Advertisement

الهادي شرح طيبة النشر في القراءات العشر 002



الكتاب: الهادي شرح طيبة النشر في القراءات العشر
المؤلف: محمد محمد محمد سالم محيسن (المتوفى: 1422هـ)
الناشر: دار الجيل - بيروت
الطبعة: الأولى، 1417 هـ - 1997 م
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] 7 - «يؤتين» من قوله تعالى: فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ (سورة الكهف الآية 40).
8 - «تتبعن» من قوله تعالى: أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (سورة طه الآية 93).
9 - «أخرتن» في الإسراء من قوله تعالى: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ (سورة الإسراء الآية 62).
وقيّد الناظم موضع الخلاف في «أخرتن» بالإسراء، احترازا من أخرتني» في المنافقون، من قوله تعالى: فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ (سورة المنافقون الآية 10) فإنه اتفق القراء على إثبات الياء في الحالين.
قال ابن الجزري:
..... ... ..... وفي ترن
واتّبعون أهد بي حقّ ثما ... .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالباء من «بي» ومدلول «حقّ» والمرموز له بالثاء من «ثما» وهم: «قالون، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو جعفر» قرءوا بإثبات الياء في الكلمتين الآتيتين حسب قواعدهم المتقدمة:
1 - «ترن» من قوله تعالى: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (سورة الكهف الآية 39).
2 - «اتبعون أهدكم» من قوله تعالى: اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (سورة غافر الآية 38).
وقيد الناظم موضع الخلاف «في اتبعون» ب «أهد» ليخرج و «اتبعون» في الزخرف من قوله تعالى: وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (سورة الزخرف الآية 61) فإنه سيأتي حكمها في قول الناظم: «واتّبعون زخرف ثوى حلا».
قال ابن الجزري:
..... ... ويأت هود نبغ كهف رم سما
(1/412)

المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالراء من «رم» ومدلول «سما» وهم:
«الكسائي، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» قرءوا بإثبات الياء في الكلمتين الآتيتين حسب مذاهبهم المتقدمة:
1 - «يأت» في «هود» من قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ (سورة هود الآية 105).
وقيّد الناظم موضع الخلاف في «يأت» بهود، ليخرج ما عداه نحو قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ (سورة البقرة الآية 258) فإنه لا خلاف في اثبات الياء في ذلك.
2 - «نبغ في الكهف» من قوله تعالى: قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ (سورة الكهف الآية 64).
وقيّد الناظم موضع الخلاف في «نبغ» ب «الكهف» ليخرج التي في يوسف من قوله تعالى: قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي (سورة يوسف الآية 65) فإنه لا خلاف في إثبات الياء في ذلك.
قال ابن الجزري:
تؤتون ثب حقّا ..... ... .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالثاء من «ثب» ومدلول «حقّا» وهم:
«أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» قرءوا بإثبات الياء في «تؤتون» من قوله تعالى: قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ (سورة يوسف الآية 66).
قال ابن الجزري:
..... ... ويرتع يتّقي
يوسف زن خلفا .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالزاي من «زن» وهو: «قنبل» بخلف عنه قرأ بإثبات الياء في الحالين في الكلمتين الآتيتين:
(1/413)

1 - «نرتع» من قوله تعالى: أرسله معنا غدا نرتع ونلعب (سورة يوسف الآية 12).
2 - «يتق» من قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (سورة يوسف الآية 90).
قال ابن الجزري:
..... ... ..... وتسألن ثق
حما جنى الدّاع إذا دعان هم ... مع خلف قالون .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالثاء من «ثق» ومدلول «حما» والمرموز له بالجيم من «جنى» وهم: «أبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب، والأزرق» قرءوا بإثبات الياء حسب قواعدهم في «تسألن» في «هود» من قوله تعالى: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (سورة هود الآية 46). أما «تسألن» في «الكهف» من قوله تعالى: فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (سورة الكهف الآية 70) فسيأتي حكمه في قول الناظم:
..... وثبت ... تسألن في الكهف وخلف الحذف مت
ثم أخبر الناظم أن من عاد عليه الضمير في قوله: «هم» وهم: «أبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب، والأزرق، وقالون» بخلف عنه أثبتوا الياء في الكلمتين الآتيتين حسب قواعدهم المتقدمة:
1 - 2 - «الداع، دعان» من قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ (سورة البقرة الآية 186).
قال ابن الجزري:
..... ... ..... ويدع الدّاع حم
هد جد ثوى ..... ... .....
(1/414)

المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالحاء من «حم» والهاء من «هد» والجيم من «جد» ومدلول «ثوى» وهم: «أبو عمرو، والبزّي، والأزرق، وأبو جعفر، ويعقوب» قرءوا بإثبات الياء حسب قواعدهم في كلمة واحدة وهي:
1 - «الداع» التي قبلها «يدع» من قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (سورة القمر الآية 6).
وقيّد الناظم موضع الخلاف في «الداع» بالتي قبلها «يدع» ليخرج ما عداه وهو في موضعين وهما في قوله تعالى:
1 - مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ (سورة القمر الآية 8). فقد تقدم حكمه أثناء قول الناظم: «يسر إلى الدّاع» الخ.
2 - فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ (سورة البقرة الآية 186). فقد تقدم حكمه أثناء قول الناظم: الداع إذا دعان هم مع خلف قالون.
قال ابن الجزري:
..... والباد ثق حقّ جنن ... .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالثاء من «ثق» ومدلول «حقّ» والمرموز له بالجيم من «جن» وهم: «أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، والأزرق» قرءوا بإثبات الياء حسب قواعدهم المتقدمة في كلمة واحدة هي:
«والباد» من قوله تعالى: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ (سورة الحج الآية 25).
قال ابن الجزري:
..... ... والمهتدي لا أوّلا واتّبعن
وقل حما مدا ..... ... .....
المعنى: أخبر الناظم أن مدلول «حما» ومدلول «مدا» وهم: «أبو عمرو، ويعقوب، ونافع، وأبو جعفر» قرءوا بإثبات الياء في كلمتين حسب قواعدهم المتقدمة، والكلمتان هما:
(1/415)

1 - «المهتد» غير الموضع الأول، وقد جاء في موضعين وهما في قوله تعالى:
ومن يهد الله فهو المهتد (سورة الإسراء الآية 97).
من يهد الله فهو المهتد (سورة الكهف الآية 17).
أما الموضع الأول فهو في سورة «الأعراف» من قوله تعالى: من يهدى الله فهو المهتدي (سورة الأعراف الآية 178) فقد اتفق القراء على إثبات الياء وصلا ووقفا اتباعا للرسم.
2 - «اتّبعن» التي بعدها «وقل» من قوله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ (سورة آل عمران الآية 20).
وقيّد الناظم «اتّبعن» ب «قل» احترازا من «اتبعني» التي ليس بعدها «وقل» من قوله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (سورة يوسف الآية 108) فقد اتفق القراء على إثبات الياء في الحالين اتباعا للرسم.
قال ابن الجزري:
..... وكالجواب جا ... حقّ .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالجيم من «جا» ومدلول «حقّ» وهم:
«الأزرق، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» قرءوا بإثبات الياء حسب قواعدهم في كلمة واحدة وهي: «كالجواب» من قوله تعالى: وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ (سورة سبأ الآية 13).
قال ابن الجزري:
..... ... ..... تمدّونن في سما وجا
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالفاء من «في» ومدلول «سما» وهم:
«حمزة، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» قرءوا بإثبات الياء حسب قواعدهم في كلمة واحدة وهي: «أتمدونن» من قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ (سورة النمل الآية 36).
(1/416)

تنبيه: «أتمدونن» هذا هو الذي تقدم أن «حمزة» أثبت ياءه في الحالين، أثناء شرح قول الناظم: «وأوّل النّمل فدا».
وتقدم أيضا في «باب الإدغام الكبير» أن «حمزة، ويعقوب» يدغمان «النون» في «النون» والدليل على ذلك قول الناظم:
..... ... وفي تمدّونن فضله ظرف
قال ابن الجزري:
تخزون في اتّقون يا اخشون ولا ... واتّبعون زخرف ثوى حلا
خافون إن أشركتمون قد هدا ... ن عنهم .....
المعنى: أخبر الناظم أن مدلول «ثوى» والمرموز له بالحاء من «حلا» وهم:
«أبو جعفر، ويعقوب، وأبو عمرو» قرءوا بإثبات الياء في الكلمات الآتية حسب قواعدهم:
1 - «ولا تخزون» التي بعدها «في» من قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي (سورة هود الآية 78).
وقيّد الناظم «ولا تخزون» بالتي بعدها «في» ليخرج «ولا تخزون» التي في سورة الحجر في قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (سورة الحجر الآية 69) فإنه ليس بعدها «في» ويثبتها «يعقوب» فقط، وسيأتي النصّ على ذلك أثناء قول الناظم: «وكلّ روس الآي ظل».
2 - «اتقون» التي بعدها «يا» من قوله تعالى: وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (سورة البقرة الآية 197).
وقيّد الناظم «اتقون» بالتي بعدها «يا» ليخرج غيرها نحو قوله تعالى:
وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (سورة البقرة الآية 41). فإن ذلك يثبته «يعقوب» فقط، وسيأتي النصّ على ذلك أثناء قول الناظم: «وكلّ روس الآي ظل».
3 - «اخشون» التي بعدها «ولا» من قوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا (سورة المائدة الآية 44).
(1/417)

وقيّد الناظم «اخشون» بالتي بعدها «ولا» ليخرج غيرها نحو قوله تعالى:
فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ (سورة البقرة الآية 150).
4 - «واتبعون» التي في سورة «الزخرف» من قوله تعالى: وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (سورة الزخرف الآية 61).
وقيّد الناظم «واتبعون» بسورة «الزخرف» ليخرج غيرها نحو قوله تعالى:
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (سورة آل عمران الآية 31). وقوله تعالى: فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (سورة طه الآية 90) فإنه لا خلاف بين القراء في إثبات الياء فيهما اتباعا للرسم. وليخرج أيضا اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (سورة غافر الآية 38) فإنه تقدم بيان الخلاف في هذا الموضوع أثناء شرح قول الناظم:
واتّبعون أهد في حقّ ثما ... ... .....
5 - «خافون» من قوله تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (سورة آل عمران الآية 175).
6 - «أشركتمون» من قوله تعالى: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ (سورة إبراهيم الآية 22).
7 - «هدان» التي قبلها «قد» من قوله تعالى: قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ (سورة الأنعام الآية 80).
وقيّد الناظم «هدان» بالتي قبلها «قد» احترازا من نحو قوله تعالى: أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (سورة الزمر الآية 57) فإن الياء ثابتة لجميع القراء اتباعا لرسم المصحف.
قال ابن الجزري:
..... ... ..... كيدون الاعراف لدى
خلف حما ثبت ..... ... .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له باللام من «لدى» ومدلول «حما» والمرموز له بالثاء من «ثبت» وهم: «أبو عمرو، ويعقوب، وأبو جعفر، وهشام» بخلف عنه، أثبتوا الياء حسب قواعدهم في كلمة واحدة وهي: «كيدون» التي
(1/418)

في سورة «الأعراف» من قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (سورة الأعراف الآية 195).
وقيّد الناظم «كيدون» بسورة «الأعراف» احترازا من قوله تعالى: مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (سورة هود الآية 55) فإن الياء ثابتة لجميع القراء اتباعا لرسم المصحف.
واحترازا من قوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (سورة المرسلات الآية 39). فإن الياء ثابتة ل «يعقوب» عملا بقول الناظم فيما سيأتي:
..... ... ..... وكلّ روس الآي ظل
قال ابن الجزري:
..... فاتّقوا ... خلف غنى .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالغين من «غنى» وهو: «رويس» أثبت الياء في «فاتقون» بخلف عنه حسب مذهبه وذلك من قوله تعالى: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (سورة الزمر الآية 16).
قال ابن الجزري:
..... ... ..... بشّر عباد افتح يقوا
بالخلف والوقف يلي خلف ظبى ... .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالياء من «يقوا» وهو: «السوسي» أثبت الياء مفتوحة وصلا بخلف عنه في «عباد» التي قبلها «بشر» من قوله تعالى:
فَبَشِّرْ عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (سورة الزمر الآيتان 17 - 18). وله أيضا الإثبات والحذف حالة الوقف.
كما أخبر الناظم أن المرموز له بالظاء من «ظبى» وهو: «يعقوب» أثبت الياء في الحالين من «عباد» من قوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ (سورة الزمر الآيتان 17 - 18) وقيّد الناظم «عباد» ب «بشّر» ليخرج غيرها.
(1/419)

قال ابن الجزري:
..... ... آتان نمل وافتحوا مدا غبى
حز عد وقف ظعنا وخلف عن حسن ... بن زر .....
المعنى: أخبر الناظم أن القراء اختلفوا في «ءاتان» في «النمل» من قوله تعالى: فما آتان الله خير مما آتاكم (سورة النمل الآية 36) فأثبتها مفتوحة وصلا مدلول «مدا» والمرموز له بالغين من «غبى» والحاء من «حز» والعين من «عد» وهم: «نافع، وأبو جعفر، ورويس، وأبو عمرو، وحفص».
ووقف عليها بالياء بلا خلاف المرموز له بالظاء من «ظعنا» وهو «يعقوب».
ووقف عليها بالياء بالخلاف المرموز له بالعين من «عن» والحاء من «حسن» والباء من «بن» والزاي من «زر» وهم: «حفص، وأبو عمرو، وقالون، وقنبل».
قال ابن الجزري:
..... ... ..... يردن افتح كذا تتّبعن
وقف ثنا ..... ... .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالثاء من «ثنا» وهو: «أبو جعفر» قرأ بفتح الياء وصلا، وأثبتها وقفا في كلمتين هما:
1 - «يردن» من قوله تعالى: إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً (سورة يس الآية 23).
2 - «تتبعن» من قوله تعالى: أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (سورة طه الآية 93).
قال ابن الجزري:
..... وكلّ روس الآي ظل ... وافق بالواد دنا جد وزحل
بخلف وقف ..... ... .....
(1/420)

المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالظاء من «ظل» وهو: «يعقوب» قرأ بإثبات الياء في الحالين من الياءات المحذوفة رسما في رءوس الآي في جميع القرآن نحو «دعاء» من قوله تعالى: رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (سورة إبراهيم الآية 40).
ثم أخبر الناظم أن المرموز له بالدال من «دنا» والجيم من «جد» وهما:
«ابن كثير، والأزرق» وافقا «يعقوب» في إثبات «الياء» من «بالواد» من قوله تعالى: وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (سورة الفجر الآية 9) فابن كثير يثبت الياء في الحالين، والأزرق يثبتها وصلا فقط.
ثم أخبر الناظم أن المرموز له بالزاي من «زحل» وهو «قنبل» وافق «يعقوب» أيضا في إثبات الياء من «بالواد» حالة الوقف فقط بخلف عنه، والوجهان صحيحان.
قال ابن الجزري:
..... ودعاء في جمع ... ثق حط زكا الخلف هدى .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالفاء من «في» والجيم من «جمع» والثاء من «ثق» والحاء من «حط» والزاي من «زكا» والهاء من «هدى» وهم: «حمزة، والأزرق، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والبزّي، وقنبل» بخلف عنه، وافقوا «يعقوب» في إثبات «الياء» من «دعاء» من قوله تعالى: رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (سورة إبراهيم الآية 40). فأثبتها وصلا فقط: أبو عمرو، وحمزة، وأبو جعفر، والأزرق». وأثبتها في الحالين «البزّي».
واختلف عن «قنبل»: فروى بعضهم عنه حذفها في الحالين، والبعض الآخر إثباتها في الحالين، والبعض حذفها وصلا، وأثبتها وقفا، والكل صحيح عنه.
قال ابن الجزري:
..... ... ..... التّلاق مع
تناد خذ دم جل وقيل الخلف بر ... .....
(1/421)

المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالخاء من «خذ» والدال من «دم» والجيم من «جل» والباء من «بر» وهم: «ابن وردان، وابن كثير، والأزرق، وقالون» بخلف عنه وافقوا «يعقوب» في إثبات الياء في كلمتين وهما:
1 - «التلاق» من قوله تعالى: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (سورة غافر الآية 15).
2 - «التناد» من قوله تعالى: وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (سورة غافر الآية 32).
فأثبت الياءين وصلا فقط «ابن وردان، والأزرق، وقالون» بخلف عنه.
وأثبتهما في الحالين «ابن كثير».
قال ابن الجزري:
..... ... والمتعال دن .....
أخبر الناظم أن المرموز له بالدال من «دن» وهو: «ابن كثير» وافق «يعقوب» في إثبات الياء في الحالين في كلمة واحدة هي: «المتعال» من قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (سورة الرعد الآية 9).
قال ابن الجزري:
..... ... ..... وعيد ونذر
يكذّبون قال مع نذيري ... فاعتزلون ترجمو نكيري
تردين ينقذون جود ..... ... .....
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالجيم من «جود» وهو: «الأزرق» وافق «يعقوب» في إثبات الياءات الآتية وصلا فقط:
1 - «وعيد» في ثلاثة مواضع وهي:
ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (سورة إبراهيم الآية 14).
كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (سورة ق الآية 14).
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (سورة ق الآية 45).
(1/422)

2 - «نذر» في المواضع الستة في سورة القمر رقم 16، 18، 21، 30، 37، 39.
3 - «يكذبون» التي بعدها «قال» من قوله تعالى: إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ* قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ (سورة القصص الآيتان 34 - 35).
وقيّد الناظم «يكذبون» بالتي بعدها «قال» احترازا عن نحو قوله تعالى:
قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ* وَيَضِيقُ صَدْرِي (سورة الشعراء الآيتان 12 - 13).
4 - «نذير» من قوله تعالى: فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (سورة الملك الآية 17).
5 - «فاعتزلون» من قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (سورة الدخان الآية 21).
6 - «ترجمون» من قوله تعالى: وإن عذت بربي وربكم أن ترجمون (سورة الدخان الآية 20).
7 - «نكير» في المواضع الأربعة من قوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (سورة الحج الآية 44 وسبأ الآية 45 وفاطر الآية 26 والملك الآية 18).
8 - «تردين» من قوله تعالى: قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (سورة الصافات الآية 56).
9 - «ينقذون» من قوله تعالى: لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (سورة يس الآية 23).
قال ابن الجزري:
..... أكرمن ... أهانن هدا مدا والخلف حن
المعنى: أخبر الناظم أن المرموز له بالهاء من «هدا» ومدلول «مدا» والحاء من «حن» وهم: «البزّي، ونافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو» بخلف عنه، وافقوا «يعقوب» في إثبات الياء من كلمتين هما:
1 - «أكرمن» من قوله تعالى: فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (سورة الفجر الآية 15).
2 - «أهانن» من قوله تعالى: فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (سورة الفجر الآية 16). فالبزّي
(1/423)

أثبت الياء فيهما في الحالين. و «نافع، وأبو جعفر» أثبتا الياء فيهما وصلا فقط. و «أبو عمرو» أثبتهما وصلا بالخلاف.
قال ابن الجزري:
وشذّ عن قنبل غير ما ذكر ... .....
المعنى: أخبر الناظم رحمه الله تعالى أن ما ذكره من إثبات الياءات الزائدة عن «قنبل» هو الصحيح الذي ثبتت روايته وتواترت. ومن ذكر عنه شيئا غير ذلك يعتبر شاذّا لا تجوز القراءة به.
قال ابن الجزري:
..... ... والأصبهانيّ كالأزرق استقر
مع ترن اتّبعون ..... ... .....
المعنى: من الاصطلاحات العامة التي اصطلح عليها الناظم ما جاء في قوله في المقدمة:
وحيث جا رمز لورش فهوا ... لأزرق لدى الأصول يروى
والأصبهانيّ كقالون وإن ... سمّيت ورشا فالطّريقان إذن
ونظرا لأن «الأصبهاني» ورد عنه من الطرق الصحيحة إثبات جميع الياءات التي أثبتها «الأزرق». نبّه الناظم على ذلك بقوله هنا: والأصبهانيّ كالأزرق استقر أي أن الأصبهاني أثبت جميع الياءات التي أثبتها «الأزرق».
ثم أخبر الناظم أن «الأصبهاني» زاد على ما أثبته «الأزرق» وأثبت الياء في كلمتين وصلا فقط، وهما:
1 - «ترن» من قوله تعالى: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (سورة الكهف الآية 39).
(1/424)

2 - «اتبعون» من قوله تعالى: يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (سورة غافر الآية 38).
قال ابن الجزري:
..... وثبت ... تسألن في الكهف وخلف الحذف مت
المعنى: أخبر الناظم رحمه الله تعالى أن جميع القراء عدا «ابن ذكوان» اثبتوا الياء في «تسألني» من قوله تعالى: قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (سورة الكهف الآية 70) وذلك اتباعا لرسم المصحف.
سوى أن المرموز له بالميم من «مت» وهو: «ابن ذكوان» ورد عنه في هذه الياء الخلاف في إثبات الياء وحذفها وصلا ووقفا. والوجهان صحيحان، وقد قرأت بهما. والحمد لله رب العالمين.
تمّ باب مذاهبهم في ياءات الزوائد ولله الحمد والشكر
(1/425)

«باب إفراد القراءات وجمعها»
قال ابن الجزري:
وقد جرى من عادة الأئمّة ... إفراد كلّ قارئ بختمه
حتّى يؤهّلوا لجمع الجمع ... بالعشر أو أكثر أو بالسّبع
المعنى: قال ابن الجزري في النشر ما معناه: «لم يتعرض أحد من أئمة القراءة في تواليفهم لهذا الباب، وقد أشار إليه «أبو القاسم الصفراوي» ت 636 هـ في «إعلانه» ولم يأت بطائل.
وهو باب عظيم الفوائد، كثير النفع، جليل الخطر، بل هو ثمرة ما تقدم في أبواب هذا الكتاب من الأصول، ونتيجة تلك المقدمات والفصول.
والسبب الموجب لعدم تعرض المتقدمين إليه هو عظم هممهم، وكثرة حرصهم، ومبالغتهم في الإكثار من هذا العلم، واستيعاب رواياته.
ولقد كانوا في الحرص والطلب بحيث إنهم يقرءون بالرواية الواحدة على الشيخ الواحد عدّة ختمات لا ينتقلون إلى غيرها. ولقد قرأ «الأستاذ أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري» القيرواني القراءات السبع على شيخه: «أبي بكر القصري» تسعين ختمة، كلما ختم ختمة قرأ غيرها حتى أكمل ذلك في مدّة عشر سنين. وكانوا يقرءون على الشيخ الواحد العدّة من الروايات، والكثير من القراءات كل ختمة برواية، لا يجمعون رواية إلى غيرها. وهذا الذي كان عليه الصدر الأول، ومن بعدهم إلى أثناء المائة الخامسة عصر «الداني، وابن شيطا،
(1/427)

والأهوازي، والهذلي» ومن بعدهم. فمن ذلك الوقت ظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة، واستمر إلى زماننا.
وكان بعض الأئمة يكره ذلك من حيث إنه لم تكن عادة السلف عليه.
ولكن الذي استقرّ عليه العمل هو الأخذ به، والتقرير عليه، وتلقيه بالقبول.
وإنما دعاهم إلى ذلك فتور الهمم، وقصد سرعة الترقي، والانفراد، ولم يكن أحد من الشيوخ يسمح به إلا لمن أفرد القراءات، وأتقن معرفة الطرق والروايات، وقرأ لكل قارئ ختمة على حدة. ولم يسمح أحد بقراءة قارئ من الأئمة السبعة، أو العشرة في ختمة واحدة فيما أحسب إلّا في هذه الأعصار المتأخرة «1».
قال ابن الجزري:
وجمعنا نختاره بالوقف ... وغيرنا يأخذه بالحرف
بشرطه فليسرع وقفا وابتدأ ... ولا يركّب وليجد حسن الأدا
فالماهر الّذي إذا ما وقفا ... يبدا بوجه من عليه وقفا
يعطف أقربا به فأقربا ... مختصرا مستوعبا مرتّبا
المعنى: قال ابن الجزري في النشر ما معناه: للشيوخ في كيفية الأخذ بالجمع مذهبان:
أحدهما: الجمع بالحرف: وهو: أن يشرع القارئ في القراءة فإذا مرّ بكلمة فيها خلف أصوليّ، أو فرشيّ، أعاد تلك الكلمة بمفردها حتى يستوفي ما فيها من الخلاف، فإن
كانت مما يسوغ الوقف عليه وقف، واستأنف ما بعدها على الحكم المذكور، وإلّا وصلها بآخر وجه انتهى عليه حتى ينتهي إلى وقف فيقف.
وإن كان الخلف مما يتعلق بكلمتين كمدّ المنفصل، والسكت على ذي
__________
(1) انظر: النشر في القراءات العشر ج 2/ 194 - 195.
(1/428)

كلمتين وقف على الكلمة الثانية واستوعب الخلاف، ثم انتقل إلى ما بعدها على ذلك الحكم.
وهذا مذهب «المصريين» وهو أوثق في استيفاء أوجه الخلاف، وأسهل في الأخذ، وأخصر، ولكنه يخرج عن رونق القراءة، وحسن أداء التلاوة.
المذهب الثاني: الجمع بالوقف: وهو إذا شرع القارئ بقراءة من قدّمه لا يزال بذلك الوجه حتى ينتهي إلى وقف يسوغ الابتداء بما بعده فيقف ثم يعود إلى القارئ الذي بعده إن لم يكن دخل خلفه فيما قبله، ولا يزال حتى يقف على الوقف الذي وقف عليه، ثم يفعل ذلك بقارئ قارئ حتى ينتهي الخلف، ويبتدئ بما بعد ذلك الوقف على هذا الحكم. وهذا مذهب الشاميين، وهو أشدّ في الاستحضار، وأسدّ في الاستظهار، وأطول زمانا، وأجود إمكانا.
ثم يقول «ابن الجزري»: ولكني ركبت من المذهبين مذهبا، فجاء في محاسن الجمع طرازا مذهبا: فأبتدئ بالقارئ، وأنظر إلى من يكون من القرّاء أكثر موافقة له فإذا وصلت إلى كلمة بين القارئين فيها خلف وقفت وأخرجته معه ثم وصلت حتى أنتهي إلى الوقف السائغ جوازه وهكذا حتى ينتهي الخلاف.
ثم يقول «ابن الجزري»: يشترط على جامعي القراءات أربعة شروط لا بدّ منها وهي: رعاية الوقف، والابتداء، وحسن الأداء، وعدم التركيب. أمّا رعاية الترتيب، والتزام تقديم شخص بعينه، أو نحو ذلك فلا يشترط.
وكثير من الناس يرى تقديم «قالون» أوّلا كما هو مرتب في هذه الكتب المشهورة «1».
وأقول: لقد قرأت ختمتين كاملتين على شيخي لمرحوم «الشيخ عامر السيد عثمان».
الأولى: بالقراءات العشر بمضمّن الشاطبية، والدة.
والأخرى: بمضمن الطيبة في القراءات العشر.
__________
(1) انظر: النشر في القراءات العشر ج 2/ 201 فما بعدها.
(1/429)

وكانت قراءتي بطريق الجمع بالوقف: وكنت افتتح القراءة ب «قالون» ثم أعطف عليه القارئ الذي قراءته أقرب إلى آخر الآية ما لم تكن قراءته قد اندرجت مع «قالون». وهكذا حتى أقرأ بجميع القراءات لجميع القراء أصولا وفرشا.
قال ابن الجزري:
وليلزم الوقار والتّأدّبا ... عند الشّيوخ إن يرد أن ينجبا
المعنى: يقدّم «ابن الجزري» رحمه الله تعالى نصيحة جليلة لقراء القرآن، فيقول: على كل قارئ أن يلتزم بآداب الإسلام: فعليه أن يكون مؤدبا بآداب الإسلام، متخلقا بأخلاق تعاليم القرآن فيكون مؤدبا مع شيخه، موقّرا له، ناظرا له بعين الحبّ والحنان. وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه يقول:
اللهمّ أخف عيب معلمي عنّي فلا تذهب بركة علمه منّي.
قال ابن الجزري:
وبعد إتمام الأصول نشرع ... في الفرش والله إليه نضرع
المعنى: يقول «ابن الجزري» رحمه الله تعالى بعد أن وفقني الله تعالى وأتممت نظم أصول القراءات العشر في طريق «كتاب النشر» فإني سأشرع بعون الله تعالى وتوفيقه في نظم القراءات المعروفة في اصطلاح القرّاء ب «فرش الحروف» مبتدئا بسورة «البقرة» منتهيا «بباب التكبير» والله أعلم.
تمّ باب مذاهبهم في إفراد القراءات وجمعها ولله الحمد والشكر وبهذا ينتهي الجزء الأول من كتاب الهادي شرح طيبة النشر في القراءات العشر والكشف عن علل القراءات وتوجيهها ويليه الجزء الثاني وأوله «سورة الفاتحة».
(1/430)

[الجزء الثانى]
بسم الله الرحمن الرحيم
عن «ابن شهاب» رضي الله عنه قال:
حدّثني «عبيد الله بن عبد الله أن «عبد الله بن عباس» رضي الله عنهما حدّثه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أقرأني جبريل على حرف واحد فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتّى انتهى إلى سبعة أحرف» اه.
أخرجه البخاري ومسلم
(2/5)

سورة الفاتحة
قال ابن الجزري:
مالك نل ظلّا روى
.......... ... ..........
المعنى: قرأ «عاصم، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «ملك» من قوله تعالى: ملك يوم الدين (سورة الفاتحة آية 3).
بإثبات ألف بعد الميم، على أنه اسم فاعل من «ملك».
والمالك بالألف هو المتصرف في الأعيان المملوكة كيف يشاء.
وقرأ الباقون «ملك» بحذف الألف، وكسر اللام والكاف، على وزن «حذر» على أنه صيغة مبالغة.
والملك بحذف الألف: هو التصرف بالأمر والنهي في المأمورين.
وقد حذفت الألف في الرسم من ملك يوم الدين للإشارة إلى قراءة حذف الألف.

تنبيه:
«ملك» من قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ (سورة آل عمران آية 26) لا خلاف بين القراء العشرة في قراءته «مالك» بإثبات ألف بعد الميم، وفتح الكاف.
قال «الراغب الأصفهاني» في مادة «ملك»: «الملك» بفتح الميم وكسر اللام: هو المتصرف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختص بسياسة الناطقين، ولهذا يقال: «ملك الناس» ولا يقال: «ملك الأشياء». وقوله تعالى: ملك يوم الدين فتقديره: الملك في يوم الدين، وذلك لقوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ
(2/7)

الْواحِدِ الْقَهَّارِ (سورة غافر آية 16). «1» وقال «الزبيدي» ت 1205 هـ في مادة «ملك»: يقال: «ملكه يملكه ملكا مثلثة» «2».
و «الملك» بفتح الميم واللام: واحد الملائكة اه «3».
قال ابن الجزري:
........ الصراط مع ... صراط زن خلفا غلا كيف وقع
والصاد كالزاي ضفا الأول قف ... وفيه والثاني وذي اللام اختلف
وباب أصدق شفا والخلف غر ... يصدر غث شفا المصيطرون ضر
ق الخلف مع مصيطر والسين لي ... وفيهما الخلف زكيّ عن ملي
المعنى: اختلف القراء العشرة في لفظي: الصراط، وصراط، المعرف والمنكر، حيثما وقعا في القرآن الكريم:
فقرأ «رويس، وقنبل» بخلف عنه بالسين حيثما وقعا، وذلك على الأصل، لأنه مشتق من السرط: وهو البلع، وهي لغة عامة العرب. ومما يدل على أن السين هي الأصل أنه لو كانت الصاد هي الأصل لم تردّ إلى السين، وذلك لضعف السين عن الصاد، وليس من أصول كلام العرب أن يردّوا القويّ إلى الضعيف، وإنما أصولهم في الحروف عند الإبدال أن يردّوا الأضعف إلى الأقوى.
وقرأ «خلف» عن حمزة بالصاد المشمّة صوت الزاي حيثما وقعا في القرآن، وهي لغة «قيس».
وحجة من قرأ بالإشمام أنه لما رأى الصاد فيها مخالفة للطاء في صفة «الجهر» أشمّ الصاد صوت الزاي، وذلك للجهر الذي فيها، فصار قبل الطاء حرف يشبهها في «الإطباق، والجهر» وحسن ذلك لأن الراء تخرج من مخرج
__________
(1) انظر المفردات في غريب القرآن ص 472.
(2) انظر تاج العروس شرح القاموس ج 7 ص 180.
(3) انظر تاج العروس شرح القاموس ج 7 ص 182.
(2/8)

السين، والصاد مؤاخية لها في صفتي: «الصفير والرخاوة». واختلف عن «خلاد» على أربع طرق:
الأولى: الإشمام في الأول من الفاتحة فقط.
الثانية: الإشمام في حرفي الفاتحة فقط.
الثالثة: الإشمام في المعرف باللام في الفاتحة وجميع القرآن.
الرابعة: عدم الإشمام في الجميع.
وقرأ الباقون من القراء العشرة بالصاد الخالصة في جميع القرآن، وهو الوجه الثاني عن «قنبل» وهو لغة «قريش».
تنبيه: قال «ابن الجزري»: واختلف عن «قنبل» في «الصراط، وصراط» فرواه عنه بالسين «ابن مجاهد» وهي رواية «أحمد بن ثوبان» عن «قنبل» ورواية «الحلواني» عن «القوّاس».
ورواه عنه «ابن شنبوذ» بالصاد، وكذلك سائر الرواة عن «قنبل» ثم قال:
واختلف عن «خلاد» في إشمام الأول فقط، أو حرفي الفاتحة خاصة، أو المعرف باللام في جميع القرآن، أو لا إشمام في شيء: فقطع له بالإشمام في الحرف الأول حسب ما في التيسير والشاطبية. وبذلك قرأ «الداني» على «أبي الفتح فارس» وصاحب «التجريد» على «عبد الباقي» وهي رواية «محمد بن يحيى الخنيسي» عن خلاد. وقطع له بالإشمام في حرفي الفاتحة فقط صاحب «العنوان، والطرسوسي» من طريق «ابن البختري» عن «الوزان» عنه، وبه قطع «أبو العزّ، والأهوازي» عن «الوزّان» أيضا، وهي طريق «ابن حامد» عن «الصوّاف». وقطع له بالإشمام في المعرّف باللام خاصة هنا، وفي جميع القرآن، جمهور العراقيين، وهي طريق «بكّار» عن «الوزّان». وبه قرأ صاحب «التجريد» على الفارسي، والمالكي، وهو الذي في «روضة أبي علي البغدادي» وطريق «ابن مهران» عن «ابن أبي عمر» عن «الصواف» عن «الوزّان» وهي رواية «الدوري» عن «سليم» عن «حمزة». وقطع له بعدم الإشمام في الجميع صاحب «التبصرة» والكافي، والتلخيص، والهداية، والتذكرة، وجمهور المغاربة، وبه قرأ الداني على «أبي الحسن» وهي طريق «ابن الهيثم» والطلحي ورواية «الحلواني» عن «خلاد»
(2/9)

وانفرد «ابن عبيد» على «أبي علي الصواف» على «الوزّان» عنه، بالإشمام في المعرف، والمنكر، كرواية «خلف» عن «حمزة» في كل القرآن وهو ظاهر «المبهج» عن «ابن الهيثم» اه «1».
ثم أخبر الناظم رحمه الله تعالى بأن القراء العشرة اختلفوا في القراءة بالإشمام وعدمه في الصاد الساكنة إذا وقع بعدها «الدال» وجملة ذلك في القرآن:
اثنا عشر صادا وذلك من الألفاظ السبعة اللاتية:
1 - «أصدق» من قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (سورة النساء آية 87). ومن قوله تعالى: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (سورة النساء آية 122).
2 - «تصديق» من قوله تعالى: وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (سورة يونس آية 37). ومن قوله تعالى: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (سورة يوسف آية 111).
3 - «يصدفون» من قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (سورة الأنعام آية 46). ومن قوله تعالى: سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (سورة الانعام آية 157).
4 - «فاصدع» من قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ (سورة الحجر آية 94).
5 - «تصدية» من قوله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً (سورة الانفال آية 35).
6 - «يصدر» من قوله تعالى: حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ (سورة القصص آية 23). ومن قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً (سورة الزلزلة آية 6).
7 - «قصد» من قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ (سورة النحل آية 9).
فقرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» جميع الألفاظ بإشمام الصاد صوت الزاي، وهو لغة «قيس».
وقرأ «رويس» بالإشمام في لفظ «يصدر» في موضعيه قولا واحدا. واختلف
__________
(1) انظر النشر لابن الجزري بتحقيق الدكتور/ محمد سالم محيسن ج 1 ص 370 - 371.
(2/10)

عنه في الألفاظ الستة الباقية فقرأها بالإشمام، وبالصاد الخالصة حيث روى عنه «النخاس، والجوهري» الإشمام في جميع ذلك، وبه قطع «ابن مهران».
وروى عنه «أبو الطيب، وابن مقسم» الصاد الخالصة، وبه قطع الهذلي «1».
وقرأ الباقون من القراء العشرة الألفاظ السبعة بالصاد الخالصة، وهي لغة «قريش».
ثم أخبر الناظم رحمه الله تعالى بأن القراء العشرة اختلفوا في القراءة بالإشمام وعدمه في لفظي:
1 - «المصيطرون» من قوله تعالى: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (سورة الطور آية 37).
2 - «بمصيطر» من قوله تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (سورة الغاشية آية 22).
فقرأ «هشام» اللفظين بالسين، على الأصل، وهي لغة عامة العرب. وقرأ «خلف» عن «حمزة» اللفظين بإشمام الصاد صوت الزاي، وهو لغة «قيس».
وقرأ «قنبل، وابن ذكوان، وحفص» بالسين، والصاد.
وقرأ «خلاد» اللفظين بوجهين: الأول بالإشمام، والثاني بالصاد الخالصة.
قال ابن الجزري: واختلف عن «قنبل، وابن ذكوان، وحفص، وخلاد»: فأما «قنبل» فرواه عنه بالصاد فيهما «ابن شنبوذ» من المبهج، وكذا نص «الداني» في جامعه عنه. ورواه عنه بالسين فيهما «ابن مجاهد، وابن شنبوذ» من «المستنير» ونص على السين في «المسيطرون» والصاد في «بمصيطر» الجمهور من العراقيين، والمغاربة، وهو الذي في الشاطبية والتيسير.
وأما «ابن ذكوان» فرواه عنه بالسين فيهما «ابن مهران، وابن الفحام» من طريق الفارسي عن «النقاش».
__________
(1) انظر النشر في القراءات العشر بتحقيقنا ج 3 ص 32.
(2/11)

وهي رواية «ابن الأخرم» وغيره عن «الأخفش».
ورواه «ابن سوار» بالصاد فيهما، وكذلك روى الجمهور عن النقاش، وهو الذي في الشاطبية، والتيسير.
وأما «حفص» فنص على الصاد له فيهما «ابن مهران» في غايته، وابن غلبون في تذكرته، وصاحب العنوان، وهو الذي في «التبصرة، والكافي، والتلخيص، والهداية» وعند الجمهور، وذكره «الداني» في «جامعه» عن «الأشناني» عن «عبيد» وبه قرأ «الداني» على شيخه: «أبي الحسن».
ورواه بالسين فيهما «زرعان» عن «عمرو» وهو نص «الهذلي» عن «الأشناني» عن «عبيد» وحكاه له «الداني» في جامعه، عن «أبي طاهر بن أبي هاشم» عن «الأشناني»، وكذا رواه «ابن شاهي» عن «عمرو».
وروى آخرون عنه «المسيطرون» بالسين، و «بمصيطر» بالصاد، وكذا هو في «المبهج، والإرشادين» وغاية «أبي العلاء»، وبه قرأ «الداني» على «أبي الفتح».
وقطع بالخلاف له في «المصيطرون» وبالصاد في «بمصيطر» في التيسير والشاطبية.
وأما «خلاد» فالجمهور من المشارقة، والمغاربة على الإشمام فيهما له، وهو الذي لا يوجد نص عنه بخلافه.
وأثبت له الخلاف فيهما صاحب «التيسير» من قراءته على «أبي الفتح» وتبعه على ذلك الشاطبي.
والصاد هي رواية «الحلواني، ومحمد بن سعيد البزّاز» كلاهما عن «خلاد» ورواية «محمد بن لاحق عن سليم، وعبد الله بن صالح، عن «حمزة» اه.
وقرأ الباقون من القراء العشرة اللفظين بالصاد الخالصة، وهي لغة «قريش».
(2/12)

قال ابن الجزري:
عليهم إليهم لديهم ... بضم كسر الهاء ظبي فهم
وبعد ياء سكنت لا مفردا ... ظاهر وإن تزل كنجزهم غدا
وخلف يلههم قهم ويغنهم ... عنه ولا يضم من يولهم
المعنى: قرأ «حمزة» الألفاظ الثلاثة الآتية بعد حيثما وقعت في «القرآن» بضم الهاء وصلا ووقفا.
وذلك على الأصل لأن الهاء لما كانت ضعيفة لخفائها خصت بأقوى الحركات، ولذا تضم مبتدأة، وبعد الفتح والألف، والضمة والواو والسكون في غير الياء نحو:
هو، لهو، دعاه، دعوه، دعه، والضم لغة «قريش» و «الحجازيين» والألفاظ الثلاثة هي:
1 - «عليهم» نحو قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (سورة الفاتحة آية 7).
2 - «إليهم» نحو قوله تعالى: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها (سورة هود آية 15).
3 - «لديهم» نحو قوله تعالى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (سورة آل عمران آية 44).
ثم أخبر الناظم رحمه الله تعالى بأن «يعقوب» قرأ الألفاظ الثلاثة، وزاد عليها كل ما شابهها مما قبل الهاء ياء ساكنة من ضمير التثنية، أو الجمع، مذكرا كان أو مؤنثا، قرأ كل ذلك بضم الهاء وصلا ووقفا بشرط أن تكون الياء في غير المفرد، وأن تكون موجودة في اللفظ نحو:
1 - «عليهما» نحو قوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً (سورة النساء آية 128).
2 - «عليهنّ» نحو قوله تعالى: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (سورة النساء آية 15).
3 - «فيهن» نحو قوله تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ (سورة البقرة آية 197).
(2/13)

4 - «بجنتيهم» نحو قوله تعالى: وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ (سورة سبأ آية 16).
5 - «ترميهم» نحو قوله تعالى: تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (سورة الفيل آية 4).
6 - «صياصيهم» نحو قوله تعالى: مِنْ صَياصِيهِمْ (سورة الأحزاب آية 26).
7 - «أيديهم» نحو قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ (سورة البقرة آية 79).
ثم أخبر الناظم رحمه الله تعالى بأن الياء إذا زالت لعلة جزم نحو:
1 - وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ (سورة الأعراف آية 169).
2 - أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ (سورة العنكبوت آية 51).
أو زالت الياء لعلة بناء نحو قوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (سورة الصافات آية 149).
فإن «رويسا» وحده يضم الهاء في كل ذلك وصلا ووقفا. إلا قوله تعالى:
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ (سورة الأنفال آية 16). فإنه يكسر الهاء في هذا اللفظ قولا واحدا من غير خلاف. واختلف عنه في الألفاظ الثلاثة الآتية فإنه قرأها بالضم والكسر:
1 - «ويلههم» من قوله تعالى: وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (سورة الحجر آية 3).
2 - «يغنهم» من قوله تعالى: يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (سورة النور آية 32).
3 - «وقهم» من قوله تعالى: وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (سورة غافر آية 7).
ومن قوله تعالى: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ (سورة غافر آية 9).
وقرأ باقي القراء العشرة الألفاظ المتقدمة بكسر الهاء وصلا ووقفا. وذلك لمجانسة الكسر الياء أو الكسر. وهو لغة: «قيس وتميم، وبني سعد».
تنبيه: قال «ابن الجزري»:
واختلف عن «رويس» في وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ» في الحجر، ويُغْنِهِمُ اللَّهُ في
(2/14)

النور، وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ كلاهما في غافر: فكسر الهاء في الأربعة «القاضي أبو العلاء» عن «النخّاس» وكذلك روى «الهذلي» عن «الحمامي» في الثلاثة الأول، وكذا نص «الأهوازي، وقال «الهذلي»: هكذا أخذ علينا في التلاوة، ولم نجده في الأصل مكتوبا. وزاد «ابن خيرون» عنه كسر الرابعة، وهي وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ وضم الهاء في الأربعة الجمهور عن «رويس» اه «1».
قال ابن الجزري:
وضم ميم الجمع صل ثبت درا ... قبل محرك وبالخلف برا
وقبل همز القطع ورش .. ... ..........
المعنى: اعلم أن ميم الجمع إما أن تقع قبل ساكن، أو قبل متحرك.
فإذا وقعت قبل ساكن نحو: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (سورة آل عمران آية 110). كان حكمها الضم من غير صلة لجميع القراء، لأن الأصل في ميم الجمع الضم.
قال الشاطبي ت 590 هـ ومن دون وصل ضمها قبل ساكن لكل ..........
وإذا وقعت ميم الجمع قبل متحرك:
فإما أن يكون المتحرك متصلا بها، أو منفصلا عنها. فإذا كان متصلا بها ولا يكون إلا ضميرا مثل:
1 - «دخلتموه» من قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ (سورة المائدة آية 23).
2 - «أنلزمكموها» من قوله تعالى: أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (سورة هود آية 28).
كان حكمها الضم مع الصلة لجميع القرّاء.
__________
(1) انظر النشر في القراءات العشر بتعليقنا ج 1 ص 372.
(2/15)

وهى اللغة الفصيحة، وعليها جاء رسم المصحف العثماني. وإن كان المتحرك منفصلا عن ميم الجمع:
فإمّا أن يكون همزة قطع، أولا:
فإن كان همزة قطع مثل قوله تعالى: عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ (سورة البقرة آية 6) كان حكمها الضم مع الصلة وصلا «لورش، وابن كثير، وأبي جعفر، وقالون بخلف عنه».
وذلك اتباعا للأصل، ويصبح المدّ عندهم من قبيل المنفصل، فكلّ يمدّ حسب مذهبه في المدّ المنفصل.
وقرأ باقي القراء بإسكانها، وهما لغتان.
وإذا لم يكن المتحرك همزة قطع نحو قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (سورة الفاتحة آية 7) كان حكمها الضم مع الصلة وصلا «لابن كثير،
وأبي جعفر، وقالون» بخلف عنه، والباقون بإسكانها.
تنبيه: قال صاحب النشر:
«واختلف عن «قالون» فقطع له بالاسكان صاحب «الكافي» وهو الذي في «العنوان» وكذا قطع في «الهداية» من طريق «أبي نشيط» وهو الاختيار له في «التبصرة»، ولم يذكر في «الارشاد غيره، وبه قرأ الداني» على «أبي الحسن» من طريق «أبي نشيط» وعلى «أبي الفتح» عن قراءته على «عبد الله بن الحسين» من طريق «الحلواني» وصاحب «التجريد» عن «ابن نفيس» من طريق «أبي نشيط» وعليه، وعلى الفارسي، والمالكي، من طريق «الحلواني» وبه قرأ الهذلي» أيضا من طريق «أبي نشيط».
وبالصلة قطع صاحب «الهداية» للحلواني، وبها قرأ «الداني» على «أبي الفتح» من الطريقين، عن قراءته على «عبد الباقي بن الحسن» وعن قراءته على «عبد الله بن الحسين» من طريق «الجمّال» عن «الحلواني» وبه قرأ «الهذلي» أيضا من طريق «الحلواني». وأطلق الوجهين عن «قالون» «ابن بليمة» صاحب «التلخيص» من الطريقين.
(2/16)

ونص على الخلاف صاحب التيسير، من طريق «أبي نشيط».
وأطلق التخيير له في الشاطبية، وكذا جمهور العراقيين من الطريقين». «1»
قال ابن الجزري:
.......... واكسروا ... قبل السكون بعد كسر حرّروا
وصلا وباقيهم بضم وشفا ... مع ميم الهاء وأتبع ظرفا
المعنى: اختلف القراء العشرة في كسر ميم الجمع وضمها، وضم ما قبلها وكسره، إذا كان بعد ميم الجمع ساكن، وكان قبلها هاء، وقبل الهاء كسرة متصلة أو ياء ساكنة، وذلك نحو:
1 - فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ (سورة النساء آية 77).
2 - وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ (سورة البقرة آية 93).
3 - وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (سورة البقرة آية 166).
4 - كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ (سورة البقرة آية 167).
فقرأ «أبو عمرو» بكسر الهاء والميم وصلا.
فكسر الهاء لمجاورة الكسرة، أو الياء الساكنة، وكسر الميم على أصل التخلص من التقاء الساكنين.
وقرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» بضم الهاء والميم وصلا. فضمة الميم على الأصل، وضمة الهاء اتباع لها.
وقرأ «يعقوب» باتباع الميم الهاء على أصله، فضمها حيث ضم الهاء في نحو: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ.
وكسرها حيث كسر الهاء في نحو: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ.
وقرأ الباقون وهم «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر» بضم الميم وكسر الهاء.
__________
(1) انظر النشر في القراءات العشر بتحقيق د/ محمد سالم محيسن ج 1 ص 372.
(2/17)

هذا حكم الوصل، أما حالة الوقف فكل القراء على إسكان الميم، وهم في الهاء على أصولهم:
«فحمزة» بضم الهاء من نحو: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ.
«ويعقوب» بضم الهاء من نحو: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ.
ومن نحو: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ.
«ورويس» على أصله بالوجهين في نحو: يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (سورة النور آية 32). «1»
(والله أعلم) تمّت سورة الفاتحة ولله الحمد والشكر
__________
(1) انظر النشر في القراءات العشر، بتحقيق د/ محمد سالم محيسن. ج 1/ 373.
(2/18)

سورة البقرة
قال ابن الجزري:
وما يخادعون يخدعونا ... كنز ثوى ..........
المعنى: أخبر الناظم رحمه الله تعالى بأن المرموز لهم ب «كنز ثوى» وهم:
«ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف البزار» يقرءون «وما يخدعون» من قول الله تعالى: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ (سورة البقرة آية 9) بفتح الياء وإسكان الخاء، وحذف الألف، وفتح الدال، كما لفظ بها، وذلك على أنها مضارع «خدع» الثلاثي.
يقال: «خدعه» كمنعه خدعا: بمعنى ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم، كاختدعه، فانخدع.
والاسم: الخديعة، والحرب خدعة، مثلثة: أي تنقضي بخدعة. والخدعة- بالضم- من يخدعه الناس كثيرا. «1»
وقرأ باقي القراء العشرة وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو» «وما يخادعون» بضم الياء، وفتح الخاء، وإثبات ألف بعدها وكسر الدال. وذلك لمناسبة اللفظ الأول، وهو قول الله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا.
(سورة البقرة آية 9) وعلى هذا يجوز أن تكون المفاعلة من الجانبين، إذ المنافقون يخادعون أنفسهم بما يمنونها من أباطيل، وهي تمنيهم كذلك. أو تكون المخادعة من جانب واحد، فتكون المفاعلة ليست على بابها، وحينئذ تتحد هذه القراءة مع القراءة السابقة.
تنبيه: «يخدعون» من قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ (سورة البقرة آية 9).
__________
(1) انظر: ترتيب القاموس مادة «خدع» ج 2 ص 22.
(2/19)

ومن قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ (سورة النساء آية 142)، اتّفق القراء العشرة على قراءته «يخادعون» بضم الياء وفتح الخاء، وإثبات ألف بعدها، وكسر الدال.
و «يخدعوك» من قوله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ (سورة الأنفال آية 62) اتفق القراء العشرة على قراءته «يخدعوك» بفتح الياء، وإسكان الخاء، وحذف الألف، وفتح الدال.
ولم يجر في هذه الألفاظ الثلاثة الخلاف الذي في وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن القراءة سنة متبعة، ومبنية على التوقيف.
قال ابن الجزري:
.......... ... اضمم شدّ يكذبونا
كما سما .......... ... ..........
المعنى: أمر الناظم رحمه الله تعالى أن يقرأ للمرموز لهم بالكاف من «كما» ومدلول «سما» وهم:
«نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب»، «يكذبون» من قوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (سورة البقرة آية 10) بضم الياء، وفتح الكاف، وكسر الذال مشددة، على أنه مضارع «كذّب» مضعف العين، من التكذيب لله، ورسوله، وقد عدّي الفعل بالتضعيف، والمفعول محذوف تقديره: «يكذّبونه».
وقرأ باقي القراء العشرة «يكذبون» بفتح الياء، وسكون الكاف، وكسر الذال مخففة، على أنه مضارع «كذب» اللازم، وهو من «الكذب» الذي اتصفوا به كما أخبر الله عنهم.
يقال: «كذب» بفتح الذال، يكذب بكسرها، كذبا وكذبا وهو كاذب، وكذّاب.
والصدق، والكذب، أصلهما في القول ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره.
(2/20)

وهما ضدّان: فالصدق هو الخبر المطابق للواقع، والكذب عكسه، أي الخبر غير المطابق للواقع.
قال ابن الجزري:
... وقيل غيض جي أشم ... في كسرها الضمّ رجا غنى لزم
وحيل سيق كم رسا غيث وسى ... سيئت مدا رحب غلالة كسى
المعنى: اختلف القراء في إشمام الضم في أوائل ستة أفعال وهي: «قيل- غيض- جيء- حيل- سيق- سيئت». فقرأ «هشام، والكسائي، ورويس» بإشمام الأفعال الستة. وقرأ «ابن ذكوان» بالإشمام في ثلاثة أفعال وهي: «حيل- سيق- سيئت» وبعدم الإشمام في الأفعال الثلاثة الباقية.
وقرأ «نافع، وأبو جعفر» بالإشمام في فعل واحد وهو: «سيئت» وبعدم الإشمام في الأفعال الخمسة الباقية.
وقرأ الباقون بعدم الإشمام في الأفعال الستة، أي بكسرة خاصة في الحرف الأول.
والإشمام لغة: «قيس، وعقيل» وعدم الإشمام لغة عامة العرب. وحجة من قرأ بالإشمام أن الأصل في أوائل هذه الأفعال أن تكون مضمومة، لأنها أفعال لم يسم فاعلها، منها أربعة أصل الحرف الثاني منها «واو» وهي: «سيء- سيق- حيل- قيل».
ومنها فعلان أصل الثاني منها «ياء» وهما: «غيض- جيء». وأصلها «سوئ وقول، وحول، وسوق، وغيض، وجيء» ثم ألقيت حركة الحرف الثاني منها على الأول فانكسر، وحذفت ضمته، وسكن الثاني منها، ورجعت الواو إلى الياء لانكسار ما قبلها وسكونها.
فمن أشمّ أوائلها الضم أراد أن يبين أن أصل أوائلها الضم، ومن شأن العرب في كثير من كلامها المحافظة على بقاء ما يدلّ على الأصول.
وأيضا هي أفعال بنيت للمفعول، فمن أشمّ أراد أن يبقي في الفعل ما
(2/21)

يدلّ على أنه مبني للمفعول لا للفاعل.
وعلة من كسر أوائلها أنه أتى بها على ما وجب لها من الاعتلال.
قال ابن الجزري:
وترجع الضم افتحا واكسر ظما ... إن كان للأخرى وذو يوما حما
والقصص الأولى أتى ظلما شفا ... والمؤمنون ظلهم شفا وفا
الأمور هم والشام واعكس إذ عفا ... الأمر .......
المعنى: اختلف القراء في لفظ «ترجعون» وما جاء منه إذا كان من رجوع الآخرة نحو: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (سورة البقرة آية 28) سواء كان غيبا أو خطابا، وكذلك «ترجع الأمور»، «يرجع الأمر»: فقرأ: «يعقوب» بفتح حرف المضارعة، وكسر الجيم، في جميع القرآن، وذلك على البناء للفاعل، وهو فعل مضارع من «رجع» الثلاثي.
ووافقه «أبو عمرو» في قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ (سورة البقرة آية 281). ووافقه «نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» في أول القصص وهو قوله تعالى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (سورة القصص آية 39). ووافقه: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» في موضع المؤمنون وهو قوله تعالى: وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (سورة المؤمنون آية 115). ووافقه في «ترجع الأمور» حيث وقع في القرآن: «ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر». ووافقه في قوله تعالى: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ (سورة هود آية 123)، كلّ القراء إلا «نافعا، وحفصا» فإنهما قرآ بضم حرف المضارعة، وفتح الجيم، وذلك على البناء للمفعول، وهو مضارع «رجع» الثلاثي. وكذلك قرأ الباقون في غير آخر هود.
قال ابن الجزري:
.......... ... ... وسكن هاء هو هي بعد فا
واو ولام رد ثنا بل حز ورم ... ثم هو والخلف يملّ هو وثم
ثبت بدا .......... ... ..........
(2/22)

المعنى: اختلف القراء في ضم وإسكان الهاء من لفظي: «هو، وهي» إذا كان قبل الهاء «واو» نحو: «وهو، وهي» أو فاء نحو: «فهو، فهي» أو لام نحو:
«لهي» أو ثمّ نحو: «ثم هو» أو لفظ «يملّ» نحو: أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ (سورة البقرة آية 282).
فقرأ «قالون، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو جعفر» بإسكان الهاء. إذا كان قبلها «واو» أو «فاء» أو «لام» نحو:
1 - وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (سورة البقرة آية 29).
2 - فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ (سورة البقرة آية 184).
3 - وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (سورة الحج آية 58).
4 - وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ (سورة هود آية 42).
5 - فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها (سورة الحج آية 45).
6 - وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ (سورة العنكبوت آية 64).
وقرأ «الكسائي، وقالون، وأبو جعفر» بخلف عنهما، بإسكان الهاء إذا وقعت بعد «ثم» نحو قوله تعالى: ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (سورة القصص آية 61).
وقرأ «قالون، وأبو جعفر» بخلف عنهما بإسكان الهاء إذا وقعت بعد لفظ «يملّ» وهو في قوله تعالى: أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ (سورة البقرة آية 282).
وقرأ الباقون بضم الهاء في كل ذلك.
وجه من أسكن الهاء أنها لما اتصلت بما قبلها من «واو- أو فاء- أو لام» وكانت لا تنفصل عنها، صارت كالكلمة الواحدة، فخفف الكلمة، وأسكن الوسط، وشبّهها بتخفيف العرب للفظ «عضد، وعجز» وهي لغة مشهورة مستعملة.
وأيضا فإن الهاء لما توسطت مضمومة بين واوين، ثقل ذلك، والعرب يكرهون توالي ثلاث حركات فيما هو كالكلمة الواحدة، فأسكن الهاء لذلك تخفيفا.
(2/23)

ووجه من حرّك الهاء أنه أبقاها على أصلها قبل دخول الحرف عليها، لأنه عارض، ولا يلزمها في كل موضع.
وأيضا فإن الهاء في تقدير الابتداء بها، لأن الحرف الذي قبلها زائد، والابتداء بها لا يجوز إلا مع حركتها، فحملها على حكم الابتداء بها، وحكم لها مع هذه الحروف على أصلها عند عدمهنّ.
وحجة من أسكن مع «ثمّ» أنه لما كانت كلها حروف عطف حملها كلها محملا واحدا.
قال ابن الجزري:
.......... وكسر تا الملائكة ... قبل اسجدوا اضمم ثق والاشمام خفت
خلفا بكل .......... ... ..........
المعنى: أمر الناظم رحمه الله تعالى: للمرموز له بالثاء من «ثق» وهو «أبو جعفر» بخلف عن «ابن وردان» المرموز له بالخاء من «خفت» بضم التاء حالة وصل «للملائكة» «باسجدوا» حيث جاء في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ (سورة البقرة آية 34) وذلك اتباعا لضم الجيم، ولم يعتدّ بالساكن لأنه فاصل غير حصين. والوجه الثاني «لابن وردان» إشمام كسرة التاء الضم. والمراد بالإشمام هنا: مزج حركة بحركة، وهذا لا يدرك ولا يعرف إلا بالتلقي والمشافهة.
وقرأ باقي القراء العشرة بكسر التاء كسرة خالصة على الأصل، وكلها لغات صحيحة.
قال ابن الجزري:
.......... وأزال في أزل ... فوز ..........
المعنى: أخبر الناظم رحمه الله تعالى بأن المرموز له بالفاء من «فوز» وهو «حمزة» يقرأ «فأزالهما» من قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها (سورة البقرة
(2/24)

آية 36). بألف بعد الزاي، ولام مخففة.
يقال: زاله عن مكانه، يزيله، زيلا، وأزاله إزالة. «1»
والمعنى: أن الشيطان أبعد كلّا من «آدم، وحواء» عليهما السلام عن نعيم الجنة الذي كانا فيه، بسبب وسوسته لهما بالأكل من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها.
وقرأ باقي القراء العشرة: «فأزلّهما» بحذف الألف، ولام مشدّدة. والزلّة في الأصل: استرسال الرّجل من غير قصد، يقال: زلّت رجل تزلّ، وقيل:
للذنب من غير قصد زلة، تشبيها بزلّة الرّجل. «2»
ونسب الفعل إلى الشيطان لأنهما زلّا بإغواء الشيطان، فصار كأنه أزلّهما.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... وآدم انتصاب الرفع دل
وكلمات رفع كسر درهم ... ..........
المعنى: أخبر الناظم بأن المرموز له بالدال من «دل» وهو «ابن كثير» قرأ قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ (سورة البقرة آية 37) بنصب ميم «ءادم» ورفع تاء «كلمات».
وذلك على إسناد الفعل إلى «كلمات» وإيقاعه على «آدم» عليه السلام فكأنه قيل: فجاءت آدم كلمات من ربه. ولم يؤنث الفعل لكون الفاعل مؤنثا غير حقيقي.
وقرأ باقي القراء العشرة برفع ميم «آدم» ونصب تاء «كلمات» بالكسرة، وذلك على إسناد الفعل إلى «آدم» عليه السلام، وإيقاعه على «كلمات» أي أخذ آدم كلمات من ربه بالقبول ودعا بها، وهي قوله تعالى: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (سورة الأعراف آية 23).
__________
(1) انظر: ترتيب القاموس مادة «زلل» ج 2 ص 468.
(2) المفردات في غريب القرآن ص 214.
(2/25)

قال ابن الجزري:
.......... ... لا خوف نوّن رافعا لا الحضرمي
رفث لا فسوق ثق حقّ ولا ... جدال ثبت بيع خلّة ولا
شفاعة لا بيع لا خلال لا ... تأثيم لا لغو مدا كنز ..........
المعنى: أمر الناظم بقراءة قوله تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ (سورة البقرة آية 38) وكذا كل ماثله وجاء منه في القرآن الكريم لجميع القراء غير «يعقوب الحضرمي» بالرفع مع التنوين، على أن «لا» ملغاة لا عمل لها، أو على أنها عاملة عمل «ليس» و «خوف» اسمها و «عليهم» في محل نصب خبرها.
وقرأ «يعقوب الحضرمي» بفتح الفاء، وحذف التنوين، على أنّ «لا» نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» و «خوف» اسمها و «عليهم» في محلّ رفع خبرها.
ثم أخبر أن المرموز لهم بالثاء من ثق، ومدلول «حقّ» وهم: «أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» يقرءون قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ (سورة البقرة آية 197) برفع الثاء، والقاف مع التنوين فيهما، على أنّ لا ملغاة لا عمل لها.
وقرأ الباقون «بفتح الثاء، والقاف، وحذف التنوين فيهما» على أنّ «لا» لنفي الجنس تعمل عمل إنّ، و «رفث» و «فسوق» اسمها، و «في الحج» خبرها.
ثم أخبر أن المرموز له بالثاء من «ثبت» وهو «أبو جعفر» قرأ قوله تعالى:
وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ (سورة البقرة آية 197) برفع اللام مع التنوين، على أنّ «لا» لمجرد النفي ولا عمل لها.
وقرأ الباقون بفتح اللام وحذف التنوين، على أنّ «لا» نافية للجنس، و «جدال» اسمها و «في الحج» خبرها.
ثم أخبر أن المرموز لهم ب «مدا كنز» وهم:
«نافع، وأبو جعفر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» يقرءون قوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ (سورة البقرة آية 254).
(2/26)

وقوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (سورة إبراهيم آية 31). وقوله تعالى: لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (سورة الطور آية 23) يقرءون الأسماء الواقعة بعد «لا» في الأمثلة المتقدمة بالرفع مع التنوين، على أنّ «لا» لمجرد النفي ولا عمل لها.
وقرأ باقي القراء بالفتح مع عدم التنوين، على أنّ «لا» نافية للجنس تعمل عمل «إنّ».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ولا
يقبل أنّث حقّ .......... ... ..........
المعنى: أمر الناظم للمرموز لهم ب «حقّ» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» بقراءة قوله تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ (سورة البقرة آية 48) بتاء التأنيث، وذلك لإسناده إلى «شفاعة» وهي مؤنثة لفظا.
وقرأ الباقون «ولا يقبل» بالياء على التذكير، وذلك لأن تأنيث «شفاعة» غير حقيقي، وكذا للفصل بين الفعل ونائب الفاعل.
قال ابن الجزري:
.......... واعدنا اقصرا ... مع طه الاعراف حلا ظلم ثرا
المعنى: أمر الناظم بقراءة قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (سورة البقرة آية 51). وقوله تعالى: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً (سورة الأعراف آية 142). وقوله تعالى: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ (سورة طه آية 80).
بحذف الألف التي بعد الواو، وذلك للمرموز لهم بالحاء من حلا والظاء من ظلم، والثاء من ثرا، وهم: «أبو عمرو، ويعقوب، وأبو جعفر». وجه هذه القراءة أنّ الوعد من الله تعالى، لأن الفعل مضاف إليه وحده، وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه وعد من الله تعالى لنبيه «موسى» عليه السلام، وليس فيه وعد من «موسى» فوجب حمله على الواحد بظاهر النصّ.
وقرأ الباقون «واعدنا» بألف بعد الواو، من «المواعدة» فالله سبحانه وتعالى وعد نبيه «موسى» الوحي على جبل الطور، وموسى وعد الله المسير لما أمر به.
(2/27)

تنبيهان: الأول: اتفق علماء الرسم على حذف الألف التي بعد الواو من كلمة «واعدنا» في الألفاظ الثلاثة المتقدمة، وهذا النوع من الحذف يسمّى حذف إشارة، أي إشارة القراءة بحذف الألف، قال صاحب مورد الظمآن في رسم القرآن:
واحذف بواعدنا مع المساجد ... ..........
التنبيه الثاني: «وعدنه» من قوله تعالى: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ (سورة القصص آية 61) «وعدنهم» من قوله تعالى: أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (سورة الزخرف آية 42). اتفق القراء العشرة على قراءتهما بغير ألف بعد الواو، ولم يجر فيهما الخلاف المتقدم، لأن القراءة مبنية على التوقيف.
قال ابن الجزري:
بارئكم يأمركم ينصركم ... يأمرهم تأمرهم يشعركم
سكّن أو اختلس حلا والخلف طب ... ..........
المعنى: قرأ «الدوري» عن «أبي عمرو» الألفاظ الآتية:
1 - «بارئكم» من قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ (سورة البقرة آية 54).
2 - «يأمركم» حيثما وقع نحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (سورة البقرة آية 67).
3 - «يأمرهم» من قوله تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ (سورة الأعراف آية 157).
4 - «تأمرهم» من قوله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا (سورة الطور آية 32) 5 - «ينصركم» حيثما وقع نحو قوله تعالى: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ (سورة الملك آية 20).
6 - «يشعركم» من قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (سورة الأنعام آية 109).
(2/28)

قرأ الدوري عن أبي عمرو هذه الألفاظ الستة بثلاثة أوجه:
الأول: إسكان الهمزة من «بارئكم» والراء من «يأمركم، يأمرهم، تأمرهم، ينصركم، يشعركم».
والثاني: اختلاس الحركة في جميع الألفاظ المتقدمة.
والثالث: الحركة الخالصة في جميع الألفاظ أيضا.
وقرأ «السوسيّ» بوجهين: بالإسكان، وبالاختلاس في جميع الألفاظ.
وقرأ باقي القراء العشرة بالحركة الخالصة في جميع الألفاظ.
وجه من قرأ بالإسكان التخفيف. وهو لغة «بني أسد، وتميم، وبعض نجد». ووجه الاختلاس التخفيف أيضا، وهو لغة لبعض العرب في الضمّات، والكسرات، وهو لا يغيّر الإعراب، ولا ميزان الكلمة.
ووجه من قرأ بالحركة الخالصة، أنه أتى بالكلمة على أصلها، وأعطاها حقها من الحركات، كما يفعل بسائر الكلام، ولم يستثقل توالي الحركات، لأنها في تقدير كلمتين: الضمير كلمة، وما قبله كلمة.
قال ابن الجزري:
.......... ... يغفر مدا أنّث هنا كم وظرب
عمّ بالأعراف ونون الغير لا ... تضمّ واكسر فاءهم ..........
المعنى: قرأ: «نافع، وأبو جعفر» «نغفر» في (سورة البقرة آية 58) وهو قوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ بياء التذكير المضمومة، وفتح الفاء. وفي (سورة الأعراف آية 161) وهو قوله تعالى نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ «تغفر» بتاء التأنيث المضمومة، وفتح الفاء، على أن الفعل مبني للمجهول في الموضعين، و «خطيكم، و «خطيئتكم» نائب فاعل، وجاز تذكير الفعل وتأنيثه، لأن الفاعل مؤنث مجازي.
وقرأ «ابن عامر» «تغفر» في الموضعين بتاء التأنيث المضمومة وفتح الفاء، على البناء للمجهول، و «خطيكم، و «خطيئتكم» نائب فاعل.
(2/29)

وقرأ «يعقوب» موضع البقرة «نغفر» بالنون المفتوحة، وكسر الفاء، على البناء للفاعل، وذلك لأن «نغفر» جاء بين خبرين من أخبار الله عن نفسه، وقد وردا بالنون:
الأول: قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ (سورة البقرة آية 58).
والثاني قوله تعالى: وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. (سورة البقرة آية 58).
فجاء «نغفر» بالنون ليناسب ما قبله وما بعده، و «خطيكم» مفعول به.
وقرأ- أي «يعقوب» - موضع الأعراف «تغفر» بتاء التأنيث المضمومة، وفتح الفاء، على البناء للمجهول مثل قراءة «نافع، وأبي جعفر، وابن عامر».
وقرأ باقي القراء العشرة «نغفر» في السورتين بالنون المفتوحة وكسر الفاء، على الإسناد للفاعل، و «خطيكم، و «خطيئتكم» مفعول به.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وأبدلا
عد هزؤا مع كفؤا هزؤا سكن ... ضم فتى كفؤا فتى ظنّ
المعنى: قرأ «حفص» «هزوا» حيثما وقع في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً (سورة البقرة آية 67).
قرأ ذلك بإبدال الهمزة واوا، للتخفيف، مع ضم الزاي وصلا ووقفا.
وقرأ «حمزة» «هزؤا» بالهمزة على الأصل، مع إسكان الزاي وصلا فقط، ويقف عليها بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وبإبدال الهمزة واوا على الرسم.
وقرأ «خلف العاشر» «هزؤا» بالهمزة مع إسكان الزاي وصلا ووقفا.
وقرأ الباقون «هزؤا» بالهمز مع ضمّ الزاي وصلا ووقفا. وجه الضمّ في الزاي أنه جاء على الأصل، ووجه الإسكان التخفيف. حكى «الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة» ت 215 هـ- عن «عيسى بن عمر الثقفي» ت 156 هـ:
(2/30)

أنّ كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم نحو: «العسر، والهزؤ» فيه لغتان: الضم، والإسكان، ومثله من الجموع ما كان على وزن «فعل» بضم الفاء والعين.
وقرأ «حفص» «كفوا» من قوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (سورة الإخلاص آية 4) قرأ ذلك بإبدال الهمزة واوا في الحالين مع ضم الفاء.
وقرأ «حمزة» «كفؤا» بالهمزة وصلا مع إسكان الفاء، وله وقفا وجهان:
الأول: نقل حركة الهمزة إلى الفاء، وحذف الهمزة.
والثاني: إبدال الهمزة واوا على الرسم مع إسكان الفاء.
وقرأ «يعقوب، وخلف العاشر» «كفؤا» بإسكان الفاء مع الهمز وصلا ووقفا.
وقرأ الباقون «كفؤا» بضم الفاء مع الهمز وصلا ووقفا.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... الأذن
أذن اتل .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «اتل» وهو «نافع» «الأذن» المعرف وهو في قوله تعالى: وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ (سورة المائدة آية 45).
و «أذن» المنكر حيث جاء نحو قوله تعالى: وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ (سورة التوبة آية 61). وقوله تعالى: كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً (سورة لقمان آية 7) قرأ ذلك بإسكان الذال للتخفيف.
وقرأ الباقون بضم الذال، على الأصل.
قال ابن الجزري:
... والسحت ابل نل فتى كسا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «ابل» والنون من «نل» ومدلول «فتى»
(2/31)

والكاف من «كسى» وهم: «نافع، وعاصم، وحمزة، وخلف العاشر، وابن عامر».
قرءوا باسكان الحاء من السحت من قوله تعالى: وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ (سورة المائدة آية 62). وللسحت من قوله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ (سورة المائدة آية 42) وذلك للتخفيف.
وقرأ الباقون بضم الحاء، على الأصل.
قال ابن الجزري:
.......... ... والقدس نكر دم ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالدال من «دم» وهو «ابن كثير» بإسكان الدال من لفظ «القدس» حيث وقع، نحو قوله تعالى: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (سورة البقرة آية 87) وباسكان الكاف من «نكر» من قوله تعالى: إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (سورة القمر آية 6) وذلك للتخفيف.
وقرأ الباقون بضم الدال من «القدس» والكاف من «نكر» وذلك على الأصل.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وثلثي لبسا
المعنى: قرأ المرموز له باللام من «لبسا» وهو «هشام» بإسكان الثاء من «ثلثي» من قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ (سورة المزمل آية 20) وذلك للتخفيف.
وقرأ الباقون بضم الثاء، على الأصل.
قال ابن الجزري:
عقبى نهى فتى .......... ... ..........
(2/32)

المعنى: قرأ المرموز له بالنون من «نهى» والفاء من «فتى» وهما: «عاصم، وحمزة» بإسكان القاف من «عقبا» من قوله تعالى: وَخَيْرٌ عُقْباً (سورة الكهف آية 44).
والباقون بضم القاف على الأصل.
قال ابن الجزري:
.......... وعربا في صفا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» ومدلول «صفا» وهم: حمزة، وشعبة، وخلف العاشر». «عربا» من قوله تعالى: عُرُباً أَتْراباً (سورة الواقعة آية 37) بإسكان الراء للتخفيف.
وقرأ الباقون بضم الراء، على الأصل.
قال ابن الجزري:
.......... ... خطوات إذ هد خلف صف فتى حفا
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «إذ» والهاء من «هد» بخلف عنه، والصاد من «صف» ومدلول «فتى» والحاء من «حفا» وهم: «نافع، والبزي بخلف عنه وشعبة، وحمزة،
وخلف العاشر، وأبو عمرو» «خطوت» حيث وقع في القرآن نحو قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ (سورة البقرة آية 168) بإسكان الطاء، للتخفيف.
وقرأ الباقون بضم الطاء، وهو الوجه الثاني للبزّي، وذلك على الأصل.
وقد روى الإسكان عن «البزّي» «أبو ربيعة» وروى عنه الضمّ «ابن الحباب».
قال ابن الجزري:
ورسلنا مع هم وكم وسبلنا ... حز ..........
(2/33)

المعنى: قرأ المرموز له بالحاء من «حز» وهو «أبو عمرو» بإسكان السين من «رسلنا، ورسلهم، ورسلكم» حيث أتى نحو قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ (سورة المائدة آية 32). وقوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ (سورة الأعراف آية 101). وقوله تعالى: قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ (سورة غافر آية 50). وبإسكان الباء من «سبلنا» من قوله تعالى: وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا (سورة إبراهيم آية 12).
وقرأ الباقون بضم السين من «رسلنا، ورسلهم، ورسلكم» وبضم الباء من «سبلنا» وذلك على الأصل.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... جرف لي الخلف صف فتى منا
المعنى: قرأ المرموز له باللام من «لي» بخلف عنه، والصاد من «صف» ومدلول «فتى» والميم من «منا» وهم: «هشام بخلف عنه، وشعبة، وحمزة، وخلف العاشر، وابن ذكوان» بإسكان الراء من «جرف» من قوله تعالى: أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ (سورة التوبة آية 109).
وقرأ الباقون بضم الراء، وهو الوجه الثاني لهشام.
قال ابن الجزري:
والأكل أكل إذ دنا .... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «إذ»، والدال من «دنا» وهما «نافع، وابن كثير» بإسكان الكاف من «الأكل، وأكل» حيث وقعا في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى: وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ (سورة الرعد آية 4).
وقوله: وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ (سورة سبأ آية 16).
وقرأ الباقون بضم الكاف فيهما، على الأصل.
(2/34)

قال ابن الجزري:
.......... وأكلها ... شغل أتى حبر ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «أتى» ومدلول «حبر» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو» بإسكان الكاف من «أكلها» حيث وقع نحو قوله تعالى:
كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ (سورة البقرة آية 265) وبإسكان الغين من «شغل» من قوله تعالى: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (سورة يس آية 55).
وقرأ الباقون بضم الكاف من «أكلها» وبضم الغين من «شغل» على الأصل.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وخشب حط رها
زد خلف .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالحاء من «حط» والراء من «رها» والزاي من «زد» بخلف عنه، وهم: «أبو عمرو، والكسائي، وقنبل بخلف عنه» بإسكان الشين من «خشب» من قوله تعالى: وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ (سورة المنافقون آية 4).
وقرأ الباقون بضم الشين، وهو الوجه الثاني لقنبل. وقد روى الإسكان عن «قنبل» «ابن مجاهد» وروى عنه الضمّ «ابن شنبوذ».
قال ابن الجزري:
... نذرا حفظ صحب ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالحاء من «حفظ» ومدلول «صحب» وهم: «أبو عمرو، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» بإسكان الذال من «نذرا» من قوله تعالى: عُذْراً أَوْ نُذْراً (سورة المرسلات آية 6).
(2/35)

وقرأ الباقون بضم الذال، على الأصل.
قال ابن الجزري:
.......... واعكسا ... رعب الرعب رم كم ثوى ....
المعنى: قرأ بعكس هذه الترجمة فضم الحرف الساكن من عين الفعل في المواضع الآتية: المرموز له بالراء من «رم» والكاف من «كم» ومدلول «ثوى» وهم: «الكسائي، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب» قرءوا بضم العين من «رعب» المنكر، و «الرعب» المعرف، نحو قوله تعالى: وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (سورة الكهف آية 18). وقوله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ (سورة آل عمران آية 151).
وقرأ الباقون بإسكان العين فيهما، للتخفيف.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... رحما كسا
ثوى .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كسا» ومدلول «ثوى» وهم: «ابن عامر وأبو جعفر، ويعقوب» بضم الحاء من «رحما» وهو في قوله تعالى: فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (سورة الكهف آية 81).
وقرأ الباقون بإسكان الحاء، للتخفيف.
قال ابن الجزري:
... وجزءا صف .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صف» وهو «شعبة» بضم الزاي من «جزءا» المنون المنصوب، وهو في موضعين: في قوله تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً (سورة البقرة آية 260). وفي قوله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ
(2/36)

جُزْءاً (سورة الزخرف آية 15) ومن «جزء» المنون المرفوع، وهو في قوله تعالى:
لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (سورة الحجر آية 44).
وقرأ باقي القراء بإسكان الزاي فيهما.
قال ابن الجزري:
.......... وعذرا أو شرط ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالشين من «شرط» وهو «روح» بضم الذال من «عذرا» التي بعدها «أو» وهو في قوله تعالى: عُذْراً أَوْ نُذْراً (سورة المرسلات آية 6). وقيّد الناظم موضع الخلاف «بأو» احترازا من قوله تعالى: قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (سورة الكهف آية 76). فقد اتفق القراء على قراءته بإسكان الذال.
وقرأ الباقون «عذرا أو» بإسكان الذال.
قال ابن الجزري:
.......... ... وكيف عسر اليسر ثق وخلف خط
بالذرو .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثق» وهو «أبو جعفر» بضم السين من «العسر، واليسر» كيف جاء نحو قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ (سورة البقرة آية 280). وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (سورة البقرة آية 185) إلا أنه اختلف عن «ابن وردان» في موضع الذاريات (آية 3) وهو قوله تعالى: فَالْجارِياتِ يُسْراً فروي عنه الوجهان: الضم والإسكان.
وقرأ الباقون بإسكان السين من لفظ «العسر واليسر» كيف جاء.
قال ابن الجزري:
... سحقا ذق وخلفا رم خلا ... ..........
(2/37)

المعنى: قرأ المرموز له بالذال من «ذق» والراء من «رم» والخاء من «خلا» بخلف عنهما، وهم: «ابن جماز، والكسائي، وابن وردان» بخلف عنهما، بضم الحاء من «سحقا» من قوله تعالى: فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (سورة الملك آية 11).
وقرأ الباقون بإسكان الحاء، وهو الوجه الثاني لكل من: «الكسائي، وابن وردان».
قال ابن الجزري:
.......... ... قربة جد ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالجيم من «جد» وهو «ورش» من طريقيه معا بضم الراء من «قربة» من قوله تعالى: أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ (سورة التوبة آية 99).
وقرأ الباقون بإسكان الراء.
قال ابن الجزري:
.......... ... ... نكرا ثوى صن إذ ملا
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «ثوى» وبالصاد من «صن» وبالألف من «إذ» وبالميم من «ملا» وهم: «أبو جعفر، ويعقوب، وشعبة، ونافع، وابن ذكوان» بضم الكاف من «نكرا» وهو في موضعين:
الأول: قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (سورة الكهف آية 74).
والثاني: قوله تعالى: وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (سورة الطلاق آية 8).
وقرأ الباقون بإسكان الكاف. والتثقيل في كل ما تقدم لغة أهل الحجاز، والتخفيف لغة أهل نجد.
قال ابن الجزري:
ما يعملون دم .... ... ..........
(2/38)

المعنى: قرأ المرموز له بالدال من «دم» وهو «ابن كثير» «تعملون» من قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سورة البقرة آية 74) بياء الغيبة، على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، أي وما الله بغافل عما يعمل هؤلاء الذين قصصنا عليكم قصصهم أيها المسلمون.
وقرأ الباقون «تعملون» بتاء الخطاب، جريا على نسق ما قبله من قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ. (سورة البقرة آية 74).
قال ابن الجزري:
.......... وثان إذ صفا ... ظلّ دنا ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «إذ» ومدلول «صفا» وبالظاء من «ظل» والدال من «دنا» وهم: «نافع، وشعبة، وخلف العاشر، ويعقوب، وابن كثير» بياء الغيبة في تعملون الثاني وهو في قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ (سورة البقرة الآيتان 85 - 86) وذلك لمناسبة قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ (سورة البقرة آية 85).
وقرأ الباقون «تعملون» بتاء الخطاب، لمناسبة قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ. (سورة البقرة آية 84).
قال ابن الجزري:
.......... ... ... باب الأماني خفّفا
أمنيّته والرفع والجرّ اسكنا ... ثبت ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثبت» وهو «أبو جعفر» بتخفيف الياء المفتوحة من كل ما جاء من «الأماني» نحو قوله تعالى: إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (سورة البقرة آية 78). وقوله تعالى: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ (سورة البقرة آية 111) وقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ (سورة النساء آية 123).
وقوله تعالى: أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (سورة الحج آية 52).
وقرأ الباقون بتشديد الياء.
(2/39)

وتوجيه القراءتين: أن «أماني» جمع «أمنية» وأصلها «أمنوية» على وزن «أفعولة» اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، و «أفعولة» تجمع على «أفاعيل» مثل «أنشودة» تجمع على «أناشيد» وعلى ذلك جاءت قراءة جمهور القراء. ووجه قراءة «أبي جعفر» أنّ «أفعولة» جمعت على «أفاعل» تخفيفا مع عدم الاعتداد بالواو التي كانت في المفرد، كما جمع «مفتاح» على «مفاتح».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... خطيئاته جمع إذ ثنا
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «إذ» والثاء من «ثنا» وهما: «نافع، وأبو جعفر» «خطيئته» من قوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ (سورة البقرة آية 81).
«وخطيئاته» بالجمع، وتوجيه ذلك لما كانت الذنوب كثيرة جاء اللفظ مطابقا للمعنى.
وقرأ الباقون «خطيئته» بالإفراد، والمراد اسم الجنس، واسم الجنس يشمل القليل والكثير.
قال ابن الجزري:
لا يعبدون دم رضى .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالدال من «دم» ومدلول «رضى» وهم: «ابن كثير، وحمزة، والكسائي» «لا تعبدون» من قوله تعالى: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (سورة البقرة آية 83) بياء الغيب، جريا على السياق الذي قبله في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (سورة البقرة آية 83). وبنو إسرائيل غيّب عن الحضور.
وقرأ الباقون «لا تعبدون» بتاء الخطاب، مناسبة للخطاب الذي بعده في قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ. (سورة البقرة آية 83).
(2/40)

قال ابن الجزري:
.......... وخفّفا ... تظاهرون مع تحريم كفا
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفا» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تظهرون، تظهرا» من قوله تعالى: تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ (سورة البقرة آية 85). وقوله تعالى: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ (سورة التحريم آية 4) بتخفيف الظاء، على أن الأصل «تتظاهرون، تتظاهرا» فحذف إحدى التاءين تخفيفا.
وقرأ الباقون بتشديد الظاء فيهما، وذلك على إدغام التاء في الظاء.
قال ابن الجزري:
حسنا فضمّ اسكن نهى حز عمّ دل ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالنون من «نهى» وبالحاء من «حز» ومدلول «عمّ» وبالدال من «دل» وهم: «عاصم، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر، وأبو جعفر، وابن كثير» «حسنا» من قوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (سورة البقرة آية 83) بضم الحاء، وإسكان السين، على أنها لغة في «الحسن» مثل: «البخل والبخل» و «الرّشد والرّشد»، فهو كالقراءة الآتية، وتقديره: وقولوا للناس قولا حسنا، ويجوز أن يكون «حسنا» مصدرا مثل: «الشكر والكفر» فيلزم تقدير حذف مضاف تقديره: «وقولوا للناس قولا ذا حسن».
وقرأ الباقون وهم: «حمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «حسنا» بفتح الحاء، والسين، على أنه صفة لمصدر محذوف، تقدير: وقولوا للناس قولا حسنا.
قال ابن الجزري:
.......... ... أسرى فشا ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فشا» وهو «حمزة» «أسرى» من قوله
(2/41)

تعالى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى (سورة البقرة آية 85) قرأها «أسرى» بفتح الهمزة، وإسكان السين، وحذف الألف بعدها، على وزن «فعلى» جمع «أسير» مثل:
«جريح وقتيل» بمعنى: مأسور، ومجروح، ومقتول، فلما كان «جريح وقتيل» يجمعان على «فعلى» ولا يجمعان على «فعالى» فعل بأسرى ذلك فهو أصله.
وقرأ الباقون «أسارى» بضم الهمزة، وفتح السين، وإثبات ألف بعدها، جمع «أسرى» مثل «سكر وسكارى» فيكون «أسارى» جمع الجمع، وقيل:
«أسارى» جمع «أسير» مثل: «كسالى جمع كسيل».
قال ابن الجزري:
.......... ... ... تفدوا تفادوا رد ظل
نال مدا .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالراء من «رد» والظاء من «ظلل» والنون من «نال» ومدلول «مدا» وهم: «الكسائي، ويعقوب، وعاصم، ونافع، وأبو جعفر» «تفادوهم» من قوله تعالى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ (سورة البقرة آية 85) بضم التاء، وفتح الفاء، وألف بعدها من «فادى». وهذه القراءة تحتمل أحد معنيين:
الأول: أن تكون المفاعلة على بابها، إذ الأصل فيها أن تكون بين فريقين يدفع كل فريق من عنده من الأسرى للفريق الآخر، سواء كان العدد مماثلا، أو غير مماثل حسب الاتفاق الذي يتمّ بين الفريقين.
والثاني: أن تكون المفاعلة ليست على بابها، مثل قول «ابن عباس» رضي الله عنهما: «فاديت نفسي» وحينئذ تتحد هذه القراءة في المعنى مع القراءة الآتية.
وقرأ الباقون «تفدوهم» بفتح التاء، وإسكان الفاء وحذف الألف بعدها، من «فدى» الثلاثي، فالفعل من جانب واحد، إذ لا يكون كل واحد من الفريقين غالبا، وحينئذ فأحد الفريقين يفدي أصحابه من الفريق الآخر بمال أو غيره.
(2/42)

قال ابن الجزري:
... ينزل كلّا خفّ حق ... لا الحجر والأنعام أن ينزل دق
الاسرى حما والنحل الأخرى حز دفا ... والغيث مع منزلها حقّ شفا
المعنى: اختلف القراء في «ينزل» وبابه، إذا كان فعلا مضارعا بغير همزة، مضموم الأول، مبنيا للفاعل، أو المفعول، أو له تاء، أو ياء، أو نون، حيث أتى في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ (سورة البقرة آية 90).
«فابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» يسكنون النون، ويخففون الزاي، على أنه مضارع «أنزل» المعدّى بالهمزة إلّا قوله تعالى: وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (سورة الحجر آية 21) فإنه لا خلاف بين القراء في تشديده، لأنه أريد به المرّة بعد المرّة.
وافقهم «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» على قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ (سورة لقمان آية 34). وعلى قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ (سورة الشورى آية 28).
وخالف «أبو عمرو، ويعقوب» أصلهما في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً (سورة الأنعام آية 37) فشدّداه، ولم يخففه سوى «ابن كثير».
وخالف «ابن كثير» أصله في موضعي الإسراء وهما:
1 - وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ (آية 82).
2 - حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ (آية 93).
فشدّدهما، ولم يخفف الزاي فيهما سوى «أبي عمرو، ويعقوب».
وخالف «يعقوب» أصله في الموضع الأخير من «النحل» وهو قوله تعالى:
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ (آية/ 101) فشدّده، ولم يخففه سوى «ابن كثير، وأبي عمرو».
وأمّا الموضع الأول من سورة «النحل» وهو قوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ
(2/43)

بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ (آية 2) فقد قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، ورويس» بتخفيف الزاي المكسورة، وإسكان النون، على أنه مضارع «أنزل» و «الملائكة» بالنصب مفعول به.
وقرأ «روح»: «تنزل» بتاء مثناة من فوق مفتوحة، ونون مفتوحة، وزاي مفتوحة مشدّدة، مضارع «تنزل» حذفت منه التاء، و «الملائكة» بالرّفع فاعل.
وقرأ الباقون موضع النحل «ينزّل» بتشديد الزاي المكسورة، وفتح النون، مضارع «نزّل» و «الملائكة» بالنصب مفعول به وسيأتي التنبيه على ذلك في سورة النحل حيث يقول ابن الجزري:
ينزل مع ما بعد مثل القدر عن ... روح ..........
وقرأ باقي القراء العشرة غير من ذكر «ينزل» وبابه بفتح النون، وتشديد الزاي، على أنه مضارع «نزّل» المعدّى بالتضعيف.
وخرج بقيد المضارع، الماضي، نحو قوله تعالى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً (سورة البقرة آية 22) وبالمضموم الأول، مفتوح الأول نحو قوله تعالى: وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ (سورة سبأ آية 2) وبغير همزة، ما إذا كان مهموزا، نحو قوله تعالى: وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (سورة الأنعام آية 93).

تنبيه:
قوله تعالى: وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (سورة الحجر آية 21) اتفق القراء العشرة على ضم النون الأولى، وفتح الثانية، وتشديد الزاي، ولم يجر فيه الخلاف الذي في نظائره، لأنه أريد به الإنزال المرّة بعد المرّة، ولأن القراءة سنة متبعة.
والنزول في الأصل: هو انحطاط من «علوّ».
و «نزل» بتخفيف الزاي تتعدى بحرف الجرّ، يقال: «نزل عليهم، ونزل بهم، ونزل عن دابته، ونزل في مكان كذا.
ومصدر «نزل» مخفّف الزاي «نزولا».
(2/44)

ومصدر «نزّل» مضعّف العين «التنزيل».
ومصدر «أنزل» الرباعي «الإنزال».
قال ابن الجزري:
ويعملون قل خطاب ظهرا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظهرا» وهو «يعقوب» «يعملون» التي بعدها «قل» وهو قوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ* قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ (سورة البقرة الآيتان 96 - 97) بتاء الخطاب، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
وقرأ الباقون «يعملون» بياء الغيب، جريا على نسق ما قبله، من قوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ* وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (سورة البقرة الآيتان 95 - 96).
قال ابن الجزري:
.......... ... جبريل فتح الجيم دم وهي ورا
فافتح وزد همزا بكسر صحبه ... كلّا وحذف الياء خلف شعبه
المعنى: اختلف القراء في لفظ «جبريل» حيثما وقع، وهو في قوله تعالى:
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ (سورة البقرة آية 97) وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ (سورة البقرة آية 98). وقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ (سورة التحريم آية 4).
فقرأ «ابن كثير» «جبريل» بفتح الجيم، وكسر الراء، وحذف الهمزة، وإثبات الياء.
وقرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وشعبة بخلف عنه» «جبرئيل» بفتح الجيم، والراء، وهمزة مكسورة، وياء ساكنة مدّيّة.
والوجه الثاني لشعبة مثل وجهه الأول إلا أنه يحذف الياء.
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، وأبو
(2/45)

جعفر، ويعقوب» «جبريل» بكسر الجيم والراء، وحذف الهمزة، وإثبات الياء.
وجبريل اسم أعجميّ، وكلها لغات، غير أن من قرأه «جبريل» بكسر الجيم والراء، وحذف الهمزة، وإثبات الياء، على وزن «فعليل» فقد جاء على وزن أبنية العرب، فهو مثل «قنديل، ومنديل».
ومن قرأه بغير ذلك فقد جاء على غير أبنية العرب، ليعلم أنه أعجمي خارج عن أبنية العرب، إلّا أن العرب نطقت به.
قال ابن الجزري:
ميكال عن حما وميكائيل لا ... يا بعد همز زن بخلف ثق ألا
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عن» ومدلول «حما» وهم: «حفص، وأبو عمرو، ويعقوب» «وميكال» من قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ (سورة البقرة آية 98). قرءوه «وميكال» على وزن «مثقال» بحذف الهمزة من غير ياء بعدها، وهي لغة «الحجازيين».
وقرأ المرموز له بالزاي من «زن» بخلف عنه، وبالثاء من «ثق» بالألف من «ألا» وهم: «قنبل بخلف عنه، وأبو جعفر، ونافع» قرءوا «ميكائل» بهمزة بعد الألف من غير ياء، وهي لغة لبعض العرب.
وقرأ الباقون «ميكائيل» بالهمزة، وإثبات ياء بعدها، وهو الوجه الثاني «لقنبل» وهي لغة أيضا.
وميكال: اسم أعجميّ، فمن قرأه «ميكال» على وزن «مفعال» فقد جاء على وزن أبنية العرب.
ومن قرأه بغير ذلك فليعلم أنه خارج عن أبنية العرب.
قال ابن الجزري:
ولكن الخفّ وبعد ارفعه مع ... أوّلي الأنفال كم فتى رتع.
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» ومدلول «فتى» والراء من «رتع»
(2/46)

وهم: «ابن عامر، وحمزة، وخلف العاشر، والكسائي» قرءوا قوله تعالى:
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا (سورة البقرة آية 102). وقوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى (سورة الأنفال آية 17) «ولكن» بتخفيف النون، وإسكانها، ثم كسرها تخلصا من التقاء الساكنين، ورفع الاسم الذي بعدها، وذلك على أنّ «لكن» مخففة من الثقيلة لا عمل لها، وهي حرف ابتداء.
وقرأ الباقون «ولكنّ» بتشديد النون وفتحها، ونصب الاسم الذي بعدها، وذلك على إعمالها عمل «إنّ» فتنصب الاسم وترفع الخبر.

تنبيه:
قيّد الناظم خلاف القراء بالموضعين الأولين في الانفال ليخرج الثالث، والرابع وهما قوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ (آية 43) وقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (رقم 63) فإنه لا خلاف في تشديدهما، ونصب الاسم الذي بعدهما.
قال ابن الجزري:
ولكن الناس شفا .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ولكن الناس» من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (سورة يونس آية 44). قرءوا «ولكن» بتخفيف النون وإسكانها، ثم كسرها تخلصا من التقاء الساكنين، وذلك على أنّ «ولكن» مهملة لا عمل لها، و «الناس» بالرفع مبتدأ، و «أنفسهم» مفعول «يظلمون» مقدم، و «يظلمون» الجملة خبر المبتدأ.
وقرأ الباقون «ولكنّ» بتشديد النون، و «الناس» بالنصب اسم «ولكنّ» و «يظلمون» خبرها.
قال ابن الجزري:
.......... والبرّ من ... كم أمّ ..........
(2/47)

المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» والألف من «أمّ» وهما: «ابن عامر، ونافع» قوله تعالى:
1 - وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (سورة البقرة آية 177).
2 - وقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى (سورة البقرة آية 189) بتخفيف النون واسكانها، ثم كسرها تخلصا من التقاء الساكنين، ورفع الراء من «البرّ».
وذلك على أن «ولكن» مخففة لا عمل لها.
وقرأ الباقون «ولكنّ» بتشديد النون وفتحها، ونصب الراء من «البرّ» وذلك على إعمال «ولكن» عمل «إنّ» فتنصب الاسم، وترفع الخبر.
قال ابن الجزري:
.......... ... ...... ننسخ ضمّ واكسر من لسن
خلف كننسها بلا همز كفى ... عمّ ظبى ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالميم من «من» واللام من «لسن» بخلف عنه وهما: «ابن ذكوان، وهشام» بخلف عنه «ما ننسخ» من قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (سورة البقرة آية 106). بضم النون الأولى، وكسر السين، مضارع «أنسخ» الرباعي، قال «مكي بن أبي طالب» ت 437 هـ: «على جعله رباعيا من «أنسخت الكتاب» على معنى: وجدته منسوخا، مثل: أحمدت الرجل، وجدته محمودا، وأبخلت الرجل، وجدته بخيلا، ولا يجوز أن يكون «أنسخت» بمعنى «نسخت» إذ لم يسمع ذلك، ولا يحسن أن تكون الهمزة للتعدّي، لأن المعنى يتغير ويصير المعنى: ما نسختك يا محمد من آية، وإنساخه إياها إنزالها عليه، فيصير المعنى: ما ننزل عليك من آية أو ننسخها نأت بخير منها، ويؤول المعنى إلى أن كل آية أنزلت أتي بخير منها، فيصير القرآن كله منسوخا، وهذا لا يمكن، لأنه لم ينسخ إلّا اليسير من القرآن، وامتنع أن تكون الهمزة للتعدّي، لفساد المعنى، لم يبق إلّا أن يكون من باب «أحمدته وأبخلته» وجدته محمودا وبخيلا» اهـ «1».
__________
(1) انظر: الكشف عن وجوه القراءات لمكي ج 1/ 257.
(2/48)

وقرأ الباقون «ما ننسخ» بفتح النون، والسين، وهو الوجه الثاني «لهشام» على أنه مضارع «نسخ» الثلاثي، على معنى: ما نرفع من حكم آية ونبقي تلاوتها نأت بخير منها لكم أو مثلها.
ويحتمل أن يكون المعنى: ما نرفع من حكم آية وتلاوتها، أو ننسكها يا «محمد» فلا تحفظ تلاوتها نأت بخير منها أو مثلها.
وقرأ مدلول «كفى» ومدلول «عمّ» والظاء من «ظبى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، ونافع، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب» «أو ننسها» من قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (سورة البقرة آية 106) بضم النون، وكسر السين من غير همز، من النسيان الذي بمعنى الترك، أي نتركها فلا نبدّلها، ولا ننسخها، قال هذا المعنى كل من: «عبد الله بن عباس ت 68 هـ رضي الله عنهما والسّدّي- اسماعيل بن عبد الرحمن» ت 127 هـ.
وقرأ الباقون وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو» «ننسأها» بفتح النون الأولى، والسين، وهمزة ساكنة بين السين والهمزة، من «النسأ» وهو التأخير.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... بعد عليم احذفا
واوا كسا .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كسا» وهو «ابن عامر» «وقالوا» الواقعة بعد «عليم» بحذف الواو، وذلك من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ* وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ (سورة البقرة الآيتان 115 - 116) وذلك على الاستئناف، وهي مرسومة في مصحف «أهل الشام» «قالوا» بدون واو، ليتفق رسم المصحف مع القراءة «1».
وقرأ الباقون «وقالوا» بالواو، على أنها لعطف جملة على مثلها، وهي مرسومة في بقية المصاحف «وقالوا» بالواو، ليتفق مع القراءة.
__________
(1) قال ابن عاشر: وقالوا اتخذ بحذف شام.
(2/49)

تنبيه:
قوله تعالى: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ (سورة يونس آية 68) اتفق القراء العشرة على قراءته «قالوا» بدون واو قبل القاف، وقد اتفقت جميع المصاحف على كتابته بدون واو. وهو كلام مستأنف ليس قبله ما يعطف عليه، خرّج مخرج التعجّب من عظم جراءتهم، وقبيح افترائهم. يضاف إلى ذلك أن القراءة سنة متبعة ومبنية على التوقيف.
قال ابن الجزري:
.......... كن فيكون فانصبا ... رفعا سوى الحق وقوله كبا
والنحل مع يس رد كم ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في لفظ «فيكون» الذي قبله «كن» المسبوقة «بإنما» حيث وقع في القرآن الكريم، وهو في ستة مواضع:
الأول: وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة البقرة آية 117).
والثاني: وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة آل عمران آية 47).
والثالث: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة النحل آية 40).
والرابع: فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ (سورة مريم الآيتان 35 - 36).
والخامس: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة يس آية 82).
والسادس: فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة غافر آية 68).
فقرأ «ابن عامر» بنصب نون «فيكون» في المواضع الستة. ووافقه «الكسائي» على نصب النون في موضعي: النحل، ويس. ووجه النصب أنه على تقدير إضمار «أن» بعد الفاء الواقعة بعد حصر «بإنما».
قال «الأشموني»: «قد تضمر «أن» بعد الفاء الواقعة بعد حصر «بإنما»
(2/50)

اختيارا نحو: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة آل عمران آية 47) في قراءة من نصب» اهـ «1».
فإن قيل: لماذا لا يكون وجه النصب على تقدير إضمار «أن» بعد الفاء المسبوقة بلفظ الأمر وهو «كن»؟
أقول: لأن «كن» ليس بأمر، لأن معناه الخبر، إذ ليس ثمّ مأمور يكون «كن» أمرا له.
والمعنى: فإنما يقول له كن فيكون فهو يكون، ويدلّ على أنّ «فيكون» ليس بجواب «كن» أنّ الجواب بالفاء مضارع به الشرط، وإلى معناه يؤول في التقدير، فإذا قلت: اذهب فأكرمك، فمعناه: إن تذهب فأكرمك.
ولا يجوز أن تقول: «اذهب فتذهب» لأن المعنى يصير: «إن تذهب تذهب» وهذا لا معنى له.
وكذلك «كن فيكون» يؤول معناه إذا جعلت «فيكون» جوابا، أن تقول له: «أن يكون فيكون» ولا معنى لهذا، لأنه قد اتفق فيه الفاعلان، لأن الضمير الذي في «كن» وفي «يكون» «الشيء» ولو اختلفا لجاز، كقولك: «اخرج فأحسن إليك» أي إن تخرج أحسنت إليك، ولو قلت: «قم فتقوم» لم يحسن، إذ لا فائدة فيه، لأن الفاعلين واحد، ويصير التقدير: «إن تقم تقم» فالنصب في هذا على الجواب بعيد في المعنى.
وقال «الصبّان»: «7 نما لم يجعل منصوبا في جواب «كن» لأنه ليس هناك قول «كن» حقيقة، بل هي كناية عن تعلق القدرة تنجيزا بوجود الشيء، ولما سيأتي عن «ابن هشام» من أنه لا يجوز توافق الجواب والمجاب في الفعل والفاعل، بل لا بدّ من اختلافهما فيهما، أو في أحدهما، فلا يقال: «قم تقم».
وبعضهم جعله منصوبا في جوابه نظرا إلى وجود الصيغة في هذه الصورة، ويردّه ما ذكرناه عن «ابن هشام» اهـ» «2».
__________
(1) انظر: شرح الأشموني على الألفية ج 3/ 229.
(2) انظر: حاشية الصبان على الأشموني ج 3/ 229.
(2/51)

وقرأ الباقون بالرفع في «فيكون» في المواضع الستة، وذلك على الاستئناف، والتقدير: «فهو يكون».
قال ابن الجزري:
.......... تسئل ... للضّمّ فافتح واجز من إذ ظلّلوا
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «إذ» والظاء من «ظلّلوا» وهما: «نافع، ويعقوب» «ولا تسأل» من قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (سورة البقرة آية 119). بفتح التاء، وجزم اللام، وذلك على النهي، وظاهره أنه نهي حقيقة، نهي صلّى الله عليه وسلّم أن يسأل عن أحوال الكفار، لأن سياق الكلام يدلّ على أن ذلك عائد على اليهود، والنصارى، ومشركي العرب، الذين جحدوا نبوته صلّى الله عليه وسلّم، وكفروا عنادا، وأصرّوا على كفرهم، وكذلك جاء بعده قوله تعالى: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (سورة البقرة آية 120).
وقرأ الباقون «ولا تسأل» بضم التاء، ورفع اللام، وذلك على الاستئناف. والمعنى على ذلك: أنك لا تسأل عن الكفار ما لهم لم يؤمنوا، لأن ذلك ليس إليك، إن عليك إلّا البلاغ، إنك لا تهدي من أحببت، إنما أنت منذر، وفي ذلك تسلية له صلّى الله عليه وسلّم وتخفيف ما كان يجده من عنادهم، فكأنه قيل له:
لست مسئولا عنهم فلا يحزنك كفرهم، وفي ذلك دليل على أنّ أحدا لا يسأل عن ذنب غيره، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
قال ابن الجزري:
ويقرا إبراهيم ذي مع سورته ... مع مريم النحل أخيرا توبته
آخر الانعام وعنكبوت مع ... أواخر النسا ثلاثة تبع
والذرو والشورى امتحان أوّلا ... والنجم والحديد ماز الخلف لا
المعنى: اختلف القراء في كلمة «إبراهيم» في ثلاثة وثلاثين موضعا: من
(2/52)

ذلك خمسة عشر موضعا في سورة البقرة نحو قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (سورة البقرة آية 124).
والثلاثة الأخيرة من سورة النساء وهنّ:
1 - قوله تعالى: وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (سورة النساء آية 125).
2 - قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (سورة النساء آية 125).
3 - قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ (سورة النساء آية 163).
والموضع الأخير من سورة الأنعام، وهو قوله تعالى: دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (سورة الأنعام آية 161).
والموضعان الأخيران من سورة التوبة وهما:
1 - قوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ (سورة التوبة آية 114).
2 - قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (سورة التوبة آية 114).
وموضع في سورة إبراهيم، وهو قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً (سورة إبراهيم آية 35).
وموضعان في سورة النحل وهما:
1 - قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً (سورة النحل آية 120).
2 - قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (سورة النحل آية 123).
وثلاثة مواضع في سورة مريم وهن:
1 - قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ (سورة مريم آية 41).
2 - قوله تعالى: قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ (سورة مريم آية 46).
3 - قوله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ (سورة مريم آية 58).
والموضع الأخير من سورة العنكبوت وهو قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى (سورة العنكبوت آية 31).
(2/53)

وموضع في الشورى وهو قوله تعالى: وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى (سورة الشورى آية 13).
وموضع في الذاريات وهو قوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (سورة الذاريات آية 24).
وموضع في النجم وهو قوله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (سورة النجم آية 37).
وموضع في الحديد وهو قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ (سورة الحديد آية 26).
والموضع الأول من سورة الممتحنة وهو قوله تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ (سورة الممتحنة آية 4).
فقرأ المرموز له بالميم من «ماز» بخلف عنه، واللام من «لا» وهو «ابن عامر» بخلف عن «ابن ذكوان» جميع هذه الألفاظ المتقدمة في الثلاثة والثلاثين موضعا «إبراهام» بفتح الهاء، وألف بعدها.
وقرأ الباقون «إبراهيم» بكسر الهاء، وياء بعدها، وهو الوجه الثاني «لابن ذكوان» وهما لغتان بمعنى واحد.
وقد كتبت هذه المواضع الثلاثة والثلاثون في المصحف الشامي بحذف الياء ليوافق خط المصحف قراءة «ابن عامر».
وكتبت في بقية المصاحف بإثبات الياء، موافقة لقراءة باقي القراء بعد «ابن عامر».
أمّا ما عدا هذه المواضع التي فيها الخلاف فقد اتفق القراء العشرة على قراءة لفظ «إبراهيم» بالياء، وقد اتفقت جميع المصاحف على رسمها بالياء، ليوافق خط المصحف القراءة.
قال ابن الجزري:
واتخذوا بالفتح كم أصل ..... ... ..........
(2/54)

المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» والألف من «أصل» وهما: «ابن عامر، ونافع» «واتخذوا» من قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى (سورة البقرة آية 125)
بفتح الخاء، على أنه فعل ماض أريد به الإخبار، وهو معطوف على قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً مع إضمار «إذ».
والمعنى: واتخذ الناس من المكان الذي وقف عليه نبي الله إبراهيم عليه السلام عند بناء الكعبة «مصلى» أي يصلون عنده بعد الطواف بالبيت الحرام.
وقرأ الباقون «واتخذوا» بكسر الخاء، على أنه فعل أمر، والمأمور بذلك قيل: سيدنا «إبراهيم» وذريته، وقيل: نبينا «محمد» صلّى الله عليه وسلّم، وأمته، والأمر بالصلاة عند مقام سيدنا «إبراهيم» للندب، وليس للوجوب، بحيث من ترك الصلاة عند المقام لا يفسد حجه.
قال ابن الجزري:
.......... وخف ... أمتعه كم ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» وهو «ابن عامر» «فأمتعه» من قوله تعالى: قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا (سورة البقرة آية 126) بإسكان الميم، وتخفيف التاء، على أنه مضارع «أمتع» المعدّى بالهمزة.
والمعنى: يخبر الله تعالى بأنه سيمتّع الكفّار بالرزق في الدنيا، وهذا النعيم الذي يجدونه إذا قيس بنعيم الدار الآخرة الذي لا ينقطع أبدا يعتبر نعيما ومتاعا قليلا، ثم بعد ذلك يكون مأواهم النار وبئس المصير.
وقرأ الباقون «فأمتّعه» بفتح الميم، وتشديد التاء، على أنه مضارع «متّع» المعدّى بالتضعيف.
قال ابن الجزري:
.......... ... ...... أرنا أرني اختلف
مختلسا حز وسكون الكسر حق ... وفصّلت لي الخلف من حقّ صدق
(2/55)

المعنى: «أرنا، وأرني» حيثما وقعا في القرآن الكريم: نحو قوله تعالى:
وَأَرِنا مَناسِكَنا (سورة البقرة آية 128). وقوله تعالى: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى (سورة البقرة آية 260). فقرأ «ابن كثير، ويعقوب، وأبو عمرو» بخلف عنه بإسكان الراء في «أرنا» وأرني» حيثما وقعا في القرآن الكريم، والوجه الثاني لأبي عمرو الاختلاس.
وقرأ «ابن ذكوان، وشعبة، وهشام» بكسر الراء في جميع المواضع ما عدا موضع فصلت (آية 29) وهو قوله تعالى: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
فقد قرءوه بإسكان الراء سوى «هشام» فقد ورد عنه وجهان: الكسر، والإسكان.
وقرأ باقي القراء «أرنا وأرني» بكسر الراء فيهما، على الأصل، والكسر، والإسكان، والاختلاس، كلها لغات.
قال ابن الجزري:
أوصى يوصّى عمّ .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «عمّ» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «ووصّى» من قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ (سورة البقرة آية 132).
«وأوصى» بهمزة مفتوحة بين الواوين مع تخفيف الصاد، معدّى بالهمزة، وقد رسم المصحف المدني، والشامي طبقا لهذه القراءة «1».
المعنى: أوصى نبيّ الله «إبراهيم» عليه السلام بنيه باتباع الملّة الحنيفية وهي الإخلاص لله تعالى في العبودية. وإنما خصّ البنين بالذكر لأن إشفاق
__________
(1) قال ابن عاشر: أوصى خذا للمدنيين وشام بالألف.
(2/56)

الأب عليهم أكثر، وهم بقبول الوصية أجدر، وإلّا فمن المعلوم أن سيدنا «إبراهيم» كان يدعو الجميع إلى عبادة الله وحده.
وقرأ الباقون «ووصّى» بحذف الهمزة مع تشديد الصاد معدّى بالتضعيف، وقد رسمت المصاحف غير المدني والشامي، «ووصّى» طبقا لهذه القراءة، ليوافق الرسم القراءة.
قال ابن الجزري:
.......... أم يقول حف ... صف حرم شم ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالحاء من «حف» والصاد من «صف» ومدلول «حرم» والشين من «شم» وهم: «أبو عمرو، وشعبة، ونافع، وابن كثير، وأبو جعفر، وروح» «تقولون» من قوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى (سورة البقرة آية 140).
«يقولون» بياء الغيب، على أنه إخبار عن اليهود، والنصارى، وهم غيّب، فجرى الكلام على لفظ الغيبة. أو على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
المعنى: يستنكر الله تعالى على اليهود، والنصارى، ادعاءهم أن سيدنا «إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط» كانوا هودا أو نصارى، فردّ الله عليهم هذا الزعم بقوله تعالى: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (سورة آل عمران آية 67).
وقرأ الباقون «تقولون» بتاء الخطاب، لمناسبة قول الله تعالى قبله: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ (سورة البقرة آية 139). وبعده
قوله تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ (سورة البقرة آية 140). فجرى الكلام على نسق واحد في الخطاب.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وصحبة حما رؤف
فاقصر جميعا .......... ... ..........
(2/57)

المعنى: قرأ مدلول «صحبة» ومدلول «حما» وهم: «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وأبو عمرو، ويعقوب» قرءوا «لرءوف» حيثما وقع في القرآن نحو قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (سورة البقرة آية 143) و «رءوف» حيثما وقع أيضا نحو قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (سورة البقرة آية 207) بحذف الواو التي بعد الهمزة، فيصير اللفظ «لرؤف، رؤف» على وزن «عضد».
وقرأ الباقون «لرءوف، رءوف» بإثبات الواو التي بعد الهمزة فيصير اللفظ على وزن «فعول» وهما لغتان، والرأفة أشدّ الرحمة.
قال ابن الجزري:
.......... يعملون إذ صفا ... حبر غدا عونا وثانيه حفا
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «إذ» ومدلول «صفا» ومدلول «حبر» والمرموز له بالغين من «غدا» والعين من «عونا» وهم: «نافع، وعاصم، وخلف العاشر، وابن كثير، وأبو عمرو، ورويس» قرءوا «يعملون» من قوله تعالى:
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ* وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ (سورة البقرة الآيتان 144 - 145) بياء الغيبة، وهو عائد على أهل الكتاب:
اليهود، والنصارى في قوله تعالى قبله في نفس الآية: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.
المعنى: ليس الله بغافل عما يعمل هؤلاء اليهود والنصارى، من كتمان صفة نبينا «محمد» صلّى الله عليه وسلّم الموجودة عندهم في التوراة والإنجيل، بل هو عالم بعملهم وسيجازيهم عليه بالخزي في الدنيا، والعذاب المهين يوم القيامة.
وقرأ الباقون «تعملون» بتاء الخطاب، والمخاطب المؤمنون، وهو مناسب لقوله تعالى قبل في نفس الآية: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أو على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
(2/58)

ثم أخبر الناظم أن المرموز له بالحاء من «حفا» وهو «أبو عمرو» قرأ «تعملون» من قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (سورة البقرة الآيتان 149 - 150) بياء الغيبة، إخبارا عن اليهود الذين يخالفون النبي صلّى الله عليه وسلّم في «القبلة» وهم غيّب، والتقدير:
ولّ يا «محمد» وجهك نحو المسجد الحرام في الصلاة، وما الله بغافل عما يعمل من يخالفك من اليهود في القبلة.
وقرأ الباقون بتاء الخطاب، وهو موافق لنسق ما قبله من الخطاب للنبيّ عليه الصلاة والسلام، وأصحابه، في قوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (سورة البقرة آية 150).
والمعنى: فولوا وجوهكم أيها المؤمنون شطر المسجد الحرام في الصلاة، وما الله بغافل عما تعملون.

تنبيه:
«تعملون» من قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ (سورة البقرة الآيتان 140 - 141). اتفق القراء العشرة على قراءة «تعملون» بتاء الخطاب، وذلك لمناسبة الخطاب أول الآية في قوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ يضاف إلى ذلك أن القراءة سنة متبعة ومبنية على التوقيف.
قال ابن الجزري:
وفي مولّيها مولّاها كنا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كنا» وهو «ابن عامر» «موليها» من قوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ (سورة البقرة آية 148) بفتح اللام، وألف بعدها، اسم مفعول.
وقرأ الباقون: «موليها» بكسر اللام، وياء ساكنة بعدها اسم فاعل.
قال «الزبيدي» ت 1205 هـ: «التولية» تكون إقبالا، وتكون انصرافا:
(2/59)

فمن الأوّل قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (سورة البقرة آية 144) ومن الانصراف قوله تعالى: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها (سورة البقرة آية 142) أي: «ما عدلهم، وصرفهم» اهـ «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... تطوّع التّا يا وشدّد مسكنا
ظبّى شفا الثاني شفا ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تطوع» في الموضعين:
1 - من قوله تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (سورة البقرة آية 158).
2 - ومن قوله تعالى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ (سورة البقرة آية 184).
«يطّوّع»: بالياء التحتية، وتشديد الطاء، وجزم العين، وهو فعل مضارع مجزوم بمن الشرطية، وأصله «يتطوع» فأدغمت التاء في الطاء، وذلك لأنهما يخرجان من مخرج واحد وهو طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا، كما أنهما يتفقان في الصفتين الآتيتين: الشدّة، والإصمات.
المعنى: يخبر الله تعالى أن من يفعل خيرا تطوّعا لله تعالى، فهو خير له، لأن الله تعالى سيثيبه على ذلك يوم القيامة بالرضوان، والأجر العظيم.
وقرأ المرموز له بالظاء من «ظبى» وهو «يعقوب» الموضع الأول (آية 158) «يطّوّع» مثل قراءة حمزة، ومن معه، وقرأ الموضع الثاني (آية 184) «تطوّع» بالتاء الفوقية، وتخفيف الطاء، وفتح العين، وهو فعل ماض، في محل جزم «بمن» على أنها شرطيّة، أو صلة «لمن» على أنها اسم موصول.
وقرأ الباقون الموضعين «تطوع» بالتاء الفوقية، وتخفيف الطاء، وفتح العين، على أنه فعل ماض.
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «ولى» ج 1/ 400.
(2/60)

«والتطوع» في الأصل: تكلف الطاعة، وهو في التعارف: التبرع بما لا يلزم كالتنفّل، قال تعالى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ (سورة البقرة آية 184).
قال ابن الجزري:
.......... والريح هم ... كالهف مع جاثية توحيدهم
حجر فتى الأعراف ثاني الروم مع ... فاطر نمل دم شفا الفرقان دع
واجمع بإبراهيم شورى إذ ثنا ... وصاد الاسرا الأنبيا سبا تنا
والحجّ خلفه .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في لفظ «الرياح» من حيث الجمع والإفراد، والمواضع المختلف فيها وقعت في ستة عشر موضعا:
الأول: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ (سورة البقرة آية 164).
والثاني: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (سورة الأعراف آية 57).
والثالث: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ (سورة إبراهيم آية 18).
والرابع: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ (سورة الحجر آية 22).
والخامس: فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ (سورة الإسراء آية 69).
والسادس: فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ (سورة الكهف آية 45).
والسابع: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ (سورة الأنبياء آية 81).
والثامن: أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (سورة الحج آية 31).
والتاسع: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (سورة الفرقان آية 48).
والعاشر: وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (سورة النمل آية 63).
والحادي عشر: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً (سورة الروم آية 48).
والثاني عشر: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ (سورة سبأ آية 12).
والثالث عشر: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً (سورة فاطر آية 9).
(2/61)

والرابع عشر: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ (سورة ص آية 36).
والخامس عشر: إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ (سورة الشورى آية 33).
والسادس عشر: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (سورة الجاثية آية 5).
فقرأ «أبو جعفر» «الرياح» بالجمع قولا واحدا في خمسة عشر موضعا، واختلف عنه في الموضع السادس عشر وهو الوارد في سورة «الحج» فقرأه بالجمع، والإفراد.
وقرأ «نافع» بالإفراد في خمسة مواضع وهي الواردة في السور الآتية:
الإسراء، والأنبياء، والحج، وسبأ، وص، وقرأ الباقي بالجمع.
وقرأ «ابن كثير» بالجمع في أربعة مواضع وهي الواردة في السور الآتية:
البقرة، والحجر، والكهف، والجاثية، وقرأ الباقي بالإفراد.
وقرأ «أبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، ويعقوب» بالجمع في تسعة مواضع، وهي الواردة في السور الآتية: البقرة، والأعراف، والحجر، والكهف، والفرقان، والنمل، وثاني الروم، وفاطر، والجاثية، وقرءوا الباقي بالإفراد.
وقرأ «حمزة، وخلف العاشر» بالإفراد في موضعين وهما الواردان في «الحج» والفرقان» وقرآ الباقي بالجمع.
وقرأ «الكسائي» بالإفراد في ثلاثة مواضع وهي الواردة في السور الآتية:
الحجر، والحج، والفرقان، وقرأ الباقي بالجمع.
وجه القراءة بالجمع نظرا لاختلاف أنواع الرياح في هبوبها: جنوبا، وشمالا، وصبا، ودبورا، وفي أوصافها: حارّة، وباردة.
ووجه القراءة بالإفراد أن «الريح» اسم جنس يصدق على القليل والكثير.

تنبيه:
اتفق القراء على القراءة بالجمع في أول «الروم» وهو قوله تعالى:
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ (سورة الروم آية 46) وذلك من أجل الجمع في «مبشرات».
(2/62)

كما اتفقوا على القراءة بالإفراد في موضع الذاريات وهو قوله تعالى: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (سورة الذاريات آية 41) وذلك من أجل الإفراد في «العقيم».
قال ابن الجزري:
.......... ترى الخطاب ظل ... إذ كم خلا خلف ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظل» والألف من «إذ» والكاف من «كم» والخاء من «خلا» بخلف عنه وهم: «يعقوب، ونافع، وابن عامر، وابن وردان بخلف عنه» «يرى» من قوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (سورة البقرة آية 165) بتاء الخطاب، والمخاطب السامع، والنبي صلّى الله عليه وسلّم والَّذِينَ ظَلَمُوا مفعول به وصلته.
وقرأ الباقون «يرى» بياء الغيبة، وهو الوجه الثاني «لابن وردان» والَّذِينَ ظَلَمُوا فاعل وصلته.
والمعنى: ولو يرى الذين يتخذون شركاء مع الله تعالى العذاب الذي أعدّه الله لهم في الدار الآخرة، لأيقنوا أن القوّة لله وحده، وأنه شديد العذاب، وأن الأنداد والشركاء لا حول لهم ولا قوّة، ولم يغنوا عنهم من عذاب الله شيئا.
و «الرؤية» بالعين تتعدى إلى مفعول واحد، تقول: «رأيت الشجرة» أي أبصرتها.
وبمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين، تقول: «رأيت زيدا عالما» أي علمته عالما.
وقال «الراغب الأصفهاني» ت 502 هـ: «رأى إذا عدّي إلى مفعولين اقتضى معنى العلم، وإذا عدّي بإلى اقتضى معنى النظر المؤدّي إلى الاعتبار» اهـ «1».
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن. ص 208.
(2/63)

قال ابن الجزري:
.......... ... .......... يرون الضمّ كل
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كل» وهو «ابن عامر» «يرون» من قوله تعالى: إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ (سورة البقرة آية 165) بضم الياء، على البناء للمفعول، وواو الجماعة نائب فاعل.
وقرأ الباقون «يرون» بفتح الياء، على البناء للفاعل، وواو الجماعة فاعل.
قال ابن الجزري:
أنّ وأنّ اكسر ثوى .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «ثوى» وهما: «أبو جعفر، ويعقوب» «أنّ القوة، وأنّ الله» من قوله تعالى: أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (سورة البقرة آية 165) بكسر الهمزة فيهما، على تقدير أنّ «إنّ وما بعدها» جواب «لو» أي لقلت: إن القوة لله جميعا الخ على قراءة الخطاب في «ولو ترى».
أو لقالوا: إن القوة لله جميعا الخ على قراءة الغيب في «ولو يرى»، ويحتمل أن يكون على الاستئناف، على أنّ جواب «لو» محذوف» والتقدير»:
لرأيت، أو لرأوا أمرا عظيما.
وقرأ الباقون بفتح الهمزة فيهما، وتقدير الجواب: «لعلمت أنّ القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب» على قراءة الخطاب، أو لعلموا أنّ القوة لله جميعا الخ على قراءة الغيب.
قال ابن الجزري:
.......... وميّته ... والميتة اشدد ثب والارض الميتة
مدا وميتا ثق والانعام ثوى ... إذ حجرات غث مدا وثب أوى
صحب بميت بلد والميت هم ... والحضرمي ..........
(2/64)

المعنى: اختلف القراء في «ميتة» في الأحوال الآتية:
1 - «الميتة» المعرفة سواء كان غير صفة نحو قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ (سورة البقرة آية 173) أو كانت صفة للأرض، نحو قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها (سورة يس آية 33).
2 - «ميتة» المنكرة نحو قوله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ (سورة الأنعام آية 139) أو كانت صفة نحو قوله تعالى: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً (سورة الفرقان آية 49).
3 - «ميت» المنكر الواقع صفة إلى «بلد» نحو قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ (سورة الأعراف آية 57).
4 - «الميت» المعرف مطلقا سواء كان منصوبا نحو قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (سورة آل عمران آية 27) أو كان مجرورا نحو قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ (سورة آل عمران آية 27).
اختلف القراء العشرة في تشديد هذه الألفاظ، وتخفيفها على النحو الآتي:
فقرأ «أبو جعفر» بالتشديد في جميع الألفاظ المتقدمة حيثما وقعت في القرآن الكريم.
وقرأ «نافع» بالتشديد في «الميتة» الواقعة صفة للأرض وذلك في قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها (سورة يس آية 33) وكذا «ميتا» المنون المنصوب في سورتي: الأنعام (آية 122) - والحجرات وهو قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً (سورة الحجرات آية 12).
وقرأ «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» بالتشديد في «ميت» الواقع صفة إلى «بلد» نحو قوله تعالى: فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ (سورة فاطر آية 9) وفي «الميت» مطلقا سواء كان منصوبا نحو قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (سورة آل عمران آية 27) أو مجرورا نحو قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ (سورة آل عمران آية 27).
(2/65)

وقرأ «رويس» بالتشديد في «ميّت» الواقع صفة إلى «بلد» وفي «الميت» مطلقا، أي المنصوب، والمجرور.
وقرأ «روح» بالتشديد في «ميتا» بالأنعام (آية 122) وهو قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وفي «الميت» المنصوب، والمجرور.
وقرأ الباقون بالتخفيف في جميع الألفاظ المتقدمة حيثما وقعت في القرآن الكريم. والتشديد، والتخفيف لغتان، وعلى القراءتين جاء قول الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميّت ميّت الأحياء

تنبيه:
اتفق القراء العشرة على تشديد ما لم يمت نحو قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (سورة الزمر آية 30). «1»
وقد اختلف في أصل ميت على قولين:
الأول: قيل أصله «ميوت» على وزن «فيعل» ثم أدغمت الياء في الواو بعد قلب الواو ياء.
والثاني: قيل أصله «مويت» مثل: «سويد» ثم أدغمت الواو في الياء بعد قلبها ياء.
قال ابن الجزري:
.......... ... ... والساكن الأول ضم
لضمّ همز الوصل واكسره نما ... فز غير قل حلا وغير أو حما
والخلف في التنوين مز وإن يجر ... زن خلفه ..........
المعنى: اختلف القراء في الكسر والضمّ تخلصا من التقاء الساكنين، في نحو قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ (سورة البقرة آية 173) وبابه ممّا التقى فيه ساكنان من كلمتين ثالث ثانيهما مضموم ضمة لازمة، ويبدأ بالفعل
__________
(1) قال الشاطبي: وما لم يمت للكلّ جاء مثقلا.
(2/66)

الذي يلي الساكن الأوّل بالضم، ويكون أول الساكنين حرف من حروف «لتنود» أو التنوين، وأمثلة ذلك كما يأتي:
1 - فاللام نحو قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ (سورة الأعراف آية 195).
2 - والتاء نحو قوله تعالى: وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ (سورة يوسف آية 31).
3 - والنون نحو قوله تعالى: أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ (سورة القلم آية 22).
4 - والواو نحو قوله تعالى: أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ (سورة الإسراء آية 110).
5 - والدال نحو قوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ (سورة الأنعام آية 10).
6 - والتنوين سواء كان مجرورا نحو قوله تعالى: كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ (سورة إبراهيم آية 26) أو غير مجرور نحو قوله تعالى: وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً* انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ (سورة الإسراء الآيتان 20 - 21).
اختلف القراء العشرة في كيفية التخلص من التقاء الساكنين على النحو الآتي:
فقرأ «عاصم، وحمزة» بالكسر في الحروف الستّ قولا واحدا، وذلك على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين.
وقرأ «أبو عمرو» بالكسر في أربعة أحرف وهنّ: «التاء، والنون، والدال، والتنوين» وضمّ في حرفين وهما: «الواو» ولام «قل».
وقرأ «يعقوب» بالكسر في خمسة أحرف، وهنّ: «اللام، والتاء، والنون، والدال، والتنوين». وضمّ في حرف واحد وهو «الواو».
وقرأ «قنبل» بالضم في الحروف الستّة، إلّا أنه اختلف عنه في التنوين المجرور، فروي عنه فيه الكسر، والضم.
وقرأ «ابن ذكوان» بالضم في خمسة أحرف وهنّ حروف «لتنود» واختلف عنه في التنوين مطلقا، سواء كان مجرورا، أو غير مجرور.
وقرأ الباقون بالضم في الحروف الستّة، وذلك اتباعا لضم ثالث الفعل.
(2/67)

قال ابن الجزري:
.......... ... .......... واضطر ثق ضمّا كسر
وما اضطرر خلف خلا ...... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثق» وهو «أبو جعفر» «اضطر» حيثما وقع في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ (سورة البقرة آية 173) قرأ بكسر الطاء، لأن الأصل «اضطرر» بكسر الراء الأولى، فلما أدغمت الراء الأولى في الثانية نقلت كسرتها إلى الطاء بعد حذف حركة الطاء.
وقرأ الباقون «اضطر» بضم الطاء، على الأصل، من هذا يتبين أن كسر الطاء، وضمها لغتان.
أمّا «اضطررتم» من قوله تعالى: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (سورة الأنعام آية 119) فقد قرأه المرموز له بالخاء من «خلا» وهو «ابن وردان» بخلف عنه بكسر الطاء، وذلك لمجانسة الراء.
وقرأه الباقون بضم الطاء، وهو الوجه الثاني «لابن وردان» وذلك على الأصل.
قال ابن الجزري:
.......... والبرّ أن ... بنصب رفع في علا ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» والعين من «علا» وهما: «حمزة، وحفص» «البرّ» الذي بعده «أن» من قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (سورة البقرة آية 177) بنصب الراء من «البرّ» على أنه خبر «ليس» مقدم، و «أن تولوا وجوهكم» الخ في تأويل مصدر اسم «ليس» مؤخر، والتقدير: ليس تولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب البرّ.
واعلم أن تقديم خبر «ليس» على الاسم جائز، وذلك إذا لم يجب تقديمه
(2/68)

على الاسم، أو يجب تأخيره عنه، وقد أشار إلى ذلك «ابن مالك» في ألفيته بقوله:
وفي جميعها توسط الخبر ... أجز وكل سبقه دام حظر
وقرأ الباقون «البرّ» بالرفع، على أنه اسم «ليس» جاء على الأصل في أن يلي الفعل، و «أن تولوا وجوهكم» الخ في تأويل مصدر خبر «ليس».
والتقدير: ليس البرّ تولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب.

تنبيه:
«البرّ» من قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها (سورة البقرة آية 189). اتفق القراء العشرة على قراءة «البرّ» هنا بالرفع، وذلك لأن قوله تعالى: بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها يتعيّن أن يكون خبر «ليس» لدخول الباء عليه، ولأن القراءة سنة متبعة، والقراءة الصحيحة تتفق دائما مع قواعد اللغة العربية.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... موص ظعن
صحبة ثقّل .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظعن» ومدلول «صحبة» وهم:
«يعقوب، وشعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «موص» من قوله تعالى:
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً (سورة البقرة آية 182) بفتح الواو، وتشديد الصاد، على أنه اسم فاعل من «وصّى» مضعف العين.
وقرأ الباقون «موص» بإسكان الواو، وتخفيف الصاد، على أنه اسم فاعل من «أوصى».
قال ابن الجزري:
.......... لا تنوّن فدية ... طعام خفض الرفع مل إذ ثبتوا
مسكين اجمع لا تنون وافتحا ... عمّ ..........
(2/69)

المعنى: اختلف القراء في «فدية طعام مسكين» من قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ (سورة البقرة آية 184).
فقرأ «نافع، وابن ذكوان، وأبو جعفر» «فدية» بحذف التنوين، و «طعام» بجرّ الميم على الإضافة، و «مساكين» بالجمع وفتح النون بلا تنوين، لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع.
وقرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «فدية» بالتنوين مع الرفع، مبتدأ مؤخر، خبره متعلق الجار والمجرور قبله، و «طعام» بالرفع، بدل من «فدية» و «مسكين» بالتوحيد وكسر النون منونة.
وقرأ «هشام» «فدية» بالتنوين مع الرفع، و «طعام» بالرفع بدل من «فدية» و «مساكين» بالجمع وفتح النون بلا تنوين.
قال ابن الجزري:
.......... ... ... لتكملوا اشددن ظنّا صحا
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظنّا» والصاد من «صحا» وهما:
«يعقوب، وشعبة» «ولتكملوا» من قوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (سورة البقرة آية 185) بفتح الكاف، وتشديد الميم، على أنه مضارع «كمّل» مضعف العين.
وقرأ الباقون بإسكان الكاف، وتخفيف الميم، على أنه مضارع «أكمل» المزيد بالهمزة.
وكمال الشيء: حصول ما فيه الغرض منه.
قال «محمد مرتضى الزبيدي» ت 1205 هـ.
«كمل، فيه ثلاث لغات: فتح العين، وضمها، وكسرها» اهـ.
(2/70)

وقال «الجوهري اسماعيل بن حماد الفارابي» ت 393 هـ: «الكسر أردؤها» اهـ «1».
قال ابن الجزري:
بيوت كيف جا بكسر الضمّ كم ... دن صحبة بلى ..........
المعنى: اختلف القراء في «البيوت» معرفا بأل، و «بيوت» منكرا، ومضافا، كيف جاءت في القرآن، وهي في الألفاظ الآتية:
1 - «البيوت» نحو قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها (سورة البقرة آية 189).
2 - «بيوت» نحو قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ (سورة النور آية 36).
3 - «بيوتا» نحو قوله تعالى: وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً (سورة الأعراف آية 74).
4 - «بيوتكم» نحو قوله تعالى: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ (سورة آل عمران آية 49).
5 - «بيوتكن» نحو قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (سورة الأحزاب آية 33).
6 - «بيوتنا» وهو في قوله تعالى: يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ (سورة الأحزاب آية 13).
7 - «بيوتهم» نحو قوله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا (سورة النمل آية 52).
8 - «بيوتهن» وهو في قوله تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ (سورة الطلاق آية 1).
فقرأ «ورش، وأبو عمرو، وحفص، وأبو جعفر، ويعقوب» كل هذه الألفاظ حيثما وقعت في القرآن الكريم بضمّ الباء.
وقرأ المرموز لهم بالكاف من «كم» والدال من «دن» ومدلول «صحبة»،
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «كمل» ج 8/ 104.
(2/71)

والباء من «بلى» وهم: «ابن عامر، وابن كثير، وشعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وقالون» بكسر الباء في هذه الألفاظ حيثما وقعت، وذلك لمجانسة الياء.
من هذا يتبين أن الضمّ، والكسر لغتان.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... غيوب صون فم
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صون» والفاء من «فم» وهما: «شعبة، وحمزة» «الغيوب» حيثما وقع في القرآن نحو قوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (سورة المائدة آية 109) بكسر الغين، وذلك لمجانسة الياء.
وقرأ الباقون بضم الغين، على الأصل.
من هذا يتبين أن الكسر، والضمّ لغتان.
«الغيب»: مصدر غابت الشمس، وغيرها: إذا استترت عن العين، واستعمل في كل غائب عن الحاسة، وعمّا يغيب عن علم الإنسان بمعنى «الغائب» قال تعالى: وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (سورة النمل آية 75) ويقال للشيء: غيب، وغائب، باعتباره بالناس، لا بالله تعالى فإنه لا يغيب عنه شيء، ولا يغرب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض، والغيب جمعه «غيوب». «1»
قال ابن الجزري:
عيون مع شيوخ مع جيوب صف ... من دم رضا والخلف في الجيم صرف
المعنى: اختلف القراء العشرة في ضمّ وكسر الكلمات الآتية وهنّ:
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «غيب» ج 1/ 416.
والمفردات في غريب القرآن مادة «غيب» ص 366.
(2/72)

1 - «عيون، والعيون، وعيونا»: «فعيون» حيثما وقع نحو قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (سورة الحجر آية 45). و «العيون» من قوله تعالى:
وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (سورة يس آية 34) و «عيونا» من قوله تعالى:
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً (سورة القمر آية 12).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صف» والميم من «من» والدال من «دم» ومدلول «رضا» وهم: «شعبة، وابن ذكوان، وابن كثير، وحمزة، والكسائي» هذه الألفاظ: «عيون» المنكر، و «العيون» المعرّف، و «عيونا» المنوّن المنصوب، بكسر العين لمناسبة الياء.
وقرأ الباقون بضم العين على الأصل.
2 - «شيوخا» من قوله تعالى: ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً (سورة غافر آية 67).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صف» والميم من «من» والدال من «دم» ومدلول «رضا» وهم: «شعبة، وابن ذكوان، وابن كثير، وحمزة، والكسائي» بكسر الشين من «شيوخا» لمناسبة الياء.
وقرأ الباقون بضم الشين على الأصل.
3 - «جيوبهن» من قوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ (سورة النور آية 31).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صف» بخلف عنه، والميم من «من» والدال من «دم» ومدلول «رضا» وهم: «شعبة بخلف عنه، وابن ذكوان، وابن كثير، وحمزة، والكسائي» بكسر الجيم من «جيوبهن» لمناسبة الياء.
وقرأ الباقون بضمّ الجيم، على الأصل، وهو الوجه الثاني «لشعبة».
قال ابن الجزري:
لا تقتلوهم ومعا بعد شفا ... فاقصر ..........
(2/73)

المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ولا تقتلوهم، حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم» من قوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (سورة البقرة آية 191) بفتح تاء الفعل الأول، وياء الثاني، وإسكان القاف فيهما وضمّ التاء بعدها، وحذف الألف التي بعد القاف في الكلمات الثلاث، على أن الفعل مشتق من «القتل».
وقرأ الباقون بإثبات الألف في الكلمات الثلاث، مع ضمّ تاء الفعل الأول، وياء الثاني، وفتح القاف فيهما مع كسر تاءيهما، وهو مشتق من «القتال».

تنبيه:
حذفت الألف في الرسم من الأفعال الثلاثة إشارة إلى قراءة «حمزة» ومن معه، وهو حذف إشارة، وفي هذا يقول صاحب مورد الظمآن «الخرّاز»:
كذا وقاتلوهم في البقرة ... وقبله ثلاثة مقتصره
قال ابن الجزري:
.......... ... ... وفتح السلم حرم رشفا
عكس القتال في صفا الانفال صر ... ..........
المعنى: اختلف القراء في لفظ «السلم» وقد وقع في ثلاثة مواضع:
الأول: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً (سورة البقرة آية 208).
والثاني: قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها (سورة الأنفال آية 61).
والثالث: قوله تعالى: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ (سورة محمد آية 35).
فقرأ موضع البقرة المرموز لهم ب «حرم» والراء من «رشفا» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو جعفر، والكسائي» بفتح السين.
وقرأ الباقون بكسرها، وهما لغتان في مصدر «سلم».
(2/74)

قال «ابن عباس» ت 68 هـ رضي الله عنهما: «ادخلوا في السلم»: يعني الإسلام» اهـ وقال «أبو عبيدة معمر بن المثنى» ت 35 هـ و «الأخفش الأوسط» ت 215 هـ: «السّلم» بالكسر: الإسلام، وبالفتح: الصلح، والمراد به الإسلام، لأن من دخل في الإسلام فقد دخل في الصلح، فالمعنى: ادخلوا في الصلح الذي هو الإسلام» اهـ.
وقرأ موضع سورة «محمد» صلّى الله عليه وسلّم المرموز له بالفاء من «في» ومدلول «صفا» وهم: «حمزة، وشعبة، وخلف العاشر» بكسر السين.
وقرأ الباقون بفتحها.
وقرأ موضع سورة الأنفال المرموز له بالصاد من «صر» وهو: «شعبة» بكسر السين.
وقرأ الباقون بفتحها.
قال ابن الجزري:
.......... ... وخفض رفع والملائكة ثر
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثر» وهو «أبو جعفر» «والملائكة» من قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ (سورة البقرة آية 210) بخفض التاء، عطفا على «ظلل».
وقرأ الباقون برفع التاء، عطفا على لفظ الجلالة «الله».
قال ابن الجزري:
ليحكم اضمم وافتح الضمّ ثنا ... كلّا ..........
المعنى: اختلف القراء في لفظ «ليحكم» حيثما وقع في القرآن الكريم وقد وقع في السور الآتية:
(2/75)

1 - قوله تعالى: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ (سورة البقرة آية 213).
2 - قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ (سورة آل عمران آية 23).
3 - قوله تعالى: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ (سورة النور آية 48).
4 - قوله تعالى: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ (سورة النور آية 51).
فقرأ «أبو جعفر» «ليحكم» في المواضع الأربعة بضم الياء، وفتح الكاف، على البناء للمفعول، حذف فاعله لإرادة عموم الحكم من كل حاكم.
وقرأ الباقون «ليحكم» في المواضع الأربعة أيضا بفتح الياء، وضمّ الكاف على البناء للفاعل، أي ليحكم النبيّ بالكتاب المنزّل عليه.
قال ابن الجزري:
.......... ... ... يقول ارفع ألا ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «ألا» وهو: «نافع» يقول «من قوله تعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ (سورة البقرة آية 214) برفع اللام، على أنه فعل ماض بالنسبة إلى زمن الإخبار، أو حال باعتبار الحال الماضية التي كان عليها الرسول فلم تعمل فيه حتّى.
قال «ابن مالك» ت 672 هـ في ألفيته:
وتلو حتّى حالا أو مؤوّلا ... به ارفعن ..........
وقال «ابن هشام» أبو عبد الله جمال الدين ت 761 هـ: «وأمّا رفع الفعل بعد حتّى فله ثلاثة شروط:
الأول: كونه مسبّبا عمّا قبلها، ولهذا امتنع الرفع في نحو «سرت حتى تطلع الشمس» لأن السير لا يكون سببا لطلوعها.
(2/76)

والثاني: أن يكون زمن الفعل الحال لا الاستقبال، على العكس من شرط النصب، إلا أن الحال تارة يكون تحقيقا، وتارة يكون تقديرا، فالأول:
كقولك: «سرت حتى أدخلها» برفع اللام، إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدخول، والثاني: كالمثال المذكور إذا كان السير والدخول قد مضيا، ولكنك أردت حكاية الحال، وعلى هذا جاء الرفع في قوله تعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ لأن الزلزال والقول قد مضيا.
والثالث: أن يكون ما قبلها تامّا، ولهذا امتنع الرفع في نحو: «كان سيري حتى أدخلها» إذا حملت «كان» على النقصان دون التمام» اهـ «1».
وقرأ الباقون «يقول» بنصب اللام، والتقدير: إلى أن يقول الرسول، فهو غاية، والفعل هنا مستقبل حكيت به حالهم.
قال «ابن مالك» في ألفيته:
وبعد حتّى هكذا إضمار أن ... حتم كجد حتّى تسرّ ذا حزن
وقال «ابن هشام»:
«فأمّا نصب الفعل بعد حتّى فشرطه كون الفعل مستقبلا بالنسبة إلى ما قبلها، سواء كان مستقبلا بالنسبة إلى زمن التكلم أو لا: فالأول: كقوله تعالى:
لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (سورة طه آية 91) فإن رجوع «موسى» عليه السلام مستقبل بالنسبة إلى الأمرين جميعا. والثاني: كقوله تعالى:
وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ (سورة البقرة آية 214) لأن قول الرسول وإن كان ماضيا بالنسبة إلى زمن الإخبار، إلّا أنه مستقبل بالنسبة إلى زلزالهم.
ثم قال: «ولحتّى التي ينتصب بها الفعل معنيان: فتارة تكون بمعنى «كي» وذلك إذا كان ما قبلها علّة لما بعدها، نحو: «أسلم حتّى تدخل الجنة».
وتارة تكون بمعنى «إلى» وذلك إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، كقوله
__________
(1) انظر: شرح قطر الندى لابن هشام ص 68.
(2/77)

تعالى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (سورة طه آية 91) ثم قال: والنصب في هذه المواضع وما أشبهها بأن مضمرة بعد حتّى حتما لا بحتّى نفسها، خلافا للكوفيين، لأنها قد عملت في الأسماء الجرّ كقوله تعالى: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (سورة القدر آية 5) فلو عملت في الأفعال النصب لزم أن يكون لنا عامل واحد يعمل تارة في الأسماء، وتارة في الأفعال، وهذا لا نظير له في العربية» اهـ. «1»
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... العفو حنا
المعنى: قرأ المرموز له بالحاء من «حنا» وهو «أبو عمرو» «العفو» من قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (سورة البقرة آية 219) برفع الواو، على أن «ما» استفهاميّة، و «ذا» موصولة، فوقع جوابها مرفوعا، وهو خبر لمبتدا محذوف، أي الذي ينفقونه العفو.
وقرأ الباقون بنصب «الواو» على أنّ «ماذا» مفعول مقدّم، والتقدير: أيّ شيء ينفقونه، فوقع الجواب منصوبا بفعل مقدر، أي انفقوا العفو.
والعفو: هو ما فضل عن حاجة الإنسان، وحاجة من يعولهم.
واعلم أن «ذا» تستعمل موصولة وتكون مثل «ما» في أنها تستعمل بلفظ واحد: للمذكر، والمؤنث، مفردا كان، أو مثنى، أو مجموعا، وشرط استعمالها موصولة أمران:
الأول: أن تكون مسبوقة ب «ما» أو «من» الاستفهاميتين، نحو: «من ذا جاءك، أو ماذا فعلت».
والثاني: إذا لم تلغ في الكلام، بمعنى: إذا لم تجعل «ما» مع «ذا» أو «من» مع «ذا» كلمة واحدة للاستفهام. وإلى ذلك أشار ابن مالك في ألفيته بقوله:
__________
(1) انظر: شرح قطر الندى ص 67 - 68.
(2/78)

ومثل ماذا بعد ما استفهام ... أو من إذا لم تلغ في الكلام
قال ابن الجزري:
إثم كبير ثلّث البا في رفا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» والراء من «رفا» وهما: «حمزة، والكسائي» «كبير» من قوله تعالى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ (سورة البقرة آية 219) بالثاء المثلثة، والكثرة باعتبار الآثمين من الشاربين والمقامرين.
وقرأ الباقون «كبير» بالباء الموحّدة، أي إثم عظيم، لأنه يقال لعظائم الفواحش كبائر.
قال ابن الجزري:
.......... ... يطهرن يطّهّرن في رخا صفا
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» والراء من «رخا» ومدلول «صفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وشعبة، وخلف العاشر» «يطهرن» من قوله تعالى:
فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (سورة البقرة آية 222) بفتح الطاء، والهاء، مع التشديد فيهما، على أنه مضارع «تطهّر» أي اغتسل، والأصل «يتطهرن» فأدغمت التاء في الطاء، لوجود التجانس بينهما، لأنهما يخرجان من مخرج واحد وهو: طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا.
وقرأ الباقون «يطهرن» بسكون الطاء، وضمّ الهاء مخففة، على أنه مضارع «طهر» يقال: طهرت المرأة: إذا شفيت من الحيض، واغتسلت.
المعنى: نهى الله تعالى الأزواج عن مباشرة زوجاتهم بالجماع أثناء الحيض، لما فيه من الضرر الشديد والأذى، ويكون ذلك سببا في كثير من الأمراض التي أثبتها الطبّ الحديث، كما بيّن سبحانه وتعالى أنه ينبغي على الزوج أن لا يجامع امرأته إلّا بعد انقطاع دم الحيض تماما واغتسالها، وهذا ما يستفاد من قوله
(2/79)

تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ (سورة البقرة آية 222) أي إذا اغتسلن بالماء بعد انقطاع الدم فأتوهنّ من حيث أمركم الله تعالى، أي من «القبل» فقط. جاء في «المحكم»: «طهرت» بتثليث الهاء: انقطع دمها، ورأت الطهر، واغتسلت من الحيض وغيره» اهـ.
وقال «الزبيدي»: «الطهر» بضم الطاء: نقيض النجاسة كالطهارة بالفتح، والطهر أيضا: نقيض الحيض، والمرأة طاهرة من الحيض، وطاهرة من النجاسة» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
ضمّ يخافا فز ثوى .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فز» ومدلول «ثوى» وهم: «حمزة، وأبو جعفر، ويعقوب» «يخافا» من قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ (سورة البقرة آية 229) بضمّ الياء على البناء للمفعول، فحذف الفاعل وناب عنه ضمير الزوجين، و «ألّا يقيما حدود الله» بدل اشتمال من ضمير الزوجين، والتقدير: إلّا أن يخافا عدم إقامتهما حدود الله.
وقرأ الباقون «يخافا» بفتح الياء، على البناء للفاعل، وإسناد الفعل إلى ضمير الزوجين المفهوم من السياق، و «ألّا يقيما حدود الله» مفعول به.
قال ابن الجزري:
.......... تضار حق ... رفع وسكّن خفّف الخلف ثدق
مع لا يضار .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «حق» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «لا تضارّ» من قوله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها (سورة البقرة آية 233) برفع
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «طهر» ج 3/ 362.
(2/80)

الراء مشدّدة، على أنه فعل مضارع من «ضارّ» مشدد الراء مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، ولا نافية ومعناها النهي للمشاكلة.
ثم أمر للمرموز له بالثاء من «ثدق» وهو أبو جعفر بالقراءة بسكون الراء مخففة بخلف عنه، على أنه مضارع من «ضار يضير» و «لا» ناهية والفعل مجزوم بها.
فتعين للباقين من القراء العشرة القراءة ب «لا تضارّ» بفتح الراء مشددة، وهو الوجه الثاني «لأبي جعفر»، على أنه فعل مضارع من «ضارّ» مشدد الراء، ولا ناهية، والفعل مجزوم بها، ثم تحركت الراء الأخيرة بالفتح تخلصا من التقاء الساكنين على غير قياس، لأن الأصل في التخلص من الساكنين أن يكون للحرف الأول، وكانت فتحة لخفتها.
ثم عطف الناظم على ترجمة «أبي جعفر» فقال مع لا يضار، أي أنّ المرموز له بالثاء من «ثدق» وهو «أبو جعفر» بخلف عنه قرأ «ولا يضارّ» من قوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ (سورة البقرة آية 282) بسكون الراء مخففة، على أنه مضارع من «ضار يضير» و «لا» ناهية، والفعل مجزوم بها.
وقرأ الباقون من القراء بعد «أبي جعفر» «ولا يضارّ» بفتح الراء مشددة، على أن «لا» ناهية، والفعل مجزوم بها، والأصل «ولا يضارر» «براءين» فأدغمت الراء الأولى في الثانية، ثم تحركت الراء الثانية بالفتح تخلصا من التقاء الساكنين على غير قياس، لأن الأصل في التخلص من التقاء الساكنين أن يكون بالكسر، وكانت فتحة لخفتها، وهي القراءة الثانية «لأبي جعفر».
قال ابن الجزري:
.......... وآتيتم قصره ... كأوّل الروم دنا ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالدال من «دنا» وهو: «ابن كثير» «ءاتيتم» من قوله تعالى:
1 - فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ (سورة البقرة آية 233).
(2/81)

2 - وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ (الموضع الأول من الروم آية 39).
قرأ «ابن كثير» «أتيتم» في الموضعين المذكورين بقصر الهمزة، على معنى:
جئتم، وفعلتم.
وقرأ الباقون «آتيتم» بالمدّ، على معنى: أعطيتم.
تنبيه: «ءاتيتم» الموضع الثاني في الروم (آية 39) وهو قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ اتفق القراء العشرة على قراءته بالمد، لأن المراد به: أعطيتم.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وقدره
حرّك معا من صحب ثابت ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالميم من «من» ومدلول «صحب» والثاء من «ثابت» وهم: «ابن ذكوان، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وأبو جعفر» «قدره» معا، من قوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (سورة البقرة آية 236) بفتح الدال.
وقرأ الباقون بإسكان الدال، والفتح والإسكان لغتان بمعنى واحد، وهو الطاقة والقدرة.
قال «الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة» ت 215 هـ-: «القدر» بفتح الدال، وسكونها: «الطاقة، ومبلغ الشيء». «1»
قال ابن الجزري:
.......... وفا ... كلّ تمسوهنّ ضمّ امدد شفا
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «قدر». ج 3/ 481.
(2/82)

المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تمسوهن» في جميع القرآن، وقد جاء في ثلاثة مواضع:
الأول: قوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً (سورة البقرة آية 236).
الثاني: قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ (سورة البقرة آية 237).
الثالث: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ (سورة الأحزاب آية 49) قرءوا كل ذلك «تماسّوهنّ» بضم التاء، وإثبات ألف بعد الميم مع المدّ المشبع، من المفاعلة التي تكون بين اثنين، لأن كل واحد من الزوجين يمسّ الآخر أثناء الجماع.
وقرأ الباقون الألفاظ الثلاثة «تمسّوهنّ» بفتح التاء من غير ألف ولا مدّ، على أنّ «المسّ» من الرجال، ومعناه: «الجماع» على القراءتين.
قال ابن الجزري:
وصيّة حرم صفا ظلّا رفه ... ...
المعنى: قرأ مدلول «حرم»، ومدلول «صفا» والظاء من «ظلّا» والراء من «رفه» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو جعفر، وشعبة، وخلف العاشر، ويعقوب، والكسائي» «وصيّة» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ (سورة البقرة آية 240) برفع التاء، على أنها خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: «أمرهم وصية» أو مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: تلزمهم وصية.
وقرأ الباقون «وصيّة» بالنصب، على أنها مفعول مطلق، أي يوصون وصيّة.
(2/83)

قال ابن الجزري:
.......... ... وارفع شفا حرم حلا يضاعفه
معا وثقله وبابه ثوى ... كس دن
المعنى: قرأ «نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «فيضاعفه» معا وهما في قوله تعالى:
1 - فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً (سورة البقرة آية 245).
2 - فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (سورة الحديد آية 11) بتخفيف العين، وألف قبلها مع رفع الفاء، على الاستئناف، أي فهو يضاعفه.
وقرأ «ابن كثير، وأبو جعفر» «فيضعّفه» بتشديد العين، وحذف الألف مع رفع الفاء، على الاستئناف أيضا.
وقرأ «ابن عامر، ويعقوب» «فيضعّفه» بتشديد العين، وحذف الألف مع نصب الفاء، على أن الفعل منصوب بأن مضمرة بعد الفاء، لوقوعها بعد الاستفهام.
وقرأ «عاصم» «فيضاعفه» بتخفيف العين، وألف قبلها مع نصب الفاء بأن مضمرة.
وجه التشديد في العين أنه مضارع «ضعّف» مضعف العين، ووجه التخفيف أنه مضارع «ضاعف».
ثم أمر الناظم رحمه الله تعالى بتثقيل العين، وحذف الألف التي بعد الضاد في الأفعال المشتقة من «المضاعفة» حيثما وقعت في القرآن لكل من: «ابن كثير، وابن عامر، وأبي جعفر، ويعقوب» على أنه مشتق من «ضعّف» مشدّد العين، للدلالة على التكثير. وبتخفيف العين، وإثبات الألف بعد الضاد لباقي القراء، على أنه مشتقّ من «ضاعف».
وقد وقعت الأفعال المشتقة من المضاعفة فيما يأتي:
1 - فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً (سورة البقرة آية 245).
(2/84)

2 - وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ (سورة البقرة آية 261).
3 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً (سورة آل عمران آية 130).
4 - وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها (سورة النساء آية 40).
5 - فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (سورة الحديد آية 11).
6 - إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ (سورة التغابن آية 17).
7 - يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ (سورة هود آية 20).
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... ويبصط سينه فتى حوى
لي غث وخلف عن قوى زن من يصر ... كبسطة الخلق وخلف العلم زر
المعنى: قرأ «دوري أبي عمرو، وهشام، وخلف عن حمزة، ورويس، وخلف العاشر» «يبسط، الخلق بسطة» بالسين قولا واحدا، وذلك على الأصل، وهما في قوله تعالى:
1 - وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (سورة البقرة آية 245).
2 - وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً (سورة الأعراف آية 69).
والدليل على أن السين هي الأصل أنه لو كانت الصاد هي الأصل ما جاز أن تردّ إلى السين، لأن الصاد أقوى من السين، لأن الصاد مستعلية، ومطبقة، والسين مستفلة، ومنفتحة، ولا يصحّ أن ينقل الحرف القويّ إلى حرف أضعف منه، فإذا لم يجز أن تردّ الصاد إلى السين، وجاز أن تردّ السين إلى الصاد، علم أن السين هي الأصل.
وقرأ «نافع، والبزّي، وشعبة، والكسائي، وأبو جعفر، وروح» «ويبصط، الخلق بصطة» بالصاد قولا واحدا. وذلك لمجانسة الصاد للطاء التي بعدها، وذلك باشتراكهما في صفات: «الاستعلاء، والإطباق، والإصمات».
وقرأ الباقون وهم: «قنبل، والسوسي، وابن ذكوان، وحفص، وخلّاد» بالصاد، والسين فيهما، وذلك جمعا بين اللغتين.
(2/85)

ثم أخبر الناظم رحمه الله تعالى أن المرموز له بالزاي من «زر» وهو:
«قنبل» قرأ «بسطة» من قوله تعالى: قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ (سورة البقرة آية 247) بالسين، وبالصاد، وهما لغتان.
وقرأ الباقون بالسين قولا واحدا، موافقة لرسم المصحف.
قال ابن الجزري:
عسيتم اكسر سينه معا ألا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «ألا» وهو: «نافع» «عسيتم» معا وهما في قوله تعالى:
1 - قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا (سورة البقرة آية 246).
2 - فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (سورة محمد آية 22) قرأهما في الموضعين «عسيتم» بكسر السين.
وقرأ الباقون بفتح السين. والفتح، والكسر لغتان في «عسى» إذا اتصل بضمير، والفتح هو الأصل للإجماع عليه في «عسى» إذا لم يتصل بالضمير. «1»
قال ابن الجزري:
... ... غرفة اضمم ظلّ كنز .....
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظلّ» ومدلول «كنز» وهم: «يعقوب، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «غرفة» من قوله تعالى: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ
غُرْفَةً بِيَدِهِ
(سورة البقرة آية 249) بضم الغين، على أنه اسم للماء المغترف. والمعنى: إلا من اغترف ماء على قدر ملء اليد.
وقرأ الباقون «غرفة» بفتح الغين، على أنها اسم للمرّة.
__________
(1) انظر: تاج العروس ج 5/ 105.
(2/86)

جاء في «تاج العروس»: غرف الماء بيده «يغرفه» بكسر الراء، «يغرفه» بضم الراء «غرفا»: أخذه بيده، كاغترفه، واغترف منه. «والغرفة» بفتح الغين:
للمرة الواحدة منه. «والغرفة» بكسر الغين: هيئة الغرف اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... ... وكلا
دفع دفاع واكسر إذ ثوى ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «إذ» ومدلول «ثوى» وهم: «نافع، وأبو جعفر، ويعقوب» «دفع» معا من قوله تعالى:
1 - وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ (سورة البقرة آية 251).
2 - وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ (سورة الحج آية 40). «دفاع» بكسر الدال، وفتح الفاء، وألف بعدها، على أنها مصدر «دافع» نحو: «قاتل قتالا».
وقرأ الباقون «دفع» بفتح الدال، وإسكان الفاء من غير ألف، على أنها مصدر «دفع يدفع» نحو: «فتح يفتح».
قال ابن الجزري:
.......... امددا ... أنا بضمّ الهمز أو فتح مدا
والكسر بن خلفا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء العشرة في حذف وإثبات ألف «أنا» التي بعدها همزة قطع حالة الوصل، أي وصل «أنا» بما بعدها، و «أنا» إمّا أن تقع قبل همزة قطع مضمومة نحو قوله تعالى: قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ (سورة البقرة آية 258) أو
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «غرف» ج 6/ 209.
(2/87)

تقع قبل همزة قطع مفتوحة، نحو قوله تعالى: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (سورة الأعراف آية 143) أو تقع قبل همزة قطع مكسورة، نحو قوله تعالى: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (سورة الأعراف آية 188).
وقد اختلف القراء في حذف، وإثبات ألف «أنا» على النحو الآتي:
1 - قرأ المرموز لهما ب «مدا» وهما: «نافع، وأبو جعفر» بإثبات ألف «أنا» وصلا إذا وقع بعدها همزة قطع مضمومة، أو مفتوحة، في جميع القرآن الكريم، وحينئذ يصبح المدّ عندهما من قبيل المدّ المنفصل فكل يمدّ حسب مذهبه.
2 - وقرأ المرموز له بالباء من «بن» بخلف عنه وهو: «قالون» بإثبات ألف «أنا» وصلا إذا وقع بعدها همزة قطع مكسورة في جميع القرآن، وحينئذ يصبح المدّ عنده من قبيل المدّ المنفصل فيمدّ حسب مذهبه.
3 - وقرأ الباقون بحذف ألف «أنا» وصلا سواء وقع بعدها همزة قطع مضمومة، أو مفتوحة، أو مكسورة، في جميع القرآن.

تنبيه:
اتفق القراء العشرة على إثبات ألف «أنا» حالة الوقف عليها، وذلك موافقة لرسم المصحف وإثبات الألف، وحذفها، لغتان صحيحتان:
فوجه الإثبات أنّ الاسم هو: «أنا» بكماله، وهذا مذهب الكوفيين.
ووجه الحذف التخفيف، ولأن الفتحة تدلّ على الألف المحذوفة. وقيل:
وجه الحذف أن الاسم مكون من حرفين: «الهمزة، والنون» والألف جيء بها وقفا لبيان حركة النون، لأن الاسم لمّا قلت حروفه جيء بالألف وقفا لتبقى حركة النون على حالها، ولا حاجة إلى الألف وصلا لأنّ النون فيه متحركة، وهذا مذهب البصريين.

تنبيه آخر:
إذا لم يقع بعد لفظ «أنا» همزة قطع نحو قوله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (سورة يوسف آية 108) فقد اتفق القراء العشرة على حذف الألف وصلا للتخفيف، وإثباتها وقفا لكتابتها في خطّ المصحف.
(2/88)

قال ابن الجزري:
.......... ورا في ننشز ... سما ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «سما» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» «ننشزها» من قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها (سورة البقرة آية 259) بالراء المهملة، من النشور وهو: «الإحياء».
والمعنى: وانظر إلى عظام حمارك التي قد ابيضت من مرور الزمن عليها كيف نحييها.
وقرأ الباقون «ننشزها» بالزاي المعجمة، من «النشز» وهو الارتفاع، يقال لما ارتفع من الأرض «نشز» ومنه المرأة الناشز، وهي المرتفعة عن موافقة زوجها.
والمعنى: وانظر إلى العظام كيف نرفع بعضها على بعض في التركيب للإحياء.
يقال: نشر الله الميّت ينشره نشرا ونشورا، وأنشره: أحياه. قال «أبو زكريا الفراء» ت 207 هـ-:
من قرأ «كيف ننشرها» بالراء، فإنشارها: إحياؤها» اهـ- «1» وجاء في «المفردات للراغب الأصفهاني»: «النشز»: المرتفع من الأرض، ويعبّر عن الإحياء بالنشز، والإنشاز، لكونه ارتفاعا» اهـ- «2». ويقال: «أنشز عظام الميت إنشازا»:
رفعها إلى بعضها، وركّب بعضها على بعض». «3»
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... ووصل اعلم بجزم في رزوا
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» والراء من «رزوا» وهما: «حمزة، والكسائي» «أعلم» من قوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «نشر» ج 3/ 565.
(2) انظر: المفردات في غريب القرآن مادة «نشز» ص 493.
(3) انظر: تاج العروس مادة «نشز» ج 4/ 86.
(2/89)

قَدِيرٌ (سورة البقرة آية 259) قرأها «اعلم» بوصل الهمزة مع سكون الميم حالة وصل «قال» ب «اعلم» وإذا ابتدءا ب «اعلم» كسرا همزة الوصل، وذلك على الأصل، وفاعل «قال» ضمير يعود على الله تعالى، و «اعلم» فعل أمر، والجملة وما بعدها في محل نصب مقول القول.
وقرأ الباقون «أعلم» بهمزة قطع مفتوحة وصلا، وابتداء، مع رفع الميم، وهو فعل مضارع واقع مقول القول، وفاعل «قال» ضمير يعود على «عزير».
قال ابن الجزري:
صرهنّ كسر الضمّ غث فتى ثما ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالغين من «غث» ومدلول «فتى» والثاء من «ثما» وهم: «رويس، وحمزة، وخلف العاشر، وأبو جعفر» «فصرهنّ» من قوله تعالى:
قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ (سورة البقرة آية 260) بكسر الصاد، على أنه من «صار يصير» يقال: صرت الشيء أملته، وصرته قطعته.
وقرأ الباقون «فصرهنّ» بضمّ الصاد، على أنه من «صار يصور» على معنى أملهنّ، أو قطعهنّ، فإذا جعلته بمعنى أملهنّ كان التقدير: أملهنّ إليك فقطعهنّ، وإذا جعلته بمعنى قطعهنّ كان التقدير: فخذ أربعة من الطير إليك فقطعهنّ.
من هذا يتبين أن كلّا من الكسر، والضمّ في الصاد لغة بمعنى الميل والتقطيع. وقيل: الكسر بمعنى: «قطعهنّ» والضمّ بمعنى: أملهنّ وضمهنّ.
قال ابن الجزري:
.......... ... ربوة الضمّ معا شفا سما
المعنى: قرأ مدلول «شفا» ومدلول «سما» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» «ربوة» معا، وهما في قوله تعالى:
(2/90)

1 - كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ (سورة البقرة آية 265).
2 - وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (سورة المؤمنون آية 50) بضم راء «ربوة» في الموضعين.
وقرأ الباقون وهما: «ابن عامر، وعاصم» بفتح راء «ربوة» في الموضعين أيضا، وهما لغتان. والربوة: المكان المرتفع من الأرض وسمّيت الربوة «رابية» كأنها ربت بنفسها في مكان. ومنه «ربا»: إذا زاد وعلا، قال تعالى: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ (سورة فصلت آية 39).
قال ابن الجزري:
في الوصل تا تيمّموا اشدد تلقف ... تلّه لا تنازعوا تعارفوا
تفرّقوا تعاونوا تنابزوا ... وهل تربّصون مع تميزوا
تبرّج اذ تلقوا التجسّسا ... وفتّفرق توفّي في النّسا
تنزل الأربع أن تبدّلا ... تخيّرون مع تولّوا بعد لا
مع هود والنور والامتحان لا ... تكلّم البزّي تلظّى هب غلا
تناصروا ثق هد وفي الكل اختلف ... له وبعد كنتم ظلتم وصف
وللسكون الصلة امدد والألف ... ..........
المعنى: اختلف القراء في تشديد «تاء التفعّل» و «التفاعل» في الفعل المضارع المرسوم بتاء واحدة في إحدى وثلاثين موضعا وهي:
1 - وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ (سورة البقرة آية 267).
2 - وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا (سورة آل عمران آية 103).
3 - إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ (سورة النساء آية 97).
4 - وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ (سورة المائدة آية 2).
5 - وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (سورة الأنعام آية 153).
6 - فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (سورة الأعراف آية 117).
7 - وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (سورة الأنفال آية 20).
(2/91)

8 - وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا (سورة الأنفال آية 46).
9 - قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ (سورة التوبة آية 54).
10 - وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (سورة هود آية 3).
11 - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ (سورة هود آية 57).
12 - يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ (سورة هود آية 105).
13 - ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ (سورة الحجر آية 8).
14 - وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا (سورة طه آية 69).
15 - إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ (سورة النور آية 15).
16 - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ (سورة النور آية 54).
17 - فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (سورة الشعراء آية 45).
18 - هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (سورة الشعراء آية 221).
19 - الشَّياطِينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (سورة الشعراء الآيتان 221 - 222).
20 - وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى (سورة الأحزاب آية 33).
21 - وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ (سورة الأحزاب آية 52).
22 - ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (سورة الصافات آية 25).
23 - وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ (سورة الحجرات آية 11).
24 - وَلا تَجَسَّسُوا (سورة الحجرات آية 12).
25 - وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا (سورة الحجرات آية 13).
26 - أَنْ تَوَلَّوْهُمْ (سورة الممتحنة آية 9).
27 - تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ (سورة الملك آية 8).
28 - إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (سورة القلم آية 38).
29 - فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (سورة عبس آية 10).
30 - فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (سورة الليل آية 14).
31 - خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ (سورة القدر الآيتان 3 - 4).
فقد قرأ «البزّي» بخلف عنه بتشديد التاء في هذه المواضع كلها حالة الوصل، أي وصل ما قبل التاء بها. وذلك على إدغام إحدى التاءين في
(2/92)

الأخرى. لأن الأصل تاءان: تاء المضارعة، وتاء «التفعّل» أو «التفاعل» وليست كما قيل من نفس الكلمة، واستثقل اجتماع المثلين، وتعذّر إدغام الثانية في تاليها، نزّل اتصال الأولى بسابقها منزلة اتصالها بكلمتها، فأدغمت في الثانية تخفيفا، مراعاة للأصل، ورسم المصحف.
واعلم أن هذا الإدغام على ثلاثة أحوال:
الأولى: يكون قبل التاء المدغمة متحرك من كلمة نحو قوله تعالى:
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (سورة الأنعام آية 153) أو يكون المتحرك من كلمتين، نحو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ (سورة النساء آية 97) فهذه الحالة لا كلام فيها سوى أن «البزّي» يشدد التاء.
والثانية: يكون قبل التاء المشدّدة حرف مدّ، سواء كان ألفا نحو قوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ (سورة البقرة آية 267) أو كان حرف مدّ ناشئا عن الصلة نحو قوله تعالى: فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (سورة عبس آية 10) ففي هذه الحالة يكون لحرف المدّ الإثبات لفظا مع مدّه مدّا مشبعا للساكن الذي بعده، لأنه حينئذ من باب المدّ اللازم.
والثالثة: يكون قبل التاء المشدّدة ساكن غير حرف مدّ، سواء كان ساكنا صحيحا، نحو قوله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ (سورة النور آية 15) أو كان الساكن تنوينا، نحو قوله تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ (سورة القدر الآيتان 3 - 4) ففي هذه الحالة يجمع بين الساكنين، إذ الجمع بينهما في ذلك جائز لصحّة الرواية، ولا يلتفت لمن قال بعدم جواز الجمع بين الساكنين.
وإذا ابتدأ «البزّي» بالتاء المشددة ابتدأ بتاء واحدة مخففة، وذلك موافقة للرسم، وصحة الرواية بذلك.
والوجه الثاني «للبزّي» يكون بتاء واحدة مخففة، وذلك على حذف إحدى التاءين تخفيفا.
وقرأ «أبو جعفر» بتشديد التاء قولا واحدا وصلا في قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (سورة الصافات آية 25) وقرأ ما عدا ذلك بتاء واحدة مخففة.
(2/93)

وقرأ «رويس» بتشديد التاء قولا واحدا وصلا في قوله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (سورة الليل آية 14) وقرأ ما عدا ذلك بتاء واحدة مخففة.
وقرأ باقي القراء العشرة كل هذه التاءات، بتاء واحدة مخففة.
تنبيه: يفهم من قول المصنّف: «وبعد كنتم ظلتم وصف» أن «البزّي» له التشديد بالخلاف في قوله تعالى:
1 - وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ (سورة آل عمران آية 143).
2 - وقوله تعالى: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (سورة الواقعة آية 65) إلّا أن المقروء به، والذي تلقيته عن «شيخي» مشافهة هو التخفيف فقط، لأن التشديد ليس من طرق «النشر» وقد اعتذر «ابن الجزري» في كتابه «النشر» عن ذكرهما بقوله: «ولولا إثباتهما في «التيسير، والشاطبيّة» والتزامنا بذكر ما فيهما من الصحيح، ودخولهما في ضابط نصّ «البزي» لما ذكرتهما، لأن طريق «الزينبي» لم يكن في كتابنا» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... من يؤت كسر التّا ظبى بالياء قف
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظبى» وهو: «يعقوب» «يؤت» من قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (سورة البقرة آية 269) بكسر التاء، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود على الله تعالى المتقدم ذكره في قوله تعالى: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (آية 268) و «من» مفعول أوّل، و «الحكمة» مفعول ثان، والتقدير: يؤت الله من يشاء الحكمة. وإذا وقف «يعقوب» على «يؤت» أثبت الياء.
وقرأ الباقون «يؤت» بفتح التاء، على البناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود على «من» و «الحكمة» مفعول، ويقفون عليها بالتاء الساكنة.
__________
(1) انظر: النشر لابن الجزري بتحقيقنا ج 2 ص 443.
(2/94)

قال ابن الجزري:
معا نعما افتح كما شفا وفي ... إخفاء كسر العين حز بها صفي
وعن أبي جعفر معهم سكنا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كما» ومدلول «شفا» وهم: «ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «نعما» معا، وهما في قوله تعالى:
1 - إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ (سورة البقرة آية 271).
2 - إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ (سورة النساء آية 58) بفتح النون، وكسر العين، على الأصل، لأن الأصل «نعم» مثل: «شهد».
وقرأ المرموز له بالحاء من «حز» والباء من «بها» والصاد من «صفي» وهم: «أبو عمرو، وقالون، وشعبة» بوجهين:
الأول: كسر النون، واختلاس كسرة العين للتخفيف، وفرارا من الجمع بين ساكنين.
والثاني: كسر النون، وإسكان العين، والأصل «نعم» بفتح النون، وكسر العين، فكسرت النون اتباعا لكسرة العين، ثم سكنت العين تخفيفا، وجاز الجمع بين ساكنين، لأن الساكن الثاني مدغم، والرواية صحيحة.
وقرأ المصرح باسمه وهو «أبو جعفر» «نعما» بكسر النون، وإسكان العين، مثل إحدى قراءتي «أبي عمرو، وقالون، وشعبة».
وقرأ الباقون وهم: «ورش، وابن كثير، وحفص، ويعقوب» «نعمّا» بكسر النون، والعين، فكسر العين على الأصل وكسر النون اتباعا لكسرة العين، لأن العين حرف حلقيّ يجوز أن يتبعه ما قبله في الحركة مثل: «شهد، ولعب» بفتح فاء الكلمة وكسرها، وهي لغة «هذيل».
«ونعم» فعل ماض جامد، وفاعل «نعم» مضمر، و «ما» بمعنى «شيئا» في موضع نصب على التفسير، وهي المخصوص بالمدح، أي نعم الشيء شيئا، و «هي» خبر مبتدأ محذوف، كأن قائلا قال: «ما الشيء الممدوح» فقيل: هي أي
(2/95)

الممدوحة الصدقة التي يظهرها صاحبها ليقتدى به من غير رياء. ويجوز أن يكون «هي» مبتدأ مؤخر، و «نعم» وفاعلها الخبر، أي الصدقة التي يظهرها صاحبها نعم الشيء، واستغني عن ضمير يعود على المبتدإ، لاشتمال الجنس على المبتدإ.
قال ابن الجزري:
.......... ... ويا يكفّر شامهم وحفصنا
وجزمه مدا شفا ...... ... ..........
المعنى: قرأ المصرح باسمهما: «ابن عامر الشامي، وحفص» «ويكفر» من قوله تعالى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ (سورة البقرة آية 271) بالياء، ورفع الراء، والفاعل ضمير يعود على الله تعالى المتقدم ذكره في قوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (آية 270).
وقرأ المرموز لهم ب «مدا شفا» وهم: «نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ونكفر» بنون العظمة، وجزم الراء، لأن الفعل معطوف على محل «فهو خير لكم» لأنها في جزم جواب الشرط وهو «وإن».
وقرأ الباقون وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة، ويعقوب» «ونكفّر» بنون العظمة، ورفع الراء، على أنها جملة مستأنفة، والواو لعطف جملة على أخرى.
قال ابن الجزري:
.......... ويحسب ... مستقبلا بفتح سين كتبوا
في نصّ ثبت .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في لفظ «يحسب» كيف وقع وكان فعلا مضارعا، نحو قوله تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ (سورة البقرة آية 273).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كتبوا»، والفاء من «في» والنون من «نصّ»
(2/96)

والثاء من «ثبت» وهم: «ابن عامر، وحمزة، وعاصم، وأبو جعفر» بفتح السين، وهو لغة «تميم».
وقرأ الباقون بكسر السين، وهو لغة «أهل الحجاز». والقراءتان ترجعان إلى أصل الاشتقاق:
فالأولى: من «حسب يحسب» نحو: «علم يعلم».
والثانية: من «حسب يحسب» نحو: «ورث يرث».
قال ابن الجزري:
..... فأذنوا امدد واكسر ... في صفوة ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» والصاد من «صفوة» وهما: «حمزة، وشعبة» «فأذنوا» من قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (سورة البقرة آية 279). «فآذنوا» بفتح الهمزة الممدودة، وكسر الذال، على أنه فعل «أمر» من «آذنه بكذا»: أي أعلمه به، يقال: «آذنه الأمر وآذنه به».
وقرأ الباقون «فأذنوا» بإسكان الهمزة، وفتح الذال، على أنه فعل أمر من «أذن». ومعنى «فأذنوا بحرب من الله ورسوله»: أي استيقنوا بحرب من الله ورسوله.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... ميسرة الضّمّ انصر
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «انصر» وهو: «نافع» «ميسرة» من قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ (سورة البقرة آية 280) بضم السين، وهو لغة «أهل الحجاز».
وقرأ الباقون «ميسرة» بفتح السين، لغة باقي العرب
(2/97)

جاء في «تاج العروس»: «الميسرة» مثلثة السين: «السهولة والغنى والسعة» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
تصدّقوا خفّ نما ...... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالنون من «نما» وهو: «عاصم» «تصدقوا» من قوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (سورة البقرة آية 280) بتخفيف الصاد، وأصلها «تتصدقوا» فحذفت إحدى التاءين تخفيفا.
وقرأ الباقون «تصدّقوا» بتشديد الصاد، وأصلها «تتصدقوا» فأبدلت التاء صادا، ثم أدغمت الصاد في الصاد.
قال ابن الجزري:
.......... وكسر أن ... تضلّ فز ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فز» وهو: «حمزة» «أن تضلّ» من قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما (سورة البقرة آية 282) بكسر الهمزة، على أنّ «إن» شرطية، و «تضلّ» مجزوم بها، وهي فعل الشرط، وفتحت اللام للإدغام تخفيفا.
وقرأ الباقون «أن تضلّ» بفتح الهمزة، على أنّ «أن» مصدرية، و «تضل» منصوب بها، وفتحة اللام حينئذ فتحة إعراب.
يقال: «ضللت» «كزللت» «تضلّ» «كتزلّ» أي بفتح العين في الماضي، وكسرها في المضارع، وهذه لغة «نجد». ويقال: «ضللت تضلّ» مثل: مللت تملّ» أي بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع وهي لغة «الحجاز، والعالية» «2».
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «يسر» ج 3/ 626.
(2) انظر: تاج العروس مادة «ضلّ» ج 7/ 411.
(2/98)

قال ابن الجزري:
.......... ... ...... تذكر حقّا خفّفن
والرفع فد .......... ... ..........
المعنى: قرأ مدلول «حقّا» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «فتذكر» من قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (سورة البقرة آية 282) بتسكين الذال، وتخفيف الكاف مع نصب الراء، عطفا على «تضلّ» وهو مضارع «ذكر» مخفّفا نحو: «نصر».
وقرأ المرموز له بالفاء من «فد» وهو: «حمزة» «فتذكّر» بفتح الذال، وتشديد الكاف، ورفع الراء، على أنه مضارع «ذكّر» مشدّدا، نحو: «كرّم» وقد رفع لتجرده من الناصب والجازم.
وقرأ الباقون «فتذكّر» بفتح الذال، وتشديد الكاف، ونصب الراء، عطفا على «تضلّ» وهو مضارع «ذكّر» مشدّدا أيضا.
قال ابن الجزري:
.......... تجارة حاضرة ... لنصب رفع نل ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالنون من «نل» وهو: «عاصم» «تجارة حاضرة» من قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ (سورة البقرة آية 282) بنصب التاء فيهما، على أنّ «تجارة» خبر «تكون» و «حاضرة» صفة «تجارة» واسم «تكون» مضمر، والتقدير: إلّا أن تكون المعاملة، أو المبايعة تجارة حاضرة.
وقرأ الباقون «تجارة حاضرة» برفع التاء فيهما، على أنّ «تكون» تامّة تكتفي بمرفوعها «1». و «تجارة» نائب فاعل، و «حاضرة» صفة لها، والتقدير: إلّا أن توجد تجارة حاضرة.
__________
(1) قال ابن مالك: وذو تمام ما برفع يكتفي.
(2/99)

قال ابن الجزري:
.......... ... .......... رهان كسرة
وفتحة ضمّا وقصر حز دفا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالحاء من «حز» والدال من «دفا» وهما: «أبو عمرو، وابن كثير» «فرهن» من قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ (سورة البقرة آية 283) «فرهن» بضم الراء، والهاء، من غير ألف، جمع «رهن» نحو: «سقف، وسقف».
وقرأ الباقون «فرهان» بكسر الراء، وفتح الهاء، وألف بعدها، جمع «رهن» أيضا، نحو: «كعب، وكعاب».
قال ابن الجزري:
.......... ... يغفر يعذب رفع جزم كم ثوى
نصّ .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» ومدلول «ثوى» والنون من «نصّ» وهم: «ابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب، وعاصم» «فيغفر، ويعذب» من قوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ (سورة البقرة آية 284) برفع الراء من «فيغفر» ورفع الباء من «ويعذب» وذلك على الاستئناف. والتقدير:
فهو يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
وقرأ الباقون «فيغفر، ويعذب» بجزمهما، وذلك عطفا على قوله تعالى قبل: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ الواقع جوابا للشرط.
قال ابن الجزري:
...... كتابه بتوحيد شفا ... ..........
المعنى: قرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «وكتبه» من قوله تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ (سورة البقرة
(2/100)

آية 285) «وكتابه» بكسر الكاف، وفتح التاء، وألف بعدها، على التوحيد، والمراد به: الجنس، أو القرآن.
وقرأ الباقون «وكتبه» بضمّ الكاف، والتاء، وحذف الألف، على الجمع، وذلك لتعدّد الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء والمرسلين، عليهم الصلاة والتسليم.
قال ابن الجزري:
.......... ... ولا نفرق بياء ظرفا
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظرفا» وهو: «يعقوب» «لا نفرق» من قوله تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ (سورة البقرة آية 285) «لا يفرق» بالياء التحتية، على أن الفاعل ضمير يعود على «الرسول» المتقدم ذكره في قوله تعالى:
آمَنَ الرَّسُولُ.
وقرأ الباقون «لا نفرق» بالنون، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى التكلم. والتقدير: كل من الرسول صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنون يقول: لا نفرق بين أحد من رسله فنؤمن ببعض ونكفر بالبعض الآخر، بل نؤمن بجميع الرسل لأنهم جميعا مرسلون من عند الله تعالى.
(والله أعلم) تمت سورة البقرة ولله الحمد والشكر
(2/101)

سورة آل عمران
قال ابن الجزري:
سيغلبون يحشرون رد فتى ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالراء من «رد» ومدلول «فتى» وهم: «الكسائي، وحمزة، وخلف العاشر» «سيغلبون ويحشرون» من قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ (سورة آل عمران آية 12) «سيغلبون ويحشرون» بياء الغيب فيهما، والضمير للذين كفروا، والجملة محكية بقول آخر لا ب «قل» أي قل لهم يا «محمد» قولي هذا إنهم «سيغلبون ويحشرون إلى جهنم وبئس المهاد».
وقرأ الباقون «ستغلبون وتحشرون» بتاء الخطاب فيهما، على أن الجملة محكية ب «قل» أي خاطبهم يا «محمد» وقل لهم: «ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد». والمعنى: قل يا «محمد» للذين كفروا من اليهود لا تغتروا بكثرتكم فإنكم ستغلبون في الدنيا بالقتل، والأسر، وضرب الجزية عليكم، أمّا في الآخرة فإنكم ستحشرون إلى جهنم، وبئس المهاد، وهذا وعيد وتهديد لهم بعدم الإيمان.
قال ابن الجزري:
.......... ... يرونهم خاطب ثنا ظلّ أتى
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثنا» والظاء من «ظلّ» والألف من «أتى» وهم: «أبو جعفر، ويعقوب، ونافع» «يرونهم» من قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ (سورة آل عمران آية 13) «ترونهم» بتاء الخطاب، وذلك لمناسبة الخطاب في
(2/103)

قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا. فجرى «ترونهم» على الخطاب في «لكم» والمخاطب هم المسلمون. فإن قيل: كان يلزم على هذه القراءة أن يقرءوا «مثليكم» أقول: ذلك لا يجوز، لأن القراءة مبنية على التوقيف، والسماع من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهذا لم يرد، وقد جرى الكلام على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وهذا الأسلوب شائع في لغة العرب، وهو ضرب من ضروب البلاغة العربية، وهناك أمثلة كثيرة لذلك في القرآن الكريم، مثال ذلك قوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ (سورة يونس آية 22). فهذا خطاب، ثم التفت إلى الغيبة وقال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ. ومثله قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ (سورة الروم آية 39) فهذا
خطاب، ثم التفت إلى الغيبة وقال: فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ.
والهاء والميم في «مثليهم» يحتمل أن تكون للمشركين، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد، وهذا بعيد في المعنى، لأن الله لم يكثّر المشركين في أعين المؤمنين، لأنه أخبرنا أنه قلل المشركين في أعين المؤمنين، يشير إلى ذلك قول الله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا (سورة الأنفال آية 44).
ويحتمل أن تكون الهاء، والميم في «مثليهم» للمسلمين، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما هم عليه من العدد، أي ترون أنفسكم من الكثرة مثلي عددكم، وهذا المعنى عظيم، وحينئذ يكون المعنى أن الله سبحانه وتعالى خيّل لهم ذلك لتقوى عزيمتهم على لقاء الكفار، ويجرءوا على قتالهم.
وقرأ الباقون «يرونهم» بياء الغيب، وذلك لأن قبله لفظ الغيبة، وهو قوله تعالى: فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ فحمل آخر الكلام على أوله.
والواو في «يرونهم» للكافرين، والهاء والميم للمسلمين، كما أنّ الهاء والميم في «مثليهم» للمسلمين أيضا. والمعنى: يرى الكفار المسلمين في «غزوة بدر» الكبرى مثلي عددهم، كي تضعف عزيمتهم، ويدبّ في قلوبهم الرعب والخوف، وعلى ذلك يكون انتصاب «مثليهم» على الحال.
(2/104)

قال ابن الجزري:
رضوان ضمّ الكسر صف وذو السّبل ... خلف ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صف» وهو «شعبة» «رضوان» حيثما وقع في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى: وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ (سورة آل عمران آية 15) بضمّ الراء، إلّا قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ (سورة المائدة آية 16) فقد قرأه بالضمّ، والكسر، جمعا بين اللغتين، إذ الضمّ لغة «تميم وقيس» والكسر لغة «الحجازيين».
وقرأ الباقون بكسر راء «رضوان» حيثما وقع في القرآن.
وهما مصدران بمعنى واحد وهو: «الرضا الكثير» ولما كان أعظم الرضا رضا الله تعالى خصّ لفظ «الرضوان» في القرآن بما كان من الله تعالى، قال عزّ وجلّ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً (سورة الفتح آية 29).
قال ابن الجزري:
.......... ... ...... وإنّ الدّين فافتحه رجل
المعنى: قرأ المرموز له بالراء من «رجل» وهو: «الكسائي» «إنّ الدين» من قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ (سورة آل عمران آية 19) بفتح الهمزة، على أنها مع اسمها، وخبرها بدل «كلّ» من قوله تعالى قبل: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ (آية 18) وحينئذ تكون «أنّ» وما بعدها في محلّ نصب ب «شهد الله».
وقرأ الباقون «إنّ» بكسر الهمزة، وذلك على الاستئناف، لأن الكلام قد تمّ عند قوله تعالى قبل: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ثم استأنف بكلام جديد فكسرت همزة «إنّ».
قال ابن الجزري:
يقاتلون الثان فز في يقتلوا ... ..........
(2/105)

المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فز» وهو: «حمزة» «ويقتلون» الموضع الثاني في هذه السورة وهو قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ (سورة آل عمران آية 21). «قرأه «ويقاتلون» بضم الياء، وفتح القاف، وألف بعدها، وكسر التاء، من «قاتل» والمفاعلة من الجانبين، لأنه وقع قتال بين الطرفين: الكفار، والذين يأمرون بالقسط من الناس.
وقرأ الباقون «ويقتلون» بفتح الياء، وإسكان القاف، وحذف الألف على أنه مضارع «قتل»، وذلك عطفا على قوله تعالى أوّل الآية: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ فقد أخبر الله عن الكفار بقتلهم الأنبياء بغير حقّ، فقتل من دونهم أسهل عليهم، ومن تجرّأ على قتل «نبيّ» فهو على قتل من هو دون النبيّ من المؤمنين أجرأ، فحمل آخر الكلام على أوله في الإخبار عن الكفار بالقتل.
تنبيه: قيّد الناظم الخلاف في «ويقتلون» بالموضع الثاني، ليخرج الموضع الأول وهو قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ (آية 21) حيث اتفق القراء العشرة على قراءته: «ويقتلون» بفتح الياء، وسكون القاف، وحذف الألف، على أنه مضارع «قتل». فإن قيل: ما الحكمة في عدم ورود الخلاف في الموضع الأوّل مثل ما ورد الخلاف في الموضع الثاني؟
أقول: القراءة سنة متبعة، ومبنيّة على التلقي والتوقيف.
قال ابن الجزري:
.......... ... تقيّة قل في تقاة ظلل
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظلل» وهو «يعقوب» «تقة» من قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً (سورة آل عمران آية 28) قرأها «تقيّة» بفتح التاء، وكسر القاف، وتشديد الياء المفتوحة، على وزن «مطيّة».
وقرأ الباقون «تقاة» بضم التاء، وفتح القاف، وألف بعدها، على وزن «رعاة». و «تقاة، وتقيّة» مصدران بمعنى «الوقاية» يقال: «اتقى، يتقي، اتقاء، وتقاة، وتقيّة». و «تقاة» على وزن «فعلة» بضم الفاء، وفتح العين، وأصلها
(2/106)

«وقية» ثم أبدلت الواو تاء فصارت «تقية» ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت «تقاة».
قال ابن الجزري:
كفلها الثقل كفى .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «وكفلها» من قوله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا (سورة آل عمران آية 37) بتشديد الفاء، على أنه فعل ماض من «كفّل» مضعف «العين» وفاعل «كفّل» ضمير على «ربها» والهاء مفعول ثان مقدّم، و «زكريا» مفعول أوّل مؤخّر. والتقدير: جعل الله زكريّا عليه السلام كافلا «مريم» أي ضامنا لمصالحها.
وقرأ الباقون «وكفلها» بتخفيف الفاء، والفاعل «زكريا» عليه السلام، والهاء مفعول به، أي كفل زكريّا مريم.
قال «الزبيديّ» في مادة «كفل»: «الكافل» العائل يكفل إنسانا، أي يعوله، ومنه قوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا بتخفيف الفاء، وهي قراءة غير الكوفيين، والمعنى: ضمن القيام بأمرها، و «كفّله» بتشديد الفاء تكفيلا، وبه قرأ «الكوفيّون» الآية، أي كفّل الله زكريا إيّاها، أي ضمنها إياه حتّى تكفّل بحضانتها» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
.......... واسكن وضم ... سكون تا وضعت صن ظهرا كرم
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صن» والظاء من «ظهرا» والكاف من «كرم» وهم: «شعبة، ويعقوب، وابن عامر» «وضعت» من قوله تعالى: فَلَمَّا
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «كفل» ج- 8/ 99.
(2/107)

وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ (سورة آل عمران آية 36) بإسكان العين، وضمّ التاء، وهو من كلام «أمّ مريم» والتاء فاعل.
وقرأ الباقون «وضعت» بفتح العين، وسكون التاء، وهو من كلام الله تعالى، أو «الملك» الذي هو «جبريل» عليه السلام والتاء للتأنيث.
قال ابن الجزري:
وحذف همز زكريّا مطلقا ... صحب ورفع الأوّل انصب صدّقا
المعنى: قرأ المرموز لهم بمدلول «صحب» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «زكريا» حيثما وقع في القرآن الكريم، وقد جاء في سبعة مواضع نحو قوله تعالى: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا (سورة آل عمران آية 37) قرءوا «زكريا» بالقصر من غير همز في جميع القرآن.
وقرأ الباقون «زكرياء» بالهمز والمدّ. والقصر، والمدّ لغتان مشهورتان في «زكريا».
ثم أمر الناظم رحمه الله تعالى بالقراءة للمرموز له بالصاد من «صدّقا» وهو: «شعبة» بنصب «زكرياء» الموضع الأول في القرآن، وهو الذي في آل عمران (آية 36) في قوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا على أنه مفعول ثان ل- «كفّلها» مشدّد الفاء ورفعه الباقون ممن قرأ «وكفلها» بتخفيف الفاء.
أمّا من قرأ «وكفّلها» بتشديد الفاء فإنهم يقرءون بنصب «زكريا» إلا أنهم يقرءون بالقصر والحركة لا تظهر على المقصور.
قال الشيخ «المتولي» رحمه الله تعالى:
وزكريّا همزه ارفع مع دخل ... دعاويا ومع تخفيف كفل
ثم مع التشديد شعبة نصب ... وفي البواقي عند كلّ انتصب
قال ابن الجزري:
نادته ناداه شفا .......... ... ..........
(2/108)

المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «فنادته» من قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ (سورة آل عمران آية 39) قرءوا «فناداه» بألف بعد الدال، على تذكير الفعل.
وقرأ الباقون «فنادته» بتاء التأنيث الساكنة بعد الدال، وذلك على تأنيث الفعل. وجاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن الفاعل جمع تكسير، فمن ذكر فعلى معنى الجمع، ومن أنث فعلى معنى الجماعة.
قال ابن الجزري:
.......... وكسران ... ن الله في كم ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» والكاف من «كم» وهما: «حمزة، وابن عامر» «أنّ» من قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ
بِيَحْيى
(سورة آل عمران آية 39) قر «إنّ» بكسر الهمزة، إجراء للنداء مجرى القول، أو على إضمار القول، أي قائلين: «إنّ الله يبشرك بيحيى».
وقرأ الباقون «أنّ» بفتح الهمزة، على تقدير حرف الجرّ، أيّ «بأنّ الله يبشرك بيحيى».
تنبيه: «إنّ الله» من قوله تعالى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (سورة آل عمران آية 45) اتفق القراء العشرة على كسر همزة «إنّ» لأنها مسبوقة بصريح القول وهو: «إذ قالت الملائكة» كما أن القراءة مبنية على التوقيف.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... يبشر اضمم شدّدن
كسرا كالاسرى الكهف والعكس رضى ... وكاف أولى الحجر توبة فضا
ودم رضى حلا الذي يبشر ... ..........
(2/109)

المعنى: اختلف القراء في: «يبشرك، يبشر، نبشر، يبشرهم»:
أمّا «يبشرك» فقد وقع في موضعين وهما:
1 - فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ (سورة آل عمران آية 39).
2 - إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (سورة آل عمران آية 45).
وأمّا «يبشر» فقد وقع في ثلاثة مواضع وهي:
1 - إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ (سورة الإسراء آية 9).
2 - وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (سورة الكهف آية 2).
3 - ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (سورة الشورى آية 23).
وأمّا «نبشرك» فقد وقع في موضعين وهما:
1 - قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (سورة الحجر آية 53).
2 - يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى (سورة مريم آية 7).
وأمّا «يبشرهم» فقد وقع في موضع واحد وهو:
1 - يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ (سورة التوبة آية 21).
من هذا يتبين أن جملة المواضع المختلف فيها ثمانية، وهذا بيان اختلاف القراء فيها:
أولا: قرأ «حمزة» المواضع الثمانية بفتح الياء من «يبشر» والنون من «نبشر» وإسكان الباء، وضم الشين مخففة.
ثانيا: قرأ «الكسائي» مثل «حمزة» في المواضع الخمسة الآتية: موضعي آل عمران، وموضع الإسراء، والكهف، والشورى، وقرأ المواضع الثلاثة الباقية:
بضم النون من «نبشرك» موضعي: الحجر، ومريم، وبضم الياء من «يبشرهم»
(2/110)

بالتوبة، وفتح الباء، وكسر السين مشددة في المواضع الثلاثة.
ثالثا: قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو» مثل قراءة «حمزة» في موضع «الشورى» فقط، وفي المواضع السبعة الباقية يقرأ مثل قراءة الباقين من القراء، وهي التي سأبينها فيما يلي:
رابعا: قرأ الباقون من القراء بضمّ الياء من «يبشر» والنون من «نبشر» وفتح الباء، وكسر الشين مشددة.
والقراءتان لغتان بمعنى واحد وهو: الإخبار بأمر سار تتغير عنده بشرة الوجه، وتنبسط عادة. والتخفيف لغة «تهامة» وهو فعل مضارع من «بشر» بتخفيف الشين، يقال: «بشره يبشره بشرا. والتشديد لغة «أهل الحجاز» وهو فعل مضارع من «بشّر» مشدّد الشين، يقال: «بشّره يبشّره تبشيرا». ونحن إذا نظرنا إلى هاتين القراءتين وجدناهما ترجعان إلى أصل الاشتقاق: فالتخفيف من «بشر» مخفف العين، والتشديد من «بشّر» مضعّف العين.
تنبيه: «تبشرون» من قوله تعالى: قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (سورة الحجر آية 54) اتّفق القراء العشرة على قراءته بتشديد الشين، وذلك لمناسبة ما قبله، وما بعده من الأفعال المجمع على قراءتها بالتشديد، وأهمّ من ذلك أن القراءة سنة متبعة ومبنية على التلقّي والتوقيف.
قال ابن الجزري:
.......... ... نعلّم اليا إذ ثوى نل .....
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «إذ» ومدلول «ثوى» والنون من «نل» وهم: «نافع، وأبو جعفر، ويعقوب، وعاصم» «ويعلمه» من قوله تعالى:
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (سورة آل عمران آية 48) بياء الغيبة، لمناسبة قوله تعالى قبل: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة آل عمران آية
47).
وقرأ الباقون «ونعلمه» بنون العظمة، على أنه إخبار من الله تعالى عن
(2/111)

نفسه بأنه سيعلم «عيسى ابن مريم» عليهما السلام الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ويرسله رسولا إلى بني إسرائيل، وحينئذ يكون في الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم.
قال ابن الجزري:
.......... ... ........ واكسروا
أنّي اخلق اتل ثب .... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «اتل» والثاء من «ثب» وهما: «نافع، وأبو جعفر» «أنّي» من قوله تعالى: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ (سورة آل عمران آية 49) بكسر همزة «إنّي» وذلك على الاستئناف، أو على إضمار القول، أي قائلا: إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير إلخ.
وقرأ الباقون «أنّي» بفتح الهمزة، على أنها بدل من قوله تعالى قبل: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
قال ابن الجزري:
.......... والطّائر ... في الطّير كالعقود خير ذاكر
وطائرا معا بطير إذ ثنا ... ظبى ..........
المعنى: اختلف القراء في «الطير» المعرف، و «طيرا» المنكر، وهما في قوله تعالى:
1 - أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ (سورة آل عمران آية 49).
2 - وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي (سورة المائدة آية 110).
فقرأ «أبو جعفر» «الطائر» المعرف، و «طائرا» المنكر في السورتين بألف بعد
(2/112)

الطاء، وهمزة مكسورة بعدها مكان الياء، وذلك على الإفراد، فقد ورد أن «عيسى» عليه السلام ما خلق سوى «الخفّاش» بإذن الله تعالى، وبعد أن طار في الفضاء سقط ميّتا.
وقرأ «نافع، ويعقوب» «طائرا» المنكر في السورتين مثل قراءة «أبي جعفر».
أمّا «الطير» المعرف فقد قرءاه من غير ألف، وبياء ساكنة بعد الطاء، على أن المراد به اسم الجنس، أي جنس الطير.
وقرأ الباقون «الطير» المعرف، و «طيرا» المنكر في السورتين من غير ألف، وبياء ساكنة بعد الطاء، على أن المراد به جنس الطير.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... يوفّيهم بياء عن غنا
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عن» والعين من «غنا» وهما: «حفص، ورويس» «فيوفيهم» من قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ (سورة آل عمران آية 57) بياء الغيبة، على الالتفات من التكلم إلى الغيبة، والالتفات ضرب من ضروب البلاغة.
وقرأ الباقون «فنوفيهم» بنون العظمة الدالة على التكلم، وذلك إخبار عن الله تعالى، ولمناسبة قوله تعالى قبل: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً (آية 56) والنون في الإخبار كالهمزة في الإخبار، ولمناسبة قوله تعالى بعد: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (آية 58).
قال ابن الجزري:
وتعلمون ضمّ حرّك واكسرا ... وشدّ كنزا ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كنز» وهم: «ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تعلّمون» من قوله تعالى: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما
(2/113)

كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ (سورة آل عمران آية 79) بضم تاء «تعلّمون» وفتح العين، وكسر اللام مشدّدة، على أنه مضارع «علم» مضعف العين، فينصب مفعولين:
أولهما محذوف تقديره: «الناس» والثاني «الكتاب».
وقرأ الباقون «تعلمون» بفتح التاء، وإسكان العين، وفتح اللام مخفّفة، على أنه مضارع «علم» نحو: «فهم» مخفّف العين، وهو ينصب واحدا وهو:
«الكتاب».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وارفعوا لا يأمرا
حرم حلا رحبا ......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «حرم» والمرموز له بالحاء من «حلا» والراء من «رحبا» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والكسائي» «ولا يأمركم» من قوله تعالى: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً (سورة آل عمران آية 80). قرءوا «ولا يأمركم» برفع الراء، وذلك على الاستئناف، والفعل مرفوع لتجرده من الناصب والجازم.
وقرأ الباقون «ولا يأمركم» بنصب الراء، وذلك على أنه معطوف على قوله تعالى قبل: ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ والتقدير: ليس للنبيّ أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله، ولا أن يأمركم أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ.

تنبيه:
مما هو معروف أن «السوسي» يقرأ بإسكان الراء، وباختلاس ضمتها، وأن «الدوري عن أبي عمرو» يقرأ بإسكان الراء، وباختلاس ضمتها، وبالضمة الخالصة.
قال ابن الجزري:
.......... لما فاكسر فدا ... ..........
(2/114)

المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فدا» وهو «حمزة» «لما» من قوله تعالى:
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ (سورة آل عمران آية 81) قرأ «لما» بكسر اللام، على أنها لام الجر متعلقة ب «أخذ» و «ما» مصدريّة، والتقدير: اذكر يا «محمد» وقت أن أخذ الله الميثاق على الأنبياء السابقين لإيتائه إياهم الكتاب والحكمة إلخ.
وقرأ الباقون «لما» بفتح اللام، على أنها لام الابتداء، و «ما» موصولة، والعائد محذوف، والتقدير: اذكر يا «محمد» وقت أخذ الله الميثاق على الأنبياء السابقين للذي آتاهم من كتاب وحكمة إلخ.
قال ابن الجزري:
.......... ... آتيتكم يقرا آتينا مدا
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «مدا» وهما: «نافع، وأبو جعفر» «ءاتيتكم» من قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ (سورة آل عمران آية 81) قرآ «آتيناكم» بنون العظمة، وألف بعدها.
وقرأ الباقون «آتيتكم» بتاء مضمومة مكان النون من غير ألف وهي تاء المتكلم، وذلك لمناسبة صدر الآية وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.
قال ابن الجزري:
ويرجعون عن ظبى ....... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عن» والظاء من «ظبّى» وهما:
«حفص، ويعقوب» «يرجعون» من قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (سورة آل عمران آية 83) قرآ «يرجعون» بياء الغيبة، جريا على السياق.
ومما هو معروف أن «حفصا» يقرأ «يرجعون» بضم الياء، وفتح الجيم،
(2/115)

على البناء للمفعول، وأن «يعقوب» يقرأ «يرجعون» بفتح الياء، وكسر الجيم، على البناء للفاعل.
وقرأ الباقون «ترجعون» بتاء الخطاب المضمومة، وفتح الجيم، على البناء للمفعول.
قال ابن الجزري:
.......... يبغون عن ... حما ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عن» ومدلول «حما» وهم: «حفص، وأبو عمرو، ويعقوب» «يبغون» من قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ (سورة آل عمران آية 83). قرءوا «يبغون» بياء الغيبة، لمناسبة قوله تعالى قبل: فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (آية 82).
وقرأ الباقون «تبغون» بتاء الخطاب، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. أمر الله تعالى نبيه «محمدا» صلّى الله عليه وسلّم أن يقول لهم: «أفغير دين الله تبغون أيها الكافرون» فخوطبوا بذلك على لسان النبيّ عليه الصلاة والسلام.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وكسر حجّ عن شفا ثمن
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عن» ومدلول «شفا» والمرموز له بالثاء من «ثمن» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وأبو جعفر» «حجّ» من قوله
تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (سورة آل عمران آية 97) قرءوا «حجّ» بكسر الحاء، وهو لغة «نجد».
وقرأ الباقون «حجّ» بفتح الحاء، لغة «أهل العالية، والحجاز، وأسد».
وهما مصدران ل «حج يحج» والفتح هو المصدر القياسي.
قال ابن مالك في ألفيته:
(2/116)

فعل قياس مصدر المعدّى ... من ذي ثلاثة كردّ ردّا
والسكر حكاه «سيبويه» نحو: «ذكر ذكرا».
قال ابن الجزري:
ما يفعلوا لن يكفروا صحب طلا ... خلفا ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «صحب» والمرموز له بالطاء من «طلا» بخلف عنه، وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، والدوري عن أبي عمرو بخلف عنه» «يفعلوا، يكفرون» من قوله تعالى: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ (سورة آل عمران آية 115). قرءوا «يفعلوا» يكفروا «بياء الغيب فيهما، وذلك لمناسبة قوله تعالى: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (سورة آل عمران الآيتان 113 - 114) إلخ فذلك كله لفظ غيبة متصل بعضه ببعض.
وقرأ الباقون «تفعلوا، تكفروه» بتاء الخطاب فيهما، وهو الوجه الثاني «لدوري أبي عمرو» وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، أو لمناسبة الخطاب المتقدم في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (آية 110).
قال ابن الجزري:
.......... ... .. يضركم اكسر اجزم أوصلا
حقّا وضمّ اشدد لباق ...... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «أوصلا» ومدلول «حقّا» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «لا يضركم» من قوله تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً (سورة آل عمران آية 120). قرءوا «لا يضركم» بكسر الضاد، وجزم الراء، على أنه جواب الشرط.
وقرأ الباقون «لا تضرّكم» بضم الضاد، ورفع الراء مشددة، على أن
(2/117)

الفعل مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، والجملة في محلّ جزم جواب الشرط.
قال ابن الجزري:
.......... واشددوا ... منزلين منزلون كبّدوا
ومنزل عن كم .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كبّدوا» وهو «ابن عامر».
1 - «منزلين» من قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (سورة آل عمران آية 124).
2 - و «منزلون» من قوله تعالى: إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ (سورة العنكبوت آية 34). قرأهما «منزلين، منزّلون» بفتح النون، وتشديد الزاي فيهما، على أن «منزّلين» اسم مفعول من «نزّل» الثلاثي، مضعّف العين، و «منزّلون» اسم فاعل من «نزّل» الثلاثي مضعّف العين أيضا.
وقرأ الباقون «منزلين»، منزلون» بسكون النون، وتخفيف الزاي، على أن «منزلين» اسم مفعول من «أنزل» الثلاثي المزيد بالهمزة، و «منزلون» اسم فاعل من «أنزل» ثلاثي مزيد بالهمزة أيضا.
ثم أمر الناظم رحمه الله تعالى بالقراءة للمرموز له بالعين من «عن» وبالكاف من «كم» وهما: «حفص، وابن عامر» «منزّل» من قوله تعالى:
يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ (سورة الأنعام آية 114) بفتح النون، وتشديد الزاي، على أنه اسم مفعول من «نزّل» الثلاثي مضعف العين.
فتعين للباقين القراءة «منزل» بسكون النون، وتخفيف الزاي، على أنه اسم مفعول من «أنزل» المزيد بالهمزة.
قال ابن الجزري:
.......... مسوّمين نم ... حقّ اكسر الواو ..........
(2/118)

المعنى: قرأ المرموز له بالنون من «نم» ومدلول «حقّ» وهم: «عاصم، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «مسوّمين» من قوله تعالى: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (سورة آل عمران آية 125). قرءوا «مسوّمين» بكسر الواو، اسم فاعل من «سوّم» مضعف العين.
وقرأ الباقون «مسوّمين» بفتح الواو، اسم مفعول من «سوّم» مضعّف العين أيضا. والسمة العلامة، فعن «عليّ بن أبي طالب» رضي الله عنه قال:
«كان سيما الملائكة يوم «بدر» الصوف الأبيض، وكان سيماهم أيضا في نواصي خيولهم» اهـ-.
وعن «ابن عباس» رضي الله عنهما قال: «كان سيما الملائكة يوم «بدر» عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم «حنين» عمائم حمر» اهـ- «1» ومن ينعم النظر في هاتين القراءتين يجد مردّ الخلاف يرجع إلى الصيغ، إذ القراءة الأولى اسم فاعل، والثانية اسم مفعول.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... وحذف الواو عم
من قبل سارعوا .... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «عم» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «وسارعوا» من قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (سورة آل عمران آية 133) قرءوا «سارعوا» بحذف الواو، وذلك على الاستئناف. وهي مرسومة بحذف الواو في مصاحف «أهل المدينة والشام».
وقرأ الباقون «وسارعوا» بإثبات الواو، وذلك عطفا على قوله تعالى قبل:
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (آية 132). وهذه القراءة موافقة لرسم بقية المصاحف «2».
__________
(1) انظر: مختصر تفسير ابن كثير ج 1/ 316.
(2) قال «ابن عاشر»: والمكّ والعراق واوا سارعوا.
(2/119)

قال ابن الجزري:
.......... وقرح القرح ضم ... صحبة ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «صحبة» وهم: «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «قرح» المنكر، «القرح» المعرّف من قوله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ (سورة آل عمران آية 140) ومن قوله تعالى:
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ (سورة آل عمران آية 172). قرءوا هذين بضمّ القاف فيهما.
وقرأ الباقون بفتح القاف فيهما، وهما مصدران «قرح». والقرح بفتح القاف: الأثر من الجراحة من شيء يصيبه من خارج. والقرح بضمّ القاف:
أثرها من داخل، كالبثرة، ونحوها. وقد يقال: القرح بالفتح الجراحة، وبالضم الألم.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... كائن في كأيّن ثلّ دم
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثلّ» والدال من «دم» وهما: «أبو جعفر، وابن كثير» «وكأيّن» مثل قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ (سورة آل عمران آية 146) قرأ «وكائن» بألف ممدودة بعد الكاف، وبعدها همزة مكسورة، وحينئذ يكون المدّ من قبيل المتصل، فكلّ يمد حسب مذهبه.
إلّا أن «أبا جعفر» يسهل الهمزة بين بين مع التوسط، والمدّ، والقصر.
وقرأ الباقون «وكأيّن» بهمزة مفتوحة بدلا من الألف، وبعدها ياء مكسورة مشددة، وهما لغتان بمعنى «كثير».
ومثلها في الحكم كل لفظ «كأيّن» في جميع القرآن.

تنبيه:
إذا وقف القارئ على «وكأيّن» «فأبو عمرو، ويعقوب» يقفان على الياء هكذا «وكأيّ» وذلك للتنبيه على الأصل، وهو أن الكلمة مركبة من كاف
(2/120)

التشبيه، و «أيّ» المنونة، ومعلوم أن التنوين يحذف وقفا. والباقون من القراء يقفون على النون هكذا «وكأين» اتباعا للرسم، لأن التنوين لما دخل في التركيب أشبه النون الأصلية، ولهذا رسم في المصحف نونا هكذا «وكأيّن».
قال ابن الجزري:
قاتل ضمّ اكسر بقصر أوجفا ... حقّا ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «أوجفا» ومدلول «حقّ» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «قاتل» من قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ (سورة آل عمران آية 146) قرءوا «قتل» بضمّ القاف، وحذف الألف، وكسر التاء، على البناء للمفعول، وهو مشتق من «القتل» و «ربيون» نائب فاعل.
وقرأ الباقون «قاتل» بفتح القاف، وإثبات الألف، وفتح التاء، على البناء للفاعل، وهو مشتقّ من «القتال» و «ربيون» فاعل.
قال ابن الجزري:
............ ... ... وكلّه حما ..........
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «حما» وهما: «أبو عمرو، ويعقوب» «كلّه» من قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ (سورة آل عمران آية 154). قرأ برفع اللام، على أنها مبتدأ، ومتعلق «لله» خبر، والجملة من المبتدإ وخبره في محلّ رفع خبر «إنّ».
وقرأ الباقون «كلّه» بالنصب، على أنها توكيد لكلمة «الأمر» التي هي اسم «إنّ» ومتعلق «لله» خبر «إنّ».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... يغشى شفا
أنّث .......... ... ..........
(2/121)

المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يغشى» من قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ (سورة آل عمران آية 154). قرءوا «تغشى» بتاء التأنيث، على أن الفاعل ضمير يعود على «أمنة» وهي مؤنثة، فأنّث الفعل تبعا لتأنيث الفاعل.
وقرأ الباقون «يغشى» بياء التذكير، على أن الفاعل ضمير يعود على «نعاسا» وهو مذكر، فذكر الفعل تبعا لفاعل.
قال ابن الجزري:
... يعملون دم شفا ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالدال من «دم» ومدلول «شفا» وهم: «ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تعملون» من قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (سورة آل عمران آية 156) قرءوا «يعملون» بياء الغيب، وذلك ردّا على الذين كفروا في قوله تعالى أول الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا والواو في «يعملون» للكفار.
وقرأ الباقون «تعملون» بتاء الخطاب، وذلك ردّا على الخطاب الذي في قوله تعالى قبل: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا والواو في «تعملون» للمؤمنين.
قال ابن الجزري:
.......... اكسر ... ضمّا هنا في متّم شفا أري
وحيث جا صحب أتى .... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في كسر، وضم الميم في الألفاظ الآتية: «متّم، متنا، متّ»:
أمّا «متم» فقد وقع في ثلاثة مواضع:
(2/122)

1 - وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ (سورة آل عمران آية 157).
2 - وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (سورة آل عمران آية 158).
3 - أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً (سورة المؤمنون آية 35).
وأمّا «متنا» فقد وقع في خمسة مواضع:
1 - قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (سورة المؤمنون آية 82).
2 - أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (سورة الصافات آية 16).
3 - أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (سورة الصافات آية 53).
4 - أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (سورة ق آية 3).
5 - وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (سورة الواقعة آية 47).
وأمّا «متّ» فقد وقع في ثلاثة مواضع:
1 - قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا (سورة مريم آية 23).
2 - وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (سورة مريم آية 66).
3 - وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (سورة الأنبياء آية 34).
فقرأ «نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» بكسر الميم في الألفاظ الثلاثة حيثما وقعت.
وقرأ «حفص» بكسر الميم في ذلك كله إلّا موضعي سورة آل عمران فقد قرأهما بضم الميم.
وقرأ الباقون بضم الميم في الألفاظ الثلاثة حيثما وقعت. والقراءتان ترجعان إلى أصل الاشتقاق:
فالأولى وهي كسر الميم من «مات يمات» نحو: «خاف يخاف» وهو فعل أجوف أي عينه حرف علة. والأصل «موت» بفتح فاء الكلمة، وكسر عينها، فإذا أسند إلى ضمير
الرفع المتحرك قيل: «متّ» بكسر فاء الكلمة، لأننا نقلنا
(2/123)

حركة العين إلى الفاء بعد حذف حركة الفاء، ثم حذفنا الواو للساكنين.
والثانية: وهي بضم الميم من «مات يموت» نحو: «قام يقوم» الأجوف من باب «نصر ينصر». وأصل «مات» «موت» تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وأصل «يموت» «يموت» بضم عين الكلمة، فنقلت ضمتها إلى الساكن قبلها.
قال ابن الجزري:
.......... وفتح ضم ... يغلّ والضّمّ حلا نصر دعم
المعنى: قرأ المرموز له بالحاء من «حلا» والنون من «نصر» والدال من «دعم» وهم: «أبو عمرو، وعاصم، وابن كثير» «يغل» من قوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (سورة آل عمران آية 161) قرءوا بفتح الياء، وضمّ الغين، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود على «نبيّ». والمعنى: لا ينبغي أن يقع من «نبيّ» غلول البتّة، أي خيانة.
وقرأ الباقون «يغلّ» بضمّ الياء، وفتح الغين، على البناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود على «نبيّ» أيضا، والفعل على هذه القراءة من «أغلّ» الرباعي. والمعنى: ما كان لنبيّ أن ينسب إليه غلول البتّة، مثل: «أكذبته» نسبته إلى الكذب.
قال «ابن الأثير» مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري» ت 606 هـ: «الغلول»: الخيانة في المغنم، والسرقة، وكل من خان في شيء خفية فقد غلّ، وسميت «غلولا» لأن الأيدي فيها تغلّ، أي يجعل فيها «الغلّ» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
ويجمعون عالم .......... ... ..........
__________
(1) انظر: تاج العروس ج 8/ 48.
(2/124)

المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عالم» وهو: «حفص» «يجمعون» من قوله تعالى: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (سورة آل عمران آية 157) بياء الغيب، وهو راجع إلى الذين كفروا في قوله تعالى قبل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا (آية/ 156) والضمير في «يجمعون» للكفار.
وقرأ الباقون «تجمعون» بتاء الخطاب، لمناسبة قوله تعالى في صدر الآية وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ.
قال ابن الجزري:
.......... ما قتلوا ... شدّ لدى خلف وبعد كفلوا
كالحجّ والآخر والأنعام ... دم كم ..........
المعنى: اختلف القراء في تشديد وتخفيف التاء في لفظ «قتلوا» سواء كان مبنيّا للفاعل، أو المفعول، في المواضع الآتية:
1 - قوله تعالى: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا (سورة آل عمران آية 168).
2 - قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً (سورة آل عمران آية 169).
3 - قوله تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا (سورة الحج آية 58).
4 - قوله تعالى: وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ (سورة آل عمران آية 195).
5 - قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ (سورة الأنعام آية 140).
فقرأ «هشام» بخلف عنه «ما قتلوا» آل عمران (آية 168)، بتشديد التاء، على أنه مضارع «قتّل» مضعف العين، مبني للمجهول والواو نائب فاعل، والتشديد لإرادة التكثير في القتل.
(2/125)

وقرأ الباقون «ما قتلوا» بتخفيف التاء، وهو الوجه الثاني لهشام، على أنه مضارع مبني للمجهول من «قتل» الثلاثي مثل «نصر» والواو نائب فاعل.

تنبيه:
قيد الناظم رحمه الله موضع الخلاف في «ما قتلوا» بالمسبوق ب «ما» فقط، ليخرج «وما قتلوا» من قوله تعالى: وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا (سورة آل عمران آية 156) فقد اتفق القراء العشرة على قراءته بتخفيف التاء مع البناء للمجهول، وذلك إمّا لمناسبة «ما ماتوا» أو لأن «القتل» في هذا الموضع ليس مختصا بسبيل الله، بدليل «إذا ضربوا في الأرض» لأن المقصود به السفر في التجارة، وقد روي عن «ابن عامر» أنه قال: ما كان من «القتل في سبيل الله» فهو بالتشديد، أي يجوز فيه التشديد.
وقرأ «ابن عامر» في المواضع الأربعة الباقية بتشديد التاء، على أنّ الفعل مضارع من «قتّل» مضعف العين، لإرادة التكثير في القتل.
وقرأ «ابن كثير» بتشديد التاء في الموضع الأخير من آل عمران (آية 195) وكذا موضع الأنعام (آية 140). أمّا موضع آل عمران (آية 169)، وكذا موضع الحج (آية 58) فقد قرأهما «ابن كثير» بتخفيف التاء، على أنه مضارع من «قتل» الثلاثي، مثل «نصر» وذلك جمعا بين اللغتين.
وقرأ الباقون المواضع الأربعة بتخفيف التاء.
تنبيه:
«قتلوا» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (سورة محمد آية 4) اتفق القراء العشرة على قراءته بالبناء للمجهول، مع تخفيف التاء.
«وقتلوا» من قوله تعالى: أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (سورة الأحزاب آية 61) اتفق القراء العشرة على قراءته بالبناء للمجهول مع تشديد التاء. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أن القراءة سنة متبعة ومبنية على التوقيف.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وخلف يحسبنّ لاموا
(2/126)

المعنى: قرأ المرموز له باللام من «لاموا» بخلف عنه، وهو: «هشام» «ولا تحسبن» من قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً (سورة آل عمران آية 169).
قرأه «هشام» بخلف عنه «ولا يحسبن» بياء الغيبة، وفاعله «الذين قتلوا في سبيل الله» وهم «الشهداء» و «أمواتا» مفعول ثان، والمفعول الأوّل محذوف، والتقدير: «ولا يحسبن الشهداء أنفسهم أمواتا.
وقرأ الباقون «ولا تحسبنّ» بتاء الخطاب، وهو الوجه الثاني «لهشام» و «الذين قتلوا في سبيل الله» مفعول أوّل، و «أمواتا» مفعول ثان، والتقدير: ولا تحسبنّ يا «محمد» أو يا مخاطب الشهداء أمواتا.
وقرأ الباقون «ولا تحسبنّ» بتاء الخطاب، وهو الوجه الثاني «لهشام» و «الذين قتلوا في سبيل الله» مفعول أوّل، و «أمواتا» مفعول ثان، والتقدير: ولا تحسبنّ يا «محمد» أو يا مخاطب الشهداء أمواتا.
وقرأ «ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر» «تحسبن» بفتح السين.
وقرأ الباقون بكسرها، وهما لغتان، وقد سبق دليل ذلك في قول «ابن الجزري»: ويحسب مستقبلا بفتح سين كتبوا في نصّ ثبت.
قال ابن الجزري:
وخاطبن ذا الكفر والبخل فنن ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فنن» وهو: «حمزة» «ولا يحسبن» من قوله تعالى:
1 - وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ (سورة آل عمران آية 178).
2 - وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (سورة آل عمران آية 180).
قرأ «ولا تحسبن» في الموضعين بتاء الخطاب، والمخاطب نبينا «محمد» صلّى الله عليه وسلّم، أو كل من يصلح للخطاب.
(2/127)

وقرأ الباقون «ولا يحسبن» في الموضعين بياء الغيب، والفاعل «الذين كفروا» أو «الذين يبخلون».
وقرأ «ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر» بفتح السين.
وقرأ الباقون بكسرها، وهما لغتان.
قال ابن الجزري:
.......... ... وفرح ظهر كفى ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظهر» ومدلول «كفى» وهم: «يعقوب، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «لا تحسبنّ» من قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا (سورة آل عمران آية 188). قرءوا «لا تحسبنّ» بتاء الخطاب، والفعل مسند إلى المخاطب، والمعنى: لا تحسبن يا مخاطب الفرحين ناجين.
وقرأ الباقون «لا يحسبنّ» بياء الغيبة، على إسناد الفعل إلى «الذين يفرحون بما أتوا». والمعنى: لا يحسبن الفرحون أنفسهم ناجين.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... واكسر وأنّ الله
رم .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالراء من «رم» وهو: الكسائي» «وأنّ» من قوله تعالى: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (سورة آل عمران آية
171). قرأ «وإنّ» بكسر الهمزة، على الاستئناف.
وقرأ الباقون «وأنّ» بفتح الهمزة، عطفا على «بنعمة» مع تقدير حرف الجرّ. والتقدير: يستبشرون بنعمة من الله وفضل وبأن الله لا يضيع أجر المؤمنين.
(2/128)

قال ابن الجزري:
.......... يحزن في الكلّ اضمما ... مع كسر ضمّ أمّ الأنبيا ثما
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «أمّ» وهو: «نافع» «يحزن» حيثما وقع في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:
1 - وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ (سورة آل عمران آية 176).
2 - يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ (سورة المائدة آية 41).
3 - قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ (سورة الأنعام آية 33).
4 - وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (سورة يونس آية 65).
5 - وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ (سورة لقمان آية 23).
6 - فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ (سورة يس آية 76).
7 - قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ (سورة يوسف آية 13).
8 - إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا (سورة المجادلة آية 10).
قرأ «نافع» جميع هذه الأفعال حيثما وقعت في القرآن الكريم بضمّ الياء، وكسر الزاي، على أنه مضارع «أحزن» المزيد بالهمزة، إلّا موضع الأنبياء وهو قوله تعالى: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ (آية 103) فقد قرأه «لا يحزنهم» بفتح الياء، وضم الزاي، على أنه مضارع «حزن» الثلاثي نحو: «علم يعلم» وذلك جمعا بين اللغتين.
وقرأ المرموز له بالثاء من «ثما» وهو: «أبو جعفر» جميع هذه الأفعال بفتح الياء، وضمّ الزاي، إلّا موضع الأنبياء (آية 103) فقد قرأه بضم الياء، وكسر الزاي، جمعا بين اللغتين أيضا.
وقرأ الباقون جميع هذه الأفعال بما في ذلك موضع الأنبياء بفتح الياء، وضمّ الزاي.
(2/129)

قال ابن الجزري:
يميز ضمّ افتح وشدّده ظعن ... شفا معا ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظعن» ومدلول «شفا» وهم: «يعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يميز» في الموضعين، وهما في قوله تعالى:
1 - ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (سورة آل عمران آية 179).
2 - لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (سورة الأنفال آية 37). قرءوا «يميّز» بضم الياء، وفتح الميم، وكسر الياء مشددة، مضارع «ميّز يميّز» مضعف العين، مثل: «كرم يكرّم».
وقرأ الباقون «يميز» بفتح الياء، وكسر الميم، وإسكان الياء، مضارع «ماز يميز» معتلّ العين، مثل: «كال يكيل». والقراءتان لغتان ترجعان إلى أصل الاشتقاق:
فالأولى: من «التمييز» يقال: «ميّز يميّز تمييزا» بتضعيف العين. يقال:
ميّزت بين الأشياء بمعنى فرّقت بينها.
والثانية: من «الميز» يقال: «ماز يميز ميزا» بتخفيف العين. يقال: ماز الشيء: إذا فرقه، وفصل بينه وبين غيره.
قال «الراغب الأصفهاني» ت 502 هـ-: «الميز، والتمييز»: الفصل بين المتشابهات، يقال: «مازه يميزه ميزا، وميّزه يميّزه تمييزا» اهـ- «1».
وقال «محمد مرتضى الزبيدي» ت 1205 هـ-: في مادة «ماز»: «مازه يميزه ميزا»: عزله، وفرزه، كأمازه، وميّزه، والاسم «الميزة» بالكسر» اهـ- «2».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... يكتب يا وجهّلن
قتل ارفعوا يقول يا فز ... ... ..........
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن ص 478.
(2) انظر: تاج العروس ج 4/ 83.
(2/130)

المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فز» وهو: «حمزة» «سنكتب، وقتلهم، ونقول» من قوله تعالى: سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
(سورة آل عمران آية 181). قرأ «سيكتب» بياء مضمومة، وفتح التاء، مبنيا للمفعول، و «ما» اسم موصول، أو مصدريّة، نائب فاعل، والتقدير: سيكتب الذي قالوه، أو سيكتب قولهم. وقرأ «وقتلهم» برفع اللام، عطفا على «ما» وقرأ «ويقول» بياء الغيبة، وذلك لمناسبة قوله تعالى قبل: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ إلخ وهو معطوف على «سيكتب».
وقرأ الباقون «سنكتب» بنون العظمة، وضمّ التاء، مبنيا للفاعل، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره «نحن» وهو يعود على الله تعالى، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى التكلم، و «ما» مفعول به.
وقرءوا «وقتلهم» بنصب اللام، عطفا على «ما». وقرءوا «ونقول» بنون العظمة، وهو معطوف على «سنكتب».
قال ابن الجزري:
.......... يعملوا ... حقّ ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «حقّ» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «تعملون» من قوله تعالى: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (سورة آل عمران آية 180). قرءوا «يعملون» بياء الغيبة، وذلك لمناسبة قوله تعالى أوّل الآية: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ إلخ.
وقرأ الباقون «تعملون» بتاء الخطاب، لمناسبة قوله تعالى قبل: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (آية 179) أو على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وفي الزبر بالبا كمّلوا
(2/131)

2 لمعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كمّلوا» وهو: «ابن عامر» «والزبر» من قوله تعالى: جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ (سورة آل عمران آية 184). قرأ «وبالزبر» بزيادة باء موحدة بعد الواو، وذلك موافقة لرسم المصحف الشامي «1».
وقرأ الباقون «والزبر» بحذف الباء، موافقة لرسم بقية المصاحف.
قال ابن الجزري:
وبالكتاب الخلف لذ .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له باللام من «لذ» وهو: «هشام» بخلف عنه «والكتب» من قوله تعالى: جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (سورة آل عمران آية 184). قرأ «وبالكتاب» بزيادة باء موحدة بعد الواو بخلف عنه، وذلك موافقة لرسم المصحف الشامي «2».
وقرأ الباقون «والكتاب» بحذف الباء، تبعا لرسم بقية المصاحف، وهو الوجه الثاني «لهشام».
قال ابن الجزري:
.......... يبيّنن ... ويكتمون حبر صف ....
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «حبر» وبالصاد من «صف» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة» «لتبيننه، ولا تكتمونه» من قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ (سورة آل عمران آية 187).
قرءوا «ليبيّننه، ولا يكتمونه» بياء الغيب فيهما، وذلك على إسناد الفعلين إلى «الذين أوتوا الكتب».
وقرأ الباقون «لتبيننه، ولا تكتمونه» بتاء الخطاب فيهما، وذلك على الحكاية، أي قلنا لهم: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه».
__________
(1) قال ابن عاشر: بالزبر الشام بباء شائع.
(2) قال ابن عاشر: بالزبر الشام بباء شائع كذا الكتاب بخلاف عنهمو.
(2/132)

قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ويحسبن
غيب وضمّ الباء حبر ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «حبر» وهما: «ابن كثير، وأبو عمرو» «فلا تحسبنهم» من قوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (سورة آل عمران آية 188). قرآ «فلا يحسبنّهم» بياء الغيبة، وضم الباء وكسر السين، والفعل مسند إلى ضمير «الذين» ومن ثمّ ضمت الباء لتدلّ على واو الضمير المحذوفة لسكون النون بعدها، ومفعوله الأول والثاني محذوف، تقديرهما: كذلك، أي فلا يحسبنّ الفرحون أنفسهم ناجية، والفاء للعطف.
وقرأ الباقون «فلا تحسبنّهم» بتاء الخطاب، وفتح الباء.
وقرأ «حمزة، وعاصم، وابن عامر، وأبو جعفر» بفتح السين.
وقرأ الباقون بكسر السين. والفعل على قراءة الخطاب مسند إلى المخاطب، والمعنى: لا تحسبن يا مخاطب الفرحين ناجين، لا تحسبنهم كذلك.
قال ابن الجزري:
.......... قتلوا ... قدّم وفي التوبة أخّر يقتلوا
شفا .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» قوله تعالى:
1 - فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ (سورة آل عمران آية 195).
2 - إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ (سورة التوبة آية 111). قرءوا بتقديم «قتلوا»
(2/133)

وتقديم «ويقتلون» الفعل المبني للمجهول فيهما، وتوجيه ذلك أن «الواو» لا تفيد ترتيبا أو على التوزيع، لأن منهم من قتل، ومنهم من قاتل.
وقرأ الباقون بتقديم الفعل المسمى للفاعل فيهما، وذلك لأن القتال يكون عادة قبل القتل.
وقرأ «ابن كثير، وابن عامر» «وقتّلوا» بتشديد التاء، للتكثير.
وقرأ الباقون بتخفيف التاء، على الأصل، وفي هذا يقول ابن الجزري:
.......... ما قتلوا ... شدّ لدى خلف وبعد كفلوا
كالحجّ والآخر والأنعام ... دم كم ..........
قال ابن الجزري:
... يغرّنك الخفيف يحطمن ... أو نرين ويستخفّن نذهبن
وقف بذا بألف غص .... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالغين من «غص» وهو: «رويس»:
1 - «لا يغرنك» من قوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (سورة آل عمران آية 196).
2 - «لا يحطمنكم» من قوله تعالى: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (سورة النمل آية 18).
3 - «أو نرينك» من قوله تعالى: أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ (سورة الزخرف آية 42).
4 - «نذهبن» من قوله تعالى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (سورة الزخرف آية 41). قرأ «رويس» هذه الكلمات الخمس بتخفيف النون مع سكونها، على أنها نون التوكيد الخفيفة، وإذا وقف على «نذهبن» وقف بالألف، وذلك على الأصل في الوقف على نون التوكيد الخفيفة.
(2/134)

وقرأ الباقون بتشديد النون في الكلمات الخمس، على أنها نون التوكيد الثقيلة.
قال ابن الجزري:
.......... وثمر ... شدّد لكنّ الذين كالزّمر
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثمر» وهو: «أبو جعفر» «لكن» من قوله تعالى:
1 - لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (سورة آل عمران آية 198).
2 - لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ (سورة الزمر آية 20) قرأ «أبو جعفر» «لكنّ» في الموضعين بنون مفتوحة مشددة على أن «لكنّ» عاملة عمل «إنّ» و «الذين» اسمها، وجملة «لهم جنت تجري من تحتها الأنهر» خبر «لكنّ» الأولى. وجملة «لهم غرف من فوقها غرف مبنية» خبر «لكنّ» الثانية.
وقرأ الباقون «لكن» في الموضعين بنون ساكنة خفيفة مع تحريكها وصلا بالكسر تخلصا من التقاء الساكنين، وعلى هذه القراءة تكون «لكن» مخففة مهملة لا عمل لها، والذين مبتدأ، وجملة «لهم جنت» خبر الأولى، وجملة «لهم غرف» خبر الثانية.
(والله أعلم) تمّت سورة آل عمران ولله الحمد والشكر
(2/135)

سورة النساء
قال ابن الجزري:
تساءلون الخفّ كوف .......... ... ..........
المعنى: قرأ الكوفيون وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تساءلون» من قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ (سورة النساء آية 1) قرءوا «تساءلون» بتخفيف السين، وذلك على حذف إحدى التاءين، لأن أصلها «تتساءلون».
وقرأ الباقون «تسّاءلون» بتشديد السين، وذلك على إدغام التاء في السين، لقرب مخرجهما، إذ التاء تخرج من طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا، والسين تخرج من طرف اللسان مع أطراف الثنايا السفلى، وكذلك لاشتراكهما في الصفات الآتية: الهمس، والاستفال، والانفتاح، والإصمات.
قال ابن الجزري:
.......... واجررا ... الأرحام ف ق ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «ف ق» وهو: «حمزة» «والأرحام» من قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ (سورة النساء آية 1) قرأ «والأرحام» بخفض الميم، عطفا على الضمير المجرور في «به».
وقد طعن نحاة «البصرة» في هذه القراءة، ونقلت لنا المصادر موقف البصريين، وهو كلام غير سديد، وقد تولّى الردّ على البصريين الكثيرون من العلماء، وهذه صورة من طعون البصريين على هذه القراءة الصحيحة المتواترة، التي تلقيناها مشافهة على شيوخنا، قال «مكي بن أبي طالب القيسي» ت 465 هـ-. في كتابه «الكشف عن وجوه القراءات»: قال: «وهو- أي العطف على الضمير المجرور بدون إعادة حرف الجر- قبيح عند البصريين، وقليل في الاستعمال، بعيد في القياس، لأن المضمر في «به» عوض عن التنوين، ولأن
(2/137)

المضمر المخفوض لا ينفصل عن الحرف، ولا يقع بعد حرف العطف، ولأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، ويقبح في أحدهما ما يقبح في الآخر، فكما لا يجوز: واتقوا الله الذي تساءلون بالأرحام، فكذلك لا يحسن «تساءلون به والأرحام» فإن أعيد الخافض حسن» اهـ- «1».
وأقول: لقد عجبت من كلام «مكي بن أبي طالب» وهو القارئ اللغوي أشدّ العجب، وقلت في نفسي: كيف لا يردّ على البصريين كلامهم، إذ الواجب أن يكون ما جاء به «القرآن الكريم» هو الصواب الذي لا يجوز العدول عنه إلى غيره من كلام البشر.
كما يجب أن تكون القراءات القرآنية من المراجع الأصيلة التي تبنى عليها القواعد النحوية.
وقرأ الباقون «والأرحام» بنصب الميم، عطفا على لفظ الجلالة: «الله» على معنى: واتقوا الله، واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ويجوز أن يكون معطوفا على محلّ الجارّ والمجرور، لأنه في موضع نصب، كما تقول: «مررت بزيد وعمرا» لأن معنى «مررت بزيد» جاوزت زيدا، فهو في موضع نصب فحمل «والأرحام» على المعنى فنصب.
وقضية العطف على الضمير المخفوض بدون إعادة الخافض، من القضايا النحوية التي اختلف فيها نحاة «الكوفة والبصرة» قديما «2» وهذه إشارة إلى مذهب كل منهما ودليله:
أولا: ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز العطف على الضمير المخفوض بدون إعادة الخافض، واحتجوا لرأيهم بأنه قد جاء ذلك في «القرآن الكريم» وكلام العرب:
فمن «القرآن الكريم» قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ
__________
(1) انظر: الكشف عن وجوه القراءات لمكي ج 1/ 375.
(2) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف ج 2/ 463 فما بعدها.
(2/138)

وَالْأَرْحامَ فقد قرأ «حمزة بن حبيب الزيات» ت 156 هـ- وهو كوفيّ، وأحد القراء السبعة المشهورين، بخفض ميم «والأرحام» عطفا على الضمير المجرور في «به». ومنه قوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ (سورة النساء آية 127). فما من قوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ اسم موصول في موضع خفض عطفا على الضمير المجرور في «فيهنّ».
ومن كلام العرب، قول الشاعر:
فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
«1» ومحلّ الشاهد قوله: «فما بك والأيام» حيث عطف «والأيّام» على الكاف من «بك» من غير إعادة حرف الجرّ، والتقدير: فما بك وبالأيّام.
ثانيا: ذهب البصريون إلى أنه لا يجوز العطف على الضمير المخفوض بدون إعادة الخافض.
واحتجوا لرأيهم بأن قالوا: «إنما قلنا: إنه لا يجوز، وذلك لأن الجارّ مع المجرور بمنزلة شيء واحد، فإذا عطفت على الضمير المجرور، والضمير إذا كان مجرورا اتصل بالجارّ، ولم ينفصل منه، ولهذا لا يكون إلّا متصلا، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب، فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف المجرور، وعطف الاسم على الحرف لا يجوز.
ومنهم من قال: «أجمعنا على أنه لا يجوز عطف المضمر المجرور، على المظهر المجرور، إذ لا يجوز أن يقال: «مررت بزيدوك» فكذلك ينبغي أن لا يجوز عطف المظهر المجرور، على المضمر المجرور، فلا يقال: «مررت بك وزيد» لأن الأسماء مشتركة في العطف، فكما لا يجوز أن يكون معطوفا، فلا يجوز أن يكون معطوفا عليه» اهـ- «2».
__________
(1) قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله تعالى: «هذا البيت من شواهد سيبويه ج 1/ 92 وشرحه البغدادي في خزانة الأدب ج 2/ 338 وابن عقيل رقم/ 298، ولم ينسبه واحد من هؤلاء
إلى قائل معين». اه-. انظر: هامش الإنصاف ج 2/ 464.
(2) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري ج 2/ 466 - 467.
(2/139)

رأي وترجيح
وأقول: نحن إذا ما نظرنا في أدلة كل من الكوفيين، والبصريين، حكمنا بدون تردد بأن رأي «الكوفيين» هو الصواب، والذي لا يجب العدول عنه، وذلك لمجيء «القرآن» به، والقرآن الكريم يجب أن لا يقدّم عليه أيّ كلام مهما بلغ قائله من الفصاحة، وعلى «البصريين» أن يغيّروا قواعدهم بحيث تتفق مع لغة «القرآن» الذي يعتبر في قمة المصادر التي يعتمد عليها عند التقنيين. وقد رجّح «ابن مالك» ت 672 هـ- رأي «الكوفيين» حيث قال في ألفيته:
وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلا
وليس عندي لازما إذ قد أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتا
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... واحدة رفع ثرا
الاخرى مدا .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثرا» وهو: «أبو جعفر» «فواحدة» من قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (سورة النساء آية 3) برفع التاء، على أنها خبر لمبتدإ محذوف، أي فالمقنع واحدة، أو فاعل لفعل محذوف، والتقدير: فيكفي واحدة.
وقرأ الباقون «فواحدة» بنصب التاء، على أنها مفعول لفعل محذوف، والتقدير: فانكحوا واحدة.
وقرأ المرموز لهما ب «مدا» وهما: «نافع»، وأبو جعفر» «وحدة» من قوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ (سورة النساء آية 11) برفع التاء، على أنّ «كان» تامّة تكتفي بمرفوعها.
وقرأ الباقون «واحدة» بنصب التاء، على أنّ «كان» ناقصة و «واحدة» خبرها، واسم «كان» مضمر، والتقدير: وإن كانت الوارثة واحدة.
(2/140)

قال ابن الجزري:
واقصر قياما كن أبا ... وتحت كم ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كن» والألف من «أبا» وهما: «ابن عامر، ونافع» «قيما» من قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً (سورة النساء آية 5). قرءاها «قيما» بغير ألف بعد الياء، على أنها مصدر «قام» بمعنى «القيام» لغة فيه.
وقرأ الباقون «قياما» بإثبات الألف بعد الياء، على أنه مصدر «قام يقيم قياما».
قال «الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة» ت 215 هـ-: في المصدر ثلاث لغات: «القوام، والقيام، والقيم» اهـ- «1».
وقرأ المرموز له بالكاف من «كم» وهو: «ابن عامر» «قيما» من قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ (سورة المائدة آية 97). قرأه «ابن عامر» «قيما» بغير ألف بعد الياء.
وقرأه الباقون «قياما» بإثبات ألف بعد الياء.
تنبيه: «قيما» من قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ (سورة آل عمران آية 191). ومن قوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ (سورة النساء آية 103). ومن قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (سورة الفرقان آية 64) اتفق القراء العشرة على قراءة «قياما» في السور الثلاث «قياما» بإثبات الألف بعد الياء.
وهذا دليل على أن القراءة سنة متبعة، مبنيّة على التوقيف، ولا مجال للرأي أو القياس فيها.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... يصلون ضمّ كم صبا
__________
(1) انظر الكشف عن وجوه القراءات ج 1/ 377.
(2/141)

المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» والصاد من «صبا» وهما: «ابن عامر، وشعبة» «وسيصلون» من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (سورة النساء آية 10). قرءاه «وسيصلون» بضم الياء، على أنه مضارع مبنيّ للمجهول من «أصلى» المزيد بالهمزة، والواو نائب فاعل، وهي المفعول الأول، و «سعيرا» مفعول ثان، ومنه قوله تعالى: سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً (سورة النساء آية 56).
وقرأ الباقون «وسيصلون» بفتح الياء، على أنه مضارع مبني للفاعل، من «صلا» الثلاثي، والواو فاعل، و «سعيرا» مفعول به، ومنه قوله تعالى: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (سورة إبراهيم آية 29).
قال ابن الجزري:
يوصى بفتح الصّاد صف كفلا درا ... ومعهم حفص في الاخرى قد قرا
المعنى: اختلف القراء في فتح الصاد، وكسرها في لفظ «يوصى» في موضعين وهما:
1 - قوله تعالى: يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ (سورة النساء آية 11).
2 - قوله تعالى: يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ (سورة النساء آية 12).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صف» والكاف من «كفلا» والدال من «درا» وهم: «شعبة، وابن عامر، وابن كثير» «يوصى» في الموضعين بفتح الصاد، وألف بعدها، وذلك على البناء للمفعول، و «بها» نائب فاعل.
وقرأ المصرح باسمه وهو «حفص» الموضع الأوّل «يوصي» بكسر الصاد، وياء بعدها، وذلك على البناء للفاعل والفاعل ضمير والمراد به «الميّت» و «بها» متعلق ب «يوصي» أي يوصي بها الميّت.
أمّا الموضع الثاني فإنه قرأه بفتح الصاد، وألف بعدها مثل قراءة «شعبة، وابن عامر، وابن كثير».
وقرأ الباقون الموضعين «يوصي» بكسر الصاد، وياء بعدها.
(2/142)

قال ابن الجزري:
لأمّه في أمّ أمّها كسر ... ضمّا لدى الوصل رضى كذا الزّمر
والنّحل نور النجم والميم تبع ... فاش ..........
المعنى: اختلف القراء العشرة في قراءة الألفاظ الآتية:
1 - «فلأمه» من قوله تعالى: فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (سورة النساء آية 11). ومن قوله تعالى:
فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (سورة النساء آية 11).
2 - «في أمّ» من قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ (سورة الزخرف آية 4).
3 - «في أمها» من قوله تعالى: حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا (سورة القصص آية 59).
فقرأ المرموز لهما ب «رضى» وهما: «حمزة، والكسائي» هذه الألفاظ الثلاثة المتقدمة بكسر الهمزة وصلا، أي وصل ما قبل الهمزة بها، وذلك لمناسبة الكسرة التي قبل الهمزة، وإذا ابتدأ بالهمزة فإنهما يبدآن بهمزة مضمومة على الأصل.
وقرأ الباقون الألفاظ الثلاثة بضم الهمزة في الحالين: أى وصلا وبدءا والكسر والضمّ لغتان صحيحتان.
أمّا إذا أضيف لفظ «أم» إلى جمع وكان قبله كسر، وذلك في أربعة مواضع:
1 - قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً (سورة النحل آية 78).
2 - قوله تعالى: أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ (سورة النور آية 61).
3 - قوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ (سورة الزمر آية 6).
4 - قوله تعالى: وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ (سورة النجم آية 32).
فقد قرأ المرموز له بالفاء من «فاش» وهو: «حمزة» بكسر الهمزة، والميم حالة وصل «أمهاتكم» بالكلمة التي قبلها، فالكسر الذي في الهمزة لمناسبة الكسر الذي قبلها، والكسر في الميم اتباعا لكسر الهمزة.
(2/143)

وقرأ «الكسائي» الداخل في مدلول «رضى» بكسر الهمزة فقط حالة وصل «أمهاتكم» بالكلمة التي قبلها، وذلك لمناسبة الكسر الذي قبلها. وإذا ابتدأ «حمزة، أو الكسائي» ب «أمهاتكم» فإنه يقرأ بهمزة مضمومة، وميم مفتوحة على الأصل.
وقرأ الباقون «أمهاتكم» في المواضع الأربعة بضم الهمزة، وفتح الميم في الحالين، أي وصلا وبدءا وذلك على الأصل، وكلها لغات.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وندخله مع الطّلاق مع
فوق يكفّر ويعذّب معه في ... إنّا فتحنا نونها عمّ ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «عمّ» وهم: نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» الألفاظ الآتية بالنون، والألفاظ هي:
1 - «يدخله» من قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (سورة النساء آية 13).
2 - ومن قوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها (سورة النساء آية 14).
3 - ومن قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (سورة الطلاق آية 11).
4 - «يدخله، يعذبه» من قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (سورة الفتح آية 17).
5 - «يكفر، ويدخله» من قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (سورة التغابن آية 9).
وقرأ الباقون هذه الألفاظ المتقدمة: «يدخله، يعذبه، يكفر» بالياء فيهن، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى.
(2/144)

قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وفي
لذان ذان ولذين تين شد ... مكّ ..........
المعنى: قرأ المصرح باسمه وهو «ابن كثير المكي» بتشديد النون مع المد المشبع للساكنين، في الألفاظ الأربعة الآتية:
1 - «واللذان» من قوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما (سورة النساء آية 16).
2 - «هذان» من قوله تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ (سورة الحج آية 19).
3 - «الذين» من قوله تعالى: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا (سورة فصلت آية 29).
4 - «هاتين» من قوله تعالى: إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ (سورة القصص آية 27).
والتشديد في النون على جعل إحدى النونين عوضا عن الياء المحذوفة وذلك لأن «الذي» مثل «القاضي» تثبت ياؤه في التثنية فكان حقّ ياء «الذي» أن تبقى كذلك في التثنية، إلّا أنهم حذفوها من المثنى وعوضوا عنها النون المدغمة، وهذا التوجيه يتحقق في لفظ «الذين».
أو نقول إن التشديد في النون ليكون عوضا عن الحذف الذي دخل هذه الأسماء المبهمة في التثنية، لأنه قد حذف ألف منها للالتقاء الساكنين، وهي الألف التي كانت في آخر المفرد، وألف التثنية، فجعل التشديد في نون المثنى عوضا عن الألف المحذوفة، وهذا التوجيه يتحقق في لفظي: «هذان، الذان».
أمّا «هاتين» فتشديد النون فيها على أصل التشديد في «هتان» حالة الرفع، وأجري الجرّ مجرى الرفع طردا للباب على وتيرة واحدة.
وقرأ الباقون الألفاظ الأربعة بتخفيف النون مع القصر.
قال ابن الجزري:
.......... ... .... فذانك غنا داع حفد
(2/145)

المعنى: قرأ المرموز له بالغين من «غنا» والدال من «داع» والحاء من «حفد» وهم: «رويس، وابن كثير، وأبو عمرو» «فذانك» من قوله تعالى:
فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ (سورة القصص آية 32) بتشديد النون مع المد المشبع للساكنين، وقد تقدم توجيه ذلك.
وقرأ الباقون بتخفيف النون مع القصر. والتشديد، والتخفيف لغتان فصيحتان.
قال ابن الجزري:
كرها معا ضمّ شفا الاحقاف ... كفى ظهيرا من له خلاف
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «كرها» في الموضعين الآتيين:
1 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً (سورة النساء آية 19).
2 - قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً (سورة التوبة آية 53) قرءوهما بضم الكاف.
وقرأ الباقون «كرها» في الموضعين بفتح الكاف.
ثم أخبر الناظم رحمه الله تعالى بأن المرموز لهم ب «كفى» والظاء من «ظهيرا» والميم من «من» واللام من «له» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، ويعقوب، وابن ذكوان، وهشام بخلف عنه» يقرءون بضم كاف «كرها» من قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً (سورة الأحقاف آية 15).
فتعيّن للباقين القراءة بفتح الكاف، وهو الوجه الثاني «لهشام» قال «أبو عمرو بن العلاء البصري» ت 145 هـ-: «الكره» بالضمّ كل شيء يكره فعله، وبالفتح: ما استكره عليه» اهـ-. وقال «الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة» ت 215 هـ-: «هما لغتان بمعنى المشقة، والإجبار» اهـ- «1».
__________
(1) انظر الكشف عن وجوه القراءات لمكي ج 1/ 382.
(2/146)

قال ابن الجزري:
وصف دما بفتح يا مبيّنه ... والجمع حرم صن حما ....
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صف» والدال من «دما» وهما:
«شعبة، وابن كثير» «مبينة» حيثما وقعت في القرآن الكريم بفتح الياء المشددة، على أنها اسم مفعول. وقد وقعت في ثلاثة مواضع وهي:
1 - قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (سورة النساء آية 19).
2 - قوله تعالى: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (سورة الأحزاب آية 30).
3 - قوله تعالى: وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (سورة الطلاق آية 1).
وقرأ الباقون «مبيّنة» حيثما وقعت بكسر الياء المشددة، على أنها اسم فاعل بمعنى ظاهرة.
ثم أخبر الناظم رحمه الله تعالى بأن المرموز لهم ب «حرم» وبالصاد من «صن» ومدلول «حما» وهم: «نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وشعبة، وأبو عمرو، ويعقوب» يقرءون «مبينت» الجمع بفتح الياء حيثما وقعت في القرآن الكريم، على أنها اسم مفعول وقد وقعت في ثلاثة مواضع وهي:
1 - قوله تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ (سورة النور آية 34).
2 - قوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ (سورة النور آية 46).
3 - قوله تعالى: رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ (سورة الطلاق آية 11).
وقرأ الباقون «مبيّنات» حيثما وقعت بكسر الياء المشددة، على أنها اسم فاعل.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ومحصنه
في الجمع كسر الصاد لا الأولى رما ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالراء من «رما» وهو: «الكسائي» «محصنت»
(2/147)

الجمع سواء كان منكرا، أو معرفا، حيثما وقع في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:
1 - مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ (سورة النساء آية 25).
2 - أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ (سورة النساء آية 25). قرأ هذين اللفظين حيثما وقعا في القرآن بكسر الصاد، على أنهن اسم فاعل، لأنهنّ أحصنّ أنفسهن بالعفاف، وفروجهن بالحفظ عن الوقوع في الزنا.
إلّا قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ الموضع الأول (الآية 24) من سورة النساء، فقد قرأه بفتح الصاد، وإنما استثنى الكسائي الموضع الأول، لأن المراد به ذوات الأزواج، لأن الله تعالى حرّم وطأهنّ.
وقرأ الباقون «محصنات، المحصنات» المنكر والمعرف حيثما وقعا في القرآن الكريم بفتح الصاد، على أنهن اسم مفعول، والإحصان مسند لغيرهنّ من زوج، أو وليّ أمر.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... أحصنّ ضمّ اكسر على كهف سما
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «على» والكاف من «كهف» ومدلول «سما» وهم: «حفص، وابن عامر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» «أحصن» من قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ (سورة النساء آية 25). قرءوا «أحصنّ» بضم الهمزة، وكسر الصاد، على البناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود على «الإماء» والمعنى: فإذا أحصنهن الأزواج بالتزويج فالحدّ لازم لهنّ إذا زنين، وهو خمسون جلدة، نصف ما على الحرائر غير المتزوجات أي الأبكار.
وقرأ الباقون «أحصنّ» بفتح الهمزة، والصاد، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود على «الإماء» أيضا، والمعنى: فإذا أحصن الإماء أنفسهن
(2/148)

بالتزويج فالحدّ لازم لهنّ إذا زنين، وهو خمسون جلدة، نصف ما على الحرائر المسلمات الأبكار.
قال ابن الجزري:
أحلّ ثب صحبا .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثب» ومدلول «صحب» وهم: «أبو جعفر، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «وأحلّ» من قوله تعالى:
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (سورة النساء آية 24) بضم الهمزة، وكسر الحاء، على البناء للمفعول، و «ما» اسم موصول نائب فاعل، وهذه القراءة تتفق مع قوله تعالى قبل:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
الخ (آية 23). فطابق بين أول الكلام وآخره، فكأنه قال: «حرّم عليكم كذا، وأحلّ لكم كذا».
وقرأ الباقون «وأحلّ» بفتح الهمزة، والحاء، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير والمراد به الله تعالى، و «ما» اسم موصول مفعول به.
قال ابن الجزري:
.......... تجارة عدا ... كوف ..........
المعنى: قرأ غير الكوفيين وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب» «تجارة» من قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ (سورة النساء آية 29) برفع تاء «تجارة» على أن «تكون» تامّة تكتفي بمرفوعها، والتقدير: إلّا أن تحدث تجارة، أو تقع تجارة.
وقرأ الكوفيون، وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تجارة» بنصب التاء، على أن «تكون» ناقصة واسمها ضمير يعود على الأموال، و «تجارة» خبرها، والتقدير: إلا أن تكون الأموال تجارة.
قال ابن الجزري:
.......... ... ....... وفتح ضمّ مدخلا مدا
كالحجّ .......... ... ..........
(2/149)

المعنى: قرأ المدنيان وهما: «نافع، وأبو جعفر» المرموز لهما ب «مدا» «مدخلا» من قوله تعالى: وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (سورة النساء آية 31). وقوله تعالى: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ (سورة الحج آية 59) بفتح ميم «مدخلا» في السورتين، على أنه مصدر، أو اسم مكان من «دخل» الثلاثي، وحينئذ يقدّر له فعل ثلاثيّ مطاوع ل «ندخلكم» والتقدير: وندخلكم فتدخلون مدخلا كريما، أو مكان دخول كريم.
وقرأ الباقون «مدخلا» في الموضعين بضم الميم، على أنه مصدر، أو اسم مكان من «أدخل» الرباعي.
تنبيه: اتفق القراء العشرة على ضم الميم من «مدخل» من قوله تعالى:
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ (سورة الإسراء آية 80) لأن قبله «أدخلني» وهو فعل رباعيّ فيكون «مدخل» مفعولا به.
قال ابن الجزري:
.... عاقدت لكوف قصرا ... ..........
المعنى: قرأ الكوفيون وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «عقدت» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ (سورة النساء آية 33) بغير ألف بعد العين، وذلك على إسناد الفعل إلى «الأيمان» والأيمان: جمع يمين التي هي «اليد» والمفعول محذوف، والتقدير: والذين عقدت أيمانكم عهودهم فآتوهم نصيبهم.
وقرأ الباقون «عاقدت» بإثبات ألف بعد العين، على إسناد الفعل إلى «الأيمان» أيضا، وهو من باب المفاعلة، كان الحليف يضع يمينه في يمين صاحبه ويقول: دمي دمك، وترثني فأرثك، وكان يرث السدس من مال حليفه، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (سورة الأحزاب آية 6).
(2/150)

قال ابن الجزري:
.......... ... ونصب رفع حفظ الله ثرا
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثرا» وهو: «أبو جعفر» «الله» التي بعد «حفظ» من قوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ (سورة النساء آية 34) بفتح الهاء من «الله» و «ما» موصولة، أي بالذي حفظ حقّ الله، أو أوامر الله، أو دين الله، وتقدير المضاف هنا متعيّن، لأن «ذات الله المقدّسة» لا ينسب حفظها إلى أحد، وفي الحديث الصحيح: «احفظ الله يحفظك» والتقدير: احفظ حدود الله، أو أوامر الله بالعمل بها.
وقرأ الباقون «الله» بالرفع، و «ما» مصدريّة، أي بحفظ الله إيّاهنّ، وحينئذ يكون من إضافة المصدر إلى فاعله.
قال ابن الجزري:
والبخل ضمّ اسكن معا كم نل سما ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» والنون من «نل» ومدلول «سما» وهم: «ابن عامر، وعاصم، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» «بالبخل» من قوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (سورة النساء آية 37). ومن قوله تعالى:
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (سورة الحديد آية 24). بضم الباء، وسكون الخاء، في الموضعين، وهو لغة في مصدر «بخل» مثل: «حزن حزنا».
وقرأ الباقون وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «بالبخل» في الموضعين بفتح الباء، والخاء، وهو لغة أيضا في المصدر مثل: «حزن حزنا».
والبخل: إمساك المقتنيات عمّا لا يحقّ حبسها عنه، ويقابله الجود، يقال: بخل فهو باخل، والبخيل الذي يكثر منه البخل.
(2/151)

قال ابن الجزري:
.......... ... حسنة حرم ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «حرم» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو جعفر» «حسنة» من قوله تعالى: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها (سورة النساء آية 40) برفع التاء، على أن «تكون» تامة تكتفي بمرفوعها، والتقدير: وإن حدث، أو وقع حسنة يضاعفها.
والعرب تقول: «كان أمر»: أي حدث أمر.
قال «ابن مالك»:
وذو تمام ما برفع يكتفي ... وما سواه ناقص
وقرأ الباقون «حسنة» بالنصب خبر «تكون» الناقصة، واسمها ضمير يعود على «مثقال ذرّة» في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ والتقدير: وإن تك مثقال ذرّة حسنة يضاعفها.
فإن قيل: لم أنّث الفعل: «تك» مع أن «مثقال» مذكر؟ أقول: أنّث الفعل على أحد تقديرين:
الأوّل: حملا على المعنى الذي دلّ عليه «مثقال» وهو «زنة» و «زنة» مؤنث، والتقدير: وإن تك زنة ذرة حسنة يضاعفها.
والثاني: إضافة «مثقال» إلى «ذرة» وهي مؤنثة.
قال ابن الجزري:
.......... ... ...... تسوّى اضمم نما
حقّ وعمّ الثّقل ..... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالنون من «نما» ومدلول «حقّ» وهم: «عاصم، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «تسوّى» من قوله تعالى: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ
(2/152)

الْأَرْضُ (سورة النساء آية 42) بضم التاء، وتخفيف السين.
فالضمّ في التاء على بناء الفعل للمجهول، و «الأرض» نائب فاعل، وتخفيف السين، على حذف إحدى التاءين تخفيفا، لأن أصل الفعل «تتسوّى».
وقرأ المرموز لهم ب «عمّ» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «تسوّى» بفتح التاء، وتشديد السين، فالفتح في التاء على بناء الفعل للفاعل، و «الأرض» فاعل، وتشديد السين على إدغام التاء الثانية في السين.
وقرأ الباقون وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تسوّى» بفتح التاء، وتخفيف السين، على البناء للفاعل، وحذف إحدى التاءين تخفيفا.
جاء في «المفردات»: «تسوية الشيء»: جعله سواء، إمّا في الرفعة، أو في الضّعة» «1». وجاء في مختصر تفسير ابن كثير: معنى لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ:
أي لو انشقت بهم الأرض وبلعتهم ممّا يرون من أهوال الموقف، وما يحلّ بهم من الخزي، والفضيحة، والتوبيخ» «2».
قال ابن الجزري:
.......... لامستم قصر ... معا شفا ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «لمستم» معا:
1 - من قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ (سورة النساء آية 43).
2 - وقوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ (سورة المائدة آية 6) بحذف الألف التي بعد اللام، والخطاب للرجال دون النساء، على معنى: مسّ اليد جسد المرأة الأجنبيّة، أو مسّ بعض جسد الرجل جسد المرأة الاجنبيّة، فجرى الفعل من واحد، ودليله قوله تعالى: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ (سورة آل عمران آية 70) ولم يقل: «ولم يماسسني بشر».
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن مادة «سواء» ص 251.
(2) انظر: مختصر تفسير ابن كثير ج 1/ 392.
(2/153)

قال «ابن مسعود، وابن عمر» رضي الله عنهما: المراد باللمس هنا:
الإفضاء باليد إلى الجسد، وبعض جسده إلى جسدها، فحمل على غير الجماع، فهو من واحد.
وقرأ الباقون: «لمستم» بإثبات ألف بعد السين، وذلك على المفاعلة التي لا تكون إلا من اثنين، وحينئذ يكون معناه: الجماع.
ويجوز أن تكون المفاعلة على غير بابها نحو: «عاقبت اللصّ» فتتحد هذه القراءة مع القراءة الأولى في المعنى.
قال ابن الجزري:
............. ... ... إلّا قليلا نصب كر
في الرّفع .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كر» وهو: «ابن عامر» «إلّا قليل» من قوله تعالى: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ (سورة النساء آية 66) بالنصب على الاستثناء، وهذه القراءة
موافقة لرسم مصحف «أهل الشام» «1».
وقرأ الباقون «إلّا قليل» برفع اللام، على أنه بدل من الواو في «ما فعلوه» وهذه القراءة موافقة لرسم بقية المصاحف.

فائدة نحوية:
إذا وقع المستثنى بعد إلّا وكان الكلام مسبوقا بنفي، أو نهي، أو استفهام، وكان المستثنى من جنس المستثنى منه جاز في المستثنى أمران:
النصب على الاستثناء، واتباعه لما قبله في الأعراب «2».
قال ابن الجزري:
تأنيث تكن دن عن غفا ... ..........
__________
(1) قال ابن عاشر: والشام ينصب قليلا منهم.
(2) قال ابن مالك: وبعد نفي أو كنفي انتخب إتباع ما اتصل.
(2/154)

المعنى: قرأ المرموز له بالدال من «دن» والعين من «عن» والغين من «غفا» وهم: «ابن كثير، وحفص، ورويس» «تكن» من قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ (سورة النساء آية 73) بالتاء الفوقية على التأنيث، لمناسبة لفظ «مودّة».
وقرأ الباقون «يكن» بالياء التحية على التذكير، وذلك لأن تأنيث «مودّة» مجازي يجوز في فعله التذكير والتأنيث.
قال ابن الجزري:
.......... ... لا يظلموا دم ثق شذا الخلف شفا
المعنى: قرأ المرموز له بالدال من «دم» والثاء من «ثق» والشين من «شذا» بخلف عنه، ومدلول «شفا» وهم: «ابن كثير، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وروح بخلف عنه» «ولا تظلمون» من قوله تعالى: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (سورة النساء آية 77) بياء الغيبة، جريا على السياق، ولمناسبة صدر الآية وهو قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً إلخ.
وقرأ الباقون «ولا تظلمون» بتاء الخطاب، وهو الوجه الثاني «لروح» وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو ضرب من ضروب البلاغة، أو لمناسبة قوله تعالى قبل: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ أي قل لهم يا «محمد»:
«متع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا».

تنبيه:
«ولا يظلمون» من قوله تعالى: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (سورة النساء آية 49) اتفق القراء العشرة على قراءته بياء الغيبة، لمناسبة قوله تعالى قبل: مَنْ يَشاءُ ولأنّ القراءة سنة متبعة، والعبرة فيها على التلقي والمشافهة.
(2/155)

قال ابن الجزري:
وحصرت حرّك ونون ظلعا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظلعا» وهو: «يعقوب» «حصرت» من قوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (سورة النساء آية 90) بنصب التاء منوّنة، والنّصب على الحال، ومعنى «حصرت»: ضيقة، وحينئذ يكون المعنى:
أو جاءوكم حالة كون صدورهم ضيقة من الجبن مبغضين قتالكم، ولا يهون عليهم أيضا قتال قومهم معكم، إذا فهم لا لكم، ولا عليكم.
وقرأ الباقون «حصرت» بسكون التاء، على أنها فعل ماض، والجملة في موضع نصب على الحال.
قال ابن الجزري:
.......... ... تثبّتوا شفا من الثّبت معا
مع حجرات ومن البيان عن ... سواهم ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «فتبيّنوا» من قوله تعالى:
1 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا (سورة النساء آية 94).
2 - كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا (سورة النساء آية 94).
3 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (سورة الحجرات آية 6) قرءوا هذه المواضع الثلاثة «فتثبّتوا» بثاء مثلثة، بعدها باء موحدة، بعدها تاء مثناة فوقية، على أنها مضارع من «التثبّت».
وقرأ الباقون «فتبيّنوا» في المواضع الثلاثة بباء موحدة، وياء مثناة تحتية بعدها نون، على أنها مضارع من «التبيّن». والتبيّن أعمّ من التثبت، لأن التبيّن فيه معنى التثبت، وليس كلّ من تثبت في أمر تبينه.
(2/156)

قال ابن الجزري:
.......... ... ... السّلام لست فاقصرن
عمّ فتى .......... ... ..........
المعنى: قرأ مدلول «عمّ» ومدلول «فتى» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر، وحمزة، وخلف العاشر» «السلم» من قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً (سورة النساء آية 94). قرءوا «السّلم» بفتح اللام من غير ألف بعدها، على معنى الاستسلام، والانقياد، ومنه قوله تعالى: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ (سورة النحل آية 87). وحينئذ يكون المعنى: «يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله وخرجتم للجهاد فتبيّنوا، ولا تقولوا لمن استسلم وانقاد إليكم لست مؤمنا فتقتلوه، بل يجب عليكم أن تتبيّنوا حقيقة أمره.
وقرأ الباقون «السلام» بفتح اللام، وألف بعدها، على معنى التحيّة، فتحية الإسلام هي: «السلام عليكم» وحينئذ يكون المعنى: «لا تقولوا لمن حياكم تحية الإسلام لست مؤمنا فتقتلوه، لتأخذوا سلبه.
قال ابن الجزري:
.......... وبعد مؤمنا فتح ... ثالثة بالخلف ثابتا وضح
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثابتا» وهو «أبو جعفر بخلف عنه» «مؤمنا» من قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً (سورة النساء آية 94) بفتح الميم الثانية بخلف عنه، على أنها اسم مفعول، أي لن نؤمّنك على نفسك.
وقرأ الباقون «مؤمنا» بكسر الميم الثانية، وهو الوجه الثاني «لأبي جعفر» على أنها اسم فاعل، والمعنى: لا تقولوا لمن قال «السلام عليكم» إنما فعلت ذلك متعوّذا وليس عن إيمان صحيح.
(2/157)

قال ابن الجزري:
غير ارفعوا في حقّ نل ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» ومدلول «حقّ» والنون من «نل» وهم: «حمزة، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وعاصم» «غير» من قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (سورة النساء آية 95) برفع الراء، على أنّ «غير أولي الضرر» صفة «القاعدون» أو بدل من «القاعدون» بدل بعض من كل.
وقرأ الباقون «غير» بنصب الراء، على الاستثناء من «القاعدون».
فائدة: قال ابن مالك:
واستثن مجرورا بغير معربا ... بما لمستثنى بإلّا نصبا
المعنى: هناك ألفاظ استعملت بمعنى «إلّا» في الدلالة على الاستثناء، من هذه الألفاظ «غير» وحكم المستثنى بها الجرّ لإضافتها إليه، أمّا «غير» فإنها تعرب بما كان يعرب به المستثنى مع «إلّا» فتقول: «قام القوم غير زيد» بنصب «غير» كما تقول: «قام القوم إلّا زيدا» بنصب «زيد» هذا إذا كان الكلام تامّا موجبا.
وتقول: «ما قام أحد غير زيد» برفع «غير» على الإتباع، وبنصب «غير» على الاستثناء، كما تقول: «ما قام أحد إلا زيد وإلّا زيدا» هذا إذا كان الكلام تامّا غير موجب، ومثل ذلك الآية المتقدمة، فالكلام تام غير موجب، لهذا جاز في «غير» الرفع، والنصب.
قال ابن الجزري:
.......... نؤتيه يا ... فتى حلا ..........
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «فتى» والحاء من «حلا» وهم: «حمزة، وخلف العاشر، وأبو عمرو» «نؤتيه» من قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (سورة النساء آية 114) قرءوا «يؤتيه» بالياء التحتية
(2/158)

على الغيبة، وذلك جريا على سياق الآية، وليناسب لفظ الغيبة الذي قبله وهو قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الخ.
وقرأ الباقون «نؤتيه» بنون العظمة، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى التكلم، والالتفات ضرب من ضروب البلاغة.

تنبيه:
«نؤتيه» من قوله تعالى: وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (سورة النساء آية 74) اتفق القراء العشرة على قراءته بنون العظمة، لأن القراءة سنة متبعة، ومبنية على التلقي والتوقيف.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ويدخلون ضمّ يا
وفتح ضمّ صف ثنا حبر شفي ... وكاف أولى الطّول ثب حقّ صفي
والثّان دع ثطا صبا خلفا غدا ... وفاطر حز ..........
المعنى: اختلف القراء في «يدخلون» في خمسة مواضع وهي:
1 - قوله تعالى: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (سورة النساء آية 124).
2 - قوله تعالى: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (سورة مريم آية 60).
3 - قوله تعالى: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (الموضع الأول من سورة غافر آية 40).
4 - قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (الموضع الثاني من سورة غافر آية 60).
5 - قوله تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ (سورة فاطر آية 33).
فقرأ «ابن كثير، وأبو جعفر» «يدخلون» في سورة النساء، ومريم،
(2/159)

وموضعي غافر، بضمّ الياء، وفتح الخاء على البناء للمفعول، والواو نائب فاعل.
أمّا موضع «فاطر» فقد قرءاه بفتح الياء، وضمّ الخاء، على البناء للفاعل، والواو هي الفاعل.
وقرأ «أبو عمرو» «يدخلون» في سورة النساء، ومريم، وأول غافر، وكذا «يدخلونها» في «فاطر» بضم الياء، وفتح الخاء على البناء للمفعول.
وقرأ «يدخلون» الموضع الثاني من «غافر» بفتح الياء، وضمّ الخاء، على البناء للفاعل.
وقرأ «شعبة» «يدخلون» في النساء، ومريم، وأول غافر، بضمّ الياء، وفتح الخاء، على البناء للمفعول. أمّا الموضع الثاني من «غافر» فقد قرأه بوجهين: بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول.
وقرأ «يدخلونها» في «فاطر» بالبناء للفاعل قولا واحدا.
وقرأ «روح» «يدخلون» في النساء، ومريم، وأوّل غافر، بالبناء للمفعول.
أمّا الموضع الثاني من «غافر» وكذا «يدخلونها» في «فاطر» فقد قرأهما بالبناء للفاعل.
وقرأ «رويس» «يدخلون» في «مريم، وأوّل غافر» بالبناء للمفعول، واختلف عنه في الموضع الثاني من «غافر» فقرأه بوجهين: بالبناء للمفعول، وبالبناء للفاعل.
أمّا «يدخلونها» في «فاطر» فقد قرأه بالبناء للفاعل قولا واحدا.
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يدخلون» في المواضع الخمسة بالبناء للفاعل.

تنبيه:
اتفق القراء العشرة على قراءة «يدخلون، يدخلونها» في غير
(2/160)

المواضع التي سبق الحديث عنها بالبناء للفاعل، مثل قوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (سورة الأعراف آية 40). وقوله تعالى:
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (سورة الرعد آية 23). وقوله تعالى:
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (سورة النصر آية 2). وقوله تعالى:
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ (سورة الرعد آية 23). وقوله تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (سورة النحل آية 31).
وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أن القراءة سنة متبعة، ولا مجال للرأي فيها.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... يصلحا كوف لدا
يصّالحا .......... ... ..........
المعنى: قرأ الكوفيون وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يصلحا» من قوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ (سورة النساء آية 128) بضمّ الباء، وإسكان الصاد، وكسر اللام من غير ألف بعدها، على أنه مضارع «أصلح» الثلاثي المزيد بهمزة.
وقرأ الباقون «يصّالحا» بفتح الياء، والصاد المشدّدة، وألف بعدها، وفتح اللام، وأصلها «يتصالحا» فأدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادا، وذلك لأن الفعل لما كان من اثنين جاء على باب المفاعلة التي تكون بين اثنين.
قال ابن الجزري:
.......... تلووا تلوا فضل كلا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فضل» والكاف من «كلا» وهما: «حمزة، وابن عامر» «تلووا» من قوله تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (سورة النساء آية 135). قرأ «تلوا» بضمّ اللام، وواو ساكنة
(2/161)

بعدها، على أنه فعل مضارع من «ولي يلي ولاية» وولاية الشيء هي الإقبال عليه، وأصله «توليوا» ثم حذفت الواو التي هي فاء الفعل على الأصل في حذف فاء الكلمة من المضارع كما حذفت في نحو: «يعد، يزن» من «وعد، وزن» ثم نقلت ضمة الياء إلى اللام ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين فأصبحت «تلوا» بحذف فاء الكلمة، ولامها.
وقرأ الباقون «تلووا» بإسكان اللام، وبعدها واوان: الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، على أنه مضارع من «لوى يلوي». يقال: لويت فلانا حقه: إذا مطلته.
وأصله «تلويوا» ثم نقلت ضمة الياء إلى الواو التي قبلها، ثم حذفت الياء التي هي لام الكلمة للالتقاء الساكنين، فأصبحت «تلووا» على وزن «تفعوا» بحذف اللام.
قال ابن الجزري:
.......... ... نزّل أنزل اضمم اكسركم حلا
دم واعكس الأخرى ظبى نل ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» والحاء من «حلا» والدال من «دم» وهم: «ابن عامر، وأبو عمرو، وابن كثير» «نزل، أنزل» من قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ (سورة النساء آية 136). قرءوا «نزّل، أنزل» بضم النون، والهمزة، وكسر الزاي فيهما، وذلك على بنائهما للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود على «الكتاب».
وقرأ الباقون «نزّل، أنزل» بفتح النون والهمزة، والزاي فيهما، وذلك على بنائهما للفاعل، والفاعل ضمير يعود على «الله» المتقدم في قوله تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ.
ثم أمر الناظم رحمه الله بالقراءة بعكس القيود المتقدمة في «نزّل» من قوله
(2/162)

تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ (سورة النساء آية 140) للمرموز له بالظاء من «ظبى» والنون من «نل» وهما: «يعقوب، وعاصم» أي أنهما يقرءان «نزّل» بفتح النون، والزاي، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود على الله تعالى، و «أن» وما بعدها في محلّ نصب ب «نزّل».
وقرأ الباقون «نزّل» بضم النون، وكسر الزاي، على البناء للمفعول، و «أن» وما بعدها في محل رفع نائب فاعل. والتقدير: وقد نزّل عليكم المنع من مجالسة المنافقين، والكافرين عند سماع الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.
قال ابن الجزري:
.......... والدّرك ... سكّن كفى ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «الدّرك» من قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (سورة النساء آية 145) بإسكان الراء للتخفيف.
وقرأ الباقون «الدّرك» بفتح الراء، على الأصل، والقراءتان لغتان بمعنى واحد وهو: «المكان».
قال «ابن عباس» رضي الله عنهما: «إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار» أي في أسفل النار.
وقال «سفيان الثوري» ت 161 هـ- رحمه الله تعالى: المنافقون في «توابيت ترتجّ عليهم» «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... نؤتيهم الياء عرك
__________
(1) انظر: مختصر تفسير ابن كثير ج/ 1/ 451.
(2/163)

المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عرك» وهو: «حفص» «يؤتيهم» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ (سورة النساء آية 152). قرأ «يؤتيهم» بالياء التحتية، لمناسبة السياق، والفاعل ضمير يعود على «الله تعالى».
وقرأ الباقون «نؤتيهم» بنون العظمة، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى التكلم، والالتفات ضرب من ضروب البلاغة، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره «نحن» يعود على «الله تعالى».
قال ابن الجزري:
تعدوا فحرّك جد وقالون اختلس ... بالخلف واشددن له ثمّ أنس
المعنى: قرأ المرموز له بالجيم من «جد» وهو «ورش» من الطريقين، أي طريقي: الأزرق، والأصبهاني «لا تعدّوا» من قوله تعالى: وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ (سورة النساء آية 154) بفتح العين، وتشديد الدال، وذلك لأن أصلها «تعتدوا» مضارع «اعتدى يعتدي اعتداء» فنقلت حركة التاء إلى العين، ثم ادغمت التاء في الدال، لوجود التجانس بينهما، حيث إنهما متفقتان في المخرج، وفي كثير من الصفات، وبيان ذلك: أن كلّا من «التاء، والدال» تخرج من طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا، كما أنهما
متفقتان في الصّفات الآتية:
الشدّة، والاستفال، والانفتاح، والإصمات، والاعتداء: مجاوزة الحقّ.
وقرأ المصرّح به وهو «قالون» بخلف عنه، والمرموز له بالثاء من «ثمّ» وهو «أبو جعفر» «تعدّوا» بإسكان العين، وتشديد «الدال» وذلك لأن أصلها «تعتدوا» فأدغمت «التاء» في «الدال» لوجود التجانس بينهما.
والوجه الثاني «لقالون» هو اختلاس فتحة العين مع تشديد «الدال».
وقرأ الباقون «تعدوا» بإسكان العين، وضم الدال مخففة، على أنه مضارع «عدا يعدو عدوانا» ومنه قوله تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ (سورة الأعراف آية 163).
(2/164)

قال «الراغب الأصفهاني» ت 502 هـ- رحمه الله تعالى: «العدو»:
التجاوز، ومنافاة الالتئام، فتارة يعتبر بالقلب فيقال له: «العداوة والمعاداة» وتارة بالمشي فيقال له: «العدو» وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له:
«العدوان، والعدو» قال تعالى: فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (سورة الأنعام آية 162) «1».
قال ابن الجزري:
ويا سيؤتيهم فتى .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «فتى» وهما: «حمزة، وخلف العاشر» «سنؤتيهم» من قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (سورة النساء آية 162). قرأ «سيؤتيهم» بالياء التحتية، وذلك جريا على السياق، والفاعل ضمير تقديره «هو» يعود على الله تعالى.
وقرأ الباقون «سنؤتيهم» بنون العظمة، على الالتفات من الغيبة إلى التكلم، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره «نحن» يعود على الله تعالى أيضا.
قال ابن الجزري:
.......... وعنهما ... زاي زبورا كيف جاء فاضمما
المعنى: قرأ المشار لهما بالضمير في «عنهما» وهما مدلول «فتى»: «حمزة، وخلف العاشر» «زبورا» المنكر، «الزبور» المعرف حيثما وقعا في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً* وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ (سورة النساء آية 163). وقوله تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً* قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ (سورة الإسراء الآيتان 55 - 56). وقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ (سورة الأنبياء آية 105). قرآ «زبورا، الزّبور» بضم الزاي.
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن مادة «عدا» ص 326.
(2/165)

وقرأ الباقون بفتح الزاي فيهما، والضمّ والفتح لغتان في اسم الكتاب المنزل على نبي الله «داود» عليه السلام.
(والله أعلم) تمت سورة النساء ولله الحمد والشكر
(2/166)

سورة المائدة
قال ابن الجزري:
سكّن معا شنآن كم صحّ خفا ... ذا الخلف ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» والصاد من «صحّ» والخاء من «خفا» والذال من «ذا» وهم: «ابن عامر، وشعبة، وابن وردان، وابن جمّاز بخلف عنه» «شنئان» معا، من قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا (سورة المائدة آية 2). ومن قوله تعالى:
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا (سورة المائدة آية 8). قرءوا «شنآن» في الموضعين بإسكان النون، على أنه صفة، مثل: «عطشان، وسكران».
وقيل: إنه مصدر «شنأ» والتسكين للتخفيف نظرا لتوالي الحركات.
وقرأ الباقون «شنآن» في الموضعين بفتح النون، وهو الوجه الثاني «لابن جمّاز» وهو مصدر «شنأ» مثل: «الطيران»، والشنآن معناه: البغض. جاء في «تاج العروس»: المصدر: «شنأ» بتثليث فائه، فالفتح عن «أبي عبيدة» والضمّ، والكسر عن «أبي عمرو الشيباني» «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... ... أن صدّوكم اكسر حز دفا
المعنى: قرأ المرموز له بالحاء من «حز» والدال من «دفا» وهما: «أبو عمرو، وابن كثير» «أن صدوكم» من قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا (سورة المائدة آية 2). قرآ «إن صدوكم»
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «شنأ» ج 1/ 81.
(2/167)

بكسر همزة «أن» على أنّ «إن» شرطية، والصّدّ متوقع في المستقبل، وحينئذ يكون المعنى: إن وقع صدّ لكم عن المسجد الحرام مثل الذي فعل بكم أوّلا عام «الحديبية» سنة ستّ من الهجرة فلا يحملنكم بغض من صدّوكم على العدوان.
وقرأ الباقون «أن صدّوكم» بفتح الهمزة، على أنها مصدريّة، و «أن» وما دخلت عليه مفعول لأجله، وحينئذ يكون المعنى: لا يحملنكم بغض قوم على العدوان لأجل صدّهم إياكم عن المسجد الحرام في الزمن الماضي، الذي وقع عام «الحديبية» سنة ستّ من الهجرة، والآية نزلت سنة «ثمان» من الهجرة عام فتح مكة.
جاء في المفردات: «الصدّ، والصدود» قد يكون انصرافا عن الشيء، وامتناعا نحو قوله تعالى: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (سورة النساء آية 61). وقد يكون صرفا، ومنعا، نحو قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (سورة محمد آية 1) «1».
يقال: «صدّ يصدّ، يصدّ» بضمّ الصاد وكسرها في المضارع «صدّا، وصديدا»: «عجّ، وضجّ» وفي التنزيل: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (سورة الزخرف آية 57) أي يضجون، ويعجون «2».
قال ابن الجزري:
أرجلكم نصب ظبى عن كم أضا ... رد ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظبى» والعين من «عن» والكاف من «كم» والألف من «أضا» والراء من «رد» وهم: «يعقوب، وحفص، وابن عامر، ونافع، والكسائي» «وأرجلكم» من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن مادّة «صدّ» ص 275.
(2) انظر: تاج العروس مادة «صدد» ج 2/ 394.
(2/168)

وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (سورة المائدة آية 6). قرءوا «وأرجلكم» بنصب اللام، عطفا على «الأيدي، والوجوه» وحينئذ يكون المعنى: فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم.
وحينئذ يكون هناك تقديم وتأخير في الآية، وذلك جائز في العربية، لأنّ الواو لمطلق الجمع، ولا تقتضي الترتيب، وقد جاء ذلك في قوله تعالى:
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (سورة آل عمران آية 43).
والمعنى: واركعي، واسجدي، لأن الركوع قبل السجود. والسنة المطهرة جاءت بغسل الرجلين، يؤيّد ذلك الحديث الآتي:
فعن «عبد الله الصّنابحيّ» رضي الله عنه، أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «إذا توضأ العبد فمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر «1» خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه «2» فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة» اهـ- «3».
وقرأ الباقون «أرجلكم» بخفض اللام، عطفا على «برءوسكم» لفظا، ومعنى، ثم نسخ «المسح» بوجوب «الغسل» وفقا لما جاءت به السنة المطهرة:
العمليّة والقولية، كما أجمع المسلمون على غسل الرجلين.
ويجوز أن يحمل «المسح» على بعض الأحوال وهو: لبس الخفّ.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... واقصر اشدد يا قسيّة رضى
__________
(1) الاستنثار: إخراج الماء من الأنف.
(2) الأشفار: جمع شفر، وشفر الجفن: حرفه الذي ينبت عليه الهدب: بضمّ الهاء، وسكون الدال، انظر: المعجم الوسيط ج 1/ 489.
(3) رواه مالك، والنسائي، وابن ماجة، وقال: صحيح.
(2/169)

المعنى: قرأ المرموز لهما ب «رضى» وهما: «حمزة، والكسائي» «قسيّة» من قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً (سورة المائدة آية 13) بحذف الألف التي بعد القاف، وتشديد الياء، على وزن «فعلية» صفة مشبهة، إذ أصلها «قسيية» ثم أدغمت الياء في الياء. وذلك للمبالغة في وصف قلوب الكفار بالشدّة، والقسوة، لأنّ في صيغة «فعيل» معنى التكرير والمبالغة.
أو لأن قلوب الكفار وصفت بالطبع عليها مثل «الدرهم القسيّ» أي المغشوش، وهو الذي يخالط فضّته نحاس، أو «رصاص» أو نحو ذلك.
وقرأ الباقون «قاسية» بإثبات ألف بعد القاف، وتخفيف الياء، على أنّ «قاسية» اسم فاعل من «قسا يقسو» ومنه قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (سورة الزمر آية 22). ومعنى «قاسية»: غليظة قد نزعت منها الرحمة، والرأفة، وأصبحت لا تؤثر فيها المواعظ، ولا تقبل ما يقال لها من نصح وإرشاد.
جاء في المفردات: «القسوة»: غلظ القلب، وأصله من «حجر قاس» و «المقاساة: معالجة ذلك» اهـ- «1».
وجاء في تاج العروس: «قسا قلبه، يقسو، قسوا، وقسوة، وقساوة، وقساء» بالمدّ: صلب، وغلظ، فهو قاس، وقوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ (سورة البقرة آية 74) أي غلظت، ويبست، فتأويل القسوة في القلب:
ذهاب اللين، والرحمة، والخشوع منه.
وأصل القسوة: «الصلابة من كل شيء» اهـ- «2».
قال ابن الجزري:
من أجل كسر الهمز والنّقل ثنا ... ..........
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن مادة «قسو» ص 404.
(2) انظر: تاج العروس مادة «قسو» ج 10/ 293.
(2/170)

المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثنا» وهو: «أبو جعفر» «من أجل» من قوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ (سورة المائدة آية 32) بكسر همزة «إجل» ثم نقل حركتها إلى النون التي قبلها في «من» وإذا وقف على «من» وابتدأ ب «إجل» ابتدأ بهمزة قطع مكسورة.
ومعنى «من إجل ذلك»: أي من جناية ذلك، وجريرته.
وقرأ الباقون «أجل» بهمزة مفتوحة. ومعنى «من أجل ذلك»: أي من جرّ وسبب ذلك. من هذا يتبيّن أن الكسر والفتح في همزة «أجل» لغتان، إلّا أن الكسر بمعنى: «جناية» والفتح بمعنى «جرّ وسبب» وهما متقاربان في المعنى.
جاء في المفردات: «الأجل» بسكون الجيم، الجناية التي يخاف منها آجلا، فكلّ «أجل» جناية، وليس كل «جناية» «أجلا» اهـ- «1».
وجاء في «تاج العروس»: «أجل» بكسر الهمزة، وفتحها، لغتان، وقد يعدّى بغير «من» كقول «عديّ بن زيد»: «أجل أنّ الله قد فضلكم» اهـ- «2».
قال ابن الجزري:
.......... ... والعين والعطف ارفع الخمس رنا
وفي الجروح ثعب حبر كم ركا ... .............
المعنى: قرأ المرموز له بالراء من «رنا»، «ركا» وهو: «الكسائي» برفع الأسماء الخمسة وهي: «والعين، والأنف، والأذن، والسنّ، والجروح» من قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ (سورة المائدة آية 45) والرفع على الاستئناف، والواو لعطف جملة اسميّة على أخرى، على تقدير أنّ «أنّ» وما في حيزها من قوله تعالى: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ في محلّ رفع باعتبار المعنى، وحينئذ
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن مادة «أجل» ص 12.
(2) انظر: تاج العروس مادة «أجل» ج 7/ 204.
(2/171)

يكون المعنى: وكتبنا على بني إسرائيل في التوراة: النفس تقتل بالنفس، والعين تفقأ بالعين، والأنف يجدع بالأنف، والأذن تقطع بالأذن، والسنّ تقلع بالسنّ، والجروح قصاص، أي يقتصّ فيها إذا أمكن كاليد، والرجل، ونحو ذلك.
وقرأ المرموز له بالثاء من «ثعب» ومدلول «حبر» والمرموز له بالكاف من «كم» وهم: «أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر» بنصب الأسماء الأربعة الأول، عطفا على اسم «أنّ» ورفع «والجروح» قطعا لها عمّا قبلها، على أنها مبتدأ، و «قصاص» خبر.
وقرأ الباقون بنصب الأسماء الخمسة، عطفا على اسم «أنّ» لفظا، والجار والمجرور بعده خبر، و «قصاص» خبر أيضا، وهو من عطف الجمل، والتقدير:
وكتبنا على بني إسرائيل في «التوراة» أنّ النفس تقتل بالنفس، وأنّ العين تفقأ بالعين، وأنّ الأنف يجدع بالأنف، وأنّ الأذن تقطع بالأذن، وأنّ السنّ تقلع بالسنّ، وأن الجروح قصاص.
قال ابن الجزري:
.......... ... وليحكم اكسر وانصبن محرّكا
ف ق .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «ف ق» وهو: «حمزة» «وليحكم» من قوله تعالى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ (سورة المائدة آية 47) بكسر اللام، ونصب الميم، على أنّ اللام لام «كي» و «يحكم» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي.
وقرأ الباقون «وليحكم» بسكون اللام، وجزم الميم، على أنّ «اللام» لام الأمر، وسكنت تخفيفا، حيث أصلها الكسر.
قال ابن الجزري:
.... خاطبوا تبغون كم ...... ... ..........
(2/172)

المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» وهو: «ابن عامر» «يبغون» من قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ (سورة المائدة آية 50) بتاء الخطاب، والمخاطب أهل الكتب السابقة مثل اليهود، والنصارى، وقد تقدم ذكرهم في أكثر من آية، مثل قوله تعالى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ (سورة المائدة آية 47) والمعنى: قل لهم «يا «محمد» أفحكم الجاهلية تبغون، أي تطلبون.
وقرأ الباقون «يبغون» بياء الغيبة، على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، أو جريا على سياق قوله تعالى قبل: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (سورة المائدة آية 49).
قال «محمد بن جرير الطبري» ت 310 هـ-: معنى قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ: أيبغي هؤلاء اليهود الذين احتكموا إليك فلم يرضوا بحكمك، وقد حكمت فيهم بالقسط، حكم الجاهلية، يعني أحكام عبدة الأوثان من أهل الشرك، وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم الذي حكمت به فيهم، وإنه الحق الذي لا يجوز خلافه» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
.......... وقبلا ... يقول واوه كفى حز ظلّا
وارفع سوى البصري ...... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ويقول» من قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ (سورة المائدة آية 53). قرءوا «ويقول» بإثبات الواو، ورفع اللام، فالواو لعطف الجمل، ورفع اللام على الاستئناف.
وقرأ المرموز له بالحاء من «حز» والظاء من «ظلّا» وهما: «البصريان»:
«أبو عمرو، ويعقوب» «ويقول» بإثبات الواو، ونصب اللام، من قول
__________
(1) انظر: تفسير الطبري ج 5/ 274.
(2/173)

المصنف: «وارفع سوى البصري» وجه النصب أنه معطوف على قوله تعالى قبل: فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (آية 52) لأن «فيصبحوا» منصوب المحلّ بأن المضمرة بعد فاء السببيّة.
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر» «يقول» بحذف الواو، ورفع اللام. وجه حذف الواو أنه جواب على سؤال مقدّر، تقديره: ماذا يقول المؤمنون حين ترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة الخ. ووجه رفع اللام أنّ «يقول» إلخ كلام مستأنف.

تنبيه:
«ويقول» رسمت في مصاحف الكوفة، والبصرة، بإثبات الواو، تمشيا مع قراءتهم، ورسمت في مصاحف المدينة، ومكة، والشام بحذف الواو، تمشيا مع قراءتهم «1».
قال ابن الجزري:
.......... وعمّ يرتدد ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «عمّ» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «يرتدّ» من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (سورة المائدة آية 54). قرءوا «يرتدد» بدالين: الأولى مكسورة، والثانية ساكنة مع فكّ الإدغام، وذلك لأنّ حكم الفعل مضعّف الثلاثي إذا دخل عليه جازم جاز فيه الإدغام وفكّه، نحو: «لم يردّ» بالإدغام، و «لم يردد» بفك الإدغام «2» والإدغام لغة «تميم» وفكّ الإدغام لغة «أهل الحجاز».
وقرأ الباقون «يرتدّ» بدال واحدة مفتوحة مشددة، على إدغام الدال في الدال.
__________
(1) قال ابن عاشر: واو يقول للعراقيّ فزد.
(2) قال ابن مالك: وفي جزم وشبه الجزم تخيير ففي.
(2/174)

تنبيه:
كلمة «يرتدّ» رسمت في مصاحف أهل المدينة، والشام هكذا «يرتدد» بدالين تمشيا مع قراءتهم.
ورسمت في بقية المصاحف هكذا «يرتد» بدال واحدة تمشيا مع قراءتهم «1».
جاء في المفردات: «الارتداد، والردّة»: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، لكنّ «الردّة» تختصّ بالكفر، وهو الرجوع من الإسلام إلى الكفر قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ (سورة المائدة آية 54).
والارتداد: يستعمل في الكفر، وفي غيره، قال تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ (سورة البقرة آية 217). وقال تعالى: فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (سورة الكهف آية 64) «2».
قال ابن الجزري:
.......... ... وخفض والكفّار رم حما ....
المعنى: قرأ المرموز بالراء من «رم» ومدلول «حما» وهم: «الكسائي، وأبو عمرو، ويعقوب» «والكفار» من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ (سورة المائدة آية 57). قرءوا «والكفار» بخفض الراء، عطفا على «الذين» المجرور بمن، وهو قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
وقرأ الباقون «والكفار» بنصب الراء، عطفا على «الذين» الأوّل الواقع مفعولا، وهو قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ الخ.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... عبد
بضمّ بائه وطاغوت اجرر ... فوزا ..........
__________
(1) قال ابن عاشر: والمدنيان وشام يرتدد.
(2) انظر: المفردات في غريب القرآن مادة «ردّ» ص 192 - 193.
(2/175)

المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فوزا» وهو: «حمزة» «وعبد الطغوت» من قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ (سورة المائدة آية 60) قرأ «وعبد» بضمّ الباء، وفتح الدال، و «الطاغوت» بجرّ التاء، على أنّ «عبد» مثل: «كرم» فهو بناء للمبالغة، والكثرة، والمراد به واحد، وليس بجمع «عبد» و «الطاغوت» مجرور بالإضافة.
والمعنى: وجعل منهم عبد الطاغوت، والمراد بالطاغوت: الشيطان.
وقرأ الباقون «وعبد» بفتح الباء، والدال، على أنه فعل ماض، و «الطاغوت» بالنصب مفعول به. والمعنى: وجعل منهم عبد الطاغوت.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... رسالاته فاجمع واكسر
عمّ صرا ظلم والانعام اعكسا ... دن عد ..........
المعنى: قرأ مدلول «عمّ» والمرموز له بالصاد من «صرا» والظاء من «ظلم» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر، وشعبة، ويعقوب» «رسالته» من قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (سورة المائدة آية 67). قرءوا «رسالاته» بإثبات ألف بعد اللام مع كسر التاء، على الجمع، وذلك أنه لما كان الرسل عليهم الصلاة والسلام، يأتي كل واحد منهم بضروب مختلفة من الشرائع المرسلة من الله تعالى، حسن الجمع ليدلّ على ذلك.
وقرأ الباقون «رسالته» بحذف الألف، ونصب التاء، على الإفراد، وذلك لأن «الرسالة» على انفرد لفظها تدلّ على ما يدلّ عليه الجمع، مثل قوله تعالى:
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها (سورة إبراهيم آية 34) ونعم الله كثيرة ومتعددة.
(2/176)

وقرأ المرموز له بالدال من «دن» والعين من «عد» وهما: «ابن كثير، وحفص» «رسالته» من قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (سورة الأنعام آية 124) بغير ألف بعد اللام، ونصب التاء، على الإفراد.
وقرأ الباقون «رسالاته» بإثبات ألف بعد اللام وكسر التاء، على الجمع.
قال ابن الجزري:
.......... ... ........ تكون ارفع حما فتى رسا
المعنى: قرأ مدلول «حما» ومدلول «فتى» والمرموز له بالراء من «رسا» وهم: «أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، وخلف العاشر، والكسائي» «تكون» من قوله تعالى:
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا
(سورة المائدة آية 71). قرءوا «تكون» برفع النون، على أنّ «أن» مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، أي أنّه، و «لا» نافية و «تكون» تامّة، و «فتنة» فاعل، والجملة خبر «أن» وهي مفسرة لضمير الشأن، و «حسب» حينئذ لليقين لا للشك، لأنّ «أن» المخففة من الثقيلة لا تقع إلّا بعد تيقّن.
والمعنى: لقد بالغ بنو إسرائيل في كفرهم، وعنادهم بألوان شتّى مختلفة، منها: أنهم تيقنوا أن لا تحدث ولا تقع فتنة فعمّوا عن رؤية الحقيقة، وصمّت آذانهم عن قبول نصيحة أنبيائهم.
وقرأ الباقون «تكون» بنصب النون، على أنّ «أن» حرف مصدري ونصب، دخل على فعل منفيّ بلا، و «حسب» حينئذ على بابها للظنّ، لأنّ «أنّ» الناصبة لا تقع إلّا بعد الظنّ، و «تكون» تامّة أيضا، و «فتنة» فاعل. والمعنى:
شكّ هؤلاء اليهود ألّا تحدث فتنة فعمّوا وصمّوا.
قال ابن الجزري:
عقدتم المدّ منى وخفّفا ... من صحبة ..........
(2/177)

المعنى: قرأ المرموز له بالميم من «منى» والميم من «من» وهو: «ابن ذكوان» «عقدتم» من قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ (سورة المائدة آية 89). قرأ «عاقدتم» بإثبات ألف بعد العين، وتخفيف القاف، على وزن «قاتلتم» على أن المراد به المرّة الواحدة من العقد فيكون بمعنى «عقدتم» بتخفيف القاف، وحينئذ تكون المفاعلة على غير بابها فتتحد هذه القراءة مع قراءة «عقدتم» بتخفيف القاف في المعنى.
وقرأ المرموز لهم ب «صحبة» وهم: «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «عقدتم» بحذف الألف التي بعد العين، وتخفيف القاف، على وزن «قتلتم» وذلك على أصل الفعل.
قال «الراغب الأصفهاني»: العقد: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل، ثمّ يستعار ذلك للمعاني نحو عقد البيع، والعهد، وغيرهما، فيقال: عقدته، وعقدت يمينه، وعاقدته، وتعاقدنا» اهـ- «1».
وقرأ الباقون «عقّدتم» بحذف الألف، وتشديد القاف، وذلك للتكثير على معنى: عقد بعد عقد.
قال ابن الجزري:
.......... ... ...... جزاء تنوين كفى
ظهرا ومثل رفع خفضهم وسم ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفى» وبالظاء من «ظهرا» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، ويعقوب» «فجزاء مثل» من قوله تعالى:
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ (سورة المائدة آية 95). قرءوا بتنوين همزة «جزاء» ورفع لام «مثل» على أنّ «مثل» صفة ل «جزاء» و «جزاء» مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: فعلى القاتل
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن مادة «عقد» ص 341.
(2/178)

جزاء مماثل للمقتول من الصيد في القيمة، أو في الخلقة. أو على أنّ «جزاء» خبر لمبتدإ محذوف، أي فالواجب جزاء، أو فاعل لفعل محذوف، أي فيلزمه جزاء.
وقرأ الباقون بحذف تنوين «جزاء» وخفض لام «مثل» وذلك على إضافة «جزاء» إلى «مثل» وذلك لأن العرب تستعمل في إرادة الشيء مثله يقولون:
«إني أكرم مثلك» أي أكرمك، وقد قال الله تعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا (سورة البقرة آية 137) أي بما آمنتم به لا بمثله، لأنهم إذا آمنوا بمثله لم يؤمنوا، فالمراد بالمثل الشيء بعينه، وحينئذ يكون المعنى على الإضافة:
فجزاء المقتول من الصيد يحكم به ذوا عدل منكم.
قال ابن الجزري:
.......... ... والعكس في كفّارة طعام عم
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «عم» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «كفرة طعام» من قوله تعالى: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ (سورة المائدة آية 95).
قرءوا «كفّارة» بغير تنوين، و «طعام» بالخفض على الإضافة، وذلك على أنّ «كفّارة» خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: أو عليه كفارة طعام مساكين.
وقرأ الباقون «كفّارة» بالتنوين، و «طعام» بالرفع، وذلك على أنّ «كفارة» خبر لمبتدإ محذوف، و «طعام» عطف بيان على «كفارة» لأن الكفّارة هي الطعام، والتقدير: أو عليه كفارة هي طعام مساكين.

تنبيه:
اتفق القراء العشرة على قراءة «مساكين» هنا بالجمع، لأن قتل الصيد لا يجزئ فيه إطعام مسكين واحد، بل جماعة مساكين، يضاف إلى ذلك أن القراءة سنة متبعة ومبنية
على التوقيف.
قال ابن الجزري:
ضمّ استحقّ افتح وكسره علا ... والأوليان الأوّلين ظلّلا
صفو فتى .......... ... ..........
(2/179)

المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «علا» وهو: «حفص» «استحق، الأوليان» من قوله تعالى: فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ (سورة المائدة آية 107). قرأ «استحقّ» بفتح التاء، والحاء، مبنيا للفاعل، وإذا ابتدأ بها كسر الهمزة.
وقرأ «الأوليان» بإسكان الواو، وفتح اللام، وكسر النون، مثنّى «أولى» أي الأحقّان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وهو مرفوع على أنه فاعل «استحقّ».
وقرأ المرموز له بالظاء من «ظللا» والصاد من «صفو» ومدلول «فتى» وهم: «يعقوب، وشعبة، وحمزة، وخلف العاشر» «استحقّ» بضم التاء، وكسر الحاء، مبنيا للمفعول، وإذا ابتدءوا ضموا الهمزة، ونائب فاعل «استحق» «عليهم» أي الجار والمجرور. وقرءوا «الأوّلين» بتشديد الواو المفتوحة، وكسر اللام وبعدها ياء ساكنة، وفتح النون، جمع «أوّل» المقابل «آخر» مجرور بالياء صفة «للذين» أو بدل منه، أو بدل من الضمير في «عليهم».
وقرأ الباقون «استحقّ» بضم التاء، وكسر الحاء، مبنيّا للمفعول، وإذا ابتدءوا ضموا الهمزة.
وقرءوا «الأوليان» بإسكان الواو، وفتح اللام، وكسر النون، مثنى «أولى» وهو مرفوع على أنه نائب فاعل «استحق».
قال ابن الجزري:
....... وسحر ساحر شفا ... كالصّف هود وبيونس دفا
كفى .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «سحر» في أربعة مواضع وهي:
1 - قوله تعالى: فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (سورة المائدة آية 110).
(2/180)

2 - قوله تعالى: قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (سورة يونس آية 2).
3 - قوله تعالى: لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (سورة هود آية 7).
4 - قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (سورة الصف آية 6).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ساحر» في السور الأربع بفتح السين، وألف بعدها، وكسر الحاء، على أنه اسم فاعل من «سحر» الثلاثي المجرد.
وقرأ «ابن كثير، وعاصم» موضع «يونس» «ساحر» بفتح السين وألف بعدها، وكسر الحاء، اسم فاعل.
وقرأ المواضع الثلاثة الباقية «سحر» بكسر السين، وحذف الألف، وإسكان الحاء، على أنه مصدر «سحر». والتقدير: ما هذا الخارق للعادة إلّا سحر، أو جعلوه نفس السحر مبالغة، مثل قولهم: «زيد عدل».
وقرأ الباقون «سحر» في السور الأربع، وتقدم توجيهه.
جاء في «المفردات»: «السحر» يقال على معنيين:
الأوّل: الخداع، وتخيلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله «المشعوذ» بصرف الأبصار عمّا يفعله لخفة يده، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (سورة الأعراف آية 116).
والثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه، قال تعالى:
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ* يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (سورة الشعراء الآيات 221 - 223). وعلى ذلك قوله تعالى:
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (سورة البقرة آية 102) اهـ- «1».
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن ص 226.
(2/181)

قال ابن الجزري:
..... ويستطيع ربّك سوى ... عليّهم ..........
المعنى: قرأ «الكسائي» «يستطيع ربك» من قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ (سورة المائدة آية 112). قرأ
«تستطيع» بتاء الخطاب مع إدغام لام «هل» في «تاء» «تستطيع» والمخاطب سيدنا «عيسى» عليه السلام.
وقرأ «ربّك» بالنصب على التعظيم. والمعنى: هل تستطيع يا عيسى سؤال ربك، وهو استفهام فيه معنى الطلب، أي اسأل لنا ربّك أن ينزل علينا مائدة من السماء.
وقرأ الباقون «يستطيع» بياء الغيبة، و «ربّك» بالرفع، على أنه فاعل «يستطيع». والمعنى: هل يطيعك ربّك، ويجيبك على مسألتك، واستطاع حينئذ تكون بمعنى «أطاع» ويجوز أن يكونوا سألوه سؤال مختبر، وذلك لأن الحواريين مؤمنون، ولا يشكّون في قدرة الله تعالى.
قال ابن الجزري:
.......... ... ...... يوم انصب الرّفع أوى
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «أوى» وهو: «نافع» «يوم» من قوله تعالى: قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (سورة المائدة آية 119) بالنصب على الظرفية، و «هذا» مبتدأ، والخبر متعلق الظرف، والتقدير: هذا القول واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم.
وقرأ الباقون «يوم» بالرفع، على أنه خبر، و «هذا» مبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مقول القول.
(ولله أعلم) تمّت سورة المائدة ولله الحمد والشكر
(2/182)

سورة الأنعام
قال ابن الجزري:
يصرف بفتح الضّمّ واكسر صحبة ... ظعن ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «صحبة» والظاء من «ظعن» وهم: «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، ويعقوب» «يصرف» من قوله تعالى: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ (سورة الأنعام آية 16). قرءوا «يصرف» بفتح الياء، وكسر الراء، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على «الربّ» المتقدم ذكره في قوله تعالى: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (سورة الأنعام آية 15) ومفعول «يصرف» محذوف لدلالة الكلام عليه، وهو ضمير العذاب، والتقدير: من يصرف الرّبّ عنه العذاب يوم القيامة فقد رحمه.
وقرأ الباقون «يصرف» بضم الياء، وفتح الراء، على البناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود على «العذاب» المتقدم. والتقدير: من يصرف العذاب عنه يوم القيامة، فقد رحمه الله بذلك.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... ويحشر يا يقول ظنّة
ومعه حفص في سبا ...... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «نحشرهم، نقول» هنا في الأنعام من قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (آية 22). و «يحشرهم، يقول» في سورة «سبأ» من قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (سورة سبأ آية 40).
(2/183)

فقرأ المرموز له بالظاء من «ظنة» وهو: «يعقوب» «يحشرهم» و «يقول» في السورتين بالياء التحتيّة على الغيبة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى المتقدّم في قوله تعالى في سورة «الأنعام» وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (آية 21). وفي قوله تعالى في سورة سبأ: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ (الآية 39).
وقرأ المصرّح باسمه: «حفص» نحشرهم، نقول» في الأنعام بنون العظمة، على الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وفي سورة «سبأ» قرأ «يحشرهم، يقول» بياء الغيبة.
وقرأ الباقون «نحشرهم، نقول» في السورتين بنون العظمة.
قال ابن الجزري:
.......... يكن رضا ... صف خلف ظام فتنة ارفع كم عضا
دم .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «تكن فتنتهم» من قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (سورة الأنعام آية 23).
فقرأ المرموز لهم ب «رضا» والصاد من «صف» بخلف عنه، والظاء من «ظام» وهم: «حمزة، والكسائي، ويعقوب، وشعبة في أحد وجهيه» «يكن» بالياء التحتية على التذكير، «فتنتهم» بالنصب، وذلك على أن «فتنتهم» خبر «يكن» مقدّم، و «إلّا أن قالوا» الخ اسم يكن مؤخر.
وقرأ المرموز لهم بالكاف من «كم» والعين من «عضا» والدال من «دم» وهم: «ابن عامر، وحفص، وابن كثير» «تكن» بالتاء الفوقية على التأنيث، و «فتنتهم» بالرفع، على أنّ «فتنتهم» اسم «تكن» و «إلّا أن قالوا» الخ خبر «تكن».
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وخلف العاشر،
(2/184)

وشعبة في وجهه الثاني «تكن» بالتاء الفوقية على التأنيث، و «فتنتهم» بالنصب، على أنها خبر «تكن» مقدّم، و «إلا أن قالوا» اسم «تكن» مؤخر، وأنّث الفعل وهو «تكن» لتأنيث الخبر.
قال ابن الجزري:
.. ربّنا النّصب شفا ...... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ربّنا» من قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (سورة الأنعام آية 23). قرءوا «ربّنا» بنصب الباء على النداء، أو على المدح، وفصل به بين القسم وجوابه، وذلك حسن لأنّ فيه معنى الخضوع والتضرع حين لا ينفع ذلك.
وقرأ الباقون «ربّنا» بجرّ الباء، على أنها بدل من لفظ الجلالة «الله» أو نعت، أو عطف بيان.
جاء في «تاج العروس»: «الربّ»: هو الله عزّ وجلّ، وهو ربّ كل شيء، أي مالكه، وله الربوبيّة على جميع الخلق لا شريك له، وهو ربّ الأرباب، ومالك الملوك، والأملاك» اهـ- «1».
والربّ: جمعه «أربّة» بكسر الراء، وتشديد الباء، وأرباب، و «ربوب» بضم الراء والباء.
قال الشاعر:
كانت أربّتهم حفرا وغزّهم ... عقد الجوار وكانوا معشرا غدرا
«2»
__________
(1) انظر: تاج العروس مادّة «ربّب» ج 1/ 360.
(2) غدرا: بضم الغين المعجمة والدال.
(2/185)

قال ابن الجزري:
.......... نكذّب ... بنصب رفع فوز ظلم عجب
كذا نكون معهم شام ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ولا نكذب، ونكون» من قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (سورة الأنعام آية 27).
فقرأ المرموز له بالفاء من «فوز» والظاء من «ظلم» والعين من «عجب» وهم: «حمزة، ويعقوب، وحفص» بنصب الباء في «ولا نكذّب» ونصب النون في «ونكون» على أنّ «ولا نكذّب» منصوب بأن مضمرة بعد واو المعيّة في جواب التمنّي، «ونكون» معطوف عليه.
وقرأ الشامي وهو «ابن عامر» برفع الباء في «ولا نكذّب» عطفا على «نردّ» ونصب النون في «ونكون» بأن مضمرة بعد واو المعيّة.
وقرأ الباقون برفع الفعلين، عطفا على «نردّ» والتقدير: يا ليتنا نردّ إلى الدنيا مرّة ثانية ونوفّق للتصديق والإيمان.
قال ابن الجزري:
.......... وخف ... للدّار الآخرة خفض الرّفع كف
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كف» وهو: «ابن عامر» «وللدار الآخرة» من قوله تعالى: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ (سورة الأنعام آية 32).
قرأ «ولدار» بلام واحدة كما هي مرسومة في المصحف الشامي «1»، وهي لام الابتداء، وقرأ كذلك بتخفيف الدال، وخفض تاء «الآخرة» على الإضافة،
__________
(1) قال ابن عاشر: للدار للشّام بلام.
(2/186)

وحينئذ يكون الموصوف محذوفا، والتقدير: والدار الحياة الآخرة خير للمتقين.
وقرأ الباقون «وللدّار» بلامين: لام الابتداء، ولام التعريف، مع تشديد الدال بسبب إدغام لام التعريف في الدال، لوجود التقارب بينهما في المخرج، إذ اللام تخرج من أدنى حافّتي اللسان بعد مخرج الضاد إلى منتهى طرفه مع ما يليها من أصول الثنايا العليا، والدال تخرج من طرف اللسان مع ما فوقه من الحنك الأعلى، كما أنهما متفقتان في الصفات الآتية: الجهر، والاستفال، والانفتاح، كما قرءوا برفع تاء «الآخرة» على أنها صفة «للدار» و «خير» خبرها، وهذه القراءة موافقة لرسم بقيّة المصاحف.
قال ابن الجزري:
لا يعقلون خاطبوا وتحت عم ... عن ظفر يوسف شعبة وهم
يس كم خلف مدا ظلّ .... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في لفظ «تعقلون» في أربعة مواضع وهي:
1 - قوله تعالى: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (سورة الأنعام آية 32).
2 - قوله تعالى: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (سورة الأعراف آية 169).
3 - قوله تعالى: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (سورة يوسف آية 109).
4 - قوله تعالى: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (سورة يس آية 68).
فقرأ «نافع، وأبو جعفر، ويعقوب» «تعقلون» في المواضع الأربعة بتاء الخطاب.
وقرأ «ابن عامر» بتاء الخطاب في ثلاثة مواضع وهي: «الأنعام، والأعراف، ويوسف» واختلف عنه في موضع يس فقرأه مرّة بتاء الخطاب، وأخرى بياء الغيبة.
(2/187)

وقرأ «شعبة» بتاء الخطاب في موضع «يوسف» وبياء الغيبة في ثلاثة مواضع وهي: «الأنعام، والأعراف، ويس».
وقرأ «حفص» بتاء الخطاب في ثلاثة مواضع وهي: «الأنعام، والأعراف، ويوسف» وبياء الغيبة في موضع يس فقط.
وقرأ الباقون وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» بياء الغيبة في المواضع الأربعة.

التوجيه:
من ينعم النظر في سياق الكلام الذي قبل هذه الآيات يجد أن قراءة الغيبة جاءت متمشية مع سياق الكلام في المواضع الأربعة، وبناء عليه تكون قراءة الغيبة في السور الأربع جاءت جريا على السياق. وقراءة الخطاب في هذه السور الأربع جاءت على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.

تنبيه:
«تعقلون» من قوله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (سورة القصص آية 60). سيتكلم الناظم على خلاف القراء في سورته إن شاء الله تعالى.
قال ابن الجزري:
.......... وخف ... يكذّب اتل رم ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «اتل» والراء من «رم» وهما: «نافع، والكسائي» «لا يكذبونك» من قوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ (سورة الأنعام آية 33). قرآ «لا يكذبونك» بضم الياء، وإسكان الكاف، وتخفيف الذال، على أنه مضارع «أكذب» على وزن «أفعل» على معنى: لا يجدونك كاذبا، لأنهم يعرفونك بالصدق، فهو من باب «أحمدت الرجل» وجدته محمودا.
حكى «الكسائي» ت 180 هـ- عن العرب: «أكذبت الرجل» إذا أخبرت أنه جاء بكذب.
(2/188)

وحكى «قطرب محمد بن المستنير» ت 206 هـ-: «أكذبت الرجل» دللت على كذبه. وقيل معنى الآية: أنهم لا يجعلونك كاذبا إذ لم يجربوا عليك ذلك.
وقرأ الباقون «لا يكذّبونك» بضمّ الياء، وفتح الكاف، وتشديد الذال، على أنه مضارع «كذّب» مضعّف الثلاثي، على معنى: أنهم لا ينسبونك إلى الكذب، كما يقال: «فسّقته، وخطّأته» أي نسبته إلى الفسق، وإلى الكذب.
إذا فيكون المعنى: أنهم لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب فيما جئت به.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... فتحنا اشدد كلف
خذه كالاعراف وخلفا ذق غدا ... واقتربت كم ثق غلا الخلف شدا
المعنى: اختلف القراء في لفظ «فتحنا» في ثلاثة مواضع وهي:
1 - قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ (سورة الأنعام آية 44).
2 - قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ (سورة الأعراف آية 96).
3 - قوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (سورة القمر آية 11).
فقرأ «ابن عامر، وابن وردان» «فتحنا» في السور الثلاث بتشديد التاء، نحو: «كرّم» مضعف الثلاثي.
وقرأ «ابن جماز» بالتشديد في موضع «القمر» وبالتشديد والتخفيف في موضعي: «الأنعام والأعراف».
وقرأ «رويس» بالتشديد في موضع «القمر» وبالتشديد والتخفيف في موضعي: «الأنعام والأعراف» مثل «ابن جماز» سواء بسواء.
وقرأ «روح» بالتشديد والتخفيف في موضع «القمر» وبالتخفيف في موضعي: «الأنعام والأعراف».
(2/189)

وقرأ الباقون بالتخفيف في السور الثلاث. والتخفيف والتشديد لغتان، إلّا أن التشديد فيه دلالة على التكثير.
تنبيه: اتفق القراء العشرة على القراءة بالتخفيف في لفظ «فتحنا» في غير المواضع المتقدمة مثال ذلك:
1 - قوله تعالى: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (سورة الحجر آية 14).
2 - قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ (سورة المؤمنون آية 77).
3 - قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (سورة الفتح آية 1).
قال ابن الجزري:
وفتّحت يأجوج كم ثوى ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» ومدلول «ثوى» وهم: «ابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب» «فتحت» من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ (سورة الأنبياء آية 96). قرءوا «فتّحت» بتشديد التاء، وفيه معنى التكرير، والتكثير، لأنه ثمّ سدّ، وبناء، وردم، فالفتح لأشياء مختلفة يقتضي التشديد الذي فيه دلالة على التكثير.
وقرأ الباقون «فتحت» بتخفيف التاء، لأن تقديره: حتى إذا فتح سدّ يأجوج ومأجوج.
قال ابن الجزري:
.......... وضم ... غدوة في غداة كالكهف كتم
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كتم» وهو «ابن عامر» «بالغدوة» من قوله تعالى:
(2/190)

1 - وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (سورة الأنعام آية 52).
2 - وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (سورة الكهف آية 28).
قرأ «بالغدوة» في الموضعين بضم الغين، وإسكان الدال، وبعدها واو مفتوحة.
وقرأ الباقون «بالغدوة» في الموضعين أيضا بفتح الغين، والدال، وألف بعدها. و «الغدوة، والغداة» لغتان بمعنى واحد، وهو أنهما ظرف لأوّل النهار.
قال ابن الجزري:
وإنّه افتح عمّ ظلّا نل فإن ... نل كم ظبّى ..........
المعنى: اختلف القراء في «أنّه، فإنه» من قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة الأنعام آية 54).
فقرأ «ابن عامر، وعاصم، ويعقوب» بفتح الهمزة فيهما.
وقرأ «نافع، وأبو جعفر» «أنّه» بفتح الهمزة، و «فإنه» بكسر الهمزة.
وقرأ الباقون بكسر الهمزة فيهما.
التوجيه: الفتح في الأولى على أنها بدل من «الرحمة» بدل الشيء من الشيء، أي بدل كل من كل، فهي في موضع نصب ب «كتب» والتقدير: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم سوءا بجهالة الخ. والفتح في الثانية على أنّ محلها رفع بالابتداء، والخبر محذوف. والتقدير: فله غفران ربه ورحمته، أو فغفران ربه ورحمته حاصلان.
والكسر في الأولى على أنها مستأنفة، والكلام قبلها تام والكسر في الثانية
(2/191)

على أنها صدر جملة وقعت خبرا ل «من» على أنها موصولة، أو جوابا ل «من» إن جعلت شرطية.
قال ابن الجزري:
.......... ... ... ويستبين صون فن
روى سبيل لا المديني ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ولتستبين سبيل» من قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (سورة الأنعام آية 55).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صون» والفاء من «فن» ومدلول «روى» وهم: «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «وليستبين» بياء التذكير، ورفع لام «سبيل» فاعل.
وقرأ «نافع، وأبو جعفر» «ولتستبين» بتاء الخطاب، ونصب لام «سبيل» على أن «تستبين» مضارع من «استبنت الشيء» المعدّى و «سبيل» مفعول به، والمعنى: ولتستوضح يا «محمد» طريق المجرمين.
وقرأ الباقون وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، ويعقوب» «ولتستبين» بتاء التأنيث، ورفع لام «سبيل» فاعل، وجاز تأنيث الفعل وتذكيره لأن الفاعل مؤنث مجازيا.
قال ابن الجزري:
.......... ويقص ... في يقض أهملن وشدّد حرم نص
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «حرم» والنون من «نص» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو جعفر، وعاصم» «يقصّ» من قوله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (سورة الأنعام آية 57). قرءوا «يقصّ» بضم القاف، وبعدها صاد مهملة مضمومة مشددة، على أنه مضارع من «القصص» و «الحقّ» مفعول به ل «يقصّ».
(2/192)

وقرأ الباقون «يقض» بسكون القاف، وبعدها ضاد معجمة مكسورة مخففة، على أنه مضارع من «القضاء»، و «الحقّ» صفة لمصدر محذوف مفعول به، والتقدير: يقض القضاء الحقّ.

تنبيه:
رسم «يقض» بدون ياء تبعا للفظ القراءة، كما رسم «سندع الزبانية» سورة العلق (آية 18) بدون واو، وذلك اكتفاء بالكسرة التي قبل الضاد، وبالضمة التي قبل الواو «1».
قال ابن الجزري:
وذكّر استهوى توفّى مضجعا ... فضل ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فضل» وهو: «حمزة» بتذكير لفظي:
«استهوته» من قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ (سورة الأنعام آية 71).
و «توفته» من قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (سورة الأنعام آية 61).
قرأ «استهواه» بألف ممالة بعد الواو، على تذكير الفعل، لكون الفاعل جمع تكسير، وهو «الشياطين» فالتذكير على معنى جمع الشياطين.
وقرأ أيضا «توفاه» بألف ممالة بعد الفاء، وهو فعل ماض حذفت منه تاء التأنيث، على تذكير الجمع.
وقرأ الباقون «استهوته» بالتاء الساكنة من غير ألف على تأنيث الفعل، على معنى جماعة الشياطين. وقرءوا أيضا «توفته» بتاء ساكنة مكان الألف، على أنه فعل ماض وأنّث على معنى الجماعة.
__________
(1) قال صاحب مورد الظمآن:
وهاك واوا سقطت في الرسم ... في أحرف للاكتفا بالضمّ
ويدع الانسان ويوم يدع ... في سورة القمر مع سندع
ويمح في حم مع وصالح ... الحذف في الخمسة عنهم واضح
(2/193)

قال ابن الجزري:
.......... ... ... وننجي الخفّ كيف وقعا
ظلّ وفي الثّان اتل من حقّ وفي ... كاف ظبى رض تحت صاد شرّف
والحجر أولى العنكبا ظلم شفا ... والثّان صحبة ظهير دلفا
ويونس الأخرى علا ظبي رعا ... وثقل صفّ كم ..........
المعنى: اختلف القراء في تخفيف، وتشديد الكلمات الآتية:
1 - «ينجيكم» من قوله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (سورة الأنعام آية 63). ومن قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها (سورة الأنعام آية 64).
2 - «ننجيك» من قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ (سورة يونس آية 92).
3 - «ننجي» من قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا (سورة يونس آية 103). ومن قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا (سورة مريم آية 72).
4 - «ننج» من قوله تعالى: كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (سورة يونس آية 103).
5 - «لمنجوهم» من قوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (سورة الحجر آية 59).
6 - «لننجينه» من قوله تعالى: لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ (سورة العنكبوت آية 32).
7 - «منجوك» من قوله تعالى: إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ (سورة العنكبوت آية 33).
8 - «ينجي» من قوله تعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ (سورة الزمر آية 61).
9 - «تنجيكم» من قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (سورة الصف آية 10).
هذه إحدى عشرة كلمة جاء فيها خلاف القراء العشرة بين التخفيف، والتشديد:
فالتخفيف على أن «الاشتقاق من «أنجى» الرباعي. والتشديد على أنه
(2/194)

من «نجّى» مضعف الثلاثي. وإليك قراءة القراء العشرة في هذه الكلمات:
قرأ «يعقوب» بالتخفيف في عشرة مواضع، وبالتشديد في موضع الزمر فقط.
وقرأ «هشام» بالتشديد في الأحد عشر موضعا.
وقرأ «نافع، وأبو عمرو» بالتخفيف في الموضع الثاني من «الأنعام» وفي موضع «الصف» وبالتشديد في التسعة الباقية.
وقرأ «ابن كثير» بالتخفيف في الموضع الثاني من «الأنعام» وفي الموضع الثاني من «العنكبوت» وفي موضع «الصف» وبالتشديد في الثمانية الباقية.
وقرأ «ابن ذكوان» بالتخفيف في الموضع الثاني من «الأنعام» وبالتشديد في العشرة الباقية.
وقرأ «حمزة، وخلف العاشر» بالتخفيف في «الحجر»، وموضعي العنكبوت، والزمر، والصف، وبالتشديد في الستة الباقية.
وقرأ «الكسائي» بالتخفيف في الموضع الأخير من «يونس» وموضع الحجر، ومريم، وموضعي العنكبوت، والزمر، والصف، وبالتشديد في الأربعة الباقية.
وقرأ «شعبة» بالتخفيف في الموضع الثاني من «العنكبوت»، وبالتشديد في العشرة الباقية.
وقرأ «حفص» بالتخفيف في الموضع الأخير من «يونس» وموضع «الصف» وبالتشديد في التسعة الباقية.
تنبيه: «ننجي» من قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (سورة الأنبياء آية 88) وسيأتي خلاف القراء فيه في سورة الأنبياء حسبما ذكر «الناظم» رحمه الله.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وخفية معا
بكسر ضمّ صف .......... ... ..........
(2/195)

المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صف» «وهو: «شعبة» «خفية» معا:
من قوله تعالى:
1 - قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً (سورة الأنعام آية 63).
2 - ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً (سورة الأعراف آية 55).
قرأ بكسر الخاء في الموضعين.
وقرأ الباقون بضم الخاء في الموضعين أيضا، وهما لغتان في مصدر «خفي».
قيل معناه: تذلّلا واستكانة وخفية.
قال ابن الجزري:
.......... وأنجانا كفى ... أنجيتنا الغير ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «أنجانا» من قوله تعالى: لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (سورة الأنعام آية 63). قرءوا «أنجانا» بألف بعد الجيم من غير ياء، ولا تاء، بلفظ الغيب، وذلك جريا على سياق ما قبله، وما بعده، لأن قبله قوله تعالى: تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً والهاء للغائب، وبعده قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ (آية 64).
وقرأ الباقون «أنجيتنا» بياء تحتية ساكنة بعد الجيم، وبعدها تاء فوقية مفتوحة، على الخطاب، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، حكاية لدعائهم.

تنبيه:
اتفق القراء العشرة على قراءة «أنجيتنا» من قوله تعالى: لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (سورة يونس آية 22) بياء تحتية ساكنة بعد
(2/196)

الجيم، وبعدها تاء فوقية مفتوحة على الخطاب، لأنه إخبار عن توجههم إلى الله تعالى بالدعاء، وذلك إنما يكون بالخطاب.
جاء في «تاج العروس»: «نجا من كذا ينجو، نجوا»، بفتح النون، وسكون الجيم، و «نجاء» ممدود، و «نجاة» بالقصر: خلص منه «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وينسي كيفا
ثقلا .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كيّفا» وهو: «ابن عامر» «ينسينك» من قوله تعالى: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (سورة الأنعام آية 68).
قرأ «ينسينّك» بفتح النون التي قبل السين، وتشديد السين، على أنه مضارع «نسّى» مضعّف الثلاثي.
وقرأ الباقون «ينسينّك» بإسكان النون، وتخفيف السين، مضارع «أنسى» الرباعي. والمفعول الثاني على القراءتين محذوف، والتقدير: ما أمرت به من ترك مجالسة الخائضين في آيات الله.
قال ابن الجزري:
... وآزر ارفعوا ظلما .... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظلما» وهو: «يعقوب» «ءازر» من قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ (سورة الأنعام آية 74) بضمّ الراء، على أنه منادى حذف منه حرف النداء.
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «نجو» ج 10/ 356.
(2/197)

وقرأ الباقون «آزر» بفتح الراء، على أنه بدل من «أبيه» وهو مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
قال ابن الجزري:
.......... وخف ... نون تحاجّوني مدا من لي اختلف
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «مدّا» والميم من «من» واللام من «لي» بخلف عنه، وهم: «نافع، وأبو جعفر، وابن ذكوان، وهشام» بخلف عنه «أتحجونّي» من قوله تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ (سورة الأنعام آية 80). قرءوا «أتحاجّوني» بتخفيف النون، وذلك لأن أصل الفعل «أتحاجونني» بنونين: الأولى علامة رفع الفعل، والثانية نون الوقاية، وهي فاصلة بين الفعل والياء، فلما اجتمع مثلان حذفت النون الثانية التي هي للوقاية للتخفيف، ولا يحسن أن يكون المحذوف النون الأولى لأنها علامة الرفع في الفعل، وحذفها علامة النصب، أو الجزم.
قال ابن مالك في ألفيته:
واجعل لنحو يفعلان النونا ... رفعا وتدعين وتسألونا
وحذفها للجزم والنصب سمه ... كلم تكوني لترمي مظلمه
وبناء عليه لو قلنا بحذف النون الأولى التي هي علامة رفع الفعل لاشتبه الفعل المرفوع بالمنصوب، والمجزوم. يضاف إلى ذلك أن الثقل إنما حدث بوجود النون الثانية، فحذف ما حدث به الثقل أولى من غيره.
وقرأ الباقون «أتحاجّوني» بتشديد النون، وذلك على إدغام نون الرفع في نون الوقاية للتخفيف. وعلى قراءة التشديد يجب مدّ الواو مدّا مشبعا قدره ستّ حركات للتشديد كي لا يجتمع ساكنان: الواو، وأوّل المشدّد، فصارت المدة تفصل بين الساكنين، كما تفصل الحركة بينهما.
وبذلك قرأ «هشام» في وجهه الثاني.
(2/198)

والمحاجّة: أن يطلب كل واحد أن يردّ الآخر عن حجته، ومحجّته.
و «الحجّة» بالضم: الدليل والبرهان.
وقال «الأزهري» ت 370 هـ-: الحجّة: الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة» اهـ-.
وإنّما سمّيت حجّة لأنها تحجّ أي تقصد، لأن القصد لها وإليها، وجمع «الحجة» حجج، وحجاج «1».
قال ابن الجزري:
ودرجات نوّنوا كفا معا ... يعقوب معهم هنا ...
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفا» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «درجت» معا من قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (سورة الأنعام آية 83). ومن قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (سورة يوسف آية 76). قرءوا «درجات» في السورتين بتنوين التاء، وذلك على أن الفعل مسلّط على «من» لأن المرفوع في الحقيقة هو صاحب الدرجات، لا «الدرجات» كقوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ (سورة البقرة آية 253). وبناء عليه يكون «درجات» منصوب على الظرفية، و «من» مفعول «نرفع» والتقدير: نرفع من نشاء مراتب ومنازل.
وقرأ «يعقوب» بتنوين التاء في «درجات» موضع الأنعام فقط. وبعدم التنوين في موضع «يوسف».
وقرأ الباقون «درجات» في الموضعين بغير تنوين، وذلك على أن الفعل مسلط على «درجات» فتكون مفعول «نرفع» و «درجات» مضاف، و «من» مضاف إليه، لأن
الدرجات إذا رفعت فصاحبها مرفوع إليها، كما في قوله تعالى:
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «حجّ» ج 2/ 17.
(2/199)

رَفِيعُ الدَّرَجاتِ (سورة غافر آية 15) فأضاف الرفع إلى «درجات» فالقراءتان متقاربتان في المعنى، لأن من رفعت درجاته فقد رفع، ومن رفع فقد رفعت درجاته.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... واللّيسعا
شدّد وحرّك سكّنن معا شفا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «واليسع» معا، من قوله تعالى:
1 - وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً (سورة الأنعام آية 86).
2 - وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ (سورة ص آية 48). قرءوا «واليسع» في السورتين بلام مشدّدة مفتوحة، وبعدها ياء ساكنة، وذلك على أن أصله «ليسع» على وزن «ضيغم» وهو اسم أعجميّ علم على نبيّ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو معرفة بدون اللام، فقدر تنكيره ثم دخلت عليه «ال» أي الألف واللام للتعريف، ثم أدغمت اللام في اللام للتماثل، وقيل: بتقدير تنكيره لأن الأعلام لا يصحّ دخول الألف واللام عليها، إذ لا يجتمع على الاسم تعريفان: العلمية، والألف واللام. وقيل: الألف واللام زائدتان وليستا للتعريف.
وقرأ الباقون «واليسع» بلام ساكنة خفيفة، وبعدها ياء مفتوحة، على أن أصله «يسع» على وزن «يضع» ثم دخلت عليه الألف واللام، كما دخلت على «يزيد» كما في قول «ابن ميّادة» وهو: «الرماح بن أبرد بن ثوبان» يمدح «الوليد ابن يزيد»:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله
قال النحويون: دخول الألف واللام على «يزيد» يحتمل أمرين:
الأول: أن تكون للتعريف ويكون ذلك على تقدير أن الشاعر قبل أن
(2/200)

يدخل «أل» قدّر في «يزيد» التنكير فصار شائعا شيوع «رجل» ونحوه من النكرات.
والثاني: أن تكون «ال» زيدت فيه للضرورة «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... ويجعلوا يبدو ويخفوا دع حفا
المعنى: قرأ المرموز له بالدال من «دع» والحاء من «حفا» وهما: «ابن كثير، وأبو عمرو» «تجعلونه، تبدونها، وتخفون» من قوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً (سورة الأنعام آية 91).
قرآ الأفعال الثلاثة «يجعلونه، يبدونها، ويخفون» بياء الغيبة، وذلك لمناسبة الغيبة في قوله تعالى في صدر الآية: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الخ.
وقرأ الباقون الأفعال الثلاثة بتاء الخطاب، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، أو ردّا على المخاطبة التي قبل في قوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى الخ أي قل لهم ذلك.
قال ابن الجزري:
ينذر صف .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صف» وهو: «شعبة» «ولتنذر» من قوله تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (سورة الأنعام آية 92).
قرأ «ولينذر» بياء الغيبة، على أن الفعل مسند إلى ضمير «الكتاب» والمراد
__________
(1) انظر: شرح قطر الندى لابن هشام ص 53 فما بعدها.
(2/201)

به «القرآن الكريم» كما قال تعالى في سورة الأنبياء (آية 45): قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ.
وقرأ الباقون «ولتنذر» بتاء الخطاب، والمخاطب نبينا «محمد» صلّى الله عليه وسلّم فهو فاعل الإنذار، كما قال تعالى في سورة النازعات (آية 45): إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها. والإنذار: إخبار فيه تخويف، قال تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (سورة الليل آية 14).
قال ابن الجزري:
.......... بينكم ارفع في كلا ... حقّ صفا ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» والكاف من «كلا» ومدلول «حقّ» ومدلول «صفا» وهم: «حمزة، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وشعبة، وخلف العاشر» «بينكم» من قوله تعالى: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ (سورة الأنعام آية 94). قرءوا «بينكم» برفع النون، على أنّ «بين» اسم غير ظرف معناه «الوصل» فأسند الفعل إليه، والمعنى: لقد تقطّع وصلكم، وإذا تقطع وصلهم افترقوا، وهو المعنى المراد من الآية.
وإنما استعملت «بين» بمعنى «الوصل» لأنها تستعمل كثيرا مع السببين المتلابسين بمعنى «الوصل» تقول: بيني وبينه رحم وصداقة، أي بيني وبينه صلة، فلما استعملت بمعنى الوصل جاز استعمالها في الآية كذلك.
ويجوز أن تكون «بين» ظرف، وجاز إسناد الفعل إليه، لأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها، فأسند الفعل إليه مجازا، كما أضيف إليه في قوله تعالى: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ (سورة المائدة آية 106).
وقرأ الباقون «بينكم» بنصب النون، على أنها ظرف ل «تقطع» والفاعل ضمير والمراد به «الوصل» لتقدّم ما يدلّ عليه وهو لفظ «شركاء» والتقدير: لقد تقطع وصلكم بينكم، ودلّ على حذف «الوصل» قوله تعالى: وَما نَرى مَعَكُمْ
(2/202)

شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ فدلّ هذا على التقاطع، والتهاجر بينهم وبين شركائهم إذ تبرءوا بهم، ولم يكونوا معهم، وتقاطعهم لهم هو ترك وصلهم لهم، فحسن إضمار «الوصل» بعد «تقطع» لدلالة الكلام عليه.
جاء في «المفردات»: «بين» موضوع للخلالة بين الشيئين ووسطهما «1».
قال تعالى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (سورة الكهف آية 32). و «بين» يستعمل تارة اسما، وتارة ظرفا: فمن قرأ «بينكم» برفع النون جعله اسما، ومن قرأ «بينكم» بنصب النون جعله ظرفا غير متمكن، فمن الظرف قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (سورة الحجرات آية 1). ولا يستعمل «بين» إلّا فيما كان له مسافة نحو: «بين البلدين» أو له عدد ما: اثنان فصاعدا، نحو: «بين الرجلين وبين القوم». ولا يضاف «بين» إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلّا إذا كرر، نحو قوله تعالى: فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً (سورة طه آية 58) و «بين» يزاد فيه «ما» أو الألف، فيجعل بمنزلة «حين» نحو: «بينما زيد يفعل كذا» «وبينا يفعل كذا» اهـ- «2».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وجاعل اقرأ جعلا
والليل نصب الكوف .......... ... ..........
المعنى: قرأ الكوفيون وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «وجعل الليل» من قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً (سورة الأنعام آية 96). قرءوا «وجعل» بفتح العين، واللام، من غير ألف بينهما، على أنه فعل ماض، وقرءوا «الليل» بالنصب، على أنه مفعول به ل «جعل» وهذه القراءة مناسبة لقوله تعالى بعد: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ (آية 97).
وقرأ الباقون «وجاعل» بالألف بعد الجيم، وكسر العين، ورفع اللام،
__________
(1) الخلالة بكسر الخاء: الفرجة بين الشيئين، قال تعالى: وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ (التوبة آية 47).
(2) انظر: المفردات في غريب القرآن مادة «بين» ص 67، 68.
(2/203)

و «الليل» بالخفض، على أنّ «جاعل» اسم فاعل أضيف إلى مفعوله، وهذه القراءة مناسبة لقوله تعالى قبل: فالِقُ الْإِصْباحِ.
قال ابن الجزري:
.......... قاف مستقر ... فاكسر شذا حبر ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالشين من «شذا» ومدلول «حبر» وهم: «روح، وابن كثير، وأبو عمرو» «فمستقر» من قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ (سورة الأنعام آية 98). قرءوا «فمستقرّ» بكسر القاف، على أنه اسم فاعل مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: فمنكم مستقرّ في الرحم، أي قد صار إليها واستقرّ فيها، ومنكم من هو مستودع في صلب أبيه.
وقرأ الباقون «فمستقرّ» بفتح القاف، على أنه اسم مكان مبتدأ، والخبر محذوف أيضا، والتقدير: فمنكم من هو قارّ في الأرحام، ومنكم من هو مستودع في صلب أبيه.
وجاء في «تاج العروس»: قال «علي بن جعفر» المعروف بابن القطّاع ت 515 هـ-: «قرّ في المكان» «يقرّ» بكسر القاف، وفتحها، أي من باب «ضرب، وعلم» اه- «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وفي ضمّي ثمر
شفا كيس .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ثمره» في ثلاثة مواضع وهي:
1 - قوله تعالى: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ (سورة الأنعام آية 99).
2 - قوله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ (سورة الأنعام آية 141).
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «قرر» ج 3/ 487.
(2/204)

3 - قوله تعالى: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ (سورة يس آية 35). قرءوا «ثمره» في المواضع الثلاثة بضم الثاء، والميم، على أنه جمع «ثمرة» مثل:
«خشبة وخشب» أو على أنه جمع «ثمار» مثل: «حمار وحمر». و «ثمار» جمع «ثمرة» وحينئذ يكون جمع الجمع.
وقرأ الباقون «ثمره» في المواضع الثلاثة أيضا بفتح الثاء، والميم، على أنه جمع «ثمرة» مثل: «بقرة وبقر» وحينئذ يكون اسم جنس جمعيّ.
واسم الجنس الجمعي: هو ما يدلّ على أكثر من اثنين، ويفرق بينه وبين مفرده بالتاء، نحو: «شجرة وشجر» وبقرة وبقر، وكلمة وكلم.
تنبيه: سيأتي خلاف القراء في قوله تعالى: وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ وقوله:
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ في سورة «الكهف» إن شاء الله تعالى.
و «الثمر»: اسم لكل ما يتطعّم من أعمال الشجر، والواحد «ثمرة» والجمع «ثمار، وثمرات» قال تعالى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ (سورة البقرة آية 22).
قال ابن الجزري:
.......... وخرّقوا اشدد ... مدّا ..........
المعنى: قرأ مدلول «مدا» وهما: «نافع، وأبو جعفر» «وخرقوا» من قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ (سورة الأنعام آية 100). قرآ «وخرّقوا» بتشديد الراء، وذلك للتكثير، لأن المشركين ادعوا الملائكة بنات الله، واليهود ادعت «عزيرا» ابن الله، والنصارى ادعت «المسيح» ابن الله، وهذا كله كذب وافتراء، فكثّر ذلك من كفرهم، فلعلّ تشديد «وخرّقوا» لمطابقة المعنى، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا.
وقرأ الباقون «وخرقوا» بتخفيف الراء، على الأصل، ولأن الفعل يدلّ على القليل والكثير.
(2/205)

قال «ابن الأعرابي محمد بن زياد» ت 231 هـ-: لا جمع للخرق، اهـ-.
وقال «محمد بن الحسن بن دريد» ت 321 هـ-: جمع «الخرق» «أخراق» «كسرب، وأسراب» اهـ-.
وقال «الصاحب بن عبّاد» ت 385 هـ-: جمع «خرق» «خراق» «كغراب» اهـ-.
وقال غيرهم: جمع «الخرق» «خروق» «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ودارست لحبر فامدد
وحرّك اسكن كم ظبّى ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «حبر» وهما: «ابن كثير، وأبو عمرو» «درست» من قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ (سورة الأنعام آية 105).
قرأ «دارست» بألف بعد الدال، وسكون السين، وفتح التاء، على وزن «قابلت» على أن «المفاعلة» من الجانبين، أي وليقولوا: دارست أهل الكتب السابقة كاليهود، والنصارى، ودارسوك، من «المدارسة» أي ذاكرتهم، وذاكروك، ودلّ على هذا المعنى قولهم في سورة «الفرقان»: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ (سورة الفرقان آية 4).
وقرأ المرموز له بالكاف من «كم» والظاء من «ظبى» وهما: «ابن عامر، ويعقوب» «درست» بحذف الألف التي بعد الدال، وفتح السين، وسكون التاء، على وزن «فعلت» بفتح الفاء والعين واللام، وسكون التاء، وذلك على إسناد الفعل إلى الآيات، فأخبر الله عن الكفار أنهم يقولون: هذه الآيات التي جئتنا
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «خرق» ج 6/ 328.
(2/206)

بها يا «محمد» قد قدمت، وبليت، ومضت عليها دهور، وكانت من أساطير الأوّلين فجئتنا بها، ودلّ على هذا المعنى قوله تعالى في سورة «الفرقان» (آية 5):
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
وقرأ الباقون «درست» بغير ألف، وإسكان السين، وفتح التاء، على وزن «فعلت» بفتح الفاء والعين، وسكون اللام، وذلك على إسناد الفعل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فالتاء للخطاب، والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن الكفار أنهم قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: هذه الآيات التي جئتنا بها كانت نتيجة أنك درست، وحفظت كتب الأمم السابقة، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى في سورة النحل (آية 24): وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
جاء في «تاج العروس»: «درس الشيء» بضم الهمزة، «يدرس» «دروسا» بضم الدال: «عفا» و «درسته الريح درسا»: محته.
وقال «ابن جنّي» ت 395 هـ-: «درس الكتاب، يدرسه، درسا»: ذلّله بكثرة القراءة حتى خفّ حفظه عليه «كأدرسه» اهـ-. «1».
قال ابن الجزري:
.......... والحضرمي ... عدوا عدوّا كعلوّا فاعلم
المعنى: قرأ «يعقوب الحضرمي» «عدوا» من قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (سورة الأنعام آية 108).
قرأ «عدوّا» بضم العين، والدال، وتشديد الواو مثل «علوّا» وأصلها «عدوو» على وزن «فعول» فأدغمت الواو المدّية في الواو التي هي لام الكلمة.
وقرأ الباقون «عدوا» بفتح العين، وإسكان الدال، وتخفيف الواو، على وزن «فعل».
__________
(1) انظر: تاج العروس مادة «درس» ج 4/ 149.
(2/207)

والقراءتان لغتان في المصدر بمعنى واحد وهو: الاعتداء بغير علم.
قال «الراغب الأصفهاني»: «العدو»: التجاوز، ومنافاة الالتئام، فتارة يعتبر بالقلب فيقال له: العداوة، والمعاداة، وتارة بالمشي فيقال له: العدو، وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة، فيقال له: العدوان، والعدو، قال تعالى:
فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ اهـ- «1».
وقال «الزبيدي»: «عدا عليه، عدوا» بفتح العين، وسكون الدال، و «عدوّا» بضم العين، والدال، و «عداء» بفتح العين، والدال «كسحاب» و «عدوانا» بضم العين، وكسرها مع إسكان الدال: ظلمه ظلما جاوز فيه القدر اهـ- «2».
قال ابن الجزري:
وإنّها افتح عن رضى عمّ صدا ... خلف ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عن» ومدلول «رضى» ومدلول «عمّ» والصاد من «صدا» بخلف عنه، وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، ونافع، وابن عامر، وأبو جعفر، وشعبة بخلف عنه» «أنها» من قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (سورة الأنعام آية 109). قرءوا «أنّها» بفتح الهمزة.
قال «مكي بن أبي طالب» ت 437 هـ-: وحجّة من فتح الهمزة أنه جعل «أنّ» بمنزلة «لعلّ» لغة فيها على قول «الخليل بن أحمد» ت 170 هـ- حكي عن العرب: «ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا» أي لعلك. ويجوز أن يعمل فيها «يشعركم» فيفتح على المفعول به، لأن معنى «شعرت به»: «دريت» فهو في اليقين كعلمت، وتكون «لا» في قوله تعالى: لا يُؤْمِنُونَ زائدة، والتقدير:
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن مادة «عدا» ص 326.
(2) انظر: تاج العروس مادة «عدو» ج 10/ 235.
(2/208)

وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية إذا جاءتهم يؤمنون، أي أنهم لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية التي اقترحوا بها. وهذا المعنى إنما يصحّ على قراءة من قرأ «يؤمنون» بياء الغيبة، ويكون «يشعركم» خطابا للمؤمنين، والضمير في «يؤمنون» للكفار في القراءة بالياء.
ومن قرأ «تؤمنون» بالتاء فالخطاب في «يشعركم» للكفار، ويقوّي هذا المعنى قوله تعالى بعد: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ (آية 111).
و «ما» في قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ للاستفهام، وفي «يشعركم» ضمير «ما» والمعنى: وأيّ شيء يدريكم أيها المؤمنون إيمانهم إذا جاءتهم الآية، أي: لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية. ولا يحسن أن تكون «ما» نافية، لأنه يصير التقدير:
وليس يدريكم الله أنهم لا يؤمنون، وهذا مناقض، لأنه تعالى قد أدرانا أنهم لا يؤمنون بقوله تعالى بعد: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ إلى قوله: يَجْهَلُونَ اهـ- «1».
وقرأ الباقون «إنها» بكسر الهمزة، وهو الوجه الثاني «لشعبة» وذلك على الاستئناف، إخبارا عنهم بعدم الإيمان، لأنه طبع على قلوبهم.
قال ابن الجزري:
.......... ... .... وتؤمنون خاطب في كدا
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» والكاف من «كدا» وهما: «حمزة، وابن عامر» «لا يؤمنون» من قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (سورة الأنعام آية 109).
قرآ «لا تؤمنون» بتاء الخطاب، لمناسبة الخطاب في قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ وهو للكفار، وحينئذ يكون المعنى: وما يدريكم أيها الكفار المقترحون
__________
(1) انظر: الكشف عن وجوه القراءات ج 1/ 444 - 445.
(2/209)

مجيء الآية الدالّة على نبوّة نبيّ الله «محمد» صلّى الله عليه وسلّم أنها إذا جاءتكم تؤمنون، فالله سبحانه وتعالى طبع على قلوبكم، وبناء عليه تكون «لا» زائدة.
وقرأ الباقون «لا يؤمنون» بياء الغيبة، وذلك على أن الخطاب في «يشعركم» للمؤمنين، والواو في «يؤمنون» للكفار لمناسبة الغيبة في قوله تعالى قبل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها وبناء عليه يكون المعنى: وما يدريكم أيها المؤمنون أن لو أنزل الله الآية التي طلبها الكفار أنهم يؤمنون، إذا فعدم إيمانهم مقطوع به لأن الله ختم على قلوبهم.
قال ابن الجزري:
وقبلا كسرا وفتحا ضمّ حق ... كفى وفي الكهف كفى ذكرا خفق
المعنى: اختلف القراء في «قبلا» هنا، وفي سورة الكهف، من قوله تعالى:
1 - وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا (سورة الأنعام آية 111).
2 - أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (سورة الكهف آية 55).
فقرأ المرموز لهم ب «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «قبلا» في الموضعين بضم القاف، والباء، على أنه جمع «قبيل» مثل «رغيف»، و «رغف» ونصبه على الحال، والمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء فوجا فوجا، ونوعا نوعا، من سائر المخلوقات.
وقرأ المرموز لهم ب «حق» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» موضع «الأنعام» بضم القاف، والباء، وموضع «الكهف» بكسر القاف، وفتح الباء، بمعنى مقابلة، أي معاينة، ونصبه على الحال، وقيل: بمعنى ناحية، وجهة، ونصبه حينئذ على الظرفية.
وقرأ المرموز له بالذال من «ذكرا» والخاء من «خفق» وهو: «أبو جعفر» موضع «الأنعام» بكسر القاف، وفتح الباء، وموضع «الكهف» بضمّ القاف، والباء.
(2/210)

وقرأ الباقون وهم: «نافع، وابن عامر» «قبلا» في السورتين بكسر القاف، وفتح الباء.
قال ابن الجزري:
وكلمات اقصر كفى ظلّا وفي ... يونس والطّول شفا حقّا نفي
المعنى: اختلف القراء في «كلمت» في أربعة مواضع، وهي:
1 - قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا (سورة الأنعام آية 115).
2 - قوله تعالى: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (سورة يونس آية 33).
3 - قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (سورة يونس آية 96).
4 - قوله تعالى: وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (سورة غافر آية 6).
فقرأ «عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «كلمت» في المواضع الأربعة بحذف الألف التي بعد الميم، على التوحيد، والمراد بها الجنس فيشمل القليل، والكثير.
وقرأ «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «كلمت» في المواضع الأربعة بإثبات الألف التي بعد الميم، على الجمع، لأن كلمات الله تعالى متنوعة: أمرا، ونهيا، وغير ذلك.
وهي مرسومة بالتاء المفتوحة في جميع المصاحف، فمن قرأها بالجمع وقف بالتاء. ومن قرأها بالإفراد فمنهم من وقف بالتاء وهم: «عاصم، وحمزة، وخلف العاشر». ومنهم من وقف بالهاء وهما: «الكسائي، ويعقوب».
وقرأ «ابن كثير، وأبو عمرو» بالجمع في موضع «الأنعام» وبالإفراد في موضعي: «يونس» وموضع «غافر». وعلى قراءة الجمع يقفان بالتاء، وعلى قراءة الإفراد يقفان بالهاء.
(2/211)

تنبيه:
اعلم أنه لم يرد خلاف بين القراء العشرة في لفظ «كلمت» بين الإفراد والجمع في غير المواضع الأربعة التي سبق ذكرها، وذلك لأن القراءة سنة متبعة، ومبنية على التوقيف علما بأنه ورد لفظ «كلمة» في القرآن غير المواضع صاحبة الخلاف في أكثر من موضع، مثال ذلك:
1 - قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا (سورة الأعراف آية 137).
2 - قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (سورة يونس آية 19).
3 - قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (سورة هود آية 110).
4 - قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ (سورة هود آية 119).
5 - قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (سورة طه آية 129).
6 - قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (سورة فصلت آية 45).
7 - قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ (سورة الشورى آية 14).
قال ابن الجزري:
فصّل فتح الضّمّ والكسر أوى ... ثوى كفى وحرّم اتل عن ثوى
المعنى: اختلف القراء في «فصل، حرم» من قوله تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (سورة الأنعام آية 119).
فقرأ «نافع، وحفص، وأبو جعفر، ويعقوب» «فصّل» بفتح الفاء، والصاد المشددة، و «حرّم» بفتح الحاء، والراء المشددة، وذلك على بناء الفعلين للفاعل، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره «هو» يعود على «الله» المتقدم ذكره.
(2/212)

وقرأ «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «فصّل» بالبناء للفاعل، و «حرّم» بالبناء للمفعول.
وقرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر» «فصّل»، و «حرّم» ببناء الفعلين للمفعول، ونائب فاعل «فصّل» «ما» ونائب فاعل «حرّم» ضمير مستتر جوازا تقديره «هو» يعود على «ما».
قال ابن الجزري:
واضمم يضلوا مع يونس كفى ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ليضلون» هنا، «ليضلوا» في يونس، من قوله تعالى:
1 - وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ (سورة الأنعام آية 119).
2 - رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ (سورة يونس آية 88). قرءوا «ليضلون»، «ليضلوا» بضم الياء فيهما، على أنه مضارع من «أضلّ» الرباعي، والواو فاعل، والمفعول محذوف، والتقدير: ليضلوا غيرهم.
وقرأ الباقون الفعلين بفتح الياء، على أنه مضارع «ضلّ» الثلاثي، وهو فعل لازم، والواو فاعل، يقال: ضلّ فلان، وأضلّ غيره.
قال ابن الجزري:
.......... ... ضيقا معا في ضيّقا مكّ وفى
المعنى: قرأ «ابن كثير المكيّ» «ضيقا» معا هنا، وفي «الفرقان» من قوله تعالى:
1 - وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً (سورة الأنعام آية 125).
2 - وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ (سورة الفرقان آية 13).
قرأ «ضيقا» في السورتين بسكون الياء مخففة.
(2/213)

وقرأ الباقون «ضيّقا» في الموضعين بكسر الياء مشددة. والتخفيف، والتشديد لغتان بمعنى واحد مثل: «ميت، ميّت». مخففا ومشددا، والضّيق:
ضدّ السعة.
قال ابن الجزري:
را حرجا بالكسر صن مدا ...... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صن» ومدلول «مدا» وهم: «شعبة، ونافع، وأبو جعفر» «حرجا» من قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً (سورة الأنعام آية 125). قرءوا «حرجا» بكسر الراء، على وزن «دنق» على أنه صفة «ضيقا» ومعناه: الضيق.
وقرأ الباقون «حرجا» بفتح الراء، على أنه مصدر وصف به. وقيل:
الفتح على أنه جمع «حرجة» بفتح الحاء، وسكون الراء: وهو ما التفّ من الشجر.
وقد نقلت لنا الأخبار أن «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه سأل رجلا من «كنانة» راعيا، قائلا له: ما الحرجة عندكم؟ قال: الحرجة: الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليها راعية، ولا وحشيّة، ولا شيء» اهـ-.
فقال «عمر» رضي الله عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير» اهـ- «1».
وبناء عليه يكون المعنى: أن الله جلّ ذكره وصف صدر الكافر بشدّة الضيق عن وصول الموعظة إليه، ودخول الإيمان فيه، فشبّه في امتناع وصول المواعظ إليه بالحرجة، وهي الشجرة التي لا يوصل إليها لرعي ولا لغيره.
جاء في «تاج العروس»: «الحرج» بفتح الراء: المكان الضيق» «2».
__________
(1) انظر: الكشف عن وجوه القراءات ج 1/ 450.
(2) انظر: تاج العروس مادة «حرج» ج 2/ 20.
(2/214)

قال ابن الجزري:
.......... وخف ... ساكن يصعد دنا والمدّ صف
والعين خفّف صن دما ... ... .......
المعنى: اختلف القراء في «يصعد» من قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ (سورة الأنعام آية 125).
فقرأ «ابن كثير» «يصعد» بإسكان الصاد، وتخفيف العين بلا ألف، على أنه مضارع «صعد» على وزن «كتف» بمعنى: ارتفع.
شبّه الله عزّ وجلّ الكافر في نفوره عن الإيمان، وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يطاق.
وقرأ «شعبة» «يصّاعد» بتشديد الصاد، وألف بعدها وتخفيف العين، على أنه مضارع «تصاعد» وأصله «يتصاعد» أي يتعاطى الصعود، ويتكلفه، ثم أدغمت التاء في الصاد تخفيفا، لوجود التقارب بينهما في المخرج، واتفاقهما في بعض الصفات، وذلك أن التاء تخرج من طرف اللسان، مع ما يليه من أصول الثنايا العليا، والصاد تخرج من طرف اللسان، مع أطراف الثنايا السفلى، كما أنهما مشتركان في الصفات الآتية: الهمس، والشدة، والإصمات.
فهو من حيث المعنى مثل المعنى الذي في القراءة السابقة، غير أنه فيه معنى فعل شيء بعد شيء، وذلك أثقل على فاعله.
وقرأ الباقون «يصّعّد» بفتح الصاد المشددة، وحذف الألف وتشديد العين، على أنه مضارع «تصعّد» وأصله «يتصعّد» فأدغمت التاء في الصاد.
ومعنى «يتصعّد»: يتكلف ما لا يطيق شيئا بعد شيء، مثل قولك:
يتجرّع.
جاء في «المفردات»: الصعود: الذهاب في المكان العالي «1».
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن ص 280.
(2/215)

وجاء في «القاموس»: «صعد في السلم- بكسر العين كسمع- صعودا، وصعّد في الجبل» بتشديد العين، وعليه، تصعيدا: رقى.
و «الصّعود» بفتح الصاد المشددة: ضدّ الهبوط، والجمع «صعد» بضم الصاد، والعين، و «صعائد» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
.......... يحشر يا ... حفص وروح ثان يونس عيا
المعنى: اختلف القراء في «يحشرهم» هنا، وفي الموضع الثاني من سورة يونس، وهما في قوله تعالى:
1 - وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ (سورة الأنعام آية 128).
2 - وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ (سورة يونس آية 45).
فقرأ «حفص» «يحشرهم» في الموضعين بالياء التحية، على أن الفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره «هو» يعود على «ربهم» في قوله تعالى في سورة الأنعام (آية 127): لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ويعود على «الله» في قوله تعالى في سورة يونس (آية 44): إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً.
وقرأ «روح» «يحشرهم» بالياء في موضع الأنعام، و «نحشرهم» بالنون في الموضع الثاني من يونس، والفاعل ضمير مستتر تقديره «نحن» وذلك على الالتفات من الغيبة إلى التكلم.
وقرأ الباقون «نحشرهم» بالنون في الموضعين، وقد سبق توجيه ذلك.

تنبيهان:
الأول:
«نحشرهم» من قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ الموضع الأول من سورة «يونس»
__________
(1) انظر: القاموس المحيط مادة «صعد» ج 1/ 318.
(2/216)

(آية 28). اتفق القراء العشرة على قراءته «نحشرهم» بالنون، كي يتفق مع قوله تعالى بعد: ثُمَّ نَقُولُ، ...... فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ.

التنبيه الثاني:
«يحشرهم» من قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ (سورة الفرقان آية 17) سيذكر الناظم رحمه الله تعالى خلاف القراء فيه في سورة الفرقان.
قال ابن الجزري:
خطاب عمّا يعملوا كم هود مع ... نمل إذ ثوى عد كس ..........
المعنى: اختلف القراء في لفظ «يعملون» الذي قبله «عمّا» هنا، أي الأنعام وفي سورة «هود» وفي سورة «النمل» من قوله تعالى:
1 - وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (سورة الأنعام آية 132).
2 - فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سورة هود آية 123).
3 - سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سورة النمل آية 93).
فقرأ «ابن عامر» «تعملون» بتاء الخطاب في المواضع الثلاثة، وجه الخطاب في موضع «الأنعام» مناسبة الخطاب في قوله تعالى قبل: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا (سورة الأنعام آية 130). ووجه الخطاب في موضع «هود» مناسبة الخطاب قبل في قوله تعالى: وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (سورة هود آية 122).
ووجه الخطاب في موضع «النمل» مناسبة الخطاب قبل في نفس الآية سَيُرِيكُمْ آياتِهِ.
وقرأ «نافع، وحفص، وأبو جعفر، ويعقوب» «يعملون» بالغيبة في موضع الأنعام فقط، و «تعملون» بتاء الخطاب في موضعي «هود، والنمل» وسيأتي توجيه قراءة الغيبة في الأنعام.
(2/217)

وقرأ الباقون وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يعملون» بياء الغيبة في المواضع الثلاثة.
وجه الغيبة في موضع «الأنعام» مناسبة الغيبة في قوله تعالى قبل في نفس الآية: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا. ووجه الغيبة في «هود، والنمل» الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.

تنبيه:
«تعملون» من قوله تعالى: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سورة سبأ آية 25). اتفق القراء العشرة على قراءته بتاء الخطاب، لمناسبة الخطاب في قوله تعالى أوّل الآية: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... مكانات جمع
في الكلّ صف .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صف» وهو: «شعبة» «مكانتكم»، و «مكانتهم» بالجمع حيثما وقعا في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:
1 - قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ (سورة الأنعام آية 135).
2 - وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (سورة هود آية 121).
3 - قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (سورة الزمر آية 39).
4 - وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ (سورة يس آية 67). وجه قراءة الجمع أنها جمع «مكانة» وهي الحالة التي هم عليها، ولما كانوا على أحوال مختلفة من أمرهم جمعت لاختلاف الأنواع.
وقرأ الباقون «مكانتكم»، و «مكانتهم» حيثما وقعا بالإفراد، وهي مصدر يدلّ على القليل والكثير من صنفه من غير جمع. وأصل المصدر ألّا يثنى ولا يجمع مثل الفعل.
(2/218)

والفعل مأخوذ من المصدر، فكما أن الفعل لا يثنى ولا يجمع، فكذلك المصدر، إلّا إذا اختلفت أنواعه فحينئذ يشابه المفعول فيجوز جمعه، وعلى ذلك جاءت قراءة «شعبة».
قال ابن الجزري:
....... ومن يكون كالقصص ... شفا ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يكون» في الموضعين: هنا، والقصص بياء التذكير، وهما في قوله تعالى:
1 - فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ (سورة الأنعام آية 135).
2 - وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ (سورة القصص آية 37). وجه قراءة التذكير أن «عاقبة» تأنيثها غير حقيقي. لأنها لا ذكر لها من لفظها.
وقرأ الباقون «تكون» في الموضعين بتاء التأنيث، لتأنيث لفظ «عاقبة».
قال ابن الجزري:
.......... ... ...... بزعمهم معا ضمّ رمص
المعنى: قرأ المرموز له بالراء من «رمص» وهو: «الكسائي» «بزعمهم» معا بضمّ الزاي، لغة «بني سعد» وهما في قوله تعالى:
1 - فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا (سورة الأنعام آية 136).
2 - وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ (سورة الأنعام آية 138).
وقرأ الباقون بفتح الزاي في الموضعين أيضا، لغة «أهل الحجاز».
جاء في «المفردات»: الزّعم حكاية قول يكون مظنة للكذب» «1».
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن مادة «زعم» ص 213.
(2/219)

وجاء في «القاموس»: «الزّعم» مثلثة: القول الحق، والباطل، والكذب، ضدّ، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
زيّن ضمّ اكسر وقتل الرّفع كر ... أولاد نصب شركائهم بجر
رفع كدا .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كر»، «كدا» وهو: «ابن عامر» وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (سورة الأنعام آية 137) بضمّ الزاي من «زيّن» وكسر الياء بالبناء للمفعول، و «قتل» برفع اللام، نائب فاعل «زيّن» و «أولادهم» بالنصب مفعول للمصدر وهو «قتل» و «شركائهم» بالخفض، على إضافة «قتل» إليه، وهي من إضافة المصدر إلى فاعله.
وقرأ الباقون «زيّن» بفتح الزاي، والياء مبنيا للفاعل، و «قتل» بنصب اللام مفعول به، و «أولادهم» بالخفض على الإضافة إلى المصدر، و «شركاؤهم» بالرفع فاعل «زيّن». والمعنى: زيّن لكثير من المشركين شركاؤهم قتل أولادهم تقرّبا لآلهتهم، أو بالوأد خوف العار، أو الفقر.

مهمة:
طعن بعض القاصرين في قراءة «ابن عامر» بحجة أنه لا يجوز الفصل بين المتضايفين إلّا بالظرف وفي الشعر خاصة، لأنهما كالكلمة الواحدة.
وأقول لهؤلاء الجاحدين: هذا الكلام لا قيمة له، واعتراض لا وجه له، لأنه ورد من لسان العرب ما يشهد لصحة قراءة «ابن عامر» نثرا، ونظما: فقد نقل بعض الأئمة الفضل بالجملة فضلا عن المفرد في قولهم: «غلام إن شاء الله أخيك». وقال عليه الصلاة، والسلام- وهو أفصح العرب على الإطلاق-:
«فهل أنتم تاركوا إلي صاحبي» ففصل بالجارّ والمجرور. ومن الشعر قول «الأخفش سعيد بن مسعدة ت 215 هـ-: «فزججتها بمزجّة زجّ القلوص أبي
__________
(1) انظر: القاموس مادة «زعم» ج 4/ 126.
(2/220)

مزادة». أي زجّ أبي مزادة القلوص، فالقلوص مفعول به للمصدر، وفصل به بين المضافين وهو غير ظرف.
وهذه القضية تصدّى لها الكثيرون من العلماء المخلصين بالدفاع عنها بالبراهين القاطعة التي لا تدع مجالا للشك، فلا داعي للإطناب، وخير الكلام ما قلّ ودلّ.
وأقول لكل من ينكر هذه القراءة: قراءة «ابن عامر» صحيحة، وثابتة بطريق التواتر حتى وصلت إلينا وقد تلقيتها والحمد لله عن مشايخي بطريق صحيح، ولقّيتها أيضا
أبنائي، وهي أيضا موافقة لرسم المصحف الشامي، ولقواعد اللغة العربية نثرا ونظما. والله أعلم.
قال ابن الجزري:
..... أنّث يكن لي الخلف ما ... صب ثق وميتة كسا ثنا دما
والثّان كم ثنّى ....... ... ..........
المعنى: اختلف القراء «يكن ميتة» من قوله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ (سورة الأنعام آية 139). و «يكون ميتة» من قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً (سورة الأنعام آية 145).
فقرأ «ابن ذكوان، وأبو جعفر، وهشام بخلف عنه» «تكن» بالتاء على تأنيث الفعل، و «ميتة» بالرفع، و «أبو جعفر» على قاعدته في تشديد ياء «ميتة».
ووجه هذه القراءة أن تأنيث «تكن» لتأنيث لفظ «ميتة» و «يكن» تامّة بمعنى حدث ووقع، وهي تحتاج إلى فاعل فقط ف «ميتة» فاعل «تكن».
وقرأ «هشام» في وجه الثاني، و «ابن كثير» «يكن» بالياء على التذكير، و «ميتة» بالرفع. ووجه هذه القراءة أن «يكن» تامّة تحتاج إلى فاعل، و «ميتة» فاعل، وذكر الفعل لأن تأنيث «ميتة» غير حقيقي.
وقرأ «شعبة» «تكن» بالتأنيث، و «ميتة» بالنصب. ووجه هذه القراءة أن
(2/221)

«تكن» ناقصة تحتاج إلى اسم وخبر، واسمها ضمير يعود على «ما» وأنّث «تكن لتأنيث معنى «ما» لأنها هي «الميتة» في المعنى، و «ميتة» خبر «تكن».
وقرأ «نافع، وأبو عمرو، وحفص، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «يكن» بالياء على التذكير، و «ميتة» بالنصب.
ووجه هذه القراءة أن تذكير الفعل لتذكير «ما» في قوله تعالى قبل:
وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا. (سورة الأنعام آية 139). واسم «يكن» ضمير مستتر يعود على «ما» ونصب «ميتة» على أنها خبر «يكن».
والتقدير: وإن يكن ما في بطون الأنعام ميتة فهم في أكله شركاء.
أمّا «يكون ميتة» فقد تكلم الناظم على تذكير وتأنيث «يكون» في قوله:
يكون إذ حما نفا ... روى ..........
وتكلم على رفع «ميتة» في قوله:
وميتة كسا ثنا دما ... والثان كم ثنّى ..........
ويتلخّص من ذلك القراءات الآتية:
أولا: قرأ «ابن عامر، وأبو جعفر» «تكون» بالتاء على تأنيث الفعل، و «ميتة» بالرفع، وأبو «جعفر» على قاعدته في تشديد ياء «ميتة». ووجه هذه القراءة أن «تكون» تامة، و «ميتة» فاعل، وأنث «تكون» لتأنيث لفظ «ميتة».
ثانيا: قرأ «نافع، وأبو عمرو، وعاصم، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «يكون» بالياء على التذكير، و «ميتة» بالنصب.
ووجه هذه القراءة أن اسم «يكون» ضمير تقديره «هو» والمراد به «الموجود»، والتقدير: قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إليّ محرّما على طاعم يطعمه إلا أن يكون الموجود ميتة أو دما مسفوحا فإنه رجس، والموجود مذكّر، فذكّر الفعل وهو «يكون» و «ميتة» خبر «يكون».
(2/222)

ثالثا: قرأ «ابن كثير، وحمزة» «تكون» بالتاء على تأنيث الفعل، و «ميتة» بالنصب خبر «تكون».
قال ابن الجزري:
.......... حصاد افتح كلا ... حما نما ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كلا» ومدلول «حما» والنون من «نما» وهم: «ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب، وعاصم» «حصاده» من قوله تعالى:
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ (سورة الأنعام آية 141). قرءوا بفتح الحاء.
وقرأ الباقون بكسر الحاء، والفتح والكسر لغتان في مصدر «حصد».
قال «ابن عباس» رضي الله عنهما في معنى قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ: يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله» اهـ- «1».
وقال «الراغب الأصفهاني»: «أصل الحصد قطع الزرع زمن الحصاد، بفتح الحاء وكسرها، كقولك زمن الجذاذ بفتح الجيم وكسرها» اهـ- «2».
وجاء في «القاموس»: «حصد الزرع والنبات» «يحصده» بكسر الصاد، وبضمها «حصدا، وحصادا» بفتح الحاء، وبكسرها: قطعه «بالمنجل» بكسر الميم، وفتح الجيم كاحتصده، وهو حاصد، من «حصد» و «حصاد» اه- «3».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... والمعز حرّك حقّ لا
خلف منى .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «حقّ» واللام من «لا» بخلف عنه، والميم من
__________
(1) انظر: مختصر تفسير ابن كثير ج 1/ 624.
(2) انظر: المفردات في غريب القرآن ص 120.
(3) انظر: القاموس المحيط مادة «حصد» ج 1/ 298.
(2/223)

«منى» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن ذكوان، وهشام بخلف عنه» «المعز» من قوله تعالى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ (سورة الأنعام آية 143). قرءوا «المعز» بفتح العين، على أنه جمع «ماعز» نحو «حارس، وحرس» و «خادم، وخدم».
وقرأ الباقون «المعز» بإسكان العين، وهو الوجه الثاني «لهشام» على أنه جمع «ماعز» أيضا نحو: «صاحب، وصحب». من هذا يتبين أنهما بمعنى واحد، والمعز: جماعة المعز.
قال ابن الجزري:
.......... ... تذكّرون صحب خفّفا
كلّا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء العشرة في تخفيف الذال، وتشديدها من لفظ «تذكرون» إذا كان بالتاء، وكان أصله «تتذكرون» بتاءين حيثما وقع في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (سورة الأنعام آية 152).
فقرأ المرموز لهم ب «صحب» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تذكرون» حيثما وقع هذا الفعل بتخفيف الذال، وذلك على حذف إحدى التاءين تخفيفا، لأن الأصل «تتذكرون».
وقرأ الباقون جميع ألفاظ «تذكرون» بتشديد الذال، وذلك على إدغام التاء في الذال، لتقاربهما في المخرج، إذ التاء تخرج من طرف اللسان مع ما يليه من أصول الثنايا العليا، والذال تخرج من طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا، والحرفان متفقان في الصفات الآتية: الاستفال، والانفتاح، والإصمات.
قال ابن الجزري:
... وأن كم ظنّ واكسرها شفا ... ..........
(2/224)

المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «أن» والكاف من «كم» «وأن» من قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ (سورة الأنعام آية 153) بفتح الهمزة، وتخفيف النون، على أنّ «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وقبل «أن» لام مقدرة، و «هذا» مبتدأ، و «صراطي» خبر، والجملة من المبتدإ والخبر خبر «أن».
وقرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «وإنّ» بكسر الهمزة، وتشديد النون، فكسر الهمزة على الاستئناف، و «هذا» اسم «إنّ» و «صراطي» خبرها، و «مستقيما» صفة.
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر» «وأنّ» بفتح الهمزة، وتشديد النون، وذلك على تقدير اللام، أي ولأنّ هذا الخ، و «هذا» اسم «أنّ» و «صراطي» خبرها، و «مستقيما» صفة.
قال ابن الجزري:
.......... ... يأتيهم كالنّحل عنهم وصفا
المعنى: قرأ مدلول «شفا» الذين عاد عليهم الضمير في «عنهم» وهم:
«حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تأتيهم» من قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ (سورة الأنعام آية 158). ومن قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ (سورة النحل آية 33). قرءوا «يأتيهم» في الموضعين بالياء على تذكير الفعل.
وقرأ الباقون «تأتيهم» في الموضعين أيضا بالتاء، على تأنيث الفعل، وجاز تذكير الفعل وتأنيثه، لأن الفاعل وهو «الملائكة» جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز في فعله التذكير والتأنيث.
قال ابن الجزري:
وفرّقوا امدده وخفّفه معا ... رضى ..........
(2/225)

المعنى: قرأ المرموز لهما ب «رضى» وهما: «حمزة، والكسائي» «فرقوا» هنا، وفي الروم، من قوله تعالى:
1 - إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (سورة الأنعام آية 159).
2 - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً (سورة الروم آية 32).
قرآ «فارقوا» بألف بعد الفاء، وتخفيف الراء، على أنه فعل ماض، من «المفارقة» وهي «الترك». والمعنى: أنهم تركوا دينهم القيّم، وكفروا به.
وقرأ الباقون «فرّقوا» في الموضعين بغير ألف، وتشديد الراء، على أنه فعل ماض، مضعّف العين، من «التفريق» على معنى: أنهم فرّقوا دينهم فآمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض الآخر ومن كان هذا شأنه فقد ترك الدين القيّم. من هذا يتبيّن أن القراءتين متقاربتان في المعنى.
قال ابن الجزري:
.......... ... .... وعشر نوّنن بعد ارفعا
خفضا ليعقوب .......... ... ..........
المعنى: قرأ «يعقوب» «عشر أمثالها» من قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (سورة الأنعام آية 160) بتنوين «عشر» و «أمثالها» بالرفع، على أن «عشر» مبتدأ مؤخر، خبره الجار والمجرور قبله، و «أمثالها» صفة لعشر.
وقرأ الباقون «عشر» بدون تنوين، و «أمثالها» بالخفض، على أن «عشر» مبتدأ مؤخر، خبره الجار والمجرور قبله، و «عشر» مضاف، و «أمثال» مضاف إليه، و «أمثال» مضاف، والهاء مضاف إليه.
قال ابن الجزري:
.......... ودينا قيّما ... فافتحه مع كسر بثقله سما
(2/226)

المعنى: قرأ المرموز لهم ب «سما» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» «دينا قيما» من قوله تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (سورة الأنعام آية 161). قرءوا «قيّما» بفتح القاف، وكسر الياء مشدّدة، على أنها صفة ل «دينا» و «قيّم» على وزن «فيعل» أصلها «قيوم» فاجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.
وقرأ الباقون «قيما» بكسر القاف، وفتح الياء مخففة، على وزن «شبع» على أنها صفة ل «دينا» و «قيما» مصدر «قام» وأصله «قوم» فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة التي قبلها فأصبحت «قيم» وكان القياس ألا تعلّ، كما لم تعلّ «عوض، وحول، من هذا يتبين أن إعلال «قيم» جاء على غير قياس.
(والله أعلم) تمّت سورة الأنعام ولله الحمد والشكر
(2/227)

سورة الأعراف
قال ابن الجزري:
تذكّرون الغيب زد من قبل كم ... والخفّ كن صحبا ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم»، من «كن» وهو: «ابن عامر» «تذكرون» من قوله تعالى: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (سورة الأعراف آية 3).
قرأ «يتذكرون» بياء قبل التاء على الغيبة، مع تخفيف الذال، وجه الغيبة:
أنها على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة. وقراءة «ابن عامر» موافقة لرسم المصحف الشامي حيث كتبت هكذا «يتذكرون» «1».
ووجه التخفيف أنه مضارع «تذكر يتذكر» فجاء على الأصل.
وقرأ المرموز لهم ب «صحبا» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تذكرون» بحذف التاء، وتخفيف الذال. وجه حذف التاء:
التخفيف، ووجه تخفيف الذال مجيئة على الأصل.
وقرأ الباقون «تذّكرون» بتشديد الذال، لأن أصل الفعل «تتذكرون» الأولى تاء الخطاب، والثانية تاء المضارعة، ثم أدغمت تاء المضارعة في الذال، لوجود التقارب بينهما في المخرج: إذ التاء تخرج من طرف اللسان مع ما يليه من أصول الثنايا العليا، والذال تخرج من طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا، كما أنهما مشتركان في الصفات الآتية: الاستفال، والانفتاح، والاصمات. ووجه الخطاب أنه جاء على نسق السياق، إذ قبله قوله تعالى: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وتخرجون ضم
__________
(1) قال ابن عاشر:
من سورة الأعراف حتى مريم ... تذكرون الشام ياء قدّما
(2/229)

فافتح وضمّ الرا شفا ظلّ ملا ... وزخرف منّ شفا وأوّلا
روم شفا من خلفه الجاثية ... شفا ..........
المعنى: اختلف القراء في «تخرجون»، و «لا يخرجون»:
أمّا «تخرجون» ففي ثلاثة مواضع وهي:
1 - قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (سورة الأعراف آية 25).
2 - وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (سورة الروم آية 19).
3 - فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (سورة الزخرف آية 11).
وأمّا «لا يخرجون» ففي موضع واحد وهو قوله تعالى: فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (سورة الجاثية آية 35).
فقرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تخرجون» في المواضع الثلاثة، بفتح التاء، وضمّ الراء، على البناء للفاعل، ومثلهن في الحكم «لا يخرجون».
وقرأ «ابن ذكوان» موضع الأعراف، وموضع الزخرف، بالبناء للفاعل، وموضع الجاثية بالبناء للمفعول. واختلف عنه في الموضع الأول من الروم فقرأه بوجهين: بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول.
وقرأ الباقون المواضع الأربعة بالبناء للمفعول.

تنبيه:
قوله تعالى: ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ الموضع الثاني من سورة الروم (آية 25). وقوله تعالى: خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ (سورة القمر آية 7). وقوله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ (سورة الحشر آية 12). وقوله تعالى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً (سورة المعارج آية 43). اتفق القراء العشرة على قراءة الأفعال الأربعة بالبناء للفاعل، لأن القراءة سنة متبعة ومبنيّة على التوقيف.
(2/230)

قال ابن الجزري:
.......... ... ..... ولباس الرّفع نل حقّا فتى
المعنى: قرأ المرموز له بالنون من «نل» و «حقّا»، و «فتى» وهم: «عاصم، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، وخلف العاشر» وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ (سورة الأعراف آية 26) برفع السين على أنّ «ولباس» مبتدأ، و «التقوى» مضاف إليه، كما أضيف إلى «الجوع» في قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (سورة النحل آية 112). و «ذلك» مبتدأ ثان، و «خير» خبر، والجملة من المبتدإ الثاني وخبره خبر الأول، والرابط اسم الإشارة.
والمعنى: لباس التقوى عند الله تعالى خير من لباس الثياب، والرّياش الذي يتجمل به في الدنيا.
وقرأ الباقون «ولباس» بنصب السين، عطفا على «لباسا» في قوله تعالى:
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً والمعنى: أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا، وأنزلنا لباس التقوى.
قال ابن الجزري:
خالصة إذ .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «إذ» وهو: «نافع» «خالصة» من قوله تعالى: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ (سورة الأعراف آية 32) برفع «التاء» على أنّ «خالصة» خبر «هي» و «للذين ءامنوا» متعلق ب «خالصة».
ويجوز أن يكون «خالصة» خبرا ثانيا ل «هي» و «للذين ءامنوا» إلخ خبر أول. والمعنى: قل: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة بين جميع بني آدم، وهي أي الزينة خالصة للمؤمنين يوم القيامة.
وقرأ الباقون «خالصة» بالنصب على الحال من المضمر في «للذين»
(2/231)

والعامل في الحال «الاستقرار، والثبات» الذي قام «للذين ءامنوا» مقامه.
فالظروف، وحروف الجرّ والمجرور، تعمل في «الحال» إذا كانت اخبارا عن المبتدإ، لأنّ فيها ضميرا يعود على المبتدإ، ولأنها قامت مقام محذوف جار على الفعل، هو العامل في الحقيقة، وهو الذي فيه الضمير على الحقيقة.
قال «ابن مالك»:
وأخبروا بظرف أو بحرف جرّ ... ناوين معنى كائن أو استقرّ
والمعنى: قل هي أي الزينة مشتركة بين المؤمنين وغيرهم في الحياة الدنيا، حالة كونها خالصة لهم يوم القيامة.
قال ابن الجزري:
.... يعلموا الرابع صف ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صف» وهو: «شعبة» «لا تعلمون» الموضع الرابع في هذه السورة، وهو في قوله تعالى: قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (سورة الأعراف آية 38).
قرأ «لا يعلمون» بياء الغيبة، لمناسبة لفظ «كلّ» فلفظه لفظ غائب.
وقرأ الباقون «لا تعلمون» بتاء الخطاب، حملا على معنى ما قبله من الخطاب، لأن قبله: «قال لكل ضعف» أي لكلكم ضعف، فحمل «لا تعلمون» على معنى «كل» في الخطاب.
المعنى: هذا إخبار من الله تعالى عن محاورة الملل الكافرة في النار يوم القيامة المشار إليها بقوله تعالى قبل: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ (سورة الأعراف، آية 38) فيجيبهم الله تعالى بقوله: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ.

تنبيه:
قوله تعالى: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (سورة الأعراف
(2/232)

آية 28). وقوله تعالى: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (سورة الأعراف آية 32). وقوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (سورة الأعراف آية 33). اتفق القراء العشرة على قراءة الموضع الأول، والثالث بتاء الخطاب، والموضع الثاني بياء الغيبة، وحينئذ يكون لا خلاف في هذه المواضع الثلاثة.
قال ابن الجزري:
.......... ... يفتح في روى وحز شفا يخف
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» ومدلول «روى» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «لا تفتح» من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ (سورة الأعراف آية 40). قرءوا «لا يفتح» بياء التذكير، وسكون الفاء، وفتح التاء مخففة، على أنه مضارع «فتح» الثلاثي مبنيا للمجهول، و «أبواب» نائب فاعل، وذكّر الفعل لأن تأنيث «أبواب» غير حقيقي، وللفصل بين الفعل ونائب الفاعل بالجارّ والمجرور.
وقرأ المرموز له بالحاء «من «حز» وهو: «أبو عمرو» «لا تفتح» بتاء التأنيث، وسكون الفاء، وفتح التاء مخففة، على أنه مضارع «فتح» الثلاثي مبنيا للمجهول، و «أبواب» نائب فاعل، وأنّث الفعل لتأنيث «أبواب».
وقرأ الباقون «لا تفتّح» بتاء التأنيث، وفتح الفاء، وتشديد التاء، على أنه مضارع «فتّح» مضعّف عين الكلمة، على معنى التكرير، والتكثير مرّة بعد أخرى.
قال ابن الجزري:
واو وما احذف كم .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» وهو: «ابن عامر» «وما كنّا» من قوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ (سورة الأعراف آية 43). «ما كنّا» بحذف الواو، على أن قوله تعالى: ما كُنَّا
(2/233)

لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ موضح ومبين لقوله تعالى قبل: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا. وقراءة «ابن عامر» موافقة لرسم مصحف أهل الشام «1».
وقرأ باقي القراء «وما كنا» بإثبات الواو، على الاستئناف، أو الحال، والمعنى: قال المؤمنون حين أدخلهم الله الجنة، ورأوا الذي ابتلي به أهل النار بسبب كفرهم بربهم، وتكذيبهم رسله: «الحمد لله الذي هدنا لهذا» والحال أننا كنا لن نهتدي لولا هداية الله لنا. وهذه القراءة موافقة لرسم بقيّة المصاحف العثمانية.
قال ابن الجزري:
.......... نعم كلّا كسر ... عينا رجا ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالراء من «رجا» وهو: «الكسائي» «نعم» حيثما وقع في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى:
1 - فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ (سورة الأعراف آية 44).
2 - قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (سورة الأعراف آية 114).
3 - قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (سورة الشعراء آية 42).
4 - قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (سورة الصافات آية 18).
قرأ الكسائي «نعم» حيثما وقع في القرآن الكريم بكسر العين، وهو لغة «كنانة، وهذيل».
وقرأ الباقون «نعم» بفتح النون على الأصل، وهو لغة معظم العرب.
و «نعم» حرف تصديق، ووعد، وإعلام.
__________
(1) قال ابن عاشر:
واو وما كنّا له أبينا ... بعكس قال بعد مفسدينا
(2/234)

قال ابن الجزري:
.......... ... .... أن خفّ نل حما زهر
خلف اتل لعنة لهم ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالنون من «نل» و «حما» والزاي من «زهر» بخلف عنه، والألف من «اتل» وهم: «عاصم، وأبو عمرو، ويعقوب، ونافع، وقنبل» في أحد وجهيه «أن لعنة» من قوله تعالى: أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (سورة الأعراف آية 44). قرءوا «أن» بإسكان النون مخففة، ورفع «لعنة» على أنّ «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و «لعنة» مبتدأ، و «الله» مضاف إليه، و «على الظالمين» متعلق بمحذوف خبر المبتدإ، والجملة من المبتدإ وخبره خبر «أن» المخففة.
وقرأ الباقون «أنّ» بتشديد النون، ونصب «لعنة» وهو الوجه الثاني ل «قنبل».
ووجه هذه القراءة أنّ «لعنة» اسم «أنّ» المشددة، و «الله» مضاف إليه، و «على الظلمين» متعلق بمحذوف في محلّ رفع خبر «أنّ» المشددة.

مهمة:
إذا خففت «أنّ» مفتوحة الهمزة بقيت على ما كان لها من العمل وهو نصب اسمها، ورفع خبرها، كما قال «ابن مالك»:
وإن تخفّف أنّ فاسمها استكن ... والخبر اجعل جملة من بعد أن
وقد اختلف النحاة في اسم «أن» المخففة: فذهب جمهور النحاة إلى أنّ اسمها يجب أن يكون محذوفا. وذهب بعضهم إلى أن اسمها يكون محذوفا بشرط أن يكون ضمير الشأن، وقد يبرز اسمها وهو ضمير الشأن، كقول الشاعر:
فلو أنك يوم الرخاء سألتني ... طلاقك لم أبخل وأنت صديق
«1»
__________
(1) أنك: بكسر كاف الخطاب، لأن المخاطبة أنثى بدليل ما بعده، والتاء في «سألتني» مكسورة أيضا.
(2/235)

ومحلّ الشاهد في هذا البيت قول الشاعر: «أنك» حيث خفف «أن» مفتوحة الهمزة، وبرز اسمها وهو «الكاف» وذلك قليل. واعلم أن الاسم إذا كان محذوفا- سواء كان ضمير شأن، أو غيره- فإن الخبر يجب أن يكون جملة.
أمّا إذا كان الاسم مذكورا كما في البيت المتقدم، فإنه لا يجب في الخبر أن يكون جملة، بل يكون جملة كما في البيت المتقدم، ويكون مفردا، وقد اجتمع- مع ذكر الاسم- الخبر المفرد، والجملة في قول «جنوب بنت عجلان» ترثي أخاها «عمرو بن عجلان»:
لقد علم الضيف والمرملون ... إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا
بأنك ربيع وغيث مريع ... وأنك هناك تكون الثمالا
حيث خفّفت «أن» وذكرت اسمها مرّتين: في الأولى مفردا وهو قولها:
«بأنّك ربيع» وفي الثانية جملة وهو قولها: «وأنّك هناك تكون الثمالا».
قال ابن الجزري:
.......... يغشى معا ... شدّد ظما صحبة ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظما» ومدلول «صحبة» وهم: «يعقوب، وشعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يغشي» معا من قوله تعالى:
1 - يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً (سورة الأعراف آية 54).
2 - يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (سورة الرعد آية 3).
قرءوا «يغشّي» في الموضعين بفتح الغين، وتشديد الشين، على أنه مضارع «غشى» مضعف العين.
وقرأ الباقون «يغشي» بإسكان الغين، وتخفيف الشين، مضارع «أغشى» المزيد بالهمزة. والغشاء: الغطاء، وزنا ومعنى. والغشاوة بالكسر الغطاء أيضا، وغشي الليل، من باب «تعب» وأغشى بالألف: أظلم.
(2/236)

قال ابن الجزري:
.......... ... .......... والشّمس ارفعا
كالنّحل مع عطف الثّلاث كم وثم ... معه في الآخرين عد ..........
المعنى: اختلف القراء في وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ هنا في سورة الأعراف (آية 54)، وفي سورة النحل (آية 12).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» وهو: «ابن عامر» برفع الأسماء الأربعة في السورتين، على أن «والشمس» مبتدأ، «والقمر والنجوم» معطوفان عليه، و «مسخرات» خبر المبتدإ.
وقرأ المرموز له بالعين من «عد» وهو: «حفص» بنصب الاسمين الأولين:
«والشمس والقمر» ورفع الاسمين الأخيرين: «والنجوم مسخرات» في سورة «النحل» فقط: فنصب الاسمين على أنهما معطوفان على «الليل» لأنه في محلّ نصب مفعول له «سخر» ورفع «والنجوم» على الابتداء، و «مسخرات» خبر.
أما في سورة الأعراف فقرأ «حفص» بنصب الأسماء الأربعة، على أنّ «والشمس والقمر والنجوم» معطوفة على «السموات» الواقعة مفعولا إلى «خلق» و «مسخرات» حال من هذه المفاعيل منصوبة بالكسرة.
وقرأ الباقون بنصب الأسماء الأربعة في السورتين.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... نشرا لضم
فافتح شفا كلّا وساكنا سما ... ضمّ وبا نل ..........
المعنى: اختلف القراء في «بشرا» حيثما وقع في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:
1 - وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (سورة الأعراف آية 57).
2 - وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (سورة الفرقان آية 48).
(2/237)

3 - وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (سورة النمل آية 63).
فقرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «نشرا» في جميع المواضع بالنون المفتوحة، وإسكان الشين، على أنه مصدر «نشرا» أعمل فيه معنى ما قبله، وحينئذ يكون المعنى: وهو الذي نشر الرياح نشرا، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال من «الرياح».
وحينئذ يكون المعنى: وهو الذي يرسل الرياح محيية للأرض، كما تقول:
«أتانا ركضا» أي «راكضا». ويجوز أن يكون المصدر يراد به المفعول، كقولهم:
«هذا درهم ضرب الأمير» أي مضروبه، وكقوله تعالى: هذا خَلْقُ اللَّهِ (سورة لقمان آية 11) أي مخلوقه، وحينئذ يكون المعنى: وهو الذي يرسل الرياح منشرة.
وقرأ المرموز لهم ب «سما» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» «نشرا» بضم النون، والشين، على أنه جمع «نشور» بمعنى «ناشر» و «ناشر» معناه: محيي، مثل «طهور» بمعنى «طاهر» فالله تعالى جعل الرياح ناشرة للأرض، أي محيية لها، إذ تأتي بالمطر الذي يكون النبات به.
ويجوز أن يكون «نشرا» جمع «نشور» بمعنى «منشور» مثل: «ركوب» بمعنى «مركوب»، و «حلوب» بمعنى «محلوب». ويجوز أن يكون «نشرا» جمع «ناشر» مثل «شهد» جمع «شاهد» وذلك لأن الريح ناشرة للأرض، أي محيية لها بما تسوق من المطر.
وقرأ المرموز له بالنون من «نل» وهو: «عاصم» «بشرا» بالباء الموحدة من أسفل المضمومة، وإسكان الشين، جمع «بشير» إذ الرياح تبشر بالمطر، كما قال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ (سورة الروم آية 46).
وقرأ «ابن عامر» «نشرا» بضم النون، وإسكان الشين، وتوجيه هذه القراءة كتوجيه قراءة «نافع» ومن معه، إلا أن إسكان الشين للتخفيف، والضمّ هو الأصل.
(2/238)

قال ابن الجزري:
.......... ... .......... نكدا فافتح ثما
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثما» وهو: «أبو جعفر» «نكدا» من قوله تعالى: وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً (سورة الأعراف آية 58) بفتح الكاف، على أنه مصدر بمعنى: ذا نكدا.
وقرأ الباقون «نكدا» بكسر الكاف، على الحال. يقال: «نكد عيشه» «كفرح»: اشتدّ، وعسر. والنكد: كل شيء خرج إلى طلبه بتعسّر.
قال ابن الجزري:
ورا إله غيره اخفض حيث جا ... رفعا ثنا رد ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثنا» والراء من «رد» وهما: «أبو جعفر، والكسائي» «من إله غيره» حيثما وقع في القرآن الكريم بخفض الراء، وكسر الهاء، نحو قوله تعالى:
1 - فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (سورة الأعراف آية 59).
2 - قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (سورة الأعراف آية 65).
3 - قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (سورة الأعراف آية 73).
4 - قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (سورة الأعراف آية 85).
5 - قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (سورة هود آية 50).
6 - قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (سورة هود آية 61).
7 - قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (سورة هود آية 84).
8 - فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (سورة المؤمنون آية 23).
9 - أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (سورة المؤمنون آية 32).
وجه قراءة «أبي جعفر، والكسائي» أنها على النعت، أو البدل من «إله» لفظا.
(2/239)

وقرأ الباقون «غيره» برفع الهاء، وضم الهاء، على النعت، أو البدل من «إله» محلّا، لأن «من» زائدة، و «إله» مبتدأ.
قال «ابن هشام» ت 761 هـ-: «غير» اسم ملازم للإضافة في المعنى، ويجوز أن يقطع عنها لفظا إن فهم المعنى، وتقدمت عليها كلمة «ليس» وقولهم:
«لا غير» لحن، ويقال: «قبضت عشرة ليس غيرها» برفع «غير» على حذف الخبر، أي «مقبوضا» وبنصبها على إضمار «الاسم» أي ليس المقبوض غيرها. ثم قال: ولا تتصرف «غير» بالإضافة لشدة إبهامها. وتستعمل «غير» المضافة لفظا على وجهين:
أحدهما: وهو الأصل: أن تكون صفة للنكرة نحو قوله تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ (سورة فاطر آية 37) أو صفة لمعرفة قريبة من النكرة، نحو قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (سورة الفاتحة آية 7).
والثاني: أن تكون استثناء فتعرب بإعراب الاسم التالي «إلّا» في ذلك الكلام فتقول: «جاء القوم غير زيد» بالنصب، و «ما جاء زيد غير زيد» بالنصب والرفع.
قال «ابن مالك»:
واستثن مجرورا بغير معربا ... بما لمستثنى بإلّا نسبا
«1» قال ابن الجزري:
.......... ... .......... أبلغ الخفّ حجا
كلّا .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالحاء من «حجا» وهو: «أبو عمرو» «أبلغكم» حيثما
__________
(1) انظر: المغني لابن هشام ص 210.
(2/240)

وقع في القرآن الكريم بسكون الباء، وتخفيف اللام، مضارع «أبلغ»، نحو قوله تعالى:
1 - أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ (سورة الأعراف آية 62).
2 - أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (سورة الأعراف آية 68).
3 - قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ (سورة الأحقاف آية 23).
وقرأ الباقون «أبلّغكم» حيثما وقع أيضا بفتح الباء، وتشديد اللام، على أنه مضارع «بلّغ» مضعف العين، ومنه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (سورة المائدة آية 67). و «البلوغ، والبلاغ»: الانتهاء إلى أقصى المقصد، والمنتهى، مكانا كان، أو زمانا، أو امرا من الأمور المقدّرة «1».
قال ابن الجزري:
.... وبعد مفسدين الواو كم ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» وهو: «ابن عامر». «قال الملأ» الواقع بعد «مفسدين» وهو في قصة نبي الله «صالح» عليه السلام، من قوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ
مُفْسِدِينَ* قالَ الْمَلَأُ
(سورة الأعراف الآيتان 74 - 75).
قرأ «وقال الملأ» بزيادة واو، قبل «قال» وذلك للعطف على ما قبله، وهذه القراءة موافقة لرسم المصحف الشامي «2».
وقرأ الباقون «قال الملأ» بغير واو قبل «قال» اكتفاء بالربط المعنوي. وهذه القراءة موافقة لرسم بقيّة المصاحف. «الملأ»: جماعة يجتمعون على رأي، فيملئون العيون رواء، ومنظرا، والنفوس بهاء وجلالا «3».
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن ص 60.
(2) قال ابن عاشر:
من سورة الأعراف حتى مريم ... تذكرون الشام ياء قدما
واو وما كنا له أبينا ... بعكس قال بعد مفسدينا
(3) انظر المفردات في غريب القرآن ص 473.
(2/241)

قال ابن الجزري:
.......... ... أو أمن الإسكان كم حرم وسم
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» و «حرم» وهم: «ابن عامر، ونافع، وابن كثير، وأبو جعفر» «أو أمن» من قوله تعالى: أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (سورة الأعراف آية 98). قرءوا بسكون الواو من «أو» غير أن ورشا من الطريقين ينقل حركة الهمزة من «أمن» إلى الواو من «أو» على أصله. ووجه هذه القراءة أن «أو» على معنى الإباحة، مثل قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (سورة الإنسان آية 24) أي لا تطع هذا الجنس. ويجوز أن تكون «أو» لأحد الشيئين، كقولك: «أكرمت زيدا أو عمرا» أي: أكرمت أحدهما، ولم ترد أن تبين المكرم منهما، وأنت عالم به من هو منهما.
وليست هي «أو» التي للشك في هذا، إنما هي «أو» التي لأحد الشيئين وحينئذ يكون معنى الآية: أفأمنوا إحدى هذه العقوبات.
وقرأ الباقون «أو أمن» بفتح واو «أو» على أن «واو» العطف دخلت عليها همزة الاستفهام، كما تدخل على «ثمّ» في نحو قوله تعالى: أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ (سورة يونس آية 51). ومثله قوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (سورة البقرة آية 100). ويقوّي ذلك أن الحرف الذي قبله، والذي بعده وهو «الفاء» دخلت عليه همزة الاستفهام: فما قبله قوله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (سورة الأعراف آية 97). وما بعده قوله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ (سورة الأعراف آية 99) فحمل وسط الكلام على ما قبله، وما بعده، للمشاكلة، والمطابقة، في اتفاق اللفظ في دخول همزة الاستفهام.
قال ابن الجزري:
على عليّ اتل .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «اتل» وهو: «نافع» «على أن لا أقول» من قوله تعالى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ (سورة الأعراف آية 105).
(2/242)

قرأ «عليّ» بالياء المشددة المفتوحة بعد اللام، وذلك لأن حرف الجرّ وهو «على» دخل على ياء المتكلم، ثم قلبت الألف ياء، وأدغمت في ياء المتكلم، وفتح، لأن ياء المتكلم أصلها السكون، وفتحت تخفيفا.
و «حقيق»، و «حق» سواء بمعنى واجب، وأصله أن يتعدّى ب «على» قال تعالى: فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (سورة الصافات آية 31).
وقرأ الباقون «على» بألف بعد اللام، وذلك أنه عدى «حقيق» ب «على» إلى «أن».
ويجوز أن تكون «على» في هذا بمعنى الباء، كما جاز وقوع «الباء» في موضع «على» في قوله تعالى: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ (سورة الأعراف آية 86) أي على كل طريق.
قال ابن الجزري:
.......... وسحّار شفا ... مع يونس في ساحر ..........
المعنى: قرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ساحر» هنا وفي سورة «يونس» من قوله تعالى:
1 - يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (سورة الأعراف آية 112).
2 - وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (سورة يونس آية 79). قرءوا في الموضعين «سحّار» بفتح الحاء وتشديدها، وألف بعدها، على وزن «فعّال» للمبالغة، ويقوّي ذلك أنه قد وصف ب «عليم» فدلّ على التناهي في علم السحر.
وقرأ الباقون في الموضعين «ساحر» بألف بعد السين، وكسر الحاء مخففة، على وزن «فاعل». و «ساحر» تجمع على «سحرة» قال تعالى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (سورة طه آية 70).
تنبيه: «سحّار» من قوله تعالى: يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (سورة الشعراء آية 37) اتفق القراء العشرة على قراءته «سحّار» على وزن «فعّال» للمبالغة. لأنه جواب لقول «فرعون» في ما استشارهم فيه من أمر «موسى» عليه السلام بعد
(2/243)

قوله: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (سورة الشعراء آية 34) فأجابوه بما هو أبلغ من قوله رعاية لمراده، بخلاف الذي في «الأعراف» فإن ذلك جواب لقولهم فتناسب اللفظان.
وأمّا الذي في «يونس» فهو أيضا جواب من فرعون لهم حيث قالوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (آية 76).

مهمة:
اختلفت المصاحف في رسم كلمة بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ في الأعراف (آية 112) وفي سورة يونس (آية 79) فرسم في بعضها بألف بعد السين، وفي البعض الآخر بألف بعد الحاء، وذلك تمشيا مع القراءتين «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وخفّفا
تلقف كلّا عد .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في كلمة «تلقف» حيثما وقعت في القرآن الكريم وهي في ثلاثة مواضع:
1 - قوله تعالى: فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (سورة الأعراف آية 117).
2 - قوله تعالى: وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا (سورة طه آية 69).
3 - قوله تعالى: فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (سورة الشعراء آية 45).
فقرأ المرموز له بالعين من «عد» وهو: «حفص» المواضع الثلاثة «تلقف» بسكون اللام، وتخفيف القاف، على أنه مضارع «لقف» «يلقف» نحو: «علم يعلم» يقال: لقفت الشيء أخذته بسرعة.
وقرأ «البزّي» بخلف عنه «تلقّف» بتشديد التاء حالة وصل «تلقف» بما
__________
(1) قال ابن عاشر:
بكل ساحر معا هل بالألف ... وهل يلي الحا أو قبيلها اختلف
(2/244)

قبلها، وبفتح اللام، وتشديد القاف مطلقا. وعند الابتداء ب «تلقّف» يخفف التاء، ويفتح اللام، ويشد القاف، على أنه مضارع «تلقّف» مضعف العين.
قال ابن الجزري:
في الوصل تاتيمّموا اشدد تلقف، إلى قوله: وفي الكل اختلف عنه.
وقرأ الباقون «تلقّف بفتح اللام، وتشديد القاف، مضارع «تلقّف» «يتلقّف» وهو الوجه الثاني «للبزّي».
قال ابن الجزري:
.......... سنقتل اضمما ... واشدده واكسر ضمّه كنز حما
ويقتلون عكسه انقل .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «سنقتل» من قوله تعالى: قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ (سورة الأعراف آية 127) و «يقتلون» من قوله تعالى: يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ (سورة الأعراف آية 141).
فقرأ مدلول «كنز»، و «حما» وهم: «ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وأبو عمرو، ويعقوب» «سنقتّل» بضم النون، وفتح القاف، وكسر التاء مشدّدة، على أنه مضارع «قتّل» مضعف العين، الدالّ على التكثير مرّة بعد أخرى.
وقرأ «نافع، وابن كثير، وأبو جعفر» «سنقتل» بفتح النون، وإسكان القاف، وضم التاء مخففة، مضارع «قتل يقتل» نحو: «نصر ينصر» وذلك على أصل الفعل الدالّ على مجرّد القتل.
وقرأ المرموز له بالألف من «انقل» وهو: «نافع» «يقتلون» بفتح الياء، وسكون القاف، وضم التاء، مضارع «قتل يقتل» على الأصل.
وقرأ الباقون «يقتّلون» بضم الياء، وفتح القاف، وكسر التاء مشدّدة مضارع «قتّل» مضعف العين.
(2/245)

قال ابن الجزري:
.......... يعرشوا ... معا بضمّ الكسر صاف كمشوا
المعنى: اختلف القراء في «يعرشون» هنا، وفي سورة النحل، من قوله تعالى:
1 - وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (سورة الأعراف آية 137).
2 - وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (سورة النحل آية 68).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صاف» والكاف من «كمشوا» وهما: «شعبة، وابن عامر» «يعرشون» في الموضعين بكسر الراء، من «عرش يعرش» نحو:
«ضرب يضرب».
وقرأ الباقون «يعرشون» في الموضعين بضم الراء، من «عرش يعرش» نحو: «نصر ينصر». والكسر والضم لغتان بمعنى: «بنى». و «العرش» في الأصل: شيء مسقّف، وجمعه «عروش» قال تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها (سورة الكهف آية 42).
قال ابن الجزري:
ويعكفوا اكسر ضمّه شفا وعن ... إدريس خلفه ..........
المعنى: اختلف القراء في «يعكفون» من قوله تعالى: فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ (سورة الأعراف آية 138).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» بخلف عن «إدريس» «يعكفون» بكسر الكاف، لغة «أسد» ونحن إذا ما علمنا أن هؤلاء القراء يمثلون قراءة «الكوفة» أدركنا السرّ في قراءتهم، حيث جاءت متمشية مع لهجة «أسد» إذ نزح بعض قبيلة «أسد» إلى «الكوفة».
(2/246)

وقرأ الباقون «يعكفون» بضم الكاف، وهو الوجه الثاني ل «إدريس» وهذه القراءة لغة بقيّة العرب، وهي من «عكف يعكف» نحو: «نصر ينصر».
يقال: عكف على الشيء، بمعنى أقام عليه. ويقال: عكفت على الشيء «أعكفه» و «أعكفه»، بكسر الكاف، وضمها بمعنى: حبسته، ومنه «الاعتكاف» وهو «افتعال» لأنه حبس للنفس عن التصرفات العاديّة. والاعتكاف: الإقبال على الشيء، وملازمته على سبيل التعظيم له، وفي «الشرع»: هو الاحتباس في المسجد على سبيل القربة إلى الله تعالى.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وأنجانا احذفن
ياء ونوناكم .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «أنجينكم» من قوله تعالى: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ (سورة الأعراف آية 141).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» وهو: «ابن عامر» «أنجاكم» بألف بعد الجيم من غير ياء، ولا نون، بلفظ الواحد، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على الله تعالى المتقدم ذكره في قوله تعالى قبل: قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً (آية 140).
وقرأ الباقون «أنجينكم» بياء، ونون، وألف بعدها على لفظ الجماعة، وهو إخبار عن الله تعالى على طريق التعظيم، والإكبار له.
وقراءة «ابن عامر موافقة لرسم المصحف الشامي. وقراءة الباقين موافقة لرسم بقيّة المصاحف «1».
__________
(1) قال «ابن عاشر»: بالألف الشام إذ أنجاكم.
(2/247)

قال ابن الجزري:
.......... ودكّاء شفا ... في دكّا المدّ وفي الكهف كفى
المعنى: اختلف القراء في «دكا» هنا من قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا (سورة الأعراف آية 143). و «دكّاء» في الكهف من قوله تعالى:
فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (سورة الكهف آية 98).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «دكّاء» في الموضعين بالهمزة المفتوحة بعد الألف، وحذف التنوين ممنوعا من الصرف، وحينئذ يكون المدّ متصلا فكلّ يمدّ حسب مذهبه.
ووجه هذه القراءة أنها أخذت من قول العرب: «هذه ناقة دكاء» للتي لا سنام لها، فهي مستوية الظهر، وحينئذ يكون المعنى: جعل الله تعالى الجبل مثل «الناقة الدكاء» أي جعله حين التجلّي مستويا لا ارتفاع فيه، تعظيما لله تعالى، وخضوعا له.
وقرأ حفص موضع «الأعراف» دكّا» بحذف الهمزة، والمدّ، مع التنوين، على أنه مصدر «دككت الأرض دكّا» أي: جعلتها مستوية لا ارتفاع فيها، ولا انخفاض، ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (سورة الفجر آية 21).
قال «أبو عبيدة معمر بن المثنى» ت 210 هـ: «جعله دكّا، أي مندكّا» اهـ.
وقرأ «حفص» موضع «الكهف» «دكاء» مثل قراءة «حمزة» ومن معه.
وقرأ الباقون الموضعين «دكّا» بحذف الهمزة، والمدّ، مع التنوين، وسبق توجيه هذه القراءة:
قال ابن الجزري:
رسالتي اجمع غيث كنز حجفا ... ..........
(2/248)

المعنى: اختلف القراء في «رسالاتي» من قوله تعالى: قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي (سورة الأعراف آية 144).
فقرأ المرموز له بالغين من «غيث» و «كنز» والحاء من «حجفا» وهم:
«رويس، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وأبو عمرو» «برسلتي» بإثبات الألف التي بعد اللام، على الجمع. والمراد: أسفار التوراة.
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو جعفر، وروح» «برسلتي» بحذف الألف التي بعد اللام، على التوحيد، والمراد بها المصدر، أي بإرسالي إياك.
قال ابن الجزري:
.......... ... والرّشد حرّك وافتح الضّمّ شفا
وآخر الكهف حما .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «الرشد» من قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا (سورة الأعراف آية 146). و «رشدا» من قوله تعالى:
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (سورة الكهف آية 66).
أمّا موضع الأعراف فقرأه مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «الرّشد» بفتح الراء، والشين.
وقرأه الباقون «الرّشد» بضم الراء، وسكون الشين. وهما لغتان في المصدر، نحو: «البخل، والبخل». والرشد: خلاف «الغيّ» ويستعمل استعمال الهداية. يقال: «رشد يرشد» نحو «نصر ينصر»، «ورشد يرشد» نحو: «علم يعلم». وقيل: «الرّشد بفتح الراء والشين، أخص من الرّشد» بضم الراء، وسكون الشين:
(2/249)

فالرّشد بضم الراء يقال في الأمور الدنيوية، والأخروية. وبفتح الراء يقال في الأمور الأخروية فقط «1».
وأما موضع الكهف فقرأه مدلول «حما» وهما: «أبو عمرو، ويعقوب» «رشدا» بفتح الراء، والشين.
وقرأه الباقون «رشدا» بضم الراء، وإسكان الشين.
تنبيه: «رشدا» من قوله تعالى: فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً الموضع الأول في الكهف (آية 10). ومن قوله تعالى:
وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً الموضع الثاني في الكهف (آية 24). اتفق القراء العشرة على قراءة هذين الموضعين «رشدا» بفتح الراء، والشين.
و «رشدا» من قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً (سورة النساء آية 6) اتفق القراء العشرة على قراءته بضم الراء، وإسكان الشين.
قال «ابن الجزري» ت 833 هـ-:
سئل «الإمام أبو عمرو بن العلاء» ت 154 هـ- عن ذلك- أي عن هذا الخلاف- فقال: «الرّشد» بالضم هو الصلاح، وبالفتح هو «العلم» وموسى عليه السلام إنما طلب من «الخضر» عليه السلام «العلم» وهذا في غاية الحسن، ألا ترى إلى قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً كيف أجمع على ضمه، وقوله: وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ولِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً كيف أجمع على فتحه؟
ولكن جمهور أهل اللغة على أن الفتح، والضم في «الرشد» لغتان «كالبخل والبخل، والسّقم والسّقم، والحزن والحزن» فيحتمل عندي أن يكون الاتفاق على فتح الحرفين الأولين، لمناسبة رءوس الآي، وموازنتها لما قبل، ولما
__________
(1) انظر: المفردات في غريب القرآن ص 196.
(2/250)

بعد، نحو: «عجبا، وعددا، وأحدا» بخلاف الثالث فإنه وقع قبله «علما» وبعده «صبرا» فمن سكن فللمناسبة أيضا، ومن فتح فإلحاقا بالنظير، والله تعالى أعلم» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
.......... وخاطبوا ... يرحم ويغفر ربّنا الرّفع انصبوا
شفا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يرحمنا ربنا ويغفر لنا» من قوله تعالى: قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (سورة الأعراف آية 149).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ترحمنا ربّنا وتغفر لنا» بالتاء في الفعلين، على الخطاب لله عزّ وجلّ، وفيه معنى الاستغاثة، والتضرع، والابتهال في الدعاء. وبنصب باء «ربّنا» على النداء، وهو أبلغ في الدعاء، والخضوع.
وقرأ الباقون «يرحمنا ربّنا ويغفر لنا» بالباء في الفعلين، على الخبر عن غائب، وفيه معنى الإفراد بالعبودية. وبرفع باء «ربّنا» على أنه فاعل.
قال ابن الجزري:
... وحليهم مع الفتح ظهر ... واكسر رضى ..........
المعنى: اختلف القراء في «حليهم» من قوله تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ (سورة الأعراف آية 148).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظهر» وهو: «يعقوب» «حليهم» بفتح الحاء، وإسكان اللام، وكسر الياء مخففة، وهو إمّا مفرد أريد به الجمع، وإمّا اسم جمع مفرده «حلية» مثل: «قمح وقمحة».
__________
(1) انظر: النشر في القراءات العشر بتحقيقنا ج 2/ 164 - 165.
(2/251)

وقرأ مدلول «رضى» وهما: «حمزة، والكسائي» «حليّهم» بكسر الحاء، وتشديد الياء مكسورة، على أنه جمع «حليا» على «حلوى» على وزن «فعول، مثل: كعب وكعوب» ولما أرادوا إدغام الواو في الياء للتخفيف أبدلوا من ضمة اللام كسرة ليصح انقلاب الواو إلى الياء، وليصحّ الإدغام، ثم كسرت الحاء اتباعا لكسرة اللام، وليعمل اللسان عملا واحدا في الكسرتين، فأصبح الجمع «حليّ» ثم أضيف إلى الضمير فأصبح «حليّهم».
وقرأ الباقون «حليّهم» بضم الحاء، وكسر اللام، وكسر الياء مشددة، وتوجيه هذه القراءة كتوجيه قراءة «حمزة، والكسائي» إلّا أن ضمة الحاء بقيت على أصلها. يقال: «حليت حليا» بسكون اللام: لبست الحلي، وجمعه «حليّ» بضم الحاء، والأصل «حلوى» على وزن «فعول» مثل: فلس، وفلوس».
والحلية: بكسر الحاء: الصفة، والجمع «حلى» مقصور، بضم الحاء وكسرها.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وأمّ ميمه كسر
كم صحبة معا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «أمّ» من قوله تعالى: قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي (سورة الأعراف آية 150). و «يبنؤم» من قوله تعالى: قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي (سورة طه آية 94).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» ومدلول «صحبة» وهم: «ابن عامر، وشعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «أمّ» في الموضعين بكسر الميم.
والأصل «أمّي» ثم حذفت الياء تخفيفا لدلالة الكسرة عليها.
وقرأ الباقون «أمّ» في الموضعين بفتح الميم، ووجه ذلك أن الاسمين:
«ابن، أمّ» جعلا اسما واحدا للتخفيف، بمنزلة «خمسة عشر» وحينئذ يكون مبنيا على فتح الجزءين مثل بناء «خمسة عشر».
(2/252)

وفي «أمّ» أربع لغات: «أمّ» بضم الهمزة، وكسرها، و «أمّة» بضم الهمزة، و «أمّهة» بضم الهمزة. وحينئذ يكون «الامّهات» و «الأمّات» لغتين ليست إحداهما أصلا للأخرى.
قال ابن الجزري:
.......... وآصار اجمع ... واعكس خطيئات كما الكسر ارفع
عمّ ظبى وقل خطايا حصره ... مع نوح ..........
المعنى: اختلف القراء في «إصرهم» من قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ (سورة الأعراف آية 157).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كما» وهو: «ابن عامر» «ءاصارهم» بفتح الهمزة، ومدّها، وفتح الصاد، وإثبات ألف بعدها، بالجمع، على وزن «أعمالهم». و «الأصر» بفتح الهمزة: عقد الشيء، وحبسه لقهره. يقال: «أصرته فهو مأصور».
وقرأ الباقون «إصرهم» بكسر الهمزة من غير مدّ، وإسكان الصاد، وحذف الألف التي بعدها، على الإفراد، مثل: «إثمهم». والإصر: مصدر يدلّ على القليل والكثير من جنسه. والإصر بكسر الهمزة: العهد المؤكد الذي يثبط ناقضه عن الثواب، والخيرات. قال تعالى: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي (سورة آل عمران آية 81). وحينئذ يكون المعنى على هذه القراءة: «ويضع عنهم إصرهم» أي الأمور التي تثبطهم، وتقيدهم عن فعل الخيرات، وعن الوصول إلى الثواب.
واختلف القراء في «خطيئتكم» من قوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ (سورة الأعراف آية 161) و «خطيئتهم» من قوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً (سورة نوح آية 25).
(2/253)

فقرأ المرموز له بالكاف من «كما» وهو: «ابن عامر» «خطيئتكم» بالإفراد، ورفع التاء، نائب فاعل ل «تغفر».
وقرأ «نافع، وأبو جعفر، ويعقوب» «خطيئتكم» بالجمع ورفع التاء، نائب فاعل ل «تغفر».
وقرأ المرموز له بالحاء من «حصره» وهو: «أبو عمرو» «خطيكم» جمع تكسير، على أنها مفعول به ل «نغفر».
وقرأ الباقون «خطيئتكم» جمع سلامة، ونصب التاء بالكسرة، على أنها مفعول به ل «نغفر».
أما موضع سورة نوح عليه السلام فقد قرأه المرموز له بالحاء من «حصره» وهو «أبو عمرو» «خطيهم» بفتح الخاء، والطاء، وألف بعدها، وبعد الألف ياء بعدها ألف مع ضم الهاء، جمع تكسير ل «خطيئة».
وقرأ الباقون «خطيئتهم» بكسر الطاء، وبعدها ياء ساكنة مدّيّة، وبعدها همزة مفتوحة ممدودة، وبعدها تاء مكسورة، مع كسر الهاء، جمع بالألف والتاء ل «خطيئة» أيضا.
قال ابن الجزري:
.......... ... ...... وارفع نصب حفص معذرة
المعنى: اختلف القراء في «معذرة» من قوله تعالى: قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (سورة الأعراف آية 164).
فقرأ «حفص» «معذرة» بنصب التاء، على المصدر.
وقرأ الباقون «معذرة» برفع التاء، على أنه خبر لمبتدإ محذوف دلّ عليه الكلام. والتقدير: موعظتنا معذرة. واعلم أنه يجوز حذف كلّ من المبتدإ والخبر إذا دلّ عليه دليل.
(2/254)

قال ابن مالك:
وحذف ما يعلم جائز كما ... تقول زيد بعد من عندكما
وفي جواب كيف زيد قل دنف ... فزيد استغني عنه إذ عرف
قال ابن الجزري:
بيس بياء لاح بالخلف مدا ... والهمز كم وبيئس خلف صدا
بئيس الغير .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «بئيس» من قوله تعالى: وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (سورة الأعراف آية 165).
فقرأ «نافع، وأبو جعفر، وهشام بخلف عنه» «بيس» بكسر الباء الموحدة، وبعدها ياء ساكنة من غير «همزة» وأصلها «بئس» على وزن «حذر» نقلت كسرة الهمزة إلى الباء، ثم أبدلت الهمزة ياء.
وقرأ «ابن ذكوان، وهشام في وجهه الثاني» «بئس» بكسر الباء الموحدة، وبعدها همزة ساكنة من غير ياء، وأصلها «بئس» على وزن «حذر» نقلت كسرة الهمزة إلى الباء فسكنت الهمزة.
وقرأ المرموز له بالصاد من «صدا» وهو: «شعبة» في أحد وجهيه «بيئس» بباء مفتوحة، ثم ياء ساكنة، ثم همزة مفتوحة من غير ياء، على وزن «ضيغم».
وقرأ الباقون «بئيس» بفتح الباء، وكسر الهمزة، وياء ساكنة مدّيّة، على وزن «رئيس» وهو الوجه الثاني ل «شعبة».
قال ابن الجزري:
........ وصف يمسك خف ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يمسكون» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ (سورة الأعراف آية 170).
(2/255)

فقرأ المرموز له بالصاد من «صف» وهو: «شعبة» «يمسكون» بسكون الميم، وتخفيف السين، مضارع «أمسك» المزيد بالهمزة، ومنه قوله تعالى:
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ (سورة الأحزاب آية 37). وقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً (سورة البقرة آية 231).
وقرأ الباقون «يمسّكون» بفتح الميم، وتشديد السين، مضارع «مسّك» مضعف العين، بمعنى: «تمسّك»، فالتشديد فيه معنى التأكيد، والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى. يقال: «مسكت بالشيء مسكا» من باب «ضرب يضرب ضربا». و «تمسّكت» و «امتسكت» و «استمسكت» بمعنى: أخذت به، وتعلقت، واعتصمت. ويقال: «أمسكته» بيدي «إمساكا»: قبضته باليد «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... ذريّة اقصر وافتح التاء دنف
كفى كثان الطّور ياسين لهم ... وابن العلا ..........
المعنى: اختلف القراء في «ذريتهم» في ثلاثة مواضع:
الأول: قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (سورة الأعراف آية 172).
والثاني: قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (سورة يس آية 41).
والثالث: قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ (سورة الطور آية 21).
فقرأ المرموز له بالتاء من «دنف» ومدلول «كفى» وهم: «ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ذرّيتهم» في المواضع الثلاثة بالإفراد. وحجّة ذلك أن
«الذريّة» تدلّ على الواحد، والجمع. وقد أجمع القراء
__________
(1) انظر: المصباح المنير ج 2/ 573.
(2/256)

على القراءة بالإفراد في قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ (سورة مريم آية 58) فلما صحّ وقوع لفظ «ذرّية» على أبناء آدم عليه السلام، استغني بذلك عن الجمع.
وقرأ «أبو عمرو بن العلاء» بالإفراد في موضع «يس» وبالجمع هنا، وفي سورة الطور.
وقرأ الباقون بالجمع في السور الثلاث. و «الذرّيّة» على وزن «فعليّة» بضم الفاء، وسكون العين، وكسر اللام مخففة، وتشديد الياء، من «الذرّ» وهو:
الصغار. وفيها ثلاث لغات: أفصحها ضم الذال، والثانية كسرها، والثالثة فتح الذال مع تخفيف الراء على وزن «كريمة». وتجمع «ذريّة» على «ذرّيات» وقد تجمع على «ذراري». وبعضهم يجعل «الذرّية» من «ذرأ» الله الخلق، وترك همزها للتخفيف، فوزنها «فعّيلة».
قال ابن الجزري:
.......... ... ....... كلا يقول الغيب حم
المعنى: اختلف القراء في «تقولوا» في موضعين وهما في قوله تعالى:
1 - أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (سورة الأعراف آية 172).
2 - أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ (سورة الأعراف آية 173).
فقرأ المرموز له بالحاء من «حم» وهو: «أبو عمرو» «أن يقولوا، أو يقولوا» بياء الغيب فيهما، جريا على نسق ما قبله وهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ وبعده أيضا لفظ غيبة في قوله تعالى: وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فحمل على ما قبله، وما بعده من لفظ الغيبة.
وقرأ الباقون «أن تقولوا، أو تقولوا» بتاء الخطاب فيهما، جريا على لفظ الخطاب المتقدم في قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ويجوز أن يكون على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب
(2/257)

قال ابن الجزري:
وضمّ يلحدون والكسر انفتح ... كفصّلت فشا وفي النّحل رجح
فتى .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يلحدون» في ثلاثة مواضع: قوله تعالى:
1 - وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ (سورة الأعراف آية 180).
2 - لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ (سورة النحل آية 103).
3 - إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا (سورة فصلت آية 40).
فقرأ «حمزة» «يلحدون» في السور الثلاث بفتح الياء، والحاء، مضارع «لحد» الثلاثي.
وقرأ «الكسائي، وخلف العاشر» موضعي: «الأعراف وفصلت» «يلحدون» بضم الياء، وكسر الحاء، مضارع «ألحد» الرباعي. أمّا موضع «النحل» فقد قرءاه «يلحدون» بفتح الياء، والحاء، مضارع «لحد» الثلاثي.
وقرأ الباقون في السور الثلاث «يلحدون» بضم الياء، وكسر الحاء، مضارع «ألحد» الرباعي. و «لحد، وألحد» لغتان بمعنى واحد وهو: العدول عن الاستقامة، ومنه قيل: «اللحد» لأنه إذا حفر يمال به إلى جانب القبر. و «لحد» يجمع على «لحود» مثل: «فلس، وفلوس».
قال ابن الجزري:
.......... يذرهم اجزموا شفا ويا ... كفى حما ..........
المعنى: اختلف القراء في «ويذرهم» من قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (سورة الأعراف آية 186).
فقرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ويذرهم» بالياء على الغيب، وجزم الراء. وجه الغيبة جريا على لفظ الغيبة قبله في قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ
(2/258)

اللَّهُ ووجه الجزم، عطفا على محلّ قوله تعالى: فَلا هادِيَ لَهُ لأنه في محلّ جزم جواب الشرط.
يقال: فلان يذر الشيء: أي يقذفه لقلة اعتقاده به.
ويقال: «وذرته، أذره، وذرا»: تركته.
قالوا: وأماتت العرب ماضيه، ومصدره، فإذا أريد الماضي قيل: «ترك» وربما استعمل الماضي على قلّة، ولا يستعمل منه اسم فاعل «1».
وقرأ «أبو عمرو، وعاصم، ويعقوب» «ويذرهم» بالياء على الغيب، ورفع الراء: وجه الغيبة جريا على نسق ما قبله، ووجه الرفع على الاستئناف.
وقرأ «نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر» «ونذرهم» بنون العظمة، ورفع الراء: وجه قراءة النون، عدول عن الغيبة إلى الإخبار، ووجه الرفع، على الاستئناف.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... شركا مداه صليا
في شركاء .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «شركاء» من قوله تعالى: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما (سورة الأعراف آية 190).
فقرأ مدلول «مدا» والمرموز له بالصاد من «صليا» وهم: «نافع، وأبو جعفر، وشعبة» «شركا» بكسر الشين، وإسكان الراء، وتنوين الكاف، على وزن «فعلا». و «شركا» مصدر «شركته في الأمر أشركه» من باب «تعب يتعب» ثم خفّف المصدر بكسر الأوّل، وسكون الثاني.
قال «أبو منصور الأزهري محمد بن أحمد بن الأزهر» ت 370 هـ-:
__________
(1) انظر: المصباح المنير ج 2/ 654.
(2/259)

«الشرك» يكون بمعنى «الشريك» وبمعنى «النصيب»، وجمعه «أشراك» مثل: «شبر وأشبار» اهـ- «1».
وقرأ الباقون «شركاء» بضم الشين، وفتح الراء، وبالمد والهمز، من غير تنوين، جمع «شريك».
قال ابن الجزري:
.......... يتبعوا كالظّلّة ... بالخفّ والفتح اتل ..........
المعنى: اختلف القراء في «لا يتبعوكم» من قوله تعالى: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ (سورة الأعراف آية 193) و «يتّبعهم» من قوله تعالى:
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (سورة الشعراء آية 224).
فقرأ المرموز له بالألف من «اتل» وهو: «نافع» «لا يتبعوكم»، و «يتبعهم» بإسكان التاء، وفتح الباء، على أنه مضارع «تبع» الثلاثي.
وقرأ الباقون بفتح التاء المشددة، وكسر الباء في الموضعين، مضارع «اتّبع». قال بعض أهل اللغة: «تبعه» مخففا: إذا مضى خلفه ولم يدركه، و «اتّبعه» مشددا: إذا مضى خلفه فأدركه» «2».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... يبطش كلّه
بضمّ كسر ثق .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يبطش» حيثما وقع في القرآن الكريم وهو في ثلاثة مواضع:
1 - قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها (سورة الأعراف آية 195).
__________
(1) انظر: تاج العروس ج 7/ 148.
(2) انظر: الكشف عن وجوه القراءات ج 1/ 486.
(2/260)

2 - قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما (سورة القصص آية 19).
3 - قوله تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى (سورة الدخان آية 16).
فقرأ المرموز له بالثاء من «ثق» وهو: «أبو جعفر» «يبطشون، يبطش نبطش» بضم الطاء في الألفاظ الثلاثة، مضارع «بطش يبطش» نحو: «خرج يخرج».
وقرأ الباقون الألفاظ الثلاثة بكسر الطاء، مضارع «بطش يبطش» نحو:
«ضرب يضرب». والبطش: الأخذ بعنف.
قال ابن الجزري:
.......... وليّي احذف ... بالخلف وافتحه أو اكسره يفي
المعنى: اختلف القراء في «وليّي» من قوله تعالى: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ (سورة الأعراف آية 197).
فقرأ المرموز له بالياء من «يفي» وهو «السوسي» في أحد وجهيه «وليّ» بياء واحدة مشددة، وحذف الياء الأخرى، ثم له بعد ذلك فتح الياء المشددة، وكسرها، وعلى الفتح يفخّم «الله» وعلى الكسر يرقّق.
وقرأ الباقون «وليّي» بياءين: الأولى مشدّدة مكسورة والثانية مخففة مفتوحة، وهو الوجه الثاني «للسوسي».
قال ابن الجزري:
وطائف طيف رعى حقّا ..... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «طئف» من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (سورة الأعراف آية 201).
فقرأ المرموز له بالراء من «رعى» و «حقّا» وهم: «الكسائي، وابن كثير،
(2/261)

وأبو عمرو، ويعقوب» «طيف» بحذف الألف، وإثبات ياء ساكنة مكان الهمزة، على وزن «ضيف» مصدر «طاف يطيف طيفا» مثل: «كال يكيل كيلا».
وقرأ الباقون «طائف» بألف بعد الطاء، وهمزة مكسورة من غير ياء، اسم فاعل من «طاف يطوف فهو طائف» نحو: «قال يقول فهو قائل».
جاء في المصباح المنير: «طاف بالشيء يطوف طوفا وطوافا»: استدار به، و «طاف يطيف» من باب «باع يبيع» و «أطافه» بالألف و «استطاف به» كذلك و «أطاف بالشيء: أحاط به» اهـ- «1».
وقيل: الطائف: ما طاف به وسوسة الشيطان، والطيف: من اللمم والمسّ الجنون. «2».
قال ابن الجزري:
.......... وضم ... واكسر يمدّون لضمّ ثدي أم
المعنى: اختلف القراء في «يمدونهم» من قوله تعالى: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (سورة الأعراف آية 202).
فقرأ المرموز له بالثاء من «ثدي» والألف من «أم» وهما: «أبو جعفر، ونافع» «يمدّونهم» بضم الياء، وكسر الميم، مضارع «أمدّ يمدّ» المزيد بالهمزة.
وقرأ الباقون «يمدّونهم» بفتح الياء، وضم الميم، مضارع «مدّ يمدّ» مضعف الثلاثي، و «مدّ، وأمدّ» لغتان، ويستعملان لازمين ومتعدّيين.
(والله أعلم) تمّت سورة الأعراف ولله الحمد والشكر
__________
(1) انظر: المصباح المنير ج 2/ 380.
(2) انظر: الكشف عن وجوه القراءات ج 1/ 487.
(2/262)

سورة الأنفال
قال ابن الجزري:
ومرد في افتح داله مدّا ظمي ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «مردفين» من قوله تعالى: فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (سورة الأنفال آية 9).
فقرأ مدلول «مدّا» والمرموز له بالظاء من «ظمي» وهم: «نافع، وأبو جعفر، ويعقوب» «مردفين» بفتح الدال، اسم مفعول.
قال «أبو عبيد القاسم بن سلّام» ت 224 هـ-: «تأويله أن الله تبارك وتعالى أردف المسلمين بالملائكة» اه-.
وقرأ الباقون «مردفين» بكسر الدال، اسم فاعل.
قال «أبو عمرو بن العلاء البصري» ت 154 هـ-: أي أردف بعضهم بعضا، فالإرداف أن يحمل الرجل صاحبه خلفه، تقول: «ردفت الرجل» أي ركبت خلفه، وأردفته: إذا أركبته خلفي» اهـ-.
وجمع «الرديف، ردافى» مثل: «حبارى» على غير قياس.
قال ابن الجزري:
.......... ... رفع النّعاس حبر يغشي فاضمم
واكسر لباق .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يغشيكم النعاس» من قوله تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ (سورة الأنفال آية 11).
(2/263)

فقرأ مدلول «حبر» وهما: «ابن كثير، وأبو عمرو» «يغشاكم» بفتح الياء، وسكون الغين، وفتح الشين، وألف بعدها، مضارع «غشي يغشى» مثل:
«رضي يرضى» وقرآ «النعاس» بالرفع فاعل «يغشاكم».
وقرأ المرموز له بالظاء من «ظبى» ومدلول «كنز» وهم: «يعقوب، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يغشّيكم» بضم الياء، وفتح الغين، وكسر الشين مشددة، وياء بعدها، مضارع «غشّى يغشّي» مضعف العين، وقرءوا «النعاس» بالنصب، مفعول به، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله تعالى.
وقرأ الباقون وهما: «نافع، وأبو جعفر» «يغشيكم» بضم الياء، وسكون الغين، وكسر الشين مخففة، وياء بعدها، مضارع «أغشى يغشي» نحو: «أهدى يهدي». وقرآ
«النعاس» بالنصب مفعولا به، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله تعالى.
واعلم أن التخفيف والتشديد في «يغشي» لغتان بمعنى، فمن التخفيف قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (سورة يس آية 9). ومن التشديد قوله تعالى فَغَشَّاها ما غَشَّى (سورة النجم آية 54).
قال ابن الجزري:
.......... واشددن مع موهن ... خفّف ظبى كنز ولا ينوّن
مع خفض كيد عد .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «موهن كيد» من قوله تعالى: ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (سورة الأنفال آية 18).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظبى» ومدلول «كنز» عدا «حفص» وهم:
«يعقوب، وشعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «موهن» بسكون الواو، وتخفيف الهاء، والتنوين، اسم فاعل من «أوهن يوهن فهو موهن» مثل: «أيقن يوقن فهو موقن» وقرءوا «كيد» بالنصب، مفعول به.
(2/264)

واعلم أن التنوين في «موهن» على الأصل في اسم الفاعل، إذا أريد به الحال، أو الاستقبال.
وقرأ المرموز له بالعين من «عد» وهو: «حفص» «موهن» بسكون الواو، وتخفيف الهاء من غير تنوين، اسم فاعل من «أوهن» الرباعي، وحذف التنوين لإضافة «موهن» إلى «كيد» لأن «حفصا» يقرأ «كيد» بالخفض على الإضافة.
وقد جاء القرآن في غير هذا الموضع بحذف التنوين من اسم الفاعل مع الإضافة، مثال ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ (سورة الطلاق آية 3).
وقرأ الباقون «موهّن كيد» بفتح الواو، وتشديد الهاء، والتنوين، اسم فاعل من «وهّن» مضعّف العين، مثل: «قتّل يقتّل فهو مقتّل» و «كيد» بالنصب مفعول به.
قال ابن الجزري:
.......... وبعد افتح وأن ... عمّ علا ..........
المعنى: اختلف القراء في «وأنّ الله» من قوله تعالى: وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (سورة الأنفال آية 19).
فقرأ مدلول «عمّ» والمرموز له بالعين من «علا» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر، وحفص» «وأنّ» بفتح الهمزة، على تقدير اللام، أي ولأنّ، فلما حذفت اللام جعلت «أنّ» مفتوحة الهمزة، وهذه القراءة متناسقة مع قوله تعالى قبل: وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (آية 18).
وقرأ الباقون «وإنّ» بكسر الهمزة على الاستئناف، وفيه معنى التوكيد لنصر الله للمؤمنين، لأنّ «إنّ» إنما تكسر في الابتداء لتوكيد ما بعدها من الخبر.
قال ابن الجزري:
.......... ... ... ويعملوا الخطاب غن
(2/265)

المعنى: اختلف القراء في «يعملون» من قوله تعالى: فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (سورة الأنفال آية 39).
فقرأ المرموز له بالغين من «غن» وهو: «رويس» «تعملون» بتاء الخطاب، للتناسب مع قوله تعالى في صدر الآية: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ومع قوله تعالى بعد: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ (آية 40). أو يكون الخطاب على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
وقرأ الباقون «يعملون» بياء الغيبة، لمناسبة قوله تعالى قبل: فَإِنِ انْتَهَوْا.
قال ابن الجزري:
بالعدوة اكسر ضمّه حقّا معا ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «بالعدوة» معا من قوله تعالى: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى (سورة الأنفال آية 42).
فقرأ مدلول «حقّا» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «بالعدوة» معا بكسر العين.
وقرأ الباقون بضم العين فيهما، والكسر، والضمّ لغتان: فالكسر لغة «قيس» والضم لغة «قريش» وعدوة الوادي: جانبه.
قال ابن الجزري:
.......... ... وحيي اكسر مظهرا صفا زغا
خلف ثوى إذ هب .... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «حيّ» من قوله تعالى: وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (سورة الأنفال آية 42).
(2/266)

فقرأ مدلول «صفا» والمرموز له بالزاي من «زعا» بخلف عنه، ومدلول «ثوى» والمرموز له بالألف من «إذ» والهاء من «هب» وهم: «شعبة وخلف العاشر، وأبو جعفر، ويعقوب، ونافع، والبزّي، وقنبل» بخلف عنه «حيي» بكسر الياء الأولى مع فكّ الإدغام، وفتح الياء الثانية. ووجه ذلك أن الفعل جاء على أصله.
وقرأ الباقون «حيّ» بياء واحدة مشدّدة، وهو الوجه الثاني «لقنبل» مثل:
عيّ»، وذلك على أن أصلها «حيي» فأدغمت الياء الأولى في الثانية بعد تسكينها. قال «الخليل بن أحمد الفراهيدي» ت 170 هـ-:
«يجوز الإدغام، والإظهار، إذا كانت الحركة في الثاني لازمة.
وقال «ابن مالك» ت 672 هـ- في ألفيته:
وحيي افكك وادغم دون حذر ... كذاك نحو تتجلّى واستتر
قال ابن الجزري:
.......... ويحسبنّ في ... عن كم ثنا والنّور فاشية كفي
وفيهما خلاف إدريس اتّضح ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ولا يحسبن» من قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا (سورة الأنفال آية 59) و «لا تحسبن» من قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ (سورة النور آية 57).
أمّا موضع الأنفال فقد قرأه المرموز له بالفاء من «في» والعين من «عن» والكاف من «كم» والثاء من «ثنا» وهم: «حمزة، وحفص، وابن عامر، وأبو جعفر، وإدريس» بخلف عنه «ولا يحسبن» بياء الغيبة، و «الذين كفروا» فاعل، والمفعول الأوّل محذوف، والتقدير: «أنفسهم». و «سبقوا» في محلّ نصب مفعول ثان، مع تقدير «أن» قبل «سبقوا» وحينئذ يكن المعنى: ولا يحسبنّ الكفّار أنفسهم سابقين، ويجوز أن تضمر «أن» مع «سبقوا» فتسدّ مسدّ المفعولين، كما
(2/267)

في قوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا (سورة العنكبوت آية 2) فقد سدّت «أن» ومدخولها مسدّ مفعولي «حسب».
وقرأ الباقون «ولا تحسبن» بتاء الخطاب، والمخاطب نبينا «محمد» صلّى الله عليه وسلّم، وقد دلّ على ذلك قوله تعالى قبل: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ (آية 56)، و «الذين كفروا» مفعول أوّل، و «سبقوا» مفعول ثان، وهذه القراءة هي الوجه الثاني «لإدريس». وحينئذ يكون المعنى: «ولا تحسبن يا محمد الكفار سابقين».
أما موضع «النور» فقد قرأه المرموز له بالفاء من «فاشية» والكاف من «كفى» وهم: «حمزة، وابن عامر، وإدريس» بخلف عنه «لا يحسبن» بياء الغيبة، والفاعل مقدّر مفهوم من المقام تقديره: «لا يحسبنّ حاسب، أو أحد» و «الذين كفروا» مفعول أوّل، و «معجزين» مفعول ثان. والمعنى: لا يحسبن حاسب، أو أحد، الذين كفروا معجزين في الأرض، بأن يفوتونا.
وقرأ الباقون، وإدريس، في وجهه الثاني «لا تحسبنّ» بتاء الخطاب، والفاعل مفهوم من المقام وهو المخاطب، و «الذين كفروا» مفعول أوّل، و «معجزين» مفعول ثان. والمعنى: لا تحسبنّ يا مخاطب الذين كفروا معجزين في الأرض بأن يفوتونا.
وقرأ «ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر» بفتح السين فيهما. وقرأ الباقون بكسر السين فيهما، وهما لغتان.
قال ابن الجزري:
.......... ... ويتوفّى أنّث انّهم فتح
كفل .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يتوفى» من قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ (سورة الأنفال آية 50) و «إنّهم» من قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (سورة الأنفال آية 59).
أمّا «يتوفى» فقد قرأ المرموز له بالكاف من «كفل» وهو: «ابن عامر»
(2/268)

«تتوفى» بالتاء على التأنيث، لأن لفظ «الملائكة» مؤنث، والمراد به جماعة الملائكة، ومنه قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ (سورة آل عمران آية 39).
وقرأ الباقون «يتوفى» بالياء على تذكير الفعل، وذلك للفصل بين الفعل والفاعل، ولأن المراد جمع الملائكة.
قال «الزجاج» إبراهيم بن السري» ت 311 هـ-:
«الوجهان جميعا جائزان، لأن الجماعة يلحقها اسم التأنيث، لأن معناها معنى الجماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير، كما يقال: «جمع الملائكة» اهـ-.
وأمّا «إنّهم» فقد قرأ المرموز له بالكاف من «كفل» وهو: «ابن عامر» «أنهم» بفتح الهمزة، على إسقاط لام العلة، والمعنى: «ولا يحسبن الكفار أنفسهم سبقوا لأنهم لا يعجزون».
وقرأ الباقون «إنهم» بكسر الهمزة، على الاستئناف، والقطع.
قال ابن الجزري:
.... ترهبون ثقله غفا ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ترهبون» من قوله تعالى: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (سورة الأنفال آية 60).
فقرأ المرموز له بالغين من «غفا» وهو: «رويس» «ترهّبون» بتشديد الهاء، مضارع «رهّب» مضعف العين.
وقرأ الباقون «ترهبون» بتخفيف الهاء، مضارع «أرهب» المزيد بالهمزة.
قال ابن الجزري:
.......... ... ثاني يكن حما كفى بعد كفى
(2/269)

المعنى: اختلف القراء في «يكن» الموضع الثاني، والثالث، من قوله تعالى:
1 - وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا (سورة الأنفال آية 65).
2 - فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ (سورة الأنفال آية 66).
أمّا الموضع الثاني فقد قرأ مدلولا «حما، وكفى» وهم: «أبو عمرو، ويعقوب، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يكن» بالياء على تذكير الفعل، وذلك للفصل بين «يكن» و «مائة» لأنها اسمها. وأيضا فإنّ «مائة» وإن كان لفظها مؤنثا إلا أن معناها مذكر، لأن المراد: «العدد».
وقرأ الباقون «تكن» بالتاء، على تأنيث الفعل، لتأنيث لفظ «مائة».
وأمّا الموضع الثالث فقد قرأ مدلول «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يكن» بالياء على تذكير الفعل.
وقرأ الباقون «تكن» بتاء التأنيث، وتقدم توجيه ذلك.

تنبيه:
«يكن» من قوله تعالى إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ (آية 65) وقوله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ (آية 66) اتفق القراء على قراءتهما بتذكير الفعل، لأن اسم «يكن» الأولى «عشرون» واسم الثانية «ألف» وهما مذكران.
قال ابن الجزري:
ضعفا فحرّك لا تنوّن مدّ ثب ... والضّمّ فافتح نل فتى والروم صب
عن خلف فوز .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ضعفا» من قوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً (سورة الأنفال آية 66) و «ضعف» من قوله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً (سورة الروم آية 54).
(2/270)

أمّا في الأنفال، فقد قرأ المرموز له بالنون من «نل» ومدلول «فتى» وهم:
«عاصم، وحمزة، وخلف العاشر» «ضعفا» بفتح الضاد.
وقرأ المرموز له بالثاء من «ثب» وهو «أبو جعفر» «ضعفاء» بضم الضاد.
وفتح العين، والفاء، وبعدها ألف، وبعد الألف همزة مفتوحة بلا تنوين، جمع «ضعيف» مثل: «ظرفاء وظريف» وحينئذ يصبح المدّ عنده متصلا فيمد حسب مذهبه.
وقرأ الباقون «ضعفا» بضم الضاد. والضعف بفتح الضاد لغة «تميم» وبضمها لغة «قريش» والضعف: خلاف القوّة، والصحة.
وأمّا في الروم فقد قرأ المرموز له بالصاد من «صب» والعين من «عن» بخلف عنه، والفاء من «فوز» وهم: «شعبة، وحمزة، وحفص» بخلف عنه بفتح الضاد في المواضع الثلاثة.
وقرأ الباقون بضم الضاد، وهو الوجه الثاني «لحفص».
قال ابن الجزري:
.......... أن يكون أنّثا ... ثبت حما ..........
المعنى: اختلف القراء في «أن يكون» من قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (سورة الأنفال آية 67).
فقرأ المرموز له بالثاء من «ثبت» ومدلول «حما» وهم: «أبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب» «أن تكون» بتاء التأنيث، لتأنيث لفظ «أسرى» بألف التأنيث المقصورة.
وقرأ الباقون «أن يكون» بياء التذكير، حملا على تذكير معنى «أسرى» لأن المراد: «الرجال».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... أسرى أسارى ثلثا
من الأسارى حز ثنا .... ... ..........
(2/271)

المعنى: اختلف القراء في «أسرى» من قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (سورة الأنفال آية 67) و «الأسرى» من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى (سورة الأنفال آية 70).
أمّا «أسرى» فقرأ المرموز له بالثاء من «ثلثا» وهو: «أبو جعفر» «أسارى» بضم الهمزة، وفتح السين، وألف بعدها، على وزن «سكارى».
وقرأ الباقون «أسرى» بفتح الهمزة، وسكون السين، على وزن «سكرى». و «أسارى، وأسرى» جمع «أسير».
وأمّا «الأسرى» فقرأ المرموز له بالحاء من «حز» والثاء من «ثنا» وهما: «أبو عمرو، وأبو جعفر» «الأسارى» بضم الهمزة، وفتح السين، وألف بعدها، على وزن «سكارى».
وقرأ الباقون «الأسرى» بفتح الهمزة، وسكون السين، على وزن «سكرى».
قال ابن الجزري:
.......... ولاية ... فاكسر فشا الكهف فتى رواية
المعنى: اختلف القراء في «وليتهم» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا (سورة الأنفال آية 72) و «الولية» من قوله تعالى: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ (سورة الكهف آية 44).
أمّا في الأنفال فقرأ المرموز له بالفاء من «فشا» وهو: «حمزة» «وليتهم» بكسر الواو.
وقرأ الباقون بفتح الواو، وهما لغتان في مصدر «ولّيت الأمر إليه ولاية» ومعناها: النصرة، والعرب تقول: «نحن لكم على بني فلان ولاية» أي أنصار.
(2/272)

وأمّا في «الكهف» فقرأ مدلول «فتى» والمرموز له بالراء من «رواية» وهم:
«حمزة، وخلف العاشر، والكسائي» «الولاية» بكسر الواو.
وقرأ الباقون بفتحها.
(والله أعلم) تمّت سورة الأنفال ولله الحمد والشكر
(2/273)

سورة التوبة
قال ابن الجزري:
وكسر لا أيمان كم .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «لا أيمن» من قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ (سورة التوبة آية 12).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» وهو: «ابن عامر» «لا ايمن» بكسر الهمزة، على أنه مصدر «آمنته» من «الأمان» أي: لا يوفون لأحد بأمان يعقدونه، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى عنهم: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً (سورة التوبة آية 10). ويجوز أن يكون مصدرا من «الإيمان» الذي هو التصديق، أي هم لا إيمان لهم بل هم كفار، بدليل قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ.
وقرأ الباقون «لا أيمن» بفتح الهمزة، على أنه جمع «يمين» ودليل ذلك قوله تعالى قبل: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (آية 4) والمعاهدة تكون بالأيمان، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى بعد: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ (آية 13).
قال ابن الجزري:
.......... مسجد حق ... الأوّل وحّد ..........
المعنى: اختلف القراء في لفظ «مسجد» الأوّل من قوله تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ (سورة التوبة آية 17).
(2/275)

فقرأ مدلول «حق» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «مسجد» بالتوحيد، لأن المراد به المسجد الحرام. ويؤيّد هذا قوله تعالى بعد: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ (سورة التوبة آية 19).
وقرأ الباقون «مسجد» بالجمع، على أن المراد جميع المساجد، ويدخل المسجد الحرام من باب أولى، ويؤيد هذا قوله تعالى بعد: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (آية 18).
تنبيه: «مسجد» الثاني من قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (آية 18)، اتفق القراء العشرة على قراءته بالجمع، لأن المراد جميع المساجد.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وعشيرات صدق
جمعا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «وعشيرتكم» من قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ (سورة التوبة آية 24).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صدق» وهو: «شعبة» «عشيراتكم» بألف بعد الراء، على الجمع، لأن كل واحد من المخاطبين عشيرة. والعشيرة: «القبيلة» ولا واحد لها من لفظها، والجمع: «عشيرات، وعشائر».
وقرأ الباقون «وعشيرتكم» بغير ألف على الإفراد، لأن «العشيرة» واقعة على الجمع، لإضافتها إلى الجمع، أي عشيرة كلّ منكم فاستغني بذلك عن الجمع.
قال ابن الجزري:
.......... عزير نوّنوا رم نل ظبى ... ..........
(2/276)

المعنى: اختلف القراء في «عزير» من قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ (سورة التوبة آية 30).
فقرأ المرموز له بالراء من «رم» والنون من «نل» والظاء من «ظبى» وهم:
«الكسائي، وعاصم، ويعقوب» «عزير» بالتنوين، وكسره حال الوصل، على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، ولا يجوز ضمه «للكسائي» على مذهبه حيث يقرأ بضم أوّل الساكنين، لأن ضمة نون «ابن» ضمة إعراب، فهي ضمة غير لازمة.
و «عزير» وإن كان اسما أعجميّا إلا أنه صرف لخفّته، مثل: «نوح ولوط». وقيل: صرف لأنه جاء على صورة الأسماء العربية المصغّرة، مثل:
«نصير، وبكير» فلما أشبهها نوّن وصرف، وإن كان في الأصل أعجميّا. وحينئذ يعرب «عزير» مبتدأ، و «ابن» خبر، ولفظ الجلالة «الله» مضاف إليه، والجملة في محلّ نصب مقول القول.
وقرأ الباقون «عزير» بضم الراء، وحذف التنوين، لأنه اسم أعجمي ممنوع من الصرف.
وحينئذ يعرب «عزير» مبتدأ، و «ابن» صفة، ولفظ الجلالة مضافا إليه، وخبرا لمبتدإ محذوف، والتقدير: «معبودنا» والجملة في محل نصب مقول القول.
قال ابن الجزري:
.......... ... عين عشر في الكلّ سكّن ثغبا
المعنى: اختلف القراء في إسكان، وفتح «عين عشر» في جميع القرآن نحو قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً (سورة التوبة آية 36).
وقوله تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً (سورة يوسف آية 4). وقوله تعالى:
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (سورة المدثر آية 30).
فقرأ المرموز له بالثاء من «ثغبا» وهو: «أبو جعفر» «اثنا عشر» بإسكان
(2/277)

العين، ومدّ الألف مدّا مشبعا لأجل الساكن، لأنه حينئذ أصبح من باب المدّ اللازم. وقرأ «أحد عشر، تسعة عشر» بإسكان العين أيضا، كل هذا حالة وصل: «اثنا، أحد، تسعة» ب «عشر». أمّا إذا أراد الابتداء على وجه الاختبار ب «عشر» فإنه حينئذ يبتدئ بفتح العين.
وقرأ الباقون كل ذلك بفتح عين «عشر» وصلا، وبدءا. والفتح، والإسكان لغتان صحيحتان، ولا يلتفت لمن طعن على قراءة «أبي جعفر» نظرا لالتقاء الساكنين وصلا، فقد سمع ذلك عن العرب في قولهم: «التقت حلقتا البطان» بإثبات ألف «حلقتا».
وورود القراءة من أقوى الأدلة على صحة ذلك لغة، لأن القرآن الكريم أنزل بلسان عربي مبين.
قال ابن الجزري:
يضلّ فتح الضاد صحب ضمّ يا ... صحب ظبا ..........
المعنى: اختلف القراء في «يضل» من قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا (سورة التوبة آية 37).
فقرأ مدلول «صحب» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يضلّ» بضمّ الياء، وفتح الضاد، وهو مضارع مبني للمفعول من «أضلّ» الرباعي، على معنى: أن كبراءهم يحملونهم على تأخير حرمة الشهر الحرام، فيضلونهم بذلك، و «الذين كفروا» نائب فاعل.
وقرأ المرموز له بالظاء من «ظبى» وهو: «يعقوب» «يضلّ» بضم الياء، وكسر الضاد، على البناء للفاعل، وهو مضارع من «أضلّ» أيضا، والفاعل ضمير يعود على «الله» المتقدم ذكره في قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً (آية 36) و «الذين كفروا» مفعول.
وقرأ الباقون «يضلّ» بفتح الياء، وكسر الضاد، على أنه مضارع «ضلّ»
(2/278)

الثلاثي مبني للفاعل، و «الذين كفروا» فاعل، وأسند الفعل إلى الكفار، لأنهم هم الضالّون في أنفسهم بذلك التأخير، ولأنهم يحلّون ما حرّم الله.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... كلمة انصب ثانيا
رفعا ومدخلا مع الفتح لضم ... يلمز ضمّ الكسر في الكلّ ظلم
المعنى: اختلف القراء في ثلاث كلمات وهي:
1 - «كلمة» الثانية، وهي المضافة إلى «الله» من قوله تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا (سورة التوبة آية 40).
2 - «مدخلا» من قوله تعالى: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (سورة التوبة آية 57).
3 - «يلمز» حيثما وقع في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ (سورة التوبة آية 58). وقوله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ (سورة التوبة آية 79). وقوله تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ (سورة الحجرات آية 11).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظلم» وهو: «يعقوب» «وكلمة الله هي العليا» بنصب التاء، عطفا على «كلمة» الأولى الواقعة مفعولا ل «جعل» وجملة «هي العليا» في محلّ نصب مفعول ثان.
وقرأ الباقون «كلمة الله» برفع التاء، على الابتداء، وجملة «هي العليا» في محلّ رفع خبر المبتدإ.
وقرأ «يعقوب» «مدخلا» بفتح الميم، وإسكان الدال مخففة، على أنه اسم مكان من «دخل يدخل» الثلاثي.
وقرأ الباقون «مدّخلا» بضم الميم، وفتح الدال مشدّدة، على أنه اسم مكان من «ادخل» على وزن «افتعل». والأصل «مدتخلا» فأدغمت الدال في
(2/279)

التاء، للتجانس بينهما إذ يخرجان من طرف اللسان مع ما يليه من أصول الثنايا العليا. كما أنهما مشتركان في الصفات الآتية: الشدّة، والاستفال، والانفتاح، والإصمات.
وقرأ «يعقوب» «يلمزك، يلمزون، تلمزوا» بضم الميم، على أنه مضارع «لمز يلمز» من باب «نصر ينصر». واللمز: الاغتياب، وتتبع المعاب.
وقرأ الباقون الألفاظ الثلاثة بكسر الميم، على أنه مضارع «لمز يلمز» من باب «ضرب يضرب».
قال ابن الجزري:
يقبل رد فتى .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «تقبل» من قوله تعالى: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ (سورة التوبة آية 54).
فقرأ المرموز له بالراء من «رد» ومدلول «فتى» وهم: «الكسائي، وحمزة، وخلف العاشر» «يقبل» بالياء، على تذكير الفعل، لأن «نفقتهم» تأنيثها غير حقيقي.
وقرأ الباقون «تقبل» بالتاء، على تأنيث الفعل، وذلك لتأنيث لفظ «نفقت».
قال ابن الجزري:
.......... ورحمة رفع ... فاخفض فشا ..........
المعنى: اختلف القراء في «ورحمة» من قوله تعالى: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ (سورة التوبة آية 61).
فقرأ المرموز له بالفاء من «فشا» وهو: «حمزة» «ورحمة» بخفض التاء، على أنه معطوف على «خير» أي هو «أذن خير، وأذن رحمة».
(2/280)

وقرأ الباقون «ورحمة» برفع التاء، على أنه معطوف على «أذن» أي هو أذن خير ورحمة للمؤمنين. ويجوز أن يكون «ورحمة» خبرا لمبتدإ محذوف، أي وهو رحمة.
قال ابن الجزري:
.......... ... ... يعف بنون سمّ مع
نون لدى أنثى تعذّب مثله ... وبعد نصب الرفع نل ....
المعنى: اختلف القراء في «نعف، نعذب، طائفة» من قوله تعالى: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً (سورة التوبة آية 66).
فقرأ المرموز له بالنون من «نل» وهو: «عاصم» «نعف» بنون مفتوحة، وضمّ الفاء، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره «نحن» يعود على «الله» تعالى المتقدم ذكره في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (آية 64).
وقرأ «نعذّب» بنون العظمة مضمومة، وكسر الذال مشددة، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره «نحن» يعود على «الله» تعالى أيضا.
وقرأ «طائفة» بالنصب مفعولا به.
وقرأ الباقون «يعف» بياء تحتية مضمومة، وفتح الفاء، على البناء للمفعول، ونائب الفاعل «عن طائفة». وقرءوا «تعذّب» بتاء فوقية مضمومة.
وفتح الذال مشدّدة، على البناء للمفعول.
وقرءوا «طائفة» بالرفع نائب فاعل «تعذّب».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وظلّه
المعذرون الخفّ .......... ... ..........
(2/281)

المعنى: اختلف القراء في «المعذرون» من قوله تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ (سورة التوبة آية 90).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظلّه» وهو: «يعقوب» «المعذرون» بسكون العين، وكسر الذال مخففة، على أنه اسم فاعل من «أعذر» الرباعي.
وقرأ الباقون «المعذّرون» بفتح العين، وكسر الذال مشدّدة، وهذه القراءة توجيهها يحتمل أمرين:
الأول: أن تكون اسم فاعل من «عذّر» مضعّف العين.
والثاني: أن تكون اسم فاعل من «اعتذر» ثم أدغمت التاء في الذال، لوجود التقارب بينهما في المخرج، إذ التاء تخرج من طرف اللسان مع ما يليه من أصول الثنايا، والذال تخرج من طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا.
كما أنهما مشتركان في الصفات الآتية: الشدة، والاستفال، والانفتاح، والإصمات.
قال ابن الجزري:
.......... والسّوء اضمما ... كثان فتح حبر ..........
المعنى: اختلف القراء في «السّوء» من قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (سورة التوبة آية 98). ومن قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الموضع الثاني في سورة الفتح (آية 6).
فقرأ مدلول «حبر» وهما: «ابن كثير، وأبو عمرو» «السّوء» في الموضعين بضم السين المشدّدة.
وقرأ الباقون في الموضعين «السّوء» بفتح السين المشدّدة.
وجه قراءة الضم أن المراد ب «السّوء»: «الهزيمة والشر، والبلاء» وحينئذ يكون المعنى: عليهم دائرة الهزيمة، والشر، والبلاء. يقال: رجل سوء بضم السين، أي رجل شر، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (سورة النحل آية 27).
(2/282)

ووجه قراءة الفتح أن المراد ب «السّوء»: «الرداءة، والفساد» وحينئذ يكون المعنى: عليهم دائرة الفساد.

تنبيه:
ما عدا هذين الموضعين من لفظ «السوء» لا خلاف فيه بين القراء، وهو نوعان:
الأول: ما يقرأ بفتح السين المشدّدة قولا واحدا مثل قوله تعالى:
1 - الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ (الموضع الأول من الفتح (آية 6).
2 - لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ (سورة النحل آية 60).
3 - وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ (سورة الفرقان آية 40).
4 - وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ (الموضع الثالث من سورة الفتح آية 12).
النوع الثاني: ما يقرأ بضم السين المشدّدة قولا واحدا، مثل قوله تعالى:
1 - كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ (سورة يوسف آية 24).
2 - إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (سورة يوسف آية 53).
3 - إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (سورة النحل آية 27).
4 - وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (سورة النحل آية 94).
5 - ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ (سورة النحل آية 119).
6 - أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ (سورة النمل آية 62).
7 - وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ (سورة الزمر آية 61).
8 - وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ (سورة الممتحنة آية 2).
وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن القراءة سنة متبعة، وليست مبنية على القياس.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... الانصار ظما
برفع خفض .......... ... ..........
(2/283)

المعنى: اختلف القراء في «والأنصار» من قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ (سورة التوبة آية 100).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظما» وهو: «يعقوب» «والأنصار» برفع الراء، على أنه مبتدأ، خبره قوله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وقرأ الباقون «والأنصار» بخفض الراء، عطفا على «المهاجرين».
قال ابن الجزري:
.......... تحتها اخفض وزد ... من دم ..........
المعنى: اختلف القراء في «تحتها» من قوله تعالى: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ (سورة التوبة آية 100).
فقرأ المرموز له بالدال من «دم» وهو: «ابن كثير» «من تحتها» بزيادة لفظ «من» قبل «تحتها» مع خفض التاء بالكسرة. وهذه القراءة موافقة لرسم المصحف المكي «1».
وقرأ الباقون «تحتها» بدون «من» مع فتح التاء. وهذه القراءة موافقة لرسم المصاحف غير المصحف المكي.

تنبيه:
اتفق القراء العشرة على إثبات «من» قبل «تحتها» في سائر القرآن عدا الموضع المتقدم الذي فيه الخلاف، وقد اتفقت المصاحف العثمانية على رسم «من» قبل «تحتها»، مثال ذلك قوله تعالى:
1 - مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (سورة الرعد آية 35).
2 - وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (سورة إبراهيم آية 23، وسورة النحل آية 31، وسورة طه آية 76، وسورة الحج الآيتان 14،
__________
(1) قال ابن عاشر: ومن مع تحتها آخر توبة يعن للمك.
(2/284)

23، وسورة الفرقان آية 10، وسورة العنكبوت آية 58، وسورة الزمر آية 20، وسورة محمد آية 12، وسورة الفتح الآيتان 5، 17، وسورة الحديد آية 12، وسورة المجادلة آية 22، وسورة الصف آية 12، وسورة التغابن آية 9، وسورة الطلاق آية 11، وسورة التحريم آية 8، وسورة البروج آية 11، وسورة البينة آية 8).
قال ابن الجزري:
.......... ... .... صلاتك لصحب وحّد
مع هود وافتح تاءه هنا ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء هنا في «صلوتك» من قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (سورة التوبة آية 103) و «أصلوتك» من قوله تعالى:
قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا (سورة هود آية 87).
فقرأ مدلول «صحب» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «صلوتك» بالتوحيد، ونصب التاء، على أن المراد بها الجنس. وقيل:
الصلاة معناها: الدعاء، وهي مصدر، والمصدر يطلق على القليل والكثير بلفظه.
وقرأ الباقون «صلواتك» بالجمع، وكسر التاء، ووجه ذلك أن الدعاء أنواعه مختلفة، فجمع لذلك.

تنبيه:
اتفق القراء على القراءة بالتوحيد في قوله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً (سورة الأنفال آية 35) كما اتفقوا على القراءة بالجمع في قوله تعالى: وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ (سورة التوبة آية 99).
وأمّا موضع هود فقد قرأ «صحب» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «أصلوتك» بالإفراد، ورفع التاء، وسبق توجيه ذلك.
وقرأ الباقون «أصلواتك» بالجمع ورفع التاء، وتقدم توجيه ذلك.
(2/285)

قال ابن الجزري:
.......... ودع ... واو الذين عمّ ..........
المعنى: اختلف القراء في «والذين» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً (سورة التوبة آية 107).
فقرأ مدلول «عمّ» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «الذين» بحذف الواو التي قبلها، وهذه القراءة موافقة لرسم مصحف المدينة، والشام «1».
و «الذين» مبتدأ، وخبره جملة لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً (آية 108).
وقرأ الباقون «والذين» بإثبات واو قبل «الذين» وهذه القراءة موافقة لرسم مصحف: مكة، والبصرة، والكوفة. والواو حرف عطف، و «الذين» معطوف على: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ (آية 106)، وهما معطوفان على:
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ الخ (آية 75) أي «ومنهم من عاهد الله، ومنهم من يلمزك في الصدقات، ومنهم الذين يؤذون النبيّ، ومنهم آخرون مرجون لأمر الله، ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا» لأن هذه كلها صفات للمنافقين.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... بنيان ارتفع
مع أسس اضمم واكسر اعلم كم معا ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «أسس بنينه» معا، من قوله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ (سورة التوبة آية 109).
__________
(1) قال ابن عاشر:
والذين بعد المدني ... والشام لا واو بها فاستبن
(2/286)

فقرأ المرموز له بالألف من «اعلم» والكاف من «كم» وهما: «نافع، وابن عامر» «أسّس» في الموضعين، بضم الهمزة، وكسر السين، على البناء للمفعول، و «بنينه» بالرفع، نائب فاعل.
وقرأ الباقون «أسّس» في الموضعين بفتح الهمزة، والسين، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير مستتر يعود على «من» و «بنينه» بالنصب مفعول به.

تنبيه:
اتفق القراء العشرة على القراءة بالبناء للمفعول في قوله تعالى:
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى (آية 108).
قال ابن الجزري:
.......... ... إلّا إلى أن ظفر ..........
المعنى: اختلف القراء في «إلّا أن» من قوله تعالى: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ (سورة التوبة آية 110).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظفر» وهو: «يعقوب» «إلى» بتخفيف اللام، على أنها حرف جرّ.
وقرأ الباقون «إلّا» بتشديد اللام، على أنها حرف استثناء، والمستثنى منه محذوف، أي: لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت من الأوقات إلّا وقت تقطيع قلوبهم بحيث لا يبقى لها قابلية الإدراك.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... تقطّعا
ضمّ اتل صف حبر روى .... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «تقطع» من قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ (سورة التوبة آية 110).
فقرأ المرموز له بالألف من «اتل» والصاد من «صف» ومدلولا «حبر»،
(2/287)

و «روى» وهم: «نافع، وشعبة، وابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وخلف العاشر» «تقطع» بضم التاء، على البناء للمفعول، مضارع «قطّع» مضعّف العين، و «قلوبهم» نائب فاعل.
وقرأ الباقون «تقطع» بفتح التاء، على البناء للفاعل، مضارع تقطع، والأصل «تتقطع» فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، و «قلوبهم» فاعل.
قال ابن الجزري:
.......... يزيغ عن ... فوز ..........
المعنى: اختلف القراء في «يزيغ» من قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ (سورة التوبة آية 117).
فقرأ المرموز له بالعين من «عن» والفاء من «فوز» وهما: «حفص، وحمزة» «يزيغ» بالياء التحتية، على تذكير الفعل، واسم «كاد» ضمير الشأن، وجملة «يزيغ قلوب فريق منهم» خبر «كاد» وجاز تذكير الفعل لأن الفاعل وهو «قلوب» جمع تكسير.
وقرأ الباقون «تزيغ» بالتاء الفوقية على تأنيث الفعل، لأن الفاعل إذا كان جمع تكسير جاز في فعله التذكير والتأنيث، وعلى تأنيث الفعل جاء قوله تعالى:
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا (سورة الحجرات آية 14). يقال: «زاغت الشمس تزيغ زيغا»: بمعنى مالت. ويقال: «زاغ يزوغ زوغا» لغة «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... .... يرون خاطبوا فيه ظعن
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فيه» والظاء من «ظعن» وهما: «حمزة، ويعقوب» «يرون» من قوله تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ
__________
(1) انظر: المصباح المنير ج 1/ 261.
(2/288)

مَرَّتَيْنِ (سورة التوبة آية 126) بتاء الخطاب، والمخاطب المؤمنون على جهة التعجب، والتنبيه لهم بما يعرض للمنافقين من الفتن، وهم لا يزدجرون بها عن نفاقهم. و «ترى» بصريّة، و «أنهم يفتنون» الخ سدّت مسدّ مفعولي «ترى».
وقرأ الباقون «يرون» بياء الغيبة، جريا على نسق ما قبله من الإخبار عن المنافقين في قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ (آية 125)، وفي الكلام معنى التوبيخ لهم، والتقريع على تماديهم على نفاقهم مع ما يرون من الفتن، والمحن في أنفسهم فلا يتوبون من نفاقهم و «يرى» بصرية أيضا، و «أنهم يفتنون» الخ سدّت مسدّ مفعولي «يرى».
(والله أعلم) تمّت سورة التوبة ولله الحمد والشكر
(2/289)

سورة يونس عليه السلام
قال ابن الجزري:
وإنّه افتح ثق .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «إنّه» من قوله تعالى: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (سورة يونس آية 4).
فقرأ المرموز له بالثاء من «ثق» وهو: «أبو جعفر» «أنّه» بفتح الهمزة، على تقدير حذف لام الجرّ، أي: لأنه يبدأ الخلق.
قال «أبو جعفر النحاس» ت 338 هـ-:
«أنّ» في موضع نصب، أي وعدكم أنّه يبدأ الخلق» اهـ- «1».
وقرأ الباقون «إنّه» بكسر الهمزة، على الاستئناف.
قال ابن الجزري:
.......... ويا يفصّل ... حقّ علا ..........
المعنى: اختلف القراء في «يفصل» من قوله تعالى: يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (سورة يونس آية 5).
فقرأ مدلول «حقّ» والمرموز له بالعين من «علا» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وحفص» «يفصّل» بالياء التحتية على الغيب، وذلك جريا على السياق لمناسبة قوله تعالى قبل: ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ (آية 5).
وقرأ الباقون «نفصّل» بنون العظمة، على الالتفات من الغيبة إلى
__________
(1) انظر: اعراب القرآن للنحاس ج 2/ 49.
(2/291)

التكلم، وليتناسب مع قوله تعالى أول السورة: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ (آية 2).
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... قضي سمّى أجل
في رفعه انصب كم ظبى ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «لقضي إليهم أجلهم» من قوله تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ (سورة يونس آية 11).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» والظاء من «ظبى» وهما: «ابن عامر، ويعقوب» «لقضى» بفتح القاف، والضاد، وقلب الياء ألفا، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير مستتر يعود على «الله تعالى». وقرآ «أجلهم» بالنصب مفعولا به.
وقرأ الباقون «لقضي» بضم القاف، وكسر الضاد، وفتح الياء، على البناء للمفعول. وقرءوا «أجلهم» بالرفع، نائب فاعل.
قال ابن الجزري:
.......... واقصر ولا ... أدرى ولا أقسم الاولى زن هلا
خلف .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في حذف وإثبات الألف التي بعد اللام من قوله تعالى:
1 - قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ (سورة يونس آية 16).
2 - لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (سورة القيامة آية 1).
فقرأ المرموز له بالزاي من «زن» والهاء من «هلا» بخلف عنه، وهو «ابن كثير» بخلف عن «البزّي» «ولأدركم» بحذف الألف التي بعد اللام، على أن
(2/292)

اللام لام الابتداء قصد بها التوكيد، أي لو شاء الله ما تلوت القرآن عليكم، ولو شاء لأعلمكم بالقرآن على لسان غيري.
وقرأ الباقون «ولا أدراكم» بإثبات ألف بعد اللام، وهو الوجه الثاني «للبزّي» على أنها «لا» النافية مؤكّدة، أي لو شاء الله ما قرأت القرآن عليكم، ولا أعلمكم به الله تعالى على لسان غيري.
وقرأ «ابن كثير» بخلف عن «البزّي» «لأقسم» بهمزة بعد اللام من غير ألف، على أن «اللام» لام قسم، دخلت على «أقسم» وجعل «أقسم» حالا أي حاضرا، وإذا كان الفعل حالا لم تلزمه النون، لأن النون المشددة- أي نون التوكيد الثقيلة- إنما تدخل لتأكيد القسم، ولتؤذن بالاستقبال، فإذا لم يكن الفعل للاستقبال وجب ترك دخول النون فيه.
وقيل: إنّ «اللام» لام الابتداء للتأكيد.
وقرأ الباقون «لا أقسم» بألف بعد اللام، وبهمزة قبل القاف، وهو الوجه الثاني «للبزّي».
قال «أبو عبيدة معمر بن المثنى» ت 210 هـ-:
«إنّ «لا» زائدة، والتقدير: أقسم، وزيادتها جارية في كلام العرب، كما في قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ (سورة الأعراف آية 12) يعني:
«أن تسجد» فالمعنى: أقسم بيوم القيامة» اهـ- «1».
وقال «أبو زكريا الفراء» ت 207 هـ-:
«هي ردّ لكلامهم حيث أنكروا البعث، كأنه قال: ليس الأمر كما ذكرتم أقسم بيوم القيامة، وذلك كقول القائل: «لا والله»، ف «لا» ردّ لكلام قد تقدّمها» اهـ- «2».
__________
(1) انظر: الكشف عن وجوه القراءات ج 2/ 349.
(2) انظر: الكشف عن وجوه القراءات ج 2/ 349.
وتفسير الشوكاني ج 5/ 335.
(2/293)

قال ابن الجزري:
.......... وعمّا يشركوا كالنّحل مع ... روم سما نل كم ..........
المعنى: اختلف القراء في «يشركون» في أربعة مواضع وهي:
1 - قوله تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (سورة يونس آية 18).
2 - قوله تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (سورة النحل آية 1).
3 - قوله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (سورة النحل آية 3).
4 - قوله تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ* ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (سورة الروم الآيتان 40 - 41).
فقرأ مدلول «سما» والمرموز له بالنون من «نل» والكاف من «كم» وهم:
«نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب» «يشركون» في المواضع الأربعة بياء الغيبة، وذلك على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
وقرأ الباقون وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تشركون» في المواضع الأربعة بتاء الخطاب، وذلك جريا على نسق ما قبله:
أمّا في «يونس» فلمناسبة الخطاب في قوله تعالى في الآية نفسها: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ (سورة يونس آية 18).
وأمّا في «النحل» فلمناسبة الخطاب قبل في الآية نفسها وهو قوله تعالى:
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ (آية 1).
وأمّا في «الروم» فلمناسبة الخطاب قبل في الآية نفسها وهو قوله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ الخ. (آية 40) قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ويمكروا شفع
(2/294)

المعنى: اختلف القراء في «ما تمكرون» من قوله تعالى: إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (سورة يونس آية 21).
فقرأ المرموز له بالشين من «شفع» وهو: «روح» «ما يمكرون» بياء الغيبة، جريا على ما قبله، وهو قوله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا.
وقرأ الباقون «ما تمكرون» بتاء الخطاب، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
قال ابن الجزري:
وكم ثنا ينشر في يسيّر ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يسيركم» من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (سورة يونس آية 22).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» والثاء من «ثنا» وهما: «ابن عامر، وأبو جعفر» «ينشركم» بياء مفتوحة، وبعدها نون ساكنة، وبعد النون شين معجمة مضمومة، من «النشر».
والمعنى: الله تعالى هو الذي يبثكم، ويفرقكم في البرّ والبحر، كما قال تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (سورة الجمعة آية 10).
وقرأ الباقون «يسيّركم» بياء مضمومة، وبعدها سين مهملة مفتوحة، وبعدها ياء مكسورة مشدّدة، من «التسيير» أي يحملكم على السير، ويمكنكم منه، ومنه قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (سورة النمل آية 69).

تنبيه:
جاء في «المقنع»: في يونس في مصاحف أهل الشام: هُوَ الَّذِي
(2/295)

يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (آية 22). بالنون والشين، وفي سائر المصاحف «يسيركم» بالسين والياء» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... متاع لا حفص ..........
المعنى: اختلف القراء في «متاع» من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا (سورة يونس آية 23).
فقرأ «حفص» «متع» بنصب العين، على أنه مصدر مؤكد لعامله، أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا.
وقرأ الباقون «متع» بالرفع، على أنه خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: ذلك هو متاع الحياة الدنيا.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وقطعا ظفر
رم دن سكونا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «قطعا» من قوله تعالى: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً (سورة يونس آية 27).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظفر» والراء من «رم» والدال من «دن» وهم:
«يعقوب، والكسائي، وابن كثير» «قطعا» بسكون الطاء، وتوجّه هذه القراءة بوجهين:
الأول: أن «قطعا» جمع «قطعة» مثل: «سدر، وسدرة».
__________
(1) انظر: المقنع في مرسوم أهل الأمصار ص 104.
وقال «ابن عاشر»: وفي يسيركم ينشركم للشام
(2/296)

والثاني: أنّ «قطعا» مفرد، والمراد به: ظلمة آخر الليل، وقيل: سواد الليل، و «مظلما» صفة ل «قطعا».
وقرأ الباقون «قطعا» بفتح الطاء، جمع «قطعة» مثل: «خرق» جمع «خرقة». ومعنى الكلام: كأنما أغشي وجه كلّ إنسان منهم قطعة من الليل، ثم جمع ذلك، لأن الوجوه جماعة، و «مظلما» حال من «الليل». والمعنى: كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته.
قال ابن الجزري:
...... باء تبلوا التا شفا ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «تبلوا» من قوله تعالى: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ (سورة يونس آية 30).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تتلوا» بتاءين.
قال «الأخفش سعيد بن مسعدة» ت 215 هـ-:
«تتلوا من التلاوة، أي: تقرأ كل نفس ما أسلفت، ودليله قوله تعالى:
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (سورة الإسراء آية 14) «1».
وقرأ الباقون «تبلوا» بالتاء المثناة الفوقية، والباء الموحدة، من «الابتلاء» وهو: الاختبار. أي: هنالك في يوم القيامة تختبر كل نفس ما قدمت من عمل فتعاين قبحه وحسنه لتجزى به.
قال ابن الجزري:
.......... ... لا يهد خفّهم ويا اكسر صرفا
__________
(1) انظر: حجة القراءات لابن زنجلة ص 331.
(2/297)

والهاء نل ظلما وأسكن ذا بدا ... خلفهما شفا خذ الإخفا حدا
خلف به ذق .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «لا يهدي» من قوله تعالى: أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى (سورة يونس آية 35).
والقراء فيها على سبع مراتب:
الأولى: «لحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يهدي» بفتح الياء، وإسكان الهاء، وتخفيف الدال.
الثانية: ل «شعبة» «يهدّي» بكسر الياء، والهاء، وتشديد الدال.
الثالثة: «لحفص، ويعقوب» «يهدّي» بفتح الياء، وكسر الهاء، وتشديد الدال.
الرابعة: «لابن وردان» «يهدي» بفتح الياء، وإسكان الهاء، وتشديد الدال.
الخامسة: «لورش، وابن كثير، وابن عامر» «يهدّي» بفتح الياء، والهاء، وتشديد الدال.
السادسة: «لقالون، وابن جمّاز» يهدّي» بفتح الياء، وتشديد الدال، ولهما في الهاء: الإسكان، واختلاس فتحتها.
السابعة: «لأبي عمرو» «يهدّي» بفتح الياء، وتشديد الدال، وله في الهاء:
الفتح والاختلاس.
وجه كسر الهاء التخلّص من الساكنين، لأن أصلها «يهتدي» فلما سكنت التاء لأجل الإدغام في الدال، كسرت الهاء للتخلص من الساكنين.
ومن فتح الهاء نقل فتحة التاء لها. ووجه من كسر الياء أنه أتبع الياء للهاء المكسورة.
(2/298)

قال ابن الجزري:
.......... تفرحوا غث خاطبوا ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «فليفرحوا» من قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (سورة يونس آية 58).
فقرأ المرموز له بالغين من «غث» وهو: «رويس» «فلتفرحوا» بتاء الخطاب، جريا على السياق، ولمناسبة قوله تعالى قبل: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ (آية 57).
وقرأ الباقون «فليفرحوا» بياء الغيبة، لمناسبة الغيبة في قوله تعالى قبل:
وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (آية 57) يقال: «فرح يفرح فرحا، فهو فرح، وفرحان». والفرح: لذّة القلب بنيل ما يشتهي، ويعدّى بالهمزة وبالتضعيف.
قال ابن الجزري:
.......... ... وتجمعوا ثب كم غوى ....
المعنى: اختلف القراء في «يجمعون» من قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (سورة يونس آية 58).
فقرأ المرموز له بالثاء من «ثب» والكاف من «كم» والغين من «غوى» وهم: «أبو جعفر، وابن عامر، ورويس» «تجمعون» بتاء الخطاب، لأن بعده خطابا في قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا (آية 59)، فيحمل صدر الكلام على آخره، ليتفق اللفظ، فيكون الضمير في «تجمعون» للكفار، على معنى: ولو كنتم مؤمنين لوجب أن تفرحوا بفضل الله وبرحمته، فهو خير مما تجمعون في دنياكم أيها الكفار.
وقرأ الباقون «يجمعون» بياء الغيبة، وحينئذ يكون الضمير في «يجمعون»
(2/299)

للكفار، والمعنى: ليفرح المؤمنون بفضل الله، وبرحمته، خير لهم مما يجمعه الكفار في الدنيا.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... اكسر يعزب
ضمّا معا رم .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يعزب» في يونس، وفي سبأ، من قوله تعالى:
1 - وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (سورة يونس آية 61).
2 - لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ (سورة سبأ آية 3).
فقرأ المرموز له بالراء من «رم» وهو: «الكسائي» «يعزب» في الموضعين بكسر الزاي.
وقرأ الباقون «يعزب» في الموضعين بضم الزاي. والكسر، والضمّ لغتان في مضارع «عزب» مثل: «عرش يعرش» «فعزب يعزب» من بابي: «ضرب، وقتل».
يقال: عزب الشيء «عزوبا» من باب «قعد قعودا» ومعنى «يعزب»:
يغيب، ويخفى.
قال ابن الجزري:
.......... أصغر ارفع أكبرا ... ظلّ فتى ..........
المعنى: اختلف القراء في «ولا أصغر، ولا أكبر» من قوله تعالى: وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (سورة يونس آية 61).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظل» ومدلول «فتى» وهم: «يعقوب، وحمزة، وخلف العاشر» «ولا أصغر، ولا أكبر» برفع الراء فيهما، عطفا على محل «مثقال»
(2/300)

من قوله تعالى: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ لأن «مثقال» مرفوع محلّا، لأنه فاعل «يعزب» و «من» مزيدة فيه مثل زيادة الباء في قوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (سورة النساء آية 45) ومنع صرف «أصغر، وأكبر» للوصفية، ووزن الفعل.
وقرأ الباقون «ولا أصغر، ولا أكبر» بفتح الراء فيهما عطفا على لفظ «مثقال» أو «ذرّة» فهما مجروران بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعهما من الصرف.
تنبيه: اتفق القراء العشرة على رفع الراء من قوله تعالى: وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (سورة سبأ آية 3). وذلك لرفع «مثقال» في قوله تعالى: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ وهما معطوفان عليه.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... صل فاجمعوا وافتح غرا
خلف وظنّ شركاؤكم ...... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «فأجمعوا، وشركاءكم» من قوله تعالى:
فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ (سورة يونس آية 71).
أمّا «فأجمعوا» فقد قرأ المرموز له بالغين من «غرا» وهو: «رويس» بخلف عنه «فاجمعوا» بوصل الهمزة، وفتح الميم، على أنه فعل أمر من «جمع» الثلاثي ضدّ «فرق» ومنه قوله تعالى: فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (سورة طه آية 60). وقيل: «جمع، وأجمع» بمعنى واحد أي يستعمل كل مكان الآخر.
وقيل: «جمع» في الأعيان مثل: جمعت القوم، و «أجمع» في المعاني نحو: أجمعت أمري.
وقرأ الباقون «فأجمعوا» بهمزة قطع مفتوحة، وكسر الميم، وهو الوجه الثاني «لرويس» على أنه فعل أمر من «أجمع» الرباعي.
وأمّا «وشركاءكم» فقد قرأ المرموز له بالظاء من «ظنّ» وهو: «يعقوب»
(2/301)

«وشركاؤكم» برفع الهمزة، عطفا على الضمير المرفوع المتصل في «فأجمعوا».
ويجوز أن يكون مبتدأ حذف خبره، والتقدير: وشركاؤكم كذلك.
وقرأ الباقون «وشركاءكم» بنصب الهمزة، على أنه عطف نسق على «أمركم».
قال ابن الجزري:
.......... وخف ... تتّبعان النّون من له اختلف
المعنى: اختلف القراء في «ولا تتبعان» من قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (سورة يونس آية 89).
فقرأ المرموز له بالميم من «من» واللام من «له» بخلف وهما: «ابن ذكوان، وهشام» بخلف عنه «ولا تتّبعان» بتخفيف النون المكسورة، على أن «لا» نافية، ومعناها النهي، كقوله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها (سورة البقرة آية 233) على قراءة رفع الراء. وقيل: هي النون الثقيلة وخففت كما خففت باء «ربّ» وحذفت النون الأولى لسكونها، ولم تحذف النون الثانية لتحركها، وحذف الساكنة أقلّ تغييرا.
وقرأ الباقون «ولا تتبعانّ» بتشديد النون المكسورة، وهو الوجه الثاني «لهشام» وذلك على الأصل في نون التوكيد الثقيلة التي تدخل على الأفعال للتأكيد.
قال ابن الجزري:
يكون صف خلفا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «وتكون» من قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ (سورة يونس آية 78).
(2/302)

فقرأ المرموز له بالصاد من «صف» وهو: «شعبة» بخلف عنه «ويكون» بياء التذكير، لأن اسم «ويكون» وهو: «الكبرياء» جمع تكسير، وتأنيثه غير حقيقي.
وقرأ الباقون «وتكون» بتاء التأنيث، وهو الوجه الثاني «لشعبة» وذلك لتأنيث اسم «وتكون» ومنه قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا (سورة الحجرات آية 14).
قال ابن الجزري:
.......... وأنّه شفا ... فاكسر ..........
اختلف القراء في «أنّه» من قوله تعالى: قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ (سورة يونس آية 90).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «إنّه» بكسر الهمزة، لأنها بعد القول، والقول يحكى ما بعده.
وقرأ الباقون «أنّه» بفتح الهمزة، على تقدير حذف حرف الجرّ، وهو الباء، والتقدير: قال آمنت بأنه الخ. و «آمن» يتعدى بحرف الجر كما في قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (سورة البقرة آية 3).
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ويجعل بنون صرفا
المعنى: اختلف القراء في «ويجعل» من قوله تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (سورة يونس آية 100).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صرفا» وهو: «شعبة» «ونجعل» بنون العظمة، لمناسبة قوله تعالى قبل: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ
(2/303)

الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (آية 98) أو على الالتفات من الغيبة إلى التكلم.
وقرأ الباقون «ويجعل» بياء الغيبة، جريا على السياق، لمناسبة قوله تعالى:
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (والله أعلم) تمّت سورة يونس عليه السلام ولله الحمد والشكر
(2/304)

سورة هود عليه السلام
قال ابن الجزري:
إنّي لكم فتحا روى حقّ ثنا ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «إني لكم» من قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (سورة هود آية 25).
فقرأ مدلولا «روى، وحقّ» والمرموز له بالثاء من «ثنا» وهم: «الكسائي، وخلف العاشر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو جعفر» «أنّي لكم» في قصة نبي الله «نوح» عليه السلام بفتح الهمزة، على تقدير حرف الجرّ، أي:
«بأنّي» وذلك لأن «أرسل» يتعدّى إلى مفعولين الثاني بحرف جرّ.
وقرأ الباقون «إني لكم» بكسر الهمزة، على إضمار القول، والتقدير:
فقال: «إني لكم نذير مبين». وحذف القول جائز لغة، وورد به «القرآن الكريم» فمن ذلك قوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (سورة الرعد الآيتان 23 - 24) أي يقولون:
سلام عليكم.
قال ابن الجزري:
.......... ... عمّيت اضمم شدّ صحب
المعنى: اختلف القراء في «فعميت» من قوله تعالى: فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (سورة هود آية 28).
فقرأ مدلول «صحب» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «فعمّيت» بضم العين، وتشديد الميم، على البناء للمجهول، ونائب
(2/305)

الفاعل ضمير مستتر تقديره «هي» يعود على «رحمة» المتقدمة في قوله تعالى:
وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ (آية 28)، ومعنى «عمّيت»: أخفيت، كما يقال:
عمّيت عليه الأمر حتى لا يبصره.
وقرأ الباقون «فعميت» بفتح العين، وتخفيف الميم، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هي» يعود على «رحمة».

تنبيه:
«فعميت» من قوله تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ (سورة القصص آية 66) اتفق القراء العشرة على قراءته بفتح العين، وتخفيف الميم، على البناء للفاعل، لأنها في أمر الآخرة، ففرّق بينها وبين أمر الدنيا، فإن الشبهات تزول في الآخرة. والمعنى: ضلّت عنهم حججهم، وخفيت محجتهم.
قال ابن الجزري:
من كلّ فيهما علا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «من كل زوجين» في سورة «هود» وسورة «المؤمنون» من قوله تعالى:
1 - قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ (سورة هود آية 40).
2 - فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ (سورة المؤمنون آية 27).
فقرأ المرموز له بالعين من «علا» وهو: «حفص» «كلّ» في الموضعين، بالتنوين، والتنوين عوض عن المضاف إليه، أي من كلّ ذكر، وأنثى، و «زوجين» مفعول «احمل» و «اسلك». و «اثنين» نعت ل «زوجين» وفيه معنى التأكيد، كما قال الله تعالى: وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ (سورة النحل آية 51).
المعنى: احمل في السفينة يا نوح زوجين اثنين من كل شيء، ثم حذف ما أضيف إليه «كلّ» فنوّن «كلّ» فأصبح «كلّ».
وقرأ الباقون «كلّ» في الموضعين بترك التنوين، وذلك على إضافة «كلّ»
(2/306)

إلى «زوجين» والفاعل عدّي إلى «اثنين» وخفض «زوجين» لإضافة «كلّ» إليهما.
والتقدير: احمل يا نوح في السفينة اثنين من كلّ زوجين، أي من كل صنفين.
قال ابن الجزري:
.......... مجرى اضمما ... صف كم سما ..........
المعنى: اختلف القراء في «مجرها» من قوله تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها (سورة هود آية 41).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صف» والكاف من كم ومدلول «سما» وهم:
«شعبة، وابن عامر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب»:
«مجرها» بضم الميم، على أنه مصدر «أجرى» الرباعي.
وقرأ الباقون «مجرها» بفتح الميم، مصدر «جرى» الثلاثي.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ويا بنيّ افتح نما
وحيث جا حفص وفي لقمانا ... الاخرى هدى علم وسكّن زانا
وأوّلا دن .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يبنيّ» حيثما جاء في القرآن الكريم، وهو في المواضع الآتية:
1 - قوله تعالى: يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا (سورة هود آية 42).
2 - قوله تعالى: قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ (سورة يوسف آية 5).
3 - قوله تعالى: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ (سورة لقمان آية 13).
4 - قوله تعالى: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ (سورة لقمان آية 16).
5 - قوله تعالى: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ (سورة لقمان آية 17).
(2/307)

6 - قوله تعالى: قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (سورة الصافات آية 102).
فقرأ «حفص» في المواضع الستة «يبنيّ» بفتح الياء.
وقرأ «شعبة» بفتح الياء في موضع «هود» فقط، وبكسر الياء في المواضع الخمسة الباقية.
وقرأ «البزّي» بفتح الياء في الموضع الأخير من «لقمان» وبتسكين الياء في الموضع الأول من «لقمان» وبكسر الياء في المواضع الأربعة الباقية.
وقرأ «قنبل» بتسكين الياء في الموضع الأوّل، والأخير من «لقمان» وبكسر الياء في المواضع الأربعة الباقية.
وقرأ الباقون بكسر الياء في المواضع الستّة.
وجه من شدّد الياء، وكسرها، أن «بنيّ» فيه ثلاث ياءات:
الأولى: ياء التصغير.
والثانية: لام الفعل في «ابن» لأن أصله «بنو» على وزن «فعل» والتصغير يردّ الأشياء إلى أصولها.
والثالثة: ياء الإضافة التي يجب كسر ما قبلها، فأدغمت ياء التصغير في الثانية التي هي لام الفعل، وكسرت لأجل ياء الإضافة، ثم حذفت ياء الإضافة لاجتماع ثلاث ياءات، وبقيت الكسرة تدلّ عليها، كما تقول: «يا غلام، ويا صاحب» فتحذف الياء، وتبقى الكسرة لتدلّ عليها.
ووجه من فتح الياء مشددة أنه لما أتى بالكلمة على أصلها بثلاث ياءات، استثقل اجتماع الياءات، والكسرات، فأبدلت الكسرة التي قبل ياء الإضافة فتحة، فانقلبت ياء الإضافة ألفا ثم حذفت. قال «المازني» ت 347 هـ-:
وضع الألف مكان الياء في النداء مطّرد، وعلى هذا قرأ «ابن عامر»
(2/308)

«يأبت» بفتح التاء أراد: يأبتي، ثم قلب، وحذف الألف لدلالة الفتحة عليها» اهـ- «1».
ووجه من سكن الياء، أنه حذف ياء الإضافة، على أصل حذفها في النداء، ثم استثقل ياء مشدّدة مكسورة فحذف لام الفعل فبقيت ياء التصغير ساكنة.
قال ابن الجزري:
.......... عمل كعلما ... غير انصب الرفع ظهير رسما
المعنى: اختلف القراء في «عمل غير» من قوله تعالى: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ (سورة هود آية 46).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظهير» والراء من «رسما» وهما: «يعقوب، والكسائي» «عمل غير» بكسر الميم، وفتح اللام، على أنه فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على «ابن نوح» و «غير» بالنصب مفعولا به ل «عمل» أو صفة لمصدر محذوف. والتقدير: يا نوح إنه ليس من أهلك لأنه عمل عملا غير صالح، وجملة، «عمل غير صلح» في محل رفع خبر «إنّ».
وقرأ الباقون «عمل غير» بفتح الميم، ورفع اللام منونة، خبر «إنّ» و «غير» بالرفع صفة، على معنى: إنه ذو عمل غير صالح، أو جعل ذاته ذات العمل مبالغة في الذمّ، على حدّ قولهم: «رجل شرّ».
قال ابن الجزري:
تسألن فتح النّون دم لي الخلف ... واشدد كما حرم وعمّ الكهف
المعنى: اختلف القراء في «فلا تسألن» من قوله تعالى: فَلا تَسْئَلْنِ ما
__________
(1) انظر: الكشف عن وجوه القراءات ج 1/ 530.
(2/309)

لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (سورة هود آية 46) و «فلا تسألني» من قوله تعالى: فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (سورة الكهف آية 70).
«فلا تسألن» «بهود»، القراء على سبع مراتب:
الأولى: لقالون، والأصبهاني، وابن ذكوان «فلا تسألنّ» بكسر النون المشدّدة، وحذف الياء في الحالين، وفتح اللام.
الثانية: للأزرق، وأبي جعفر «فلا تسألنّ» بكسر النون المشددة، وإثبات الياء وصلا لا وقفا مع فتح اللام.
الثالثة: لابن كثير «فلا تسألنّ» بفتح النون المشددة، وحذف الياء في الحالين، مع فتح اللام.
الرابعة: لأبي عمرو «فلا تسألن» بكسر النون المخففة، وإثبات الياء وصلا لا وقفا، مع إسكان اللام.
الخامسة: ليعقوب «فلا تسألني»، فلا تسألنّ بفتح اللام، وتشديد النون مع فتحها، وكسرها.
السابعة: للباقين «فلا تسألن» بكسر النون المخففة، وحذف الياء في الحالين، مع إسكان اللام.
وجه من قرأ بتشديد النون، وفتحها، وفتح اللام، أنّ النون هي نون التوكيد الثقيلة التي تدخل فعل الأمر للتأكيد، وو فتحت اللام التي قبلها لئلا يلتقي ساكنان، ولأن الفعل المسند إلى الواحد مبني على الفتح دائما مع النون الثقيلة والخفيفة، وعدّي الفعل إلى مفعول واحد وهو «ما».
وكذلك العلة لمن قرأ بتشديد النون، وكسرها مع فتح اللازم، غير أنّه عدّى الفعل إلى مفعولين هما: «الياء» و «ما» فحذفت «الياء» لدلالة الكسرة عليها.
(2/310)

وكان أصله ثلاث نونات:
نون التوكيد المشدّدة بنونين، ونون الوقاية، ثم حذفت نون الوقاية لاجتماع الأمثال تخفيفا.
ووجه من سكّن اللام، وخفّف النون، أنّ الفعل لم تدخله نون التوكيد، ووصل الفعل بضمير المتكلم، وهو المفعول الأول، و «ما» المفعول الثاني، واللام للنهي، وحذفت «الياء» لدلالة الكسرة عليها، والفعل على هذه القراءة معرب، وجزم للنهي.
ووجه حذف الياء أنها لغة «هذيل».
ووجه إثباتها أنه لغة «الحجازيين».
وأمّا «فلا تسألني» في الكهف فالقراء فيها على مرتبتين:
الأولى: لنافع، وابن عامر، وأبي جعفر «فلا تسألنّي» بفتح اللام، وتشديد النون، على أن الفعل مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وكسرت نون التوكيد، لمجانسة الياء، وحذفت نون الوقاية لاجتماع الأمثال.
الثانية: للباقين «فلا تسألني» بإسكان اللام، وتخفيف النون، على أن الفعل مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه السكون، والنون للوقاية، والياء مفعول.
واتفق القراء العشرة على إثبات الياء بعد النون في الحالين، إلّا «ابن ذكوان» فله الإثبات، والحذف في الوصل والوقف «1».
قال «ابن الجزري» ت 833 هـ-: والحذف، والإثبات كلاهما صحيح عن «ابن ذكوان» نصّا وأداء، ووجه الحذف حمل الرسم على الزيادة تجاوزا في حرف المدّ، كما قرئ «وثمودا» بغير تنوين، ووقف عليه بغير ألف، وكذلك
__________
(1) قال ابن الجزري:
وثبت تسألن في الكهف وخلف الحذف مت.
(2/311)

«السبيلا»، و «الظنونا» وغيرها مما كتب رسما وقرئ بحذفه، وليس ذلك معدودا من مخالفة الرسم» اهـ- «1».
وأقول قرأت على شيخي «لابن ذكوان» بالحذف، والإثبات في «فلا تسألني» في الوصل، والوقف.
قال ابن الجزري:
يومئذ مع سال فافتح إذ رفا ... ثق نمل كوف مدن ..........
المعنى: اختلف القراء في «يومئذ» في ثلاثة مواضع وهي:
1 - قوله تعالى: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (سورة هود آية 66).
2 - قوله تعالى: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (سورة النمل آية 89).
3 - قوله تعالى: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (سورة المعارج آية 11).
فقرأ المرموز له بالألف من «إذ» والراء من «رفا» والثاء من «ثق» وهم:
«نافع، والكسائي، وأبو جعفر» «يومئذ» في المواضع الثلاثة بفتح الميم، على أنها حركة بناء، لإضافتها إلى غير متمكن وهو «إذ» وعومل اللفظ، ولم يعامل تقدير الانفصال.
وقرأ الكوفيون غير «الكسائي» وهم: «عاصم، وحمزة، وخلف العاشر» «يومئذ» الذي في سورة «النمل» بفتح الميم، والذي في سورتي: «هود، والمعارج» بكسر الميم، إجراء لليوم مجرى سائر الأسماء المعربة.
فأعرب وإن أضيف إلى «إذ» لجواز انفصاله عنها، والبناء إنما يلزم إذا لزمت العلة.
__________
(1) انظر: النشر في القراءات العشر بتحقيقنا ج 3/ 166.
(2/312)

وقرأ الباقون «يومئذ» في المواضع الثلاثة بكسر الميم.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... نوّن كفا
فزع .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «فزع» من قوله تعالى: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (سورة النمل آية 89).
فقرأ مدلول «كفا» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «فزع» بالتنوين، على إعمال المصدر وهو «فزع» في الظرف وهو «يوم».
وقرأ الباقون «فزع» بعدم التنوين، على إضافة «فزع» إلى «يوم» لكون الفزع وقع في اليوم، فالمصدر وهو «فزع» أضيف إلى المفعول وهو الظرف.
قال ابن الجزري:
.... واعكسوا ثمود هاهنا ... والعنكبا الفرقان عج ظبى فنا
والنّجم نل في ظنّه اكسر نوّن ... رد لثمود ..........
المعنى: اختلف القراء في تنوين، وعدم تنوين «ثمودا» «لثمود» أمّا «ثمود» ففي أربعة مواضع وهي:
1 - قوله تعالى: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ (سورة هود آية 68).
2 - قوله تعالى: وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ (سورة الفرقان آية 38).
3 - قوله تعالى: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ (سورة العنكبوت آية 38).
4 - قوله تعالى: وَثَمُودَ فَما أَبْقى (سورة النجم آية 51).
وأمّا «لثمود» ففي قوله تعالى: أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (سورة هود آية 68).
(2/313)

أمّا «ثمودا» فالقراء على ثلاث مراتب:
الأولى: «لحفص، وحمزة، ويعقوب» «ثمودا» في السور الأربع بغير تنوين، على أنه ممنوع من الصرف للعلميّة والتأنيث، على إرادة القبيلة، ويقفون على الدال بالسكون وبلا ألف.
الثانية: «لشعبة» «ثمودا» في سورة «النجم» فقط بدون تنوين، ويقف بالسكون، وسبق توجيه ذلك. ويقرأ في السور الثلاث الباقية «ثمودا» مصروفا، على إرادة الحيّ، ويقف على «ثمودا» بالألف.
الثالثة: للباقين «ثمودا» بالتنوين مصروفا، في السور الأربع، وسبق توجيه ذلك.
وأمّا «لثمود» فقد قرأ المرموز له بالراء من «رد» وهو: «الكسائي» «ألا بعدا لثمود» بكسر الدال مع التنوين مصروفا.
وقرأ الباقون «لثمود» بفتح الدال من غير تنوين ممنوعا من الصرف.
قال ابن الجزري:
.......... ... ........ قال سلم سكّن
واكسره واقصر مع ذرو في ربا ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «قال سلم» من قوله تعالى:
1 - قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (سورة هود آية 69).
2 - قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (سورة الذاريات آية 25).
فقرأ المرموز له بالفاء من «في» والراء من «ربا» وهما: «حمزة، والكسائي» «سلم» في الموضعين بكسر السين، وسكون اللام من غير ألف.
وقرأ الباقون في الموضعين «سلم» بفتح السين، واللام، وإثبات ألف بعد اللام.
(2/314)

وهما لغتان بمعنى «التحيّة» وهي ردّ السلام عليهم إذ سلموا عليه. ويجوز أن يكون «سلام» بمعنى «المسالمة» التي هي خلاف الحرب، و «سلام» مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: «سلام عليكم» ويكون «سلم» بمعنى الصلح، وهو خبر لمبتدإ محذوف، أي: «أمرى سلم» بمعنى: لست مريدا غير السلامة والصلح.
قال ابن الجزري:
.......... ... يعقوب نصب الرّفع عن فوز كبا
المعنى: اختلف القراء في «يعقوب» من قوله تعالى: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (سورة هود آية 71).
فقرأ المرموز له بالعين من «عن» والفاء من «فوز» والكاف من «كبا» وهم: «حفص، وحمزة، وابن عامر» و «يعقوب» بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف دلّ عليه الكلام، والتقدير: وهبنا لها «يعقوب» من وراء «إسحاق».
وقرأ الباقون «يعقوب» بالرفع، على أنه مبتدأ مؤخر، خبره الظرف الذي قبله وهو: «ومن وراء إسحاق».
قال ابن الجزري:
وامرأتك حبر .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «إلا امرأتك» من قوله تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ (سورة هود آية 81).
فقرأ مدلول «حبر» وهما: «ابن كثير، وأبو عمرو» «إلا امرأتك» برفع التاء، على أنها بدل من «أحد» واستشكل ذلك بأنه يلزم منه أنهم نهوا عن الالتفات إلا «المرأة» فإنها لم تنه عنه، وهذا لا يجوز، ولذا قيل: «امرأتك» مرفوعة بالابتداء، والجملة بعدها وهي قوله تعالى: إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ خبر. وقيل: النهي بمعنى النفي لأنه بمعنى: ولا يلتفت
منكم أحد إلا امرأتك
(2/315)

فإنها ستلتفت، فقوله: «امرأتك» بدل من قوله: «أحد» كقولك: «ما قام أحد إلا زيد، وما رأيت أحدا إلا أخاك».
وقرأ الباقون «إلا امرأتك» بنصب التاء، على أنه مستثنى من «أهلك» في قوله تعالى قبل فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ فهو استثناء من الإيجاب واجب النصب، وحجتهم ما روي عن «عبد الله بن مسعود» رضي الله عنه أنه قال: «فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك». والمعنى على هذه القراءة: أنه لم يخرج بامرأته مع أهله، وفي القراءة الأولى- التي برفع التاء- أنه خرج بها فالتفتت فأصابتها الحجارة اهـ-.
قال ابن الجزري:
.......... أن اسر فاسر صل ... حرم ..........
المعنى: اختلف القراء في «أن أسر»، «فأسر» حيثما وقعا في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى:
1 - وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي (سورة طه آية 77).
2 - وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (سورة الشعراء آية 52).
3 - فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ (سورة هود آية 81).
4 - فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ (سورة الحجر آية 65).
5 - فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (سورة الدخان آية 22).
فقرأ مدلول «حرم» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو جعفر» «أن اسر، فاسر» حيثما وقعا في القرآن بهمزة وصل تسقط في الدرج، وحينئذ يصير النطق بسين ساكنة، وهو فعل أمر من «سرى» الثلاثي.
وقرأ الباقون «أن أسر، فأسر» بهمزة قطع مفتوحة تثبت في الحالين أي الوصل، والبدء، وهو فعل أمر من «أسرى» الثلاثي المزيد بهمزة.
وهما لغتان فصيحتان نزل بهما القرآن الكريم، قال تعالى: سُبْحانَ
(2/316)

الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (سورة الإسراء آية 1). وقال تعالى:
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (سورة الفجر آية 4). يقال: «سريت، وأسريت»: إذا سرت ليلا. وقيل: «سرى» لأول الليل، و «أسرى» لآخره، أمّا «سار» فمختص بالنهار.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وضمّ سعدوا شفا عدل
المعنى: اختلف القراء في «سعدوا» من قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ (سورة هود آية 108).
فقرأ مدلول «شفا» والمرموز له بالعين من «عدل» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وحفص» «سعدوا» بضم السين، على البناء للمفعول، والواو نائب فاعل. و «سعد» فعل لازم فلا يتعدى، تقول: «سعد زيد» وإذا لم يتعدّ إلى مفعول لم يردّ إلى ما لم يسمّ فاعله إذ لا مفعول في الكلام يقوم مقام الفاعل.
ولذلك قيل: إنه حمل على لغة حكيت عن العرب خارجة عن القياس، فقد حكي: «سعده الله» بمعنى: «سعده الله» وذلك قليل، وقولهم «مسعود» يدلّ على «سعده الله».
وقال «علي بن حمزة الكسائي» ت 180 هـ-: «سعد، وأسعد» لغتان بمعنى» اهـ-.
وقرأ الباقون «سعدوا» بفتح السين، على البناء للفاعل، والواو فاعل، وذلك لإجماع القراء على فتح الشين في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ (آية 106)، وحينئذ يتحد «سعدوا، شقوا» في البناء للفاعل.
قال ابن الجزري:
إنّ كلّا الخفّ دنا اتل صن ........ ... ..........
(2/317)

المعنى: اختلف القراء في «وإنّ كلّا» من قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ (سورة هود آية 111).
فقرأ المرموز له بالدال من «دنا» والألف من «اتل» والصاد من «صن» وهم: «ابن كثير، ونافع، وشعبة» «وإن» بتخفيف النون، على أنها مخففة من الثقيلة، واسمها «كلّا» واللام هي المزحلقة، وجملة «لما ليوفينهم ربك أعمالهم» خبر «إن» المخففة.
وقرأ الباقون «وإنّ» بتشديد النون، و «كلّا» اسمها، واللام هي المزحلقة، وجملة «لما ليوفينهم ربك أعمالهم» خبر.
قال ابن مالك:
وخفّفت إنّ فقل العمل ... وتلزم اللام إذا ما تهمل
وربما استغني عنها إن بدا ... ما ناطق أراده معتمدا
قال ابن الجزري:
.......... وشد ... لمّا كطارق نهى كن في ثمد
يس في ذا كم نوى ....... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «لمّا» في سورة هود، والطارق، ويس من قوله تعالى:
1 - وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ (سورة هود آية 111).
2 - وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (سورة يس آية 32).
3 - إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (سورة الطارق آية 4).
فقرأ المرموز له بالنون من «نهى» والكاف من «كن» والفاء من «في» والثاء من «ثمد» وهم: «عاصم، وابن عامر، وحمزة، وأبو جعفر» «لمّا» في سورتي:
«هود، والطارق»، بتشديد الميم، وهي بمعنى «إلّا».
(2/318)

وقرأ الباقون في الموضعين «لما» بتخفيف الميم.
أمّا موضع «يس» فقد قرأ المرموز له بالفاء من «في» والذال من «ذا» والكاف من «كم» والنون من «نوى» وهم: «حمزة، وابن جمّاز، وابن عامر، وعاصم» «لمّا» بتشديد الميم، على أنها بمعنى «إلّا» و «إن» نافية، و «كلّ» مبتدأ، وخبره ما بعده.
وقرأ الباقون «لما» بتخفيف الميم، على أنّ «إن» مخففة من الثقيلة، و «ما» مزيدة للتأكيد، واللام هي الفارقة.
قال ابن الجزري:
........ لام زلف ... ضمّ ثنا ..........
المعنى: اختلف القراء في «وزلفا» من قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ (سورة هود آية 114).
فقرأ المرموز له بالثاء من «ثنا» وهو: «أبو جعفر» «زلفا» بضم اللام، جمع «زلفة» بضم اللام، مثل: «بسر، وبسرة».
وقرأ الباقون «زلفا» بفتح اللام جمع «زلفة» بسكون اللام، والزلفة:
الطائفة من أوّل الليل.
قال ابن الجزري:
.......... ... ........ بقية ذق كسر وخف
المعنى: اختلف القراء في «بقيّة» من قوله تعالى: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ (سورة هود آية 116).
فقرأ المرموز له بالذال من «ذق» وهو: «ابن جمّاز» «بقية» بكسر الباء، وإسكان القاف، وتخفيف الياء.
(2/319)

قال «العكبري»: ت 616 هـ-:
«وقرئ» بقية بتخفيفها، وهو مصدر، «بقي، يبقى، بقية» «كلقيته لقية» فيجوز أن يكون على بابه، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى «فعيل» وهو بمعنى «فاعل» اهـ- «1».
وقرأ الباقون «بقيّة» بفتح الباء، وكسر القاف، وتشديد الياء، وهو مصدر «بقي».
قال «أبو منصور الأزهري» ت 370 هـ-:
«البقيّة»: اسم من «الإبقاء» كأنه أراد والله أعلم: فلولا كان من القرون قوم أولوا إبقاء على أنفسهم لتمسكهم بالدين المرضي» اهـ- «2» (والله أعلم) تمّت سورة هود عليه السلام ولله الحمد والشكر
__________
(1) انظر: التبيان في اعراب القرآن للعكبري ج 2/ 718.
(2) انظر: لسان العرب مادة «بقي» ج 14/ 81.
(2/320)

سورة يوسف عليه السلام
قال ابن الجزري:
يا أبت افتح حيث جا كم ثطعا ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يأبت» حيث جاء في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:
1 - إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً (سورة يوسف آية 4).
2 - وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ (سورة يوسف آية 100).
3 - إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ (سورة مريم آية 42).
4 - يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ (سورة مريم آية 43).
5 - يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ (سورة مريم آية 44).
6 - يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ (سورة مريم آية 45).
7 - قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ (سورة القصص آية 26).
8 - قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ (سورة الصافات آية 102).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» والثاء من «ثطعا» وهما: «ابن عامر، وأبو جعفر» «يأبت» في جميع المواضع بفتح التاء، وذلك على تقدير إثبات ياء الإضافة في النداء، وتلك لغة صحيحة جاء بها القرآن الكريم، قال تعالى:
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ (سورة الزمر آية 53). فلما أثبت الياء في النداء أبدل الكسرة التي قبل الياء فتحة فانقلبت الياء ألفا، ثم حذفت الألف لدلالة الفتحة عليها.
وقرأ الباقون «يأبت» حيثما وقعت بكسر التاء، وذلك لأن أصله «يا أبتي» ثم حذفت الياء لدلالة الكسرة عليها.
(2/321)

وقد وقف على «يأبت» بالهاء: «ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب» ووقف الباقون عليها بالتاء «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... آيات افرد دن ..........
المعنى: اختلف القراء في «ءايت» من قوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (سورة يوسف آية 7).
فقرأ المرموز له بالدال من «دن» وهو: «ابن كثير» «ءاية» بالإفراد، كأن الله سبحانه وتعالى جعل شأن «يوسف» عليه السلام آية على الجملة، وإن كان في التفصيل آيات، ونظير ذلك قوله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً (سورة المؤمنون آية 50) فأفرد «آية» وإن كان شأنهما على التفصيل آيات.
وقرأ الباقون «ءايت» بالجمع، وذلك لاختلاف أحوال قصة «يوسف» عليه السلام، وانتقاله من حال إلى حال، ففي كل حال جرت عليه آية، فجمعت «آية» لذلك المعنى.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... غيابات معا
فاجمع مدا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «غيبت» معا من قوله تعالى:
1 - لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ (سورة يوسف آية 10).
2 - فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ (سورة يوسف آية 15).
فقرأ مدلول «مدّا» وهما: «نافع، وأبو جعفر» «غيبت» في الموضعين
__________
(1) قال ابن الجزري: يا أبه دم كم ثوى
(2/322)

بالجمع، لأن كل ما غاب عن النظر من «الجبّ» غيابة. فالمعنى: ألقوا يوسف فيما غاب عن النظر من الجبّ، فجمع على ذلك.
وقرأ الباقون «غيبت» في الموضعين بالإفراد، لأن يوسف عليه السلام ألقي في غيابة واحدة، لأن الإنسان لا تحويه أمكنة متعددة، إنما يحويه مكان واحد، فأفرد لذلك.
قال ابن الجزري:
.......... يرتع ويلعب نون دا ... حز كيف يرتع كسر جزم دم مدا
المعنى: اختلف القراء في «يرتع ويلعب» من قوله تعالى: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ (سورة يوسف آية 12).
أمّا «يرتع» فالقراء فيها على خمس مراتب:
الأولى: لمدلول «مدا» وهما: «نافع، وأبو جعفر» «يرتع» بالياء من تحت، على إسناد الفعل إلى نبي الله «يوسف» عليه السلام، وكسر العين من غير ياء، على أن الفعل مجزوم بحذف حرف العلة، وهو مضارع «ارتعى يرتعي» على وزن «افتعل يفتعل» من الرباعي، بمعنى: المراعاة وهي: الحفظ للشيء.
الثانية: للمرموز له بالحاء من «حز» والكاف من «كيف» وهما: «أبو عمرو، وابن عامر» «نرتع» بالنون، وجزم العين، فالنون لمناسبة قوله تعالى قبل: أَرْسِلْهُ مَعَنا وهو
مضارع «رتع يرتع» الثلاثي صحيح الآخر، وقد جزم بالسكون، لوقوعه في جواب الطلب.
الثالثة: «للبزّي» أحد رواة «ابن كثير» المرموز له بالدال من «دا» «نرتع» بالنون، وكسر العين من غير ياء، وقد تقدم توجيه ذلك.
الرابعة: «لقنبل» الراوي الثاني عن «ابن كثير» «نرتع» بالنون، وكسر العين، وله في الياء الحذف والإثبات، وصلا ووقفا «1».
__________
(1) قال ابن الجزري: ويرتع يتّق يوسف زن خلفا
(2/323)

الخامسة: للباقين وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يرتع» بالياء التحتية مع سكون العين، وقد تقدم توجيه ذلك.
يقال: «رتع يرتع، رتعا، ورتوعا»، والاسم «الرتعة». و «الرتع»: الأكل والشرب رغدا في «الريف» «1».
أمّا «يلعب» فالقراء فيها على مرتبتين:
الأولى: للمرموز لهم بالدال من «دا» والحاء من «حز» والكاف من «كيف» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر» «نلعب» بالنون، مناسبة لقوله تعالى: أَرْسِلْهُ مَعَنا.
الثانية: للباقين «يلعب» بالياء التحتية، على إسناد الفعل إلى نبيّ الله «يوسف» عليه السلام.
قال ابن الجزري:
بشراي حذف اليا كفى .... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يبشرى» من قوله تعالى: قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً (سورة يوسف آية 19).
فقرأ مدلول «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يبشرى» بغير ياء إضافة بعد الألف الأخيرة، وذلك على وجهين:
أحدهما: أن يكون «بشرى» اسم إنسان فدعاه المستقي باسمه، كما تقول: يا محمد.
والثاني: أن يكون أضاف «البشرى» إلى نفسه، ثم حذف الياء وهو يريدها، كما تنادي على غلامك فتقول: «يا غلام لا تفعل كذا».
__________
(1) انظر: لسان العرب مادة «رتع» ج 8/ 112.
(2/324)

وقرأ الباقون «يبشري» بياء بعد الألف، مفتوحة وصلا، وساكنة وقفا، وذلك على إضافة «البشرى» إلى نفسه.
قال ابن الجزري:
.......... هيت اكسرا ... عمّ وضمّ التّا لدى الخلف درى
والهمز لنا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «هيت» من قوله تعالى: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ (سورة يوسف آية 23).
والقراء فيها على خمس مراتب:
الأولى: لمدلول «عمّ» عدا «هشام»، وهم: «نافع، وابن ذكوان، وأبو جعفر» «هيت» بكسر الهاء، وياء ساكنة، وتاء مفتوحة. ففتح الهاء، وكسرها لغتان، والفتح في التاء، على الخطاب من «امرأة العزيز» «ليوسف» عليه السلام، على معنى الدعاء له، والاستجلاب له إلى نفسها، والمعنى: «هلمّ» أي تعال يا يوسف إليّ، و «هيت» على هذه القراءة مبنية على الفتح مثل: «كيف، أين».
الثانية، والثالثة: «لهشام» «هئت، هئت» بكسر الهاء، وهمزة ساكنة، وفتح التاء، وضمها. بمعنى: تهيّأ لي امرك، وتهيأت لك.
الرابعة: للمرموز له بالدال من «درى» وهو: «ابن كثير» «هيت» بفتح الهاء، وياء ساكنة، وضم التاء. وذلك على الإخبار عن نفسها بالإتيان إلى «يوسف» عليه السلام. و «هيت» على هذه القراءة مبنية على لضم.
الخامسة: للباقين «هيت» بفتح الهاء، وسكون الياء، وفتح التاء، وتوجيه هذه القراءة كتوجيه قراءة «نافع» ومن معه. و «هيت» اسم فعل أمر بمعنى:
«هلمّ».
(2/325)

قال ابن الجزري:
.... والمخلصين الكسر كم ... حقّ ..........
المعنى: اختلف القراء في «المخلصين» من قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (سورة يوسف آية 24).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» ومدلول «حقّ» وهم: «ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «المخلصين» بكسر اللام، على أنه اسم فاعل من «أخلص» الثلاثي المزيد بالهمزة، لأنهم أخلصوا أنفسهم لعبادة الله تعالى.
وقرأ الباقون «المخلصين» بفتح اللام، اسم مفعول، من «أخلص»، لأن الله تعالى اخلصهم، أي اختارهم لعبادته.
قال ابن الجزري:
... ... ... ومخلصا بكاف حقّ عم
المعنى: اختلف القراء في «مخلصا» من قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (سورة مريم آية 51).
فقرأ مدلولا «حقّ، عم» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، ونافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «مخلصا» بكسر اللام، اسم فاعل من «أخلص».
وقرأ الباقون «مخلصا» بفتح اللام، على أنه اسم مفعول من «أخلص».
قال ابن الجزري:
حاشا معا صل حز ......... ... .........
المعنى: اختلف القراء في «حش» معا، من قوله تعالى:
1 - وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً (سورة يوسف آية 31).
(2/326)

2 - قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ (سورة يوسف آية 51).
فقرأ المرموز له بالحاء من «حز» وهو: «أبو عمرو» «حش» في الموضعين بألف بعد الشين وصلا، على أصل الكلمة، وحذفها وقفا اتباعا للرسم العثماني.
وقرأ الباقون «حش» بحذف الألف التي بعد الشين، وصلا ووقفا، وذلك اتباعا للرسم.
و «حش» من معانيها: «التنزيه» وهذا هو المراد هنا. والصحيح أنها اسم مرادف للبراءة من كذا، بدليل قراءة «أبي السمّال العدوي البصري» «حاشا لله» بالتنوين، وهي قراءة شاذة «1» وهي عند «المبرّد، وابن جنّي، والكوفيين» فعل، قالوا: لتصرفهم فيها بالحذف، ولإدخالهم إياها على الحرف. وقد ردّ «ابن هشام» ت 761 هـ- هذا القول بقوله: وهذان الدليلان ينافيان الحرفية، ولا يثبتان الفعلية اهـ- «2».
قال ابن الجزري:
.......... وسجن أوّلا ... افتح ظبى ..........
المعنى: اختلف القراء في «السجن» الموضع الأول، من قوله تعالى: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (سورة يوسف آية 33).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظبى» وهو: «يعقوب» «السّجن» الموضع الأوّل خاصة بفتح السين، على أنه مصدر، أريد به «الحبس».
و «إليّ» متعلق ب «أحبّ» وليس «أحبّ» هنا على بابه، لأن نبيّ الله «يوسف» عليه السلام لم يحبّ ما يدعونه إليه قط.
__________
(1) انظر: مختصر شواذ القرآن لابن خالويه ص 63.
(2) انظر: مغني اللبيب لابن هشام ص 164.
(2/327)

وقرأ الباقون «السّجن» بكسر السين، على أن المراد به المكان.

تنبيه:
اتفق القراء العشرة على كسر السين من «السّجن» في غير الموضع الأول، وهو في قوله تعالى:
1 - وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ (سورة يوسف آية 36).
2 - يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ (سورة يوسف آية 39).
3 - يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً (سورة يوسف آية 41).
4 - فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (سورة يوسف آية 42).
وذلك لأن المراد به «المحبس» وهو المكان الذي يسجن فيه، ولا يصح أن يراد به المصدر، بخلاف الموضع الأول فإن إرادة المصدر فيه ظاهرة، يضاف إلى ذلك ما هو أهم وهو: أن القراءة سنة متبعة ومبنية على التلقي والمشافهة.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ودأبا حرّك علا
المعنى: اختلف القراء في «دأبا» من قوله تعالى: قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً (سورة يوسف آية 47).
فقرأ المرموز له بالعين من «علا» وهو: «حفص» «دأبا» بفتح الهمزة.
وقرأ الباقون «دأبا» بإسكان الهمزة. والفتح، والإسكان لغتان في كل اسم ثلاثي كان ثانيه حرفا من حروف الحلق الستّة وهي: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين،
والخاء. ومعنى «دأبا»: متوالية متتابعة.
قال ابن الجزري:
ويعصروا خاطب شفا ..... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يعصرون» من قوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (سورة يوسف آية 49).
(2/328)

فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تعصرون» بتاء الخطاب، لمناسبة الخطاب الذي في قوله تعالى قبل: يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (آية 48) وقرأ الباقون «يعصرون» بياء الغيبة، لمناسبة الغيبة التي في قوله تعالى في الآية نفسها: فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ.
قال ابن الجزري:
.......... حيث يشا ... نون دنا ..........
المعنى: اختلف القراء في «حيث يشاء» من قوله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ (سورة يوسف آية 56).
فقرأ المرموز له بالدال من «دنا» وهو: «ابن كثير» «حيث نشاء» بالنون، على أنها نون العظمة لله تعالى، لمناسبة قوله تعالى قبل: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وقوله تعالى بعد: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ فجرى الكلام كله على نسق واحد.
وقرأ الباقون «حيث يشاء» بالياء التحتيّة، والفاعل ضمير مستتر تقديره:
«هو» يعود على نبيّ الله «يوسف» عليه السلام، فجرى الكلام على لفظ الغيبة، ودلّ على ذلك قوله تعالى: يَتَبَوَّأُ مِنْها.
قال ابن الجزري:
.......... ... ........ وياء يرفع من يشا
ظلّ ........... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «نرفع، نشاء» من قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ (سورة يوسف آية 76).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظلّ» وهو: «يعقوب» «يرفع، يشاء» بالياء
(2/329)

التحتية فيهما، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على الله تعالى المتقدم ذكره في قوله تعالى في الآية نفسها: ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.
وقرأ الباقون «نرفع، نشاء» بنون العظمة فيهما، والفاعل ضمير مستتر تقديره «نحن» وهذه القراءة تناسب قوله تعالى قبل في الآية نفسها: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ.
قال ابن الجزري:
........ وياء نكتل شفا ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «نكتل» من قوله تعالى: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ (سورة يوسف آية 63).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يكتل» بالياء التحتية، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على أخيهم «بنيامين» المتقدم ذكره في قوله تعالى: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا.
وقرأ الباقون «نكتل» بالنون، والفاعل ضمير مستتر تقديره «نحن» يعود على إخوة «يوسف» عليه السلام، المشار إليهم بقوله تعالى: فَأَرْسِلْ مَعَنا.
قال ابن الجزري:
.......... فتيان في ... فتية حفظا حفظا صحب ......
المعنى: اختلف القراء في «لفتينه» من قوله تعالى: وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ (سورة يوسف آية 62) كما اختلفوا في «حفظا» من قوله تعالى: فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (سورة يوسف آية 64).
فقرأ مدلول «صحب» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «لفتينه» بألف بعد الياء، ونون مكسورة بعد الألف، على وزن
(2/330)

«فعلان» جمع «فتى» مثل «جار وجيران، وتاج وتيجان».
و «الفتيان» للكثير من العدد، ويقوي ذلك قوله تعالى بعد: اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ (سورة يوسف آية 62) فكما أن «الرحال» للعدد الكثير، فكذلك «الفتيان» القائمون على شئون ذلك.
وقرأ الباقون «لفتيته» بحذف الألف، وتاء مكسورة بعد الياء، على وزن «فعلة» جمع «فتى» للقليل من العدد، مثل «أخ وإخوة، وقاع وقيعة» وذلك لأن الذين تولوا جعل البضاعة في رحالهم قلّة.
وقرأ مدلول «صحب» «حفظا» بفتح الحاء، وألف بعدها، وكسر الفاء، على وزن «فاعل». وذلك للمبالغة، على تقدير: فالله خير الحافظين، فاكتفى بالواحد عن الجمع، ونصبه على: التمييز، أو الحال.
وقرأ الباقون «حفظا» بكسر الحاء وبدون ألف بعدها، وإسكان الفاء، على وزن «فعل» على أنه تمييز، وذلك أن إخوة «يوسف» عليه السلام لما نسبوا الحفظ إلى أنفسهم في قوله تعالى: وَنَحْفَظُ أَخانا (سورة يوسف آية 65) قال لهم أبوهم: «فالله خير حفظا» أي خير من حفظكم الذي نسبتموه إلى أنفسكم.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وفي
يوحى إليه النّون والحاء اكسرا ... صحب ومع إليهم الكلّ عرا
المعنى: اختلف القراء في «نوحي إليه» من قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (سورة الأنبياء آية 25) و «نوحي إليهم» حيثما وقع في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى:
1 - وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى (سورة يوسف آية 109).
2 - وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (سورة النحل آية 43).
(2/331)

3 - وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (سورة الأنبياء آية 7).
فقرأ مدلول «صحب» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «نوحي إليه» بنون العظمة، وكسر الحاء، مبنيا للفاعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره «نحن» لمناسبة السياق في قوله تعالى قبل في الآية نفسها وَما أَرْسَلْنا و «إليه» متعلق ب «نوحي» والمصدر المنسبك من «أنه لا إله إلا أنا فاعبدون» في محلّ نصب مفعول، أي: إلا نوحي إليه كونه لا إله إلا أنا.
وقرأ الباقون «يوحى إليه» بالياء التحتية، وفتح الحاء، مبنيا للمفعول، و «إليه» متعلق ب «يوحى» والمصدر المنسبك من «أنّ» واسمها وخبرها نائب فاعل، أي: إلا يوحى إليه كونه لا إليه إلا أنا.
وقرأ المرموز له بالعين من «عرا» وهو: «حفص» «نوحي إليهم» حيثما وقع في القرآن الكريم بنون العظمة، وكسر الحاء، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره «نحن» لمناسبة السياق في قوله تعالى قبل في الآية نفسها:
وَما أَرْسَلْنا.
وقرأ الباقون «يوحى إليهم» بالياء التحتية، وفتح الحاء، على البناء للمفعول، و «إليهم» نائب فاعل، والضمير في «إليهم» عائد على «رجالا».
قال ابن الجزري:
وكذّبوا الخفّ ثنا شفا نوى ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «قد كذبوا» من قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا (سورة يوسف آية 110).
فقرأ المرموز له بالثاء من «ثنا» ومدلول «شفا» والمرموز له بالنون من «نوى» وهم: «أبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وعاصم» «قد كذبوا» بتخفيف الذال، وقد وجهت هذه القراءة بعدّة وجوه منها وهو المشهور:
(2/332)

ما روي عن «ابن عباس» رضي الله عنهما، وغيره: أن الضمائر كلها ترجع إلى المرسل إليهم، أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم في ما ادعوا من النبوة، وفي ما يوعدون به من لم يؤمن بالعقاب» اهـ-. ويحكى أنّ «سعيد بن جبير» ت 95 هـ- لما أجاب بذلك، قال: «الضحّاك بن مزاحم» ت 105 هـ- وكان حاضرا: «لو رحلت في هذه المسألة إلى «اليمن» كان قليلا» اهـ- «1».
وقرأ الباقون «قد كذّبوا» بتشديد الذال، وحينئذ تكون الضمائر كلها عائدة على «الرسل» عليهم السلام، أي: وظن الرسل أن أممهم قد كذّبتهم في ما جاءوا به لشدّة البلاء، وطوله عليهم جاءهم نصر الله تعالى إلخ.
قال ابن الجزري:
.......... ... ننجي فقل نجّي نل ظلّ كوى
المعنى: اختلف القراء في «فنجّي» من قوله تعالى: جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ (سورة يوسف آية 110).
فقرأ المرموز له بالنون من «نل» والظاء من «ظلّ» والكاف من «كوى» وهم: «عاصم، ويعقوب، وابن عامر» «فنجّي» بنون واحدة مضمومة، وبعدها جيم مشدّدة، وبعد الجيم ياء مفتوحة، على أنه فعل ماض مبني للمجهول، من «نجّى» مضعّف الثلاثي، و «من» نائب فاعل.
وقرأ الباقون «فننجي» بنونين: الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، وبعد الثانية جيم مخففة، وبعد الجيم ياء مديّة ساكنة، على أنه فعل مضارع مبني للمعلوم من «أنجى» الرباعي، والفاعل ضمير مستتر تقديره «نحن» يعود على الله تعالى، والكلام جاء على نسق ما قبله، وهو قوله تعالى: جاءَهُمْ نَصْرُنا و «من» مفعول «ننجي».

تنبيه:
اتفق جميع شيوخ النقل عن كتّاب المصاحف العثمانية على حذف
__________
(1) انظر: اتحاف فضلاء البشر ص 268.
(2/333)

النون الثانية في الرسم من «ننجي» في سورتي: «الأنبياء، ويوسف» عليهم السلام، وإلى ذلك أشار صاحب المورد بقوله:
والنّون من ننجي في الأنبياء ... كلّ وفي الصدّيق للإخفاء
«1» (والله أعلم) تمّت سورة يوسف عليه السلام ولله الحمد والشكر
__________
(1) انظر: دليل الحيران شرح مورد الظمآن ص 149.
(2/334)

سورة الرعد
قال ابن الجزري:
زرع وبعده الثّلاث الخفض عن ... حقّ ارفعوا ..........
المعنى: اختلف القراء في «وزرع ونخيل صنوان وغير» من قوله تعالى:
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ (سورة الرعد آية 4).
فقرأ المرموز له بالعين من «عن» ومدلول «حقّ» وهم: «حفص، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» برفع «وزرع، ونخيل، صنوان، غير».
فرفع «وزرع ونخيل» للعطف على «قطع» ورفع «صنوان» لكونه نعتا ل «نخيل» ورفع «غير» لعطفه على «صنوان».
وقرأ الباقون بخفض الأربعة: «وزرع ونخيل صنوان وغير» عطفا على «من أعناب».
قال ابن الجزري:
.......... ... .... يسقى كما نصر ظعن
المعنى: اختلف القراء في «يسقى» من قوله تعالى: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ (سورة الرعد آية 4).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كما» والنون من «نصر» والظاء من «ظعن» وهم: «ابن عامر، وعاصم، ويعقوب» «يسقى» بالياء التحتية على التذكير، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على ما ذكر من قبل في الآية.
(2/335)

وقرأ الباقون «تسقى» بالتاء على التأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره «هي» يعود على الأشياء التي سبق ذكرها في الآية.
قال ابن الجزري:
يفضّل الياء شفا ...... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ونفضل» من قوله تعالى: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ (سورة الرعد آية 4).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ويفضل» بالياء التحتية، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على «الله تعالى» المتقدم ذكره في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها (آية 2).
وقرأ الباقون «ونفضل» بنون العظمة، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى التكلم، وبناء عليه يكون الفاعل ضميرا مستترا تقديره «نحن».
قال ابن الجزري:
.......... ويوقدوا ... صحب ..........
المعنى: اختلف القراء في «يوقدون» من قوله تعالى: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ (سورة الرعد آية 17).
فقرأ مدلول «صحب» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يوقدون» بياء الغيبة، مناسبة لقوله تعالى قبل: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ (سورة الرعد آية 16) فجرى الكلام على نسق واحد وهو الغيبة.
وقرأ الباقون «توقدون» بتاء الخطاب، حملا على الخطاب الذي قبله في قوله تعالى: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا (سورة الرعد آية 16).
(2/336)

قال ابن الجزري:
.......... ... .... وأم هل يستوي شفا صدوا
المعنى: اختلف القراء في «تستوي» من قوله تعالى: أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ (سورة الرعد آية 16).
فقرأ مدلول «شفا»، والمرموز له بالصاد من «صدوا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وشعبة» «أم هل يستوي» بالياء التحتية على التذكير، لأن تأنيث الفاعل وهو: «الظلمت» غير حقيقي، فجاز تذكير الفعل، مثل قوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ (سورة البقرة آية 275).
وقرأ الباقون «أم هل تستوي» بالتاء الفوقية على التأنيث، لأن الفاعل وهو: «الظلمات» مؤنث لفظا، فأنث الفعل تبعا لتأنيث فاعله.
تنبيه: قيد الناظم الخلاف في «يستوي» بالمسبوق بقوله تعالى: أَمْ هَلْ ليخرج نحو قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (سورة الرعد آية 16) فقد اتفق القراء العشرة على قراءته بالتذكير، إذ لا وجه لتأنيث الفعل.
قال ابن الجزري:
يثبت خفّف نصّ حقّ ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ويثبت» من قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ (سورة الرعد آية 39).
فقرأ المرموز له بالنون من «نصّ» ومدلول «حقّ» وهم: «عاصم، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «ويثبت» بإسكان الثاء، وتخفيف الباء الموحدة، على أنه مضارع «أثبت» المزيد بهمزة.
وقرأ الباقون «ويثبّت» بفتح الثاء، وتشديد الباء، على أنه مضارع «ثبّت» مضعف العين.
(2/337)

قال ابن الجزري:
.......... واضمم ... صدّوا وصدّ الطّول كوف الحضرمي
المعنى: اختلف القراء في «وصدّوا»، «وصدّ» من قوله تعالى:
1 - بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ (سورة الرعد آية 33).
2 - وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ (سورة غافر آية 37).
فقرأ الكوفيون، والحضرمي، وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، ويعقوب الحضرمي» «وصدّوا، وصدّ» بضم الصاد، على البناء للمفعول، ونائب الفاعل في موضع «الرعد» واو الجماعة، العائدة على «الذين كفروا». ونائب الفاعل في موضع «غافر» ضمير مستتر تقديره «هو» عائد على «فرعون» عليه لعنة الله.
وقرأ الباقون الفعلين: «وصدّوا، وصدّ» بفتح الصاد، على البناء للفاعل، والفاعل في موضع «الرعد» واو الجماعة، وفي موضع «غافر» ضمير مستتر عائد على «فرعون».
قال ابن الجزري:
والكافر الكفار شد كنز غذي ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «الكفّر» من قوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (سورة الرعد آية 42).
فقرأ المرموز له بالشين من «شد» ومدلول «كنز» والغين من «غذي» وهم:
«يعقوب، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «الكفّر» بضم الكاف، وفتح الفاء المشدّدة، وألف بعدها، جمع تكسير.
ووجه ذلك أن الكلام جاء عقب قوله تعالى قبل: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ
(2/338)

قَبْلِهِمْ ثم قال تعالى: وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ بلفظ ما تقدمه ليأتلف الكلام على نسق واحد.
وقرأ الباقون «الكفر» بفتح الكاف، وألف بعدها، وكسر الفاء، على الإفراد، والمراد الجنس، والمعنى: سيعلم كل من كفر من الناس.
(والله أعلم) تمّت سورة الرعد ولله الحمد والشكر
(2/339)

سورة إبراهيم عليه السلام
قال ابن الجزري:
.......... ... وعمّ رفع الخفض في الله الّذي
والابتداء غر .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «الله الذي» من قوله تعالى: اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ (سورة إبراهيم آية 2).
فقرأ مدلول «عمّ» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «الله» برفع الهاء وصلا، وابتداء، على أنه مبتدأ خبره «الذي له ما في السماوات وما في الأرض» أو خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: هو الله، وجملة «الذي له ما في السماوات» الخ صفة للفظ الجلالة.
وقرأ المرموز له بالغين من «غر» وهو: «رويس» «الله» برفع الهاء في حالة الابتداء بها، أمّا حالة وصل «الله» بما قبله وهو: إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (آية 1) فإن «رويسا»
يقرأ «الله» بالخفض، على أنه بدل مما قبله.
وقرأ الباقون «الله» بالجرّ، حالة الوصل، والابتداء، على أنه بدل مما قبله.
قال ابن الجزري:
.......... خالق امدد واكسر ... وارفع كنور كلّ والأرض اجرر
شفا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «خلق السماوات والأرض»، «خلق كل دابة» بالنور، من قوله تعالى:
(2/341)

1 - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ (سورة إبراهيم آية 19).
2 - وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ (سورة النور آية 45).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «خلق» في الموضعين بألف بعد الخاء، وكسر اللام، ورفع القاف، على أنه اسم فاعل، و «السماوات» بالخفض على الإضافة، من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، و «الأرض» بالخفض عطفا على «السماوات» هذا في إبراهيم.
وفي النور قرءوا «كلّ» بالخفض، من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله.
وقرأ الباقون في الموضعين «خلق» بفتح الخاء، واللام، والقاف، على أنه فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على «الله» و «السماوات» بالنصب بالكسرة، على أنه مفعول به، و «الأرض» بالنصب، عطفا على «السماوات» هذا في إبراهيم. وفي النور قرءوا «كلّ» بالنصب، على أنه مفعول به ل «خلق».
قال ابن الجزري:
.... ومصرخيّ كسر اليا فخر ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «بمصرخيّ» من قوله تعالى: ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ (سورة إبراهيم آية 22).
فقرأ المرموز له بالفاء من «فخر» وهو: «حمزة» «بمصرخيّ» بكسر الياء المشددة، وهي لغة «بني يربوع» نصّ على ذلك «محمد بن المستنير بن أحمد البصري المعروف بقطرب» ت 206 هـ-. والأصل «مصرخيني» فحذفت النون للإضافة، فالتقى ساكنان: ياء الإعراب، وياء الإضافة، وأصلها السكون، ثم كسرت ياء الإضافة على غير قياس، ثم أدغمت ياء الإعراب، في ياء الإضافة، كما تقول: «مررت بمسلميّ».
قال «القاسم بن معن» النحوي ما معناه: قراءة «حمزة» صحيحة، وموافقة لقوانين اللغة العربية، ولا عبرة بقول «الزمخشري» وغيره ممن ضعفها،
(2/342)

أو لحنها، فإنها قراءة صحيحة اجتمعت فيها الأركان الثلاثة «1». وقرأ بها أيضا «يحيى بن وثّاب» ت 103 هـ- و «سليمان بن مهران الأعمش» ت 148 هـ- و «حمران بن أعين» ت 130 هـ-، وجماعة من التابعين، وقياسها في النحو صحيح، وذلك الياء الأولى وهي ياء الجمع جرت مجرى الصحيح لأجل الإدغام، فدخلت ساكنة عليها ياء الإضافة، وحركت بالكسر على الأصل في اجتماع الساكنين، وهذه اللغة باقية، شائعة، ذائعة في أفواه أكثر الناس إلى اليوم اه- «2».
وقرأ الباقون «مصرخيّ» بفتح الياء، لأن الياء المدغم فيها، وهي ياء الإضافة أصلها الفتح.
يقال: «صرخ يصرخ» من باب «قتل يقتل» «صراخا» بضم الصاد، فهو «صارخ، وصريخ»: إذا صاح «3».
قال ابن الجزري:
.......... ... يضلّ فتح الضّم كالحجّ الزّمر
حبر غنا لقمان حبر وأتى ... عكس رويس ..........
المعنى: اختلف القراء في «ليضلوا، ليضل» من قوله تعالى:
1 - وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ (سورة إبراهيم آية 30).
2 - ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (سورة الحج آية 9).
3 - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (سورة لقمان آية 6).
4 - وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ (سورة الزمر آية 8).
__________
(1) وهي: التواتر، وموافقة الرسم العثماني، وموافقة وجه من أوجه اللغة.
(2) انظر: النشر في القراءات العشر بتحقيقنا ج 3/ 134 - 135.
(3) انظر: المصباح المنير مادة «صرخ» ج 1/ 337.
(2/343)

فقرأ مدلول «حبر» وهما: «ابن كثير، وأبو عمرو» «ليضلوا، ليضل» في جميع المواضع المذكورة بفتح الياء، على أنه مضارع «ضلّ» الثلاثي، وهو فعل لازم، أي ليضلّوا «هم» في أنفسهم.
وقرأ المرموز له بالغين من «غنا» وهو: «رويس» «ليضلوا، ليضل» في جميع المواضع بفتح الياء ما عدا موضع «لقمان» فقد قرأه بوجهين:
الأول: «ليضلّ» بفتح الياء، على أنه مضارع «ضلّ» الثلاثي.
والثاني: «ليضلّ» بضم الياء، على أنه مضارع «أضل» الرباعي، وهو متعدّ إلى مفعول محذوف، أي ليضلوا غيرهم.
وقرأ الباقون «ليضلوا، ليضل» بضم الياء في جميع المواضع، وقد تقدم توجيه هذه القراءة.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... واشبعن أفئدتا
لي الخلف .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «أفئدة» من قوله تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ (سورة إبراهيم آية 37).
فقرأ المرموز له باللام من «لي» وهو: «هشام» بخلف عنه «أفئيدة» بياء ساكنة مديّة بعد الهمزة.
قال «ابن الجزري» ت 833 هـ-:
«اختلف عن «هشام» في «أفئدة من الناس» فروى «الحلواني» عنه من جميع طرقه بياء بعد الهمزة هنا خاصة، وهي رواية «العباس بن الوليد البيروتي» عن أصحابه، عن «ابن عامر» .... فهو على لغة المشبعين من العرب الذين
(2/344)

يقولون: «الدراهيم، والصياريف» وليست ضرورة، بل لغة مستعملة، وقد ذكر الإمام «أبو عبد الله بن مالك» من شواهد التوضيح أن الإشباع من الحركات الثلاث لغة معروفة، وجعل من ذلك قولهم: «بينا زيد قائم جاء عمرو» أي بين أوقات قيام زيد، فأشبعت فتحة النون فتولدت الألف» اهـ- «1».
وقرأ الباقون «أفئدة» بدون ياء بعد الهمزة على الأصل، وهو الوجه الثاني «لهشام».
تنبيه: «وأفئدتهم» من قوله تعالى: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (سورة إبراهيم آية 43) اتفق القراء العشرة على قراءته بغير ياء بعد الهمزة، لأنه جمع «فؤاد» وهو القلب، أي قلوبهم فارغة من العقول، ومثل ذلك في الحكم كل ما ورد في «القرآن الكريم».
قال ابن الجزري:
... وافتح لتزول ارفع رما ... ..........
المعنى: اختلف القراء العشرة في «لتزول» من قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (سورة إبراهيم آية 46).
فقرأ المرموز له بالراء من «رما» وهو: «الكسائي» «لتزول» بفتح اللام الأولى، ورفع الثانية، على أنّ «إن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، أي و «إنّه» واللام الأولى هي الفارقة بين «إن» المخففة، والنافية، والفعل مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، و «منه» متعلق ب «لتزول» و «الجبال» فاعل، وجملة «لتزول منه الجبال» في محلّ نصب خبر «كان» والجملة من «كان» واسمها وخبرها، في محلّ رفع خبر «إن» المخففة.
وقرأ الباقون «لتزول» بكسر اللام الأولى، ونصب الثانية، على أنّ «إن»
__________
(1) انظر: النشر في القراءات العشر بتحقيقنا ج 3/ 135 - 136.
(2/345)

نافية بمعنى «ما» واللام لام الجحود، والفعل منصوب بعدها ب «أن» مضمرة.
يقال: زال الشيء يزول، زوالا: فارق طريقه جانحا عنه. والزوال يقال في شيء كان ثابتا قبل.
(والله أعلم) تمّت سورة إبراهيم عليه السلام ولله الحمد والشكر
(2/346)

سورة الحجر
قال ابن الجزري:
.......... ... وربّما الخفّ مدا نل ..........
المعنى: اختلف القراء في «ربما» من قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (سورة الحجر آية 2).
فقرأ مدلول «مدا» والمرموز له بالنون من «نل» وهم: «نافع، وأبو جعفر، وعاصم» «ربما» بتخفيف الباء الموحدة.
وقرأ الباقون «ربّما» بتشديد الباء. والتخفيف، والتشديد لغتان.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... واضمما
تنزّل الكوفي وفي التّا النّون مع ... زاها اكسرا صحبا وبعد ما رفع
المعنى: اختلف القراء في «ما ننزل الملائكة» من قوله تعالى: ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ (سورة الحجر آية 8).
والقراء في ذلك على ثلاث مراتب:
الأولى: «لشعبة» حيث قرأ «ما تنزّل» بضم التاء، وفتح النون، والزاي المشدّدة، على البناء للمفعول، و «الملائكة» بالرفع نائب فاعل.
الثانية: قرأ «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ما ننزّل»
(2/347)

بنونين: الأولى مضمومة، والأخرى مفتوحة، وكسر الزاي مشدّدة، مبنيا للفاعل، و «الملائكة» بالنصب مفعول به.
والثالثة: للباقين حيث قرءوا «ما تنزّل» بفتح التاء، والنون، والزاي مشدّدة، مبنيا للفاعل، و «الملائكة» بالرفع فاعل. وأصل «تنزّل» «تتنزّل» فحذفت إحدى التاءين تخفيفا.
تنبيه: قرأ «البزّي» بخلف عنه «تنزّل» بتشديد التاء حالة وصلها بما قبلها «1».
قال ابن الجزري:
وخفّ سكّرت دنا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «سكرت» من قوله تعالى: لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا (سورة الحجر آية 15).
فقرأ المرموز له بالدال من «دنا» وهو: «ابن كثير» «سكرت» بتخفيف الكاف، أي حبست أبصارنا، بحيث لا ينفذ نورها، ولا تدرك الأشياء على حقيقتها، والعرب تقول: «سكرت الريح»: إذا سكنت، فكأنها حبست، ويقال: «سكرت النهر» أي: حبست عن الجري.
وقرأ الباقون «سكّرت» بتشديد الكاف، أي: «غشّيت، وغطّيت».
وقال «قتادة بن دعامة السدوسي» ت 118 هـ-:
معنى «سكّرت»: «سدّت» وحجتهم في التشديد أن الفعل مسند إلى جماعة، وهو قوله تعالى: سُكِّرَتْ أَبْصارُنا والتشديد مع الجمع أولى» اهـ-.
قال ابن الجزري:
.......... ولا ما ... عليّ فاكسر نوّن ارفع ظاما
__________
(1) قال ابن الجزري: في الوصل تاتيمموا اشدد إلى قوله: وفي الكل اختلف عنه.
(2/348)

المعنى: اختلف القراء في «عليّ» من قوله تعالى: قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (سورة الحجر آية 41).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظاما» وهو: «يعقوب» «عليّ» بكسر اللام، وضمّ الياء منوّنة، من «علوّ الشرف» وهو نعت ل «صرط» مثل قولك: «هذا صراط مرتفع مستقيم». والمراد بالصراط: «الدّين».
وقرأ الباقون «عليّ» بفتح اللام، وفتح الياء المشدّدة من غير تنوين، قيل:
«عليّ» بمعنى «إليّ» فيتعلق ب «مستقيم» ويجوز أن يكون «عليّ» خبرا لمبتدإ محذوف، والتقدير: استقامته عليّ.
قال ابن الجزري:
همز ادخلوا انقل اكسر الضّمّ اختلف ... غيث ..........
المعنى: اختلف القراء في «وعيون ادخلوها» من قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* ادْخُلُوها (سورة الحجر الآيتان 45 - 46).
فقرأ المرموز له بالغين من «غيث» وهو: «رويس» بخلف عنه بضم تنوين «عيون» حالة وصله بما بعده، وكسر خاء «ادخلوها» على ما لم يسمّ فاعله، والهمزة على هذه القراءة همزة قطع نقلت حركتها إلى التنوين قبلها، ثم حذفت الهمزة، فالفعل حينئذ من «أدخل» الثلاثي المزيد بالهمزة.
وقرأ الباقون بضم خاء «ادخلوها» على أنه فعل أمر من «دخل» الثلاثي، والهمزة على هذه القراءة همزة وصل، وهو الوجه الثاني «لرويس».
واعلم أن جميع القراء العشرة حالة البدء ب «ادخلوها» يبدءون بهمزة مضمومة.

تنبيه:
اعلم أن القراء العشرة في ضمّ، وكسر عين «وعيون» وكذا ضمّ وكسر التنوين وصلا حسب قواعدهم.
(2/349)

قال ابن الجزري:
.......... ... .......... تبشّرون ثقل النّون دف
وكسرها اعلم دم ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «تبشرون» من قوله تعالى: قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (سورة الحجر آية 54).
فقرأ المرموز له بالدال من «دف» وهو: «ابن كثير» «تبشّرون» بكسر النون المشددة مع المد المشبع، والأصل: «تبشرونني» فأدغمت نون الرفع في نون الوقاية، ثم حذفت ياء الإضافة لدلالة الكسرة عليها.
وقرأ المرموز له بالألف من «اعلم» وهو: «نافع» «تبشرون» بكسر النون مخففة، والأصل «تبشرونني» ثم حذفت نون الوقاية بعد نقل كسرتها إلى نون الرفع، ثم حذفت ياء الإضافة حملا على نظائرها في رءوس الآي، ولدلالة الكسرة التي قبلها عليها.
وقرأ الباقون «تبشرون» بنون مفتوحة مخففة، على أن أصل الفعل «تبشرون» والنون هي نون الرفع.
قال ابن الجزري:
.......... كيقنط اجمعا ... روى حما ..........
المعنى: اختلف القراء في «يقنط، يقنطون، تقنطوا» في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:
1 - قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (سورة الحجر آية 56).
2 - وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (سورة الروم آية 36).
3 - لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (سورة الزمر آية 53).
فقرأ مدلولا «روى حما» وهم: «الكسائي، وخلف العاشر، وأبو عمرو،
(2/350)

ويعقوب» «يقنط، يقنطون، لا تقنطوا» بكسر النون، وهي لغة «أهل الحجاز، وأسد».
وقرأ الباقون هذه الألفاظ بفتح النون، وهو لغة بقيّة العرب. والقراءتان ترجعان إلى أصل الاشتقاق: فقراءة كسر النون مضارع «قنط يقنط» بفتح العين في الماضي، وكسرها في المضارع، مثل: «ضرب يضرب». وقراءة فتح النون مضارع «قنط يقنط» بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع، مثل: «تعب يتعب». ومعنى «لا تقنطوا» لا تيأسوا.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... خفّ قدرنا صف معا
المعنى: اختلف القراء في «قدرنا، قدرناها» من قوله تعالى:
1 - إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (سورة الحجر آية 60).
2 - إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (سورة النمل آية 57).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صف» وهو: «شعبة» «قدرنا، قدرنها» بتخفيف الدال فيهما.
وقرأ الباقون بتشديد الدال فيهما. والتخفيف، والتشديد لغتان بمعنى:
قال «الزجاج إبراهيم بن السّري» ت 311 هـ-: علمنا أنها من الغابرين.
وقيل: دبّرنا إنها لمن الباقين في العذاب «1».
(والله أعلم) تمّت سورة الحجر ولله الحمد والشكر
__________
(1) انظر: لسان العرب مادة «قدر» ج 5/ 75.
(2/351)

سورة النحل
قال ابن الجزري:
ينزل مع ما بعد مثل القدر عن ... روح ..........
المعنى: اختلف القراء في «ينزل الملائكة» من قوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ (سورة النحل آية 2).
فقرأ «روح» «تنزّل» بتاء مثناة من فوق مفتوحة، ونون مفتوحة وزاي مفتوحة مشدّدة، مضارع «تنزّل» والأصل «تتنزّل» فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، و «الملائكة» بالرّفع فاعل.
وقرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، ورويس» «ينزل» بإسكان النون، وتخفيف الزاي المكسورة، على أنها مضارع «أنزل» الرباعي، و «الملائكة» بالنصب مفعول به. قال «ابن الجزري»: «ينزل كلّا خفّ حق».
وقرأ الباقون «ينزّل» بتشديد الزاي المكسورة، وفتح النون، مضارع «نزّل» مضعف العين، و «الملائكة» بالنصب مفعول به.
قال ابن الجزري:
.......... ... .... بشقّ فتح شينه ثمن
المعنى: اختلف القراء في «بشق» من قوله تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ (سورة النحل آية 7).
فقرأ المرموز له بالثاء من «ثمن» وهو: «أبو جعفر» بفتح الشين.
وقرأ الباقون بكسر الشين. والفتح، والكسر مصدران بمعنى واحد، وهو
(2/353)

المشقة. وقيل: الفتح مصدر، والكسر اسم مصدر. و «بشق» في موضع الحال من الضمير في «بالغية» أي مشقوقا عليكم.
قال ابن الجزري:
ينبت نون صحّ .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ينبت» من قوله تعالى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ (سورة النحل آية 11).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صحّ» وهو: «شعبة» «ننبت» بنون العظمة، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى التكلم، والفاعل ضمير مستتر تقديره «نحن» فالله سبحانه وتعالى أجراه على الإخبار عن نفسه لتقدم لفظ الإخبار قبله في قوله تعالى: أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (الآية 2).
وقرأ الباقون «ينبت» بالياء التحتية، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» وذلك إجراء للكلام على لفظ الغيبة، لتقدم الغيبة في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ (الآية 10).
جاء في اللسان: كل ما أنبت الله في الأرض فهو «نبت» والنبات فعله، ويجري مجرى اسمه، يقال: «أنبت الله النبات إنباتا».
وقال «الفراء» ت 207 هـ-: «إن النبات اسم يقوم مقام المصدر قال الله تعالى: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً (سورة آل عمران آية 37) اهـ-. وقال ابن سيده ت 458 هـ-: «نبت الشيء ينبت نبتا، ونباتا، وتنبّت» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
.......... يدعون ظبا ... نل ..........
__________
(1) انظر: لسان العرب مادة «نبت» ج 2/ 95.
(2/354)

المعنى: اختلف القراء في «يدعون» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (سورة النحل آية 20).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظبا» والنون من «نل» وهما: «يعقوب، وعاصم» «يدعون» بياء الغيبة، وذلك على الالتفات من الخطاب الذي قبله في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (آية 19)، إلى الغيبة، والالتفات ضرب من ضروب البلاغة.
وقرأ الباقون «تدعون» بتاء الخطاب، جريا على السياق، ومناسبة للخطاب المتقدم في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ فجرى الكلام على نسق واحد.
جاء في «المصباح المنير»: «دعوت الله، أدعوه، دعاء»: ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده من الخير» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... ... وتشاقّون اكسر النّون أبا
المعنى: اختلف القراء في «تشاقون» من قوله تعالى: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ (سورة النحل آية 27).
فقرأ المرموز له بالألف من «أبا» وهو: «نافع» «تشقون» بكسر النون، والأصل «تشاقونني» فحذفت نون الوقاية بعد نقل كسرتها إلى نون الرفع، ثم حذفت ياء الإضافة لدلالة الكسرة عليها، ومعنى «تشاقونني»: تعادونني، أو تحاربونني.
وقرأ الباقون «تشقون» بفتح النون، على أنها نون الرفع، والمفعول محذوف، أي الله تعالى، وحينئذ تتحد القراءتان في المعنى.
__________
(1) انظر: المصباح المنير مادة «دعا» ج 1/ 194.
(2/355)

قال ابن الجزري:
ويتوفّاهم معا فتى .... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «تتوفاهم» من قوله تعالى:
1 - الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ (سورة النحل آية 28).
2 - ومن قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ (سورة النحل آية 32).
فقرأ مدلول «فتى» وهما: «حمزة، وخلف العاشر» «يتوفهم» في الموضعين بالياء التحتية، على تذكير الفعل، و «الملائكة» فاعل، وجاز تذكير الفعل على إرادة جمع «الملائكة» ومنه قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ (سورة آل عمران آية 39) على قراءة «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر».
وقرأ الباقون «تتوفهم» في الموضعين أيضا بالتاء الفوقية، على تأنيث الفعل، و «الملائكة» فاعل، وأنّث الفعل لأن لفظ «الملائكة» مؤنث، والمراد جماعة الملائكة، ومنه قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ (سورة النحل آية 33).
قال ابن الجزري:
.......... وضم ... وفتح يهدي كم سما ....
المعنى: اختلف القراء في «لا يهدي» من قوله تعالى: إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ (سورة النحل آية 37).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» ومدلول «سما» وهم: «ابن عامر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» «لا يهدى» بضم الياء، وفتح الدال، وألف بعدها، وذلك على بناء الفعل للمفعول، و «من» نائب فاعل، أي من يضله الله لا يهديه، وهذه القراءة في المعنى بمنزلة قوله تعالى:
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ (سورة الأعراف آية 186).
(2/356)

وعن «عكرمة بن خالد بن العاص» ت 115 هـ- عن «عبد الله بن عباس» ت 68 هـ- رضي الله عنهما قال: قيل له: «فإن الله لا يهدى من يضل» قال: «من أضله الله لا يهدى» اهـ- «1».
وقرأ الباقون «لا يهدي» بفتح الياء، وكسر الدال، وياء بعدها، وذلك على بناء الفعل للفاعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على الله تعالى، و «من» مفعول به.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... تروا فعم
روى الخطاب .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يروا» من قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ (سورة النحل آية 48).
فقرأ المرموز له بالفاء من «فعم» ومدلول «روى» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تروا» بتاء الخطاب، لمناسبة الخطاب في قوله تعالى قبل: فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (آية 47) كي يكون الكلام على نسق واحد وهو الخطاب.
والمخاطب قيل: جميع بني آدم المكلفين شرعا، وقيل: من يصلح للخطاب وهم المؤمنون لأنهم هم المنتفعون بما يلقى إليهم دون غيرهم.
وقرأ الباقون «يروا» بياء الغيب، لمناسبة الغيبة التي قبلها في قوله تعالى:
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ (آية 45). ثم الغيبة التي في الآيتين 46 - 47).
__________
(1) انظر: حجة القراءات لابن زنجلة ص 389.
(2/357)

قال ابن الجزري:
... والأخير كم ظرف ... فتى ..........
المعنى: اختلف القراء في «يروا» من قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ (سورة النحل آية 79).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» والظاء من «ظرف» ومدلول «فتى» وهم: «ابن عامر، ويعقوب، وحمزة وخلف العاشر» «تروا» بتاء الخطاب، لمناسبة الخطاب في قوله تعالى قبل: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (آية 78)، فجرى الكلام على نسق واحد وهو الخطاب.
وقرأ الباقون «يروا» بياء الغيب، وفي ذلك توجيهان:
الأول: أن يكون ذلك على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
الثاني: أن يكون لمناسبة الغيبة في قوله تعالى قبل: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (آية 73).
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... تروا كيف شفا والخلف صف
المعنى: اختلف القراء في «يروا كيف» من قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (سورة العنكبوت آية 19).
فقرأ مدلول «شفا» والمرموز له بالصاد من «صف» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وشعبة» بخلف عنه «تروا» بتاء الخطاب، لمناسبة الخطاب الذي في قوله تعالى قبل: وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ (آية 18) والمعنى: قل يا «محمد» صلّى الله عليه وسلّم للمكذبين برسالتك: «أو لم تروا كيف
(2/358)

يبدئ الله الخلق ثم يعيده» وفي ذلك دلالة واضحة على وحدانيته، وقدرته، وأنه يجب أن ينفرد بالعبادة دون سواه.
وقرأ الباقون «يروا» بياء الغيب، وهو الوجه الثاني ل «شعبة» على أن الضمير عائد على الأمم السابقة في قوله تعالى قبل: وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ (آية 18) والمعنى: أولم ير من مضى من سالف الأمم كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده، إذا فكان يجب عليهم الإيمان بالله تعالى ولكنهم مع ذلك كفروا، وجحدوا بالله تعالى.
قال ابن الجزري:
ويتفيّؤا سوى البصري ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يتفيؤا» من قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ (سورة النحل آية 48).
فقرأ جميع القراء عدا «البصريين» «يتفيؤا» بياء التذكير، وذلك على تذكير معنى الجمع، ولأن تأنيث الفاعل وهو: «ظلال» غير حقيقي.
وقرأ البصريان وهما: «أبو عمرو، ويعقوب» «تتفيؤا» بتاء التأنيث، وذلك على تأنيث لفظ الجمع وهو: «الظلال».
قال ابن الجزري:
.......... ورا ... مفرّطون اكسر مدا واشدد ثرا
المعنى: اختلف القراء في «مفرطون» من قوله تعالى: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (سورة النحل آية 62).
فقرأ «نافع» «مفرطون» بكسر الراء مخففة، على أنها اسم فاعل من «أفرط» إذا جاوز الحدّ.
يقال: كانوا مفرطين على أنفسهم في ارتكاب الذنوب. قال «مكي بن أبي
(2/359)

طالب» ت 437 هـ-: «مفرطون» بكسر الراء اسم فاعل من «أفرط» إذا أعجل، فمعناه: أنهم معجلون إلى النار، أي سابقون إليها. وحكى «أبو زيد الأنصاري» ت 215 هـ-: فرط الرجل أصحابه يفرطهم: إذا سبقهم، والفارط:
المتقدم إلى الماء وغيره» اهـ- «1».
وقرأ «أبو جعفر» المرموز له بالثاء من «ثرا» «مفرّطون» بكسر الراء مشدّدة، على أنها اسم فاعل من «فرّط» مضعف العين، بمعنى: قصّر، وضيّع.
ومنه قوله تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (سورة الزمر آية 56).
وقرأ الباقون «مفرطون» بفتح الراء مخففة، اسم مفعول من «أفرط» الرباعي.
قال «يحيى بن زكريا الفراء» ت 207 هـ-: معناه: منسيون. والعرب تقول: أفرطت منهم ناسا: أي خلّفتهم، ونسيتهم «2».
قال ابن الجزري:
ونون نسقيكم معا أنّث ثنا ... وضمّ صحب حبر ..........
المعنى: اختلف القراء في «نسقيكم» من قوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ (سورة النحل آية 66). ومن قوله تعالى:
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها (سورة المؤمنون آية 21).
فقرأ المرموز له بالثاء من «ثنا» وهو: «أبو جعفر» «تسقيكم» في الموضعين بالتاء الفوقية المفتوحة، على تأنيث الفعل، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره «هي» يعود على «الأنعام» وهي مؤنثة، ولذلك جاز تأنيث الفعل.
وقرأ مدلول «صحب» ومدلول «حبر» وهم: «حفص، وحمزة،
__________
(1) انظر: الكشف عن وجوه القراءات ج 2/ 38.
(2) انظر: لسان العرب مادة «فرط» ج 7/ 370.
(2/360)

والكسائي، وخلف العاشر، وابن كثير، وأبو عمرو» «نسقيكم» في الموضعين بالنون المضمومة، على أنه مضارع «أسقى» الرباعي، ومنه قوله تعالى:
وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (سورة المرسلات آية 27).
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وابن عامر، وشعبة، ويعقوب» «نسقيكم» في الموضعين بالنون المفتوحة، على أنه مضارع «سقى» الثلاثي، ومنه قوله تعالى:
وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (سورة الإنسان آية 21). وفاعل «نسقيكم» ضمير مستتر وجوبا تقديره «نحن» يعود على الله تعالى المتقدم ذكره في قوله تعالى:
وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ (آية 64)، وجرى الكلام على نسق واحد وهو إسناد الفعل إلى المعظم نفسه.
فإن قيل: هل هناك فرق بين «سقى، وأسقى»؟
أقول: قال «الخليل بن أحمد الفراهيدي» ت 170 هـ- و «سيبويه عمرو ابن عثمان بن قنبر» ت 180 هـ-.
يقال: سقيته: ناولته فشرب، وأسقيته: «جعلت له سقيا» اهـ-.
وقال «أبو عبيدة معمر بن المثنى» ت 210 هـ-: «هما لغتان» اهـ-.
وقال «أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس» ت 338 هـ-: «سقيته» يكون بمعنى عرضته لأن يشرب. و «أسقيته»: دعوت له بالسقيا» اهـ- «1».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... يجحدوا غنا
صبا الخطاب .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يجحدون» من قوله تعالى: أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (سورة النحل آية 71).
__________
(1) انظر: اعراب القرآن لابن النحاس ج 2/ 216.
(2/361)

فقرأ المرموز له بالغين من «غنا» والصاد من «صبا» وهما: «رويس، وشعبة» «تجحدون» بالتاء الفوقية، على الخطاب، لمناسبة الخطاب في قوله تعالى قبل: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ.
وقرأ الباقون «يجحدون» بياء الغيب، لمناسبة الغيبة في قوله تعالى قبل:
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ فجرى الكلام على نسق واحد وهو الغيبة.
قال ابن الجزري:
.......... ظعنكم حرّك سما ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ظعنكم» من قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ (سورة النحل آية 80).
فقرأ مدلول «سما» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» «ظعنكم» بفتح العين.
وقرأ الباقون «ظعنكم» بإسكان العين. وهما لغتان في مصدر «ظعن» بمعنى «سافر» مثل: «النّهر والنّهر».
قال ابن الجزري:
.......... ... ليجزينّ النّون كم خلف نما
دم ثق .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ولنجزينّ» من قوله تعالى: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ (سورة النحل آية 96).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم والنون من «نما» والدال من «دم» والثاء من «ثق» وهم: «عاصم، وابن كثير، وأبو جعفر، وابن عامر» بخلف عنه «ولنجزينّ» بنون العظمة، وذلك إخبار من الله عزّ وجلّ عن نفسه بالجزاء الذي
(2/362)

أكده بالقسم، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره «نحن» يعود على الله تعالى المتقدم ذكره، وفي الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم.
وقرأ الباقون «وليجزين» بياء الغيب، وهو الوجه الثاني ل «ابن عامر» والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على الله تعالى، وقد جرى الكلام على نسق واحد وهو الغيبة.
قال ابن الجزري:
... وضمّ فتنوا واكسر سوى ... شام ..........
المعنى: اختلف القراء في «فتنوا» من قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا (سورة النحل آية 110).
فقرأ «ابن عامر» «فتنوا» بفتح الفاء، والتاء، على البناء للفاعل، أي فتنوا المؤمنين بإكراههم على الكفر، ثم آمنوا وهاجروا، فالله غفور لما فعلوه.
وقرأ الباقون «فتنوا» بضم الفاء، وكسر التاء، على البناء للمفعول، أي فتنهم الكفار بالإكراه على التلفظ بكلمة الكفر، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان مثل:
«عمار بن ياسر» رضي الله عنه فالله غفور لهم، ودليله قول الله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ (سورة النحل آية 106).
قال ابن الجزري:
.......... ... .... وضيق كسرها معا دوى
المعنى: اختلف القراء في «ضيق» من قوله تعالى: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (سورة النحل 127). وقوله تعالى: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا
يَمْكُرُونَ
(سورة النمل آية 70).
فقرأ المرموز له بالدال من «دوى» وهو: «ابن كثير» في الموضعين بكسر الضاد.
(2/363)

وقرأ الباقون بفتحها، وهما لغتان في مصدر «ضاق» نحو: «القول والقيل». قال «ابن كثير»: «ولا تك في ضيق» أي غمّ اهـ- «1».
تمّت سورة النحل ولله الحمد والشكر
__________
(1) انظر: مختصر تفسير ابن كثير ج 2/ 353.
(2/364)

سورة الإسراء
قال ابن الجزري:
يتّخذوا حلا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «تتخذوا» من قوله تعالى: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (سورة الإسراء آية 2).
فقرأ المرموز له بالحاء من «حلا» وهو: «أبو عمرو» «ألّا يتخذوا» بياء الغيب، وذلك حملا على لفظ الغيبة المتقدم ذكرها في قوله تعالى أوّل الآية:
وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ و «أن» مصدريّة» مجرورة بحرف جرّ محذوف، و «لا» نافية، أي لئلا يتخذوا وكيلا من دوني.
وقرأ الباقون «ألّا تتخذوا» بتاء الخطاب، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، و «أن» مفسّرة بمعنى «أي» و «لا» ناهية، والمعنى: وقلنا لهم لا تتخذوا وكيلا من دوني.
قال ابن الجزري:
.......... يسوء فاضمما ... همزا وأشبع عن سما النّون رمى
المعنى: اختلف القراء في «ليسوءوا» من قوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ (سورة الأسراء آية 7).
فقرأ المرموز له بالعين من «عن» ومدلول «سما» وهم: «حفص، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» «ليسوءوا» بالياء التحتية، وضم الهمزة، وبعدها واو ساكنة، والفعل مسند إلى واو الجماعة، وهي عائدة على «عبادا» في قوله تعالى: بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ (آية 5)
(2/365)

وقد جرى الكلام على نسق واحد وهو الغيبة، والجمع، لأن قبله: فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ (آية 5) - وبعده وَلِيَدْخُلُوا، وَلِيُتَبِّرُوا (آية 7).
وقرأ المرموز له بالراء من «رمى» وهو: «الكسائي» «لنسوء» بنون العظمة، وفتح الهمزة من غير مدّ بعدها، على أنه فعل مضارع مسند إلى ضمير المعظم نفسه تقديره «نحن» وذلك على الإخبار من الله تعالى عن نفسه، لمناسبة قوله تعالى قبل: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ (آية 5). وقوله: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ (آية 6) ليكون آخر الكلام محمولا على أوله، وحينئذ يكون الكلام على نسق واحد.
وقرأ الباقون وهم: «ابن عامر، وشعبة، وحمزة، وخلف العاشر» «ليسوء» بالياء التحتية وفتح الهمزة، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على «الوعد» والمراد به «الموعود» وهو العذاب الذي أعده الله لهم، وحينئذ يكون الإسناد مجازيّا. أو يكون الفاعل ضميرا يعود على الله تعالى المتقدم ذكره، وحينئذ يكون في الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة.
قال ابن الجزري:
ونخرج اليا ثوى وفتح ضم ... وضمّ راء ظنّ فتحها ثكم
المعنى: اختلف القراء في «ونخرج» من قوله تعالى: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (سورة الإسراء آية 13).
فقرأ «أبو جعفر» «ويخرج» بياء تحتية مضمومة، وراء مفتوحة، على أنه مضارع «أخرج» الرباعي، مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على «طائره» المتقدم ذكره في قوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ و «كتابا» حال.
وقرأ «يعقوب» «ويخرج» بالياء التحتية المفتوحة، وراء مضمومة، على أنه
(2/366)

مضارع «خرج» الثلاثي، مبني للمعلوم، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على «طائره» أيضا، و «كتابا» حال.
وقرأ الباقون «ونخرج» بنون العظمة المضمومة، وراء مكسورة، على أنه مضارع «أخرج» الرباعي، مبني للمعلوم، والفاعل ضمير مستتر تقديره «نحن» لأن قبله وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ و «كتابا» مفعول به.
قال ابن الجزري:
يلقا اضمم اشددكم ثنا ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يلقاه» من قوله تعالى: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (سورة الإسراء آية 13).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» والثاء من «ثنا» وهما: «ابن عامر، وأبو جعفر» «يلقّاه» بضم الياء، وفتح اللام، وتشديد القاف، على أنه مضارع «لقّى» مضعف العين، مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على «الإنسان» المتقدم ذكره في قوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ وهو المفعول الأول، والهاء التي في «يلقه» مفعوله الثاني، وهي عائدة على «كتبا» و «منشورا» صفة إلى «كتبا».
وقرأ الباقون «يلقه» بفتح الياء، وتخفيف القاف، وسكون اللام، على أنه مضارع «لقي» الثلاثي، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على صاحب الكتاب وهو الإنسان المتقدم ذكره، والضمير في «يلقه» مفعول به، وهو عائد على «كتبا» و «منشورا» صفة إلى «كتبا».
قال ابن الجزري:
.......... مدّ أمر ... ظهر ..........
(2/367)

المعنى: اختلف القراء في «أمرنا» من قوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها (سورة الإسراء آية 16).
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظهر» وهو: «يعقوب» «ءامرنا» بمد الهمزة بمعنى: «أكثرنا».
والمعنى: أكثرنا مترفيها ففسقوا فيها بارتكاب المعاصي، ومخالفة أمر الله تعالى.
وقرأ الباقون «أمرنا» بقصر الهمزة، من الأمر ضدّ النهي. والمعنى: أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا فيها بعدم امتثال الأمر.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ويبلّغان مدّ وكسر
شفا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يبلغنّ» من قوله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما (سورة الإسراء آية 23).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يبلغانّ» بإثبات ألف بعد الغين مع المدّ، وكسر النون مشددة، على أن الفعل مسند إلى ألف الاثنين وهي الفاعل، وكسرت نون التوكيد بعدها تشبيها لها بنون الرفع بعد حذف النون للجازم، و «أحدهما» بدل من ألف المثنى بدل بعض من كل، و «كلاهما» معطوف عليه.
وقرأ الباقون «يبلغنّ» بحذف الألف، وفتح النون مشددة، على أنه فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، و «أحدهما» فاعل، و «كلاهما» معطوف عليه.
قال ابن الجزري:
... وحيث أفّ نوّن عن مدا ... وفتح فائه دنا ظلّ كذا
(2/368)

المعنى: اختلف القراء في «أفّ» من قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما (سورة الإسراء آية 23). ومن قوله تعالى: أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (سورة الأنبياء آية 67). ومن قوله تعالى: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما (سورة الأحقاف آية 17).
فقرأ المرموز له بالعين من «عن» ومدلول «مدا» وهم: «حفص، ونافع، وأبو جعفر» «أفّ» في السور الثلاث بكسر الفاء منونة، والكسر لغة «أهل الحجاز، واليمن» والتنوين للتنكير.
وقرأ المرموز له بالدال من «دنا» والظاء من «ظلّ» والكاف من «كدا» وهم:
«ابن كثير، ويعقوب، وابن عامر» «أفّ» في السور الثلاث بفتح الفاء بلا تنوين.
والفتح لغة «قيس» وترك التنوين لقصد عدم التنكير.
وقرأ الباقون «أفّ» بكسر الفاء بلا تنوين، وقد سبق توجيه ذلك.
قال ابن الجزري:
وفتح خطئا من له الخلف ثرا ... حرّك لهم والمكّ والمدّ درى
المعنى: اختلف القراء في «خطئا» من قوله تعالى: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (سورة الإسراء آية 31).
فقرأ المرموز له بالميم من «من» واللام من «له» والثاء من «ثرا» وهم:
«ابن ذكوان، وأبو جعفر، وهشام» بخلف عنه «خطأ» بفتح الخاء والطاء، من غير ألف، على أنه مصدر «خطئ، خطأ، فهو خاطئ»: إذا تعمّد، مثل:
«تعب يتعب تعبا» والمشهور في مصدر «خطئ» «خطأ» كما قال ابن مالك:
وفعل اللازم بابه فعل ... كفرح وكجوى وكشلل
وقرأ «ابن كثير» «خطاء» بكسر الخاء، وفتح الطاء، وألف ممدودة بعدها،
(2/369)

على أنه مصدر «خاطأ يخاطئ خطاء» مثل: «قاتل يقاتل قتالا». قال ابن مالك:
لفاعل الفعال والمفاعلة.
وقرأ الباقون «خطأ» بكسر الخاء، وسكون الطاء، وهو الوجه الثاني ل «هشام» على أنه مصدر «خطئ خطأ» بمعنى: مجانبة الصواب، مثل: «أثم إثما».
قال ابن مالك:
وما أتى مخالفا لما مضى ... فبابه النقل كسخط ورضى
قال ابن الجزري:
يسرف شفا خاطب ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يسرف» من قوله تعالى: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (سورة الإسراء آية 33).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تسرف» بتاء الخطاب، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والمخاطب هو «الوليّ» على معنى: لا تقتل أيها الوليّ غير قاتل وليّك.
وقيل المعنى: لا تقتل أيها الوليّ أحدا بعد أخذك الدية من القاتل.
وقرأ الباقون «يسرف» بياء الغيبة، جريا على الأسلوب السابق في قوله تعالى: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً وضمير الغائب عائد على «الولي» والإسراف المنهي عنه هو التعدّي في القصاص، كأن يقتل غير القاتل، أو يقتل بالواحد جماعة.
قال ابن الجزري:
.......... وقسطاس اكسر ... ضمّا معا صحب ..........
المعنى: اختلف القراء في «بالقسطاس» من قوله تعالى: وَزِنُوا
(2/370)

بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (سورة الإسراء آية 35). وقوله تعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (سورة الشعراء آية 182).
فقرأ مدلول «صحب» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» في الموضعين بكسر القاف.
وقرأ الباقون بضم القاف، وهما لغتان: فالضم لغة أهل الحجاز، والكسر لغة غيرهم.
والقسطاس: الميزان، ويعبر به عن العدالة، كما يعبر عنها بالميزان.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وضمّ ذكّر
سيّئة ولا تنوّن كم كفى ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «سيئة» من قوله تعالى: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (سورة الإسراء آية 38).
فقرأ المرموز له بالكاف من «كم» ومدلول «كفى» وهم: «ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «سيئه» بضم الهمزة، وبعدها هاء مضمومة موصولة، على أنها اسم «كان» و «مكروها» خبرها.
والمعنى: كل ما ذكر مما أمرتم به، ونهيتم عنه من قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ إلى هنا كان سيئه وهو ما نهيتم عنه خاصة مكروها، وذكّر «مكروها» على لفظ «كل».
وقرأ الباقون «سيئة» بفتح الهمزة، وبعدها تاء تأنيث منصوبة منونة، على التوحيد، خبر «كان» وأنّث حملا على معنى «كل» واسمها ضمير يعود على «كل» واسم الإشارة: «ذلك» عائد على ما ذكر من النواهي السابقة، و «عند ربك» متعلق ب «مكروها» و «مكروها» خبر بعد خبر، وقال تعالى «مكروها» ولم يقل
(2/371)

«مكروهة» لأنه عائد على لفظ «كل». والمعنى: كل ما سبق من النواهي المتقدمة كان سيئه مكروها عند ربك.
قال ابن الجزري:
.......... ... ليذكروا اضمم خفّفن معا شفا
المعنى: اختلف القراء في «ليذكروا» من قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً (سورة الإسراء آية 41). ومن قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا (سورة الفرقان آية 50).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ليذكروا» في الموضعين بسكون الذال، وضم الكاف مخففة، على أنه مضارع «ذكر يذكر» الثلاثي من «الذّكر» ضدّ النسيان.
وقرأ الباقون «ليذّكّروا» بتشديد الذّال، والكاف حالة كونهما مفتوحتين، على أنه مضارع «تذكّر يتذكّر» مضعف العين، وأصله «يتذكر» فأبدلت التاء «ذالا» وأدغمت في «الذال» وذلك لوجود التقارب بينهما في المخرج: إذ التاء تخرج من طرف اللسان مع ما يليه من أصول الثنايا العليا، و «الذال» تخرج من طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا.
كما أنهما مشتركان في الصفات الآتية: «الاستفال، والانفتاح، والإصمات» والتذكّر معناه: التيقظ، والمبالغة في الانتباه من الغفلة، ومنه قوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (سورة القصص آية 51).
قال ابن الجزري:
وبعد أن فتى .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «أن يذكر» من قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (سورة الفرقان آية 62).
(2/372)

فقرأ مدلول «فتى» وهما: «حمزة، وخلف العاشر» «يذكر» بتخفيف «الذال» مسكنة، وتخفيف الكاف مضمومة، على معنى الذكر لله تعالى، وهو مضارع «ذكر يذكر» الثلاثي.
وقرأ الباقون «يذّكّر» بتشديد الذال والكاف حالة كونهما مفتوحتين، على معنى: «التذكّر، والتدبّر، والاعتبار مرّة بعد مرّة» وهو مضارع «تذكّر» مضعف العين، والأصل «يتذكر» فأدغمت التاء في الذال، لتقاربهما في المخرج، إذ التاء تخرج من طرف اللسان، وأصول الثنايا العليا، و «الذال» تخرج من طرف اللسان، وأطراف الثنايا العليا كما أنهما متفقان في الصفات الآتية: الاستفال، والانفتاح، والإصمات.
قال ابن الجزري:
.......... ومريم نما ... إذ كم ..........
المعنى: اختلف القراء في «يذكر» من قوله تعالى: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (سورة مريم آية 67).
فقرأ المرموز له بالألف من «إذ» والكاف من «كم» والنون من «نما» وهم:
«نافع، وابن عامر، وعاصم» «يذكر» بإسكان الذال، وضم الكاف على أنه مضارع «ذكر» من الذكر الذي يكون عقيب النسيان والغفلة.
وقرأ الباقون «يذّكّر» بتشديد «الذال، والكاف» على أنه مضارع «تذكّر» مضعف العين، وأصله «يتذكر» فابدلت التاء ذالا، وأدغمت في «الذال».
قال ابن الجزري:
.......... ... ... يقول عن دعا ..........
المعنى: اختلف القراء في «يقولون» من قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ (سورة الإسراء آية 42).
(2/373)

فقرأ المرموز له بالعين من «عن» والدال من «دعا» وهما: «حفص، وابن كثير «يقولون» بياء الغيب، مناسبة للفظ الغيب المتقدم في قوله تعالى: وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً (آية 41).
وقرأ الباقون «تقولون» بتاء الخطاب، حملا على الخطاب الذي سيقوله لهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم، على معنى: قل لهم يا محمد: لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا* سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (الآيتان 42 - 43)، فجرى الكلام في الخطاب لهم على نسق واحد.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... الثّاني سما
نل كم .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «يقولون» من قوله تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (سورة الإسراء آية 43).
فقرأ مدلول «سما» والمرموز له بالنون من «نل» والكاف من «كم» وهم:
«نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب، وعاصم، وابن عامر» «يقولون» بياء الغيب، ومعهم «رويس» بخلف عنه، عملا بقول «ابن الجزري»: «وفيهما خلف رويس وقعا». مناسبة للفظ الغيب المتقدم في قوله تعالى: وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً (آية 41) فحمل آخر الكلام على أوله، فجرى على نسق واحد وهو الغيبة.
وقرأ الباقون وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» ورويس، في وجهه الثاني «تقولون» بتاء الخطاب، مراعاة لحكاية ما يقوله لهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم، على معنى: قل لهم يا محمد: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً.
قال ابن الجزري:
... يسبّح صدا عمّ دعا ... وفيهما خلف رويس وقعا
(2/374)