلف المشار إليه عن السوسي أن أبا عمرو الداني قرأ على أبي الفتح الضرير بإمالتهما وعلى ابن غلبون بفتحهما وروى عن الزيدي من غير طريق السوسي والدوري إمالة الراء وفتح الهمزة وهو طريق ابن سعدان وابن جبير وعكسه بفتح الراء وإمالة الهمزة وهي طريق أبي حمدون وأبي عبد الرحمن وهذا الوجه في التيسير والوجه الذي قبله ذكره الداني في الموضح وبالجميع قرأت وقوله وقف فيه كالأولى فيه أي عليه أي وقف عليه كالكلمة الأولى وهي رأى كوكبا وأخواتها. أمر الناظم رحمه الله أن يفعل في الوقف على رأى الواقع قبل السكون ما فعل في رأى الواقع قبل الحركة من إمالة الهمزة وحدها للدوري ومن إمالتها وحدها وإمالتها مع الراء للسوسي ومن إمالتها لابن ذكوان وحمزة والكسائي وشعبة ومن تفليل فتحهما لورش ومن فتحهما للباقين والوجه في ذلك أن الألف يعود في الوقف لزوال الساكن فيصير من النوع الأول فيكون حكمه حكمه فيجري كل واحد منهم على أصله في المتحرك. وقوله نحو رأت رأوا رأيت، يعني إذا اتصل برأي ساكن لا يفارقه نحو رأته حسبته ورأتهم من مكان بعيد وإذا رأوك وإذا رأوهم فلما رأوه وإذا رأيت الذين فلما رأيته بفتح الكل أي بفتح القراء كلهم أي لا خلاف في فتح الراء وفتح الهمزة في الوصل والوقف لأن الساكن لا ينفصل من رأى في وقف ولا وصل والخلاف إنما وقع فيما يصح انفصاله من الساكن الذي بعده ورجوع الألف إليه في حال الوقف عليه.
وخفّف نونا قبل في الله من له ... بخلف أتى والحذف لم يك أوّلا
قوله قبل في الله، أراد به أتحاجوني في الله ولم يمكنه النطق بالكلمة في نظمه لما فيها من اجتماع الساكنين فلذلك قال قبل في الله من له وأخبر أن المشار إليهم بالميم واللام والهمزة في قوله من
(1/211)

له أتى وهم ابن ذكوان وهشام ونافع قرءوا أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ [الأنعام: 80]، بتخفيف النون فتعين للباقين القراءة بتشديدها وقوله بخلف أي عن هشام التشديد والتخفيف والأصل أتحاجونني بنونين فمن شدد أدغم الأولى في الثانية ولا بد من إشباع مد الواو لأجل الساكنين وهما الواو والنون الأولى المدغمة ومن خفف حذف إحدى
النونين. واختلف في المحذوفة منهما فذهب الحذاق من النحويين إلى أن المحذوفة هي الثانية وإليه أشار الناظم بقوله والحذف لم يك أولا وإنما لم تحذف الأولى لأنها علامة الرفع ولما حذفت الثانية كسرت الأولى لأجل ياء الضمير.
وفي درجات النّون مع يوسف ثوى ... وو اللّيسع الحرفان حرّك مثقّلا
وسكّن شفاء واقتده حذف هائه ... شفاء وبالتّحريك بالكسر كفّلا
ومدّ بخلف ماج والكلّ واقف ... بإسكانه يذكو عبيرا ومندلا
أراد نرفع درجات من نشاء هنا وبيوسف وأراد بالنون التنوين، وأخبر أن المشار إليهم بالثاء من ثوى وهم الكوفيون قرءوا نرفع درجات في السورتين بتنوين التاء فتعين للباقين القراءة بغير تنوين، ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شفاء وهما حمزة والكسائي قرآ والليسع وأراد بالحرفين الكلمتين هنا وفي صاد بفتح اللام منهما مع تشديدها وتسكين الياء وأراد بالتحريك الفتح فتعين للباقين القراءة بتسكين اللام وفتح الياء وقوله واقتده حذف هائه شفاء أخبر أن المشار إليهما بالشين من شفاء وهما حمزة والكسائي قرآ فبهداهم اقتده بحذف الهاء في الوصل فتعين للباقين القراءة بإثباتها وأن من أشار إليه بالكاف من كفلا وهو ابن عامر حركها بالكسر. ثم أمر للمشار إليه بالميم من ماج وهو ابن ذكوان يمدها بخلاف عنه فتعين للباقين القراءة بإسكانها وأراد بالمد إشباع الكسر حتى يتولد منه ياء وهذا الوجه عن ابن ذكوان هو المذكور عنه في التيسير والقصر عنه من زيادات القصيد ومعنى ماج اضطرب وحيث كان خلاف الهاء في الوصل تعرض لما يفهم منه بقوله والكل واقف
بإسكانه أي بإسكان الهاء، أخبر أن الجميع يثبتون الهاء ساكنة في الوقف من حذفها في الوصل ومن حركها ومن سكنها أيضا. وقوله يذكو عبيرا ومندلا لم يتعلق به حكم وإنما تمم به البيت.
ويذكو: معناه يفوح. والعبير: الزعفران، والمندل: العود الهندي وقال صاحب الصحاح:
المندل عطر ينسب إلى المندل وهي بلاد الهند.
وتبدونها تخفون مع تجعلونه ... على غيبه حقّا وينذر صندلا
أخبر أن المشار إليهما بحقا وهما ابن كثير وأبو عمرو قرآ يجعلونه قرأ طيس يبدونها ويخففون
(1/212)

كثيرا بياء الغيب فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب في الكلمات الثلاث ثم قال:
وينذر صندلا أخبر أن المشار إليه بالصاد من صندلا وهو شعبة قرأ ولينذر أم القرى ومن حولها بياء الغيب فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب وحذف الناظم لام لتنذر ضرورة ولم يذكر الغيب اكتفاء بتقديم ذكره في ترجمة يجعلونه، والصندل: شجر طيب الرائحة.
وبينكم ارفع في صفا نقر وجا ... عل اقصر وفتح الكسر والرّفع ثمّلا
وعنهم بنصب اللّيل واكسر بمستقر ... ر القاف حقّا خرّقوا ثقله انجلا
أخبر أن المشار إليهم بالفاء والصاد وبنفر من قوله في صفا نفر وهم حمزة وشعبة وابن كثير وأبو عمرو، وابن عامر قرءوا لقد تقطع بينكم برفع النون فتعين للباقين القراءة بنصبها وقوله وجاعل اقصر، أي احذف الألف منه وقوله وفتح الكسر أي فتح كسر العين وقوله والرفع أي وفتح رفع اللام وقوله وعنهم أي وعن الكوفيين بنصب الليل أي بنصب اللام منه يعني أن المشار إليهم بالثاء من ثملا وهم عاصم وحمزة والكسائي قرءوا وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً [الأنعام: 96] بفتح العين واللام من غير ألف ونصب الليل فتعين للباقين أن يقرءوا وجاعل الليل بألف وكسر العين ورفع اللام وخفض الليل وقوله واكسر بمستقر القاف أمر للمشار إليهما بقوله حقا وهما ابن كثير وأبو عمرو بكسر القاف في مستقر ومستودع فعين للباقين القراءة بفتحها وقوله خرقوا ثقله انجلا أخبر أن المشار إليه بالألف من انجلا وهو نافع قرأ وخرقوا له بنين وبنات بتشديد الراء فتعين للباقين القراءة بتخفيفها، ومعنى ثملا:
أصلح، وانجلا: انكشف.
وضمّان مع ياسين في ثمر شفا ... ودارست حق مدّه ولقد حلا
وحرّك وسكّن كافيا واكسرنّها ... حمى صوبه بالخلف درّ وأوبلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي قرآ انظروا إلى ثمره وكلوا من ثمره بهذه السورة ولِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ [يس: 35] بضم الثاء والميم فتعين للباقين القراءة بفتحها وقوله ودارست حق مده أخبر أن المشار إليهما بقوله حق وهما ابن كثير وأبو عمرو قرآ وليقولوا دارست بالمد أي بألف بعد الدال ثم قال ولقد حلا يعني المد فتعين للباقين القراءة بالقصر أي بحذف الألف ثم قال: وحرك وسكن كافيا، أمر للمشار إليه بالكاف من كافيا وهو ابن عامر بتحريك السين أي بفتحها وبتسكين التاء وله القصر مع الجماعة فتعين للباقين القراءة بسكون السين وفتح التاء وقد تقدم لهم القصر فصار نافع والكوفيون درست بالقصر وإسكان السين وفتح التاء وابن كثير
(1/213)

وأبو عمرو بالمد والإسكان والفتح وابن عامر بالقصر وفتح السين وإسكان التاء وقوله واكسرنها أمر للمشار إليهم بالحاء والصاد والدال في قوله حمى صوبه بالخلف در وهم أبو عمرو وشعبة وابن كثير بكسر الهمزة في وما يشعركم أنها إذا جاءت فتعين للباقين القراءة بفتحها وقوله بالخلف أي عن شعبة لأن الناظم رحمه الله ذكر الخلف بعد رمز شعبة فحصل له في أنها وجهان فتح الهمزة وكسرها والهاء من صوبه للكسر، والصوب: نزول المطر، ودر أي تتابع نزوله وأوبلا: إذا صار ذا وبل.
وخاطب فيها يؤمنون كما فشا ... وصحبة كفء في الشّريعة وصّلا
أخبر أن المشار إليهما بالكاف والفاء في قوله كما فشا وهما ابن عامر وحمزة قرآ إذا جاءت لا تؤمنون بالخطاب فيها أي في هذه السورة وأن المشار إليهم بصحبة والكاف في قوله كفء وهم حمزة والكسائي وشعبة وابن عامر قرءوا، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ
يُؤْمِنُونَ [الجاثية: 6]، بتاء الخطاب أيضا فتعين لمن يذكره في الترجمتين القراءة بياء الغيب، ومعنى وصلا: أي وصله النقلة إلينا.
وكسر وفتح ضمّ في قبلا حمى ... ظهيرا وللكوفيّ في الكهف وصّلا
أخبر أن المشار إليهم بالخاء والظاء في قوله حمى ظهيرا وهم أبو عمرو وابن كثير والكوفيون قرءوا بهذه السورة وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا [الأنعام: 111] بضم كسر القاف وضم فتح الباء ثم أخبر أن هذا التقييد المذكور وصل للكوفيين في سورة الكهف يعني أن عاصما وحمزة والكسائي قرءوا أيضا أو يأتيهم العذاب قبلا بضم كسر القاف وضم فتح الباء فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بكسر القاف وفتح الباء.
وقل كلمات دون ما ألف ثوى ... وفي يونس والطّول حاميه ظلّلا
أخبر أن المشار إليهم بالثاء من ثوى وهم عاصم وحمزة والكسائي قرءوا هنا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا [الأنعام: 115] بترك الألف وأن المشار إليهم بالحاء والظاء
في قوله حاميه ظللا وهم أبو عمرو وابن كثير والكوفيون قرءوا كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا [يونس: 33]، إن الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ كلاهما [يونس: 96]، وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: 6]، بترك الألف فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بإثبات الألف بعد الميم.
وشدّد حفص منزل وابن عامر ... وحرّم فتح الضّمّ والكسر إذ علا
وفصّل إذ ثنى يضلّون ضمّ مع ... يضلّوا الّذي في يونس ثابتا ولا
(1/214)

أخبر أن حفصا وابن عامر قرآ أنه منزل من ربك بتشديد الزاي وفتح النون فتعين للباقين القراءة بتخفيف الزاي وإسكان النون، ثم أخبر أن المشار إليهما بالهمزة والعين في قوله إذ علا وهما نافع وحفص قرآ ما حرم عليكم بفتح ضم الحاء وفتح كسر الراء فتعين للباقين القراءة بضم الحاء وكسر الراء وأن المشار إليهم بالهمزة والثاء في قوله إذ ثنى وهم نافع والكوفيون قرءوا فصل لكم بالتقييد المذكور يعني بفتح ضم الفاء وفتح كسر الصاد فتعين للباقين القراءة بضم الفاء وكسر الصاد فصار نافع وحفص في وقد فصل لكم ما حرم عليكم بفتح الفعلين وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضمهما وشعبة وحمزة والكسائي بفتح فصل وضم حرم فحصل ثلاث قراءات وقدم الناظم رحمه الله حرم عليكم على وقد فصل لكم وهو بعده في التلاوة. ثم أخبر أن المشار إليهم بالثاء في قوله ثابتا وهم الكوفيون قرءوا هنا وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ [الأنعام: 119]، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ [يونس:
88] بضم الياء فتعين للباقين القراءة بفتح الياء فيهما.
رسالات فرد وافتحوا دون علّة ... وضيقا مع الفرقان حرّك مثقّلا
بكسر سوى المكّيّ ورا حرجا هنا ... على كسرها ألف صفا وتوسّلا
أخبر أن المشار إليهما بالدال والعين في قوله دون علة وهما ابن كثير وحفص قرآ حيث يجعل رسالاته بحذف الألف الثانية على التوحيد وأمر بفتح التاء لهما فتعين للباقين القراءة بإثبات الألف وكسر التاء على الجمع وعبر عن التوحيد بقوله فردا أي بالإفراد وقوله وضيقا مع الفرقان حرك مثقلا. بكسر سوى المكي، أمر بتحريك الياء بالكسر مع تشديدها في يجعل صدره ضيقا هنا ومَكاناً ضَيِّقاً [الفرقان: 13] لكل القراء إلا ابن كثير فإنه قرأ بتخفيف الياء وإسكانها فيهما وقوله ورا حرجا هنا، أخبر أن المشار إليهما بالهمزة والصاد في قوله ألف صفا وهما نافع وشعبة قرآ هنا حرجا كأنما بكسر الراء فتعين للباقين القراءة بفتحها، والألف الأليف: وصفا أخلص، وتوسلا: تقرب.
ويصعد خفّ ساكن دم ومدّه ... صحيح وخفّ العين داوم صندلا
أخبر أن المشار إليه بالدال من دم وهو ابن كثير قرأ كأنما يصعد بتخفيف الصاد وإسكانها فتعين للباقين القراءة بتشديد الصاد وفتحها ثم قال ومده صحيح، أخبر أن المشار إليه بالصاد من صحيح وهو شعبة قرأ بمد الصاد أي بألف بعدها فتعين للباقين القراءة بغير ألف ثم أخبر أن المشار إليهما بالدال والصاد في قوله داوم صندلا وهما ابن كثير وشعبة قرآ بتخفيف العين فتعين للباقين القراءة بتشديدها ففيها ثلاث قراءات ابن كثير يصعد بإسكان الصاد وتخفيف العين وشعبة يصاعد بتشديد
(1/215)

الصاد وألف بعدها وتخفيف العين والباقون يصعد بتشديد الصاد والعين من غير ألف بينهما ولا خلاف في قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: 10] أنه بالتخفيف من غير ألف.
ونحشر مع ثان بيونس وهو في ... سبا مع نقول اليا في الأربع عمّلا
أخبر أن المشار إليه بالعين من عملا وهو حفص قرأ هنا وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ [الأنعام: 128]، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا [يونس: 40]، وقيده بالثاني وهو في سبأ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً [يونس: 48]، ثم نقول بالياء في الأربع كلمات أعني نحشر في الثلاث مواضع ونقول وهو رابع لأنه عد نقول مع الثلاثة فتعين للباقين القراءة بالنون فيهن ولا خلاف في وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً [يونس: 48]، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ [الأنعام: 22]، وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ [يونس: 280]، الأول بيونس أنهما بالنون في نحشر ونقول:
وخاطب شام يعملون ومن تكو ... ن فيها وتحت النّمل ذكّره شلشلا
أخبر أن الشامي وهو ابن عامر (ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما تعملون) [الأنعام: 132]، بتاء الخطاب فتعين للباقين القراءة بياء الغيب، ثم أمر للمشار
إليهما بالشين من شلشلا وهما حمزة والكسائي بالقراءة بالتذكير ومن يكون له عاقبة الدار هنا وتحت النمل يعني القصص فتعين للباقين القراءة بالتأنيث فيهما.
مكانات مدّ النّون في الكلّ شعبة ... بزعمهم الحرفان بالضّمّ رتّلا
أخبر أن شعبة قرأ مكاناتكم بمد النون أي بالألف بعد النون في كل ما في القرآن فتعين للباقين القراءة بالقصر أي بحذف الألف نحو قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ثم أخبر أن المشار إليه بالراء من قوله رتلا وهو الكسائي قرأ فقالوا هذا لله بزعمهم ولا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم بضم الزاي فيهما ومراده بالحرفين الموضعان فتعين للباقين القراءة بفتح الزاي فيهما.
وزيّن في ضمّ وكسر ورفع قت ... ل أولادهم بالنّصب شاميّهم تلا
ويخفض عنه الرّفع في شركاؤهم ... وفي مصحف الشّامين بالياء مثّلا
أخبر أن الشامي وهو ابن عامر قرأ وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم بضم الزاي وكسر الياء ورفع اللام من قتل ونصب الدال من أولادهم
وخفض رفع الهمزة في شركائهم
(1/216)

فتعين للباقين أن يقرءوا وكذلك زين بفتح الزاي والياء لكثير من المشركين قتل بنصب اللام أولادهم بخفض الدال شركاؤهم برفع الهمزة وقوله وفي مصحف الشامين بالياء مثلا أخبر أن شركاءهم مرسوم بالياء في مصحف أهل الشام: الذي بعثه إليهم عثمان بن عفان رضي الله عنه وهذا مما يقوي قراءة ابن عامر ثم قال رحمه الله تعالى:
ومفعوله بين المضافين فاصل ... ولم يلف غير الظّرف في الشّعر فيصلا
كالله درّ اليوم من لامها فلا ... تلم من مليمي النّحو إلّا مجهّلا
ومع رسمه زجّ القلوص أبي مزا ... دة الأخفش النّحويّ أنشد مجملا
تقدير قراءة ابن عامر وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم فقوله شركائهم مخفوض بإضافة قتل إليه وأولادهم مفعول بقوله قتل فجاء المفعول في قراءته وهو أولادهم فاصل بين المضاف والمضاف إليه ولأجل ذلك أنكر هذه القراءة قوم من النحاة قالوا لم تفصل العرب بين
(1/217)

المضاف والمضاف إليه سوى بالظرف في الشعر خاصة في مثل قول الشاعر:
لله در اليوم من لامها
لأن اليوم وهو ظرف فصل بين المضاف والمضاف إليه وهو در من والتقدير لله در من لامها اليوم. واعلم أن هذا عجز بيت لعمرو بن قمئة وأوله:
لما رأت ساتيدما استعبرت ... لله در اليوم من لامها
وساتيدما موضع واستعبرت بكت وقوله فلا تلم من مليم النحو أي النحاة الذين
تعرضوا لإنكار قراءة ابن عامر على قسمين منهم من ضعفها ومنهم من جهل قارئها فلا تلم الأول واعذره ولا تلم إلا الثاني بتجهيله مثل ابن عامر وتخطئته إياه مع ثبوت قراءته ورفع قدره وصحة ضبطه وتحقيقه فمن خطأ مثل هذا فهو الذي يستحق اللوم فإذا ثبتت القراءة فلا وجه للرد والإنكار مع كون الرسم شاهدا للقراءة وهو جر شركائهم. وكلام العرب أيضا وهو ما أنشده أبو الحسن الأخفش سعيد سعد بن سعدة النحوي صاحب الخليل وسيبويه:
فزججتها بمزجة زجّ القلوص أبي مزادة تقديره زجّ أبي مزادة القلوص فالقلوص مفعول بقوله زجّ وجاء في هذا الشعر فاصلا بين المضافين
(1/218)

كما جاء المفعول فاصلا في الآية فكأنه يقول ومع شهادة الرسم بصحته فالأخفش أنشد مستشهدا له بقول القائل وذكر البيت ومجملا أي غير طاعن كما فعل غيره ويقع في بعض النسخ مليمي بالياء بلفظ الجمع وفي بعضها بغير ياء بلفظ المفرد وهو الرواية وقول الناظم رحمه الله أبي مزادة الأخفش بفتح الهاء من مزادة وكان بعض الشيوخ يجيز قراءتها بالتاء وفتحها.
وإن تكن أنّث وميتة ... دنا كافيا وافتح حصاد كذى حلا
نما وسكون المعز حصن وأنّثوا ... يكون كما في دينهم ميتة كلا
أمر بتأنيث يكن للمشار إليهما بالكاف والصاد في قوله كفء صدق وهما ابن عامر وشعبة قرآ ومحرّم على أزواجنا وإن تكن بتاء التأنيث فتعين للباقين القراءة بياء التذكير. ثم أخبر أن المشار إليهما بالدال والكاف في قوله دنا كافيا وهما ابن كثير وابن عامر قرآ ميتة فهم فيه شركاء بالرفع كما نطق به فتعين للباقين القراءة بالنصب فصار ابن عامر وإن تكن ميتة بالتأنيث والرفع وشعبة بالتأنيث والنصب وابن كثير بالتذكير والرفع والباقون بالتذكير والنصب وقوله وافتح حصاد أمر للمشار إليهم بالكاف والحاء والنون في قوله كذى حلا نما وهم ابن عامر وأبو عمرو وعاصم بفتح الحاء في حصاده فتعين للباقين القراءة بكسرها وقوله وسكون المعز حصن. أخبر أن المشار إليهم بحصن وهم الكوفيون ونافع قرءوا ومن المعز بسكون العين فتعين للباقين القراءة بفتحها، ثم أخبر أن المشار إليهم بالكاف والفاء والدال في قوله:
كما في دينهم وهم ابن عامر وحمزة وابن كثير قرءوا إلا أن تكون بتاء التأنيث فتعين للباقين القراءة بياء التذكير ثم أخبر أن المشار إليه بالكاف من كلا وهو ابن عامر قرأ ميتة أو دما بالرفع كما لفظ به فتعين للباقين القراءة بالنصب فصار ابن عامر إلا أن تكون ميتة بالتأنيث والرفع وحمزة وابن كثير بالتأنيث والنصب والباقون بالتذكير والنصب وعلم رفع ميتة في الموضعين من إطلاقه المقرر في قوله وفي الرفع والتذكير.
وتذّكّرون الكلّ خفّ على شذا ... وأنّ اكسروا شرعا وبالخفّ كمّلا
أخبر أن المشار إليهم بالعين والشين في قوله على شذا وهم حفص وحمزة والكسائي قرءوا
(1/219)

تذكرون بتخفيف الذال في كل ما في القرآن منه إذا كان بتاء واحدة مثناة من فوق نحو
ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون فتعين للباقين القراءة بالتشديد، ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شرعا وهما حمزة والكسائي قرآ وأن هذا صراط مستقيما بكسر الهمزة فتعين للباقين القراءة بفتحها ثم قال: وبالخف كملا أخبر أن المشار إليه بالكاف من كملا وهو ابن عامر قرأ بتخفيف النون فتعين للباقين القراءة بتشديدها فصار وإن بكسر الهمزة وتشديد النون لحمزة والكسائي وبفتح الهمزة وتخفيف النون لابن عامر وبفتح الهمزة وتشديد النون للباقين وقوله كملا أي كمل ثلاث قراءات.
ويأتيهم شاف مع النّحل فارقوا ... مع الرّوم مدّاه خفيفا وعدّلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شاف وهما حمزة والكسائي قرآ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام: 108]، أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [النحل: 33] هنا وهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [النحل: 33]، بياء التذكير كلفظه فتعين للباقين القراءة بتاء التأنيث والألف في مداه ضمير مدلول شاف وهما حمزة والكسائي قرآ
(إن الذين فارقوا دينهم) [الأنعام: 159]، و (من الذين فارقوا دينهم) [الروم: 32]، بالمد أي بألف بعد الفاء وتخفيف الراء فتعين للباقين القراءة بالقصر أي بحذف الألف وتشديد الراء فيهما وعلمت ترجمة يأتيهم من إطلاقه المقرر في قوله وفي الرفع والتذكير والغيب جملة على لفظها أطلقت وعلم أن مد فارقوا ألف وأنه بعد الفاء من لفظه ومعنى عدلا: أصلح.
وكسر وفتح خفّ في قيما ذكا ... وياءاتها وجهي مماتي مقبلا
وربي صراطي ثمّ إنّي ثلاثة ... ومحياي والإسكان صحّ تحملا
أخبر أن المشار إليهم بالذال من ذكا وهم الكوفيون وابن عامر قرءوا دينا قيما بكسر القاف وفتح الياء وتخفيفها فتعين للباقين القراءة بفتح القاف وكسر الياء وتشديدها. ثم أخبر أن فيها ثمان ياءات إضافة وجهي للذي ومماتي لله وربي إلى صراط مستقيم وأن هذا صراطي مستقيما وقوله ثم إني ثلاثة أراد إني أمرت وإني أخاف وإني أراك ومحياي وأشار بقوله والإسكان صح تحملا إلى صحة نقل الإسكان في محياي عن قالون وترك الالتفات إلى قول من طعن فيه من النحاة ولما احتاج إلى قافية البيت الأول أتى بمناسب فقال مماتي مقبلا أي جاء موتي مسرعا إليّ.
(1/220)

سورة الأعراف
وتذّكّرون الغيب زد قبل تائه ... كريما وخفّ الذّال كم شرفا علا
أمر للمشار إليه بالكاف من قوله كريما وهو ابن عامر بزيادة ياء الغيب المثناة تحت قبل تاء تذكرون فتصير قراءته قليلا ما يتذكرون وقراءة الباقين قليلا ما تذكرون بحذف
الزيادة، ثم أخبر أن المشار إليهم بالكاف والشين والعين في قوله: كم شرفا علا وهم ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص قرءوه بتخفيف الذال فتعين للباقين القراءة بتشديدها فإن قيل قد تقدم في سورة الأنعام في قوله: وتذكرون الكل خف على شذا أن حفصا وحمزة والكسائي قرءوا تذكرون بالتخفيف حيث جاء ومعلوم أن الذال مع حرف الغيب لا تكون إلا خفيفة قيل إنما أعاد الكلام هنا لأجل زيادة ابن عامر معهم على تخفيف الذال وهنا زيادة فائدة لم يتقدم النص عليها لأنه لم يذكر فيما تقدم الحرف الذي يقع فيه التخفيف هناك وهنا عينه بأن الذال لأنه قد تقدم أن التقييد في تذكرون إذا كان في أوله تاء واحدة غير مصاحبة لياء الغيب فاحتاج إلى النص عليه فتحصل فيها هنا ثلاث قراءات ابن عامر يتذكرون بزيادة الياء على التاء وتخفيف الذال وحمزة والكسائي وحفص تذكرون بحذف الزيادة مع تخفيف الذال والباقون بحذف الزيادة وتشديد الذال.
مع الزّخرف اعكس تخرجون بفتحة ... وضمّ وأولي الرّوم شافيه مثّلا
بخلف مضى في الرّوم لا يخرجون في ... رضا ولباس الرّفع في حقّ نهشلا
اعلم أنه يروى في النظم تخرجون بضم التاء وفتح الراء مبنيا للمفعول ويروى تخرجون بفتح التاء وضم الراء مبنيا للفاعل عكس ما تقدم فإذا نطقنا به مبنيا للفاعل فنكون قد نطقنا بقراءة المرموز لهم ثم نعكسها للمسكوت عنهم وإذا نطقنا به على رواية البناء للمفعول فنكون قد نطقنا بقراءة المسكوت عنهم ثم نعكسها للمرموز لهم. ومعنى اعكس قدم الفتحة وأخر الضمة وضده ترك العكس فتبقى الفتحة متأخرة والضمة متقدمة أمر بعكس الحركات للمشار إليهم بالشين والميم في قوله شافيه مثلا وهم حمزة والكسائي وابن ذكوان قرءوا وَمِنْها تُخْرَجُونَ [الأعراف: 25]، يا بَنِي آدَمَ [الروم: 19]، هنا وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم: 24]، ومن آياته وهو الأول من الروم وبَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف: 11] بفتح التاء وضم الراء فتعين للباقين القراءة بضم التاء وفتح الراء ثم قال بخلف مضى في الروم أخبر أن المشار إليه بالميم
(1/221)

من مضى وهو ابن ذكوان اختلف عنه في تخرجون ومن آياته الأولى من الروم فروى عنه كحمزة والكسائي وروى عنه كالباقين واحترز بقوله وأولى الروم عن ثانيتها إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ فإنه بفتح التاء وضم الراء للسبعة، ثم أخبر أن المشار إليهما بالفاء والراء في قوله في رضا وهما حمزة والكسائي قرآ في سورة الجاثية فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها [الجاثية: 35] بفتح الياء وضم الراء فتعين للباقين القراءة بضم الياء وفتح الراء والرواية في لا يخرجون على بنائه للفاعل ولا خلاف في الحشر في قوله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ [الحشر: 12]، أنه بفتح الياء وضم الراء للسبعة، ثم أخبر أن المشار إليهم بالفاء والنون وبحق المتوسط بينهما في قوله في حق نهشلا وهم حمزة وابن كثير وأبو عمرو وعاصم قرءوا وَلِباسُ التَّقْوى [الأعراف: 26] برفع
السين فتعين للباقين القراءة بنصبها.
وخالصة أصل ولا يعلمون قل ... لشعبة في الثّاني ويفتح شمللا
وخفّف شفا حكما وما الواو دع كفى ... وحيث نعم بالكسر في العين رتّلا
أخبر أن المشار إليه بالهمزة من قوله أصل وهو نافع قرأ خالصة يوم القيامة برفع التاء كما لفظ به فتعين للباقين القراءة بنصبها وأن شعبة قرأ ولكن لا يعلمون بياء الغيب كما نطق به فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب، وقوله في الثاني أي ثاني موضعي لا يعلمون المتعين بعد خالصة ليخرج أولهما بعدها وهو وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: 219] فإنه متفق الخطاب ولا يحمل على قوله تعالى: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة: 219]، وإن كان بعد خالصة لعدم لا ولا على أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: 80]، لأنها قبلها إذ لو أراده لقدمه إذ في مثل هذا يلتزم الترتيب، ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شمللا وهما حمزة والكسائي قرآ لا يفتح لهم بياء التذكير
على ما لفظ فتعين للباقين القراءة بالتأنيث، ثم أخبر أن المشار إليهم بالشين والحاء في قوله شفا حكما وهم حمزة والكسائي وأبو عمرو قرءوا لا تفتح لهم بإسكان الفاء وتخفيف التاء بعدها فتعين للباقين القراءة بفتح الفاء وتشديد التاء فصار حمزة والكسائي بالتذكير والتخفيف وأبو عمرو بالتأنيث والتخفيف والباقون بالتأنيث والتشديد وقوله: وما الواو دع أمر بترك الواو من قوله تعالى: وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ [الأعراف: 43]، للمشار إليه بالكاف من قوله: كفى وهو ابن عامر فتعين للباقين إثباتها، ثم أخبر أن المشار إليه بالراء من رتلا وهو الكسائي قرأ بكسر
(1/222)

عين نعم حيث جاء وهو أربعة قالوا نعم فأذن، قال: نعم وإنكم لمن هنا، قال نعم وإنكم إذا بالشعراء، قل نعم وأنتم بالصافات فتعين للباقين القراءة بفتح العين فيهن.
وأن لعنة التّخفيف والرّفع نصّه ... سما ما خلا البزّي وفي النّور أوصلا
أخبر أن عاصما ونافعا وأبا عمرو وقنبلا قرءوا هنا مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين بإسكان النون وتخفيفها لعنة برفع التاء وأشار إليهم بقوله: نصه سما واستثنى منهم البزي ثم قال: وفي النور أخبر أن المشار إليه بالهمزة من أوصلا وهو نافع قرأ: والخامسة أن بإسكان النون وتخفيفها أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين برفع التاء من لعنة فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بنصب النون من أن وتشديدها ونصب التاء من لعنة، وقوله: أوصلا أي أوصل هذا الحكم إلى سورة النور لنافع.
ويغشي بها والرّعد ثقّل صحبة ... وو الشّمس مع عطف الثّلاثة كمّلا
وفي النّحل معه في الأخيرين حفصهم ... ونشرا سكون الضم في الكلّ ذلّلا
وفي النّون فتح الضّم شاف وعاصم ... روى نونه بالباء نقطة سفلا
أخبر أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة قرءوا يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الرعد: 3]، يطلبه هنا ويُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الرعد: 3] بفتح الغين وتشديد الشين فتعين للباقين القراءة بسكون الغين وتخفيف الشين وقوله وو الشمس الواو الأولى فاصلة والثانية من القرآن ثم قال مع عطف الثلاثة يعني بالثلاثة القمر والنجوم مسخرات وقوله:
كملا أي كمل الرفع في الأربعة وعلم الرفع من بيت الإطلاق، ثم أخبر أن المشار إليه بالكاف من كملا وهو ابن عامر قرأ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ [الأعراف: 54] برفع الأسماء الأربعة هنا وبالنحل ثم قال وفي النحل لا معه أي مع ابن عامر في الأخيرين أي في الاسمين الأخيرين وهما والنجوم مسخرات، يعني أن حفصا قرأ والنجوم مسخرات بالرفع فيهما موافقا لابن عامر وقرأ حفص وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الأعراف: 54] بالنصب فيهما بالنحل ونصب الأسماء الأربعة بالأعراف وتعين للباقين القراءة بنصب الأسماء الأربعة في السورتين وقوله ونشرا سكون الضم أخبر أن المشار إليهم بالذال من ذللا وهم الكوفيون وابن عامر قرءوا نشرا بين يدي رحمته هنا وبالفرقان والنحل بإسكان
(1/223)

ضم الشين فتعين للباقين القراءة بضمها في الكل وأن المشار إليهما بالشين من شاف وهما حمزة والكسائي فتحا ضم النون فتعين للباقين القراءة بضمها وأن عاصما قرأ بياء مضمومة موحدة تحت في موضع النون المضمومة فصار في نشرا أربع قراءات بضم النون وسكون الشين لابن عامر وبفتح النون وإسكان الشين لحمزة والكسائي وبضم الباء الموحدة مع سكون الشين لعاصم وبضم النون والشين للباقين.
ورا من إله غيره خفض رفعه ... بكلّ رسا والخفّ أبلغكم حلا
مع أحقافها والواو زد بعد مفسد ... ين كفؤا وبالإخبار إنّكم علا
ألا وعلى الحرميّ إنّ لنا هنا ... وأو أمن الإسكان حرميّه كلا
أخبر أن المشار إليه بالراء من رسا وهو الكسائي قرأ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ بخفض رفع الراء وكسر الهاء وياء بعدها في الوصل في كل ما في القرآن فتعين للباقين القراءة برفع الراء وضم الهاء وواو بعدها نحو ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ [الأعراف: 59]، ومِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ [هود: 61]، وقوله رسا أي ثبت، ثم أخبر أن المشار إليه بالحاء من حلا وهو أبو عمرو قرأ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ [الأعراف: 62]، وأُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ [الأعراف: 68]، وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ [الأحقاف: 23] بإسكان الباء وتخفيف اللام فتعين للباقين القراءة بفتح الباء وتشديد اللام فيهن ثم أمر للمشار إليه بالكاف من كفؤا وهو ابن عامر قرأ بزيادة واو بعد مفسدين قبل قاف قال الملأ في وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة: 60]، و (قال الملأ) في قصة صالح [الأعراف: 127]، فتعين للباقين القراءة بحذف الزيادة وأن المشار إليهما بالعين والهمزة في
قوله علا إلا وهما حفص ونافع قرآ إنكم لتأتون الرجال بهمزة واحدة مكسورة على الخبر فتعين للباقين القراءة بالاستفهام أي بزيادة همزة الاستفهام على هذه الهمزة فتصير قراءتهم بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وهم على أصولهم في تحقيق الثانية وتسهيلها والمد بين الهمزتين وتركه وأن المشار إليهم بالعين وحرمي في قوله: وعلا الحرمي وهم حفص ونافع وابن كثير قرءوا هنا أي في هذه السورة إن لنا لأجرا بهمزة مكسورة على الخبر فتعين للباقين القراءة بهمزتين على الاستفهام وهم على أصولهم كما تقدم والواو في قوله وعلا للفصل وقوله هنا ليخرج أئن لنا لأجرا بالشعراء لأنه بالاستفهام للسبعة فإن قيل كيف جعل العين في علا رمزا لحفص ولم يجعلها في وعى نفر كذلك.
(1/224)

فالجواب أن الواو في وعى نفر من أصل الكلمة فالعين متوسطة وليست الحروف المتوسطة رمزا بخلاف وعلى الحرمي فإن الواو فيه زائد
على الكلمة والعين أول حروف الكلمة فلهذا كانت رمزا وقوله: وأو أمن الإسكان أخبر أن المشار إليهم بحرمي وبالكاف من قوله: حرميه كلا وهم نافع وابن كثير وابن عامر قرءوا أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى [الأعراف: 98] بإسكان الواو إلا أن ورشا على أصله في نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها وحذف الهمزة، والأصل عنده سكون الواو فتعين للباقين لقراءة بفتحها:
عليّ على خصّوا وفي ساحر بها ... ويونس سحّار شفا وتسلسلا
أخبر أن المشار إليهم بالخاء من خصوا وهم الفراء كلهم إلا نافعا قرءوا حقيق على أن لا أقول بياء ساكنة خفيفة فتنقلب ألفا في اللفظ وأن نافعا قرأ بياء مفتوحة مشددة على ما لفظ به من القراءتين ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي قرآ يأتوك بكل سحار هنا وائتوني بكل سحار بيونس بفتح الحاء وتشديدها وألف بعدها وأن الباقين قرءوا بكسر الحاء وتخفيفها وألف قبلها فيهما على ما لفظ به في القراءتين أيضا، وتسلسلا: تسهل، من تسلسل الماء إذا جرى:
وفي الكلّ تلقف خفّ حفص وضمّ في ... سنقتل واكسر ضمّه متثقّلا
وحرّك ذكا حسن وفي يقتلون خذ ... معا يعرشون الكسر ضمّ كذى صلا
أخبر أن حفصا قرأ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فوقع هنا فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَأُلْقِيَ [الشعراء: 45]، تَلْقَفْ ما صَنَعُوا [طه: 69] بإسكان اللام وتخفيف القاف فتعين للباقين القراءة بفتح اللام وتشديد
(1/225)

القاف في الكل ولفظ به في البيت على قراءة حفص ثم أمر للمشار إليهم بالذال والحاء في قوله: ذكا حسن وهم الكوفيون وابن عامر وأبو عمرو قرءوا بضم النون وكسر ضم التاء مع تشديدها وتحريك القاف بالفتح في سنقتل أبناءهم فتعين لنافع وابن كثير القراءة بفتح النون وسكون القاف وضم التاء مع تخفيفها، وذكا بضم الذال والمد: اسم للشمس وقصره للوزن ثم أمر بالأخذ في يقتلون أبناءكم بالتقييد
المذكور في سنقتل يعني أن المشار إليهم بالخاء من خذ وهم القراء كلهم إلا نافعا قرءوا يقتلون بضم الياء وكسر ضم التاء مع تشديدها وتحريك القاف بالفتح فتعين لنافع القراءة بفتح الياء وسكون القاف وضم التاء مخففا ثم أمر للمشار إليهما بالكاف والصاد في قوله كذى صلا وهما ابن عامر وشعبة قرآ بضم الراء في قوله تعالى: وَما كانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف: 137] هنا وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل: 68] فتعين للباقين القراءة بكسر الراء في الموضعين وإليهما أشار بقوله معا:
وفي يعكفون الضّمّ يكسر شافيا ... وأنجى بحذف الياء والنّون كفّلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شافيا وهما حمزة والكسائي قرآ على قوم يعكفون بكسر ضم الكاف فتعين للباقين القراءة بضمها وأن المشار إليه بالكاف من كفلا وهو ابن عامر قرأ وإذ أنجاكم بحذف الياء والنون فتعين للباقين قراءة أنجيناكم بإثبات الباء والنون:
ودكّاء لا تنوين وامدده هامزا ... شفا وعن الكوفيّ في الكهف وصّلا
أي قرأ المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي جعله دكاء وخرّ بألف وهمزة مفتوحة تمد الألف من أجلها من غير تنوين ثم أخبر أن الكوفيين وهم عاصم وحمزة والكسائي قرءوا بالكهف جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف: 143] وكان بالتقييد المذكور يعني بالمد والهمز من غير تنوين فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بحذف الألف وإثبات التنوين من غير مد ولا همز:
(1/226)

وجمع رسالاتي حمته ذكوره ... وفي الرّشد حرّك وافتح الضّم شلشلا
وفي الكهف حسناه وضمّ حليّهم ... بكسر شفا واف والاتباع ذو حلا
أخبر أن المشار إليهم بالحاء والذال من حمته ذكوره وهم أبو عمرو والكوفيون وابن عامر قرءوا على الناس برسالاتي بألف على الجمع فتعين للباقين القراءة برسالتي بحذف الألف على التوحيد والذكور السيوف ثم أمر للمشار إليهما بالشين من شلشلا وهما حمزة والكسائي قرآ بفتح ضم الراء وتحريك الشين بالفتح من سبيل الرشد، ثم أخبر أن المشار إليه بالحاء من حسناه وهو أبو عمرو قرأ مما علمت رشدا بالكهف بالتقييد المذكور أي بفتح ضم الراء وتحريك الشين بالفتح فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بضم الراء وإسكان الشين ولا خلاف في قوله تعالى: مِنْ أَمْرِنا رَشَداً، ومن هذا رشدا أنهما بفتح الراء والشين للسبعة ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي قرآ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم بكسر ضم الحاء فتعين للباقين القراءة بضمها وقوله والاتباع ذو حلا تعليل لقراءة الكسر والأصل في الحاء من حليهم الضم وإنما كسرت لاتباع كسرة
اللام وليس قوله ذو حلا برمز:
وخاطب يرحمنا ويغفر لنا شذا ... ويا ربّنا رفع لغيرهما انجلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شذا وهما حمزة والكسائي قرآ لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا
(1/227)

بتاء الخطاب في الكلمتين ونصب الباء من ربنا، وأن الباقين قرءوا بياء الغيب فيهما ورفع باء ربنا وقوله: لغيرهما أي لغير حمزة والكسائي رفع الباء من ربنا:
وميم ابن أمّ اكسر معا كفء صحبة ... وآصارهم بالجمع والمدّ كلّلا
أمر بكسر الميم من أم للمشار إليهم بالكاف وبصحبة في قوله كفء صحبة وهم ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة قرءوا قال ابن أم إن القوم وقال يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ [طه:
94] بكسر الميم فتعين للباقين القراءة بفتح الميم فيهما، ثم أخبر أن المشار إليه بالكاف من كللا وهو ابن عامر قرأ ويضع عنهم آصارهم بفتح الهمزة وفتح الصاد بين
الألفين على الجمع كما نطق به والمراد بالمد زيادة الألف فتعين للباقين القراءة بكسر الهمزة وسكون الصاد وحذف الألفين على التوحيد:
خطيئاتكم وحّده عنه ورفعه ... كما ألّفوا والغير بالكسر عدّلا
ولكن خطايا حجّ فيها ونوحها ... ومعذرة رفع سوى حفصهم تلا
الهاء في عنه ضمير المشار إليه بالكاف من كللا في البيت السابق وهو ابن عامر قرأ نغفر لكم خطيئتكم بغير ألف على التوحيد كما نطق به فتعين للباقين القراءة بإثبات الألف على الجمع ثم قال ورفعه كما ألفوا أخبر أن المشار إليهما بالكاف والهمزة في قوله كما ألفوا وهما ابن عامر ونافع رفعا
(1/228)

التاء ثم قال والغير بالكسر عدلا، أخبر أن غير نافع وابن عامر ممن قرأ بالياء والتاء عدل قراءته بالكسر في التاء ثم استدرك للإعلام بقراءة من بقي فقال ولكن خطايا أخبر أن المشار إليه بالحاء من حج وهو أبو عمرو قرأ في هذه السورة خطاياكم بوزن قضاياكم وفي سورة نوح (مما خطاياهم) كذلك على ما لفظ به.
توضيح: اعلم أن الموضع الذي بالأعراف فيه أربع قراءات خطيئتكم بالتاء مرفوعة وقبلها همزة وياء من غير ألف على التوحيد لابن عامر وخطيئاتكم بياء ساكنة وبعدها همزة وألف وتاء مرفوعة على جمع السلامة لنافع وخطيئاتكم بياء ساكنة وبعدها همزة وألف وتاء مكسورة على الجمع أيضا لابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي والرابعة خطاياكم بألفين بينهما ياء من غير همز بوزن قضاياكم على جمع التكسير لأبي عمرو وأما الذي في نوح ففيها قراءتان خطاياهم بوزن قضاياهم
(1/229)

لأبي عمرو والثانية خطيئاتهم بياء ساكنة وبعدها همزة وألف وتاء مكسورة للباقين فإذا تأملت ذلك وجدت القراء كلهم يقرءون بنوح كما يقرءون بالأعراف إلا نافعا وابن عامر وقد تقدم الخلاف في يغفر لكم هنا وبالبقرة مع الذي فيها
وقوله ومعذرة رفع أخبر أن القراء كلهم إلا حفصا قرءوا قالوا معذرة برفع التاء فتعين لحفص القراء بنصبها:
وبيس بياء أمّ والهمز كهفه ... ومثل رئيس غير هذين عوّلا
وبيئس اسكن بين فتحين صادقا ... بخلف وخفّف يمسكون صفا ولا
أخبر أن المشار إليه بالهمزة في قوله أم وهو نافع قرأ بعذاب بيس بياء ساكنة وكسر الباء قبلها من غير همز بوزن عيس وأن المشار إليه بالكاف من كهفه وهو ابن عامر قرأ بئس بهمزة ساكنة مكان الياء وكسر الباء قبلها بوزن بئر ثم قال ومثل رئيس غير هذين عولا أي غير نافع وابن عامر عول على قراءة بئيس بفتح الباء وبعدها همزة مكسورة بعدها ياء ساكنة بوزن
(1/230)

رئيس وهم الباقون وشعبة من جملتهم ثم أمر له بوجه آخر فقال: وبيئس اسكن بين فتحين صادقا يعني أن المشار إليه بالصاد من صادقا وهو شعبة قرأ بيئس بإسكان الياء بعد فتح الباء وفتح الهمزة بوزن ضيغم وقوله: بخلف أي عن شعبة فحصل فيها أربع قراءات ثم أمر بإسكان الميم وتخفيف السين في والذين يمسكون بالكتاب للمشار إليه بالصاد من صفا وهو شعبة فتعين للباقين القراءة بفتح الميم وتشديد السين وقوله: عولا ليس برمز لأنه صرح باسم القارئ في قوله غير هذين وعولا خبر عن غير هذين أي عول مثل رئيس فقرأ به:
ويقصر ذرّيّات مع فتح تائه ... وفي الطّور في الثّاني ظهير تحمّلا
وياسين دم غصنا ويكسر رفع أو ... ول الطّور للبصري وبالمدّ كم حلا
أخبر أن المشار إليهم بالظاء من ظهير وهم الكوفيون وابن كثير قرءوا عن ظهورهم ذرياتهم هنا وألحقنا بهم ذرياتهم ثاني الطور بالقصر أي بحذف الألف وفتح التاء على التوحيد وأن المشار إليهم بالدال والغين في قوله: دم غصنا وهم ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون قرءوا أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ [يس: 41] بالقصر أي بحذف الألف وفتح التاء على التوحيد فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بالمد أي بإثبات الألف وكسر التاء على الجمع في المواضع الثلاثة ثم أخبر أن أبا عمرو والبصري يكسر له رفع التاء في ذرياتهم بإيمان وهو الأول من الطور فتعين للباقين القراءة برفعها ثم قال وبالمد كم حلا أخبر أن المشار إليهما بالكاف والحاء في قوله كم حلا وهما ابن عامر وأبو عمرو قرآ ذرياتهم بإيمان بالمد أي بالألف بين الياء والتاء على الجمع فتعين للباقين القراءة بالقصر أي بحذف الألف على التوحيد.
يقولوا معا غيب حميد وحيث ... يلحدون بفتح الضّمّ والكسر فصّلا
وفي النّحل والاه الكسائي وجزمهم ... يذرهم شفا والياء غصن تهدّلا
أخبر أن المشار إليه بالحاء من حميد وهو أبو عمرو قرأ شهدنا أن يقولوا أو يقولوا إنما
بياء الغيب فيهما فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب وقوله: معا أي في الكلمتين ثم أخبر أن المشار إليه بالفاء من فصلا وهو حمزة قرأ يلحدون بفتح ضم الياء وفتح كسر الحاء حيث جاء ومجيئه في القرآن في ثلاث مواضع وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [الأعراف:
180] هنا ولِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ [النحل: 103]، وإِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا [فصلت: 40]، ثم أخبر أن الكسائي وافق حمزة على ما قرأ في النحل خاصة فقرأ يلحدون بفتح ضم الياء وفتح كسر الحاء فتعين للباقين القراءة بضم الياء وكسر الحاء في السور الثلاث ووافقهم الكسائي هنا وفي فصلت وخالفهم في النحل، ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي قرآ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ [الأعراف: 186] بجزم الراء فتعين للباقين القراءة برفعها وأن
(1/231)

المشار إليهم بالغين من غصن وهم الكوفيون وأبو عمرو قرءوا ويذرهم بياء مثناة تحت فتعين للباقين القراءة بالنون فصار حمزة والكسائي بالياء والجزم وأبو عمرو وعاصم بالياء والرفع والباقون بالنون والرفع ففيها ثلاث قراءات وقوله: تهدلا أي والياء مثل غصن استرخى لكثرة ثمرة:
وحرّك وضمّ الكسر وامدده هامزا ... ولا نون شركا عن شذا نفر ملا
أمر أن يقرأ للمشار إليهم بالعين والشين وبنفر في قوله: عن شذا نفر وهم حفص وحمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر جعلا له شركاء بتحريك الراء أي بفتحها وبضم كسر الشين وبمد الألف والإتيان بهمزة مفتوحة بعد المد وبترك التنوين كألحقتم به شركاء فتعين لنافع وشعبة القراءة بكسر الشين وإسكان الراء وتنوين الكاف من غير مد ولا همزة كما نطق به.
ولا يتبعوكم خفّ مع فتح بائه ... ويتبعهم في الظّلّة احتلّ واعتلا
أخبر أن المشار إليه بهمزة الوصل في قوله: احتل وهو نافع قرأ إلى الهدى لا يتبعوكم هنا ويَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [الشعراء: 24] أي في الظلة أي في الشعراء بتخفيف التاء أي بإسكانها وفتح الباء الموحدة فتعين للباقين القراءة بفتح التاء وتشديدها وكسر الباء الموحدة في السورتين.
وقل طائف طيف رضى حقّه ويا ... يمدّون فاضمم واكسر الضّمّ أعدلا
أمر أن يقرأ للمشار إليهم بالراء وحق في قوله: رضا حقه وهم الكسائي وابن كثير وأبو عمرو قرءوا إذا مسهم طيف بياء ساكنة من غير همز ولا ألف كضيف وأن يقرأ للباقين طائف بألف وهمزة مكسورة تمد الألف من أجلها كخائف على ما نطق به من القراءتين ثم أمر أن يقرأ وإخوانهم يمدونهم بضم الياء وكسر ضم الميم للمشار إليه بالهمز في قوله أعدلا وهو
نافع فتعين للباقين القراءة بفتح الياء وضم الميم:
وربى معي بعدي وإنّي كلاهما ... عذابي آياتي، مضافاتها العلا
أخبر أن فيها سبع ياءات إضافة حرم ربي الفواحش معي بني إسرائيل من بعدي أعجلتم إني أخاف إني اصطفيتك عذابي أصيب عن آياتي الذين يتكبرون:
(1/232)

سورة الأنفال
وفي مردفين الدّال يفتح نافع ... وعن قنبل يروى وليس معوّلا
قرأ نافع من الملائكة مردفين بفتح الدال ولقنبل وجهان الفتح كنافع ولم يعول عليه عن طريق ابن مجاهد والكسر كالباقين وعليه إطباق النقلة وقد ثبت الفتح عن قنبل من طريق العباس وأبي عون من طريق الأهوازي وأبي الكرم والأولى أن لا يقرأ من طريق القصيد لقنبل بالفتح كما حكي عن ابن مجاهد في التيسير.
ويغشي سما خفّا وفي ضمّه افتحوا ... وفي الكسر حقّا والنّعاس ارفعوا ولا
أخبر أن المشار إليهم بسما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو قرءوا إذ يغشاكم بإسكان الغين وتخفيف الشين فتعين للباقين القراءة بفتح الغين وتشديد الشين ثم أمر بفتح ضم بائه وفتح كسر شينه ورفع النعاس بعده للمشار إليهما بقوله حقا وهما ابن كثير وأبو عمرو فتعين للباقين القراءة بضم الياء وكسر الشين ونصب النعاس فصار نافع يقرأ يغشيكم بضم الياء وسكون الغين وكسر الشين وتخفيفها من غير ألف ونصب النعاس، وابن كثير وأبو عمرو يغشاكم بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وتخفيفها وبالألف ورفع النعاس والباقون يغشيكم بضم الياء وفتح العين وكسر الشين وتشديدها وبالياء ونصب النعاس فذلك ثلاث قراءات:
وتخفيفهم في الأوّلين هنا ... ولكن الله وارفع هاءه شاع كفّلا
أي اقرأ للمشار إليهم بالشين والكاف من شاع كفلا وهم حمزة والكسائي وابن عامر في الموضعين الأولين منها ولكن الله قتلهم ولكن الله رمى بتخفيف النون وكسرها في الوصل من لفظ ولكن ورفع الهاء من اسم الله فتعين للباقين القراءة بتشديد النون وفتحها ونصب الهاء
(1/233)

واحترز بقوله: الأولين عن الأخيرين، وهما ولكن الله سلم، ولكن الله ألف بينهم فإنهما مشددان بلا خلاف:
وموهن بالتّخفيف ذاع وفيه لم ... ينوّن لحفص كيد بالخفض عوّلا
أخبر أن المشار إليهم بالذال من ذاع وهم الكوفيون وابن عامر قرءوا ذلكم وأن الله
موهن كيد بإسكان الواو وتخفيف الهاء وتعين للباقين القراءة بفتح الواو وتشديد الهاء وقوله:
وفيه أي وفي موهن لم ينون لحفص أي قرأ حفص موهن بحذف التنوين فتعين للباقين القراءة بالتنوين ثم أخبر أن المشار إليه بالعين من عولا وهو حفص قرأ كيد الكافرين بخفض الدال فتعين للباقين القراءة بنصبها فصار ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة يقرءون موهن بإسكان الواو وتخفيف الهاء والتنوين، كيد بالنصب وحفص موهن بإسكان الواو وتخفيف الهاء من غير تنوين كيد بالخفض والباقون موهن بفتح الواو وتشديد الهاء وإثبات التنوين كيد بالنصب فذلك ثلاث قراءات:
وبعد وإنّ الفتح عمّ علا وفي ... هما العدوة اكسر حقّا الضّمّ واعدلا
أخبر أن المشار إليهم بعم وبالعين من علا وهم نافع وابن عامر وحفص قرءوا وأن الواقع بعد موهن كيد الكافرين بفتح الهمزة وهو أن الله مع المؤمنين فتعين للباقين القراءة بكسر الهمزة، ثم أمر بكسر ضم العين في بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى للمشار إليهما بقوله حقا وهما ابن كثير وأبو عمرو فتعين للباقين القراءة بضم العين وقوله فيهما أي في الكلمتين:
ومن حيي اكسر مظهرا إذ صفا هدى ... وإذ يتوفّى أنّثوه له ملا
(1/234)

أمر بكسر الياء الأولى وإظهارها في قوله تعالى من حيي عن بينة للمشار إليهم بالهمزة والصاد والهاء في قوله إذ صفا هدى وهم نافع وشعبة والبزي فتعين للباقين
القراءة بإسكان الياء وإدغامها في الثانية فتصير ياء واحدة مشددة مفتوحة وقوله أنثوه يروي بكسر النون فعل أمر ويروي بفتح النون فعل ماض أي روى المشار إليهما باللام والميم في قوله له ملا وهما هشام وابن ذكوان عن ابن عامر إذ يتوفى الذين كفروا بتاء التأنيث فتعين للباقين القراءة بياء التذكير فابن عامر يقرأ بتاءين والباقون بياء وتاء.
وبالغيب فيها تحسبنّ كما فشا ... عميما وقل في النّور فاشية كحّلا
أخبر أن المشار إليهم بالكاف والفاء والعين في قوله كما فشا عميما وهما ابن عامر وحمزة وحفص قرءوا هنا (ولا تحسبن الذين كفروا) [آل عمران: 178] بياء الغيب وأن المشار إليهما بالفاء والكاف في قوله فاشية كحلا وهما حمزة وابن عامر قرآ (ولا تحسبن الذين كفروا معجزين) [النور: 57] بياء الغيب أيضا فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بتاء الخطاب.
وإنّهم افتح كافيا واكسروا لشع ... بة السّلم واكسر في القتال فطب صلا
أخبر أن المشار إليه بالكاف من كافيا وهو ابن عامر قرأ أنهم لا يعجزون بفتح الهمزة فتعين للباقين القراءة بكسرها ثم أمر بكسر السين لشعبة في وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ [الأنفال:
61] هنا وبكسرها للمشار إليهما بالفاء والصاد من قوله فطب صلا وهما حمزة وشعبة في قوله تعالى: وتدعوا إلى السلم بالقتال، فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بفتح السين.
وثاني يكن غصن وثالثها ثوى ... وضعفا بفتح الضّمّ فاشية نفّلا
وفي الرّوم صف عن خلف فصل وأنّث ان ... يكون مع الأسرى الأسارى حلا حلا
أخبر أن المشار إليهم بالغين من غصن وهم الكوفيون وأبو عمرو قرءوا إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً [الأنفال: 65]، وهو الذي أشار إليه بقوله ثاني بياء التذكير على ما لفظ به وأن المشار إليهم بالثاء من ثوى وهم الكوفيون قرءوا وإن يكن منكم مائة صابرة وهو الذي أشار إليه بالثالث بياء التذكير فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بتاء التأنيث وأخرج بالثاني والثالث الأول والرابع إن يكن منكم عشرون وإن يكن منكم ألف فإنهما بالتذكير للسبعة، ثم أخبر أن المشار إليهما بالفاء والنون من فاشية نفلا وهما حمزة وعاصم قرآ: وعلم أن فيكم ضعفا بفتح ضم الضاد وأن المشار إليهم بالصاد والعين والفاء من قوله صف عن خلف فصل وهم شعبة وحفص وحمزة قرءوا بالروم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا بفتح ضم الضاد في الثلاثة بخلاف عن حفص فصار لحفص وجهان في الثلاثة: فتح الضاد وهو ما نقله عن عاصم وضمها وهو اختياره لنفسه اتباعا للغة النبي صلى الله عليه وسلم لا نقلا عن عاصم وقد نبه على ذلك صاحب التيسير فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراء بضم الضاد في الأربعة ثم أمر بالتأنيث للمشار إليه بالحاء من حلا وهو أبو عمرو قرأ ما كان لنبي أن تكون له أسرى بتاء التأنيث وقرأ أيضا لمن في أيديكم من الأسارى بألف بعد السين بوزن فعالى كما لفظ به فتعين للباقين القراءة بتاء التذكير وأنهم قرءوا من الأسرى
(1/235)

بسكون السين من غير ألف بعدها بوزن فعلى كما لفظ به أيضا ولا خلاف في الأول أن تكون له أسرى أنه ساكن السين بوزن فعلى للسبعة.
ولايتهم بالكسر فز وبكهفه ... شفا ومعا إنّي بياءين أقبلا
أخبر أن المشار إليه بالفاء من قوله: فز وهو حمزة قرأ ما لكم من ولايتهم بكسر الواو وأن المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي قرآ بالكهف هنالك الولاية بكسر الواو أيضا فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بفتح الواو في السورتين ثم أخبر أن فيها ياءي إضافة: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ [الأنفال: 48]، وإِنِّي أَخافُ اللَّهَ [المائدة:
28].

سورة التوبة
ويكسر لا أيمان عند ابن عامر ... ووحّد حقّ مسجد الله الأوّلا
أخبر أن ابن عامر قرأ لا أيمان لهم بكسر الهمزة فتعين للباقين القراءة بفتحها وأن المشار إليهما بقوله حق وهما ابن كثير وأبو عمرو قرآ ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله بالتوحيد فتعين للباقين القراءة مساجد الله بالجمع ولا خلاف بين السبعة في الثاني أنه بالجمع وهو إنما يعمر مساجد الله.
عشيراتكم بالجمع صدق ونوّنوا ... عزير رضا نصّ وبالكسر وكّلا
أخبر أن المشار إليه بالصاد من صدق وهو شعبة قرأ وعشيراتكم هنا بألف بعد الراء على جمع السلامة كما نطق به فتعين للباقين القراءة بحذف الألف على التوحيد ثم أمر بتنوين عزير للمشار إليهما بالراء والنون في قوله رضا نص وهما الكسائي وعاصم قرآ وقالت اليهود عزير ابن الله بالتنوين وكسره فتعين للباقين القراءة بغير تنوين وأراد بقوله وكلا أي التنوين وكل بالكسرة وألزمه.
يضاهون ضمّ الهاء يكسر عاصم ... وزد همزة مضمومة عنه واعقلا
أخبر أن عاصما قرأ أيضا هون قول بكسر ضم الهاء ثم أمر له بزيادة همزة مضمومة بعد الهاء وقوله عنه أي عن عاصم فتعين للباقين القراءة بضم الهاء وترك زيادة
الهمزة.
يضلّ بضمّ الياء مع فتح ضاده ... صحاب ولم يخشوا هناك مضلّلا
أخبر أن المشار إليهم بصحاب وهم حمزة والكسائي قرءوا يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بضم الياء وفتح الضاد فتعين للباقين القراءة بفتح الياء وكسر الضاد ولما كانت القراءة بفتح الياء وكسر الضاد تعجب المعتزلة وتعلقوا بها قال في القراءة الأخرى: ولم يخشوا هناك مضللا.
وأن تقبل التّذكير شاع وصاله ... ورحمة المرفوع بالخفض فاقبلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شاع وهما حمزة والكسائي قرآ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم بياء التذكير فتعين للباقين القراءة بتاء التأنيث وأن المشار إليه بالفاء من فاقبلا وهو حمزة قرأ بخفض التاء في وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [التوبة: 61] المرفوع التاء في قراءة الباقين.
(1/236)

ويعف بنون دون ضمّ وفاوه ... يضمّ تعذّب تاه بالنّون وصّلا
وفي ذاله كسر وطائفة بنص ... ب مرفوعه عن عاصم كلّه اعتلا
أخبر أن عاصما قرأ إن نعف عن طائفة منكم بنون غير مضمومة أي غير مفتوحة وضم الفاء نعذب بنون مضمومة مكان التاء وكسر الذال وطائفة بنصب رفع التاء فتعين للباقين أن يقرءوا يعف بياء التذكير مضمومة وفتح الفاء تعذب بتاء التأنيث وضمها وفتح الذال وطائفة برفع التاء:
وحقّ بضمّ السّوء مع ثان فتحها ... وتحريك ورش قربة ضمّه جلا
أخبر أن المشار إليه بقوله حق وهما ابن كثير وأبو عمرو قرآ هنا عليهم دائرة السوء والثاني من سورة الفتح عليهم دائرة السوء بضم السين فيهما فتعين للباقين القراءة بفتح السين في الموضعين واحترز بقوله مع ثان فتحها من ظن السوء الأول والثالث في الفتح فإنهما بفتح السين للسبعة، وكذلك أمطرت مطر السوء ونحوه، وقيد موضعي الخلاف في التيسير بدائرة السوء أي المختلف فيه المصاحبة لدائرة، ثم أخبر أن ورشا قرأ إلا أنها قربة لهم بتحريك الراء بالضم فتعين للباقين القراءة بإسكان الراء.
ومن تحتها المكّي يجرّ وزاد من ... صلاتك وحّد وافتح التّا شذا علا
ووحّد لهم في هود ترجئ همزه ... صفا نفر مع مرجئون وقد حلا
أراد وأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [التوبة: 89] الآية التي أولها وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ [التوبة: 100]، أخبر أن
(1/237)

المكي وهو ابن كثير قرأ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ بزيادة من قبلها أي قرأ مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ بزيادة حرف الجر أي كلمة من وجر التاء من تحتها فتعين للباقين أن يقرءوا تحتها بترك زيادة من ونصب التاء في تحتها ثم أمر بالتوحيد في صلواتك للمشار إليهم بالشين والعين في قوله: شذا علا وهم حمزة والكسائي وحفص قرءوا أن صلاتك سكن لهم بالتوحيد وفتح التاء كما نطق به ووحدوا أيضا بهود قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ [هود: 87] فتعين للباقين أن يقرءوا أصلواتك بواو الجمع فيهما وكسر التاء في براءة ولم يتعرض لحركة التاء في هود لأنها مرفوعة في القراءتين بخلاف ما تقدم ثم أخبر أن المشار إليهم بالصاد وبنفر في قوله صفا نفر وهم شعبة وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر قرءوا هنا وآخرون مرجئون بزيادة همزة مضمومة بعد الجيم وبالأحزاب ترجئ من تشاء بهمزة مضمومة مكان الياء فتعين للباقين القراءة بحذف همزة مضمومة في مرجئون وياء ساكنة مكان الهمزة في ترجى وما لم ينص في التقييد من الكلمتين فهو مفهوم من جهة العربية:
وعمّ بلا واو الّذين وضمّ في ... من أسّس مع كسر وبنيانه ولا
أخبر أن المشار إليهما بعم وهما نافع وابن عامر قرآ حكيم الذين اتخذوا مسجدا بغير واو قبل الذين وأمرك أن تقرأ لهما أسس في الكلمتين بضم الهمزة وكسر السين
(1/238)

المشددة
وأخبر أنهما قرآ بنيانه في الكلمتين أيضا بالرفع وعلم الرفع من بيت الإطلاق فتعين للباقين أن يقرءوا حَكِيمٌ [النور: 10]، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا [الزمر: 3] بإثبات الواو فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ [التوبة: 109] وأم من أسس بنيانه بفتح الهمز والسين الأولى في الكلمتين ونصب بنيانه في الكلمتين أيضا ولا خلاف في لمسجد أسس على التقوى أنه بضم الهمزة وكسر السين المشددة للسبعة وإنما الخلاف في أسس المصاحب لبنيانه والتقييد واقع بذلك:
وجرف سكون الضّمّ في صفو كامل ... تقطّع فتح الضّمّ في كامل علا
أخبر أن المشار إليهم بالفاء والصاد والكاف من قوله في صفو كامل وهم حمزة وشعبة وابن عامر قرءوا على شفا جرف بإسكان ضم الراء فتعين للباقين القراءة بضمها وأن المشار إليهم بالفاء والكاف والعين من قوله في كامل علا وهم حمزة وابن عامر وحفص قرءوا إلا أن تقطع بفتح ضم التاء فتعين للباقين القراءة بضمها.
يزيغ على فصل يرون مخاطب ... فشا ومعي فيها بياءين حمّلا
أخبر أن المشار إليهما بالعين والفاء في قوله على فصل وهما حفص وحمزة قرآ من بعد ما كاد يزيغ
(1/239)

بياء التذكير فتعين للباقين القراءة بتاء التأنيث وأن المشار إليه بالفاء من فشا وهو حمزة قرأ أو لا ترون أنهم يفتنون بتاء الخطاب فتعين للباقين القراءة بياء الغيب ثم أخبر أن فيها ياءي إضافة: معي أبدا. ومعي عدوا:

سورة يونس
وإضجاع را كلّ الفواتح ذكره ... حمى غير حفص طاويا صحبة ولا
وكم صحبة يا كاف والخلف ياسر ... وهاصف رضى حلوا وتحت جنى حلا
شفا صادقا حم مختار صحبة ... وبصر وهم أدرى وبالخلف مثّلا
(1/240)

أشار إلى أبي عمرو وابن عامر والكوفيين بالذال والحاء في قوله ذكره حمى واستثنى منهم حفصا، أخبر أن أبا عمرو وابن عامر والكوفيين إلا حفصا مالوا أراد كل الفواتح إمالة محضة في جميع القرآن من الر في يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر. والفواتح مع فاتحة وفاتحة الشيء أوله. وقوله طاويا صحبة ولا، أخبر أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة أمالوا الطاء من طه وطاء طسم في أول الشعراء والنمل والقصص والياء في أول يس إمالة محضة وأتى بلفظ را مقصورا حكاية للفظ القرآن وكذا فعل في طاويا. ثم قال وكم صحبة يا كاف، أخبر أن المشار إليهم بالكاف وبصحبة من قوله وكم صحبة وهم ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة أمالوا الياء من كهيعص [مريم: 1] إمالة محضة وعبر عن السورة بقوله يا كاف لأن الكاف أول حروفها ثم قال والخلف ياسر أخبر أن
المشار إليه بالياء من ياسر وهو السوسي أمال الياء من كهيعص إمالة محضة بخلاف عنه أي له الفتح والإمالة. والياسر في اللغة: هو اللاعب بقداح الميسر ثم قال وهاصف رضا حلوا، أخبر أن المشار إليهم بالصاد والراء والحاء في قوله صف رضا حلوا وهم شعبة والكسائي وأبو عمرو أمالوا الهاء من كهيعص إمالة محضة ثم قال وتحت، أخبر أن المشار إليهم بالجيم والحاء والشين والصاد في قوله جنى حلا شفا صادقا وهم ورش وأبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة أمالوا الهاء من طه إمالة محضة وهي المشار إليها بتحت أي تحت كهيعص ثم قال حم مختار صحبة، أخبر أن المشار إليهم بالميم من مختار وبصحبة وهم ابن ذكوان وحمزة والكسائي وشعبة أمالوا الحاء من حم في السور السبعة إمالة محضة. ثم قال وبصر وهم أدرى يعني أن أبا عمرو وحمزة والكسائي وشعبة وابن ذكوان أمالوا لفظ أدرى حيث وقع وكيف أتى إمالة محضة نحو أدراكم وأدراك. ثم قال: وبالخلف مثلا أخبر أن المشار إليه بالميم من مثلا وهو ابن ذكوان عنه خلاف في إمالة أدرى أي عنه ثلاث طرق الفتح في كل ما في القرآن وإمالة كل ما في القرآن وإمالة الذي في يونس لا غير وفتح باقي ما في القرآن وتعين لمن لم يذكره في التراجم القراءة بالفتح في جميع ما تقدم:
(1/241)

وذو الرّا لورش بين بين ونافع ... لدى مريم ها يا وحا جيده حلا
أخبر أن ورشا قرأ في الراء بين بين يعني الرا والمرا وأدرى حيث وقع وليس لورش ما يميله إمالة محضة إلا الهاء من طه وما عدا ذلك إنما يميله بين اللفظين. قوله: ونافع لدى مريم أخبر أن نافعا قرأ في سورة مريم بإمالة الهاء والياء بين اللفظين وأن المشار إليهما بالجيم والحاء من قوله: جيده حلا وهما ورش وأبو عمرو أمالا الحاء من حم في السور السبعة بين اللفظين فتعين لمن لم يذكره في هذه التراجم القراءة بالفتح في جميع ما ذكر:
نفصّل يا حقّ علا ساحر ظبى ... وحيث ضياء وافق الهمز قنبلا
أخبر أن المشار إليهم بحق وبالعين من علا وهم ابن كثير وأبو عمرو وحفص قرءوا ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ [يونس: 5]، يُفَصِّلُ الْآياتِ [يونس: 5] بالياء فتعين للباقين القراءة بالنون وأن المشار إليهم بالظاء من ظبا وهم الكوفيون وابن كثير قرءوا قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ [الأنبياء: 48]، بإثبات الألف بعد السين وكسر الحاء كما نطق به وقرأ الباقون لَسِحْرٌ [يونس: 76] بكسر السين وإسكان الحاء من غير ألف وقرأ قنبل ضياء بهمزة مفتوحة بعد الضاد حيث جاء وقرأ الباقون بياء مفتوحة مكان الهمزة وهو ثلاث مواضع وهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً [يونس: 5]، هنا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ [الأنبياء: 48]، وَضِياءً [الأنبياء: 48]، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ [القصص: 71].
وفي قضي الفتحان مع ألف هنا ... وقل أجل المرفوع بالنّصب كمّلا
أخبر أن المشار إليه بالكاف من كملا وهو ابن عامر قرأ لقضى إليهم بفتح القاف والضاد وألف بعدها أجلهم بنصب اللام فتعين للباقين القراءة بضم القاف وكسر الضاد وياء مفتوحة بعدها كما لفظ به ورفع اللام في أجلهم.
وقصر ولا هاد بخلف زكا ... وفي القيامة لا الأولى وبالحال أوّلا
أخبر أن المشار إليه بالهاء من هاد وهو البزي قرأ ولا أدراكم به هنا وفي أول سورة القيامة
(1/242)

لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [القيامة: 1] بغير ألف فيهما بعد اللام بخلاف عنه يعني بإثبات الألف وحذفها فيهما وأن المشار إليه بالزاي من زكا وهو قنبل قرأ بالقصر بلا خلاف أي بغير ألف في الموضعين فتعين للباقين القراءة بإثبات الألف فيهما ولا خلاف في وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة: 2]، أنه بإثبات الألف فهذا معنى قوله لا الأولى أي وقصر لا الواردة في سورة القيامة أولا وقوله وبالحال أولا تقييد للقصر في لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [القيامة: 1]، يعني أن لام الابتداء دخلت على مبتدأ محذوف وأخبر عنه بفعل الحال أي لأنا أقسم.
وخاطب عمّا يشركون هنا شذا ... وفي الرّوم والحرفين في النّحل أوّلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شذا وهما حمزة والكسائي قرآ هنا عما يشركون وما كان الناس وفي الروم سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: 18]، ظَهَرَ الْفَسادُ [الروم: 41]، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [النحل: 1]، يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ [النحل: 2]، و (فيها خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون) [النحل: 3] بتاء الخطاب في الأربع كلمات فتعين للباقين القراءة بياء الغيب فيهن وقوله: أولا ليس برمز وإنما يعني الحرفين الواقعين في أول سورة النحل احترازا من غيرهما فيها.
يسيّركم قل فيه ينشركم كفى ... متاع سوى حفص برفع تحمّلا
أخبر أن المشار إليه بالكاف من كفى وهو ابن عامر قرأ هو الذي ينشركم في قراءة الباقين يسيركم على ما نطق به في القراءتين أي قرأ ابن عامر وهو الذي ينشركم بفتح الياء وبعدها نون ساكنة وشين معجمة مضمومة من النشر وقرأ الباقون بضم الياء وبعدها سين مهملة مفتوحة وياء مكسورة مشددة من التيسير وقرأ السبعة إلا حفصا مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا [القصص: 61] برفع العين فتعين لحفص القراءة بنصبها وقوله تحملا يعني أن غير حفص تحمل الرفع ونقله.
وإسكان قطعا دون ريب وروده ... وفي باء تبلو التّاء شاع تنزّلا
أخبر أن المشار إليهما بالدال والراء في قوله دون ريب وهما ابن كثير والكسائي قرآ
قطعا
(1/243)

من الليل بسكون الطاء فتعين للباقين القراءة بفتحها وأن المشار إليهما بالشين من شاع وهما حمزة والكسائي قرآ هنالك تتلوا بتاء مثناة فوق في مكان الباء الموحدة تحت في قراءة الباقين أي قرأ حمزة والكسائي تتلوا بتاءين والباقون بالتاء والباء.
ويا لا يهدّي اكسر صفيّا وهاه نل ... وأخفى بنو حمد وخفّف شلشلا
أمر بكسر الياء في أمن لا يهدي للمشار إليه بالصاد من صفيا وهو شعبة وبكسر هائه للمشار إليه بالنون في قوله: قل وهو عاصم فتعين لغير شعبة فتح الياء ولغير عاصم فتح الهاء، ثم أخبر أن المشار إليهما بالباء والحاء في قوله بنو حمد وهما قالون وأبو عمرو أخفيا يعني حركة هائه فتعين لغيرهما إتمام الحركة وأن المشار إليهما بالشين من شلشلا وهما حمزة والكسائي خففا داله ومن جملة التخفيف إسكان الهاء لهما فتعين لغيرهما تشديد الدال فصار شعبة يقرأ أمن لا يهدي بكسر الياء وتشديد الدال وحفص بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال وورش وابن كثير وابن عامر بفتح الياء والهاء وتشديد الدال وكذلك قالون وأبو عمرو إلا أنهما اختلسا فتحة الهاء وحمزة والكسائي بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال وذكر في التيسير لقالون وجهين اختلاس الهاء كما هنا وإسكان الهاء وجعله النص ولم يذكره الناظم رحمه الله لأنه جمع بين ساكنين على غير حدهما.
ولكن خفيف وارفع النّاس عنهما ... وخاطب فيها يجمعون له مّلا
قوله عنهما أي عن المشار إليهما بالشين من شلشلا في البيت السابق وهما حمزة والكسائي قرآ ولكن الناس أنفسهم بتخفيف النون وكسرها في الوصل ورفع الناس فتعين للباقين القراءة بفتح النون وتشديدها ونصب الناس، ثم أخبر أن المشار إليهما باللام والميم في قوله له ملا، وهما هشام وابن ذكوان رويا القراءة عن ابن عامر أي قرآ هو خير مما تجمعون بتاء الخطاب فتعين للباقين القراءة بياء الغيب.
(1/244)



الكتاب: سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي (وهو شرح منظومة حرز الأماني ووجه التهاني للشاطبي)
المؤلف: أبو القاسم (أو أبو البقاء) علي بن عثمان بن محمد بن أحمد بن الحسن المعروف بابن القاصح العذري البغدادي ثم المصري الشافعي المقرئ (المتوفى: 801هـ)
راجعه شيخ المقارئ المصرية: علي الضباع
الناشر: مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر
الطبعة: الثالثة، 1373 هـ - 1954 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] ويعزب كسر الضّمّ مع سبأ رسا ... وأصغر فارفعه وأكبر فيصلا
أخبر أن المشار إليه بالراء من رسا وهو الكسائي قرأ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ [يونس:
61] هنا لا يَعْزُبُ عَنْهُ [سبأ: 3] بكسر ضم الزاي فتعين للباقين القراءة بإبقاء ضم الزاي فيهما ثم أمر برفع الراء في قوله ولا أصغر من ذلك ولا أكبر للمشار إليه بالفاء من فيصلا وهما حمزة فتعين للباقين القراءة بنصب الراء فيهما ولا خلاف بين السبعة في الرفع في سورة سبأ.
مع المدّ قطع السّحر حكم تبوّءا ... بيا وقف حفص لم يصحّ فيحملا
أخبر أن المشار إليه بالحاء من حكم وهو أبو عمرو وقرأ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ [يونس: 81] بقطع الهمزة مع المد يعني بمد همزة الوصل الواقعة بعد همزة القطع وظاهر كلام
الناظم أن أبا عمرو قطع همزة السحر وليس كذلك قل زاد همزة الاستفهام قبل همزة الوصل فتعين للباقين القراءة بقصر همزة الوصل وبترك زيادة همزة الاستفهام فهي عند أبي عمرو من باب آلذكرين فيجري على أصله في المد المنفصل ومد الحجز والأنف وقد تقدم في شرح قوله:
وإن همزة وصل بين لام مسكّن ... وهمزة الاستفهام فامدده مبدلا
أن له البدل والتسهيل في هذه الكلمة مثل آلذكرين، ثم أخبر أن حفصا روى عنه في الوقف على قوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا [يونس: 87] بياء مفتوحة مكان الهمزة فيصير اللفظ تبويا كتمشيا لكن
(1/245)

ما صح هذا النقل من طريق الناظم وقوله فيحملا أي فيحمل عنه وينقل فلا يقرأ لحفص من طريق القصيد إلا بتحقيق الهمزة في الحالين كالباقين إلا حمزة فإنه بغير الهمز في الوقف على أصله.
وتتّبعان النّون خفّ مدا وما ... ج بالفتح والإسكان قبل مثقّلا
أخبر أن المشار إليه بالميم من مدا وهو ابن ذكوان قرأ فاستقيما ولا تتبعان بتخفيف النون فتعين للباقين القراءة بتشديدها واتفقوا على تشديد التاء الثانية وكسر الباء الموحدة ثم أخبر أن فيه عن ابن ذكوان وجها آخر وهو ولا تتبعان بالفتح يعني في الباء الموحدة والإسكان قبل يعني في التاء الثانية لكون الأولى لا يتصور فيها الإسكان ومثقلا يعني مشدد النون، وأخبر أن ماج هذا الوجه أي اضطرب وهو من
(1/246)

زيادات القصيد لأن الداني لم يذكر في التيسير عن ابن ذكوان سوى الأول وأكد منع غيره بقوله لا خلاف في تشديد التاء.
وفي أنّه اكسر شافيا وبنونه ... ونجعل صف والخفّ ننج رضى علا
وذاك هو الثّاني ونفسي ياؤها ... وربّي مع أجري وإنّي ولي حلا
أمر بكسر الهمزة للمشار إليهما بالشين من شافيا وهما حمزة والكسائي قرآ قال آمنت أنه بكسر همزة إنه فتعين للباقين القراءة بفتحها ثم أخبر أن المشار إليه بالصاد من صف وهو شعبة قرأ ونجعل الرجس بالنون فتعين للباقين القراءة بالياء وأن المشار إليهما بالراء والعين في قوله: رضا علا وهما الكسائي وحفص قرآ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس: 103] بتخفيف الجيم فتعين للباقين القراءة بتشديدها والوقف عليه بغير ياء
(1/247)

للجميع كما رسم في المصحف وإليه أشار بقوله: وذاك هو الثاني ولا خلاف في تشديد ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا [يونس: 103] وهو الأول ثم أخبر أن فيها خمس ياءات إضافة نفسي إن أتبع (وربي إنه لحق أن أجري إلا) [يونس: 15]، إِنِّي أَخافُ [يونس: 15] وما يكون لي أن أبدله:

سورة هود عليه السلام
وإنّي لكم بالفتح حقّ رواته ... وبادئ بعد الدّال بالهمز حلّلا
أخبر أن المشار إليهم بقوله حق وبالراء في رواته وهو ابن كثير وأبو عمرو والكسائي قرءوا إني لك نذير بفتح الهمزة فتعين للباقين القراءة بكسرها وأن المشار إليه بالحاء من حللا وهو أبو عمرو قرأ بادي الرأي بهمزة مفتوحة بعد الدال فتعين للباقين القراءة بياء مفتوحة بعد الدال على ما يقتضيه التخفيف وعلم أن ضد الهمز الياء من رسمها.
(1/248)

ومن كلّ نوّن مع قد أفلح عالما ... فعمّيت اضممه وثقّل شذا علا
أمر بتنوين كل للمشار إليه بالعين من عالما وهو حفص قرأ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود: 40]، هنا وفَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ [المؤمنون: 27]، في قد أفلح بالتنوين فتعين للباقين القراءة بترك التنوين فيهما ثم أمر بضم العين وتشديد الميم في قوله تعالى: فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ [هود: 80]، للمشار إليهم بالشين والعين في قوله: شذا علا وهم حمزة والكسائي وحفص يعني في هذه السورة خاصة فتعين للباقين القراءة بفتح العين وتخفيف الميم ولا خلاف في تخفيف قوله تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ [القصص:
66].
وفي ضمّ مجراها سواهم وفتح يا ... بنيّ هنا نص وفي الكلّ عوّلا
وآخر لقمان يواليه أحمد ... وسكّنه زاك وشيخه الأوّلا
قوله: سواهم أي سوى حمزة والكسائي وحفص المشار إليهم بكذا علا في البيت السابق يعني أن نافعا وابن كثير وأبا عمرو وابن عامر وشعبة قرءوا بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها [هود: 41] بضم الميم وأن حمزة والكسائي وحفصا قرءوا بفتحها وأن المشار إليه بالنون في قوله نص وهو عاصم قرأ هنا وكان في معزل يا بُنَيَّ ارْكَبْ [هود: 42] بفتح الياء وأن المشار إليه بالعين من عولا وهو حفص قرأ يا بني بفتح الياء في كل ما جاء منه في القرآن مضموم الأول ووافقه أحمد البزي على فتح ياء آخر لقمان وهو يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان: 17] وأن المشار إليه بالزاي من زاك وهو قنبل قرأ في الأخير من لقمان بياء ساكنة وأن شيخ قنبل وهو ابن كثير قرأ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ [لقمان: 13] بياء ساكنة وهو الأول من لقمان والمراد بالمضموم الأول المضموم الياء وهو يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا [هود:]، ويا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ [يوسف: 5]، ويا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ [لقمان: 13]، ويا بُنَيَّ إِنَّها [لقمان: 16]، ويا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان: 17]، ويا بُنَيَّ إِنِّي أَرى [الصافات: 102]، وقرأ الباقون بكسر الياء في يا بني فذلك ستة مواضع ولا خلاف في المفتوح الأول نحو يا بني لا تدخلوا ويا بني اذْهَبُوا [يوسف: 87] أنه بفتح الياء.
وفي عمل فتح ورفع ونوّنوا ... وغير ارفعوا إلّا الكسائيّ ذا الملا
يعني أن القراء كلهم إلا الكسائي قرءوا إنه عمل بفتح الميم ورفع اللام وتنوينها غير صالح برفع الراء فتعين للكسائي القراءة بكسر الميم وفتح اللام من غير تنوين ونصب الراء.
(1/249)

وتسألن خفّ الكهف ظلّ حمى و ... هاهنا غصنه وافتح هنا نونه دلا
أخبر أن المشار إليهم بالظاء والحاء في قوله: ظل حمى وهم الكوفيون وابن كثير وأبو عمرو قرءوا بالكهف فلا تسألني عن شيء بإسكان اللام وتخفيف النون وأن المشار إليهم بالغين من غصنه وهم الكوفيون وأبو عمرو قرءوا فلا تسألن ما ليس بسكون اللام وتخفيف النون فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بفتح اللام وتشديد النون ثم أمر بفتح النون تسألن هنا أي بهود للمشار إليه بالدال من دلا وهو ابن كثير فتعين للباقين القراءة بكسر النون وقد تقدم الكلام على الياء في باب الزوائد.
توضيح: نافع وهشام يقرءان بالكهف بفتح اللام وتشديد النون وكسرها وإثبات الياء بعدها في الحالين وابن ذكوان كذلك في وجه عنه ووجه ثان بفتح اللام وتشديد النون وسكونها في الوقف وكسرها في الوصل من غير ياء والباقون بإسكان اللام وتخفيف النون وكسرها وإثبات الياء بعدها في الحالين وقرأ ابن عامر وقالون في هود بفتح اللام وتشديد النون وسكونها في الوقف وكسرها في الوصل من غير ياء وورش كذلك إلا أنه أثبت الياء في الوصل خاصة وابن كثير بفتح اللام وتشديد النون وسكونها في الوقف وفتحها في الوصل وأبو عمرو بإسكان اللام وتخفيف النون وإسكانها في الوقف وكسرها في الوصل وإثبات الياء بعدها والكوفيون
بسكون اللام وتخفيف النون وسكونها في الوقف وكسرها في الوصل من غير ياء فتأمل ذلك.
ويومئذ مع سال فافتح أتى رضا ... وفي النمل حصن قبله النّون ثمّلا
أمر بفتح الميم في قوله تعالى: ومِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ومِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ في المعارج للمشار إليهما بالهمزة والراء في قوله أتى رضا وهما نافع والكسائي ثم أخبر أن المشار إليهم بحصن وهم الكوفيون ونافع قرءوا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ [النمل: 89] بفتح الميم فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بكسر الميم على أصله وهو على الحقيقة الخفض في المواضع الثلاثة ثم أخبر أن المشار إليهم بالثاء في قوله ثملا وهم الكوفيون قرءوا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ [النمل: 89] بالنون يعني بتنوين العين فتعين للباقين القراءة بترك التنوين وأشار بقوله قبله
(1/250)

النون إلى فزع لأنه قبل يومئذ في التلاوة فصار نافع يقرأ فزع يومئذ بترك التنوين وفتح الميم والكوفيون بالتنوين وفتح الميم والباقون بخفض الميم وترك التنوين فتلك ثلاث قراءات وفي غير النمل قراءتان ومعنى ثملا: أي أصلح.
ثمود مع الفرقان والعنكبوت لم ... ينوّن على فصل وفي النّجم فصّلا
نما لثمود نوّنوا واخفضوا رضى ... ويعقوب نصب الرّفع عن فاضل كلا
أخبر أن المشار إليهما بالعين والفاء في قوله: على فصل وهما حفص وحمزة قرآ هنا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ [هود: 68]، وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ [الفرقان:
38]، وَعاداً وَثَمُودَ [العنكبوت: 38]، وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ [العنكبوت: 38]، بترك التنوين ثم أخبر أن المشار إليهما بالفاء والنون في قوله فصلا نما وهما حمزة وعاصم قرآ بالنجم وثمود فما أبقى بترك التنوين فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بالتنوين فيهن ثم أمر بخفض الدال وتنوينها في قوله تعالى: أَلا بُعْداً لِثَمُودَ [هود: 68] للمشار إليه بالراء من رضا وهو الكسائي فتعين للباقين القراءة بفتح الدال من غير تنوين، ثم أخبر أن المشار إليهم بالعين والفاء والكاف في قوله عن فاضل كلا وهم حفص وحمزة وابن عامر قرءوا وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [ص: 45] بنصب رفع الباء فتعين للباقين القراءة برفع الباء.
هنا قال سلم كسره وسكونه ... وقصر وفوق الطّور شاع تنزّلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شاع وهما حمزة والكسائي قرآ هنا قال سلام فما لبث وفوق الطور يعني في قال سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات: 25] بكسر السين وسكون اللام والقصر أي بغير ألف كلفظة فتعين للباقين القراءة بفتح السين واللام وبألف فيهما والخلاف هنا وبالذاريات واقع في سلام المصاحب لقال فهو قيد أخرج به قالوا سلاما.
وفأسر أن أسر الوصل أصل دنا وها ... هنا حقّ إلا امرأتك ارفع وأبدلا
أخبر أن المشار إليهما بالهمزة والدال في قوله أصل دنا وهما نافع وابن كثير قرآ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [هود: 81]، ولا يلتفت هنا فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ [الحجر: 65]، وفَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا [الدخان: 23]، وأَنْ أَسْرِ بِعِبادِي [طه:
77]، وأَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشعراء: 52] بوصل همزة الخمسة
(1/251)

وكسر نون الأخيرين في الوصل والابتداء بكسر الهمزتين وتعين للباقين القراءة بقطع الهمزة وفتحها في الكل وإسكان نون الأخيرين إلا حمزة في نقله ثم أمر برفع التاء هنا في إلا امرأتك للمشار إليهما بحق وهما ابن كثير وأبو عمرو فتعين للباقين القراءة بنصب التاء واحترز بقوله هنا من الذي بالعنكبوت إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك فإنه بنصب التاء بلا خلاف وقوله إلا امرأتك أبدل فيه الهمزة ألفا ليتزن له النظم ولزم من هذه العبارة في هذه إيهام وذلك أنه قال ارفع وأبدلا فيظن أنه أراد ما لفظ به بإبدال الهمزة ألفا وإنما أراد الإبدال من جهة الإعراب فأشار بقوله وأبدلا إلى وجه الرفع يعني أن التاء مرفوع على البدل من أحد ووجه قراءة النصب أن التاء منصوبة على الاستثناء محل فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ، ويجوز في قوله وأبدلا ضم الهمزة والأشهر فتحها.
وفي سعدوا فاضمم صحابا وسل به ... وخفّ وإن كلا إلى صفوه دلا
وفيها وفي ياسين والطّارق العلى ... يشدّد لمّا كامل نصّ فاعتلا
وفي زخرف في نصّ لسن بخلفه ... ويرجع فيه الضّمّ والفتح إذ علا
أمر بضم السين في قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا [هود: 108] للمشار إليهم بصحاب وهم حمزة والكسائي وحفص فتعين للباقين القراءة بفتحها ثم قال: وسل به بالضم أي ابحث عنه ثم أخبر أن المشار إليهم بالهمزة والصاد والدال في قوله إلى صفوه دلا وهم نافع وشعبة وابن كثير قرءوا وإن كلا بتخفيف النون وإسكانها فتعين للباقين القراءة بتشديدها وفتحها ثم أخبر أن المشار إليهم بالكاف والنون والفاء في قوله: كامل نص فاعتلا وهم ابن عامر وعاصم وحمزة قرءوا فيها يعني في هذه السورة وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ [هود: 111]، وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [يس: 32]، لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ [الطارق: 4] بتشديد الميم وأن المشار إليهم بالفاء والنون واللام في قوله في نص لسن وهم حمزة وعاصم وهشام قرءوا لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [الزخرف: 35] بتشديد الميم ثم قال بخلفه أي بخلف عن هشام فصار له وجهان: التشديد والتخفيف فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بتخفيف الميم وإذا جمعت بين إن وكلا لما تأتي في ذلك أربع قراءات تخفيف النون والميم لنافع وابن كثير وتشديدهما لابن عامر وحفص
(1/252)

وحمزة وتخفيف إن وتشديد لما لشعبة وتشديد إن وتخفيف لما لأبي عمرو والكسائي ثم أخبر أن المشار إليهما بالهمزة والعين في قوله إذ علا وهما
نافع وحفص قرآ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: 123] بضم الياء وفتح الجيم فتعين للباقين القراءة بفتح الياء وكسر الجيم وقوله في نص لسن، أي في نص قوم فصحاء يقال قوم لسن: أي فصحاء.
وخاطب عمّا يعملون هنا وآ ... خر النمل علما عمّ وارتاد منزلا
أخبر أن المشار إليهم بالعين وعم في قوله علما عم وهم حفص ونافع وابن عامر قرءوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود: 123]، في خاتمة هود وفي خاتمة النمل بتاء الخطاب فتعين للباقين القراءة بياء الغيب فيهما وارتاد معناه طلب، والمنزل: موضع الحلول.
ويا آتها عنّي وإنّي ثمانيا ... وضيفي ولكنّي ونصحي فاقبلا
شقاقي وتوفيقي ورهطي عدّها ... ومع فطرن أجري معا تحص مكملا
أخبر أن فيها ثمانية عشر ياء إضافة عني إنه لفرح، ثم قال: وإني ثمانيا يريد فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود: 3]، وإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [الزخرف: 27]، وإِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ [هود: 31]، وإِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ
الْجاهِلِينَ، [هود: 11]، وإِنِّي أَعُوذُ بِكَ [هود: 47]، وإِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ [هود:
51]، وإِنِّي أَراكُمْ [هود: 84]، وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ [هود: 84] فهذه الثمانية المشار إليها بقوله: وإني ثمانيا وضيفي أليس منكم وَلكِنِّي أَراكُمْ [هود:
29]، ونُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ [هود: 51]، وشِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ [هود: 89]، وما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ [هود: 88]، وأَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ [هود: 92]، وفَطَرَنِي [هود: 51]، أَفَلا تَعْقِلُونَ [هود: 51]، وإِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [هود: 51]، وإِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي [هود: 51]، وإليهما أشار بقوله معا فهذه ثمانية عشر ياء إضافة، وقوله: تحص مكملا أي تحصي الجميع فتكمل.
(1/253)

سورة يوسف عليه السلام
ويا أبت افتح حيث جا لابن عامر ... ووحّد للمكّي آيات الولا
أمر بفتح التاء من يا أبت حيث جاء في القرآن لابن عامر فتعين للباقين القراءة بكسرها وهي ثمانية يا أَبَتِ إِنِّي [يوسف: 4]، ويا أَبَتِ [يوسف: 4]، ويا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ [مريم: 42]، ويا أَبَتِ إِنِّي قَدْ [مريم: 43]، ويا أَبَتِ لا [مريم: 44]، ويا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ [مريم: 45]، ويا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص: 26]، ويا أَبَتِ افْعَلْ [الصافات: 102]، ثم أخبر أن المكي وهو ابن كثير قرأ آية للسائلين بغير ألف على التوحيد فتعين للباقين أن يقرءوا آيات بالألف على الجمع ونبه بالولا على أن المختلف فيه تابع يا أبت لأن الولا بكسر الواو المتابعة ولا خلاف في قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ في أواخر السورة أنه بالتوحيد.
غيابات في الحرفين بالجمع نافع ... وتأمننا للكلّ يخفى مفصّلا
وأدغم مع إشمامه البعض عنهم ... ونرتع ونلعب ياء حصن تطوّلا
ويرتع سكون الكسر في العين ذو حمّى ... وبشراي حذف الياء ثبت وميّلا
شفاء وقلّل جهبذا وكلاهما ... عن ابن العلا والفتح عنه تفضّلا
أخبر أن نافعا قرأ (وألقوه في غيابات الجب) [يوسف: 10]، وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب بألف على جمع السلامة فتعين للباقين أن يقرءوا غيابة في الموضعين بحذف الألف على التوحيد ثم أخبر أن كل القراء يعني السبعة قرءوا مالك لا تأمننا بإخفاء حركة النون الأولى أي بإظهار النون واختلاس حركتها ثم قال مفصلا يعني أن الإخفاء يفصل إحدى النونين عن الأخرى بخلاف الإدغام ثم أخبر أن بعض أهل الأداء كابن مجاهد أدغم النون الأولى في الثانية مع إشمام الضم عنهم أي عن السبعة وهذا
(1/254)

الوجه ليس في التيسير
وهذا الإشمام كالإشمام السابق في الوقف وهو ضم الشفتين من غير إحداث شيء في النون وفي كلام لناظم إشارة إلى وجه ثالث وهو الإدغام الصريح بدون إشمام لأنه لما قال وأدغم مع إشمامه البعض عنهم دل على أن البعض الآخر أدغم من غير إشمام فهذه ثلاثة أوجه قرأنا بها لكل واحد من السبعة وهذا الوجه الثالث ليس في التيسير أيضا ونص ابن جبارة على الأوجه الثلاثة ثم أخبر أن المشار إليهم بحصن وهم الكوفيون ونافع قرءوا أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ [يوسف: 12] بالياء في الكلمتين فتعين للباقين القراءة بالنون فيهما ثم أخبر أن المشار إليهم بالذال والحاء في قوله ذو حمى وهم الكوفيون وابن عامر وأبو عمرو قرءوا بسكون كسر العين فتعين للباقين القراءة بكسر العين وقد تقدم في باب الزوائد أن قنبلا يزيد فيهما ياء في الحالين بخلاف عنه فصار نافع يقرأ يرتع ويلعب بالياء فيهما وكسر العين من يرتع والكوفيون بالياء فيهما وسكون العين وأبو عمرو وابن عامر نرتع ونلعب بالنون فيهما وسكون العين والبزي بالنون فيهما وكسر العين وقنبل عنه وجهان بالنون فيهما وكسر العين كالبزي ونرتعي ونلعب بالنون فيهما وإشباع كسر العين فيصير بعدها ياء زائدة فذلك خمس قراءات ولا خلاف في يلعب أنه بفتح العين ثم أخبر أن المشار إليهم بالثاء في قوله: ثبت وهم الكوفيون قرءوا يا بشراي هذا غلام بحذف الياء الأخيرة
(1/255)

فتعين للباقين القراءة بإثباتها مفتوحة في الوصل ساكنة في الوقف وعلم فتحها في
الوصل من لفظه ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي قرآ يا بشرى بإمالة الألف وأن المشار إليه بالجيم من جهبذا وهو ورش قلل الألف أي أمالها بين بين ثم قال وكلاهما أي الإمالة والتقليل رويا عن أبي عمرو بن العلاء ثم قال والفتح عنه أي روي عن أبي عمرو الفتح أيضا وهو الأشهر عنه وليس في التيسير غيره فصار لأبي عمرو ثلاثة أوجه، وتعين للباقين القراءة بالفتح وقوله ثبت أي ثابت يقال رجل ثبت أي ثابت القلب. والجهبذ: الناقد الحاذق.
وهيت بكسر أصل كفؤ وهمزه ... لسان وضمّ التّا لوا خلفه دلا
أخبر أن المشار إليهما بالهمزة والكاف من قوله أصل كفء وهما نافع وابن عامر قرآ هيت لك بكسر الهاء فتعين للباقين القراءة بفتحها ثم قال وهمزة لسان أي لغة أخبر أن المشار إليه باللام من لسان وهو هشام قرأ هئت لك بهمزة ساكنة فتعين للباقين القراءة بياء ساكنة مكان الهمزة، ثم أخبر أن المشار إليه باللام من لوى وهو هشام قرأ هيت بضم التاء بخلاف عنه أي بضمها وفتحها وأن المشار إليه بالدال من دلا وهو ابن كثير ضم التاء بلا خلاف فتعين للباقين القراءة بفتحها فصار نافع وابن ذكوان يقرءان هيت بالياء وكسر الهاء وفتح التاء وابن كثير بالياء وفتح الهاء
(1/256)

وضم التاء وهشام في وجه بالهمزة وكسر الهاء وضم التاء، وفي وجه آخر بالهمزة أيضا وكسر الهاء وفتح التاء والباقون بالياء وفتح الهاء والتاء فذلك خمس قراءات.
وفي كاف فتح اللام في مخلصا ثوى ... وفي المخلصين الكلّ حصن تجمّلا
أخبر أن المشار إليهم بالثاء من ثوى وهم الكوفيون قرءوا في سورة مريم المشار إليهما بكاف أنه كان مخلصا بفتح اللام وأن المشار إليهم بحصن وهم الكوفيون ونافع قرءوا بفتح اللام في كل ما كان جمعا معرّفا بالألف واللام نحو إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:
24]، فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بكسر اللام وقيد مخلصا بمريم ولفظ بالمخلصين بالألف واللام فلا يرد عليه قوله تعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً [الزمر: 14]، ومُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [غافر: 65] فإنه متفق الكسر.
(1/257)

معا وصل حاشا حجّ دأبا لحفصهم ... فحرّك وخاطب يعصرون شمردلا
أخبر أن المشار إليه بالحاء من حج وهو أبو عمرو قرأ (قلن حاشا لله ما هذا بشرا) [يوسف: 31]، وقلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء ألف بعد الشين في الوصل كما نطق به فتعين للباقين القراءة بحذف الألف ولا خلاف في حذفها في الوقف وأراد بقوله معا أن لفظ حاشا جاء في موضعين من هذه السورة وأمر أن يقرأ لحفص سبع سنين دأبا بتحريك الهمزة أي بفتحها فتعين للباقين القراءة بإسكانها ثم أمر أن يقرأ وفيه تعصرون بتاء الخطاب للمشار إليهما بالشين من شمردلا وهما حمزة والكسائي فتعين للباقين القراءة بياء الغيب.
ونكتل بيا شاف وحيث يشاء نو ... ن دار وحفظا حافظا شاع عقّلا
(1/258)

أخبر أن المشار إليهما بالشين من شاف وهما حمزة والكسائي قرآ أخانا يكتل بالياء فتعين للباقين القراءة بالنون ثم أخبر أن المشار إليه بالدال من دار وهو ابن كثير قرأ يتبوأ منها حيث نشاء بالنون فتعين للباقين القراءة بالياء، وقيد يشاء بحيث فلا يرد عليه نصيب برحمتنا من نشاء فإنه بالنون بلا خلاف. ثم أخبر أن المشار إليهم بالشين والعين من شاع عقلا وهم حمزة والكسائي وحفص قرءوا فالله خير حافظا بكسر الفاء وألف قبلها وفي قراءة الباقين خير حفظا بكسر الحاء وإسكان الفاء وحذف الألف على ما لفظ به من القراءتين واستغنى بلفظي حفظا وحافظا عن القيد وعقلا: جمع عاقل.
وفتيته فتيانه عن شذا ورد ... بالأخبار في قالوا أئنّك دغفلا
أخبر أن المشار إليهم بالعين والشين في قوله عن شذا وهم حفص وحمزة والكسائي قرءوا وقال لفتيانه بألف ونون بين الياء والهاء في قراءة الباقين لفتيته بتاء مثناة فوق مكان النون من
(1/259)

غير ألف كلفظه لأنه استغنى بلفظي فتيته وفتيانه عن تقييدهما وحذف اللام من الثاني للوزن ومن الأولى لئلا يتوهم خلافها ثم قال ورد بالإخبار يعني أن المشار إليه بالدال من دغفلا وهو ابن كثير قرأ إنك لأنت يوسف بهمزة واحدة مكسورة على الإخبار فتعين للباقين القراءة بهمزتين على الاستفهام وهم على أصولهم من التحقيق والتسهيل والمدّ بين
الهمزتين وتركه ومعنى رد أي طلب من راد وارتاد إذا طلب الكلأ. والدغفل: العيش الواسع.
وييأس معا واستيأس استيأسوا وتي ... أسوا اقلب عن البزّي بخلف وأبدلا
قوله: وييأس معا يعني في موضعين أحدهما في هذه السورة إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف: 87]، والآخر أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: 31]، ثم ذكر الباقي وهو ثلاثة مواضع في هذه السورة حتى إذا استيأس الرسل فلما استيأسوا منه وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف: 87]، أمر بالقلب والإبدال في هذه الخمسة للبزي بخلاف عنه وقوله:
قلب أي اجعل الهمز ساكنا في موضع الياء والياء مفتوحا في موضع الهمز ثم أبدل من الهمز الساكن ألفا فتصير على هذا يايس واستأيس واستيأسوا ويايسوا هذا أحد الوجهين عن البزي والوجه الآخر عنه بياء ساكنة بعدها همزة مفتوحة من غير ألف كقراءة الباقين واختلفت هذه الكلمات في الرسم فرسم ييأس ولا تيأسوا بالألف، ورسم الباقي بغير ألف.
ويوحى إليهم كسر حاء جميعها ... ونون علا يوحى إليه شذا علا
أخبر أن المشار إليه بالعين من علا وهو حفص قرأ نوحي إليهم بالنون وكسر الحاء في جميع ما في القرآن وهو هنا وفي النحل وأول الأنبياء ثم أخبر أن المشار إليهم
بالشين والعين من شذا علا وهم حمزة والكسائي وحفص قرءوا إلا يوحى إليه وهو الثاني من الأنبياء بالنون وكسر الحاء فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بالياء وفتح الحاء فالتقييد في الترجمة الأولى واقع ليوحى إذا كان مصاحبا للفظ إليهم بالهاء والميم وفي الترجمة الثانية إذا كان أبعده إليه بالهاء وحدها كما نطق بهما في الترجمتين فخرج عنهما نحو يوحى إليك متفق الياء.
وثاني ننجي احذف وشدّد وحرّكا ... كذا نل وخفّف كذّبوا ثابتا تلا
(1/260)

أمر أن يقرأ ننجي من نشاء بحذف النون الثانية وتشديد الجيم وتحريك الياء أي بفتحها للمشار إليهما بالكاف والنون في قوله: كذا نل وهما ابن عامر وعاصم فيصير اللفظ به فنجي وتعين للباقين القراءة بإثبات النون الثانية ساكنة وتخفيف الجيم وإسكان الياء ثم أمر أن يقرأ وظنوا أنهم قد كذبوا بتخفيف الذال للمشار إليهم بالثاء في قوله ثابتا وهم الكوفيون فتعين للباقين القراءة بتشديد الذال.
وأني وإنّي الخمس ربي بأربع ... أراني معا نفسي ليحزنني حلا
وفي إخوتي حزني سبيلي بي ولي ... لعلّي آبائي أبي فاحش موحلا
أخبر أن فيهما اثنتين وعشرين ياء إضافة أني بفتح الهمزة واحدة وهي أني أوف الكيل
وإني بكسر الهمزة خمس وهي قال أحدهما إني أراني وقال الآخر إني وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ [يوسف: 43]، وإِنِّي أَنَا أَخُوكَ [يوسف: 69]، وإِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ [يوسف: 37]، ثم قال وربي بأربع أي في أربعة مواضع رَبِّي أَحْسَنَ [يوسف: 23]، ومِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف: 37]، وإِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [يوسف: 53]، [سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [يوسف: 98]، ثم قال أراني معا أي في موضعين هما أراني أعصر خمرا وأراني أحمل وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ [يوسف: 53]، ولَيَحْزُنُنِي أَنْ [يوسف: 13]، وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ [يوسف: 69]، وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف: 53]، وسَبِيلِي أَدْعُوا [يوسف: 108]، وقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ [يوسف: 100]، ويَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف: 80]، و (لعلي أرجع وآبائي) [يوسف: 46]، (إبراهيم وأبي)، أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: 80]، وقوله فاخش موحلا أي فاخش غلطا أي احذر الكلام في إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام. والموحل مصدر وحل الرجل بكسر الحاء إذا وقع في الوحل بفتح الحاء، وهو الطين الرقيق.

سورة الرعد
وزرع نخيل غير صنوان أوّلا ... لدى خفضها رفع على حقّه طلا
أخبر أن المشار إليهم بالعين ويحق في قوله علا حقه وهم حفص وابن كثير وأبو عمرو قرءوا وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ [الرعد: 4]، برفع خفض الكلمات الأربع فتعين للباقين القراءة بالخفض فيهن وقوله صنوان أولا احترز به من صنوان الثاني الواقع بعد غير فإنه مخفوض للكل بإضافة غير إليه، وطلا جمع طلية، وهي صفحة العنق.
وذكّر تسقى عاصم وابن عامر ... وقل بعده باليا يفضّل شلشلا
أي قرأ عاصم وابن عامر يسقى بماء بياء التذكير فتعين للباقين القراءة بتاء التأنيث وقوله وقل
(1/261)

بمعنى اقرأ أي للمشار إليهما بالشين من شلشلا وهما حمزة والكسائي ويفضل بعضها على بعض بالياء المثناة تحت فتعين للباقين القراءة بالنون وقوله بعده يعني أن يفضل واقع في التلاوة بعد يسقى:
وما كرّر استفهامه نحو آئذا ... أئنّا فذو استفهام الكلّ أوّلا
سوى نافع في النمل والشّام مخبر ... سوى النّازعات مع إذا وقعت ولا
ودون عناد عمّ في العنكبوت مخبرا ... وهو في الثّاني أتى راشدا ولا
سوى العنكبوت وهو في النّمل كن رضا ... وزاده نونا إنّنا عنهما اعتلا
وعمّ رضا في النّازعات وهم على ... أصولهم وامدد لوا حافظ بلا
يريد كل موضع تكرر فيه لفظ الاستفهام وهو أحد عشر موضعا أَإِذا كُنَّا عِظاماً [الإسراء: 49]، أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد: 5]، أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء: 49]، قُلْ كُونُوا حِجارَةً [الإسراء: 50]، أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء: 49]، أَوَلَمْ يَرَوْا موضعان بسبحان، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الصافات: 16]، أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ [النمل: 67]، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ [العنكبوت: 28]، أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ [العنكبوت: 29]، أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة: 10]، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الصافات: 16]، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:
53]، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الواقعة: 47]، أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ [النازعات: 11]، أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً [النازعات: 10]، فالجميع على لفظ أئذا أئنا على ما مثل به الناظم إلا بالعنكبوت والنازعات أما الذي بالعنكبوت فإنه بلفظ آخر متحد وهو أئنكم أئنكم، وأما الذي بالنازعات فلفظه على عكس ما لفظ به الناظم وهو أئنا أئذا فما أراد الناظم بقوله أئذا أئنا إلا اجتماع للفظين مع قطع النظر على الترتيب فلا يرد عليه الذي بالعنكبوت ولا الذي بالنازعات وقد اجتمع ثلاثة بالصافات أئفكا أئنا آئذا والداخل في هذا الباب الأخيران لأنه قد نص على أءنك أئفكا لهشام فيما تقدم وقوله في البيت أئذا لفظ به بالمد وأئنا لفظ به بالقصر لأجل الوزن ثم بين خلاف
القراء في الاستفهام المكرر فقال:
«فذو استفهام الكل أولا»، سوى نافع في النمل، أخبر أن القراء كلهم قرءوا الأول من الاستفهامين في جميع القرآن بهمزتين على الاستفهام إلا نافعا في أول النمل فإنه قرأه بهمزة واحدة مكسورة على الخبر وإلا ابن عامر الشامي فإنه قرأ الأول من الاستفهامين بهمزة واحدة مكسورة على الخبر في جميع القرآن إلا في أول النازعات وأول الواقعة فإنه استفهم بهما وإلا المشار إليهم بالدال والعين وبعم في قوله: ودون عناد عم وهم ابن كثير وحفص ونافع وابن عامر في أول العنكبوت فإنهم أخبروا به وإلى هنا كان كلامه في الأول من الاستفهامين ثم انتقل إلى الكلام في الثاني منهما فقال وهو يعني الإخبار في الثاني أي في الاستفهام الثاني أتى راشدا ولا يفتح الواو وأخبر أن المشار إليهما بالهمزة والراء في قوله أتى راشدا وهما نافع والكسائي قرآ بالأخبار في الثاني في الكل إلا ثاني العنكبوت فإنهما استفهما به ثم قال وهو يعني الإخبار بالنمل أخبر أن المشار إليهما بالكاف والراء في قوله كن رضا وهما ابن عامر والكسائي قرآ ثاني النمل بالأخبار ثم قال وزاداه نونا وزاد ابن عامر والكسائي الثاني من النمل نونا فقرءا أننا بنونين وقراءة الباقين بالاستفهام وبنون واحدة مشددة ثم أخبر أن المشار إليهم بعم وبالراء في قوله وعم رضا وهم نافع وابن عامر والكسائي قرءوا ثاني النازعات بالإخبار ثم أخبر أن القراء
(1/262)

كلهم على أصولهم في التحقيق والتسهيل لأنه اجتمع في
قراءاتهم بالاستفهام همزتان. ثم قال وامدد أمر بالمد بين الهمزتين للمشار إليهم باللام والحاء والباء في قوله لوى حافظ بلا، وهم هشام وأبو عمرو وقالون فتعين للباقين القراءة بترك المد، ومعنى بلا: اختبر. وتحرير هذا الباب أن نقول قرأ نافع والكسائي بالاستفهام في الأول والخبر في الثاني في جميع القرآن وخالف نافع أصله في موضعين في النمل والعنكبوت فأخبر فيهما في الأول واستفهم في الثاني وخالف الكسائي أصله في العنكبوت خاصة فاستفهم في الأول والثاني وقرأ ابن عامر بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني في جميع القرآن وخالف أصله في ثلاثة مواضع بالنمل والنازعات فاستفهم فيهما في الأول وأخبر في الثاني وزاد نونا على الخبر في النمل وخالف أصله أيضا بالواقعة وهو الموضع الثالث فاستفهم فيها في الأول والثاني وقرأ ابن كثير وحفص بالاستفهام في الأول والثاني في جميع القرآن وخالفا أصلهما في العنكبوت فأخبرا في الأول واستفهما في الثاني وقرأ أبو عمرو وحمزة وشعبة بالاستفهام في الأول والثاني في جميع القرآن فتمّ الاستفهام وخبره:
(1/263)

وهاد ووال قف وواق بيائه ... وباق دنا هل يستوي صحبة تلا
أمر بالوقف للمشار إليه بالدال من دنا وهو ابن كثير على هذه الألفاظ الأربعة بالياء في جميع القرآن وهو وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7]، مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ [الرعد: 11]، فَما لَهُ مِنْ هادٍ [غافر: 33]، وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ [الرعد: 34]، ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ [الرعد: 37]، وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل: 96]، مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ [الرعد: 34]، فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الرعد: 33]، فتعين للباقين الوقف بغير ياء ثم أخبر أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة قرءوا أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ [الرعد: 16] بياء التذكير فتعين للباقين القراءة بتاء التأنيث وقبل هذا قل هل يستوي الأعمى لا خلاف في تذكيره وأجمعوا على إظهار لام عند الموضعين:
وبعد صحاب يوقدون وضمّهم ... وصدّوا ثوى مع صدّ في الطّول وانجلا
أي وبعدها هل يستوي لفظ يوقدون أخبر أن المشار إليهم بصحاب وهم حمزة والكسائي وحفظ قرءوا ومما يوقدون بياء الغيب كما نطق به فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب وأن المشار إليهم بالثاء من ثوى وهم الكوفيون قرءوا وصدوا عن السبيل هنا وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ [غافر: 37] بضم الصاد فتعين للباقين القراءة بفتحها فيهما والضمير في وضمهم لأهل الأداء وهو يوهم أنه ضمير صحاب ثم قال:
ويثبت في تخفيفه حقّ ناصر ... وفي الكافر الكفّار بالجمع ذلّلا
أخبر أن المشار إليهم بحق وبالنون في قوله حق ناصر، وهم ابن كثير وأبو عمرو وعاصم قرءوا يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ [الرعد: 39]، ويثبت بإسكان الثاء وتخفيف الباء فتعين للباقين القراءة بفتح الثاء وتشديد الباء وأن المشار إليهم بالذال من ذللا وهم الكوفيون وابن
عامر قرءوا وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ [الرعد: 42] بضم الكاف وتقديم الفاء وفتحها على الجمع في قراءة الباقين وسيعلم الكافر بفتح الكاف وتأخير الفاء وكسرها على التوحيد على ما لفظ به في القراءتين:
(1/264)

سورة إبراهيم عليه السلام
وفي الخفض في الله الّذي الرّفع عمّ خا ... لق امدده واكسر وارفع القاف شلشلا
وفي النّور واخفض كلّ فيها والأرض ... هاهنا مصرخيّ اكسر لحمزة مجملا
كها وصل أو للسّاكنين وقطرب ... حكاها مع الفرّاء مع ولد العلا
أخبر أن المشار إليهما بقوله عم وهما نافع وابن عامر قرآ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سبأ: 60]، الله برفع خفض الهاء فتعين للباقين القراءة بخفضها. واعلم أن لام الله مرققة في الوصل لكل القراءة لكسر ما قبلها وأما إذا وقفت على ما قبلها وابتدأت بهمزة الوصل فإنها مفخمة للكل لفتح ما قبلها لأنك إذا وقفت على ما قبلها ثم ابتدأت بها أتيت بهمزة الوصل قبلها مفتوحة لأنها تفتح مع لام التعريف فيندرج تحت قوله: «كما فخموه بعد فتح وضمه»، وقوله: خالق امدده أراد في هذه السورة أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ [إبراهيم: 19]، وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [النور: 45]، أمر أن يقرأ للمشار إليهما بالشين من شلشلا وهما حمزة والكسائي بالمد يعني بالألف بعد الخاء وكسر اللام ورفع القاف من خالق في السورتين وبخفض اللام من كل دابة ويخفض الأرض فتعين للباقين القراءة بالقصر أي بترك الألف وفتح اللام والقاف
فيهما ونصب كل دابة والأرض ثم أمر أن يقرأ لحمزة وما أنتم بمصرخيّ بكسر الياء المشددة فتعين للباقين القراءة بفتحها وقوله: مجملا من قولهم أحسن فأجمل في قوله وفعله أي مجملا في تعليل قراءة حمزة غير طاعن فيها كما فعل من أنكر هذه القراءة من
(1/265)

النحاة وقال لا يجوز كسر ياء الإضافة وهي قراءة صحيحة ثابتة وقد ذكر لها وجهين من القياس العربي مع كونها لغة محكية وقوله: كها وصل أي كهاء وصل بياء أو واو وذلك أن هذه الياء فعل فيها كما فعل في هاء الضمير تكسر وتوصل بياء فيقال عليه وإليه بالياء بعد الهاء ويجوز حذف الصلة في عليه وإليه وكذلك هذه الياء كسرت ووصلت بياء ساكنة ثم حذفت الصلة فبقيت الياء مكسورة فهذا معنى قوله كها وصل ثم ذكر الوجه الآخر فقال أو للساكنين يعني أو كسرت لالتقاء الساكنين وذلك أن الياء الأولى ساكنة وهي ياء الجمع لما التقت بياء الإضافة وهي ساكنة كسرت ياء الإضافة لالتقاء الساكنين ثم حكى أن الفراء وقطربا وابن العلاء حكوا أنها لغة بني يربوع فالوجه في قراءة من قرأ بفتح الياء أنه أدغم ياء الجمع في ياء الإضافة وهي ساكنة ففتحها لالتقاء الساكنين وكان الفتح أولى بها لأنه أصلها.
وضمّ كفا حصن يضلّوا يضلّ عن ... وأفئدة باليا بخلف له ولا
أمر أن يقرأ للمشار إليهم بالكاف من كفا وبحصن وهم ابن عامر ونافع والكوفيون بضم
(1/266)

الياء في قوله تعالى: لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ [إبراهيم: 30] هنا، وثاني عطفه لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج: 9]، ومَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [لقمان: 6]، وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [الزمر: 8] فتعين لابن كثير وأبي عمرو القراءة بفتح الياء في الأربعة وحذف الناظم اللام من ليضلوا وليضل للوزن وكرر اللفظ لئلا يتوهم أن عن تتمة ليضلوا وقيد خلاف ليضل بمصاحبته للفظ عن بشرط أن تكون العين تلي اللام منه بلا فاصل بينهما فالتقييد واقع بذلك فلا يرد عليه نحو فيضلك عن سبيل الله لعدم وجود الشرط وهو فصل الكاف بين اللام وعن، وقد تقدم خلاف الأنعام ويونس والتوبة ثم أخبر أن المشار إليه باللام من له وهو هشام قرأ فاجعل أفيدة بالياء بعد الهمزة بخلاف عنه فله وجهان زيادة ياء ساكنة بعد الهمزة وهي طريق الأزرق عن الحلواني عنه وبغير ياء وهي طريق ابن شاذان عنه وتعين للباقين القراءة بترك الياء بلا خلاف. والكفاء بكسر الكاف النظير والمثل. وولا بفتح الواو.
وفي لتزول الفتح وارفعه راشدا ... وما كان لي إنّي عبادي خذ ملا
أخبر أن المشار إليه بالراء من راشدا وهو الكسائي قرأ وإن كان مكرهم لتزول منه بفتح اللام ثم أمر برفعها أي بضم اللام الأخيرة فتعين للباقين القراءة بكسر اللام الأولى ونصب الثانية ثم أخبر أن فيها ثلاث آيات إضافة وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ [إبراهيم: 22]، وإِنِّي أَسْكَنْتُ [إبراهيم: 37]، وقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم: 31]، وقوله: خذ ملا تمم به البيت وليس فيه رمز.

سورة الحجر
وربّ خفيف إذ نما سكّرت دنا ... تنزّل ضمّ التّا لشعبة مثّلا
(1/267)

وبالنّون فيها واكسر الزّاي وانصب الملائكة المرفوع عن شائد علا أخبر أن المشار إليهما بالهمزة والنون في قوله: إذ نما وهما نافع وعاصم قرآ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحجر: 2]، بتخفيف الباء فتعين للباقين القراءة بتشديدها وأن المشار إليه بالدال من دنا وهو ابن كثير قرأ سكرت أبصارنا بتخفيف الكاف ولم يصرح به اعتمادا على ما تقدم ذكره في ربما فتعين للباقين القراءة بتشديد الكاف ثم أخبر أن شعبة قرأ ما تنزل بضم التاء وتأخذ فتح الزاي ورفع الملائكة له من ضد قراءة شائد علا كما يأتي، ثم قال وبالنون فيها أي في التاء يعني أن المشار إليهم بالشين والعين في قوله شائد علا وهم حمزة
والكسائي وحفص قرءوا (ما تنزل) بالنون في مكان التاء وكسر الزاي ونصب رفع الملائكة فتعين للباقين القراءة بفتح التاء من ضد قراءة شعبة وفتح الزاي ورفع الملائكة. واعلم أن نون ننزل مضمومة من حلولها محل التاء المضمومة ولم يتعرض لحركة النون فدل على اتفاق الحركة فصار شعبة يقرأ تنزل بضم التاء وفتح الزاي والملائكة بالرفع وحمزة والكسائي وحفص بضم النون وكسر الزاي والنصب والباقون بفتح التاء والزاي والرفع فذلك ثلاث قراءات ولا خلاف في تشديد الزاي هنا وقد تقدم بالبقرة.
وثقّل للمكّيّ نون تبشّرو ... ن واكسره حرميّا وما الحذف أوّلا
أخبر أن المكي وهو ابن كثير قرأ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54] بتشديد النون فتعين للباقين القراءة بتخفيفها ثم أمر بكسرها للمشار إليهما بقوله حرميا وهما نافع وابن كثير فتعين للباقين القراءة بفتحها فصار ابن كثير يقرأ أتبشرون بكسر النون وتشديدها ونافع بتخفيفها وكسرها والباقون بتخفيفها وفتحها فذلك ثلاث قراءات وأخبر أن النون المحذوفة في قراءة نافع النون الثانية لا الأولى التي هي نون الرفع.
ويقنط معه يقنطون وتقنطوا ... وهنّ بكسر النّون رافقن حمّلا
أخبر أن المشار إليهما بالراء والحاء في قوله رافق حملا وهما الكسائي وأبو عمرو قرآ وَمَنْ يَقْنَطُ [الأحزاب: 31]، وإِذا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: 36]، ولا تَقْنَطُوا [الزمر:
53] بكسر النون فتعين للباقين القراءة بفتحها في الثلاثة وأجمعوا على فتح الماضي نحو ينزل الغيث من بعد ما قنطوا، وحملا جمع حامل.
ومنجوهم خف ومنجوهم خف وفي العنكبوت ... ننجينّ شفا منجوك صحبته دلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي قرآ هنا إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 59]، لَنُنَجِّيَنَّهُ [العنكبوت: 32] بإسكان النون وتخفيف الجيم وأن المشار إليهم بصحبة وبالدال من صحبة دلا وهم حمزة والكسائي
(1/268)

وشعبة وابن كثير قرءوا إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ [العنكبوت: 33]، كذلك يعني بإسكان النون وتخفيف الجيم فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بفتح النون وتشديد الجيم.
قدرنا بها والنمل صف وعباد مع ... بناتي وأنّي ثمّ إنّي فاعقلا
أخبر أن المشار إليه بالصاد من صف وهو شعبة قرأ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها [الحجر:
60]، هنا وقَدَّرْناها [النمل: 57] بتخفيف الدال كلفظه وعلم التخفيف من عطفه على منجوهم خف وتعين للباقين القراءة بتشديد الدال فيهما، ثم أخبر أن فيها أربع ياءات إضافة نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي [الحجر: 49]، وبَناتِي إِنْ كُنْتُمْ [الحجر: 71]، وأَنِّي أَنَا الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ [الحجر: 49]، وإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: 89]. وقوله: فاعقلا أي قيد الأحكام وثبتها في ذهنك.

سورة النحل
وينبت نون صحّ يدعون عاصم ... وفي شركاي الخلف في الهمز هلهلا
أخبر أن المشار إليه بالصاد من صح وهو شعبة قرأ (ننبت لكم به الزرع) [النحل:
11] بالنون فتعين للباقين القراءة بالباء وأن عاصما قرأ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأعراف: 194] بياء الغيب كلفظه فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب، ثم أخبر أن المشار إليه بالهاء من هلهلا وهو البزي اختلف عنه هنا في أين شركائي الذين فروي عنه وجهان أحدهما بغير همز والثاني بالهمز كقراءة الباقين. فإن قيل من أين يعلم أن قراءة الباقين بالهمز. قيل لما ذكر الخلف في الهمز للبزي فضده لا خلف في الهمز عند غير البزي، وهلهلا من قولهم هلهل النساج الثوب إذا خفف نسجه.
ومن قبل فيهم يكسر النّون نافع ... معا يتوفّاهم لحمزة وصّلا
أخبر أن نافعا قرأ بكسر النون في الكلمة التي قبل فيهم يعني تشاقون وعبر عنها بقوله ومن قبل فيهم لأنها لا تستقيم في النظم إلا مخففة القاف ولم يقرأ أحد بذلك فتعين للباقين القراءة بفتح النون ثم أخبر أن حمزة قرأ (الذين يتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) [النحل:
28]، و (يتوفاهم الملائكة طيبين) [النحل: 32] بياء التذكير كلفظه فتعين للباقين القراءة بتاء التأنيث فيهما وأشار بقوله معا إلى الموضعين.
سما كاملا يهدي بضمّ وفتحة ... وخاطب تروا شرعا والآخر في كلا
أخبر أن المشار إليهم بسما وبالكاف من كاملا وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر قرءوا فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [النحل: 37] بضم الياء وفتح الدال فتعين للباقين القراءة بفتح الياء وكسر الدال
(1/269)

ثم أمر أن يقرأ (أولم تروا إلى ما خلق الله من شيء) [النحل: 48] بتاء الخطاب للمشار إليهما بالشين من شرعا وهما حمزة والكسائي وأن يقرأ بتاء الخطاب أيضا في (الم تروا إلى الطير مسخرات) [النحل: 79]، للمشار إليهما بالفاء والكاف من قوله: في كلا وهما حمزة وابن عامر فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بياء الغيب وقوله: والآخر بكسر الخاء يعني في آخر هذه السورة (الم تروا إلى الطير مسخرات) [النحل: 89] في كلا أي في حفظ.
ورا مفرطون اكسر أضا يتفيّؤا ... المؤنّث للبصريّ قبل تقبّلا
أمر أن يقرأ للمشار إليه بالهمزة من أضا وهو نافع وأنهم مفرطون بكسر الراء فتعين
للباقين القراءة بفتحها ثم أخبر أن البصري وهو أبو عمرو قرأ قبل ذلك تتفيؤا ظلاله بتاء التأنيث فتعين للباقين القراءة بياء التذكير. والأضا مقصور جمع أضاة بفتح الهمزة وهو الغدير ويروى أيضا بكسر الهمزة وهو جمع أضاة أيضا وهو على هذا الوجه ممدود فقصره وقوله:
قبل تقبلا يعني أن تتفيؤا في التلاوة قبل مفرطون.
وحق صحاب ضمّ نسقيكمو معا ... لشعبة خاطب يجحدون معلّلا
أخبر أن المشار إليهم بحق وبصحاب وهم ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص قرءوا نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ [النحل: 66] هنا ونُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها [المؤمنون: 21] بضم النون، وأشار بقوله معا إلى الموضعين فتعين للباقين القراءة بفتح النون فيهما ثم أمر أن يقرأ لشعبة أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [النحل: 71] بتاء الخطاب فتعين للباقين القراءة بياء الغيب ومعللا يروى بفتح اللام وكسرها.
وظعنكموا إسكانه ذائع ونجزينّ ... الّذين النون داعيه نوّلا
هلكت وعنه نصّ الأخفش ياءه ... وعنه روى النّقّاش نونا موهّلا
(1/270)

أخبر أن المشار إليهم بالذال من ذائع وهم الكوفيون وابن عامر قرءوا ظعنكم بإسكان العين فتعين للباقين القراءة بفتحها وأن المشار إليهم بالدال والنون والميم في قوله: داعيه نولا ملكت وهم ابن كثير وعاصم وابن ذكوان قرءوا وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا [النحل:
96] بالنون فتعين للباقين القراءة بالياء ثم أخبر أن الأخفش نص في كتابه على الياء لابن ذكوان وأن النقاش روى عن الأخفش النون في حال كونه موهلا أي موهما، يقال وهله فتوهل أي وهمه فتوهم أشار إلى قول الداني في التيسير وليجزين الذين بالنون وكذلك قال النقاش عن الأخفش وهو عندي وهم لأن الأخفش قد ذكر في كتابه عنه بالياء والناظم رضي الله عنه إن قصد بموهلا أنه منسوب إلى الوهم فكالتيسير وإن قصد خلافه فوجه النون من زيادات القصيد لأن النون قد صح عن ابن ذكوان من طريق الصوري ومن طريق الأخفش ومن طريق هبة الله والنقاش في نقل أبي العز، ولا خلاف في قوله تعالى:
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ [النحل: 97] أنه بالنون فلهذا قيد موضع الخلاف بقوله: الذين وقوله النون يروى بنصب النون وضمها. وقوله: ذائع أي مشهور.
سوى الشّام ضمّوا واكسروا فتنوا لهم ... ويكسر في ضيق مع النّمل دخللا
أمر أن يقرأ مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا [النحل: 110] بضم الفاء وكسر التاء للسبعة إلا الشامي وهو ابن عامر فتعين للشامي أن يقرأ بفتح الفاء والتاء والضمير في لهم عائد على السبعة غير الشامي ثم أخبر أن المشار إليه بالدال
(1/271)

من دخللا وهو ابن كثير قرأ وَلا تَكُ فِي
ضَيْقٍ [النحل: 127] هنا وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ [النمل: 70] بكسر الضاد فتعين للباقين القراءة بفتحها فيهما.
(1/272)

سورة الإسراء
ويتّخذوا غيب حلا ليسوء نو ... ن راو وضمّ الهمز والمدّ عدّلا
(1/273)

سما ويلقّاه يضم مشدّدا ... كفى يبلغنّ امدده واكسر شمردلا
وعن كلّهم شدّد وفا أفّ كلّها ... بفتح دنا كفؤا ونون على اعتلا
أخبر أن المشار إليه بالحاء من حلاء وهو أبو عمرو قرأ ألا يتخذوا بياء الغيب فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب ثم أخبر أن المشار إليه بالراء من راو وهو الكسائي قرأ (لنسوء وجوهكم) [الإسراء: 70] بالنون فتعين للباقين القراءة بالياء وأن المشار إليهم بالعين وبسما في قوله عدلا سما وهم حفص ونافع وابن كثير وأبو عمرو قرءوا ليسؤوا بضم الهمزة وواو ممدودة بعدها فتعين للباقين القراءة بفتح الهمزة من غير واو فصار الكسائي يقرأ لنسوء بالنون وفتح الهمزة ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص بالياء وضم الهمزة ومدها والباقون بالياء وفتح الهمزة فذلك ثلاث قراءات ثم أخبر أن المشار إليه بالكاف من كفى وهو ابن عامر قرأ كتابا يلقاه بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف فتعين للباقين القراءة بفتح الياء وإسكان اللام وتخفيف القاف ثم أمر أن يقرأ للمشار إليهما بالشين من شمردلا وهما حمزة والكسائي إما يبلغن بالمد أي بألف بعد الغين وكسر النون فتعين للباقين القراءة بالقصر أي بترك الألف وفتح النون واتفق السبعة على تشديدها ثم أخبر أن المشار إليهما بالدال والكاف في قوله دنا كفوا وهما ابن كثير وابن عامر قرآ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: 23] هنا وأُفٍّ لَكُمْ [الأنبياء: 67]، وأُفٍّ لَكُما [الأحقاف: 17] بفتح الفاء فتعين للباقين القراءة بكسرها فيهن أمر أن يقرأ أف بالتنوين للمشار إليهما بالعين والألف في قوله على اعتلا وهما حفص ونافع فتعين للباقين القراءة بترك التنوين فابن كثير وابن عامر يقرءان أف بفتح الفاء وترك التنوين ونافع وحفص بالكسر والتنوين والباقون بالكسر وترك التنوين فذلك ثلاث قراءات.
وبالفتح والتّحريك خطأ مصوّب ... وحرّكه المكّي ومدّ وجمّلا
أخبر أن المشار إليه بالميم من مصوب وهو ابن ذكوان قرأ إن قتلهم كان خطأ بفتح الخاء وتحريك الطاء أي بفتحها وله القصر على ما يفهم مما قيده لابن كثير وأن المكي وهو ابن كثير قرأ بتحريك الطاء أي بفتحها وبمدها وله كسر الخاء لأنه لا يفتحها إلا ابن ذكوان فتعين للباقين القراءة بكسر الخاء وسكون الطاء فابن ذكوان يقرأ كان خطأ بفتح الخاء والطاء
من غير مد وابن كثير بكسر الخاء وفتح الطاء مع المد والباقون بكسر الخاء وسكون الطاء من غير مد فذلك ثلاث قراءات.
وخاطب في يسرف شهود وضمنا ... بحرفيه بالقسطاس كسر شذا علا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شهود وهما حمزة والكسائي قرآ (فلا تسرف في القتل) [الإسراء: 33] بتاء الخطاب فتعين للباقين القراءة بياء الغيب وأن المشار إليهم بالشين والعين من شذا علا وهم حمزة والكسائي وحفص
(1/274)

قرءوا وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الشعراء: 182] ذلك هنا وبالقسطاس المستقيم ولا بالشعراء بكسر ضم القاف فتعين للباقين القراءة بضم القاف فيهما.
وسيّئة في همزه اضمم وهائه ... وذكّر ولا تنوين ذكرا مكمّلا
أمر أن يقول للمشار إليهم بذال ذكرا وهم الكوفيون وابن عامر كل ذلك كان سيئه بضم الهمزة وضم الهاء والتذكير وترك التنوين وأراد بالتذكير وضع هاء ضمير التذكير موضع هاء التأنيث وتعين للباقين القراءة بفتح الهمزة وتاء مفتوحة منونة كلفظه وقوله: ذكرا مكملا، أي ذكرت قراءتهم بجميع قيودها.
وخفّف مع الفرقان واضمم ليذكروا ... شفاء وفي الفرقان يذكر فصّلا
وفي مريم بالعكس حقّ شفاؤه ... يقولون عن دار وفي الثّان نزّلا
سما كفله أنّث يسبّح عن حمى ... شفا واكسروا إسكان رجلك عمّلا
أمر أن يقرأ للمشار إليهما بشين شفا وهما حمزة والكسائي، وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا [الإسراء: 41] هنا، وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا [الفرقان: 50] بإسكان الذال وضم الكاف وتخفيفهما ثم أخبر أن المشار إليه بالفاء من فصلا وهو حمزة قرأ في الفرقان لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ [الفرقان: 62]، كذلك يعني بإسكان الذال وضم الكاف وتخفيفهما فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بفتح الذال والكاف وتشديدهما، ثم أخبر أن المشار إليهم بحق وبالشين في قوله حق شفاؤه وهم ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي قرءوا في سورة مريم أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ [مريم: 97] بعكس التقييد المتقدم يعني بفتح الذال والكاف وتشديدهما فتعين للباقين القراءة بالتقييد المتقدم يعني بإسكان الذال وضم الكاف وتخفيفهما، ثم أخبر أن المشار إليهما بالعين والدال في قوله عن دار وهما حفص وابن كثير قرآ قل لو كان معه آلهة كما يقولون بياء الغيب كلفظه وأن المشار إليهم بالنون. وبسما وبالكاف في قوله نزلا سما كفله وهم عاصم ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر قرءوا بياء الغيب في الثاني وهو عما يقولون فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بتاء الخطاب فصار ابن كثير وحفص بغيبهما وحمزة والكسائي بخطابهما ونافع وأبو
عمرو وابن عامر وشعبة بخطاب الأول وغيب الثاني والكفل النصيب ثم أمر أن يقرأ للمشار إليهم بالعين والحاء والشين في قوله: عن حمى شفا وهم حفص وأبو عمرو وحمزة والكسائي قرءوا تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ [الإسراء: 44] بتاء التأنيث فتعين للباقين القراءة بياء التذكير ثم أمر أن يقرأ للمشار إليه بالعين من عملا وهو حفص قرأ بخيلك ورجلك بكسر سكون الجيم فتعين للباقين القراءة بإسكان الجيم، وعملا جمع عامل.
(1/275)

ويخسف حقّ نونه ويعيدكم ... فيغرقكم واثنان يرسل يرسلا
أخبر أن المشار إليهما بحق وهما ابن كثير وأبو عمرو قرآ (أن نخسف بكم أو نرسل عليكم) [الإسراء: 68]، وإن نعيدكم فيه (فنرسل عليكم فنغرقكم) [الإسراء: 69] بالنون فتعين للباقين القراءة في الخمسة بالباء وقوله واثنان الاثنان هما أو نرسل فنرسل فحذف الفاء من الثاني.
خلافك فافتح مع سكون وقصره ... سما صف نأى أخّر معا همزة ملا
أمر أن يقرأ للمشار إليهم بسما وبالصاد من قوله سما صف وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة قرءوا وإذا لا يلبثون خلفك بفتح الخاء وسكون اللام من غير ألف فتعين للباقين القراءة بكسر الخاء وفتح اللام وألف بعدها كلفظه، ثم أمر أن يقرأ للمشار إليه بالميم في قوله ملا وهو ابن ذكوان أعرض ونأى هنا وفي فصلت بتقديم الألف على الهمزة وتأخيرها وقوله معا يعني في الموضعين وتعين للباقين القراءة بترك التأخير وهو إبقاء الهمزة على حالها قبل الألف فيهما.
تفجّر في الأولى كتقتل ثابت ... وعمّ ندى كسفا بتحريكه ولا
وفي سبأ حفص مع الشّعراء قل ... وفي الرّوم سكّن ليس بالخلف مشكلا
أخبر أن المشار إليهم بالثاء في قوله ثابت وهم الكوفيون قرءوا حَتَّى تَفْجُرَ [الإسراء: 90] بفتح التاء وإسكان الفاء وضم الجيم وتخفيفها بوزن تقتل وهي الكلمة الأولى وأن الباقين قرءوا بضم التاء وفتح الفاء وكسر الجيم وتشديدها كلفظه ولا خلاف في تشديد فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ [الإسراء: 91] وهي الكلمة الثانية ثم أخبر أن المشار إليهم بعم وبالنون في قوله عم ندى وهم نافع وابن عامر وعاصم قرءوا كما زعمت علينا كسفا بتحريك السين أي بفتحها وأن حفصا قرأ في سبأ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ [سبأ: 9]، فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً [الشعراء: 187] بتحريك السين أي بفتحها فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بإسكان السين، ثم أمر بإسكان السين في الروم في قوله يجعله كسفا للمشار إليه باللام في قوله: ليس وهو هشام بخلاف عنه وللمشار إليه بالميم في مشكلا وهو ابن ذكوان بلا خلاف فحصل لهشام وجهان فتح السين وإسكانها ولابن ذكوان إسكانها لا غير
فتعين للباقين القراءة بفتح السين بلا خلاف.
وقل قال الأولى كيف دار وضمّ تا ... علمت رضا والياء في ربي أنجلا
أخبر أن المشار إليهما بالكاف والدال في قوله كيف دار وهما ابن عامر وابن كثير قرآ قال سبحان ربي بفتح القاف واللام وألف بينهما في موضع قراءة الباقين قل سبحان ربي بضم القاف وإسكان اللام من غير ألف كلفظه بالقراءتين، ثم أخبر أن المشار إليه بالراء من رضا وهو الكسائي قرأ لقد علمت بضم التاء فتعين للباقين القراءة بفتحها، ثم أخبر أن فيها ياء إضافة و (هي رحمة ربي إذا لأمسكتم) [الإسراء: 100]، وقيد قال الأولى نصا على قراءته بسبحان ليخرج قُلْ لَوْ كانَ [الكهف: 109]، وقُلْ كَفى بِاللَّهِ [الإسراء: 96].
(1/276)

سورة الكهف
وسكتة حفص دون قطع لطيفة ... على ألف التّنوين في عوجا بلا
وفي نون من راق ومرقدنا ولا ... م بل ران والباقون لا سكت موصلا
أخبر أن حفصا يسكت سكتة لطيفة من غير قطع نفس على الألف المبدلة من التنوين في عوجا ثم يقول قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً [الكهف: 20]، وكذلك يسكت في سورة يس على الألف في مرقدنا ثم يقول هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ [يس: 52]، وكذلك يسكت في القيامة على النون في من ثم يقول راق وكذلك يسكت في المطففين على اللام في بل ثم يقول رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [المطففين: 14] وأن الباقين يصلون ذلك كله من غير سكت ويدغمون النون واللام في الراء بغير غنة على ما تقدم. وقوله بلا يعني اختبر وفيه ضمير يرجع إلى حفص يعني أن حفصا اختبر ذلك رواية ونقلا.
ومن لدنه في الضّم اسكن مشمّه ... ومن بعده كسران عن شعبة اعتلا
وضمّ وسكّن ثمّ ضمّ لغيره ... وكلّهم في الها على أصله تلا
أمر أن يقرأ لشعبة بإسكان ضمة الدال في من لدنه وإشمام الضم والمراد به ضم الشفتين وبكسر النون والهاء بعده ثم أمر لغير شعبة وهم الباقون بضم الدال وتسكين النون وضم الهاء وكل من القراء على أصله من الصلة وتركها فشعبة يصلها بياء لأنها في قراءته واقعة بعد كسرة كالهاء في يه وابن كثير يصلها بواو لأنها في قراءته مضمومة بعد ساكن كالهاء في منه والباقون لا يصلونها على قاعدتهم.
وقل مرفقا فتح مع الكسر عمّه ... وتزور للشّامي كتحمرّ وصّلا
وتزّاور التّخفيف في الزّاي ثابت ... وحرميّهم ملّئت في اللام ثقّلا
أخبر أن المشار إليهما بعم في قوله عمه وهما نافع وابن عامر قرآ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً بفتح الميم وكسر الفاء فتعين للباقين القراءة بكسر الميم وفتح الفاء. ثم أخبر أن الشامي وهو ابن عامر قرأ إذا طلعت تزور بإسكان الزاي وتخفيفها وتشديد الراء بوزن تحمر وأن المشار إليهم بالثاء في قوله ثابت وهم الكوفيون قرءوا تزاور بفتح الزاي وتخفيفها وألف بعدها وتخفيف الراء والباقون بتشديد الزاي وفتحها وألف بعدها وتخفيف الراء كلفظه، ثم أخبر أن المشار إليهما بحرميهم وهما نافع وابن كثير قرآ وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [الكهف: 18] بتشديد اللام الثانية فتعين للباقين القراءة بتخفيفها وإبدال الهمزة للسوسي وحمزة في وقفه.
(1/277)

بورقكم الإسكان في صفو حلوه ... وفيه عن الباقين كسر تأصّلا
أخبر أن المشار إليهم بالفاء والصاد والحاء في قوله في صفو حلوه وهم حمزة وشعبة وأبو عمرو قرءوا فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ [الكهف: 19] بإسكان وأن الباقين قرءوا بكسرها وأشار بقوله تأصلا إلى أن الأصل الكسر والإسكان تخفيف.
وحذفك للتّنوين من مائة شفا ... وتشرك خطاب وهو بالجزم كمّلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي قرآ ثلاثمائة سنين بحذف التنوين على الإضافة فتعين للباقين القراءة بالتنوين وأن المشار إليه بالكاف من كملا وهو ابن عامر قرأ (ولا تشرك في حكمه أحدا) [الكهف: 26] بتاء الخطاب وجزم الكاف فتعين للباقين القراءة بياء الغيب ورفع الكاف وقوله: كملا يعني أن من قرأ بالخطاب كمل قراءته بالجزم.
وفي ثمر ضمّيه يفتح عاصم ... بحرفيه والإسكان في الميم حصّلا
أخبر أن عاصما فتح ضم التاء والميم من وكان له ثمر وأحيط بثمره وأن المشار إليه بالحاء من حصلا وهو أبو عمرو أسكن الميم وأبقى التاء على الضم فتعين للباقين إبقاء الثاء والميم كلاهما على الضم:
ودع ميم خيرا منهما حكم ثابت ... وفي الوصل لكنّا فمدّ له ملا
أمر أن يقرأ للمشار إليهم بالحاء والثاء في قوله حكم ثابت وهم الكوفيون وأبو عمرو لأجدن خيرا منها منقلبا بترك الميم الثانية فتعين للباقين القراءة بإثباتها كلفظه ثم أمر أن يقرأ للمشار إليهما باللام والميم في قوله له ملا وهما هشام وابن ذكوان بالمد في ثم سواك رجلا لكنا هو أي بألف بعد التنوين في الوصل فتعين للباقين القراءة بالقصر أي بترك الألف ولا خلاف في إثباتها في الوقف للجميع:
وذكّر تكن شاف وفي الحقّ حرّه ... على رفعه حبر سعيد تأوّلا
أمر أن يقرأ للمشار إليهما بالشين من شاف وهما حمزة والكسائي ولم يكن له فئة بياء التذكير فتعين للباقين القراءة بتاء التأنيث ثم أخبر أن المشار إليهم بالحاء والسين والتاء في قوله: حبر سعيد تأولا وهم أبو عمرو وأبو الحارث والدوري كلاهما عن الكسائي قرءوا هنالك الولاية لله الحق برفع جر القاف فتعين للباقين القراءة بجر القاف.
وعقبا سكون الضّمّ نصّ فتى ويا ... نسيّر وإلى فتحها نفر ملا
(1/278)

وفي النّون أنّث والجبال برفعهم ... ويوم يقول النّون حمزة فضّلا
أخبر أن المشار إليهما بالنون والفاء في قوله: نص فتى وهما عاصم وحمزة قرآ وخير عقبا بسكون ضم القاف فتعين للباقين القراءة بضمها ثم أخبر أن المشار إليهم بنفر وهم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر قرءوا (ويوم تسير الجبال) [الكهف: 47] بفتح الياء المشددة وأمر بجعل حرف التأنيث وهو التاء في مكان حرف النون لهم وأخبر أنهم رفعوا لام الجبال فتعين للباقين القراءة بالنون وكسر الياء المشددة ونصب اللام ثم أخبر أن حمزة قرأ (ويوم نقول نادوا) [الكهف: 52] بالنون فتعين للباقين القراءة بالياء.
لمهلكهم ضمّوا ومهلك أهله ... سوى عاصم والكسر في اللام عوّلا
أخبر أن السبعة قرءوا (وجعلنا لمهلكهم هنا) [الكهف: 59]، (وما شهدنا مهلك أهله) [النمل: 49] بضم الميم الأولى إلا عاصما فإنه قرأ بفتحها، ثم أخبر أن المشار إليه بالعين من عولا وهو حفص قرأ بكسر اللام فيهما وعولا عليه فتعين للباقين القراءة بفتح اللام فيهما فصار حفص يقرأ لمهلكهم ومهلك بفتح الميم وكسر اللام فيهما وشعبة بفتح الميم واللام فيهما والباقون بضم الميم وفتح اللام فيهما وذلك ثلاث قراءات.
وها كسر أنسانيه ضمّ لحفصهم ... ومعه عليه الله في الفتح وصّلا
أمر أن يقرأ لحفص وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [الكهف: 63]، وبِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ [الفتح: 10] بضم كسر الهاء فتعين للباقين القراءة بكسر الهاء فيهما.
لتغرق فتح الضّمّ والكسر غيبة ... وقل أهلها بالرّفع راويه فصّلا
أخبر أن المشار إليهما بالراء والفاء في قوله راويه فصلا وهما الكسائي وحمزة قرآ قال أخرقتها ليغرق أهلها بياء الغيب وفتح ضمها وفتح الراء أهلها برفع اللام فتعين للباقين القراءة بتاء الخطاب وضمها وكسر الراء ونصب أهلها.
ومدّ وخفّف ياء زاكية سما ... ونون لدنّي خفّ صاحبه إلى
وسكّن وأشمم ضمّة الدّال صادقا ... تخذت فخفّف واكسر الخاء دم حلا
أمر أن يقرأ للمشار إليهم بسما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو نفسا زاكية بالمد أي
بألف بعد الزاي وتخفيف الياء فتعين للباقين القراءة بالقصر أي بترك الألف وتشديد الياء، ثم أخبر أن المشار إليهما بالصاد والهمزة في قوله صاحبه إلى وهما شعبة ونافع قرآ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي [الكهف: 76] بتخفيف النون فتعين للباقين القراءة بتشديدها ثم أمر بتسكين الدال وإشمامها الضم للمشار إليه بالصاد من صادقا
(1/279)

وهو شعبة فتعين للباقين القراءة بضم الدال فصار نافع يقرأ بضم الدال وتخفيف النون وشعبة بإسكان الدال وإشمامها الضم وتخفيف النون والباقون بضم الدال وتشديد النون فذلك ثلاث قراءات ثم أمر أن يقرأ للمشار إليهما بالدال والحاء في قوله: دم حلا وهما ابن كثير وأبو عمرو لتخذت عليه أجرا بتخفيف التاء الأولى وكسر الخاء، وإلى في آخر البيت الأول واحد الآلاء وهي النعم قال الجوهري واحدها إلى بالفتح وقد تكسر وتكتب بالياء قلت الرواية في البيت بكسر الهمزة.
ومن بعد بالتّخفيف يبدل هاهنا ... وفوق وتحت الملك كافيه ظلّلا
أخبر أن المشار إليهم بالكاف والظاء في قوله كافيه ظللا وهم ابن عامر وابن كثير والكوفيون قرءوا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما [الكهف: 81] هنا وأَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً [التحريم:
5]، وأَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً [القلم: 32] في ن بإسكان الباء وتخفيف الدال فتعين للباقين القراءة بفتح الباء وتشديد الدال في الثلاثة وقوله: ومن بعد أي بعد لتخذت أن يبدلهما في التلاوة والذي فوق سورة الملك هي سورة التحريم والذي تحته سورة ن والقلم.
فاتبع خفّف في الثّلاثة ذاكرا ... وحامية بالمدّ صحبته كلا
(1/280)

وفي الهمز ياء عنهمو وصحابهم ... جزاء فنوّن وانصب الرّفع واقبلا
أمر أن يقرأ للمشار إليهم بالذال من ذكرا وهم الكوفيون وابن عامر فَأَتْبَعَ سَبَباً [الكهف: 85]، ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً [الكهف: 89]، وثم تبع سببا بقطع الهمزة وتخفيف التاء وإسكانها كلفظه فتعين للباقين القراءة بوصل الهمزة وتشديد التاء وفتحها في الثلاثة، ثم أخبر أن المشار إليهم بصحبة والقاف في قوله صحبته كلا وهم حمزة والكسائي وشعبة وابن عامر قرءوا فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: 86] بمد الحاء أي بألف بعدها وياء مفتوحة بعد الميم في مكان الهمزة كلفظه فتعين للباقين القراءة بالقصر أي بترك الألف وإثبات همزة مفتوحة بعد الميم ثم أمر أن يقرأ للمشار إليهم بصحاب في قوله صحابهم وهم حمزة والكسائي وحفص فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى [الكهف: 88] بتنوين جزاء ونصب رفع الهمزة فيه فتعين للباقين القراءة بترك التنوين ورفع الهمزة.
على حقّ السّدّين سدّ اصحاب حق ... ق الضّمّ مفتوح وياسين شد علا
أخبر أن المشار إليهم بالعين وبحق في قوله على حق وهم حفص وابن كثير وأبو عمرو قرءوا بين السدين بفتح ضم السين وأن المشار إليهم بصحاب وبحق وهم حمزة
والكسائي وحفص
(1/281)

وابن كثير وأبو عمرو وقرءوا بينهم سدا بفتح السين وأن المشار إليهم بالشين والعين في قوله: شد علا وهم حمزة والكسائي وحفص قرءوا في يس مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا [يس: 9] بفتح ضم السين في الموضعين فتعين لمن لم يذكره في هذه التراجم القراءة بضم السين. وقوله: شد علا من شاد البناء إذا رفعه.
ويأجوج مأجوج اهمز الكلّ ناصرا ... وفي يفقهون الضّمّ والكسر شكّلا
أمر أن يقرأ للمشار إليه بالنون من ناصرا وهم عاصم إن يأجوج ومأجوج هنا وإِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [الأنبياء: 96] بهمزة ساكنة كلفظه فتعين للباقين القراءة بألف مكان الهمزة في الأربعة، وقوله: اهمز الكل يعني هنا وفي الأنبياء ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شكلا وهما حمزة والكسائي قرآ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا [الكهف: 93] بضم الياء وكسر القاف فتعين للباقين القراءة بفتحهما.
وحرّك بها والمؤمنين ومدّه ... خراجا شفا واعكس فخرج له ملا
أمر بتحريك الراء أي بفتحها ومد ذلك الفتح فيصير ألفا بعد الراء وقوله بها أي بهذه السورة يعني أن المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي قرآ (نجعل لك خراجا هنا) [الكهف: 94]، و (أم تسألهم خراجا) [المؤمنون: 72] بفتح الراء وألف بعدها كلفظه فتعين للباقين القراءة بإسكان الراء وترك الألف ثم أمر أن يقرأ (فخرج ربك خير) [المؤمنون: 72] بإسكان الراء من غير ألف كلفظه للمشار إليهما باللام والميم في قوله له ملا وهما هشام وابن ذكوان عن ابن عامر على عكس التقييد المذكور فتعين للباقين القراءة بفتح الراء وألف بعدها على التقييد المذكور.
ومكّنني أظهر دليلا وسكّنوا ... مع الضّمّ في الصّدفين عن شعبة الملا
كما حقّه ضمّاه واهمز مسكّنا ... لدى ردما ائتوني وقبل اكسر الولا
لشعبة والثّاني فشا صف بخلفه ... ولا كسر وابدأ فيهما الياء مبدلا
ورد قبل همز الوصل والغير فيهما ... بقطعهما والمدّ بدءا وموصلا
أمر بإظهار مكنني أي قرأ المشار إليه بالدال من دليلا وهو ابن كثير ما مكنني بنونين خفيفتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة على الإظهار فتعين للباقين القراءة بنون واحدة مكسورة مشددة على الإدغام، ثم أخبر أن الملا، وهم أشراف الناس يعني المشايخ والرواة سكنوا الدال وضموا الصاد في قوله تعالى: ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف: 96]، ناقلين ذلك عن شعبة، وأن المشار إليهم بالكاف وبحق في قوله كما حقه وهم ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو ضموا الصاد والدال فتعين
(1/282)

للباقين القراءة بفتحهما
والهاء في حقه وضماه للفظ الصدفين ففيها ثلاث قراءات، ثم أمر لشعبة بالهمز الساكن في ائتوني المجاور لرد ما وكسر
الحرف الموالي له وهو التنوين في ردما لالتقاء الساكنين، يعني أن شعبة قرأ برد ما ائتوني بكسر التنوين وهمزة ساكنة بعده في الوصل وأن المشار إليهما بالفاء والصاد في قوله فشا صف وهما حمزة وشعبة بخلاف عنه قرآ قالَ ائْتُونِي [يوسف: 59] وهو الثاني بهمزة ساكنة بعد اللام في الوصل ولا كسر قبله لأنه ليس قبله ساكن فيكسر لالتقاء الساكنين وإنما قبله لام قال وهي مفتوحة، ثم أمر أن يبتدأ ائتوني في الموضعين بإبدال الهمزة الساكنة ياء ساكنة وزيادة همزة الوصل مكسورة قبلها ثم ذكر قراءة الباقين فقال والغير يعني غير شعبة في الأول وغير حمزة في الثاني فيهما أي الموضعين بقطعهما أي بقطع الهمزتين ولم يبين فتحهما لأن فعل الأمر لا يكون فيه همزة القطع إلا مفتوحة ثم قال والمد أي والمد بعد همزة القطع المفتوحة بدءا وموصلا أي في حال الابتداء والوصل والخلف المشار إليه عن شعبة أنه قرأ في أحد الوجهين كحمزة وفي الوجه الثاني كالباقين.
وطاء فما اسطاعوا لحمزة شدّدوا ... وأن تنفد التّذكير شاف تأوّلا
أخبر أن أهل الأداء شددوا الطاء من (فما استطاعوا أن) [الكهف: 97] لحمزة فالتقييد واقع بلفظة ما قبلها المصاحبة للفاء كما نطق به احترازا من الثانية وهي وما استطاعوا له نقبا فتعين للباقين القراءة بتخفيف الطاء، ثم أخبر أن المشار إليهما بالشين من شاف وهما حمزة والكسائي قرآ قبل أن تنفذ بياء التذكير فتعين للباقين القراءة بالتأنيث.
ثلاث معي دوني وربّي بأربع ... وما قبل إن شاء المضافات تجتلا
أخبر أن فيها تسع ياءات إضافة وهي معي صبرا في ثلاثة مواضع: مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ [الكهف: 102]، وربي في أربعة مواضع: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ [الكهف: 22]، وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف: 38]، (فعسى ربي أن يؤتيني) [الكهف: 40]، ويا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف: 42]، وقوله: وما قبل إن شاء أي والذي قبل إن شاء الله وهو ستجدني إن شاء الله صابرا.

سورة مريم عليها السلام
وحرفا يرث بالجزم حلو رضى وقل ... خلقت خلقنا شاع وجها مجمّلا
أخبر أن المشار إليهما بالحاء والراء في قوله حلو رضا وهما أبو عمرو والكسائي قرآ يرثني ويرث بسكون الثاء في الكلمتين على الجزم فتعين للباقين القراءة برفع الثاء فيهما وأن المشار إليهما بالشين من شاع وهما حمزة والكسائي قرآ وقد خلقناك من قبل بنون وألف في قراءة الباقين وقد خلقتك بتاء مضمومة مكان النون والألف كلفظه بالقراءتين، وقوله وجها مجملا، أي وجها جميلا.
(1/283)

وضمّ بكيّا كسره عنهما وقل ... عتيّا صليّا مع جثيّا شذا علا
عنهما أي عن حمزة والكسائي المشار إليهما بقوله شاع في البيت السابق، يعني أن حمزة والكسائي قرآ سُجَّداً وَبُكِيًّا [مريم: 58] بكسر ضم الباء وأن المشار إليهم بالشين والعين من شذا علا وهم حمزة والكسائي وحفص قرءوا بكسر ضم العين والصاد والجيم في مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم: 8]، وعَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا [مريم: 69]، وأَوْلى بِها صِلِيًّا [مريم: 7]، وحَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [مريم: 68]، وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [مريم:
72]، فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بضم أوائلهن.
وهمز أهب باليا جرى حلو بحره ... بخلف ونسيا فتحه فائز علا
أخبر أن المشار إليهم بالجيم والحاء والباء في قوله جرى حلو بحره وهم ورش وأبو عمرو وقالون بخلاف عنه قرءوا (ليهب لك غلاما) [مريم: 19] بالياء في مكان الهمزة الذي لفظ به وهو قراءة الباقين ومعهم قالون في وجهه الثاني، ثم أخبر أن المشار إليهما بالفاء والعين في قوله فائز علا وهما حمزة وحفص قرآ وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا [مريم: 23] بفتح النون فتعين للباقين القراءة بكسرها.
ومن تحتها اكسر واخفض الدّهر عن شذا ... وخفّ تساقط فاصلا فتحمّلا
وبالضّمّ والتّخفيف والكسر حفصهم ... وفي رفع قول الحقّ نصب ند كلا
أمر بكسر ميم من وخفض تاء تحتها الثانية في فناداها من تحتها للمشار إليهم بالألف والعين والشين في قوله الدهر عن شذا وهم نافع وحفص وحمزة والكسائي فتعين للباقين القراءة بفتح الميم ونصب التاء، ثم أخبر أن المشار إليه بالفاء من فاصلا وهو حمزة قرأ تُساقِطْ عَلَيْكِ [مريم: 25] بتخفيف السين وأن حفصا قرأ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف فتعين لحمزة القراءة بفتح التاء والقاف وتخفيف السين وحفص بضم التاء وكسر القاف، وتخفيف السين فتعين للباقين القراءة بفتح التاء والقاف وتشديد السين ففي تساقط ثلاث قراءات، ثم أخبر أن المشار إليهما بالنون والكاف من ند كلا وهما عاصم
(1/284)

وابن عامر قرأ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق بنصب رفع اللام فتعين للباقين القراءة برفعها.
وكسر وأنّ الله ذاك وأخبروا ... بخلف إذا ما متّ موفين وصّلا
أخبر أن المشار إليهم بالذال من ذاك وهم الكوفيون وابن عامر قرءوا وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي [آل عمران: 51] بكسر همزة إن فتعين للباقين القراءة بفتحها وأن المشار إليه
بالميم من موفين وهو ابن ذكوان اختلف عنه في وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ [مريم: 66]، فروي عنه بهمزة واحدة مكسورة على الخبر وروي عنه بهمزتين على الاستفهام الأولى مفتوحة والثانية مكسورة كقراءة الباقين وهم على أصولهم في التحقيق والتسهيل والمد بين الهمزتين وتركه والضمير في قوله وأخبروا عائد على النقلة عن ابن ذكوان وقوله موفين جمع موف يعني
معطي الحق، ووصلا جمع واصل.
وننجي خفيفا رض مقاما بضمّه ... دنا رئيا ابدل مدغما باسطا ملا
أخبر أن المشار إليه بالراء من عرض وهو الكسائي قرأ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [مريم: 72] بإسكان النون المخففة وتخفيف الجيم فتعين للباقين القراءة بفتح النون وتشديد الجيم وأن المشار إليه بالدال من دنا وهو ابن كثير قرأ خَيْرٌ مَقاماً [مريم: 73] بضم الميم الأولى فتعين للباقين القراءة بفتحها ثم أمر بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء التي بعدها في قوله تعالى: أَثاثاً و (رئيا) للمشار إليهما بالياء والميم في قوله: باسطا ملا وهما قالون وابن ذكوان فتعين للباقين القراءة بترك الإبدال والإدغام فتبقى الهمزة على حالها.
وولدا بها والزّخرف اضمم وسكّنن ... شفاء وفي نوح شفا حقّه ولا
قوله بها: أي بهذه السورة مالًا وَوَلَداً [مريم: 77]، وقالوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً [مريم: 88]، وأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [مريم: 91]، وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم: 92]، قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ [الزخرف: 81] مر بضم الواو وتسكين اللام في الخمسة للمشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي، ثم أخبر أن المشار إليهم بالشين وبحق من قوله
(1/285)

شفا حقه ولا وهم حمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو وقرءوا في نوح من لم يزده ماله وولده بضم الواو الثانية وتسكين اللام فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بفتح الواو واللام.
وفيها وفي الشّورى يكاد أتى رضا ... وطا يتفطّرن اكسروا غير أثقلا
وفي التّاء نون ساكن حجّ في صفا ... كمال وفي الشّورى حلا صفوه ولا
أخبر أن المشار إليهما بالهمزة والراء في قوله: أتى رضا وهما نافع والكسائي قرآ في هذه السورة وفي حم الشورى (يكاد السماوات) [مريم: 90] بياء التذكير كلفظه فتعين للباقين القراءة بتاء التأنيث فيهما ثم أمر بكسر طاء يَتَفَطَّرْنَ [مريم: 90] يعني أن المشار إليهم بالحاء والفاء والصاد والكاف في قوله حج في صفا كمال وهم أبو عمرو وحمزة وشعبة وابن عامر قرءوا في مريم (ينفطرن منه) [مريم: 90] بنون ساكنة في مكان التاء وكسر الطاء وتخفيفها وأن المشار إليهما بالحاء والصاد في قوله حلا صفوه وهما أبو عمرو وشعبة قرآ (ينفطرن من فوقهن) [الشورى: 5]، كذلك يعني بنون ساكنة في مكان التاء وكسر الطاء وتخفيفها فتعين لمن لم يذكره في الترجمتين القراءة بالتاء وتشديد الطاء وفتحها.
ورائي واجعل لي وإنّي كلاهما ... وربّي وآتاني مضافاتها العلا
أخبر أن فيها ست ياءات إضافة من ورائي وكانت واجْعَلْ لِي آيَةً [مريم: 10]،
وإِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ [مريم: 18]، وإِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ [مريم: 45]، وسَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ [مريم: 47]، وآتانِيَ الْكِتابَ [مريم: 30].
(1/286)

سورة طه عليه السلام
لحمزة فاضمم كسرها أهله امكثوا ... معا وافتحوا إنّي أنا دائما حلا
أمر بضم كسر هاء الضمير في قال موسى لأهله امكثوا هنا [طه: 10] وفي القصص لحمزة فتعين للباقين القراءة بكسر الهاء معا أي في السورتين، ثم أمر بفتح همزة إني الواقع بعدها أنا ربك يعني أن المشار إليهما بالدال والحاء في قوله دائما حلا وهما ابن كثير وأبو عمرو قرآ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: 11] بفتح الهمزة فتعين للباقين القراءة بكسرها.
ونوّن بها والنّازعات طوى ذكا ... وفي اخترتك اخترناك فاز وثقّلا
وأنّا وشام قطع اشدد وضمّ في اب ... تدا غيره واضمم واشركه كلكلا
أمر بتنوين بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [النازعات: 15] بهذه السورة وبالنازعات للمشار إليهم بذال ذكا وهما الكوفيون وابن عامر فتعين للباقين القراءة بترك التنوين ثم أخبر أن المشار إليه بالفاء من فاز وهو حمزة قرأ اخترناك بنون مفتوحة وألف بعد النون في قراءة الباقين اخترتك بتاء مضمومة مكان النون والألف كلفظه بالقراءتين ثم قال وثقلا وأنا يعني أن حمزة قرأ بتشديد النون في وأنا الواقع قبل اخترناك فتعين للباقين القراءة بتخفيفه ثم أخبر أن الشامي وهو ابن عامر قرأ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [طه: 31]
(1/287)

بقطع همزة أسدد ومن شأنها الفتح في الابتداء والوصل فتعين للباقين القراءة بهمزة الوصل ومن شأنها الحذف في الوصل والإثبات في الابتداء مضمومة لوقوع الضم اللازم بعدها وقد أمر بضمها في الابتداء لغير ابن عامر، ثم أمر بضم الهمزة من قوله تعالى: وَأَشْرِكْهُ للمشار إليه بالكاف من كلكلا وهو ابن عامر وذلك شأنها في الحالين فتعين للباقين القراءة بفتحها في الحالين. والكلكل:
الصدر.
مع الزّخرف اقصر بعد فتح وساكن ... مهادا ثوى واضمم سوى في ند كلا
ويكسر باقيهم وفيه وفي سدى ... ممال وقوف في الأصول تأصّلا
أمر أن يقرأ هنا جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً [الزخرف: 10] بالقصر بعد فتح الميم وسكون الهاء للمشار إليهم بالثاء من ثوى وهم الكوفيون فتعين للباقين القراءة بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها كلفظه، ثم أمر أن يقرأ مَكاناً سُوىً [طه: 58] بضم السين
للمشار إليهم بالفاء والنون والكاف من قوله في ند كلا وهم حمزة وعاصم وابن عامر ثم قال ويكسر باقيهم أي باقي السبعة قرءوا بكسر السين ثم قال وفيه وفي سدى أي في سوى في هذه السورة وفي قوله تعالى: أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة: 36] وفي سورة القيامة الإمالة في الوقف لزوال التنوين المانع من إمالتها في الوصل ثم قال في الأصول تأصلا أي تأصل في باب الفتح والإمالة فلا حاجة إلى إعادته هنا.
فيسحتكم ضمّ وكسر صحابهم ... وتخفيف قالوا إنّ عالمه دلا
وهذين في هذان حجّ وثقله ... دنا فاجمعوا صل وافتح الميم حوّلا
أخبر أن المشار إليهم بصحاب وهم حمزة والكسائي وحفص قرءوا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ [طه: 61] بضم الياء وكسر الحاء فتعين للباقين القراءة بفتحها وأن المشار إليهما بالعين والدال في قوله عالمه دلا
(1/288)

وهما حفص وابن كثير قرآ قالوا إن بتخفيف النون وإسكانها فتعين للباقين القراءة بفتحها وتشديدها وأن المشار إليه بالحاء من حج وهو أبو عمرو قرأ هذين بالياء في قراءة الباقين هذان بالألف كلفظه بالقراءتين وأن المشار إليه بالدال من دنا وهو ابن كثير شدد النون من هذان وقد ذكر بالنساء فتعين للباقين القراءة بتخفيف النون فصار ابن كثير يقرأ قالوا إن بتخفيف النون هذان بالألف وتشديد النون وحفص قالوا إن بتخفيف النون هذان بالألف وتخفيف النون وأبو عمرو قالوا إن بتشديد النون هذين بالياء وتخفيف النون والباقون قالوا إن بالتشديد هذان بالألف والتخفيف فذلك أربع قراءات. ثم أمر أن يقرأ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ [طه: 64] بهمزة وصل فتصل الفاء بالجيم وفتح الميم للمشار إليه بالحاء من حوّلا وهو أبو عمرو فتعين للباقين القراءة بهمزة قطع بين الفاء والجيم وكسر الميم، والحوّل: العارف بتحويل الأمور.
وقل ساحر سحر شفا وتلقّف ار ... فع الجزم مع أنثى يخيّل مقبلا
أمر أن يقرأ كيد سحر بكسر السين وإسكان الحاء من غير ألف للمشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي في قراءة الباقين كيد ساحر بألف بعد السين وكسر الحاء كلفظه بالقراءتين ثم أمر أن يقرأ لابن ذكوان المشار إليه بالميم من مقبلا تَلْقَفْ ما صَنَعُوا [طه: 69] برفع جزم الفاء وأخبر أنه قرأ يخيل إليه من سحرهم بتاء التأنيث فتعين للباقين أن يقرءوا تَلْقَفْ ما صَنَعُوا بجزم الفاء ويخيل بياء التذكير. والمقبل. ضد المدبر.
وأنجيتكم واعدتكم ما رزقتكم ... شفا لا تخف بالقصر والجزم فصّلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي قرآ قد أنجيتكم من عدوكم وواعدتكم ومن طيبات ما رزقتكم بتاء مضمومة من غير ألف في الثلاثة كلفظه، وقرأ الباقون أنجيناكم وواعدناكم ما رزقناكم بنون مفتوحة بعدها ألف مكان التاء ولم يلفظ
بقراءتهم ولا قيدها
(1/289)

اعتمادا على ما تقدم من آتيناكم وخلقناكم في مضادة تاء المتكلم نونه لأن الكلمات لا تحتمل غير التاء والنون. ثم أخبر أن المشار إليه بالفاء من فصلا وهو حمزة قرأ (لا تخف دركا) [طه: 77] بالقصر أي بترك الألف وجزم الفاء فتعين للباقين القراءة بالألف ورفع الفاء.
وحا فيحلّ الضّمّ في كسره رضا ... وفي لام يحلل عنه وافى محلّلا
أخبر أن المشار إليه بالراء في رضا وهو الكسائي قرأ بضم كسر الحاء في وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي [طه: 81] وبضم كسر اللام الأولى في وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ [طه:
81] فتعين للباقين أن يقرءوا فيحل بكسر الحاء ومن يحلل بكسر اللام وقوله عنه أي عن الكسائي الضم وأشار بقوله وافى محللا إلى جوازه ومعنى محللا: أي مباحا.
(1/290)

وفي ملكنا ضمّ شفا وافتحوا أولي ... نهى وحملنا ضمّ واكسر مثقّلا
كما عند حرميّ وخاطب يبصروا ... شذا وبكسر اللام تخلفه حلا
دراك ومع ياء بننفخ ضمّه ... وفي ضمّه افتح عن سوى ولد العلا
أخبر أن المشار إليهما بالشين من شفا وهما حمزة والكسائي قرآ بملكنا ولكنا بضم الميم ثم أمر بفتحها للمشار إليهما بالهمزة والنون في قوله أولي نهى، وهما نافع وعاصم فتعين للباقين القراءة بكسرها ثم أمر بضم الحاء وكسر الميم وتشديدها من حملنا أوزارا للمشار إليهم بالكاف والعين وحرميّ في قوله كما عند حرمي وهم ابن عامر وحفص ونافع وابن كثير فتعين للباقين القراءة بفتح الحاء والميم وتخفيفها، ثم أخبر أن المشار إليهما بشين شذا وهما حمزة والكسائي قرآ بما لم
(1/291)

تبصروا به بتاء الخطاب فتعين للباقين القراءة بياء الغيب ثم أخبر أن المشار إليهما بالحاء والدال في قوله حلا دراك وهما أبو عمرو وابن كثير قرآ نخلفه وانظر بكسر اللام فتعين للباقين القراءة بفتحها ثم أخبر أن السبعة إلا أبا عمرو قرءوا يوم ينفخ في الصور بياء مضمومة وأمر بفتح ضم فائه لهم فتعين لأبي عمرو القراءة بنون مفتوحة من ضم الفاء. وقوله أولي نهى: أي أصحاب عقول.
وبالقصر للمكّيّ واجزم فلا يخف ... وأنّك لا في كسره صفوة العلا
أخبر أن المكي وهو ابن كثير قرأ فَلا يَخافُ ظُلْماً [طه: 112] بالقصر، أي بحذف الألف وأمر له بجزم الفاء فتعين للباقين القراءة بالمد، أي بالألف ورفع الفاء وأن المشار إليهما بالصاد والألف في قوله صفوة العلا وهما شعبة ونافع قرآ (وإنك لا تظمأ) [طه:
119] بكسر همزة إنك فتعين للباقين القراءة بفتحها.
وبالضّمّ ترضى صف رضا يأتهم مؤن ... ث عن أولي حفظ لعلّي أخي حلا
وذكري معا إنّي معا لي معا حشر ... تني عين نفسي إنّني رأسي انجلا
أخبر أن المشار إليهما بالصاد والراء في قوله صف رضا، وهما شعبة والكسائي قرآ لَعَلَّكَ تَرْضى [طه: 130] بضم التاء فتعين للباقين القراءة بفتحها، وأن المشار إليهم بالعين والهمزة والحاء في قوله عن أولي حفظ وهم حفص ونافع وأبو عمرو قرءوا أولم تأتهم بتاء التأنيث فتعين للباقين القراءة بياء التذكير ثم أخبر أن فيها ثلاث عشرة ياء إضافة:
لَعَلِّي آتِيكُمْ [طه: 10]، وأَخِي اشْدُدْ [طه: 31]، ولِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ [طه:
15]، وذِكْرِي اذْهَبا [طه: 42 - 43]، وإِنِّي آنَسْتُ ناراً [طه: 10]، وإِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: 12]، وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [طه: 18]، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه: 26]، حَشَرْتَنِي أَعْمى [طه: 125]، وعَيْنِي إِذْ [طه: 39 - 40]، وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: 41]، اذْهَبْ [طه: 42]، وإِنَّنِي أَنَا اللَّهُ [طه: 14]. ولا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ.
(1/292)

سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وقل قال عن شهد وآخرها علا ... وقل أو لم لا واو داريه وصّلا
أخبر أن المشار إليهم بالعين والشين في قوله عن شهد وهم حفص وحمزة والكسائي قرءوا قال ربي يعلم بفتح القاف واللام وألف بينهما وفي قراءة الباقين (قل ربي يعلم) [الأنبياء: 40] بضم القاف وسكون اللام من غير ألف كلفظه بالقراءتين وأن المشار إليه بالعين من علا وهو حفص قرأ في آخر السورة قال رَبِّ احْكُمْ [الأنبياء: 112] بفتح القاف واللام وألف بينهما وفي قراءة الباقين (قل ربّ احكم) [الأنبياء: 112]، بضم القاف وسكون اللام من غير ألف كلفظه بالقراءتين وقوله وقل أو لم أي اقرأ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنبياء: 30] بلا واو للمشار إليه بالدال من دار به وهو ابن كثير فتعين للباقين أو لم بالواو.
وتسمع فتح الضّمّ والكسر غيبة ... سوى اليحصبي والصّمّ بالرّفع وكّلا
وقال به في النّمل والرّوم دارم ... ومثقال مع لقمان بالرّفع اكملا
أخبر أن السبعة إلا ابن عامر قرءوا هنا ولا يسمع بياء الغيب وفتح ضمها وبفتح كسر الميم الصُّمُّ الدُّعاءَ [الأنبياء: 45] برفع الميم فتعين لابن عامر أن يقرأ ولا تسمع بتاء الخطاب وضمها وكسر الميم الصم الدعاء بنصب الميم وقوله وقال به أي بالتقييد المتقدم يعني أن المشار إليه بالدال من دارم وهو ابن كثير قرأ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ [النمل:
80]، إِذا وَلَّوْا [الروم: 52] بالتقييد المتقدم كقراءة الستة بالأنبياء فتعين للباقين القراءة بالنمل والروم كقراءة ابن عامر بالأنبياء وهو عكس التقييد المتقدم. ثم أخبر أن المشار إليه
بالهمزة في قوله أكملا وهو نافع قرأ وإن كان مثقال هنا وإِنْ تَكُ مِثْقالَ [لقمان: 16] برفع اللام فتعين للباقين القراءة بنصبها فيهما.
جذاذا بكسر الضّمّ راو ونونه ... ليحصنكم صافى وأنّث عن كلا
أخبر أن المشار إليه بالراء من راو وهو الكسائي قرأ جذاذا إلا كبيرا لهم بكسر ضم الجيم فتعين للباقين القراءة بضم الجيم ثم أخبر أن المشار إليه بالصاد من صاف وهو شعبة قرأ لنحصنكم من بأسكم
(1/293)

بالنون وأن المشار إليهما بالعين والكاف في قوله: عن كلا وهو حفص وابن عامر قرآ لتحصنكم بتاء التأنيث فتعين للباقين القراءة بياء التذكير إما لأنه ضد التأنيث، أو لأن الياء مؤاخية النون.
وسكّن بين الكسر والقصر صحبة ... وحرم وننجي احذف وثقّل كذي صلا
أخبر أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة قرءوا وحرم على قرية بسكون الراء بين كسر الحاء وقصر ال