Advertisement

الوافي في شرح الشاطبية 001



الكتاب: الوافي في شرح الشاطبية في القراءات السبع
المؤلف: عبد الفتاح بن عبد الغني بن محمد القاضي (المتوفى: 1403هـ)
الناشر: مكتبة السوادي للتوزيع
الطبعة: الرابعة، 1412 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة
نحمد الله تعالى على وافر فضله، وسابغ قوله، ونصلي ونسلم على سيدنا ومولانا محمد صلّى الله عليه وسلم صفوة رسله، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أما بعد: فهذا شرح «حرز الأماني ووجه التهاني» المعروف «بالشاطبية» في القراءات السبع للإمام أبي القاسم الشاطبي رضى الله عنه، يحل رموزه، ويبرز كنوزه، ويفتح مغلقه، ويقيد مطلقه، ويفصل مجمله، ويوضح مشكله، ويزيل مبهمه، ويميط اللثام عن عباراته، ويكشف النقاب عن إشاراته. وضعته خدمة لطلاب المعاهد الأزهرية في ديارنا المصرية، ولطلاب المعاهد الدينية في البلاد الإسلامية الشقيقة المقرر عليهم تدريس متن الشاطبية.
والإمام الشاطبي هو أبو القاسم بن فيرة (1) بن خلف بن أحمد الشاطبي الأندلسي الرعيني الضرير. ولد في آخر سنة 538 هجرية بشاطبة (2)، حيث تلقى فيها القراءات وحذقها على أبي عبد الله محمد بن أبي العاص النفري ثم رحل إلى بلنسية (3) فعرض بها التيسير للإمام أبي عمرو الداني، كما عرض بها القراءات على الإمام ابن هذيل، وسمع منه الحديث. وأخذ على أبي عبد الله محمد بن حميد كتاب سيبويه، والكامل للمبرد، وأدب الكاتب لابن قتيبة. ثم رحل للحج عن طريق الإسكندرية؛ فسمع بها من أبي طاهر السلفي وغيره من الفضلاء. ولما دخل القاهرة أقبل عليه الناس واجتمعوا حوله يرتشفون من علمه الفياض، وينهلون من أدبه الغزير. فلما ترامت أخباره إلى «القاضي الفاضل» حاكم مصر اتصل به وأكرم نزله وجعله شيخا للمدرسة
_________
(1) بكسر الفاء وبعدها ياء مثناة تحتية ساكنة ثم راء مشددة مضمومة بعدها هاء ومعناها بلغة عجم الأندلس الجديد.
(2) هي قرية من قرى الأندلس.
(3) قرية قريبة من بلده.
(1/3)

الفاضلية بالقاهرة، فتصدر بها للإقراء، وحضر له أهل العلم من كل صوب وحدب ليتلقوا عنه علوم القرآن الكريم، وبهذه المدرسة نظم فيما نعلم أربع قصائد:
الأولى: حرز الأماني، وهي التي نحن بصدد شرحها، اختصر فيها كتاب «التيسير» في القراءات السبع للإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني.
الثانية: عقيلة أتراب القصائد في بيان رسم المصاحف العثمانية، اختصر فيها كتاب المقنع للإمام الداني المذكور.
الثالثة: ناظمة الزهر في علم الفواصل- ولنا عليها شرح وجيز نافع- اختصر فيها كتاب البيان في عدّ آي القرآن للإمام الداني أيضا.
الرابعة: قصيدة دالية لخّص فيها كتاب التمهيد لابن عبد البر.
وكان الشاطبي رضى الله عنه إماما ثبتا، حجة في علوم القرآن والحديث واللغة، كما كان آية من آيات الله في حدة الذهن وحصافة العقل وقوة الإدراك، ويزين ذلك كله زهد في الدنيا، وورع في الدين، وإقبال على الله تعالى بمختلف العبادات ومتنوع القربات، ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة، وكان يمنع جلساءه من الخوض إلا في العلم والقرآن، وكان يعتل العلة الشديدة ولا يشتكي، فكان مثلا أعلى للصبر والاستسلام لربه والخضوع لحكمه، وإذا سئل عن حاله لا يزيد على أن يقول: «العافية».
توفّي الإمام في يوم 28 جمادى الآخرة سنة 590 هجرية، ودفن بمقبرة القاضي الفاضل بالقرافة الصغرى بسفح جبل المقطم بالقاهرة، وقبره معروف يقصد حتى الآن للزيارة، تغمده الله بواسع رحماته، وأفاض علينا من خيراته وبركاته.
أما عن أنزل القرآن على سبعة أحرف وحكمة ذلك: فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» [رواه البخاري ومسلم] .. وعن أبيّ بن كعب أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان عند أضاة (1) بني غفار فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك» ثم أتاه الثانية فقال:
إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: «أسأل
_________
(1) الأضاة بفتح الهمزة مستنقع الماء وكان بموضع من المدينة وينسب إلى بني غفار فقد نزلوا عنده.
(1/4)

الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك» ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك» ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف؛ فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا. [رواه مسلم].
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم فكدت أساوره (1) في الصلاة فتصبرت حتى سلّم فلببته بردائه (2) فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقلت: كذبت فإن
رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقلت:
أني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كذلك أنزلت» ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال صلّى الله عليه وسلم: «كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه (3)» [رواه البخاري ومسلم].
وعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: لقي رسول الله صلّى الله عليه وسلم جبريل فقال: «يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، فيهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط» قال: يا محمد إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف. [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح].
وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة اختلافا كثيرا وذهبوا فيه مذاهب شتى، والذي نرجحه من بين هذه المذاهب مذهب الإمام أبي الفضل الرازي، وهو أن المراد بهذه الأحرف الأوجه التي يقع بها التغاير والاختلاف.
والأوجه التي يقع بها هذا التغاير والاختلاف لا تخرج عن سبعة: الأول: اختلاف الأسماء في الإفراد والتثنية والجمع، نحو قوله تعالى في سورة البقرة:
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قرئ لفظ (مسكين) هكذا بالإفراد وقرئ (مساكين) بالجمع. وقوله تعالى في الحجرات: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ قرئ بفتح الهمزة والخاء والواو وبعدها ياء ساكنة على أنه مثنى أخ، وقرئ: «إخوتكم» بكسر
_________
(1) أواثبه وأقاتله.
(2) جمعت عليه رداءه عند لبته.
(3) أي من الأحرف المنزل بها.
(1/5)

الهمزة، وسكون الخاء وفتح الواو، وبعدها تاء مكسورة على أنه جمع أخ. وقوله تعالى في سورة سبأ: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ قرئ بإثبات الألف بعد الفاء مع ضم الراء على الجمع، وقرئ بحذف الألف وسكون الراء على الإفراد. واختلاف الأسماء أيضا في التذكير والتأنيث نحو قوله تعالى في البقرة: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ قرئ (يقبل) بياء التذكير وتاء التأنيث. وقوله تعالى في النحل: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ* قرئ (يتوفاهم) بياء التذكير، وقرئ بتاء التأنيث. وقوله تعالى في الأنفال: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ قرئ (يكن) بياء التذكير وتاء التأنيث.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال، من ماض ومضارع وأمر، نحو: قوله تعالى في البقرة: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قرئ بفتح التاء والطاء مخففة مع فتح العين على أنه فعل ماض، وقرئ (يطّوع) بياء مفتوحة وبعدها طاء مشددة مفتوحة مع جزم العين على أنه فعل مضارع. وقوله تعالى بيوسف: فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ قرئ بجيم مشددة بعد النون
المضمومة وبعدها ياء مفتوحة على أنه فعل ماض؛ وقرئ بزيادة نون ساكنة بعد النون المضمومة مع تخفيف الجيم وسكون الياء على أنه فعل مضارع. وقوله تعالى في الأنبياء:
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ قرئ (قال) على أنه فعل ماض وقرئ (قل) على أنه فعل أمر. وقوله تعالى في البقرة: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قرئ (أعلم) بهمزة قطع مفتوحة مع رفع الميم على أنه فعل مضارع، وقرئ (اعلم) بهمزة وصل تثبت مكسورة في الابتداء وتسقط في الدرج مع سكون الميم على أنه فعل أمر.
الثالث: اختلاف وجوه الإعراب، نحو قوله تعالى في سورة البقرة: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ قرئ بضم التاء ورفع اللام على أن (لا) نافية، وقرئ بفتح التاء وجزم اللام على أن (لا) ناهية. وقوله تعالى في إبراهيم: اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ قرئ بخفض الهاء من لفظ الجلالة وقرئ برفعها. وقوله تعالى في النور: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ قرئ (يسبح) بكسر الباء وفتحها على البناء للمعلوم والمجهول.
الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة، كقوله تعالى بآل عمران: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قرئ بإثبات الواو قبل السين وقرئ بحذفها. وقوله تعالى في يوسف:
قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ قرئ بزيادة الياء المفتوحة بعد الألف وقرئ
(1/6)

بحذفها. وقوله تعالى في الشورى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ قرئ (فبما) بفاء قبل الباء وقرئ (بما) بحذف الفاء.
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير، كقوله تعالى في آل عمران وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا قرئ بتقديم (وقاتلوا) وتأخير (وقتلوا) وقرئ بتقديم (وقتلوا) وتأخير (وقاتلوا). وقوله تعالى في الإسراء وفصلت: وَنَأى بِجانِبِهِ قرئ بتقديم الهمزة على الألف وقرئ بتقديم الألف على الهمزة. وقوله تعالى في المطففين: خِتامُهُ مِسْكٌ قرئ بكسر الخاء وتقديم التاء المفتوحة على الألف وقرئ بفتح الخاء وتقديم الألف على التاء المفتوحة.
السادس: الاختلاف بالإبدال، أي جعل حرف مكان آخر، كقوله تعالى في سورة يونس: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ قرئ (تبلوا) بتاء مفتوحة فباء ساكنة وقرئ بتاءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة. وقوله تعالى في الشعراء: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ قرئ (وتوكل) بالواو، وقرئ (فتوكل) بالفاء. وقوله تعالى في سورة التكوير: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ قرئ بالضاد والطاء.
السابع: الاختلاف في اللهجات: كالفتح والإمالة، والإظهار والإدغام، والتسهيل
والتحقيق، والتفخيم والترقيق وهكذا، ويدخل في هذا النوع الكلمات التي اختلفت فيها لغة القبائل وتباينت ألسنتهم في النطق بها نحو: خطوات، بيوت، خفية، زبورا،
شنآن، السحت، الأذن، بالعدوة، بزعمهم، يعزب، يقنط.
وأما الحكمة في إنزال القرآن على هذه الأوجه المختلفة، فهي: أن العرب الذي نزل القرآن بلغتهم، ألسنتهم مختلفة، ولهجاتهم متباينة، ويتعذر على الواحد منهم أن ينتقل من لهجته التي درج عليها، ومرن لسانه على التخاطب بها، فصارت هذه اللهجة طبيعة من طبائعه، وسجية من سجاياه، واختلطت بلحمه ودمه، بحيث لا يمكنه التغاضي عنها ولا العدول إلى غيرها ولو بطريق التعليم والعلاج، خصوصا الشيخ الكبير والمرأة العجوز والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قطّ، كما في حديث الترمذي الآنف الذكر.
فلو كلفهم الله تعالى مخالفة لهجاتهم والعدول عنها لشقّ ذلك عليهم، ولكان ذلك من قبيل التكليف بما لا يدخل تحت الطاقة، فاقتضت رحمة الله تعالى بهذه
(1/7)

الأمة أن يخفف عليها وأن ييسر لها حفظ كتابها وتلاوة دستورها، كما يسّر لها أمر دينها وأن يحقق لها أمنية نبيها حين أتاه جبريل فقال له: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك» ولم يزل رسول الله صلّى الله عليه وسلم يردد في المسألة ويلحف في الرجاء حتى أذن الله له أن يقرئ أمته القرآن على سبعة أحرف، فكان صلّى الله عليه وسلم يقرئ كل قبيلة بما يوافق لغتها ويلائم لسانها.
أما عن قراءات الأئمة السبعة وصلتها بالأحرف السبعة: فيرى بعض الناس أن قراءة أي قارئ من القراء السبعة هي أحد الأحرف السبعة المذكورة في الحديث. فيزعموا أن قراءة نافع هي حرف، وقراءة ابن كثير هي حرف آخر، وهكذا قراءات باقي القراء السبعة، كل قراءة منها حرف من الأحرف السبعة، وهذا الرأي بعيد عن الصواب ومخالف للإجماع لأسباب متعددة أهمها: أن الأحرف السبعة نزلت في أول الأمر للتيسير على الأمة ثم نسخ الكثير منها بالعرضة الأخيرة، مما حدى بالخليفة عثمان بن عفان إلى كتابة المصاحف التي بعث بها إلى الأمصار وأحرق كل ما عداها من المصاحف.
والصواب: أن قراءات الأئمة السبعة بل العشرة التي يقرأ الناس بها اليوم هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وورد فيها الحديث: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» وغيره من الأحاديث. وهذه القراءات العشر جميعها موافقة لخط مصحف من المصاحف العثمانية التي بعث بها عثمان إلى الأمصار بعد أن أجمع الصحابة عليها وعلى إطراح كل ما يخالفها.
أسأل الله سبحانه أن يثيبني على هذا العمل الجليل بقدر ما لي فيه من حسن النية، ونبالة القصد، وأن يمنحني الإخلاص الدائم لخدمة كتابه المجيد، ويجعله شفيعا لي يوم الدين، فهو حسبي ونعم الوكيل ..
خادم العلم والقرآن
عبد الفتّاح القاضي
(1/8)

[أبواب الكتاب]
1 باب التقديم للشاطبية وبيان رموزها [1 - 94]
قال الناظم رحمه الله تعالى:
1 - بدأت ببسم الله في النّظم أوّلا ... تبارك رحمانا رحيما وموئلا
[اللغة] (1): البدء والابتداء بمعنى واحد. والنظم: مصدر أريد به المنظوم. وتبارك:
تفاعل من البركة، وهي زيادة الخير وكثرته. والرحمن الرحيم: وصفان مشتقان من الرحمة بمعنى الإحسان والإنعام. ويراد بالوصف الأول المنعم بحلائل النعم وعظائمها، وبالوصف الثاني المنعم بدقائقها. والموئل: المرجع والملجأ.
والمعنى: أنه ابتدأ نظمه بالبسملة لما اشتملت عليه من المعاني الجليّ، والصفات العلى لله رب العالمين، موئل الراجين، وملاذ اللاجئين.
2 - وثنّيت صلّى الله ربّي على الرّضا ... محمّد المهدى إلى النّاس مرسلا
ثنى نظمه بالصلاة على رسول الله محمد صلّى الله عليه وسلم، الذي ارتضاه الله عزّ وجلّ للنبوة، وبعثه هدية لعباده، واسطة بينهم وبين خالقهم سبحانه وتعالى.
3 - وعترته ثمّ الصّحابة ثمّ من ... تلاهم على الإحسان بالخير وبّلا
اللغة: عترة النبي صلّى الله عليه وسلم: أهله الأدنون، وعشيرته الأقربون. والصحابة: جمع صحابي وهو من صحب النبي صلّى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك. وتلاهم: تبعهم. والوبل: جمع وابل وهو المطر الغزير.
المعنى: يعني: صلى الله «كذلك» على عترة النبي صلّى
_________
(1) ما بين المعكوفتين إضافة من الناشر.
(1/9)

الله عليه وسلم، وعلى صحابته، وعلى من تبعهم واقتدى بهم في أعمالهم وأخلاقهم حال كون الصحابة والتابعين مشبهين بالمطر الغزير في كثرة خيرهم وعموم نفعهم.
4 - وثلّثت أنّ الحمد لله دائما ... وما ليس مبدوءا به أجذم العلا
اللغة: الأجذم: الناقص. والعلا: بفتح العين والمد: الرفعة والشرف. وقصر؛ رعاية لقافية الشعر.
والمعنى: أنه ثلث بإثبات الحمد الدائم لله سبحانه؛ لأن كل أمر لا يبدأ بحمد الله فهو ناقص الخير والبركة كما ورد ذلك مرفوعا عن النبي صلّى الله عليه وسلم.
5 - وبعد فحبل الله فينا كتابه ... فجاهد به حبل العدا متحبّلا
اللغة: الحبل: بفتح الحاء السبب، وأطلق هنا على القرآن؛ لأنه سبب في نجاة كل من
تمسك به من أهوال الآخرة، وحبل بكسر الحاء: الداهية. والعدا: الأعداء. والمتحبل:
من تحبل الصيد إذا أخذه بالحبالة وهي الشبكة.
والمعنى: بعد ما ذكرنا من اسم الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعلى عترته وصحابته وعلى كل من تبعهم بإحسان، فحبل الله فينا كتابه القديم وكلامه الحكيم، فجاهد أيها القارئ بهذا الكتاب وبما تضمنه من أدلة وبراهين مكايد خصومه وأعدائه حال كونك متحبلا بالقرآن أي جاعله حبالة تصيدهم بها إلى الإيمان والحق.
6 - وأخلق به إذ ليس يخلق جدّة ... جديدا مواليه على الجدّ مقبلا
اللغة: يقال: فلان خليق بكذا أي: جدير به، وأخلق به: فعل تعجب، أي ما أخلقه وأجدره، والضمير للقرآن. وإذ للتعليل. ويخلق بفتح الياء وضم اللام بمعنى يبلى. والجدة ضد البلى. وجديدا: من الجد بفتح الجيم وهو العظمة والعزة والشرف. والموالاة:
المصافاة، فمواليه بمعنى مصافيه، والجد: بكسر الجيم ضد الهزل. والإقبال على الشيء التوجه إليه والاهتمام به، وجدة: منصوب على التمييز، وجديدا: حال من ضمير يخلق العائد على القرآن العزيز. ومواليه: مبتدأ خبره على الجد فهي جملة مستأنفة، ويصح أن يكون مواليه مرفوعا على أنه فاعل جديدا، ومقبلا حال.
(1/10)

والمعنى: ما أجدر القرآن بالمجاهدة بأدلته وبراهينه؛ لأنه لا يبلى حال كونه سميّ المكانة، رفيع المنزلة، وكل من والاه وصافاه فهو مستقر على الجد سائر على الحق مستقيم على الجادة حال كونه مهتما به عاملا بما اشتمل عليه.
7 - وقارئه المرضيّ قرّ مثاله ... كالأترج حاليه مريحا وموكلا
اللغة: قر الشيء: بمعنى استقر وثبت، والمثال: الشبيه والنظير. والأترج: فاكهة معروفة جمع أترجة. وأراح الطيب: إذا عبق ريحه، وأكل الزرع: إذا أطعم أي صار ذا طعم.
والمعنى: أن قارئ القرآن العامل به، السائر على نهجه ثبت مثاله مشبها الأترج في حاليه الإراحة والطعم، وفي البيت إشارة لقوله صلّى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة:
ريحها طيب، وطعمها طيب» [أخرجه البخاري ومسلم].
8 - هو المرتضى أمّا إذا كان أمّة ... ويمّمه ظلّ الرّزانة قنقلا
اللغة: المرتضى: هو المحمودة سجاياه. والأمّ: بفتح الهمزة وتشديد الميم: القصد.
و «الأمة» الجماعة، وتطلق على الرجل الذي اجتمع فيه صفات الخير والبر. ويممه:
قصده. والرزانة: رجاحة العقل والسكينة والوقار. والقنقل: الكثيب العظيم من الرمل.
و (أمّا): تمييز، وكان بمعنى صار، وقنقلا: حال من الضمير المنصوب في ويممه.
والمعنى: أن قارئ القرآن مرضيّ قصده مخلصة نيته؛ لأنه صار بتوجهه للقرآن وعنايته به جامعا لخصال الخير، فيكون بمثابة أمة، وقصده ظل العقل والوقار، حال كونه مشبها الجبل في السكون والتؤدة والوقار، وجعل الناظم الرزانة هي التي تقصده كأنها تفتخر به، وتتزين بأن تظله لكثرة خلال الخير فيه مبالغة في الإشادة بقارئ القرآن.
9 - هو الحرّ إن كان الحريّ حواريا ... له بتحرّيه إلى أن تنبّلا
اللغة: الحر: هو الذي لم يلحقه الرق. والحرى: الخليق والجديد. والحواري:
بالتشديد: الصاحب المخلص، وتخفيف يائه لضرورة الشعر، والتحري: الاجتهاد في قصد الحق وطلب
(1/11)

الصواب، والتنبّل: الرفعة، أو الموت.
والمعنى: أن القارئ هو الحر الذي لم يستعبده الهوى، ولم تسترقه الدنيا، ولكن إذا كان خليقا جديرا بالتحري في القرآن، والاستعداد لحفظه واستظهاره، والسير على طريقته، حال كونه مخلصا له نيته موجها إليه جميع حواسه وشعوره إلى أن ينبغ في العلم أو إلى أن يموت.
10 - وإن كتاب الله أوثق شافع ... وأغنى غناء واهبا متفضّلا
الغناء: بفتح الغين والمد الكفاية، وهو مصدر بمعنى الفاعل أي أغنى مغن.
والمعنى: أن كتاب الله عزّ وجلّ هو الشافع الذي لا ترد شفاعته، وشفاعته للعبد تمنعه من وقوعه في العذاب بخلاف شفاعة غيره فإنها تخرج العبد من العذاب بعد وقوعه فيه، وفي ذلك إشارة لقوله صلّى الله عليه وسلم «اقرءوا القرآن فإنه يجيء يوم القيامة شفيعا لأصحابه». ومعنى:
وأغنى غناء: أن كفاية القرآن أتم من كفاية غيره، وإغناؤه أكثر من إغناء غيره حال كون القرآن واهبا لقارئه الثواب متفضلا عليه بالكرامة.
11 - وخير جليس لا يملّ حديثه ... وترداده يزداد فيه تجمّلا
اللغة: الجليس: الصاحب. والملل: السآمة. والترداد: التكرار. والتجمل: تفعل من الجمال وهو الزينة. وترداد: مصدر مضاف إلى الهاء وهي تعود على القارئ فيكون من إضافة المصدر للفاعل، أو على القرآن فيكون من إضافة المصدر إلى المفعول، وضمير يزداد يرجع للترداد وضمير فيه يعود على القرآن. وتجملا: مفعول ثان ليزداد والأول محذوف والتقدير يزداد القارئ أو القرآن تجملا.
والمعنى: أن القرآن العظيم أحسن أنيس لا يسأم من حديثه، ولا تمل تلاوته ولا سماعه. وتكراره يزيده جمالا لما يظهر من تلاوته من النور والبهجة ويزيد قارئه تجملا لما يقتبس من أخلاقه وآدابه.
12 - وحيث الفتى يرتاع في ظلماته ... من القبر يلقاه سنا متهلّلا
(1/12)

اللغة: يرتاع: يفزع. والظلمات: جمع ظلمة ضد النور. والسنا: مقصور الضوء.
والمتهلل: الباشّ المسرور.
والمعنى: إذا كان قارئ القرآن يخشى من أعماله السيئة المظلمة أو من ظلمات القبر فإن القرآن يلقاه مشرقا باشّ الوجه، فيأنس به، ويتبدل خوفه أمنا وطمأنينة.
13 - هنالك يهنيه مقيلا وروضة ... ومن أجله في ذروة العزّ يجتلى
اللغة: هنالك: اسم إشارة للقبر، والمقيل: مكان القائلة وهي الاستراحة سواء كان فيها نوم أم لا. والروضة: الجنة المزدهرة. وذروة كل شيء: أعلاه. وذروة العز: أعلى درجات الجنة. ويجتلى: ينظر إليه بارزا، من اجتليت العروس إذا نظرت إليها بادية في زينتها. والضمير المستتر في يهنيه يعود على القرآن، والبارز يعود على القارئ. ومقيلا وروضة: حالان أو تمييزان. وضمير أجله يعود على القرآن. ويجتلى: يعود على القارئ.
والمعنى: أن القرآن الكريم يهنئ القارئ في القبر «حال كون القبر مقيلا وروضة» بدفع الشر عنه وجلب الخير له. ومن أجل تلاوته القرآن يجتلى القارئ في سنام المجد والكرامة يوم القيامة.
14 - يناشد في إرضائه لحبيبه ... وأجدر به سؤلا إليه موصّلا
اللغة: المناشدة: المبالغة في الطلب. والحبيب: فعيل بمعنى المفعول أي المحبوب. وأجدر به:
صيغة تعجب، والسؤل: المسئول وهو المطلوب، والضمير في يناشد يعود على القرآن وفي إرضائه يعود على الله تعالى، وفي لحبيبه يعود على القرآن. وحبيب القرآن هو القارئ للقرآن العامل بما فيه.
والمعنى: يناشد القرآن ربه أن يعطي قارئه من الأجر والمثوبة ما تقر به عينه. وقوله:
وأجدر به سؤلا إليه موصلا: معناه ما أحق مسئوله ومطلوبه أن يوصل إليه.
15 - فيا أيّها القارى به متمسّكا ... مجلّا له في كلّ حال مبجّلا
16 - هنيئا مريئا والداك عليهما ... ملابس أنوار من التّاج والحلى
(1/13)

17 - فما ظنّكم بالنّجل عند جزائه ... أولئك أهل الله والصّفوة الملا
اللغة: الإجلال والتبجيل: معناهما التوقير والتعظيم، نادى الناظم قارئ القرآن المتمسك به، المعظم له، الواقف عند حدوده، وبشّره بما تضمنته الأبيات بعده. والهنيء المريء: هو ما يستطاب من الطعام والشراب ثمّ عمم بالتهنئة لكل أمر سار. وهما منصوبان على المفعولية، والتقدير: صادفت هنيئا مريئا، أو على الحال والتقدير ثبت لك النعيم حال كونه هنيئا مريئا، أو على أنهما صفتا مصدر محذوف والتقدير عش عيشا هنيئا مريئا. وقوله:
والداك: مبتدأ، وجملة: عليهما ملابس أنوار: خبره. والحلىّ: جمع حلية وهي الهيئة من
التحلي الذي هو لبس الحلي. وفي قوله: والداك إلخ إشارة إلى قوله صلّى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟» [رواه أبو داود وغيره]. وقوله: فما ظنكم بالنجل عند جزائه: النجل: النسل كالولد يقع على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. والاستفهام هنا فيه معنى التعظيم والتفخيم.
المعنى: والأمر أي: ظنّوا ما شئتم من الجزاء لهذا الولد الذي يكرّم والداه من أجله. وفي قوله: أولئك أهل الله إشارة إلى قوله صلّى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس» قيل من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن أهل الله وخاصته» [أخرجه البزار وابن ماجة].
والصفوة: الخالص من كل شيء. وأشار بالصفوة إلى الخاصة المذكورة في الحديث الآنف الذكر، والملا: الأشراف والرؤساء وهو موافق لقوله صلّى الله عليه وسلم: «أشراف أمتي حملة القرآن» [أخرجه أبو العلاء الهمذاني]:
18 - أولو البرّ والإحسان والصّبر والتّقى ... حلاهم بها جاء القرآن مفصّلا
المعنى: أن أهل القرآن هم أصحاب الخير والإحسان والصبر على الطاعات. والبعد عن المحرمات، صفاتهم جاء بها القرآن مفصّلا لها.
19 - عليك بها ما عشت فيها منافسا ... وبع نفسك الدّنيا بأنفاسها العلا
(1/14)

اللغة: عليك: اسم فعل أمر بمعنى الزم. والمنافسة: الحرص على الشيء والمبالغة في المزاحمة فيه. والضمير في بها: يعود على الصفات المذكورة قبلا، وفي فيها: يعود على
الدنيا.
والمعنى: الزم هذه الصفات مدة حياتك منافسا فيها غيرك، وأبدل بنفسك الخسيسة، وشهوتك الحقيرة طيب أرواح الأعمال الصالحة والخلال الرفيعة.
20 - جزى الله بالخيرات عنّا أئمّة ... لنا نقلوا القرآن عذبا وسلسلا
اللغة: العذب: الماء الحلو الطيب، والسلسل: السهل الدخول في الحلق.
والمعنى: جزى الله أئمة القراءة الذين نقلوا لنا القرآن نقلا عذبا سائغا لم يزيدوا فيه كلمة أو حرفا، ولم ينقصوا منه كلمة أو حرفا، بل نقلوه بألفاظه وحروفه التي تلقوها عن غيرهم بالسند الموصول إلى النبي صلّى الله عليه وسلم.
21 - فمنهم بدور سبعة قد توسّطت ... سماء العلا والعدل زهرا وكمّلا
اللغة: بدور: جمع بدر وهو القمر المنير في الليلة الرابعة عشرة، وتوسط السماء: بلغ وسطها. وزهرا: جمع أزهر، وهو المضيء المشرق. وكمّلا: جمع كامل.
والمعنى: من هؤلاء الأئمة الناقلين للقرآن سبعة رجال، وشبههم بالبدور في علو
منزلتهم، وغزارة علمهم، وكثرة الانتفاع بهم.
22 - لها شهب عنها استنارت فنوّرت ... سواد الدّجى حتّى تفرّق وانجلى
اللغة: الشهب: جمع شهاب وهو النجم المضيء. استنارت: أضاءت. فنورت: أضاءت غيرها. والدجى: جمع دجية وهي الظلمة وكنى بها عن الجهل. وتفرق: تقطع. وانجلى: انكشف.
والمعنى: أن للقراء السبعة جماعة من الرواة أشبهت الشهب في الهداية والعلو، أخذت القراءة عنهم وعلمتها الناس بعدهم فأماطت عنهم ظلمة الجهل، وألبستهم أنوار العلم.
23 - وسوف تراهم واحدا بعد واحد ... مع اثنين من أصحابه متمثّلا
يعني أنه يذكر البدور «الأئمة» ثم يذكر الشهب «الرواة» ويبين لكل إمام راويين
(1/15)

هما أشهر من رويا عن الإمام، ثم إن من ذكرهم من الرواة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من أخذ عن الإمام مباشرة وهم: قالون وورش عن نافع، وشعبة وحفص عن عاصم، وأبو الحارث والدوري عن الكسائي.
القسم الثاني: من بينه وبين الإمام واحد وهم: الدوري والسوسي عن اليزيدي عن أبي عمرو، وخلف وخلاد عن سليم عن حمزة.
القسم الثالث: من بينه وبين الإمام أكثر من واحد وهم: البزي وقنبل، وهشام بن ذكوان فإن بين البزي وقنبل وبين ابن كثير أكثر من واحد، وبين هشام وابن ذكوان وبين ابن عامر أكثر من واحد.
24 - تخيّرهم نقّادهم كلّ بارع ... وليس على قرآنه متأكّلا
اللغة: تخيرهم: اختارهم وارتضاهم، والضميران المنصوبان للبدور والشهب كليهما. والنقاد:
جمع ناقد وهو الذي يميز الجيد من الرديء. والبارع: هو الحاذق المتقن. وتأكل بكذا: إذا جعله سبب أكله، فعلى في البيت بمعنى باء السببية، و (كلّ): نصب بدل من ضمير تخيرهم.
المعنى: اختار نقاد العلماء من بين القراء هؤلاء البدور السبعة والشهب الأربعة عشر على غيرهم لفضلهم علما وعملا وزهدا في الدنيا؛ حيث لم يجعلوا قراءتهم تعلما أو تعليما سبب رزقهم، ومورد كسبهم.
25 - فأمّا الكريم السّرّ في الطّيب نافع ... فذاك الّذي اختار المدينة منزلا
26 - وقالون عيسى ثمّ عثمان ورشهم ... بصحبته المجد الرّفيع تأثّلا
اللغة: هذا شروع في بيان الأئمة السبعة ورواتهم واحدا بعد واحد. و (الكريم السر) الشريف الباطن. و (المجد) الشرف. و (التأثل) الارتقاء إلى أعلى الشيء.
المعنى: ونافع هو ابن عبد الرحمن بن أبي نعيم وكنيته أبو رويم أصفهاني الأصل أسود اللون، كان عالما بوجوه القراءات والعربية، وهو إمام دار الهجرة في القراءة بعد أبي جعفر، وكان إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسك، فقيل له: أتتطيب كلما جلست للإقراء، فقال: لا
(1/16)

أمس طيبا، ولكني رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم في المنام يقرأ في فيّ. فمن ذلك الوقت توجد هذه الرائحة، وقد أشار الناظم إلى هذا بقوله: فأما الكريم السر في الطيب نافع. قرأ على سبعين من التابعين منهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع. ولد نافع سنة سبعين وتوفي بالمدينة سنة تسع وستين ومائة، وراوياه: قالون وورش.
فأما قالون: فهو عيسى بن مينا، ويكنى أبا موسى ولقّبه شيخه نافع بقالون لجودة قراءته، فإن قالون بلغة الرومية جيد، وكان أصم لا يسمع البوق، وإذا قرئ عليه القرآن سمعه. ولد سنة مائة وعشرين ومات بالمدينة سنة مائتين وعشرين. وأما ورش: فهو أبو سعيد عثمان بن سعيد المصري ولقبه شيخه نافع بورش لشدة بياضه، ولد بمصر سنة عشر ومائة، ثم رحل إلى نافع بالمدينة فقرأ عليه عدة ختمات، ثم رجع إلى مصر وأقرأ الناس مدة طويلة، ثم توفي بها سنة سبع وتسعين ومائة.
27 - ومكّة عبد الله فيها مقامه ... هو ابن كثير كاثر القوم معتلى
28 - روى أحمد البرّى له ومحمّد ... على سند وهو الملقّب قنبلا
اللغة: (مقامة) بضم الميم موضع الإقامة. (كاثر القوم معتلى) أي غالب القوم اعتلاء بعلمه وفضله.
المعنى: الإمام الثاني عبد الله بن كثير بن المطلب القرشي، ويكنى أبا معبد إمام أهل مكة في القراءة، ولد بمكة سنة خمس وأربعين ولقى بها من الصحابة أبا أيوب الأنصاري وأنس بن مالك وغيرهما فهو من التابعين وأخذ القراءة عرضا عن عبد الله بن السائب وغيره، وكان فصيحا بليغا مفوها، عليه السكينة والوقار، ومات سنة عشرين ومائة، روى عنه أحمد البزي وقنبل بسند.
فأما البزي: فهو أحمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة، والبزة الشدة، أستاذ ضابط محقق مقرئ مكة ومؤذن المسجد الحرام، انتهت إليه مشيخة الإقراء بمكة، ولد سنة سبعين ومائة، وتوفى سنة خمسين ومائتين.
وأما قنبل: فهو محمد بن عبد الرحمن بن خالد المكي الملقب بقنبل، انتهت إليه مشيخة الإقراء بالحجاز، ولد سنة خمس وتسعين ومائة، ومات سنة إحدى وتسعين
(1/17)

ومائتين. أخذ كل من البزي وقنبل القراءة عن رواة عن ابن كثير.
29 - وأمّا الإمام المازنيّ صريحهم ... أبو عمرو البصري فوالده العلا
30 - أفاض على يحيى اليزيديّ سيبه ... فأصبح بالعذب الفرات معلّلا
31 - أبو عمر الدّوري وصالحهم أبو ... شعيب هو السّوسيّ عنه تقبّلا
اللغة: (المازني) نسبة لبني مازن. و (الصريح) الخالص النسب. و (الإفاضة) الإفراغ. و (السيب) العطاء. والمراد به هنا العلم. و (الفرات) العذب وجمع بينهما للتأكيد. و (المعلل) الذي يسقى مرة بعد أخرى.
المعنى: الإمام الثالث أبو عمرو البصري المازني، ولد سنة ثمان وستين وقرأ بالبصرة والكوفة ومكة والمدينة، وهو أكثر القراء السبعة شيوخا، ومن شيوخه عبد الله بن كثير، وسمع أنس بن مالك وغيره، وتوفى بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة، أفاض أبو عمرو سيبه الذي هو العلم على يحيى اليزيدي فأصبح يحيى ببركة إفاضة أبي عمرو العلم عليه معللا ريان من العلم، ويحيى هذا هو السند المتوسط بين أبو عمرو وراوييه وهما: أبو عمر الدوري، وأبو شعيب السوسي.
فأما الدوري: فهو حفص بن عمر بن عبد العزيز، وكنيته أبو عمر إمام القراء في عصره وهو أول من جمع القراءات، ولد سنة خمسين ومائة في الدور- وهو موضع قرب بغداد- وتوفى سنة ست وأربعين ومائتين.
وأما السوسي: فهو صالح بن زياد السوسي توفي سنة إحدى وستين ومائتين، وقد قارب التسعين، وأخذ كل من الدوري والسوسي القراءة عن يحيى اليزيدي عن أبي عمرو البصري.
32 - وأمّا دمشق الشّام دار ابن عامر ... فتلك بعبد الله طابت محلّلا
33 - هشام وعبد الله وهو انتسابه ... لذكوان بالإسناد عنه تنقلا
اللغة: (المحلل): المكان الذي يحل فيه.
المعنى: الإمام الرابع عبد الله بن عامر اليحصبي، وكنيته أبو عمران، انتهت
(1/18)

إليه مشيخة الإقراء بالشام كان إماما كبيرا وتابعيّا جليلا جمع بين الإمامة بالجامع الأموي بدمشق والقضاء ومشيخة الإقراء، ولد ابن عامر سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وقيل: سنة ثمان، وتوفى بدمشق سنة ثمان عشرة ومائة، وراوياه: هشام وابن ذكوان بسند.
فأما هشام: فهو هشام بن عمار بن نصير وكنيته أبو الوليد إمام أهل دمشق وخطيبهم ومقرئهم ولد سنة ثلاث وخمسين مائة، وتوفى سنة خمس وأربعين ومائتين.
وأما ابن ذكوان: فهو عبد الله بن أحمد بن بشر بن ذكوان الدمشقي، شيخ الإقراء بالشام، وإمام جامع دمشق، ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة، وتوفى سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
وقد نقل هشام وابن ذكوان القراءة عن ابن عامر ولكن بواسطة بينهما وبينه.
34 - وبالكوفة الغرّاء منهم ثلاثة ... أذاعوا فقد ضاعت شذا وقرنفلا
35 - فأمّا أبو بكر وعاصم اسمه ... فشعبة راويه المبرّز أفضلا
36 - وذاك ابن عيّاش أبو بكر الرّضا ... وحفص وبالإتقان كان مفضّلا
اللغة: (الغراء) البيضاء وصفت الكوفة بذلك؛ لما فيها من كثرة العلماء. (أذاعوا) نشروا العلم بين الناس. (ضاعت): فاحت رائحة العلم بها. و (الشذا): العود أو المسك. و (القرنفل) معروف. (والمبرز): هو الذي فاق أقرانه.
المعنى: أن في الكوفة المشهورة ثلاثة من الأئمة السبعة بثوا علمهم فيها، فتعطر بها ذكرهم، ورفع من شأنها علمهم. فالإمام الأول من الثلاثة: عاصم بن بهدلة أبي النجود بفتح النون الأسدي وكنيته أبو بكر. شيخ الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السلمي، جمع بين الفصاحة والإتقان، وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن وكان من التابعين، توفى آخر سنة سبع وعشرين ومائة بالكوفة.
وراوياه: شعبة وحفص.
فأما شعبة: فهو شعبة بن عياش بن سالم وكنيته أبو بكر.
(1/19)

ولد سنة خمس وتسعين.
وكان إماما كبيرا عالما عاملا حجة من كبار أئمة السنة، وتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائة.
وأما حفص: فهو حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي. ولد سنة تسعين.
ويقال: كان حفص أعلم الناس بقراءة عاصم، توفى سنة ثمانين ومائة.
37 - وحمزة ما أزكاه من متورّع ... إماما صبورا للقرآن مرتّلا
38 - روى خلف عنه وخلّاد الّذي ... رواه سليم متقنا ومحصّلا
اللغة: (ما أزكاه) من الزكاة وهي الطهر. والتورع: الخشية والتقي وترك الشبهات.
المعنى: الإمام الثاني من أئمة الكوفة: حمزة بن حبيب الزيات ولد سنة ثمانين، وأدرك بعض الصحابة بالسن، فيحتمل أن يكون رأي بعضهم، كان إمام القراء بالكوفة بعد عاصم، قال عنه محمد بن فضيل: ما أحسب أن الله يدفع البلاء عن أهل الكوفة إلا بحمزة، وتوفي سنة ست وخمسين ومائة، وراوياه: خلف وخلاد.
فأما خلف: فهو خلف بن هشام البزار البغدادي وكنيته أبو محمد، ولد سنة خمسين ومائة وكان ثقة كبيرا زاهدا عابدا عالما ومات سنة تسع وعشرين ومائتين ببغداد.
وأما خلاد: فهو خلاد بن خالد الشيباني الصيرفي الكوفي وكنيته أبو عيسى، إمام في القراءة ثقة عارف محقق ضابط، ولد سنة تسع عشرة ومائة، وتوفي سنة عشرين ومائتين.
وقرأ خلف وخلاد على سليم بن عيسى الكوفي وقرأ سليم على حمزة.
39 - وأمّا عليّ فالكسائيّ نعته ... لما كان في الإحرام فيه تسربلا
40 - روى ليثهم عنه أبو الحارث الرّضا ... وحفص هو الدّوري وفي الذّكر قد خلا
المعنى: الإمام الثالث من أئمة الكوفة علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي وكنيته أبو الحسن، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة، قيل له: لم سميت الكسائي؟ قال:
لأنني أحرمت في كساء، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله: لما كان في الإحرام فيه تسربلا، وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة بعد أن عاش سبعين سنة، وراوياه: الليث والدوري.
(1/20)

فأما الليث: فهو الليث بن خالد البغدادي. وكنيته أبو الحارث وهو ثقة حاذق ضابط للقراءة، وتوفي سنة أربعين ومائتين.
وأما الدوري: فهو حفص بن عمر الدوري، وتقدمت ترجمته عند الكلام على أبي عمرو البصري؛ لأن الدوري هذا روى عن أبي عمرو البصري وعن الكسائي، ولذلك قال الناظم: وفي الذكر قد خلا، أي مضى ذكر ترجمته مع أبي عمرو البصري.
41 - أبو عمرهم واليحصبيّ ابن عامر ... صريح وباقيهم أحاط به الولا
اللغة: (اليحصبي) نسبة إلى يحصب جد ابن عامر أو إلى قبيلة من اليمن والصاد تثلث.
المعنى: أن أبا عمرو البصري وابن عامر اليحصبي نسبهما خالص من الرق ومن ولادة العجم فهما من صميم العرب، وباقي الأئمة السبعة أحاط به الولاء وأحدق به، قال الجعبري: أبو عمرو وابن عامر نسبهما خالص من الرق وولادة العجم وباقي السبعة شيب نسبهم بولاء الرق إن ثبت أنه مسهم أو مس أحد آبائهم وإلا فولادة العجم، وولاء الحلف لا ينافي الصراحة ..
انتهى. وقال أبو شامة: وغلب على ذرية العجم لفظ الموالي يقال: فلان من العرب وفلان من الموالي أي العجم فهذا الذي ينبغي أن يحمل عليه ما أشار إليه بقوله: أحاط به الولا، يعني ولادة العجم ولا يستقيم أن يراد به ولاء العتاقة فإن ذلك لم يتحقق فيهم أنفسهم ولا في أصول جميعهم ولا يستقيم أن يراد به ولاء الحلف فإن العربية لا تنافي ذلك .. انتهى.
42 - لهم طرق يهدي بها كلّ طارق ... ولا طارق يخشى بها متمحّلا
(الطرق): جمع طريقة كصحف وصحيفة. (يهدى): بفتح الياء وكسر الدال يستعمل لازما بمعنى يهتدى، ومتعدّيا بمعنى يرشد غيره. (وكل طارق): إذا كان يهدي لازما فالمراد من (الطارق) من يسلك سبيل هذا الطرق، ويريد معرفتها، والوقوف عليها، وإذا كان متعدّيا؛ فالمراد منه العالم الذي يرشد الناس إليها، ويقفهم على حقيقتها.
والمعنى: أن لهؤلاء القراء ورواتهم مذاهب في الأصول والفرش منسوبة إليهم، قد اتضحت واستنارت يهتدى إلى معرفتها كل من توجه إليها، وسلك سبيل معرفتها أو يرشد الناس إليها، العالم بها، الواقف على سرها. وقوله: ولا طارق يخشى بها
(1/21)

متمحلا: معناه: أن هذه المذاهب
لما اتضحت معالمها، وثبتت قواعدها لا يخشى عليها مضلل ولا مدلس، فالمراد بالطارق هنا:
المضلل والمدلس من قولهم: طرق يطرق طروقا إذا جاء بليل، والليل محل الآفات. والمتمحل:
الماكر، أي لا يخشى على هذه المذاهب من مدلس يمكر بها ويحاول تغييرها والعبث فيها.
43 - وهنّ اللّواتي للمواتي نصبتها ... مناصب فانصب في نصابك مفضلا
اللغة: و (هن): ضمير القراءات والروايات، و (اللواتي): جمع اللاتي جمع التي، وجمع الجمع باعتبار كثرة الأنواع. و (المواتى) الموافق، وأصله المؤاتي بالهمز ثم خفف، والجار والمجرور «للمواتى» متعلق بنصبتها، ومعنى (نصبتها): رفعتها أو بينتها وعينتها، (مناصب) أي أعلاما جمع منصب وهو العلم (فانصب): فاتعب، (في نصابك)، نصاب
الشيء أصله. و (مفضلا): بضم الميم وسكون الفاء وكسر الضاد من أفضل إذا صار ذا فضل أي فعل الأعمال الفاضلة التي يصير بها ذا فضل، فهمزته للصيرورة.
والمعنى: أن هذه القراءات والروايات رفعتها وأبرزتها في هذا النظم للموافق لي على معرفتها حال كونها أعلاما تدل على شرف العالم بها، وآثارا ترشد إلى مذاهب هؤلاء القراء والرواة، فاتعب وشمر عن ساعد الجد في تحصيل نصابك أي العلم الذي يصير أصلا لك تنسب إليه إذا انتسب الناس لآبائهم وقبائلهم حال كونك مفضلا آتيا بفضائل الأعمال التي منها إخلاص النية في تحصيل العلم.
44 - وها أنا ذا أسعى لعلّ حروفهم ... يطوع بها نظم القوافي مسهّلا
اللغة: (ها) حرف تنبيه و (أنا) ضمير المتكلم مبتدأ و (ذا): اسم إشارة بدل منه، وجملة (أسعى): خبر المبتدأ. (والحروف): الكلمات التي اختلف القراء في قراءتها فكل كلمة تقرأ بوجوه متعددة تسمى حرفا، (ويطوع): بمعنى ينقاد وضمنه يسمح فعداه بالباء، (والقوافي): جمع قافية وهي كلمات أواخر الأبيات، (ومسهلا): حال من النظم.
والمعنى: إني مجتهد في نظم قراءات الأئمة السبعة راجيا من المولى سبحانه وتعالى تيسير ذلك النظم في مبناه ومعناه.
(1/22)

45 - جعلت أبا جاد على كلّ قارئ ... دليلا على المنظوم أوّل أوّلا
اللغة: (أبا جاد) هي أبجد هوز المعروفة، (دليلا): أي علامة.
والمعنى: جعلت حروف أبجد المعروفة علامة على كل قارئ من الأئمة السبعة ورواتهم الأربعة عشر على ترتيب ما نظمت، فجعلت الحرف الأول للقارئ الأول، والحرف الثاني للراوي الأول عنه، والثالث للراوي الثاني عنه وهكذا.
وهذه الحروف هي: أبج، دهز، حطي، كلم، نصع، فضق، رست. ف (أبج) لنافع وراوييه: (الألف) لنافع، و (الباء) لقالون، و (الجيم) لورش. (ودهز) لابن كثير وراوييه: (الدال) لابن كثير، و (الهاء) للبزي، و (الزاي) لقنبل. و (حطي) لأبي عمرو وراوييه: (الحاء) لأبي عمرو، و (الطاء) للدوري، و (الياء) للسوسي. و (كلم) لابن عامر وراوييه: (الكاف) لابن عامر، و (اللام) لهشام، و (الميم) لابن ذكوان. و (نصع) لعاصم وراوييه: النون (لعاصم)، و (الصاد) لشعبة، و (العين) لحفص. و (فضق) لحمزة وراوييه: (الفاء) لحمزة، و (الضاد) لخلف، و (القاف) لخلاد. و (رست) للكسائي وراوييه: (الراء) للكسائي، و (السين) لأبي الحارث، (والتاء) لحفص الدوري.
46 - ومن بعد ذكري الحرف أسمى رجاله ... متى تنقضى آتيك بالواو فيصلا
اللغة: المراد ب (الحرف) الكلمة القرآنية المختلف فيها.
والمعنى: أنه يذكر أولا الكلمة القرآنية المختلف فيها ثم يذكر قراء هذه الكلمة برموزهم المذكورة سابقا، واضعا هذه الرموز في أوائل كلمات متضمنة لمعان جليلة.
فإذا انقضت هذه الرموز أتى بالواو فاصلة بين الكلمة التي ذكر حكمها والكلمة التي سيبين حكمها بعد كقوله في آل عمران: وترون الغيب خص وخللا، ورضوان أضم إلخ فقد ذكر الكلمة القرآنية المختلف فيها وهي (ترون) في قوله تعالى يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ثم بين قراء هذه الكلمة برمزهم الخاص بهم وهو (الخاء) التي هي رمز للقراء الستة ثم أتى ب (الواو) في قوله ورضوان فاصلة بين كلمة ترونهم وحكمها وبين كلمة رضوان وحكمها، وهذا إذا ذكر القراء برموزهم فإنه يلتزم ذكر الكلمة القرآنية أولا ثم يذكر
(1/23)

قراءها، أما إذا ذكر القراء بصريح أسمائهم فلا يلتزم هذا الترتيب فقد يبدأ بذكر الكلمة القرآنية ويثني بذكر قرائها كقوله في سورة النحل يدعون عاصم، وقد يذكر القارئ أولا ثم يذكر الكلمة كقوله في سورة البقرة وحمزة أسرى ... إلخ.
47 - سوى أحرف لا ريبة في اتّصالها ... وباللّفظ أستغني عن القيد إن جلا
اللغة: (الريبة) الشك. (أستغني) اكتفي. (القيد): التقييد. (جلا): كشف.
والمعنى: أنه قد يترك الواو الفاصلة وذلك في أحرف من القرآن إذا اتصلت لا يلتبس أمرها، ولا يرتاب الناظر فيها كقوله:
ورا برق افتح آمنا يذرون حق ... كفّ يمنى حلا علا
فلم يأت بالواو بين (برق) و (يذرون)، ولا بين (يذرون) و (يمنى) إذ لا خوف من وقوع الالتباس فيها، وقوله وباللفظ استغنى عن القيد إن جلا، معناه: أنه قد يكتفي
بلفظ القرآن أي بالتلفظ بالكلمة القرآنية ولا يقيدها بقصر أو مد، أو غيبة أو خطاب أو نحو ذلك، وذلك إذا كان اللفظ دالّا على المقصود كاشفا عنه، ولم يحتج للتقييد كقوله في سورة العنكبوت: ويدعون نجم حافظ، وقوله في الفاتحة: ومالك يوم الدين رواية ناصر، فلم يقيد يدعون بالغيب، ولا مالك بالمد؛ لاتضاح المعنى وظهوره من اللفظ.
48 - وربّ مكان كرّر الحرف قبلها ... لما عارض والأمر ليس مهوّلا
المراد ب (الحرف) هنا حرف الرمز الدال على القارئ. و (العارض) الطارئ.
و (التهويل) التفزيع. وكرر مبني للمعلوم، والفاعل ضمير يعود على الناظم على طريقة الالتفات والحرف مفعول به. والضمير في قبلها يعود على الواو الفاصلة وما في قوله: لما، زائدة؛ أي لعارض، أو نكرة موصوفة؛ أي لأمر عارض.
والمعنى: أن الناظم ربما كرر الحرف الدال على رمز القراء لعارض اقتضى ذلك كتزيين اللفظ. أو تتميم القافية، وذلك نوعان: الأول: أن يكون الرمز لقارئ واحد فيكرره بعينه.
نحو حلا حلا، علا علا، والثاني: أن يكون الرمز لجماعة ثم يرمز لواحد من تلك الجماعة كقوله: سما العلا. إذ سما، وقوله (والأمر ليس مهولا)،
(1/24)

معناه: أن أمر تكرير الرمز ليس صعبا على المفكر لبعده عن اللبس.
49 - ومنهنّ للكوفيّ ثاء مثلّث ... وستّتهم بالخاء ليس بأغفلا
50 - عنيت الألى أثبتّهم بعد نافع ... وكوف وشام ذالهم ليس مغفلا
51 - وكوف مع المكيّ بالظّاء معجما ... وكوف وبصر غينهم ليس مهملا
52 - وذو النّقط شين للكسائي وحمزة ... وقل فيهما مع شعبة صحبة تلا
53 - صحاب هما مع حفصهم عمّ نافع ... وشام سما في نافع وفتى العلا
54 - ومكّ وحقّ فيه وابن العلاء قل ... وقل فيهما واليحصبي نفر حلا
55 - وحرميّ المكّيّ فيه ونافع ... وحصن عن الكوفي ونافعهم علا
اللغة: بقى من حروف أبي جاد ستة أحرف وهي: الثاء، والخاء، والذال، والظاء، والغين، والشين، ويجمع هذه الحروف كلمتا ثخذ ظغش، والناظم جعل كل حرف من هذه الأحرف السّتة رمزا لجماعة، فقال: ومنهن للكوفي ثاء مثلث إلخ.
المعنى: ومن حروف أبي جاد (الثاء) ذو النقط الثلاث، فهي رمز للكوفيين الثلاثة: عاصم وحمزة والكسائيّ، إذا اتفقوا في القراءة كقوله: وتظاهرون الظاء خفف ثابتا، و (الخاء) رمز للقراء الستة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، الكسائي. كقوله:
وترون الغيب خص. و (الذال) لابن عامر والكوفيين الثلاثة، كقوله: وجمع رسالاتي حمته ذكوره، و (الظاء) لابن كثير والكوفيين كقوله:
ويقصر ذريات مع فتح تائه ... وفي الطور في الثاني ظهير
و (الغين) لأبي عمرو البصري والكوفيين كقوله: عباد برفع الدال في عند غلغلا و (الشين) لحمزة والكسائي كقوله: وخاطب فيما يعملون كما شفا، وإلى هنا تنتهي الرموز الحرفية أعني التي يكون الرمز فيها حرفا، ويرمز به لقارئ أو أكثر كما سبق، وأما الرموز الكلمية؛ وهي التي يكون الرمز فيها كلمة يرمز بها لأكثر من قارئ؛ فقد ذكرها الناظم في قوله: وقل فيهما مع شعبة صحبة تلا، إلى آخر
(1/25)

الأبيات. فكلمة (صحبة) رمز لحمزة والكسائي وشعبة، كقوله: و (صحبة) يصرف فتح ضم إلخ. وكلمة (صحاب) رمز لحمزة والكسائي وحفص، كقوله: (يضل) بضم الياء مع فتح ضاده صحاب. وكلمة (عم) رمز لنافع وابن عامر. كقوله: بما كسبت لا فا دعم. وكلمة (سما) رمز لنافع وابن كثير وأبي عمرو، كقوله: ويغشى سما خفا إلخ. وكلمة (حق) رمز لابن كثير وأبي عمرو كقوله:
وحق نصير كسر واو مسومين. وكلمة (نفر) رمز لابن كثير وأبي عمرو وابن عامر كقوله:
ليقضوا سوى بزّيهم نفر جلا. وكلمة (حرمى) رمز لنافع وابن كثير كقوله: وعلى الحرمى إن لنا هنا. وكلمة (حصن) رمز لنافع والكوفيين كقوله: وفي المخلصين الكل حصن، وقوله في النظم: ليس بأغفلا، الأغفل من الحروف: هو الذي لم ينقط، فمعناه بالخاء التي لم تغفل عن النقط بل نقطت، ومثل ذلك قوله: ذالهم ليس مغفلا؛ أي لم تغفل من النقط بل نقطت.
وقوله: بالظاء معجما؛ أي منقوطا، والحروف المعجمة هي المنقوطة. وقوله: غينهم ليس مهملا؛ أي لم يهمل من النقط بل، نقط والحروف المهلة هي الخالية من النقط.
56 - ومهما أتت من قبل أو بعد كلمة ... فكن عند شرطي واقض بالواو فيصلا
المعنى: مهما أتت من قبل الرمز الحرفي أو من بعده كلمة من الكلمات الثمان السابقة التي يرمز بها لأكثر من قارئ؛ فكن على ما شرطته واصطلحت عليه من إبقاء كل واحد من الرمز الحرفي والرمز الكلمي دالّا على ما وضع له وأريد منه، واقض بالواو فيصلا؛ عند انتهاء كل مسألة؛ فالمقصود أن كلّا من الرمز الحرفي والرمز الكلمي يدل على ما وضع له سواء انفرد كل منهما عن الآخر أو اجتمعا، فاجتماعهما لا يغير شيئا من المعنى الذي أريد بكل منهما، سواء كان الرمز الكلمي سابقا على الحرفي، كقوله: وعم علا لا يعقلون، وصحبة كهف في الشريعة وصلا. أو كان الحرفي سابقا على الكلمي كقوله: وعالم خفض الرفع عن نفر صفا حق غيب. أو توسط الكلمي بين حرفين كقوله: مع الكهف والإسرا يبشركم سما نعم،
ولباس الرفع في حق نهشلا، وليس ذكر الواو هنا تكرارا لأن السابق للرمز الحرفي، وهذا للرمز الكلمي.
57 - وما كان ذا ضدّ فإنّي بضدّه ... غنيّ فزاحم بالذّكاء لتفضلا
(1/26)

58 - كمدّ وإثبات وفتح ومدغم ... وهمز ونقل واختلاس تحصّلا
59 - وجزم وتذكير وغيب وخفّة ... وجمع وتنوين وتحريك أعملا
إذا قيد القراءة بقيد وكان هذا القيد ضدّا لقيد القراءة الأخرى؛ فإنه يكتفي بذكر قيد القراءة الأولى ويترك ذكر قيد القراءة الأخرى اختصارا؛ فإن أحد الضدين يدل على الآخر، وحينئذ يقرأ من يذكرهم من القراء بالقيد المذكور، ويقرأ من لم يذكرهم بضده كقوله في سورة النساء: وكوفيهم تسّاءلون مخففا؛ فقيد قراءة الكوفيين بقيد وهو التخفيف، فتكون قراءة المسكوت عنهم بضد التخفيف وهو التشديد، فتراه في هذا البيت قد اكتفى بذكر قيد القراءة الأولى وهو التخفيف عن ذكر قيد القراءة الأخرى وهو التشديد؛ لأنه إذا كانت قراءة الكوفيين بالتخفيف؛ لزم أن تكون قراءة من لم يذكرهم بالتشديد فلا يلزم الناظم إذا أن يصرح بالقراءة الأخرى؛ لأن القراءة المذكورة
تدل عليها دلالة الضدّ على ضده، ومثل ذلك المدّ فضده القصر، فإذا ذكر أن قراءة فلان بالمدّ تكون قراءة غيره بالقصر وبالعكس، ومثل المد والقصر فيما ذكر الإثبات فضده الحذف وبالعكس، والفتح فضدّه الإمالة وبالعكس، والإدغام فضده الإظهار وبالعكس، والهمز فضده تركه وبالعكس، والنقل فضده إبقاء الحركة وبالعكس، والاختلاس فضده إتمام الحركة وبالعكس، والتذكير ضده التأنيث وبالعكس، والغيب ضده الخطاب وبالعكس- والخفة والمراد بها التخفيف- ضدها الشدة؛ أي التشديد أو التثقيل وبالعكس، والجمع ضده الإفراد أو التوحيد وبالعكس، والتنوين ضده تركه وبالعكس، والتحريك ضده الإسكان وبالعكس، ويتضح من هذا أن هذه الأضداد كلها مطردة منعكسة، ومعنى الاطراد: أنه إذا ذكر المد مثلا كان ضده القصر. ومعنى الانعكاس:
أنه إذا ذكر القصر كان ضده المد، وهكذا يقال في بقية الأضداد المذكورة ما عدا الجزم فإن ضده الرفع، ولكنه يطرد بمعنى أنه كلما ذكر الجزم كان ضده الرفع ولا ينعكس بمعنى أنه إذا ذكر الرفع لم يكن ضده الجزم، بل يكون ضده النصب، ومعنى قوله (فزاحم بالذكاء لتفضلا): فزاحم العلماء بثاقب فكرك وحصافة ذهنك لتعد مع الفضلاء.
(1/27)

60 - وحيث جرى التّحريك غير مقيّد ... هو الفتح والإسكان آخاه منزلا
إذا ذكر التحريك غير مقيد بحركة فالمراد به الفتح كقوله: معا قدر حرك من صحاب وضده حينئذ الإسكان، وإذا ذكر الإسكان كان ضده الفتح، كقوله: ويطهرن في الطاء
السكون؛ فحينئذ يكون الفتح والإسكان ضدين مطردين منعكسين، فإذا قيد التحريك؛ كان المراد به ما قيد به كقوله: وحرك عين الرعب ضمّا كما رسا. وضده الإسكان أيضا.
ويؤخذ من هذا: أن الإسكان ضد التحريك سواء كان التحريك مطلقا أم مقيدا، فإذا كان ضد السكون حركة غير الفتح؛ فإنه يقيدها كقوله: وأرنا وأرني ساكنا الكسر
61 - وآخيت بين النون واليا وفتحهم ... وكسر وبين النّصب والخفض منزلا
اللغة: (آخى بين النون والياء)، وبين (الفتح والكسر) وبين (النصب والخفض) وفرق بين لقبي الفتح والنصب وبين لقبي الكسر والخفض على اصطلاح البصريين في التفرقة بين ألقاب الإعراب والبناء.
والمعنى: أن النون والياء صنوان، فإذا ذكر الياء لقارئ تكون قراءة المسكوت عنه بالنون كقوله:
ويا ويكفر عن كرام، وإذا ذكر النون لقارئ تكون قراءة المسكوت عنه بالياء، كقوله: وحيث يشاء نون دار. والفتح والكسر ضدان، فإذا ذكر الفتح لقارئ تكون قراءة غيره بالكسر كقوله: إن الدين بالفتح رفلا. وإذا ذكر الكسر لقارئ تكون قراءة غيره بالفتح نحو: عسيتم بكسر السين حيث أتى انجلا، والنصب والخفض ضدان، فإذا ذكر النصب لقارئ فقراءة غيره بالخفض كقوله: وغير أولى بالنصب صاحبه كلا، وإذا ذكر الخفض لقارئ فقراءة غيره بالنصب كقوله: وحمزة والأرحام بالخفض جملا. فالمؤاخاة بين ما ذكر مؤاخاة تضاد، وفائدة معرفة حركتي البناء والإعراب تظهر في نحو: والوتر بالكسر شائع؛ إذ يعلم من التعبير بالكسر أن المراد حركة الواو لا الراء. ومنزلا: اسم فاعل من أنزله، وهو حال من فاعل آخيت؛ أي حال كوني منزلا كل واحد مما ذكر منزلته.
(1/28)

62 - وحيث أقول الضّمّ والرّفع ساكتا ... فغيرهم بالفتح والنّصب أقبلا
المعنى: إذا ذكر الضم لقارئ ما ولم يقيد هذا الضم؛ كانت قراءة المسكوت عنه بالفتح كقوله: وفي إذ يرون الياء بالضم كللا. وإذا ذكر الرفع لقارئ ما ولم يقيده؛ كانت قراءة المسكوت عنه بالنصب كقوله: وحتى يقول الرفع في اللام أولا. أما إذا قيد الضم بكونه ضم الإسكان؛ فتكون قراءة الغير بالإسكان كقوله: وجزءا وجزء ضم الاسكان صف، وكذلك إذا قيده بكونه ضم الكسر فتكون قراءة الغير بالكسر كقوله:
ورضوان اضمم غير ثاني العقود كسره ... صح ......
وإذا قيد الرفع بكونه رفع الجزم؛ كانت قراءة الغير بالجزم كقوله: يضاعف ويخلد رفع جزم كذي صلا. وإذا قيده بكونه رفع الخفض؛ كانت قراءة الغير بالخفض كقوله:
وخضر برفع الخفض عم حلا علا
63 - وفي الرّفع والتّذكير والغيب جملة ... على لفظها أطلقت من قيّد العلا
المعنى: أنه قد يذكر الكلمات التي فيها أحد هذه الثلاثة: الرفع والتذكير والغيب؛
بذكر هذه الكلمات مطلقة؛ فيعلم من إطلاقه لها أنها هي المرادة لا أضدادها مثاله: وأربع أولا صحاب، يعني بالرفع. ويجبي خليط، يعني بالتذكير، وبل يؤثرون حز؛ يعني بالغيب، فيعلم من هذا الإطلاق: أنه أراد الرفع في أربع. وياء التذكير في (يجبي)، وياء الغيب في وَيُؤْثِرُونَ وقد اجتمع إطلاق الثلاثة في قوله في سورة الأعراف:
وخالصة أصل ولا يعلمون قل ... لشعبة في الثاني ويفتح شمللا
والخلاصة: أن الكلمة القرآنية إذا أطلقت وكانت قراءتها لا تعدو أن تكون بالرفع أو ضده؛ كان المراد الرفع. وإذا كانت قراءتها تحتمل التذكير والتأنيث؛ كان المراد التذكير.
وإذا كانت قراءتها تحتمل الغيبة والخطاب؛ كان المراد الغيبة، فحينئذ يكون الإطلاق دليلا على الرفع في الأول، والتذكير في الثاني، والغيبة في الثالث.
64 - وقبل وبعد الحرف آتي بكلّ ما ... رمزت به في الجمع إذ ليس مشكلا
اللغة: المراد بالحرف: الكلمة القرآنية المختلف فيها. والمراد بالجمع: الكلمات الثمان التي يرمز
(1/29)

بكل كلمة منها إلى أكثر من شيخ وهي (صحبة. صحاب. عم. سما. حق.
نفر. حرمى. حص) يعني إذا كان الرمز للقراء بكلمة من هذه الكلمات الثمان فلا يلتزم ذكر هذه الكلمة بعد الكلمة القرآنية، بل تارة يذكرها بعدها كقوله:
... من يرتدد عم ... فتذكر حقّا ...
وأخرى يذكرها قبلها كقوله: وصحبة يصرف. وحقا بضم الباء فلا يحسبنهم.
بخلاف حروف أبج؛ فإنه التزم أن يذكرها بعد ذكر الكلمة القرآنية، كما سبق في قوله: ومن بعد ذكري الحرف أسمى رجاله إلخ. وكذا التزم في الحروف التي يرمز بها لأكثر من قارئ كالشين والثاء أن يؤخرها عن كلمة القرآن كقوله: يبلغن امدده وأكسر شمردلا. وقوله: وفي عاقدت قصر ثوى. نعم إذا اجتمع حرف من حروف أبج مع إحدى الكلمات الثمان؛ فإن هذا الحرف يكون تابعا للكلمة تقدما وتأخرا؛ لأن هذا الكلمة دلت على محل الرمز كقوله: وحق نصير كسر واو مسومين. وقوله: وعالم خفض الرفع عن نفر. وكذلك إذا اجتمع حرف من الحروف التي يرمز بها لأكثر من قارئ مع إحدى الكلمات المذكورة؛ فإن هذا الحرف يكون تابعا للكلمة تقدما وتأخرا أيضا كقوله: ومنزلها التخفيف حق شفاؤه. وقوله: وضم كفا حصن يضلوا يضل عن.
65 - وسوف أسمّي حيث يسمح نظمه ... به موضحا جيدا معمّا ومخولا
اللغة: (الجيد): العنق، (المعم): بفتح العين و (المخول): بفتح الواو: الكريم الأعمام والأخوال؛ لأن العرب كانوا يعرفون الصبي الكريم الأعمام والأخوال بجيده؛ لأن أعمامه وأخواله يزينون جيده بالقلائد، فيعرف كرم عمومته وخئولته بجيده.
والمعنى: أن الناظم رضي الله عنه قد يذكر القارئ بصريح اسمه لا برمزه حيث يسمح النظم بذلك ويسهل عليه، وهو تارة يذكر اسم القارئ بعد كلمة القرآن كقوله: ونقل ردّا عن نافع، وقوله: وقل ولا كذبا بتخفيف الكسائي وأقبلا، وتارة بذكره قبلها كقوله: نافع بالرفع واحدة جلا. وقوله: وحمزة والأرحام بالخفض جملا، وقوله: موضحا: منصوب على الحال من فاعل أسمى، وجيدا: مفعول به لموضحا، ومعمما ومخولا: صفتان لجيدا، أي أذكر القارئ باسمه الصريح حال كوني كاشفا المسألة كشفا
(1/30)

ومحسنها تحسينا يشبه جيد كريم الأعمام والأخوال في وضوحه وحسنه.
66 - ومن كان ذا باب له فيه مذهب ... فلا بدّ أن يسمى فيدرى ويعقلا
المعنى: إذا انفرد قارئ أو راو بباب لا يشاركه فيه غيره، ذكره باسمه الصريح لا بالرمز الدال عليه. كقوله:
ودونك الادغام الكبير وقطبه ... أبو عمرو البصري ....
وقوله: ورقق ورش كل راء إلخ، وقوله: وغلظ ورش فتح لام إلخ، وقوله: وحمزة عند الوقف سهل همزة إلخ، وقوله:
وفي هاء تأنيث الوقوف وقبلها ... ممال الكسائي ...
67 - أهلّت فلبّتها المعاني لبابها ... وصغت بها ما ساغ عذبا مسلسلا
اللغة: (الإهلال) رفع الصوت، أي نادت القصيد وإن لم يجر ذكرها للعلم بها.
صارخة بالمعاني (فلبتها المعاني): أي أجابتها بقولها: لبيك أي إجابة دائمة ولباب المعاني:
خالصها. ولباب مرفوع على أنه بدل البعض من الكل من المعاني أي لم يلبها إلا خيار المعاني وشرافها. و (صغت) من الصياغة ويعبر بها عن إحكام الشيء وإتقانه، و (ما) موصول مفعول صغت وساغ من ساغ الشراب سهل وطاب وسهل مدخله في الحلق و (عذبا مسلسلا): حالا من فاعل ساغ العائد على ما و (العذب) الحلو اللذيذ، و (المسلسل): السلس الصافي.
والمعنى: أن القصيدة نادت المعاني فأجابها خيارها ونظم فيها اللفظ الحلو السلس الذي يسهل على اللسان حال كونه مستلذّا في السمع ملائما للطبع.
68 - وفي يسرها التّيسير رمت اختصاره ... فأجنت بعون الله منه مؤمّلا
اللغة: (رممت): الشيء طلبت حصوله و (التيسير): اسم كتاب للعلامة الحافظ أبي عمرو الداني في القراءات السبع. و (اختصار الكتاب): جمع معانيه في أقل من مبانيه.
(فأجنت): كثر جناها وثمرها، والضمير في (منه) يعود على التيسير أو على الله تعالى.
والمعنى: قصدت بهذه القصيدة إيجاز كتاب التيسير، واختصار جميع مسائله فأجنت
القصيدة، وكثرت فوائدها بتوفيق الله سبحانه وتيسيره مؤملا منه سبحانه كل خير وسداد.
69 - وألفافها زادت بنشر فوائد ... فلفّت حياء وجهها أن تفضّلا
(1/31)

اللغة: (الألفاف) جمع لف كالأضداد جمع ضد؛ الأشجار الملتفة لكثرتها بنشر أي بكثرة، (فوائد): جمع فائدة وصرف لضرورة الشعر. (فلفت): سترت. (وجهها):
محاسنها. (حياء) مفعول له أو حال أي مستحيية.
والمعنى: أن هذه القصيدة زادت على التيسير بفوائد ليست فيه كزيادة أحكام، أو إشارة لتعليل، ومن الزيادة مخارج الحروف، فغطت وجهها واستحيت هي أو ناظمها من تفضلها عليه، وهذا من أدب الصغير مع الكبير، وتواضع الفرع مع الأصل، والمتأخر مع المتقدم الذي له فضل السبق، وتواضع التلميذ مع أستاذه.
70 - وسمّيتها حرز الأماني تيمّنا ... ووجه التّهاني فاهنه متقبّلا
اللغة: (الحرز): ما يحفظ ما يودع فيه. والأماني: جمع أمنية، وهي ما يتمنى من بغية.
(ووجه الشيء): أحسنه. و (التهاني): جمع تهنئة، وخفف ياء الأماني، وأبدل همزة التهانئ ياء ساكنة، و (التيمن): التبرك من اليمن وهو البركة، (فاهنه): أمر من هناه بالألف والأصل هنأه يهنّئه بالهمز فخفف بالإبدال، ومعنى هنأه أعطاه والضمير في فاهنه يعود على الحرز.
والمعنى: جعلت اسم هذه القصيدة حرز الأماني ووجه التهاني تبركا وتفاؤلا لها بجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة كي تتحقق فيه أماني طلبة هذا العلم. فأعط أيها الطالب هذا النظم كلّ عنايتك حال كونك متقبلا له، مقبلا عليه لتحرز ما تضمنه من فوائد وأحكام.
71 - وناديت اللهمّ يا خير سامع ... أعذني من التّسميع قولا ومفعلا
اللغة: أصل (اللهم): يا الله حذفت يا التي للنداء وعوض عنها الميم، وقطعت همزة اللهم للضرورة. (يا خير سامع) يا خير مجيب. وكرر النداء؛ حرصا على إجابة الدعاء (أعذني):
أجرني واعصمني. والتسميع عمل الخير لا لوجه الله بل بقصد الرياء و (قولا ومفعلا) مصدران تمييزان، أو حالان من الضمير في أعذني وهو الياء، أو بدلان من ياء أعذني بدل اشتمال.
والمعنى: يا خير مجيب للدعاء احفظني من طلب السمعة والرياء وحب الشهرة بين
(1/32)

الناس حتى لا يحبط عملي ولا يضيع ثوابي، والناظم لما أشاد بنظمه هذه الإشادة خشى أن يكون فيه رياء، فاستعاذ بالله تعالى منه قولا وفعلا.
72 - إليك يدي منك الأيادي تمدّها ... أجرني فلا أجري بجور فأخطلا
اللغة: (يدي) هي الجارحة مفعول لمحذوف أي مددت يدي إليك، أو مبتدأ، و (إليك) متعلق
الخبر أي يدي ممدودة إليك. و (الأيادي): جمع أيد جمع يد بمعنى النعمة، و (الأيادي) مبتدأ، وجملة (تمدها) خبره، و (منك): متعلق بمحذوف حال من فاعل تمدها أي حال كونها حاصلة منك، (أجرني): احفظني واعصمني. (والجور): العدول عن طريق الحق والعدل. (والخطل):
المنطق الفاسد، والفاء في (فأخطلا): جواب النفي والفعل منصوب بعد الفاء بإضمار أن.
والمعنى: أن الناظم مد يده إلى ربه راجيا تحقيق أمله وإنجاح مقصده، ثم بين السبب الحامل له على سؤاله ربه، فقال: الأيادي تمدها منك يعني: أن نعمك المتوالية على الواصلة منك إلى هي التي حملتني على مد يدي إليك، وأطعمتني في التوجه إلى واسع فضلك، وإلا فمن حقي ألا أمدها حياء من تقصيري في القيام بما يجب لك من ذل وعبودية، ثم تمم فقال: اعصم قلبي من الميل إلى الجور حتى لا ارتكبه فإني إن ارتكبته وقعت في فاسد القول وخطل المنطق.
73 - أمين وأمنا للأمين بسرّها ... وإن عثرت فهو الأمون تحمّلا
اللغة: (أمين): بالقصر في الهمزة وهي لغة، اسم فعل بمعنى استجب. و (أمنا):
هو ضد الخوف منصوب بفعل محذوف أي وهب أمنا للأمين وهو الموثوق به، الحفيظ على ما أتمن عليه. (عثرت): مثلث الفاء والفتح أفصح سقطت، والمراد من السقوط وقوع الخطأ فيها، والإسناد للقصيدة مجاز إذا المراد ناظمها. و (الأمون): الناقة القوية التي لا تكل من حمل الأثقال، وضمير فهو للأمين. و (تحمّلا): تمييز.
والمعنى: اللهم استجب دعائي، وامنح أمنا لمن حفظ هذه القصيدة ووعاها وعمل على نشر فوائدها وإذاعة أحكامها بين أهل العلم وإن زل الناظم زلة، فعلى هذا الأمين أن يحتمل زلله، ويقيه عثرته كما تتحمل الناقة القوية الأعباء الثقيلة وتصبر
(1/33)

عليها أي يكون بمنزلة هذه الناقة في تحمل ما يراه من زلل أو خطأ، ويتلمس لناظمها المعاذير ويعلم أن كل إنسان مهما أوتي من نباهة شأن وعلوّ قدر فهو عرضة للهفوات والعثرات.
74 - أقول لحرّ والمروءة مرؤها ... لإخوته المرآة ذ النّور مكحلا
اللغة: (الحر) هو الذي لم يسترقه هواه، ولم تستعبده مباهج الحياة. و (المروءة): كمال المرء بالأخلاق الفاضلة. و (مرؤها): رجل المروءة وصاحبها. والأخوة: جمع أخ من النسب وقد يراد به الأخ في الدين كما هنا. و (المكحل): هو الميل الذي يكتحل به. والمروءة:
مبتدأ أول (مرؤ): مبتدأ ثان و (المرآة) خبره والجملة خبر الأول. و (لإخوته): متعلق بمضاف مقدر أي نفع مرئها لإخوته و (ذو النور) خبر بعد خبر و (مكحلا): تمييز.
والمعنى: أن رجل المروءة وصاحبها نفعه لإخوانه من المؤمنين كنفع المرآة لهم، فيدلهم على عيوبهم ليعملوا على تلافيها كما تدل المرآة الناظر فيها على عيوبه. وهو ذو النور؛ أي
الإيمان يشفى من الداء بنوره كما تشفى العين المريضة بما يفعله المكحل فيها، وفي البيت إشارة لقوله صلّى الله عليه وسلم: «المؤمن مرآة أخيه المؤمن» [أخرجه أبو داود].
75 - أخي أيّها المجتاز نظمي ببابه ... ينادي عليه كاسد السّوق أجملا
76 - وظنّ به خيرا وسامح نسيجه ... بالاغضاء والحسنى وإن كان هلهلا
77 - وسلّم لإحدى الحسنيين إصابة ... والاخرى اجتهاد رام صوبا فأمحلا
78 - وإن كان خرق فادّركه بفضلة ... من الحلم وليصلحه من جاد مقولا
اللغة: (المجتاز): مفتعل مأخوذ من الجواز بمعنى العبور. (ينادي عليه): يعرض للبيع، و (الكساد): ضد الرواج. (أجملا) ايت بالقول الجميل. و (النسيج): فعيل بمعنى المفعول أي المنسوج. و (الإغضاء) الإغماض على العيب وتجاهل وجوده. (الهلهل):
الثوب الخفيف الضعيف النسج، (والإصابة): الوصول للصواب. و (الاجتهاد): بذل الجهد في إدراك الصواب، و (الصوب): نزول المطر. و (أمحل): دخل في المحل وهو انقطاع المطر ويبس الأرض
(1/34)

بسبب انقطاعه. (والخرق): المراد به هنا العيب، (وادّركه): تداركه. و (فضلة الشيء): ما يفضل عنه. و (المقول): اللسان.
والمعنى: يا سامع قصيدتي حال الإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، أحسن القول فيها بإظهار محاسنها، وإخفاء مثالبها. ثم أحسن الظن بالناظم ونظمه، وسامح نظمه الشبيه بالمنسوج؛ لأن النظم ضم كلمة إلى أخرى كما أن النسيج ضم طاقة إلى أخرى، بالتجاهل عن هفواته، والإغضاء عن زلاته، وإن كان ذلك النظم كالثوب الضعيف في ركاكة ألفاظه وتفاهة معانيه. وهذا تواضع من الناظم وإلا فنظمه آية في قوة الألفاظ وسمو المعاني. ثم يقول الناظم سلّم لي نظمي وابتعد عن لومي لأجل إحدى الحسنيين، وفي ذلك إشارة لقوله صلّى الله عليه وسلم: «من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر» وحاله لا ينفك عن إحداهما، فإن كان مصيبا كان له أجران، وإن كان مخطئا كان له أجر. فلا ينبغي أن يوجه إليه لوم على كلتا الحالين؛ حال إدراك الصواب التي عبر عنها بقوله: إصابة، وحال الخطأ التي شبهها بحال من طلب المطر فوقع في المحل. ثم يقول: وإن وجد عيب في نظمي فتداركه بفضلة من حلمك، وليصلح هذا العيب من ذرب لسانه، وكان متضلعا من علوم العربية، واسع الاطلاع في علوم القراءات.
79 - وقل صادقا لولا الوئام وروحه ... لطاح الأنام الكلّ في الخلف والقلى
اللغة: (الوئام): مصدر بمعنى الوفاق. (لطاح): هلك. و (الأنام): الثقلان.
و (الخلف): الاختلاف. و (القلى): البغض. (وصادقا): صفة مصدر محذوف أي قولا صادقا. أو حال؛ أي حال كونك صادقا. و (لولا) حرف يدل على امتناع الشيء لوجود
غيره وهو هنا امتناع هلاك الكل لوجود الوفاق.
والمعنى: أن الوفاق سبب الحياة الهنيئة والراحة والطمأنينة، والاختلاف سبب الهلاك والدمار، وفي الأمثال: لولا الوئام لهلك الأنام.
80 - وعش سالما صدرا وعن غيبة فغب ... تحضّر حظار القدس أنقى مغسّلا
(1/35)

اللغة: (الغيبة) بالكسر: ذكر المرء أخاه بما يكره. (غب): من الغيبة بالفتح: المفارقة ضد الحضور. (تحضّر): مأخوذ من حضر المبني للمفعول إذا جعل حاضرا، و (الحظار والحظيرة) ما يحوط به على الماشية من أغصان الشجر لتقيها الحر والبرد. (القدس): الطهر.
و (حظيرة القدس): الجنة. (أنقى) أفعل من النقاء. (المغسل) المغسول. و (سالما):
حال. و (صدرا): تمييز، و (تحضر): فعل مبني للمفعول، ونائب الفاعل ضمير المخاطب، وجزم في جواب الأمر، (حظار) ثاني مفعوليه. و (أنقى ومغسلا): حالان.
والمعنى: إن سالم الصدر نظيف القلب عن الغش والغل وسائر الأمراض المعنوية. ولا تحضر مواطن الغيبة ولا تشارك المغتابين إن حضرت مجالسهم ليحضرك الله سبحانه حظار القدس في الجنة مع عباده الأبرار منقّى من الذنوب مطهرا من العيوب.
81 - وهذا زمان الصّبر من لك بالّتي ... كقبض على جمر فتنجو من البلا
المعنى: أن زماننا هذا زمان الصبر؛ لأنه قد أوذي فيه المحق، وأكرم فيه المبطل، وأصبح فيه المنكر معروفا، والمعروف منكرا، فمن يسمح لك بالحالة التي لزومها في الشدة كالقبض على النار الموقدة. وفي ذلك إشارة لقول صلّى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» [أخرجه الترمذي]، وقوله: فتنجو من البلا، المراد به: العذاب الأخروي.
82 - ولو أنّ عينا ساعدت لتوكّفت ... سحائبها بالدّمع ديما وهطّلا
83 - ولكنّها عن قسوة القلب قحطها ... فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا
اللغة: (ساعدت): عاونت. (توكفت): من الوكف وهو القطر من وكف البيت إذا هطل. (والسحائب): جمع سحابة، والمراد المدامع، شبّهها بالسحائب في هطول دمعها و (الديم): جمع ديمة: المطر الدائم. و (الهطل): جمع هاطل، وهو المتتابع من المطر. و (القحط): الجدب. و (السبهلل): الذي لا شيء معه؛ أي فارغ.
والمعنى: لو ساعدت عين صاحبها على البكاء على التقصير في طاعة الله تعالى لهطلت
(1/36)

مدامعها بالدمع، ولم ينقطع بكاها أبدا، ولكن قلة بكائها صادرة عن قسوة القلب بسبب الغفلة عن ذكر الله سبحانه. فاحذروا أن تمر أعماركم في اللهو واللعب، وما لا يعود عليكم بالنفع في الحال والمآل.
84 - بنفسي من استهدى إلى الله وحده ... وكان له القرآن شربا ومغسلا
85 - وطابت عليه أرضه فتفتّقت ... بكلّ عبير حين أصبح مخضلا
اللغة: (استهدى): طلب الهداية. (الشرب): النصيب المقسوم من الماء. (المغسل):
مكان الغسل. (فتفتقت): انشقت. (والعبير): الزعفران، أو نوع من الطيب يخلط به.
و (المخضل): المبتل. و (بنفسي): متعلق بمحذوف تقديره أفدي.
والمعنى: أفدي بنفسي من كل مكروه من توجه في طلب هداية الله وحده، وكان له القرآن بملازمة تلاوته والعمل بما فيه حظه ونصيبه من الدنيا ومطهرا له من أوضار
الذنوب.
وطابت له الأرض التي تحمله لما عنده من الانشراح؛ بسبب صلاح حاله مع الله تعالى، وكنى بقوله: فتفتقت بكل عبير، عن ثناء أهلها عليه، واغتباطهم به، أو أن الأرض زكت وكثر خيرها بسبب هذا المستهدي لقيامه بالحق وبطاعة الله عزّ وجلّ. وكنى بقوله: مخضلا، عما أفاض الله عليه من نعمه بالمحافظة على حدوده.
86 - فطوبى له والشّوق يبعث همّه ... وزند الأسى يهتاج في القلب مشعلا
87 - هو المجتبى يغدو على النّاس كلّهم ... قريبا غريبا مستمالا مؤمّلا
اللغة: (طوبى): فعلى مصدر طاب يطيب، أصله طيبي، قلبت الياء واوا؛ لانضمام ما قبلها.
والمعنى: والحالة الطيبة له، أو طوبى الجنة له، ف (طوبى): مبتدأ والجار والمجرور خبره والجملة خبرية أو دعائية، والضمير في (له) يعود على المستهدي (والهم): القصد والإرادة، (والزند): ما يقدح به النار، و (الأسى): التأسف من أسيت على الشيء أسفت عليه، وحزنت، ومنه قوله تعالى: فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (يهتاج):
ينبعث ويلتهب و (مشعلا): حال من فاعل يهتاج.
والمعنى: العيش الرغد الناعم للمستهدي حين يثير الشوق قصده إلى ما أعده الله
(1/37)

لأهل طاعته من ثواب جزيل ونعيم مقيم. وحين يحترق قلبه من الأسى والحزن متحسرا على ما ضاع من عمره، غير مصروف إلى ذكر الله تعالى وشكره. وقوله: (هو المجتبى): أي المختار (يغدو):
يعني يمر. و (المستمال): الذي يطلب إليه الميل. و (المؤمل): الذي يؤمل ويرجى عنه الشدائد.
والمعنى: أن المستهدي هو المختار عند الله سبحانه وهو الذي سبقت له الحسنى. يمر على الناس قريبا من الله تعالى لإيمانه وإحسانه؛ ومن الناس بتواضعه لهم وخفض جناحه. غريبا لغرابة مسلكه، وندرة حاله، وعزة أشكاله في شدة التمسك بالحق؛ لأنه كالقابض على الجمر مستمالا يطلب منه من يعرف حاله الميل إليه والإقبال عليه. مؤملا مرجوّا عند نزول الشدائد ليدعوا بكشفها وإزالة آثارها.
88 - يعدّ جميع النّاس مولى لأنّهم ... على ما قضاه الله يجرون أفعلا
89 - يرى نفسه بالذّمّ أولى لأنّها ... على المجد لم تلعق من الصّبر والألا
المعنى: يعني أن المجتبى يعتقد كل الناس سادات تواضعا منه لله سبحانه، فلا يحتقر أحدا من عباد الله صالحا أو طالحا؛ لأن أفعالهم تجري على ما سبق به القضاء، وكتب القلم ويصح أن يكون.
المعنى: أن المجتبى يعد كل واحد من الناس عبدا مقهورا لله تعالى، لا يملك لنفسه فضلا عن غيره نفعا ولا ضرّا؛ لأن جميع أعمالهم تجري على وفق القضاء السابق، فلا يرهب أحدا ولا يتملق لأحد. فعلى المعنى الأول: يكون المقصود وصف المجتبى بالتواضع والبعد عن الكبر والعجب. وعلى الثاني: يكون المراد وصفه بالتوكل على الله وحده وقطع طمعه في الخلق. ثم بين الناظم أن هذا المجتبى يرى نفسه أولى بالذم وأحق به من غيرها؛ لأن نفسه لم تتحمل المشاق والمكاره، ولم تتناول ما هو مرّ المذاق في تحصيل رفعة القدر وسمو المنزلة عند الله تعالى، فهو لا يشغل نفسه بعيب الناس وذمهم، بل يرى أن ذم نفسه أولى واتهامها بالتقصير في الطاعات أحرى. فالمراد من قوله: (لم تلعق من الصبر) أن نفسه لم تتحمل المكاره والمشاق في سبيل تحصيل ما يرفع مكانتها ويعظم أجرها عند الله تعالى والصبر بفتح الصاد وكسرها مع سكون
(1/38)

الباء وبفتح الصاد مع كسر الباء عصارة شجر مر.
و (الألا): شجر حسن المنظر مر الطعم، وقيل: هو نبت يشبه الشيح في الريح والطعم.
90 - وقد قيل كن كالكلب يقصيه أهله ... وما يأتلي في نصحهم متبذّلا
اللغة: (الإقصاء): الإبعاد. فيقصيه يبعده. (يأتلي): يفتعل من الائتلاء وهو التقصير. (والتبذل): بذل ما في الوسع في تحقيق الشيء وعدم التهاون فيه.
والمعنى: قد قيل في المثل: كن كالكلب، الذي هو أخس الحيوانات. كن مثله في الوفاء لأهله والثبات عليه. فإن أهله يبعدونه عنهم ويجيعونه ويضربونه ويؤذونه، وهو لا يقصر في نصحهم وخدمتهم باذلا في ذلك قصارى وسعه وغاية جهده، وفي ذلك إشارة إلى ما روى وهب بن منبه أن راهبا أوصى رجلا فقال له: انصح لله أخلص له حتى تكون كنصح الكلب لأهله؛ فإنهم يؤذونه ويجيعونه ويأبى إلا أن يحيط بهم نصحا. والمقصود من البيت: الحث على بذل الجهد في طاعة الله عزّ وجلّ وعدم التراخي فيها، مهما ابتلي الإنسان في الدنيا فإن الله عزّ وجلّ لا يبتلى عبده في هذه الحياة بفقر أو مرض إلّا ليكفر ذنبه، أو يرفع في الآخرة درجته.
91 - لعلّ إله العرش يا إخوتي يقي ... جماعتنا كلّ المكاره هوّلا
92 - ويجعلنا ممّن يكون كتابه ... شفيعا لهم إذ ما نسوه فيمحلا
اللغة: (الوقاية): الحفظ. و (المكاره): جمع المكروه على غير قياس. و (هوّلا) جمع هائل بمعنى مخيف مفزع، وهو منصوب على الحال من المكاره، ويقال: (محل به)
يمحل من باب فتح يفتح إذا وشى به عند سلطان أو غيره، وأذاع فعله القبيح. وقوله:
(فيمحلا): منصوب بأن مضمرة بعد الفاء جوابا للنفي.
والمعنى: أن الناظم يرجو من الله جلت قدرته- إن قبلنا هذه الوصايا- أن يحفظنا الله سبحانه وتعالى من البلايا والمحن في الدنيا والآخرة، ويجعلنا من الذين يكون
القرآن شفيعا لهم يوم القيامة؛ لأنهم لم يهملوه، ولم يقصروا في حقه فيسعى بهم، ويشكوا منهم عند ربهم، وفي هذا إشارة إلى قوله صلّى الله عليه وسلم: «القرآن شافع
(1/39)

مشفع. وما حل مصدق، من شفع له القرآن يوم القيامة نجا، ومن محل به القرآن يوم القيامة كبّه الله في النار على وجهه» [أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن].
93 - وبالله حولي واعتصامي وقوّتي ... وما لي إلّا ستره متجلّلا
94 - فيا ربّ أنت الله حسبي وعدّتي ... عليك اعتمادي ضارعا متوكّلا
اللغة: (الحول): التحول من أمر إلى أمر ومن حال إلى حال. و (الاعتصام): الامتناع من كل ما يشين. و (القوة): القدرة، ضد الضعف. و (الستر): ما يستر به. و (التجلل بالشيء): التغطي به. و (حسبي): كافي من أحسبه الشيء إذا كفاه. و (العدة): ما يعد لدفع النوازل. و (الضارع): الذليل. و (المتوكل): المعتمد على من يوكل إليه الأمر. و (متجللا):
حال من ضمير المتكلم في لي. و (ضارعا). و (متوكلا): حالان من الياء في اعتمادي.
والمعنى: أن تحولي من المعصية إلى الطاعة، وامتناعي من كل ما يشينني. وقوتي على ما يرضي الله عني، كل ذلك بيد الله وحده، لا يحصل إلا بمعونته وتوفيقه وفي الحديث الصحيح: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة». قال ابن مسعود رضي الله عنه في تفسيرها: لا تحول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله. وقوله: وما لي إلا ستره متجللا، معناه ليس لي ما أعتمد عليه إلا ما قد جللني به من ستره في الدنيا وأرجو مثل ذلك في الآخرة، أي وما لي إلا ستره حال كوني متجللا به أي متغطيا به. ثم يقول: فيا رب أنت الله حسبي ... إلخ.
والمعنى: يا مدبر أمري أنت كافي في كل مهمة. وعدتي في كل ملمة. وعليك- لا على غيرك- اعتمادي. وإليك استنادي. حال كوني متضرعا إليك. ذليلا بين يديك.
متوكلا عليك. مفوضا جميع أموري إليك، والله تعالى أعلم.

2 باب الاستعاذة [95 - 99]
الاستعاذة: طلب العوذ، وهو الامتناع بالحفظ والعصمة، والمراد هنا الاستعاذة قبل القراءة في مذهب القراء، ولفظ الاستعاذة على اختلافه بالنقص والزيادة خبر بمعنى الدعاء. أي
«اللهم أعذني من البلاء وشر الأعداء» والاستعاذة ليست
(1/40)

من القرآن بإجماع العلماء.
95 - إذا ما أردت الدّهر تقرأ فاستعذ ... جهارا من الشّيطان بالله مسجلا
96 - على ما أتى في النّحل يسرا وإن تزد ... لربّك تنزيها فلست مجهّلا
اللغة: (أردت) قصدت. (الدهر): ظرف الزمان. (الجهار): الإعلان ضد الإخفاء، مصدر جاهر إذا أعلن جهارا، كجاهد جهادا. وهو صفة مصدر محذوف والتقدير تعوذا جهارا أي ذا جهار. ومسجلا اسم مفعول أسجل بمعنى أطلق فمسجلا:
بمعنى مطلقا وهو أيضا صفة المصدر المحذوف أي: تعوذا جهارا مطلقا. وقوله: (على ما أتى): جار ومجرور متعلق بمحذوف وصف آخر للمصدر المحذوف أي: تعوذا كائنا على اللفظ الذي ورد في سورة النحل. و (اليسر): السهل وهو مصدر منصوب في موضع الحال من فاعل أتى أي: حال كون هذا اللفظ يسرا أي: ذا يسر وسهولة. و (التنزيه):
التقديس. و (المجهل): المنسوب للجهل اسم مفعول.
والمعنى: إذا أردت قراءة القرآن في أي زمن من الأزمان، ولأي قارئ من القراء، ومن أي جزء من أجزاء القرآن، سواء كان ذلك أول السورة أو أثناءها فتعوذ في ابتداء قراءتك تعوذا مجهورا به مطابقا للفظ الوارد في سورة النحل، حال كون هذا اللفظ ميسرا في النطق سهلا على اللسان لقلة كلماته وحروفه، بأن تقول في ابتداء قراءتك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من غير أن تزيد على هذا اللفظ شيئا، وإن شئت زيادة التعظيم لربك بوصف كمال ونعت جلال، فلست منسوبا إلى الجهل؛ لأنك أتيت بما يفيد كمال تنزيه الله عزّ وجلّ وتبرئته من جميع النقائص، كأن تقول: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وهكذا. وقد نبه الناظم بقوله: إذا ما أردت إلخ، إلا أن قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ معناه فإذا أردت قراءة القرآن، فاستعذ، فيكون في الآية مجاز مرسل من إطلاق اسم المسبب وإرادة اسم السبب كقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة.
(1/41)

97 - وقد ذكروا لفظ الرّسول فلم يزد ... ولو صحّ هذا النّقل لم يبق مجملا
اللغة: (الواو): في ذكروا لعلماء القرآن والمحدثين. ولفظ (الرسول): أي تعوذه أو استعاذته. و (مجملا): مصدر ميمى المراد به الحدث «أي إجمالا».
والمعنى: أن جماعة من القراء والمحدثين ذكروا تعوذ الرسول صلّى الله عليه وسلم، فلم يزد الرسول شيئا على اللفظ الوارد في سورة النحل، فمن ذلك ما روى أن ابن مسعود قرأ على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال:
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال له الرسول صلّى الله عليه وسلم: «يا ابن أم عبد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وروى نافع عن جبير بن مطعم أن الرسول صلّى الله عليه وسلم كان يقول: «أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم». وهذان الحديثان ضعيفان، قال أبو شامة: والأول لا أصل له في كتب الحديث، والثاني أخرجه أبو داود ولكن بغير هذه العبارة. وليس أدل على ضعف الحديثين من ورود أحاديث أخر أصح سندا منهما تعارضهما: منها: ما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري: قال: كان رسول الله صلّى الله
عليه وسلم إذا قام من الليل يقول «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»، قال الترمذي: هو أشهر حديث في هذا الباب. وفي صحيح ابن خزيمة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه». وقد أشار الناظم إلى ضعف الحديثين السابقين وأمثالهما بقوله: ولو صح هذا النقل لم يبق مجملا؛ والمراد بالإجمال: الإطلاق، أي لو صحّ نقل ترك الزيادة لذهب إجمال الآية، واتضح معناها وتعين لفظها، فلا يجوز العدول عنه.
المعنى: لو كانت الأحاديث الدالة على ترك الزيادة على آية النحل ثابتة صحيحة السند لم تبق إجمالا في الآية، بل تكون الآية حينئذ واضحة المعنى، بينة المراد متعينا لفظها عند التعوذ فيقال:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بلا زيادة عليه أو نقص عنه، ولكن هذه الأحاديث الدالة على ترك الزيادة ضعيفة معارضة بأصح منها سندا، فحينئذ تبقى الآية على إجمالها وإطلاقها فلا يتقيد القارئ بلفظها، بل يجوز له النقص عنه بأن
(1/42)

يقول: أعوذ بالله من الشيطان، والزيادة عليه بأن يقول: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، أو نحو ذلك، ويعتبر القارئ عندئذ ممتثلا للأمر في الآية الكريمة سواء نقص عنها لفظا أو زاد عليها لفظا، أو اثنين، أو ثلاثة، ومما ينبغي التنبه له:
أن الأمر في الآية الكريمة للندب على ما ذهب إليه جماهير العلماء من السلف والخلف.
98 - وفيه مقال في الأصول فروعه ... فلا تعد منها باسقا ومظلّلا
اللغة: ضمير (فيه): يعود على التعوذ. و (مقال): مصدر ميمي، والمراد به القول. و (الفروع):
جمع فرع وهو الغصن. و (الباسق): الشجر الطويل المرتفع. و (المظلل): ما له ظل لكثرة ورقه.
والمعنى: أن في التعوذ قولا كثيرا، وكلاما طويل الذيل، ممتد النسق، انتشرت فروعه في أصول الفقه، وأصول الحديث، وأصول القراءات. فأما أصول الفقه: فيبحث فيها عن التعوذ من حيث إن الأمر به في الآية؛ هل هو للوجوب أو للندب؟ وهل الآية واضحة الدلالة فيتعين لفظها أم مجملة فيصلح كل لفظ يدل على التعوذ؟. وأما أصول الحديث:
فيبحث فيها عن درجة الأحاديث الدالة على التعوذ وعن سندها وحال رواتها. وأما أصول القراءات- والمراد بها أمهات الكتب المؤلفة في هذا الشأن ك «الكامل» للإمام الهذلي، و «الإيضاح» للأهوازي، و «جامع البيان» للداني- فيبحث فيها عن التعوذ من حيث الجهر به والإخفاء، ومن حيث الوقف عليه أو وصله بما بعده. وقوله: فلا تعد منها باسقا ومظللا، معناه: فارجع إلى هذه الأصول وأمعن النظر فيها ولا تتجاوز منها القول الذي
تعضده الأدلة، وتؤازره البراهين. فكنى بالباسق والمقال عن هذا القول.
99 - وإخفاؤه فصل أباه وعاتنا ... وكم من فتى كالمهدوي فيه أعملا
اللغة: (الإخفاء): الإسرار، وضمير (وإخفاؤه): يعود على التعوذ، و (أبى الشيء):
تجنبه وامتنع من فعله. و (الوعاة) جمع واع كقضاة جمع قاض وهو الحافظ المدقق، وقد جرى كثير من شراح القصيدة على أن الفاء رمز لحمزة والألف رمز لنافع. وعلى هذا يكون.
المعنى: أن حمزة ونافعا كانا يخفيان التعوذ عند قراءتهما. وممن أخذ به لحمزة مطلقا في جميع القرآن: الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي المقرئ المفسر المتوفّى سنة
(1/43)

ثلاثين وأربعمائة، فإنه أعمل فكره في تصحيح الإخفاء وتقريره والقراءة والإقراء به، وروى خلف عن سليم عن حمزة أنه كان يجهر بالتعوذ في أول الفاتحة ويخفيه في سائر القرآن. وروى خلاد عن سليم أن حمزة كان يخير القارئ بين الجهر والإخفاء في التعوذ. وروى المسيبي عن نافع أنه كان يخفي التعوذ في جميع القرآن. وعلى هذا يكون قول الناظم: وإخفاؤه فصل، في قوة الاستثناء من عموم قوله: فاستعذ جهارا من الشيطان بالله مسجلا؛ فإنه بعمومه يدل على الأمر بالتعوذ جهارا في جميع الأوقات، وفي سائر القرآن، ولجميع القراء. ولكن الصحيح:
أن لا رمز في البيت، وأن قوله: فصل: معناه: فرق، وأنه بيان لحكمة إخفاء التعوذ، وهو الفرق بين القرآن وغيره، أو معناه: أن إخفاء التعوذ حكم من أحكامه. وكيفية من كيفياته، فكأنه قال: إخفاء التعوذ فرق بين القرآن وغيره، أو كيفية من كيفياته، ردّه- أي الإخفاء- علماؤنا الحفاظ الأثبات ولم يأخذوا به، بل أخذوا بالجهر به في جميع القرآن، ولكل القراء، كما أفاد ذلك عموم قوله: فاستعذ جهارا من الشيطان بالله مسجلا؛ ذلك أن الجهر بالتعوذ إظهار لشعار القراءة كالجهر بالتلبية وتكبيرات العيد. ومن فوائد الجهر به: أن السامع للقراءة يتمكن من الإصغاء لها من أولها، فلا يفوته شيء منها، وإذا أخفى القارئ التعوذ فلا يعلم السامع للقراءة إلا بعد أن يفوته شيء منها. وهذا المعنى هو الفارق بين القراءة في الصلاة وخارجها فإن المستحب للقارئ في الصلاة إخفاء التعوذ وإن كان إماما وفي صلاة جهرية؛ لأن المأموم منصت في الصلاة من أول الإحرام فلا يفوته شيء من قراءة إمامه.
وفصل الخطاب في هذا المقام أن يقال: إن التعوذ يستحب إخفاؤه في مواطن، والجهر به في مواطن أخرى، فمواطن الإخفاء:
(1) إذا كان القارئ يقرأ سرّا، سواء كان منفردا أم في مجلس.
(2) إذا كان خاليا سواء قرأ سرّا أم جهرا.
(3) إذا كان في الصلاة، سواء كانت الصلاة سرية أم جهرية، وسواء كان منفردا أم
مأموما أو إماما.
(4) إذا كان يقرأ وسط جماعة يتدارسون القرآن، كأن يكون في مقرأة ولم يكن هو المبتدئ بالقراءة، وما عدا هذه المواطن يستحب الجهر بالتعوذ فيها.
(1/44)

«تتمة» لو قطع القارئ قراءته لطارئ قهري كعطاس أو تنحنح- أو كلام يتعلق بمصلحة القراءة؛ كأن شك في شيء في القراءة وسأل من بجواره ليتثبت؛ فإنه لا يعيد التعوذ. أما لو قطعها إعراضا عنها، أو لكلام لا تعلق له بها ولو ردّا لسلام؛ فإنه يستأنف التعوذ.

3 باب البسملة [100 - 107]
البسملة: مصدر مولد بسمل إذا قال: بِسْمِ اللَّهِ*، نحو هيلل إذا قال: لا إله إلا الله، وحمدل إذا قال: الحمد لله، وحسبل إذا قال: حسبي الله، وحيعل إذا قال:
حي على الصلاة، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
100 - بسمل بين السّورتين بسنّة ... رجال نموها درية وتحمّلا
101 - ووصلك بين السّورتين فصاحة ... وصل واسكتن كلّ جلاياه حصّلا
اللغة: (السنة) لغة: الطريقة. واصطلاحا: قول رسول الله صلّى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره أو وصفه.
ومعنى (نموها) رفعوها ونقلوها. و (الدرية): الدراية والعلم والمعرفة. و (التحمل): النقل عن الغير. و (درية وتحملا): مصدران في موضع الحال من فاعل (نموها): أي نقلوها حال كونهم ذوي معرفة ودراية وتحمل. و (الجلايا): جمع جلية من جلا الأمر إذا انكشف وظهر.
والمعنى: أن المشار إليهم بالباء، والراء، والنون، والدال، وهم: قالون، والكسائي، وعاصم، وابن كثير؛ قرءوا بإثبات البسملة بين كل سورتين حال كونهم متمسكين في ذلك بسنة نقولها وأسندوها إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، وحال كونهم ذوي علم ومعرفة ونقل عن الغير؛ أي جامعين بين الدراية والرواية. والمراد بالسنة التي نقولها: ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان لا يعلم انقضاء السورة حتى تنزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* وكتابة الصحابة لها في المصاحف العثمانية. وقوله: ووصلك بين السورتين فصاحة، معناه أن المشار إليه بالفاء وهو حمزة قرأ
(1/45)

بوصل آخر السورة بأول التالية من غير بسملة بينهما، وفي قوله: فصاحة؛ إشارة إلى حكمة هذا الوصل، وهي أن فيه بيان إعراب آخر السورة كآخر التوبة مع أول يونس، وبيان همزة الوصل كآخر العاديات مع أول القارعة. وهمزة القطع كآخر القارعة مع أول أَلْهاكُمُ. وسكت خلف على مثل: فَحَدِّثْ آخر والضحى، لا
يخرجه عن كونه وصلا؛ فإنه لا يفعل ذلك إلا في حال الوصل؛ ولأنه في هذه الحال يعتبر واصلا آخر والضحى بأول الشرح من غير بسملة بينهما، والواو في قوله: واسكتن، بمعنى أو خيّر الناظم القارئ بين الوصل والسكت بين كل سورتين لمن رمز لهم بالكاف، والجيم، والحاء وهم: ابن عامر، وورش، وأبو عمرو، فيكون لكل واحد منهم بين كل سورتين وجهان:
الوصل كحمزة، والسكت: بدون بسملة. والسكت هو الوقف على آخر السورة وقفة لطيفة من غير تنفس كسكت حمزة على الهمز.
والمعنى: كل جلاياه حصلا أن كل واحد من القراء الثلاثة: ابن عامر، وورش، وأبي عمرو، حصل جلايا ما ذهب إليه وصوبه، وينبغي أن يعلم أنه لا بدّ من الإتيان بالبسملة لجميع القراء بين آخر سورة الناس وأول سورة الفاتحة. فإن الفاتحة وإن وصلت لفظا فهي مبتدأ بها حكما إذ ليس قبلها شيء حقيقة.
102 - ولا نصّ كلّا حبّ وجه ذكرته ... وفيها خلاف جيده واضح الطّلا
اللغة: (كلا): حرف ردع وزجر. و (الجيد): العنق. و (الواضح): الظاهر.
و (الطلى): جمع طلية وهي صفحة العنق.
والمعنى: لم يرد نص عن ابن عامر، وورش، وأبي عمرو بوصل ولا بسكت، وإنما التخير بين هذين الوجهين لهم اختيار من أهل الأداء، واستحباب من شيوخ الإقراء، وهذا معنى قوله: حب وجه ذكرته، و (كلا) حرف ردع وزجر كما سبق، وكأن الناظم يزجر من يعتقد ورود النص عن أحد منهم بوصل أو سكت، وقوله: وفيها خلاف جيده واضح الطلى، معناه: أن في البسملة خلافا عن هؤلاء الثلاثة مشهورا عند علماء هذه الصناعة.
والخلاصة: أن الخلاف في البسملة وارد عن هؤلاء الثلاثة، فإذا قلنا: إنهم يبسملون وأخذنا لهم بالبسملة فالأمر ظاهر، وإن قلنا: إنهم لا يبسملون فهل
(1/46)

يصلون كحمزة أو يسكتون، لم يرد عنهم في ذلك نص، فذكر الشيوخ لهم هذين الوجهين استحبابا، وعلى ما تقرر لا يكون في البيت رمز لأحد، وهذا ما عليه المحققون، وهذا الحكم الذي ذكرنا لكل قارئ عام، يجري بين كل سورتين سواء كانت الثانية بعد الأولى مباشرة كآخر البقرة وأول آل عمران، أو لم تكن بعدها مباشرة كآخر يونس مع أول النحل، لكن يشترط أن تكون الثانية بعد الأولى في ترتيب القرآن والتلاوة كما مثلنا، فإن كانت قبلها فيما ذكر كآخر الأنبياء مع أول هود؛ فإنه يتعين الإتيان بالبسملة لجميع القراء، ولا يجوز لواحد منهم الوصل ولا السكت، كذلك لو وصل آخر السورة بأولها، كأن كرر سورة الإخلاص؛ فإن البسملة تكون حينئذ متعينة للجميع.
وأيضا تتعين البسملة لكل القراء لو وصل آخر الناس بأول الفاتحة كما تقدم.
103 - وسكتهم المختار دون تنفّس ... وبعضهم في الأربع الزّهر بسملا
104 - لهم دون نصّ وهو فيهنّ ساكت ... لحمزة فافهّمه وليس مخذّلا
اللغة: و (سكتهم): مبتدأ، و (المختار): خبره، و (دون تنفس) ظرف متعلق بمحذوف خبر بعد خبر، أو حال من ضمير المختار، و (الأربع الزهر): هي السور الآتية: القيامة،
المطففين، البلد، الهمزة. و (الزهر): جمع الزهراء تأنيث الأزهر وهو المنير المشرق، ووصف هذه السور بالزهر كناية عن شهرتها ووضوحها، ولذلك لم يحتج لتعينها. والضمير في (وسكتهم) يعود على القراء الثلاثة المذكورين في البيت قبله وهم: ابن عامر، وورش، وأبو عمرو.
والمعنى: أن السكت الوارد عن هؤلاء هو المختار المقدم على الوصل؛ لأن فيه تنبيها على نهاية السورة. وهذا السكت يكون دون تنفس بأن تقف على آخر السورة وقفة خفيفة دون تنفس، ثم بيّن أن بعض أهل الأداء اختار الفصل بالبسملة بين المدثر والقيامة، وبين الانفطار والتطفيف، وبين الفجر والبلد، وبين العصر والهمزة، لمن ورد عنه السكت في غيرهن، وهم: ورش وأبو عمرو وابن عامر، من غير نص عنهم، وإنما هو استحباب من الشيوخ لهم، واختار السكت بين ما ذكر لمن روي
(1/47)

عنه الوصل في غيرهن وهم المذكورون وحمزة، فإذا كنت تقرأ لورش، أو أبي عمرو، أو ابن عامر بالسكت بين السور ووصلت للسور المذكورة؛ استحب لك- عند هذا البعض- أن تفصل بينهن بالبسملة. وإن كنت تقرأ لأحدهم أو لحمزة بالوصل بين السور؛ استحب لك- عند هذا البعض- أن تسكت بينهن. وقوله: فافهمه وليس مخذلا، معناه: فافهم هذا المذهب الذي يفرق بين هذه السور وبين غيرها من سور القرآن، وليس هذا المذهب ضعيفا متروك العون والنصرة، بل هو مذهب مؤيد منصور. ولكن مع هذا فالمحققون من العلماء على عدم التفرقة بين هذه السور وبين غيرها، وهو المذهب الصحيح المختار الذي عليه العمل في سائر الأمصار، فإن قلت: من أين يعلم أن اختيار البسملة بين السورة المذكورة في مذهب هذا البعض إنما يكون حال السكت في غيرها؟ قلت: يعلم ذلك من اختيار السكت بين هذه السور حال الوصل في غيرها. فإن قلت: من أين يعلم اختيار السكت بين هذه السور حال الوصل في غيرها لورش وأبي عمرو وابن عامر والناظم لم ينص إلا على اختيار السكت فيها لحمزة؟ قلت:
يعلم ذلك من قوله: وهو فيهن ساكت لحمزة؛ فإن المراد به: وهو فيهن ساكت لكل من وصل في غيرها، وإنما خص حمزة بالذكر؛ لأنه الأصل في الوصل بين السور.
105 - ومهما تصلها أو بدأت براءة ... لتنزيلها بالسّيف لست مبسملا
اللغة: الضمير في (تصلها) يعود على براءة.
المعنى: إذا وصلت براءة بالسورة قبلها وهي الأنفال، أو ابتدأت بها القراءة فلا تبسمل في أولها لأحد من القراء، سواء كان مذهبه بين السورتين البسملة أو السكت أو الوصل.
ثم علل الناظم ترك البسملة في أول براءة بأنها نزلت مشتملة على السيف، وكنى بذلك عما انطوت عليه سورة براءة من الأمر بالقتل والأخذ والحصر ونبذ العهد والوعيد والتهديد وفيها آية السيف، وقد نقل العلماء هذا التعليل عن عليّ رضي الله عنه. قال ابن عباس: سألت عليّا رضي الله عنه: لم لم تكتب البسملة في أول براءة؟ فقال: لأن بسم الله أمان، وبراءة ليس فيها أمان؛ لأنها نزلت بالسيف ولا تناسب بين الأمان والسيف.
(1/48)

106 - ولا بدّ منها في ابتدائك سورة ... سواها وفي الأجزاء خيّر من تلا
اللغة: الضمير في (منها): يعود على البسملة وفي (سواها): يعود على براءة، و (سورة): منصوب على نزع الخافض، لما ذكر في الأبيات السابقة مذاهب القراء بين السورتين ذكر هنا مذهبهم في ابتداء السور، فقال: إذا ابتدأت قراءتك بأول سورة من سور القرآن فلا بد من الإتيان بالبسملة لجميع القراء سواء في ذلك من مذهبه البسملة بين السورتين، ومن مذهبة وصل السورة بأول التالية، ومن مذهبه التخيير بين الوصل والسكت والبسملة. فالقراء متفقون على البدء بالبسملة في ابتداء أي سورة، وهذا الحكم عام في الابتداء بأي سورة من سور القرآن إلا براءة فلا بسملة عند الابتداء بها لأحد من القراء.
وقوله (وفي الأجزاء خيّر من تلا) يصح قراءة (خير) بالبناء للفاعل.
والمعنى: خير أهل الأداء القارئ إذا ابتدأ قراءته بشيء من أجزاء السور بين الإتيان بالبسملة وتركها. ويصح قراءة خير بالبناء للمفعول.
ومن المعنى: خير القارئ إذا ابتدأ بشيء من أجزاء السور بين الإتيان بالبسملة وتركها، وذلك لجميع القراء. ولا فرق في هذا الحكم بين أجزاء براءة وأجزاء غيرها من السور، واستثنى بعضهم أجزاء براءة فمنع من الإتيان فيها بالبسملة، وألحق أجزاء السورة بأولها في عدم جواز الإتيان بالبسملة. والمراد بأجزاء السور: ما بعد أوائلها ولو بآية أو كلمة، فيدخل في ذلك: أوائل الأجزاء المصطلح عليها، وأوائل الأحزاب والأعشار. وأول كل آية ابتدأ بها غير أول آية في السورة.
107 - ومهما تصلها مع أواخر سورة ... فلا تقفنّ الدّهر فيها فتثقلا
اللغة والمعنى: الضمير في (تصلها) و (فيها) يعود على البسملة. وفي بمعنى على.
يقول: إذا وصلت البسملة بآخر سورة امتنع الوقف على البسملة وتعين وصلها بأول السورة التالية والحاصل أن الأوجه العقلية الجائزة بين كل سورتين لمن مذهبه البسملة أربعة:
(الأول) الوقف على آخر السورة وعلى البسملة.
(الثاني) الوقف على آخر السورة ووصل البسملة بأول التالية.
(الثالث) وصل آخر السورة بالبسملة مع وصل البسملة بأول السورة التالية.
(1/49)

(الرابع) وصل آخر السورة بالبسملة مع الوقف عليها، وهذا الوجه هو الذي نهى الناظم عن الإتيان به، فيكون ممتنعا فتبقى الأوجه الثلاثة الأولى على الجواز. وعلى هذا يكون لكل من مذهبه البسملة بين السورتين وهم: قالون، والكسائي، وعاصم، وابن كثير، هذه الأوجه الثلاثة بين كل سورتين. ويكون لورش، وأبي عمرو، وابن عامر، بين كل سورتين خمسة أوجه. الثلاثة المذكورة، والوصل، والسكت دون بسملة على كل منهما. أما حمزة: فليس له بين كل سورتين إلا وجه واحد وهو الوصل بلا بسملة
وقولوه فتثقلا معناه فتصير مستثقلا عند أئمة القراءة لأنك فعلت ما لا ينبغي حيث جعلت البسملة لختم السورة وهي لم تشرع إلا للبدء بالسورة وينبغي أن يعلم أن بين الأنفال وبراءة ثلاثة أوجه لجميع القراء وهي: الوقف، والسكت، والوصل.

4 سورة أم القرآن [108 - 115]
108 - ومالك يوم الدّين راويه ناصر ... وعند سراط والسّراط ل قنبلا
109 - بحيث أتى والصّاد زاء أشمّها ... لدى خلف واشمم لخلّاد الاوّلا
المعنى: بيّن أن المشار إليهما بالراء والنون وهما الكسائي وعاصم قرآ لفظ ملك من قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بإثبات الألف بعد الميم كما نطق به. وهذا مما استغني فيه باللفظ عن القيد فلم يحتج لأن يقول ومالك بالمد. فتكون قراءة الباقين بحذف الألف بعد الميم. واللام في لقنبلا للأمر، أي اتبع قنبلا في قراءة لفظ صِراطَ* والصِّراطَ* بالسين حيث وقع في القرآن الكريم سواء كان منكرا نحو وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أم معرفا باللام نحو: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أم بالإضافة نحو صِراطَ الَّذِينَ وَأَنَّ هذا صِراطِي صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ وهذا مما استغنى فيه باللفظ عن القيد أيضا حيث لم يقل بالسين. ثم أمر بإشمام الصاد صوت الزاي لخلف في هذا اللفظ حيث وقع في القرآن الكريم سواء كان منكرا، أم معرفا باللام، أو بالإضافة كالأمثلة المذكورة. وأخيرا أمر بإشمام الصاد صوت الزاي لخلاد في الموضع الأول
(1/50)

فقط وهو اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (1) فتكون قراءته في بقية المواضع بالصاد الخالصة وقرأ
الباقون بالصاد الخالصة في جميع المواضع من القرآن الكريم.
وكيفية الإشمام هنا: أن تخلط لفظ الصاد بلفظ الزاي وتمزج أحد الحرفين بالآخر فيتولد منها حرف ليس بصاد ولا بزاي ولكن يكون صوت الصاد متغلبا على صوت الزاي، وقصارى القول أن تنطلق بالصاد كما ينطلق العوام بالظاء.
110 - عليهم إليهم حمزة ولديهم ... جميعا بضمّ الهاء وقفا وموصلا
المعنى: قرأ حمزة هذه الكلمات عَلَيْهِمْ* إِلَيْهِمْ* لَدَيْهِمْ* بضم الهاء في حالي الوقف والوصل في جميع القرآن الكريم، سواء كان بعد الكلمات متحرك نحو عَلَيْهِمْ* غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ. أم كان بعدهن ساكن نحو عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ*، إِلَيْهِمْ* اثْنَيْنِ*. وأخذ هذا التعميم من الإطلاق. وقرأ غير حمزة هذه الكلمات الثلاث في جميع القرآن بكسر الهاء، ويؤخذ كسر الهاء من اللفظ.
111 - وصل ضمّ ميم الجمع قبل محرّك ... دراكا وقالون بتخييره جلا
المعنى: أمر الناظم بضم ميم الجمع وصلتها بواو إذا وقعت قبل متحرك لابن كثير في جميع القرآن سواء كان الحرف المتحرك همزة نحو عَلَيْهِمْ* أَأَنْذَرْتَهُمْ*، أم غيرها نحو أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، واحترز بقوله: قبل محرك؛ عما إذا وقعت قبل ساكن فإنها- وإن تحركت بالضم لأجل الساكن- لا توصل بواو لأحد من القراء نحو عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ فإن اقترن بها ضمير؛ فإنها توصل بواو لجميع القراء نحو أَنُلْزِمُكُمُوها، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ، فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ.
ثم ذكر أن قالون يخير القارئ بقراءته بين الصلة والسكون فيما ذكر فيكون لقالون وجهان في كل ميم جمع وقع بعدها متحرك في جميع القرآن الكريم وهما الصلة والسكون، وليست جيم جلا رمزا لورش لتصريحه باسم قالون.
_________
(1) في هذا الموضع لخلاد الإشمام والصاد الخالصة فاقتصار الناظم على الإشمام لخلاد فيه قصور.
[تصوير]
(1/51)

112 - ومن قبل همز القطع صلها لورشهم ... وأسكنها الباقون بعد لتكملا
المعنى: أمر بضم ميم الجمع وصلتها بواو إذا وقعت قبل همز القطع لورش نحو عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ، ولما كانت قراءة الباقين لا تؤخذ من الضد نص عليها فقال: وأسكنها الباقون بعد لتكملا. فباقي القراء بعد ابن كثير وقالون وورش يقرءون بسكون الميم. والاختلاف في صلة ميم الجمع وسكونها إنما هو في حال وصل الميم بما بعدها. وأما إذا وقف عليها فقد أجمعوا على سكونها.
113 - ومن دون وصل ضمّها قبل ساكن ... لكلّ وبعد الهاء كسر فتى العلا
114 - مع الكسر قبل الها أو الياء ساكنا ... وفي الوصل كسر الهاء بالضمّ شمللا
115 - كما بهم الأسباب ثمّ عليهم ال ... قتال وقف للكلّ بالكسر مكملا
قوله: (ضمها) يروى بفتح الضاد وضم الميم على أنه مبتدأ وقوله: (لكل) متعلق بمحذوف خبر، ويروى بضم الضاد وفتح الميم على أنه فعل أمر وها مفعول به.
و (شمللا) بمعنى أسرع، ولما ذكر في البيتين السابقين حكم ميم الجمع لجميع القراء إذا وقعت قبل متحرك، ذكر هنا حكمها إذا وقعت قبل ساكن فأمر بضمها من غير صلة إذا وقعت قبل ساكن، لكل القراء نحو وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ*، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ثم بين أن (فتى العلا) وهو أبو عمرو البصري قرأ بكسر الميم إذا وقعت بعد الهاء بشرط أن يكون
قبل الهاء حرف مكسور نحو فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ، وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ*. أو ياء ساكنة نحو يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ، يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ، عَلَيْهِمُ الْقِتالُ*، إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ، ولا يخفى أنه يسكن الميم عند الوقف، ثم ذكر أن المرموز لهما بالشين وهما: حمزة والكسائي قرآ بضم كسر الهاء، مع ضم الميم، في حال الوصل إذا وقعت الهاء بعد حرف مكسور أو ياء ساكنة كالأمثلة المذكورة وذلك في حال الوصل فقط، وأما في حال الوقف فيقرءون بكسر الهاء، وهذا معنى قوله: وقف للكل بالكسر مكملا، ويستثنى من قوله: وقف للكل بالكسر مكملا: الكلمات الثلاث المتقدمة:
عَلَيْهِمْ*، إِلَيْهِمْ*، لَدَيْهِمْ*؛ فإن حمزة يقرؤها بضم الهاء وقفا ووصلا، سواء وقع بعد الميم ساكن أو متحرك كما سبق، وعلى هذا فمثل يُرِيهِمُ اللَّهُ، يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ،
(1/52)

يقرؤها حمزة والكسائي بضم الهاء والميم وصلا، وبضم الهاء وسكون الميم وقفا، ويقرؤهما الكسائي بضم الهاء والميم وصلا، وبكسر الهاء وسكون الميم وقفا.

5 باب الإدغام الكبير [116 - 131]
116 - ودونك الإدغام الكبير وقطبه ... أبو عمرو البصريّ فيه تحفّلا
اللغة والمعنى: (الإدغام) لغة: إدخال شيء في شيء، ومنه: أدغم اللجام في فم الفرس إذا أدخله فيه واصطلاحا: النطق بالحرفين حرفا واحدا كالثاني مشددا، وهو قسمان: كبير وصغير، فالكبير: ما كان المدغم والمدغم فيه متحركين، ويكون في المثلين، والمتقاربين، والمتجانسين. والصغير: ما كان المدغم ساكنا والمدغم فيه متحركا، ولا يكون إلا في المتقاربين والمتجانسين. وقول الناظم (ودونك) اسم فعل أمر بمعنى خذ وقطب الشيء ملاكه، وقطب القوم سيدهم الذي يدور عليهم أمرهم، وتحفل بالشيء وفيه: اهتم به، وعنى بشأنه.
[تصوير]
أي خذ الإدغام الكبير، والذي يدور عليه أمره هو أبو عمرو البصري فهو الذي احتفل به، واهتم بشأنه، ونقله، وضبط حروفه، واحتج له، وقرأ وأقرأ به، فمدار الإدغام على أبي عمرو فمنه أخذ، وإليه أسند، وعنه اشتهر من بين القراء السبعة. وسبب الإدغام: التماثل والتقارب والتجانس، وشرطه: التقاء المدغم بالمدغم فيه خطّا، فدخل نحو إِنَّهُ هُوَ* وخرج نحو أَنَا نَذِيرٌ*، وأن يكون المدغم فيه أكثر من حرف إذا كان الإدغام في كلمة، وموانعه ستأتي في قول الناظم (إذا لم يكن تاء مخبر) إلخ، وصريح النظم يفيد أن الإدغام لأبي عمرو من الروايتين، ولكن المقروء به المعول عليه المأخوذ به من طريق الشاطبية والتيسير: أن الإدغام خاص برواية السوسي عن أبي عمرو. وأما الدوري: فليس له من طريق النظم، وأصله: إلّا الإظهار. ولذلك قال الإمام السخاوي تلميذ الإمام الشاطبي في شرحه للشاطبية: وكان أبو القاسم الشاطبي يقرئ بالإدغام الكبير من طريق السوسي؛ لأنه كذا قرأ .. انتهى.
117 - ففي كلمة عنه مناسككم وما ... سلككم وباقي الباب ليس معوّلا
(1/53)

المعنى: إذا التقى المثلان فإما أن يكون التقاؤهما في كلمة، وإما أن يكون في كلمتين، فإن كان في كلمة: فلا يدغم السوسي من المثلين إلا الكاف في هاتين الكلمتين، مَناسِكَكُمْ في قوله تعالى في سورة البقرة: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ، وسَلَكَكُمْ في قوله: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، وما عدا هاتين الكلمتين فلم يعول السوسي على الإدغام فيه بل قرأه بالإظهار كغيره من سائر القراء مثل بِأَعْيُنِنا*، جِباهُهُمْ، وُجُوهُهُمْ*، بِشِرْكِكُمْ.
118 - وما كان من مثلين في كلمتيهما ... فلا بدّ من إدغام ما كان أوّلا
119 - كيعلم ما فيه هدى وطبع عّلى ... قلوبهم والعفو وأمر تمثّلا
المعنى: إذا التقى الحرفان المتماثلان في كلمتين بأن كان أولهما آخر كلمة وثانيهما أول الكلمة التي تليها وكانا متحركين؛ فلا بد من إدغام الحرف الأول بعد إسكانه في الثاني للسوسي وصلا، سواء كان ما قبل الحرف الأول المدغم متحركا نحو يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ*، وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ. أم كان ساكنا وهو حرف مد نحو فِيهِ هُدىً*. أم ساكنا صحيحا نحو خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ. وقولنا:
وكان متحركين؛ احتراز عما إذا كان الحرف الأول ساكنا والثاني متحركا، فإن الحرف الأول يدغم في الثاني باتفاق القراء نحو: إِذْ ذَهَبَ، وَقَدْ دَخَلُوا. وعما إذا كان الأول متحركا والثاني ساكنا فإن الحرف الأول يجب إظهاره لجميع القراء نحو كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ، إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها ومعنى تمثلا تخصص المذكور وتبين، وهو إدغام المثلين في الثاني من كلمتين.
120 - إذا لم يكن تا مخبر أو مخاطب ... أو المكتسى تنوينه أو مثقّلا
121 - ككنت ترابا أنت تكره واسع ... عليم وأيضا تمّ ميقات مثّلا
اللغة والمعنى: الضمير في (يكن) يعود على قوله: ما كان أولا، وهذا بيان من الناظم لموانع الإدغام: المانع الأول: أن يكون الحرف الأول من المثلين تاء مخبر أو تاء دالة على المتكلم نحو يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً. والثاني: أن يكون الحرف الأول تاء دالة على المخاطب نحو أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ وَما كُنْتَ تَتْلُوا الثالث: أن يكون الحرف الأول مقرونا بالتنوين نحو
(1/54)

وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ*. الرابع: أن يكون الحرف الأول مثقلا نحو فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ، وَخَرَّ راكِعاً. فيجب إظهار الحرف الأول في هذه الأمثلة وأشباهها.
122 - وقد أظهر في الكاف يحزنك كفره ... إذ النّون تخفى قبلها لتجمّلا
المعنى: قد أظهر رواة الإدغام عن السوسي كاف يَحْزُنْكَ* ولم يدغموها في كاف كفره في قوله تعالى في سورة لقمان وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ. ثم علل إظهارها بأن النون أخفيت عند الكاف فانتقل مخرجها إلى الخيشوم فيصعب التشديد بعدها فامتنع إدغامها، أو يقال: إن النون لما أخفيت والإخفاء قريب من الإدغام صارت الكاف كأنها مدغم فيها فصارت كالحرف المشدد وهو ممتنع الإدغام، فامتنع إدغامها ووجب إظهارها. وقوله (لتجملا) تعليل لإظهار الكاف، أي إنما أظهرت الكاف لتجمل الكلمة ببقائها على صورتها.
123 - وعندهم الوجهان في كلّ موضع ... تسمّى لأجل الحذف فيه معلّلا
124 - كيبتغ مجزوما وإن يك كاذبا ... ويخل لكم عن عالم طيّب الخلى
المعنى: قد يلتقي المثلان في موضع بسبب حذف وقع في الكلمة التي فيها المثل الأول، وحينئذ تسمى هذه الكلمة التي وقع فيها الحذف معللة أي معلة، وعند علماء الأداء الوجهان:
الإدغام والإظهار عن السوسي في كل كلمة هذا شأنها، وذلك في ثلاث كلمات في القرآن الكريم «الأولى»: ومن يبتغ غير الإسلام دينا في آل عمران أصلها يبتغي فالياء فاصلة بين المثلين فحذفت الياء للجازم فالتقى المثلان، فمن أظهر نظر إلى أصل الكلمة قبل دخول الجازم عليها.
ومن أدغم نظر إلى الحال الراهنة. «الكلمة الثانية»: وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ في غافر، أصلها يكون، ثم دخل الجازم فجزمت له النون، فالتقى ساكنان: النون والواو، فحذفت الواو للتخلص من التقائهما. ثم حذفت النون تخفيفا فالتقى المثلان «الكلمة الثالثة»:
يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ في يوسف، أصلها: يخلو فحذفت الواو للجازم وهو وقوع الفعل جوابا للأمر، فالتقى المثلان، وعلتا الإدغام والإظهار في الكلمة الأولى تجريان في الكلمتين الثانية والثالثة، وليس في القرآن من هذا النوع
(1/55)

إلا هذه المواضع الثلاثة. وعلى هذا تكون الكاف في (كيبتغ) استقصائية؛ لأنها استقصت الأمثلة كلها ولم تترك شيئا منها، والكلمة المعللة والمعلة بمعنى واحد وهي التي دخلها الإعلال بحذف أو إبدال أو غير ذلك. و (الخلى) العشب
الرطب وقد يكنى به عن الحديث الحسن أو العلم الغزير. والمراد (بالعالم الطيب الخلي) الإمام السوسي وكنى بوصفه بطيب الخلى عن حسن حديثه وغزارة علمه.
125 - ويا قوم ما لي ثمّ يا قوم من بلا ... خلاف على الإدغام لا شكّ أرسلا
لما كان يتوهم أن قوله تعالى: وَيا قَوْمِ ما لِي بغافر، وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي بهود، مثل يَبْتَغِ غَيْرَ، وَإِنْ يَكُ كاذِباً، يَخْلُ لَكُمْ في جواز الوجهين الإدغام والإظهار نظرا إلى حذف الياء منه؛ إذ الأصل: ويا قومي، فتكون الكلمة معتلة كالكلمات الثلاث، رفع الناظم هذا الوهم ببيان أنه لا خلاف عن السوسي في إدغام هاتين الكلمتين؛ لأن كلمة يَقُومُ* ليست مثل يَبْتَغِ إذ لم يحذف من أصولها شيء فليست معتلة، وأما الياء المحذوفة منها فليست من بنية الكلمة؛ بل هي كلمة مستقلة وهي تحذف على اللغة الفصحى، وحذفت من المصاحف فكانت بمثابة العدم. وقوله (لا شك أرسلا) أي أطلق هذان اللفظان على الإدغام من غير تقييد؛ إذ ليس فيهما ما يمنع الإدغام.
126 - وإظهار قوم آل لوط لكونه ... قليل حروف ردّه من تنبّلا
127 - بإدغام لك كيدا ولو حجّ مظهر ... بإعلال ثانيه إذا صحّ لاعتلا
المعنى: من رواة الإدغام عن السوسي قوم أظهروا اللام في كلمة آلَ لُوطٍ* في الحجر والنمل والقمر. ولم يدغموها في اللام بعدها محتجين لهذا الإظهار بقلة حروف هذه الكلمة، وقد رد هذا الاحتجاج من رسخت في العلم قدمه وارتقت فيه منزلته بأنهم أجمعوا على إدغام الكاف في الكاف في قوله تعالى في يوسف: فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً مع كونه أقل حروفا من آلَ لُوطٍ* فلو كانت قلة الحروف مانعة من الإدغام لكان منع الإدغام في لك كيدا أولى من منع الإدغام في آلَ لُوطٍ* لكونه أقل حروفا منه، ولكنهم أدغموا الكاف في الكاف في لَكَ كَيْداً اتفاقا. فدل ذلك على أن قلة الحروف لا دخل لها في منع
(1/56)

الإدغام على أنه يقال لهؤلاء المانعين: قد انعقد الإجماع على إدغام قالَ لَهُمْ* وأي فرق بين آلَ لُوطٍ* وقالَ لَهُمْ*، والحق أنه لا فرق بينهما بل هو مثله وعلى وزنه. وقوله: (ولو حج مظهر ... إلخ) أي لو احتج المظهرون للفظ آلِ* بأن ثاني حروفه قد تغير بالإعلال مرة بعد مرة والإدغام نوع من التغيير فعدل عنه خوفا من أن يتوارد على كلمة قليلة الحروف تغييرات كثيرة لو احتج المظهرون بهذا لغلبوا بالحجة، إذا صح هذا الاحتجاج لاعتلى الإظهار وارتفعت منزلته وأخذ به أهل الأداء، لكن هذا الاحتجاج لا ينهض لمنع الإدغام.
والخلاصة: أن الإدغام في هذه الكلمة هو الصحيح المعول عليه المأخوذ به وهو الذي عليه العمل.
128 - فإبداله من همزة هاء اصلها ... وقد قال بعض النّاس من واو ابدلا
المعنى: هذا بيان لأصل كلمة آل وما طرأ عليها من تغيير، وقد أورد الناظم في أصلها مذهبين الأول: مذهب سيبويه وهو أن أصلها أهل بهاء ساكنة فأبدلت الهاء همزة ساكنة ثم أبدلت الهمزة ألفا بناء على ما تقرر من أنه إذا اجتمعت همزتان وثانيهما ساكنة فإن الثانية تبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها، والثاني: مذهب أبي الحسن بن شنبوذ وهو الذي عبر عنه الناظم ببعض الناس، وهو أن أصلها أول بفتح الواو كما في لفظة قال، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا.
129 - وواو هو المضموم هاء كهو ومن ... فأدغم ومن يظهر فبالمدّ علّلا
130 - ويأتي يوم أدغموه ونحوه ... ولا فرق ينجى من على المدّ عوّلا
المعنى: اختلف أهل الأداء في إدغام الواو من لفظ هُوَ* المضموم الهاء في مثلها نحو لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ، كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ. فذهب الجمهور عن السوسي إلى إدغامها في مثلها طردا للباب لتحقق الحرفين المتماثلين، ولذلك أمر الناظم بإدغامها، وذهب البعض إلى الإظهار؛ لأن إدغام الواو في مثلها يترتب عليه محظور وهو إدغام حرف المد، ذلك أنه إذا أريد إدغام الواو فلا بد من إسكانها فإذا سكنت وقبلها ضمة تصير حرف مد، وحرف المد لا يدغم بالإجماع؛ لأن إدغامه يفضي إلى حذفه
(1/57)

مثل: قالُوا وَهُمْ فِيها، آمَنُوا وَكانُوا*، ومثل: فِي يَوْمٍ*، الَّذِي يُوَسْوِسُ وحرف المد لا يحذف، ثم نقض الناظم علة المظهرين وبين فسادها بأن هؤلاء المظهرين قد أدغموا الياء في مثلها نحو يَأْتِيَ يَوْمٌ*، نُودِيَ يا مُوسى ولا شك أنه يترتب على إدغام يَأْتِيَ يَوْمٌ* ونحوه من المحظور ما يترتب على إدغام هُوَ* المضموم الهاء؛ فالعلة الموجبة للإظهار في هُوَ* متحققة في يَأْتِيَ يَوْمٌ* إذا المد المقدر في الواو موجود في الياء، فلا فارق بينهما، فإدغام أحد المتساويين وإظهار الثاني تحكم لا مبرر له، على أن هناك فرقا بين حرف المد في هُوَ* المضموم الهاء وحرف المد في الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا* ونحوه فإن الأول تقديري ملاحظ في الذهن فقط لا ثبوت له في الخارج، والثاني محقق في الخارج فقياس الأول على الثاني خطأ، إذ لا يلزم من منع الإدغام في المد المحقق منعه في المد المقدر، وعلى كل فالمقروء به للسوسي من طريق الشاطبية والتيسير هو الإدغام ليس غير. وقوله: المضموم هاء؛ احتراز عن ساكنها؛ فإن فيه الإدغام قولا واحدا للسوسي، وقد وقع في ثلاثة مواضع: وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بالأنعام، فَهُوَ وَلِيُّهُمُ بالنحل، وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ في الشورى.
131 - وقبل يئسن الياء في اللّاء عارض ... سكونا أو اصلا فهو يظهر مسهلا
المعنى: قرأ أبو عمرو من روايتي الدوري والسوسي وَاللَّائِي يَئِسْنَ في سورة الطلاق
بحذف الياء بعد الهمزة، وله في الهمزة بعد ذلك وجهان تسهيلها بين بين مع المد والقصر.
وإبدالها ياء ساكنة مع المد المشبع للساكنين. وعلى هذا الوجه يجتمع حرفان متماثلان في كلمتين: الأول ساكن والثاني متحرك، والقواعد تقضي بوجوب إدغام الأول في الثاني للسوسي، بل لجميع القراء، ولكن الناظم أخبر أن السوسي يقرأ على وجه الإبدال، بإظهار هذه الياء الساكنة، وعلل إظهارها بأن سكونها عارض أو هي نفسها عارضة؛ لأن أصلها همزة، وحيث إن سكونها عارض، أو هي نفسها عارضة؛ فيمتنع إدغامها. هذا محصل كلام الناظم. ولكن قد ذهب غيره من أهل الأداء إلى إدغامها طردا للباب، والوجهان صحيحان مقروء بهما للبزي وأبي عمرو من روايتيه. وقوله: مسهلا حال من فاعل يظهر وهو السوسي وهو مأخوذ من أسهل إذا سار في الطريق المعبد السهل.
(1/58)

6 باب إدغام الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين [132 - 157]
132 - وإن كلمة حرفان فيها تقاربا ... فإدغامه للقاف في الكاف مجتلى
133 - وهذا إذا ما قبله متحرّك ... مبين وبعد الكاف ميم تخلّلا
134 - كيرزقكم واثقكم وخلقكم ... وميثاقكم أظهر ونرزقك انجلا
المعنى: إن اجتمع في كلمة حرفان متقاربان فإن السوسي يخص بالإدغام من الحروف المتقاربة القاف في الكاف بشرطين:
الأول: أن يكون ما قبل القاف متحركا.
الثاني: أن يكون بعد الكاف ميم جمع، فإذا تحقق الشرطان وجب الإدغام، وإذا فقد أحدهما امتنع الإدغام، مثال ما اجتمع فيه الشرطان: يَرْزُقُكُمْ*، واثَقَكُمْ، خَلَقَكُمْ*، ومثال ما فقد منه الشرط الأول: مِيثاقَكُمْ*، ومثال ما فقد منه الشرط الثاني: نَرْزُقُكَ. وقول الناظم: مبين، بين ظاهر، ولم يحترز به عن شيء وإنما هو صفة مؤكدة والضمير في تخللا يعود على السوسي، يعني أنه خص إدغام المتقاربين في كلمة بالقاف والكاف دون غيرهما من بقية الحروف المتقاربة، فلم يدغم من كل حرفين متقاربين التقيا في كلمة واحدة إلا القاف في الكاف بالشرطين السابقين. وقوله: (مجتلى) مكشوف مأخوذ من جلاه إذا كشفه، والمراد به الشهرة، ويقال: تخلل المطر الأرض إذا أصاب بعض البقاع ولم يكن عامّا ولا يخفى ما فيه من مناسبة إدغام بعض الحروف دون بعض، ويقال: انجلى الأمر إذا ظهر وانكشف حقيقته والضمير في (فإدغامه) يعود على السوسي؛ لأنه المختص بالإدغام.
135 - وإدغام ذي التّحريم طلّقكنّ قل ... أحقّ وبالتّأنيث والجمع أثقلا
المعنى: أن إدغام القاف في الكاف في اللفظ الذي وقع في سورة التحريم وهو طَلَّقَكُنَّ أولى وأجدر بالإدغام من غيره ك يَرْزُقُكُمْ* ونحوه؛ لأن الغرض من الإدغام التخفيف وكلما كان اللفظ أثقل كان أولى بالإدغام مما هو دونه في الثقل. ولفظ
(1/59)

طَلَّقَكُنَّ قد تحقق فيه الشرط الأول وهو تحرك ما قبل القاف، وفقد فيه الشرط الثاني وهو وجود الميم ولكن قام مقامها ما هو أثقل منها وهو النون؛ لأنها متحركة والحركة أثقل من السكون، ومشددة والمشدد أثقل من المخفف، ودالة على التأنيث. وأما الميم: فهي ساكنة مخففة دالة على التذكير، فكان هذا اللفظ أولى بالإدغام من غيره. ويؤخذ من هذا: أن للسوسي وجهين في هذا اللفظ: الإدغام والإظهار.
136 - ومهما يكونا كلمتين فمدغم ... أوائل كلم البيت بعد على الولا
137 - شفا لم تضق نفسا بها رم دواضن ... ثوى كان ذا حسن سأى منه قد جلا
المعنى: إذا اجتمع الحرفان المتقاربان في كلمتين بأن يكون أحدهما آخر الكلمة والثاني أول الكلمة التي تليها؛ فالسوسي يدغم الأول منهما في الثاني وصلا إذا كان الحرف الأول أحد الحروف الستة عشر المذكورة في أوائل كلمات البيت الثاني وهي: الشين واللام والتاء والنون والباء والراء والدال والضاد والثاء والكاف والذال والحاء والسين والميم والقاف والجيم.
138 - إذا لم ينوّن أو يكن تا مخاطب ... وما ليس مجزوما ولا متثقّلا
المعنى: اشترط في إدغام هذه الحروف في غيرها أربعة شروط:
الأول- ألا يكون الحرف الأول الذي يدغم منونا فلو كان منونا امتنع إدغامه نحو:
نَذِيرٌ لَكُمْ، فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ.
الثاني- ألا يكون تاء مخاطب، فإن كان كذلك لم يدغم نحو: وَما كُنْتَ ثاوِياً، فَلَبِثْتَ سِنِينَ، خَلَقْتَ طِيناً، وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ. ولم يقع في القرآن تاء متكلم عند مقارب لها، فلهذا لم يستثنها الناظم.
الثالث- ألا يكون مجزوما، فإن كان مجزوما وهو وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ في البقرة، وليس في القرآن غيره؛ امتنع إدغامها.
الرابع- ألا يكون مشددا، فإن كان مشددا، امتنع إدغامه نحو: أَشَدَّ ذِكْراً، كَمَنْ هُوَ أَعْمى، لا يَضِلُّ رَبِّي، وَهَمَّ بِها، لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ.
(1/60)

والخلاصة: أن الحرف الأول إن كان منونا، أو تاء مخاطب، أو مجزوما، أو مشددا؛
امتنع إدغامه ووجب إظهاره.
139 - فزحزح عن النّار الّذي حاه مدغم ... وفي الكاف قاف وهو في القاف أدخلا
140 - خلق كلّ شيء لك قصورا وأظهرا ... إذا سكن الحرف الّذي قبل أقبلا
المعنى: هذا بيان للحروف التي تدغم فيها الحروف الستة عشر المذكورة، ولم يذكرها على سبيل الترتيب في البيت وإنما ذكرها حسبما تيسر له النظم، فبدأ بالحاء، وذكر أنها تدغم في العين في موضع واحد وهو قوله تعالى في آل عمران فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ.
وما عدا هذا الموضع لا تدغم فيه نحو وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ، لا جُناحَ عَلَيْكُمْ*، الْمَسِيحُ عِيسَى*. ثم ذكر أن القاف تدغم في الكاف نحو خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ*. وأن الكاف تدغم في القاف نحو لَكَ قُصُوراً. وإدغام أحد هذين الحرفين في الآخر يجري في جميع المواضع في القرآن ولكن بشرط أن يكون الحرف الذي قبل الحرف المدغم متحركا، فإن كان ساكنا؛ امتنع الإدغام نحو وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وَتَرَكُوكَ قائِماً. وهذا معنى قوله: وأظهرا إذا سكن الحرف الذي قبل أقبلا.
وينبغي أن يعلم أن إدغام القاف في الكاف في هذا الباب إدغام محض لا تبقى معه صفة استعلاء القاف بلا خلاف، وأما إدغام القاف في الكاف في أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ: فمن أهل الأداء من أبقى صفة استعلاء القاف، ومنهم من حذفها، وهذا هو المشهور المأخوذ به.
141 - وفي ذي المعارج تعرج الجيم مدغم ... ومن قبل أخرج شطأه قد تثقّلا
المعنى: تدغم الجيم في حرفين في موضعين: في التاء في قوله تعالى: ذِي الْمَعارِجِ (3) تَعْرُجُ وفي الشين: في قوله تعالى في سورة الفتح التي هي قبل سورة المعارج: أَخْرَجَ شَطْأَهُ. ولا نظير لهما في القرآن، ولا تدغم الجيم في غير ذلك من الحروف.
142 - وعند سبيلا شين ذي العرش مدغم ... وضاد لبعض شأنهم مدغما تلا
143 - وفي زوّجت سين النّفوس ومدغم ... له الرّأس شيبا باختلاف توصّلا
(1/61)

المعنى: تدغم الشين في السين في موضع واحد وهو لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا في الإسراء، وتدغم الضاد في الشين في موضع واحد وهو فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ في النور، وتدغم السين في حرفين في الزاي في موضع واحد: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ بالتكوير. وفي الشين في الرَّأْسُ شَيْباً وفي مريم بخلف عنه فله فيه الإدغام والإظهار.
144 - وللدّال كلم ترب سهل ذكا شذا ... ضفا ثم زهد صدقه ظاهر جلا
145 - ولم تدغم مفتوحة بعد ساكن ... بحرف بغير التّاء فاعلمه
المعنى: تدغم الدال في عشرة أحرف وهي المجموعة في أوائل الكلمات المذكورة وهي التاء، والسين، والذال، والشين، والضاد، والثاء، والزاي، والصاد، والظاء، والجيم، والأمثلة هكذا. الْمَساجِدِ تِلْكَ، عَدَدَ سِنِينَ، وَالْقَلائِدَ ذلِكَ، وَشَهِدَ شاهِدٌ*، مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ* مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ، تُرِيدُ زِينَةَ، نَفْقِدُ صُواعَ، مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، داوُدُ جالُوتَ، دارُ الْخُلْدِ جَزاءً، ويشترط في إدغام الدال في أي حرف من هذه الحروف ألا تكون مفتوحة بعد ساكن، فإن فتحت بعد ساكن امتنع الإدغام نحو لِداوُدَ سُلَيْمانَ، بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ، آلَ داوُدَ شُكْراً، بَعْدَ ثُبُوتِها بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ* داوُدَ زَبُوراً*، واستثنى من ذلك التاء، فإن الدال تدغم فيها حتى ولو كانت مفتوحة بعد ساكن وذلك في موضعين مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ في التوبة، بَعْدَ تَوْكِيدِها في النحل، ولا ثالث لهما في القرآن الكريم.
146 - وفي عشرها والطّاء تدغم تاؤها ... وفي أحرف وجهان عنه تهلّلا
147 - فمع حمّلوا التّوراة ثمّ الزّكاة قل ... وقل آت ذا ذال ولتأت طائفة علا
148 - وفي جئت شيئا أظهروا لخطابه ... ونقصانه والكسر الادغام سهّلا
المعنى: تدغم التاء في الأحرف العشرة التي تدغم فيها الدال سوى التاء؛ لأن الإدغام فيها من قبيل المثلين، وكذلك تدغم في الطاء فتكون حروف التاء أيضا عشرا، والأمثلة:
الشَّوْكَةِ تَكُونُ، وإن كان هذا من باب المثلين. الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ*، بِالسَّاعَةِ سَعِيراً
(1/62)

وَالذَّارِياتِ ذَرْواً بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ*، وَالْعادِياتِ ضَبْحاً، الصَّالِحاتِ ثُمَّ، وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ، فَالزَّاجِراتِ زَجْراً، إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا الْمَلائِكَةُ ظالِمِي*، مِائَةَ جَلْدَةٍ، الصَّالِحاتِ جُناحٌ، الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ. ولم يشترط الناظم في إدغام التاء في هذه الأحرف ما اشترطه في إدغام الدال فيها، من أنها لا تدغم مفتوحة بعد ساكن؛ لأن التاء لم تقع كذلك إلا وهي حرف خطاب وقد سبق استثناؤه نحو: دَخَلْتَ جَنَّتَكَ، قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ.
وهناك مواضع وقعت فيها التاء مفتوحة بعد ألف وهي على قسمين: قسم لا خلاف في إدغامه: وذلك في موضع واحد وهو: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ في هود، وقسم نقل فيه الخلاف: وذلك في المواضع التي ذكرها، وهي: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ، ثم في سورة الجمعة وَآتُوا الزَّكاةَ* ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ* في البقرة، وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ في الإسراء، فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ في الروم. وهما المرادان في قوله: وقل آت ذا أل وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى في النساء، لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا في مريم. وقد بين أن
في هذا الموضع الإظهار والإدغام، وعلل الإظهار: بكون تائه للخطاب، وبحذف عين الفعل وهو معنى قوله: ونقصانه. وعلل الإدغام: بكون تاء الخطاب مكسورة، والكسر ثقيل فأدغمت ليسهل النطق بها، فكسر التاء هو الذي سهل إدغامها، وتقييد (جئت) بكسر التاء كما لفظ به؛ لإخراج مفتوح التاء وذلك في موضعين في الكهف لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً، فلا تدغم هذه التاء في الشين لكونها تاء خطاب.
149 - وفي خمسة وهي الأوائل ثاؤها ... وفي الصّاد ثمّ السّين ذال تدخّلا
المعنى: تدغم الثاء في خمسة أحرف، وهي أوائل كلمات «ترب سهل ذكا شذا ضفا» وهي التاء والسين والذال والشين والضاد. والأمثلة حَيْثُ تُؤْمَرُونَ، وَوَرِثَ سُلَيْمانُ، الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ وَالْحَرْثِ ذلِكَ. وليس في القرآن غيره، حَيْثُ شِئْتُما*، حَدِيثُ ضَيْفِ وليس في القرآن غيره، وتدغم الذال في السين في فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ. والموضعان في الكهف. وتدغم في الصاد في مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً في سورة الجن ولا ثاني له في القرآن.
150 - وفي اللّام راء وهي في الرّا وأظهرا ... إذا انفتحا بعد المسكّن منزلا
(1/63)

151 - سوى قال ثمّ النّون تدغم فيهما ... على إثر تحريك سوى نحن مسجلا
المعنى: تدغم الراء في اللام نحو: سَيُغْفَرُ لَنا، أَطْهَرُ لَكُمْ. وتدغم اللام في الراء نحو: كَمَثَلِ رِيحٍ، قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ. ويشترط في إدغام كل منهما في الآخر: ألا يكون مفتوحا بعد ساكن، فإن كان كذلك امتنع إدغامه نحو: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ، إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ*. ونحو: فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ، فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي، وهذا معنى قوله: وأظهرا إذا انفتحا إلخ. واستثنى من ذلك لفظ (قال) فإن اللام فيه مع كونها مفتوحة بعد ساكن تدغم في الراء نحو قالَ رَبِّ*، قالَ رَجُلانِ. أما لو انفتح أحدهما بعد متحرك نحو: وَسَخَّرَ لَكُمُ*، جَعَلَ رَبُّكِ. أو انضم أحدهما بعد ساكن نحو: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ* لا يُكَلِّفُ*، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. أو انكسر أحدهما بعد ساكن نحو: بِالذِّكْرِ لَمَّا، مِنْ فَضْلِ رَبِّي: فإنه يدغم بلا خلاف.
وتدغم النون في كلّ من الراء واللام؛ بشرط أن تقع بعد متحرك نحو: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ، خَزائِنَ رَحْمَةِ*، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ*، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ*. فإن وقعت بعد ساكن امتنع إدغامها سواء كانت مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة نحو: يَخافُونَ رَبَّهُمْ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ، بِإِذْنِ رَبِّهِمْ*. واستثنى من ذلك لفظ وَنَحْنُ* فإن نونه مع كونها واقعة بعد ساكن تدغم في اللام بعدها في جميع القرآن نحو: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ*.
152 - وتسكن عنه الميم من قبل بائها ... على إثر تحريك فتخفى تنزّلا
المعنى: تسكن الميم عن السوسي إذا وقعت قبل الباء وكان قبل الميم متحرك، فيخفى تنزلها أي يحصل فيها الإخفاء نحو: أَعْلَمُ بِكُمْ*، عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ*، حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ. وإنما قال: وتسكن، ولم يقل: وتدغم؛ لأن الميم حينما يراد إدغامها تسكن وإذا سكنت كان حكمها الإخفاء إذا وقع بعدها الباء ونحو:
وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ. فإن كان ما قبل الميم متحركا؛ امتنع تسكينها وإخفاؤها نحو:
إِبْراهِيمُ بَنِيهِ، الْيَوْمَ بِجالُوتَ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ*.
153 - وفي من يشاء با يعذّب حيث ما ... أتى مدغم فادر الأصول لتأصلا
المعنى: يدغم السوسي (باء يعذب) المرفوع في ميم (من يشاء) حيث وقع في القرآن الكريم. وقد
(1/64)

وقع ذلك في خمسة مواضع: موضع بآل عمران، وموضعين بالمائدة،
وموضع بالفتح وموضع بالعنكبوت. أما الذي في البقرة: فإن السوسي يقرؤه بسكون الباء فيدغمه، وإدغامه حينئذ يكون من باب الإدغام الصغير. وفهم من تخصيص إدغام باء يُعَذِّبُ* في ميم مَنْ يَشاءُ* أن الباء لا تدغم في ميم أخرى نحو: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا، سَنَكْتُبُ ما قالُوا، ضُرِبَ مَثَلٌ. ولما تمم الكلام على الحروف الستة عشر التي تدغم في غيرها، وبيّن شرط إدغام كل منها ختم بقوله: (فادر الأصول): أي اعرف ما ذكرته لك من القواعد (لتأصلا)؛ لتكون أصلا ومرجعا يرجع إليه في معرفة هذا الفن.
154 - ولا يمنع الإدغام إذ هو عارض ... إمالة كالأبرار والنّار أثقلا
المعنى: لما فرغ الناظم من بيان الحروف التي تدغم في غيرها في باب المتقاربين، ذكر بعد ذلك ثلاث قواعد تتعلق بالإدغام الكبير، سواء كان من باب المثلين أو المتقاربين، وقد تضمن هذا البيت القاعدة الأولى، وحاصلها: أن الحرف الذي يدغم إذا كان مكسورا وكان قبله ألف ممالة بسبب كسر هذا الحرف، فإدغام هذا الحرف المكسور لا يمنع من إمالة الألف قبله نظرا لعروض هذا الإدغام، فكأن الكسر موجود نحو: وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا، إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) رَبَّنا. فإن الألف في الْأَبْرارِ* والنَّارَ* تمال بسبب كسر الراء فإذا أدغمت الراء وهي لا تدغم إلا بعد تسكينها، فإن موجب الإمالة في هذه الحال يزول. فحينئذ لا تمال الألف ولكن لما كان هذا الإدغام عارضا؛ فإنه لا يمنع إمالة الألف فكأن موجب الإمالة وهو كسر الراء الذي ذهب بالإدغام متحقق موجود. وقوله: (أثقلا): حال من الإدغام، والمراد بكون الإدغام أثقل أنه مشدد لا أنه أثقل من الإظهار، والمراد بالإدغام في البيت الإدغام الصريح. وإذا كان الإدغام الصريح لا يمنع الإمالة فأولى ألا يمنعها الرّوم.
155 - وأشمم ورم في غير باء وميمها ... مع الباء أو ميم وكن متأمّلا
المعنى: هذه هي القاعدة الثانية والأمران محمولان على التخيير دون الإيجاب يقول: إذا أدغمت حرفا في حرف مماثل له أو مقارب فأشمم حركة الحرف الأول المدغم إن كانت ضمة. ورمها إن كانت ضمة أو كسرة إلا في أربع صور يمتنع فيها الإشارة بالإشمام
(1/65)

والرّوم، والصور الأربع هي: الباء مع الباء نحو: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا. والباء مع الميم نحو:
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ*، والميم مع الميم نحو: يَعْلَمُ ما*. والميم مع الباء نحو: أَعْلَمُ بِكُمْ*، قال الإمام أبو شامة: ويمتنع الإدغام الصحيح مع الروم دون الإشمام، فالروم هنا عبارة عن الإخفاء والنطق ببعض الحركة فيكون مذهبا آخر غير الإدغام وغير الإظهار. ثم قال: واستثناء الصور الأربع يتجه على مذهب الإشمام لقول الداني: إن الإشارة تتعذر في ذلك من أجل إطباق الشفتين. أما الروم فلا يتعذر؛ لأنه نطق ببعض حركة الحرف، فهي تابعة لمخرجه فكما ينطق بالباء والميم بكل حركتهما، كذلك ينطق بهما ببعض حركتهما ثم قال: ومنهم من استثنى الفاء أيضا نحو (تعرف في) ومنهم من لم يستثنها .. انتهى.
ويؤخذ من كلام أبي شامة وغيره: أن للسوسي في الحروف المدغمة سواء كانت من باب المثلين أو المتقاربين مذهبين: الأول: الإدغام المحض. المذهب الثاني: الإدغام المحض مع الإشمام في غير الصور الأربع، أو الإدغام الغير المحض. والمراد به: الروم، وهو الإتيان ببعض الحركة، وقد يعبر عنه بالإخفاء. ويتحقق هذا الروم في غير الصور الأربع على مذهب الشاطبي، وأما على مذهب غيره؛ فيمكن تحققه في الصور الأربع أيضا. وهذا مذهب المحققين، وسيأتي في باب الوقف على أواخر الكلم، أن الإشمام لا يكون إلا في الحروف المضمومة، وأن الروم يجري في المضمومة والمكسورة، وأن الإشمام والروم لا يدخلان الحروف المفتوحة، وعلى هذا يكون للسوسي في الحرف المفتوح نحو: وَشَهِدَ شاهِدٌ* الإدغام المحض فقط على المذهبين. ويكون له في المضموم نحو وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا الإدغام المحض من غير إشمام على المذهب الأول، والإدغام المحض مع الإشمام، والإدغام الغير المحض وهو الروم على المذهب الثاني، ويكون له في المكسور نحو: كَمَثَلِ رِيحٍ الإدغام المحض على المذهب الأول، والروم وهو الإخفاء على المذهب الثاني، ويكون له في نحو: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا، يُعَذِّبُ مَنْ*، يَعْلَمُ ما*، أَعْلَمُ بِكُمْ* الإدغام المحض من غير إشمام على المذهبين، ولا روم فيه أيضا على رأي الشاطبي. وفيه الروم على رأي غير الشاطبي من المحققين.
وإذا كان قبل الحرف المدغم حرف مد ولين أو حرف لين فقط جاز في حرف المد أو حرف اللين ثلاثة أوجه: المد، والتوسط، والقصر مع جواز الروم والإشمام إن كان مضموما، والروم
(1/66)

إن كان مكسورا ففي نحو: وَقالَ لَهُمْ*، كَيْفَ فَعَلَ* ثلاثة أوجه
المد والتوسط والقصر، وفي نحو نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا سبعة أوجه: المد والتوسط والقصر مع الإدغام المحض بلا إشمام أو به، والإدغام الغير المحض وهو الإخفاء مع القصر. وفي نحو:
فَالزَّاجِراتِ زَجْراً أربعة أوجه المد والتوسط والقصر مع الإدغام المحض والإخفاء مع القصر.
156 - وإدغام حرف قبله صحّ ساكن ... عسير وبالإخفاء طبّق مفصلا
157 - خذ العفو وأمر ثمّ من بعد ظلمه ... وفي المهد ثمّ الخلد والعلم فاشملا
المعنى: إذا كان قبل الحرف الذي يدغم في غيره حرف صحيح ساكن ففيه مذهبان لأهل الأداء: مذهب المتقدمين وهو: أن هذا الحرف يدغم في غيره إدغاما محضا. ومذهب المتأخرين وهو: أن إدغامه محضا عسير يعسر النطق به لما فيه من الجمع بين الساكنين إذ الحرف المدغم لا بدّ من تسكينه، وحينئذ يكون المراد من إدغامه على مذهب المتأخرين إخفاءه واختلاس حركته المعبر عنه بالروم في قوله: واشمم ورم .. إلخ. وقد جرى الناظم على مذهب المتأخرين فقال: وبالإخفاء طبق مفصلا. والضمير في طبق للقارئ يعني: إذا أخفى القارئ هذا الحرف فقد أصاب الصواب من قولهم: طبق السيف المفصل، إذا أصاب المفصل أي: مكان الفصل، واحترز بقوله: (صح) عما قبله
ساكن غير صحيح وهو حرف المد واللين نحو: قالَ لَهُمْ*، يَقُولُ رَبَّنا*. أو حرف اللين نحو: كَيْفَ فَعَلَ*، قَوْمُ مُوسى * فلا خلاف في إدغامه إدغاما محضا لما فيه من المد، الذي يفصل بين الساكنين. وقد مثل الناظم لما قبله ساكن صحيح من المثلين بمثالين وهما:
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ*، ومثّل لما قبله ساكن صحيح من المتقاربين بثلاثة أمثلة، مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، دارُ الْخُلْدِ جَزاءً. والله تعالى أعلم.

7 باب هاء الكناية [158 - 167]
158 - ولم يصلوا (ها) مضمر قبل ساكن ... وما قبله التّحريك للكلّ وصّلا
159 - وما قبله التّسكين لابن كثيرهم ... وفيه مهانا معه حفص أخو ولا
(1/67)

المعنى: هاء الكناية في اصطلاح القراء هي: الهاء الزائدة الدالة على الواحد المذكر الغائب، وتسمى هاء الضمير، فخرج بالزائدة الهاء الأصلية نحو: نَفْقَهُ يَنْتَهِ*.
وبالدالة على الواحد المذكر الهاء في نحو، عَلَيْها*، عَلَيْهِما*، عَلَيْهِمْ*، عَلَيْهِنَّ*. فكل هذه وإن كانت هاءات ضمير، لا تسمى هاءات كناية اصطلاحا.
وتتصل هاء الكناية بالفعل نحو: وَلا يَؤُدُهُ. والاسم نحو أَهْلِهِ*، وبالحرف نحو عَلَيْهِ*. ولها أربع أحوال:
الأولى- أن تقع بعد متحرك وقبل ساكن نحو: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، رَبِّهِ الْأَعْلى، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ.
الثانية- أن تقع بين ساكنين أي: بعد ساكن وقبل ساكن نحو: مِنْهُ اسْمُهُ، فِيهِ الْقُرْآنُ، إِلَيْهِ الْمَصِيرُ*.
الثالثة- أن تقع بين متحركين أي: بعد متحرك وقبل متحرك نحو: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ*، لَهُ ما فِي السَّماواتِ* أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ.
الرابعة- أن تقع بعد ساكن وقبل متحرك نحو: فِيهِ هُدىً*، اجْتَباهُ وَهَداهُ، عَقَلُوهُ.
وقد أخبر الناظم بأن القراء جميعا لم يصلوا هاء الضمير إذا وقعت قبل ساكن أي سواء كان قبلها متحرك أو ساكن، فهو شامل للحالين الأولين، ثم أخبر بأنها إذا كان قبلها متحرك وبعدها متحرك؛ فإنها توصل لكل القراء بواو إذا كانت مضمومة، وبياء إذا كانت مكسورة وهذه هي الحال الثالثة وإنما قلنا: وبعدها متحرك؛ لأن ما قبلها متحرك وبعدها ساكن قد سبق حكمها وهي الحال الأولى وقد شملها قوله: ولم يصلوا ها مضمر قبل ساكن، ثم أخبر بأنه إذا كان قبلها ساكن وبعدها متحرك وهي الحال الرابعة، فقد اختلف فيها القراء؛ فابن كثير يصلها بواو إن كانت مضمومة، وبياء إن كانت مكسورة، ويوافقه حفص في لفظ فِيهِ مُهاناً في الفرقان؛ فيقرؤه بالصلة. وباقي القراء يقرءون بترك الصلة في جميع المواضع، وإنما قلنا: وبعدها متحرك؛ لأن ما قبلها ساكن وبعدها ساكن قد سبق حكمها وهي الحال الثانية. والمراد بالصلة: إشباع الضمة حتى تصير واوا ساكنة مدية وإشباع الكسرة حتى تصير ياء ساكنة مدية، والصلة بقسميها تثبت وصلا وتحذف وقفا.
(1/68)

160 - وسكن يؤدّه مع نولّه ونصله ... ونؤته منها فاعتبر صافيا حلا
161 - وعنهم وعن حفص فألقه ويتّقه ... حمى صفوة قوم بخلف وأنهلا
162 - وقل بسكون القاف والقصر حفصهم ... وياته لدى طه بالاسكان يجتلا
163 - وفي الكلّ قصر الهاء بان لسانه ... بخلف وفي طه بوجهين بجّلا
المعنى: أمر بتسكين هاء الكناية في الكلمات الآتية: يُؤَدِّهِ*، نُوَلِّهِ، وَنُصْلِهِ، نُؤْتِهِ*، للمشار إليهم بالفاء، والصاد، والحاء، وهم: حمزة وشعبة وأبو عمرو. فأما يُؤَدِّهِ* فوقعت في آل عمران في موضعين في هذه الآية: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ الآية. وأما نُوَلِّهِ وَنُصْلِهِ فوقعتا في سورة النساء نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ، وأما نُؤْتِهِ* فوقعت في ثلاثة مواضع: موضعين في آل عمران
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها. وموضع في الشورى وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها. ثم ذكر أنه ورد عن حمزة وشعبة، وأبي عمرو، وحفص إسكان الهاء في فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ في سورة النمل، ثم بين أن وَيَتَّقْهِ في سورة النور قرأها بإسكان الهاء أبو عمرو وشعبة وخلاد بخلف عنه، ثم ذكر أن حفصا يقرأ وَيَتَّقْهِ بسكون القاف وقصر الهاء أي:
كسرها من غير صلة فتكون قراءة الباقين بكسر القاف كما لفظ به، ثم أخبر أن كلمة يَأْتِهِ مُؤْمِناً قرأها بإسكان الهاء السوسي، وأخيرا أخبر أن قصر الهاء في جميع الكلمات السابقة ثبت عن قالون، وهشام بخلف عنه، وأن (يأته) لقالون فيها الوجهان: القصر والصلة، والمراد بقصر الهاء في هذه الكلمات: النطق بها مكسورة كسرا كاملا من غير إشباع وقد يعبر عن هذا القصر الاختلاس. وضد القصر المد، والمراد به هنا الإشباع، وهو النطق بالهاء مكسورة كسرا كاملا مع صلتها بياء؛ أي مدها بمقدار حركتين، فالمد والصلة والإشباع ألفاظ مترادفة في هذا الباب تدل على معنى واحد؛ وهو مد الهاء بمقدار حركتين، وإذا كان قالون يقرأ بقصر الهاء في هذه الكلمات وله في يَأْتِهِ في طه القصر والإشباع، وهشام يقرأ بالقصر والإشباع في كل منها، فالباقون يقرءون بإشباع الهاء. ونلخص
(1/69)

لك مذاهب القراء السبعة في الكلمات السابقة فنقول: فأما يُؤَدِّهِ* وقوله: وَنُصْلِهِ، ونُؤْتِهِ* فيقرأ بإسكان هائها: حمزة وشعبة وأبو عمرو. ويقرأ بقصر هائها: قالون بلا خلاف عنه، ولهشام فيها الوجهان القصر والإشباع، ويقرأ الباقون بالإشباع قولا واحدا وهم: ورش، وابن كثير، وابن ذكوان، وحفص، والكسائي. ويؤخذ المد- وهو الإشباع- لهم من الضد؛ لأنه ضد القصر، كما يؤخذ المد
لهشام وهو الوجه الثاني له من الضد، فيكون خلاف القراء في هذه الكلمات دائرا بين إسكان هائها وقصرها ومدها. وأما فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ بالنمل: فمذاهب القراء فيها كمذاهبهم في يُؤَدِّهِ* وأخواتها سواء بسواء، غير أن حفصا يقرؤها بإسكان الهاء كشعبة ومن معه. وأما وَيَتَّقْهِ بالنور: فقرأها حفص بسكون القاف وقصر الهاء وقرأها قالون بكسر القاف وقصر الهاء، وقرأ أبو عمرو وشعبة بكسر القاف وسكون الهاء، ولهشام فيها وجهان الأول: كقالون والثاني: بكسر القاف وإشباع الهاء، ولخلاد فيها وجهان: الأول: بكسر القاف وسكون الهاء، والثاني: بكسر القاف وإشباع الهاء، وقرأها الباقون، وهم: ورش، وابن كثير، وابن ذكوان، وخلف، والكسائي بكسر القاف وإشباع الهاء، واعلم أن كسر القاف لغير حفص يؤخذ من لفظ الناظم. وأن المد في الهاء لأصحاب المد ولهشام وخلاد في وجههما الثاني يؤخذ من الضد. وأما يَأْتِهِ مُؤْمِناً فقرأ بإسكان الهاء السوسيّ وحده، وقرأ باقي القراء غير قالون وهشام بكسر الهاء مع الإشباع. ولكل من قالون وهشام وجهان وهما: كسر الهاء مع القصر والإشباع ويؤخذ الإشباع لقالون وهشام في وجههما الثاني، ولباقي القراء غير السوسي من الضد. هذا ما يؤخذ من النظم، ولكن المحققين على أن هشاما ليس له من طريق النظم وأصله إلا الإشباع في لفظ يَأْتِهِ في طه، فينبغي الاقتصار له عليه.
164 - وإسكان يرضه يمنه لبس طيّب ... بخلفهما والقصر فاذكره نوفلا
165 - له الرّحب والزّلزال خيرا يره بها ... وشرّا يره حرفيه سكن ليسهلا
المعنى: قرأ السوسي بلا خلاف عنه، والدوري عن أبي عمرو وهشام بخلف عنهما، وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ، في سورة الزمر بإسكان الهاء. وقرأ بقصر الهاء: حمزة، وعاصم،
(1/70)

وهشام، ونافع. فتكون قراءة الباقين بصلة الهاء وهو الوجه الثاني لهشام والدوري، فيتلخص:
أن السوسي يقرأ بإسكان الهاء، وأن لهشام وجهين الأول: الإسكان لأنه مذكور مع المسكنين، والثاني: القصر: لأنه مذكور مع القاصرين. وأن للدوري وجهين الأول: الإسكان لأنه مذكور مع المسكنين. والثاني: المد لعدم ذكره مع القاصرين فيكون مع المادين المشبعين، وأن الباقين وهم ابن كثير، وابن ذكوان، والكسائي يقرءون بالمد وتؤخذ قراءتهم من الضد. وقرأ المرموز له باللام وهو هشام: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، بسكون الهاء في الكلمتين وصلا ووقفا. وقرأ غيره بضمها وإشباعها وصلا وبسكونها وقفا، أما الضم: فيؤخذ لهم من الشهرة ومن القواعد العامة القاضية بأن هاء الضمير تضم إذا وقعت بعد فتح، أو ضم، أو ألف، أو واو، وأمّا الإشباع: فيؤخذ من قوله: وما قبله التحريك للكل وصلا، وهي الحال الثالثة وسبق بيانها وقوله: (بها) أي بسورة الزلزلة احترز به عما وقع في سورة البلد، أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ فقد اتفق السبعة على قراءته بالضم والإشباع.
166 - وعي نفر أرجئه بالهمز ساكنا ... وفي الهاء ضمّ لفّ دعواه حرملا
167 - وأسكن نصيرا فاز واكسر لغيرهم ... وصلها جوادا دون ريب لتوصلا
المعنى: قرأ المرموز لهم بكلمة (نفر) وهم ابن كثير، وابن عمرو، وابن عامر، أَرْجِهْ وَأَخاهُ*، في سورتي الأعراف والشعراء بزيادة همزة ساكنة بين الجيم والهاء، فتكون قراءة غيرهم بترك الهمز؛ لأن ضد الهمز تركه. وقرأ هشام، وابن كثير، وأبو عمرو بضم الهاء، وقرأ عاصم وحمزة بإسكانها، وقرأ الباقون بكسرها وهم: نافع، وابن ذكوان، والكسائي، وقرأ ورش، وابن كثير، والكسائي، وهشام بصلة الهاء وإشباعها، فيتلخص من ذلك: أن قالون يقرأ بترك الهمزة وكسر الهاء وقصرها، وأن ورشا، والكسائي يقرءان بترك الهمز وكسر الهاء وإشباعها. وأن ابن كثير وهشاما يقرءان بالهمز الساكن مع ضم الهاء وإشباعها، وأن أبا عمرو يقرأ بالهمز الساكن مع ضم الهاء وقصرها. وأن ابن ذكوان يقرأ بالهمز الساكن مع كسر الهاء وقصرها، وأن عاصما وحمزة يقرءان بترك الهمز
(1/71)

وإسكان الهاء؛ فيكون في الكلمة ست قراءات: ثلاث للهامزين الأولى: لابن كثير وهشام، والثانية: لأبي عمرو، والثالثة: لابن ذكوان، ولغير الهامزين ثلاث قراءات أيضا: الأولى:
لقالون، والثانية: لورش والكسائي، والثالثة: لعاصم وحمزة، ولا يخفى على المتأمل استنباط كل قراءة من النظم، والله تعالى أعلم.

8 باب المد والقصر [168 - 182]
168 - إذا ألف أو ياؤها بعد كسرة ... أو الواو عن ضم لقى الهمز طوّلا
169 - فإن ينفصل فالقصر بادره طالبا ... بخلفهما يرويك درّا ومخضلا
170 - كجيء وعن سوء وشاء اتّصاله ... ومفصوله في أمّها أمره إلى
المد لغة: الزيادة، واصطلاحا له إطلاقان: الأول: إطالة الصوت بحرف من حروف المد واللين الثلاثة، أو بحرف من حرفي اللين. إذا لقي حرف المد أو حرف اللين همزا أو ساكنا، وحروف المد الثلاثة هي: الألف ولا تكون إلا ساكنة ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحة، والواو الساكنة المضمومة ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، فالواو لا تكون حرف مد ولين إلا بشرطين، أن تكون ساكنة، وأن تكون حركة ما قبلها من جنسها أي ضمة، فإذا كانت متحركة أو كانت ساكنة وحركة ما قبلها ليست من جنسها بأن كانت فتحة؛ فلا تكون حرف مد ولين، وكذلك الياء لا تكون حرف مد ولين إلا بشرطين: أن تكون ساكنة، وأن تكون حركة ما قبلها من جنسها- أي كسرة- فإن كانت متحركة، أو كانت ساكنة وحركة ما قبلها ليست من جنسها بأن كانت فتحة فلا تكون حرف مد ولين، وحرفا اللين هما الواو الساكنة المفتوح ما قبلها والياء الساكنة المفتوح ما قبلها. ولا يتحقق هذا المد إلا إذا وجد سببه، وسببه إما همز أو سكون، والهمز إما أن يوجد بعد حرف من حروف المد واللين الثلاثة، وإما أن يوجد قبله. فإن
وجد بعده واجتمع معه في كلمة واحدة سمّي المد حينئذ مدّا متصلا نحو: جاءَ*، قُرُوءٍ، يُضِيءُ. وإن وجد بعده وكان حرف المد في آخر الكلمة والهمز في
(1/72)

أول الكلمة التالية سمّي المد حينئذ: مدّا منفصلا نحو: يا أَيُّهَا*، قُوا أَنْفُسَكُمْ، فِي أَنْفُسِكُمْ*، وإن وجد الهمز قبل حرف من حروف المد سمّي المد:
مد بدل نحو: آمَنُوا* أُوتُوا*، إِيماناً*، وإن وجد الهمز بعد حرف من حرفي اللين سمّي المد حينئذ: مد لين نحو سَوْأَةَ*، شَيْئاً*، وإن وجد بعد حرف المد السكون فإما أن يكون ثابتا وصلا ووقفا، وإما أن يكون ثابتا وقفا فقط، فإن كان ثابتا في الحالين سمّي المد مدّا لازما نحو: الضَّالِّينَ* أَتُحاجُّونِّي وإن كان ثابتا في حال الوقف فقط سمّي مدا عارضا للسكون نحو: مَآبٍ*، يُؤْمِنُونَ* نَسْتَعِينُ.
الإطلاق الثاني: للمد: وهو إثبات حرف مد في الكلمة من غير إطالة الصوت به كقول
الناظم في سورة الأنعام: ودارست حق مده، وقوله في الشعراء: وفي حاذرون المد، فالمراد:
إثبات حرف المد وهو الألف بعد الدال في الأول وبعد الحاء في الثاني من غير إطالة الصوت به.
أما القصر فهو في اللغة: الحبس. وفي الاصطلاح: له معنيان أيضا: الأول: ترك إطالة الصوت وإثبات حرف المد واللين أو حرف اللين من غير زيادة عليهما، كقوله: فإن ينفصل فالقصر بادره طالبا، وقوله: وما بعد همز ثابت أو مغير فقصر، الإطلاق الثاني: حذف حرف المد من الكلمة كقوله: وفي عاقدت قصر ثوى، وقوله: وقل لابثين القصر فاش، فإن المراد حذف حرف المد وهو الألف بعد العين في الأول، واللام في الثاني. وقد بين الناظم في البيت الأول أنه إذا لقيت الألف- وتقدم أنها لا تكون إلا حرف مد ولين؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، أو الياء الساكنة الواقعة بعد كسرة أو الواو الساكنة الواقعة بعد ضمة- إذا لقى حرف مد من هذه الأحرف الثلاثة همزا؛ طوّل حرف المد، أي زيد في مده على ما فيه من المد الأصلي لجميع القراء وعلم هذا من الإطلاق. ومراده بهذا البيت المد المتصل؛ لأنه ذكر حكم المد المنفصل في البيت الآتي وهو قوله: فإن ينفصل إلخ. وقد اتفق القراء على مد المتصل زيادة على ما فيه من المد الأصلي ولكنهم متفاوتون في هذه الزيادة وإن كانت عبارة الناظم مطلقة تحتمل التسوية كما تحتمل التفاوت. وقد نقل عنه تلميذه العلامة السخاوي أنه كان يقرئ في هذا النوع بمرتبتين: طولى لورش وحمزة وتقدر بثلاث ألفات؛ أي بست حركات. ووسطى: وتقدر بألفين؛ أي بأربع حركات وهي لباقي القراء. وقول الناظم: أو ياؤها،
(1/73)

الضمير يعود على الألف؛ لأنها شريكتها في أن كلّا حرف مد، وقيد الناظم الياء بكسر ما قبلها، والواو بضم ما قبلها، ولم يقيدهما بالسكون، اعتمادا على أن السكون يفهم من الأمثلة التي ذكرها بعد. وقول الناظم: فإن ينفصل إلخ، معناه: أن ينفصل حرف المد واللين عن الهمز بأن يكون حرف المد واللين في آخر كلمة، والهمز في أول كلمة تالية لها، فقصر حرف المد بمقدار حركتين؛ أي الاقتصار على ما في حرف المد من المد الطبيعي الذي فيه كما إذا لم يصادف همزا ثابتا عن المرموز لها بالباء والطاء وهما: قالون والدوري عن أبي عمرو بخلاف عنهما، وثابت أيضا عن المرموز لهما بالياء والدال وهما: السوسي وابن كثير بلا خلاف عنهما، فيكون للسوسي وابن كثير في المنفصل القصر قولا واحدا، ويكون لقالون والدوري فيه وجهان: القصر والتوسط بمقدار أربع حركات، ويكون لباقي القراء غير ورش وحمزة التوسط بمقدار أربع حركات، ويكون لورش وحمزة فيه المد بمقدار ست حركات كالمتصل.
وحاصل الكلام في المد المنفصل: أنّ للسوسي وابن كثير فيه القصر حركتين قولا واحدا، وأن لقالون والدوري فيه القصر والتوسط، وأن لباقي القراء غير ورش وحمزة التوسط أربع حركات، وأن لورش وحمزة المد ست حركات.
وحاصل الكلام في المد المتصل: أن ورشا وحمزة يمدانه مدّا مشبعا بمقدار ست حركات، وأن باقي القراء يمدونه مدّا متوسطا بمقدار أربع حركات، هذا هو المعتمد المقروء به المعول عليه في المدين للقراء السبعة، وهو الذي كان يقرئ به الإمام الشاطبي كما نقله عنه السخاوي، كما سبق.
ثم ذكر الناظم أمثلة للمتصل وأخرى للمنفصل، فمثل للمتصل بقول: كجيء، في قوله تعالى: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ، ومثله سِيءَ بِهِمْ* وبقوله عَنْ سُوءٍ في قوله تعالى:
أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ومثله ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وبقوله شاءَ* ومثله جاءَ* ومثل للمنفصل بقوله فِي أُمِّها، ومثله أُولِي أَجْنِحَةٍ، وبقوله وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ونبه الناظم بهذا المثال على أن واو الصلة التي لم ترسم في المصاحف حكمها حكم غيرها من الواوات التي رسمت في المصاحف نحو قُولُوا آمَنَّا*، قُوا أَنْفُسَكُمْ، ومثل: وَأَمْرُهُ إِلَى في الحكم وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ، عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ. عند من يصل الميم كما بِهِ أَنْ يُوصَلَ* ونحوها مما لم ترسم فيه الياء في المصاحف حكمها حكم فِي أُمِّها مما رست فيه الياء في المصاحف ففي كل منها مد منفصل، وأنت ترى من الأمثلة التي
(1/74)

ذكرها الناظم أنه أتى بأنواع المد المتصل الثلاثة، أعنى الذي حرف المد فيه ياء وواو وألف، وأتى للمد المنفصل بنوعين من الأمثلة:
النوع الأول: ما حرف المد فيه ياء، والثاني: ما حرف المد فيه واو، ولم يساعده النظم على الإتيان بما حرف المد فيه ألف، ومثاله لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ.
والضمير في قوله (اتصاله) وفي قوله (ومفصوله) بحرف المد، و (الدر) في كلام الناظم بفتح الدال اللبن، و (المخضل) النبات الرطب الناعم.
171 - وما بعد همز ثابت أو مغيّر ... فقصر وقد يروى لورش مطوّلا
172 - ووسّطه قوم كآمن هؤلا ... آلهة آتى للإيمان مثّلا
173 - سوى ياء إسرائيل أو بعد ساكن ... صحيح كقرآن ومسئولا اسألا
174 - وما بعد همز الوصل ايت وبعضهم ... يؤاخذكم آلآن مستفهما تلا
175 - وعادا الأولى وابن غلبون طاهر ... بقصر جميع الباب قال وقوّلا
المعنى: لما ذكر في الأبيات السابقة حكم حرف المد الواقع قبل الهمز ذكر في هذه الأبيات حكمه إذا وقع بعد الهمز فقال: وما بعد همز إلخ. يعني: وحرف المد الذي وقع بعد همز ثابت أو متغير فقصر أي فهو ذو قصر، أو فهو مقصور لجميع القراء ورش وغيره كما هو مقتضى الإطلاق، والهمز الثابت: هو الهمز المحقق الذي لم يطرأ عليه تغير، والمغير: هو الذي لحقه التغير، إما بنقل حركته إلى ما قبله نحو الآخرة، وإما بتسهيله بين بين نحو جاءَ آلَ*، وإما بإبداله ياء نحو لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها. وقد يروى حرف المد الواقع بعد
همز محقق أو مغير ممدودا مدّا طويلا مشبعا لورش. ووسطه جماعة من أهل الأداء عن ورش.
والحاصل: أن حرف المد إذا وقع بعد همز سواء كان هذا الهمز محققا أم مغيرا بأي نوع من أنواع التغير فحكمه أنه يقصر لجميع القراء يستوي في ذلك ورش وغيره، وروى جماعة عن ورش مده مدّا طويلا بمقدار ست حركات، وروى آخرون عنه توسطه بمقدار أربع حركات، فيكون لورش فيه ثلاثة أوجه: القصر والتوسط والمد.
ثم مثل الناظم لهذا النوع من المد بأربعة أمثلة، اثنين
(1/75)

لما وقع بعد همز محقق وهما:
آمَنَ الرَّسُولُ، وَآتَى الْمالَ، ونحوهما وَنَأى بِجانِبِهِ*، لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، أُوتُوا الْكِتابَ*، يَؤُساً، رَؤُفٌ*. مُتَّكِؤُنَ، مُتَّكِئِينَ*.
واثنين لما وقع بعد همز مغير وهما: هؤُلاءِ آلِهَةً، وهذا قد وقع بعد همز مغير بالإبدال ومثله: مِنَ السَّماءِ آيَةً، يُنادِي لِلْإِيمانِ. وهذا وقع بعد همز مغير بالنقل ومثله الْآخِرَةُ*، مَنْ آمَنَ*، ابْنَيْ آدَمَ أَلْفَوْا آباءَهُمْ، قُلْ إِي وَرَبِّي، قَدْ أُوتِيتَ، والناظم في هذه الأمثلة ذكر حرف المد إذا كان ألفا أو ياء ولم يذكر ما يكون واوا، ومثاله: وَأُوحِيَ*، أُوتِيتُمْ*. وكذلك لم يذكر حرف المد الواقع بعد همز مغير بالتسهيل ومثاله: آمَنْتُمْ*، أَآلِهَتُنا* جاءَ آلَ لُوطٍ.
ثم استثنى الناظم من حرف المد الواقع بعد الهمز المحقق أو المحقق أو المغير الذي تجوز فيه الأوجه الثلاثة لورش كلمتين مخصوصين وقاعدتين عامتين، فأما الكلمتان: ف إِسْرائِيلَ* حيث وقعت في القرآن الكريم، ويُؤاخِذُ* حيث وقعت وكيف تصرفت نحو لا تُؤاخِذْنا، لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ*، وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ*. فليس في ياء إِسْرائِيلَ* وألف يُؤاخِذُ* إلا القصر كسائر القراء، وهذا مذهب جميع أهل الأداء عن ورش، غير أن قول الناظم: وبعضهم يؤاخذكم. يدل بمنطوقه على أن بعض أهل الأداء الناقلين قراءة ورش استثنى الألف من كلمة يُؤاخِذُكُمُ* فلم يوسطها ولم يمدها ويدل بمفهومه على أن البعض الآخر أجراها كغيرها فأجاز فيها التوسط والمد مع أن هذه الكلمة مستثناة بالإجماع كما تقدم فكان على الإمام الشاطبي أن يحذف كلمة وبعضهم.
وأما القاعدتان فالأولى: أن يقع حرف المد بعد همز ويكون ذلك الهمز واقعا بعد ساكن صحيح متصل نحو الْقُرْآنُ*، الظَّمْآنُ، مَسْؤُلًا*، مَذْؤُماً فلا يجوز في هذا وأمثاله لورش إلا القصر. وقوله: أو بعد ساكن، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز وقع هذا الهمز بعد متحرك نحو ساوى، مَآبٍ*، ففيه الأوجه الثلاثة لورش. وقوله:
صحيح، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز، هذا الهمز بعد ساكن غير صحيح وهو حرف
المد نحو وَجاؤُ* فاؤُ. وحرف اللين نحو (سوءات) الْمَوْؤُدَةُ ففيه الأوجه الثلاثة أيضا لورش. وقولنا: متصل، احتراز عن حرف المد الواقع بعد همز وقع هذا الهمز بعد ساكن صحيح منفصل عن الهمز بأن يكون هذا الساكن في كلمة والهمز في كلمة أخرى نحو مَنْ آمَنَ*، مَنْ أُوتِيَ* ففيه الأوجه الثلاثة كذلك لورش.
(1/76)

القاعدة الثانية: أن يقع حرف المد بعد همز الوصل نحو ائْذَنْ لِي، ائْتِ بِقُرْآنٍ، اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ، ائْتُوا صَفًّا، ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا. في حال الابتداء بهذه الكلمات، فلا يجوز لورش في حرف المد الواقع بعد همز الوصل إلا القصر؛ لأن حرف المد في ذلك عارض؛ لأنك إذا ابتدأت بهذه الكلمات اضطررت إلى الإتيان بهمزة الوصل لتتوصل بها إلى النطق بالساكن وهو الهمزة التي هي فاء الكلمة، وعندئذ يجتمع همزتان: همزة الوصل، والهمزة الساكنة التي هي فاء الكلمة.
والقاعدة: أنه إذا اجتمع همزتان في كلمة والثانية منهما ساكنة؛ فإن الثانية تبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها، فتبدل ياء فتكون هذه الياء بدلا من الهمزة فتكون عارضة وهمزة الوصل عارضة أيضا؛ لأنك إذا وصلت هذه الكلمات بما قبلها؛ سقطت همزة الوصل لعدم الحاجة إليها وبقيت الهمزة الساكنة التي هي فاء الكلمة، فامتنعت زيادة المد في حرف المد نظرا لعروضه، وعروض همزة الوصل قبله. وقد ترك الناظم قاعدة ثالثة مستثناة أيضا، وكان عليه أن ينبه عليها وهي: أن يقع حرف المد بعد الهمزة بدلا من التنوين نحو دُعاءً*، نِداءً* غُثاءً*، خَطَأً*، عند الوقف على هذه الكلمات؛ فلا يحوز في حرف المد في هذه الكلمات لورش إلا القصر؛ لأن حرف المد في هذه الحال عارض غير لازم، إذ لا يوجد إلا في الوقف على هذه الكلمات فقط. وأما رَأَى الْقَمَرَ، تَراءَا الْجَمْعانِ، تَبَوَّؤُا الدَّارَ، عند الوقف على رَأى *، وتَراءَا، وتَبَوَّؤُا فيجوز في حرف المد فيها الأوجه الثلاثة لورش؛ لأنه حرف مد أصلي واقع بعد همز، وذهابه عند الوصل عارض لسكون ما بعده، فحذف للتخلص من التقاء الساكنين، وأما عند الوقف؛ فيثبت على الأصل، فيجوز فيه الأوجه الثلاثة؛ لأنه يصدق عليه، والحال هذه أنه حرف مد وقع بعد همز.
ثم ذكر الناظم أن بعض أهل الأداء عن ورش استثنى كلمتين: الأولى: آلْآنَ* المستفهم بها وهي في موضعين: في سورة يونس آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ. فمنع التوسط والمد فيها وأوجب فيها القصر والمراد الألف الأخيرة التي بعد اللام، وأما الألف الأولى فليست من هذا الباب؛ لأن مدها لأجل السكون اللازم المقدر، ولكون هذا السكون مقدرا يجوز في هذه الألف الأولى لورش وقالون وجهان: الأول: المد المشبع اعتدادا بالأصل. والثاني: القصر
(1/77)

اعتدادا بحركة اللام العارضة. وقولنا: المستفهم بها؛
احتراز عن آلْآنَ*، الخالية من الاستفهام مثل: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ. فقد اتفق أهل الأداء عن ورش على إجراء الأوجه الثلاثة في ألفها جريا على أصله.
الكلمة الثانية: الْأُولى * الواقعة بعد عاداً* في قوله تعالى في سورة النجم:
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى، فبعض أهل الأداء لم يجز في حرف المد فيها إلا القصر، والتقييد بالواقعة بعد عاداً* لإخراج غيرها نحو سِيرَتَهَا الْأُولى فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى. ففيهما الأوجه الثلاثة لورش. والبعض الآخر من أهل الأداء لم يستثن هاتين الكلمتين: آلْآنَ* وَالْأُولى * وأجرى في كل منهما الأوجه الثلاثة لورش.
وقد أشبعنا الكلام على هاتين الكلمتين: آلْآنَ* عاداً الْأُولى، وذكرنا جميع أحوالهما لجميع القراء في كتابنا البدور الزاهرة فارجع إليه تجد ما يسر خاطرك ويثلج صدرك.
ثم قال الناظم: وابن غلبون طاهر إلخ. ابن غلبون هو الإمام الحجة الثبت أبو الحسن طاهر بن العلامة الإمام عبد المنعم بن غلبون. وطاهر وأبوه من علماء القراءات المبرزين فيها الذين لهم التصانيف القوية المفيدة في علوم القرآن وهما من حلب ونزلا بمصر وأقاما بها ونفع الله بعلمهما من لا يحصى كثرة وماتا بمصر، ومن مصنفات الوالد: كتاب الإرشاد، ومن تلاميذه: الإمام مكي بن أبي طالب، ومن مصنفات الابن: كتاب التذكرة، ومن تلاميذه: الإمام أبو عمرو الداني مؤلف كتاب التيسير فطاهر بن غلبون قال بقصر جميع الباب وأخذ به وأقرأ الناس به ويعني بالباب كل ما كان حرف المد فيه بعد همز ثابت أو مغير. وقوله (وقوّلا) أي وقول ورشا بذلك أي جعله هو المذهب له وجعل ما سواه غلطا ووهما. ويصح أن يكون معناه أن ابن غلبون قول أي نسب التقول والافتراء والوهم إلى من نقل التوسط والمد عن ورش في هذا النوع من المد.
176 - وعن كلّهم بالمدّ ما قبل ساكن ... وعند سكون الوقف وجهان أصّلا
المعنى: لما فرغ من الكلام على حرف المد الذي يجتمع مع الهمز؛ سواء كان حرف المد قبل الهمز أو بعده، تكلم هنا على حرف المد الذي يقع بعد السكون، والسكون الذي يقع بعد حرف المد قسمان: سكون لازم للحرف من الكلمة لا ينفك عنه وصلا ولا وقفا،
(1/78)

وسكون يعرض للحرف المتحرك من الكلمة عند الوقف عليه فحسب. وقد بين الناظم في الشطر الأول من البيت حكم القسم الأول؛ فأخبر أن حرف المد الواقع قبل الساكن الذي سكونه لازم في الوصل والوقف مقروء بالمد المشبع عن كل القراء سواء كان الساكن مدغما في غيره نحو الضَّالِّينَ*، الطَّامَّةُ، الصَّاخَّةُ، وَحاجَّهُ قَوْمُهُ، آلذَّكَرَيْنِ*، اللَّهِ خَيْرٌ*، ونحو وَلا تَيَمَّمُوا، وَلا تَعاوَنُوا في قراءة البزي. ونحو وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (2) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً وَالذَّارِياتِ ذَرْواً، في قراءة حمزة، فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً، في
قراءة خلاد عن حمزة، أم لم يكن الساكن مدغما في غيره نحو آلْآنَ* في الموضعين بيونس على وجه الإبدال، وص، وق، ون، وَمَحْيايَ في قراءة من أسكن الياء. وعلى هذا يكون المراد بالمد في قوله الناظم: وعن كلهم بالمد، المد المشبع المقدر بستّ حركات، ويكون المراد من ساكن في قوله: ما قبل ساكن؛ الحرف الساكن الذي سكونه لازم وصلا ووقفا، وكان على الناظم أن يقيد الساكن بما يكون في الكلمة التي فيها حرف المد ليحترز بذلك عن الساكن الذي يكون في كلمة أخرى غير الكلمة التي فيها حرف المد نحو وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً* وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا، وَإِذَا الْجِبالُ*، قالُوا اطَّيَّرْنا، وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ، فإن حرف المد حكمه الحذف فيما ذكر وأمثاله. ثم بين في الشطر الثاني من البيت حكم القسم الثاني فأخبر أن حرف المد الذي يقع بعده سكون عارض عند الوقف فيه وجهان: الأول- المد المشبع المقدر بست حركات والثاني- التوسط المقدر بأربع حركات لجميع القراء أيضا، ولم يصرح بهما الناظم لشهرتهما، ومعنى قوله: (أصلا) جعلا أصلا يعتمد عليه أي اشتهر الوجهان في النقل فجعلا أصلين يعتمد عليهما، وأشار بذلك إلى أن هنالك وجها ثالثا لم يؤصل؛ أي لم يشتهر اشتهار الوجهين السابقين وهو الاقتصار على ما في حرف المد من المد وهو القصر، ولا يقدح في جواز هذا الوقف، أن فيه الجمع بين الساكنين؛ لأن الجمع بين الساكنين مغتفر في الوقف ولأن هذا السكون عارض فلا يعتد به، قال العلماء: ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون حرف المد مرسوما في المصاحف نحو الْعالَمِينَ* الرَّحِيمِ* يُؤْمِنُونَ* مَتابِ، أَوَلَمْ يَكُنْ مرسوما نحو الرَّحْمنِ*، ولا فرق أيضا بين أن يكون أصلا كما ذكر من الأمثلة أو يكون
(1/79)

بدلا من همزة كالوقف على الذِّئْبُ*، وَلَمْ يُؤْتَ، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ عند المبدلين، والخلاصة أن حرف المد الذي يقع بعده سكون عارض للوقف يجوز فيه لكل القراء ثلاثة أوجه: القصر، والتوسط، والمد. وهذه الأوجه الثلاثة تجوز أيضا في حرف المد الذي بعده سكون عارض للإدغام كما في الإدغام الكبير للسوسي نحو قالَ لَهُمْ*، الرَّحِيمِ (3) مالِكِ، يَقُولُ رَبَّنا*.
177 - ومدّ له عند الفواتح مشبعا ... وفي عين الوجهان والطّول فضّلا
178 - وفي نحو طه القصر إذ ليس ساكن ... وما في ألف من حرف مدّ فيمطلا
اللغة والمعنى: (ومد) فعل أمر وضمير له يعود على الساكن؛ لأن كلامه في البيت السابق فيما يمد لأجل الساكن فكأنه قال: ومد لأجل الساكن، و (مشبعا) بكسر الباء منصوب على الحال من فاعل مد أو بفتح الباء على أنه صفة مصدر محذوف و (عند الفواتح) أي فيها. أمر الناظم القارئ أن يمد حرف المد كونه مشبعا هذا المد، أو مدّا مشبعا لأجل الساكن في فواتح
السور. والحروف التي تمد مدّا مشبعا في فواتح السور سبعة لام في الم* أول البقرة وآل عمران والأعراف ويونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة، وميم في أوائل: البقرة، وآل عمران والأعراف والرعد والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة، وطسم* أول الشعراء والقصص، وحم* في أوائل السور السبع، وكاف في أول مريم، وصاد في أول الأعراف ومريم، وص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، وقاف في أول الشورى، وق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وسين في
أوائل الشعراء والنمل والقصص والشورى ويس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ونون في ن وَالْقَلَمِ، ففي كل من هذه الحروف وقع حرف المد واللين ووقع بعده حرف ساكن سكونه لازم في الحالين فحينئذ يجب مد حرف المد لأجل الساكن اللازم مدّا مشبعا لجميع القراء وقد يعرض لهذا الساكن ما يقتضي تحركه وذلك في الم (1) اللَّهُ أول آل عمران عند وصل ميم بلفظ الجلالة وذلك أن همزة لفظ الجلالة همزة وصل، فتحذف حال الوصل، فعند ذلك يجتمع ساكنان: الميم واللام، فتحرك الميم بالفتح تخلصا من التقاء الساكنين، وفي هذه الحال يجوز وجهان: المد المشبع نظرا
(1/80)

للأصل، والقصر نظرا لعروض حركة الميم، وهذان الوجهان جائزان لكل القراء، ومثل ذلك الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ فاتحة العنكبوت في مذهب ورش؛ لأنه ينقل حركة همزة أحسب إلى الميم قبلها فتحرّك بالفتح وحينئذ يصح الوجهان السابقان المد نظرا لحركة الميم العارضة بسبب النقل، ثم بين أن في عين من حروف الفواتح وذلك في كهيعص حم* عسق وجهين، وقوله:
الوجهان، أل فيه للعهد، والمعهود الوجهان السابقان في البيت قلبه وهما المد المشبع المقدر بست حركات، والتوسط المقدر بأربع حركات. ثم ذكر أن علماء القراءة فضلوا الطول؛ وهو المد المشبع، على التوسط، والوجهان جائزان لجميع القراء، وهذان الوجهان يجريان في كلمة هاتين في قوله تعالى إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ، في سورة القصص. وكلمة اللذين في قوله تعالى:
رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا في سورة فصلت في قراءة ابن كثير؛ لأنهما في قراءته بتشديد النون، فيكون كل منهما كلفظ عين في أول مريم والشورى، فيكون في كل منهما التوسط والمد، والمد أقوى وأرجح من التوسط فيهما. ثم ذكر أن ما كان من حروف الهجاء على حرفين فقط فليس فيه إلا القصر؛ إذ لم يوجد بعد حرف المد ساكن حتى يمد حرف المد لأجله.
والذي وقع من حروف الهجاء على حرفين الطاء في طه*، طسم* أول الشعراء والقصص، طس أول النمل، والهاء في كهيعص، طه*، والراء في أول يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر، والياء في أول مريم، والحاء في حم أوائل السور السبع. وأخيرا ذكر أن لفظ ألف في الم* ونحوه مكون من ثلاثة أحرف ليس الأوسط منها حرف مد ولين فلا مد فيها مطلقا. وقوله: فيمطلا؛ فيمد.
والحاصل: أن حروف الفواتح على أربعة أقسام:
الأول- ما كان على ثلاثة أحرف أوسطها حرف مد ولين نحو: لام، ميم، نون، فهو ممدود مدّا مشبعا بلا خلاف.
الثاني- ما كان على ثلاثة أحرف وليس أوسطه حرف مد ولين، وهو لفظ ألف؛ فهو مقصور بلا خلاف.
الثالث- ما كان على ثلاثة أحرف أوسطها حرف لين وهو لفظ عين، أول مريم والشوى؛ ففيه الوجهان المد والتوسط.
(1/81)

الرابع- ما كان على حرفين نحو طه*، الر*، فهو مقصور بلا خلاف.
179 - وإن تسكن اليا بين فتح وهمزة ... بكلمة أو واو فوجهان جمّلا
180 - بطول وقصر وصل ورش ووقفه ... وعند سكون الوقف للكلّ أعملا
181 - وعنهم سقوط المدّ فيه وورشهم ... يوافقهم في حيث لا همز مدخلا
المعنى: لما ذكر في الأبيات السابقة حكم حرف المد واللين إذا اجتمع مع الهمز أو السكون ذكر هنا حكم حرفي اللين إذا اجتمعا مع الهمز أو السكون، فبين أن حرفي اللين وهما الياء والواو الساكنتان المفتوح ما قبلهما إذا وقع أحدهما بين فتح وهمزة في كلمة واحدة ففي كل منهما وجهان حسنان لورش وهما: الطول والقصر في حالي وصله ووقفه، سواء كانت الياء والواو في وسط الكلمة نحو شَيْئاً*، كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ*، وَلا تَيْأَسُوا، سَوْأَةَ أَخِيهِ، سَوْآتِهِما*، أم كانتا في آخرها نحو شَيْءٍ* مرفوعا كان أو مجرورا، ظَنَّ السَّوْءِ*، واحترز بقوله: في كلمة، عن وقوع حرفي اللين في كلمة والهمز في كلمة أخرى نحو ابْنَيْ آدَمَ، وَلَوْ آمَنَ، فمذهب ورش فيه نقل حركة الهمز إلى حرفي اللين مع حذف الهمز.
والوجهان المد المشبع والتوسط فالمراد بقوله: وقصر: التوسط، وعبر عنه بالقصر بالنسبة إلى الإشباع المعبر عنه بالطول، وأشار الناظم إلى هذا المراد بقوله: بطول، أي بتطويل المد، والقصر عدم تطويل المد مع بقاء أصل المد، فكأنه قال بمد طويل ومد قصير، ولو أنه أراد بالقصر معناه الشائع وهو المقدر بحركتين لقال بمد وقصر، فالتعبير بقوله: بطول، أفاد أن المراد بقوله: وقصر، التوسط. ثم بين حكمهما إذا وقع بعدهما ساكن فقال: وعند سكون الوقف للكل أعملا. يعني:
إذا وقعت الياء والواو الساكنتان المفتوح ما قبلهما قبل حرف ساكن للوقف سواء كان هذا الحرف همزة أو غيرها؛ فالوجهان المذكوران وهما: المد الطويل والتوسط؛ أعملا؛ أي استعملا لجميع القراء يستوى في ذلك ورش وغيره نحو شَيْءٍ*، سُوءَ*، قُرَيْشٍ خَوْفٌ*.
ثم ذكر وجها ثالثا عن القراء وهو عدم المد في حرفي اللين قبل الساكن للوقف همزا أو غيره فصار للقراء عند الوقف ثلاثة أوجه: الطول والتوسط والقصر. ويوافق
(1/82)

ورش القراء في
الوجه الثالث وهو القصر إذا لم يكن الحرف الأخير همزة نحو رَأْيَ الْعَيْنِ، إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، فَلا فَوْتَ، حَذَرَ الْمَوْتِ*.
أما إذا كان الحرف الأخير همزة نحو شَيْءٍ* وسُوءَ* فليس له إلا الوجهان المتقدمان وهما المد المشبع والتوسط عملا بقوله: وصل ورش ووقفه.
والخلاصة: أن ورشا له فيما آخره همزة وجهان: المد والتوسط وصلا ووقفا، ولغيره فيه ثلاثة أوجه: عند الوقف عليه الطول والتوسط والقصر، ولا شيء للغير عند الوصل. وأما ما لا همز في آخره: فلورش وغيره الأوجه الثلاثة وقفا ولا شيء لهم وصلا.
182 - وفي واو سوءات خلاف لورشهم ... وعن كلّ الموءودة اقصر وموئلا
المعنى: اختلف عن ورش في واو (سوءات) وما تصرف منها نحو بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما*، يُوارِي سَوْآتِكُمْ، فمن الرواة عنه من استثناها من اللين فلم يجر فيها توسطا ولا مدّا بل أجراها مجرى قَوْلًا* وخَوْفاً*، ومنهم من لم يستثنها بل ألحقها ب سَوْأَةَ* والسُّوءَ* فأجرى فيها المد المشبع والتوسط، فحينئذ يكون لورش فيها ثلاثة أوجه: القصر كغيره من القراء، والتوسط، والطول. ولكن المحققين من علماء الفن على أن هذه الواو لا مد فيها لورش أصلا؛ لأن رواة مد اللين عن ورش أجمعوا على استثناء هذه الواو فحينئذ يكون الخلاف فيها دائرا بين القصر والتوسط، وعلى القصر يكون له في البدل الذي بعدها القصر والتوسط والمد، وعلى التوسط لا يكون له في البدل إلا التوسط. فليس لورش فيها إلا هذه الأوجه الأربعة: قصر الواو مع تثليث البدل، وتوسط الواو والبدل، هذا ما ذهب إليه المحققون وعليه العمل. ثم أمر الناظم بقصر الواو في كلمتين عن جميع الرواة عن ورش وهما الْمَوْؤُدَةُ في قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ في سورة التكوير ومَوْئِلًا في قوله تعالى: لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا في الكهف. ولا يخفى أن المراد الواو الأولى في لفظ الْمَوْؤُدَةُ، وأوجه البدل الثلاثة فيها لا تخفى. ومما تجب معرفته: أنه ليس المراد من قصر واو (سوآت) وواو الْمَوْؤُدَةُ وواو مَوْئِلًا مدها بمقدار حركتين بل المراد إذهاب مدّها بالكلية والنطق بواو ساكنة مجردة عن المد كالنطق بواو فَوْقَكُمُ* ونحوه، والله أعلم.
(1/83)

9 باب الهمزتين من كلمة [183 - 201]
183 - وتسهيل أخرى همزتين بكلمة ... سما وبذات الفتح خلف لتجملا
184 - وقل ألفا عن أهل مصر تبدّلت ... لورش وفى بغداد يروى مسهّلا
المعنى: ذكر في هذا الباب حكم الهمزتين المجتمعتين في كلمة واحدة، والأولى منهما لا بدّ أن تكون مفتوحة، وأما الثانية فتكون مفتوحة ومكسورة ومضمومة، والتسهيل في لسان القراء له معنيان: الأول: مطلق التغيير فيشمل التسهيل بين بين، والإبدال والحذف، والمراد به هنا:
بين بين، ومعناه: أن ينطق بالهمزة بينها وبين الحرف المجانس لحركتها، فينطق بالمفتوحة بينها وبين الألف، وبالمكسورة بينهما وبين الياء وبالمضمومة بينها وبين الواو، وأخرى الهمزتين، هي الهمزة الأخيرة؛ أي المتأخرة منهما وهي الثانية، وقد أخبر الناظم أن تسهيل الهمزة الثانية من الهمزتين الواقعتين في كلمة هو قراءة المشار إليهم بسما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو سواء كانت الثانية مفتوحة نحو أَأَنْذَرْتَهُمْ*، أَأَنْتَ*، أَأَلِدُ، أم كانت مكسورة نحو أَإِذا*، أَإِنَّا*، أَإِنَّكَ*، أم مضمومة نحو أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ، أَأُنَبِّئُكُمْ*، والذي دلنا على أن هذا الحكم شامل للأنواع الثلاثة هو إطلاق الناظم. ثم ذكر أن الهمزة الثانية ذات الفتح أي المفتوحة فيها خلف لهشام، فله فيها وجهان:
التسهيل والتحقيق، ثم بين أن الرواة عن ورش اختلفوا في كيفية تغيير الهمزة الثانية إذا كانت مفتوحة فروى المصريون عنه إبدالها ألفا، وروى البغداديون عنه تسهيلها بين بين كالمكسورة والمضمومة، فيكون لورش في المكسورة والمضمومة وجه واحد وهو التسهيل بين بين، وفي المفتوحة وجهان: الإبدال ألفا، والتسهيل على وجه الإبدال، فإن كان بعد الهمزة المبدلة ساكن نحو أَأَنْذَرْتَهُمْ*، أَأَشْفَقْتُمْ. فلا بد من مد الألف المبدلة من الهمزة مدّا مشبعا بمقدار ست حركات؛ لأنها ساكنة والسكون الذي بعدها لازم، فيكون مدّها حينئذ من قبيل المد اللازم وإن كان بعد الهمزة المبدلة حرف متحرك وذلك في موضعين فقط. أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ في هود، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ في الملك مدت الألف المبدلة من الهمزة
(1/84)

مدّا أصليّا بمقدار حركتين، ولا يصح أن يجعل مدها من قبيل مد البدل؛ نظرا لعروض حرف المد بسبب الإبدال. هذا وقد منع العلماء وجه الإبدال لورش عند الوقف على أَأَنْتَ*، أَرَأَيْتَ*.
وأوجبوا التسهيل وعللوا منع الإبدال بأنه يترتب عليه اجتماع ثلاث سواكن متوالية ليس فيها مدغم كصواف، وقالوا: إن مثل ذلك غير موجود في كلام العرب، ونقل بعضهم عن الإمام الداني جواز الوقف بالإبدال على أَرَأَيْتَ* فحسب. قالوا: وإذا وقفت بالإبدال على أَرَأَيْتَ* تبعا للداني وجب عليك توسيط الياء؛ لأن اللين يضعف فيه الطول .. انتهى.
فتعين لباقي القراء تحقيق الهمزة الثانية سواء كانت مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة.
185 - وحقّقها في فصّلت صحبةء اع ... جمىّ والأولى أسقطنّ لتسهلا
المعنى: أخبر أن كلمةءَ أَعْجَمِيٌّ في سورة فصلت حقق همزتها الثانية (صحبة)
وهم شعبة وحمزة والكسائي فقرءوا بهمزتين محققتين، وقرأ هشام بإسقاط همزتها الأولى وتحقيق الثانية، فتكون قراءة الباقين بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين.
186 - وهمزة أذهبتم في الاحقاف شفّعت ... بأخرى كما دامت وصالا موصّلا
187 - وفي نون أن كان شفّع حمزة ... وشعبة أيضا والدّمشقي مسهّلا
188 - وفي آل عمران عن ابن كثيرهم ... يشفّع أن يؤتى إلى ما تسهّلا
المعنى: أخبر أن همزة أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ في سورة الأحقاف (شفعت) أي: قرنت بزيادة همزة أخرى قبلها فصارت بسبب زيادة هذه الهمزة شفعا أي: زوجا، وذلك للمرموز لهما بالكاف والدال وهما: ابن عامر، وابن كثير، وكل واحد منهما على أصله، فابن كثير يسهل الثانية من غير إدخال، وابن ذكوان يحققها من غير إدخال، وهشام له فيها التسهيل والتحقيق، وكل منهما مع الإدخال. وقرأ الباقون بهمزة واحدة محققة وقوله: وصالا موصلا. أي منقولا يوصله بعض القراء إلى بعض. ثم أخبر أن حمزة، وشعبة، وابن عامر الدمشقي قرءوا بتشفيع همزة أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ، في سورة ن وَالْقَلَمِ أي بزيادة همزة أخرى قبلها مع تسهيل الهمزة الثانية للدمشقي، فتكون قراءة حمزة وشعبة بتحقيق الهمزتين من غير مد بينهما، وقراءة ابن ذكوان بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بلا إدخال، وقراءة هشام بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع الإدخال، فتعين للباقين القراءة بهمزة واحدة ثم بين أن همزة أَنْ يُؤْتى * في قوله تعالى في آل عمران: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ تقرأ بالتشفيع، وقد عرفت معناه لابن كثير وهو على أصله من تحقيق الأولى وتسهيل الثانية من غير إدخال، وقرأ الباقون بهمزة واحدة والتقييد بآل عمران لإخراج أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً بالمدثر فهو بهمزة واحدة للجميع، وقوله: (إلى ما تسهلا) متعلق بمحذوف حال من لفظ (أن) أي: حال كونه مضموما إلى ما تسهل عنده من الهمزات.
189 - وطه وفي الأعراف والشّعرا بها ... ء آمنتم للكلّ ثالثا أبدلا
190 - وحقّق ثان صحبة ولقنبل ... بإسقاطه الأولى بطه تقبّلا
191 - وفي كلّها حفص وأبدل قنبل ... في الاعراف منها الواو والملك موصلا
وقعت كلمة آمَنْتُمْ* في ثلاث سور، الأعراف، طه، الشعراء، وأصل هذه الكلمة آمَنْتُمْ*، بثلاث همزات: الأولى والثانية مفتوحتان، والثالثة ساكنة وقد أمر الناظم بإبدال الثالثة حرف مد من جنس حركة ما قبلها فتبدل ألفا، وهذا الحكم لجميع القراء كما هو مقتضى الإطلاق، ثم أخبر بأن (صحبة) وهم: شعبة، والكسائي، وحمزة حققوا الهمزة الثانية في المواضع الثلاثة، فتكون قراءة
(1/85)

الباقين بتسهيلها بين بين إلا قنبلا في طه وحفصا في المواضع
الثلاثة كما سيأتي، فأما قنبل فأسقط الهمزة الأولى في موضع طه فيقرأ فيه بهمزة واحدة محققة ويقرأ في موضعي الأعراف، والشعراء بإثبات الأولى وتسهيل الثانية كقراءة نافع ومن معه في المواضع الثلاثة، وأما حفص: فأسقط الهمزة الأولى في السور الثلاثة، فيقرأ بهمزة واحدة محققة في الجميع، وقرأ قنبل بإبدال الهمزة الأولى واوا في قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ، في الأعراف، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ وأَ أَمِنْتُمْ في الملك مع تسهيل الهمزة الثانية بين بين في الموضعين وهو لا يبدل الهمزة الأولى واوا في الموضعين إلا في حال الوصل بدليل قوله:
(موصلا) فإذا وقف على
(1/86)

فِرْعَوْنُ وابتدأ بقوله آمَنْتُمْ. أو وقف على النُّشُورُ وابتدأ بقوله: أَأَمِنْتُمْ حقق الهمزة الأولى. وينبغي أن يعلم أن ورشا ليس له في الهمزة الثانية من أَأَمِنْتُمْ في المواضع الثلاثة إلا التسهيل مع القصر، والتوسط، والمد، وليس له الإبدال؛ لأنه لو أبدل لاجتمع ألفان، الألف المبدلة من الهمزة الثانية المفتوحة، والألف المبدلة من الهمزة الثالثة الساكنة ويتعذر النطق بالألفين معا، فتحذف إحداهما فحينئذ يصير النطق بهمزة واحدة بعدها ألف، فتكون قراءته كقراءة حفص. فيلتبس الاستفهام بالخبر، فمحافظة على لفظ الاستفهام وخوفا من الالتباس منع وجه الإبدال.
192 - وإن همز وصل بين لام مسكّن ... وهمزة الاستفهام فامدده مبدلا
193 - فللكلّ ذا أولى ويقصره الّذي ... يسهّل عن كلّ كالآن مثّلا
194 - ولا مدّ بين الهمزتين هنا ولا ... بحيث ثلاث يتّفقن تنزّلا
المعنى: هذا بيان لحكم همزة الوصل إذا وقعت بين لام التعريف الساكنة وهمزة الاستفهام، وقد وقع ذلك في ثلاث كلمات في ستة مواضع: آلذَّكَرَيْنِ* في موضعين بالأنعام، آلْآنَ* في موضعين بيونس آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ في النمل، وقد اتفق أهل الأداء على تغيير همزة الوصل في هذه المواضع، ولكنهم اختلفوا في كيفية هذا التغيير، فمنهم من أبدلها حرف مد ألفا مع المد المشبع للفصل بين الساكنين، إلا إذا عرض تحرك الساكن وهو اللام في آلْآنَ* موضعي يونس في قراءة نافع بنقل حركة الهمزة التي بعدها إليها، فيجوز حينئذ المد المشبع نظرا للأصل، ويجوز القصر نظرا للحركة العارضة، ومنهم من سهلها بين بين وهذان الوجهان حائزان لكل القراء، وإن وجه الإبدال أولى وأرجح من وجه التسهيل. وهناك موضع سابع: وهو لفظ السحر في قوله تعالى في يونس: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فأبوا عمرو يقرؤه بزيادة همزة استفهام قبل همزة الوصل، فيجري فيه الوجهان السابقان وهما: إبدال همزة الوصل ألفا مع المد المشبع وتسهيلها بين بين، فقول الناظم: (وإن همز وصل إلخ). معناه: وإن وقع همز وصل بين لام التعريف الساكنة وبين همزة الاستفهام،
(1/87)

وقوله: (فامدد مبدلا) أي: امدد همز الوصل مدّا مشبعا في حال كونك مبدلا له حرف مد ألفا، وجنح بعض شرّاح هذه القصيدة إلى أن ذلك من باب القلب والأصل: فأبدله
مادّا، أي:
أبدل همز الوصل ألفا حال كونك مادّا له مدّا مشبعا، وقوله: (فللكل ذا أولى) معناه: أن هذا الوجه وهو الإبدال مع المد أولى لكل القراء من الوجه الآخر وهو التسهيل، ومعنى قوله:
(ويقصره الذي يسهل عن كل) أن كل من أخذ بوجه التسهيل عن كل القراء السبعة يقصر همزة الوصل ولا يمدها؛ لأنها في حكم المحققة وهي لا تمد. وقوله: (ولا مد بين الهمزتين هنا) معناه:
أنه يمتنع إدخال ألف الفصل بين الهمزتين حال التسهيل في الكلمات السابقة، فمن مذهبه الإدخال بين الهمزتين لا يدخل في هذه الكلمات. وقوله: (ولا بحيث ثلاث) معناه: أنه يمتنع إدخال الفصل في كل كلمة يجتمع فيها ثلاث همزات وذلك في لفظ آمَنْتُمْ* في سوره الثلاث، وفي لفظ آلِهَتُنا في الزخرف فمن مذهبه الإدخال لا يدخل في هذين اللفظين.
195 - وأضرب جمع الهمزتين ثلاثة ... ء أنذرتهم أم لم أئنّا أءنزلا
اللغة والمعنى: (الأضرب) جمع وهو النوع، يعني أن اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة يكون في القرآن على ثلاثة أنواع: الأول: أن تكون الهمزتان مفتوحتين نحو أَأَنْذَرْتَهُمْ*، أَأَسْلَمْتُمْ، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ، الثاني: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مكسورة نحو أَإِنَّكُمْ*، أَإِنَّا*، أَئِمَّةَ*، الثالث: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مضمومة نحو أَأُنَبِّئُكُمْ*، أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ، فالهمزة الأولى في الأنواع الثلاثة مفتوحة والثانية تكون مفتوحة ومكسورة ومضمومة.
196 - ومدّك قبل الفتح والكسر حجّة ... بها لذ وقبل الكسر خلف له ولا
197 - وفي سبعة لا خلف عنه بمريم ... وفي حرفي الأعراف والشّعرا العلا
198 - أئنّك أئفكا معا فوق صادها ... وفي فصّلت حرف وبالخلف سهّلا
المعنى: المراد بالمد هنا: إدخال ألف بين الهمزتين، وهذه الألف تسمّى ألف الفصل؛ لأنها تفصل بين الهمزتين ومقدارها حركتان. والمراد بالفتح والكسر الهمزة المفتوحة
(1/88)

والمكسورة؛ يعني:
أن إدخال ألف قبل الهمزة المفتوحة وقبل الهمزة المكسورة قراءة المشار إليهم بالحاء، والباء، واللام، وهم: أبو عمرو، وقالون، وهشام. وقوله: (وقبل الكسر خلف له ولا) معناه أن في الإدخال قبل الهمزة المكسورة خلافا لهشام، فروي عنه الإدخال وتركه. وقوله: (وفي سبعة إلخ) معناه: أنه لا خلاف عن هشام في الإدخال بين الهمزتين في سبعة مواضع، الموضع الأول: في مريم وهو:
أَإِذا ما مِتُّ، والثاني والثالث: في الأعراف: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ*، إِنَّ لَنا لَأَجْراً*، والرابع: في الشعراء: أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً والخامس: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ والسادس: أَإِفْكاً
آلِهَةً وكلاهما في الصافات، وهي السورة التي فوق ص والسابع: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ في فصلت. وقوله: (وبالخلف سهلا) يعني: ورد عن هشام في حرف فصلت وجهان: التسهيل والتحقيق وليس لهشام تسهيل في الهمزة المكسورة إلا في هذا الموضع.
199 - وآئمة بالخلف قد مدّ وحده ... وسهّل سما وصفا وفي النّحو أبدلا
المعنى: يعني أن لفظ (أئمة) حيث ورد في القرآن الكريم قد مدّ بين همزتيه هشام بخلف عنه، فله فيه المد وتركه مع التحقيق، فتكون قراءة الباقين بترك المد. وقوله: (وسهل سما وصفا) أمر بتسهيل الهمزة الثانية لنافع وابن كثير وأبي عمرو، فتعين للباقين القراءة بالتحقيق وقد وقع هذا اللفظ في القرآن في خمسة مواضع: موضع في التوبة فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، وموضع في الأنبياء: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا، وموضعين في القصص: وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، وموضع في السجدة: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا.
وقوله: (وفي النحو أبدلا) بيان لمذهب بعض النحاة وهو إبدال الهمزة الثانية ياء محضة، وهذا الوجه وإن ورد عن أهل (سما) أيضا ولكنه ليس من طريق كتابنا فلا يلتفت إليه ولا يقرأ به.
والخلاصة: أن أهل سما يقرءون بتسهيل الهمزة الثانية من غير إدخال لأحد منهم، وأن هشاما يقرأ بالتحقيق مع الإدخال وعدمه، وأن الباقين يقرءون بالتحقيق من غير إدخال.
200 - ومدّك قبل الضّمّ لبّى حبيبه ... بخلفهما برّا وجاء ليفصلا
(1/89)

201 - وفي آل عمران رووا لهشامهم ... كحفص وفي الباقي كقالون واعتلى
يعني: ومدك قبل الهمزة المضمومة قراءة المشار إليهم باللام، والحاء، والباء، وهم: هشام، وأبو عمرو بخلف عنهما فلهما المد وتركه، وقالون بلا خلف عنه، فتكون قراءة الباقين بترك المد، وقد وقعت الهمزة المضمومة من الهمزتين من كلمة في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم، قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ في آل عمران: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في ص: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ في القمر، ثم بين حكمة المد فقال: (وجاء المد ليفصل) أولى الهمزتين عن أخراهما. وقوله: (وفي آل عمران إلخ) بيان لمذهب بعض أهل الأداء عن هشام وهو أنه يقرأ قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ في آل عمران بعدم الإدخال مع التحقيق كحفص، ويقرأ في أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في ص، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ في القمر؛ بالإدخال مع التسهيل
كقالون فيتحصل من المذهب السابق، ومن هذا المذهب أن لهشام في قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ وجهين: التحقيق مع الإدخال وعدمه، وأن له في موضعي ص والْقَمَرُ ثلاثة أوجه: التحقيق مع الإدخال، وعدمه والتسهيل مع الإدخال، ويؤخذ من هذا أن موضع آل عمران لا تسهيل له فيه على كلا المذهبين.

تلخيص مذاهب القراء
القاعدة العامة لمذاهب القراء السبعة في الهمزتين من كلمة ما يلي: 1 - مذهب قالون: تسهيل الهمزة الثانية مع إدخال ألف بينهما في الأنواع الثلاثة.
2 - مذهب ورش: تسهيل الثانية من غير إدخال في الأنواع الثلاثة، وله في المفتوحة وجه ثان وهو إبدالها ألفا مع المد المشبع حين يقع بعدها ساكن.
3 - مذهب ابن كثير: تسهيل الثانية دون إدخال في الأنواع الثلاثة.
4 - مذهب أبي عمرو: تسهيل الثانية مع الإدخال في المفتوحة والمكسورة، وتسهيل الثانية مع الإدخال وعدمه في المضمومة.
5 - مذهب هشام: له في المفتوحة التحقيق والتسهيل مع الإدخال، وفي المكسورة التحقيق مع الإدخال وعدمه، إلا في المواضع السبعة، فله فيها التحقيق مع الإدخال إلا موضع فصلت فله فيه التحقيق والتسهيل مع الإدخال، وله في
(1/90)

المضمومة في قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بآل عمران، التحقيق مع الإدخال وعدمه وله في موضعي ص والْقَمَرُ التحقيق مع الإدخال وعدمه والتسهيل مع الإدخال.
6 - مذهب ابن ذكوان والكوفيين: التحقيق بلا إدخال في الأنواع الثلاثة.
«تتمة»: لا يقال: إن المد حين إدخال ألف الفصل بين الهمزتين من قبيل المد المتصل، باعتبار تحقق حرف المد والهمز في كلمة واحدة؛ لأنا نقول: إن هذه الألف عارضة أتي بها في قراءة بعض القراء لمجرد الفصل بين الهمزتين وتركت في قراءة البعض الآخر فنظرا لعروضها في الكلمة في بعض قراءتها لا يكون المد فيها من قبيل المد المتصل. والله تعالى أعلم.

10 باب الهمزتين من كلمتين [202 - 213]
202 - وأسقط الأولى في اتّفاقهما معا ... إذا كانتا من كلمتين فتى العلا
203 - كجا أمرنا من السّما إنّ أوليا ... أولئك أنواع اتّفاق تجمّلا
204 - وقالون والبزّيّ في الفتح وافقا ... وفي غيره كاليا وكالواو سهّلا
205 - وبالسّوء إلّا أبدلا ثمّ أدغما ... وفيه خلاف عنهما ليس مقفلا
عقد الناظم هذا الباب لبيان مذاهب القراء السبعة في الهمزتين من كلمتين والمراد بهما همزتا القطع المتلاصقتان وصلا الواقعتان في كلمتين، بأن تكون الأولى آخر كلمة والأخرى أول الكلمة التي تليها، فخرج بقيد القطع الهمزتان في نحو: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ*، الْماءَ اهْتَزَّتْ*، ما
شاءَ اللَّهُ*، فإن الهمزة الثانية في هذه الأمثلة همزة وصل، وخرج بقيد التلاصق: الهمزتان اللتان بينهما حاجز نحو: السُّواى أَنْ كَذَّبُوا، وخرج بقيد الوصل: ما إذا وقف على الهمزة الأولى وابتدئ بالثانية فلا يكون فيها ولا في الثانية إلا التحقيق باتفاق القراء، والهمزتان في هذا الباب قسمان: متفقتان في الحركة ومختلفتان فيها. والمتفقتان في الحركة ثلاثة أنواع: مفتوحتان، ومكسورتان، ومضمومتان، وبدأ الناظم بذكر مذاهب القراء السبعة في المتفقتين فأخبر أن: (فتى العلا)
(1/91)

وهو أبو عمرو البصري أسقط، أي: حذف في قراءته الهمزة الأولى من المتفقتين في الحركة، سواء كانتا مفتوحتين نحو: جاءَ أَمْرُنا*، السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ، شاءَ أَنْشَرَهُ. أم مكسورتين نحو: مِنَ السَّماءِ إِنْ*، هؤُلاءِ إِنْ، وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ أم مضمومتين.
وقد جاءتا في قوله تعالى في سورة الأحقاف: وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وليس لهما نظير في القرآن الكريم، وما ذكره الناظم من أن المحذوفة هي الأولى هو قول جمهور أهل الأداء، وقال بعضهم: المحذوفة هي الثانية.
وثمرة هذا الخلاف تظهر في حكم المد، فعلى القول الأول يكون المد من قبيل المنفصل فيجوز فيه القصر والتوسط، وعلى القول الثاني يكون المد من قبيل المتصل فلا يجوز فيه إلا التوسط. وقوله: (أنواع اتفاق) أي: هذه الأمثلة فيها الأنواع الثلاثة للهمزتين المتفقتين من كلمتين. ثم ذكر الناظم: أن قالون والبزي وافقا أبا عمرو على إسقاط الهمزة الأولى أو الثانية على الخلاف السابق في المفتوحتين، وحينئذ يجوز لهما ما يجوز لأبي عمرو من القصر والتوسط في حرف المد الواقع قبل الهمزة، وفي كون المد من قبيل المنفصل أو من قبيل المتصل.
وأما غير المفتوحتين من المكسورتين والمضمومتين؛ فإنهما يسهلان الأولى من كل منهما بين بين فتسهل المكسورة بينها وبين الياء، وتسهل المضمومة بينها وبين الواو، ويجوز في حرف المد الواقع قبل الهمزة المسهلة التوسط والقصر سواء كانت مكسورة أم مضمومة، ثم أفاد أن قالون والبزي أبدلا الهمزة الأولى واوا ثم أدغما الواو الساكنة قبلها فيها، وذلك في بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي في يوسف، فيكون النطق بواو مشددة مكسورة وبعدها همزة محققة. ثم قال الناظم وفي هذا اللفظ بِالسُّوءِ إِلَّا أي في تخفيف همزة خلاف عنهما، فيكون لهما فيه وجهان: الوجه السابق: وهو الإبدال مع الإدغام. والوجه الثاني: هو تسهيل الأولى على أصل مذهبهما. وقوله: (ليس مقفلا) معناه: ليس الخلاف عن قالون والبزي في تخفيف هذا اللفظ مغلقا مسدودا بل هو ذائع مستفيض في كتب القراءات.
206 - والاخرى كمدّ عند ورش وقنبل ... وقد قيل محض المدّ عنها تبدّلا
207 - وفي هولا إن والبغا إن لورشهم ... بياء خفيف الكسر بعضهم تلا
(1/92)

المعنى: يعني: والهمزة الأخيرة أي الثانية من الهمزتين المتفقتين في الحركة بأنواعهما الثلاثة كائنة كالمد؛ أي تسهل بين بين، أي بينهما وبين الحرف المجانس لحركتها، فتسهل المفتوحة بينها وبين الألف فتكون مثل الألف، وتسهل المكسورة بينها وبين الياء فتكون مثل الياء الساكنة، وتسهل المضمومة بينها وبين الواو فتكون مثل الواو الساكنة، وهذا معنى قوله: (كمد) لأنها حال التسهيل تصير مثل حرف المد، وهذا الحكم- وهو تسهيل الهمزة الثانية- عن ورش وقنبل، وروي عنهما فيها إبدالها حرف مدّ مجانسا لحركة الهمزة الأولى فتبدل ألفا إن كانت الأولى مفتوحة، وياء إن كانت مكسورة، وواوا إن كانت مضمومة، وهذا معنى قوله: (وقد قيل محض المد عنها تبدلا) أي: تبدل المد المحض عن الهمزة أي جعل بدلا عنها، فيكون لورش وقنبل في الهمزة الثانية وجهان: التسهيل، والإبدال؛ فحينئذ لا يكون لهما في الأولى إلا التحقيق، وإذا أبدلت الثانية لورش وقنبل؛ فالحرف الذي بعدها إما أن يكون متحركا أو ساكنا، فإن كان متحركا نحو: جاءَ أَحَدٌ*، فِي السَّماءِ إِلهٌ، أَوْلِياءُ أُولئِكَ. فاقتصر على حرف المد ولا تزد عليه شيئا ولا تعتبره من باب البدل نظرا لعروض حرف المد بسبب إبداله من الهمزة، وإن كان الحرف الذي بعدها ساكنا نحو وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ، فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ، فمدّ حرف المد مدا مشبعا لأجل الساكنين. فإن تحرك هذا الحرف الساكن لعارض؛ فلك في حرف المد وجهان: المد الطويل نظرا للأصل، والقصر؛ نظرا للحركة العارضة، وقد وقع ذلك في ثلاثة مواضع: عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ في النور لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ كلاهما في الأحزاب؛ فالنون في هذه المواضع كانت ساكنة ثم تحركت بسبب نقل حركة الهمزة إليها في الْبِغاءِ إِنْ لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ وهذا بالنسبة لورش خاصة، وللتخلص من التقاء الساكنين في مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ وهذا لورش وقنبل، فيكون لورش في الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ ولِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ ثلاثة أوجه: التسهيل بين بين، والبدال مع المد والقصر، وسيجيء له في الْبِغاءِ إِنْ وجه رابع، ويكون لقنبل فيهما وجهان: التسهيل، والإبدال مع المد المشبع، ويكون لهما في مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ثلاثة أوجه: التسهيل، والإبدال مع المد، والقصر، فلا فرق بين ورش وقنبل في هذه الكلمة، وليس في القرآن همزتان متفقتان في
(1/93)

الحركة واقعتان في كلمتين وبعد الثانية ساكن تحرك للتخلص من التقاء الساكنين إلا في هذه الكلمة
وإذا وقع بعد الهمزة الثانية ألف وذلك في فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ بالحجر وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ بالقمر؛ فعلى وجه إبدالها يوجد ألفان، الألف المبدلة منها، والألف التي بعدها وهما ساكنان، فحينئذ يجوز لنا وجهان: الأول: حذف إحدى الألفين تخلصا من اجتماع الساكنين، الثاني: إثبات الألفين مع زيادة ألف ثالثة للفصل بين الساكنين. فعلى الوجه الأول:
وهو حذف إحدى الألفين يتعين القصر. وعلى الوجه الثاني: يتعين الإشباع فيكون لورش في جاءَ آلَ* في الموضعين خمسة أوجه: تسهيل الهمزة الثانية مع القصر، والتوسط، والمد في الألف التي بعدها؛ لأنها من باب مد البدل المغير بالتسهيل، ثم إبدال الهمزة الثانية ألفا مع القصر والإشباع. وأما قنبل فله فيهما ثلاثة أوجه: التسهيل، ثم الإبدال مع القصر والإشباع. وفي قوله:
(وفي هؤلا إن والبغا إن، إلخ) بيان لوجه ثالث عن ورش خاصة في هذين الموضعين وهما هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في البقرة: عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ في النور وهو أن بعض أهل الأداء عن ورش قرأ في هذين الموضعين بياء مكسورة. فيكون لورش في هؤُلاءِ إِنْ ثلاثة أوجه:
تسهيل الهمزة الثانية بين بين، ثم إبدالها حرف مد مشبعا، ثم إبدالها ياء مكسورة. ويكون له في الْبِغاءِ إِنْ أربعة أوجه: تسهيل الثانية بين بين، ثم إبدالها حرف مد مع القصر والإشباع. ثم إبدالها ياء مكسورة، ولقنبل في كل منهما وجهان: التسهيل، ثم الإبدال مع الإشباع.
ويجب أن يعلم أن من مذهبه التغيير في الهمزة الأولى؛ فإنه يحقق في الثانية، وأن من مذهبه التغيير في الثانية؛ فإنه يحقق الأولى فليس هناك من يغير في الهمزتين معا، وباقي القراء يحققون في الهمزتين معا.
208 - وإن حرف مدّ قبل همز مغيّر ... يجز قصره والمدّ ما زال أعدلا
المعنى: اشتمل هذا البيت على قاعدة مهمة، وهي أنه إذا وقع حرف المد قبل همز مغير؛ فإنه يجوز في حرف المد وجهان على الأصل، والقصر لتغير سبب المد وهو الهمز وتغير الهمز قد يكون بتسهيله بين بين كقراءة قالون والبزي في هؤُلاءِ إِنْ ونحوه، وقد يكون بحذفه كقراءة قالون والبزي في شاءَ أَنْشَرَهُ ونحوه، وقراءة أبي عمرو في الأنواع
(1/94)

الثلاثة في المتفقتين.
فإذا كان تغير الهمز بالتسهيل جاز في حرف المد الواقع قبله وجهان: المد، والقصر ولكن المد أولى وأرجح نظرا لبقاء أثر الهمز، وإذا كان تغير الهمز بإسقاطه جاز في حرف المد قبله الوجهان المذكوران ولكن القصر أرجح من المد نظرا لذهاب أثر الهمز، فقول الناظم: (والمد ما زال أعدلا) مقيد بما إذا كان أثر الهمز باقيا، أما إذا ذهب أثر الهمز؛ فإن القصر يكون أعدل كما سبق. وتطبيقا لهذه القاعدة: إذا اجتمع مد منفصل مع مد متصل مسهل الهمز كقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا فإذا قرأت لقالون أو للدوري عن أبي عمرو بقصر المنفصل في حَتَّى إِذا* جاز لك في جاءَ أَمْرُنا* وجهان: القصر وهو أرجح، والتوسط.
وإذا قرأت لهما بتوسط المنفصل: لم يجز لك في المتصل إلا التوسط؛ لأننا إذا قدرنا الهمزة الأولى هي المحذوفة كان المد من قبيل المنفصل فيجب فيه التوسط ليتساوى
مع المنفصل الذي قبله في مقدار المد، وإذا قدرنا أن المحذوفة هي الثانية كان المد من قبيل
المتصل وهو لا يجوز قصره في مذهب ما.
أما إذا قرأت للبزي أو السوسي: فليس لك إلا قصر المنفصل مع وجهي المتصل، وإذا قرأت لقالون هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، بقصر المنفصل؛ جاز لك في المتصل القصر والتوسط، وإذا قرأت بتوسط المنفصل؛ لم يجز لك في المتصل إلا التوسط.
ولا يجوز القصر؛ لأنه يمتنع قصر الأقوى مع توسط الأضعف. ولما فرغ من بيان مذاهب القراء في الهمزتين المتفقتين في الحركة شرع في بيان مذاهبهم في الهمزتين المختلفتين فيها فقال:
209 - وتسهيل الاخرى في اختلافهما سما ... تفيء إلى مع جاء أمّة انزلا
210 - نشاء أصبنا والسّماء أو ائتنا ... فنوعان قل كاليا وكالواو سهّلا
211 - ونوعان منها أبدلا منهما وقل ... يشاء إلى كاليا أقيس معدلا
212 - وعن أكثر القرّاء تبدل واوها ... وكلّ بهمز الكلّ يبدا مفصّلا
المعنى: يعني: أن المشار إليهم بكلمة (سما) وهم: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو يسهلون الهمزة الأخرى من الهمزتين المختلفتين في الحركة والمراد من التسهيل هنا مطلق التغيير الشامل
(1/95)

لبين بين، والإبدال ياء أو واوا، والهمزتان المختلفتان في الحركة خمسة أنواع:
الأول: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مكسورة نحو: تَفِيءَ إِلى، وَجاءَ إِخْوَةُ، شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ، وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ*.
الثاني: أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مضمومة، ولم يقع من هذا النوع في القرآن إلا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها بالمؤمنين.
الثالث: أن تكون الأولى مضمومة والثانية مفتوحة نحو: لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ، الْمَلَأُ أَفْتُونِي*، سُوءُ أَعْمالِهِمْ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي.
الرابع: أن تكون الأولى مكسورة والثانية مفتوحة نحو: مِنَ السَّماءِ آيَةً، مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ، هؤُلاءِ أَهْدى، لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً.
الخامس: أن تكون الأولى مضمومة والثانية مكسورة، نحو: وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ، إِنَّ*، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى *، يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي، أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ.
فقول الناظم: (تفيء إلى) مثال للنوع الأول. وقوله: (مع جاء أمة) مثال للثاني، وليس في القرآن غيره كما سبق. وقوله: (نشاء أصبنا) مثال للثالث. وقوله: (والسماء أو ائتنا) مثال للرابع، وقوله: (يشاء إلى) مثال للخامس، ثم ذكر نوع التسهيل في النوعين الأولين فقال: (فنوعان قل كاليا وكالواو سهلا) يعني: أن الهمزة الثانية المكسورة في النوع الأول
تسهل كالياء، أي تكون بين الهمزة والياء، وإن الهمزة الثانية المضمومة في النوع الثاني تسهل كالواو أي تكون بين الهمزة والواو. ثم بين نوع التسهيل في النوعين الثالث، والرابع فقال:
(ونوعان منها أبدلا) أي الواو والياء أي من همزتيهما؛ أي جعلتا بدلا من همزتيهما، فالهمزة الثانية المفتوحة في نحو: نَشاءُ أَصَبْناهُمْ أبدلت واوا، والهمزة الثانية المفتوحة في نحو:
مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا أبدلت ياء، فالضمير في (أبدل) وهو ألف التثنية يعود على الواو، والياء المذكورين في قوله: (كالياء والواو)، والضمير في (منها) يعود على الأنواع. ثم بين كيفية تغيير النوع الخامس فذكر فيه وجهين: الأول: أن تسهل همزته بينها وبين الياء، وهذا معنى قوله: (كالياء)، ونبه بقوله: (أقيس معدلا) على أن هذا الوجه أكثر ملاءمة للقياس من الوجه الآخر، والوجه الثاني: أن تبدل الهمزة الثانية المكسورة واوا محضة،
(1/96)

وهذا الوجه هو الذي قال فيه الناظم: (وعن أكثر القراء تبدل واوها) وقوله: (واوها) مفعول ثان لتبدل والضمير في (واوها) يعود على الهمزة أو على الحروف. ومعنى قوله: (وكل بهمز الكل يبد مفصلا) أن كل من سهل الهمزة الثانية من المتفقين أو المختلفين فإنما يسهلها في حال وصلها بالكلمة قبلها التي فيها الهمزة الأولى؛ لأن الهمزتين حينئذ متصلتان. فأما إذا وقف على الكلمة الأولى التي في آخرها الهمزة الأولى وابتدأ بالكلمة الثانية التي في أولها الهمزة الثانية، فلا مناص من تحقيق الهمزة الثانية؛ لانفصال الهمزتين في هذه الحال، حتى لو أراد القارئ تسهيل الثانية المبتدأ بها لما أمكنه ذلك؛ لأن الهمزة المسهلة قريبة من الساكنة.
والساكن لا يمكن الابتداء به. وقوله: (مفصلا) أي: مبينا الهمزة محققا لها.
والخلاصة: أن تسهيل الهمزة الثانية أو إبدالها من الهمزتين المتفقتين أو المختلفتين لا يكون إلا في حال وصلها بالأولى، فإذا وقف على الأولى وابتدئ بالثانية فلا بد من تحقيقها؛ لأن التسهيل أو الإبدال إنّما حصل لثقل اجتماع الهمزتين، وقد زال بانفصال كل واحدة عن الأخرى حين الوقف على الأولى والبدء بالثانية، ومما ينبغي التنبه له أمران:
الأول: أن كل من يغير في الهمزة الأولى من المتفقتين سواء كان التغيير بالتسهيل أم بالحذف ليس له في الثانية إلا التحقيق، وكل من يغير في الثانية من المتفقتين سواء كان التغيير بالتسهيل أم بالإبدال ليس له في الأولى إلا التحقيق، فليس من القراء من يغير الهمزتين معا.
الثاني: اتفق القراء السبعة على تحقيق الهمزة الأولى من المختلفتين واختلافهم إنما هو في الثانية على الوجه الذي علمته.
213 - والابدال محض والمسهّل بين ما ... هو الهمز والحرف الّذي منه اشكلا
اللغة والمعنى: يقال: شكلت الكتاب أي: قيدته بالإعراب، وقوله: (والمسهل) مبتدأ،
و (بين) ظرف وقع خبرا له، وما بمعنى الذي أضيف إليه بين، وقوله: (هو الهمز) جملة وقعت صلة الموصول، وقوله: (والحرف بالجر) عطف على ما، وضمير (منه) للحرف، وضمير (أشكلا) للهمز. وتقدير البيت: والهمز المسهل يكون بين الذي هو الهمز؛ أي: يكون بين الهمز وبين الحرف
(1/97)

الذي منه شكل الهمز، أي: الذي منه حركته، فإذا كانت حركة الهمز فتحة؛ فهي مأخوذة من الألف، وإذا كانت كسرة، فهي مأخوذة من الياء، وإذا كانت ضمة فهي مأخوذة ومتولدة من الواو: لما كان الناظم كثيرا ما يستعمل لفظي الإبدال والتسهيل بين حقيقتها ليعلم الفرق بينهما في هذا البيت فقال: (والابدال محض) يعني أن إبدال الهمزة جعلها حرف مد خالصا لا تبقى معه شائبة من لفظ الهمزة فتصير الهمزة ألفا أو ياء أو واوا ساكنتين أو متحركتين. وأما التسهيل: فهو عبارة عن جعل الهمزة المحققة بينها وبين الحرف الذي تولدت منه حركتها، فتسهل الهمزة المفتوحة بينها وبين الألف، والمضمومة بينها وبين الواو، والمكسورة بينها وبين الياء. والتسهيل لا يحكم النطق به إلا المشافهة والتلقي من أفواه الشيوخ المتقنين.

11 باب الهمز المفرد [214 - 225]
الهمز المفرد هو: الهمز الذي لم يقترن بهمز مثله، ولما ذكر في البابين السابقين حكم الهمز المقترن بمثله في كلمة وفي كلمتين، ذكر هنا حكم الهمز لم يجتمع مع همز آخر فقال:
214 - إذا سكنت فاء من الفعل همزة ... فورش يريها حرف مدّ مبدّلا
215 - سوى جملة الإيواء والواو عنه إن ... تفتّح إثر الضّمّ نحو مؤجّلا
المعنى: يقول: إذا سكنت همزة حال كونها فاء من الفعل فورش يعلم الطالب لمعرفة قراءته هذه الهمزة حرف مد حال كونه مبدلا هذه الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها، ومعنى كون الهمزة فاء للفعل: أن الكلمة التي تكون فيها الهمزة لو جعلت فعلا لوقعت الهمزة في موضع فائه أي أول حروفه الأصول مثال ذلك: كلمة الْمُؤْمِنُ، فلو جعلت هذه الكلمة فعلا لقلت: آمن على وزن أفعل، أو يؤمن على وزن يفعل. فتقع الهمزة حينئذ في مكان الفاء من الكلمة. وقد وضع العلماء ضابطا موجزا تعرف به الهمزة الساكنة التي تكون فاء للكلمة وهو كل همزة ساكنة وقعت بعد همزة الوصل، نحو:
(1/98)

لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أو بعد الميم نحو الْمُؤْمِنُونَ* وَالْمُؤْتَفِكَةَ أو بعد الفاء نحو فَأْتُوا* فَأْذَنُوا أو بعد الواو نحو وَأَمَرُّ وَأْتُوا أو بعد ياء المضارعة نحو يَأْكُلُ يَأْلَمُونَ أو نونها نحو نَأْكُلَ نُؤْثِرَكَ أو تائها نحو تَأْلَمُونَ* تَأْكُلُونَ*.
فورش يبدل الهمزة الساكنة في هذا وأمثاله حرف مد مجانسا لحركة ما قبل الهمزة وصلا
ووقفا، فيبدلها ألفا بعد الفتح وواوا ساكنة بعد الضم، وياء ساكنة بعد الكسر. ثم ذكر الناظم ما استثنى لورش من فاء الفعل فلم يبدله فقال: سوى جملة الإيواء. يعني سوى كل كلمة مشتقة من لفظ الإيواء؛ لأن لفظ الإيواء لم يقع في القرآن الكريم وإنما وقع فيه ما تصرف منه وهو سبعة ألفاظ: الْمَأْوى *، وَمَأْواهُ*، وَمَأْواهُمُ*، وَمَأْواكُمُ* فاؤُ، وَتُؤْوِي، تُؤْوِيهِ. ثم ذكر أن الواو تبدل عن الهمز الواقع فاء للكلمة أي تكون نائبة عن الهمز الواقع فاء للكلمة إن انفتح هذا الهمز بعد حرف مضموم سواء وقع الهمز في اسم نحو مُؤَجَّلًا، وَالْمُؤَلَّفَةِ، مُؤَذِّنٌ* أم في فعل نحو لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ*، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ، لا يُؤَخَّرُ، لا تُؤاخِذْنا.
فلا يبدل الهمز واوا لورش إلا بشروط ثلاثة: أن يكون مفتوحا، وأن يكون بعد ضم، وأن يكون فاء للكلمة كما تقدم في الأمثلة المذكورة، فإن كان الهمز مضموما: فلا يبدله واوا نحو وَلا يَؤُدُهُ، تَؤُزُّهُمْ وإن كان مفتوحا بعد فتح: فلا يبدله نحو تَأَخَّرَ*، تَأَذَّنَ*. وإن كان مفتوحا بعد ضم وليس فاء للكلمة: فلا يبدله أيضا وهو في كلمتين، فُؤادُ نحو، وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ و (سؤال) نحو لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ.
216 - ويبدل للسّوسيّ كلّ مسكّن ... من الهمز مدّا غير مجزوم اهملا
217 - تسوء ونشأ ستّ وعشر يشأ ومع ... يهيّئ وننسأها ينبّأ تكمّلا
المعنى: أبدل الرواة عن السوسي كل همز مسكن سواء كان فاء للكلمة وهو الذي يبدله ورش وتقدمت أمثلته، أم كان عينا للكلمة نحو الْبَأْسِ*، الرَّأْسُ، وَبِئْرٍ، وَبِئْسَ*. وما تصرف من ذلك كله، أم كان لاما للكلمة نحو: فَادَّارَأْتُمْ، جِئْتَ*، شِئْتَ*. وما تصرف من ذلك. واستثنى للسوسي من الهمز الساكن خمسة أنواع:
الأول- ما كان سكونه
(1/99)

علامة للجزم.
الثاني- ما كان سكونه علامة للبناء.
الثالث- ما يكون همزه أخف من إبداله.
الرابع- ما إبداله يلبسه بغيره.
الخامس- ما يخرجه الإبدال من لغة إلى أخرى. وقد بين الناظم ذلك كله على هذا الترتيب.
فأما النوع الأول: وهو ما كان سكونه علامة للجزم فوقع في الفعل المضارع الذي يكون آخره همزة ساكنة في ستة ألفاظ، وقد ذكرها الناظم في البيت الثاني.
أولها: تسؤ في ثلاثة مواضع تَسُؤْهُمْ* في آل عمران والتوبة، تَسُؤْكُمْ بالمائدة.
ثانيها: نَشَأْ* في ثلاثة مواضع إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ بالشعراء إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ في سبأ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ، في يس، فقوله: (تسؤ) ونَشَأْ* ست: يعني أن تسؤ في ثلاثة مواضع، ونشأ في مثلها، فاللفظان في ست كلمات.
ثالثها: يشأ بالياء في عشرة مواضع: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ* بالنساء، والأنعام، وإبراهيم، وفاطر إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ بالشورى إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أو إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ كلاهما في الإسراء مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ووَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ كلاهما بالأنعام فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ بالشورى. ولا يخفى أن مَنْ يَشَأِ اللَّهُ، فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ لا يظهر السكون فيهما إلا عند الوقف.
رابعها: وَيُهَيِّئْ لَكُمْ بالكهف.
خامسها: أَوْ نُنْسِها في البقرة.
سادسها: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ في النجم. ولم يستثن الناظم وَإِنْ أَسَأْتُمْ في الإسراء؛ لأن سكون الهمز ليس للجزم؛ لأنه فعل ماض، بل السكون لاتصال الفعل بضمير الفاعل، فيبدل للسوسي وكذلك يبدل إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ بيوسف.
218 - وهيّئ وأنبئهم ونبّئ بأربع ... وأرجئ معا واقرأ ثلاثا فحصّلا
المعنى: هذا هو النوع الثاني وهو ما كان سكونه للبناء، وقد وقع ذلك في فعل الأمر في إحدى عشرة كلمة: وَهَيِّئْ لَنا بالكهف، أَنْبِئْهُمْ في البقرة، نَبِّئْنا بيوسف، نَبِّئْ عِبادِي بالحجر، وَنَبِّئْهُمْ* بالحجر والقمر، أَرْجِهْ* بالأعراف والشعراء، اقْرَأْ* بالإسراء، وموضعين بالعلق. فجميع ما كان سكونه للجزم أو للبناء مستثنى من الإبدال للسوسي فيقرؤه بتحقيق الهمز كغيره من القراء.
219 - وتؤوى وتؤويه أخفّ بهمزة ... ورئيا بترك الهمز يشبه الامتلا
(1/100)

المعنى: اشتمل هذا البيت على النوعين الثالث والرابع اللذين استثنيا من الإبدال، فالنوع الثالث: في كلمة وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ بالأحزاب وكلمة وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ بالمعارج، وبين الناظم علة استثناء هاتين الكلمتين بأن النطق بهما مهموزتين أخف من النطق بهما مبدلة همزتهما؛ لأنه في حال الإبدال تجتمع واوان: الأولى ساكنة والثانية متحركة مع الإظهار، والقاعدة إدغام الأولى في الثانية.
النوع الرابع: في كلمة أَثاثاً وَرِءْياً بمريم، وذكر الناظم علة استثنائها من الإبدال بأن إبدالها يؤدي إلى التباس المعنى واشتباهه؛ لأنه لو أبدلت الهمزة ياء لوجب إدغامها في الياء التي بعدها وحينئذ يشتبه بلفظ الري الذي يدل على الامتلاء بالماء؛ لأنه يقال: روي
بالماء ريّا إذا امتلأ منه وليس ذلك مرادا هنا بل المراد أنه من الرواء المأخوذ من الرؤية وهو ما رأته العين من حالة حسنة ومنظر بهيج، فقراءة هذا اللفظ بالهمز تدل على معناه نصّا، وقراءته بالإبدال تدل عليه احتمالا فقرئ بالهمز؛ ليكون نصّا في الدلالة على المراد منه.
220 - ومؤصدة أوصدت يشبه كلّه ... تخيّره أهل الأداء معلّلا
المعنى: تضمن هذا البيت النوع الخامس المستثنى من الإبدال وهو كلمة مُؤْصَدَةٌ* في سورتي البلد والهمزة. وقد اختلف علماء العربية في اشتقاق هذه الكلمة فذهبت طائفة ومنهم أبو عمرو البصري إلى أن هذه الكلمة مشتقة من آصدت. والأصل أأصدت مهموز الفاء فأبدلت الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها، فأصل فاء الكلمة همزة ومعناها أطبقت. وذهب آخرون إلى أنها من أوصدت وليس لها أصل في الهمز فاختار السوسي همز كلمة مُؤْصَدَةٌ* لأنها عند شيخه أبي عمرو من آصدت مهموز الفاء، فلو أبدلت همزتها لظن أنها من لغة أوصدت معتل اللام كما يقرأ غيره وليست هذه لغة شيخه فالمقصود من همز هذه الكلمة النص على أن السوسي يقرأ بلغة شيخه البصري لا باللغة الأخرى، ولهذا قال الناظم (أوصدت يشبه) يعني أن مُؤْصَدَةٌ* بالإبدال يشبه لغة أوصدت. فالقراءة بالإبدال تؤدي إلى الخروج من لغة إلى لغة أخرى، فاختير الهمز؛ ليكون نصّا في الدلالة على لغة آصدت التي هي لغة أبي عمرو البصري. ثم قال الناظم: (كله تخيره أهل الأداء معللا) يعني: كل ما ذكر من المستثنى تخير استثناءه
(1/101)

علماء القراءة والإقراء كابن مجاهد وغيره، اختاروا تحقيق الهمز في ذلك كله معللين بالعلل المذكورة، أو (معللا) المستثنى بالعلل المذكورة.
221 - وبارئكم بالهمز حال سكونه ... وقال ابن غلبون بياء تبدّلا
المعنى: يقرأ السوسي، بارِئِكُمْ* في الموضعين بسورة البقرة بسكون الهمز ولكنه لم يبدله، فهو من جملة المستثنى من إبدال الهمز. وقول الناظم (حال سكونه) تنبيه على أن السوسي يقرؤه بالسكون فكأنه قال: واستثنى له بارِئِكُمْ* حال كونه ساكنا في قراءته. ثم أخبر أن أبا الحسن طاهرا ابن غلبون روى الإبدال عن السوسي ياء في هذه الكلمة ولكن المحققين من علماء القراءات لم يعولوا على هذه الرواية، ولم يلتفتوا إليها فحققوا الهمز للسوسي في هذه الكلمة.
222 - ووالاه في بئر وفي بئس ورشهم ... وفي الذّئب ورش والكسائي فأبدلا
223 - في لؤلؤ في العرف والنّكر شعبة ... ويالتكم الدّوري والابدال يجتلا
المعنى: تابع ورش السوسي في إبدال الهمزة التي هي عين الكلمة في هذه الألفاظ (بئر) وهو في سورة الحج وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ (بئس)، حيث جاء. وكيف أتى سواء اقترن بالواو نحو وَبِئْسَ الْقَرارُ أو الفاء نحو فَبِئْسَ الْمَصِيرُ أو اللام نحو لَبِئْسَ ما كانُوا
يَصْنَعُونَ أو الفاء واللام نحو فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أو تجرد من الواو والفاء واللام نحو بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (الذئب) وهو في ثلاثة مواضع في سورة يوسف: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وتابع الكسائي السوسي في إبدال همز الذئب في مواضعه الثلاثة، وتابع شعبة الراوي عن عاصم- تابع السوسي في إبدال الهمزة في لفظ لُؤْلُؤٌ- والمراد الهمزة الأولى سواء كان هذا اللفظ نكرة نحو كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ، حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً أم كان معرفة نحو يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ. ثم ذكر أن أبا عمرو يقرأ بزيادة همزة ساكنة بعد الياء في كلمة يَلِتْكُمْ في قوله تعالى في سورة الحجرات وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً واختلف راوياه في هذه الهمزة الزائدة؛ فحققها الدوري، وأبدلها الدسوسي
(1/102)

ألفا، فتكون قراءة الباقين بحذف هذه الهمزة.
224 - وورش لئلّا والنّسيء بيائه ... وأدغم في ياء النّسيّ فثقّلا
المعنى: أبدل ورش همز لِئَلَّا* ياء مفتوحة حيث وقعت هذه الكلمة وهي في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم في البقرة لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ وفي النساء لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وفي الحديد لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ وأبدل ورش أيضا الهمزة ياء في إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ في سورة التوبة. ثم أدغم الياء الأولى في الثانية فيصير النطق بياء مشددة مرفوعة، والذي دلنا على أن ورشا يقرأ بإبدال الهمز في هاتين الكلمتين أن قوله: (وورش لئلا) معطوف على (والابدال يجتلي)، فكأنه قال: أبدل السوسي همز يألتكم وأبدل ورش همز لِئَلَّا* وهمز النَّسِيءُ.
225 - وإبدال أخرى الهمزتين لكلّهم ... إذا سكنت عزم كآدم أوهلا
المعنى: تضمن البيت قاعدة كلية لجميع القراء، وكان الأنسب ذكرها في باب الهمزتين من كلمة كصنيع ابن الجزري في الطيبة، ومعنى هذه القاعدة: إذا التقت همزتان في كلمة وكانت أخرى الهمزتين، أي: الثانية منهما ساكنة، فإبدالها واجب لجميع القراء فتبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها، فإن كان ما قبلها مفتوحا أبدلت ألفا نحو آدَمَ*، وَآتَى* آمَنَ* وَآخَرَ* وإن كان ما قبلها مضموما أبدلت واوا نحو أُوتِيَ*، أُوذِيَ.
وإن كان ما قبلها مكسورا أبدلت ياء نحو إِيماناً*، لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ائْتِ بِقُرْآنٍ عند الابتداء بكلمة ايت. وقد أتى الناظم بمثالين: الأول: لما قبلها مفتوح وهو آدَمَ* وأصله أأدم على زنة أفعل. والثاني: لما قبلها مضموم وهو (أوهلا)، وهذا اللفظ ليس من القرآن، ولعل قريحة الناظم لم تؤاته بمثال من القرآن الكريم فأتى بمثال من كلام العرب وهو أوهلا،
يقال: أوهل فلان لهذا المنصب إذا جعل أهلا له ومثاله من القرآن أُوذِينا وَأُوتِينا*، اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ عند الابتداء بكلمة اؤتمن.

12 باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها [226 - 234]
226 - وحرّك لورش كلّ ساكن آخر ... صحيح بشكل الهمز واحذفه مسهلا
(1/103)

المعنى: أمر الناظم بتحريك كل حرف ساكن وقع آخر الكلمة التي هو فيها وكان صحيحا، بتحريك هذا الحرف بشكل الهمز الذي بعده أي بحركته، سواء كانت تلك الحركة فتحة أو ضمة أو كسرة، مع حذف الهمز بعد نقل حركته إلى الساكن قبله وذلك لورش، ويؤخذ من النظم: أن ورشا لا ينقل حركة الهمز إلى ما قبله إلا بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون الحرف المنقول إليه حركة الهمز ساكنا.
الثاني: أن يكون الساكن آخر الكلمة، والهمز أول الكلمة التي تليها.
الثالث: أن يكون هذا الحرف الساكن صحيحا بأن يكون حرف مد. فإذا تحققت الشروط الثلاثة؛ فإن ورشا ينقل حركة الهمز إلى الساكن قبله ويحذف الهمز فيصير الحرف الساكن مضموما إن كانت حركة الهمز ضمة، ويصير مفتوحا إن كانت حركة الهمز فتحة، ويصير مكسورا إن كانت حركة الهمزة كسرة سواء كان هذا الساكن تنوينا نحو: كُفُواً أَحَدٌ، وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ*، لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ، نارٌ حامِيَةٌ، أَلْهاكُمُ. أم كان نونا نحو مَنْ آمَنَ*، وَمِنْ آبائِهِمْ، مَنْ أُوتِيَ*، مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، أم تاء تأنيث نحو وَقالَتْ أُولاهُمْ، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ أم حرف لين نحو نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ، تَعالَوْا أَتْلُ ذَواتَيْ أُكُلٍ. أم لام تعريف (1) نحو الْأُولى وَالْآخِرَةِ الْأَيْمانَ* أم حرفا آخر غير ذلك نحو قَدْ أَفْلَحَ*. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ، الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ. وإذا نقل حركة همزة أَحَسِبَ إلى الميم جاز له مد الميم مدّا طويلا نظرا للأصل، وجاز له القصر اعتدادا بعارض النقل فإذا كان الحرف الأول متحركا فلا ينقل ورش حركة الهمز إليه نحو فَنَتَّبِعَ آياتِكَ*، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ. وإذا كان هذا الحرف ساكنا ولكن في وسط الكلمة بأن اجتمع مع الهمز في كلمة واحدة فلا تنقل إليه حركة الهمز نحو الْقُرْآنِ*، الظَّمْآنُ، مَذْؤُماً، مَسْؤُلًا*، وإذا كان هذا الحرف ساكنا ووقع آخر الكلمة ولكن لم يكن صحيحا ولا حرف لين بل كان حرف مد فلا تنقل إليه حركة الهمز نحو بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ*،
قُولُوا آمَنَّا*، وَفِي أَنْفُسِكُمْ، بِهِ أَنْ يُوصَلَ* (2) فيكون قوله (صحيحا) احترازا عن حرف المد فقط، فيكون
_________
(1) إنما صح النقل إليها مع اتصالها بمدخولها رسما لانفصالها عنه معنى لأنها من حروف المعاني فهي كلمة مستقلة.
(2) ويدخل في هذا ميم الجمع؛ لأن مذهب ورش صلتها بواو ساكنة وهي حرف مد ولين. فلا تنقل حركة الهمز الذي بعدها إليها.
(1/104)

حرف اللين داخلا وقول الناظم (مسهلا) منصوب على الحال من فاعل (واحذفه) أي احذف الهمز حال كونك سالكا الطريق المعبد طالبا للتخفيف في القراءة.
227 - وعن حمزة في الوقف خلف وعنده ... روى خلف في الوصل سكتا مقلّلا
228 - ويسكت في شيء وشيئا وبعضهم ... لدى اللّام للتّعريف عن حمزة تلا
229 - وشىء وشيئا لم يزد ... ....
اختلف الرواة عن حمزة في الوقف على الكلمة التي ينقل ورش حركة همزتها إلى الساكن قبلها، فروى عنه بعض الرواة فيها النقل كقراءة ورش (1) وروى عنه البعض الآخر ترك النقل وتحقيق الهمز، والضمير في (وعنده) يعود على الساكن الصحيح الذي ينقل ورش حركة الهمزة إليه.
المعنى: روى خلف عن حمزة عند هذا الساكن في حال وصل الكلمة التي آخرها ذلك الساكن بالكلمة التي أولها الهمز سكتا قليلا على هذا الساكن، بأن يسكت عليه قبل النطق بالهمزة سكتة قصيرة بدون تنفس، سواء وقف على الكلمة التي أولها الهمز، أو وصلها بما بعدها، فليس المراد بالوصل وصل الكلمة التي أولها الهمز بما بعدها بل المراد وصل الكلمة التي آخرها الساكن بالكلمة التي أولها الهمز كما تقدم سواء كان هذا الساكن منفصلا عن الكلمة التي فيها الهمز رسما نحو مَنْ آمَنَ*، عَذابٌ أَلِيمٌ*. أم متصلا بها رسما مثل الْأُولى *، الْآخِرَةُ*، الْإِنْسانُ*، وكذلك روى خلف عن حمزة السكت على ما لم ينقل فيه ورش وهو لفظ (شيء) سواء كان مرفوعا أم مجرورا ولفظ (شيئا) المنصوب (2) في حال وصل هذين اللفظين بما بعدهما (3) وهذا مذهب أبي الفتح فارس عن خلف، وعلى هذا المذهب لا سكت لخلاد في موضع مما ذكر، وقوله (وبعضهم إلخ)
_________
(1) استثنى له العلماء من ذلك ميم الجمع؛ لأن ورشا لا ينقل إليها حركة الهمز بعدها فكذلك حمزة لأنه لا ينقل إلا فيما يصح أن ينقل فيه ورش.
(2) ولا يسكت على غير ذلك مما هو في كلمة واحدة نحو القرآن، والظمآن.
(3) أما عند الوقف عليهما فلهما حكم آخر يعلم في باب وقف حمزة.
(1/105)

معناه: أن بعض أهل الأداء وهو طاهر بن غلبون قرأ عن حمزة من روايتي خلف وخلاد عنه بالسكت على لام التعريف، وعلى (شيء) المرفوع والمجرور، و (شيئا) المنصوب عند وصل (شيء) و (شيئا) بما بعدهما لم يزد على ذلك، فلا يسكت على الساكن المفصول نحو مَنْ آمَنَ*، عَذابٌ أَلِيمٌ* لخلف ولا لخلاد، ويؤخذ من هذا: أن خلفا يسكت على (أل) و (شيء) و (شيئا) على المذهبين ويسكت على المفصول على المذهب الأول فقط ولا
سكت له فيه على المذهب الثاني، فحينئذ يكون له في الساكن المفصول وجهان السكت على المذهب الأول وتركه على المذهب الثاني، ويكون له في (أل) و (شيء) و (شيئا) السكت على المذهبين. وأما خلاد: فلا سكت له مطلقا على المذهب الأول، وله السكت على (أل) و (شيء) وشيئا فقط على المذهب الثاني، وحينئذ ليس له سكت في الساكن المفصول على المذهبين، وقد وضح بعضهم كلام الشاطبي على النحو السالف الذكر فقال:
وشيء وأل بالسكت عن خلف بلا ... خلاف وفي المفصول خلف تقبلا
وخلادهم بالخلف في أل وشيئه ... ولا شيء في المفصول عنه فحصلا
ويستفاد من جميع ما ذكر: أن خلفا إذا وقف على نحو مَنْ آمَنَ*، عَذابٌ أَلِيمٌ* ونحوهما كان له ثلاثة أوجه: النقل من قوله وعن حمزة في الوقف خلف، والسكت على مذهب أبي الفتح، وتركه على مذهب ابن غلبون، فالخلاف الذي ذكره الناظم بقوله: (وعن حمزة في الوقف خلف) دائر بين النقل وتركه، وتركه صادق بالسكت وعدمه. وإذا وقف على الْأُولى *، الْآخِرَةُ*، الْأَرْضِ*، الْإِنْسانُ*، ونحو هذا؛ كان له وجهان فقط: النقل، والسكت، فالنقل من قوله (وعن حمزة في الوقف خلف)، والسكت مما علم له من المذهبين.
وأما خلاد فله عند الوقف على نحو مَنْ آمَنَ* وجهان فقط: النقل، وتركه من غير سكت؛ إذ لا سكت له في المفصول على المذهبين. وإذا وقف على الْإِنْسانُ* ونحوه: كان بحسب ما تقدم ثلاثة أوجه: النقل، والسكت، وتركه، ولكن المحققين على منع الوجه الثالث والاقتصار على النقل والسكت فيكون كخلف في الوقف على مثل هذا وإذا كنت تقرأ لخلف أو لخلاد بالسكت على أل وشَيْءٍ* ووقفت على نحو الْأَرْضِ*: فلك وجهان لكل من خلف وخلاد وهما: النقل والسكت، وأما إذا كنت تقرأ لخلاد بترك السكت على أل وشَيْءٍ* ووقفت على نحو الْأَرْضِ*: فليس له عند الوقف إلا النقل،
(1/106)

وإذا كنت تقرأ لخلف بالسكت على المفصول ووقفت على نحو عَذابٌ أَلِيمٌ* فلك فيه وجهان: السكت والنقل، وإذا كنت تقرأ له بترك السكت على المفصول ووقفت على نحو عَذابٌ أَلِيمٌ* فلك فيه وجهان: النقل، والتحقيق من غير سكت. وإذا كنت تقرأ لخلاد بترك السكت على المفصول وليس له غيره ووقفت على نحو عَذابٌ أَلِيمٌ* فلك فيه وجهان: النقل، والتحقيق من غير سكت. قال الناظم:
229 - .......... ولنافع ... لدى يونس آلآن بالنّقل نقّلا
المعنى: أن كلمة آلْآنَ*، في الموضعين من سورة يونس نقل عن نافع من روايتي قالون وورش عنه قراءتها بنقل حركة الهمزة الثانية إلى اللام مع حذف الهمزة فورش على أصله في النقل. أما قالون: فهو الذي خالف أصله في النقل في هذه الكلمة. وقوله:
(نقلا) بتشديد القاف للإشعار بكثرة نقلته ورواته عن نافع.
230 - وقل عادا الأولى بإسكان لامه ... وتنوينه بالكسر كاسيه ظلّلا
231 - وأدغم باقيهم وبالنّقل وصلهم ... وبدؤهمو والبدء بالأصل فضّلا
232 - لقالون والبصري وتهمز واوه ... لقالون حال النّقل بدءا وموصلا
233 - وتبدأ بهمز الوصل في النّقل كلّه ... وإن كنت معتدّا بعارضه فلا
المعنى: قوله تعالى في سورة النجم وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى قرأه المشار إليهم ب (الكاف)، و (الظاء) وهم: ابن عامر، وابن كثير، والكوفيون بإسكان لام الأولى وكسر تنوين عادا للتخلص من التقاء الساكنين وهما التنوين واللام، ثم قال: وأدغم باقي القراء وهم: نافع، وأبو عمرو، وقرآ بنقل حركة همزة الأولى إلى اللام مع حذف الهمزة في حال وصلهم كلمة الْأُولى بكلمة عاداً وحال بدئهم بها، وليس النص على الإدغام لهما بلازم؛ لأنهما لما نقلا حركة الهمزة إلى اللام؛ صارت اللام متحركة بالضم، فأدغم التنوين فيها بمقتضى قواعد التجويد. وقوله (والبدء بالأصل فضّلا) لقالون والبصري معناه: أن البدء بكلمة الْأُولى بهمزة الوصل وسكون اللام وضم الهمزة على الأصل كقراءة ابن كثير
(1/107)

ومن معه فضّل على غيره لقالون والبصري، والمفصل عليه هو البدء بالنقل. وأما ورش فيقرأ بالنقل على أصل مذهبه سواء وصل كلمة الْأُولى ب عاداً، أو ابتدأ بها. ومعنى قوله: (وتهمز واوه إلخ) أن قالون يقرأ بهمزة ساكنة في مكان الواو في حال قراءته بالنقل سواء وصل الكلمة بما قبلها أو ابتدأ بها.
وأما إذا قرأها من غير نقل بأن ابتدأ بها على الأصل كقراءة ابن عامر ومن معه، فلا يهمز بل يقرأ بواو ساكنة كما تقدم. ثم ذكر الناظم قاعدة عامة لكل من يقرأ بالنقل وهي: أن كل كلمة وقع في أولها أل التي للتعريف وكان بعد أل همزة قطع نحو الْأُولى *، الْآخِرَةُ*، الْإِنْسانُ*. ثم نقلت حركة همزة القطع إلى اللام؛ فلك عند البدء بهذه الكلمة وجهان:
الأول: الابتداء بهمزة الوصل باعتبار الأصل وهو سكون اللام وعدم الالتفات إلى حركة اللام العارضة فنقول: الْأُولى *، الْأَرْضِ*، الْإِنْسانُ*.
الوجه الثاني: الابتداء باللام اعتدادا بحركتها العارضة واطّراحا للأصل وهذا معنى قوله: (وتبدأ بهمز الوصل) في النقل كله؛ أي اتباعا للأصل، وإن كنت معتدّا بعارضه أي بعارض النقل يعني بحركته العارضة، منزلا لها منزلة الحركة الأصلية فلا تبدأ بهمزة الوصل؛ لأنها إنما تجتلب توصّلا للنطق بالساكن، وحيث إن اللام صارت متحركة؛ فلا حاجة لهمزة الوصل وإنما قال الناظم: (كله) ليشمل جميع ما ينقل فيه ورش من لام التعريف ويدخل في ذلك الْأُولى من عاداً الْأُولى فيكون هذان الوجهان لورش في
جميع القرآن، ويكون لقالون والبصري هذان الوجهان أيضا في هذا الموضع إن قلنا إنهما يبدآن بالنقل كما يصلان بالنقل، أما إذا قلنا إنهما يبدآن بالأصل من غير نقل، فلا بد من الإتيان بهمزة الوصل، وينبغي أن تعلم أنك إذا قرأت لورش الْأُولى *، الْآخِرَةُ* آلْآنَ* المجردة من الاستفهام وأردت البدء بهذه الكلمات وأمثالها فإن نظرت إلى الأصل وغضضت النظر عن حركة اللام العارضة وبدأت بهمزة الوصل فلك في البدل الأوجه الثلاثة: القصر والتوسط والمد، وإن اعتبرت حركة اللام واعتددت بها وتركت همزة الوصل وبدأت باللام فليس لك في البدل إلا القصر.
وهذان الوجهان: وهما البدء بهمزة الوصل، والبدء بالحرف الذي بعدها جائزان لجميع القراء
(1/108)

حال البدء بكلمة الِاسْمُ في قوله تعالى في سورة الحجرات بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ، فلك بدؤها بهمزة الوصل، ولك بدؤها باللام للجميع.
وخلاصة ما يقال في عاداً الْأُولى: أن ابن كثير وابن عامر والكوفيون قرءوا، عاداً الْأُولى، بكسر التنوين وسكون اللام في حال وصل الْأُولى ب عاداً، فإذا وقفوا على عاداً وابتدءوا ب الْأُولى أتوا بهمزة الوصل مفتوحة وأسكنوا اللام وبعدها همزة مضمومة فواو ساكنة، وأما نافع وأبو عمرو: فيقرءان بنقل حركة همزة الْأُولى إلى اللام قبلها وحذف الهمزة مع إدغام تنوين عاداً في لام الْأُولى غير أن قالون يقرأ بهمزة ساكنة بعد اللام المضمومة بدلا من الواو. وهذا في حال وصل الْأُولى ب عاداً، فإذا وقف على عاداً وابتدئ ب الْأُولى فلقالون ثلاثة أوجه: (الؤلى)، بهمزة الوصل وبعدها لام مضمومة وبعد اللام همزة ساكنة. الثاني:
(لؤلى)، بلام مضمومة وهمزة ساكنة وترك همزة الوصل، والثالث: كقراءة ابن عامر ومن معه. ولورش عند البدء وجهان:
الأول: (الولى)، بهمزة الوصل وبعدها لام مضمومة وبعد اللام واو ساكنة.
الثاني: كالأول ولكن مع حذف همزة الوصل وعلى الوجه الأول يجوز له في البدل الأوجه الثلاثة، وعلى الوجه الثاني لا يجوز له في البدل إلا القصر.
ولأبي عمرو ثلاثة أوجه: الأول والثاني: كوجهي ورش.
الثالث: كالوجه الثالث لقالون.
234 - ونقل ردا عن نافع وكتابيه ... بالإسكان عن ورش أصحّ تقبّلا
المعنى: أخبر أن نقل رِدْءاً أي نقل حركة همزة هذه الكلمة إلى الدال مع حذف الهمزة ثابت عن نافع. فإذا وقف أبدل التنوين ألفا، وهذه الكلمة في سورة القصص، فَأَرْسِلْهُ مَعِي
رِدْءاً يُصَدِّقُنِي، ثم أخبر أن إسكان الهاء من كلمة كِتابِيَهْ*، بالحاقة وإبقاء همزة إِنِّي ظَنَنْتُ محققة لورش كقراءة غيره أصح تقبلا من نقل حركة همزة إِنِّي إلى الهاء مع حذف الهمزة. وفي قوله (أصح تقبلا) إشارة إلى أن وجه نقل حركة الهمزة إلى الهاء وجه صحيح مقروء به أيضا فيكون له الوجهان.
وإنما كان الوجه الأول أصح؛ لأن هاء كِتابِيَهْ* هاء سكت والأصل فيها أن تكون ساكنة،
(1/109)

ولكن الوجه الثاني صحيح لوروده عن أئمة القراءة. ولا يخفى أن هذين الوجهين في حال الوصل أي وصل كِتابِيَهْ* ب إِنِّي.
فائدة: اتفق أهل الأداء على أن في هاء مالِيَهْ بالحاقة حال وصلها بهاء هَلَكَ وجهين لسائر القراء: الإظهار، والإدغام، فيكون لورش هذان الوجهان، وقد علمت أن له في هاء كِتابِيَهْ* وجهين، حال وصلها ب إِنِّي الإسكان، والنقل، إذا علمت هذا، فلتعلم أن من أسكن هاء كِتابِيَهْ* لورش ولم ينقل إليها حركة همزة إِنِّي فإنه يظهر هاء مالِيَهْ، ومن نقل حركة الهمزة إلى هاء كِتابِيَهْ* لورش؛ فإنه يدغم هاء مالِيَهْ في هاء هَلَكَ فالوجهان لورش في هاء مالِيَهْ مفرعان على الوجهين له في هاء كِتابِيَهْ* فالإظهار مفرع على عدم النقل، والإدغام مفرع على النقل، والمراد بالإظهار هنا أن يسكت القارئ على هاء مالِيَهْ سكتة خفيفة من غير تنفس في حال وصلها بكلمة هَلَكَ.

13 باب وقف حمزة وهشام على الهمز [235 - 254]
235 - وحمزة عند الوقف سهّل همزه ... إذا كان وسطا أو تطرّف منزلا
المعنى: أخبر أن حمزة سهل الهمز عند الوقف سواء كان الهمز وسط الكلمة أم آخرها، والمراد بالتسهيل: مطلق التغيير، فشمل أنواعه الأربعة: بين بين، النقل، والإبدال، والحذف. وعبر الناظم بالتسهيل وأراد مطلق التغيير؛ لإفادة أن الغرض من التغيير تسهيل النطق باللفظ الذي فيه الهمز، وأضاف الهمز لحمزة؛ لأنه هو الذي يغيره عند الوقف، وإن كان هشام يوافقه في تغيير بعض الأنواع، ومعلوم أن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، ويعلم من قوله (إذا كان وسطا أو تطرف) أن حمزة لا تغيير له في الهمز المبتدأ به.
236 - فأبدله عنه حرف مدّ مسكّنا ... ومن قبله تحريكه قد تنزّلا
اللغة: الهمز: إما ساكن وإما متحرك، والساكن: إما في وسط الكلمة ولا يكون سكونه إلا لازما، وإما في آخرها. والذي في آخر الكلمة سكونه: إما لازم، وإما عارض، وقد بين الناظم
في هذا البيت حكم الساكن سواء كان في وسط الكلمة أم في آخرها، وسواء كان سكونه لازما أم عارضا، فأمر بإبداله عن حمزة حرف مدّ من جنس حركة ما قبله
(1/110)

فيبدل ألفا بعد الفتح، وواوا بعد الضم، وياء بعد الكسر. فالضمير في (فأبدله) يعود على الهمز، وفي (عنه) يعود على حمزة. وقوله: (مسكنا) بكسر الكاف حال من ضمير الفاعل المستتر في قوله (فأبدله).
والمعنى: فأبدل أيها القارئ الهمز عن حمزة حرف مدّ حال كونك مسكنا الهمز سواء كان سكونه أصليّا، أم كان متحركا في الأصل فسكنته أنت للوقف، فحينئذ يكون قوله (مسكنا) شاملا لما سكونه أصلي، وهو يكون في وسط الكلمة وفي آخرها، وما سكونه عارض ولا يكون إلا آخر الكلمة. وقوله (ومن قبله تحريكه قد تنزّلا)، (تحريكه) مبتدأ والضمير فيه يعود على الحرف المدلول عليه بقوله: (ومن قبله) وجملة (قد تنزلا) خبر المبتدأ، (ومن قبله) متعلق (بتنزلا) والهاء فيه يعود على الهمز، والجملة من المبتدأ والخبر حال من الهاء في قوله (فأبدله)، وتقدير البيت: فأبدل الهمز عن حمزة حرف مدّ حال كونك مسكنا له، وحال كون الهمز متحركا ما قبله، ويؤخذ من هذا: أن حمزة لا يبدل الهمز حرف مدّ إلا بشرطين:
الأول: أن يكون الهمز ساكنا. الثاني: أن يكون ما قبله متحركا، واشتراط تحرك ما قبل الهمز يحتاج إليه في الهمز الساكن الذي سكونه عارض للوقف نحو قالَ الْمَلَأُ* عند الوقف عليه والمقصود من هذا الاشتراط الاحتراز عن الهمز الساكن الذي عرض سكونه للوقف ويكون ما قبله ساكنا نحو يَشاءُ*، شَيْءٍ* السُّوءَ*، قُرُوءٍ. فإن لهذا النوع من الهمز حكما سيذكره الناظم في الأبيات الآتية، أما الهمز الساكن الذي سكونه أصلي: فلا يكون ما قبله إلا متحركا.
والخلاصة: أن الناظم ذكر في هذا البيت حكم الهمز الساكن المتحرك ما قبله، سواء كان في وسط الكلمة، أم في آخرها، وسواء كان سكونه أصليّا، أم عارضا، فمثال ما سكونه أصلي وهو في وسط الكلمة: يَأْكُلُونَ*، بَوَّأْنا*، تَأْثِيماً، تَأْخُذُونَهُ*، مَأْمَنَهُ، الذِّئْبُ*، وَبِئْرٍ، فَبِئْسَ*، شِئْتُما*، وَجِئْنا*، يُؤْفَكُ*، لا يُؤْخَذُ*، أَنُؤْمِنُ*، الْمُؤْمِنُونَ*. ومثال ما سكونه أصلي وهو في آخر الكلمة: اقْرَأْ*، أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ، إِنْ يَشَأْ*، نَبِّئْ*، وَهَيِّئْ، وَيُهَيِّئْ، وَمَكْرَ السَّيِّئِ في قراءة حمزة وليس في القرآن همزة متطرفة ساكنة وسكونها أصلي وقبلها ضمة.
ومثال ما سكونه عارض وهو لا يكون إلا في آخر الكلمة: بَدَأَ*، أَنْشَأَ*، أَسْوَأَ*، عَنِ
(1/111)

النَّبَإِ، مِنْ حَمَإٍ*، مِنْ مَلْجَإٍ، يُبْدِئُ*، يُنْشِئُ*، لِكُلِّ امْرِئٍ*، مِنْ شاطِئِ، الْبارِئُ، إِنِ امْرُؤٌ، كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ، كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ. فهذه الأمثلة
وأشباهها يبدل حمزة همزتها حرف مدّ من جنس حركة ما قبلها، فإن كان ما قبلها مفتوحا؛ فإنها تبدل ألفا، وإن كان ما قبلها مكسورا؛ فإنها تبدل ياء، وإن كان ما قبلها مضموما؛ فإنها تبدل واوا.
237 - وحرّك به ما قبله متسكّنا ... وأسقطه حتّى يرجع اللّفظ أسهلا
اللغة: لما بين في البيت السابق حكم الهمز الساكن بين في هذا البيت حكم الهمز المتحرك الذي قبله ساكن، والساكن الذي يكون قبل الهمز المتحرك خمسة أنواع:
النوع الأول: الساكن الصحيح.
والهمز الذي بعده يكون متوسطا ومتطرفا فالمتوسط نحو شَطْأَهُ، الْقُرْآنُ*، الظَّمْآنُ، جُزْءاً*، النَّشْأَةَ*، يَسْأَمُونَ، يَجْأَرُونَ، الْأَفْئِدَةَ*، مَسْؤُلًا*، مَذْؤُماً.
والمتطرف نحو الْخَبْءَ، الْمَرْءِ* سواء كان مرفوعا أم مجرورا، ملء، دفء.
النوع الثاني: حرفا اللين، وأعني بهما الواو الأصلية الساكنة المفتوح ما قبلها، والياء الأصلية الساكنة المفتوح ما قبلها.
والهمز الذي بعد هذين الحرفين يكون متوسطا ومتطرفا، فالمتوسط نحو سَوْأَةَ*، مَوْئِلًا، سَوْآتِكُمْ، شَيْئاً*، كَهَيْئَةِ*، اسْتَيْأَسَ. والمتطرف نحو ظَنَّ السَّوْءِ*، شَيْءٍ*.
النوع الثالث: حرفا المد واللين؛ أعني الواو الأصلية الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الأصلية الساكنة المكسور ما قبلها.
والهمز بعد هذين الحرفين يكون متوسطا ومتطرفا، فالمتوسط نحو السُّواى، سِيئَتْ، والمتطرف نحو الْمُسِيءُ، أَنْ تَبُوءَ، السُّوءَ*، لَتَنُوأُ، سِيءَ*، وَجِيءَ*.
وقد بين الناظم: حكم هذه الأنواع الثلاثة بقوله: (وحرك به ما قبله متسكنا) البيت، يعني وحرك بحركة الهمز، فالضمير يعود على الهمز وفي الكلام مضاف مقدر أي بحركة الهمز، ولا بدّ من تقدير هذا المضاف؛ إذا المعنى لا يستقيم بدونه؛ لأن الحرف الساكن لا يحرك بنفس الهمز وإنما يحرك بحركته.
والمعنى: إذا كان الهمز متحركا وقبله حرف ساكن، فألق حركة الهمز على الحرف الساكن قبله وأسقط الهمز حتى يرجع اللفظ أسهل.
وحاصل المعنى بإيضاح:
(1/112)

وحرك بحركة الهمز الحرف الذي قبله حال كون هذا الحرف ساكنا؛ أي انقل حركة الهمز إلى الحرف الساكن قبله واحذف الهمز؛ ليكون اللفظ أيسر في النطق على القارئ مما كان عليه قبل النقل وحينئذ يتحرك الحرف الساكن بحركة الهمز،
فيكون مفتوحا إذا كان الهمز مفتوحا، ويكون مكسورا إذا كان الهمز مكسورا، ويكون مضموما إذا كان الهمز مضموما، وقد تقدمت الأمثلة.
ومما يجب أن تتنبه له: أنك إذا نقلت حركة الهمز المتطرف إلى الحرف الساكن قبله وحذفت الهمز في نحو: المرء، ملء، دفء. صار الحرف الذي نقلت إليه حركة الهمز متطرفا فتسكنه للوقف، وحينئذ يكون السكون الموجود عند الوقف عارضا غير السكون الموجود في الوصل، والفرق بينهما: أن الذي كان في الوصل هو الذي بنيت عليه الكلمة، فيكون أصليّا، والذي في الوقف: هو الذي عدل عن الحركة إليه، فيكون عارضا جيء به لأجل الوقف؛ إذ لا يجوز الوقف بالحركة. ولهذا يجوز الروم والإشمام في المرفوع، ويجوز الروم في المجرور؛ باعتبار أن الحرف الذي قبل الهمز أصبح متحركا وإنما سكن لأجل الوقف.
وأما النوعان الرابع والخامس: فسيذكر الناظم حكمهما في الأبيات الآتية. وقد يقال:
إن كلمة (ما) في قول الناظم (وحرك به ما قبله متسكنا) من صيغ العموم فتتناول الأنواع الخمسة للهمز المتحرك الذي قبله ساكن، فما الذي يدلنا على أن الناظم أراد بقوله: (ما قبله متسكنا) هذه الأنواع الثلاثة فحسب؟
ونقول: إن الذي دلنا على ذلك استثناؤه النوعين: الرابع والخامس في قوله: (سوى أنه من بعد ما ألف جرى) الأبيات الثلاثة، والله تعالى أعلم.
238 - سوى أنّه من بعد ما ألف جرى ... يسهّله مهما توسّط مدخلا
239 - ويبدله مهما تطرّف مثله ... ويقصر أو يمضي على المدّ أطولا
هذا هو النوع الرابع من أنواع الهمز المتحرك الواقع بعد ساكن، ولما كان حكمه مخالفا حكم الأنواع الثلاثة السالفة، مع وقوع الهمز فيه محركا بعد ساكن كوقوعه فيها استثنى الناظم هذا النوع وبين حكمه فقال: (سوى أنه إلخ) فكأنه قال: انقل حركة
(1/113)

الهمز إلى الساكن قبله واحذف الهمز إلا إذا كان هذا الساكن ألفا فإن حمزة يسهل هذا الهمز إذا كان في وسط الكلمة ويبدله إذا كان في طرف الكلمة. فيكون هذا النوع قسمين: فذكر حكم القسم الأول: بقوله: (سوى أنه إلخ) والضمير في (أنه) يعود على حمزة، والضمير البارز في (يسهله) يعود على الهمز.
المعنى: يعني إن حمزة يسهل الهمز الواقع بعد ألف إذا كان في وسط الكلمة بين بين سواء كان مفتوحا نحو دُعاءً*، وَنِداءً، تَراءَتِ، غُثاءً*، أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ، جاؤُكُمْ* أم مكسورا نحو خائِفِينَ، وَالْقَلائِدَ، وَمِنْ آبائِهِمْ، الْمَلائِكَةِ*، بِأَسْمائِهِمْ*، إِسْرائِيلَ*. أم مضموما نحو، آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ* نِساءَكُمْ* هاؤُمُ، جاؤُكُمْ*، يُراؤُنَ*. ولا يخفى أن الهمز في نحو
دُعاءً* وَنِداءً غُثاءً* متوسط نظرا للزوم الألف التي هي عوض عن التنوين اللازم للكلمة. ولحمزة في الألف الواقعة قبل الهمزة المتوسطة في هذه الأمثلة ونحوها وجهان: المد المشبع بمقدار ست حركات. والقصر بمقدار حركتين عملا بالقاعدة التي ذكرها في قوله:
وإن حرف مد قبل همز مغير ... يجز قصره والمد ما زال أعدلا
لأنه يصدق على هذه الألف أنها حرف مد وقع قبل همز مغير بالتسهيل. ثم ذكر حكم القسم الثاني بقوله: (ويبدله مهما تطرف مثله) والضمير المستتر في (ويبدله) يعود على حمزة.
والضمير البارز فيه (يعود) على الهمز، والضمير في (مثله) يعود على الألف المذكورة في البيت السابق في قوله: (من بعد ما ألف جرى) يعني أن حمزة يبدل الهمز المتطرف الواقع بعد ألف (يبدله) ألفا من جنس ما قبله بعد إسكانه للوقف، وحينئذ يجتمع ألفان، فيجوز حذف إحداهما تخلصا من اجتماع ساكنين في كلمة واحدة،
ويجوز إبقاؤهما لجواز اجتماع الساكنين عند الوقف، فعلى حذف إحداهما يحتمل أن يكون المحذوف الأولى وأن يكون الثانية، فعلى تقدير أن المحذوف هي الأولى يتعين القصر؛ لأن الألف الثانية حينئذ تكون مبدلة من همزة فلا يجوز فيها إلا القصر مثل (بدأ). (أنشأ) عند الوقف عليهما. وعلى تقدير أن المحذوف هي الثانية يجوز المد والقصر؛ لأنه حرف مد وقع قبل همز مغير بالإبدال ثم بالحذف وعلى تقدير إبقائهما يتعين المد المشبع بقدر ثلاث ألفات، ووجه ذلك: أن في الكلمة ألفين الألف الأولى والألف الثانية المبدلة من الهمزة فتزاد ألف ثالثة للفصل بين الألفين فيمد ست حركات؛ لأن مقدار الألف
(1/114)

حركتان. وعلى هذا يكون في الوقف عليه وجهان: القصر والمد فالقصر على تقدير حذف الأولى أو الثانية، والمد على تقدير إبقاء الألفين أو حذف الثانية، وصرح العلماء بجواز التوسط فيه قياسا على سكون الوقف، فيكون فيه حينئذ ثلاثة أوجه عند الإبدال: القصر، والتوسط، والمد.
وفيه وجهان آخران ستعرفهما فيما بعد، والأمثلة جاءَ*، السُّفَهاءُ*، السَّماءِ*، شُرَكاءُ*، يَشاءُ*، الْماءُ*، الْأَعْداءَ.
240 - ويدغم فيه الواو والياء مبدلا ... إذا زيدتا من قبل حتّى يفصّلا
المعنى: هذا هو النوع الخامس: من أنواع الهمز المتحرك الواقع بعد ساكن؛ يعني أن حمزة يدغم الواو والياء الزائدتين في الهمز الذي بعدهما حال كونه مبدلا الهمز حرفا من جنس ما قبله حتى يمكن الإدغام، فيبدل الهمز الذي بعد الواو الزائدة واوا، ويدغم الواو الزائدة فيها، ويبدل الهمز الذي بعد الياء الزائدة ياء، ويدغم الياء الزائدة فيها، سواء كان الهمز في وسط الكلمة أم في آخرها. مثال الهمز الواقع بعد الواو الزائدة قُرُوءٍ فيقف عليه حمزة بإبدال الهمز واوا، وإدغام الواو التي قبلها فيها. ولم يقع في الكتاب العزيز همزة متوسطة في الكلمة واقعة بعد واو زائدة.
ومثال الهمزة الواقعة بعد ياء زائدة، والهمز في وسط الكلمة: خَطِيئَتُهُ، خَطِيئاتِكُمْ، هَنِيئاً مَرِيئاً، بَرِيئُونَ. ومثال الهمزة الواقعة بعد ياء زائدة والهمزة في آخر الكلمة النَّسِيءُ، بَرِيءٌ*، دُرِّيٌّ. فحمزة عند الوقف يبدل الهمزة في هذه الأمثلة ونحوها ياء، ويدغم الياء التي قبلها فيها والواو والياء الزائدتان هما اللتان ليستا حرفا أصليّا من حروف الكلمة وبنيتها. فلا تقعان فاء للكلمة ولا عينا ولا لاما لها، بل تقعان بين العين واللام، فقروء على وزن فعول، النَّسِيءُ، بَرِيءٌ* على زنة فعيل، وخَطِيئَتُهُ على وزن فعيلة. وهَنِيئاً* على وزن فعيلا وهكذا بخلاف الواو والياء الأصليتين فإنهما من بنية الكلمة وسبق بيان حكم الهمز بعدهما. وقوله: (حتى يفصّلا) معناه حتى يميز في الحكم بين الهمزة الواقعة بعد الواو والياء الزائدتين، والواقعة بعد الواو والياء الأصليتين.
241 - ويسمع بعد الكسر والضّمّ همزة ... لدى فتحه ياء وواوا محوّلا
242 - وفي غير هذا بين بين ومثله ... يقول هشام ما تطرّف مسهلا
المعنى: لما ذكر حكم الهمز المتحرك الواقع بعد ساكن في الأبيات السابقة، ذكر هنا حكم الهمز المتحرك الواقع بعد متحرك، والهمز المتحرك الواقع بعد متحرك تسعة أقسام. وبيان ذلك:
أن الهمز يحرك بالحركات الثلاث، وما قبله كذلك فتضرب حركات الهمز في حركات ما قبله فيصير الجميع تسعة. وقد تضمن البيت الأول حكم قسمين من الأقسام التسعة.
القسم الأول: أن يكون الهمز مفتوحا وما قبله مكسورا، نحو خاطِئَةٍ*، ناشِئَةَ، مِائَةَ*، مِائَتَيْنِ*، فِيهِ*، فِئَتَيْنِ*، بِأَيِّكُمُ*، وَلِأَنْعامِكُمْ*، وَنُنْشِئَكُمْ، لِئَلَّا*، لِأَهَبَ. وحكم الهمز في هذا القسم أن يبدل ياء خالصة.
القسم الثاني: أن يكون الهمز مفتوحا وما قبله مضموما نحو يُؤَيِّدُ، مُؤَذِّنٌ*، فُؤادَكَ*، يُؤَلِّفُ، يُؤاخِذُ*، يُؤَخِّرَ*، وَلُؤْلُؤاً*، مُؤَجَّلًا. وحكم الهمز في هذا القسم أن يبدل واوا خالصة. فمعنى البيت: ويسمع حمزة الناس همزة المفتوح بعد الكسر ياء، وبعد الضم واوا، وعلى هذا فقوله: (همزة) مفعول ثان والأول محذوف تقديره الناس كما قررنا. وقوله: (محولا) نعت للواو وحذف نعت الياء لدلالة نعت الواو عليه أي ياء محولا وواوا محولا
(1/115)

من الهمز أي مبدلا منه. والناظم في هذا البيت جمع بين الكسر والضم. ثم جمع بين الياء والواو لترجع الياء للكسر والواو للضم ففيه لف ونشر مرتب.
ثم ذكر في البيت الثاني حكم الهمز في الأقسام السبعة الباقية وهو أن الهمز فيها جميعها يسهل بينه وبين الحرف المجانس لحركته.
القسم الأول: المفتوح بعد فتح نحو سَأَلَ، مَآبٍ*، تَأَذَّنَ*، شَنَآنُ*.
القسم الثاني: المكسور بعد فتح نحو بَئِيسٍ، يَوْمَئِذٍ*، حِينَئِذٍ، مُطْمَئِنٌّ.
القسم الثالث: المكسور بعد كسر نحو خاطِئِينَ*، بارِئِكُمْ*، مُتَّكِئِينَ*، خاسِئِينَ*.
القسم الرابع: المكسور بعد ضم نحو سَأَلُوا، سُئِلَ*، سُئِلَتْ.
القسم الخامس: المضموم بعد فتح نحو رَؤُفٌ*، يَكْلَؤُكُمْ، تَؤُزُّهُمْ.
القسم السادس: المضموم بعد كسر نحو أَنْبِئُونِي، مُسْتَهْزِؤُنَ، فَمالِؤُنَ*، لِيُواطِؤُا، سَنُقْرِئُكَ.
القسم السابع: المضموم بعد ضم نحو بِرُؤُسِكُمْ.
(1/116)

وقوله (ومثله يقول هشام ما تطرف مسهلا) (ومثله بالنصب) نعت لمصدر محذوف والضمير فيه يعود على حمزة. و (يقول) بمعنى يقرأ وما مفعول (يقول). و (مسهلا) حال من هشام، والتقدير: ويقرأ هشام الذي تطرف من الهمز قراءة مثل قراءة حمزة فيه حال كون هشام في ذلك راكبا الطريق المعبد السهل، فكل ما ذكره الناظم لحمزة في الهمز المتطرف فمثله يكون لهشام.
243 - ورئيا على إظهاره وادّغامه ... وبعض بكسر الها لياء تحوّلا
244 - كقولك أنبئهم ونبّئهم ... ... .........
المعنى: اشتمل البيت الأول والنصف الأول من البيت الثاني على مسألتين، وهما من فروع قوله السابق، فأبدله عنه حرف مدّ مسكنا، البيت:
المسألة الأولى: تتعلق بلفظ وَرِءْياً في قوله تعالى في سورة مريم أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً فأخبر أن لفظ وَرِءْياً مقروء لحمزة ومروي عنه بالإظهار والإدغام، فإذا وقفت على هذا اللفظ وخففت همزه بإبداله ياء لسكونه بعد الكسر عملا بقوله: (فأبدله عنه) البيت؛ فلك فيه وجهان: إظهار الياء المبدلة من الهمزة، وعدم إدغامها في الياء بعدها نظرا لكون هذه الياء الأولى عارضة فكأن الهمز باق، والوجه الثاني: إدغام الياء المبدلة في الهمزة في الياء التي بعدها؛ لأنه اجتمع في الكلمة مثلان: أولهما ساكن فيدغم الساكن في المتحرك على مقتضى القواعد، ولأن هذه الكلمة رسمت في المصاحف بياء واحدة، ومثل الوقف على وَرِءْياً في جواز الإظهار والإدغام: الوقف على وَتُؤْوِي في الأحزاب، تُؤْوِيهِ في المعارج. فبعد إبدال الهمزة واوا في الكلمتين يجوز إظهار الواو المبدلة من الهمزة ويجوز إدغامها في الواو التي بعدها، وما علل به الإظهار والإدغام في وَرِءْياً يعلل به الإظهار والإدغام في الكلمتين المذكورتين، وإذا وقف على رُؤْياكَ،
الرُّؤْيَا*، رُءْيايَ* أبدل الهمزة واوا، وبعد الإبدال يجوز إظهار هذه الواو نظرا لعروضها لأنها مبدلة من الهمزة. ويجوز قلب هذه الواو ياء وإدغامها في الياء بعدها لأن من القواعد المقررة أنه إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة وكانت الواو ساكنة سابقة على الياء فإن الواو تقلب ياء وتدغم في الياء التي بعدها ففي الوقف على
(1/117)

هذه الكلمات وأمثالها وجهان: الإظهار والإدغام.
المسألة الثانية: تتعلق بقوله تعالى في سورة البقرة أَنْبِئْهُمْ من أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ وَنَبِّئْهُمْ* في الحجر في قوله تعالى: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ وفي القمر في قوله تعالى: وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ فبعض أهل الأداء عن حمزة قرءوا في الكلمتين أَنْبِئْهُمْ، وَنَبِّئْهُمْ* بعد إبدال الهمز ياء بكسر الهاء فيهما نظرا لوقوع الياء قبلها المحولة عن الهمزة أي المبدلة منها فيقرءون: أنبيهم. ونبيهم بكسر الهاء كما يقرءون فِيهِمْ 9 وَيُزَكِّيهِمْ*، ويفهم من قوله: (وبعض) أن البعض الآخر يبقون الهاء على أصلها من الضم نظرا لعروض هذه الياء فكأن الهمزة باقية، فيكون في هاتين الكلمتين وقفا لحمزة بعد الإبدال وجهان: كسر الهاء وضمها، وهما صحيحان مقروء بهما له.
244 - ............. .......... وقد ... رووا أنّه بالخطّ كان مسهّلا
245 - ففي اليا يلي والواو والحذف رسمه ... والاخفش بعد الكسر ذا الضّمّ أبدلا
246 - بياء وعنه الواو في عكسه ومن ... حكى فيهما كاليا وكالواو أعضلا
أخبر أن بعض أهل الأداء من المغاربة كمكي بن أبي طالب، وفارس بن أحمد والحافظ أبي عمرو الداني، والإمام الشاطبي، وبعض المتأخرين؛ نقلوا عن حمزة أنه كان يسهل الهمز عند الوقف عليه وفق المصاحف العثمانية التي كتبت في عصر الصحابة؛ أي يخفف الهمز عند الوقف على مقتضى مرسوم هذه المصاحف فقوله: (ففي اليا يلي والواو والحذف رسمه) بيان لكيفية اتباع رسم المصاحف.
والمعنى: أن حمزة كان يتبع رسم المصحف العثماني في الياء والواو والحذف. وذلك أن الهمزة تارة تكتب صورتها ياء في المصاحف، وتارة تكتب صورتها واوا، وتارة تحذف فلا تكتب لها صورة، فما كانت صورته ياء وقف عليه بالياء، وما كانت صورته واوا: وقف عليه بالواو، وما لم تكن له صورة: حذف أي وقف عليه بالحذف، وإنما ذكر هذه الأقسام الثلاثة ولم يذكر الألف مع أنّ الهمزة كثيرا ما تصور بها؛ لأن تخفيف الهمزة التي تصور ألفا لا يخرج عن الرسم العثماني؛ إذ أنها
(1/118)

إما أن تبدل ألفا نحو اقْرَأْ*، إِنْ يَشَأْ*.
وإما أن تسهل بين بين نحو سَأَلَ، تَأَذَّنَ*. وعلى كلتا الحالين يكون تخفيفها
موافقا للرسم العثماني. وليس معنى هذا المذهب أن كل كلمة صورت همزتها بالواو يصح الوقف عليها بالواو الخالصة، ولا أن كل كلمة جعلت صورتها ياء يوقف عليها بالياء المحضة، ولا أن كل كلمة حذفت صورة همزتها يصح الوقف عليها بحذف الهمزة فإن جواز الوقف على كلمة بالواو، وعلى أخرى بالياء، وعلى ثالثة بالحذف؛ موقوف على السماع وصحة النقل وثبوت الرواية، فإن القراءة سنة متبعة يتلقاها الآخر عن الأول، فلا يصح الوقف على مثل نِساؤُكُمْ، وَأَبْناؤُكُمْ*، أَوْلِياؤُهُمُ*. بالواو الخالصة وإن كانت صورة الهمزة واوا فيما ذكر لعدم صحة نقله وعدم ثبوت روايته، فلا تصح به القراءة، ولا تحل به التلاوة، ولا يسوغ الوقف على مثل خائِفِينَ، الْمَلائِكَةِ*، مِنْ نِسائِهِمْ*. بالياء المحضة. وإن صورت الهمزة فيه ياء. لأنه لم ينقل عن أحد من أهل الأداء الوقف على هذه الكلمات بالياء، ولا يسوغ الوقف على مثل يراءون النّاس، إذ جاءوكم. بحذف الهمزة اعتمادا على حذف صورتها في المصحف فإن ذلك لم يصح سندا عن الأئمة. وقد حصر علماء القراءات الكلمات التي رسمت همزتها في المصاحف بالواو، وثبتت الرواية الصحيحة بجواز الوقف عليها بالواو، وحصروا الكلمات التي رسمت همزتها ياء وصح النقل بجواز الوقف عليها بالياء، وضبطوا الكلمات
التي حذفت صورة همزتها وثبت النقل بصحة الوقف عليها بحذف الهمزة، فلا يسوغ للقارئ أن يعدو الكلمات التي نصوا عليها وجمعوها إلى غيرها من الكلمات التي لم يصح سندها، ولم تثبت روايتها. وسأجمع لك هذه الكلمات إن شاء الله تعالى، على أن جمهور أهل الأداء من العراقيين والمشارقة وكثير من المغاربة لم ينقلوا التخفيف الرسمي عن حمزة، ولم يعرجوا عليه ولم يشيروا إليه، وإنما جنحوا إلى التخفيف القياسي. وهاك الكلمات التي جعلت صورة همزتها واوا ووقعت الهمزة فيها بعد الألف: فيكم شركؤا بالأنعام، أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ بالشورى فى أموالنا ما نشؤا في هود، فقال الضّعفؤا في إبراهيم، شفعؤا وكانوا في الروم، لهو البلؤا المبين في الصافات، وما دعؤا الكافرين في غافر، بلؤا مّبين بالدخان، إنّا برءؤا في الممتحنة، جزؤا الظالمين، إنّما جزؤا، الْأَوْلَيانِ بالمائدة، وجزؤا سيّئة بالشورى،
(1/119)

جزؤا الظالمين بالحشر، فالهمزة في هذه المواضع رسمت بالواو اتفاقا وزادوا بعدها الفا، ولم يرسموا الألف قبلها تخفيفا.
واختلف في: جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى بطه، جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ بالزمر، وكذا جَزاءً الْحُسْنى بالنسبة لهشام، علمؤا بنى إسرائيل بالشعراء، إنّما يخشى الله من عباده العلمؤا بفاطر، أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ في الأنعام والشعراء.
وأما الكلمات التي رسمت همزتها بالواو ولم تقع بعد ألف فهي: يَبْدَؤُا* حيث
وقعت هذه الكلمة، تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ، يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ في النحل، أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها، لا تَظْمَؤُا، كلاهما بطه. وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ بالنور، قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ بالفرقان، فقال الملأ في الموضع الأول بالمؤمنين، يا أيها الملأ إنّى يا أيها الملأ أفتونى، يا أيها الملأ أيّكم. والثلاثة في النمل، أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ في الزخرف، نَبَؤُا* في إبراهيم والتغابن وص وفيها موضعان نبؤا الخصم، نبؤا عظيم. غير أن نبؤا الخصم كتب في بعض المصاحف بغير واو وكتب في معظمها بالواو. واختلف المصاحف في يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ في القيامة، فرسمت الهمزة في بعضها بالواو وفي بعضها بدونها.
وأما الكلمات التي رسمت همزتها بالياء وقبلها ألف فهي: من تلقائ نفسى بيونس وإيتائ ذى القربى بالنحل، ومن آناء الليل بطه، من ورآئ حجاب بالشورى. واختلفت المصاحف في: بلقائ ربّهم وو لقائ الآخرة كلاهما بالروم فرسمت الهمزة في موضعين بالياء في بعض المصاحف. وبدونها في البعض الآخر. وكذلك صورت الهمزة ياء في: ولقد جاءك من نبإى المرسلين، بالأنعام في جميع المصاحف.
ثم ذكر الناظم أن الأخفش كان يبدل ذا الضم أي الهمز المضموم إذا وقع بعد الكسر ياء خالصة نحو: سَنُقْرِئُكَ، الْخاطِؤُنَ، فَمالِؤُنَ*. وقوله (وعنه الواو في عكسه) أي عن الأخفش الإبدال واوا في عكس ذلك، وهو أن تكون الهمزة مكسورة بعد ضم فيبدلها واوا خالصة نحو سَأَلُوا وحينئذ يكون الأخفش قد خالف في قسمين من أقسام الهمز المتحرك بعد متحرك؛ لأن تخفيف مثل سَنُقْرِئُكَ يكون بتسهيل الهمزة بينها وبين الواو. وتخفيف مثل سَأَلُوا يكون بتسهيل الهمزة بينها وبين الياء، وعلى هذا تصير مواضع الإبدال عند الأخفش أربعة: هذان القسمان، والقسمان المذكوران في قوله:
(ويسمع بعد الكسر والضم همزه إلخ) ثم قال: ومن حكى في المضمومة بعد الكسر نحو:
سَنُقْرِئُكَ أنها تسهل كالياء، أي
(1/120)

تسهل بينها وبين الحرف المجانس لحركة ما قبلها وهو الياء، وفي المكسورة بعد الضم نحو سَأَلُوا أنها تسهل كالواو أي تجعل بينها وبين الحرف المجانس لحركة ما قبلها وهو الواو- من حكى ذلك فيها أعضل- أي جاء بمعضلة أي بأمر شاق ومشكل لا يمكن تحققه ولا النطق به، ولأنه لو سهلت الأولى بينها وبين الياء لكانت مكسورة، ولو سهلت الثانية بينها وبين الواو لكانت مضمومة وكل منهما خطأ في اللغة، ولذلك لم يأخذ بهذا المحكي أحد من أئمة القراءة.
247 - ومستهزءون الحذف فيه ونحوه ... وضمّ وكسر قبل قيل وأخملا
المعنى: هذا بيان لبعض الكلمات المهموزة التي ليس لهمزتها صورة في خط المصحف فيوقف عليها بحذف الهمزة على المذهب الذي يتبع في الوقف على الهمز رسم المصحف، فهذا من ما صدقات قوله (والحذف رسمه)، يعني: أن لفظ (مستهزءون الحذف) في همزة ثابت عن حمزة وكذا مثله من كل همزة مضمومة ليس لها صورة في خط المصحف قبلها كسرة وبعدها واو ساكنة ممدودة نحو: فَمالِؤُنَ*، مُتَّكِؤُنَ، الْخاطِؤُنَ، لِيُواطِؤُا، أَنْبِئُونِي، وَيَسْتَنْبِئُونَكَ، لِيُطْفِؤُا. وقوله: (وضم) معطوف على (الحذف) يعني: وضم في الحرف الذي قبل الهمز؛ لأن هذا الحرف بعد الحذف صار قبل واو ساكنة مدية، والواو الساكنة المدية لا يناسبها إلا ضم ما قبلها، فلذلك ضم هذا الحرف بعد حذف الهمزة ليناسب ما بعده من الواو الساكنة الممدودة نحو: قاضون، الداعون وهكذا. وقوله (وكسر قبل قيل) يعني: أنه قيل بكسر هذا الحرف أي بإبقائه على الكسر بعد حذف الهمزة. وقد حكم الناظم على هذا القول بالسقوط فقال: (وأخملا) فالألف للإطلاق، والخامل: الساقط الذي لا قيمة له، والضمير في (أخملا) يعود على هذا الوجه وهو بقاء كسر الزاي بعد الحذف وليست الألف للتثنية؛ إذ الوجه الأول صحيح سائغ لغة ثابت قراءة. وقرأ نافع مثله في وَالصَّابِئُونَ، فالناظم لم يحكم بالإخمال إلا على هذا الوجه الذي هو كسر الزاي بعد الحذف؛ لأنه مخالف للغة ويتعذر النطق به، ولو أراد الناظم الحكم بالإخمال على الوجهين معا لقال: قيلا وأخملا، ولا يختل وزن البيت، فلما عدل عنه إلى (قيل) دل على أنه لم يرد إلا هذا الوجه وهو إبقاء كسر
(1/121)

الزاي بعد الحذف.
248 - وما فيه يلفى واسطا بزوائد ... دخلن عليه فيه وجهان أعملا
249 - كما ها ويا واللّام والبا ونحوها ... ولامات تعريف لمن قد تأمّلا
المعنى: الهمز الذي يكون في وسط الكلمة قسمان: قسم يكون في وسط الكلمة بحسب الحقيقة، والواقع بأن يكون الحرف الذي قبل الهمز من بنية الكلمة وأصلا من أصولها
بحيث لا ينفصل عنها أصلا نحو: سَأَلَ، يَئِسَ*، رَؤُفٌ*. وتخفيف هذا القسم يكون وفق القواعد السابقة، وقسم يكون في وسط الكلمة لا من حيث الحقيقة بل يكون متوسطا بسبب دخول حرف من الحروف الزوائد عليه لا تختل الكلمة بحذفه نحو سَأَصْرِفُ، فَإِذا*، سَأُرِيكُمْ*، فالهمز في هذه الأمثلة ونحوها بحسب الحقيقة في أول الكلمة، ولكن لما دخلت عليه هذه الحروف صار في وسط الكلمة بسبب دخولها عليه، وهذا القسم هو موضع اختلاف النقلة والرواة عن حمزة، فمنهم من ذهب إلى تخفيفه بالتسهيل أو الإبدال حسب القواعد المذكورة باعتبار أنه في وسط الكلمة بحسب الصورة، والذاهبون إلى هذا
يعتدون بهذه الحروف الزائدة لاتصالها بالهمز لفظا وعدم صحة انفصالها عنه، فكأنها جزء من الكلمة التي فيها الهمز، وهذا مذهب الإمام فارس بن أحمد في آخرين، ومنهم من ذهب إلى تحقيق الهمز في هذا القسم باعتبار أنه في أول الكلمة حقيقة، وحمزة لا يخفف من الهمز إلا ما كان في وسط الكلمة أو آخرها، والذاهبون إلى هذا لا يعتبرون الحروف الزوائد وإن اتصلت بالهمز لفظا، وهذا مذهب الإمام أبي الحسن طاهر بن غلبون وجماعة. وقولنا: لا تختل الكلمة بحذفه احتراز من حروف المضارعة نحو يُؤْمِنَّ*، وميم اسم الفاعل نحو الْمُؤْمِنُ، وميم اسم المفعول نحو مَأْتِيًّا، واسم المكان نحو مَأْمَنَهُ فليس في ذلك وأمثاله إلا تخفيف الهمز؛ لأن هذه الحروف وإن كانت زائدة لكن الكلمة تختل بحذفها، فصارت بمثابة الجزء من الكلمة. قال الإمام الجعبري: والظاهر أن حِينَئِذٍ، ويَوْمَئِذٍ*، ويَا بْنَ أُمَّ يتعين تخفيف الهمز فيه نظرا لقوة الامتزاج (1). وقد ذكر الناظم هذين
_________
(1) ويرى بعض العلماء الوجهين فيما ذكر وهو الظاهر.
(1/122)

المذهبين في قوله: (وما فيه يلفى) البيت يعني: واللفظ الذي يوجد فيه الهمز واسطا أي متوسطا بسبب حروف زوائد دخلن عليه في همزه وجهان: لحمزة عند الوقف التخفيف بالتسهيل أو غيره باعتباره في وسط الكلمة، والتحقيق باعتباره أول الكلمة حقيقة. وقوله: (أعملا) بمعنى استعملا، والجملة صفة الوجهين فالألف للتثنية. ثم بين الناظم الحروف الزوائد التي تدخل على الهمز فقال: (كما ها إلخ) وما في قوله: (كما) زائدة فمثال دخول (ها) وهي للتنبيه ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ*. ومثال (يا) وهي للنداء: يا آدَمُ*، يا إِبْراهِيمُ*. ومثال اللام:
لَأَنْتُمْ، لِئَلَّا* ومثال الباء: بِأَنَّهُمْ* لَبِإِمامٍ. وقوله: (ونحوها) وهي الواو نحو: وَأَبْقى *، وَأَمَرُّ. والفاء: فَآمِنُوا*، فَإِذا*. والكاف نحو:
كَأَنَّهُمْ*، كَأَلْفِ سَنَةٍ والسين: ساوى، سَأَصْرِفُ. والهمزة نحو:
أَأَنْذَرْتَهُمْ*، أَأُنَبِّئُكُمْ*. ولامات التعريف نحو: الْأَرْضِ*، الْآخِرَةُ*. فهذه الحروف كلها زوائد تجعل الهمز الذي في أول الكلمة متوسطا بسبب دخولها عليه فيكون فيه وجهان: التحقيق، والتخفيف.
فائدتان: الأولى- لفظ هاؤُمُ من قوله تعالى في سورة الحاقة: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ اسم فعل أمر بمعنى خذوا، وها فيه ليست للتنبيه بل هي جزء من الكلمة، فليست همزته من قبيل الهمز المتوسط بدخول حرف زائد عليه، فليس لحمزة فيه وقفا إلا التسهيل مع المد والقصر، فهو داخل في قوله السابق (سوى أنه من بعد ما ألف جرى) البيت.
الثانية- مما توسط فيه الهمز بزائد: وَأَمَرُّ، فَآتَيْنَا، فَأْوُوا. ففي
الوقف عليه لحمزة وجهان: الإبدال، والتحقيق. ومما ألحق بالمتوسط بزائد الَّذِي اؤْتُمِنَ، يا صالِحُ ائْتِنا، إِلَى الْهُدَى ائْتِنا، لِقاءَنَا ائْتِ، يَقُولُ ائْذَنْ ففي الوقف على كل من هذا: الإبدال، والتحقيق؛ لأن الكلمة التي قبل الهمزة قامت مقام الواو والفاء في وَأَمَرُّ، فَآتَيْنَا، فَأْوُوا. واختار بعض العلماء في المواضع الخمسة التحقيق فقط لإمكان الوقف على الكلمة التي قبل الهمزة.
250 - وأشمم ورم فيما سوى متبدّل ... بها حرف مدّ واعرف الباب محفلا
اللغة: الواو في (ورم) بمعنى: أو. والأمر في (أشمم ورم) للتخيير. فالقارئ مخير بين الإتيان بالإشمام فيما يجوز فيه الإشمام وهو المضموم والمرفوع، أو الروم فيما يجوز فيه
(1/123)

وهو المضموم والمرفوع والمكسور والمجرور، وبين تركهما، وما في قوله: (فيما) يصح أن تكون موصولة، ويصح أن تكون نكرة موصوفة. و (سوى) بمعنى غير، والتقدير:
وأشمم ورم في الهمز الذي غير متبدل، أو في همز غير متبدل. و (متبدل) اسم فاعل من بدل، والباء في (بها) بمعنى في وضميره يعود على أطراف الكلمات، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من (ما) و (حرف) مفعول (متبدل) أي: وأشمم ورم في الهمز الذي أوفى همز غير متبدل حرف مد حال كون هذا الهمز في أطراف الكلمات.
ومعنى البيت: وأشمم أو روم في الهمز المتطرف المتحرك المسكن للوقف المخفف بأنواع التخفيف المتقدمة إلا ما خفف بإبداله حرف مد، فلا يجوز دخول الإشمام ولا الروم فيه إن كان مرفوعا، ولا يجوز دخول الروم فيه إن كان مجرورا. والناظم لم يقيد مواضع الإشمام والروم اعتمادا على شهرتهما عند القراء، وتوضيح هذا: أننا عرفنا مما سبق من القواعد أن الهمز المتطرف المتحرك المسكن للوقف تارة يقع بعد حرف متحرك، سواء كان هذا الحرف متحركا بالفتحة نحو: أَنْشَأَ*، أو بالكسرة نحو: يُنْشِئُ* أو بالضمة نحو:
وَلُؤْلُؤاً*، وتارة يقع بعد ألف نحو: جاءَ*، مِنَ السَّماءِ*، يَشاءُ*.
وتارة يقع بعد حرف ساكن غير الألف سواء كان هذا الحرف الساكن صحيحا نحو:
مِلْءُ، دِفْءٌ، الْمَرْءِ*. أو كان حرف لين واوا نحو: السُّوءَ*، أو ياء نحو: شَيْءٍ*. أو كان حرف مد ولين واوا نحو: لَتَنُوأُ. أو ياء نحو:
سِيءَ*. أو كان هذا الحرف الساكن واوا زائدة وذلك في: قُرُوءٍ. أو ياء زائدة نحو: النَّسِيءُ. وعرفنا مما تقدم أيضا حكمه في جميع هذه الأحوال: وهو أنه إذا وقع بعد حرف متحرك أبدل حرف مد من جنس حركة ما قبله. وإذا وقع بعد ألف أبدل ألفا.
وإذا وقع بعد حرف ساكن سواء كان صحيحا أو حرف لين أو حرف مد ولين: نقلت حركته إلى ما قبله ثم حذف. وإذا وقع بعد واو زائدة أبدل واوا ثم أدغمت الواو قبله فيه
وإذا وقع بعد ياء زائدة أبدل ياء ثم أدغمت الياء قبله فيه. هذه أحوال الهمز المتطرف المتحرك الذي يسكن للوقف وتلك أحكامه.
ثم أراد الناظم أن يبين لنا ما يجوز دخول الإشمام والروم فيه من هذه الأحوال وما لا يجوز فذكر هذا البيت. وقد أفاد هذا البيت: أنه يجوز دخول الإشمام والروم في هذا الهمز في جميع أحواله إلا في حال إبداله حرف مد، فإذا أبدل حرف مد بأن وقع بعد حرف متحرك أو بعد
(1/124)

ألف؛ فيمتنع دخول الإشمام والروم فيه. فحينئذ يجوز دخول الإشمام والروم فيه في حال نقل حركته إلى ما قبله وذلك إذا وقع بعد حرف ساكن سواء كان هذا الساكن صحيحا أم حرف لين أم حرف مد ولين. وفي حال إبداله واوا وذلك إذا وقع بعد واو زائدة، وحال إبداله ياء، وذلك إذا وقع بعد ياء زائدة. وقد تقدمت الأمثلة لجميع الأحوال. وقوله:
(واعرف الباب محفلا) محفل القوم مكان اجتماعهم؛ يعني واعرف باب وقف حمزة وهشام على الهمز حال كون هذا الباب موضعا لجميع أنواع الهمز المخفف.
251 - وما واو اصليّ تسكّن قبله ... أو اليا فعن بعض بالادغام حمّلا
المعنى: سبق أن الواو والياء الساكنتين الواقعتين قبل الهمز المتحرك نوعان: أصليتان، وزائدتان، وسبق أن حكم الهمز بعد الأصليتين: نقل حركته إليهما ثم حذفه، وأن حكمه بعد الزائدتين: إبداله حرفا من جنس ما قبله واوا أو ياء مع إدغام ما قبله فيه. وقد ذكر في هذا البيت أن بعض أهل الأداء أجرى الواو والياء الأصليتين الساكنتين مجرى الواو والياء الزائدتين الساكنتين، فأبدل الهمز الواقع بعد الواو الأصلية واوا وأدغم الواو الأصلية في الواو المبدلة من الهمز وأبدل الهمز الواقع بعد الياء الأصلية ياء وأدغم الياء الأصلية في الياء المبدلة من الهمز سواء كانت الواو والياء الأصليتان مديتين أم لينتين. وسواء كان الهمز متوسطا أم متطرفا نحو: السُّواى، سِيئَتْ، سَوْأَةَ*، كَهَيْئَةِ*، لَتَنُوأُ، سِيءَ* ظَنَّ السَّوْءِ*، شَيْءٍ*. وعلى هذا يكون في الهمز الواقع بعد الواو الساكنة الأصلية والياء الساكنة الأصلية وجهان: الأول: نقل حركته إلى ما قبله من الواو أو الياء ثم حذفه. الثاني: إبداله من جنس ما قبله وإدغام ما قبله فيه.
252 - وما قبله التّحريك أو ألف محر ... ركا طرفا فالبعض بالرّوم سهّلا
اللغة والمعنى: و (ما) اسم موصول مبتدأ، والمراد به الهمز. و (قبله التحريك) جملة وقعت صلة الموصول أو ألف عطف على التحريك. و (محركا طرفا) حالان من الهاء في (قبله) العائدة على (ما).
(1/125)

(فالبعض) مبتدأ، والجملة (سهّلا) خبره، والجملة خبر الموصول. ودخلت الفاء في خبره لشبهه بالشرط في العموم ومفعول (سهلا) محذوف تقديره: سهله، أي الهمز والباء في (بالروم) للملابسة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل (سهلا) وهو
الضمير المستتر الراجع إلى البعض أو من المفعول المحذوف، وتقدير البيت: والهمز الذي وقع قبله التحريك أو وقع قبله ألف حال كون هذا الهمز محركا واقعا في طرف الكلمة، فبعض أهل الأداء سهله حال كون هذا البعض متلبسا بالروم أي: آتيا به محققا له. أو حال كون هذا الهمز متلبسا بالروم مصاحبا له.
تقدم أن الهمز المتطرف المتحرك المسكن عند الوقف إذا وقع بعد حرف متحرك؛ فإنه يبدل حرف مد من جنس حركة ما قبله، فيبدل ألفا بعد الفتح، وياء بعد الكسر، وواوا بعد الضم. وهذا الحكم مأخوذ من قوله السابق (فأبدله عنه حرف مد مسكنا) البيت. وإذا وقع بعد ألف فإنه يبدل ألفا. وهذا الحكم مأخوذ من قوله: (ويبدله مهما تطرف مثله). وقد سبق شرح هذا كله مستوفي في موضعه. وقد دل هذا البيت على أن في هذا الهمز وجها آخر وهو أن بعض أهل الأداء سهله بالروم، وإنما اشترط في التسهيل أن يكون مصاحبا للروم؛ لأن الوقف بالتسهيل وحده يفضي إلى الوقف بالحركة الكاملة والوقف بالحركة الكاملة لا تسيغه قواعد القراءة، فالوقف بالتسهيل وحده لا تسيغه قواعد القراءة، إذا لا بدّ أن يكون التسهيل مصاحبا للروم. ولا يجوز هذا الوجه وهو التسهيل بالروم إلا إذا كان هذا الهمز محلّا للروم بأن يكون مرفوعا أو مجرورا، فإن لم يكن محلّا للروم بأن كان منصوبا؛ فلا يجوز فيه هذا الوجه بل يتعين فيه الإبدال. والناظم لم يقيده بهذا استنادا لما هو معلوم من مذاهب القراء: أن الروم لا يدخل المنصوب كما لم يقيده في قوله: (وأشمم ورم فيما سوى متبدل) البيت، (وأشمم ورم في غير باء) البيت، استنادا لما ذكر.
وخلاصة القول: أن في هذا النوع من الهمز عند الوقف عليه لحمزة وهشام وجهين:
الأول: الإبدال حرف مد ألفا، أو ياء، أو واوا فيما قبله حرف متحرك. والإبدال ألفا فيما قبله ألف.
الثاني: التسهيل بين بين بالروم فيهما، ولا تنافي بين هذا البيت وبين قوله في البيت السابق: (وأشمم ورم) البيت، فإن ذلك البيت: (وأشمم ورم). دل على منع دخول الروم والإشمام في هذا الهمز في حال إبداله حرف مد. وهذا
(1/126)

لا ينافي جواز دخول الروم فيه في حال تسهيله بين بين. وهذا ما دل عليه قوله: (وما قبله التحريك البيت).
253 - ومن لم يرم واعتدّ محضا سكونه ... وألحق مفتوحا فقد شذّ موغلا
المعنى: لما ذكر في البيت السابق أن مذهب بعض أهل الأداء عن حمزة تسهيل الهمز المتطرف المتحرك المسكن للوقف الواقع بعد حرف متحرك أو بعد ألف. وقد ذكرنا في شرح ذلك البيت أن هذا مقيد بما يصح أن يكون محلّا للروم وهو المجرور والمرفوع، ذكر في هذا البيت مذهبين آخرين:
المذهب الأول: الاقتصار على الإبدال، وعدم جواز التسهيل مع الروم. سواء كان الهمز مضموما، أم مكسورا أم مفتوحا. وعلل ذلك بأن الهمزة إذا سهلت بين بين، سواء كانت مضمومة، أم مكسورة، أم مفتوحة، قربت من الساكن فيكون حكمها حكم الساكن، فيمتنع التسهيل بالروم فيها كما يمتنع في الساكن.
المذهب الثاني: جواز التسهيل مع الروم سواء كان الهمز مضموما أم مكسورا أم مفتوحا، وعلل ذلك بأن الهمزة المسهلة بين بين وإن قربت من الساكن لما دخلها من الضعف؛ فإنها بزنة الهمزة المتحركة بدليل قيامها مقام الهمزة المتحركة في الشعر، وإذا كانت بزنة المتحركة؛ فإنه يجوز رومها في الحركات الثلاث. واعتذر عن روم المفتوح بأنه دعت الحاجة إليه عند التسهيل مع جوازه في العربية. وقد أشار الناظم إلى المذهب الأول بقوله (ومن لم يرم واعتد محضا سكونه) يعني: ومن لم يرم مطلقا في الحركات الثلاث.
واعتبر سكون الهمز محضا فألحقه بالساكن الأصلي، وأعطاه حكمه من منع تسهيله مع الروم. وعلى هذا يكون قوله: (واعتد) بمعنى: واعتبر، وهو ينصب مفعولين الأول (سكونه)، والثاني (محضا). فقدم الناظم وأخّر وأشار إلى المذهب الثاني بقوله:
(وألحق مفتوحا) وفيه حذف. والتقدير: ومن ألحق مفتوحا، يعني: ومن ألحق المفتوح بالمكسور والمضموم في جواز تسهيله مع الروم. وقوله (فقد شذ) إشارة إلى إبطال المذهبين معا أي من يقل بهذا المذهب الأول أو بهذا المذهب الثاني فقد شذ حال كونه موغلا في الشذوذ.
(1/127)

والإيغال الإبعاد في السير والإمعان فيه (1).
والحاصل: أن في الهمز المتحرك المتطرف الساكن للوقف غير وجه الإبدال ثلاثة مذاهب:
الأول: تسهيله مع الروم في المضموم والمكسور دون المفتوح. الثاني: منع التسهيل فيه مع الروم مطلقا والاقتصار على وجه الإبدال. الثالث: جواز تسهيله مع الروم مطلقا. والمذهب الأول هو المختار، ولهذا قدمه في الذكر.
254 - وفي الهمز أنحاء وعند نحاته ... يضيء سناه كلّما اسودّ أليلا
المعنى: (الأنحاء) جمع نحو، ومن معانيه الطريق، ونحاة جمع ناح بمعنى نحوي كتامر ولابن، والضمير في نحاته وسناه للهمز. و (السنا) بالقصر النور، وبالمد الرّفعة.
و (أليلا) منصوب على الحال من فاعل أسود، ويقال: ليل أليل، إذا كان شديد الظلمة.
يعني روي في تخفيف الهمز طرق متعددة، ومذاهب متنوعة. وقد ذكر الناظم أشهرها
نقلا، وأقواها قياسا، وعند علماء النحو، والمراد بهم الصرفيون، تتضح معالم هذا الهمز وتنجلي مسالكه، وتتبين سبله؛ لأنهم الذين ذللوا صعابه، ومهدوا طرائقه، وأتقنوا أحكامه، واستوعبوا أنواعه، وضبطوا قوانينه. وكلما ظهرت فيه مشكلات عند غيرهم فكانت في شدة غموضها كالليل الأسود شديد الظلمة كانت عندهم في وضوحها وبهائها كالشمس المشرقة في رابعة النهار. فالناظم رضي الله عنه استعار الإضاءة للوضوح والاسوداد للغموض.

14 باب الإظهار والإدغام [255 - 258]
255 - سأذكر ألفاظا تليها حروفها ... بالاظهار والإدغام تروى وتجتلا
256 - فدونك إذ في بيتها وحروفها ... وما بعد بالتّقييد قده مذلّلا
257 - سأسمي وبعد الواو تسمو حروف من ... تسمّى على سيما تروق مقبّلا
_________
(1) وحكم بالشذوذ على المذهب الأول؛ لأن فيه ترك ما ثبتت به الرواية، وعلى الثاني؛ لأنه ألحق المفتوح بالمضموم والمكسور وليس روم المفتوح مذهبا للقراء.
(1/128)

258 - وفي دال قد أيضا وتاء مؤنّث ... وفي هل وبل فاحتل بذهنك أحيلا
اللغة والمعنى: المراد ب (الإدغام) هنا: الإدغام الصغير. والألفاظ التي وعد بذكرها وبيان أحكامها هي كلمة (إذ) (قد) (تاء التأنيث) (هل) و (بل) ومعنى (تليها حروفها): تتبعها حروفها؛ فإنه يذكر بعد كل كلمة من هذه الكلمات الحروف التي يدغم فيها أواخر هذه الكلمات، أو تظهر حسب اختلاف القراء فيها، وسيذكر هذه الحروف في أوائل كلمات كما صنع في الإدغام الكبير.
وقوله: (فدونك) اسم فعل أمر بمعنى خذ؛ أى خذ من هذه الكلمات كلمة (إذ) وخذ حروفها التي تدغم (إذ) فيها عند بعض القراء، وما يأتي بعد ذلك خذه سهل القياد واضح المراد لا يستعصي عليك فهمه، ولا يعسر عليك إدراكه. وقوله: (سأسمى إلخ) معناه: أنه سيذكر القراء أولا إما بأسمائهم، وإما بالرموز الدالة عليهم، ثم يأتي بعد الرمز بواو فاصلة تفصل بين الحروف الدالة على القراء والحروف التي تدغم فيها أو تظهر عندها هذه الكلمات، وبعد ذكر هذه الواو يذكر الحروف التي يدغم فيها القارئ هذه الكلمات أو يظهرها عندها، فهو لا يأتي بهذه الواو إلا إذا ذكر القارئ برمزه، فإذا ذكره باسمه الصريح استغنى عنها؛ لعدم اللبس حينئذ وسيسير على هذا النهج في (دال قد) و (تاء التأنيث) و (هل) و (بل). و (السيما) العلامة. و (راق الشيء) صفا. ومعنى (احتل بذهنك أحيلا): احتل بذهنك على معرفة هذه الأحكام وعلى استخراجها من النظم.

15 باب ذال إذ [259 - 261]
259 - نعم إذ تمشّت زينب صال دلّها ... سميّ جمال واصلا من توصّلا
260 - فإظهارها أجري دوام نسيمها ... وأظهر ريّا قوله واصف جلا
261 - وأدغم ضنكا واصل توم درّه ... وأدغم مولى وجده دائم ولا
المعنى: الحروف التي تظهر عندها أو تدغم فيها ذال إذ ستة وهي: أوائل الكلمات الست التي تلي إذ، وهي: التاء من تمشت، والزاي من زينب، والصاد من صال، والدال من دلها، والسين من سمى، والجيم من جمال نحو: إِذْ تَمْشِي، وَإِذْ تَخْلُقُ، وَإِذْ زَيَّنَ، وَإِذْ زاغَتِ.
(1/129)

وليس في القرآن غيرها. وَإِذْ صَرَفْنا. ولا ثاني له في القرآن.
إِذْ دَخَلُوا*، إِذْ دَخَلْتَ، إِذْ سَمِعْتُمُوهُ*، وَإِذْ جَعَلْنَا، إِذْ جاءَتْهُمُ. والواو في قوله: (واصلا) فاصلة. قوله: (جلا) تتمة البيت. ثم أخبر أن نافعا وابن كثير، وعاصما أظهروا ذال إذ عند الحروف الستة، وأن الكسائي وخلادا أظهرا ذال إذ عند الجيم خاصة؛ فيكون لهما إدغامها في باقي الحروف، ثم أخبر أن خلفا أدغم في التاء والدال فيكون له الإظهار في الحروف الأربعة الباقية. وأن ابن ذكوان أدغم في الدال فقط فيكون له الإظهار في باقي الحروف. فيبقى من القراء أبو عمرو وهشام؛ فيكون لهما الإدغام في الحروف الستة.
والخلاصة: أن نافعا وابن كثير وعاصما يظهرون عند الحروف الستة. وأن أبا عمرو وهشاما يدغمان في الأحرف الستة. وأن الكسائي وخلادا يظهران عند الجيم ويدغمان في الباقي. وأن خلفا يدغم في التاء والدال ويظهر عند الباقي. وأن ابن ذكوان يدغم في الدال ويظهر عند الباقي.
و (صال) بمعنى استطال. و (الدل) الدلال. و (السمي) الرفيع. و (النسيم) الريح الطيبة.
و (الرّيا) الرائحة العبقة. و (جلا) كشف. و (الضنك) الضيق. و (التوم) جمع تومة وهي خرزة تعمل من الفضة كالدرة. و (الموالي) الولى. و (الوجد) الغنى. و (الولا) بكسر الواو المتابعة.

16 باب دال قد [262 - 265]
262 - وقد سحبت ذيلا ضفا ظلّ زرنب ... جلته صباه شائقا ومعلّلا
263 - فأظهرها نجم بدا دلّ واضحا ... وأدغم ورش ضرّ ظمئان وامتلا
264 - وأدغم مرو واكف ضير ذابل ... زوى ظلّه وغر تسدّاه كلكلا
265 - وفي حرف زيّنّا خلاف ومظهر ... هشام بصاد حرفه متحمّلا
المعنى: الحروف التي تظهر عندها (دال قد) أو تدغم فيها ثمانية: وهي التي تضمنها أوائل كلم (وقد سحبت إلخ) وهي السين، الذال، الضاد، الظاء، الزاى، الجيم، الصاد، الشين، نحو: قَدْ سَمِعَ*، وَلَقَدْ ذَرَأْنا، وَلَقَدْ ضَرَبْنا*، فَقَدْ ظَلَمَ*، وَلَقَدْ زَيَّنَّا، قَدْ جاءَكُمْ*، وَلَقَدْ صَرَّفْدنا*،
(1/130)

قَدْ شَغَفَها.
وقد أخبر أن عاصما وقالون وابن كثير أظهروا (دال قد) عند حروفها الثمانية، وأن ورشا أدغمها في الضاد والظاء فقط وأظهرها عند الستة الباقية. وابن ذكوان أدغمها في الضاد والذال، والزاي، والظاء، وأظهرها عند الأربعة الباقية. واختلف عن ابن ذكوان في وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا، فروي عنه فيها وجهان: الإدغام والإظهار. وأظهرها هشام في لَقَدْ ظَلَمَكَ في سورة (ص). وأدغمها في الأحرف الثمانية ما عدا هذا الموضع، فتعين الإدغام في جميع الحروف لمن لم يذكرهم وهم: أبو عمرو، وحمزة، والكسائي.
والخلاصة: أن قالون، وابن كثير، وعاصما يظهرون (دال قد) عند حروفها الثمانية، وأن أبا عمرو، وحمزة، والكسائي يدغمونها في الثمانية، وأن ورشا يدغم في الضاد والظاء ويظهر عند الباقي، وأن ابن ذكوان يدغم في الضاد، والذال والزاي والظاء، واختلف عنه في وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ بين الإدغام والإظهار ويظهر عند باقي الأحرف، وأن هشاما يظهر في موضع (ص) ويدغم في غيره من المواضع.
يقال: (علله) إذا سقاه مرة بعد مرة. و (ضفا) طال. ويقال: ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا، وقد يراد به الدوام. و (الزرنب) شجر طيب الرائحة. و (مرو) اسم فاعل من أروى و (الواكف) الهاطل، وكف البيت: هطل. و (الضير) الضر .. و (الذابل) النحيف.
و (زوى): جمعه، ومنه الزاوية لأنها تجمع الفقراء، و (الظل) معروف. و (الوغر) جمع وغرة وهي شدة توقد الحر. و (تسداه) علاه. و (الكلكل) الصدر من أي حيوان آدمي أو غيره.

17 باب تاء التأنيث [266 - 269]
266 - وأبدت سنا ثغر صفت زرق ظلمه ... جمعن ورودا باردا عطر الطّلا
267 - فإظهاره درّ نمته بدوره ... وأدغم ورش ظافرا ومخوّلا
268 - وأظهر كهف وافر سيب جوده ... زكىّ وفيّ عصرة ومحلّلا
269 - وأظهر راويه هشام لهدّمت ... وفي وجبت خلف ابن ذكوان يفتلا
المعنى: الحروف التي تظهر عندها أو تدغم فيها تاء التأنيث ستة: السين، والثاء، والصاد،
(1/131)

والزاى، والظاء، والجيم. نحو: أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ*، حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ، كانَتْ ظالِمَةً، نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ. وقد أظهرها عند جميع حروفها: ابن
كثير، وعاصم، وقالون. وأدغمها ورش في الظاء فقط. وأظهرها عند الخمسة الباقية. وأظهرها ابن عامر عند السين، والجيم، والزاي. وأدغمها في الثلاثة الباقية، غير أن هشاما عنه أظهرها في لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ. وأن ابن ذكوان اختلف عنه في وَجَبَتْ جُنُوبُها بين الإظهار والإدغام، ولكن المحققين على أن الإدغام ليس صحيحا عنه بل الصحيح عنه الإظهار. وبقي من القراء أبو عمرو، وحمزة، والكسائي؛ فمذهبهم الإدغام في جميع الحروف.
والخلاصة: أن ابن كثير وعاصما وقالون اظهروا تاء التأنيث عند حروفها الستة. وأن أبا عمرو وحمزة والكسائي أدغموها في الحروف الستة. وأن ورشا أدغمها في الظاء، وأظهرها عند الخمسة الباقية. وأن ابن عامر من الروايتين أظهرها عند السين والجيم والزاى. وأدغمها في الثاء والظاء والصاد، غير أن هشاما أظهرها عند الصاد في لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وأدغمها في حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ كما أدغمها في الثاء والظاء في جميع المواضع. و (السنا) الضوء. و (الثغر) ما تقدم من الأسنان. و (زرق) جمع أزرق يوصف به الماء لشدة صفائه. و (الظلم) بفتح الظاء ماء الأسنان وهو الريق، و (الورود) العطر الطيب الرائحة. و (الطلاء) بالمد ما طبخ من عصير العنب. و (الظافر) الفائز. و (المخول) المملك يقال: خوله الله كذا: ملكه إياه. و (العصرة) الملجأ. و (المحلل) المكان الذي يحل فيه. و (يفتلى) من فليت الشعر بكسر الشين: إذا تدبرته واستخرجت معانيه. وفليت شعر الرأس بفتح الشين: إذا أخرجت ما فيه من المؤذي. وفيه إشارة إلى ضعف الخلاف عن ابن ذكوان فليس له في وَجَبَتْ جُنُوبُها إلا الإظهار كما تقدم.

18 باب لام هل وبل [270 - 273]
270 - ألا بل وهل تروي ثنا ظعن زينب ... سمير نواها طلح ضرّ ومبتلا
271 - فأدغمها راو وأدغم فاضل ... وقور ثناه سرّ تيما وقد حلا
272 - وبل في النّسا خلّادهم بخلافه ... وفي هل ترى الإدغام حبّ وحمّلا
(1/132)

273 - وأظهر لدى واع نبيل ضمانه ... وفي الرّعد هل واستوف لا زاجرا هلا
المعنى: حروف بل وهل ثمانية وهي: التاء، الثاء، الظاء، الزاى، السين، النون، الطاء، الضاد. وظاهر كلام الناظم أن كلا من (بل) و (هل) تقع بعدها الحروف الثمانية وليس كذلك، فإن لام (بل) لم يقع بعدها في القرآن إلا سبعة أحرف وهي الحروف المذكورة ما عدا الثاء. ولام (هل) لم يقع بعدها في القرآن إلا ثلاثة أحرف: وهي النون،
والتاء، والثاء. ولام بل تختص بخمسة وهي: الضاد، والطاء، والظاء، والزاي، والسين. فهذه الحروف الخمسة لم تقع في القرآن إلا بعد (بل) نحو: بَلْ ضَلُّوا، بَلْ طَبَعَ، بَلْ ظَنَنْتُمْ، بَلْ زُيِّنَ، بَلْ سَوَّلَتْ*.
وتختص (هل) بحرف الثاء فلم يقع هذا الحرف إلا بعد (هل) في هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ في المطففين. وتشترك بل وهل في حرفين وهما: النون والتاء فكل منهما يقع بعد بل نحو:
بَلْ نَقْذِفُ، بَلْ تَأْتِيهِمْ. وبعد (هل) نحو: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ، هَلْ تَرى *.
والخلاصة: أن بل يقع بعدها جميع الحروف ما عدا الثاء المثلثة، وتنفرد بوقوع الأحرف الخمسة التى هي: الضاد، والطاء، والظاء، والزاى، والسين، وتشترك مع (هل) في حرفين النون والتاء المثناة. وأما (هل) فتنفرد بالثاء المثلثة وتشترك مع (بل) في النون والتاء. فالضاد، والطاء، والظاء، والزاى، والسين مختصة ببل. والثاء مختصة بهل. والتاء والنون محل اشتراك بين بل وهل. وقد أخبر الناظم أن الكسائي أدغم لام (بل) و (هل) في الحروف الثمانية على التفصيل السابق. وأن حمزة أدغم في الثاء والسين والتاء وأظهر في الخمسة الباقية. وأن خلادا اختلف عنه في إظهار وإدغام بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها في سورة النساء. وأن أبا عمرو أدغم هَلْ تَرى خاصة، وهي في موضعين هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ في الملك. فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ في الحاقة، وأظهر في الباقي. وأن هشاما أظهر عند النون والضاد في جميع المواضع، وعند التاء في أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ في الرعد. وأدغم في الستة الباقية، ومنها التاء في غير الرعد.
والخلاصة: أن الكسائي يدغم في جميع الحروف. وأن نافعا وابن كثير وابن ذكوان وعاصما يظهرون عند جميع الحروف. وأن أبا عمرو يدغم هَلْ تَرى * في الملك والحاقة خاصة، ويظهر فيما عدا ذلك، وأن هشاما يظهر عند النون والضاد وعند التاء في الرعد خاصة، ويدغم في باقي
(1/133)

الحروف، وأن حمزة يدغم في الثاء، والسين، والتاء، ويظهر عند الباقي غير أن خلادا روى عنه في بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها الإظهار والإدغام. وأما خلف فيظهر في هذا الموضع قولا واحدا. وينبغي أن يعلم أن أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ في الرعد لا يدغمها أحد؛ لأن حمزة والكسائي يقرءان يستوي بالياء، وهي مستثناة لهشام الذي يدغم في التاء وأبو عمرو لا يدغم في التاء إلا في موضعي تبارك والحاقة كما سبق. والظعن السير والانتقال من موضع لآخر. والسمير المحدث المسامر ليلا. و (النوى) البعد. و (الطلح) من الطلوح الذي هو الإعياء. و (الضر) ضد النفع. و (المبتلى) المختبر. و (الوقور) الرزين الحليم. و (الثناء) المدح. و (تيم) قبيلة الإمام حمزة. و (النبيل) الجليل القدر.
و (الضمان) الكفالة. و (هلا) كلمة يزجر بها الخيل. ومعنى: (استوف لا زاجرا هلا) استكمل فهم ما قلت لك بغير كلفة ولا عناء لأني فصلته غاية التفصيل.

19 باب اتفاقهم في إدغام إذ وقد وتاء التأنيث وهل وبل [274 - 276]
274 - ولا خلف في الإدغام إذ ذلّ ظالم ... وقد تيّمت دعد وسيما تبتّلا
275 - وقامت تريه دمية طيب وصفها ... وقل بل وهل رآها لبيب ويعقلا
276 - وما أوّل المثلين فيه مسكّن ... فلا بدّ من إدغامه متمثّلا
المعنى: اتفق القراء على إدغام ذال إذ في الذال نحو: إِذْ ذَهَبَ. وفي الظاء نحو:
إِذْ ظَلَمْتُمْ واتفقوا على إدغام دال قد في التاء نحو: قَدْ تَبَيَّنَ*. ومثل ذلك: إذا وقعت الدال والتاء في كلمة نحو: حَصَدْتُمْ، وَوَعَدْتُكُمْ؛ فإنه يجب إدغام الدال في التاء. وعلى إدغام دال قد في الدال نحو: وَقَدْ دَخَلُوا. كما اتفقوا على إدغام تاء التأنيث في التاء نحو: أيضا فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ. وفي الدال نحو: أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما. وفي الطاء نحو: فَآمَنَتْ طائِفَةٌ. وعلى إدغام لام قُلْ* وبَلْ* وهَلْ* في كل من الراء واللام نحو: قُلْ رَبِّي*، قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ، بَلْ رَفَعَهُ، بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، هَلْ لَكُمْ. ولم تقع الراء بعد هل في القرآن الكريم، ثم بين أنه إذا اجتمع حرفان متماثلان وسكن أولهما؛ فإنه يجب إدغامه في الثاني سواء
(1/134)

كانا في كلمة نحو: يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ. أم في كلمتين نحو: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ، حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا، آوَوْا وَنَصَرُوا*. واستثنى العلماء من هذه القاعدة: ما إذا كان أول المثلين حرف مد فإنه يجب إظهاره محافظة عليه نحو: قالُوا وَأَقْبَلُوا، فِي يَتامَى النِّساءِ.
واستثنوا من ذلك أيضا: ما إذا كان أول المثلين هاء سكت وهو في: مالِيَهْ (28) هَلَكَ في الحاقة، في حال الوصل. ففيه لكل القراء وجهان: إدغام الهاء الأولى في الثانية، وإظهارها عندها. ولا يتحقق هذا الإظهار إلا بالسكت على الهاء الأولى سكتة خفيفة من غير تنفس.
وتيمت أمرضت من الحب أو تعشقت. ودعد اسم امرأة. والوسيم مشرق الوجه. والتبتل الانقطاع. والدمية الصورة من العاج. ويكنى بها عن المرأة.
والمعنى: هل يرى هذه الحسناء عاقل ويثبت عقله؟. وقوله (ويعقلا) منصوب بأن مضمرة بعد الواو جوابا للاستفهام.

20 باب ذكر حروف قربت مخارجها [277 - 285]
277 - وإدغام باء الجزم في الفاء قد رسا ... حميدا وخيّر في يتب قاصدا ولا
278 - ومع جزمه يفعل بذلك سلّموا ... ونخسف بهم راعوا وشذّ تثقّلا
المعنى: أدغم الباء المجزومة في الفاء خلاد والكسائي وأبو عمرو، وقد وقع ذلك في القرآن في خمسة مواضع: أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ بالنساء، وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ بالرعد، قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ في الإسراء، قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ في طه، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ في الحجرات. إلا أنه اختلف عن خلاد في هذا الموضع فروي عنه فيه الإظهار والإدغام. وهذا معنى قوله: (وخيّر في يتب قاصدا ولا) وباقي القراء يقرءون بالإظهار في جميع المواضع. ثم أخبر أن أبا الحارث عن الكسائي قرأ بإدغام اللام في الذال في لفظ يَفْعَلُ ذلِكَ* مجزوم اللام حيث وقع في القرآن الكريم. وهو في القرآن في ستة مواضع: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ في البقرة، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ في آل عمران، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ
(1/135)

مَرْضاتِ اللَّهِ كلاهما في النساء، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً في الفرقان، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ في المنافقين. وباقي القراء على الإظهار في المواضع الستة. وتقييد اللام بالجزم للاحتراز عن مرفوع اللام نحو: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ فلا خلاف في وجوب إظهاره. ثم ذكر أن الكسائي أدغم الفاء في الباء في: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ في سبأ. والباقون بالإظهار. و (رسا) رسخ وثبت. والولاء بالفتح النصرة.
279 - وعذت على إدغامه ونبذتها ... شواهد حمّاد وأورثتمو حلا
280 - له شرعه والرّاء جزما بلامها ... كو اصبر لحكم طال بالخلف يذبلا
المعنى: أدغم حمزة والكسائي وأبو عمرو الذال في التاء في كلمتين: الأولى عُذْتُ في وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ في غافر والدخان، الثانية فَنَبَذْتُها في طه. وأدغم أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي الثاء في التاء في لفظ أُورِثْتُمُوها* في الأعراف والزخرف. وأدغم الدوري عن أبي عمرو بخلف عنه والسوسى بلا خلاف الراء المجزومة في اللام نحو: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، نَغْفِرْ لَكُمْ*. وقرأ الباقون بالإظهار في كل ما تقدم وهو الوجه الثاني للدورى في الراء المجزومة. و (يذبل) اسم جبل.
281 - وياسين أظهر عن فتى حقّه بدا ... ونون وفيه الخلف عن ورشهم خلا
282 - وحرمىّ نصر صاد مريم من يرد ... ثواب لبثت الفرد والجمع وصّلا
283 - وطاسين عند الميم فاز اتّخذتمو ... أخذتم وفي الإفراد عاشر دغفلا
284 - وفي اركب هدى برّ قريب بخلفهم ... كما ضاع جا يلهث له دار جهّلا
285 - وقالون ذو خلف وفي البقرة فقل ... يعذّب دنا بالخلف جودا وموبلا
أمر رضي الله عنه بإظهار نون يس عند واو وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، ونون ن عند واو
وَالْقَلَمِ لحفص وحمزة وابن كثير وأبي عمرو وقالون. ثم ذكر أن في ن وَالْقَلَمِ الخلف
(1/136)

عن ورش فله فيه الإظهار والإدغام فيكون له الإدغام قولا واحدا في يس (1) وَالْقُرْآنِ وله الوجهان في ن وَالْقَلَمِ. وقرأ الباقون بالإدغام في اللفظين. ثم بين أن (حرمىّ نصر) وهم: نافع وابن كثير وعاصم أظهروا الدال عند الذال في كهيعص أول مريم، والدال عند الثاء في يُرِدْ ثَوابَ* في الموضعين بآل عمران، والثاء عند التاء في لَبِثْتَ* وما تصرف منه إفرادا وجمعا في القرآن الكريم نحو: كَمْ لَبِثْتُمْ*. وقرأ
الباقون بالإدغام في كل ما ذكر. ثم بين أن حمزة قرأ بإظهار النون عند الميم في طسم* أولى الشعراء والقصص. وقرأ غيره بإدغام النون في الميم. وأما طس تِلْكَ أول النمل فقد اتفق القراء على إخفاء نون طس عند التاء من تِلْكَ. وقرأ حفص وابن كثير بإظهار الذال عند التاء في اتَّخَذْتُمُ* جمعا كهذا المثال أو فردا نحو: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي.
وكذا في أَخَذْتُمْ*. كيف وقع، سواء كانت التاء فيه ضمير جمع كهذا المثال، وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي. أم ضمير فرد نحو: فَأَخَذَتْهُمُ*، ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقرأ الباقون بالإدغام. ثم بين أن البزى وقالون وخلادا قرءوا بخلف عنهم بإظهار الباء عند الميم في ارْكَبْ مَعَنا في هود. فيكون لكل منهم الإظهار والإدغام، وقرأ ابن عامر وخلف وورش بالإظهار قولا واحدا. وقرأ الباقون بالإدغام قولا واحدا وهم قنبل وأبو عمرو وعاصم والكسائي. ثم ذكر أن هشاما وابن كثير وورشا أظهروا الثاء عند الذال في يَلْهَثْ ذلِكَ بالأعراف. وأن قالون ذو خلف فله فيها الإظهار والإدغام. وقرأ الباقون وهم أبو عمرو وابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي بالإدغام قولا واحدا. وأخيرا ذكر أن وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ* في البقرة، يقرؤه بجزم الباء أهل (سما) وحمزة والكسائي. أظهر الباء عند الميم فيه ابن كثير بخلف عنه. وورش بلا خلاف. هذا ما يؤخذ من صريح النظم ولكن التحقيق أن ابن كثير ليس له من طريق النظم وأصله إلا الإظهار فلا يقرأ له إلا به. وقرأ الباقون ممن يقرءون بالجزم وهم: قالون وأبو عمرو وحمزة والكسائي، بالإدغام قولا واحدا. وأما ابن عامر وعاصم فيقرءان بالرفع في الباء فلا يكون لهما إلا الإظهار. وخلا بمعنى مضى.
و (الدّغفل) الواسع الخصيب من قولهم عام دغفل أى: خصب (وضاع) انتشر من ضاع الطيب فاحت رائحته. و (دار) فعل أمر من داري يدارى. و (جهلا) بفتح الهاء جمع جاهل
(1/137)

و (الجود) بفتح الجيم المطر الغزير. و (موبلا) من أوبل المطر اشتد وقعه.

21 باب أحكام النون الساكنة والتنوين [286 - 290]
286 - وكلّهم التّنوين والنّون أدغموا ... بلا غنّة في اللّام والرّا ليجملا
287 - وكلّ بينمو أدغموا مع غنّة ... وفي الواو واليا دونها خلف تلا
288 - وعندهما للكلّ أظهر بكلمة ... مخافة أشباه المضاعف أثقلا
289 - وعند حروف الحلق للكلّ أظهرا ... ألا هاج حكم عمّ خاليه غفّلا
290 - وقلبهما ميما لدى البا وأخفيا ... على غنّة عند البواقي ليكملا
المعنى: يعني أن القراء أدغموا التنوين والنون الساكنة المتطرفة في اللام والراء بلا غنة نحو: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، ثَمَرَةٍ رِزْقاً، وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ، مِنْ رَبِّهِمْ*.
وكل القراء أدغم النون الساكنة والتنوين مع الغنة في حروف ينمو نحو: مَنْ يَقُولُ*، وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ، مِنْ نُورٍ، يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ، مِمَّنْ مَنَعَ، مَثَلًا ما، مِنْ والٍ، غِشاوَةٌ وَلَهُمْ. إلا أن خلفا عن حمزة أدغم النون الساكنة والتنوين في الواو والياء بلا غنة. ثم أمر بإظهار النون الساكنة لجميع القراء إذا وقع بعدها ياء أو واو في كلمة واحدة فالياء في كلمتي: الدُّنْيا* وبُنْيانٌ. والواو في كلمتى: صِنْوانٌ* وقِنْوانٌ. فضمير (وعندهما) يعود على الواو والياء المذكورين في البيت قبله فلا يدخل التنوين في ذلك؛ لأنه لا يكون إلا آخر الكلمة. ثم علل وجوب إظهار النون عند ملاقاتها الواو أو الياء في كلمة واحدة بقوله: (مخافة إشباه المضاعف أثقلا).
المعنى: إذا وقع بعد النون الساكنة واو أو ياء في كلمة واحدة وأدغمت النون في الواو أو الياء؛ فإنه يشبه المضاعف الذي يدغم فيه الحرف في مثله فيصير لفظ صِنْوانٌ* صوّان، ولفظ قِنْوانٌ قوّان، ولفظ بُنْيانٌ بيّان، ولفظ الدُّنْيا* ديّا. وحينئذ يلتبس على السامع فلا يدري ما أصله النون وما أصله التضعيف فأبقيت النون مظهرة مخافة
(1/138)

أن يشبه المضاعف في كونه ثقيلا. والمضاعف هو الذي في جميع تصرفاته يكون أحد حروفه الأصول مكررا نحو حيان وريان. ثم ذكر أن النون الساكنة والتنوين أظهرا للقراء السبعة إذا كان بعدهما أحد حروف الحلق سواء كان ذلك في كلمة أو في كلمتين. وحروف الحلق هي: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، نحو: وَيَنْأَوْنَ، مَنْ آمَنَ*، كُلٌّ آمَنَ، يَنْهَوْنَ*، مَنْ هاجَرَ، جُرُفٍ هارٍ، وَانْحَرْ، مَنْ حَادَّ اللَّهَ، نارٌ حامِيَةٌ، أَنْعَمْتَ*، وَمَنْ عادَ*، بُكْمٌ عُمْيٌ*، وَالْمُنْخَنِقَةُ، وَمِنْ خِزْيِ، يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، فَسَيُنْغِضُونَ، مِنْ غِلٍّ*، قَوْلًا غَيْرَ*.
ثم ذكر أنهما يقلبان ميما لجميع القراء إذا وقع بعدهما الباء نحو: أَنْبِئْهُمْ، مِنْ بَعْدِ*، صُمٌّ بُكْمٌ*. وأخيرا أخبر أنهما أخفيا مع غنة عند باقي الحروف وهي خمسة عشر حرفا وهي: التاء، الثاء، الجيم، الدال، الزاي، السين، الشين، الصاد، الضاد، الطاء، الظاء، الفاء، القاف، الكاف. سواء كان ذلك في كلمة أم في كلمتين نحو: يَنْتَهُونَ، مِنْ تَحْتِهَا*، جَنَّاتٍ تَجْرِي*، مَنْثُوراً*، مِنْ ثَمَرِهِ*، جَمِيعاً ثُمَّ*، فَأَنْجَيْناكُمْ، أَنْ جاءَكُمْ*، شَيْئاً (60) جَنَّاتِ، أَنْداداً*، مِنْ دَابَّةٍ*، قِنْوانٌ دانِيَةٌ، مُنْذِرٌ*، مِنْ ذَكَرٍ*، سِراعاً ذلِكَ، فَأَنْزَلْنا*، فَإِنْ زَلَلْتُمْ، يَوْمَئِذٍ زُرْقاً، مِنْسَأَتَهُ، أَنْ سَلامٌ، عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ، يُنَشَّؤُا، مَنْ شاءَ*، عَلِيمٌ (12) * شَرَعَ، يَنْصُرْكُمُ*، أَنْ صَدُّوكُمْ، رِيحاً صَرْصَراً*، مَنْضُودٍ*، إِنْ ضَلَلْتُ، قَوْماً ضالِّينَ، يَنْطِقُونَ*، وَإِنْ طائِفَتانِ، قَوْماً طاغِينَ، يُنْظَرُونَ*، إِنْ ظَنَّا، قَوْمٍ ظَلَمُوا، انْفِرُوا*، وَإِنْ فاتَكُمْ، عُمْيٌ فَهُمْ*، مُنْقَلِبُونَ*، وَلَئِنْ قُلْتَ، شَيْءٍ قَدِيرٌ*، يَنْكُثُونَ*، مَنْ كانَ*، عاداً كَفَرُوا.

22 باب الفتح والإمالة وبين اللفظين [291 - 338]
291 - وحمزة منهم والكسائيّ بعده ... أمالا ذوات الياء حيث تأصّلا
292 - وتثنية الأسماء تكشفها وإن ... رددت إليك الفعل صادفت منهلا
293 - هدى واشتراه والهوى وهداهم ... وفي ألف التّأنيث في الكلّ ميّلا
294 - وكيف جرت فعلى ففيها وجودها ... وإن ضمّ أو يفتح فعالى فحصّلا
(1/139)

المعنى: المراد بالفتح في هذا الباب: فتح القارئ فمه بالحرف لا فتح الحرف الذي هو الألف؛ إذ الألف لا يقبل الحركة. ويقال له التفخيم أيضا، والإمالة لغة: التعويج، يقال: أملت الرمح ونحوه إذا عوجته عن استقامته. وتنقسم في اصطلاح القراء قسمين: كبرى، وصغرى.
فالكبرى: أن تقرب الفتحة من الكسرة والألف من الياء من غير قلب خالص ولا إشباع مفرط وهي الإمالة المحضة، وتسمى الإضجاع، وإذا أطلقت الإمالة انصرفت إليها. والصغرى: هي ما بين الفتح والإمالة الكبرى، وتسمى التقليل وبين بين: أي بين لفظى الفتح والإمالة الكبرى.
وقد ذكر الناظم رضي الله عنه أن حمزة والكسائي أمالا الألفات ذوات الياء وهي كل ألف متطرفة أصلية منقلبة عن ياء تحقيقا أي أصلها الياء فأميلت لتدل على أصلها سواء وقعت في فعل نحو:
هُدىً* اشْتَرى سَعى * أَتى * أَبى * رَمى اسْتَعْلى يَخْشى * يَتَوارى. أم وقعت في اسم نحو: الْهَوى * الْمَأْوى * الْهُدى * مَوْلَى*.
وسواء رسمت في المصاحف بالياء كالأمثلة السابقة من الأفعال والأسماء. أم رسمت فيها الألف نحو: عَصانِي فَإِنَّكَ وَمَنْ عَصانِي بإبراهيم، الأقصا في إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصا في الإسراء. تَوَلَّاهُ في كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ في الحج. أَقْصَا في وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى بالقصص وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى في يس.
سيما في سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ في الفتح طغا في إنّا لمّا طغا الماء في الحاقة الدُّنْيا* الْعُلْيا واحترزنا بالأصلية عن الزائدة نحو: قائم، نائم. وبالمتطرفة عن المتوسطة نحو: وَنَمارِقُ، باع، وَسارَ. وبالمنقلبة عن ياء عن المنقلبة عن واو نحو:
نَجا، عَفا*، الصَّفا، شَفا*. والمنقلبة عن تنوين نحو: ذِكْراً*، عِوَجاً*، أَمْتاً. عند الوقف عليها. واحترزنا بها أيضا عن ألف التثنية كألف إِلَّا أَنْ يَخافا، وألف اثْنا عَشَرَ شَهْراً. واحترزنا بقولنا تحقيقا عما اختلف في أصله نحو:
الْحَياةِ*، وَمَناةَ؛ لأن الخلاف وقع في أصل ألفها فوقع الشك في سبب الإمالة فتركت وعدل إلى الأصل وهو الفتح ولرسم ألفها واوا في المصاحف فلا إمالة في كل ما احترز عنه. وقول الناظم: (وتثنية الأسماء تكشفها) أي تكشف لك ذوات الياء منها من ذوات الواو، أي تكشف لك أصلها، وقد اشتمل على ضابط تستطيع بواسطته أن تعرف أصل الألف المتطرفة وتميز بين ما أصله الياء من هذه الألفات
(1/140)

وما أصله الواو منها وهو أن تثني الاسم الذي فيه الألف. وتنسب الفعل الذي فيه الألف إلى نفسك أو مخاطبك، فإن ظهرت الألف في التثنية ياء أو في الفعل ياء، عرفت أن أصل الألف الياء، فتميل الألف حينئذ، وإن ظهرت الواو فيهما عرفت أن أصل الألف فيهما الواو فلا تميلها. تقول في تثنية اليائي من هذه الأسماء: الْهَوى * الْهُدى * الفتى الْمَوْلى * الْمَأْوى *، الهويان الهديان الفتيان الموليان المأويان. وتقول في تثنية الواوي من الأسماء وهي محصورة في هذه الأسماء:
عَصاهُ* شَفا* سَنا إِنَّ الصَّفا، أَبا أَحَدٍ. عصوان شفوان سنوان صفوان أبوان. وتقول في نسبة الفعل اليائي لنفسك أو لغيرك من هذه الأفعال: هدى، اشترى، رمى، سعى، سقى، أتى، أبى: هديت، اشتريت، رميت، سعيت، سقيت، أتيت، أبيت، بضم التاء أو فتحها في الجميع. وتقول في الواوى مثل: عفا، زكى، نجا، خلا، دعا، دنا، بدا، علا: عفوت، زكوت، نجوت، خلوت، دعوت، علوت، دنوت، بدوت، بضم التاء أو فتحها في الكل. ويدل أيضا على أن أصل هذه الألف في الأفعال المذكورة الواو لفظ المضارع تقول: يعفو، يزكو، ينجو، يخلو، يدعو، يعلو، يدنو، يبدو.
ويدل الاشتقاق أيضا على أصل الألف في الأسماء والأفعال فالمصدر يدل على ذلك فتقول:
الرمي، السعي، السقي، العفو، الدنو، الخلو. ثم ذكر الناظم أن حمزة والكسائي ميلا كل ألفات التأنيث. ثم بين مواضع ألفات التأنيث فقال: (وكيف جرت فعلى ففيها وجودها).
المعنى: أن ألفات التأنيث تتحقق في كل ما كان على وزن فعلى كيف جرت، أي سواء كانت مضمومة الفاء نحو: الْقُصْوى الدُّنْيا* الْأُنْثى * طُوبى الْقُرْبى * الْبُشْرى * الْأُخْرى * السُّواى الْكُبْرى *. أم كانت مفتوحتها نحو: الْمَوْتى * وَالسَّلْوى * التَّقْوى * النَّجْوى *، دعوَا مَرْضى * شَتَّى* أَسْرى * سُكارى *. أم مكسورتها نحو: إِحْدَى* ضِيزى سِيماهُمْ* الشِّعْرى الذِّكْرى * وألحق بهذا الباب: مُوسى * يُحْيِي* عِيسَى*؛ لأنها وإن كانت أعجمية إلا أنه لما فشا استعمالها وكثر دورها في اللسان العربي ألحقت بمثيلاتها في لغة العرب على أنها مرسومة في المصاحف بالياء فتمال لهذا أيضا وقوله (وإن ضم أو يفتح فعالى) معناه: أن ألف التأنيث تتحقق أيضا في كل ما كان على وزن فعالى مضموم الفاء نحو: سُكارى * كُسالى * فُرادى * أَسْرى *. أو مفتوح الفاء نحو: الْيَتامى * الْأَيامى النَّصارى * الْحَوايا
(1/141)

فيكون لألف التأنيث خمسة أوزان: ثلاثة لفعلى واثنان لفعالى وفاء (فحصلا) ليست رمزا لحمزة لعدم اختصاص حمزة به. فقوله: (وفي ألف التأنيث في الكل ميّلا). و (المنهل) المورد أى وجدت مطلوبك، شبه الطالب بالظمآن الذي يجد منهل الماء، وقوله (منهم) أي من القراء. وقوله (بعده) أي أن الكسائي بعده حمزة؛ لأنه أخذ عنه.
295 - وفي اسم في الاستفهام أنّى وفي متى ... معا وعسى أيضا أمالا وقل بلى
296 - وما رسموا بالياء غير لدى وما ... زكى وإلى من بعد حتّى وقل على
297 - وكلّ ثلاثيّ يزيد فإنّه ... ممال كزكّاها وأنجى مع ابتلى
المعنى: أمال أيضا حمزة والكسائي كل اسم مستعمل في الاستفهام وهو لفظ أَنَّى* حيث وقع في القرآن الكريم سواء اقترن بالفاء نحو: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ*. أم تجرد منها نحو:
أَنَّى لَكِ هذا ولفظ مَتى * حيث وقع في القرآن نحو: مَتى هذَا الْوَعْدُ*. وإنما أميل هذا اللفظ لأنه لو سمى به وثنى لقيل ميتان. ولفظ عَسى * إذ لو نسبت إلى نفسك لقلت عسيت وإفراده بالذكر مع اندراجه في ذوات الياء متابعة للإمام الداني في التيسير، أو للفرق بينه وبين الأفعال الأخرى نحو: أتي، أبي، هدى؛ لأنه غير متصرف، أو للرد على من قال إن هذا اللفظ حرف. ويظهر لى- والله أعلم- أن السبب في إمالة أَنَّى* مَتى * بَلى *:
رسمها بالياء في المصاحف؛ لأن الألف في الجميع مجهولة الأصل. ومثال عَسى * عَسى
رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ومثال بلي بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وأمال حمزة والكسائي أيضا جميع الألفات المتطرفة المجهول أصلها، أو المنقلبة عن واو ورسمت في المصاحف بالياء.
فالمراد بالمرسوم بالياء في المصاحف خصوص الألفات المجهولة الأصل أو المنقلبة عن واو، وليس المراد ما يشمل الألفات المنقلبة عن ياء التى رسمت ياء في المصاحف فإن هذه الألفات سبق حكمها أول الباب. فمن الألفات المجهولة الأصل المرسومة ياء في المصاحف:
ألف أَنَّى* التي للاستفهام وألف مَتى * وألف بَلى *.
ومن الألفات المنقلبة عن واو ورسمت ياء في المصاحف: ألف الْقَوِيُّ* وَالضُّحى سَجى ضُحًى* ضُحاها* دَحاها تَلاها طَحاها. ثم استثنى الناظم خمس كلمات فلا تمال ألفها مع كونها
(1/142)

مرسومة ياء في المصاحف وهي: لَدَى الْحَناجِرِ في غافر وهذه الكلمة اسم وقد رسمت بالياء في أكثر المصاحف ورسمت في بعضها بالألف. ولم يعلم أصل هذه الألف فامتنعت إمالتها. وأما لدا الباب في يوسف؛ فمرسوم ألفا في جميع المصاحف، وزكي وهو فعل وذلك في قوله تعالى ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً في سورة النور فهو مرسوم بالياء في المصاحف ولكنه لا يمال؛ لأن ألفه منقلبة عن واو پ لأنه يقال: زكا يزكو زكوت.
فمنعت الألف من الإمالة إشارة إلى أن أصلها الواو. وأما الكلمات الثلاثة الباقية فهى حروف وهي:
حتى إلى على. فلا تمال ألفها؛ لأن الحروف جامدة وألفها مجهولة الأصل فلا موجب لإمالتها.
ثم بين الناظم أن كل ألف وقعت ثالثة في الكلمة ولاما لها وهي منقلبة عن واو فزادت الكلمة على ثلاثة أحرف؛ فإن ألفها بسبب هذه الزيادة تكون منقلبة عن ياء فتدخلها الإمالة والزيادة تكون بتضعيف الفعل نحو: زكّى نجّى. بتشديد الكاف والجيم وبحروف المضارعة نحو:
يَرْضى * تُتْلى * يُدْعى. وبالحروف الزائدة الدالة على التعدية أو غيرهما نحو: أنجي اعْتَدى * اسْتَغْنَى* اسْتَعْلى فَتَعالَى* ابْتَلى. وقد يجتمع في الكلمة حرف المضارعة والتضعيف نحو: يَزَّكَّى* وقد يجتمع فيها الحرف الزائد والتضعيف نحو: تَزَكَّى* تَجَلَّى*. وقد يجتمع فيها حرف المضارعة والحرف الزائد والتضعيف نحو: يَتَزَكَّى*.
والدليل على أن هذه الألف منقلبة عن ياء فيما ذكر أنه يقال: زكّيت نجّيت. هما يرضيان ويدعيان والآيتان تتليان. ويقال: أَنْجَيْنَا* اعْتَدَيْنا استغنيت، استعليت، ابتليت، تعاليت. وهما: يزكّيان، وتزكّيا، ويتزكّيان. فتظهر الياء عند إسناد الفعل إلى ألف الاثنين، أو نون المتكلم، أو تاء الفاعل فحينئذ يصير الفعل يائيّا فتمال ألفه، ومن ذلك:
أفعل في الأسماء نحو: أزكى أدنى أربي أعلى، الأدنى الأعلى؛ لأن لفظ الماضي في ذلك كله تظهر فيه الياء إذا أسندت الفعل إلى تاء الضمير. فتقول: أدنيت، أزكيت، أربيت، أعليت. قال العلامة أبو شامة: فقد بان أن الثلاثي المزيد يكون اسما نحو: أَدْنى *.
ويكون فعلا ماضيا نحو: (أنجى). ويكون فعلا مضارعا مبنيا للفاعل نحو: يَرْضى *.
وللمفعول نحو: يُدْعى فَانْتَهى.
قال ابن القاصح والناظم: لم يمثل للفعل المضارع ولا للاسم. فإن قيل:
(1/143)

من أين تأخذ العموم في الفعل المضارع والاسم؟ قيل من قوله: (وكل ثلاثي يزيد فإنه ممال) فإنه يشمل الماضي والمضارع والاسم فإن تمثيله بالماضي فقط يقتضي اختصاص الحكم به! قيل:
الأصل العمل بالعموم انتهى.
ونستطيع أن نستخلص مما ذكر أن الألف تمال: إما لانقلابها عن الياء وإن لم ترسم ياء في المصاحف، ويعرف ذلك بوقوع الياء مكانها في أي تصريف من تصاريف الكلمة. وإما لكونها دالة على التأنيث وذلك في فعلى مثلث الفاء، وفعالى بضم الفاء وفتحها وإن لم يرسم ياء في المصاحف مثل: الْحَوايا. وإما برسمها ياء في المصاحف. وإن كانت مجهولة الأصل أو منقلبة عن واو.
298 - ولكنّ أحيا عنهما بعد واوه ... وفيما سواه للكسائيّ ميّلا
299 - ورؤياى والرّؤيا ومرضاة كيفما ... أتى وخطايا مثله متقبّلا
300 - ومحياهمو أيضا وحقّ تقاته ... وفي قد هداني ليس أمرك مشكلا
301 - وفي الكهف أنساني ومن قبل جاء من ... عصاني وأوصانى بمريم يجتلا
302 - وفيها وفي طس آتاني الّذي ... أذعت به حتّى تضوّع مندلا
303 - وحرف تلاها مع طحاها وفي سجى ... وحرف دحاها وهي بالواو تبتلا
اللغة: الضمير في (عنهما) يعود على حمزة والكسائي:
المعنى: أن حمزة والكسائي أمالا الألف في لفظ أحيا إذا كان مقترنا بالواو وذلك في وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا في النجم. فإذا اقترن بالفاء نحو: فَأَحْياكُمْ، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ*. أو اقترن بثم نحو: ثُمَّ أَحْياهُمْ، أو تجرد من الواو والفاء وثم نحو: وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ، وَمَنْ أَحْياها، إِنَّ الَّذِي أَحْياها. فإنه يمال للكسائي وحده.
ثم استطرد الناظم بذكر ما انفرد الكسائي بإمالته؛ فذكر أنه انفرد بإمالة الألفاظ الآتية:
الأول: رُءْيايَ* المضاف لياء المتكلم وهو في موضعين بيوسف رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ،
(1/144)

هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ.
الثاني: الرؤيا المعروف وهو في يوسف لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ والصافات قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا والفتح لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا والإسراء وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا عند الوقف عليه.
والثالث: مَرْضاتِ* كيف جاء في القرآن سواء كان منصوبا نحو تَبْتَغِي مَرْضاتَ
أَزْواجِكَ أم مجرورا نحو ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ*.
الرابع: (خطايا) كيف وقع سواء كان بعده كاف الخطاب نحو نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ أم ضمير الغيبة نحو مِنْ خَطاياهُمْ أم نون التكلم نحو لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا والإمالة في الألف التي بعد الياء.
الخامس: محياهم في مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ في الجاثية.
السادس: حَقَّ تُقاتِهِ في آل عمران، وأما إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً فهو ممال لحمزة والكسائي.
السابع: وَقَدْ هَدانِ في الإنعام، وقيده بقد احترازا عن المجرد منها وهو قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي آخر الإنعام لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي بالرمز فإنه ممال لحمزة والكسائي.
الثامن: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ في الكهف.
التاسع: وَمَنْ عَصانِي بإبراهيم.
العاشر: وَأَوْصانِي بمريم.
الحادي عشر: آتانِيَ الْكِتابَ بمريم.
الثاني عشر: آتانِيَ اللَّهُ في النمل.
الثالث عشر والرابع عشر: تَلاها طَحاها في والشمس.
الخامس عشر: سَجى في إِذا سَجى في وَالضُّحى.
السادس عشر: دَحاها في سورة والنازعات.
304 - وأمّا ضحاها والضّحى والرّبا مع ال ... قوي فأمالاها وبالواو تختلى
305 - ورؤياك مع مثواي عنه لحفصهم ... ومحياى مشكاة هداى قد انجلى
المعنى: أمال حمزة والكسائي معا هذه الألفاظ الأربعة وهي: وَضُحاها في وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَالضُّحى وَاللَّيْلِ* والرِّبَوا* كيف وقع في القرآن الكريم. والْقُوى في عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى في والنجم. ونبه بقوله: (وبالواو تختلى) على أن هذه الألفاظ أميلت لهما، مع أن أصل ألفها الواو للتناسق بين الآي. ثم ذكر الكلمات التي اختص حفص الدوري عن الكسائي بإمالتها وهي: (رؤيا) المضاف للكاف في رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ في يوسف مَثْوايَ في أَحْسَنَ مَثْوايَ في يوسف. وأما مَثْواكُمْ* مثواهم مَثْواهُ؛ فمتفق على إمالته لحمزة والكسائي، وَمَحْيايَ في وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ بالأنعام. كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ بالنور. هُدايَ في فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ في البقرة، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ في طه.
(1/145)

306 - وممّا أمالاه أواخر آي ما ... بطه وآي النّجم كي تتعدّلا
307 - وفي الشّمس والأعلى وفي اللّيل والضّحى ... وفي اقرأ وفي والنّازعات تميّلا
308 - ومن تحتها ثمّ القيامة ثمّ في ال ... معارج يا منهال أفلحت منهلا
المعنى: مما اتفق على إمالته حمزة والكسائي رءوس آي السور الإحدى عشرة وهي: طه، النجم، الشمس، الأعلى، الليل، الضحى، العلق، النازعات، عبس، القيامة، المعارج.
والمراد: إمالة الألفات الواقعة في أواخر الآيات في السور المذكورة سواء كانت هذه الألفات في الأسماء أم في الأفعال، وسواء كان أصلها الياء أم الواو، ويستثنى من ذلك: الألف المبدلة من التنوين عند الوقف في بعض هذه الآي نحو: هَمْساً ضَنْكاً نَسْفاً* عِلْماً* ظُلْماً* عَزْماً ونبه بقوله: (كى تتعدلا) على حكمة إمالة أواخر هذه الآيات أى: كى تتعدل الآيات وتكون على سنن واحد حيث أميل فيها ما أصله الياء وما أصله الواو. و (المنهال) هو المعطي العطاء الكثير. والمراد به العالم كثير النفع بعلمه.
309 - رمى صحبة أعمى في الاسراء ثانيا ... سوى وسدى في الوقف عنهم تسبّلا
310 - وراء تراءى فاز في شعرائه ... وأعمى في الإسرا حكم صحبة أوّلا
311 - وما بعد راء شاع حكما وحفصهم ... يوالي بمجراها وفي هود أنزلا
المعنى: أمال حمزة والكسائي وشعبة ألف رَمى في الأنفال، وألف أَعْمى في الموضع الثاني في الإسراء، وهو: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى. وألف سُوىً في قوله تعالى في سورة طه: مَكاناً سُوىً عند الوقف على سُوىً، سُدىً في قوله تعالى: أَنْ يُتْرَكَ سُدىً في سورة القيامة. في الوقف على سُدىً. وإمالة حمزة والكسائي هذه الكلمات وفق القواعد المتقدمة فالجديد ضم شعبة معهم ولا يقال: كان على الناظم أن يذكر شعبة وحده لأنا نقول: لو ذكره وحده لفهم أنه مختص بإمالة هذه الكلمات فلا يميلها غيره، ومثل ذلك يقال في قوله الآتي: (وأعمى في الإسرا حكم صحبه أولا). وأمال حمزة وحده راء (تراءا) مع الألف بعدها في سورة الشعراء في الحالين وعند الوقف على (تراءا)
(1/146)

يميل حمزة والكسائي الهمزة مع الألف التى بعدها.
واحترز بقوله في شعرائه عن: تَراءَتِ الْفِئَتانِ في الأنفال فلا إمالة فيها لأحد. وأمال أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي ألف أعمى في الموضع الأول في الإسراء وهو: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فشعبة وحمزة والكسائي يميلون ألف أعمى في الموضعين، وأبو عمرو يميل في الموضع الأول فقط. ثم أخبر الناظم أن الألفات التي يصح إمالتها بأن كانت منقلبة عن ياء أو مرسومة بالياء في المصاحف أو منصوصا على إمالتها على حسب ما تقدم،
إذا وقعت هذه الألفات بعد الراء فإن أبا عمرو وحمزة والكسائي يميلونها مع إمالة الراء قبلها سواء كانت في اسم نحو: يا بُشْرى النَّصارى * أَسْرى * الذِّكْرى *. أو في فعل نحو: اشْتَرى قَدْ نَرى وَلَوْ تَرى *. ثم ذكر أن حفصا عن عاصم يوافق المميلين في إمالة الألف الواقعة بعد الراء مع إمالة الراء في لفظ مَجْراها في سورة هود، وليس لحفص إمالة في القرآن إلا في هذا اللفظ.
312 - نأى شرع يمن باختلاف وشعبة ... في الاسرا وهم والنّون ضوء سنا تلا
313 - إناه له شاف وقل أو كلاهما ... شفا ولكسر أو لياء تميّلا
المعنى: أمال حمزة والكسائي الألف التي بعد الهمزة مع الهمزة طبعا؛ إذ لا تتأتى إمالة الألف إلا مع إمالة الهمزة في: وَنَأى بِجانِبِهِ* في الإسراء وفصلت، كما يفيده إطلاقه وقوله:
(وشعبة في الإسراء وهم) أي حمزة، والكسائي، أفاد أن موضع الإسراء يميله شعبة مع حمزة والكسائي، وضم حمزة والكسائي إلى شعبة في قوله: (وهم) لأنه لو لم يفعل لفهم أن موضع الإسراء يميله شعبة وحده وليس كذلك. ثم بين أن النون في الموضعين يميلها خلف والكسائي.
والخلاصة: أن خلفا والكسائي يميلان النون والألف مع الهمزة في موضعي الإسراء وفصلت، وأن خلادا يميل الألف مع الهمزة في الموضعين ولا إمالة له في النون، وأن شعبة يميل الألف مع الهمزة في موضع الإسراء فقط ولا شيء له في موضع فصلت. هذا وما ذكره الناظم من الخلاف للسوسي في إمالة الهمزة مردود لا يقرأ به ولا يعول عليه. ثم ذكر أن هشاما وحمزة والكسائي أمالوا ألف إِناهُ مع النون في: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ في الأحزاب.
وأمال حمزة والكسائي
(1/147)

ألف أَوْ كِلاهُما في سورة الإسراء. ثم بين سبب الإمالة فيه فقال:
ولكسر- أى لكسر الكاف- أو (لياء)، أى لانقلاب الألف عن الياء (تميلا) ولذلك لو سمّي به وثنى لقيل: كليان. واحتاج الناظم إلى ذكر إمالة كلاهما؛ لأن ألفه لم ترسم في المصاحف ياء ولكن ثبتت إمالته؛ لانقلاب ألفه عن الياء فنص عليها خوفا من إهمالها.
314 - وذو الرّاء ورش بين بين وفي أرا ... كهم وذوات اليا له الخلف جمّلا
315 - ولكن رءوس الآي قد قلّ فتحها ... له غير ما ها فيه فاحضر مكمّلا
المعنى: أن الألف المتطرفة المصاحبة للراء أي: الواقعة بعدها التي ذكر في البيت السابق أن حمزة والكسائي وأبي عمرو يميلونها، هذه الألف يميلها ورش إمالة صغرى بين الفتح والإمالة المحضة، والمراد بها التقليل قولا واحدا. واستثنى من هذه الألفات الواقعة بعد الراء ألف وَلَوْ أَراكَهُمْ في الأنفال؛ فله فيها الفتح والتقليل، كذلك له الفتح والتقليل في جميع الألفات التي لم تقع بعد راء ويميلها حمزة والكسائي أو الكسائي وحده، أو الدوري وحده عن
الكسائي، واستثنى العلماء من هذا لفظ مَرْضاتِ* حيث وقع في القرآن الكريم سواء كان منصوبا أم مجرورا، وسواء كان مضافا أم مجردا عن الإضافة، ولفظ الرِّبَوا* حيث ورد في القرآن الكريم، ولفظ كِلاهُما في سورة الإسراء، ولفظ كَمِشْكاةٍ في سورة النور، فلا تقليل لورش في شيء من هذه المستثنيات بل له فيها الفتح قولا واحدا. وقوله:
(ولكن رءوس الآى) معناه: أن الألفات التي هي رءوس آي السور الإحدى عشرة السابقة التي يميلها حمزة والكسائي مطلقا سواء كانت يائية أم واوية، قد قل فتحها لورش؛ يعني أنه فتحها فتحا قليلا؛ أي قللها، فتقليل الفتح: عبارة عن الإمالة بين بين. فورش يقلل رءوس آي هذه السور قولا واحدا لا فرق عنده بين ذوات الياء وذوات الواو. وسواء كانت هذه الألفات بعد راء أم كانت بعد غيرها من الحروف فتكون هذه الألفات التي هي رءوس الآي مستثناة من الألفات التي لورش فيها الفتح والتقليل. وقوله: (غير ما ها) فيه استثناء من الألفات التي هي رءوس آي السور المذكورة التي يقللها ورش قولا واحدا.
المعنى: أن الألفات التي هي رءوس الآي إذا اقترنت بضمير المؤنث وهو لفظ
(1/148)

ها مثل:
دَحاها سَوَّاها وَمَرْعاها وَضُحاها تَلاها. لا تأخذ حكم رءوس الآي التي لم تقترن بهذا الضمير وهي التي يقللها ورش قولا واحدا بل تأخذ حكم سواها من الألفات التي هي غير رءوس آي، ولورش فيها الفتح والتقليل مثل: الدُّنْيا* وَالسَّلْوى * سَعى * لبي وَقَضى. فيكون لورش في رءوس الآي المقرونة بضمير المؤنث وجهان الفتح والتقليل سواء كانت يائية أم واوية إلا إذا كانت الألف فيها بعد راء وذلك في كلمة ذِكْراها في وَالنَّازِعاتِ فليس لورش فيها إلا التقليل عملا بقوله: (وذو الراء ورش بين بين).
والخلاصة: أن ورشا يقلل الألفات الواقعة بعد راء قولا واحدا سواء كانت رأس آية أم لم تكن، وسواء اقترن بالألف ضمير المؤنث أم لا. واستثنى له من ذلك ألف وَلَوْ أَراكَهُمْ فله فيها الفتح والتقليل ويقلل الألفات التي هي رءوس آي، ولم تقع بعد الراء ولم تقترن بالضمير قولا واحدا أيضا، ويقلل الألفات التي لم تكن رءوس آي ولم تقع بعد راء والألفات التي هي رءوس آي واقترنت بالضمير ولم تقع بعد راء بخلاف عنه، فله في كلا النوعين الفتح والتقليل.
316 - وكيف أتت فعلى وآخر آي ما ... تقدّم للبصري سوى راهما اعتلى
317 - ويا ويلتا أنّى ويا حسرتى طووا ... وعن غيره قسها ويا أسفى العلا
المعنى: هذا معطوف على ما قبله من قراءة ورش فيأخذ حكمه وهو التقليل يعني: أن ألف التأنيث المقصورة الواقعة فيما كان على وزن فعلى مثلث الفاء، والألفات التي هي أواخر آي السور الإحدى عشرة، كل منهما يقلل للبصري ثم استثنى من النوعين الألفات
الواقعة بعد راء أي؛ سواء كانت في فعلى أم في رءوس الآى المذكورة.
فليس فيها للبصري إلا الإمالة الكبرى بمقتضى قوله السابق وما بعد راء شاع حكما ثم عطف على التقليل أيضا فقال: يا وَيْلَتى * أَنَّى* الخ يعني: أن الدوري عن أبي عمرو قلل ألفات هذه الكلمات الأربع: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ في سورة هود، أَنَّى* حيث وردت في القرآن نحو: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها، أَنَّى لَكِ هذا، يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في الزمر، يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ في سورته. وضمير راهما يعود على فعلى وأواخر الآي ومعنى قوله: (وعن غيره قسها) أن غير الدوري يقيس هذه الكلمات على أصله من الفتح،
(1/149)

أو الإمالة أو التقليل. ولا يخفى أن هذه الكلمات تمال لحمزة والكسائي لاندراجها تحت أصولهما السالفة. وتقلل لورش بخلف عنه، وتفتح لباقي القراء. وقد جمع بعضهم الكلمات التي على وزن فعلى بعضهم الفاء في القرآن فبلغت عشرين كلمة وهي:
مُوسى * أُنْثى * معرّفة ومنكرة الدُّنْيا* قُرْبى * معرّفة ومنكرة الْوُسْطى الْقُصْوى وَالْعُزَّى الْوُثْقى * الْحُسْنى * الْأُولى * السُّفْلى الْعُلْيا الرُّؤْيَا* طُوبى الْمُثْلى السُّواى زُلْفى * وَسُقْياها الرُّجْعى عُقْبَى*. وأما فعلى بفتح الفاء ففي إحدى عشرة كلمة: وَالسَّلْوى * الْمَوْتى * التَّقْوى * النَّجْوى * الْقَتْلى مَرْضى * دعوا شَتَّى* صَرْعى طغوا يَحْيى *. وأما فعلى بكسر الفاء ففي أربع كلمات: سميا إِحْدَى* ضِيزى عِيسَى*. وقد اختلف العلماء في ألف كِلْتَا، فذهب جماعة إلى أنها للتأنيث فتكون على زنة فعلى بكسر الفاء فتمال لحمزة والكسائي، وتقلل للبصرى قولا واحدا، ولورش فيها الفتح والتقليل وهذا كله عند الوقف عليها، وذهب الجمهور إلى أن ألفها للتثنية وعليه فليس فيها إمالة ولا تقليل لأحد، وهذا قول عامة أهل الأداء.
318 - وكيف الثّلاثي غير زاغت بماضي ... أمل خاب خافوا طاب ضاقت فتجملا
319 - وحاق وزاغوا جاء شاء وزاد فز ... وجاء ابن ذكوان وفي شاء ميّلا
320 - فزادهم الأولى وفي الغير خلفه ... وقل صحبة بل ران واصحب معدّلا
المعنى: أمر بإمالة الألف في هذه الأفعال الثلاثية كيف وقعت في القرآن العزيز لحمزة وهي خابَ* نحو: وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً وخافَ* نحو:
وَخافَ وَعِيدِ وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ، خافُوا عَلَيْهِمْ. وطابَ* في: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ليس غير. وضاقَتْ* نحو: ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ. وحاقَ* نحو: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* وزاغَ* نحو: ما زاغَ الْبَصَرُ، فَلَمَّا زاغُوا.
وجاءَ* نحو: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى، وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ. وشاءَ* نحو: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ*، فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ و (زاد) نحو: وَزادَهُ بَسْطَةً، فَزادَتْهُمْ إِيماناً.
ويؤخذ من قوله: (وكيف الثلاثي) ومن قوله (بماضى) أن فعلا من هذه الأفعال لا يمال إلا بشرطين (الأول) أن يكون ثلاثيّا فإن كان رباعيّا امتنعت إمالته وذلك في فعلين فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ في مريم أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
(1/150)

في الصف (الثاني) أن يكون ماضيا كالأمثلة السابقة فإن كان مضارعا فلا إمالة فيه نحو: فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ*، يَخافُونَ رَبَّهُمْ، أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا. وكذا لا إمالة فيه إذا كان أمرا نحو: وَخافُونِ. ويؤخذ من قوله خافُوا*، ضاقَتْ*. أن حمزة يميل ألف هذه الأفعال سواء اتصل بها ضمير الفاعل أو تاء التأنيث
أم تجردت منهما. واستثنى له من هذه الأفعال لفظ زاغت في قوله تعالى وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ في الأحزاب. وقوله تعالى أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ في ص فقرأهما بالفتح. ثم ذكر أن ابن ذكوان وافق حمزة على إمالة ألف جاءَ* وشاءَ* حيث وقعا وكيف تصرفا وألف زاد في الموضع الأول من القرآن وهو «فزادهم الله مرضا» في البقرة واختلف عنه في باقي المواضع فروى عنه فيها الفتح والإمالة. ثم أمر بإمالة ألف بَلْ رانَ عَلى المطففين لشعبة وحمزة والكسائي. وقوله: (واصحب معدلا) معناه اصحب رجلا مقوّم الخلق، يرشدك إلى الحق ويهديك الصراط السوىّ.
321 - وفي ألفات قبل را طرف أتت ... بكسر أمل تدعى حميدا وتقبلا
322 - كأبصارهم والدّار ثمّ الحمار مع ... حمارك والكفّار واقتس لتنضلا
323 - ومع كافرين الكافرين بيائه ... وهار روى مرو بخلف صد حلا
324 - بدار وجبّارين والجار تمّموا ... وورش جميع الباب كان مقلّلا
325 - وهذان عنه باختلاف ومعه في ال ... بوار وفي القهّار حمزة قلّلا
326 - وإضجاع ذي راءين حجّ رواته ... كالابرار والتّقليل جادل فيصلا
المعنى: أمر بإمالة الألف المتوسطة الواقعة قبل راء متطرفة مكسورة للدوري عن الكسائي ولأبي عمرو، وتقييد الراء بكونها متطرفة؛ لإخراج الراء المتوسطة؛ فلا تمال الألف قبلها نحو:
وَنَمارِقُ، الْحَوارِيِّينَ، وتُمارِ في: فَلا تُمارِ فِيهِمْ. فالراء متوسطة في جميع ما ذكر. أما في: وَنَمارِقُ والْحَوارِيِّينَ فظاهر. وأما في تُمارِ: فلأن الأصل تماري
(1/151)

فحذفت الياء لدخول لا الناهية على الفعل. ومثل ذلك الْجَوارِ* في وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ في الشورى، وَلَهُ الْجَوارِ في سورة الرحمن، الْجَوارِ الْكُنَّسِ في التكوير.
فالراء فيه متوسطة أيضا؛ لأنه من باب المنقوص ووزنه فواعل؛ فحذفت الياء من آخره
للتخفيف في موضع الشورى، ولالتقاء الساكنين في موضعي الرحمن والتكوير.
ومما تجب معرفته: أن الألف لا تمال إلا إذا اتصلت بالراء ولم يفصل بينهما فاصل فإذا فصل بينهما فاصل امتنعت إمالة الألف نحو وَلا طائِرٍ. فإن الهمزة فصلت بين الألف والراء.
ونحو مُضَارٍّ في غَيْرَ مُضَارٍّ، فإن أصله مضارر فسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية، ومثله وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً، كذلك لا تمال الألف قبل الراء المكسورة المتطرفة إلا إذا كانت كسرتها أصلية فإن كانت كسرتها عارضة امتنعت إمالة الألف قبلها نحو مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ*. فإن كسرة الراء فيه عارضة بسبب الإضافة لمناسبة الياء، فإذا وقعت قبل راء متطرفة مفتوحة امتنعت إمالتها نحو وَسارَ بِأَهْلِهِ، وَيُولِجُ النَّهارَ*. ثم ذكر أمثلة لما يمال فقال ك أَبْصارِهِمْ*، والدَّارِ* نحو عُقْبَى الدَّارِ*، كَمَثَلِ الْحِمارِ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ، يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ. وتنويع الأمثلة للدلالة على إمالة الألف قبل الراء المتطرفة المكسورة سواء اتصل بالكلمة التي فيها الراء ضمير الغيبة ك أَبْصارِهِمْ* أم ضمير الخطاب نحو إِلى حِمارِكَ. أم تجردت من الضميرين نحو وَقِنا عَذابَ النَّارِ* ثم ذكر أن الدوري عن الكسائي وأبا عمرو يميلان لفظ كافِرِينَ* سواء كان منكرا نحو مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ. أم معرفا باللام نحو فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ. بشرط أن يكون بالياء كما قال الناظم: (بيائه). واحترز بذلك عما كان بالواو نحو: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. وعما تجرد من الياء والواو نحو: أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ، وَأُخْرى كافِرَةٌ فلا إمالة في القسمين. ثم أخبر أن الكسائي وشعبة وأبا عمرو وقالون وابن ذكوان بخلف عنه أمالوا ألف كلمة هارٍ في شَفا جُرُفٍ هارٍ في التوبة. ولم يمل قالون إمالة كبرى في القرآن إلا في هذه الكلمة. ثم ذكر أن الدوري عن الكسائي ينفرد بإمالة ألف لفظ جَبَّارِينَ* وهو في سورة المائدة إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وفي سورة الشعراء وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ. وبإمالة ألف لفظ وَالْجارِ* في موضعي النساء وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ ثم أخبر أن ورشا قلل الألفات في هذا
(1/152)

الباب من قوله: (وفي ألفات) إلى هنا أى الألفات الواقعة قبل راء متطرفة مكسورة ولفظ كافِرِينَ* بالياء معرفا كان أو منكرا، ولفظ هارٍ وجَبَّارِينَ* وَالْجارِ*. إلا أنه اختلف عنه في لفظ جَبَّارِينَ* في موضعيه.
ولفظ وَالْجارِ* في موضعيه؛ فروي عنه في كل من اللفظين الفتح والتقليل، ثم أخبر أن حمزة اشترك مع ورش في تقليل الألف في لفظ الْبَوارِ في وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ في إبراهيم. وفي لفظ الْقَهَّارُ* حيث وقع في القرآن الكريم.
وأخيرا بين أن أبا عمرو والكسائي يميلان الألف المتوسطة الواقعة بين راءين الثانية منهما متطرفة مكسورة نحو: إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ، دارُ الْقَرارِ، مِنَ الْأَشْرارِ.
ويلزم من إمالة الألف إمالة الراء قبلها وتقييد الراء الثانية بكونها مكسورة لإخراج الراء المفتوحة فلا إمالة في الألف قبلها نحو: إِنَّ الْأَبْرارَ*، وإِنَّ الْفُجَّارَ، فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. ومعنى: (والتقليل جادل فيصلا) أن ورشا وحمزة يقللان الألف الواقعة بين راءين بشرطها المتقدم. وقوله: (واقتس) فعل أمر ماضية اقتاس بمعنى قاس مثل قرأ واقترأ. (لتنضلا) من النضال وهو الغلبة. والمعنى: قس ما لم أذكره على ما ذكرته لتغلب خصمك بالحجة يقال: ناضلهم فنضلهم إذا رماهم فغلبهم في الرمي.
327 - وإضجاع أنصاري تميم وسارعوا ... نسارع والباري وبارئكم تلا
328 - وآذانهم طغيانهم ويسارعو ... ن آذاننا عنه الجواري تمثّلا
329 - يواري أواري في العقود بخلفه ... ضعافا وحرفا النّمل آتيك قوّلا
330 - بخلف ضممناه مشارب لامع ... وآنية في هل أتاك لأعدلا
331 - وفي الكافرون عابدون وعابد ... وخلفهم في النّاس في الجرّ حصّلا
332 - حمارك والمحراب إكراههنّ وال ... حمار وفي الإكرام عمران مثّلا
333 - وكلّ بخلف لابن ذكوان غير ما ... يجرّ من المحراب فاعلم لتعملا
المعنى: أخبر أن الدوري عن الكسائي انفرد بإمالة الألف في الألفاظ الآتية: أَنْصارِي*
(1/153)

في مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ* بآل عمران والصف، وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ بآل عمران نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ في المؤمنون، الْبارِئُ في الحشر، بارِئِكُمْ* في:
إِلى بارِئِكُمْ، عِنْدَ بارِئِكُمْ كلاهما في البقرة آذانِهِمْ* حيث وقع. والمراد الألف التي بعد الذال طُغْيانِهِمْ* حيث نزل، يُسارِعُونَ* في جميع المواضع.
آذانِنا في فصلت. والمراد إمالة الألف التي بعد الذال أيضا، والْجَوارِ* في الرحمن، والشورى، والتكوير واختلف عنه في إمالة ألف يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ، فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي، كلاهما في العقود. فروي عنه فيهما الفتح والإمالة، ولكن الصحيح الذي هو طريق النظم وأصله هو الفتح. وأما الإمالة: فليست من هذه الطريق فلا يقرأ بها له. وتقييده بالعقود للاحتراز عن يُوارِي سَوْآتِكُمْ بالأعراف، فلا خلاف عنه في فتحه. ثم أخبر أن لفظ ضعافا في ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ في النساء أمال ألفه التي بعد العين، ويلزمه إمالة العين خلاد بخلاف عنه، وخلف بلا خلاف، وأمال أيضا خلاد الألف التي بعد الهمزة ويلزمه إمالة الهمزة في لفظ آتِيكَ* في موضعيه من سورة النمل. أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ. وأمال هشام عن ابن عامر الألف في وَمَشارِبُ في سورة يس. وأمال أيضا الألف التي بعد الهمز مع إمالة الهمزة في آنِيَةٍ
في هل أتاك حديث الغاشية، وقيدها بهل أتاك للاحتراز عن: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ في الدهر. فلا إمالة لأحد. وأمال هشام أيضا الألف التي بعد العين مع إمالة العين في وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ* في الموضعين وَلا أَنا عابِدٌ الثلاثة في سورة الكافرين. وقيد هذه المواضع بهذه السورة لإخراج وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ فلا إمالة فيه لأحد. ثم ذكر أن خلف الرواة في إمالة الألف من لفظ النَّاسِ* المجرور في جميع القرآن ثابت عن أبي عمرو وظاهر هذا أن الخلاف ثابت عن أبي عمرو من الروايتين فيكون لكل من الدورى والسوسى الفتح والإمالة ولكن التحقيق أن الإمالة للدورى عنه والفتح للسوسى فلا يقرأ للدورى من طريق الناظم إلا بالإمالة ولا يقرأ السوسى من هذه الطريق إلا بالفتح. ثم ذكر أنه عن ابن ذكوان في إمالة الألف في الكلمات الآتية: حِمارِكَ في وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ في البقرة، كَمَثَلِ الْحِمارِ في الجمعة، زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ بآل عمران، إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ في ص، مِنْ بَعْدِ
(1/154)

إِكْراهِهِنَّ في النور. وَالْإِكْرامِ* في الموضعين في الرحمن، وعِمْرانَ* في آل عمران، وامْرَأَتُ عِمْرانَ في التحريم. فروى عنه في كل من هذه الكلمات الفتح والإمالة وثبتت عنه الإمالة قولا واحدا في لفظ الْمِحْرابِ* المجرور، وهو في موضعين يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ بآل عمران، فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ في مريم. وهذا معنى قوله (وكل بخلف لابن ذكوان) البيت.
334 - ولا يمنع الإسكان في الوقف عارضا ... إمالة ما للكسر في الوصل ميّلا
المعنى: لا يمنع الإسكان الذي يعرض في الوقف إمالة الألف التي تمال في الوصل بسبب الكسر الذي بعدها نحو: بِدِينارٍ، كِتابَ الْأَبْرارِ، مِنَ الْأَشْرارِ. فإن هذه الألفات أميلت في الوصل لكسر الحرف الذي بعدها، فإذا زال هذا الكسر عند الوقف عليها بالسكون؛ فإن هذا السكون باعتبار كونه عارضا لا يمنع الإمالة، وإذا كان الوقف على هذه الكلمات بالسكون لا يمنع إمالة الألف لعروض السكون، فأولى ألا يمنع إمالتها الوقف عليها بالروم؛ لأن الحرف الأخير في هذه الحال يكون متحركا ولو ببعض الحركة فيكون سبب الإمالة محققا.
335 - وقبل سكون قف بما في أصولهم ... وذو الرّاء فيه الخلف في الوصل يجتلا
336 - كموسى الهدى عيسى ابن مريم والقرى ال ... لتي مع ذكرى الدّار فافهم محصّلا
المعنى: قد تقع الألف الممالة قبل حرف ساكن في كلمة أخرى كالألف في مُوسَى من مُوسَى الْهُدى، وفي عيسى من عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ*، وفي الْقُرَى من وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي، وفي ذِكْرَى من ذِكْرَى الدَّارِ. فهذه الألف إما أن تقف عليها وإما أن تصلها بما بعدها، فإذا وقفت عليها وجب عليك أن تقف عليها بما تقرر في أصل كل
قارئ ومذهبه، فإذا كان مذهبه الفتح فقف عليها له بالفتح، وإذا كان مذهبه الإمالة الصغرى؛ فقف له عليها بالإمالة الصغرى، وإن كان مذهبه الإمالة الكبرى؛ فقف عليها بها، وإن وصلتها بما بعدها؛ وجب عليك حذفها؛ لأنها التقت ساكنة مع ساكن بعدها فتحذفها للتخلص من التقاء الساكنين، فلا يتأتى فيها حينئذ فتح ولا تقليل ولا إمالة.
ولكن الناظم
(1/155)

رضي الله عنه حكى خلافا عن السوسى في هذه الألف إذا وقعت بعد راء نحو: حَتَّى نَرَى اللَّهَ، فَسَيَرَى اللَّهُ، الْكُبْرى (23) اذْهَبْ. فروى عنه بعض أهل الأداء في حال الوصل فتحها، وروى عنه آخرون إمالتها، ولما كانت هذه الألف لا يتأتى فيها الفتح ولا الإمالة في الوصل نظرا لحذفها فيه؛ تعين حمل هذا الخلاف على الراء التي قبل الألف، فيكون فيها للسوسي الفتح والإمالة المحضة وعلة الإمالة في هذا الحرف الراء: الدلالة على الألف المحذوفة بعدها تمال له عند الوقف على أصل قاعدته، كما أمال
شعبة وحمزة الراء في رَأَى الْقَمَرَ رَأَى الشَّمْسَ حال الوصل تنبيها على أن الألف بعدها ممالة لهما عند الوقف عليها.
قال العلامة أبو شامة: وشروط ما يميله السوسى من هذا الباب: ألا يكون الساكن تنوينا، فإن كان تنوينا لم يمل بلا خلاف نحو: قُرىً* مُفْتَرىً* .. انتهى.
وينبغي أن يعلم أن السوسى إذا أمال الراء وصلا ووقع بعدها لفظ الجلالة؛ جاز له في لفظ الجلالة التفخيم نظرا للأصل، وجاز له الترقيق نظرا لإمالة الراء، فحينئذ يكون للسوسى في نحو: نَرَى اللَّهَ، فَسَيَرَى اللَّهُ ثلاثة أوجه من حيث تفخيم لفظ الجلالة وترقيقه. فإذا أمال الراء؛ جاز له التفخيم نظرا للأصل، والترقيق نظرا للإمالة، وإذا فتح الراء؛ تعين التفخيم، وله في نحو: تَرَى الْمُؤْمِنِينَ، وَتَرَى الْمَلائِكَةَ عند الوصل وجهان: الفتح والإمالة في الراء مع ترقيق اللام قولا واحدا.
337 - وقد فخّموا التّنوين وقفا ورقّقوا ... وتفخيمهم في النّصب أجمع أشملا
338 - مسمّى ومولى رفعه مع جرّه ... ومنصوبه غزّى وتترا تزيّلا
لما ذكر في البيتين السابقين حكم الألف الممالة وقفا ووصلا إذا وقع بعدها حرف ساكن في كلمة أخرى ذكر هنا حكمها إذا وقع بعدها ساكن في كلمتها وكان هذا الساكن تنوينا، ومراده بالتفخيم الفتح، وبالترقيق الإمالة.
والمعنى: أن أهل الأداء اختلفوا في الوقف على الكلمة المنونة مثل: هُدىً*، مُسَمًّى*. على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: الوقف عليها بتفخيم الألف أى فتحها مطلقا أى سواء كانت الكلمة مرفوعة نحو: وَأَجَلٌ مُسَمًّى*، يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى. أم منصوبة نحو: أَوْ كانُوا
(1/156)

غُزًّى، وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى. أم مجرورة نحو: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى*، عَنْ مَوْلًى. وأخذ هذا العموم من الإطلاق.
المذهب الثاني: ترقيقها؛ أى إمالتها في الأحوال الثلاث المتقدمة، وأخذ هذا العموم من الإطلاق أيضا.
المذهب الثالث: التفصيل وهو تفخيمها؛ أى فتحها في حال النصب وترقيقها في حالى الرفع والجر فقوله: (وقد فخموا التنوين) أى ذا التنوين (وقفا) إشارة للمذهب الأول، وقوله: (ورققوا إشارة) للمذهب الثاني. وقوله: (وتفخيمهم في النصب أجمع أشملا) إشارة للمذهب الثالث، وتمثيله ب تَتْرا لا يصح إلا على مذهب أبي عمرو فإنه الذي يقرأ بالتنوين من المميلين. فأما حمزة والكسائي فيقرءان بترك التنوين فلا خلاف عندهما في إمالة الألف وقفا ووصلا، وورش يقلله قولا واحدا. ومعنى (تزيلا) تميز المذكور وهو التنوين أى:
ظهرت أنواعه وتميز بعضها من بعض بالأمثلة المذكورة، والحق الذي لا محيص عنه ولا يصح الأخذ بغيره: أن الألف الممالة التي يقع التنوين بعدها في كلمتها كالأمثلة الآنفة الذكر حكمها حكم الألف الممالة التي يقع بعدها ساكن في كلمة أخرى تحذف وصلا وتثبت وقفا، وعند الوقف عليها يكون كل قارئ حسب مذهبه، فإن كان مذهبه الفتح فتحها، وإن كان مذهبه التقليل قللها، وإن كان مذهبه الإمالة أمالها؛ ولذلك قال الإمام الداني في التيسير: كل ما امتنعت الإمالة فيه في حال الوصل من أجل ساكن لقيه تنوين أو غيره نحو: هُدىً*، مُصَفًّى، مُصَلًّى، مُفْتَرىً*، والْأَقْصَى الَّذِي، طَغَى الْماءُ، النَّصارى الْمَسِيحُ، وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ. فالإمالة فيه سائغة في الوقف لعدم ذلك الساكن انتهى.
وقال المحقق ابن الجزرى في النشر معقبا على كلام الإمام الشاطبى: إن قول الشاطبي:
(وقد فخموا التنوين وقفا إلخ) إنما هو خلاف نحوي لا تعلق له بالقراءة .. انتهى.

23 باب مذهب الكسائي في إمالة هاء التأنيث وما قبلها في الوقف [339 - 342]
339 - وفي هاء تأنيث الوقوف وقبلها ... ممال الكسائي غير عشر ليعدلا
(1/157)

340 - ويجمعها حقّ ضغاط عص خظا ... وأكهر بعد الياء يسكن ميّلا
341 - أو الكسر والإسكان ليس بحاجز ... ويضعف بعد الفتح والضّمّ أرجلا
342 - لعبرة مائه وجهه وليكة وبعضهم ... سوى ألف عند الكسائيّ ميّلا
المعنى: هاء التأنيث هي التي تكون في الوصل تاء وفي الوقف هاء سواء رسمت في المصاحف
بالهاء أو بالتاء؛ لأن مذهب الكسائي الوقف على جميع ذلك بالهاء، ويدخل تحت قوله هاء التأنيث ما جاء على لفظها وإن لم يكن المقصود بها الدلالة على التأنيث نحو: كاشِفَةٌ، بَصِيرَةٍ*، هُمَزَةٍ، لُمَزَةٍ. ولذلك قال الداني: كان الكسائي يقف على هاء التأنيث وما شابهها في اللفظ بالإمالة فزاد كلمة وما شابهها ليدخل فيه ما ذكرنا وخرج بقولنا وفي الوصل تاء، الهاء الأصلية نحو: نَفْقَهُ، تَوَجَّهَ، يَنْتَهِ*. وهاء السكت نحو: حِسابِيَهْ* سُلْطانِيَهْ. وهاء الضمير نحو: فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ. والهاء من نحو هذِهِ* فإنها وإن كانت دالة على التأنيث لا تكون تاء في الوصل بل هي هاء وصلا ووقفا. وقوله (وما قبلها) أى والحروف التي قبلها. وقوله (ممال): اسم مفعول أريد به المصدر أى: إمالة الكسائي.
والمعنى: أن الكسائي أمال هاء التأنيث وما شابهها والحروف التي قبلها في الوقف وكلام الناظم صريح في أن الكسائي يميل الهاء والحرف الذي قبلها في الوقف وهذا
أحد قولين لأهل الأداء. والقول الثاني: أن الإمالة لا تكون إلا في الحرف الذي قبل هاء التأنيث، وأما هاء التأنيث فلا تتأتى فيها الإمالة لسكونها عند الوقف الساكن لا تتأتى فيه الإمالة ولا الفتح. ثم استثنى من الحروف الواقعة قبل هاء التأنيث التي تمال عند الوقف هذه الحروف العشر فإن الكسائي لا يميلها وهذه الحروف العشر مجموعة في قوله: (حق ضغاط عص خظا). وهي الحاء نحو وَالنَّطِيحَةُ. والقاف نحو الْحَاقَّةُ*. والضاد نحو بَعُوضَةً. والألف نحو الصَّلاةِ*. والطاء نحو بَسْطَةً*. والعين نحو الْقارِعَةُ*. والصاد نحو خَاصَّةً. الخاء نحو الصَّاخَّةُ: والظاء نحو وَمَوْعِظَةً*. ومعنى قوله (وأكهر بعد الياء يسكن ميلا) أو الكسر أن حروف (أكهر) وهي: الهمزة والكاف والهاء والراء إذا وقعت قبل هاء التأنيث وكان قبل هذه الحروف الأربعة ياء ساكنة
(1/158)

أو كسرة أميلت هذه الحروف مثال الهمزة بعد الياء الساكنة خَطِيئَةً، كَهَيْئَةِ*. ومثالها بعد الكسر مِائَةَ*، خاطِئَةٍ*. ومثال الكاف بعد الياء الساكنة الْأَيْكَةِ*. وبعد الكسر الْمَلائِكَةِ*. ومثال الهاء بعد الكسر فاكِهَةٌ*. ولا مثال لها بعد الياء الساكنة في القرآن الحكيم. ومثال الراء بعد الياء الساكنة لَكَبِيرَةٌ*، ومثالها بعد الكسر تَبْصِرَةً، الْآخِرَةُ*. وقوله (والإسكان ليس بحاجز) معناه أنه إذا وقع بين الكسر وبين حرف من حروف (أكهر) حرف ساكن فإن هذا الحرف لا يعد حاجزا ومانعا يمنع الكسر من اقتضاء الإمالة نحو: لَعِبْرَةً*، سِدْرَةِ*، وَجْهَهُ*. واختلف في فَرَّطْتُ من حيث إن الحرف الساكن حرف استعلاء وليس في القرآن مثال للهمزة والكاف. وقوله (ويضعف بعد الفتح والضم أرجلا) معناه: أن حروف (أكهر) تضعف عن تحمل الإمالة إذا كان ما قبلها مفتوحا أو مضموما سواء وقعت حروف (أكهر) بعد الحرف المفتوح أو المضموم أو فصل بينه
وبينهما ساكن. ومعنى ذلك: امتناع إمالتها إذا وقعت بعد الفتح أو الضم؛ لأن أرجلا جمع رجل بكسر الراء وسكون الجيم وهو منصوب على التمييز المحول عن الفاعل؛ أى: تضعف رجلا أكهر عن تحمل الإمالة، وفي هذا التركيب مجاز؛ حيث شبه هذه الحروف برجل ضعيف متداع لا تحمله رجلاه، والمقصود ضعف الإمالة في هذه الحالة وردها وعدم قبولها كما يقال للمذهب الضعيف: هذا المذهب لا يمشي، والتعبير هنا بالأرجل باعتبار أن الرجل آلة المشى.
فمثال الهمزة بعد الحرف المفتوح المباشر لها امْرَأَتُ*، ومثالها بعد الحرف المفتوح الذي فصل بينها وبينه ساكن بَراءَةٌ*، سَوْأَةَ*. وليس للهمزة بعد الحرف المضموم مثال في القرآن العزيز. ومثال الكاف بعد الحرف المفتوح المباشر مُبارَكَةٍ*. وبعد الحرف المفتوح الذي فصل بينها وبينه ساكن الشَّوْكَةِ. ومثالها بعد الحرف المضموم المباشر التَّهْلُكَةِ ولم تقع الكاف في القرآن بعد حرف مضموم فصل بينها وبينه ساكن. ومثال الهاء بعد الفتح مع الفصل بالألف سَفاهَةٍ*، ولم يقع في القرآن غير ذلك. ومثال الراء بعد الفتح المباشر شَجَرَةِ*، ومع الفصل بالألف سَيَّارَةٌ، بغير الألف نَضْرَةً*. ومثالها بعد الضم مع الفصل بالساكن عُسْرَةٍ*، مَحْشُورَةً. وقوله (وبعضهم سوى ألف عند الكسائي ميلا) معناه: أن بعض أهل الأداء أمال للكسائي جميع الحروف الهجائية
(1/159)

الواقعة قبل هاء التأنيث إلا الألف فلم يملها. ويؤخذ مما تقدم: أن الكسائي يقرأ بالإمالة قولا واحدا في الحروف الخمسة عشر الباقية المجموعة في قولهم: (فجثت زينب لذود شمس)؛ لأنه أخبر في البيت الأول أن الكسائي يميل جميع الحروف الهجائية الواقعة قبل هاء التأنيث واستثني منها الحروف العشرة فبقى تسعة عشر حرفا تمال كلها غير أنه اشترط في إمالة أربعة منها أن تقع بعد ياء ساكنة، أو كسر وهي: حروف أكهر، ولم يشترط في إمالة الخمسة عشر الباقية شيئا فحينئذ تمال قولا واحدا وبلا شرط فمثال الفاء خَلِيفَةً*، ومثال الجيم حُجَّةٌ*، ذاتَ بَهْجَةٍ. ومثال الثاء مَبْثُوثَةٌ، ثَلاثَةِ*. ومثال التاء الْمَيْتَةَ*. ومثال الزاي الْعِزَّةُ*، هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، بارِزَةً. ومثال الياء وَمَعْصِيَةِ*، خَشْيَةِ* ومثال النون جَنَّةٌ*، زَيْتُونَةٍ.
ومثال الباء حَبَّةٍ*، طَيِّبَةً*. ومثال اللام كامِلَةٌ*، لَيْلَةً*. ومثال الذال لَذَّةٍ*.
ومثال الواو قَسْوَةً، قُوَّةٍ*. ومثال الدال وحدة. ومثال الشين فاحِشَةً*، مَعِيشَةً. ومثال الميم رَحْمَةٌ*، نِعْمَةَ*. ومثال السين خَمْسَةٌ*، الْمُقَدَّسَةَ.
ويؤخذ من النظم: أن للكسائي في إمالة ما قبل هاء التأنيث مذهبين.
المذهب الأول: إمالة الحروف الخمسة عشر بلا شرط، وإمالة حروف أكهر بشرط وقوعها بعد ياء ساكنة أو كسر وعدم إمالتها عند فقد هذا الشرط، وعدم إمالة الحروف العشرة مطلقا.
المذهب الثاني: إمالة جميع الحروف الهجائية الواقعة قبل هاء التأنيث مطلقا إلا الألف،
فعلى كلا المذهبين لا إمالة في الألف والراجح المذهب الأول، ونستطيع أن نقول: إن الحروف الهجائية بالنسبة للإمالة وعدمها للكسائي أربعة أقسام.
القسم الأول: يمال مطلقا وبلا شرط على المذهبين وهي الحروف الخمسة عشر السابقة.
القسم الثاني: يمال بشرط أن تسبقه ياء ساكنة أو كسرة على المذهب الأول، وبلا شرط على المذهب الثاني وهي حروف أكهر.
القسم الثالث: لا يمال على المذهب الأول ويمال على المذهب الثاني، وهي الحروف العشرة ما عدا الألف.
القسم الرابع: لا يمال على كلا المذهبين وهي الألف.
وقوله (حق ضغاط عص خظا)، (ضغاط) جمع ضغطة وهو مضاف إلى (عص) بمعنى عاص، و (خظا) بمعنى سمن واكتنز لحمه والتقدير: ضغاط عاص سمن وكثر لحمه حق واقع، والناظم يشير بذلك لضغطة القبر وهي عصرته وضيقه ويشير بالسمن لكثرة الذنوب. فيكون المعنى: أن ضغطة القبر للعاصي كثير الذنوب حق
(1/160)

لا ريب فيه والأكهر الشديد العبوس، والكهر ارتفاع النهار مع شدة الحر.

24 باب مذاهبهم في الراءات [343 - 358]
343 - ورقّق ورش كلّ راء وقبلها ... مسكّنة ياء أو الكسر موصلا
344 - ولم ير فصلا ساكنا بعد كسرة ... سوى حرف الاستعلا سوى الخا فكمّلا
اللغة: الترقيق إنحاف ذات الحرف عند النطق به ويقابله التفخيم وهو تغليظ الحرف وتسمينه عند النطق به وقوله: (ورقق ورش كل راء) جملة من فعل وفاعل ومفعول والواو في و (قبلها) للحال، والظرف خبر مقدم و (ياء) مبتدأ مؤخر، و (مسكنة) حال من المبتدأ النكرة؛ لأنه في الأصل صفة له فلما قدم عليه أعرب حالا. وقوله (أو الكسر) عطف على (ياء) و (موصلا) بفتح الصاد حال من الكسر، وفي الكلام حال مقدرة للياء حذفت لدلالة الحال الثانية عليها، والتقدير: وقبلها مسكنة ياء موصلة؛ أى حال كون هذه الياء موصلة بالراء في كلمة واحدة، وحال كون الكسر موصلا بالراء في كلمة واحدة. وقوله (ولم ير فصلا) من الرؤية العلمية، و (ساكنا) مفعول أول، و (فصلا) مصدر بمعنى فاصلا هو المفعول الثاني.
والمعنى: أن ورشا رقق كل راء مفتوحة أو مضمومة سواء وقف على الكلمة أو وصلها بما بعدها إذا كان قبلها ياء ساكنة موصلة بالراء في كلمة واحدة، سواء كانت الياء حرف لين فقط
أم حرف مد ولين، وسواء كانت الراء متوسطة أم متطرفة، وسواء كانت الكلمة التي فيها الراء مقرونة بالتنوين أم مجردة منه، وهذا التعميم كله أخذ من الإطلاق نحو: فِيهِنَّ خَيْراتٌ، وَلِلَّهِ مِيراثُ*، فَالْمُغِيراتِ، ذلِكَ خَيْرٌ*، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ، وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ، وَافْعَلُوا الْخَيْرَ، قالُوا لا ضَيْرَ، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ*، نَذِيرٌ مُبِينٌ*، عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*. وقولنا: ياء ساكنة، احترزنا به عن المتحركة نحو: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، يَوْمَ يَرَوْنَ*، يُرَدُّونَ*. فلا ترقق الراء في هذه الأمثلة ونحوها. وقولنا: موصلة بالراء في كلمة واحدة، احترزنا به عن الياء الواقعة قبل الراء وكانت هي في كلمة والراء في كلمة أخرى نحو: فِي رَيْبٍ* ومُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ. فورش يفخم الراء في هذا وأمثاله.
(1/161)

وقوله: (أو الكسر موصلا) معناه: أن ورشا يرقق الراء أيضا المفتوحة والمضمومة إذا كان قبلها كسر موصل بالراء في كلمة واحدة، ويعبر عن هذا بعض المصنفين بقولهم: إذا كان قبل الراء كسرة لازمة؛ أى لا تنفصل عن الكلمة سواء كانت الراء في وسط الكلمة أم في آخرها، وسواء كانت الكلمة منونة أم غير منونة، وسواء كان الحرف المكسور قبلها حرف استفال أم حرف استعلاء، وهذا التعميم فهم من الإطلاق نحو ذِراعَيْهِ، فَالْمُدَبِّراتِ، قِرَدَةً خاسِئِينَ*، إِلَّا مِراءً ظاهِراً، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ، الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وشاكِراً لِأَنْعُمِهِ، يا أَيُّهَا السَّاحِرُ، مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها، فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ، وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ، مِنْ قَطِرانٍ واحترز بقوله (موصلا) عن الكسر المنفصل عن الراء في كلمة أخرى نحو عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ.
ويدخل فيه نحو: بِرَشِيدٍ، بِأَمْرِ رَبِّكَ، بِرَبْوَةٍ، لِرُقِيِّكَ؛ لأن حرف الجر وإن اتصل خطّا في حكم المنفصل؛ لأنه مع مجروره كلمتان فلا ترقيق في هذا وأمثاله لورش.
وقوله: (ولم ير فصلا ... إلخ) معناه: أنه إذا وقع بين الكسر اللازم الموصل وبين الراء حرف ساكن؛ فإن ورشا لا يعتد بهذا الساكن ولا يعتبره فاصلا وحاجزا يمنع ترقيق الراء، سواء كانت الراء متوسطة نحو: وِزْرَكَ، ذِكْرَكَ، الْمِحْرابَ*، وَالْإِكْرامِ*، لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، فَعَلَيَّ إِجْرامِي أم متطرفة نحو: لَيْسَ الْبِرَّ*، أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ، فِيهِ ذِكْرُكُمْ وسِحْرٌ مُبِينٌ*. وكما اشترط في الكسر المباشر للراء أن يكون موصلا بالراء في كلمة واحدة أعنى أن يكون لازما كما تقدم، اشترط في الكسر الذي يفصل بينه وبين الراء حرف ساكن أن يكون موصلا بالراء ولازما في كلمة واحدة كما في الأمثلة الآنفة الذكر. فإن كان الكسر في كلمة والراء في كلمة أخرى؛ امتنع ترقيق الراء نحو ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ، وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ على أن الكسر في وَإِنِ امْرَأَةٌ عارض، ففي هذه الكلمة مانعان من الترقيق: انفصال الكسر، وعروضه. وإذا ابتدئ بهذا الكلمات: امْرَأَ،
امْرَأَتَ*، امْرُؤٌ. فخّمت راءاتها؛ لأن همزتها همزة وصل جيء بها للتوصل بالساكن بعدها؛ فهى عارضة؛ فتكون حركتها عارضة كذلك، ثم استثنى من الحرف الساكن الذي لا يعد مانعا من ترقيق: الراء حرف الاستعلاء فاعتد به واعتبره مانعا من ترقيق الراء. والمراد جنس
(1/162)

حرف الاستعلاء الصادق بأي حرف من حروف الاستعلاء السبعة، ولم يقع في القرآن بين الكسر والراء من حروف الاستعلاء إلا الصاد والطاء والقاف. فالصاد وقعت في اهْبِطُوا مِصْراً ووَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً ووَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ، لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ، ادْخُلُوا مِصْرَ، أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ. ووقعت الطاء في أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً، فِطْرَتَ اللَّهِ. ووقعت القاف في فَالْحامِلاتِ وِقْراً.
ثم استثنى من حروف الاستعلاء الخاء فلم يعتبرها فاصلا، وألحقها بحروف الاستفال فإذا وقعت بين الكسرة والراء فإن وقوعها لا يمنع كترقيق الراء كما إذا وقع بينهما حرف من حروف الاستفال وقد وقعت الخاء في: وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ، غَيْرَ إِخْراجٍ، وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً.
345 - وفخّمها في الأعجميّ وفي إرم ... وتكريرها حتّى يرى متعدّلا
اللغة: فخّم ورش الراء في كل اسم أعجمي وجد فيه سبب الترقيق، والواقع منه في القرآن ثلاثة أسماء: إِبْراهِيمَ*، إِسْرائِيلَ*، عِمْرانَ*. فالراء تفخم في هذه الأسماء حيث ذكرت في القرآن الكريم وهذا في قوة الاستثناء من قوله: (ولم ير فصلا ساكنا ... إلخ) فيكون مستثنى مما وقعت فيه الراء بعد كسرة وفصل بينها وبين الكسرة حرف استفال ساكن إذ القياس يقتضي ترقيقها.
وفخّم ورش الراء أيضا في كلمة إِرَمَ في قوله تعالى في سورة والفجر إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ وهذا في قوة الاستثناء من قوله (أو الكسر موصلا) فيكون مستثنى من الراء الواقعة
بعد كسر موصل بالراء في كلمة واحدة، وقوله (وتكريرها) مصدر بمعنى المفعول أي في الكلمة المكررة فيها الراء
المعنى: أن ورشا فخم الراء في الكلمة التي تكررت فيها الراء، فإذا وجد في الكلمة راءان ووجد سبب لترقيق الأولى فقط فيترك ترقيقها وتفخم، وقد وقعت الراء مكررة في خمس كلمات ضِراراً* في وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً في التوبة، وفِراراً* في لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً في الكهف، والْفِرارُ في قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ في الأحزاب، وإِسْراراً في وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً في نوح، ومِدْراراً* في يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* في هود ونوح، وتفخيمها في ضِراراً*، وفِراراً* والْفِرارُ في قوة الاستثناء من قوله: (أو
(1/163)

الكسر موصلا) وفي وإِسْراراً ومِدْراراً* في قوة الاستثناء من قوله: (ولم ير فصلا ساكنا ... إلخ).
ثم بين الناظم علة تفخيم الراء المكررة فقال (حتى يرى متعدلا) وذلك أن الراء الثانية مفخمة؛ إذ لا موجب لترقيقها والراء الأولى وجد سبب ترقيقها وهو كسر ما قبلها ولكنها فخمت ليتعدل اللفظ بتفخيم الراءين لما فيه من الانتقال من تفخيم إلى تفخيم فيكون أيسر في النطق.
346 - وتفخيمه ذكرا وسترا وبابه ... لدى جلّة الأصحاب أعمر أرحلا
والمعنى: (الجلة) جمع جليل. و (أعمر) أفعل تفضيل من العمارة ضد الخراب.
و (أرحلا) جمع رحل وهو المنزل، منصوب على التمييز، وهذا أيضا من جملة المستثنى من الراء التي حال بينها وبين الكسر حائل غير حصين لا يمنع ترقيقها وقد اختلف الرواة عن ورش في ست كلمات مخصوصة وهي: ذِكْراً*، سِتْراً، إِمْراً، وِزْراً، حِجْراً*، وَصِهْراً. فروى عنه جمهور أهل الأداء التفخيم فيهن. وروى عنه البعض الترقيق فيهن. والوجهان عنه صحيحان، والأول مقدم في الأداء وأما نحو (سرّا) من كل ما كان الساكن قبل الراء مدغما فيها فلا خلاف عن ورش في ترقيقها حيث إن المدغم والمدغم فيه كالشيء الواحد فكأن الراء وليت الكسرة. وأشار الناظم بقوله: (أعمر أرحلا) إلى رجحان التفخيم في الكلمات المذكورة؛ لأن عمارة الرحل وهو المنزل توزن بالعناية به والتعاهد له.
347 - وفي شرر عنه يرقّق كلّهم ... وحيران بالتّفخيم بعض تقبّلا
المعنى: يرقق جميع الرواة عن ورش الراء الأولى المفتوحة في بشرر في قوله تعالى إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ في سورة وَالْمُرْسَلاتِ وصلا ووقفا، وهذا مخالف للأصل المتقدم وهو أن سبب الترقيق وجود كسر قبل الراء، وأما هنا فسببه وجود كسر بعدها، وأما الراء الثانية: فترقق للجميع؛ لأنها مكسورة؛ وإذا وقف غير ورش على بِشَرَرٍ فخم الراء الأولى وله في الثانية وجهان السكون المحض مع التفخيم والروم مع الترقيق، وإذا وقف ورش عليها رقق الراءين معا مع السكون المحض أو الروم في الثانية، ثم بين أن بعض أهل الأداء عن ورش تقبل عن ورش لفظ حَيْرانَ بتفخيم الراء أى أخذه ونقله عنه، ومفهوم هذا: أن البعض الآخر رواه عنه بالترقيق على الأصل. وهذا مستثنى من
(1/164)

الأصل السابق وهو ترقيق الراء بعد الياء الساكنة، فيكون في لفظ حَيْرانَ وجهان التفخيم والترقيق.
348 - وفي الرّاء عن ورش سوى ما ذكرته ... مذاهب شذّت في الأداء توقّلا
المعنى: أنه ورد عن ورش مذاهب كثيرة في الراء غير ما ذكره، وهذه المذاهب شذّ ارتفاعها ونقلها في طرق الأداء، فلا يحفل بها ولا يعنينا ذكرها، ولذلك أمسك عن بيانها لضعفها وشذوذها و (توقلا) مصدر توقل في الجبل إذا صعد فيه.
349 - ولا بدّ من ترقيقها بعد كسرة ... إذا سكنت يا صاح للسّبعة الملا
المعنى: يجب ترقيق الراء إذا سكنت بعد كسرة للقراء السبعة بشرط أن تكون الكسرة لازمة سواء كانت الراء متوسطة نحو: فِرْعَوْنَ*، الْإِرْبَةِ وشِرْعَةً، مِرْيَةٍ*، أم متطرفة نحو:
فَاصْبِرْ*، فَانْتَصِرْ، اسْتَغْفِرْ لَهُمْ*. سواء كان سكونها أصليّا كهذه الأمثلة أم عارضا نحو:
قَدْ قُدِرَ، سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ. فإذا كانت الكسرة عارضة وجب تفخيمها لجميع القراء أيضا نحو: أَمِ ارْتابُوا، لِمَنِ ارْتَضى. ونحو: ارْكَعُوا* عند البدء بهذه الكلمة؛ لأن همزة الوصل عارضة فحركتها كذلك، وهذا الحكم هو وجوب ترقيقها إذا سكنت بعد الكسرة اللازمة ثابت لها إذا لم يكن بعدها حرف استعلاء، فإن كان بعدها حرف استعلاء؛ فسيذكر حكمها في البيت الآتي. و (يا صاح) منادي مرخم أي يا صاحبي. و (الملأ) الأشراف.
350 - وما حرف الاستعلاء بعد فراؤه ... لكلّهم التّفخيم فيها تذلّلا
351 - ويجمعها قظ خصّ ضغط وخلفهم ... بفرق جرى بين المشايخ سلسلا
المعنى: يعني واللفظ الذي وقع حرف الاستعلاء فيه بعد رائه فراء هذا اللفظ تذلل التفخيم فيها لكل القراء أي انقاد بسهولة، فإذا وقع بعد الراء حرف من أحرف الاستعلاء السبعة (1) وجب تفخيمها لكل القراء، ورش وغيره سواء كانت ساكنة وهي في:
_________
(1) لم يقع في القرآن من حروف الاستعلاء في هذا النوع إلّا القاف والصاد والضاد والطاء.
(1/165)

وَإِرْصاداً بالتوبة، ومِرْصاداً بالنبإ، لَبِالْمِرْصادِ في الفجر فِي قِرْطاسٍ بالأنعام، فِرْقَةٍ مِنْهُمْ في التوبة. أم كانت الراء متحركة- وإن حالت الألف بينها وبين حرف الاستعلاء إذ الألف حاجز غير حصين- وقد وقع من حروف الاستعلاء بعد الراء المتحركة في القرآن الكريم: القاف والضاد والطاء. فأما القاف فوقعت في ثلاثة مواضع، هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ في الكهف، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ في القيامة، بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ في ص، وأما الضاد ففي موضعين: أَوْ إِعْراضاً في النساء، وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ في الأنعام. وأما الطاء ففي لفظ صِراطَ* حيث ورد في القرآن الكريم سواء كان منكرا أم معرفا. فيجب
تفخيم الراء في هذا لجميع القراء بشرط أن يكون حرف الاستعلاء مع الراء في كلمة كما ذكر في الأمثلة، فإن كانت الراء في كلمة وحرف الاستعلاء في كلمة بعدها؛ فلا اعتبار لحرف الاستعلاء حينئذ فلا يمنع ترقيق الراء لورش سواء حال بينه وبين الراء حائل غير الألف نحو: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أم وقع بعد الراء مباشرة نحو: الذِّكْرَ صَفْحاً، يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ، لِتُنْذِرَ قَوْماً* عند ورش، ونحو:
أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ، فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا عند ورش، وغيره.
ثم ذكر أن اختلاف القراء في راء فرق في سورة الشعراء فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ جرى بين المشايخ فمنهم من فخمها نظرا لوقوع حرف الاستعلاء بعدها، ومنهم من رققها نظرا لكسر
حرف الاستعلاء، والوجهان صحيحان لكل القراء، ومعنى (قظ خص ضغط) أي أقم في القيظ في خص ذي ضغط أي خص ضيق من القصب؛ أي اقنع من الدنيا بمثل ذلك واسلك طريق السلف الصالح ولا تهتم بزينتها.
352 - وما بعد كسر عارض أو مفصّل ... ففخّم فهذا حكمه متبذّلا
المعنى: أمر بتفخيم الراء لورش إذا وقعت بعد كسر عارض متصل نحو: امْرَأَتُ*، امْرُؤٌ، امْرَأَ. عند البدء بهذه الكلمات- ولجميع القراء ورش وغيره- إذا وقعت بعد هذا الكسر العارض المتصل نحو: ارْتابُوا، ارْجِعُوا*، ارْجِعِي، ارْكَعُوا*، ارْكَبُوا. حين البدء بهذه الكلمات؛ فيجب تفخيم الراء في جميع ما ذكر عند جميع القراء نظرا لعروض الكسر قبله، وإنما كان الكسر في هذه الأمثلة ونحوها عارضا؛ لأن همزة الوصل نفسها
(1/166)

عارضة؛ لأنه لا يؤتي بها إلا حال البدء للتوصل إلى النطق بالساكن، وإذا كانت همزة الوصل نفسها عارضة، كانت حركتها عارضة كذلك أمر بتفخيم الراء لجميع القراء ورش وغيره إذا وقعت بعد كسر منفصل عنها بأن يكون في كلمة غير كلمتها سواء كان هذا الكسر المنفصل لازما نحو: رَبِّ ارْجِعُونِ، الَّذِي ارْتَضى بالنسبة للجميع، ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ، فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ، بِحَمْدِ رَبِّهِمْ*، بِأَمْرِ رَبِّكَ بالنسبة لورش. أم كان عارضا نحو قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ، وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ، إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ بالنسبة لورش، أَمِ ارْتابُوا وإِنِ ارْتَبْتُمْ*، لِمَنِ ارْتَضى بالنسبة لجميع القراء.
ومن الكسر المنفصل بالنسبة لورش نحو: بِرَسُولٍ، بِرازِقِينَ، بِرُؤُسِكُمْ، بِرَشِيدٍ، لِرَبِّكِ*، لِرُقِيِّكَ، وَلِرَسُولِهِ. وإنما كان الكسر منفصلا في هذه الأمثلة ونحوها؛ لأن حرف الجر منفصل تقديرا عن الكلمة التي دخل عليها؛ إذ الجار ومجروره كلمتان مستقلتان حرف واسم فهما وإن اتصلا لفظا وخطّا منفصلان حكما وتقديرا. وقوله:
(متبذلا) حال يشير به إلى أن التفخيم مشهور عند العلماء مبذول بينهم مستفيض.
353 - وما بعده كسر أو اليا فما لهم ... بترقيقه نصّ وثيق فيمثلا
المعنى: ذكر الناظم في صدر هذا الباب أن ورشا يرقق الراء المفتوحة والمضمومة إذا وقع قبلها ياء ساكنة أو كسرة فهما الموجبان لترقيقها، وأشار في هذا البيت إلى أن بعض أهل الأداء رققوا الراء إذا وقع بعدها كسرة نحو بَيْنَ الْمَرْءِ*، كُرْسِيُّهُ*، رَدِفَ لَكُمْ، مَرْضِيًّا، لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، مَرْجِعُكُمْ*. أو وقع بعدها ياء ساكنة نحو: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ*، أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ. أو متحركة نحو: مَرْيَمَ*، قَرْيَةٍ*. قياسا على ما إذا كانت الكسرة أو الياء قبل الراء.
وبين الناظم أن هؤلاء ليس لهم فيما ذهبوا إليه نص صريح ونقل صحيح ومستند قوى يعتمد عليه فيظهر ويذاع بين القراء. وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح ترقيق الراء إذا وقع بعدها كسر أو ياء بل يجب تفخيمها لجميع القراء.
354 - وما لقياس في القراءة مدخل ... فدونك ما فيه الرّضا متكفّلا
المعنى: لا يجوز ترقيق الراء التي بعدها كسرة أو ياء قياسا على ترقيق الراء التي قبلها كسرة أو ياء؛ إذ ليس للقياس مدخل في القراءة؛ لأن جميع الأوجه والقراءات إنما تعتمد على
(1/167)

النقل المتواتر والتلقي الصحيح المضبوط، فالزم ما نقل عن الأئمة وارتضوه من تفخيم وترقيق، واعمل على نقله لغيرك، وقد يقال: إن بين هذا البيت وبين قوله في باب الإمالة (واقتس لتنضلا) تناقضا؛ لأن هذا البيت نفى القياس في القراءة. وقوله: (واقتس لتنضلا) أمر بالقياس فيها فبين قوليه تدافع ويمكن دفع التناقض بأن المراد بالقياس المنفي هنا قياس قاعدة كلية على أخرى مثلها والمراد بالقياس المأمور به هناك: قياس الأمثلة بعضها على بعض فلا تناقض بين الموضعين.
355 - وترقيقها مكسورة عند وصلهم ... وتفخيمها في الوقف أجمع أشملا
356 - ولكنّها في وقفهم مع غيرها ... ترقّق بعد الكسر أو ما تميّلا
357 - أو الياء تأتي بالسّكون ورومهم ... كما وصلهم فابل الذكاء مصقّلا
المعنى: الراء المكسورة قد تكون في أول الكلمة نحو: رِجالٌ*، رِسالَةَ، رِضْوانٌ*. وقد تكون في وسطها نحو: فَرِحِينَ*، الشَّاكِرِينَ*، وَالْغارِمِينَ. وقد تكون في آخرها نحو: إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ، وَدُسُرٍ، بِقَدَرٍ*. فإذا كانت في أول الكلمة أو في وسطها: وجب ترقيقها لكل القراء وصلا ووقفا، وإن كانت في آخر الكلمة وجب ترقيقها لجميع القراء وصلا
سواء كانت حركتها أصلية نحو مِنْ مَطَرٍ. أم عارضة نحو:
وَأَنْذِرِ النَّاسَ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ* وَانْحَرْ (2) إِنَّ شانِئَكَ في قراءة ورش. وأما في الوقف فينظر إلى ما قبلها فإن كان مفتوحا نحو: كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ، فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. أو مضموما نحو: إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ*، فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ. أو ألفا نحو: غَيْرَ مُضَارٍّ، وَقِنا عَذابَ النَّارِ*. أو واوا نحو هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ، فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ. أو حرفا ساكنا صحيحا نحو: مَعَ الْعُسْرِ* مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. فإنه يجب تفخيمها في هذه الأحوال كلها، وكذلك حكم المفتوحة والمضمومة؛ فإنها يفخمان في هذه الأحوال. فالمفتوحة بعد فتح نحو:
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ. وبعد ضم نحو: وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، لِيَفْجُرَ. وبعد ألف نحو:
إِنَّ الْأَبْرارَ*، وَإِنَّ الْفُجَّارَ. وبعد واو نحو: لَنْ تَبُورَ، وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ.
وبعد الحرف الساكن الصحيح نحو: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
والمضمومة بعد فتح نحو: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ
(1/168)

الْقَمَرُ، وبعد ضم نحو: جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ، وبعد ألف نحو: تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ*. وبعد واو نحو:
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ، وَهُوَ الْغَفُورُ*. وبعد الحرف الساكن الصحيح نحو: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ، مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ.
وإن كان ما قبلها- أي المكسورة- مكسورا نحو: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*، عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ فإنه يجب ترقيقها ويدخل في هذا ما إذا حال بين الراء وبين الكسر حاجز غير حصين نحو: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، مِنَ السِّحْرِ؛ فترقق أيضا.
فإن كان الحاجز حصينا وهو حرف الاستعلاء، وقد وقع ذلك في عَيْنَ الْقِطْرِ ففيها الترقيق والتفخيم ولكن الترقيق أولى. وهذان الوجهان ثابتان أيضا في الوقف على مِصْرَ*- وإن كانت راؤها مفتوحة- ولكن التفخيم فيها أولى، وكذلك ترقق المكسورة وقفا إذا كان قبلها ألف ممالة نحو: مِنْ أَنْصارٍ*، كِتابَ الْأَبْرارِ. بالنسبة لمن يميل أو كان قبلها ياء ساكنة نحو: مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ، مِنْ خَيْرٍ*. والمفتوحة والمضمومة يشاركان المكسور في الترقيق عند الوقف إذا كان قبل كل منهما كسرة نحو: مِنْ أَساوِرَ*، وَازْدُجِرَ، إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ*، وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ. ويدخل في هذا ما كان بين الراء والكسر حاجز غير حصين- وهو حرف الاستفال- نحو: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ*. وتشارك المفتوحة والمضمومة المكسورة أيضا في الترقيق عند الوقف، إذا كان قبل كل منهما ياء ساكنة نحو: لا ضَيْرَ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ، فَهُوَ خَيْرٌ*، وَاللَّهُ قَدِيرٌ.
وهذا معنى قول الناظم: (ولكنها في وقفهم مع غيرها إلخ) فإنه أراد بالغير المفتوحة والمضمومة أى ولكنها- المكسورة- ترقق في الوقف مع المفتوحة والمضمومة إذا وقع كل منهما بعد الكسر أو الحرف الممال أو الياء الساكنة وإن كانت المفتوحة والمضمومة لا تقعان بعد الألف الممالة كما لا يخفى، فيكون المراد أنهما يشاركان المكسورة فيما يمكن المشاركة فيه من الحالين المذكورين، وهذه الأحكام إذا وقفت على الراء بالسكون المحض، أما إذا وقفت عليها بالروم:
فقد بيّن الناظم حكمها في قوله: (ورومهم كما وصلهم).
المعنى: أن حكم الراء حين الوقف عليها بالروم كحكمها عند الوصل، فإن كانت في الوصل مرققة بأن كانت مكسورة؛ وقفت عليها بالروم مرققة، وإن كانت في الوصل مفخمة بأن كانت مضمومة- إذ الروم لا يدخل المفتوح- وقفت عليها بالروم
(1/169)

مفخمة، اللهم إلا إذا كان قبل المضمومة كسرة نحو: هُوَ الْقادِرُ. أو ياء ساكنة نحو: وَهُوَ حَسِيرٌ. ووقفت بالروم لورش؛ فإنك ترقق الراء؛ لأنه يقرؤها بالترقيق وصلا.
والخلاصة: أنه في حال الوقف عليها بالروم ينظر إلى حركتها، وفي حال الوقف عليها
بالسكون المحض ينظر إلى حركة ما قبلها وقوله: (وترقيقها) مبتدأ وخبره (عند وصلهم)، و (تفخيمها) مبتدأ و (أجمع) خبره. و (أشملا) تمييز وهو جمع شمل. والمعنى: هو أجمع أشملا من ترقيقها، وفي ذلك إشارة إلى كثرة الناقلين للتفخيم وقلة من نبه على الترقيق.
وقوله: (قابل) أي اختبر الذكاء وحدة الذهن. و (التصقيل) بمعنى الصقل: إزالة الصدأ، وهو نعت لمصدر محذوف أى بلاء مصقولا يشير إلى صحة الاختبار ونقائه مما يكدره.
358 - وفيما عدا هذا الّذي قد وصفته ... على الأصل بالتّفخيم كن متعمّلا
اللغة: (كن متعملا) بمعنى: عاملا.
والمعنى: اعمل بالتفخيم الذي هو الأصل في الراءات فيما عدا ما ذكرته من القواعد التي يرقق ورش بمقتضاها بعض الراءات والقواعد التي يرقق جميع القراء السبعة بمقتضاها بعض الراءات والله تعالى أعلم.

25 باب اللامات [359 - 364]
359 - وغلّظ ورش فتح لام لصادها ... أو الطّاء أو للظّاء قبل تنزّلا
360 - إذا فتحت أو سكّنت كصلاتهم ... ومطلع أيضا ثمّ ظلّ ويوصلا
المعنى: التفخيم والتغليظ لفظان مترادفان على معنى واحد وهو قسمان للحرف عند النطق به، غير أن التفخيم غلب استعماله في باب الراءات، والتغليظ غلب استعماله في باب اللامات، وضدهما الترقيق.
وقد غلظ ورش كل لام مفتوحة وقعت بعد حرف من هذه الأحرف الثلاثة: الصاد، الطاء، والظاء، سواء كانت اللام مخففة أم مشددة، متوسطة أم متطرفة، بشرط أن تكون الأحرف الثلاثة مفتوحة أو ساكنة، والواقع في القرآن
(1/170)

الكريم من الصاد المفتوحة مع اللام المخففة: الصَّلاةَ*، صَلَواتٌ*، صَلاتَكَ*، صَلاتِهِمْ* صَلَحَ*، فُصِّلَتْ*، يُوصَلَ*، فَصْلٌ، مُفَصَّلًا، مُفَصَّلاتٍ، وَما صَلَبُوهُ. ومع اللام المشددة: مُصَلًّى، فَصَلَّى، يَصْلى *، يُصَلَّبُوا. وأما الصاد الساكنة فوقعت في: يَصْلى *، سَيَصْلى، يَصْلاها*، وَسَيَصْلَوْنَ، يَصْلَوْنَها*، اصْلَوْهَا*، فَيُصْلَبُ، أَصْلابِكُمْ وَأَصْلَحَ*، وَأَصْلَحُوا*، إِصْلاحاً*، وَأَصْلَحَ*، الْإِصْلاحَ، وَفَصْلَ الْخِطابِ.
والواقع في القرآن من الطاء المفتوحة مع اللام المخففة: الطَّلاقَ*، وَانْطَلَقَ، فَانْطَلَقُوا، أَطَّلَعَ* فَاطَّلَعَ*، وَبَطَلَ، مُعَطَّلَةٍ، طَلَباً. ومع المشددة:
وَالْمُطَلَّقاتُ، طَلَّقْتُمُ*، طَلَّقَكُنَّ، طَلَّقْتُمُوهُنَّ*.
وأما الطاء الساكنة فوقعت في موضع واحد: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ. والواقع من الظاء المعجمة المفتوحة مع اللام المخففة: ظَلَمَ*، ظَلَمُوا*، وَما ظَلَمُونا* ومع المشددة: وَظَلَّلْنا*، فَظَلَّتْ، ظَلَّ وَجْهُهُ*.
وأما الظاء الساكنة فوقعت في: وَمَنْ أَظْلَمُ*، وَإِذا أَظْلَمَ، وَلا يُظْلَمُونَ*، فَيَظْلَلْنَ. وصفوة القول: أن اللام تغلظ لورش بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن تكون اللام مفتوحة، وذكر الناظم هذا الشرط بقوله: (فتح لام) فإذا كانت اللام مضمومة نحو: يُصَلُّونَ، لَظَلُّوا، تَطْلُعُ. أو مكسورة نحو:
يُصَلِّي عَلَيْكُمْ، إِلَّا مَنْ ظُلِمَ*، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ*. أو ساكنة نحو: صَلْصالٍ*، وَلَقَدْ وَصَّلْنا، فَظَلْتُمْ. فإنها ترقق لورش حينئذ.
الشرط الثاني: أن يقع أحد هذه الحروف قبل اللام كما ذكر في الأمثلة. وذكر الناظم هذا الشرط بقوله: (قبل) فإذا وقع أحد هذه الحروف بعد اللام رققت نحو:
لَسَلَّطَهُمْ، وَلْيَتَلَطَّفْ، فَاسْتَغْلَظَ، إِنَّها لَظى.
الشرط الثالث: أن يكون أحد هذه الحروف مفتوحا أو ساكنا كما تقدم. وذكر الناظم هذا الشرط بقوله (إذا فتحت أو سكنت) فإذا كان مضموما نحو: الظُّلَّةِ فِي ظُلَلٍ. أو مكسورا نحو: فُصِّلَتْ*، عُطِّلَتْ، ظِلالٍ*. وجب ترقيق اللام.
361 - وفي طال خلف مع فصالا وعند ما ... يسكّن وقفا والمفخّم فضّلا
362 - وحكم ذوات الياء منها كهذه ... وعند رءوس الآي ترقيقها اعتلا
(1/171)

المعنى: اختلف الرواة عن ورش فيما حالت فيه الألف بين الطاء واللام، وبين الصاد واللام، وقد حالت الألف بين الطاء واللام في: أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ بطه، حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ بالأنبياء، فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ بالحديد.
وحالت الألف بين الصاد واللام في فِصالًا بالبقرة، يُصْلِحا بالنساء؛ فروى بعض الرواة عن ورش تغليظها، وروى بعضهم ترقيقها، وعلى التفخيم جمهور أهل الأداء، ورجحه في النشر، وكذلك اختلف الرواة عنه في اللام المتطرفة المفتوحة الواقعة بعد أحد الأحرف الثلاثة إذا وقف عليها، وذلك في أَنْ يُوصَلَ* في البقرة والرعد، فَلَمَّا فَصَلَ بالبقرة، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ بالأنعام، وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ بالأعراف، ظَلَّ وَجْهُهُ* بالنحل والزخرف، وَفَصْلَ الْخِطابِ بص، فروى له في كل الوجهان، والتغليظ أرجح.
وكذلك اختلف عن ورش في اللامات الواقعة بعد الصاد وبعدها ألف منقلبة عن الياء إذا لم تكن
الألف رأس آية. وقد وردت في مُصَلًّى في: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى بالبقرة، حال الوقف على مُصَلًّى، يَصْلاها مَذْمُوماً بالإسراء، وَيَصْلى سَعِيراً بالانشقاق، يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى بالأعلى، عند الوقف على يَصْلى *، تَصْلى ناراً حامِيَةً بالغاشية، لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى بالليل، سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ. فأخذ له بعض أهل الأداء بتغليظ هذه اللامات وبعضهم بترقيقها، وقد سبق في باب الفتح والإمالة أن لورش الفتح والتقليل في ذوات الياء. ولا شك أن التغليظ والتقليل لا يتأتى اجتماعهما في القراءة لتنافرهما، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل الأداء، فحينئذ يتعين مع التغليظ الفتح ومع الترقيق التقليل، فيكون لورش في كل كلمة من الكلمات المذكورة وجهان: التغليظ مع الفتح، والترقيق مع التقليل والأول أرجح.
وقولنا: إذا لم تكن الألف رأس آية؛ احتراز عما إذا كانت الألف التى بعد اللام رأس آية، وعلم في باب الفتح والإمالة أن ورشا ليس له في رءوس الآي إلا التقليل، فإن كانت الألف رأس آية؛ فإنه يتعين ترقيق اللام مع التقليل، وهذا معنى قوله: (وعند رءوس الآي ترقيقها اعتلى).
وقد ذكرت هذه الألفات في كلمة صَلَّى* في ثلاثة مواضع: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى بالقيامة، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بالأعلى، أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إِذا صَلَّى بالعلق.
(1/172)

363 - وكلّ لدى اسم الله من بعد كسرة ... يرقّقها حتّى يروق مرتّلا
364 - كما فخّموه بعد فتح وضمّة ... فتمّ نظام الشّمل وصلا وفيصلا
المعنى: إذا وقع لفظ الجلالة اللَّهِ* بعد كسرة نحو: أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ، أَفِي اللَّهِ شَكٌّ، لِلَّهِ الْأَمْرُ* ما يَفْتَحِ اللَّهُ فكل القراء يرققون لامه. وإذا وقع بعد فتحة نحو:
شَهِدَ اللَّهُ، قالَ اللَّهُ*، وتَاللَّهِ*. أو بعد ضمة نحو: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ، رُسُلُ اللَّهِ، عَلَيْهُ اللَّهَ. في قراءة حفص؛ فجميع القراء يغلظون لامه وكذلك يغلظون لام آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ بيونس، آللَّهُ خَيْرٌ بالنمل، سواء قرئ كلاهما بالتسهيل أم بالإبدال.
تتمة: إذا قرأ ورش: أَفَغَيْرَ اللَّهِ*، وَلَذِكْرُ اللَّهِ، ذُكِرَ اللَّهُ*. وأمثال ما ذكر، فخم لفظ الجلالة مع ترقيق الراء، وإذا قرأ السوسي حَتَّى نَرَى اللَّهَ بالفتح تعين تفخيم لفظ الجلالة. وإذا قرأ بالإمالة؛ فله في لفظ الجلالة التفخيم والترقيق. وقول الناظم:
(حتى يروق مرتلا) الضمير في (يروق) يعود على لفظ الجلالة. و (مرتلا) اسم مفعول وهو حال؛ أى حتى يحسن لفظ الله حال ترتيله. وقوله: (فتم نظام الشمل ... إلخ) أي كمل جمع المسائل في تغليظ اللام وترقيقها في حال وصلها بما بعدها، وهذا معنى قوله:
(وصلا) وفي حال فصلها عما بعدها والوقف عليها، وهذا معنى قوله: (وفيصلا).

26 باب الوقف على أواخر الكلم [365 - 375]
365 - والإسكان أصل الوقف وهو اشتقاقه ... من الوقف عن تحريك حرف تعزّلا
366 - وعند أبي عمرو وكوفيّهم به ... من الرّوم والإشمام سمت تجمّلا
367 - وأكثر أعلام القرآن يراهما ... لسائرهم أولى العلائق مطولا
اللغة: الوقف في اللغة: هو الكف عن مطلق شيء، يقال: وقفت عن كذا إذا تركته وانتقلت عنه لغيره. وفي اصطلاح القراء: هو قطع الصوت على الكلمة زمنا يمكن التنفس فيه عادة بنية استثناء القراءة بما يلي الحرف الموقوف عليه أو بما قبله، لا بنية الإعراض
(1/173)

عن القراء. وأما القطع: فهو قطع الصوت على الكلمة بقصد الكف عن القراءة والانتقال عنها إلى أمر آخر، والوقف بهذا المعنى منقول من الوقف اللغوي وفرد من أفراده؛ لأنه هنا وقف عن تحريك حرف بمعنى أنه ترك تحريكه.
والمعنى: أن إسكان الحرف الموقوف عليه هو الأصل في الوقف، وأما غيره من الروم والإشمام: ففرع عن الإسكان، ومعنى (تعزّلا) أي: انعزل وتجرد عن الحركة كما يقال:
هذا جندي أعزل، بمعنى: أنه تجرد من السلاح. وقوله: (وعند أبي عمرو إلخ) يعني:
وعند أبي عمرو والكوفيين في الوقف طريق جميل ومذهب حسن؛ أى ورد النص عنهم بذلك ويفهم من قوله: (والاسكان أصل الوقف) أن لهم الإسكان أيضا عند الوقف.
وقوله: (وأكثر أعلام القرآن إلخ) معناه: أن أكثر مشاهير النقلة الملازمين للقرآن المتصدين لتعليمه وإقرائه الذين هم كالأعلام في الاهتداء بهم وهم أهل الأداء يرون الروم والإشمام لجميع القراء أحق ما يتوجه إليه الإنسان ويرتبط به ويهتم بشأنه، والمقصود أن أكثر أهل الأداء يأخذون بالروم والإشمام لباقي القراء وهم: نافع وابن كثير وابن عامر اختيارا واستحبابا وإن لم يرد عنهم نص بذلك. وهذا معنى قول الداني في التيسير: والباقون، أي: غير أبي عمرو، والكوفيين لم يرد عنهم في ذلك شيء، واستحب أكثر شيوخنا من أهل الأداء أن يوقف عندهم بالروم والإشمام أيضا، وفهم من قوله: (وأكثر) أن غير الأكثر من أهل الأداء يقصر الأخذ بالروم والإشمام على من ورد عنهم النص والرواية بهما .. انتهى. و (المطول) بكسر الميم وسكون الطاء وفتح الواو: الحبل، ويكنى به عن السبب الموصل إلى المطلوب، فكأنه قال: هو أحق الأسباب سببا.
368 - ورومك إسماع المحرّك واقفا ... بصوت خفيّ كلّ دان تنوّلا
المعنى: حقيقة الروم: أن تسمع كل قريب منك مصغ إلى قراءتك حركة الحرف المحرك في الوصل بصوت خفي حال كونك واقفا على هذا الحرف، وهذا معنى قول صاحب
التيسير: هو تضعيفك الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك معظم صوتها فتسمع لها صوتا خفيّا يدركه الأعمى بحاسة سمعه، وقال السخاوي هو الإشارة إلى الحركة مع
(1/174)

صوت خفي و (تنول) مضارع نوّل يقال: نولته فتنول أى أعطيته فأخذ.
قال العلامة أبو شامة: وفي ذلك أي في قوله: (تنولا) إشارة إلى قصد السماع أي:
كل دان سامع منصت لقراءتك فهو المدرك لذلك بخلاف غيره من غافل أو أصم انتهى.
ولا يحكم الروم ويضبطه إلا التلقي والأخذ من أفواه الشيوخ المهرة المتقنين.
369 - والاشمام إطباق الشفاه بعيد ما ... يسكّن لا صوت هناك فيصحلا
المعنى: حقيقة الإشمام أن تطبق شفتيك عقب تسكين الحرف، بأن تجعل شفتيك على صورتهما إذا انطقت بالحرف المضموم، ولا يدرك ذلك إلا بالعين فلا يدركه الأعمى.
والمقصود منه: الإشارة إلى أن ذلك الحرف الساكن للوقف حركته الضم.
قال الإمام الداني في التيسير: الإشمام ضمك شفتيك بعد سكون الحرف أصلا، ولا يدرك معرفة ذلك الأعمى لأنه لرؤية العين لا غير إذ هو إيماء بالعضو إلى الحركة .. انتهى.
وقال السخاوي: هو الإشارة إلى الحركة من غير تصويت ولذلك قال: (لا صوت هناك فيصحلا). يقال: (صحل) بكسر الحاء يصحل بفتحها: إذا صار في صدره بحّة تحول بينه وبين رفع صوته، أي: ليس هناك صوت ما عند الإشمام حتى يكون ضعيفا يسمع، فالمقصود: نفي وجود الصوت بالكلية فكأنه يقول: ليس هناك صوت ما ولا ضعيف وفي هذا إشارة إلى الفرق بين الإشمام والروم؛ فإن الروم معه صوت ضعيف، والإشمام عار منه؛ لأنه ضم الشفتين بعد حذف كل حركة المتحرك. وقول الناظم: (إطباق الشفاه) جمع شفة ولكل إنسان شفتان اثنتان فجمع الناظم بالنظر لتعدد القراء. وقوله: (بعيد) بالتصغير لإفادة اتصال ضم الشفتين بالإسكان، فلو تراخى فإسكان مجرد.
قال بعض المحققين: وفائدة الروم والإشمام: بيان الحركة الأصلية التي تثبت في الوصل للحرف الموقوف عليه ليظهر للسامع أو للناظر كيف تلك الحركة ولذا يستحسن الوقف بهما إذا كان بحضرة القارئ من يسمع قراءته أما إذا قرأ في خلوة فلا داعي إلى الوقف بهما انتهى.
370 - وفعلهما في الضّمّ والرّفع وارد ... ورومك عند الكسر والجرّ وصّلا
(1/175)

371 - ولم يره في الفتح والنّصب قارئ ... وعند إمام النّحو في الكلّ أعملا
المعنى: بيّن في البيت الأول مواضع الروم والإشمام فأفاد: أن فعلهما وارد في الضم والرفع، وأن الروم وصل ونقل إلينا في الكسر، والجر، وبين في البيت الثاني أنه لم ير الروم في الفتح والنصب أحد من القراء، وأن الروم أعمل ودخل في الحركات الثلاث الضم والكسر والفتح عند
إمام النحو وهو سيبويه أو المراد أئمة النحو؛ فالمراد من إمام النحو الجنس. والضمير في (أعملا) للروم فقط فالألف فيه للإطلاق وليست للتثنية فالمضموم محل للإشمام والروم. والمكسور محل للروم فقط، فإذا وقف على الحرف المتحرك فإن كان مضموما أو مرفوعا ففيه- مع الإسكان المجرد- الإشمام والروم، وإن كان مكسورا أو مجرورا ففيه- مع الإسكان المجرد- الروم، وإن كان مفتوحا أو منصوبا؛ فليس فيه عند جميع القراء إلا الإسكان المجرد.
372 - وما نوّع التّحريك إلّا للازم ... بناء وإعرابا غدا متنقّلا
المعنى: هذا اعتذار من الناظم عن ذكره ستة أسماء للحركات وهي ثلاث فقط، فكأنه قال:
ما نوعت التحريك وقسمته هذه الأقسام إلا لأنصّ على ألقاب البناء، وهي: الضم، والفتح، والكسر وعلى ألقاب الإعراب، وهي: الرفع، والنصب، والجر، أو الخفض، ليعلم أن حكمهما واحد في دخول الروم والإشمام وفي المنع منهما أو من أحدهما، ولو اقتصرت على ذكر ألقاب أحدهما لتوهّم أن الآخر غير داخل في ذلك، وأن حكم خاص بالمنصوص عليه.
وصفوة القول: أن الناظم عبر بما ذكر لينص على شمول الحكم لكل من ألقاب البناء وألقاب الإعراب، ولم يذكر الجزم والسكون وهما من ألقاب الإعراب لعدم تعلقها بهذا الباب؛ إذ لا يدخلهما روم ولا إشمام وحركة البناء توصف باللزوم؛ لأنها لا تتغير ما دام اللفظ بحاله.
فلهذا قال الناظم: للازم بناء أي ما نوعته إلا لأجل أنه منقسم إلى لازم البناء وإلى ذي إعراب صار بذلك متنقلا من رفع إلى نصب إلى جر باعتبار ما تقتضيه العوامل المسلطة عليه فألقاب البناء ضم نحو: وَمِنْ حَيْثُ*، مِنْ قَبْلُ*، وَمِنْ بَعْدُ. وفتح نحو:
أَيْنَ*، أَنْتَ*، وَمَنْ عادَ*، لا حُجَّةَ بَيْنَنا. وكسر نحو: هؤُلاءِ*.
وحركات الإعراب رفع نحو: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ. ونصب نحو: أَتَقْتُلُونَ رَجُلً
(1/176)

اوجرّ نحو: عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. وقول الناظم: (بناء) نصبت على التميز. وقوله: (وإعراب) بالجر عطف على (لازم) بتقدير مضاف كما تقدم في التقدير. وجملة (غدا متنقلا) صفة لإعراب.
373 - وفي هاء تأنيث وميم الجميع قل ... وعارض شكل لم يكونا ليدخلا
المعنى: لا يدخل الروم ولا الإشمام في المواضع الثلاثة حيث وقعت:
الموضع الأول: هاء التأنيث، وهي التي تكون في الوصل تاء ويوقف عليها بالهاء نحو:
فَبِما رَحْمَةٍ، وَتِلْكَ نِعْمَةٌ، أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ. وقولنا: ويوقف عليها بالهاء احترازا من تاء التأنيث التي رسمت في المصحف بالتاء المفتوحة ويوقف عليها بالتاء فإنها يدخلها الروم والإشمام إن كانت مرفوعة نحو: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ، وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ. والروم فقط إن كانت مجرورة نحو: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ وَمَعْصِيَةِ
الرَّسُولِ*. وهذا عند من يقف عليها بالتاء، وأما من يقف عليها بالهاء فلا يدخلها الروم والإشمام عنده.
الموضع الثاني: (ميم الجمع) عند من يصلها بواو وصلا فلا يدخلها الروم والإشمام ايضا، وأما من يقرؤها بالسكون وصلا ووقفا فلا يتأتى فيها دخول الروم والإشمام عنده.
الموضع الثالث: (عارض الشكل) أي: الحركة العارضة سواء كان عروضها للنقل نحو:
قُلْ أُوحِيَ، مِنْ إِسْتَبْرَقٍ عند من ينقل حركة الهمزة إلى ما قبلها. أو للتخلص من التقاء الساكنين نحو: قُلِ اللَّهُمَّ*، لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ، وَعَصَوُا الرَّسُولَ، فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ*. فعند الوقف على قُلْ*، يَكُنْ*، تَنْسَوُا، وَعَصَوُا*، فَلْيَنْظُرْ*: لا يصح إلا السكون المحض.
ويمتنع دخول الروم والإشمام في كل ما ذكر وأمثاله. ومنه يَوْمَئِذٍ*، وحِينَئِذٍ، بخلاف غَواشٍ، والْجَوارِ*، وَكُلُّ* فيدخل الإشمام والروم في المرفوع منها، ويدخل الروم في المجرور منها.
374 - وفي الهاء للإضمار قوم أبوهما ... ومن قبله ضمّ أو الكسر مثّلا
(1/177)

375 - أو امّا هما واو وياء وبعضهم ... يرى لهما في كلّ حال محلّلا
المعنى: هاء الضمير بالنظر إلى ما قبلها سبعة أنواع:
الأول: أن يكون قبلها ضم نحو: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، آثِمٌ قَلْبُهُ.
الثاني: أن يكون قبلها أمّ الضم وهي الواو الساكنة سواء كانت مدية نحو: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ، أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ. أم كانت لينة نحو: وَشَرَوْهُ.
الثالث: أن يكون قبلها كسر نحو: مِنْ رَبِّهِ*، بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ.
الرابع: أن يكون قبلها أمّ الكسر وهي الياء الساكنة سواء كانت مدية نحو: فِيهِ*، أَخِيهِ*، فَأَلْقِيهِ. أم لينة نحو: عَلَيْهِ*، لِوالِدَيْهِ، إِلَيْهِ*.
الخامس: أن يكون قبلها فتح: لَنْ تُخْلَفَهُ، سَفِهَ نَفْسَهُ، وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ.
السادس: أن يكون قبلها أمّ الفتح وهي الألف نحو: اجْتَباهُ وَهَداهُ، أَنْ تَخْشاهُ.
السابع: أن يكون قبلها حرف ساكن صحيح نحو: فَلْيَصُمْهُ، مِنْ لَدُنْهُ*، فَأَهْلَكَتْهُ.
وقد بين الناظم أن جماعة من أهل الأداء منعوا إدخال الإشمام والروم في الأنواع الأربعة الأولى، فالنوع الأول والثالث مذكوران في قوله: (ومن قبله ضم أو الكسر). والنوع الثاني والرابع مذكوران في قوله (أو اما هما واو وياء) والواو في قوله: (ومن قبله) للحال.
والجملة في قوله: (ومن قبله ضم إلخ) من الهاء في قوله: (وفي الهاء) والتقدير: قوم أبوا دخول الروم والإشمام في هاء الضمير، والحال أن ما قبل الهاء ضم أو كسر أو واو أو ياء.
هذا ما أفاده النظم بطريق المنطوق ويؤخذ بطريق المفهوم أن هذه الجماعة تجيز دخول الروم والإشمام من غير الأنواع الأربعة الأولى أي: تجيزه في الأنواع الخامس والسادس والسابع.
وقوله: (وبعضهم يرى لهما في كل حال محللا) يرى بضم الياء فعل مبني للمجهول يحتاج لمفعولين الأول: الضمير المستتر في يرى القائم مقام الفاعل وهو يعود على البعض.
والثاني: (محللا) وهو اسم فاعل من التحليل ضد التحريم. وقوله: (لهما) متعلق به وكذا في كل حال، والتقدير: وبعض أهل الأداء يرى محللا أي: مجيزا للروم والإشمام في هاء الضمير في جميع أحوالها السبعة المذكورة فيستفاد من النظم: أن في هاء الضمير من حيث دخول الروم والإشمام فيها عند الوقف مذهبين:
(1/178)

المذهب الأول: منع دخولهما في أنواعها الأربعة الأولى وإجازة دخولهما في أنواعها الثلاثة الأخرى.
المذهب الثاني: إجازة دخولهما في جميع أنواعها السبعة.
ويؤخذ من المذهبين أن دخول الروم والإشمام في الأنواع الثلاثة متفق عليه فيهما.

27 باب الوقف على مرسوم الخط [376 - 386]
376 - وكوفيّهم والمازنيّ ونافع ... عنوا باتّباع الخطّ في وقف الابتلا
377 - ولابن كثير يرتضى وابن عامر ... وما اختلفوا فيه حر أن يفصّلا
اللغة: المراد خط المصاحف التي كتبها الصحابة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وانعقد إجماعهم عليها وأنفذها عثمان إلى الأمصار الإسلامية.
المعنى: أنه ثبتت الرواية عن الكوفيين والبصرى ونافع أنهم كانوا يعنون ويهتمون بمتابعة خط المصحف الإمام، وأثر هذا الاهتمام التزامهم بمتابعته في الوقف الذي يكون المقصود منه اختيار القارئ في مدى معرفته بالكلمات التي رسمت في المصاحف على خلاف مقتضى قواعد الرسم المتداولة بين الناس، أو في الوقف الذي يضطر إليه القارئ لضيق نفسه، أو نسيانه أو نحو
ذلك. والمراد أنهم وردت عنهم الرواية بأنهم كانوا يتبعون رسم الكلمات في المصاحف العثمانية فما كتب فيه بالتاء وقفوا عليه بالتاء، وما كتب بالهاء وقفوا عليه بالهاء وإن لم يكن موضع وقف، وما كان من كلمتين وصلت إحداهما بالأخرى لم يوقف إلا على الثانية منهما نحو: إِنَّمَا من قوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ وما كان من كلمتين فصلت إحداهما عن الأخرى؛ يجوز أن يوقف على كل واحدة منهما نحو إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ بالأنعام. والمقصود من الوقف على هذه الكلمات- وليست بموضع وقف- أحد أمرين: إما اختبار معرفة القارئ كيف يقف على هذه الكلمات، وإما إرشاده إلى صحة الوقف عليها عند طروّ طارئ عليه من ضيق نفس، أو نسيان، أو غلبة عطاس، أو بكاء أو نحو ذلك. فقوله:
(في وقف الابتلاء)
(1/179)

محتمل لهذين الأمرين وارتضى شيوخ الإقراء واستحسنوا اتباع خط المصحف بالنسبة لابن كثير، وابن عامر، وإن لم ترد عنهم رواية بذلك. وقوله: (وما اختلفوا فيه) (ما) اسم موصول مبتدأ، وجملة (اختلفوا) صلته. و (حر) حقيق، اسم منقوص أعلّ إعلال قاض خبر الموصول. (أن يفصلا) أن وما بعدها في تأويل مصدر فاعل لقوله (حر).
المعنى: والذي اختلف فيه القراء السبعة من الكلمات جدير وحقيق شرحه وتبيينه كما سيأتي.
378 - إذا كتبت بالتّاء هاء مؤنّث ... فبالهاء قف حقّا رضى ومعوّلا
المعنى: هاء التأنيث: التي تكون تاء في الوصل قسمان: قسم رسم في المصاحف بالهاء على لفظ الوقف، وقسم رسم فيها بالتاء المجرورة على لفظ الوصل، ولا خلاف بين القراء أن الوقف على القسم الأول يكون بالهاء تبعا للرسم، وأما القسم الثاني فوقف عليه بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي مخالفين في ذلك أصلهم وهو اتباع رسم المصحف، ووقف الباقون على هذا القسم بالتاء متابعين أصولهم في ذلك وهي مسايرة خط المصحف.
وقد تكفّل علماء التجويد ببيان الكلمات التي رسمت في المصاحف بالتاء، وبيان الكلمات التي رسمت بالهاء، فمثال ما رسم بالتاء: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ في الأعراف، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ في هود، اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ* في فاطر. ومثال ما رسم بالهاء: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ في آل عمران، وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ في النحل، أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ في هود.
379 - وفي اللّات مع مرضات مع ذات بهجة ... ولات رضى هيهات هاديه رفّلا
المعنى: وقف الكسائي على هذه الكلمات بالهاء اللَّاتَ في أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى في النجم، (مرضات) حيث وقع القرآن، ذاتَ في حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ بالنمل، وَلاتَ في وَلاتَ حِينَ مَناصٍ في ص، وقيد ذاتَ ب بَهْجَةٍ احترازا عن نحو: ذاتَ
بَيْنِكُمْ، ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ. فلا خلاف بين القراء في الوقف عليها بالتاء. وأما لفظ بَهْجَةٍ فهو مرسوم بالهاء في جميع المصاحف والوقف عليه بالهاء لجميع القراء، ووقف
(1/180)

الباقون على الكلمات المذكورة بالتاء تبعا للرسوم، ووقف البزي والكسائي على كلمة هَيْهاتَ* في موضعيها بالمؤمنين بالهاء، ووقف غيرهما بالتاء. و (رفلا) بضم الراء وكسر الفاء مشددة: عظّم.
380 - وقف يا أبه كفؤا دنا وكأيّن ال ... وقوف بنون وهو بالياء حصّلا
المعنى: أمر بالوقف على كلمة يا أبت بالهاء حيث وردت في القرآن الكريم لابن عامر وابن كثير نحو: يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ. ويؤخذ الوقف على هذه الكلمة بالهاء لابن عامر وابن كثير من العطف على ما قبلها، أو من تلفظه بالهاء.
ثم أخبر أن كلمة وَكَأَيِّنْ* في جميع القرآن الوقف عليها بالنون لكل القراء اتباعا للرسم ما عدا أبا عمرو فيقف عليها بالياء، سواء قرنت بالواو نحو: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ. أم بالفاء نحو: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فالواو في قول الناظم وكأين للعطف ليشمل المقرون بالواو والفاء، ووجه قراءة أبو عمرو: أن أصل الكلمة أى بالتنوين ثم دخل عليها كاف التشبيه فهى مجرورة منونة مثل كعليّ، فوقف أبو عمرو على أي بحذف التنوين؛ لأن التنوين يحذف وقفا، وإنما كتبت في المصحف نونا على لفظ الوصل.
381 - ومال لدى الفرقان والكهف والنّسا ... وسال على ما حجّ والخلف رتّلا
المعنى: قوله تعالى ما ل هذا الرسول بالفرقان، وقوله تعالى: ما ل هذا الكتاب بالكهف، وقوله تعالى: فما ل هؤلاء القوم بالنساء، وقوله تعالى: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا في سأل. وقف أبو عمرو على ما في المواضع الأربعة، واختلف عن الكسائي فروي عنه الوقف على ما، وروي عنه الوقف على (اللام)، ووقف باقي القراء على (اللام)، وقد كتبت ما لِ* في هذه المواضع بفصل اللام عما بعدها، وصوب في النشر جواز الوقف على كل من (ما) و (اللام) في هذه المواضع لجميع القراء، ويجب أن يعلم أن الوقف على (ما)، أو على (الام) إنما هو وقف اختباري بالباء الموحدة أو اضطراري، وليس وقفا اختياريّا يصحح البدء باللام أو بما بعدها، فإذا وقف على (ما) أو على (اللام) اختيارا أو اضطرارا؛
(1/181)

وجب عليه أن يرجع ويبتدئ بقوله تعالى ما ل هذا، أو فَما لِ إلخ.
382 - ويا أيّها فوق الدّخان وأيّها ... لدى النّور والرّحمن رافقن حمّلا
383 - وفي الها على الإتباع ضمّ ابن عامر ... لدى الوصل والمرسوم فيهنّ أخيلا
المعنى: وقف الكسائي وأبو عمرو على لفظ (أيه) بالألف على ما لفظ به في وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ بالزخرف وهي فوق الدخان، وأَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بالنور، وأَيُّهَ
الثَّقَلانِ بالرحمن، فإذا وصلوا حذفوها. وقرأ ابن عامر بضم الهاء وصلا في المواضع الثلاثة اتباعا لضم الياء قبلها فإذا وقف أسكن الهاء. وقرأ الباقون بفتح الهاء وصلا- لأن الفتح ضد الضم- فإذا وقفوا أسكنوا الهاء. وقوله (ضم ابن عامر) يصح قراءته بفتح الميم على أنه فعل ماض و (ابن) بالرفع فاعل له ويصح قراءته بضم الميم على أنه مبتدأ وخفض (ابن) على أنه مضاف إليه والجار والمجرور وفي الهاء متعلق (بمحذوف) خبر مقدم وعلى الاتباع متعلق بما تعلق به الخبر. وقوله (حملا) بضم الحاء وفتح الميم مشددة جمع حامل كركع جمع راكع، يعنى أن هذه الكلمات رافقن من حملوا قراءتها ونقلوها لغيرهم. وقوله: (والمرسوم فيهن أخيلا) أى أظهر، يعنى أن مرسوم المصاحف أظهر رسم هذه الكلمات بحذف الألف ورسم غيرها بإثباتها، فيكون الوقف على غير هذه المواضع بإثبات الألف بإجماع القراء.
384 - وقف ويكأنّه ويكأنّ برسمه ... وبالياء قف رفقا وبالكاف حلّلا
المعنى: أمر بالوقف على الهاء في وَيْكَأَنَّهُ وعلى النون في وَيْكَأَنَّ وهما بسورة القصص في قوله تعالى: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ. كما هو مرسوم في المصاحف لجميع القراء ما عدا الكسائي وأبا عمرو؛ فإن الكسائي يقف على الياء ويصح عنده أن يبدأ
بالكاف. وإن أبا عمرو يقف على الكاف ويصح البدء عنده بقوله: أن الله في الأول وأنه في الثاني والصحيح الوقف على الكلمة بأسرها والبدء بقولك وَيْكَأَنَّ اللَّهَ اتباعا للرسم وعملا بالقياس.
(1/182)

385 - وأيّا بأيّا ما شفا وسواهما ... بما وبوادي النّمل باليا سنا تلا
المعنى: بين أن الوقف على أيّا من أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى بالإسراء. لحمزة والكسائي مع إبدال التنوين ألفا. ومعنى (وسواهما) بما أن الباقين من القراء وقفوا على (ما) فالباء في قوله (بما) بمعنى على هذا مفاد النظم، وقال ابن الجزري في النشر: والأرجح والأقرب للصواب جواز الوقف على كل من أَيًّا، وما لجميع القراء اتباعا للرسم لكونهما كلمتين انفصلتا رسما .. انتهى. أقول: ولا يجوز البدء بما، ولابتدعوا بل يتعين بأيا لجميع القراء.
386 - وفيمه وممّه قف وعمّه لمه بمه ... بخلف عن البزّيّ وادفع مجهّلا
المعنى: أمر بالوقف بهاء السكت كما لفظ على فِيمَ من قوله تعالى: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها في والنازعات، وعلى مِمَّ في قوله تعالى فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ في الطارق وعلى عَمَّ في عَمَّ يَتَساءَلُونَ في النبأ وعلى لِمَ في نحو لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ في التوبة لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ في الصف وعلى بِمَ في بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ في النمل أمر بالوقف بهاء السكت على الكلمات المذكورة للبزى بخلف عنه، فتكون قراءة
الباقين بحذف الهاء على الرسم، وهو الوجه الثاني للبزى. وقوله: (وادفع مجهلا) معناه ادفع من جهّل قارئ هذه القراءة بما يرده ويردعه عن التجهيل (فمجهّلا) اسم فاعل مفعول به لقوله (ادفع) ويصح أن يكون حالا من فاعل ادفع والمفعول محذوف أى ادفع من رد هذه القراءة حال كونك مجهلا له أى راميا له بالجهل وقلة المعرفة.

28 باب مذاهبهم في ياءات الإضافة [387 - 419]
387 - وليست بلام الفعل ياء إضافة ... وما هي من نفس الأصول فتشكلا
388 - ولكنّها كالهاء والكاف كلّ ما ... تليه يرى للهاء والكاف مدخلا
اللغة والمعنى: (ياء الإضافة) في اصطلاح القراء هي الياء الزائدة الدالة على المتكلم، فخرج بقولنا: الزائدة: الياء الأصلية التي تكون في مكان اللام من الكلمات التي توزن سواء كانت اسما نحو:
(1/183)

الدَّاعِيَ، الْمُهْتَدِي، الزَّانِي*، بِالنَّواصِي أم فعلا ماضيا نحو: أُلْقِيَ إِلَيَّ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ*، أم مضارعا نحو: أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً، أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ، وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ، سَآوِي إِلى جَبَلٍ. وخرج أيضا الياء التي تكون من بنية الكلمة وأصولها وذلك في الأسماء المبهمة التي لا توزن نحو: الذي، التي، اللاتي، وياء هي. فالياء في الكلمات التي توزن يقال لها لام الفعل، ويصح أن يقال لها ياء أصلية، وفي الكلمات التي لا توزن يقال لها ياء أصلية. ولو أن الناظم قال هي الياء الأصلية؛ لشمل النوعين، وخرج بقولنا: الدالة على المتكلم: الياء في جمع المذكر السالم نحو: بِرَادِّي رِزْقِهِمْ، عابِرِي سَبِيلٍ، حاضِرِي الْمَسْجِدِ، وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ. والياء في نحو: فَكُلِي وَاشْرَبِي، يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي؛ لدلالتها على المؤنثة المخاطبة لا على المتكلم، وكان على الناظم أن يذكر هذا القيد ليخرج ما ذكرنا ونحوه، وتتصل ياء الإضافة بالفعل والاسم والحرف فتكون مع الفعل منصوبة المحل نحو: أَوْزِعْنِي*، سَتَجِدُنِي*. ومع الاسم مجرورة المحل نحو: فَنَسِيَ*، ذِكْرى *. ومع الحرف منصوبة المحل نحو: إِنِّي أَخافُ*، ومجرورته نحو: وَلِيَ دِينِ.
وعلامة ياء الإضافة: صحة إحلال الكاف والهاء محلها، فتقول في فَطَرَنِي*، فطرك، فطره. وفي ضَيْفِي* ضيفك، وضيفه. وفي إِنِّي* إنك، إنه. وفي لِي* لك، له، وهذا معنى قوله (ولكنها كالهاء والكاف) أى كهاء الضمير وكافه كل لفظ تليه ياء الإضافة؛ أى كل موضع تدخل فيه؛ فإنه يصح دخول الهاء والكاف فيه مكانها، أو يقال: كل موضع تتصل به ياء الإضافة يرى موضعا لاتصال الهاء والكاف به مكان الياء.
فيعرف الفرق بين ياء الإضافة والياء الأصلية: بصحة إحلال الهاء والكاف محل ياء
الإضافة، وعدم صحة إحلالهما محل الياء الأصلية.
وتسميتها ياء إضافة: باعتبار الغالب، وهو دخولها على الأسماء، وإلا فليست الداخلة على الأفعال والحروف ياء إضافة.
وياء الإضافة على ثلاثة أقسام: قسم اتفق القراء على إسكانه نحو: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً.
وقسم اتفقوا على فتحه نحو: بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ. نِعْمَتِيَ الَّتِي*، أَرُونِيَ الَّذِينَ.
وقسم اختلفوا فيه بين الفتح والإسكان وهو الذي عقد له الناظم هذا الباب.
(1/184)

389 - وفي مائتي ياء وعشر منيفة ... وثنتين خلف القوم أحكيه مجملا
المعنى: يعنى أن اختلاف القراء السبعة وقع في مائتي ياء وثنتي عشرة ياء، ومعنى (منيفة) زائدة، ومعنى (أحكيه مجملا) أذكره على سبيل الإجمال بضابط يشملها من غير بيان مواضعها و (مجملا) بكسر الميم حال من فاعل أحكي وبفتحها حال من مفعوله.
390 - فتسعون مع همز بفتح وتسعها ... سما فتحها إلّا مواضع همّلا
391 - فأرني وتفتنّي اتّبعني سكونها ... لكلّ وترحمني أكن ولقد جلا
المعنى: تنقسم ياء الإضافة بالنسبة لما بعدها إلى ستة أقسام؛ لأن ما بعدها إما أن يكون همزة قطع، أو همزة وصل، أو حرفا آخر. وهمزة القطع: إما مفتوحة، أو مكسورة، أو مضمومة.
وهمزة الوصل: إما مقرونة بلام التعريف، وإما مجردة منها. فهذه ستة أقسام؛ خمسة منها لما بعدها همز، وواحد لما لا همز بعدها. وقد بين الناظم أن ياءات الإضافة التي يكون بعدها همزة قطع مفتوحة وقعت في تسعة وتسعين موضعا من القرآن الكريم وقد قرأها بالفتح: المشار إليهم بكلمة (سما) وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو نحو: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ*، إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ. ثم استثنى الناظم من همزة القطع التي وقع بعدها همزة قطع مفتوحة وفتحها أهل سما: أربعة مواضع اتفق القراء على إسكانها فيها وهي: قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ بالأعراف، وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا بالتوبة، فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا بمريم، وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ في هود.
وقوله (همّلا) جمع هامل؛ أي متروكة من قولهم: بعير هامل، إذا ترك بلا راع. وقوله:
(جلا) بمعنى كشف، وهذه المواضع الأربعة ليست من جملة التسع والتسعين ياء التي يفتحها أهل سما، ولكن لما دخلت في الضابط المذكور وهو ما بعده همزة قطع مفتوحة استثناها، فلولا هذا الاستثناء لظن أنها من جملة العدد المذكور، وأنها تفتح لأهل سما وكذلك فعل
الناظم فيما بعده همزة قطع مكسورة أو مضمومة.
392 - ذروني وادعوني اذكروني فتحها ... دواء وأوزعني معا جاد هطّلا
المعنى: فتح ابن كثير الياء في: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى، ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
والموضعان
(1/185)

بغافر، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ بالبقرة. فتكون قراءة الباقين بالإسكان وهم نافع والبصري والشامي والكوفيين وفتح ورش والبزي الياء في: أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ* في النمل والأحقاف. فتكون قراءة الباقين بالإسكان وهم قالون وقنبل والبصري والشامي والكوفيون. و (هطّلا) جمع هاطل وهو المطر المتتابع.
393 - ليبلوني معه سبيلي لنافع ... وعنه وللبصري ثمان تنخّلا
394 - بيوسف إنّي الأوّلان ولي بها ... وضيفي ويسّر لي ودوني تمثّلا
395 - وياءان في اجعل لي وأربع إذ حمت ... هداها ولكنّي بها اثنان وكّلا
396 - وتحتي وقل في هود إنّي أراكمو ... وقل فطرن في هود هاديه أوصلا
397 - ويحزنني حرميّهم تعدانني ... حشرتني أعمى تأمروني وصّلا
398 - أرهطي سما مولى وما لي سما لوى ... لعلّي سما كفؤا معي نفر العلا
399 - عماد وتحت النّمل عندي حسنه ... إلى درّه بالخلف وافق موهلا
اللغة والمعنى: (تنخلا) اختير فتحها. و (الموهل) المجعول أهلا من قولهم: أهّلك الله لكذا جعلك أهلا له، فتح نافع وحده الياء في لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ في النمل، هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ بيوسف وأسكنهما غيره وفتح نافع وأبو عمرو البصرى ثمان ياءات: قالَ أَحَدُهُما إِنِّي، وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي كلاهما بيوسف، حَتَّى يَأْذَنَ لِي بيوسف أيضا، وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ في هود، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي بطه، مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ بالكهف قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً* في آل عمران ومريم. وأسكن هذه الياءات الثمان غيرهما، واحترز بقوله (الأولان) عن: إِنِّي أَرى سَبْعَ، إِنِّي أَنَا أَخُوكَ، إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
فهذه الياءات الثلاث يفتحها أهل سما على أصل القاعدة وفتح نافع والبصرى والبزي أربع ياءات: وَلكِنِّي أَراكُمْ* في هود والأحقاف، مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ بالزخرف، إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ في هود. وسكن هذه الياءات الأربع غيرهم وفتح نافع والبزى:
(1/186)

فَطَرَنِي أَفَلا في هود. وأسكنها سواهما وفتح الحرميان نافع وابن كثير أربع ياءات: لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ بيوسف، أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ بالأحقاف، حَشَرْتَنِي أَعْمى بطه، تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ بالرمز. وقرأ غير الحرميين بالإسكان في الياءات الأربع وقرأ أهل سما وابن ذكوان بفتح ياء أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ بهود، وقرأ الباقون بإسكانها، وفتح أهل سما وهشام
الياء في: وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ في غافر. وفتح أهل سما وابن عامر ياء لَعَلِّي* وهي في ستة مواضع: لَعَلِّي أَرْجِعُ بيوسف، لَعَلِّي آتِيكُمْ* بطه والقصص، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً في المؤمنين، لَعَلِّي أَطَّلِعُ في القصص، لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ بغافر. وقرأ ابن ذكوان والكوفيون بالإسكان في: وَيا قَوْمِ ما لِي. وقرأ الكوفيون بإسكان لَعَلِّي* في مواضعها الستة. وفتح أهل سما وابن عامر وحفص الياء في: مَعِيَ أَبَداً في التوبة مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا في الملك. وأسكنها في الموضعين شعبة وحمزة والكسائي. وفتح أبو عمرو ونافع وابن كثير بخلف عنه الياء في: عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ بالقصص التي هي تحت النمل وظاهر النظم أن لكل من البزى وقنبل وجهين: الفتح والإسكان في الياء ولكن الذي حققه
العلماء أن الخلاف فيه عن ابن كثير موزع؛ فالبزى يقرأ بسكون الياء وقنبل يقرأ بفتحها والمواضع التي ذكرها الناظم من قوله ذَرُونِي، ادْعُونِي. إلى هنا تعتبر مستثناة من قوله (فتسعون مع همز بفتح وتسعها سما فتحها) فكأنه قال: يفتح أهل سما كل ياء إضافة بعدها همزة قطع مفتوحة إلا المواضع الأربعة التي ذكرتها في قولى: (فأرني وتفتني إلخ) فقد اتفق القراء على إسكان ياءاتها، وإلا هذه المواضع من (ذروني) إلى (عندى) بالقصص. وقد ذكر من القراء من يقرؤها بالفتح ومن سكت عنه يقرؤها بالإسكان. وما عدا هذه المواضع مما لم يذكره؛ فإنه يفتح لأهل سما، ويسكن لغيرهم.
400 - وثنتان مع خمسين مع كسر همزة ... بفتح أولي حكم سوى ما تعزّلا
401 - بناتي وأنصاري عبادي ولعنتي ... وما بعده إن شاء بالفتح أهملا
402 - وفي إخوتي ورش يدي عن أولي حمى ... وفي رسلي أصل كسا وافي الملا
403 - وأمّي وأجري سكّنا دين صحبة ... دعائي وآبائي لكوف تجمّلا
(1/187)

404 - وحزني وتوفيقي ظلال وكلّهم ... يصدّقني انظرني وأخّرتني إلى
405 - وذرّيّتي يدعونني وخطابه ... ....
المعنى: هذا هو القسم الثاني من أقسام ياءات الإضافة، وهو ما يكون بعده همزة مكسورة والمختلف فيه من هذا القسم اثنتان وخمسون ياء، والقاعدة العامة فيه: أن الذي يفتحه نافع وأبو عمرو. وقوله (سوى ما تعزّلا) أى سوى ما انفرد وخرج عن هذه القاعدة ثم بين حكمه في هذه الأبيات؛ فأفاد أن نافعا وحده يفتح ياء الإضافة التي بعدها همزة مكسورة في: بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ في الحجر، مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ* بآل عمران والصف، أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ بالشعراء، وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ في ص، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ* في الكهف والقصص والصافات. وأسكن هذه الياءات كلها غير نافع، فخالف أبو عمرو فيها أصله، وفتح ورش وحده ياء إِخْوَتِي في: وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ بيوسف.
وأسكنها غيره وفتح حفص ونافع وأبو عمرو ياء يدي في: ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ في المائدة. وأسكنها غيرهم. وفتح نافع وابن عامر ياء: لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ في المجادلة. وأسكنها غيرهم. وسكن ابن كثير وشعبة وحمزة والكسائي الياء في: وَأُمِّي إِلهَيْنِ في المائدة، وفي: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ* في يونس، وموضعي هود وموضع سبأ وفي: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* في المواضع الخمسة في الشعراء، وفتح هذه الياءات كلها غيرهم وأسكن الكوفيون الياء في دُعائِي فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً في نوح، آبائِي، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ في يوسف. وفتح الياءين غيرهم وأسكن ابن كثير والكوفيون الياء في: وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ بيوسف، وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ في هود.
وفتح الياءين غيرهم. وقوله: (وكلهم يصدقني) معناه أن القراء السبعة اتفقوا على إسكان الياء في هذه المواضع: يُصَدِّقُنِي إِنِّي في القصص، أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* بالأعراف، فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* في الحجر وص، لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ في المنافقين، فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ بالأحقاف، مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ بيوسف، وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ والموضعان بغافر. وهما المقصودان بقوله (وخطابه) يعني أن لفظ يَدْعُونَنِي مسكنة ياؤه لجميع القراء سواء
(1/188)

كان مبدوءا بياء الغيبة أم بتاء الخطاب وما عدا هذه الياءات كلها التي نص عليها الناظم وبين حكمها من قوله (بناتي) إلى هنا، تفتح ياؤه لنافع وأبي عمرو على أصل القاعدة نحو: فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ في البقرة، هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ في الأنعام، وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ في يوسف، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ في الشعراء.
405 - ............. ........ ... وعشر يليها الهمز بالضّم مشكلا
406 - فعن نافع فافتح وأسكن لكلّهم ... بعهدي وآتوني لتفتح مقفلا
المعنى: هذا هو القسم الثالث وهو ما يكون بعد ياء الإضافة همزة مضمومة وهي عشر ياءات: وَإِنِّي أُعِيذُها بآل عمران، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ، فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً كلاهما بالمائدة، إِنِّي أُمِرْتُ* بالأنعام والزمر، قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ بالأعراف، إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ في هود أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ بيوسف، إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ بالنمل، إِنِّي أُرِيدُ* بالقصص، وهذه الياءات العشر فتحها نافع وأسكنها غيره. ثم أمر الناظم بإسكان الياء لكل القراء في: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بالبقرة، آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً بالكهف.
407 - وفي اللّام للتّعريف أربع عشرة ... فإسكانها فاش وعهدي في علا
408 - وقل لعبادي كان شرعا وفي النّدا ... حمي شاع آياتي كما فاح منزلا
409 - فخمس عبادي اعدد وعهدي أرادني ... وربّي الّذي آتان آياتي الحلا
410 - وأهلكني منها وفي صاد مسّني ... مع الأنبيا ربّي في الاعراف كمّلا
المعنى: هذا هو القسم الرابع من أقسام ياءات الإضافة، وهو أن يكون بعدها همزة وصل مقرونة بلام التعريف وهي أربع عشرة ياء. وأخبر أن حمزة قرأ بإسكانها كلها، ووافقه حفص على إسكانها في: عَهْدِي الظَّالِمِينَ بالبقرة، فتكون قراءة حفص بفتحها في باقي المواضع. ثم بين أن ابن عامر وحمزة والكسائي أسكنوا الياء في: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا في إبراهيم، وأن أبا عمرو وحمزة والكسائي أسكنوا الياء في
(1/189)

لفظ عبادي المقرون بحرف النداء وهو في موضعين: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ في
العنكبوت، قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا بالزمر. وأن ابن عامر وحمزة أسكنا الياء في: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأعراف. ثم عد الآيات الأربع عشرة ليفيد أن أمثالها في القرآن مفتوح باتفاق السبعة، وهذه الياءات الأربع عشرة منها الثلاث التي ذكرها وهي في لفظ:
يا عِبادِيَ* بإبراهيم والعنكبوت والزمر، والرابعة عِبادِيَ الصَّالِحُونَ بالأنبياء، والخامسة عِبادِيَ الشَّكُورُ بسبإ وهذا معنى قوله: (فخمس عبادي اعدد) والسادسة عَهْدِي الظَّالِمِينَ بالبقرة، والسابعة إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ في الزمر، والثامنة رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ بالبقرة، والتاسعة آتانِيَ الْكِتابَ بمريم، والعاشرة آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ بالأعراف، الحادية عشرة إن أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ في الملك، الثانية عشرة مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ في ص، الثالثة عشرة مَسَّنِيَ الضُّرُّ في الأنبياء، الرابعة عشرة حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ بالأعراف. وقد أسكنها كلها حمزة وشاركه حفص عَهْدِي الظَّالِمِينَ، وابن عامر والكسائي في قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ، وأبو عمرو والكسائي في العنكبوت والزمر، وابن عامر في آياتِيَ الَّذِينَ بالأعراف، وقيد مَسَّنِيَ* بص والأنبياء للاحتراز عن وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ بالأعراف، مَسَّنِيَ الْكِبَرُ بالحجر المتفق على فتحهما، ولا يخفي أن من أسكن شيئا من الياءات، فإنه يحذفه وصلا لاجتماعه مع الساكن الذي بعده، ويثبته وقفا.
411 - وسبع بهمز الوصل فردا وفتحهم ... أخي مع إنّي حقّه ليتني حلا
412 - ونفسي سما ذكري سما قومي الرّضا ... حميد هدى بعدي سما صفوه ولا
المعنى: هذا هو القسم الخامس من ياءات الإضافة وهو أن يكون بعدها همزة وصل مجردة من لام التعريف، وهذا معنى قوله (فردا) وقد وقعت في سبعة مواضع.
الأول: أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي بطه. الثاني: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بالأعراف، فتح الياء فيهما ابن كثير وأبو عمرو وأسكنها غيرهما. الثالث: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا بالفرقان، انفرد أبو عمرو بفتح يائه. الرابع والخامس:
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبا بطه، فتح الياء فيهما نافع وابن كثير وأبو عمرو وسكنها غيرهم.
(1/190)

السادس: إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا بالفرقان، فتح ياءه نافع وأبو عمرو والبزى وأسكنها غيرهم. السابع: مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ بالصف، فتح ياءه نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة وأسكنها غيرهم.
413 - ومع غير همز في ثلاثين خلفهم ... ومحياي جي بالخلف والفتح خوّلا
414 - وعمّ علا وجهي وبيتي بنوح عن ... لوى وسواه عدّ أصلا ليحفلا
415 - ومع شركائي من وراءي دوّنوا ... ولي دين عن هاد بخلف له الحلا
416 - مماتي أتى أرضي صراطي ابن عامر ... وفي النّمل ما لي دم لمن راق نوفلا
417 - ولي نعجة ما كان لي اثنين مع معي ... ثمان علا والظّلّة الثّان عن جلا
418 - ومع تومنوا لي يؤمنوا بي جا ويا ... عبادي صف والحذف عن شاكر دلا
419 - وفتح ولي فيها لورش وحفصهم ... وما لي في يس سكّن فتكملا
المعنى: هذا هو القسم السادس وهو أن يكون بعد ياء الإضافة حرف من حروف الهجاء غير همزة القطع، وهمزة الوصل، وقد أخبر أن اختلاف القراء وقع في ثلاثين موضعا من هذا القسم.
ثم أخذ يعددها ويذكر حكم كل منها فقال (ومحياى إلخ) أي اختلف عن ورش في ياء (محياي) الثانية فروي عنه فيها الفتح والإسكان. وقوله: (والفتح خولا) أشار به إلى أن القراء السبعة غير نافع فتحوا ياء وَمَحْيايَ بلا خلاف عنهم؛ فتعين لقالون فيها الإسكان قولا واحدا، وعلى وجه الإسكان- سواء كان لورش أو لقالون- يتعين المد المشبع قبل الياء. ثم عطف على الفتح فقال: (وعم علا إلخ) يعني أن نافعا وابن عامر وحفصا فتحوا الياء في وَجْهِيَ* في الموضعين: موضع بآل عمران: فقل أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ، وفي الأنعام موضع: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي. وأسكن غيرهم الياء فيهما وفتح ياء بيتي في نوح وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ حفص وهشام وأسكنها غيرهما وفتح حفص ونافع وهشام ياء بيتي فيما سوى موضع نوح وذلك موضعان: بَيْتِيَ
(1/191)

لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ بالبقرة بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ بالحج. وقرأ الباقون بالإسكان في الموضعين وفتح ابن كثير الياء في: أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ في فصلت، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي في مريم. وأسكن الياء في الموضعين غيره. وفتح نافع وهشام وحفص ياء وَلِيَ دِينِ في الكافرون قولا واحدا. وروى عن البزى فيها وجهان: الفتح والإسكان، والباقون بالإسكان قولا واحدا. وفتح نافع وحده ياء وَمَماتِي لِلَّهِ بالأنعام وأسكنها غيره. وفتح ابن عامر الياء في إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ في العنكبوت، وَأَنَّ هذا صِراطِي في الأنعام. وأسكنهما غيره وفتح ابن كثير وهشام والكسائي وعاصم الياء في ما لِيَ لا أَرَى
الْهُدْهُدَ في النمل. وأسكنها غيرهم. وفتح حفص وحده الياء في: وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ب (ص)، وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ بإبراهيم، ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ ب (ص). وذلك قوله: (ما كان لي اثنين) وفي كلمة معي في ثمانية مواضع: فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ في الأعراف، وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا بالتوبة، مَعِيَ صَبْراً* في ثلاثة مواضع بالكهف، هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ بالأنبياء، إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ الموضع الأول بالشعراء، فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً بالقصص. وسكن هذه الياءات غير حفص، وفتح حفص وورش الياء في معي في قوله تعالى وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ في الشعراء. وهو المراد بقوله (والظلة) أى الشعراء، (الثان) أي الموضع الثاني فيها، وأما الأول فسبق الكلام عليه، وأسكن هذه الياء غيرهما،
وفتح ورش ياء وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ في الدخان، وياء بِي في وَلْيُؤْمِنُوا بِي في البقرة، وفتح شعبة ياء يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ في الزخرف وصلا، وأسكنها وقفا: وحذف الياء في الحالين: حفص وحمزة والكسائي وابن كثير. وأثبتها ساكنة وصلا ووقفا: الباقون وهم: نافع وأبو عمرو وابن عامر. وفتح ورش وحفص وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى بطه. وأسكنها غيرهما. وسكن حمزة الياء في: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ في يس. وصلا ووقفا، وفتحها غيره وصلا وأسكنها وقفا.

29 باب ياءات الزوائد [420 - 444]
420 - ودونك ياءات تسمّى زوائدا ... لأن كنّ عن خطّ المصاحف معزلا
(1/192)

المعنى: الياءات الزوائد عند علماء القراءات هي الياءات المتطرفة الزائدة في التلاوة على رسم المصاحف العثمانية. ولكونها زائدة في التلاوة على رسم المصاحف عند من أثبتها سميت زوائد، وهذا معنى قوله: (لأن كن عن خط المصاحف معزلا) أي لأنهن عزلن على رسم المصاحف فلم يكتبن فيه.
والفرق بين ياءات الزوائد وياءات الإضافة من أربعة أوجه: الأول- أن الياءات الزوائد تكون في الأسماء نحو: الداع، الجوار وفي الأفعال نحو: يأت، يسر. ولا تكون في الحروف بخلاف ياءات الإضافة فإنها تكون في الأسماء والأفعال والحروف كما تقدم فيها.
الثاني- أن الزوائد محذوفة من المصاحف بخلاف ياءات الإضافة فإنها ثابتة فيها.
الثالث- أن الخلاف في ياءات الزوائد بين القراء دائر بين الحذف والإثبات بخلاف ياءات الإضافة. فإن الخلاف بينهم فيها دائر بين الفتح والإسكان.
الرابع- أن الياءات الزوائد تكون أصلية وزائدة، فمثال الأصلية: الدَّاعِ*، الْمُنادِ،
يَوْمَ يَأْتِ، إِذا يَسْرِ. ومثال الزائدة: وَعِيدِ*، وَنُذُرِ* وهذا لا ينافي تسميتها كلها زوائد باعتبار زيادتها على خط المصحف بخلاف ياءات الإضافة فلا تكون إلا زائدة.
وقول الناظم (ودونك) اسم فعل أمر بمعنى خذ والزم.
421 - وتثبت في الحالين درّا لوامعا ... بخلف وأولى النّمل حمزة كمّلا
422 - وفي الوصل حمّاد شكور إمامه ... وجملتها ستّون واثنان فاعقلا
المعنى: أن ما يذكر في هذا الباب من الزوائد لابن كثير فهو يثبته في الحالين، وما يذكر لهشام فله الخلف؛ أى يجوز له إثباته في الحالين وحذفه فيهما، وما يذكر لأبي عمرو وحمزة والكسائي ونافع فهم يثبتونه في الوصل ويحذفونه في الوقف، هذه هي القاعدة العامة للقراء الذين يثبتون هذه الياءات، ولكن حمزة خالف أصله فأثبت الياء الزائدة الأولى في سورة النمل وصلا ووقفا وهي في أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ واحترز بالأولى عن الثانية في السورة وهي فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ وسيأتي حكمها له وجملة الياءات الزائدة اثنتان وستون ياء.
423 - فيسري إلى الدّاع الجوار المناد يه ... دين يؤتين مع أن تعلّمني ولا
(1/193)

424 - وأخّرتني الإسرا وتتّبعن سما ... وفي الكهف نبغي يأت في هود رفّلا
425 - سما ودعائي في جنا حلو هديه ... وفي اتّبعوني أهدكم حقّه بلا
426 - وإن ترني عنهم تمدّونني سما ... فريقا ويدع الدّاع هاك جنا حلا
المعنى: أثبت أهل سما وهم: نافع وابن كثير وأبو عمرو الياءات في الكلمات الآتية: إِذا يَسْرِ في سورة الفجر، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ بالقمر، وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ في الشورى، الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ في ق، وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ، فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً، عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ ثلاثتها بالكهف، لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بالإسراء، أَلَّا تَتَّبِعَنِ في طه. وأثبت أهل سما والكسائي الياء في: ذلك كُنَّا نَبْغِ في الكهف، يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ في هود وأثبت حمزة وورش وأبو عمرو والبزى الياء في: رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ بإبراهيم. وأثبت ابن كثير وأبو عمرو وقالون الياء في: اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ بغافر، إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ بالكهف. وأثبت أهل سما وحمزة الياء في: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ في النمل. وكل من القراء على أصله إلا حمزة فقد خالف أصله في هذه الياء حيث أثبتها في الحالين كما سبق. وأثبت البزى وورش وأبو عمرو الياء في يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ بالقمر.
427 - وفي الفجر بالوادي دنا جريانه ... وفي الوقف بالوجهين وافق قنبلا
428 - وأكرمني معه أهانن إذ هدى ... وحذفهما للمازني عدّ أعدلا
429 - وفي النّمل آتاني ويفتح عن أولي ... حمى وخلاف الوقف بين حلا علا
المعنى: أثبت ابن كثير وورش الياء في جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ في الفجر. وورش على أصله في الإثبات وصلا. وابن كثير على أصله في الإثبات في الحالين. غير أن لقنبل عند الوقف وجهين: الإثبات والحذف، وأما عند الوصل: فيثبتها قولا واحدا. وأما البزى فيثبتها في الحالتين على أصل مذهبه. وأثبت نافع والبزى الياء في لفظ أَكْرَمَنِ في فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وفي لفظ أَهانَنِ في فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ثم بين الناظم أن حذف الياء في هذين اللفظين للبصري اعتبر أحسن وأجمل من إثباتهما له، فحينئذ يكون له عند الوصل كما هو مذهبه وجهان: الحذف والإثبات وإن كان الحذف أشهر من الإثبات. وأما عند الوقف: فليس له إلّا الحذف على أصل مذهبه. وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ في النمل، بإثبات الياء مفتوحة وصلا. واختلف في الوقف عن قالون وأبي عمرو وحفص فروى عن كل منهم وجهان عند الوقف الإثبات والحذف
فيكون لورش في الوقف الحذف فحسب على أصل مذهبه، وقرأ الباقون بحذف الياء في
(1/194)

الحالين وهم ابن كثير وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي.
430 - ومع كالجواب الباد حقّ جناهما ... وفي المهتد الإسرا وتحت أخو حلا
431 - وفي اتّبعن في آل عمران عنهما ... وكيدون في الأعراف حجّ ليحملا
432 - يخلف وتؤتوني بيوسف حقّه ... وفي هود تسألني حواريه جمّلا
433 - وتخزون فيها حجّ أشركتمون قد ... هدان اتّقون يا أولي اخشون مع ولا
434 - وعنه وخافوني ومن يتّقي زكا ... بيوسف وافى كالصّحيح معلّلا
المعنى: أثبت ورش وابن كثير وأبو عمرو. الياء في كالجواب في وَجِفانٍ كَالْجَوابِ في سبأ، والياء في والباد في سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ في الحج، وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في فَهُوَ الْمُهْتَدِي في الأعراف، وفي السورة التي تحتها وهي الكهف، والياء في وَمَنِ اتَّبَعَنِ بآل عمران، وأثبت أبو عمرو وهشام بخلف عنه الياء في ثُمَّ كِيدُونِ بالأعراف. فأبو عمرو يثبتها وصلا على قاعدته، وأما هشام فله الخلاف في الحالين عملا بهذا البيت، وبقوله في صدر الباب (لوامعا بخلف)، ولكن الذي صوبه أهل الأداء عامة أن هشاما ليس له في هذه الياء من طريق الحرز إلا الإثبات وصلا ووقفا، وأثبت ابن كثير وأبو عمرو الياء في حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ بيوسف، وأثبت أبو عمرو وورش الياء في فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ في هود، وأثبت أبو عمرو وحده الياء في الكلمات الآتية:
وَلا تُخْزُونِ في هود، بِما أَشْرَكْتُمُونِ بإبراهيم، وَقَدْ هَدانِ بالأنعام،
(1/195)

وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ بالبقرة، وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بالمائدة، وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بآل عمران، وأثبت قنبل الياء في يَتَّقِ في إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ بيوسف، وأشار إلى توجيه إثبات الياء في هذه الكلمة بأن من العرب من يجري المعتل مجرى الصحيح فلا يحذف من حروفه شيئا عند دخول جازم عليه كما لا يحذف شيئا من الصحيح ويكتفي بإسكان آخره، ومن الشواهد على ذلك قول الشاعر:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
435 - وفي المتعالي درّه والتّلاق والت ... تناد درا باغيه بالخلف جهّلا
436 - ومع دعوة الدّاعي دعاني حلا جنا ... وليسا لقالون عن الغرّ سبّلا
أثبت ابن كثير الياء في الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ بالرعد، وأثبت ورش وابن كثير وقالون بخلف عنه الياء في: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ، أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ والموضعان بغافر، والذي عليه المحققون: أن قالون ليس له من طريق النظم في هذين الموضعين إلا الحذف فيقتصر له عليه، وأثبت ورش وأبو عمرو الياء في الدَّاعِ* دَعانِ في أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ بالبقرة. وقوله: (وليسا لقالون عن الغر سبلا) ألف التثنية تعود على الياءين وهي اسم ليس، و (لقالون) متعلق بمحذوف خبرها. و (الغر) جمع الأغر وهو المشهور، والجار والمجرور (عن الغرر) متعلق بمحذوف حال من ضمير الخبر. و (سبلا) جمع سابلة وهم المختلفون في الطريق المتفرقون في السبل وهو منصوب على الحال من الغر، والتقدير:
وليس الياءان كائنين لقالون حال كونهما واردين عن النقلة ذوي الشهرة، حال كون هؤلاء النقلة متشعبين في طرق النقل، خبيرين بها.
والمعنى: أن هذين الياءين لم يثبتا لقالون عن النقلة المشهورين والرواة المعروفين بطرق الأداء الخبيرين بتحمل الأحرف في القرآن الكريم، ويؤخذ من هذا بطريق المفهوم أن الياءين ثبتا لقالون عن رواة غير مشهورين، فحينئذ يكون لقالون في هذين الياءين الحذف والإثبات، والأصح الحذف.
437 - نذيري لورش ثمّ تردين ترجمو ... ن فاعتزلون ستّة نذري جلا
(1/196)

438 - وعيدي ثلاث ينقذون يكذّبو ... ن قال نكيرى أربع عنه وصّلا
المعنى: أثبت ورش الياء في الكلمات الآتية: كَيْفَ نَذِيرِ بالملك، إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ بالصافات، وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ، وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ والموضعان بالدخان، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ* في ستة مواضع في سورة القمر، وَخافَ وَعِيدِ بإبراهيم، فَحَقَّ وَعِيدِ، مَنْ يَخافُ وَعِيدِ كلاهما في (ق)، وَلا
يُنْقِذُونِ في يس، إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ في القصص، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ* في الحج وسبأ وفاطر والملك.
439 - فبشّر عباد افتح وقف ساكنا يدا ... وو اتّبعوني حجّ في الزّخرف العلا
المعنى: قوله تعالى في سورة الزمر فَبَشِّرْ عِبادِ أثبت السوسي الياء فيه مفتوحة وصلا، ساكنة وقفا، هذا معنى النظم ولكن ذكر السيد هاشم أن فتح الياء للسوسي وصلا، وسكونها وقفا ليس من طريق الحرز، بل طريقه الحذف في الحالين، وهذا ما يؤخذ من النشر صراحة، وعلى هذا ينبغي لمن يقرأ للسوسي من طريق الحرز أن يقتصر له على الحذف في الحالين، وأثبت أبو عمرو الياء في وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ بالزخرف.
440 - وفي الكهف تسألني عن الكلّ ياؤه ... على رسمه والحذف بالخلف مثّلا
المعنى: أثبت القراء السبعة ياء فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بالكهف في الحالين؛ لأنها ثابتة في رسم المصاحف ما عدا ابن ذكوان من السبعة فله فيها الخلف بين الإثبات والحذف وصلا ووقفا، قال في النشر: والوجهان صحيحان عن ابن ذكوان.
441 - وفي نرتعي خلف زكا وجميعهم ... بالاثبات تحت النّمل يهديني تلا
المعنى: اختلف عن قنبل في ياء يَرْتَعْ بيوسف، فروي عنه فيها الإثبات والحذف، وعلى وجه الإثبات يكون في الحالين على أصل مذهبه، وهذا من الناظم خروج عن طريقه وطريق أصله، فطريقه: حذف الياء في الحالين لقنبل، وجميع القراء اثبتوا الياء في لفظ يَهْدِيَنِي في عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ في السورة التي تحت النمل
(1/197)

وهي القصص.
442 - فهذي أصول القوم حال اطّرادها ... أجابت بعون الله فانتظمت حلا
443 - وإنّي لأرجوه لنظم حروفهم ... نفائس أعلاق تنفّس عطّلا
444 - سأمضي على شرطي وبالله أكتفي ... وما خاب ذو جدّ إذا هو حسبلا
اللغة: (الأصول) جمع أصل، والأصل: هو القاعدة الكلية التي تنطبق على ما تحتها من الجزئيات الكثيرة والمراد بها الأبواب السابقة التي تضمنت أصول كل قارئ وقاعدته العامة التي يكون تحتها جزئيات متعددة. و (القوم) هم القراء السبعة، يقول: هذه قواعد القراء العامة وأحكامهم الكلية حال اطرادها وتحققها في أفرادها وجريها على سنن واحد لا اعوجاج فيه ولا التواء، دعوتها لأنظم عقودها في سمط هذه القصيدة، فانقادت لنظمي طيّعة بتوفيق الله تعالى وتيسيره، فاجتمعت متسقة الألفاظ متعانقة التركيب كعقد نضيد التأمت حباته وتناسقت خرزاته. و (الحروف) هي الكلمات القرآنية المختلف فيها بين القراء التي لم تطرد ولم تندرج تحت قاعدة كلية. و (النفائس) جمع نفيسة أو جمع نفيس
و (الأعلاق) جمع علق وهو النفيس، والإضافة فيه كما يقال: أجود الجيّد وخيار الخيار.
و (عطلا) جمع عاطل وهو الجيد الخالي من الزينة. و (تنفس) تضع النفيسة أى تجعل الجيد الخالي من الزينة مزينا بوضع شيء من الحلي فيه.
والمعنى: وإني لأرجو الله سبحانه أن يكمل عليّ نعمته بتيسير نظم حروف القراء التي اختلفوا فيها ولم تندرج تحت أصول عامة وقواعد كلية، والمراد ما سيذكره في الفرش من كلمات القرآن التي هي موضع خلاف القراء. وقوله: (سأمضي على شرطي) سأستمر على ما التزمته من بيان القراءة والترجمة والرمز والقيود وما يتعلق بذلك، وإذا قال المجد المحق في شيء: «حسبي الله» لا يخيب أمله ولا يضيع رجاؤه. و (حسبل) قال:
حسبي الله مثل حمدل قال: الحمد الله وسبحل قال: سبحان الله، وجعفل قال: جعلني الله فداءك. وفي الكلام إشارة إلى أن من يعني بمعرفة هذه الحروف يصير بها ذا شرف ونفاسة كالجيد العاطل إذا حلّي بالقلائد السمينة.
(1/198)

30 باب فرش الحروف- سورة البقرة [445 - 545]
الفرش: مصدر فرش إذا نشر وبسط، فالفرش معناه: النشر والبسط، والحروف:
جمع حرف، والحرف: القراءة يقال: حرف نافع حرف حمزة أي قراءته، وسمى الكلام على كل حرف في موضعه من الحروف المختلف فيها بين القراء فرشا؛ لانتشار هذه الحروف في مواضعها من سور القرآن الكريم، فكأنها انفرشت في السور بخلاف الأصول فإن حكم الواحد منها ينسحب على الجميع وهذا باعتبار الغالب في الفرش والأصول؛ إذ قد يوجد في الفرش ما يطرد الحكم فيه كقوله: (وحيث أتاك القدس إسكان داله دواء) البيت. وقوله: (وها هو بعد الواو والفا ولامها) البيت. وقوله:
(وإضجاعك التوراة مارد حسنه إلخ) وقد يذكر في الأصول ما لا يطرد كالمواضع المخصوصة التي ذكرها في الهمزتين من كلمة ومن كلمتين، والكلمات المعينة في باب الإمالة، وفي باب الإدغام الصغير، وفي ياءات الإضافة، وياءات الزوائد. فالتسمية في كل من الأصول والفرش باعتبار الكثير الغالب.
445 - وما يخدعون الفتح من قبل ساكن ... وبعد ذكا والغير كالحرف أوّلا
قرأ المرموز لهم بالذال وهم: الشامي والكوفيون قوله تعالى: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ بفتح الحرف الذي قبل الساكن وهو الياء، والحرف الذي بعده وهو الدال والساكن هو الخاء، وقرأ غيرهم وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وما يخادعون والذي دلنا على قراءتهم قوله: (والغير) أي غير الشامي والكوفيين يقرءون وما يخادعون كالحرف الأول وهو يُخادِعُونَ اللَّهَ* فخلاف القراء إنما هو في الموضع الثاني؛ لأنه قيده بالواو و (ما) فكأنه قال لفظ: يَخْدَعُونَ المقرون بالواو وما قرأه الشامي والكوفيون بكذا وغيرهم بكذا، ولأنه قال: (والغير كالحرف أولا) فعلم أن اختلاف القراء في الموضع الثاني، وأما الأول: فلا خلاف فيه بينهم وإنما أحال قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو على الموضع الأول؛ لأن قراءتهم لا يمكن أخذها من الضد؛ لأن ضد الفتح في الياء والدال الكسر، وضد السكون في الخاء التحرك بالفتح فلو كانت قراءتهم مأخوذة من الضد لكانت
(1/199)

بكسر الياء والدال وفتح الخاء وذلك لا يصح لغة ولا قراءة فلم يقرأ به ولا في الشاذ، فمن أجل ذلك اضطر إلى إحالة قراءة الباقين على الموضع الأول وهو كلمة يُخادِعُونَ اللَّهَ* وإطلاق الحرف على الكلمة مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل والعلاقة الجزئية. و (ذكا) معناه اشتعل وأضاء.
446 - وخفّف كوف يكذبون وياؤه ... بفتح وللباقين ضمّ وثقّلا
[تصوير]
قرأ الكوفيون بتخفيف الذال وفتح الياء في قوله تعالى: بِما كانُوا يَكْذِبُونَ* ويلزم من تخفيف الذال وفتح الياء إسكان الكاف، وقرأ الباقون وهم أهل سما: وابن عامر بضم الياء وتشديد الذال، ويلزم من هذا فتح الكاف. وأخذت قراءة الباقين من النص عليها في قوله و (للباقين ضم وثقلا) وإنما نص عليها ولم يتركها؛ لتؤخذ من الضد لعدم إمكان ذلك بالنسبة لفتح الياء؛ لأن ضد الفتح الكسر، فلو تركها لتؤخذ من الضد لكانت القراءة بكسر الياء مع التشديد وهذا لا يجوز، فظهر من هذا أن تشديد الذال يؤخذ من الضد؛ لأنه ضد التخفيف.
وأما الضم فلا يؤخذ من الضد؛ لأن ضد الفتح الكسر لا الضم فلذلك احتاج إلى النص على الضم، وأمّا النص على التثقيل وهو التشديد فليس في حاجة إلى النص عليه؛ لأنه ضد التخفيف كما سبق، فلعله نص عليه زيادة في البيان. ويرد على الناظم: أن إطلاقه الحكم في يَكْذِبُونَ* يتناول لفظ يَكْذِبُونَ في سورة التوبة في قوله تعالى: بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ مع اتفاق القراء على قراءة هذا الموضع بالتخفيف، ولفظ يكذبون في الانشقاق في قوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ مع اتفاق القراء على قراءته بالتشديد فكان عليه تقييد هذا الحكم بموضع البقرة كأن يقول، هنا أو نحو ذلك ودافع عنه بعض شراح كلامه بأنّ عادة الناظم في الفرش إذا أطلق الحكم يكون مقصورا على ما في السورة ولا يكون عامّا شاملا إلا بقرينة تدل على العموم كقوله: بحيث أتي، وحيث جاء، وجميعا، ونحو ذلك اللهم إلا في النذر اليسير من الكلمات، فقد ذكر حكمها في سورتها ولم يأت بقرينة تدل على العموم، ولكن كان الحكم عامّا شاملا لجميع مواضع هذه الكلمة كقوله في آل عمران:
(ولا ألف في ها هأنتم زكا جني) وقوله فيها أيضا: (ومع مد كائن كسر همزته دالا) إلخ.
(1/200)

447 - وقيل وغيض ثمّ جيء يشمّها ... لدى كسرها ضمّا رجال لتكملا
448 - وحيل بإشمام وسيق كما رسا ... وسيء وسيئت كان راويه أنبلا
قرأ الكسائي وهشام لفظ قِيلَ* حيث وقع في القرآن الكريم، ولفظ وَغِيضَ الْماءُ في هود ولا ثاني له في القرآن، ولفظ وَجِيءَ*: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ بإشمام كسر الحرف الأول منها ضما، وقرأ ابن عامر، والكسائي بالإشمام في:
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ في سبأ، وَسِيقَ* في الموضعين في سورة الزمر، وقرأ ابن عامر والكسائي، ونافع بالإشمام في سِيءَ بِهِمْ* في هود والعنكبوت، سِيئَتْ في الملك وكيفية الإشمام في هذه الأفعال: أن تحرك الحرف الأول منها بحركة مركبة من حركتين ضمة وكسرة، وجزء الضمة مقدم وهو الأقل، ويليه جزء الكسرة وهو الأكثر، ولا يضبط هذا الإشمام إلا التلقي والأخذ من أفواه الشيوخ المتقنين، وإطلاق الناظم الحكم يوهم قصره على ما
في هذه السورة ولكن لما ضم إلى ما في هذه السورة ألفاظا ليست فيها وهي:
وَغِيضَ، وَجِيءَ*، وَحِيلَ، وَسِيقَ*، سِيءَ*، سِيئَتْ كان ذلك قرينة على عموم الحكم وشموله لهذه الألفاظ حيث وقعت في القرآن الكريم ولا بدّ أن تكون أفعالا فإن كانت أسماء فلا إشمام فيها لأحد نحو: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا في النساء، وَقِيلِهِ يا رَبِّ في الزخرف، إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً في الواقعة، وَأَقْوَمُ قِيلًا في المزمل.
449 - وها هو بعد الواو والفا ولامها ... وها هي أسكن راضيا باردا حلا
450 - وثمّ هو رفقا بان والضّمّ غيرهم ... وكسر وعن كلّ يملّ هو انجلا
أمر بإسكان الهاء من لفظي (هو، هي) واللفظان من ضمائر الفصل للكسائي وقالون وأبي عمرو إذا كان كل منهما مقرونا بالواو نحو: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ*، وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ أو بالفاء نحو: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ، فَهِيَ كَالْحِجارَةِ، أو باللام نحو: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، لَهِيَ الْحَيَوانُ، وأسكن الكسائي وقالون الهاء في: ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في
(1/201)

القصص، وقرأ غيرهم بالضم في لفظ هو والكسر في لفظ هي وعن كل القراء السبعة ضم الهاء في أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ في البقرة.
451 - وفي فأزلّ اللّام خفّف لحمزة ... وزد ألفا من قبله فتكمّلا
أمر بتخفيف اللام وزيادة ألف قبلها لحمزة فتكون قراءة غيره بتشديد اللام وحذف الألف قبلها.
452 - وآدم فارفع ناصبا كلماته ... بكسر وللمكّيّ عكس تحوّلا
أمر أن يقرأ لجميع القراء غير المكي قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ، برفع (آدم) ونصب (كلمات) بالكسر. ثم ذكر أن المكي وهو ابن كثير يعكس هذه القراءة فيقرأ بنصب (آدم) ورفع (كلمات). وفي قوله: (تحولا) إشارة إلى انتقال النصب من (كلمات) إلى (آدم) وانتقال الرفع من (آدم) إلى (كلمات) في قراءة ابن كثير قال العلامة أبو شامة: وحقيقة العكس لا تتحقق هنا من جهة أن نصب آدم ليس بكسر بل بفتح فهو عكس مع قطع النظر عن لفظ الكسر انتهى، ولا يخفى أن العكس هنا عكس في الإعراب لا في الكلمات.
453 - ويقبل الاولى أنّثوا دون حاجز ... وعدنا جميعا دون ما ألف حلا
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ بتاء التأنيث فتكون قراءة الباقين [تصوير]
بياء التذكير والتقييد بالأولى للاحتراز عن الثانية وهي وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ فلا خلاف بين القراء في قراءتها بالتذكير. وقرأ أبو عمرو واعَدْنا في جميع مواضعه بحذف
الألف بعد الواو، وهو في ثلاثة مواضع هنا: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وفي الأعراف وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً، وفي طه وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ. وقرأ غيره بإثبات الألف بعد الواو.
454 - واسكان بارئكم ويأمركم له ... ويأمرهم أيضا وتأمرهم تلا
455 - وينصركم أيضا ويشعركم وكم ... جليل عن الدّوريّ مختلسا جلا
قرأ أبو عمرو، وهو مرجع الضمير في (له) بإسكان الهمز في بارِئِكُمْ* في الموضعين هنا
(1/202)

وبإسكان الراء في هذه الألفاظ حيث ذكرت في القرآن الكريم: يَأْمُرُكُمْ*، يَأْمُرُهُمْ، تَأْمُرُهُمْ، يَنْصُرْكُمُ*، يُشْعِرُكُمْ. ثم ذكر أن كثيرا من حذاق النقلة روى عن الدوري اختلاس كسرة الهمزة في بارِئِكُمْ* واختلاس ضمة الراء في بقية الألفاظ.
والاختلاس: هو الإتيان بثلثي حركة الحرف بحيث يكون المنطوق به من الحركة أكثر من المحذوف منها، ويرادفه الإخفاء، فاللفظان معناهما واحد، ويقابلهما الروم فهو الإتيان ببعض الحركة بحيث يكون الثابت منها أقل من المحذوف، ويؤخذ مما ذكر أن السوسي ليس له في شيء من هذه الألفاظ إلا الإسكان وأما الدوريّ فله في كل منها الإسكان والاختلاس.
456 - وفيها وفي الأعراف نغفر بنونه ... ولا ضمّ واكسر فاءه حين ظلّلا
457 - وذكر هنا أصلا وللشّام أنّثوا ... وعن نافع معه في الاعراف وصّلا
قرأ أبو عمرو وابن كثير والكوفيون نَغْفِرْ لَكُمْ* هنا وفي الأعراف بنون العظمة في أوله ولا ضم فيها فتكون مفتوحة؛ لأن الفتح ضد الضم وبكسر الفاء، وبقى من القراء السبعة:
نافع والشامي وهو ابن عامر. أما نافع: فأمر الناظم أن يقرأ له بياء التذكير بدلا من النون هنا مع ضم هذه الياء ويؤخذ له ضمها من الضد؛ لأنه نفي الضم عن النون في قراءة الجماعة فيكون ثابتا في الحرف الذي في مكان النون وهو الياء في قراءة نافع والتاء في قراءة ابن عامر ويقرأ لنافع بفتح الفاء؛ لأنه ضد الكسر، وأما ابن عامر: فأمر أن يقرأ له بتاء التأنيث المضمومة بدلا من النون في الموضعين هنا وفي الأعراف بدليل قوله: (معه في الاعراف) ويقرأ لابن عامر بفتح الفاء أيضا؛ لأنه ضد الكسر كما سبق. ثم ذكر أن نافعا يشارك ابن عامر في القراءة بالتأنيث في سورة الأعراف فتلخص من كل ما سبق أن البصري والمكي والكوفيين يقرءون نَغْفِرْ* في السورتين بالنون المفتوحة وكسر الفاء وأن نافعا يقرأ في البقرة بالياء المضمومة وفتح الفاء وفي الأعراف بالتاء المضمومة وفتح الفاء وأن ابن عامر يقرأ بالتاء المضمومة وفتح الفاء في الموضعين.
ويؤخذ من هذا أنه لا قراءة في الأعراف بالياء فالخلف فيها دائر بين القراءة بالنون المفتوحة
وكسر الفاء- وهي قراءة البصري والمكي والكوفيين-
(1/203)

والقراءة بالتاء المضمومة وفتح الفاء وهي قراءة نافع وابن عامر، والله تعالى أعلم.
458 - وجمعا وفردا في النّبيء وفي النّبو ... ءة الهمز كلّ غير نافع ابدلا
459 - وقالون في الأحزاب في للنّبيّ مع ... بيوت النّبيّ الياء شدّد مبدلا
أبدل القراء السبعة إلا نافعا الهمزة ياء في لفظ النبيء سواء كان مفردا أم جمع مذكر سالما- أم جمع تكسير- وفي لفظ النبوءة أيضا فالمفرد النَّبِيُّ* ونَبِيٍّ* ونَبِيًّا* وجمع المذكر السالم النَّبِيُّونَ* النَّبِيِّينَ* وجمع التكسير الْأَنْبِياءَ* أَنْبِياءَ* وَالنُّبُوَّةَ* في: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ في آل عمران، وفي وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ في الجاثية. أبدل القراء السبعة إلا نافعا الهمز ياء في جميع ما تقدم مع إدغام الياء الساكنة قبلها فيها بحيث يصير النطق بياء واحدة مشددة في لفظ المفرد وجمع المذكر السالم، وبياء خفيفة في جمع التكسير، وبواو واحدة مشددة في لفظ وَالنُّبُوَّةَ* حيث وقع، وقرأ نافع بالهمز في كل ما ذكر وقد وافق قالون الجماعة فخالف مذهبه في موضعين: فقرأ فيهما بإبدال الهمزة ياء مع إدغام الياء التي قبلها وهما: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ، لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ، كلاهما في الأحزاب، وإطلاق كلام الناظم يفيد أن قالون يقرأ بترك الهمز في الحالين: الوصل والوقف، ولكن المحققين على أنه يقرأ بترك الهمز وبالياء المشددة وصلا فقط، فإذا وقف رجع لأصله فقرأ بالهمز في الموضعين.
460 - وفي الصّابئين الهمز والصّابئون خذ ... وهزؤا وكفؤا في السّواكن فصّلا
461 - وضمّ لباقيهم وحمزة وقفه ... بواو وحفص واقفا ثمّ موصلا
المشار إليهم بالخاء وهم القراء السبعة إلا نافعا قرءوا بهمزة مكسورة بعد الباء في لفظ وَالصَّابِئِينَ* في البقرة والحج. وبهمزة مضمومة بعد الباء في وَالصَّابِئُونَ في العقود، وقرأ نافع بترك الهمز في اللفظين مع ضم الباء في وَالصَّابِئُونَ وقرأ حمزة بإسكان الزاي في لفظ هُزُواً* كيف وقع في القرآن وبإسكان الفاء في كُفُواً أَحَدٌ في الإخلاص. وقرأ الباقون بضم الزاي والفاء، فإذا وقف حمزة أبدل الهمزة واوا، وله نقل حركة
(1/204)

الهمزة إلى ما قبلها أى إلى الزاي والفاء، وإذا وصل حقق الهمزة، وحفص يبدل الهمزة واوا وقفا ووصلا، والباقون يقرءون بالهمز وصلا ووقفا.
462 - وبالغيب عمّا تعملون هنا دنا ... وغيبك في الثّاني إلى صفوه دلا
قرأ ابن كثير وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ الذي بعده أَفَتَطْمَعُونَ بياء الغيب [تصوير]
وقرأ غيره بتاء الخطاب، وعلم أن مراده هذا الموضع من قوله: (هنا) أي في المكان القريب من لفظ هُزُواً*. وقرأ نافع وشعبة وابن كثير وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ الذي بعده أُولئِكَ الَّذِينَ بياء الغيبة، وقرأ غيرهم بتاء الخطاب.
463 - خطيئته التّوحيد عن غير نافع ... ولا يعبدون الغيب شايع دخللا
قرأ القراء السبعة إلا نافعا وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ بالتوحيد أى الإفراد، فتكون قراءة نافع بالجمع أى بزيادة ألف بعد الهمزة، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ بياء الغيب، فتكون قراءة الباقين بتاء الخطاب و (الدخلل) هو الذي يداخلك في أمورك.
464 - وقل حسنا شكرا وحسنا بضمّه ... وساكنه الباقون واحسن مقوّلا
قرأ حمزة والكسائي وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً بفتح الحاء والسين كما لفظ به، وقرأ الباقون بضم الحاء وسكون السين وصرح بقراءتهم، وعلمت قراءة حمزة والكسائي من اللفظ، ومن ضد ترجمة الباقين؛ لأن ضد الضم في الحاء فتحها، وضد السكون في السين التحريك بالفتح. وقوله: (وأحسن مقولا) أي ناقلا؛ أى أحسن في نقلك بأن تنقل عن الأئمة بصدق وأمانة، وهو منصوب على الحال من فاعل وأحسن.
465 - وتظّاهرون الظّاء خفّف ثابتا ... وعنهم لدى التّحريم أيضا تحلّلا
قرأ المرموز لهم بالثاء وهم: الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ هنا، وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ في التحريم بتخفيف الظاء؛ فتكون قراءة غيرهم بالتشديد، وما أحسن قوله: (تحللا) بعد ذكر التحريم.
(1/205)

466 - وحمزة أسرى في أسارى وضمّهم ... تفادوهمو والمدّ إذ راق نفّلا
قرأ حمزة وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى بفتح الهمزة وسكون السين في مكان أُسارى بضم الهمزة وفتح السين وألف بعدها وهي قراءة الباقين فلفظ بالقراءتين، وقرأ نافع والكسائي وعاصم تُفادُوهُمْ بضم التاء وفتح الفاء وألف بعدها وهو مراده ب (المد) وأخذ فتح الفاء من إثبات ألف بعدها إذ لا تثبت الألف إلا حيث يكون ما قبلها مفتوحا فاكتفى بذكر المد عن ذكر الفتح، وقرأ الباقون بفتح التاء وسكون الفاء وأخذ فتح التاء من الضد وأخذ سكون الفاء من ضد الفتح الذي دل عليه المد يقال: راقني الشيء: أعجبني، و (نفّل) أعطي النفل بفتح الفاء وهو الغنيمة.
467 - وحيث أتاك القدس إسكان داله ... دواء وللباقين بالضّمّ أرسلا
قرأ ابن كثير لفظ القدس حيث وقع في القرآن العظيم بإسكان الدال، وقرأ غيره بضمها، ونص على قراءة الباقين؛ لأنها لا تعلم من الضد الإسكان التحريك بالفتح.
468 - وينزل خفّفه وتنزل مثله ... وننزل حقّ وهو في الحجر ثقّلا
469 - وخفّف للبصري بسبحان والذي ... في الانعام للمكّي على أن ينزّلا
470 - ومنزلها التّخفيف حقّ شفاؤه ... وخفّف عنهم ينزل الغيث مسجلا
قرأ المكى والبصري كل فعل مضارع من لفظ يُنَزِّلَ* مضموم الأول بتخفيف الزاي ويلزمه سكون النون سواء كان مبدوءا بياء الغيب مثل: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، أم بتاء الخطاب نحو: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ. أم بنون العظمة نحو إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً. وسواء كان مبنيّا للمعلوم كهذه الأمثلة، أو مبنيّا للمجهول نحو: أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ، ونحو: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ. وقولنا: مضموم الأول؛ خرج به، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها*، فلا خلاف بين القراء في تخفيف زائه. وقرأ الباقون بتشديد الزاى منه فتح النون وقوله: (وهو في الحجر ثقلا) معناه: أن كل ما في الحجر ثقّل لجميع القراء كما يفيده الإطلاق.
(1/206)

وفي الحجر موضعان: أولهما ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ، والثاني:
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ولا خلاف بين القراء السبعة في تشديدهما، وخفف أبو عمرو ما* في سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى وإطلاقه يتناول موضعيها وهما وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ، حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً. وشددهما ابن كثير مع باقي القراء فخالف فيهما مذهبه، وخفف ابن كثير موضع الأنعام عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وشدده البصري مع الباقين فخالف فيه مذهبه، وخفف ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي الزاي في هذه المواضع: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ في المائدة، وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا في الشورى، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ في لقمان.
وشدد الباقون في هذه المواضع.
471 - وجبريل فتح الجيم والرّا وبعدها ... وعى همزة مكسورة صحبة ولا
472 - بحيث أتى والياء يحذف شعبة ... ومكّيّهم في الجيم بالفتح وكّلا
قرأ حمزة والكسائي وشعبة لفظ وَجِبْرِيلَ* حيث وقع في القرآن الكريم بفتح الجيم والراء وزيادة همزة مكسورة بعد الراء، ويزيد شعبة على حمزة والكسائي حذف الياء التي بعد الهمزة فيشاركهما في فتح الجيم والراء وزيادة الهمزة المكسورة ويخالفهما في حذف الياء بعدها؛ لأنهما يثبتان الياء بعد الهمزة، وقرأ المكي بفتح الجيم
وقرأ الباقون بكسرها.
473 - ودع ياء ميكائيل والهمز قبله ... على حجّة والياء يحذف أجملا
قرأ حفص وأبو عمرو وَمِيكالَ حيث نزل بحذف الياء والهمز الذي قبله [تصوير]
ويفهم من ضد هذه القراءة أن غيرهما يقرأ بإثبات الياء والهمز الذي قبله ما عدا نافعا؛ فإنه يثبت الهمز ويحذف الياء. وقول الناظم قبله، نص في أن محل اختلاف القراء هو الياء الثانية و (أجملا) نعت لمصدر محذوف أى حذفا أجملا؛ أي جميلا.
474 - ولكن خفيف والشّياطين رفعه ... كما شرطوا والعكس نحو سما العلا
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا بتخفيف النون في ولكن
(1/207)

مع كسرها في الوصل للتخلص من التقاء الساكنين وسكونها في الوقف ورفع نون الشياطين. وقرأ الباقون بعكس هذه القراءة فتكون قراءتهم بتشديد النون في ولكن مع فتحها ونصب النون في الشياطين. الباقون هم عاصم ونافع وابن كثير وأبو عمرو. ولم يقيد نون ولكن في قراءة الباقين بالفتح اعتمادا على الشهرة.
475 - وننسخ به ضمّ وكسر كفى ونن ... سها مثله من غير همز ذكت إلى
قرأ مرموز (كفي) وهو ابن عامر ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ بضم النون الأولى وكسر السين فتكون قراءة غيره بفتح النون والسين؛ لأن ضد الضم الفتح وضد الكسر الفتح، وقرأ مرموز الذال والألف وهما ابن عامر والكوفيون ونل فع أَوْ نُنْسِها بضم النون الأولى وكسر السين كقراءة ابن عامر في ننسخ من غير همزة بعد السين فتكون قراءة الباقين وهما ابن كثير وأبو عمرو بفتح النون والسين وزيادة همز ساكن بعدها. والناظم رضي الله عنه لم يقيد الهمز بكونه ساكنا أو متحركا فمن أين علم سكونه؟
قال العلامة أبو شامة: ومطلق الهمز لا يقتضي حركته فيقتصر على أقل ما يصدق عليه اسم الهمز وهو الإتيان بهمزة ساكنة ويظهر لي- والله أعلم- أن سكون الهمز علم من قواعد العربية. ذلك أن قوله أَوْ نُنْسِها معطوف على فعل الشرط فيكون مجزوما مثله فحينئذ يتعين سكون الهمز. فالناظم لم يقيد الهمز بالسكون اعتمادا على هذه القواعد.
476 - عليم وقالوا الواو الاولى سقوطها ... وكن فيكون النّصب في الرّفع كفّلا
477 - وفي آل عمران في الاولى ومريم ... وفي الطّول عنه وهو باللّفظ أعملا
478 - وفي النّحل مع يس بالعطف نصبه ... كفى راويا وانقاد معناه يعملا
قرأ ابن عامر إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً بحذف الواو الأولى من وَقالُوا والتقييد بالأولى للاحتراز عن الثانية فلا خلاف بين القراء في إثباتها، وقرأ كُنْ فَيَكُونُ بالنصب في مكان الرفع يعني بنصب النون بدلا من رفعها في هذه السورة وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وفي آل عمران في الكلمة الأولى فيها وهي كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ، واحترز بالأولى عن الثانية وهي التي بعدها
(1/208)

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فقد اتفق القراء على الرفع فيها، وفي مريم في كُنْ فَيَكُونُ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي، وفي
الطول وهي غافر في كُنْ فَيَكُونُ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ. وقوله: (وهو باللفظ أعملا) توجيه لقراءة ابن عامر بالنصب، فوجهه أنه منصوب بعد فاء السببية في جواب الأمر وهو كُنْ* وهذا الفعل وهو كُنْ* ليس أمرا حقيقة؛ لأن المعنى أن الله تعالى إذا أراد شيئا ما تحقق، ولا يحول دون تحققه حائل ولكن لما كان على صورة الأمر ولفظه لفظ الأمر أجري مجرى الأمر الحقيقى، فنصب المضارع في جوابه، وقرأ ابن عامر والكسائي كُنْ فَيَكُونُ (40) وَالَّذِينَ هاجَرُوا في سورة النحل. كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحانَ الَّذِي في سورة يس، بنصب النون في فَيَكُونُ أيضا عطفا على الفعل المنصوب قبله، وهو نَقُولَ وهذا معنى قوله (بالعطف نصبه). ومعنى (انقاد) معناه: يعملا سهل النصب وظهر وجهه في هذين الموضعين لعطفه على قبله حال كونه في سهولته مشبها يعملا، وهو الجمل القوى في السير المطبوع على العمل.
479 - وتسأل ضمّوا التّاء واللّام حرّكوا ... برفع خلودا وهو من بعد نفي لا
قرأ السبعة إلا نافعا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ بضم التاء وتحريك اللام بالرفع وعلى هذه القراءة تكون لا التي قبل تسأل نافية، فتكون قراءة نافع بفتح التاء؛ لأنه ضد الضم، وبسكون اللام؛ لأنه ضد التحريك، وعلى هذه القراءة تكون لا ناهية؛ لأن النهى ضد النفي.
480 - وفيها وفي نصّ النّساء ثلاثة ... أواخر إبراهام لاح وجمّلا
481 - ومع آخر الأنعام حرفا براءة ... أخيرا وتحت الرّعد حرف تنزّلا
482 - وفي مريم والنّحل خمسة أحرف ... وآخر ما في العنكبوت منزّلا
483 - وفي النّجم والشّورى وفي الذّاريات وال ... حديد ويروي في امتحانه الاوّلا
484 - ووجهان فيه لابن ذكوان هاهنا ... وو اتّخذوا بالفتح عمّ وأوغلا
(1/209)

ضمير فيها يعود على السورة التي يتحدث عن اختلاف القراء في مواضع الاختلاف فيها، وهي سورة البقرة، يعني أن المرموز له باللام وهو هشام قرأ لفظ إِبْراهِيمَ* بفتح الهاء وألف بعدها في جميع المواضع في سورة البقرة كما يدل على ذلك إطلاق كلامه وكذلك قرأ بفتح الهاء وألف بعدها في المواضع الثلاثة الأخيرة في سورة النساء
وهي: وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا، وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ واحترز بالمواضع الأخيرة عن الموضع الأول منها وهو: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ فإن هشاما يقرؤه كالجماعة. وقرأ أيضا بفتح الهاء وألف بعدها في الموضع الأخير من سورة الأنعام وهو مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، والتقييد بالآخر احتراز عن [تصوير]
جميع ما فيها من لفظ إبراهيم فإن هشاما يقرؤه كالجماعة وأيضا حرفا براءة أخيرا وهما:
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ واحترز بآخر السورة عن كل ما فيها وكذا قوله تعالى وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ في سورة إبراهيم، وقوله إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً، أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ، والموضعان في النحل وقوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ، أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ والثلاثة في مريم. وقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ في العنكبوت، وهو آخر ما فيها. واحترز بالآخر عن قوله تعالى فيها وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ، وقوله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى في النجم، وقوله: وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ في الشورى، وقوله سبحانه: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ في الذاريات، وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ في الحديد، وقوله تعالى:
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ في سورة الممتحنة وهي الامتحان، وهو الموضع الأول فيها واحترز به عن الموضع الثاني وهو: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ. فهذه ثلاثة وثلاثون موضعا قرأها هشام بفتح الهاء وألف بعدها، وقرأ غيرها بكسر الهاء وياء ساكنة بعدها كالجماعة. وقوله (ووجهان فيه لابن ذكوان هاهنا) معناه أن ابن ذكوان قرأ جميع ما في البقرة من لفظ إبراهيم بوجهين: الأول كهشام، والثاني كالجماعة، ويفهم من هذا أن ابن ذكوان يقرأ غير ما في البقرة من سائر المواضع كالجماعة، وعلمت قراءة هشام بفتح الهاء والألف من تلفظه بها، وأما قراءة الجماعة فتعلم من جهة أن هشاما لما قرأ بالفتح وبالألف وضد الفتح الكسر ويلزم من الكسر قبل الألف قبلها ياء علم أن
(1/210)

قراءة الجماعة بكسر الهاء وياء بعدها، هكذا قرر بعض الشراح. وقال العلامة الجعبرى: قد علم من اصطلاحه الذي قررناه سابقا أن اللفظ المختلف فيه إذا كان له نظير متفق عليه ذكر الوجه المخالف كالألف هنا ثم يحيل الآخر على محل الإجماع وهو الياء .. انتهى. ثم ذكر أن المشار إليهما بكلمة (عمّ) وهما نافع والشامي قرآ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ بفتح الخاء فتكون قراءة غيرهما بكسرها.
485 - وأرنا وأرني ساكنا الكسر دم يدا ... وفي فصّلت يروى صفا درّه كلا
486 - وأخفاهما طلق وخفّ ابن عامر ... فأمتعه أوصى بوصّى كما اعتلا
قرأ ابن كثير والسوسي: وَأَرِنا مَناسِكَنا، أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً، أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى، أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ بسكون الراء. وقرأ السوسي وشعبة وابن كثير وابن عامر أَرِنَا الَّذَيْنِ في فصلت بسكون الراء. وقرأ الدوري عن أبي عمرو بإخفاء الحركة أي اختلاسها في كل ما ذكر. وقرأ الباقون بإشباع كسر الراء في الجميع والقراءتان سكون الراء وكسرها مأخوذتان من قول الناظم (ساكنا الكسر) وقرأ ابن عامر فَأُمَتِّعُهُ بتخفيف التاء
ويلزم منه سكون الميم وقرأ غيره بفتح الميم وتشديد التاء؛ لأنه ضد التخفيف ويلزمه فتح الميم وقرأ ابن عامر ونافع وأوصى بها، بزيادة ألف بين الواوين مع سكون الواو الثانية وتخفيف الصاد. وقرأ الباقون بحذف الألف مع فتح الواو الثانية وتشديد الصاد وقد لفظ الناظم بالقراءتين معا.
487 - وفي أم يقولون الخطاب كما علا ... شفا ورءوف قصر صحبته حلا
قرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ بتاء الخطاب فتكون قراءة الباقين بياء الغيبة، وقرأ (صحبة) أى شعبة وحمزة والكسائي وكذا أبو عمرو لفظ رَؤُفٌ* حيث نزل بالقصر؛ أى حذف حرف المد بعد الهمزة. وقرأ الباقون بالمد- لأنه ضد القصر- والمراد به إثبات حرف المد بعد الهمزة.
488 - وخاطب عمّا يعملون كما شفا ... ولام مولّيها على الفتح كمّلا
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي عَمَّا يَعْمَلُونَ الذي بعده وَلَئِنْ أَتَيْتَ بتاء الخطاب؛ فتعين
(1/211)

لغيرهم القراءة بياء الغيبة، ودلنا على هذا الموضع: وقوعه بعد ترجمة رَؤُفٌ* وقرأ ابن عامر هُوَ مُوَلِّيها بفتح اللام، وحينئذ تنقلب الياء ألفا. وقرأ غيره بكسر اللام وياء ساكنة مدية بعدها.
489 - وفي يعملون الغيب حلّ وساكن ... بحرفيه يطّوّع وفي الطّاء ثقّلا
490 - وفي التّاء ياء شاع والرّيح وحّدا ... وفي الكهف معها والشّريعة وصّلا
491 - وفي النّمل والأعراف والرّوم ثانيا ... وفاطر دم شكرا وفي الحجر فصّلا
492 - وفي سورة الشّورى ومن تحت رعده ... خصوص وفي الفرقان زاكيه هلّلا
قرأ أبو عمرو عَمَّا تَعْمَلُونَ الذي بعده وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ بياء الغيب، وغيره بتاء الخطاب، والذي دلنا على موضعه: وقوعه بعد ترجمة مولاها.
وقرأ حمزة والكسائي وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بسكون العين وتثقيل الطاء وبالياء في مكان التاء، وفي الكلام تقديم وتأخير.
والمعنى: أنهما قرآ بالياء المعجمة المفتوحة في أول الفعل وبعدها طاء مفتوحة مشددة وبعدها عين ساكنة. وقرأ حمزة والكسائي أيضا بتوحيد لفظ الرِّياحِ* أى بحذف الألف فتسكن الياء في هذه السورة وتصريف الرّيح، وفي الكهف تذروه الرّيح، وفي سورة الشريعة وهي الجاثية وتصريف الرّيح. وانضم إليهم ابن كثير في توحيد لفظ الرِّياحِ* في السور الآتية: النمل ومن يرسل الرّيح بشرا، والأعراف وهو الّذى يرسل الرّيح بشرا. وفي الموضع الثاني من الروم الله الّذى يرسل الرّيح [تصوير]
واحترز به عن الموضع الأول وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ. فلا خلاف في قراءته بالجمع، وفي فاطر وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ. وانفرد حمزة بقراءة هذا اللفظ بالإفراد في الحجر وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ وقرأ السبعة إلا نافعا بالتوحيد في سورة الشورى إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ وفي السورة التي تحت الرعد وهي إبراهيم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فتكون قراءة نافع بالجمع في السورتين. وقرأ البزي وقنبل عن ابن كثير بالتوحيد في سورة الفرقان وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً وقرأ غيرهما بالجمع.
(1/212)

493 - وأيّ خطاب بعد عمّ ولو ترى ... وفي إذ يرون الياء بالضّمّ كلّلا
قرأ المشار إليهما بكلمة (عم) وهما: نافع عامر بتاء الخطاب في قوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا. ويشير بقوله (وأي خطاب) إلى تفخيم شأن هذا الخطاب وتهويل أمره؛ لما فيه من الدلالة على تفظيع العذاب الذي ادخره الله عزّ وجلّ لمتخذي الأصنام أندادا، وفي قوله (عم) إشارة إلى أن قوله تعالى: وَلَوْ تَرى * على هذه القراءة- الخطاب فيه عام لكل من تتأتى منه الرؤية، وقرأ غيرهما بياء الغيب. وقرأ ابن عامر إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ بضم الياء فتكون قراءة غيره بفتحها. ومعنى قوله (كلّلا) أن الياء كللت بالضمة شبه الضمة بالإكليل وهو التاج الذي يوضع فوق رأس الملوك.
494 - وحيث أتى خطوات الطّاء ساكن ... وقل ضمّه عن زاهد كيف رتّلا
المعنى: أن لفظ خطوات حيث وقع في القرآن الطاء فيه ساكن للجميع ما عدا حفصا وقنبلا وابن عامر والكسائي؛ فإنهم يضمونها، وذكر الناظم القراءتين؛ لأن إحداهما لا تؤخذ من الضد إذ ضد السكون الفتح، وضد الضم الفتح.
495 - وضمّك أولى السّاكنين لثالث ... يضمّ لزوما كسره في ند حلا
496 - قل ادعوا أو انقص قالت اخرج أن اعبدوا ... ومحظورا انظر مع قد استهزئ اعتلا
497 - سوى أو وقل لابن العلا وبكسره ... لتنوينه قال ابن ذكوان مقولا
498 - بخلف له في رحمة وخبيثة ... ......
إذا اجتمع ساكنان في كلمتين، وكان الساكن الأول في آخر الكلمة الأولى والثاني في الكلمة الثانية، وكان أول الثانية همزة وصل تضم عند الابتداء، وكان الحرف الثالث في الكلمة مضموما ضمة لازمة فقد اختلف القراء في الساكن الأول مع اجماعهم على تحريكه للتخلص من الساكنين فمنهم من ضمه لأجل ضم الحرف الثالث في الكلمة الثانية فيكون ضمه للاتباع كراهة الانتقال من كسر إلى ضم ولا اعتداد بالحرف الساكن بينهما؛ لأن الحرف الساكن حاجز غير حصين. وقد أشار الناظم إلى هذه العلة
(1/213)

بقوله (لثالث) وهناك علة ثانية وهي أن ضم هذا الساكن يدل على حركة همزة الوصل التي حذفت في الوصل
وهي الضمة، ومنهم من كسره، والذين حركوا هذا الساكن بالضم هم: نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي، والذين حركوه بالكسر هم المشار إليهم بالفاء والنون والحاء وهم حمزة وعاصم وأبو عمرو وعلة تحريكهم هذا الساكن بالكسر أنه الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، وذلك نحو الأمثلة التي ذكرها الناظم: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ في الإسراء، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا في المزمل، وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ في يوسف، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ في نوح، وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20) انْظُرْ في الإسراء، وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ* في الأنعام وغيرها.
فالساكن الأول في المثال اللام، وفي الثاني الواو، وفي الثالث التاء، وفي الرابع النون، وفي الخامس التنوين، وفي السادس الدال.
والساكن الثاني في المثال الأول، وفي الثاني النون، وفي الثالث الخاء، وفي الرابع العين، وفي الخامس النون، وفي السادس السين. وأول الكلمة الثانية في كل مثال من الأمثلة المذكورة همزة وصل تضم عند الابتداء والحرف الثالث في الكلمة الثانية من هذه الأمثلة مضموم ضمّا لازما. وإنما عد الحرف المضموم ثالث حروف الكلمة لأحد اعتبارين: الأول أن قبله الحرف الساكن، وقبل الحرف الساكن همزة الوصل؛ فهمزة الوصل أول حروف الكلمة، وثانيها الحرف الساكن، وثالثها الحرف المضموم، وهذا بالنظر للابتداء بالكلمة، وأيضا بالنظر لرسم الكلمة؛ فإن كلمة اخرج مثلا مرسومة في الخط أربعة أحرف: الأول:
همزة الوصل، والثاني: الخاء، والثالث: الحرف المضموم وهو الراء. والرابع: الجيم.
الاعتبار الثاني: أن هذا الحرف المضموم عدّ ثالثا باعتبار الساكن الأول إذا الحكم متعلق به، فالساكن الأول كالكلام في قُلِ ادْعُوا* هو الحرف الأول، والدال هو الحرف الثاني، والعين وهو المضموم هو الحرف الثالث، وأما همزة الوصل:
فحذفت في الدرج، وهذا منظور فيه لوصل الكلمة الأولى بالثانية.
ويؤخذ من الضابط الذي ذكرناه: أن الساكن الأول لا يضم إلا بشرطين: الأول:
أن يكون الساكن الثاني في كلمة ثانية مبدوءة بهمزة وصل تضم عند الابتداء بها.
الثاني: أن يكون الحرف الثالث من الكلمة الثانية مضموما ضمّا لازما ومحترز
(1/214)

الشرط الأول أن الساكن الثاني إذا كان في كلمة مبدوءة بهمزة وصل لا تضم في الابتداء فلا يضم الساكن الأول لأحد من القراء بل يكسر باتفاق، حتى وإن كان الحرف الثالث في هذه الكلمة مضموما ضمّا لازما نحو: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ*، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، غُلِبَتِ الرُّومُ، كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ، بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ؛ فهمزة الوصل في هذه الأمثلة ونحوها تفتح في الابتداء كما هو معلوم.
[تصوير]
ومحترز الشرط الثاني: أن الحرف الثالث في الكلمة الثانية إذا كانت ضمته عارضة فلا يضم الساكن الأول بل يكسر لجميع القراء نحو: إِنِ امْرُؤٌ، فإن ضمة الراء عارضة؛ لأنها تابعة لضم الهمزة، ولذلك لو فتحت الهمزة نحو: إنّ امرأ؛ لفتحت الراء، ولو كسرت الهمزة لكسرت الراء، نحو لِكُلِّ امْرِئٍ* فنظرا لكون ضمة الراء في هذه الكلمة عارضة لا يبتدأ بهمزة الوصل إلا مكسورة سواء ضمت الراء أو فتحت أو كسرت، ومن ذلك أَنِ امْشُوا، ثُمَّ اقْضُوا. فإن ضمة الشين والضاد عارضة؛ لأن الأصل: امشيوا، اقضيوا. بكسر الشين والضاد كما هو مقرر في فن الصرف. ويبتدأ بهمزة الوصل مكسورة فيهما: نظرا لعروض ضمة الحرف الثالث في الكلمتين، ومن الحركة العارضة حركة الإعراب نحو: بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى، وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. والتمثيل بعزير لا يصح إلا على قراءة من ينونه وهو عاصم والكسائي فكلاهما يكسر التنوين. فأما عاصم: فعلى أصل مذهبه في كسر أول الساكنين مطلقا. وأما الكسائي: فلعروض الضمة؛ لأنها ضمة إعراب تتحقق وتنتفي حسب العوامل، فتتحقق في حالة الرفع وتنتفي في حالة النصب وتحل الفتحة محلها، وفي حالة الجر تحل الكسرة محلها. ومن الضمة العارضة: ضمة القاف في أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ لأن الأصل اتقيوا بكسر القاف وضم الياء فاستثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى القاف ثم حذفت الياء.
وقال بعضهم: إن القاف المضمومة ليست ثالثة حروف الكلمة بل هي رابعة حروفها؛ لأن قبلها التاء مشددة، فهي حرفان وقبلها همزة الوصل، فيكون قبل القاف ثلاثة أحرف:
همزة الوصل، والتاء المشددة بحرفين، فتكون القاف رابعة الأحرف، فجميع ما تقدم من محترز الشرطين يكسر فيه أول الساكنين لكل القراء.
وقال بعض المحققين: إن الشرط الأول كاف وحده ولا حاجة إلى الثاني؛ لأنه إذا تحقق الشرط الأول خرج مثل: إِنِ الْحُكْمُ*، قُلِ الرُّوحُ،
(1/215)

غُلِبَتِ الرُّومُ. وما شاكل ذلك؛ لفتح همزة الوصل في هذه الأمثلة وأشباهها. وخرج إِنِ امْرُؤٌ، أَنِ امْشُوا، ثُمَّ اقْضُوا، بِغُلامٍ اسْمُهُ، عُزَيْرٌ ابْنُ، أَنِ اتَّقُوا؛ لكسر همزة الوصل فيها وأشباهها. وحينئذ لا يضم الساكن الأول في شيء مما ذكر؛ بل يكسر للجميع، وممن جنح إلى الاكتفاء بالشرط الأول: الإمام مكي بن أبي طالب حيث قال: اختلفوا في الساكنين إذا اجتمعا من كلمتين وكانت الألف- أي همزة الوصل- التي تدخل على الساكن الثاني في الابتداء تبتدأ بالضم .. انتهى.
واختصر العلامة الجعبرى ما قاله الإمام مكي فقال: اختلفوا في حركة الأول من الساكنين إذا كان بينهما همزة وصل مضمومة. ثم قال: وهذا يغني عن لزوم الضم .. انتهى. ثم استثنى الناظم لأبي عمرو الواو من أو واللام من قُلِ* فقرأ بالضم فيهما حيث وقعا نحو: قُلِ ادْعُوا
اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ، قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا.
فيكون أبو عمرو قد خالف أصله في أَوِ* وقُلِ* فقط. وقول الناظم (وبكسره لتنوينه) قال ابن ذكوان: مقولا في قوة الاستثناء من مذهب ابن ذكوان؛ لأن مذهبه ضم الساكن الأول في جملة من يضمون، فإذا كان الساكن تنوينا فإن ابن ذكوان يكسره نحو: مَحْظُوراً (20) انْظُرْ، مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوها. واختلف عنه في موضعين: لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا بالأعراف كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ بإبراهيم. فروي عنه في كل منهما الضم والكسر. و (مقولا) بضم الميم وكسر الواو مأخوذ من أقوله مثل قوّله أي جعله قولا له، وهو منصوب على الحال.
498 - ............. ........ ... ورفعك ليس البرّ ينصب في علا
499 - ولكن خفيف وارفع البرّ عمّ في ... هما وموصّ ثقلة صحّ شلشلا
أى قرأ حمزة وحفص لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا بنصب الراء، وقرأ الباقون برفعها وأخذت قراءة الباقين من قوله (ورفعك ليس البر) أى رفعك لَيْسَ الْبِرَّ الثابت للقراء ينصب لحمزة وحفص فيكون قد نصب على القراءتين، ولو قال: ليس البر ينصب في علا، لنص على قراءة واحدة، ولكانت القراءة الثانية بخفض الراء؛ لأن الخفض ضد النصب، وليست
(1/216)

القراءة الثانية كذلك فمن أجل هذا (ورفعك إلخ) ليدل على قراءة غير حفص وحمزة، وقول الناظم ليس البر من غير واو يعطي أن موضع الخلاف إنما هو المجرد من الواو، وأما المقترن بها وهو: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ. فقد اتفق القراء على قراءته برفع الراء. ثم بين أن نافعا والشامي يقرءان:
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى. بتخفيف نون وَلكِنَّ وكسرها ورفع راء البر في الموضعين فتكون قراءة الباقين بتشديد النون ونصبها ونصب راء البر. وأخيرا ذكر أن شعبة وحمزة والكسائي قرءوا مِنْ مُوصٍ بتثقيل الصاد، ويلزمه فتح فتكون قراءة الباقين بتخفيف الصاد ويلزمه سكون الواو، والشلشل الخفيف.
500 - وفدية نوّن وارفع الخفض بعد في ... طعام لدى غصن دنا وتذلّلا
501 - مساكين مجموعا وليس منوّنا ... ويفتح منه النّون عمّ وأبجلا
قرأ هشام وأبو عمرو والكوفيون وابن كثير بتنوين فِدْيَةٌ ورفع الميم في طَعامُ فتكون قراءة نافع وابن ذكوان بحذف التنوين وخفض الميم، وقرأ نافع وابن عامر مساكين بالجمع وترك التنوين وفتح النون، وقرأ الباقون مِسْكِينٍ بالإفراد وإثبات التنوين في النون وكسرها فتصير قراءة نافع وابن ذكوان بترك التنوين وخفض الميم [تصوير]
وجمع مساكين وقراءة هشام بالتنوين ورفع الميم وجمع مساكين وقراءة الباقين بالتنوين ورفع الميم وإفراد مساكين. و (أبجلا) كفى، يقال: أبجله الشيء إذا كفاه.
502 - ونقل قران والقران دواؤنا ... وفي تكملوا قل شعبة الميم ثقّلا
قرأ ابن كثير بنقل حركة الهمزة إلى الراء الساكنة قبلها مع حذف الهمزة في لفظ قُرْآنٍ* وما تصرف منه حيث وقع وكيف نزل، سواء كان مقرونا بلام التعريف نحو:
أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، أم مضافا إلى اسم ظاهر نحو: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، أم إلى ضمير نحو: فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، أم كان خاليا من اللام والإضافة نحو: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ، وقرأ الباقون بإثبات الهمز وسكون الراء. وقرأ شعبة وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ بتثقيل الميم ويلزمه فتح الكاف، وقرأ غيره بتخفيف الميم وسكون الكاف.
(1/217)

503 - وكسر بيوت والبيوت يضمّ عن ... حمى جلّة وجها على الأصل أقبلا
قرأ حفص وأبو عمرو وورش بضم كسر الباء في لفظ بُيُوتٍ* حيث وقع وكيف نزل، سواء كان مصاحبا للام التعريف نحو: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها أم مضافا إلى اسم ظاهر نحو: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ أم إلى ضمير نحو: غَيْرَ بُيُوتِكُمْ أم كان خاليا من اللام والإضافة نحو: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً. وقرأ الباقون بكسر الباء في ذلك وأمثاله.
وقد أشار الناظم إلى توجيه قراءة الضم بأنها الأصل؛ إذ الأصل في جمع فعل بفتح الفاء وسكون العين أن يكون على فعول مثل: قلب وقلوب، وشيخ وشيوخ. ووجه قراءة الكسر:
مجانسة الياء استثقالا لضمة الياء بعد ضمة.
504 - ولا تقتلوهم بعده يقتلوكمو ... فإن قتلوكم قصرها شاع وانجلا
قرأ حمزة والكسائي: ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتّى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم بفتح التاء في الأول والياء في الثاني وإسكان القاف فيهما وضم التاء فيهما أيضا مع القصر؛ أى حذف الألف كما لفظ بها. ويحذف الألف في فَإِنْ قاتَلُوكُمْ. وقرأ الباقون بضم التاء في الأول والياء في الثاني وفتح القاف وكسر التاء فيهما مع المد، أي: إثبات ألف بين القاف والتاء في الثلاثة، ولا خلاف في فَاقْتُلُوهُمْ أنه بغير ألف. ومعنى (شاع وانجلا) اشتهر القصر وانكشف.
505 - وبالرّفع نونه فلا رفث ولا ... فسوق ولا حقّا وزان محمّلا
قرأ ابن كثير وأبو عمرو فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ برفع الثاء والقاف وتنوينهما، وقرأ غيرهما بفتح الثاء والقاف وترك التنوين فيهما ولا خلاف في جِدالَ أنه بالفتح من غير تنوين.
506 - وفتحك سين السّلم أصل رضى دنا ... وحتّى يقول الرّفع في اللّام أوّلا
قرأ نافع والكسائي وابن كثير ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ بفتح السين، وقرأ الباقون بكسرها
وسيبين حكم ما في الأنفال والقتال في سورة الأنفال. وقرأ نافع حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
(1/218)

برفع اللام، وقرأ غيره بنصبها. وفي قوله: (أولا) إشارة إلى تأويل قراءة نافع وهو أن الفعل بمعنى المضي أى: (حتى قال الرسول) أو هي حكاية حال ماضية. والفعل إذا كان كذلك ووقع بعد حتى رفع، ووجه النصب: أن الفعل مستقبل. فنصب بعد حتى على تقدير: إلى أن يقول، أو: كي يقول.
507 - وفي التّاء فاضمم وافتح الجيم ترجع ال ... أمور سما نصّا وحيث تنزّلا
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم تُرْجَعُ الْأُمُورُ* حيث نزل في القرآن الكريم بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء وكسر الجيم.
508 - وإثم كبير شاع بالثّا مثلّثا ... وغيرهما بالباء نقطة اسفلا
قرأ حمزة والكسائي قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ بالثاء المثلثة، وقرأ غيرهما بالباء الموحدة أي: التي بنقطة واحدة في أسفلها.
509 - قل العفو للبصريّ رفع وبعده ... لأعنتكم بالخلف أحمد سهّلا
قرأ أبو عمرو البصري قُلِ الْعَفْوَ برفع الواو، فتكون قراءة غيره بنصبها، وسهل أحمد البزى عن ابن كثير همزة لَأَعْنَتَكُمْ بين بين بخلف عنه، فله فيها التسهيل والتحقيق، وقرأ غيره بالتحقيق قولا واحدا.
510 - ويطهرن في الطّاء السّكون وهاؤه ... يضمّ وخفّا إذ سما كيف عوّلا
قرأ أهل سما وابن عامر وحفص حَتَّى يَطْهُرْنَ بسكون الطاء وضم الهاء وتخفيفهما؛ فتكون قراءة شعبة وحمزة والكسائي بفتح الطاء والهاء وتشديدهما.
511 - وضمّ يخافا فاز والكلّ أدغموا ... تضارر وضمّ الرّاء حقّ وذو جلا
قرأ حمزة إِلَّا أَنْ يَخافا بضم الياء، فتكون قراءة غيره بفتحها، وكل القراء أدغموا الراء الأولى في الثانية في لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها فقرءوا براء واحدة مشددة، وضم هذه الراء ابن كثير وأبو عمرو وفتحها غيرهما.
(1/219)

512 - وقصر أتيتم من ربا وأتيتمو ... هنا دار وجها ليس إلّا مبجّلا
قرأ ابن كثير: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً في الروم، إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ، في هذه السورة بقصر الهمزة فيهما، والمراد بالقصر حذف الألف بعدها، وقرأ غيره بالمد أى
بإثبات حرف المد أي: الألف بعد الهمزة في الموضعين. والتبجيل: التعظيم.
513 - معا قدر حرّك من صحاب وحيث جا ... يضمّ تمسّوهن وامدده شلشلا
[تصوير]
قرأ ابن ذكوان وحفص وحمزة والكسائي: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ.
بتحريك الدال فيهما أي: بفتحها؛ إذ التحريك إذا أطلق ولم يقيد كان المراد به الفتح وكان ضده الإسكان، فتكون قراءة الباقين بإسكان الدال في الموضعين. وقرأ حمزة والكسائي لفظ تَمَسُّوهُنَّ* حيث جاء في القرآن بضم التاء وإثبات ألف بعد الميم مع مد المشبع للساكنين فتكون قراءة الباقين بفتح التاء وحذف الألف بعد الميم. والشلشل: الخفيف.
514 - وصيّة ارفع صفو حرميّه رضى ... ويبصط عنهم غير قنبل اعتلا
515 - وبالسّين باقيهم وفي الخلق بصطة ... وقل فيهما الوجهان قولا موصّلا
قرأ شعبة والحرميان- نافع وابن كثير- والكسائي وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ برفع التاء فتكون قراءة غيرهم بنصبها. وقوله: (ويبصط عنهم) معناه: أنه نقل عن هؤلاء المذكورين وهم: شعبة ومن معه- إلا قنبلا- أنهم قرءوا وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ هنا وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً في الأعراف بالصاد في الموضعين. وقرأ غيرهم ومعهم قنبل بالسين في الموضعين إلا أن خلادا وابن ذكوان اختلف عنهما في الموضعين فروي عنهما الصاد والسين فيهما إلا أن المحققين نبهوا على أن ابن ذكوان ليس له في موضع الأعراف إلا الصاد، وأمّا السين؛ فليست من طريق الناظم، فلا يقرأ له بها في هذا الموضع.
والخلاصة: أن نافعا والبزي وشعبة والكسائي يقرءون بالصاد في الموضعين، وأن قنبلا وأبا عمرو وهشام وحفصا وخلفا عن حمزة يقرءون بالسين في الموضعين، وأن لخلاد
(1/220)

الصاد والسين في كل من الموضعين، وأن ابن ذكوان له الصاد والسين في البقرة. وله في الأعراف الصاد فقط.
516 - يضاعفه ارفع في الحديد وهاهنا ... سما شكره والعين في الكلّ ثقّلا
517 - كما دار واقصر مع مضعّفة وقل ... عسيتم بكسر السّين حيث أتى انجلا
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: فيضاعفه له وله أجر كريم في الحديد، فيضاعفه له أضعافا كثيرة في هذه السورة برفع الفاء، فتكون قراءة ابن عامر وعاصم بنصب الفاء في الموضعين. وقرأ ابن عامر وابن كثير بتشديد العين وحذف الألف قبلها في الموضعين، وكذا في كل فعل مضارع مشتق من المضاعفة سواء بني للفاعل كما هنا أم للمفعول كما في سورة هود: يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ وسواء اقترن بالضمير كما هنا، وكقوله:
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، يُضاعِفْهُ لَكُمْ. أم تجرد عنه نحو: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ. وأشار الناظم إلى هذا العموم بقوله: (كما دار) أي: حيث وقع وعلى أية صورة نزل، وكذا يثقلان العين ويحذفان الألف قبلها في لفظ مُضاعَفَةً في قوله تعالى في آل عمران: لا تأكلوا الرّبوا أضعافا مضعّفة فتكون قراءة
الباقين بتخفيف العين، وإثبات الألف قبلها، في الجميع.
والحاصل: أن في فَيُضاعِفَهُ* هنا وفي الحديد أربع قراءات:
الأولى: بتخفيف العين وإثبات الألف قبلها ورفع الفاء وهذه لنافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي.
الثانية: بتشديد العين وحذف الألف ورفع الفاء لابن كثير.
الثالثة: بتشديد العين وحذف الألف ونصب الفاء لابن عامر.
الرابعة: بتخفيف العين وإثبات الألف ونصب الفاء؛ لعاصم. وفي باقي المواضع قراءتان: التشديد لابن كثير وابن عامر، والتخفيف لغيرهما. وقرأ نافع: قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ هنا، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ في القتال بكسر السين في الموضعين، فتكون قراءة غيره بفتحها فيهما.
518 - دفاع بها والحجّ فتح وساكن ... وقصر خصوصا غرفة ضمّ ذو ولا
قرأ السبعة إلا نافعا وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ* في هذه السورة وفي سورة الحج بفتح الدال
(1/221)

وسكون الفاء. ويلزم من سكون الفاء القصر أي: حذف الألف بعدها، فتكون قراءة نافع بكسر الدال وفتح الفاء وإثبات ألف بعدها كما لفظ به. وقرأ الشامي والكوفيون لفظ غُرْفَةً في إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بضم الغين فتكون قراءة غيرهم بفتحها.
519 - ولا بيع نوّنه ولا خلّة ولا ... شفاعة وارفعهنّ ذا أسوة تلا
520 - ولا لغو لا تأثيم لا بيع مع ولا ... خلال بإبراهيم والطّور وصّلا
قرأ نافع وابن عامر والكوفيون: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ هنا، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ في إبراهيم، لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ في الطور، برفع هذه الكلمات وتنوينها، فتكون قراءة الباقين بفتحها بلا تنوين وهما ابن كثير وأبو عمرو.
521 - ومدّ أنا في الوصل مع ضمّ همزة ... وفتح أتى والخلف في الكسر بجّلا
إذا وقع بعد لفظ أَنَا* همزة قطع مضمومة أو مفتوحة، فنافع يمده أي يثبت فيه الألف وصلا. وقد وقع بعده همزة قطع مضمومة في موضعين: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ السورة، أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ في يوسف. ووقع بعده همزة قطع مفتوحة في عشرة مواضع وهي: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ بالأنعام، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بالأعراف، أَنَا أَخُوكَ بيوسف، أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا، أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا كلاهما في الكهف، أَنَا آتِيكَ بِهِ* في موضعين في النمل، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ بغافر، فَأَنَا
أَوَّلُ الْعابِدِينَ بالزخرف، وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ في الممتحنة. وعلى قراءة نافع يكون مده عنده من قبيل المد المنفصل، فيمد كل من قالون وورش حسب مذهبه في المد المنفصل، وإذا وقع بعد لفظ أَنَا* همزة قطع مكسورة؛ فلقالون فيه المد بخلف عنه، فروي عنه إثبات ألفه وصلا، وروي عنه حذفها وصلا، والوجهان عنه صحيحان، وقد وقع ذلك في ثلاثة مواضع:
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ بالأعراف، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ بالشعراء، وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ بالأحقاف. وفهم من اختصاص قالون بالخلف فيما بعده همزة قطع مكسورة أن ورشا لا يثبت الألف في هذا النوع وصلا، أما إذا وقع بعد لفظ أَنَا* حرف آخر من حروف الهجاء غير همزة القطع، فقد اتفق القراء السبعة على حذف ألفه وصلا
(1/222)

نحو: إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ*، عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي. كما اتفقوا على إثبات ألفه عند الوقف سواء وقع بعده همزة القطع أم أي حرف آخر من حروف الهجاء.
522 - وننشزها ذاك وبالرّاء غيرهم ... وصل يتسنّه دون هاء شمردلا
قرأ ابن عامر والكوفيون كَيْفَ نُنْشِزُها بالزاي المعجمة كما نطق به وقرأ غيرهم بالراء المهملة كما صرح به. وقرأ حمزة والكسائي لَمْ يَتَسَنَّهْ بحذف الهاء في حال الوصل، وقرأ غيرهم بإثباتها في حال الوصل ولا خلاف بين القراء في إثباتها في حال الوقف. والشمردل الخفيف أو الكريم.
523 - وبالوصل قال اعلم مع الجزم شافع ... فصرهنّ ضمّ الصّاد بالكسر فصّلا
قرأ حمزة والكسائي فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ بوصل الهمزة أي: بهمزة وصل تثبت في الابتداء وتحذف في الدرج وبجزم الميم، فإذا وقفا على قالَ ابتدءا بهمزة مكسورة وعلى هذه القراءة يكون (اعلم) فعل أمر مبنيا على السكون فتعبير الناظم بالجزم لتؤخذ القراءة الأخرى من ضد الجزم وهو الرفع ولو قال: مع السكون للزم أن تكون القراءة الأخرى بفتح الميم وليست كذلك وقرأ غيرهما أَعْلَمُ بهمزة قطع مفتوحة تثبت وصلا ووقفا، وبرفع الميم على أنه فعل مضارع مرفوع بالتجرد. وقرأ حمزة فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ بكسر ضم الصاد وقرأ غيره بضمها.
524 - وجزءا وجزء ضمّ الاسكان صف وحي ... ثما أكلها ذكرا وفي الغير ذو حلا
قرأ شعبة بضم إسكان الزاي في جُزْءاً المنصوب، وهو في قوله تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً هنا، وفي قوله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً في الزخرف، والمرفوع وهو في قوله تعالى: لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ في الحجر. وقرأ غيره بإسكان الزاي في الجميع. وقرأ ابن عامر والكوفيون بضم إسكان الكاف في لفظ أُكُلٍ إذا كان مضافا لضمير المؤنث حيث وقع في القرآن الكريم نحو: فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ،
أُكُلُها دائِمٌ، تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ. فتكون قراءة أهل (سما) في هذا بإسكان الكاف فإذا لم يكن مضافا لضمير المؤنث فأبو عمرو وابن عامر والكوفيون يقرءون
(1/223)

بضم إسكان الكاف سواء كان مضافا لضمير المذكر نحو: مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ أم كان مقرونا باللام نحو: وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ. أم كان مجردا من الإضافة واللام نحو: أُكُلٍ خَمْطٍ.
والخلاصة: أن نافعا وابن كثير يقرءان بإسكان الكاف في الجميع. وأبو عمرو يقرأ بإسكانها فيما أضيف لضمير المؤنث، وبضمها في غيره. وابن عامر والكوفيون يضمونها في الجميع.
525 - وفي ربوة في المؤمنين وهاهنا ... على فتح ضمّ الرّاء نبّهت كفّلا
قرأ عاصم وابن عامر وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ في سورة المؤمنين كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ في هذه السورة بفتح ضم الراء في الموضعين. وقرأ غيرهما بضم الراء فيهما و (كفّلا) جمع كافل وهو الضامن.
526 - وفي الوصل للبزّيّ شدّد تيمّموا ... وتاء توفّي في النّسا عنه مجملا
527 - وفي آل عمران له لا تفرّقوا ... والانعام فيها فتّفرّق مثّلا
528 - وعند العقود التّاء في لا تعاونوا ... ويروي ثلاثا في تلقّف مثّلا
529 - تنزّل عنه أربع وتناصرو ... ن نارا تلظّى إذ تلقّون ثقّلا
530 - تكلّم مع حرفي تولّوا بهودها ... وفي نورها والامتحان وبعد لا
531 - في الانفال أيضا ثمّ فيها تنازعوا ... تبرّجن في الأحزاب مع أن تبدّلا
532 - وفي التّوبة الغرّاء قل هل تربّصو ... ن عنه وجمع السّاكنين هنا انجلى
533 - تميّز يروى ثمّ حرف تخيّرو ... ن عنه تلهّى قبله الهاء وصّلا
534 - وفي الحجرات التّاء في لتعارفوا ... وبعد ولا حرفان من قبله جلا
535 - وكنتم تمنّون الّذي مع تفكّهو ... ن عنه على وجهين فافهم محصّلا
(1/224)

قرأ البزيّ بتشديد التاء وصلا في الفعل المضارع في أحد وثلاثين موضعا باتفاق، وموضعين باختلاف وهي: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ في البقرة، إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ في النساء، وَلا تَفَرَّقُوا في آل عمران، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ في الأنعام، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ في العقود- المائدة-، فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ* بالأعراف والشعراء، تَلْقَفْ ما صَنَعُوا بطه، ما تنزل الملائكة بالحجر، [تصوير]
عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ كلاهما بالشعراء، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ في القدر، ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ في الصافات، ناراً تَلَظَّى في الليل، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ في النور، لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ في هود، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ في هود، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ في النور، وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ في الممتحنة، وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ، وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا في الأنفال وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى، وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ كلاهما في الأحزاب، قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا في التوبة، تَكادُ تَمَيَّزُ بالملك، إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ بالقلم، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى في عبس، وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا في الحجرات، وفيها وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ، وَلا تَجَسَّسُوا وهذان الحرفان واقعان في السورة قبل لِتَعارَفُوا وكل منهما وقع بعد كلمة وَلا. وهذه آخر الكلمات المعدودة الإحدى والثلاثين المشددة للبزيّ باتفاق الناقلين عنه.
وأما الموضعان المختلف عنه فيهما فهما: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ بآل عمران، فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ في الواقعة. ولكن الذي حققه أهل العلم أن تشديد التاء في هذين الموضعين عن البزي ليس من طريق الحرز ولا التيسير، فينبغي الاقتصار له فيهما على التخفيف كالجماعة. وقرأ غير البزيّ بالتخفيف في جميع ما تقدم والتخفيف حذف إحدى التاءين، فتصير تاء واحدة خفيفة ولا خلاف بين القراء أن الابتداء لا يكون إلا بالتخفيف لا فرق في ذلك بين البزيّ وغيره أى بتاء واحدة.
تنبيهات:
الأول: أراد الناظم من قوله: (شدد تيمّموا) هذا اللفظ بعينه؛ فخرج فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* فلا تشديد فيه لأحد.
الثاني: خص لفظ (توفّي) في النساء في إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ فخرج نحو الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ* فلا تشديد فيه.
(1/225)

الثالث: قيد وَلا تَفَرَّقُوا بآل عمران فخرج وَلا تَتَفَرَّقُوا بالشورى؛ لأن فيه تاءين وخرج وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لأن كلّا منهما فعل ماض والتشديد خاص بالمضارع.
الرابع: قيد تَعاوَنُوا* في العقود بوقوعها بعد لا فخرج وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى لأنه فعل أمر ولم يقع بعد لا فليس فيه تشديد.
الخامس: حصر لفظ تَوَلَّوْا* في خمسة مواضع: في الأنفال موضع، وفي هود موضعان، وفي النور موضع، وفي الممتحنة موضع. وقد سبق بيان هذه المواضع كلها، فكل ما خرج عن هذه المواضع لا يشدد نحو: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ في البقرة، وَإِنْ تَوَلَّوْا
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ بالأنفال، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ بها أيضا، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ بالمائدة، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ بالتوبة فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ بالأنبياء. فهذه الأفعال كلها لا تشديد فيها؛ لأنها كلها أفعال ماضية. وأما فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ بآل عمران فيحتمل أن يكون ماضيا فلا يشدد، وأن يكون مضارعا فيشدد، ولكنه لم يشدد ولم يذكر في هذه التاءات لعدم القطع بكونه مضارعا.
والخلاصة: أن التشديد خاص بالمواضع الخمسة للقطع بكونه أفعالا مضارعة، وأما غيرها فلا تشديد فيه؛ إما لكونه مقطوعا بأنه ماض، وإما لكونه مشكوكا في كونه مضارعا أو ماضيا.
السادس: حصر الناظم (تنزل) في أربعة مواضع فخرج نحو: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ فليس فيه تشديد.
السابع: يتضح من أمثلة التاء أن الحرف الذي قبلها ثلاثة أقسام: متحرك نحو: تَكادُ تَمَيَّزُ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ، ساكن صحيح نحو: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ، فَإِنْ تَوَلَّوْا*، حرف مد نحو: لا تَناصَرُونَ، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ. فإن كان قبلها متحرك أو ساكن صحيح؛ فالأمر ظاهر، وإن كان قبلها حرف مد؛ فإنه يتعين إثباته ومده مدّا مشبعا بمقدار ثلاث ألفات؛ أي: ست حركات، مثل: دَابَّةٍ*، الطَّامَّةُ. ومن حرف المد: فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، فيجب إثبات صلة الهاء ومدها مدا مشبعا، وهذا معنى قوله (قبله الهاء وصّلا).
(1/226)

536 - نعمّا معا في النّون فتح كما شفا ... وإخفاء كسر العين صيغ به حلا
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون في كلمة نِعِمَّا في الموضعين: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ في هذه السورة، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ في النساء. وهذا معنى قوله: (معا) فتكون قراءة الباقين بكسر النون وقرأ شعبة، وقالون، وأبو عمرو، بإخفاء كسر العين، والمراد بالإخفاء: الاختلاس فتكون قراءة غيرهم بإتمام كسر العين.
والحاصل: أن ابن عامر وحمزة والكسائي يقرءون بفتح النون وكسر العين كسرا كاملا، وأن ورشا وابن كثير وحفصا يقرءون بكسرهما، وأن قالون وأبا عمرو
وشعبة يقرءون بكسر النون واختلاس كسرة العين، وقد ورد النص عن قالون وأبي عمرو وشعبة بإسكان العين أيضا، وصرح بجواز هذا الوجه لهم صاحب التيسير فيكون لكل واحد منهم في العين وجهان اختلاس كسرتها وإسكانها ومع كل من الوجهين في العين كسر النون وعلى وجه إسكان العين يتعين تشديد الميم وغنها.
537 - ويا ونكفّر عن كرام وجزمه ... أتى شافيا والغير بالرّفع وكّلا
[تصوير]
قرأ حفص وابن عامر: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ* بالياء، فتكون قراءة غيرهما بالنون. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بجزم الراء، فتكون قراءة غيرهم برفعها، وقد صرح بهذا في قوله:
(والغير بالرفع وكلا).
والخلاصة: أن نافعا وحمزة والكسائي يقرءون بالنون وجزم الراء، وأن حفصا، وابن عامر يقرءان بالياء ورفع الراء، وأن الباقين وهم: ابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة يقرءون بالنون ورفع الراء. ويؤخذ من هذا كله: أن أحدا لم يقرأ بالياء وجزم الراء. وقول الناظم:
(والغير بالرفع وكلا) زيادة إيضاح؛ لأن الاصطلاح: أن الجزم ضده الرفع.
538 - ويحسب كسر السّين مستقبلا سما ... رضاه ولم يلزم قياسا مؤصّلا
قرأ نافع، وابن كثير وأبو عمرو والكسائي يَحْسَبُ* بكسر السين إذا كان مستقبلا مضارعا سواء كان مبدوءا بالياء نحو: يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ، أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ أم بالتاء نحو: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ. وسواء تجرد عن الضمير كهذه
(1/227)

الأمثلة أم اتصل به نحو: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ. وسواء كان مجردا من التوكيد كهذه الأمثلة أم مصاحبا له نحو:
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ، لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ. فإطلاق الناظم تناول هذه الأنواع كلها، فأهل (سما) والكسائي يقرءون بكسر السين في هذه الأنواع وأشباهها حيث وقعت في القرآن المجيد، وقد يقال: إن الفعل المضارع في أصل وضعه صالح للحال والاستقبال ويعينه لأحد المعنيين: قرينة لفظية أو حالية، وظاهر كلام الناظم يفيد أن محل الاختلاف بين القراء هو الفعل المضارع الدال على الاستقبال فهل الحكم كذلك، أو محل الاختلاف: هو الفعل المضارع مطلقا، وإذا كان الأمر كذلك، فما معنى قول الناظم (مستقبلا)؟
ويجاب عن هذا بأن محل اختلاف القراء هو الفعل المضارع مطلقا، سواء كان للحال أو للاستقبال. وأما قول الناظم: (مستقبلا) فمعناه: الصالح للاستقبال سواء استعمل فيه أم في الحال، فالمراد الاحتراز عن الماضي وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين في هذا الفعل حيث ورد وكيف أتي في القرآن العظيم. وقول الناظم: (مستقبلا) بدل بطريق المفهوم على أن الفعل الماضي لا خلاف فيه بين القراء نحو: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا، وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ*. وقوله (ولم يلزم إلخ) الضمير فيه يعود على الكسر وقياسا مفعول به ليلزم. و (مؤصلا) صفة قياسا.
المعنى: أن كسر السين في (يحسب) لم يوافق القياس الذي جعل أصلا يعتمد عليه بل خرج عنه؛ لأن الفعل الماضي المكسور العين مثل: فهم علم، فقه شرب. القياس في
مضارعه فتح العين نحو: يفهم يعلم يفقه يشرب. وحينئذ تكون قراءة الكسر سماعية وقراءة الفتح قياسية.
539 - وقل فأذنوا بالمدّ واكسر فتى صفا ... وميسرة بالضّمّ في السّين أصّلا
قرأ حمزة وشعبة فآذنوا بحرب بالمد أي: بإثبات ألف بعد الهمزة، ويلزم من إثبات ألف بعدها فتحها وبكسر الذال، وقرأ غيرهما بهمزة ساكنة مع فتح الذال كما نطق به. وقرأ نافع مَيْسَرَةٍ بضم السين، وقرأ غيره بفتحها.
(1/228)

540 - وتصّدّقوا خفّ نما ترجعون قل ... بضمّ وفتح عن سوى ولد العلا
قرأ عاصم تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ، بتخفيف الصاد، فتكون قراءة غيره بتشديدها. وقرأ السبعة إلا أبا عمرو: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم.
541 - وفي أن تضلّ الكسر فاز وخفّفوا ... فتذكر حقّا وارفع الرّا فتعدلا
قرأ حمزة أَنْ تَضِلَّ بكسر الهمزة وغيره بفتحها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو فَتُذَكِّرَ بتخفيف الكاف ويلزمه سكون الذال، وقرأ غيرهما بتشديد الكاف ويلزمه فتح الذال، وقرأ حمزة برفع الراء وغيره بنصبها، فتكون قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالتخفيف ونصب الراء، وقراءة حمزة بالتشديد ورفع الراء، وقراءة الباقين بالتشديد ونصب الراء.
542 - تجارة انصب رفعه في النّسا ثوى ... وحاضرة معها هنا عاصم تلا
قرأ الكوفيون إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ في النساء بنصب التاء، وقرأ غيرهم برفعها، وقرأ عاصم حاضِرَةً مع تِجارَةً* في هذه السورة بالنصب في كلا اللفظين والباقون بالرفع فيهما.
543 - وحقّ رهان ضمّ كسر وفتحة ... وقصر ويغفر مع يعذّب سما العلا
544 - شذا الجزم والتّوحيد في وكتابه ... شريف وفي التّحريم جمع حمى علا
قرأ ابن كثير وأبو عمرو فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ بضم كسر الراء، وضم فتح الهاء وبالقصر أي بضم الراء والهاء وحذف الألف. فالمراد بالقصر: حذف الألف، فتكون قراءة الباقين بكسر الراء وفتح الهاء وإثبات ألف بعدها كما لفظ به. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة والكسائي فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ بجزم الراء في الفعل الأول والباء في الثاني فتكون قراءة الباقين برفع الفعلين، وقرأ حمزة والكسائي وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ* بكسر الكاف وفتح التاء وألف بعدها على التوحيد [تصوير]
فتكون قراءة الباقين بضم
(1/229)

الكاف والتاء وحذف الألف على الجمع. وقرأ أبو عمرو وحفص وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ آخر سورة التحريم بضم الكاف والتاء من غير ألف على الجمع. وقرأ غيرهما بكسر الكاف وفتح التاء وألف بعدها على التوحيد.
545 - وبيتي وعهدي فاذكروني مضافها ... وربّي وبي منّي وإنّي معا حلا
في هذه السورة ثمان من ياءات الإضافة المختلف فيها بين القراء فتحا وإسكانا: بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ*، عَهْدِي الظَّالِمِينَ، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ، إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.

31 باب فرش حروف سورة آل عمران [546 - 586]
546 - وإضجاعك التّوراة ما ردّ حسنه ... وقلّل في جود وبالخلف بلّلا
المعنى: أن ابن ذكوان والكسائي وأبا عمرو أمالوا الألف من لفظ التَّوْراةَ* حيث وقع في القرآن الكريم سواء كان منصوبا نحو وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ. أم كان مرفوعا أم مجرورا نحو: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ. والمراد (بالإضجاع) الإمالة الكبرى.
وقرأ حمزة وورش بتقليل هذه الألف وهو الإمالة الصغرى، وقد يعبر عن هذا التقليل بالإمالة بين بين، واختلف فيها عن قالون؛ فروي عنه فيها وجهان: الفتح، والتقليل. وقرأ الباقون بالفتح، وقد ذكرنا فيما سبق أن الناظم إذا أطلق حكما في الفرش يكون المراد منه ما في السورة فحسب، ولا يكون عامّا شاملا لجميع المواضع إلا إذا ذكر قرينة تدل على العموم كقوله:
حيث أتي، أو جميعا، أو في الكل، أو نحو ذلك، هذه هي سنة الناظم في الفرش، وقد يخرج عنها في بعض المواضع فيذكر حكما في الفرش، ويطلق هذا الحكم ولا يذكر قرينة تدل على عمومه وشموله لجميع المواضع، ومع ذلك يكون المراد منه العموم والشمول، وإن لم تذكر القرينة وما هنا من جملة هذه المواضع التي حاد فيها عن سنته، فإن هذا الحكم الذي ذكره وهو
(1/230)

إمالة ألف التَّوْراةَ* وتقليلها لمن ذكرهم عام شامل لجميع المواضع في القرآن الكريم، ومع ذلك لم يأت بلفظ يفيد العموم كقوله: جميعا، أو نحو هذا. و (الجود) بفتح الجيم المطر الغزير ولا يخفى ما في لفظ (بللا) من المناسبة للفظ (جود).
547 - وفي تغلبون الغيب مع تحشرون في ... رضا وترون الغيب خصّ وخلّلا
قرأ حمزة والكسائي: قل للّذين كفروا سيغلبون ويحشرون إلى جهنّم بالياء المثناة
التحتية على الغيب فتكون قراءة الباقين بالتاء المثناة الفوقية على الخطاب. وقرأ المرموز لهم بالخاء وهم القراء السبعة سوى نافع بياء الغيب في يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ فتكون قراءة نافع وحده بتاء الخطاب. و (خلل) بمعنى خص وذكره بعد للتأكيد.
548 - ورضوان اضمم غير ثاني العقود كس ... ره صحّ أنّ الدّين بالفتح رفّلا
أمر بضم كسر راء لفظ (رضوان) لشعبة حيث ورد في القرآن الكريم سواء كان مرفوعا كما في هذه السورة: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ*. أم منصوبا نحو: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً، وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ. أم مجرورا نحو: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ. ثم استثني لشعبة من هذا الحكم الموضع الثاني في المائدة وهو: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ. فقرأه شعبة بكسر الراء فتكون قراءة الباقين بكسر الراء في الجميع واستثناء الموضع الثاني في العقود يخرج الموضع الأول فيها وهو: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً*. فإن شعبة يقرأ بضم الراء فيه على أصل مذهبه، ثم أخبر أن الكسائي قرأ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ. بفتح همزة إن فتكون قراءة غيره بكسرها. و (رفلا) بمعنى عظّم.
549 - وفي يقتلون الثّان قال يقاتلو ... ن حمزة وهو الحبر ساد مقتّلا
قرأ حمزة ويقاتلون الّذين بضم الياء وفتح القاف وألف بعدها وكسر التاء كما لفظ به، وهذا هو الموضع الثاني وقرأ غيره وَيَقْتُلُونَ بفتح الياء وسكون القاف وضم التاء كما لفظ به أيضا، واحترز بقوله (الثان) عن الموضع الأول وهو وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ فقد اتفق القراء السبعة على قراءته بفتح الياء وسكون القاف وضم التاء. و (الحبر) بفتح الحاء
(1/231)

وكسرها العالم المتمكن. و (ساد) مأخوذ من السيادة وهي العظمة. و (المقتل) المجرب للأمور، وفي هذا ثناء على الإمام حمزة بالعلم والتحقيق والتجربة للأمور حتى فاق أقرانه وساد على أترابه.
550 - وفي بلد ميت مع الميت خفّفوا ... صفا نفرا والميتة الخفّ خوّلا
551 - وميتا لدى الأنعام والحجرات خذ ... وما لم يمت للكلّ جاء مثقّلا
قرأ شعبة وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بتخفيف الياء بمعني إسكانها في لفظ مَيِّتٍ* المنكر وهو في موضعين: سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ بالأعراف، فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ بفاطر. وفي لفظ الميت المصاحب للام التعريف حيث وقع نحو: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ*. وقرا الباقون وهم نافع وحفص وحمزة والكسائي بتشديد الياء وكسرها في كل ما ذكر، وقرأ السبعة إلا نافعا بتخفيف الياء في لفظ الميتة [تصوير]
في سورة يس في قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ. وقرأ نافع بالتشديد. وكان ينبغي للناظم أن يقيد هذا الموضع بسورته حتى لا يلتبس بغيره. وقرأ السبعة إلا نافعا أيضا بتخفيف الياء في: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً بالأنعام، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً بالحجرات. وقرأ نافع بالتشديد في الموضعين. وقوله: (وما لم يمت للكل جاء مثقلا)، معناه:
أن ما لم تتحقق فيه صفة الموت فهو مقروء بالتشديد لجميع القراء، نحو: وَما هُوَ بِمَيِّتٍ، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ، أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ. وكما أجمع السبعة على تشديد ما لم تتحقق فيه صفة الموت أجمعوا على التخفيف في: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ* في البقرة والنحل، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ بالمائدة، وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً بالأنعام، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً بالفرقان، فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً بالزخرف، وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً في سورة ق.
552 - وكفّلها الكوفي ثقيلا وسكّنوا ... وضعت وضمّوا ساكنا صحّ كفّلا
قرأ الكوفيون بتشديد الفاء في وَكَفَّلَها وغيرهم بتخفيفها، وقرأ شعبة وابن عامر بتسكين العين وضم سكون التاء في لفظ وَضَعَتْ فتكون قراءة غيرهما بفتح العين،
(1/232)

لأن الفتح ضد السكون. وبسكون التاء؛ لأنه قيد قراءة شعبة وابن عامر بضم السكون فتكون قراءة غيرهم بالسكون. و (كفّلا) بضم الكاف وتشديد الفاء مفتوحة جمع كافل.
553 - وقل زكريّا دون همز جميعه ... صحاب ورفع غير شعبة الاوّلا
قرأ حفص وحمزة والكسائي لفظ زَكَرِيَّا* بدون همزة بعد الألف في جميع مواضعه من القرآن الكريم فتكون قراءة الباقين بثبوت الهمز بعد الألف وهم: أهل سما وابن عامر وشعبة، وقرأ هؤلاء الذين أثبتوا الهمز بعد الألف برفع الهمزة في لفظ زَكَرِيَّا* في الموضع الأول وهو وكفّلها زكريّاء إلا شعبة فقرأه بالنصب فيتحصل من هذا ومن ضمّه وَكَفَّلَها إلى زَكَرِيَّا أن أهل سما وابن عامر يقرءون بتخفيف الفاء وإثبات الهمز ورفعه. وأن شعبة يقرأ بتشديد الفاء وإثبات الهمز ونصبه، وأن الباقين يقرءون بتشديد الفاء وحذف الهمز. وكل من يقرأ بالهمز يكون المد عنده من قبيل المتصل فيمده كل حسب مذهبه في المد المتصل هذا. وقد ذكر الناظم هنا حكم الهمز رفعا ونصبا- عند من يهمز- في الموضع الأول فقط، ولم يتعرض لحكمه في بقية المواضع وحكمه فيها بحسب العوامل فهو مرفوع في ثلاثة مواضع وهي: كلّما دخل عليها زكريّاء المحراب، هنالك دعا زكرياء ربّه وكلاهما في هذه السورة يا زكريّاء إنّا نبشّرك بغلام في مريم. وسبب رفعه في الموضعين الأولين أنه فاعل وفي الثالث أنه منادي مفرد علم.
ومنصوب في ثلاثة مواضع وهي: وزكريّاء ويحيى في الأنعام ذكر رحمت ربّك عبده
زكريّاء إذ نادى في مريم، وزكريّاء إذ نادى ربّه في الأنبياء وسبب نصبه في الأول والثالث أنه معطوف على المنصوب قبله وفي الثاني أنه بدل أو بيان من عبده وهو منصوب.
554 - وذكّر فناداه وأضجعه شاهدا ... ومن بعد أنّ الله يكسر في كلا
قرأ حمزة والكسائي فناداه الملائكة بالتذكير أي بحذف تاء التأنيث والإتيان بدلها بألف مع إضجاع هذه الألف يعني إمالتها إمالة كبرى، وقرأ غيرهما بالتأنيث أي بإثبات تاء التأنيث بدلا من الألف. وقرأ حمزة وابن عامر أَنَّ اللَّهَ الواقع في التلاوة بعد فَنادَتْهُ وهو: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى بكسر الهمزة وقرأ غيرهما بفتحها. وكلاء بكسر
(1/233)

الكاف والمد وقصر للوزن: الحراسة والحفظ.
555 - مع الكهف والإسراء يبشركم سما ... نعم ضمّ حرّك واكسر الضّمّ أثقلا
556 - نعم عمّ في الشّورى وفي التّوبة اعكسوا ... لحمزة مع كاف مع الحجر أوّلا
قرأ ابن عامر وأهل سما وعاصم لفظ ويبشر في هذه السورة وهو في موضعين:
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى، إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ. مع اللفظ الذي في سورة الكهف والذي في سورة الإسراء وهو: وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ فيهما.
قرءوا هذه الألفاظ الأربعة بضم الياء وتحريك الباء؛ أى فتحها وكسر ضم الشين وتثقيلها فتكون قراءة حمزة والكسائي في هذه المواضع الأربعة بعكس ما ذكر؛ أعني بفتح الياء وإسكان الباء؛ لأنه ضد التحريك، وضم الشين وتخفيفها، وأخذ ضم الشين لهما من قوله: (واكسر الضم) وقوله (نعم عم في الشورى) معناه أن عاصما ونافعا وابن عامر يقرءون في موضع الشورى كقراءة ابن عامر ومن معه في المواضع الأربعة وموضع الشورى:
ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فيقرءون بضم الياء وتحريك الباء بالفتح وكسر الشين وتشديدها فتكون قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين وتخفيفها. وقوله (وفي التوبة اعكسوا لحمزة إلخ) معناه أن حمزة يقرأ بضد قراءة هؤلاء المذكورين وهم: ابن
عامر ومن ذكر معه في الترجمتين.
المعنى: أنه يقرأ في المواضع الآتية مثل قراءته في المواضع الماضية، والمواضع الآتية هي:
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ في التوبة، يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ، لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ كلاهما في مريم. والذي دلنا على أنه أراد الموضعين معا إطلاقه في قوله (مع كاف) أى مع ما في هذه السورة فشمل، موضعيها. وعبر عن مريم بكاف؛ لأنه أول هجائها والموضع الأخير هو إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ وهو أول موضع في سورة الحجر. واحترز به عن الموضع الثاني فيها وهو: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ فقد اتفق [تصوير]
السبعة على قراءته بالتشديد. وأما أَبَشَّرْتُمُونِي فهو فعل ماض وكلامنا في الفعل المضارع وقد اتفق القراء على التشديد في الفعل الماضي والأمر في القرآن الكريم حيث وقعا نحو:
(1/234)

فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ، فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ*.
557 - نعلّمه بالياء نصّ أئمّة ... وبالكسر أنّي أخلق اعتاد أفصلا
قرأ عاصم ونافع: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ بالياء فتكون قراءة غيرهما بالنون. وقرأ نافع: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ، بكسر همزة أني فتكون قراءة الباقين بفتحها، وقيد أَنِّي ب أَخْلُقُ احترازا عن أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ المتفق على قراءته بفتح الهمزة. وفي قوله: (أفضلا) إشارة إلى توجيه قراءة نافع وهو أن قوله تعالى أَنِّي بكسر الهمزة مفصول عما قبله من حيث الإعراب فيكون مستأنفا، ويتم الكلام على ما قبله فيصح الوقف عليه ويبتدأ بقوله أَنِّي أَخْلُقُ.
558 - وفي طائرا طيرا بها وعقودها ... خصوصا وياء في نوفّيهمو علا
قرأ الأئمة السبعة إلا نافعا فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ هنا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي في المائدة بياء ساكنة بين الطاء والراء، فتكون قراءة نافع بألف وهمزة مكسورة بينهما في الموضعين دون غيرهما. وقد نطق الناظم بالقراءتين معا، فاستغني باللفظ عن التقييد. وقرأ حفص فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ* بالياء، فتكون قراءة غيره بالنون.
559 - ولا ألف في ها هأنتم زكا جنا ... وسهّل أخا حمد وكم مبدل جلا
قرأ قنبل وورش ها أَنْتُمْ* حيث وقع في القرآن الكريم بلا ألف قبل الهمزة، فتعيين للباقين القراءة بألف بين الهاء والهمزة. وقرأ نافع وأبو عمرو بتسهيل الهمزة بين بين أى بينها وبين الألف، وكثير من أهل الأداء روى عن ورش إبدالها ألفا مع المد المشبع للساكنين.
والخلاصة: أن قنبلا يقرأ بحذف الألف وتحقيق الهمزة، وأن قالون وأبا عمرو يقرءان بإثبات الألف وتسهيل الهمزة، وأن ورشا يقرأ بحذف الألف وله في الهمزة وجهان: تسهيلها بين بين، وإبدالها ألفا مع إشباع المد لأجل الساكنين. وقرأ الباقون وهم البزى وابن عامر والكوفيون بإثبات الألف وتحقيق الهمزة، وهذا من جملة المواضع التي يكون الحكم فيها عامّا، ولم يأت الناظم بما يدل على العموم بل أطلق الحكم فيها فأوهم إطلاقه أن الحكم خاص بهذه السورة وليست الحقيقة كذلك بل
(1/235)

هذا الحكم ثابت في لفظ ها أَنْتُمْ* في جميع مواضعه.
560 - وفي هائه التّنبيه من ثابت هدى ... وإبداله من همزة زان جمّلا
561 - ويحتمل الوجهين عن غيرهم وكم ... وجيه به الوجهين للكلّ حمّلا
562 - ويقصر في التّنبيه ذو القصر مذهبا ... وذو البدل الوجهان عنه مسهّلا
المعنى: أن ها من ها أَنْتُمْ* حرف فيه معنى التنبيه في قراءة ابن ذكوان والكوفيين والبزى، وحرف التنبيه يدخل على أسماء الإشارة وعلى الضمائر ودخل هنا على الضمير الذي هو أنتم، والذي دلنا على أنها للتنبيه عند هؤلاء وليست بدلا من الهمزة:
أنهم أثبتوا الألف بعد الهاء وهم لا يدخلون ألفا بين الهمزتين، وأما في قراءة قنبل وورش فالهاء بدل من همزة الاستفهام، والأصل (ء أنتم) إذ ليس من مذهبهما إدخال ألف بين الهمزتين أيضا ولا ألف عندهما هنا فلم تكن للتنبيه، وإنما لم يسهل قنبل الثانية؛ لأنه قد أبدل الأولى هاء فلم تجتمع في الكلمة همزتان، وأما ورش فسهلها نظرا للأصل.
وأما في قراءة قالون وأبي عمرو وهشام؛ فيحتمل أن تكون ها للتنبيه عندهم وسهل الهمزة قالون وأبو عمرو وعلى خلاف مذهبهما، كما سهل البزى همزة لَأَعْنَتَكُمْ ويحتمل أن تكون الهاء عند هؤلاء بدلا من الهمزة؛ لأن مذهبهم إدخال ألف الفصل بين الهمزتين من كلمة مع تسهيل الثانية وهم يكتبون الألف هنا ويسهلون الهمزة، فكان ذلك دليلا على أن الهاء عندهم مبدلة من الهمزة، ثم إن جماعة من علماء القراءة من ذوى الرأى المسموع والقول المقبول ذكروا احتمال الوجهين للقراء السبعة ولكن العلامة محرر الفن ابن الجزري رد هذا القول واعتمد القول الأول وهو أن ها للتنبيه عند الكوفيين والبزي وابن ذكوان، ومبدلة من الهمزة عند ورش وقنبل، ومحتملة لهذين الوجهين عند قالون والبصري وهشام. ومعنى قوله (ويقصر في التنبيه ذو القصر إلخ) أننا إذا قلنا: إن ها للتنبيه يصير المد في ذلك عند من يثبتون الألف من قبيل المنفصل فيقصره من مذهبه القصر، ويوسطه من مذهبه التوسط، ويمده من مذهبه المد ومذاهب القراء في المنفصل معلومة. وقوله (وذو البدل الوجهان عنه مسهلا) قال الإمام
(1/236)

السخاوى في شرحه وهو تلميذ الإمام الشاطبي: أراد بذي البدل ورشا، لأن ذا البدل المسهل لا يكون إلا ورشا وأما قنبل- وإن كان مذهبه البدل- فإنه لا يسهل.
والمراد بالتسهيل: مطلق التغيير الشامل للإبدال وبين بين فورش وهو ذو البدل له الوجهان المد المشبع على الإبدال والقصر على التسهيل، والله أعلم.
563 - وضمّ وحرّك تعملون الكتاب مع ... مشدّدة من بعد بالكسر ذلّلا
قرأ الكوفيون وابن عامر: بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ، بضم التاء وتحريك العين أى فتحها وكسر اللام التي بعد العين وتشديدها، وقرأ الباقون بفتح التاء وسكون العين وفتح اللام وتخفيفها.
564 - ورفع ولا يأمركمو روحه سما ... وبالتّاء آتينا مع الضّمّ خوّلا
[تصوير]
565 - وكسر لما فيه وبالغيب ترجعو ... ن عاد وفي تبغون حاكيه عوّلا
قرأ الكسائي ونافع وابن كثير وأبو عمرو: وَلا يَأْمُرَكُمْ، برفع الراء فتكون قراءة عاصم وابن عامر وحمزة بنصبها. وقوله وَلا يَأْمُرَكُمْ مقيدا له بالواو، ولا احتراز عن أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ فلا خلاف بين القراء في نصب رائه، وقرأ القراء السبعة إلا نافعا آتَيْتُكُمْ بتاء مضمومة بين الياء والكاف، وقرأ نافع آتَيْناكُمْ* في موضع آتَيْتُكُمْ كما لفظ به. وقرأ حمزة لما آتيتكم بكسر اللام فيكون غيره بفتحها، وضمير فيه يعود على آتَيْتُكُمْ لأن لما مذكور معه وملاصق له كأنه فيه. وقرأ حفص: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ بياء الغيب وغيره بتاء الخطاب.
وقرأ أبو عمرو وحفص: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ بياء الغيب، وغيرهما بتاء الخطاب.
566 - وبالكسر حجّ البيت عن شاهد وغي ... ب ما تفعلوا لن تكفروه لهم تلا
قرأ حفص وحمزة والكسائي: حِجُّ الْبَيْتِ بكسر الحاء فتكون قراءة غيرهم بفتحها، وقرأ هؤلاء وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ بياء الغيب في الفعلين. وقرأ غيرهم بتاء الخطاب فيهما.
(1/237)

567 - يضركم بكسر الضّاد مع جزم رائه ... سما ويضمّ الغير والرّاء ثقّلا
قرأ أهل (سما): لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً بكسر الضاد وجزم الراء، وقرأ غيرهم بضم الضاد ورفع الراء وتثقيلها وأخذ رفع الراء من الضد لأن الرفع ضد الجزم وإنما صرح بقراءة الغير في الضاد؛ لأنها لا تؤخذ من الضد وكذلك صرح بتثقيل الراء؛ لأنه لا يؤخذ من الضد أيضا.
568 - وفيما هنا قل منزلين ومنزلو ... ن لليحصبي في العنكبوت مثقّلا
قرأ اليحصبي وهو ابن عامر: مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ في هذه السورة، إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً بتشديد الزاي في الموضعين ويلزمه فتح النون، وقرأ غيره بتخفيف الزاى فيهما ويلزمه سكون النون.
569 - وحقّ نصير كسر واو مسوّمي ... ن قل سارعوا لا واو قبل كما انجلي
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ بكسر الواو. وقرأ غيرهم بفتحها. وقرأ ابن عامر ونافع: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ بلا واو قبل السين.
وقرأ غيرهما بثبوت الواو قبل السين.
570 - وقرح بضمّ القاف والقرح صحبة ... ومع مدّ كائن كسر همزته دلا
571 - ولا ياء مكسورا وقاتل بعده ... يمدّ وفتح الضّمّ والكسر ذو ولا
قرأ شعبة وحمزة والكسائي: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، مِنْ
بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ، والثلاثة في هذه السورة وليس غيرها في القرآن الكريم، قرأ هؤلاء بضم القاف في الثلاثة وغيرهم بفتحها فيها. وقرأ ابن كثير وَكَأَيِّنْ* حيث أتي وكيف نزل سواء كان أوله واوا كما هنا، أو فاء نحو: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ، بألف وهمزة مكسورة بين الكاف والنون من غير ياء وأراد بالمد إثبات الألف، وقرأ الباقون وَكَأَيِّنْ* بهمزة مفتوحة وياء مكسورة مشددة بين الكاف والنون من غير ألف ونطق ب (كائن) في البيت مجردة عن الواو والفاء؛ ليعم جميع ما في القرآن نحو وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ،
(1/238)

فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ. وقرأ ابن عامر والكوفيون: قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ بالمد أى بألف قبل التاء وبعد القاف وفتح ضم القاف وفتح كسر التاء، وقرأ غيرهم بالقصر أي بحذف الألف وضم القاف وكسر التاء. وقوله: (ذو ولا) أي متابعة.
572 - وحرّك عين الرّعب ضمّا كما رسا ... ورعبا ويغشى أنّثوا شائعا تلا
قرأ ابن عامر والكسائي لفظ الرعب كيف جاء في القرآن مقرونا بأل أو مجردا منها بتحريك عينه بالضم، وقرأ الباقون بسكون العين. وقرأ حمزة والكسائي تغشى طائفة بتاء التأنيث في يَغْشى وقرأ غيرهما بياء التذكير.
573 - وقل كلّه لله بالرّفع حامدا ... بما يعملون الغيب شايع دخللا
قرأ أبو عمرو: قل إن الأمر كلُّه لله. برفع لام كُلَّهُ وقرأ غيره بنصبها.
وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير: والله بما يعملون بصير الذي بعده وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ بياء الغيب وقرأ غيرهم بتاء الخطاب.
574 - ومتّم ومتنا متّ في ضمّ كسرها ... صفا نفر وردا وحفض هنا اجتلا
قرأ شعبة وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر لفظ مُتُّمْ* ومِتْنا* ومِتُّ* حيث وقعت هذه الألفاظ في القرآن الكريم بضم كسر الميم نحو: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ، وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ، أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا*، وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ، أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. وقرأ حفص بضم الميم في هذه السورة وبكسرها في غيرها. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الميم في جميع القرآن الكريم.
575 - وبالغيب عنه تجمعون وضمّ في ... يغلّ وفتح الضّمّ إذ شاع كفّلا
الضمير في (عنه) يعود على حفص يعني أن حفصا يقرأ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ* بياء الغيب. وقرأ غيره بتاء الخطاب. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وابن عامر أَنْ يَغُلَّ بضم الياء وفتح الغين. وقرأ غيرهم بفتح الياء وضم الغين.
576 - بما قتلوا التّشديد لبّى وبعده ... وفي الحجّ للشّامي والآخر كمّلا [تصوير]
(1/239)

577 - دراك وقد قالا في الانعام قتّلوا ... وبالخلف غيبا يحسبنّ له ولا
قرأ هشام: لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا بتشديد التاء، والذى دلنا على أن الناظم أراد هذا الموضع أنه ذكره بعد مُتُّمْ يَجْمَعُونَ ويَغُلَّ فخرج بذلك لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا فمتفق على تخفيفه. وقرأ ابن عامر بتشديد التاء في الموضع الذي بعد هذا وهو: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً وفي موضع الحج وهو: ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا وقرأ ابن عامر وابن كثير بالتشديد في الموضع الأخير في هذه السورة وهو: وقتّلوا لأكفّرنّ عنهم سيّئاتهم، وفي موضع الأنعام وهو: قد خسر الّذين قتّلوا أولدهم وقرأ الباقون في هذه الموضع بالتخفيف، وقرأ هشام بخلف عنه ولا يحسبنّ الّذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بياء الغيب. وقرأ غيره بتاء الخطاب وهو الوجه الثاني لهشام.
578 - وأنّ اكسروا رفقا ويحزن غير الان ... بياء بضمّ واكسر الضّمّ أحفلا
قرأ الكسائي: وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين بكسر همزة وَأَنَّ اللَّهَ وقرأ الباقون بفتحها. وقرأ نافع لفظ يَحْزَنَّ* حيث وقع في القرآن بضم الياء وكسر الزاي نحو:
وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ، لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ، لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا. إلا قوله تعالى: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ فقرأه كالجماعة بفتح الياء وضم الزاي. وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاي في جميع المواضع. و (أحفلا) منصوب على الحال من فاعل. و (اكسر) أي حال كونك حافلا بهذه القراءة عاملا على نشرها.
579 - وخاطب حرفا يحسبنّ فخذ وقل ... بما يعملون الغيب حقّ وذو ملا
قرأ حمزة: ولا تحسبنّ الّذين كفروا، ولا تحسبنّ الّذين يبخلون بتاء الخطاب فيهما، والباقون بياء الغيبة فيهما، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والله بما يعملون خبير بياء الغيبة وغيرهما بتاء الخطاب. وقوله: (وذو ملا) بتخفيف الهمزة أي أشراف والغرض تقوية القراءة.
580 - يميز مع الأنفال فاكسر سكونه ... وشدّده بعد الفتح والضّمّ شلشلا
قرأ حمزة والكسائي: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ هنا، لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
(1/240)

بالأنفال بضم الياء الأولى وفتح الميم وكسر الياء الثانية وتشديدها. وقرأ غيرهما بفتح الياء الأولى وكسر الميم وسكون الياء الثانية.
581 - سنكتب ياء ضمّ مع فتح ضمّه ... وقتل ارفعوا مع يا نقول فيكملا
قرأ حمزة: سيكتب ما قالوا بياء مضمومة في مكان النون المفتوحة مع فتح ضم التاء، ورفع اللام في وَقَتْلَهُمُ مع قراءة ويقول بالياء في مكان النون. وقرأ غيره سَنَكْتُبُ بنون مفتوحة وتاء مضمومة ونصب اللام في وَقَتْلَهُمُ مع قراءة وَنَقُولُ بالنون.
582 - وبالزّبر الشّامي كذا رسمهم وبال ... كتاب هشام واكشف الرّسم مجملا
قرأ الشامي وهو ابن عامر وَبِالزُّبُرِ بزيادة الباء، وهكذا رسم هذا اللفظ في مصحف الشاميين. وقرأ هشام وحده وَبِالْكِتابِ بالباء، وإنما انفرد هشام في زيادة الباء في وَبِالْكِتابِ لاختلاف مصاحف الشام فيه؛ فقد قال الإمام الداني في المقنع: هو في الموضعين بالباء، وقال هارون بن موسى الأخفش: إن الباء زيدت في المصحف الذي وجه به إلى الشام في وَبِالزُّبُرِ وحده وإلى هذا الاختلاف أشار الناظم بقوله (واكشف الرسم مجملا) أي حال كونك آتيا بالجميل في القول والفعل.
والخلاصة: أن هشاما يقرأ بزيادة الباء في الموضعين: وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ وابن ذكوان يقرأ بزيادتها في الموضع الأول وَبِالزُّبُرِ وأن الباقين يقرءون بترك الباء في الموضعين.
583 - صفا حقّ غيب يكتمون يبيّنن ... ن لا تحسبنّ الغيب كيف سما اعتلا
584 - وحقّا بضمّ البا فلا يحسبنّهم ... وغيب وفيه العطف أو جاء مبدلا
قرأ شعبة وابن كثير وأبو عمرو: ليبيننه للناس ولا يكتمونه بياء الغيب في الفعلين، والباقون بتاء الخطاب فيهما. وقرأ ابن عامر ونافع وابن كثير وأبو عمرو لا يحسبنّ الّذين يفرحون بياء الغيب. وقرأ الباقون بتاء الخطاب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو فلا يحسبنّهم بضم الباء وياء الغيبة. ثم ذكر وجه قراءة ابن كثير وأبي عمرو في فلا يحسبنّهم بأن الفعل إما معطوف على الفعل قبله وإما بدل منه.
(1/241)

585 - هنا قاتلوا أخّر شفاء وبعد في ... براءة آخر يقتلون شمردلا
قرأ حمزة والكسائي هنا وقتلوا وقاتلوا بتقديم وَقُتِلُوا وتأخير وَقاتَلُوا وفي سورة براءة فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ بتقديم الفعل المبني للمفعول وتأخير المبنى للفاعل، وقرأ الباقون بعكس قراءة حمزة والكسائي في السورتين والشمردل الكريم.
586 - ويا آتها وجهي وإنّي كلاهما ... ومنّي واجعل لي وأنصاري الملا
اشتملت السورة على ياءات الإضافة الآتية: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، وَإِنِّي أُعِيذُها، أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ، اجْعَلْ لِي آيَةً، مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ والملاء بكسر الميم والمد وقصر لضرورة الشعر جمع مليء وهو الثقة الثبت.
[تصوير]

32 باب فرش حروف سورة النساء [587 - 613]
587 - وكوفيّهم تسّاءلون مخفّفا ... وحمزة والارحام بالخفض جمّلا
قرأ الكوفيون: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ بتخفيف السين فتكون قراءة غيرهم بتشديدها. وقرأ حمزة وَالْأَرْحامَ بخفض الميم فتكون قراءة غيره بنصبها.
588 - وقصر قياما عمّ يصلون ضمّ كم ... صفا نافع بالرّفع واحدة جلا
قرأ نافع وابن عامر: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً بالقصر أى بحذف الألف بعد الياء وقرأ الباقون بالمد أى بإثبات الألف بعد الياء وقرأ ابن عامر وشعبة وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً بضم الياء وقرأ غيرهما بفتحها. وقرأ نافع وإن كانت واحدة برفع التاء وغيره بنصبها وجلا بمعنى كشف وليست الجيم رمزا لورش لتصريحه باسم نافع وورش أحد راوييه.
589 - ويوصى بفتح الصّاد صحّ كما دنا ... ووافق حفص في الأخير مجمّلا
قرأ شعبة وابن عامر وابن كثير: يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ، يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ بفتح الصاد فيهما ووافقهم حفص في فتح الصاد في الموضع الثاني، ويفهم من هذا: أن حفصا يقرأ في الموضع الأول بكسر الصاد. وقرأ الباقون بكسر الصاد في
(1/242)

الموضعين. و (محملا) بالحاء المهملة حال من (حفص) أى كسر في الأول وفتح في الثاني ناقلا هذا عن الأئمة.
590 - وفي أمّ مع في أمّها فلأمّه ... لدى الوصل ضمّ الهمز بالكسر شمللا
591 - وفي أمّهات النّحل والنّور والزّمر ... مع النّجم شاف واكسر الميم فيصلا
قرأ حمزة والكسائي: فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ. في هذه السورة، حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا في القصص، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ في الزخرف. بكسر ضم الهمزة في حالى الوصل والوقف في فَلِأُمِّهِ في هذه السورة، وفي حال الوصل فقط في القصص والزخرف، فإذا ابتدأ بلفظ أم في السورتين ضما الهمزة. وقرآ أيضا بكسر الهمزة وصلا في المواضع الآتية: من بطون إمّهاتكم في النحل، أو بيوت إمّهاتكم في النور، يخلقكم فى بطون إمّهاتكم في الزمر، أجنّة فى بطون إمّهاتكم في النجم. وقرأ حمزة وحده بكسر الميم مع كسر الهمزة في المواضع الأربعة في حال الوصل أيضا، فإذا ابتدءا بلفظ أُمَّهاتِكُمْ* في المواضع الأربعة ضما الهمزة وفتحا الميم لا فرق في ذلك بين حمزة والكسائي. وقرأ الباقون بضم الهمزة وكسر الميم في هذه السورة وفي القصص والزخرف وبضم الهمزة وفتح الميم في هذه المواضع الأربعة. ومعني (شملل):
أسرع. وقوله: (فيصلا) معناه: أن كسر الميم لحمزة فصل بين قراءته وقراءة الكسائي.
592 - وندخله نون مع طلاق وفوق مع ... نكفّر نعذّب معه في الفتح إذ كلا
قرأ نافع وابن عامر بالنون مكان الياء في الأفعال الآتية: ندخله جنات، ندخله نارا في هذه السورة، ندخله جنات في سورة الطلاق، نكفّر عنه سيّئاته ويدخله جنات في السورة التي فوق سورة الطلاق وهي التغابن، ندخله جنات، نعذّبه عذابا أليما في سورة الفتح. وقرأ الباقون بالياء في جميع هذه المواضع. و (كلا) فعل ماض بمعنى حفظ.
593 - وهذان هاتين اللّذان اللّذين قل ... يشدّد للمكّي فذانك دم حلا
قرأ ابن كثير المكى هذه الكلمات كلها بتشديد النون حيث وقعت: إن هذانّ لساحران
(1/243)

في طه، هذانّ خصمان في الحج، إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ في القصص، والّذانّ يأتيانها منكم في هذه السورة، أرنا الّذينّ أضلّانا في فصلت. وقرأ هو وأبو عمرو بتشديد نون فذانّك من قوله تعالى فَذانِكَ بُرْهانانِ في القصص. وعلم أن مراده تشديد النون من عطفه على النون في قوله (ويدخله نون إلخ) أو من النون في هذه الأمثلة هي محل إمكان التشديد ومن الشهرة أيضا، وفي تشديد نون هذان واللذين تمد الألف مدّا مشبعا لاجتماعها ساكنة مع ما بعدها. وأما هاتين اللذين فيجوز في كل منهما للمكي المد المشبع والتوسط قياسا على «عين» في فاتحتي مريم والشورى لجميع القراء.
594 - وضمّ هنا كرها وعند براءة ... شهاب وفي الأحقاف ثبّت معقلا
قرأ حمزة والكسائي بضم الكاف في لفظ كرها في قوله تعالى هنا: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وفي قوله تعالى في سورة براءة قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً.
وقرأ غيرهما بفتح الكاف في هذين الموضعين. وقرأ الكوفيون وابن ذكوان بضم الكاف في الموضعين من سورة الأحقاف وهما حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً. وقرأ الباقون بفتح الكاف في موضعي الأحقاف. و (المعقل): الحصن الذي يلجأ إليه.
595 - وفي الكلّ فافتح يا مبيّنة دنا ... صحيحا وكسر الجمع كم شرفا علا
قرأ ابن كثير وشعبة بفتح الياء في كلمة (مبينة) في كل مواضعها وهي ثلاثة:
إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ* هنا وفي الطلاق، مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ بالأحزاب. وقرأ غيرهما بكسر الياء في المواضع الثلاثة. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بكسر الياء في لفظ مُبَيِّناتٍ* جمع مبينة، وهو في ثلاثة مواضع:
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا، لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي كلاهما في النور، رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ في الطلاق. وقرأ الباقون [تصوير]
بفتح الياء في المواضع الثلاثة.
والخلاصة: أن شعبة وابن كثير يفتحان الياء في المفرد والجمع. وأن ابن عامر وحمزة والكسائي وحفصا يكسرون الياء فيهما. وأن نافعا وأبا عمرو يكسران في المفرد ويفتحان في الجمع.
(1/244)

596 - وفي محصنات فاكسر الصّاد راويا ... وفي المحصنات اكسر له غير أوّلا
قرأ الكسائي بكسر الصاد في لفظ مُحْصَناتٍ الجمع سواء كان مجردا من التعريف نحو: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ. أم كان معرفا نحو: أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ. واستثنى له لفظ المحصنات في الموضع الأول وهو وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ فقرأ بفتح الصاد كقراءة غيره في جميع المواضع.
597 - وضمّ وكسر في أحلّ صحابه ... وجوه وفي أحصنّ عن نفر العلا
قرأ حفص وحمزة والكسائي: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ بضم الهمزة وكسر الحاء فتكون قراءة الباقين بفتح الهمزة والحاء. وقرأ حفص وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ونافع فَإِذا أُحْصِنَّ بضم الهمزة وكسر الصاد، وعلم هذا من العطف على وَأُحِلَّ* فتكون قراءة الباقين وهم شعبة وحمزة والكسائي بفتح الهمزة والصاد.
598 - مع الحجّ ضمّوا مدخلا خصّه وسل ... فسل حرّكوا بالنّقل راشده دلا
ضم القراء السبعة إلا نافعا الميم في لفظ مُدْخَلًا هنا في قوله تعالى وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً، وفي سورة الحج في قوله تعالى: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ. وقرأ نافع بفتح الميم في الموضعين. وفي قوله (خصه) إشارة إلى قصر الحكم على هذين الموضعين دون موضع الإسراء وهو: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ فإنه مضموم الميم اتفاقا. واعلم أن فعل الأمر المشتق من السؤال إن لم يكن مسبوقا بواو أو فاء فقد اتفق القراء على نقل حركة همزته إلى السين مع حذف الهمزة نحو: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ، سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ. وإن كان مسبوقا بواو أو فاء فقد اختلف القراء فيه فذهب الكسائي وابن كثير إلى نقل حركة همزته إلى السين مع حذف الهمزة نحو: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا، فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ*، فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً، فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ، فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ. وذهب الباقون إلى إبقاء الهمزة وإسكان السين، وأما الفعل المضارع المشتق من السؤال نحو: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا. فقد اتفق القراء على إثبات الهمزة وإسكان السين.
(1/245)

599 - وفي عاقدت قصر ثوى ومع الحدي ... د فتح سكون البخل والضّمّ شمللا
قرأ الكوفيون: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ بالقصر أى بحذف الألف بعد العين
فتكون قراءة الباقين بالمد أى بإثبات الألف. وقرأ حمزة والكسائي: وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ* هنا وفي الحديد بفتح سكون الخاء وفتح ضم الباء فتكون قراءة الباقين بسكون الخاء وضم الباء.
600 - وفى حسنه حرميّ رفع وضمّهم ... تسوّي نما حقّا وعمّ مثقّلا
قوله تعالى: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها. قرأ الحرميان حسنة برفع التاء. وقوله (حرمي رفع) مقلوب، والأصل رفع حرمي، وهما: نافع وابن كثير وقرأ غيرهما بنصب التاء. وقرأ عاصم وابن كثير وأبو عمرو: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ، بضم تاء تُسَوَّى.
وقرأ غيرهم بفتحتها. وقرأ ابن عامر ونافع بتثقيل السين والباقون بتخفيفها. فيؤخذ من هذا أن نافعا وابن عامر يقرءان بفتح التاء وتشديد السين أما فتح التاء لهما فمن مفهوم قوله (وضمهم تسوى نمى حقّا) وأما تشديد السين فمن منطوق قوله (وعم مثقلا) وأن حمزة والكسائي يقرءان بفتح التاء- ومأخذه مأخذ ما قبله- وتخفيف السين، وهذا يؤخذ من مفهوم قوله (وعم مثقلا) وأن عاصما وابن كثير وأبا عمرو يقرءون بضم التاء وتخفيف السين.
أما ضم التاء فمن صريح قوله (وضمهم) وأما تخفيف السين فمن مفهوم قوله (وعم مثقلا).
601 - ولامستم اقصر تحتها وبها شفا ... ورفع قليل منهم النّصب كلّلا
قرأ حمزة والكسائي: أو لمستم النّساء في هذه السورة وفي السورة تحتها وهي المائدة بالقصر؛ أى بحذف الألف بعد اللام. وقرأ غيرهم بالمد؛ أي بإثبات ألف بعد اللام. وقرأ ابن عامر ما فعلوه إلّا قليلا مّنهم بالنصب فتكون قراءة غيره بالرفع. ومعنى: (كلّلا) النصب جعل النصب له كالإكليل في الحسن والزينة.
602 - وأنّث يكن عن دارم تظلمون غي ... ب شهد دنا إدغام بيّت في حلا
قرأ حفص وابن كثير: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ بتاء التأنيث. وقرأ غيرهما بياء
(1/246)

التذكير، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير: ولا يظلمون فتيلا بياء الغيب، والباقون بتاء الخطاب، وأراد الناظم: ولا يظلمون فتيلا الذي بعده أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ، والذي دلنا على أن الناظم أراد هذا الموضع: أنه ذكره بعد بيان حكم ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، وأما وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا الذي بعده انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ فقد اتفق القراء على قراءته بياء الغيب: وقرأ حمزة وأبو عمرو بإدغام تاء بَيَّتَ في طاء طائِفَةٌ وقرأ بإظهارها الباقون. وقد يقال علم من باب إدغام المتقاربين أن السوسي يدغم التاء في الطاء مثل بَيَّتَ طائِفَةٌ، فكان ينبغي للناظم أن يقتصر هنا على بيان مذهب حمزة والدوري عن أبي عمرو؛ لأن [تصوير]
مذهب السوسي قد علم ويجاب عن هذا بأن الناظم ضم إليهما السوسى خشية أن يتوهم متوهم أن حمزة والدوري اختصا بإدغام هذا الحرف وأن السوسي خالف فيه أصله فقرأ بإظهاره.
603 - وإشمام صاد ساكن قبل داله ... كأصدق زاء شاع وارتاح أشملا
قرأ حمزة والكسائي بإشمام كل صاد زاء إذا كانت الصاد ساكنة ووقعت قبل دال نحو: وَمَنْ أَصْدَقُ*، يُصَدِّقُونَ، وَتَصْدِيَةً، وَلكِنْ تَصْدِيقَ*، فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، يُصْدِرَ الرِّعاءُ، يَصْدُرُ النَّاسُ. فإذا كانت الصاد متحركة نحو صَدَقَةٍ* صَدَقُوا* أو كانت ساكنة ولم تقع قبل دال نحو: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ فلا إشمام فيها لأحد. وكيفية الإشمام أن تخلط لفظ الصاد بالزاى وتمزج أحد الحرفين بالآخر بحيث يتولد منهما حرف ليس بصاد خالصة ولا بزاى خالصة ولكن يكون صوت الصاد متغلبا على صوت الزاى كما ينطق العوام بالظاء. وقرأ الباقون بالصاد الخاصة. و (شاع): انتشر.
و (الارتياح): النشاط. و (أشملا): جمع شمال وهو جمع قلة لأن جمع الكثرة شمائل.
604 - وفيها وتحت الفتح قل فتثبّتوا ... من الثّبت والغير البيان تبدّلا
قرأ حمزة والكسائي المشار إليهما في البيت السابق ب (شاع)، إذا ضربتم فى سبيل الله فتثبّتوا، فمنّ الله عليكم فتثبّتوا والموضوعان في هذه السورة، إن جاءكم فاسق بنبإ فتثبّتوا، في السورة التى تحت الفتح وهى الحجرات بثاء مثلثة مفتوحة وبعدها باء
(1/247)

موحدة مفتوحة مشددة وبعدها تاء مضمومة، وقرأ الباقون فَتَبَيَّنُوا* بياء موحدة مفتوحة وبعدها ياء مثناة مفتوحة مشددة، وبعدها نون مضمومة، وقراءة حمزة والكسائي مأخوذة من الثبت بمعنى التثبت وعدم العجلة، وقراءة الباقين مأخوذة من البيان أى التبين والمعنيان متقاربان. ومعنى قوله (والغير البيان تبدلا) أن باقي القراء تبدلوا البيان بالتثبت أى البيان مكان التثبت فقرءوا: فَتَبَيَّنُوا*.
605 - وعمّ فتى قصر السّلام مؤخّرا ... وغير أولي بالرّفع في حقّ نهشلا
قرأ نافع وابن عامر وحمزة ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلم لست مؤمنا، وهو الموضع الأخير في السورة بالقصر أى بحذف الألف بعد اللام. وقرأ الباقون بالمد أى بإثبات الألف بعد اللام واحترز بقوله: (مؤخرا) عن الموضعين السابقين عليه وهما وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ، وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فلا خلاف بين القراء في حذف ألفهما.
وأيضا لا خلاف بينهم في حذف ألف وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ في سورة النحل، وقرأ حمزة وابن كثير وأبو عمرو وعاصم غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ برفع راء غَيْرُ: وقرأ الباقون وهم نافع وابن عامر والكسائي بنصبها. و (نهشل): اسم قبيلة.
606 - ونؤتيه باليا في حماه وضمّ يد ... خلون وفتح الضّمّ حقّ صرى حلا
607 - وفي مريم والطّول الاوّل عنهم ... وفي الثّان دم صفوا وفي فاطر حلا
قرأ حمزة وأبو عمرو: فسوف يؤتيه أجرا عظيما بالياء، وقرأ غيرهما بالنون. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة يَدْخُلُونَ* هنا في فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً وفي مريم في قوله تعالى فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً وفي الموضع الأول من سورة غافر وهو فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ بضم الياء وفتح ضم الخاء. وقرأ غيرهم بفتح الياء وضم الخاء في المواضع الثلاثة. وقرأ ابن كثير وشعبة بضم الياء وفتح ضم الخاء في الموضع الثاني من سورة غافر وهو سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ وغيرهما بفتح الياء وضم الخاء. وقرأ أبو عمر وحده بضم الياء وفتح ضم الخاء في موضع فاطر وهو جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وقرأ غيره بفتح الياء وضم الخاء واتفق
(1/248)

القراء على فتح الياء وضم الخاء في جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها* في سورتي الرعد والنحل.
و (الصري) بكسر الصاد: الماء المجتمع. و (حلا) بفتح الحاء آخر البيت الأول معناه:
عذب، وفي آخر البيت الثاني وهو بفتح الحاء أيضا: مأخوذ من قولهم: حلا زوجته إذ ألبسها الحلى، ففي البيتين جناس تام.
608 - ويصّالحا فاضمم وسكّن مخفّفا ... مع القصر واكسر لامه ثابتا تلا
قرأ الكوفيون: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بضم الياء وسكون الصاد مع تخفيفها وحذف الألف المعبر عنه بالقصر بعدها وبكسر اللام، وقرأ أهل سما وابن عامر بفتح الياء والصاد وتشديدها وإثبات ألف بعدها مع فتح اللام كما لفظ به.
609 - وتلووا بحذف الواو الاولى ولامه ... فضمّ سكونا لست فيه مجهّلا
قرأ هشام وحمزة وابن ذكوان: وَإِنْ تَلْوُوا بحذف الواو الأولى وهي المضمومة وبضم سكون اللام فينطق بلام مضمومة وبعدها واو ساكنة مدية، فتكون قراءة الباقين بإثبات الواو الأولى المضمومة وسكون اللام، فينطق بلام ساكنة وبعدها واوان: الأولى مضمومة، والثانية ساكنة مدية كما لفظ به، ويؤخذ من قوله (الأولى) أن الثانية ثابته باتفاق القراء.
610 - ونزّل فتح الضّمّ والكسر حصنه ... وأنزل عنهم عاصم بعد نزّلا
قرأ المشار إليهم بحصن وهم: الكوفيون ونافع وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ بفتح ضم النون وفتح كسر الزاى في نَزَّلَ وبفتح ضم الهمزة وفتح كسر الزاى في أَنْزَلَ وقرأ الباقون بضم النون وكسر الزاى في نَزَّلَ وبضم الهمزة وكسر الزاى في أَنْزَلَ. وقوله: (عاصم بعد نزلا) معناه أن عاصما قرأ وَقَدْ نَزَّلَ [تصوير]
عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ بفتح ضم النون وفتح كسر الزاى، وقرأ غيره بضم النون وكسر الزاى.
611 - ويا سوف نؤتيهم عزيز وحمزة ... سيوتيهم في الدّرك كوف تحمّلا
(1/249)

612 - بالاسكان تعدوا سكّنوه وخفّفوا ... خصوصا وأخفى العين قالون مسهلا
قرأ حفص أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ بالياء. وقرأ حمزة أولئك سيؤتيهم أجرا عظيما بالياء. وقرأ الباقون بالنون في الموضعين. وقرأ الكوفيون إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ بإسكان الراء. وقرأ غيرهم بفتحها. وقرأ المشار إليهم بالخاء وهم القراء الستة لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ بتسكين العين وتخفيف الدال، فتكون قراءة نافع بفتح العين وتشديد الدال.
وقرأ قالون بإخفاء حركة العين أى اختلاس فتحتها، فتكون قراءة ورش بفتح العين فتحا كاملا.
وقد ذكر الإمام الداني في التيسير إسكان العين لقالون، وكان على الناظم أن يذكر له هذا الوجه، فحينئذ يكون لقالون وجهان: اختلاس فتحة العين، وإسكانها، وكل منهما مع تشديد الدال.
ويكون لورش وجه واحد وهو فتح العين مع تشديد الدال، وللباقين إسكان العين وتخفيف الدال.
ومعنى (تحملا) أي نقل الإسكان في راء الدرك. ومعنى (مسهلا) راكبا الطريق السهل.
613 - وفي الأنبيا ضمّ الزّبور وهاهنا ... زبورا وفي الإسرا لحمزة أسجلا
قرأ حمزة: وآتينا داود زبورا هنا وفي الإسراء، ولقد كتبنا فى الزبور في الأنبياء بضم الزاي في المواضع الثلاثة وقرأ بفتح الزاي فيها الباقون.

33 باب فرش حروف سورة المائدة [614 - 631]
614 - وسكّن معا شنآن صحّا كلاهما ... وفي كسر أن صدّوكم حامد دلا
قرأ شعبة وابن عامر: ولا يجرمنكم شنآن قوم. في الموضعين بتسكين النون. وقرأ غيرهما بفتح النون فيهما. وقرأ أبو عمرو وابن كثير أَنْ صَدُّوكُمْ بكسر الهمزة. وقرأ غيرهما بفتحها.
615 - مع القصر شدّد ياء قاسية شفا ... وأرجلكم بالنّصب عمّ رضا علا
قرأ حمزة والكسائي لفظ قاسِيَةً بالقصر أى حذف الألف بعد القاف مع تشديد الياء بوزن مطية. وقرأ غيرهما بالمد أى إثبات الألف مع تخفيف الياء بوزن راضية
(1/250)

وذلك في قوله تعالى وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ بنصب اللام. وقرأ الباقون بخفضها.
616 - وفي رسلنا مع رسلكم ثمّ رسلهم ... وفي سبلنا في الضّمّ الاسكان حصّلا
617 - وفي كلمات السّحت عمّ نهى فتى ... وكيف أتى أذن به نافع تلا
618 - ورحما سوى الشّامي ونذرا صحابهم ... حموه ونكرا شرع حقّ له علا
619 - ونكر دنا والعين فارفع وعطفها ... رضى والجروح ارفع رضى نفر ملا
قرأ أبو عمرو بإسكان الضم في الحرف الثاني من لفظ رُسُلٌ* إذا كان مضافا لضمير العظمة نحو: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا، لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ، ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا، أو ضمير المخاطبين نحو: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ. أو ضمير الغائبين نحو: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ. فإذا كان هذا اللفظ مضافا لضمير مفرد نحو: وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ أو لم يكن مضافا نحو: تِلْكَ الرُّسُلُ، وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فقرأه أبو عمرو بضم السين كالجماعة. وقرأ الباقون بضم السين في الجميع.
وقرأ أبو عمرو بإسكان ضم الباء في سُبُلَنا في قوله تعالى: وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا، لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا. وقرأ الباقون بضمها. ثم عطف على إسكان الضم فقال (وفي كلمات السحت إلخ) يعنى قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة بإسكان ضم الحاء في جميع كلمات السُّحْتَ* نحو: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ، وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ*. وقرأ الباقون بضم الحاء. وقرأ نافع لفظ أُذُنٌ* بإسكان ضم الذال كيف أتى سواء كان هذا اللفظ معرفا نحو: وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ. أم منكرا نحو: وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ، وَتَعِيَها أُذُنٌ. أم مضافا نحو: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ. وسواء كان مفردا كهذه الأمثلة أم مثنى نحو: كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً. وقرأ غيره بضم الذال في الجميع.
وقرأ جميع السبعة إلا ابن عامر: وَأَقْرَبَ رُحْماً بالكهف بإسكان ضم الحاء وقرأ ابن عامر بضمها، وقرأ حفص وحمزة والكسائي وأبو عمرو: أَوْ نُذْراً في المرسلات بإسكان ضم الذال. وقرأ الباقون بضمها ولا خلاف بين السبعة في إسكان ذال كلمة عُذْراً التى قبل نُذْراً. وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو
(1/251)

وهشام وحفص بإسكان ضم الكاف في: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً بالكهف، وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً بالطلاق. وقرأ الباقون وهم نافع وشعبة وابن ذكوان بضمها. وقرأ ابن كثير بإسكان ضم الكاف في: إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ بالقمر. وقرأ غيره بضمها. وقوله (والعين فارفع إلخ) معناه أن الكسائي وحده قرأ برفع النون في كلمة وَالْعَيْنَ وبرفع ما عطف عليها من الكلمات وهي وَالْأَنْفَ، وَالْأُذُنَ وَالسِّنَّ. وقرأ برفع الحاء في كلمة وَالْجُرُوحَ الكسائي وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر. فحينئذ يقرأ الكسائي برفع الكلمات الخمس وهي وَالْعَيْنَ وَالْأَنْفَ وَالْأُذُنَ وَالسِّنَّ وَالْجُرُوحَ. ويقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر برفع وَالْجُرُوحَ فقط [تصوير]
ونصب الكلمات الأربع قبلها. ويقرأ الباقون بنصب الكلمات الخمس. ولا خلاف بين القراء في نصب لفظ النَّفْسَ المجرد من الباء؛ لأنه اسم أن وهو ينصب اتفاقا و (ملا) بتخفيف الهمز بمعنى أشراف.
620 - وحمزة وليحكم بكسر ونصبه ... يحرّكه تبغون خاطب كمّلا
قوله تعالى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ يحرك حمزة لام وَلْيَحْكُمْ بالكسر وميمه بالنصب فتكون قراءة الباقين بسكون اللام وجزم الميم بالسكون؛ لأن ضد التحريك السكون، وقرأ ابن عامر: أفحكم الجاهليّة تبغون بتاء الخطاب وغيره بياء الغيب.
621 - وقبل يقول الواو غصن ورافع ... سوى ابن العلا يرتدد عمّ مرسلا
622 - وحرّك بالإدغام للغير داله ... وبالخفض والكفّار راويه حصّلا
قرأ أبو عمرو والكوفيون: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بواو قبل يقول وقرأ غيرهم بغير واو. وقرأ السبعة سوى أبي عمرو برفع لام وَيَقُولُ وقرأ أبو عمرو بنصبها فيتحصل من هذا أن نافعا وابن كثير وابن عامر يقرءون بحذف الواو ورفع اللام. وأن أبا عمرو يقرأ بإثبات الواو ونصب اللام. وأن الكوفيين يقرءون بإثبات الواو ورفع اللام. وقرأ نافع وابن عامر مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بفك الإدغام أى بدالين خفيفتين الأولى مكسورة والثانية ساكنة كما لفظ به. وقرأ غيرهما بدال واحدة مفتوحة مشددة. وقد صرح الناظم بهذه القراءة في قوله (وحرك بالإدغام للغير داله).
(1/252)

المعنى: وحركت الدال الثانية بالفتح بسبب إدغام الدال الأولى فيها لغير نافع وابن عامر، وقرأ الكسائي وأبو عمرو: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ بخفض الراء وغيرهما بنصبها. وقوله (مرسلا) حال من ضمير عم الراجع للفظ (يرتدد) يعنى أن هذا اللفظ على قراءة نافع وابن عامر بدالين أرسل وأطلق من عقال الإدغام.
623 - وبا عبد اضمم واخفض التّا بعد فز ... رسالته اجمع واكسر التّا كما اعتلا
624 - صفا وتكون الرّفع حجّ شهوده ... وعقّدتم التّخفيف من صحبة ولا
625 - وفي العين فامدد مقسطا فجزاء نو ... ونوا مثل ما في خفضه الرّفع ثمّلا
قرأ حمزة: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم با عَبَدَ وخفض تاء الطاغوت وهو الذى بعد عبد.
وقرأ غيره بفتح باء وَعَبَدَ ونصب تاء الطَّاغُوتَ. وقرأ ابن عامر ونافع وشعبة: فما بلّغت رسالاته بالجمع أى بإثبات ألف بعد اللام مع كسر التاء، وقرأ غيرهم رِسالَتَهُ بالإفراد أى بحذف الألف بعد اللام ونصب التاء. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ برفع نون تَكُونَ وقرأ الباقون بنصبها. وقرأ ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي:
عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ بتخفيف القاف، وقرأ الباقون بتشديدها، وقرأ ابن ذكوان بمد العين أى بإثبات ألف بعدها، وقرأ غيره بحذف هذه الألف. فيؤخذ منه: أن ابن ذكوان يقرأ بإثبات ألف بعد العين وتخفيف القاف، وشعبة وحمزة والكسائي يقرءون بحذف الألف وتخفيف القاف والباقون يقرءون بحذف الألف وتشديد القاف. وقرأ الكوفيون:
فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ بتنوين فَجَزاءٌ ورفع خفض لام مِثْلُ فتكون قراءة الباقين بحذف تنوين فجزاء وخفض لام مثل. و (ثملا) جمع ثامل وهو المصلح.
626 - وكفّارة نوّن طعام برفع خف ... ضه دم غنى واقصر قياما له ملا
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ بتنوين كَفَّارَةٌ ورفع خفض ميم طَعامُ، وقرأ نافع وابن عامر بحذف التنوين وخفض ميم طَعامُ وقرأ
(1/253)

هشام
وابن ذكوان قِياماً لِلنَّاسِ بقصر قِياماً أى بحذف الألف بعد الياء. وقرأ الباقون بالمد أى بإثبات الألف. و (ملا) بضم الميم والمدّ وقصر للوزن جمع ملاءة وهي الملحفة.
627 - وضمّ استحقّ افتح لحفص وكسره ... وفي الأوليان الأوّلين فطب صلا
628 - وضمّ الغيوب يكسران عيونا ال ... عيون شيوخا دانه صحبة ملا
629 - جيوب منير دون شكّ وساحر ... بسحر بها مع هود والصّفّ شمللا
قرأ حفص: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ بفتح ضم التاء وفتح كسر الحاء، فتكون قراءة غيره بضم التاء وكسر الحاء. وإذا ابتدأ القارئ هذه الكلمة كسر همزتها لحفص وضمها لغيره، وقرأ حمزة وشعبة الأوَّلين بتشديد الواو مفتوحة وبعدها لام مكسورة فياء ساكنة مدية فنون مفتوحة في مكان الْأَوْلَيانِ بسكون الواو وفتح اللام والياء وبعدها ألف مع كسر النون وهي قراءة الباقين، وقرأ حمزة وشعبة أيضا بكسر ضم الغين في لفظ الْغُيُوبِ* نحو: إنّك أنت علّام الغيوب، وقرأ غيرهما بضم الغين، وقرأ ابن كثير وشعبة وحمزة والكسائي وابن ذكوان بكسر ضم العين في كلمة وَعُيُونٍ* سواء كانت منكرة نحو: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً. أم كانت معرفة نحو: وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ.
وبكسر ضم الشين في شُيُوخاً في: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً في سورة غافر، والباقون بضم العين والشين، وقرأ ابن ذكوان وابن كثير وحمزة والكسائي بكسر ضم الجيم في كلمة جُيُوبِهِنَّ في: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ في سورة النور وقرأ الباقون بضم الجيم. وقرأ حمزة والكسائي: إن هذا إلّا ساحر مّبين هنا وفي [تصوير]
هود، قالوا هذا ساحر مّبين في الصف بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء. وقرأ الباقون بكسر السين وسكون الحاء في المواضع الثلاثة. وقول الناظم (وساحر بسحر) يعني أن حمزة والكسائي وضعا كلمة ساحر مكان كلمة سِحْرٌ* في السور الثلاث.
630 - وخاطب في هل يستطيع رواته ... وربّك رفع الباء بالنّصب رتّلا
قرأ الكسائي: هل تستطيع بتاء الخطاب في مكان ياء الغيب رَبُّكَ بنصب رفع الباء.
(1/254)

وقرأ غيره يَسْتَطِيعُ بياء الغيب رَبُّكَ برفع الباء ولا يخفى أن الكسائي على أصله في إدغام لام هَلْ في تاء تستطيع.
631 - ويوم برفع خذ وإنّي ثلاثها ... ولي ويدي أمّي مضافاتها العلا
قرأ السبعة إلا نافعا: يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ برفع ميم يوم، وقرأ نافع بفتحها وفيها من ياءات الإضافة ما يلى: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ*، إِنِّي أُرِيدُ*، فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ، ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ يَدِيَ إِلَيْكَ، وَأُمِّي إِلهَيْنِ.

34 باب فرش حروف سورة الأنعام [632 - 680]
632 - وصحبة يصرف فتح ضمّ وراؤه ... بكسر وذكّر لم يكن شاع وانجلا
633 - وفتنتهم بالرّفع عن دين كامل ... ويا ربّنا بالنّصب شرّف وصّلا
قرأ شعبة وحمزة والكسائي: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ بفتح ضم الياء وكسر الراء، فتكون قراءة غيرهم بضم الياء وفتح الراء وقرأ حمزة والكسائي ثمّ لم تكن بياء التذكير فتكون قراءة غيرهم بتاء التأنيث. وقرأ حفص وابن كثير وابن عامر فِتْنَتُهُمْ رفع التاء، فتكون قراءة غيرهم بنصبها، فيتحصل أن حمزة والكسائي يقرءان: لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ بياء التذكير ونصب التاء. وأن حفصا وابن كثير وابن عامر يقرءون بتاء التأنيث. ورفع التاء وأن نافعا وأبا عمرو وشعبة يقرءون بتاء التأنيث ونصب التاء. ويؤخذ من هذا: أن أحدا من السبعة لم يقرأ بالتذكير والرفع وإن جاز هذا الوجه عربية. وقرأ حمزة والكسائي وَاللَّهِ رَبِّنا بنصب الباء وقرأ غيرهما بخفضها. وقوله (وصلا) جمع واصل وهو الناقل؛ أى شرف القرآن من وصله ونقله لغيره.
634 - نكذّب نصب الرّفع فاز عليمه ... وفي ونكون انصبه في كسبه علا
قرأ حمزة وحفص: وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا بنصب رفع باء نُكَذِّبَ فتكون قراءة غيرهما برفعها. وقرأ حمزة وابن عامر وحفص بنصب رفع نون وَنَكُونَ فتكون قراءة
(1/255)

غيرهم برفعها. فيتحصل: أن ابن عامر يقرأ وَلا نُكَذِّبَ بالرفع وَنَكُونَ بالنصب وأن حفصا
وحمزة يقرءان بنصب الفعلين، وأن الباقين يقرءون برفعهما.
635 - وللدّار حذف اللّام الاخرى ابن عامر ... والآخرة المرفوع بالخفض وكّلا
قرأ ابن عامر: ولدار الآخرة خير للّذين يتّقون. بحذف اللام الثانية من وَلَلدَّارُ وخفض رفع التاء من الْآخِرَةُ، وقرأ غيره بإثبات اللام الثانية ورفع التاء من الْآخِرَةُ والدال في قراءة ابن عامر مخففة ويؤخذ تخفيفها من النص على أن اللام المحذوفة هي الأخرى وهي لام التعريف فتكون الباقية هي الأولى وهي لام الابتداء ولام الابتداء لا تدغم في الدال ولا في غيرها وأما في قراءة غير ابن عامر فالدال فيها مشددة وأخذ تشديدها من لفظه ومن بقاء لام التعريف التي إذا اجتمعت مع الدال أدغمت فيها.
636 - وعمّ علا لا يعقلون وتحتها ... خطابا وقل في يوسف عمّ نيطلا
637 - وياسين من أصل ولا يكذبونك ال ... خفيف أتى رحبا وطاب تأوّلا
قرأ نافع وابن عامر وحفص: أَفَلا تَعْقِلُونَ هنا الذي بعده قَدْ نَعْلَمُ. وأَ فَلا تَعْقِلُونَ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ في السورة التي تحت هذه السورة وهي الأعراف بتاء الخطاب، فتكون قراءة غيرهم بياء الغيب فيهما، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم أَفَلا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ في يوسف بالخطاب، فتكون قراءة غيرهم بالغيب، وقرأ أَفَلا يَعْقِلُونَ (68) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ في سورة يس ابن ذكوان ونافع بتاء الخطاب، فتكون قراءة غيرهما بياء الغيب، وقرأ نافع والكسائي فإنهم لا يُكَذِّبُونَكَ بسكون الكاف وتخفيف الذال، وأخذ سكون الكاف من لفظه ومن ضرورة التخفيف، وقرأ الباقون بفتح الكاف وتشديد الذال فتشديد الذال أخذ من الضد، وأما فتح الكاف فأخذ من الاجتماع ومن ضرورة التشديد مع ملاحظة قواعد اللغة العربية، (والنيطل) الدلو، (والرحب) الواسع، و (تأولا) منصوب على التمييز؛ أى تفسيرا.
638 - أريت في الاستفهام لا عين راجع ... وعن نافع سهّل وكم مبدل جلا
(1/256)

(رأى) فعل ماض على زنة فعل بفتح الفاء والعين واللام، فالراء فاء الفعل والهمزة عينه والألف لامه، وقد يسند هذا الفعل إلى تاء المخاطب نحو: رأيت. أو المخاطبين نحو:
رأيتم. وقد أفاد الناظم أن الكسائي يقرأ بحذف عين هذا الفعل وهي الهمزة التي بعد الراء بشرط أن يكون هذا الفعل مقرونا بهمزة الاستفهام وتاء المخاطب نحو: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إِذا صَلَّى، أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ* سواء تجرد من كاف الخطاب كهذه الأمثلة أم لحقته كاف الخطاب نحو: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ*. [تصوير]
وسواء تجرد من فاء العطف كهذه الأمثلة أم اقترن بها نحو: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى، أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ، أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ وقرأ نافع بتسهيل الهمزة الثانية التي هي عين الفعل بين بين. وروى كثير من النقلة وأهل الأداء عن ورش إبدالها ألفا مع المد المشبع للساكنين، فيكون لقالون في هذه الهمزة وجه واحد وهو التسهيل بين بين ويكون لورش فيها وجهان: الأول كقالون، والثاني:
إبدالها ألفا مع إشباع المد فإذا لم يكن الفعل مقرونا بهمزة الاستفهام فلا خلاف بين القراء في إثبات الهمزة وتحقيقها نحو: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا، وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ، رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً.
639 - إذا فتحت شدّد لشام وهاهنا ... فتحنا وفي الأعراف واقتربت كلا
قرأ الشامي وهو ابن عامر بتشديد التاء في: حتّى إذا فتّحت يأجوج ومأجوج في الأنبياء، ففتّحنا عليهم أبواب كلّ شىء في هذه السورة، لفتّحنا عليهم بركات في الأعراف، ففتّحنا أبواب السّماء بالقمر. فتكون قراءة الباقين بتخفيف التاء في المواضع الأربعة. واتفق القراء على تخفيف التاء في: حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً في سورة المؤمنين. و (كلا) فعل ماض بمعنى حفظ، وخففت همزته للضرورة.
640 - وبالغدوة الشّاميّ بالضّمّ هاهنا ... وعن ألف واو وفي الكهف وصّلا
(1/257)

قرأ ابن عامر الشامي: بالغدوة والعشى هنا، وفي الكهف بضم الغين وسكون الدال وبواو مفتوحة مكان الألف كما لفظ به، فتكون قراءة الباقين بفتح الغين والدال وألف بعدها، ويؤخذ فتح الغين من الضد وفتح الدال من ضرورة مجانسة الحركة التي قبل الألف، فيتعين أن تكون فتحة. ومعنى قوله: (وصلا) أن الشامي أتبع موضع الكهف بموضع الأنعام فقرأه مثل قراءته.
641 - وإنّ بفتح عمّ نصرا وبعدكم ... نما يستبين صحبة ذكّروا ولا
642 - سبيل برفع خذ ويقض بضمّ سا ... كن مع ضمّ الكسر شدّد وأهملا
643 - نعم دون إلباس وذكّر مضجعا ... توفّاه واستهواه حمزة منسلا
قرأ نافع وابن عامر وعاصم: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ. بفتح همزة أَنَّهُ فتكون قراءة الباقين بكسرها. وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح همزة فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وهو المراد بقوله: (بعد) فتكون قراءة غيرهما بكسرها. فيتحصل: أن عاصما وابن عامر يقرءان بفتح الهمزة في الموضعين، وأنّ نافعا يقرأ بفتح الهمزة في الموضع الأول، وبكسرها في الموضع الثاني، وأن الباقين يقرءون بكسرها في الموضعين وقرأ شعبة وحمزة والكسائي ولتستبين بياء التذكير؛ فتكون قراءة غيرهم بتاء التأنيث وقرأ السبعة ما عدا نافعا
سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ برفع اللام فتكون قراءة نافع بنصبها.
والخلاصة: أن شعبة وحمزة والكسائي يقرءون وليستبين سبيل المجرمين بالتذكير والرفع وأن ابن كثير وأبا عمرو وابن عامر وحفصا يقرءون بالتأنيث والرفع وأن نافعا يقرأ بتاء الخطاب في وَلِتَسْتَبِينَ ونصب اللام في سَبِيلُ. وقرأ عاصم وابن كثير ونافع يَقُصُّ الْحَقَّ بضم سكون القاف وضم كسر الضاد مع تشديدها وإهمال نقطها فتكون صادا فتصير يَقُصُّ الْحَقَّ من القصص فتكون قراءة الباقين بسكون القاف وكسر الضاد المعجمة المنقوطة وتخفيفها كما نطق به ويقفون بحذف الياء اتباعا للرسم. وقرأ حمزة: توفاته رسلنا، كالّذى استهوته الشّياطين بالتذكير أي بالإتيان بألف بعد الفاء في تَوَفَّتْهُ وبعد الواو في اسْتَهْوَتْهُ مكان تاء التأنيث فيهما مع إضجاع
هذه الألف أي إمالتها إمالة كبرى.
(1/258)

وقرأ الباقون بتاء التأنيث في مكان الألف. وقوله: (منسلا) مأخوذ من انسلت القوم بمعنى تقدمتهم وفيه إشادة بالإمام حمزة وتقدمه على أترابه في عصره، والله تعالى أعلم.
644 - معا خفية في ضمّه كسر شعبة ... وأنجيت للكوفيّ أنجى تحوّلا
645 - قل الله ينجيكم يثقّل معهم ... هشام وشام ينسينّك ثقّلا
قرأ شعبة لفظ وَخُفْيَةً* هنا في: تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وفي الأعراف في ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً بكسر ضم الخاء في الموضعين فتكون قراءة غيره بضمها فيهما. ومعنى قوله: (وأنجيت للكوفي أنجى) أن لفظ (أنجيت) في قوله تعالى لَئِنْ أَنْجَيْتَنا تحول في قراءة الكوفيين إلى أنجى، فالكوفيون يقرءون لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ وغيرهم يقرأ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا وقد لفظ الناظم بكلتا القراءتين. ثم أخبر أن هشاما يثقل مع الكوفيين الجيم من قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ، ومن ضرورة التثقيل فتح النون فتكون قراءة أهل سما وابن ذكوان بتخفيف الجيم، ومن ضرورته إسكان النون. وقيد يُنَجِّيكُمْ بوقوعه بعد قُلِ اللَّهُ للاحتراز عن قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فقد اتفق السبعة على قراءته بالتشديد. ثم بين أن ابن عامر شدد السين في:
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ويلزمه فتح النون فتكون قراءة الباقين بتخفيف السين ويلزمه سكون النون، والنون التي تفتح في قراءة الشامي وتسكن في قراءة غيره هي النون الأولى.
646 - وحرفي رأى كلّا أمل مزن صحبة ... وفي همزة حسن وفي الرّاء يجتلا
647 - بخلف وخلف فيهما مع مضمر ... مصيب وعن عثمان فى الكلّ قلّلا
648 - وقبل السّكون الرّا أمل في صفا يد ... بخلف وقل في الهمز خلف يقي صلا
[تصوير]
649 - وقف فيه كالأولى ونحو رأت رأوا ... رأيت بفتح الكلّ وقفا وموصلا
الفعل الماضي (رأى) من حيث الحرف الذي بعده قسمان، القسم الأول: أن يكون الحرف الذي بعده متحركا، القسم الثاني: أن يكون الحرف الذي بعده ساكنا وقد
(1/259)

ذكر في البيتين الأول والثاني حكم القسم الأول، وفي الثالث والرابع حكم القسم الثاني، فأفاد في البيتين الأولين أن ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي يقرءون بإمالة الحرفين الأولين من هذا الفعل وهما الراء والهمزة نحو: رَأى كَوْكَباً، رَأى قَمِيصَهُ رَأى ناراً، وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا، رَآها تَهْتَزُّ*، فَرَآهُ حَسَناً. فلا فرق في الحرف المتحرك بين أن يكون ضميرا أو غير ضمير.
وقوله: (وفي همزة حسن) معناه: أن أبا عمرو يقرأ بإمالة الهمزة فقط دون الراء. وقوله: (وفي الراء يجتلى بخلف) معناه: أنه اختلف عن السوسي في إمالة الراء، فروي عنه فيها الفتح والإمالة، ولكن المحققين على أن إمالة الراء للسوسي لم تصح من طريق الناظم وأصله فيجب الاقتصار له على إمالة الهمزة كالدوري عن أبي عمرو. وقوله: (وخلف فيهما مع مضمر مصيب) أفاد أن ابن ذكوان اختلف عنه في إمالة الراء والهمزة إذا كان الحرف الذي بعد الفعل ضميرا فروى عنه إمالتهما وروى عنه فتحهما. فقول الناظم: (وخلف فيهما إلخ) في قوة الاستثناء بالنسبة لابن ذكوان فكأنه قال: يميل ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي الراء والهمزة من الفعل رأى مطلقا في حال الوقف والوصل في جميع القرآن الكريم إذا كان الحرف الذي بعد الفعل متحركا سواء كان ضميرا أم غير ضمير إلا أنه اختلف عن ابن ذكوان في إمالة الراء والهمزة إذا كان الحرف الذي بعد الفعل ضميرا، فروي عنه في الراء والهمزة وجهان: إمالتهما معا، وفتحهما معا، ومفهوم هذا: أنه إذا لم يكن الحرف الذي بعد الفعل ضميرا فلا خلاف عن ابن ذكوان في إمالة الراء والهمزة. وقوله: (وعن عثمان في الكل قللا) معناه: أنه روى عن ورش تقليل الراء والهمزة في كل المواضع، سواء كان الحرف الذي بعد الفعل ضميرا أم غير ضمير. ثم بيّن حكم القسم الثاني فقال: (وقبل السكون الرا أمل إلخ) يعني: إذا وقع هذا الفعل (رأى) قبل حرف ساكن فأمل الراء في حال الوصل لحمزة، وشعبة، والسوسي بخلف عنه. وقوله: (وقل في الهمز خلف يقي صلا) معناه: أنه اختلف عن السوسي وشعبة في إمالة الهمزة حال الوصل، فروي عن كل منهما فتحها وإمالتها، ويؤخذ من هذا كله: أن حمزة يميل الراء فقط حال الوصل قولا واحدا وليس له إمالة في الهمزة، وشعبة يميل الراء وله في الهمزة الفتح والإمالة. والسوسي له الخلف في الراء والهمزة جميعا، فله في الراء الفتح والإمالة، وله في الهمز
(1/260)

الفتح والإمالة.
هذا ما يؤخذ من النظم صراحة، ولكن الذي عليه المحققون من أهل الأداء، ولا يصح الأخذ بخلافه أن السوسي ليس له إمالة في هذا القسم لا في الراء ولا في الهمز، وأن شعبة ليس له إمالة إلا في الراء كحمزة ولا إمالة له في الهمز.
والخلاصة: أن هذا القسم يميل الراء فيه شعبة وحمزة ولا يميل أحد فيه همزه.
وقد وقع هذا الفعل قبل الساكن في ستة مواضع: رَأَى الْقَمَرَ، رَأَى الشَّمْسَ هنا، رَأَى الَّذِينَ* في النحل في موضعين: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ في الكهف، وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ في سورتها. وقوله: (وقف فيه كالأولى) (فيه) بمعني: عليه، والمراد من (الأولى) الكلمة الأولى وهي رَأى كَوْكَباً يعني: إذا وقفت على (رأى) الواقع قبل ساكن كان حكمه حكم الواقع قبل متحرك فيميل الراء والهمزة فيه ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي، ويميل الهمزة فقط أبو عمرو، ويقللهما ورش. وقوله: (ونحو رأت رأوا رأيت بفتح الكل وقفا وموصلا) معناه: إذا كان الساكن الذي بعد فعل رأى لازما له لا ينفك عنه؛ فقد اتفق القراء على فتح الراء والهمزة ولا إمالة فيه لأحد مطلقا لا وقفا ولا وصلا نحو: فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ، وَإِذا رَأَوْكَ، وَإِذا رَأَوْهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ، وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ، إِذا رَأَتْهُمْ.
650 - وخفّف نونا قبل في الله من له ... بخلف أتى والحذف لم يك أوّلا
خفف نون أَتُحاجُّونِّي الواقعة قبل لفظ فِي اللَّهِ ابن ذكوان ونافع وهشام بخلف عنه، فينطق على هذه القراءة بنون واحدة مخففة مكسورة وبعدها الياء الساكنة، وشددها الباقون وهو الوجه الثاني لهشام، وأصل هذه الكلمة (أتحاجونني) بنونين الأولى نون الرفع أي الدالة على رفع الفعل، والثانية: نون الوقاية، وللعرب في هذا وأمثاله ثلاث لغات: الأولى: إبقاء النونين على حالهما، الثانية: إدغام النون الأولى في الثانية فينطق بنون واحدة مشددة، الثالثة: حذف إحدى النونين فينطق بنون واحدة مخففة، وقد قرئ بهذه اللغات الثلاث في قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ. ولم يقرأ هنا إلا بالثانية والثالثة. وقوله: (والحذف لم يك أولا) معناه: أن المحذوف من النونين على قراءة نافع ومن معه هي الثانية دون الأولى؛ لأن الأولى أمارة على رفع الفعل، والأمارة أولى
(1/261)

بالمراعاة من الوقاية على أن وقاية الفعل من الكسر حاصلة بالأولى أيضا، يضاف إلى هذا أن الثقل إنما حصل بالثانية فكانت أولى بالحذف.
651 - وفي درجات النّون مع يوسف ثوى ... وو اليسع الحرفان حرّك مثقّلا
652 - وسكّن شفاء واقتده حذف هائه ... شفاء وبالتّحريك بالكسر كفّلا
653 - ومدّ بخلف ماج والكلّ واقف ... بإسكانه يذكو عبيرا ومندلا
قرأ الكوفيون: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ* هنا وفي يوسف بإثبات النون أي التنوين [تصوير]
في تاء دَرَجاتٍ* فتكون قراءة غيرهم بحذف التنوين في الموضعين. وقرأ حمزة والكسائي:
وَالْيَسَعَ* في الحرفين أي الموضعين هنا، وفي ص وَالْقُرْآنِ بتحريك اللام أي فتحها وبتثقيلها وتسكين الياء فتكون قراءة غيرهما بإسكان اللام مخففة وفتح الياء. وقرأ حمزة والكسائي: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ بحذف هاء اقْتَدِهْ وصلا، وقرأ ابن عامر بتحريك الهاء بالكسر وصلا أيضا، وقرأ ابن ذكوان بخلف عنه بمد الهاء أي إشباع حركتها حتى يتولد منها فتكون قراءة هشام بتحريك الهاء بالكسر من غير إشباع ولا صلة وهو الوجه الثاني لابن ذكوان. وفي قول الناظم: (ماج) إشارة إلى ضعف الخلاف واضطرابه عن ابن ذكوان؛ إذ ليس له من طريق النظم إلا إشباع الهاء وإن كان الوجه الثاني وهو كسر الهاء مع قصرها صحيحا عنه أيضا. وقرأ غير حمزة والكسائي وابن عامر بإثبات الهاء ساكنة وصلا، ولما ذكر الناظم حكم الهاء وصلا لجميع القراء أتبعه ببيان حكمها وقفا فقال: (والكل واقف إلخ).
المعنى: أن كل القراء وقف على اقْتَدِهْ بإثبات الهاء وإسكانها فيكون قوله: (والكل واقف بإسكانه إلخ) دليلا على أن الأحكام الأولى خاصة بحال الوصل. و (يذكو) من ذكت النار إذا اشتعلت. و (العبير) الزعفران. و (المندل) العود الهندى.
654 - وتبدونها تخفون مع تجعلونه ... على غيبه حقّا وينذر صندلا
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: يجعلونه قراطيس يجدونها ويخفون كثيرا، بياء الغيب في الأفعال الثلاثة فتكون قراءة غيرهما بتاء الخطاب فيها. ثم عطف الغيب فقال:
(1/262)

(وينذر صندلا) يعنى أن شعبة قرأ: ولينذر أمّ القرى بياء الغيب، فتكون قراءة غيره بتاء الخطاب وحذف لام وَلِتُنْذِرَ ضرورة. و (الصندل) نوع من العود ذو رائحة طيبة.
655 - وبينكم ارفع في صفا نفر وجا ... عل اقصر وفتح الكسر والرّفع ثمّلا
656 - وعنهم بنصب اللّيل واكسر بمستقر ... ر القاف حقّا خرّقوا ثقله انجلا
قرأ حمزة وشعبة وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ برفع النون فتكون قراءة غيرهم بنصبها. وقرأ الكوفيون: وَجَعَلَ اللَّيْلَ بقصر وَجَعَلَ أي بحذف الألف بعد الجيم وفتح كسر العين وفتح رفع اللام في جعل ونصب لام الليل فتكون قراءة غيرهم بمد جعل؛ أي: بإثبات ألف بعد الجيم وبكسر العين ورفع اللام وخفض لام الليل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ بكسر القاف فتكون قراءة غيرهما بفتحها وقرأ نافع: وَخَرَقُوا لَهُ بتثقيل الراء وغيره بتخفيفها. و (ثملا) مبني للمفعول: أصلح.
657 - وضمّان مع ياسين في ثمر شفا ... ودارست حقّ مدّه ولقد حلا
658 - وحرّك وسكّن كافيا واكسرنّها ... حمى صوبه بالخلف درّ واوبلا
قرأ حمزة والكسائي: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ، كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ* هنا، لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ في يس بضم الثاء والميم فتكون قراءة غيرهما بفتح الثاء والميم في المواضع الثلاثة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: وليقولوا دارست بالمد أي بإثبات ألف بعد الدال فتكون قراءة غيرهما بالقصر أى بحذف الألف بعد الدال، وقرأ ابن عامر بتحريك السين بالفتح وتسكين التاء فتكون قراءة غيره بسكون السين وفتح التاء. والحاصل: أن نافعا والكوفيين يقرءون بحذف الألف بعد الدال مع إسكان السين وفتح التاء وأن ابن كثير وأبا عمرو يقرءان بألف بعد الدال مع إسكان السين وفتح التاء وأن ابن عامر يقرأ بلا ألف مع فتح السين وسكون التاء وقرأ أبو عمرو وابن كثير وشعبة بخلف عنه بكسر همزة إنها في قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وقرأ الباقون بفتح الهمزة وهو الوجه الثاني لشعبة. (والصوب): نزول المطر. و (در) تتابع نزوله و (أوبل) صار ذا وبل.
(1/263)

659 - وخاطب فيها يؤمنون كما فشا ... وصحبة كفؤ في الشّريعة وصّلا
قرأ ابن عامر وحمزة: إذا جاءت لا تؤمنون بتاء الخطاب وغيرهما بياء الغيب.
وقرأ ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي: فبأىّ حديث بعد الله وآياته تؤمنون في الشريعة وهي الجاثية بتاء الخطاب، وقرأ غيرهم بياء الغيب.
660 - وكسر وفتح ضمّ في قبلا حمى ... ظهيرا وللكوفيّ في الكهف وصّلا
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون: وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا. بضم كسر القاف وضم فتح الباء، فتكون قراءة نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء.
وقرأ الكوفيون: أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا في الكهف. بضم كسر القاف وضم فتح الباء، فتكون قراءة أهل سما وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء.
661 - وقل كلمات دون ما ألف ثوى ... وفي يونس والطّول حاميه ظلّلا
قرأ الكوفيون: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ هنا بغير ألف بعد الميم، وقرأ غيرهم بثبوت الألف. وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكوفيون: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا، إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. كلاهما في سورة يونس، وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا في غافر. من غير ألف بعد الميم في المواضع الثلاثة، وقرأ نافع وابن عامر بإثبات الألف في المواضع الثلاثة.
662 - وشدّد حفص منزل وابن عامر ... وحرّم فتح الضّمّ والكسر إذ علا
663 - وفصّل إذ ثنّى يضلّون ضمّ مع ... يضلّوا الّذي في يونس ثابتا ولا
قرأ حفص وابن عامر أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بتشديد الزاي ويلزمه فتح النون، [تصوير]
وقرأ غيرهما بتخفيف الزاي ويلزمه سكون النون. وقرأ نافع وحفص: حَرَّمَ عَلَيْكُمْ بفتح ضم الحاء وفتح كسر الراء، فتكون قراءة غيرهما بضم الحاء وكسر الراء. وقرأ نافع والكوفيون: وَقَدْ فَصَّلَ بفتح ضم الفاء وفتح كسر الصاد، فتكون قراءة غيرهم بضم الفاء وكسر الصاد. فيتحصل مما ذكر: أن نافعا وحفصا يقرءان بفتح الفاء والصاد في
(1/264)

فَصَّلَ وفتح الحاء والراء في حَرَّمَ، وأن شعبة وحمزة والكسائي يقرءون بفتح الفاء والصاد في فَصَّلَ وضم الحاء وكسر الراء في حَرَّمَ وقرأ الباقون وهم: ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم الفاء وكسر الصاد في فَصَّلَ وبضم الحاء وكسر الراء في حَرَّمَ ويؤخذ من هذا: أنه لم يقرأ قارئ بضم الفاء وكسر الصاد في فَصَّلَ وبفتح الحاء والراء في حَرَّمَ وقرأ الكوفيون: وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ هنا، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ في يونس بضم الياء في الموضعين. وقرأ غيرهم بفتح الياء فيهما.
664 - رسالات فرد وافتحوا دون علّة ... وضيقا مع الفرقان حرّك مثقّلا
665 - بكسر سوى المكّي ورا حرجا هنا ... على كسرها إلف صفا وتوسّلا
قرأ ابن كثير وحفص: رِسالَتَهُ، في قوله تعالى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ. بالإفراد أي: بلا ألف بعد اللام مع فتح التاء وقرأ غيرهما بالجمع أي: بألف بعد اللام مع كسر التاء، وقرأ السبعة إلا ابن كثير المكي ضَيِّقاً هنا في قوله تعالى: يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً، مَكاناً ضَيِّقاً بالفرقان بتحريك الياء بالكسر مع تشديدها. وقرأ ابن كثير بإسكان الياء مخففة في الموضعين وقرأ نافع وشعبة حرجا بكسر الراء، وقرأ غيرهما بفتحها.
666 - ويصعد خفّ ساكن دم ومدّه ... صحيح وخفّ العين داوم صندلا
قرأ ابن كثير: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ بتخفيف الصاد وإسكانها، فتكون قراءة غيره بتشديد الصاد وفتحها، وقرأ شعبة بمد الصاد أي: ألف بعدها فتكون قراءة الباقين بغير ألف، وقرأ ابن كثير وشعبة بتخفيف العين فتكون قراءة غيرهما بتشديدها.
والخلاصة: أن ابن كثير يقرأ بسكون الصاد وتخفيف العين. وشعبة يقرأ بتشديد الصاد مفتوحة وألف بعدها وتخفيف العين. والباقون يقرءون بتشديد الصاد والعين من غير ألف بينهما. واتفق القراء على قراءة: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ بفاطر بسكون الصاد وتخفيف العين من غير ألف.
667 - ونحشر مع ثان بيونس وهو في ... سبا مع نقول اليا في الاربع عمّلا
(1/265)

قوله تعالى هنا: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ، وفي يونس وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا، وفي سبأ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ. قرأ حفص هذه الأفعال الأربعة بالياء فتكون قراءة غيره بالنون في الأربعة. وقيد موضع يونس بأنه الثاني، للاحتراز عن الموضع
الأول فيها وهو: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ. فقد اتفق القراء على قراءته بالنون كما اتفقوا على قراءته بالنون في الموضع الأول في هذه السورة وهو: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ.
و (عمّلا) بالبناء للمجهول أى أعمل الياء في الأفعال المذكورة.
668 - وخاطب شام يعملون ومن تكو ... ن فيها وتحت النّمل ذكّره شلشلا
قرأ ابن عامر: وما ربك بغافل عما تعملون، الذي بعده وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ بتاء الخطاب، فتكون قراءة غيره بياء الغيب. وقرأ حمزة والكسائي: من يكون له عاقبة الدّار هنا وفي القصص بياء التذكير فتكون قراءة غيرهما بتاء التأنيث.
669 - مكانات مدّ النّون في الكلّ شعبة ... بزعمهم الحرفان بالضّمّ رتّلا
قرأ شعبة لفظ: مكاناتكم (1) في جميع القرآن بمد النون أى إثبات ألف بعدها نحو قل يقوم اعملوا على مكاناتكم، ولو نشاء لمسخناهم على مكاناتكم. فتكون قراءة غيره بالقصر أي بحذف الألف. وقرأ الكسائي لفظ بِزَعْمِهِمْ* في الحرفين أى الموضعين: فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ ولا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ. بضم الزاي فتكون قراءة غيره بفتحها.
670 - وزيّن في ضمّ وكسر ورفع قت ... ل أولادهم بالنّصب شاميّهم تلا
671 - ويخفض عنه الرّفع في شركاؤهم ... وفي مصحف الشّامين بالياء مثّلا
672 - ومفعوله بين المضافين فاصل ... ولم يلف غير الظّرف في الشّعر فيصلا
673 - كلله درّ اليوم من لامها فلا ... تلم من مليمي النحو إلّا مجهّلا
_________
(1) سواء كان مضافا لضمير المخاطبين أو لضمير الغائبين.
[تصوير]
(1/266)

674 - ومع رسمه زجّ القلوص أبي مزا ... دة الاخفش النّحويّ أنشد مجملا
تلا ابن عامر: وكذلك زين بضم الزاي وكسر الياء ورفع لام قَتْلَ ونصب دال أَوْلادِهِمْ وخفض رفع همزة شُرَكاؤُهُمْ فتكون قراءة الباقين بفتح الزاي والياء ونصب لام قَتْلَ وخفض دال أَوْلادِهِمْ ورفع همزة شُرَكاؤُهُمْ ثم أفاد الناظم أن شُرَكاؤُهُمْ مرسوم بالياء في المصحف الذي بعثه الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الشام، وتوجيه قراءة ابن عامر: أن زين فعل ماضي مبني للمفعول وقَتْلَ نائب الفاعل وأَوْلادِهِمْ بالنصب مفعول المصدر، وهو، وقَتْلَ مضاف وشُرَكاؤُهُمْ مضاف إليه وفصل مفعول المصدر وهو أَوْلادِهِمْ بين المضاف والمضاف إليه.
وقد خاض بعض نحاة البصرة في قراءة ابن عامر لما فيها من الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول. وقالوا: لا يصح الفصل بين المضاف والمضاف إليه إلا بالظرف، ويكون ذلك في الشعر خاصة، ولا يكون في الكلام المنثور فضلا عن كلام الله تعالى. وقد نقل الناظم كلام النحاة في قوله: (ولم يلف غير الظرف في الشعر فيصلا) ومثل له بقوله: (كلله در اليوم من لامها) فقوله: (درّ) مضاف إلى الاسم الموصول وهو (من). وفصل بينهما باليوم وهو ظرف والتقدير: لله در من لامها اليوم. وفي قوله: (فلا تلم من مليمي النحو إلا مجهلا) إشارة إلى أن النحاة الذين انكروا هذه القراءة فريقان: فريق أنكرها لمخالفتها القياس وفصيح الكلام، وفريق أنكرها وجهل القارئ بها وهو ابن عامر- أي: نسبه للجهل- وكلا الفريقين آت بما يلام عليه لإنكاره قراءة متواترة وإن كان الفريق الأول أحسن حالا من الفريق الثاني. فقوله: (فلا تلم من مليمي النحو إلا مجهلا) معناه: لا تذم من هذين الفريقين إلا الفريق الثاني؛ لأنه تعدى طوره بطعنه في إمام من أئمة المسلمين أجمعت الأمة على جلالة قدرة وكمال ضبطه. وقوله: (ومع رسمه زجّ القلوص إلخ) معناه: أنه يعضد قراءة ابن عامر أمران: الأول: أن شُرَكاؤُهُمْ رسم في المصحف الشامي بالياء. الثاني: ما أنشده الأخفش عن بعض العرب (فزججتها) أي ضربتها بمزجة (زجّ القلوص أبي مزادة)، والشاهد فيه أن (زجّ) مصدر وهو مضاف إلى أبي مزادة و (القلوص) مفعول المصدر. وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه، و (القلوص) الشابة من الإبل. وقوله:
(1/267)

(أنشد مجملا) رأي محسنا وهو حال من فاعل أنشد وهو الاخفش. وأقول: قراءة ابن عامر ثابتة بطريق التواتر وهو طريق قطعي. والقراءة إذا ثبتت بطريق التواتر لا تحتاج إلى ما يسندها من كلام العرب؛ بل تكون هي حجة يرجع إليها ويستشهد بها.
675 - وإن يكن انّث كفؤ صدق وميتة ... دنا كافيا وافتح حصاد كذي حلا
676 - نما وسكون المعز حصن وأنّثوا ... يكون كما في دينهم ميتة كلا
قرأ ابن عامر وشعبة: وإن تكن ميتة بتاء التأنيث في يَكُنْ فتكون قراءة غيرهما بياء التذكير، وقرأ ميتة بالرفع كما لفظ به ابن كثير وابن عامر، فتكون قراءة غيرهما بالنصب.
فيتحصل: أن ابن عامر يقرأ بتأنيث يَكُنْ ورفع مَيْتَةً وأن شعبة يقرأ بالتأنيث والنصب.
وأن ابن كثير يقرأ بالتذكير والرفع. وأن الباقين بالتذكير والنصب. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم بفتح الحاء في حَصادِهِ فتكون قراءة غيرهم بكسرها. وقرأ نافع والكوفيون وَمِنَ الْمَعْزِ بسكون العين، فتكون قراءة غيرهم بفتحها. وقرأ ابن عامر وحمزة وابن كثير إلا أن تكون بتاء التأنيث، فتكون قراءة غيرهم بياء التذكير، وقرأ ابن عامر ميتة بالرفع كما لفظ به، فتكون قراءة غيره بالنصب. فيتحصل: أن ابن عامر يقرأ بتأنيث يَكُونَ ورفع مَيْتَةً وأن حمزة
وابن كثير يقرءان بالتأنيث والنصب وأن الباقين يقرءون بالتذكير والنصب.
677 - وتذّكّرون الكلّ خفّ على شذا ... وأنّ اكسروا شرعا وبالخفّ كمّلا
قرأ حفص وحمزة والكسائي لفظ تَذَكَّرُونَ* بتخفيف الذال في كل مواضعه من القرآن الكريم إذا كان بتاء واحدة مثناة فوقية نحو: وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، خلقنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وقرأ الباقون بتشديد الذال حيث ورد وقرأ حمزة والكسائي وَأَنَّ هذا صِراطِي بكسر الهمزة وتشديد النون وقرأ ابن عامر بفتح الهمزة وتخفيف النون
أي تسكينها وقرأ الباقون بفتح الهمزة وتشديد النون.
678 - وياتيهم شاف مع النّحل فارقوا ... مع الرّوم مدّاه خفيفا وعدّلا
(1/268)

قرأ حمزة والكسائي: هل ينظرون إلّا أن يأتيهم الملائكة هنا وفي النحل.
بياء التذكير في تَأْتِيَهُمُ* وأخذ ذلك من لفظه، فتكون قراءة غيرهما بتاء التأنيث وقرآ أيضا: إنّ الّذين فارقوا دينهم هنا من الّذين فارقوا دينهم في الروم.
بالمد أى بإثبات ألف بعد الفاء مع تخفيف الراء في الموضعين فالألف في (مداه) ضمير يعود على حمزة والكسائي و (خفيفا) منصوب على الحال من الضمير المنصوب في (مداه) العائد على لفظ فَرَّقُوا، والمراد تخفيف رائه كما سبق، وقرأ غيرهما بالقصر أي بحذف الألف بعد الفاء مع تشديد الراء.
679 - وكسر وفتح خفّ في قيما ذكا ... ويا آتها وجهي مماتي مقبلا
680 - وربّي صراطي ثمّ إنّي ثلاثة ... ومحياي والإسكان صحّ تحمّلا
قرأ ابن عامر والكوفيون: دِيناً قِيَماً. بكسر القاف وفتح الياء وتخفيفها، فتكون قراءة غيرهم بفتح القاف وكسر الياء وتشديدها، وقد اشتملت هذه السورة على ياءات الإضافة الآتية: وَجْهِيَ لِلَّذِي، وَمَماتِي لِلَّهِ، هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً، إِنِّي أُمِرْتُ، إِنِّي أَخافُ، إِنِّي أَراكَ، وَمَحْيايَ. وفي قوله (والإسكان صح تحملا) إشارة إلى الرد على من طعن في قراءة الإسكان فرد عليه بصحة نقله وتواتر؛ وروده.

35 باب فرش حروف سورة الأعراف [681 - 713]
681 - وتذّكّرون الغيب زد قبل تائه ... كريما وخفّ الذّال كم شرفا علا
قرأ ابن عامر بزيادة ياء الغيب المثناة التحتية قبل تاء تَذَكَّرُونَ فتكون قراءته [تصوير]
يتذكّرون وقراءة الباقين تَذَكَّرُونَ بحذف ياء الغيب. وخفف الذال ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي وشددها الباقون. وأعاد ذكر تخفيف الذال هنا مع ذكره له في سورة الأنعام: لئلا يتوهم أن هذا التخفيف هنا خاص بابن عامر. والحاصل: أن هنا ثلاث قراءات زيادة ياء الغيب مع تخفيف الذال وحذفها مع التخفيف والتشديد في الذال.
(1/269)

682 - مع الزّخرف اعكس تخرجون بفتحة ... وضمّ وأولى الرّوم شافيه مثّلا
683 - بخلف مضى في الرّوم لا يخرجون في ... رضا ولباس الرّفع في حقّ نهشلا
قوله تعالى هنا: وَمِنْها تُخْرَجُونَ، وفي الزخرف فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ والمواضع الأول في سورة الروم وهو: الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ قرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان بفتح التاء وضم الراء في المواضع الثلاثة غير أن ابن ذكوان له في موضع الروم خلاف؛ فروى عنه فتح التاء وضم الراء، وروى عنه ضم التاء وفتح الراء، وأما موضع الأعراف ومواضع الزخرف فيقرأهما كقراءة حمزة والكسائي بلا خلاف عنه. وتقييد موضع الروم بالأول للاحتراز عن الموضع الثاني وهو: إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ فلا خلاف بين القراء في قراءته بفتح التاء وضم الراء. وقرأ حمزة والكسائي: فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها في سورة الجاثية بفتح الياء وضم الراء. وقرأ الباقون في المواضع الثلاثة بضم التاء وفتح الراء، وفي الموضع الرابع بضم الياء وفتح الراء، وكيفية استنباط القراءات من النظم أن قوله (تخرجون) يقرأ بضم التاء وفتح الراء مبنيا للمجهول. وقوله (بفتحة) الباء فيه للملابسة والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر اعكس. والتقدير: اعكس لفظ تخرجون المبنى للمجهول عكسا متلبسا بفتحة في التاء وضم في الراء فيكون معنى العكس هنا تقديم الفتحة التى كانت على الراء في الفعل المبني للمجهول ووضعها فوق التاء وتأخير الضمة التي كانت على التاء في الفعل المذكور ووضعها فوق الراء، وبهذا يكون الفعل مبنيّا للفاعل وهذا العكس الذي فيه تقديم الفتحة وتأخير الضمة هو قراءة من رمز لهم في هذين البيتين وتؤخذ قراءة المسكوت عنهم من اللفظ.
والمعنى بإيجاز: اجعل هذا الفعل المبنى للمجهول مبيّنا للمعلوم لحمزة ومن معه. فتكون قراءة الباقين على أصل الفعل من غير هذا الجعل. ويصح- في نظرى- أن تكون الباء في بفتحة للملابسة أيضا والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل اعكس، والتقدير اعكس فعل تخرجون المبني للمجهول حال كونك متلبسا بفتحة وضم؛ أى حال كونك آتيا بفتحة وضم. وحاصل المعنى: حال كونك مقدما الفتحة ومؤخرا
(1/270)

الضمة؛ أى حال كونك واضعا الفتحة مكان الضمة والضمة مكان الفتحة فيكون هذا الحال مبينا للمراد من العكس وهذا العكس قراءة حمزة ومن معه. وقوله (ولباس الرفع في حق نهشلا) معناه: أن حمزة
وابن كثير وأبا عمرو وعاصما قرءوا برفع السين في قوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى فتكون قراءة نافع وابن عامر والكسائي بنصبها.
684 - وخالصة أصل ولا يعلمون قل ... لشعبة في الثّاني ويفتح شمللا
685 - وخفّف شفا حكما وما الواو دع كفى ... وحيث نعم بالكسر في العين رتّلا
قرأ نافع برفع تاء خالِصَةً كما لفظ به في قوله تعالى: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ فتكون قراءة غيره بنصبها. وقرأ شعبة لا يعلمون بياء الغيب كما لفظ به أيضا في الموضع الثاني بعد كلمة خالِصَةً والمراد به: قال لكلّ ضعف ولكن لّا يعلمون، فتكون قراءة غيره بتاء الخطاب واحترز بالثاني عن الموضع الأول الذي وقع بعد خالِصَةً وهو: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ، فلا خلاف بين القراء في قراءته بالخطاب. وقرأ حمزة والكسائي: لا يفتّح لهم أبواب السّماء بياء التذكير كلفظه
فيكون غيرهما بتاء التأنيث، وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو بالتخفيف في التاء. ويلزمه سكون الفاء، فتكون قراءة غيرهم بتشديد التاء ويلزمه فتح الفاء. فيتحصل: أن أبا عمرو يقرأ بتاء التأنيث والتخفيف وحمزة والكسائي بياء التذكير والتخفيف والباقين بتاء التأنيث والتشديد. وقرأ ابن عامر: وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ بحذف الواو قبل ما، وقرا غيره بإثباتها. وقرأ الكسائي لفظ نعم في جميع مواضعه بكسر العين وغيره بفتحها. وقد وقع في أربعة مواضع: قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ، قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. كلاهما في هذه السورة، قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في الشعراء، قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ في الصافات.
686 - وأن لعنة التّخفيف والرّفع نصّه ... سما ما خلا البزّي وفي النّور أوصلا
قرأ نافع وقنبل وأبو عمرو وعاصم: أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. بتخفيف نون أَنْ أي إسكانها ورفع تاء لَعْنَةُ فتكون قراءة البزى وابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد
(1/271)

النون وفتحها ونصب تاء لَعْنَةُ. وقرأ نافع: أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ في سورة النور كقراءة نافع ومن معه في هذه السورة أى بإسكان النون مخففة، ورفع تاء لَعْنَتَ فتكون قراءة غيره في سورة النور بتشديد النون ونصب تاء لعنة.
687 - ويغشي بها والرّعد ثقّل صحبة ... وو الشّمس مع عطف الثّلاثة كمّلا
688 - وفي النّحل معه في الأخيرين حفصهم ... ونشرا سكون الضّمّ في الكلّ ذلّلا
689 - وفي النّون فتح الضّمّ شاف وعاصم ... روى نونه بالباء نقطة اسفلا
قرأ شعبة وحمزة والكسائي: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ* هنا وفي الرعد، بتثقيل الشين [تصوير]
ومن ضرورته فتح الغين. وقرأ الباقون بتخفيف الشين ويلزمه إسكان الغين في الموضعين. وقرأ ابن عامر برفع لفظ وَالشَّمْسَ ورفع الأسماء الثلاثة وبعده وهي: وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ* هنا وفي سورة النحل. وأخذ الرفع له من اللفظ، ووافق حفص ابن عامر على رفع الاسمين الأخيرين في سورة النحل وهما: وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ*. ويفهم من هذا أن حفصا يقرأ بنصب الأسماء الأربعة هنا، ونصب الاسمين في سورة النحل وهما: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ. وأن الباقين يقرءون بنصب الأسماء الأربعة هنا وفي سورة النحل، ولا يخفى أن نصب مُسَخَّراتٍ يكون بالكسرة لكونه جمع مؤنث سالما ووقع لفظ بُشْراً* في القرآن في ثلاثة مواضع: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ هنا، وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ في النمل، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ بالفرقان، فقرأ ابن عامر والكوفيون بسكون ضم الشين في المواضع الثلاثة فتكون قراءة أهل سما بضم الشين. وقرأ حمزة والكسائي بفتح ضم النون في جميع المواضع، فتكون قراءة غيرهم بضمها. وقرأ عاصم بالباء الموحدة في مكان النون فتكون قراءة غيره بالنون. فيتحصل من هذا:
أن ابن عامر يقرأ بالنون المضمومة وسكون الشين، وأن عاصما يقرأ بالباء المضمومة وسكون الشين، وأن حمزة والكسائي يقرءان بالنون المفتوحة وسكون الشين، وأن نافعا وابن كثير وأبا عمرو يقرءون بالنون والشين المضمومتين ولا تخفي كيفية استنباط كل قراءة من النظم.
(1/272)

690 - ورا من إله غيره خفض رفعه ... بكلّ رسا والخفّ أبلغكم حلا
691 - مع احقافها والواو زد بعد مفسدي ... ن كفؤا وبالإخبار إنّكم علا
692 - ألا وعلى الحرميّ إنّ لنا هنا ... وأو أمن الإسكان حرميّه كلا
قرأ الكسائي بخفض رفع الراء في قوله تعالى: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ حيث ذكر في القرآن، وقرأ غيره برفعها. وقرأ أبو عمرو: أُبْلغكم رسالات ربّى وأنصح لكم، أُبْلغكم رسالات ربّى وأنا لكم ناصح أمين، أُبْلغكم ما أرسلت به في الأحقاف. بتخفيف اللام ويلزمه سكون الباء، وقرأ غيره بتشديد اللام ويلزمه فتح الباء. وقرأ ابن عامر بزيادة واو بعد كلمة مُفْسِدِينَ وقبل قاف قالَ الْمَلَأُ في قصة صالح، فتكون قراءة غيره بحذف الواو. وقرأ حفص ونافع: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ. بالإخبار أى بهمزة واحدة مكسورة، فتكون قراءة غيرهما بزيادة همزة الاستفهام فيقرءون بهمزتين الأولى همزة الاستفهام المفتوحة والثانية الهمزة الأصلية المكسورة، وكل على أصله في تسهيل الثانية وتحقيقها وإدخال ألف بينهما وتركه. وقرأ حفص ونافع وابن كثير: إِنَّ لَنا لَأَجْراً بهمزة واحدة مكسورة على سبيل الإخبار، والباقون بهمزتين الأولى مفتوحة للاستفهام
والثانية مكسورة وهي الأصلية وكل على أصله أيضا في التحقيق والتسهيل والإدخال وعدمه. وقوله (هنا) احتراز عن موضع الشعراء؛ فإنه بهمزتين للقراء السبعة. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر: أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى، بإسكان الواو، ويكون ورش على أصله في نقل حركة الهمزة إلى الواو وحذف الهمزة وقرأ الباقون بفتح الواو.
693 - عليّ على خصّوا وفي ساحر بها ... ويونس سحّار شفا وتسلسلا
قرأ القراء السبعة إلا نافعا: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ بألف بعد اللام في على، على أنها حرف جر. وقرأ نافع بياء مشددة مفتوحة بعد اللام. والناظم لفظ بالقراءتين معا. وقرأ حمزة والكسائي: يأتوك بكل سحار عليم هنا، وقال فرعون ائتونى بكلّ سحّار عليم في يونس. بحاء مفتوحة مشددة ممدودة بعد السين. وقرأ
(1/273)

غيرهما ساحِرٍ بألف بعد السين وبعدها حاء مكسورة مخففة، فالأولى على وزن علام، والثانية على وزن عالم، وقد نطق الناظم بالقراءتين معا أيضا.
694 - وفي الكلّ تلقف خفّ حفص وضمّ في ... سنقتل واكسر ضمّه متثقّلا
695 - وحرّك ذكا حسن وفي يقتلون خذ ... معا يعرشون الكسر ضمّ كذي صلا
696 - وفي يعكفون الضّمّ يكسر شافيا ... وأنجى بحذف الياء والنّون كفّلا
قرأ حفص تَلْقَفُ* هنا وفي الشعراء وطه بتخفيف القاف ويلزمه سكون اللام، وقرأ غيره بتشديد القاف ويلزمه فتح اللام. وقرأ أبو عمرو وابن عامر والكوفيون سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ بضم النون وتحريك القاف أى فتحها وكسر ضم التاء وتشديدها، فتكون قراءة نافع وابن كثير بفتح النون وسكون القاف وضم التاء مخففة. وقرأ القراء السبعة إلا نافعا يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ كقراءة أبي عمرو ومن معه في سَنُقَتِّلُ أى بضم الياء وفتح القاف وكسر ضم التاء وتشديدها، فتكون قراءة نافع بفتح الياء وسكون القاف وضم التاء مخففة.
وقرأ ابن عامر وشعبة يَعْرِشُونَ* هنا وفي النحل بضم كسر الراء في الموضعين وغيرهما بكسرها فيهما. وقرأ حمزة والكسائي: عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ بكسر ضم الكاف وغيرهما بضمها. وقرأ ابن عامر: وإذ أنجناكم بحذف الياء والنون، فتكون قراءة غيره بإثباتهما.
697 - ودكّاء لا تنوين وامدده هامزا ... شفا وعن الكوفيّ في الكهف وصّلا
قرأ حمزة والكسائي جَعَلَهُ دَكَّاءَ هنا بحذف التنوين وألف بعد الكاف وبعد الألف همزة مفتوحة، ويكون المد عندهما من قبيل المتصل فيمده كل منهما حسب مذهبه، وقرأ الكوفيون في الكهف جَعَلَهُ دَكَّاءَ كقراءة حمزة والكسائي هنا، فتكون قراءة الباقين في الموضعين بالتنوين من غير ألف ولا همز.
[تصوير]
698 - وجمع رسالاتي حمته ذكوره ... وفي الرّشد حرّك وافتح الضّمّ شلشلا
699 - وفي الكهف حسناه وضمّ حليّهم ... بكسر شفا واف والاتباع ذو حلا
(1/274)

قرأ أبو عمرو وابن عامر والكوفيون بِرِسالاتِي بألف بعد اللام على الجمع فتكون قراءة نافع وابن كثير بحذف الألف على التوحيد. وقرأ حمزة والكسائي: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ بفتح ضم الراء وبتحريك الشين أي فتحها. وقرأ الباقون بضم الراء وسكون الشين. وقرأ أبو عمرو:
مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً في سورة الكهف بفتح ضم الراء وفتح الشين. وقرأ غيره بضم الراء وسكون الشين. واتفق السبعة على قراءة: وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً، وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً، بفتح الراء والشين، فكان على الناظم أن يقيد موضع الخلاف بانه الموضع الثالث في السورة. وقرأ حمزة والكسائي: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ.
بكسر ضم الحاء اتباعا لكسر اللام، وأشار الناظم إلى هذه العلة بقوله (والاتباع ذو حلا).
700 - وخاطب يرحمنا ويغفر لنا شذا ... وبا ربّنا رفع لغيرهما انجلا
قرأ حمزة والكسائي: لئن لّم ترحمنا ربّنا وتغفر لنا بتاء الخطاب في الفعلين ونصب باء رَبُّنا وقرأ غيرهما بياء الغيب في الفعلين ورفع باء رَبُّنا.
701 - وميم ابن أمّ اكسر معا كفؤ صحبة ... وآصارهم بالجمع والمدّ كلّلا
قرأ ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي: قالَ ابْنَ أُمَّ هنا، قالَ يَا بْنَ أُمَّ في طه. بكسر الميم في الموضعين، وقرأ غيرهما بنصبها فيهما. وقرأ ابن عامر ويضع عنهم آصارهم بفتح الهمزة ومدها وفتح الصاد ومدها على الجمع، وقرأ غيره بكسر الهمزة وسكون الصاد على الإفراد.
702 - خطيئاتكم وحّده عنه ورفعه ... كما ألّفوا والغير بالكسر عدّلا
703 - ولكن خطايا حجّ فيها ونوحها ... ومعذرة رفع سوى حفصهم تلا
قرأ ابن عامر: خطيئتكم بالتوحيد فالضمير في عنه يعود على ابن عامر في البيت قبله. وقرأ برفع التاء ابن عامر ونافع، وقرأ غيرهما بكسرها كما قال (والغير بالكسر عدلا) فتكون قراءة ابن عامر بالإفراد ورفع التاء، ونافع بالجمع ورفع التاء، والباقين بالجمع
(1/275)

وكسر التاء ما عدا أبا عمرو؛ فإنه يقرأ: خطاياكم هنا، ممّا خطاياهم أغرقوا في نوح.
وقرأ السبعة إلا حفصا: قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ برفع التاء، وقرأ حفص بنصبها.
704 - وبيس بياء أمّ والهمز كهفه ... ومثل رئيس غير هذين عوّلا
705 - وبيئس اسكن بين فتحين صادقا ... بخلف وخفّف يمسكون صفا ولا
قرأ نافع بِعَذابٍ بَئِيسٍ بكسر الباء وياء ساكنة مدية بعدها من غير همز، وقرأ ابن
عامر بكسر الباء وبعدها همزة ساكنة على زنة بئر، وقرأ الباقون بفتح الباء وبعدها همزة مكسورة وبعدها ياء ساكنة على زنة رئيس، لكن شعبة اختلف عنه في هذا اللفظ فروى عنه فيه وجهان: الأول: كقراءة الجماعة، والثاني: بفتح الباء وبعدها ياء ساكنة وبعدها همزة مفتوحة على زنة حيدر. وقرأ شعبة بتخفيف سين (يمسكون) ويلزمه سكون الميم فتكون قراءة غيره بتشديد السين ويلزمه فتح الميم.
706 - ويقصر ذرّيّات مع فتح تائه ... وفي الطّور في الثّاني ظهير تحمّلا
707 - وياسين دم غصنا ويكسر رفع أو ... ول الطّور للبصري وبالمدّ كم حلا
قرأ ابن كثير والكوفيون: مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ هنا، أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وهو الموضع الثاني في سورة والطور بالقصر. والمراد به حذف الألف بعد الياء، وبفتح التاء في الموضعين فتكون قراءة نافع والبصرى والشامي بالمد أي إثبات الألف بعد الياء وبكسر التاء في الموضعين. وقرأ المكي والبصرى والكوفيون: أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ في سورة يس. بالقصر وفتح التاء، فتكون قراءة نافع وابن عامر بالمد وكسر التاء. وأما الموضع الأول في سورة الطور وهو: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ فقرأه أبو عمرو البصرى بكسر رفع التاء، وقرأه بالمد الشامي والبصرى فتكون قراءة البصرى بالمد مع كسر التاء وقراءة الشامى بالمد مع رفع التاء، وقراءة الباقين بالقصر مع رفع التاء.
708 - تقولوا معا غيب حميد وحيث يل ... حدن بفتح الضّمّ والكسر فصّلا
709 - وفي النّحل والاه الكسائي وجزمهم ... يذرهم شفا والياء غصن تهدّلا
(1/276)

قرأ أبو عمرو: أن يقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين، أو يقولوا إنّما أشرك بياء الغيب في الفعلين. وقرا الباقون بتاء الخطاب فيهما. وقعت كلمة يلحدون في القرآن في ثلاثة مواضع: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ في هذه السورة، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ في سورة النحل، إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا في فصلت. فقرأ حمزة بفتح ضم الياء وفتح كسر الحاء في المواضع الثلاثة، ووافقه الكسائي في موضع النحل ووافق الجماعة في موضعى الأعراف وفصلت. وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الحاء في المواضع الثلاثة. وقرأ حمزة والكسائي:
وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ بحزم الراء؛ وقرأ غيرهم برفعها. وقرأ أبو عمرو والكوفيون بياء الغيب، وغيرهم بنون العظمة. فيتحصل: أن أبا عمرو وعاصما يقرءان بياء الغيب ورفع الراء، وأن حمزة والكسائي يقرءان بالياء وجزم الراء، وأن نافعا وابن كثير وابن عامر يقرءون بالنون ورفع الراء. ويؤخذ من هذا: أن أحدا من القراء لم يقرأ بالنون وجزم الراء.
[تصوير]
710 - حرّك وضمّ الكسر وامدده هامزا ... ولا نون شركا عن شذا نفر ملا
قرأ حفص وحمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما بتحريك راء شُرَكاءَ بالفتح وضم كسر الشين وإثبات ألف بعد الكاف وزيادة همزة مفتوحة بعد الألف مع حذف النون أي التنوين، فتكون قراءة نافع وشعبة بكسر الشين وسكون الراء وتنوين الكاف من غير مدّ ولا همزة كما نطق به الناظم.
و (ملا) بكسر الميم وقصر للوزن جمع مليء وهو القوي أو الغني صفة لنفر.
711 - ولا يتبعوكم خفّ مع فتح بائه ... ويتبعهم في الظّلّة احتلّ واعتلا
قرأ نافع: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ هنا، وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ، في الظلة أي الشعراء بتخفيف التاء أى سكونها مع فتح الباء في الموضعين، وقرأ غيره بتشديد التاء مفتوحة مع كسر الباء في الموضعين.
712 - وقل طائف طيف رضى حقّه ويا ... يمدّون فاضمم واكسر الضّمّ أعدلا
(1/277)

قرأ الكسائي وابن كثير وأبو عمرو: إذا مسّهم طيف بحذف الألف بعد الطاء وبعدها ياء ساكنة كما لفظ به. وقرأ غيرهم طائِفٌ بإثبات ألف بعد الطاء وبعدها همزة مكسورة كما لفظ به أيضا. وقرأ نافع: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ بضم الياء وكسر ضم الميم، فتكون قراءة غيره بفتح الياء وضم الميم.
713 - وربّي معي بعدي وإنّي كلاهما ... عذابي آياتي مضافاتها العلا
ياءات الإضافة التي في هذه السورة: حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ، مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ، مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ، إِنِّي أَخافُ، إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ، قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ، سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ.

36 باب فرش حروف سورة الأنفال [714 - 724]
714 - وفي مردفين الدّال يفتح نافع ... وعن قنبل يروى وليس معوّلا
قرأ نافع: مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ بفتح الدال، ولقنبل فيه وجهان: الأول: الفتح كنافع، والثاني: الكسر كبقية القراء، ولكن الوجه الأول لم يعتمد عليه ولم يصح من طريق الناظم وأصله فيجب الاقتصار لقنبل على وجه الكسر كالجماعة.
715 - ويغشى سما خفّا وفي ضمّه افتحوا ... وفي السّرّ حقّا والنّعاس ارفعوا ولا
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ بتخفيف الشين ويلزمه سكون الغين
فتكون قراءة الباقين بتشديد الشين ويلزمه فتح الغين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح ضم الياء وفتح كسر الشين وألف بعدها ورفع سين النُّعاسَ فتكون قراءة الباقين بضم الياء وكسر الشين وياء بعدها فيتحصل أن نافعا يقرأ يُغَشِّيكُمُ بضم الياء وسكون الغين وتخفيف الشين وكسرها وياء بعدها ونصب سين النعاس وأن ابن كثير وأبا عمرو يقرءان بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين مخففة وألف بعدها ورفع النعاس وأن الباقين يقرءون بضم الياء وفتح الغين وتشديد الشين وكسرها وياء
بعدها ونصب النعاس.
(1/278)

716 - وتخفيفهم في الأوّلين هنا ول ... كن الله وارفع هاءه شاع كفّلا
قرأ حمزة والكسائي وابن عامر: وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى.
بتخفيف النون؛ أى إسكانها وتكسر في الوصل للتخلص من الساكنين، وبرفع الهاء من لفظ الجلالة في الموضعين، فتكون قراءة الباقين بتشديد النون مفتوحة ونصب الهاء من لفظ الجلالة في الموضعين، واحترز بقوله (الأولين) عن الموضعين الأخيرين في السورة وهما: وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ. فلا خلاف بين القراء في تشديد النون وفتحها ونصب هاء لفظ الجلالة بعدها في الموضعين.
717 - وموهن بالتّخفيف ذاع وفيه لم ... ينوّن لحفص كيد بالخفض عوّلا
قرأ ابن عامر والكوفيون: ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ بتخفيف الهاء ومن ضرورته سكون الواو، فتكون قراءة أهل سما بتشديد الهاء ومن ضرورته فتح الواو وقوله:
(وفيه لم ينون لحفص) معناه: أن حفصا قرأ لفظ مُوهِنُ بحذف التنوين، فتكون قراءة غيره بإثبات التنوين. وقوله (كيد بالخفض عولا) معناه: أن حفصا قرأ بخفض دال كَيْدِ فتكون قراءة غيره بنصبها، فيتحصل من هذا كله: أن ابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي يقرءون مُوهِنُ بسكون الواو وتخفيف الهاء، وبالتنوين ونصب دال كَيْدِ وأن حفصا يقرأ بسكون الواو وتخفيف الهاء وحذف التنوين وخفض دال كَيْدِ وأن نافعا وابن كثير وأبا عمرو يقرءون بفتح الواو وتشديد الهاء مع التنوين ونصب دال كَيْدِ.
718 - وبعد وإنّ الفتح عمّ علا وفي ... هما العدوة اكسر حقّا الضّمّ واعدلا
قرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح همزة إِنْ في قوله تعالى وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الواقع بعد قوله تعالى: مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ فتكون قراءة غيرهم بكسر الهمزة واحترز بقوله (وبعد) عن الواقع قبل مُوهِنُ وهو: وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ، وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ. فقد اتفق السبعة على قراءة الموضعين بفتح الهمزة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى [تصوير]
بكسر ضم العين في الموضعين فتكون قراءة غيرهما بضم العين فيهما.
(1/279)

719 - ومن حيي اكسر مظهرا إذ صفا هدى ... وإذ يتوفّى أنّثوه له ملا
قرأ نافع وشعبة والبزي: وَيَحْيى مَنْ حَيَّ بإظهار الياء الأولى وكسرها، فينطق بياءين الأولى مكسورة والثانية مفتوحة، وقرأ الباقون بإدغام الأولى في الثانية، فيصير النطق بياء واحدة مفتوحة مشددة. وقرأ هشام وابن ذكوان: ولو ترى إذ تتوفّى بتاء التأنيث في يتوفى والباقون بياء التذكير فيها. و (ملا) بضم الميم والمد والقصر للشعر جمع ملاءة وهي الملحفة وكنى عن الحجة.
720 - وبالغيب فيها تحسبنّ كما فشا ... عميما وقل في النّور فاشية كحّلا
قرأ ابن عامر وحمزة وحفص: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا بياء الغيب، فتكون قراءة غيرهم بتاء الخطاب. وقرأ حمزة وابن عامر: لا يحسبنّ الّذين كفروا معجزين فى الأرض في النور بياء الغيب، فتكون قراءة غيرهما بتاء الخطاب. ومعنى (فاشية كحّلا) أي فاشي هذه القراءة ومذيعها قد بصّر غيره وأنار عين بصيرته.
721 - وإنّهم افتح كافيا واكسروا لشع ... بة السّلم واكسر في القتال فطب صلا
قرأ ابن عامر: إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ بفتح الهمزة وقرأ غيره بكسرها. وقرأ شعبة:
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ بكسر السين، وغيره بفتحها. وقرأ حمزة وشعبة: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ في سورة القتال بكسر السين، وقرأ غيرهما بفتحها.
722 - وثاني يكن غصن وثالثها ثوى ... وضعفا بفتح الضّمّ فاشية نفّلا
723 - وفي الرّوم صف عن خلف فصل وأنّث ان ... يكون مع الأسرى الأسارى حلا حلا
قرأ أبو عمرو والكوفيون لفظ يَكُنْ في الموضع الثاني بياء التذكير كما لفظ به، فتكون قراءة الحرميين والشامي بتاء التأنيث، والموضع الثاني هو: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً، وقرأ الكوفيون بياء التذكير في الموضع الثالث وغيرهم بتاء التأنيث، والموضع الثالث هو: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ، فتكون قراءة أبي عمرو بياء التذكير في الموضع الثاني وبتاء التأنيث في الموضع الثالث، وقراءة الكوفيين بياء التذكير في الموضعين معا،
(1/280)

وقراءة ابن كثير ونافع وابن عامر بتاء التأنيث في الموضعين. واحترز بالموضع الثاني والثالث عن الموضع الأول وهو: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ. وعن الموضع الرابع وهو: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ، فقد اتفق القراء على قراءتهما بياء التذكير. وقرأ حمزة وعاصم: وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً بفتح ضم الضاد، وقرأ غيرهما بضمها. وقرأ شعبة وحمزة وحفص بخلف عنه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً، بفتح الضاد في الألفاظ الثلاثة، وقرأ الباقون
بضمها فيها وهو الوجه الثاني لحفص. وقرأ أبو عمرو: أن تكون له أسرى بتاء التأنيث، وقرأ غيره بياء التذكير. وقرأ كذلك: قل لّمن فى أيديكم من الأسارى بضم الهمزة وفتح السين وألف بعدها على زنة كسالي وقرأ غيره مِنَ الْأَسْرى بفتح الهمزة وسكون السين على زنة القتلى، ولا خلاف بين السبعة في قراءة أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى بفتح الهمزة وسكون السين.
724 - ولايتهم بالكسر فز وبكهفه ... شفا ومعا إنّي بياءين أقبلا
قرأ حمزة: ما لكم من ولاياتهم، هنا بكسر الواو، وقرأ غيره بفتحها. وقرأ حمزة والكسائي الولية لله الحقّ في سورة الكهف بكسر الواو، وقرأ غيرهما بفتحها، وفي السورة ياءان من ياءات الإضافة: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ.

37 باب فرش حروف سورة التوبة [725 - 737]
725 - ويكسر لا إيمان عند ابن عامر ... ووحّد حقّ مسجد الله الاوّلا
قرأ ابن عامر: إنهم لا إيمان لهم بكسر همزة أَيْمانَ وقرأ الباقون بفتحها.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ، بالتوحيد وقرأ غيرهما بالجمع والتقيد بالموضع الأول وهو المذكور للاحتراز عن الموضع الثاني وهو:
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ فقد اتفق القراء على قراءته بالجمع.
726 - عشيراتكم بالجمع صدق ونوّنوا ... عزير رضا نصّ وبالكسر وكّلا
(1/281)

قرأ شعبة: وعشيراتكم بألف بعد الراء على الجمع، وقرأ غيره بحذف الألف على الإفراد. وقرأ الكسائي وعاصم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. بتنوين الراء مع كسر التنوين في الوصل للتخلص من التقاء الساكنين، وقرأ الباقون بترك التنوين.
727 - يضاهون ضمّ الهاء يكسر عاصم ... وزد همزة مضمومة عنه واعقلا
يكسر عاصم ضم هاء (يضاهئون) ويزيد همزة مضمومة بعد الهاء ويقرأ غيره بضم الهاء وحذف الهمزة.
728 - يضلّ بضمّ الياء مع فتح ضاده ... صحاب ولم يخشوا هناك مضلّلا
قرأ حفص وحمزة والكسائي: يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بضم الياء وفتح الضاد، فتكون قراءة الباقين بفتح الياء وكسر الضاد. وقوله: (ولم يخشوا هناك مضللا) معناه: أنّ حفصا وحمزة والكسائي ومن قرأ بقراءتهم لا يخافون من ينسب إليهم الضلال ويعيبهم في قراءتهم.
[تصوير]
729 - وأن تقبل التّذكير شاع وصاله ... ورحمة المرفوع بالخفض فاقبلا
قرأ حمزة والكسائي: أن يقبل منهم نفقاتهم بياء التذكير فتكون قراءة غيرهما بتاء التأنيث. وقرأ حمزة: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بخفض رفع التاء، فتكون قراءة غيره برفع التاء.
730 - ويعف بنون دون ضمّ وفاؤه ... يضمّ تعذّب تاه بالنّون وصّلا
731 - وفي ذاله كسر وطائفة بنص ... ب مرفوعه عن عاصم كلّه اعتلا
قرأ عاصم: إِنْ نَعْفُ بنون غير مضمومة فتكون مفتوحة وبضم الفاء نُعَذِّبْ بالنون في مكان التاء مع كسر الذال طائفة بنصب رفع التاء، فتكون قراءة الباقين ويعف بياء مضمومة مع فتح الفاء ونُعَذِّبْ بالتاء في موضع النون مع فتح الذال وطائفة برفع التاء.
732 - وحقّ بضمّ السّوء مع ثان فتحها ... وتحريك ورش قربة ضمّه جلا
(1/282)

قرأ ابن كثير وأبو عمرو: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ* هنا، والموضع الثاني من سورة الفتح وهو عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ* بضم السين في الموضعين فتكون قراءة الباقين بفتح السين فيهما واحترز بقوله: (مع ثان فتحها) عن الموضع الأول فيها وهو الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وعن الموضع الثالث فيها وهو وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ، فقد اتفق القراء على فتح السين فيهما. وقرأ ورش: أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ بتحريك الراء بالضم فتكون قراءة غيره بإسكانها.
733 - ومن تحتها المكّي يجرّ وزاد من ... صلاتك وحّد وافتح التّا شذا علا
734 - ووحّد لهم في هود ترجئ همزه ... صفا نفر مع مرجئون وقد حلا
قرأ ابن كثير: من تحتها الأنهار في الآية المصدرة بقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأول بزيادة حرف جر «من» وجر تاء تَحْتَهَا فتكون قراءة غيره بحذف حرف الجر «من» ونصب تاء تحتها، وتقييد من تحتها بالموضع المذكور للاحتراز عن الموضع الذي قبل إِنَّمَا السَّبِيلُ فقد اتفق القراء على قراءته بإثبات حرف الجر وخفض تاء تحتها، وكان على الناظم أن يقيد الموضع الذي اختلف فيه القراء؛ ليحترز عن الذي اتفقوا عليه. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ بالتوحيد وفتح التاء، وقرأ غيرهم
بالجمع وكسر التاء. وقرأ أيضا حمزة والكسائي وحفص: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ في هود بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع مع رفع التاء في القراءتين. وقرأ شعبة وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ في الأحزاب بهمزة مضمومة في مكان الياء، وآخرون مرجئون هنا بزيادة همزة مضمومة بعد الجيم، فتكون قراءة الباقين بياء ساكنة مدية في مكان الهمزة في موضع الأحزاب وبحذف الهمزة المضمومة هنا، ويؤخذ ضم الهمزة للهامزين من قواعد اللغة.
735 - وعمّ بلا واو الّذين وضمّ في ... من اسّس مع كسر وبنيانه ولا
قرأ نافع وابن عامر: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً بغير واو قبل الذين فتكون قراءة غيرهما بالواو. وقرآ أيضا أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ، أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ.
بضم الهمزة وكسر
(1/283)