Advertisement

النشر في القراءات العشر 002



الكتاب: النشر في القراءات العشر
المؤلف : شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، محمد بن محمد بن يوسف (المتوفى : 833 هـ)
المحقق : علي محمد الضباع (المتوفى 1380 هـ)
الناشر : المطبعة التجارية الكبرى [تصوير دار الكتاب العلمية]
عدد الأجزاء : 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] عَدَالَتُهُ، وَتَحَقَّقَ لُقِيُّهُ لِمَنْ أَخَذَ عَنْهُ وَصَحَّتْ مُعَاصَرَتُهُ، وَهَذَا الْتِزَامٌ لَمْ يَقَعْ لِغَيْرِنَا مِمَّنْ أَلَّفَ فِي هَذَا الْعِلْمِ.
وَمَنْ نَظَرَ أَسَانِيدَ كُتُبِ الْقِرَاءَاتِ وَأَحَاطَ بِتَرَاجِمَ الرُّوَاةِ عِلْمًا عَرَفَ قَدْرَ مَا سَبَرْنَا وَنَقَّحْنَا وَصَحَّحْنَا، وَهَذَا عِلْمٌ أُهْمِلَ، وَبَابٌ أُغْلِقَ، وَهُوَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي تَرْكِ كَثِيرٍ مِنَ الْقِرَاءَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَحْفَظُ مَا بَقِيَ.
وَإِذَا كَانَ صِحَّةُ السَّنَدِ مِنْ أَرْكَانِ الْقِرَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَعَيَّنَ أَنْ يُعْرَفَ حَالُ رِجَالِ الْقِرَاءَاتِ كَمَا يُعْرَفُ أَحْوَالُ رِجَالِ الْحَدِيثِ، لَا جَرَمَ اعْتَنَى النَّاسُ بِذَلِكَ قَدِيمًا، وَحَرَصَ الْأَئِمَّةُ عَلَى ضَبْطِهِ عَظِيمًا وَأَفْضَلُ مَنْ عَلِمْنَاهُ تَعَاطَى ذَلِكَ وَحَقَّقَهُ، وَقَيَّدَ شَوَارِدَهُ وَمُطْلَقَهُ، إِمَامَا الْغَرْبِ وَالشَّرْقِ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ الثِّقَةُ - أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ - مُؤَلِّفُ التَّيْسِيرِ وَجَامِعِ الْبَيَانِ وَتَارِيخِ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ تَحْقِيقُ هَذَا الْعِلْمِ وَضَبْطُهُ وَإِتْقَانُهُ بِبِلَادِ الْأَنْدَلُسِ وَالْقُطْرِ الْغَرْبِيِّ، وَالْحَافِظُ الْكَبِيرُ - أَبُو الْعَلَاءِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَطَّارُ الْهَمْدَانِيُّ - مُؤَلِّفُ الْغَايَةِ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ وَطَبَقَاتِ الْقُرَّاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِ النَّقَلَةِ وَتَرَاجِمِهِمْ بِبِلَادِ الْعِرَاقِ وَالْقُطْرِ الشَّرْقِيِّ.
وَمَنْ أَرَادَ الْإِحَاطَةَ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِنَا " غَايَةُ النِّهَايَةِ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِ الْقِرَاءَاتِ أُولِي الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ ".
وَأَعْلَى مَا وَقَعَ لَنَا بِاتِّصَالِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ عِنْدَ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَاصِمٍ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصٍ وَقِرَاءَةِ يَعْقُوبَ مِنْ وَرَايَةِ رُوَيْسٍ وَقِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ وَيَقَعُ لَنَا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا لِثُبُوتِ قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَذَلِكَ يَقَعُ لَنَا فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ مِنْ طَرِيقِ الْهَاشِمِيِّ عَنِ الْأُشْنَانِيِّ، وَمِنْ طَرِيقِ هُبَيْرَةَ عَنْ حَفْصٍ مُتَّصِلًا، وَهُوَ مِنْ كِفَايَةِ سِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَهَذِهِ أَسَانِيدُ لَا يُوجَدُ الْيَوْمَ أَعْلَى مِنْهَا، وَلَقَدْ وَقَعَ لَنَا فِي
(1/193)

بَعْضِهَا الْمُسَاوَاةُ وَالْمُصَافَحَةُ لِلْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلِبَعْضِ شُيُوخِهِ كَمَا بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضُوعِ، وَوَقَعَ لِي بَعْضُ الْقُرْآنِ كَذَلِكَ، وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ، فَوَقَعَتْ لِي سُورَةُ الصَّفِّ مُسَلْسَلَةً إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا ثِقَاتٍ وَسُورَةُ الْكَوْثَرِ مُسْنَدَةً بِأَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وَهَذَا أَعْلَى مَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ فَوَقَعَ لِي صَحِيحًا فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ عَشْرَةُ رِجَالٍ ثِقَاتٍ بِاتِّصَالِ السَّمَاعِ وَالْمُشَافَهَةِ وَاللُّقِيِّ وَالِاجْتِمَاعِ.
فَأَمَّا سُورَةُ الصَّفِّ.
فَأَخْبَرَنِي بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّيُوخِ الثِّقَاتِ بِمِصْرَ وَدِمَشْقَ وَبَعْلَبَكَّ وَالْحِجَازِ مِنْهُمُ الْمُسْنِدُ الصَّالِحُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صِدِّيقِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ الْمُؤَذِّنُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ الرَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ الْحَرَامِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ الْعَظِيمَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ نِعْمَةَ الصَّالِحِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُنَجَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ اللَّتِّيِّ الْحَرِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ عِيسَى بْنِ شُعَيْبٍ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّاوُدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمُّوَيْهِ السَّرْخَسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِمْرَانَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ بْنِ الْعَبَّاسِ السَّمَرْقَنْدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّرَامِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: " قَعَدْنَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَذَاكَرْنَا فَقُلْنَا لَوْ نَعْلَمُ أَيَّ الْأَعْمَالِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَعَمِلْنَاهُ، فَأَنْزَلَ - سُبْحَانَهُ -: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ حَتَّى خَتَمَهَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ:فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى خَتَمَهَا، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَقَرَأَهَا ابْنُ سَلَامٍ. قَالَ يَحْيَى: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا
(1/194)

أَبُو سَلَمَةَ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا يَحْيَى. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا الْأَوْزَاعِيُّ. قَالَ الدَّرَامِيُّ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا ابْنُ كَثِيرٍ قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا الدَّرِامِيُّ قَالَ السَّرَخْسِيُّ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا السَّمَرْقَنْدِيُّ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا السَّرَخْسِيُّ. قَالَ عَبْدُ الْأَوَّلِ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا الدَّاوُدِيُّ، قَالَ ابْنُ اللَّتِّيِّ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا عَبْدُ الْأَوَّلِ. قَالَ ابْنُ نِعْمَةَ الصَّالِحِيُّ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا ابْنُ اللَّتِّيِّ، قَالَ: شَيْخُنَا ابْنُ صِدِّيقٍ فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا ابْنُ نِعْمَةَ (قُلْتُ: أَنَا) فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا ابْنُ صِدِّيقٍ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ. هَذَا حَدِيثٌ جَلِيلٌ كُلُّ رِجَالِ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ وَرُوِّيتُهُ أَيْضًا بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ بِاعْتِبَارِ تَقَدُّمِ سَمَاعِ مَنْ حَدَّثَنِي بِهِ وَجَلَالَتِهِ وَجَلَالَةِ شُيُوخِهِمْ وَتَقَدُّمِهِمْ، إِلَّا أَنِّي ذَكَرْتُ هَذِهِ الطُّرُقَ لِعِظَمِ الْمَكَانِ الَّذِي سَمِعْتُهَا بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَعَالِي رِوَايَاتِي وَلَا أَرْفَعِ سَمَاعَاتِي.
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي جَامِعِهِ عَنِ الدَّارِمِيِّ كَمَا أَخْرَجْنَاهُ فَوَافَقْنَاهُ بِعُلُوٍّ لِلَّهِ الْحَمْدُ، وَقَالَ قَدْ خُولِفَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، أَوْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ.
(قُلْتُ) : كَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِهِ مُسَلْسَلًا وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، (ثَنَا) ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، فَتَابَعَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مُحَمَّدَ بْنَ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ، وَزَادَ بِرِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ سَلَامٍ فَيَكُونُ الْأَوْزَاعِيُّ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ يَحْيَى وَمِنْ عَطَاءٍ جَمِيعًا.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَيْضًا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ نَحْوًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ.
(قُلْتُ) : وَكَذَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ سَوَاءٌ، وَبِهَذِهِ الْمُتَابَعَاتِ حَسُنَ الْحَدِيثُ وَارْتَقَى عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ.
(1/195)

وَأَمَّا سُورَةُ الْكَوْثَرِ
فَأَخْبَرَنِي بِهَا الشَّيْخُ الرِّحْلَةُ أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُدَامَةَ الْمُقَدَّمِيُّ الْحَنْبَلِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ فِي دَيْرِ الْحَنَابِلَةِ ظَاهِرَ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْحَنْبَلِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِالسَّفْحِ أَيْضًا ظَاهِرَ دِمَشْقَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنْبَلِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ ظَاهِرَ دِمَشْقَ مِنَ السَّفْحِ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ الْحَنْبَلِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِبَغْدَادَ مَدِينَةِ السَّلَامِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيُّ قِرَاءَةً بِبَغْدَادَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ الْحَنْبَلِيِّ بِبَغْدَادَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي بِبَغْدَادَ، (ثَنَا) مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: أَغْفَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِغْفَاءَةً فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا - إِمَّا - قَالَ لَهُمْ - وَإِمَّا - قَالُوا: لَهُ: لِمَ ضَحِكْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنِّي أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ، يَعْنِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ حَتَّى خَتَمَهَا قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: هُوَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الْجَنَّةِ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ الْكَوَاكِبِ يُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَعَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ كِلَاهُمَا عَلَى الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسٍ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ نَزَلَتْ مَعَ السُّورَةِ، وَفِي كَوْنِهَا مِنْهَا، أَوْ فِي أَوَّلِهَا احْتِمَالٌ، وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَقَدْ أَجْمَعَ مَنْ نَعْرِفُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَدَدِ وَالنُّزُولِ عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ - وَأَمَّا الْحَدِيثُ - فَمِنْهُ مَا أَخْبَرَنِي بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشُّيُوخِ الثِّقَاتِ الْمُسْنِدِينَ مِنْهُمُ الْأَصِيلُ الرَّئِيسُ الْكَبِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَنْصَارِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي يَوْمِ السَّبْتَ
(1/196)

ثَامِنَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ دَاخِلَ دِمَشْقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ بِسْفَحِ قَاسِيُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو الْيَمَنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْكِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرْمَكِيُّ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَاسِيٍّ. ثِنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، ثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ. هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْهُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِهِ، فَكَأَنَّ شُيُوخَنَا سَمِعُوهُ مِنَ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الْمُؤَدِّبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ كَمَا أَخْرَجْنَاهُ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَوَقَعَ لَنَا سَنَدًا عَالِيًا جِدًّا حَتَّى كَأَنَّا سَمِعْنَاهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الْفَتْحِ الْكُرُوخِيِّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَبَيْنِي وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ عَشْرَةُ رِجَالٍ ثِقَةٍ عُدُولٍ، وَهَذَا سَنَدٌ لَمْ يُوجَدِ الْيَوْمَ فِي الدُّنْيَا أَعْلَى مِنْهُ وَأَقْرَبُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَيْنَايَ عَاشِرُ عَيْنٍ رَأَتْ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الطُّرُقَ، وَإِنْ كُنْتُ خَرَجْتُ عَنْ مَقْصُودِ الْكِتَابِ لِيُعْلَمَ مِقْدَارُ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ، وَإِنَّهُ كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: الْإِسْنَادُ الْعَالِي قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: مَا تَشْتَهِي؟ فَقَالَ: بَيْتٌ خَالٍ وَإِسْنَادٌ عَالٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الْإِسْنَادُ الْعَالِي سُنَّةٌ عَمَّنْ سَلَفَ. وَقَدْ رَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مِصْرَ لِحَدِيثٍ وَاحِدٍ بَلَغَهُ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ وَلَا يُقَالُ: إِنَّمَا رَحَلَ
(1/197)

لِشَكِّهِ فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ لَهُ عَنْهُ فَأَرَادَ تَحْقِيقَهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَدِّقِ الرَّاوِيَ لَمْ يَرْحَلْ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْإِسْنَادَ خَصِيصَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَسُنَّةٌ بَالِغَةٌ مِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَطَلَبُ الْعُلُوِّ فِيهِ سُنَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِأُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ أَنْ تُسْنِدَ عَنْ نَبِيِّهَا إِسْنَادًا مُتَّصِلًا غَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَالْعُلُوُّ يَنْقَسِمُ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ
أَجَلُّهَا الْقُرْبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْ ثَمَّ تَدَاعَتْ رَغَبَاتُ الْأَئِمَّةِ وَالنُّقَّادِ، وَالْجَهَابِذَةِ وَالْحُفَّاظِ مِنْ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ إِلَى الرِّحْلَةِ إِلَى أَقْطَارِ الْأَمْصَارِ، وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ كَامِلًا إِلَّا بَعْدَ رِحْلَتِهِ، وَلَا وَصَلَ مَنْ وَصَلَ إِلَى مَقْصُودِهِ إِلَّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا لِأَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ وَلِأَنْفَعِ الْعُلُومِ لَدَيْهِ، فَإِنَّهُ مَالِكُ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.

وَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ فَوَائِدَ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا لِمُرِيدِ هَذَا الْعِلْمِ قَبْلَ الْأَخْذِ فِيهِ كَالْكَلَامِ عَلَى مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَصِفَاتِهَا، وَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ مِنَ التَّحْقِيقِ وَالْحَدَرِ وَالتَّرْتِيلِ وَالتَّصْحِيحِ وَالتَّجْوِيدِ وَالْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ مُلَخَّصًا مُخْتَصَرًا، إِذْ بَسْطُ ذَلِكَ بِحَقِّهِ ذَكَرْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَقُولُ.

أَمَّا مَخَارِجُ الْحُرُوفِ:
فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهَا فَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَنْ تَقَدَّمَنَا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: كَالْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ وَمَكِّيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ الْهُذَلِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ شُرَيْحٍ وَغَيْرِهِمْ، سَبْعَةَ عَشَرَ مَخْرَجًا، وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ حَيْثُ الِاخْتِيَارُ، وَهُوَ الَّذِي أَثْبَتَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا فِي مُؤَلَّفٍ أَفْرَدَهُ فِي مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَصِفَاتِهَا.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحَاةِ وَالْقُرَّاءِ: هِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَأَسْقَطُوا مَخْرَجَ الْحُرُوفِ الْجَوْفِيَّةِ الَّتِي هِيَ حُرُوفُ الْمَدِّ وَاللِّينِ، وَجَعَلُوا مَخْرَجَ " الْأَلِفِ " مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ، وَ " الْوَاوِ " مِنْ مَخْرَجِ الْمُتَحَرِّكَةِ وَكَذَلِكَ " الْيَاءُ "، وَذَهَبَ قُطْرُبٌ وَالْجَرْمِيُّ
(1/198)

وَالْفَرَّاءُ وَابْنُ دُرَيْدٍ وَابْنُ كَيْسَانَ إِلَى أَنَّهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا فَأَسْقَطُوا مَخْرَجَ النُّونِ وَاللَّامِ وَالرَّاءِ وَجَعَلُوهَا مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ طَرَفُ اللِّسَانِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدنَا الْأَوَّلُ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِي الِاخْتِيَارِ.
وَاخْتِيَارُ مَخْرَجِ الْحُرُوفِ مُحَقَّقًا: هُوَ أَنْ تَلْفِظَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَتَأْتِيَ بِالْحُرُوفِ بَعْدَهَا سَاكِنًا أَوْ مُشَدَّدًا، وَهُوَ أَبْيَنُ مُلَاحَظًا فِيهِ صِفَاتُ ذَلِكَ الْحُرُوفِ.
الْمَخْرَجُ الْأَوَّلُ - الْجَوْفُ - وَهُوَ لِلْأَلِفِ وَالْوَاوِ السَّاكِنَةِ الْمَضْمُومِ مَا قَبْلَهَا وَالْيَاءِ السَّاكِنَةِ الْمَكْسُورِ مَا قَبْلَهَا، وَهَذِهِ الْحُرُوفُ تُسَمَّى حُرُوفُ الْمَدِّ وَاللِّينِ، وَتُسَمَّى الْهَوَائِيَّةَ وَالْجَوْفِيَّةَ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَإِنَّمَا نُسِبْنَ إِلَى الْجَوْفِ ; لِأَنَّهُ آخِرُ انْقِطَاعِ مَخْرَجِهِنَّ. قَالَ مَكِّيٌّ: وَزَادَ غَيْرُ الْخَلِيلِ مَعَهُنَّ الْهَمْزَةُ ; لِأَنَّ مَخْرَجَهَا مِنَ الصَّدْرِ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْجَوْفِ.
(قُلْتُ) : الصَّوَابُ اخْتِصَاصُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالْجَوْفِ دُونَ الْهَمْزَةِ لِأَنَّهُنَّ أَصْوَاتٌ لَا يَعْتَمِدْنَ عَلَى مَكَانٍ حَتَّى يَتَّصِلْنَ بِالْهَوَاءِ بِخِلَافِ الْهَمْزَةِ.
الْمَخْرَجُ الثَّانِي - أَقْصَى الْحَلْقِ - وَهُوَ لِلْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ. فَقِيلَ: عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ: الْهَمْزَةُ أَوَّلُ.
الْمَخْرَجُ الثَّالِثُ - وَسَطُ الْحَلْقِ - وَهُوَ لِلْعَيْنِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، فَنَصَّ مَكِّيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ قَبْلَ الْحَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ، وَنَصَّ شُرَيْحٌ عَلَى أَنَّ الْحَاءَ قَبْلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَهْدَوِيِّ وَغَيْرِهِ.
الْمَخْرَجُ الرَّابِعُ - أَدْنَى الْحَلْقِ إِلَى الْفَمِ - وَهُوَ لِلْغَيْنِ وَالْخَاءِ، وَنَصَّ شُرَيْحٌ عَلَى أَنَّ الْغَيْنَ قَبْلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ أَيْضًا، وَنَصَّ مَكِّيٌّ عَلَى تَقْدِيمِ الْخَاءِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَرُوفٍ النَّحْوِيُّ: إِنَّ سِيبَوَيْهِ لَمْ يَقْصِدْ تَرْتِيبًا فِيمَا هُوَ مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ. قُلْتُ: وَهَذِهِ السِّتَّةُ الْأَحْرُفُ الْمُخْتَصَّةُ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَخَارِجِ هِيَ الْحُرُوفُ الْحَلْقِيَّةُ.
الْمَخْرَجُ الْخَامِسُ - أَقْصَى اللِّسَانِ مِمَّا يَلِي الْحَلْقَ وَمَا فَوْقَهُ مِنَ الْحَنَكِ - وَهُوَ لِلْقَافِ، وَقَالَ شُرَيْحٌ: إِنَّ مَخْرَجَهَا مِنَ اللَّهَاةِ مِمَّا يَلِي الْحَلْقَ وَمَخْرَجَ الْخَاءِ.
(1/199)

الْمَخْرَجُ السَّادِسُ - أَقْصَى اللِّسَانِ مِنْ أَسْفَلِ مَخْرَجِ الْقَافِ مِنَ اللِّسَانِ قَلِيلًا وَمَا يَلِيهِ مِنَ الْحَنَكِ - وَهُوَ لِلْكَافِ، وَهَذَانِ الْحَرْفَانِ يُقَالُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا لَهَوِيٌّ، نِسْبَةً إِلَى اللَّهَاةِ وَهِيَ بَيْنَ الْفَمِ وَالْحَلْقِ.
الْمَخْرَجُ السَّابِعُ - لِلْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْيَاءِ غَيْرِ الْمَدِّيَّةِ - مِنْ وَسَطِ اللِّسَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَسَطِ الْحَنَكِ - وَيُقَالُ - إِنَّ الْجِيمَ قَبْلَهَا، وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: إِنَّ الشِّينَ تَلِي الْكَافَ، وَالْجِيمَ وَالْيَاءَ يَلِيَانِ الشِّينَ، وَهَذِهِ هِيَ الْحُرُوفُ الشَّجَرِيَّةُ.
الْمَخْرَجُ الثَّامِنُ - لِلضَّادِ الْمُعْجَمَةِ - مِنْ أَوَّلِ حَافَّةِ اللِّسَانِ وَمَا يَلِيهِ مِنَ الْأَضْرَاسِ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَمِنَ الْأَيْمَنِ عِنْدَ الْأَقَلِّ وَكَلَامُ سِيبَوَيْهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: إِنَّهَا أَيْضًا شَجَرِيَّةٌ يَعْنِي مِنْ مَخْرَجِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ وَالشَّجَرَةُ عِنْدَهُ مَفْرَجُ الْفَمِ - أَيْ مَفْتَحُهُ - وَقَالَ غَيْرُ الْخَلِيلِ: وَهُوَ مَجْمَعَ اللَّحْيَيْنِ عِنْدَ الْعَنْفَقَةِ ; فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الضَّادُ مِنْهُ.
الْمَخْرَجُ التَّاسِعُ - اللَّامُ - مِنْ حَافَّةِ اللِّسَانِ مِنْ أَدْنَاهَا إِلَى مُنْتَهَى طَرَفِهِ وَمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا يَلِيهَا مِنَ الْحَنَكِ الْأَعْلَى مِمَّا فُوَيْقَ الضَّاحِكِ وَالنَّابِ وَالرَّبَاعِيَةِ وَالثَّنِيَّةِ.
الْمَخْرَجُ الْعَاشِرُ - لِلنُّونِ - مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فَوْقَ الثَّنَايَا أَسْفَلَ اللَّامِ قَلِيلًا.
الْمَخْرَجُ الْحَادِيَ عَشَرَ - لِلرَّاءِ -، وَهُوَ مِنْ مَخْرَجِ النُّونِ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فَوْقَ الثَّنَايَا الْعُلْيَا، غَيْرَ أَنَّهَا أَدْخَلُ فِي ظَهْرِ اللِّسَانِ قَلِيلًا، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةَ يُقَالُ لَهَا: الذَّلَقِيَّةِ، نِسْبَةً إِلَى مَوْضِعِ مَخْرَجِهَا، وَهُوَ طَرَفُ اللِّسَانِ. إِذْ طَرَفُ كُلِّ شَيْءٍ ذَلَقُهُ.
الْمَخْرَجُ الثَّانِي عَشَرَ - لِلطَّاءِ وَالدَّالِ وَالتَّاءِ - مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ وَأُصُولِ الثَّنَايَا الْعُلْيَا مُصْعِدًا إِلَى جِهَةِ الْحَنَكِ، وَيُقَالُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ النَّطْعِيَّةِ ; لِأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ نَطْعِ الْغَارِ الْأَعْلَى، وَهُوَ سَقْفُهُ.
الْمَخْرَجُ الثَّالِثَ عَشَرَ - لِحُرُوفِ الصَّفِيرِ وَهِيَ الصَّادُ وَالسِّينُ وَالزَّايُ -
(1/200)

" مِنْ بَيْنِ طَرَفِ اللِّسَانِ فُوَيْقَ الثَّنَايَا السُّفْلَى "، وَيُقَالُ فِي الزَّايِ زَاءٌ بِالْمَدِّ وَزِيٌّ بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَحْرُفُ هِيَ الْأَسَلِيَّةُ ; لِأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ أَسَلَةِ اللِّسَانِ، وَهُوَ مُسْتَدَقَّةٌ.
الْمَخْرَجُ الرَّابِعَ عَشَرَ - لِلظَّاءِ وَالذَّالِ وَالثَّاءِ - " مِنْ بَيْنِ طَرَفِ اللِّسَانِ وَأَطْرَافِ الثَّنَايَا الْعُلْيَا "، وَيُقَالُ لَهَا: اللِّثَوِيَّةُ. نِسْبَةً إِلَى اللِّثَةِ، وَهُوَ اللَّحْمُ الْمُرَكَّبُ فِيهِ الْأَسْنَانُ.
الْمَخْرَجُ الْخَامِسَ عَشَرَ - لِلْفَاءِ - " مِنْ بَاطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلَى وَأَطْرَافِ الثَّنَايَا الْعُلْيَا ".
الْمَخْرَجُ السَّادِسَ عَشَرَ - لِلْوَاوِ غَيْرِ الْمَدِّيَّةِ وَالْبَاءِ وَالْمِيمِ - بِمَا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ - فَيَنْطَبِقَانِ عَلَى الْبَاءِ وَالْمِيمِ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَحْرُفُ يُقَالُ لَهَا: الشَّفَهِيَّةُ وَالشَّفَوِيَّةُ، نِسْبَةً إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ، وَهُوَ الشَّفَتَانِ.
الْمَخْرَجُ السَّابِعَ عَشَرَ - الْخَيْشُومُ -، وَهُوَ لِلْغُنَّةِ وَهِيَ تَكُونُ فِي النُّونِ وَالْمِيمِ السَّاكِنَتَيْنِ حَالَةَ الْإِخْفَاءِ، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ مِنَ الْإِدْغَامِ بِالْغُنَّةِ، فَإِنَّ مَخْرَجَ هَذَيْنَ الْحَرْفَيْنِ يَتَحَوَّلُ مِنْ مَخْرَجِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَنْ مَخْرَجِهِمَا الْأَصْلِيِّ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ كَمَا يَتَحَوَّلُ مَخْرَجُ حُرُوفِ الْمَدِّ مِنْ مَخْرَجِهِمَا إِلَى الْجَوْفِ عَلَى الصَّوَابِ وَقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: إِنَّ مَخْرَجَ النُّونِ السَّاكِنَةِ مِنْ مَخْرَجِ النُّونِ الْمُتَحَرِّكَةِ، إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ النُّونَ السَّاكِنَةَ الْمُظْهَرَةَ.
وَلِبَعْضِ هَذِهِ الْحُرُوفِ فُرُوعٌ صَحَّتِ الْقِرَاءَةُ بِهَا، فَمِنْ ذَلِكَ الْهَمْزَةُ الْمُسَهَّلَةُ بَيْنَ بَيْنَ فَهِيَ فَرْعٌ عَنِ الْهَمْزَةِ الْمُحَقَّقَةِ وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهَا حَرْفٌ وَاحِدٌ نَظَرًا إِلَى مُطْلَقِ التَّسْهِيلِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ نَظَرًا إِلَى التَّفْسِيرِ بِالْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ، وَمِنْهُ أَلِفَا الْإِمَالَةِ وَالتَّفْخِيمِ وَهُمَا فَرْعَانِ عَنِ الْأَلِفِ الْمُنْتَصِبَةِ، وَإِمَالَةُ بَيْنَ بَيْنَ لَمْ يَعْتَدَّهَا سِيبَوَيْهِ، وَإِنَّمَا اعْتَدَّ الْإِمَالَةَ الْمَحْضَةَ، وَقَالَ: الَّتِي تُمَالُ إِمَالَةً شَدِيدَةً كَأَنَّهَا حَرْفٌ آخَرُ قَرُبَ مِنَ الْيَاءِ.
(1/201)

وَمِنْهُ الصَّادُ الْمُشَمَّمَةُ وَهِيَ الَّتِي بَيْنَ الصَّادِ وَالزَّايِ فَرْعٌ عَنِ الصَّادِ الْخَالِصَةِ وَعَنِ الزَّايِ.
وَمِنْهُ اللَّامُ الْمُفَخَّمَةُ فَرْعٌ عَنِ الْمُرَقَّقَةِ، وَذَلِكَ فِي اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ فَتْحَةٍ وَضَمَّةٍ وَفِيمَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ وَرْشٍ حَسْبَمَا نَقَلَهُ أَهْلُ الْأَدَاءِ مِنْ مَشْيَخَةِ الْمِصْرِيِّينَ.

وَأَمَّا صِفَاتُ الْحُرُوفِ
فَمِنْهَا الْمَجْهُورَةُ وَضِدُّهَا الْمَهْمُوسَةُ، وَالْهَمْسُ مِنْ صِفَاتِ الضَّعْفِ، كَمَا أَنَّ الْجَهْرَ مِنْ صِفَاتِ الْقُوَّةِ، وَالْمَهْمُوسَةُ عَشَرَةٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ سَكَتَ فَحَثَّهُ شَخْصٌ، وَالْهَمْسُ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ، فَإِذَا جَرَى مَعَ الْحَرْفِ النَّفَسُ لِضَعْفِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ كَانَ مَهْمُوسًا وَالصَّادُ وَالْخَاءُ الْمُعْجَمَةُ أَقْوَى مِمَّا عَدَاهُمَا، وَإِذَا مَنَعَ الْحَرْفُ النَّفَسَ أَنْ يَجْرِيَ مَعَهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الِاعْتِمَادُ كَانَ مَجْهُورًا. قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِلَّا أَنَّ النُّونَ وَالْمِيمَ قَدْ يَعْتَمِدُ لَهُمَا فِي الْفَمِ وَالْخَيَاشِيمِ فَيَصِيرُ فِيهِمَا غُنَّةٌ.
وَمِنْهَا الْحُرُوفُ الرَّخْوَةُ وَضِدُّهَا الشَّدِيدَةُ وَالْمُتَوَسِّطَةُ فَالشَّدِيدَةُ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: أَجِدْ قَطٍ بَكَتْ، وَالشِّدَّةُ امْتِنَاعُ الصَّوْتِ أَنْ يَجْرِيَ فِي الْحُرُوفِ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْقُوَّةِ.
وَالْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الشِّدَّةِ وَالرَّخَاوَةِ خَمْسَةٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: لِنْ عُمَرُ، وَأَضَافَ بَعْضُهُمْ إِلَيْهَا الْيَاءَ وَالْوَاوَ، وَالْمَهْمُوسَةُ كُلُّهَا غَيْرَ التَّاءِ وَالْكَافِ رَخْوَةٌ وَالْمَجْهُورَةُ الرَّخْوَةُ خَمْسَةٌ: الْغَيْنُ، وَالضَّادُ، وَالظَّاءُ، وَالذَّالُ الْمُعْجَمَاتُ، وَالرَّاءُ، وَالْمَجْهُورَةُ الشَّدِيدَةُ سِتَّةٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: طَبَقٌ أَجِدْ.
وَمِنْهُ الْحُرُوفُ الْمُسْتَفِلَةُ وَضِدُّهَا الْمُسْتَعْلِيَةُ، وَالِاسْتِعْلَاءُ مِنْ صِفَاتِ الْقُوَّةِ وَهِيَ سَبْعَةٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: قِظْ خُصَّ ضَغْطٍ. وَهِيَ حُرُوفُ التَّفْخِيمِ عَلَى الصَّوَابِ وَأَعْلَاهَا الطَّاءُ كَمَا أَنَّ أَسْفَلَ الْمُسْتَفِلَةِ الْيَاءُ، وَقِيلَ: حُرُوفُ التَّفْخِيمِ هِيَ
(1/202)

حُرُوفُ الْإِطْبَاقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا أَقْوَاهَا تَفْخِيمًا، وَزَادَ مَكِّيٌّ عَلَيْهَا الْأَلِفَ، وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّ الْأَلِفَ تَتْبَعُ مَا قَبْلَهَا فَلَا تُوصَفُ بِتَرْقِيقٍ وَلَا تَفْخِيمٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمِنْهَا الْحُرُوفُ الْمُنْفَتِحَةُ) وَضِدُّهَا: الْمُنْطَبِقَةُ وَالْمُطْبِقَةُ: وَالِانْطِبَاقُ مِنْ صِفَاتِ الْقُوَّةِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الصَّادُ، وَالضَّادُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ.
(وَحُرُوفُ الصَّفِيرِ) ثَلَاثَةٌ: الصَّادُ، وَالسِّينُ، وَالزَّايُ وَهِيَ الْحُرُوفُ الْأَسَلِيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ.
(وَحُرُوفُ الْقَلْقَلَةِ) وَيُقَالُ اللَّقْلَقَةُ خَمْسٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: قُطْبُ جَدٍّ، وَأَضَافَ بَعْضُهُمْ إِلَيْهَا الْهَمْزَةَ لِأَنَّهَا مَجْهُورَةٌ شَدِيدَةٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْجُمْهُورُ لِمَا يَدْخُلُهَا مِنَ التَّخْفِيفِ حَالَةَ السُّكُونِ فَفَارَقَتْ أَخَوَاتِهَا وَلِمَا يَعْتَرِيهَا مِنَ الْإِعْلَالِ وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مَعَهَا التَّاءَ مَعَ أَنَّهَا الْمَهْمُوسَةُ وَذَكَرَ لَهَا نَفْخًا، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الِاخْتِبَارِ، وَذَكَرَ الْمُبَرِّدُ مِنْهَا الْكَافَ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَهَا دُونَ الْقَافِ. قَالَ: وَهَذِهِ الْقَلْقَلَةُ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذَا سَكَنَتْ ضَعُفَتْ فَاشْتَبَهَتْ بِغَيْرِهَا فَيَحْتَاجُ إِلَى ظُهُورِ صَوْتٍ يُشْبِهُ النَّبْرَةَ حَالَ سُكُونِهِنَّ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ وَإِلَى زِيَادَةِ إِتْمَامِ النُّطْقِ بِهِنَّ، فَذَلِكَ الصَّوْتُ فِي سُكُونِهِنَّ أَبْيَنُ مِنْهُ فِي حَرَكَتِهِنَّ، وَهُوَ فِي الْوَقْفِ أَمْكَنُ، وَأَصْلُ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْقَافُ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُؤْتَى بِهِ سَاكِنًا إِلَّا مَعَ صَوْتٍ زَائِدٍ لِشِدَّةِ اسْتِعْلَائِهِ.
وَذَهَبَ مُتَأَخِّرُو أَئِمَّتِنَا إِلَى تَخْصِيصِ الْقَلْقَلَةِ بِالْوَقْفِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ مَا رَأَوْهُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ الْقَلْقَةَ تَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ بِالْوَقْفِ، فَظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْفِ ضِدُّ الْوَصْلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ سِوَى السُّكُونِ، فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ يُطْلِقُونَ الْوَقْفَ عَلَى السُّكُونِ، وَقَوَّى الشُّبْهَةَ فِي ذَلِكَ كَوْنُ الْقَلْقَلَةِ فِي الْوَقْفِ الْعُرْفِيِّ أَبْيَنَ وَحُسْبَانُهُمْ أَنَّ الْقَلْقَلَةَ حَرَكَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ: الْقَلْقَلَةُ شِدَّةُ الصِّيَاحِ، وَاللَّقْلَقَةُ شِدَّةُ الصَّوْتِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ شُرَيْحُ بْنُ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(1/203)

فِي كِتَابِهِ " نِهَايَةُ الْإِتْقَانِ فِي تَجْوِيدِ الْقُرْآنِ " لَمَّا ذَكَرَ أَحْرُفَ الْقَلْقَلَةِ الْخَمْسَةَ فَقَالَ: وَهِيَ مُتَوَسِّطَةٌ كَبَاءِ " الْأَبْوَابِ "، وَجِيمِ " النَّجْدَيْنِ "، وَدَالِ " مَدَدْنَا "، وَقَافِ " خَلَقْنَا، وَطَاءِ " أَطْوَارًا "، وَمُتَطَرِّفَةٌ كَبَاءِ " لَمْ يَتُبْ "، وَجِيمِ " لَمْ يَخْرُجْ "، وَدَالِ " لَقَدْ "، وَقَافِ " مَنْ يُشَاقِقْ " وَطَاءِ " لَا تُشْطِطْ "، فَالْقَلْقَلَةُ هُنَا أَبْيَنُ فِي الْوَقْفِ فِي الْمُتَطَرِّفَةِ مِنَ الْمُتَوَسِّطَةِ انْتَهَى. وَهُوَ عَيْنُ مَا قَالَهُ الْمُبَرِّدُ وَنَصَّ فِيمَا قُلْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحُرُوفُ الْمَدِّ هِيَ الْحُرُوفُ الْجَوْفِيَّةُ وَهِيَ الْهَوَائِيَّةُ، وَتَقَدَّمَتْ أَوَّلًا وَأَمْكَنُهُنَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْأَلِفُ وَأَبْعَدَ ابْنُ الْفَحَّامِ فَقَالَ: أَمْكَنُهُنَّ فِي الْمَدِّ الْوَاوُ، ثُمَّ الْيَاءُ، ثُمَّ الْأَلِفُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْفَتْحَةَ مِنَ الْأَلِفِ وَالضَّمَّةَ مِنَ الْوَاوِ وَالْكَسْرَةَ مِنَ الْيَاءِ.
فَالْحُرُوفِ عَلَى هَذَا عِنْدَهُمْ قَبْلَ الْحَرَكَاتِ، وَقِيلَ: عَكْسُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَيْسَتِ الْحَرَكَاتُ مَأْخُوذَةً مِنَ الْحُرُوفِ وَلَا الْحُرُوفُ مَأْخُوذَةً مِنَ الْحَرَكَاتِ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ.
وَالْحُرُوفُ الْخَفِيَّةُ أَرْبَعَةٌ الْهَاءُ وَحُرُوفُ الْمَدِّ سُمِّيَتْ خَفِيَّةً لِأَنَّهَا تَخْفَى فِي اللَّفْظِ إِذَا انْدَرَجَتْ بَعْدَ حَرْفٍ قَبْلَهَا وَلِخَفَاءِ الْهَاءِ قَوِيَتْ بِالصِّلَةِ، وَقَوِيَتْ حُرُوفُ الْمَدِّ بِالْمَدِّ عِنْدَ الْهَمْزَةِ.
وَحَرْفَا اللِّينِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ السَّاكِنَتَانِ الْمَفْتُوحُ مَا قَبْلَهُمَا.
وَحَرْفَا الِانْحِرَافِ اللَّامُ وَالرَّاءُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: اللَّامُ فَقَطْ، وَنُسِبَ إِلَى الْبَصْرِيِّينَ، وَسُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمَا انْحَرَفَا عَنْ مَخْرَجِهِمَا حَتَّى اتَّصَلَا بِمَخْرَجِ غَيْرِهِمَا.
وَحَرْفَا الْغُنَّةِ هُمَا النُّونُ وَالْمِيمُ، وَيُقَالُ لَهُمَا الْأَغَنَّانِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْغُنَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْخَيْشُومِ.
وَالْحَرْفُ الْمُكَرَّرُ هُوَ الرَّاءُ. قَالَ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ هُوَ حَرْفٌ شَدِيدٌ جَرَى فِيهِ الصَّوْتُ لِتَكَرُّرِهِ وَانْحِرَافِهِ إِلَى اللَّامِ فَصَارَ كَالرَّخْوَةِ، وَلَوْ لَمْ يُكَرَّرْ لَمْ يَجِرِ فِيهِ الصَّوْتُ، وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: هُوَ بَيْنَ الشِّدَّةِ وَالرَّخَاوَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ أَنَّ التَّكْرِيرَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ فِي الرَّاءِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ، فَتَكْرِيرُهَا رُبُوُّهَا فِي اللَّفْظِ وَإِعَادَتُهَا بَعْدَ قَطْعِهَا وَيَتَحَفَّظُونَ مِنْ إِظْهَارِ تَكْرِيرِهَا خُصُوصًا إِذَا شُدِّدَتْ وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ عَيْبًا فِي الْقِرَاءَةِ، وَبِذَلِكَ قَرَأْنَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ قَرَأْنَا عَلَيْهِ وَبِهِ نَأْخُذُ.
(1/204)

وَحُرُوفُ التَّفَشِّي هُوَ الشِّينُ اتِّفَاقًا ; لِأَنَّهُ تَفَشَّى مِنْ مَخْرَجِهِ حَتَّى اتَّصَلَ بِمَخْرَجِ الطَّاءِ، وَأَضَافَ بَعْضُهُمْ إِلَيْهَا الْفَاءَ وَالضَّادَ، وَبَعْضَ الرَّاءِ وَالصَّادَ وَالسِّينَ وَالْيَاءَ وَالثَّاءَ وَالْمِيمَ.
وَالْحَرْفُ الْمُسْتَطِيلُ هُوَ الضَّادُ ; لِأَنَّهُ اسْتَطَالَ عَنِ الْفَهْمِ عِنْدَ النُّطْقِ بِهِ حَتَّى اتَّصَلَ بِمَخْرَجِ اللَّامِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ بِالْجَهْرِ وَالْإِطْبَاقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ.

وَأَمَّا كَيْفَ يُقْرَأُ الْقُرْآنُ
فَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى يُقْرَأُ بِالتَّحْقِيقِ وَبِالْحَدَرِ وَبِالتَّدْوِيرِ الَّذِي هُوَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ مُرَتَّلًا مُجَوَّدًا بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا وَتَحْسِينِ اللَّفْظِ وَالصَّوْتِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ.
أَمَّا التَّحْقِيقُ فَهُوَ مَصْدَرٌ مَنْ حَقَّقْتُ الشَّيْءَ تَحْقِيقًا إِذَا بَلَغْتُ يَقِينَهُ، وَمَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِالشَّيْءِ عَلَى حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِيهِ وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهُ. فَهُوَ بُلُوغُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وَالْوُقُوفُ عَلَى كُنْهِهِ وَالْوُصُولُ إِلَى نِهَايَةِ شَأْنِهِ، وَهُوَ عِنْدُهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ إِعْطَاءِ كُلِّ حَرْفٍ حَقَّهُ مِنْ إِشْبَاعِ الْمَدِّ، وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ، وَإِتْمَامِ الْحَرَكَاتِ، وَاعْتِمَادِ الْإِظْهَارِ وَالتَّشْدِيدَاتِ، وَتَوْفِيَةِ الْغُنَّاتِ، وَتَفْكِيكِ الْحُرُوفِ، وَهُوَ بَيَانُهَا وَإِخْرَاجُ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ بِالسَّكْتِ وَالتَّرَسُّلِ وَالْيُسْرِ وَالتُّؤَدَةِ وَمُلَاحَظَةُ الْجَائِزِ مِنَ الْوُقُوفِ، وَلَا يَكُونُ غَالِبًا مَعَهُ قَصْرٌ وَلَا اخْتِلَاسٌ وَلَا إِسْكَانُ مُحَرَّكٍ وَلَا إِدْغَامُهُ فَالتَّحْقِيقُ يَكُونُ لِرِيَاضَةِ الْأَلْسُنِ وَتَقْوِيمِ الْأَلِفَاظِ وَإِقَامَةِ الْقِرَاءَةِ بِغَايَةِ التَّرْتِيلِ، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَحْسَنُ وَيُسْتَحَبُّ الْأَخْذُ بِهِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَجَاوَزَ فِيهِ إِلَى حَدِّ الْإِفْرَاطِ مِنْ تَحْرِيكِ السَّوَاكِنِ وَتَوْلِيدِ الْحُرُوفِ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَتَكْرِيرِ الرَّاءَاتِ وَتَطْنِينِ النُّونَاتِ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْغُنَّاتِ كَمَا رُوِّينَا عَنْ حَمْزَةَ الَّذِي هُوَ إِمَامُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ قَالَ: لِبَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ يُبَالِغُ فِي ذَلِكَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَا كَانَ فَوْقَ الْجُعُودَةِ فَهُوَ قَطَطٌ وَمَا كَانَ فَوْقَ الْبَيَاضِ فَهُوَ بَرَصٌ
(1/205)

وَمَا كَانَ فَوْقَ الْقِرَاءَةِ فَلَيْسَ بِقِرَاءَةٍ.
(قُلْتُ) : وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّرْتِيلِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ، هُوَ مَذْهَبُ حَمْزَةَ وَوَرْشٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْهُ وَقُتَيْبَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَالْأَعْشَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَبَعْضِ طُرُقِ الْأُشْنَانِيِّ عَنْ حَفْصٍ وَبَعْضِ الْمِصْرِيِّينَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ وَأَكْثَرِ الْعِرَاقِيِّينَ عَنِ الْأَخْفَشِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ مِمَّا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ عَلَى الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِصْرِيِّ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ هُوَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُعَدَّلِ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ شُجَاعٍ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى الشَّاطِبِيِّ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى ابْنِ هُذَيْلٍ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى أَبِي دَاوُدَ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى عَمْرِو بْنِ عِرَاكٍ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى حَمْدَانَ بْنِ عَوْنٍ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ النَّحَّاسِ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى الْأَزْرَقِ التَّحْقِيقَ، وَقَرَأَ عَلَى وَرْشٍ التَّحْقِيقَ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى نَافِعٍ التَّحْقِيقَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْخَمْسَةِ التَّحْقِيقَ، وَأَخْبَرَهُ الْخَمْسَةُ أَنَّهُمْ قَرَءُوا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ التَّحْقِيقَ، وَأَخْبَرَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ التَّحْقِيقَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّحْقِيقَ، قَالَ: وَقَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى التَّحْقِيقِ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ لَا أَعْلَمُهُ يُحْفَظُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ مُسْتَقِيمُ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ التَّجْرِيدِ بَعْدَ إِسْنَادِهِ هَذَا الْحَدِيثَ: هَذَا الْخَبَرُ الْوَارِدُ بِتَوْقِيفِ قِرَاءَةِ التَّحْقِيقِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْغَرِيبَةِ وَالسُّنَنِ الْعَزِيزَةِ لَا تُوجِدُ رِوَايَتُهُ إِلَّا عِنْدَ الْمُكْثِرِينَ الْبَاحِثِينَ وَلَا يُكْتُبُ إِلَّا عَنِ الْحُفَّاظِ الْمَاهِرِينَ، وَهُوَ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي وُجُوبِ اسْتِعْمَالِ قِرَاءَةِ التَّحْقِيقِ، وَتَعَلُّمِ الْإِتْقَانِ وَالتَّجْوِيدِ، لِاتِّصَالِ سَنَدِهِ، وَعَدَالَةِ نَقَلَتِهِ، وَلَا أَعْلَمُهُ يَأْتِي مُتَّصِلًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْتَهَى، وَقَالَ بَعْدَ إِيرَادِهِ لَهُ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ لَا أَعْلَمُهُ يُحْفَظُ إِلَّا مِنْ
(1/206)

هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ مُسْتَقِيمُ الْإِسْنَادِ، وَالْخَمْسَةُ الَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ نَافِعٌ هُمْ: أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ وَشَيْبَةُ بْنُ نِصَاحٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ وَمُسْلِمُ بْنُ جُنْدَبٍ. كَمَا سَمَّاهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَافِعٍ.
وَأَمَّا الْحَدَرُ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ حَدَرَ - بِالْفَتْحِ يَحْدُرُ بِالضَّمِّ - إِذَا أَسْرَعَ فَهُوَ مِنَ الْحُدُورِ الَّذِي هُوَ الْهُبُوطُ ; لِأَنَّ الْإِسْرَاعَ مِنْ لَازِمِهِ بِخِلَافِ الصُّعُودِ فَهُوَ عِنْدُهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ إِدْرَاجِ الْقِرَاءَةِ وَسُرْعَتِهَا وَتَخْفِيفِهَا بِالْقَصْرِ وَالتَّسْكِينِ وَالِاخْتِلَاسِ وَالْبَدَلِ وَالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَتَخْفِيفِ الْهَمْزِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ، وَوَرَدَتْ بِهِ الْقِرَاءَةُ مَعَ إِيثَارِ الْوَصْلِ، وَإِقَامَةِ الْإِعْرَابِ وَمُرَاعَاةِ تَقْوِيمِ اللَّفْظِ، وَتَمَكُّنِ الْحُرُوفِ، وَهُوَ عِنْدُهُمْ ضِدُّ التَّحْقِيقِ. فَالْحَدَرُ يَكُونُ لِتَكْثِيرِ الْحَسَنَاتِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَحَوْزِ فَضِيلَةِ التِّلَاوَةِ، وَلْيَحْتَرِزْ فِيهِ عَنْ بَتْرِ حُرُوفِ الْمَدِّ، وَذَهَابِ صَوْتِ الْغُنَّةِ، وَاخْتِلَاسِ أَكْثَرِ الْحَرَكَاتِ، وَعَنِ التَّفْرِيطِ إِلَى غَايَةٍ لَا تَصِحُّ بِهَا الْقِرَاءَةُ، وَلَا تُوصَفُ بِهَا التِّلَاوَةُ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ التَّرْتِيلِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ فَقَالَ: هَذَا كَهَذِّ الشِّعْرِ، الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَهَذَا النَّوْعُ، وَهُوَ الْحَدَرُ: مَذْهَبُ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَسَائِرِ مَنْ قَصَرَ الْمُنْفَصِلَ، كَأَبِي عَمْرٍو وَيَعْقُوبَ وَقَالُونَ وَالْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ وَرْشٍ فِي الْأَشْهَرِ عَنْهُمْ، وَكَالْوَلِيِّ عَنْ حَفْصٍ، وَكَأَكْثَرِ الْعِرَاقِيِّينَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ.
وَأَمَّا التَّدْوِيرُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ مِنَ التَّحْقِيقِ وَالْحَدَرِ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ عَنْ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ مِمَّنْ رَوَى مَدَّ الْمُنْفَصِلِ وَلَمْ يَبْلُغْ فِيهِ إِلَى الْإِشْبَاعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَائِرِ الْقُرَّاءِ وَصَحَّ عَنْ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَدَاءِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا تَنْثُرُوهُ - يَعْنِي الْقُرْآنَ - نَثْرَ الدَّقَلَ وَلَا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ. الْحَدِيثَ سَيَأْتِي بِتَمَامِهِ.
وَأَمَّا التَّرْتِيلُ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ رَتَّلَ فُلَانٌ كَلَامَهُ إِذَا أَتْبَعَ بَعْضَهُ بَعْضًا عَلَى
(1/207)

مُكْثٍ وَتَفَهُّمٍ مِنْ غَيْرِ عَجَلَةٍ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَرُوِّينَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ كَمَا أُنْزِلَ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ تَعَالَى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيِّنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَأَنَّ فِيهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: انْبِذْهُ حَرْفًا حَرْفًا. يَقُولُ تَعَالَى تَلَبَّثْ فِي قِرَاءَتِهِ وَتَمَهَّلْ فِيهَا، وَافْصِلِ الْحَرْفَ مِنَ الْحَرْفِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ سُبْحَانَهُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ حَتَّى أَكَّدَهُ بِالْمَصْدَرِ اهْتِمَامًا بِهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَوْنًا عَلَى تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَتَفَهُّمِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ، فَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا، قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ بِآيَةٍ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَصْبَحَ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يَمُدُّ اللَّهَ وَيَمُدُّ الرَّحْمَنَ وَيَمُدُّ الرَّحِيمَ. فَالتَّحْقِيقُ دَاخِلٌ فِي التَّرْتِيلِ كَمَا قَدَّمْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ هَلِ التَّرْتِيلُ وَقِلَّةُ الْقِرَاءَةِ، أَوِ السُّرْعَةُ مَعَ كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ كَثْرَةَ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا الْحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَرَوَاهُ غَيْرُهُ: كُلُّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَلِأَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَرَأَهُ فِي رَكْعَةٍ، وَذَكَرُوا آثَارًا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ فِي كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ، وَالصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ مُعْظَمُ السَّلَفِ
(1/208)

وَالْخَلَفِ، وَهُوَ أَنَّ التَّرْتِيلَ وَالتَّدْبِيرَ مَعَ قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنَ السُّرْعَةِ مَعَ كَثْرَتِهَا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقُرْآنِ فَهْمُهُ وَالتَّفَقُّهُ فِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَتِلَاوَتُهُ وَحِفْظُهُ وَسِيلَةٌ إِلَى مَعَانِيهِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مَنْصُوصًا عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَسُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ رَجُلَيْنِ قَرَأَ أَحَدَهُمَا الْبَقَرَةَ وَالْآخَرُ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي الصَّلَاةِ وَرُكُوعُهُمَا وَسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ، فَقَالَ: الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَحْدَهَا أَفْضَلُ. وَلِذَلِكَ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ يُرَدِّدُ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ إِلَى الصَّبَاحِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَ الْقُرْآنُ لِيُعْمَلَ بِهِ فَاتَّخِذُوا تِلَاوَتَهُ عَمَلًا. وَرُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَأَنْ أَقْرَأَ فِي لَيْلَتِي حَتَّى أُصْبِحَ (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ، وَالْقَارِعَةُ) لَا أَزِيدُ عَلَيْهِمَا وَأَتَرَدَّدُ فِيهِمَا وَأَتَفَكَّرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَهُذَّ الْقُرْآنَ هَذًّا، أَوْ قَالَ: أَنْثُرُهُ نَثْرًا، وَأَحْسَنَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ: إِنَّ ثَوَابَ قِرَاءَةِ التَّرْتِيلِ وَالتَّدَبُّرِ أَجَلُّ وَأَرْفَعُ قَدْرًا، وَإِنَّ ثَوَابَ كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ أَكْثَرُ عَدَدًا. فَالْأَوَّلُ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ عَظِيمَةٍ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ نَفِيسَةٌ جِدًّا، وَالثَّانِي كَمَنْ تَصَدَّقَ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ أَعْتَقَ عَدَدًا مِنَ الْعَبِيدِ قِيمَتُهُمْ رَخِيصَةٌ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْتِيلَ مُسْتَحَبٌّ لَا لِمُجَرَّدِ التَّدَبُّرِ، فَإِنَّ الْعَجَمِيَّ الَّذِي لَا يَفْهَمُ مَعْنَى الْقُرْآنِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا فِي الْقِرَاءَةِ التَّرْتِيلُ وَالتُّؤَدَةُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى التَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي الْقَلْبِ مِنَ الْهَذْرَمَةِ وَالِاسْتِعْجَالِ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ التَّرْتِيلِ وَالتَّحْقِيقِ: أَنَّ التَّحْقِيقَ يَكُونُ لِلرِّيَاضَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّمْرِينِ، وَالتَّرْتِيلَ يَكُونُ لِلتَّدْبِيرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، فَكُلُّ تَحْقِيقٍ تَرْتِيلٌ وَلَيْسَ كُلُّ تَرْتِيلٍ تَحْقِيقًا، وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا فَقَالَ: التَّرْتِيلُ تَجْوِيدُ الْحُرُوفِ وَمَعْرِفَةُ الْوَقْفِ.

[فصل في التجويد جامع للمقاصد حاوي للفوائد]
وَحَيْثُ انْتَهَى بِنَا الْقَوْلُ إِلَى هُنَا فَلْنَذْكُرْ فَصْلًا فِي التَّجْوِيدِ يَكُونُ جَامِعًا لِلْمَقَاصِدِ حَاوِيًا لِلْفَوَائِدِ، وَإِنْ كُنَّا قَدْ أَفْرَدْنَا لِذَلِكَ كِتَابَنَا: التَّمْهِيدُ فِي التَّجْوِيدِ، وَهُوَ مِمَّا
(1/209)

أَلَّفْنَاهُ حَالَ اشْتِغَالِنَا بِهَذَا الْعِلْمِ فِي سِنِّ الْبُلُوغِ، إِذِ الْقَصْدُ أَنْ يَكُونَ كِتَابُنَا هَذَا جَامِعًا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْقَارِئُ وَالْمُقْرِئُ.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْمُقْرِئُ الْمُجَوِّدُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّامِيُّ بِقِرَاءَةِ ابْنَيْ أَبِي الْفَتْحِ عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُقْرِئُ شَيْخُ التَّجْوِيدِ أَبُو حَيَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَنْدَلُسِيُّ سَمَاعًا، وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْمُقْرِئُ الْمُجَوِّدُ أَبُو سَهْلٍ الْيُسْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغِرْنَاطِيُّ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْمُقْرِئُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْعَافِيَةِ بِقِرَائَتِي عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْمُقْرِئُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزَّنْجَانِيُّ (ح) ، وَأَعْلَى مِنْ هَذَا قَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا الْمُقْرِئِ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ الْحَلَبِيِّ أَنْبَأَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمَقْدِسِيُّ عَنْ شَيْخِ الشُّيُوخِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ وَغَيْرِهِ قَالُوا: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ شَيْخُ الْقِرَاءَاتِ وَالتَّجْوِيدِ أَبُو الْكَرَمِ بْنُ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بُنْدَارِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ رُزْبَةَ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَلَّى الشُّونِيزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: جَوِّدُوا الْقُرْآنَ وَزَيِّنُوهُ بِأَحْسَنِ الْأَصْوَاتِ وَأَعْرِبُوهُ، فَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُعْرَبَ بِهِ.
فَالتَّجْوِيدُ
مَصْدَرٌ مِنْ جَوَّدَ تَجْوِيدًا وَالِاسْمُ مِنْهُ الْجَوْدَةُ ضِدُّ الرَّدَاءَةِ، يُقَالُ: جَوَّدَ فَلَانٌ فِي كَذَا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ جَيِّدًا فَهُوَ عِنْدُهُمْ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِالْقِرَاءَةِ مُجَوَّدَةً بِالْأَلِفَاظِ بَرِيئَةً مِنَ الرَّدَاءَةِ فِي النُّطْقِ وَمَعْنَاهُ انْتِهَاءُ الْغَايَةِ فِي التَّصْحِيحِ وَبُلُوغُ النِّهَايَةِ فِي التَّحْسِينِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُمَّةَ كَمَا هُمْ مُتَعَبِّدُونَ بِفَهْمِ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ مُتَعَبِّدُونَ بِتَصْحِيحِ أَلْفَاظِهِ وَإِقَامَةِ حُرُوفِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَلَقَّاةِ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الْأَفْصَحِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا وَلَا الْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُحْسِنٍ مَأْجُورٍ، وَمُسِيءٍ آثِمٍ، أَوْ مَعْذُورٍ، فَمَنْ قَدَرَ
(1/210)

عَلَى تَصْحِيحِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِاللَّفْظِ الصَّحِيحِ الْعَرَبِيِّ الْفَصِيحِ، وَعَدَلَ إِلَى اللَّفْظِ الْفَاسِدِ الْعَجَمِيِّ، أَوِ النَّبَطِيِّ الْقَبِيحِ، اسْتِغْنَاءً بِنَفْسِهِ، وَاسْتِبْدَادًا بِرَأْيهِ وَحَدْسِهِ وَاتِّكَالًا عَلَى مَا أَلِفَ مِنْ حِفْظِهِ، وَاسْتِكْبَارًا عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى عَالَمٍ يُوقِفُهُ عَلَى صَحِيحِ لَفْظِهِ، فَإِنَّهُ مُقَصِّرٌ بِلَا شَكٍّ، وَآثِمٌ بِلَا رَيْبٍ، وَغَاشٌّ بِلَا مِرْيَةٍ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.
أَمَّا مَنْ كَانَ لَا يُطَاوِعُهُ لِسَانُهُ، أَوْ لَا يَجِدُ مَنْ يَهْدِيهِ إِلَى الصَّوَابِ بَيَانُهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَلِهَذَا أَجْمَعَ مَنْ نَعْلَمُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ قَارِئٍ خَلْفَ أُمِّيٍّ، وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ وَاخْتَلَفُوا فِي صَلَاةِ مَنْ يُبَدِّلُ حَرْفًا بِغَيْرِهِ سَوَاءٌ تَجَانُسًا أَمْ تَقَارُبًا، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عَدَمُ الصِّحَّةِ كَمَنْ قَرَأَ: الْحَمْدُ بِالْعَيْنِ، أَوِ الدِّينِ بِالتَّاءِ، أَوِ الْمَغْضُوبِ بِالْخَاءِ أَوْ بِالظَّاءِ ; وَلِذَلِكَ عَدَّ الْعُلَمَاءُ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِ تَجْوِيدٍ لَحْنًا وَعَدُّوا الْقَارِئَ بِهَا لَحَّانًا ; وَقَسَّمُوا اللَّحْنَ إِلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ وَتَعْرِيفِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّحْنَ فِيهِمَا خَلَلٌ يَطْرَأُ عَلَى الْأَلِفَاظِ فَيُخِلُّ، إِلَّا أَنَّ الْجَلِيَّ يُخِلُّ إِخْلَالًا ظَاهِرًا يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَأَنَّ الْخَفِيَّ يُخِلُّ إِخْلَالًا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ وَأَئِمَّةُ الْأَدَاءِ الَّذِينَ تَلَقَّوْا مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَضَبَطُوا عَنْ أَلْفَاظِ أَهْلِ الْأَدَاءِ ; الَّذِينَ تُرْتَضَى تِلَاوَتُهُمْ، وَيُوثَقُ بِعَرَبِيَّتِهِمْ، وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنِ الْقَوَاعِدِ الصَّحِيحَةِ، وَالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، فَأَعْطَوْا كُلَّ حَرْفٍ حَقَّهُ ; وَنَزَّلُوهُ مَنْزِلَتَهُ وَأَوْصَلُوهُ مُسْتَحَقَّهُ، مِنَ التَّجْوِيدِ وَالْإِتْقَانِ، وَالتَّرْتِيلِ وَالْإِحْسَانِ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُوَضِّحِ فِي وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ فِي فَصْلِ التَّجْوِيدِ مِنْهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ التَّرْتِيلَ وَالْحَدَرَ وَلُزُومَ التَّجْوِيدِ فِيهَا قَالَ: فَإِنَّ حُسْنَ الْأَدَاءِ فَرْضٌ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ أَنْ يَتْلُوَ الْقُرْآنَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ صِيَانَةً لِلْقُرْآنِ عَنْ أَنْ يَجِدَ اللَّحْنُ وَالتَّغْيِيرُ إِلَيْهِ سَبِيلًا عَلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ حُسْنِ الْأَدَاءِ فِي الْقُرْآنِ فَبَعْضُهُمْ ذَهَبَ إِلَى
(1/211)

أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفُ قِرَاءَتَهُ فِي الْمُفْتَرَضَاتِ، فَإِنَّ تَجْوِيدَ اللَّفْظِ وَتَقْوِيمَ الْحُرُوفِ وَحُسْنَ الْأَدَاءِ وَاجِبٌ فِيهِ فَحَسْبُ، وَذَهَبَ الْآخَرُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ كَيْفَمَا كَانَ ; لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي تَغْيِيرِ اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ وَتَعْوِيجِهِ وَاتِّخَاذِ اللَّحْنِ سَبِيلًا إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، انْتَهَى. وَهَذَا الْخِلَافُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ غَرِيبٌ، وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ، بَلِ الصَّوَابُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْحُجَّةُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ فِي تَجْوِيدِهِ وَصَوَّبَ مَا صَوَّبْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَالتَّجْوِيدُ هُوَ حِلْيَةُ التِّلَاوَةِ، وَزِينَةُ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ إِعْطَاءُ الْحُرُوفِ حُقُوقَهَا وَتَرْتِيبُهَا مَرَاتِبَهَا، وَرَدُّ الْحَرْفِ إِلَى مَخْرَجِهِ وَأَصْلِهِ، وَإِلْحَاقُهُ بِنَظِيرِهِ وَتَصْحِيحُ لَفْظِهِ وَتَلْطِيفُ النُّطْقِ بِهِ عَلَى حَالِ صِيغَتِهِ، وَكَمَالِ هَيْئَتِهِ ; مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَعَسُّفٍ وَلَا إِفْرَاطٍ وَلَا تَكَلُّفٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ قِرَاءَةَ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ أُعْطِيَ حَظًّا عَظِيمًا فِي تَجْوِيدِ الْقُرْآنِ وَتَحْقِيقِهِ وَتَرْتِيلِهِ كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَاهِيكَ بِرَجُلٍ أَحَبَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْهُ وَلَمَّا قَرَأَ أَبْكَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَرُوِّينَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا ابْنُ مَسْعُودٍ الْمَغْرِبَ بِ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ "، وَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهُ قَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ حُسْنِ صَوْتِهِ وَتَرْتِيلِهِ.
(قُلْتُ) : وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -، فَمَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مُجَوَّدًا مُصَحَّحًا كَمَا أُنْزِلَ تَلْتَذُّ الْأَسْمَاعُ بِتِلَاوَتِهِ، وَتَخْشَعُ الْقُلُوبُ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ، حَتَّى يَكَادَ أَنْ يَسْلُبَ الْعُقُولَ وَيَأْخُذَ الْأَلْبَابَ ; سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى يُودِعُهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَقَدْ أَدْرَكْنَا مِنْ شُيُوخِنَا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُسْنُ صَوْتٍ وَلَا مَعْرِفَةٌ بِالْأَلْحَانِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ جَيِّدَ الْأَدَاءِ قَيِّمًا بِاللَّفْظِ، فَكَانَ إِذَا قَرَأَ أَطْرَبَ الْمَسَامِعَ، وَأَخَذَ مِنَ الْقُلُوبِ بِالْمَجَامِعِ، وَكَانَ الْخَلْقُ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ، أُمَمٌ مِنَ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ، يَشْتَرِكُ فِي ذَلِكَ مِنْ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ مِنْ سَائِرِ الْأَنَامِ
(1/212)

مَعَ تَرْكِهِمْ جَمَاعَاتٍ مِنْ ذَوِي الْأَصْوَاتِ الْحِسَانِ، عَارِفِينَ بِالْمَقَامَاتِ وَالْأَلْحَانِ لِخُرُوجِهِمْ عَنِ التَّجْوِيدِ وَالْإِتْقَانِ، وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِي وَغَيْرِهِمْ أَخْبَارًا بَلَغَتِ التَّوَاتُرَ عَنْ شَيْخِهِمُ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الصَّائِغِ الْمِصْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَكَانَ أُسْتَاذًا فِي التَّجْوِيدِ أَنَّهُ قَرَأَ يَوْمًا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ وَكَرَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ فَنَزَلَ طَائِرٌ عَلَى رَأْسِ الشَّيْخِ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ حَتَّى أَكْمَلَهَا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ هُدْهُدٌ، وَبَلَغَنَا عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ الْمَعْرُوفِ بِسِبْطِ الْخَيَّاطِ مُؤَلِّفِ الْمُبْهِجِ وَغَيْرِهِ فِي الْقِرَاءَاتِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ حَظًّا عَظِيمًا، وَأَنَّهُ أَسْلَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ سَمَاعِ قِرَاءَتِهِ، وَآخِرُ مَنْ عَلِمْنَاهُ بَلَغَ النِّهَايَةَ فِي ذَلِكَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُصْخَانَ شَيْخُ الشَّامِ، وَالشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِكْرِيُّ شَيْخُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَهَذَا بَابٌ أُغْلِقَ، وَطَرِيقٌ سُدَّ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ قُصُورِ الْهِمَمِ وَنَفَاقِ سُوقِ الْجَهْلِ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَلَا أَعْلَمُ سَبَبًا لِبُلُوغِ نِهَايَةِ الْإِتْقَانِ وَالتَّجْوِيدِ، وَوُصُولِ غَايَةِ التَّصْحِيحِ وَالتَّشْدِيدِ، مِثْلَ رِيَاضَةِ الْأَلْسُنِ، وَالتَّكْرَارِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُتَلَقَّى مِنْ فَمِ الْمُحْسِنِ، وَأَنْتَ تَرَى تَجْوِيدَ حُرُوفِ الْكِتَابَةِ كَيْفَ يَبْلُغُ الْكَاتِبُ بِالرِّيَاضَةِ وَتَوْقِيفِ الْأُسْتَاذِ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَيْثُ يَقُولُ: لَيْسَ بَيْنَ التَّجْوِيدِ وَتَرْكِهِ إِلَّا رِيَاضَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ بِفَكِّهِ، فَلَقَدْ صَدَقَ وَبَصَّرَ، وَأَوْجَزَ فِي الْقَوْلِ وَمَا قَصَّرَ. فَلَيْسَ التَّجْوِيدُ بِتَمْضِيغِ اللِّسَانِ، وَلَا بِتَقْعِيرِ الْفَمِ، وَلَا بِتَعْوِيجِ الْفَكِّ، وَلَا بِتَرْعِيدِ الصَّوْتِ، وَلَا بِتَمْطِيطِ الشَّدِّ، وَلَا بِتَقْطِيعِ الْمَدِّ، وَلَا بِتَطْنِينِ الْغُنَّاتِ، وَلَا بِحَصْرَمَةِ الرَّاءَاتِ، قِرَاءَةٌ تَنْفِرُ عَنْهَا الطِّبَاعُ، وَتَمُجُّهَا الْقُلُوبُ وَالْأَسْمَاعُ، بَلِ الْقِرَاءَةُ السَّهْلَةُ الْعَذْبَةُ الْحُلْوَةُ اللَّطِيفَةُ، الَّتِي لَا مَضْغَ فِيهَا وَلَا لَوْكَ، وَلَا تَعَسُّفَ وَلَا تَكَلُّفَ، وَلَا تَصَنُّعَ وَلَا تَنَطُّعَ، لَا تَخْرُجُ عَنْ طِبَاعِ الْعَرَبِ وَكَلَامِ الْفُصَحَاءِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ وَالْأَدَاءِ، وَهَا نَحْنُ نُشِيرُ إِلَى جُمَلٍ مِنْ ذَلِكَ بِحَسْبِ التَّفْصِيلِ، وَنُقَدِّمُ الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ فَنَقُولُ:
(1/213)

أَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى مُرِيدِ إِتْقَانِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ تَصْحِيحُ إِخْرَاجِ كُلِّ حَرْفٍ مِنْ مَخْرَجِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ تَصْحِيحًا يَمْتَازُ بِهِ عَنْ مُقَارِبِهِ، وَتَوْفِيَةُ كُلِّ حَرْفٍ صِفَتَهُ الْمَعْرُوفَةَ بِهِ تَوْفِيَةً تُخْرِجُهُ عَنْ مُجَانِسِهِ، يُعْمِلُ لِسَانَهُ وَفَمَهُ بِالرِّيَاضَةِ فِي ذَلِكَ إِعْمَالًا يُصَيِّرُ ذَلِكَ لَهُ طَبْعًا وَسَلِيقَةً.
فَكُلُّ حَرْفٍ شَارَكَ غَيْرَهُ فِي مَخْرَجٍ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَازُ عَنْ مُشَارِكِهِ إِلَّا بِالصِّفَاتِ، وَكُلُّ حَرْفٍ شَارَكَ غَيْرَهُ فِي صِفَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَازُ عَنْهُ إِلَّا بِالْمَخْرَجِ، (كَالْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ) اشْتَرَكَا مَخْرَجًا وَانْفِتَاحًا وَاسْتِفَالًا، وَانْفَرَدَتِ الْهَمْزَةُ بِالْجَهْرِ وَالشِّدَّةِ، (وَالْعَيْنِ وَالْحَاءِ) اشْتَرَكَا مَخْرَجًا وَاسْتِفَالًا وَانْفِتَاحًا، وَانْفَرَدَتِ الْحَاءُ بِالْهَمْسِ وَالرَّخَاوَةِ الْخَالِصَةِ، (وَالْغَيْنِ وَالْخَاءِ) اشْتَرَكَا مَخْرَجًا وَرَخَاوَةً وَاسْتِعْلَاءً وَانْفِتَاحًا، وَانْفَرَدَتِ الْغَيْنُ بِالْجَهْرِ، (وَالْجِيمِ وَالشِّينِ وَالْيَاءِ) اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَانْفِتَاحًا وَاسْتِفَالًا، وَانْفَرَدَتِ الْجِيمُ بِالشِّدَّةِ وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الْيَاءِ فِي الْجَهْرِ، وَانْفَرَدَتِ الشِّينُ بِالْهَمْسِ وَالتَّفَشِّي، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الْيَاءِ فِي الرَّخَاوَةِ، (وَالضَّادِ وَالظَّاءِ) اشْتَرَكَا صِفَةً وَجَهْرًا وَرَخَاوَةً وَاسْتِعْلَاءً وَإِطْبَاقًا، وَافْتَرَقَا مَخْرَجًا، وَانْفَرَدَتِ الضَّادُ بِالِاسْتِطَالَةِ، (وَالطَّاءِ وَالدَّالِ وَالتَّاءِ) اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَشَدَّةً، وَانْفَرَدَتِ الطَّاءُ بِالْإِطْبَاقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الدَّالِ فِي الْجَهْرِ، وَانْفَرَدَتِ التَّاءُ بِالْهَمْسِ، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الدَّالِ فِي الِانْفِتَاحِ وَالِاسْتِفَالِ، (وَالظَّاءِ وَالذَّالِ وَالثَّاءِ) اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَرَخَاوَةً وَانْفَرَدَتِ الطَّاءُ بِالِاسْتِعْلَاءِ وَالْإِطْبَاقِ وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الذَّالِ فِي الْجَهْرِ، وَانْفَرَدَتِ التَّاءُ بِالْهَمْسِ، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الذَّالِ اسْتِفَالًا وَانْفِتَاحًا، (وَالصَّادِ وَالزَّايِ وَالسِّينِ) اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَرَخَاوَةً وَصَفِيرًا وَانْفَرَدَتِ الصَّادُ بِالْإِطْبَاقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ السِّينِ فِي الْهَمْسِ، وَانْفَرَدَتِ الزَّايُ بِالْجَهْرِ، وَاشْتَرَكَتْ مَعَ السِّينِ فِي الِانْفِتَاحِ وَالِاسْتِفَالِ، وَكُلُّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
فَإِذَا أَحْكَمَ الْقَارِئُ النُّطْقَ بِكُلِّ حَرْفٍ عَلَى حِدَتِهِ مُوفٍ حَقَّهُ فَلْيُعْمِلْ نَفْسَهُ بِإِحْكَامِهِ حَالَةَ التَّرْكِيبِ ; لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنِ التَّرْكِيبِ مَا لَمْ يَكُنْ حَالَةَ الْإِفْرَادِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، فَكَمْ مِمَّنْ يُحْسِنُ الْحُرُوفَ مُفْرَدَةً وَلَا يُحْسِنُهَا مُرَكَّبَةً بِحَسَبِ مَا يُجَاوِرُهَا مِنْ مُجَانِسٍ وَمُقَارِبٍ
(1/214)

وَقَوِيٍّ وَضَعِيفٍ وَمُفَخَّمٍ وَمُرَقَّقٍ فَيَجْذِبُ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ وَيَغْلِبُ الْمُفَخَّمُ الْمُرَقَّقَ، فَيَصْعُبُ عَلَى اللِّسَانِ النُّطْقُ بِذَلِكَ عَلَى حَقِّهِ إِلَّا بِالرِّيَاضَةِ الشَّدِيدَةِ حَالَةَ التَّرْكِيبِ، فَمَنْ أَحْكَمَ صِحَّةَ اللَّفْظِ حَالَةَ التَّرْكِيبِ حَصَّلَ حَقِيقَةَ التَّجْوِيدِ بِالْإِتْقَانِ وَالتَّدْرِيبِ، وَسَنُورِدُ لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ كَافٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ قَاعِدَةٍ نَذْكُرُهَا، وَهِيَ أَنَّ أَصْلَ الْخَلَلِ الْوَارِدِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْقُرَّاءِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ وَمَا الْتَحَقَ بِهَا هُوَ إِطْلَاقُ التَّفْخِيمَاتِ وَالتَّغْلِيظَاتِ عَلَى طَرِيقٍ أَلِفَتْهَا الطِّبَاعَاتُ، تُلُقِّيَتْ مِنَ الْعَجَمِ، وَاعْتَادَتْهَا النَّبَطُ وَاكْتَسَبَهَا بَعْضُ الْعَرَبِ، حَيْثُ لَمْ يَقِفُوا عَلَى الصَّوَابِ مِمَّنْ يُرْجَعُ إِلَى عِلْمِهِ، وَيُوثَقُ بِفَضْلِهِ وَفَهْمِهِ، وَإِذَا انْتَهَى الْحَالُ إِلَى هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ قَانُونٍ صَحِيحٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَمِيزَانٍ مُسْتَقِيمٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، نُوَضِّحُهُ مُسْتَوْفِيًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَالَةِ وَالتَّرْقِيقِ وَنُشِيرُ إِلَى مُهِمِّهِ هُنَا.
فَاعْلَمْ أَنَّ الْحُرُوفَ الْمُسْتَفِلَةَ كُلَّهَا مُرَقَّقَةٌ لَا يَجُوزُ تَفْخِيمُ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا اللَّامَ مِنَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ فَتْحَةٍ، أَوْ ضَمَّةٍ إِجْمَاعًا، أَوْ بَعْضَ حُرُوفِ الْإِطْبَاقِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَإِلَّا الرَّاءَ الْمَضْمُومَةَ، أَوِ الْمَفْتُوحَةَ مُطْلَقًا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَالسَّاكِنَةَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْحُرُوفُ الْمُسْتَعْلِيَةُ كُلُّهَا مُفَخَّمَةٌ لَا يُسْتَثْنَى شَيْءٌ مِنْهَا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ. وَأَمَّا الْأَلِفُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُوصَفُ بِتَرْقِيقٍ وَلَا تَفْخِيمٍ، بَلْ بِحَسَبِ مَا يَتَقَدَّمُهَا فَإِنَّهَا تَتْبَعُهُ تَرْقِيقًا وَتَفْخِيمًا، وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا مِنْ إِطْلَاقِ تَرْقِيقِهَا فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ التَّحْذِيرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَجَمِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي لَفْظِهَا إِلَى أَنْ يُصَيِّرُوهَا كَالْوَاوِ، أَوْ يُرِيدُونَ التَّنْبِيهَ عَلَى مَا هِيَ مُرَقَّقَةٌ فِيهِ، وَأَمَّا نَصُّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى تَرْقِيقِهَا بَعْدَ الْحُرُوفِ الْمُفَخَّمَةِ فَهُوَ شَيْءٌ وَهِمَ فِيهِ وَلَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ مُعَاصِرِيهِ، وَرَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ تَأْلِيفًا لِلْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ بُصْخَانَ سَمَّاهُ: " التَّذْكِرَةُ وَالتَّبْصِرَةُ لِمَنْ نَسِيَ تَفْخِيمَ الْأَلِفِ أَوْ أَنْكَرَهُ " قَالَ فِيهِ: اعْلَمْ أَيُّهَا الْقَارِئُ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ تَفْخِيمَ الْأَلِفِ فَإِنْكَارُهُ صَادِرٌ عَنْ جَهْلِهِ، أَوْ غِلَظِ طِبَاعِهِ، أَوْ عَدَمِ
(1/215)

اطِّلَاعِهِ، أَوْ تَمَسُّكِهِ بِبَعْضِ كُتُبِ التَّجْوِيدِ الَّتِي أَهْمَلَ مُصَنِّفُوهَا التَّصْرِيحَ بِذِكْرِ تَفْخِيمِ الْأَلِفِ. ثُمَّ قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى جَهْلِهِ أَنَّهُ يَدَّعِيَ أَنَّ الْأَلِفَ فِي قِرَاءَةِ وَرْشٍ طَالَ وَفِصَالًا وَمَا أَشْبَهَهُمَا مُرَقَّقَةٌ وَتَرْقِيقُهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ حَرْفَيْنِ مُغَلَّظَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى غِلَظِ طَبْعِهِ أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ فِي لَفْظِهِ بَيْنَ أَلْفِ (قَالَ) وَأَلْفِ (حَالَ) حَالَةَ التَّجْوِيدِ وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اطِّلَاعِهِ أَنَّ أَكْثَرَ النُّحَاةِ نَصُّوا فِي كُتُبِهِمْ عَلَى تَفْخِيمِ الْأَلِفِ، ثُمَّ سَاقَ نُصُوصَ أَئِمَّةِ اللِّسَانِ فِي ذَلِكَ وَوَقَفَ عَلَيْهِ أُسْتَاذُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْقِرَاءَاتِ أَبُو حَيَّانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَكَتَبَ عَلَيْهِ: طَالَعْتُهُ فَرَأَيْتُهُ قَدْ حَازَ إِلَى صِحَّةِ النَّقْلِ كَمَالَ الدِّرَايَةِ، وَبَلَغَ فِي حُسْنِهِ الْغَايَةَ. فَالْهَمْزَةُ - إِذَا ابْتَدَأَ بِهَا الْقَارِئُ مِنْ كَلِمَةٍ فَلْيَلْفِظْ بِهَا سَلِسَةً فِي النُّطْقِ سَهْلَةً فِي الذَّوْقِ، وَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ تَغْلِيظِ النُّطْقِ بِهَا نَحْوَ: الْحَمْدُ، الَّذِينَ، أَأَنْذَرْتَهُمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا أَلْفٌ، نَحْوَ: آتِي، وَآيَاتٍ، وَآمِينَ. فَإِنْ جَاءَ حَرْفٌ مُغَلَظٌ كَانَ التَّحَفُّظُ آكَدَ نَحْوَ: اللَّهُ، اللَّهُمَّ، أَوْ مُفَخَّمٌ نَحْوَ: الطَّلَاقُ، اصْطَفَى، وَأَصْلَحَ، فَإِنْ كَانَ حَرْفًا مُجَانِسُهَا، أَوْ مُقَارِبُهَا كَانَ التَّحَفُّظُ بِسُهُولَتِهَا أَشَدَّ، وَبِتَرْقِيقِهَا أَوْكَدَ نَحْوَ: اهْدِنَا، أَعُوذُ، أَعْطَى، أَحَطْتُ، أَحَقُّ، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَنْطِقُ بِهَا فِي ذَلِكَ كَالْمُتَهَوِّعِ.
وَكَذَا الْبَاءُ: إِذَا أَتَى بَعْدَهَا حَرْفٌ مُفَخَّمٌ نَحْوَ بَطَلَ، بَغَى، وَبَصَلِهَا، فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ كَانَ التَّحَفُّظُ بِتَرْقِيقِهَا أَبْلَغَ نَحْوَ: بَاطِلٌ، وَ (بَاغٍ) ، وَالْأَسْبَاطُ. فَكَيْفَ إِذَا وَلِيَهَا حَرْفَانِ مُفَخَّمَانِ نَحْوَ: بَرَقَ، وَ (الْبَقَرَ) ، بَلْ طُبِعَ، عِنْدَ مَنْ أَدْغَمَ، وَلْيَحْذَرْ فِي تَرْقِيقِهَا مِنْ ذَهَابِ شِدَّتِهَا كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ حَرْفًا خَفِيفًا نَحْوَ: بِهِمْ، وَبِهِ، وَبِهَا - دُونَ - بَالِغُ، وَ (بَاسِطٌ) ، وَ (بَارِئِكُمْ) ، أَوْ ضَعِيفًا نَحْوَ: بِثَلَاثَةِ، وَبِذِي، وَ (بِسَاحَتِهِمْ) ، وَإِذَا سَكَنَتْ كَانَ التَّحَفُّظُ بِمَا فِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ وَالْجَهْرِ أَشَدَّ نَحْوَ: رَبْوَةٍ، وَ (الْخَبْءَ) ، وَقَبْلَ، وَ (الصَّبْرِ) ، فَانْصَبْ، فَارْغَبْ، (وَكَذَلِكَ) الْحُكْمُ فِي سَائِرِ حُرُوفِ الْقَلْقَلَةِ لِاجْتِمَاعِ الشِّدَّةِ وَالْجَهْرِ فِيهَا نَحْوَ: (يَجْعَلُونَ، والْحِجْرِ، وَالْفَجْرِ، وَوَجْهِكَ، وَالنَّجْدَيْنِ، وَمَنْ يَخْرُجْ) ، وَنَحْوَ: (يَدْرَءُونَ، وَالْعَدْلِ، لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَعَدْوًا، وقَدْ نَرَى، وَاقْصِدْ) ، وَنَحْوَ:
(1/216)

(يُطْعِمُونِ، وَالْبَطْشَةَ، وَمَطْلِعَ، إِطْعَامُ، وَبِمَا لَمْ تُحِطْ) ، وَنَحْوَ: (يَقْطَعُونَ، وَقْرًا، وَبَقْلِهَا، إِنْ يَسْرِقْ) .
التَّاءُ: يَتَحَفَّظُ بِمَا فِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ لِئَلَّا تَصِيرَ رَخْوَةً كَمَا يَنْطِقُ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَرُبَّمَا جُعِلَتْ سِينًا، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ سَاكِنَةً نَحْوَ: فِتْنَةٌ، وَ (فَتْرَةٍ) ، وَيَتْلُونَ، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ، وَلِذَا أَدْخَلَهَا سِيبَوَيْهِ فِي جُمْلَةِ حُرُوفِ الْقَلْقَلَةِ، وَلْيَكُنِ التَّحَفُّظُ بِهَا إِذَا تَكَرَّرَتْ آكَدَ نَحْوَ: تَتَوَفَّاهُمُ، وَ (تَتَوَلَّوْا) ، كِدْتَ تَرْكَنُ، الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا، وَكَذَلِكَ كُلَّمَا تَكَرَّرَ مِنْ مِثْلَيْنِ نَحْوَ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَ (حَاجَجْتُمْ) ، وَلَا أَبْرَحُ حَتَّى، وَ (يَرْتَدَّ) ، وَأَخِي اشْدُدْ، وَ (صَدَدْنَاكُمْ) ، وَعَدَّدَهُ، وَ (مُمَدَّدَةٍ) ، وَ (ذِي الذِّكْرِ) ، وَ (مُحَرَّرًا) ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وَ (بِشَرَرٍ) وَ (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) ، وَ (شَطَطًا) ، وَنَطْبَعُ عَلَى، وَ (يُخَفَّفُ) ، وَلْيَسْتَعْفِفِ، وَ (تَعْرِفُ فِي) ، وَحَقَّ قَدْرِهِ، وَالْحَقَّ أَقُولُ، وَمَنَاسِكَكُمْ، وَ (إِنَّكِ كُنْتِ) ، وَ (لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ) ، وَ (جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ) ، وَ (فِيهِ هُدًى) ، وَ (اعْبُدُوهُ هَذَا) ، وَ (وُرِيَ) ، وَ (يَسْتَحِي) ، وَ (يُحْيِيكُمْ) ، (وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ) ، إِنَّ وَلِيَّ اللَّهُ، وَ (حُيِّيتُمْ) ، لِصُعُوبَةِ اللَّفْظِ بِالْمُكَرَّرِ عَلَى اللِّسَانِ، قَالُوا: هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فِي الْقَيْدِ يَرْفَعُ رِجْلَهُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا وَيَرُدُّهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي رَفَعَهَا مِنْهُ ; وَلِذَلِكَ آثَرَ أَبُو عَمْرٍو وَغَيْرُهُ الْإِدْغَامَ بِشَرْطِهِ تَخْفِيفًا، وَيَعْتَنِي بِبَيَانِهَا وَتَلْخِيصِهَا مُرَقَّقَةً إِذَا أَتَى بَعْدَهَا حَرْفُ إِطْبَاقٍ وَلَا سِيَّمَا الطَّاءُ الَّتِي شَارَكَتْهَا فِي الْمَخْرَجِ، وَذَلِكَ نَحْوَ: أَفَتَطْمَعُونَ، وَتَطْهِيرًا، وَلَا تَطْغَوْا، وَتَصْدِيَةً، وَتَصُدُّونَ وَتُظْلَمُونَ.
وَالثَّاءُ حَرْفٌ ضَعِيفٌ، فَإِذَا وَقَعَ سَاكِنُهَا فَلْيَحْتَفِظْ فِي بَيَانِهِ، لَا سِيَّمَا إِذَا أَتَى بَعْدَهُ حَرْفٌ يُقَارِبُهُ وَقُرِئَ بِالْإِظْهَارِ نَحْوَ: يَلْهَثْ ذَلِكَ، وَلَبِثْتَ وَلَبِثْتُمْ، وَكَذَا إِنْ أَتَى قَبْلَ حَرْفِ اسْتِعْلَاءٍ وَجَبَ التَّحَرُّزُ فِي بَيَانِهِ لِضَعْفِهِ وَقُوَّةِ الِاسْتِعْلَاءِ بَعْدَهُ نَحْوَ: أَثْخَنْتُمُوهُمْ، وَإِنْ يَثْقَفُوكُمْ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَجَمِ لَا يَتَحَفَّظُونَ مِنْ بَيَانِهَا فَيُخْرِجُونَهَا سِينًا خَالِصَةً.
وَالْجِيمُ يَجِبُ أَنْ يَتَحَفَّظَ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ مَخْرَجِهَا فَرُبَّمَا خَرَجَتْ مِنْ دُونِ مَخْرَجِهَا فَيَنْتَشِرُ بِهَا اللِّسَانُ فَتَصِيرُ مَمْزُوجَةً بِالشِّينِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ، وَرُبَّمَا نَبَا بِهَا اللِّسَانُ فَأَخْرَجَهَا مَمْزُوجَةً بِالْكَافِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ كَثِيرًا
(1/217)

فِي بَوَادِي الْيَمَنِ، وَإِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا بَعْضُ الْحُرُوفِ الْمَهْمُوسَةِ كَانَ الِاحْتِرَازُ بِجَهْرِهَا وَشِدَّتِهَا أَبْلَغَ نَحْوَ: اجْتَمَعُوا، وَاجْتَنِبُوا، وَ (خَرَجْتَ) ، وَ (تَجْرِي) ، وَ (تُجْزَوْنَ) ، وَزَجْرًا، وَ (رِجْسًا) ، لِئَلَّا تَضْعُفَ فَتُمْزَجَ بِالشِّينِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ مُشَدَّدَةً نَحْوُ: الْحَجَّ، وَ (أَتُحَاجُّونِّي) ، وَحَاجَّهُ - لَا سِيَّمَا - نَحْوَ لُجِّيٍّ، وَيُوَجَّهُ لِأَجْلِ مُجَانَسَةِ الْيَاءِ وَخَفَاءِ الْهَاءِ.
وَالْحَاءُ: وَالْحَاءُ تَجِبُ الْعِنَايَةُ بِإِظْهَارِهَا إِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا مُجَانِسُهَا، أَوْ مُقَارِبُهَا، لَا سِيَّمَا إِذَا سَكَنَتْ نَحْوَ: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ، وَسَبِّحْهُ، فَكَثِيرٌ مَا يَقْلِبُونَهَا فِي الْأَوَّلِ عَيْنًا وَيُدْغِمُونَهَا، وَكَذَلِكَ يَقْلِبُونَ الْهَاءَ فِي " وَسَبِّحْهُ " حَاءً لِضَعْفِ الْهَاءِ وَقُوَّةِ الْحَاءِ فَتَجْذِبُهَا فَيَنْطِقُونَ بِحَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِجْمَاعًا، كَذَلِكَ يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِتَرْقِيقِهَا إِذَا جَاوَرَهَا حَرْفُ الِاسْتِعْلَاءِ نَحْوَ: أَحَطتُ، وَ (الْحَقُّ) ، فَإِنِ اكْتَنَفَهَا حَرْفَانِ كَانَ ذَلِكَ أَوْجَبَ نَحْوَ: حَصْحَصَ.
وَالْخَاءُ: يَجِبُ تَفْخِيمُهَا وَسَائِرُ حُرُوفِ الِاسْتِعْلَاءِ وَتَفْخِيمُهَا إِذَا كَانَتْ مَفْتُوحَةً أَبْلَغُ، وَإِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا أَلِفٌ أَمْكَنُ نَحْوَ: خَلَقَ، وَ (غَلَبَ) ، وَطَغَى، وَ (صَعِيدًا) ، وَضَرَبَ، وَ (خَالِقُ) ، وَ (صَادِقَ) ، وَ (ضَالِّينَ) ، وَطَائِفٌ وَ (ظَالِمٌ) . قَالَ ابْنُ الطَّحَّانِ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي تَجْوِيدِهِ: الْمُفَخَّمَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ يَتَمَكَّنُ التَّفْخِيمُ فِيهِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَحَدُ حُرُوفِ الِاسْتِعْلَاءِ مَفْتُوحًا، وَضَرْبٌ دُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ مَضْمُومًا، وَضَرْبٌ دُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَكْسُورًا. انْتَهَى.
وَالدَّالُ: فَإِذَا كَانَتْ بَدَلًا مِنْ تَاءٍ وَجَبَ بَيَانُهَا لِئَلَّا يَمِيلَ اللِّسَانُ بِهَا إِلَى أَصْلِهَا نَحْوَ: مُزْدَجَرٌ، وَتَزْدَرِي.
وَالذَّالُ: يُعْتَنَى بِإِظْهَارِهَا إِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا نُونٌ نَحْوَ: فَنَبَذْنَاهُ، وَإِذْ نَتَقْنَا، وَكَذَلِكَ يُعْتَنَى بِتَرْقِيقِهَا وَبَيَانِ انْفِتَاحِهَا وَاسْتِفَالِهَا إِذَا جَاوَرَهَا حَرْفٌ مُفَخَّمٌ وَإِلَّا رُبَّمَا انْقَلَبَتْ ظَاءً نَحْوَ: ذَرْهُمْ، وَذَرْهُ، وَ (أَنْذَرْتُكُمْ) ، وَ (الْأَذْقَانِ) ، وَلَا سِيَّمَا فِي نَحْوِ: الْمُنْذَرِينَ، وَمُحَذِّرًا، وَذَلَّلْنَا، لِئَلَّا تَشْتَبِهَ بِنَحْوِ: الْمُنْتَظِرِينَ، وَ (مَحْظُورًا) ، وَظَلَّلْنَا، وَبَعْضُ النَّبَطِ يَنْطِقُ بِهَا دَالًّا مُهْمَلَةً، وَبَعْضُ الْعَجَمِ يَجْعَلُهَا زَايًا، فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ ذَاكَ.
وَالرَّاءُ: انْفَرَدَ بِكَوْنِهِ مُكَرَّرًا صِفَةً لَازِمَةً لَهُ لِغِلَظِهِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِذَا تَكَلَّمْتَ بِهَا خَرَجَتْ كَأَنَّهَا مُضَاعَفَةٌ. وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّكْرِيرِ تَرْعِيدُ اللِّسَانِ بِهَا الْمَرَّةَ بَعْدَ
(1/218)

الْمَرَّةِ فَأُظْهِرَ ذَلِكَ حَالَ تَشْدِيدِهَا كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَالصَّوَابُ التَّحَفُّظُ مِنْ ذَلِكَ بِإِخْفَاءِ تَكْرِيرِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ. وَقَدْ يُبَالِغُ قَوْمٌ فِي إِخْفَاءِ تَكْرِيرِهَا مُشَدَّدَةً فَيَأْتِي بِهَا مُحَصْرَمَةً شَبِيهَةً بِالطَّاءِ، وَذَلِكَ خَطَأٌ لَا يَجُوزُ فَيَجِبُ أَنْ يَلْفِظَ بِهَا مُشَدَّدَةً تَشْدِيدًا يَنْبُو بِهَا اللِّسَانُ نَبْوَةً وَاحِدَةً وَارْتِفَاعًا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ فِي الْحَصْرِ وَالْعُسْرِ نَحْوَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَخَرَّ مُوسَى، وَلْيَحْتَرِزْ حَالَ تَرْقِيقِهَا مِنْ نُحُولِهَا نُحُولًا يُذْهِبُ أَثَرَهَا وَيَنْقُلُ لَفْظَهَا عَنْ مَخْرَجِهَا كَمَا يُعَانِيهِ بَعْضُ الْغَافِلِينَ.
وَالزَّايُ: يَتَحَفَّظُ بِبَيَانِ جَهْرِهَا، لَا سِيَّمَا إِذَا سَكَنَتْ نَحْوَ: تَزْدَرِي، وَ (أَزْكَى) ، وَ (رِزْقًا) ، وَ (مُزْجَاةٍ) ، وَ (لَيُزْلِقُونَكَ) ، وَ (وِزْرَكَ) ، وَلْيَكُنِ التَّحَفُّظُ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ مُجَاوِرُهَا حَرْفًا مَهْمُوسًا آكَدُ لِئَلَّا يَقْرُبَ مِنَ السِّينِ نَحْوَ: وَ (مَا كَنَزْتُمْ) .
وَالسِّينُ يُعْتَنَى بِبَيَانِ انْفِتَاحِهَا وَاسْتِفَالِهَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا حَرْفُ إِطْبَاقٍ لِئَلَّا تَجْذِبَهَا قُوَّتُهُ فَتَقْلِبَهَا صَادًا نَحْوَ: بَسْطَةً، وَ (مَسْطُورًا) ، وَ (تَسْتَطِعْ) ، وَأَقْسَطُ. وَكَذَلِكَ نَحْوَ: لَسَلَّطَهُمْ، وَ (سُلْطَانٍ) وَ (تُسَاقِطْ) ، وَيَتَحَفَّظُ بِبَيَانِ هَمْسِهَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا غَيْرُ ذَلِكَ نَحْوُ: مُسْتَقِيمٌ، وَ (مَسْجِدٍ) . فَرُبَّمَا ضَارَعَتْ فِي ذَلِكَ الزَّايَ وَالْجِيمَ نَحْوَ: أَسَرُّوا، وَيُسَبِّحُونَ، وَعَسَى، وَ (قَسَمْنَا) . لِئَلَّا يَشْتَبِهَ بِنَحْوِ: وَأَصَرُّوا، وَ (يُصْبِحُونَ) ، وَعَصَى، وَ (قَصَمْنَا) .
وَالشِّينُ: انْفَرَدَتْ بِصِفَةِ التَّفَشِّي فَلْيُعْنَ بِبَيَانِهِ، لَا سِيَّمَا فِي حَالِ تَشْدِيدِهَا، أَوْ سُكُونِهَا نَحْوَ: فَبَشَّرْنَاهُ، وَ (اشْتَرَاهُ) ، وَ (يَشْرَبُونَ) ، وَ (اشْدُدْ) ، وَ (الرُّشْدُ) ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْوَقْفِ وَفِي نَحْوِ: (شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ، (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ) ، فَلْيَكُنِ الْبَيَانُ أَوْكَدَ لِلتَّجَانُسِ.
وَالصَّادُ: لِيَحْتَرِزْ حَالَ سُكُونِهَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا تَاءٌ أَنْ تَقْرُبَ مِنَ السِّينِ نَحْوُ: وَلَوْ حَرَصْتَ، وَ (حَرَصْتُمْ) . أَوْ طَاءٌ أَنْ تَقَرُبَ مِنَ الزَّايِ نَحْوَ: اصْطَفَى، وَ (يَصْطَفِي) . أَوْ دَالٌ أَنْ يَدْخُلَهَا التَّشْرِيبُ عِنْدَ مَنْ لَا يُجِيزُهُ نَحْوَ: اصْدُقْ، وَ (يُصْدِرَ) ، وَتَصْدِيَةً.
وَالضَّادُ: انْفَرَدَ بِالِاسْتِطَالَةِ، وَلَيْسَ فِي الْحُرُوفِ مَا يَعْسُرُ عَلَى اللِّسَانِ مِثْلُهُ. فَإِنَّ أَلْسِنَةَ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَلَّ مَنْ يُحْسِنُهُ فَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُهُ ظَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْزُجُهُ بِالذَّالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ لَامًا مُفَخَّمَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُشِمُّهُ الزَّايَ. وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَالْحَدِيثُ
(1/219)

الْمَشْهُورُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ " أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ " لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا يَصِحُّ. فَلْيَحْذَرْ مَنْ قَلَبَهُ إِلَى الظَّاءِ، لَا سِيَّمَا فِيمَا يَشْتَبِهُ بِلَفْظِهِ نَحْوَ: ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ، يَشْتَبِهُ بِقَوْلِهِ: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا، وَلْيُعْمِلِ الرِّيَاضَةَ فِي إِحْكَامِ لَفْظِهِ خُصُوصًا إِذَا جَاوَرَهُ ظَاءٌ نَحْوَ: أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، يَعَضُّ الظَّالِمُ. أَوْ حَرْفٌ مُفَخَّمٌ نَحْوَ: أَرْضُ اللَّهِ، أَوْ حَرْفٌ يُجَانِسُ مَا يُشْبِهُهُ نَحْوَ: الْأَرْضِ ذَهَبًا. وَكَذَا إِذَا سَكَنَ وَأَتَى بَعْدَهُ حَرْفُ إِطْبَاقٍ نَحْوَ: فَمَنِ اضْطُرَّ. أَوْ غَيْرُهُ نَحْوَ: أَفَضْتُمْ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ، وَفِي تَضْلِيلٍ.
وَالطَّاءُ: أَقْوَى الْحُرُوفِ تَفْخِيمًا فَلْتُوفَ حَقَّهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ مُشَدَّدَةً نَحْوَ: اطَّيَّرْنَا، وَأَنْ يَطَّوَّفَ، وَإِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا تَاءٌ وَجَبَ إِدْغَامُهَا إِدْغَامًا غَيْرَ مُسْتَكْمَلٍ، بَلْ تَبْقَى مَعَهُ صِفَةُ الْإِطْبَاقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ لِقُوَّةِ الطَّاءِ وَضَعْفِ التَّاءِ، وَلَوْلَا التَّجَانُسُ لَمْ يَسُغِ الْإِدْغَامُ لِذَلِكَ نَحْوَ: وَفَرَّطْتُ كَمَا يُحْكَمُ ذَلِكَ فِي الْمُشَافَهَةِ.
وَالظَّاءُ: يَتَحَفَّظُ بِبَيَانِهَا إِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا تَاءٌ نَحْوَ: أَوَعَظْتَ وَلَا ثَانِيَ لَهُ وَإِظْهَارُهَا مِمَّا لَا خِلَافَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِيهِ. نَعَمْ قَرَأْنَا بِإِدْغَامِهِ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ مَعَ إِبْقَاءِ صِفَةِ التَّفْخِيمِ.
وَالْعَيْنُ: يَحْتَرِزُ مِنْ تَفْخِيمِهَا، لَا سِيَّمَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا أَلِفٌ نَحْوَ: الْعَالَمِينَ، وَإِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا حَرْفٌ مَهْمُوسٌ فَلْيُبَيِّنْ جَهْرَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ نَحْوَ: الْمُعْتَدِينَ، وَلَا تَعْتَدُوا، وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهَا غَيْنٌ وَجَبَ إِظْهَارُهَا لِئَلَّا يُبَادِرَ اللِّسَانُ لِلْإِدْغَامِ لِقُرْبِ الْمَخْرَجِ نَحْوَ: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ.
وَالْغَيْنُ: يَجِبُ إِظْهَارُهَا عِنْدَ كُلِّ حَرْفٍ لَاقَاهَا، وَذَلِكَ آكَدُ فِي حَرْفِ الْحَلْقِ وَحَالَةُ الْإِسْكَانِ أَوْجَبُ، وَلْيَحْتَرِزْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيكِهَا، لَا سِيَّمَا إِذَا اجْتَمَعَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ نَحْوَ: يَغْشَى، وَ (أَفْرِغْ عَلَيْنَا) ، وَ (الْمَغْضُوبِ) ، وَ (ضِغْثًا) ، وَيَغْفِرْ، فَارْغَبْ، (وَأَغْطَشَ) ، وَلْيَكُنِ اعْتِنَاؤُهُ بِإِظْهَارِ: لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا أَبْلَغَ، وَحِرْصُهُ عَلَى سُكُونِهِ أَشَدَّ، لِقُرْبِ مَا بَيْنَ الْغَيْنِ وَالْقَافِ مَخْرَجًا وَصِفَةً.
وَالْفَاءُ: فَيَجِبُ إِظْهَارُهَا عِنْدَ الْمِيمِ وَالْوَاوِ نَحْوَ: تَلْقَفُ مَا، وَ (لَا تَخَفْ) ، وَلَا. فَلْيَحْرِصْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْبَاءِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ نَحْوَ: نَخْسِفْ بِهِمُ. وَلَا ثَانِيَ لَهُ
(1/220)

كَمَا سَيَأْتِي.
وَالْقَافُ: فَلْيُتَحَرَّزْ عَلَى تَوْفِيَتِهَا حَقَّهَا كَامِلًا وَلْيُتَحَفَّظْ مِمَّا يَأْتِي بِهِ بَعْضُ الْأَعْرَابِ وَبَعْضُ الْمَغَارِبَةِ فِي إِذْهَابِ صِفَةِ الِاسْتِعْلَاءِ مِنْهَا حَتَّى تَصِيرَ كَالْكَافِ الصَّمَّاءِ، وَإِذَا لَقِيَهَا كَافٌ لِغَيْرِ الْمُدْغِمِ نَحْوَ: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَكُمْ) . فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ سَاكِنَةً قَبْلَ الْكَافِ كَمَا هِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ. فَلَا خِلَافَ فِي إِدْغَامِهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي إِبْقَاءِ صِفَةِ الِاسْتِعْلَاءِ مَعَ ذَلِكَ فَذَهَبَ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ مَعَ الْإِدْغَامِ كَهِيَ فِي: (أَحَطتُ، وَبَسَطْتَ) ، وَذَهَبَ الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى إِدْغَامِهِ مَحْضًا، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ أَصَحُّ قِيَاسًا عَلَى مَا أَجْمَعُوا فِي بَابِ الْمُحَرَّكِ لِلْمُدْغِمِ مِنْ: (خَلَقَكُمْ، وَرَزَقَكُمْ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ (أَحَطتُ) وَبَابِهِ أَنَّ الطَّاءَ زَادَتْ بِالْإِطْبَاقِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهَا أَيْضًا آخِرَ بَابِ حُرُوفٍ قَرُبَتْ مَخَارِجُهَا.
وَالْكَافُ: فَلْيُعْنَ بِمَا فِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ وَالْهَمْسِ لِئَلَّا يُذْهَبَ بِهَا إِلَى الْكَافِ الصَّمَّاءِ الثَّابِتَةِ فِي بَعْضِ لُغَاتِ الْعَجَمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْكَافَ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَلْيُحْذَرْ مِنْ إِجْرَاءِ الصَّوْتِ مَعَهَا كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّبَطِ وَالْأَعَاجِمِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا تَكَرَّرَتْ، أَوْ شُدِّدَتْ، أَوْ جَاوَرَهَا حَرْفٌ مَهْمُوسٌ نَحْوَ، (بِشِرْكِكُمْ) وَ (يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ) ، وَ (نَكْتَلْ) ، وَ (كُشِطَتْ) .
وَاللَّامُ: يَحْسُنُ تَرْقِيقُهَا، لَا سِيَّمَا إِذَا جَاوَرَتْ حَرْفَ تَفْخِيمٍ نَحْوَ: (وَلَا الضَّالِّينَ، وَعَلَى اللَّهِ، وَجَعَلَ اللَّهُ، وَاللَّطِيفُ، وَاخْتَلَطَ، وَلْيَتَلَطَّفْ، وَلَسَلَّطَهُمْ) ، وَإِذَا سَكَنَتْ وَأَتَى بَعْدَهَا نُونٌ فَلْيَحْرِصْ عَلَى إِظْهَارِهَا مَعَ رِعَايَةِ السُّكُونِ، وَلْيَحْذَرْ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَجَمِ مِنْ قَصْدِ قَلْقَلَتِهَا حِرْصًا عَلَى الْإِظْهَارِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يَرِدْ بِنَصٍّ وَلَا أَدَاءٍ، وَذَلِكَ نَحْوَ: (جَعَلْنَا، وَأَنْزَلْنَا، وَظَلَّلْنَا، وَفَضَّلْنَا، وَقَالَ نَعَمْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ، قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ) (وَأَمَّا) (قُلْ رَبِّي) فَلَا خِلَافَ فِي إِدْغَامِهِ لِشِدَّةِ الْقُرْبِ وَقُوَّةِ الرَّاءِ ; وَلِذَلِكَ تُدْغَمُ لَامُ التَّعْرِيفِ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا وَهِيَ: التَّاءُ، وَالثَّاءُ، وَالدَّالُ، وَالذَّالُ، وَالرَّاءُ، وَالزَّايُ، وَالسِّينُ، وَالشِّينُ، وَالصَّادُ، وَالضَّادُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ، وَاللَّامُ، وَالنُّونُ، وَيُقَالُ لَهَا الشَّمْسِيَّةُ لِإِدْغَامِهَا.
(1/221)

وَتَظْهَرُ عِنْدَ بَاقِي الْحُرُوفِ وَهِيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَيْضًا وَتُسَمَّى الْقَمَرِيَّةَ لِإِظْهَارِهَا، وَأَمَّا لَامُ هَلْ وَبَلْ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي بَابِهَا.
وَالْمِيمُ: حَرْفٌ أَغَنُّ وَتَظْهَرُ غُنَّتُهُ مِنَ الْخَيْشُومِ إِذَا كَانَ مُدْغَمًا، أَوْ مُخَفَّفًا. فَإِنْ أَتَى مُحَرَّكًا فَلْيُحْذَرْ مِنْ تَفْخِيمِهِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا أَتَى بَعْدَهُ حَرْفٌ مُفَخَّمٌ نَحْوَ: مَخْمَصَةٍ، مَرَضٌ، وَمَرْيَمَ، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ. فَإِنْ أَتَى بَعْدَهُ أَلِفٌ كَانَ التَّحَرُّزُ مِنَ التَّفْخِيمِ آكَدَ، فَكَثِيرًا مَا يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ خُصُوصًا الْأَعَاجِمَ نَحْوَ: مَالِكِ، بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ سَاكِنًا فَلَهُ أَحْكَامٌ ثَلَاثَةٌ.
(الْأَوَّلُ الْإِدْغَامُ) بِالْغُنَّةِ عِنْدَ مِيمٍ مِثْلِهِ كَإِدْغَامِ النُّونِ السَّاكِنَةِ عِنْدَ الْمِيمِ، وَيُطْلَقُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مِيمٍ مُشَدَّدَةٍ نَحْوِ: دَمَّرَ، وَيُعَمَّرُ، وَحَمَّالَةَ، وَمِمَّ، وَأَمْ، وَهَمَّ، أَمْ مَنْ أَسَّسَ.
(الثَّانِي الْإِخْفَاءُ) عِنْدَ الْبَاءِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَدَاءِ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْأَنْدَلُسِ وَسَائِرِ الْبِلَادِ الْغَرْبِيَّةِ، وَذَلِكَ نَحْوَ: يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ، وَرَبَّهُمْ بِهِمْ، يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ. فَتَظَهَرُ الْغُنَّةُ فِيهَا، إِذْ ذَاكَ إِظْهَارَهَا بَعْدَ الْقَلْبِ فِي نَحْوِ: مِنْ بَعْدِ، أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ كَأَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُنَادِي وَغَيْرِهِ إِلَى إِظْهَارِهَا عِنْدَهَا إِظْهَارًا تَامًّا وَهُنَّ اخْتِيَارُ مَكِّيٍّ الْقَيْسِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَدَاءِ بِالْعِرَاقِ وَسَائِرِ الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ، وَحَكَى أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ التَّائِبُ إِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ.
(قُلْتُ) : وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ مَأْخُوذٌ بِهِمَا، إِلَّا أَنَّ الْإِخْفَاءَ أَوْلَى لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِخْفَائِهَا عِنْدَ الْقَلْبِ، وَعَلَى إِخْفَائِهَا فِي مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو حَالَةَ الْإِدْغَامِ فِي نَحْوِ: أَعْلَمُ بِالشَّاكِرِينَ.
(الْحُكْمُ الثَّالِثُ) إِظْهَارُهَا عِنْدَ بَاقِي الْأَحْرُفِ نَحْوَ: (الْحَمْدُ، وَأَنْعَمْتَ، وَهُمْ يُوقِنُونَ، وَلَهُمْ عَذَابٌ، أَنَّهُمْ هُمُ، أَأَنْذَرْتَهُمْ، مَعَكُمْ إِنَّمَا) ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا أَتَى بَعْدَهَا فَاءٌ أَوْ وَاوٌ، فَلْيُعْنَ بِإِظْهَارِهَا لِئَلَّا يَسْبِقَ اللِّسَانُ إِلَى الْإِخْفَاءِ لِقُرْبِ
(1/222)

الْمَخْرَجَيْنِ نَحْوَ: هُمْ فِيهَا، وَيَمُدُّهُمْ فِي، عَلَيْهِمْ وَمَا، أَنْفُسَهُمْ وَمَا. فَيَتَعَمَّلُ اللِّسَانُ عِنْدَهُمَا مَا لَا يَتَعَمَّلُ فِي غَيْرِهِمَا، وَإِذَا أَظْهَرْتَ فِي ذَلِكَ فَلْيَتَحَفَّظْ بِإِسْكَانِهَا وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ تَحْرِيكِهَا.
وَالنُّونُ: حَرْفٌ أَغَنُّ آصَلُ فِي الْغُنَّةِ مِنَ الْمِيمِ لِقُرْبِهِ مِنَ الْخَيْشُومِ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ تَفْخِيمِهِ إِذَا كَانَ مُتَحَرِّكًا، لَا سِيَّمَا إِنْ جَاءَ بَعْدَهُ أَلِفٌ نَحْوَ: أَنَا، أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ، وَإِنَّ اللَّهَ، وَنَصْرُ، وَنَكَصَ، وَنَرَى، وَسَنَذْكُرُ أَحْكَامَهَا سَاكِنَةً فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ إِخْفَائِهَا حَالَةَ الْوَقْفِ عَلَى نَحْوِ: الْعَالَمِينَ، يُؤْمِنُونَ، الظَّالِمُونَ، فَلْيُعْنَ بِبَيَانِهَا. فَكَثِيرًا مَا يَتْرُكُونَ ذَلِكَ فَلَا يُسْمِعُونَهَا حَالَةَ الْوَقْفِ.
وَالْهَاءُ: يُعْتَنَى بِهَا مَخْرَجًا وَصِفَةً لِبُعْدِهَا وَخَفَائِهَا فَكَمْ مِنْ مُقَصِّرٍ فِيهَا يُخْرِجُهَا كَالْمَمْزُوجَةِ بِالْكَافِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ مَكْسُورَةً نَحْوَ: عَلَيْهِمْ، وَقُلُوبِهِمْ، وَسَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ. وَكَذَلِكَ إِذَا جَاوَرَهَا مَا قَارَبَهَا صِفَةً، أَوْ مَخْرَجًا فَلْيَكُنِ التَّحَفُّظُ بِبَيَانِهَا آكَدَ نَحْوَ: وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَمَعَهُمْ، الْكِتَابُ، وَسَبِّحْهُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ أَلِفَيْنِ نَحْوَ: بَنَاهَا، وَطَحَاهَا، وَضُحَاهَا، فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ خَفِيَّةٍ وَلْيَكُنِ التَّحَفُّظُ بِبَيَانِهَا سَاكِنَةً أَوْجَبَ نَحْوَ: اهْدِنَا، عَهْدًا، وَيَسْتَهْزِئُ، وَاهْتَدَى، وَالْعِهْنِ، وَلْيَخْلُصْ لَفْظُهَا مُشَدَّدَةً غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِتَفْخِيمٍ نَحْوَ: أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ فَكِّ إِدْغَامِهَا عِنْدَ نُطْقِهِ بِهَا كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ كُتِبَتْ بِهَائَيْنِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ بِهَاءٍ وَاحِدَةٌ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَهِّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِدْغَامِ: مَالِيَهْ هَلَكَ وَإِظْهَارِهِ مَعَ اجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِظْهَارِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا هَاءُ سَكْتٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
الْوَاوُ: فَإِذَا كَانَتْ مَضْمُومَةً، أَوْ مَكْسُورَةً تَحَفَّظَ فِي بَيَانِهَا مِنْ أَنْ يُخَالِطَهَا لَفْظٌ غَيْرَهَا، أَوْ يَقْصُرَ اللَّفْظُ عَنْ حَقِّهَا نَحْوَ: تَفَاوُتٍ، وَوُجُوهٌ، وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ، وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ، وَلْيَكُنِ التَّحَفُّظُ بِهَا حَالَ تَكْرِيرِهَا أَشَدَّ نَحْوَ: وُورِيَ وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ مَضْغِهَا حَالَ تَشْدِيدِهَا نَحْوَ: عَدُوًّا وَحَزَنًا وَغَدَوْا، وَأُفَوِّضُ، وَوَلَّوْا وَاتَّقُوا، وَآمَنُوا، لَا كَمَا يَلْفِظُ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ، فَإِنْ سَكَنَتْ وَانْضَمَّ مَا قَبْلَهَا وَجَبَ تَمْكِينُهَا بِحَسَبِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَدِّ، وَاعْتَنِ بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ لِتَخْرُجَ الْوَاوُ مِنْ بَيْنِهِمَا صَحِيحَةً
(1/223)

مُمْكِنَةً، فَإِنْ جَاءَ بَعْدَهَا وَاوٌ أُخْرَى وَجَبَ إِظْهَارُهُمَا وَاللَّفْظُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا نَحْوَ: آمَنُوا وَعَمِلُوا، قَالُوا وَهُمْ.
وَالْيَاءُ: فَلْيَعْتَنِ بِإِخْرَاجِهَا مُحَرَّكَةً بِلُطْفٍ وَيُسْرٍ خَفِيفَةً نَحْوَ: تَرَيِنَّ وَ (لَاشِيَةَ) ، وَمَعَايِشَ، وَلْيَحْتَرِزْ مِنْ قَلْبِهَا فِيهِمَا هَمْزَةً وَلِيُحْسِنْ فِي تَمْكِينِهَا إِذَا جَاءَتْ حَرْفَ مَدٍّ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا يَاءٌ مُحَرَّكَةٌ نَحْوَ فِي يَوْمٍ، الَّذِي يُوَسْوِسُ، وَإِذَا أَتَتْ مُشَدَّدَةً فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ لَوْكِهَا وَمَطِّهَا نَحْوَ: إِيَّاكَ، وَعِتِيًّا، وَبِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا، فَكَثِيرًا مَا يَتَوَاهَنُ فِي تَشْدِيدِهَا وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ أُخْتِهَا فَيَلْفِظُ بِهِمَا لَيِّنَتَيْنِ مَمْضُوغَتَيْنِ فَيَجِبُ أَنْ يَنْبُوَ اللِّسَانُ بِهِمَا نَبْوَةً وَاحِدَةً، وَبَعْضُ الْقُرَّاءِ يُبَالِغُ فِي تَشْدِيدِهَا فَيُحَصْرِمُهَا وَلَيْتَهُ لَوْ يُخَضْرِمُهَا.
(فَهَذَا) مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى تَجْوِيدِ الْحُرُوفِ مُرَكَّبَةً، وَالْمُشَافَهَةُ تَكْشِفُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ، وَالرِّيَاضَةُ تُوَصِّلُ إِلَيْهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

وَأَمَّا الْوُقُوفُ وَالِابْتِدَاءُ
فَلَهُمَا حَالَتَانِ: (الْأُولَى) مَعْرِفَةُ مَا يُوقَفُ عَلَيْهِ وَمَا يُبْتَدَأُ بِهِ (وَالثَّانِيَةُ) كَيْفَ يُوقَفُ وَكَيْفَ يُبْتَدَأُ، وَهَذِهِ تَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَاتِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْوَقْفِ عَلَى أَوَاخِرِ الْكَلِمِ وَمَرْسُومِ الْخَطِّ.
وَالْكَلَامُ هُنَا عَلَى مَعْرِفَةِ مَا يُوقَفُ عَلَيْهِ وَيُبْتَدَأُ بِهِ، وَقَدْ أَلَّفَ الْأَئِمَّةُ فِيهَا كُتُبًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَمُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا أَتَيْتُ عَلَى مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَقْصَيْتُهُ فِي كِتَابِ (الِاهْتِدَا إِلَى مَعْرِفَةِ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَا) وَذَكَرْتُ فِي أَوَّلِهِ مُقَدِّمَتَيْنِ جَمَعْتُ بِهِمَا أَنْوَاعًا مِنَ الْفَوَائِدِ. ثُمَّ اسْتَوْعَبْتُ أَوْقَافَ الْقُرْآنِ سُورَةً سُورَةً، وَهَا أَنَا أُشِيرُ إِلَى زُبَدِ مَا فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ فَأَقُولُ.
لَمَّا لَمْ يُمْكِنِ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقْرَأَ السُّورَةَ، أَوِ الْقِصَّةَ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَجْرِ التَّنَفُّسُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ حَالَةَ الْوَصْلِ، بَلْ ذَلِكَ كَالتَّنَفُّسِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلِمَةِ وَجَبَ حِينَئِذٍ اخْتِيَارُ وَقْفٍ لِلتَّنَفُّسِ وَالِاسْتِرَاحَةِ وَتَعَيَّنَ ارْتِضَاءُ ابْتِدَاءٍ بَعْدَ التَّنَفُّسِ وَالِاسْتِرَاحَةِ،
(1/224)

وَتَحَتَّمَ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى وَلَا يُخِلُّ بِالْفَهْمِ، إِذْ بِذَلِكَ يَظْهَرُ الْإِعْجَازُ وَيَحْصُلُ الْقَصْدُ ; وَلِذَلِكَ حَضَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ مَا قَدَّمْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْلُهُ: التَّرْتِيلُ مَعْرِفَةُ الْوُقُوفِ وَتَجْوِيدُ الْحُرُوفِ، وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: قَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا، وَإِنَّ أَحَدَنَا لِيُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا وَأَمْرَهَا وَزَاجِرَهَا وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهَا. فَفِي كَلَامِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَعَلُّمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَفِي كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ بُرْهَانٌ عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَصَحَّ، بَلْ تَوَاتَرَ عِنْدَنَا تَعَلُّمُهُ وَالِاعْتِنَاءُ بِهِ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَأَبِي جَعْفَرٍ يَزِيدَ بْنِ الْقَعْقَاعِ إِمَامِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْيَانِ التَّابِعِينَ وَصَاحِبِهِ الْإِمَامِ نَافِعِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَيَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ وَعَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَكَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وَنُصُوصُهُمْ عَلَيْهِ مَشْهُورَةٌ فِي الْكُتُبِ، وَمِنْ ثَمَّ اشْتَرَطَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْخَلَفِ عَلَى الْمُجِيزِ أَنْ لَا يُجِيزَ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ الْوَقْفَ وَالِابْتِدَاءَ، وَكَانَ أَئِمَّتُنَا يُوقِفُونَنَا عِنْدَ كُلِّ حَرْفٍ وَيُشِيرُونَ إِلَيْنَا فِيهِ بِالْأَصَابِعِ سُنَّةً أَخَذُوهَا كَذَلِكَ عَنْ شُيُوخِهِمُ الْأَوَّلِينَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَصَحَّ عِنْدَنَا عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ عِلْمًا وَفِقْهًا وَمُقْتَدًى أَنَّهُ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ فَلَا تَسْكُتْ حَتَّى تَقْرَأَ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
وَقَدِ اصْطَلَحَ الْأَئِمَّةُ لِأَنْوَاعِ أَقْسَامِ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ أَسْمَاءَ، وَأَكْثَرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ طَيْفُورٍ السَّنْجَاوَنْدِيُّ، وَخَرَجَ فِي مَوَاضِعَ عَنْ حَدِّ مَا اصْطَلَحَهُ وَاخْتَارَهُ كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِي: الِاهْتِدَاءُ، وَأَكْثَرُ مَا ذَكَرَ النَّاسُ فِي أَقْسَامِهِ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ وَلَا مُنْحَصِرٍ.
وَأَقْرَبُ مَا قُلْتُهُ فِي ضَبْطِهِ أَنَّ الْوَقْفَ يَنْقَسِمُ إِلَى اخْتِيَارِيٍّ وَاضْطِرَارِيِّ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ إِمَّا أَنْ يَتِمَّ أَوَّلًا، فَإِنْ تَمَّ كَانَ اخْتِيَارِيًّا، وَكَوْنُهُ تَامًّا لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ لَا
(1/225)

يَكُونَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا بَعْدَهُ الْبَتَّةَ -، أَيْ: لَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى - فَهُوَ الْوَقْفُ الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ (بِالتَّامِّ) لِتَمَامِهِ الْمُطْلَقِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ وَيُبْتَدَأُ بِمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ فَلَا يَخْلُو هَذَا التَّعَلُّقُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَقَطْ، وَهُوَ الْوَقْفُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ (بِالْكَافِي) لِلِاكْتِفَاءِ بِهِ عَمَّا بَعْدَهُ، وَاسْتِغْنَاءِ مَا بَعْدَهُ عَنْهُ، وَهُوَ كَالتَّامِّ فِي جَوَازِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ وَالِابْتِدَاءِ بِمَا بَعْدَهُ. وَإِنْ كَانَ التَّعَلُّقُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَهُوَ الْوَقْفُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ (بِالْحَسَنِ) ; لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ حَسَنٌ مُفِيدٌ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ دُونَ الِابْتِدَاءِ بِمَا بَعْدَهُ لِلتَّعَلُّقِ اللَّفْظِيِّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَأْسَ آيَةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي اخْتِيَارِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَدَاءِ لِمَجِيئِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَرَأَ قَطَّعَ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ سَاكِتًا عَلَيْهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَكَذَلِكَ عَدَّ بَعْضُهُمُ الْوَقْفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ فِي ذَلِكَ سُنَّةً، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَقَالُوا: الْأَفْضَلُ الْوُقُوفُ عَلَى رُءُوسِ الْآيَاتِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمَا بَعْدَهَا. قَالُوا: وَاتِّبَاعُ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُنَّتِهِ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْكَلَامُ كَانَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ اضْطِرَارِيًّا، وَهُوَ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ (بِالْقَبِيحِ) لَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ الْوَقْفِ عَلَيْهِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ مِنَ انْقِطَاعِ نَفَسٍ وَنَحْوِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، أَوْ لِفَسَادِ الْمَعْنَى.
(فَالْوَقْفُ التَّامُّ) أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي رُءُوسِ الْآيِ وَانْقِضَاءِ الْقَصَصِ نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالِابْتِدَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَنَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَالِابْتِدَاءِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَنَحْوَ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالِابْتِدَاءِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَنَحْوَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَالِابْتِدَاءِ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَنَحْوَ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
(1/226)

وَالِابْتِدَاءِ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ وَنَحْوَ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وَالِابْتِدَاءِ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ، وَقَدْ تَكُونُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْفَاصِلَةِ نَحْوَ وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً هَذَا انْقِضَاءُ حِكَايَةِ كَلَامِ بِلْقِيسَ، ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ رَأْسُ آيَةٍ. وَقَدْ يَكُونُ وَسَطَ الْآيَةِ نَحْوَ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي هُوَ تَمَامُ حِكَايَةِ قَوْلِ الظَّالِمِ وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْآيَةِ بِكَلِمَةٍ نَحْوَ: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا) آخِرَ الْآيَةِ. أَوْ كَذَلِكَ كَانَ خَبَرُهُمْ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَقْدِيرِهِ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ التَّمَامُ، وَنَحْوَ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَهُوَ آخِرُ الْآيَةِ التَّمَامِ وَبِاللَّيْلِ، أَيْ: مُصْبِحِينَ وَمُلَيَّلِينَ وَنَحْوَهُ وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ آخَرَ الْآيَةِ، وَالتَّمَامُ وَزُخْرُفًا، وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ تَامًّا عَلَى التَّفْسِيرِ، أَوْ إِعْرَابٍ وَيَكُونُ غَيْرَ تَامٍّ عَلَى آخَرَ نَحْوَ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَقْفٌ تَامٌّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِهِ وَقَالَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَالْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَسِوَاهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، قَالَ عُرْوَةُ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لَا يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ تَامٍّ عِنْدَ آخَرِينَ وَالتَّمَامُ عِنْدَهُمْ عَلَى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَهُوَ عِنْدُهُمْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ، وَنَحْوَ الم وَنَحْوَهُ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ فَوَاتِحِ السُّوَرِ الْوَقْفُ عَلَيْهَا تَامٌّ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ، أَوِ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا، أَيْ: هَذَا ألم، أَوْ ألم هَذَا، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ: قُلْ ألم عَلَى اسْتِئْنَافِ مَا بَعْدَهَا، وَغَيْرُ تَامٍّ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا هُوَ الْخَبَرَ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ تَامًّا عَلَى قِرَاءَةٍ وَغَيْرَ تَامٍّ عَلَى أُخْرَى نَحْوَ: مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا تَامٌّ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ خَاءَ وَاتَّخِذُوا وَكَافِيًا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ فَتَحَهَا، وَنَحْوَ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ تَامٌّ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ الِاسْمَ الْجَلِيلَ بَعْدَهَا، وَحَسَنٌ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ خَفَضَ.
وَقَدْ يَتَفَاضَلُ التَّامُّ فِي التَّمَامِ نَحْوَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَإِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
(1/227)

كِلَاهُمَا تَامٌّ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَتَمُّ مِنَ الثَّانِي لِاشْتِرَاكِ الثَّانِي فِيمَا بَعْدَهُ فِي مَعْنَى الْخِطَابِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
(وَالْوَقْفُ الْكَافِي) يُكْثِرُ مِنَ الْفَوَاصِلِ وَغَيْرِهَا نَحْوَ (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَعَلَى: مِنْ قَبْلِكَ، وَعَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ، وَكَذَا: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا، وَكَذَا: إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، وَكَذَا: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) هَذَا كُلُّهُ كَلَامٌ مَفْهُومٌ، وَالَّذِي بَعْدَهُ كَلَامٌ مُسْتَغْنٍ عَمَّا قَبْلَهُ لَفْظًا، وَإِنِ اتَّصَلَ مَعْنًى.
وَقَدْ يَتَفَاضَلُ فِي الْكِفَايَةِ كَتَفَاضُلِ التَّامِّ نَحْوَهُ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ كَافٍ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا أَكْفَى مِنْهُ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ أَكْفَى مِنْهُمَا وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ التَّفَاضُلُ فِي رُءُوسِ الْآيِ نَحْوَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ كَافٍ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ أَكْفَى. نَحْوَ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ كَافٍ وَكُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أَكْفَى، وَنَحْوَ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا كَافٍ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أَكْفَى. وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ كَافِيًا عَلَى تَفْسِيرٍ، أَوْ إِعْرَابٍ وَيَكُونُ غَيْرَ كَافٍ عَلَى آخَرَ نَحْوَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ كَافٍ: إِذَا جَعَلْتَ - مَا - بَعْدَهُ نَافِيَةً. فَإِنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً كَانَ حَسَنًا فَلَا يُبْتَدَأُ بِهَا، وَنَحْوَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ كَافٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَحَسَنٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ خَبَرًا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أَوْ خَبَرٌ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وَقَدْ يَكُونُ كَافِيًا عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ كَافٍ عَلَى قِرَاءَةٍ أُخْرَى نَحْوَ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ كَافٍ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ أَمْ تَقُولُونَ بِالْخِطَابِ وَتَامٌّ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالْغَيْبِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَدَّمْنَا فِي التَّامِّ، وَنَحْوَ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ كَافٍ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ فَيَغْفِرُ وَيُعَذِّبُ وَحَسَنٌ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ جَزَمَ، وَنَحْوَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ كَافٍ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ (وَأَنَّ) وَحَسَنٌ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَتْحِ.
وَالْوَقْفُ الْحَسَنُ نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى الْحَمْدُ لِلَّهِ وَعَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَعَلَى (الرَّحْمَنِ، وَعَلَى: الرَّحِيمِ، وَالصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) الْوَقْفُ عَلَى
(1/228)

ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ حَسَنٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ يُفْهَمُ، وَلَكِنَّ الِابْتِدَاءَ بِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَصِرَاطَ الَّذِينَ، وَغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) لَا يَحْسُنُ لِتَعَلُّقِهِ لَفْظًا، فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِمَا قَبْلَهُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ رَأْسَ آيَةٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ حَسَنًا عَلَى تَقْدِيرٍ، وَكَافِيًا عَلَى آخَرَ، وَتَامًّا عَلَى غَيْرِهِمَا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا إِذَا جَعَلَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ نَعْتًا لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنْ يَكُونَ كَافِيًا إِذَا جَعَلَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ رَفَعًا بِمَعْنَى: هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، أَوْ نَصْبًا بِتَقْدِيرِ أَعْنِي الَّذِينَ. وَأَنْ يَكُونَ تَامًّا إِذَا جَعَلَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ مُبْتَدَأً، وَخَبَرُهُ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ.
(وَالْوَقْفُ الْقَبِيحُ) نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى: بِسْمِ، وَعَلَى: الْحَمْدُ، وَعَلَى: رَبِّ، وَمَلَكَ يَوْمَ، وَإِيَّاكَ، وَصِرَاطَ الَّذِينَ، وَغَيْرِ الْمَغْضُوبِ. فَكُلُّ هَذَا لَا يَتِمُّ عَلَيْهِ كَلَامٌ وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى.
وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ أَقْبَحَ مِنْ بَعْضٍ كَالْوَقْفِ عَلَى مَا يُحِيلُ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ فَإِنَّ الْمَعْنَى بِهَذَا الْوَقْفِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْبِنْتَ مُشْتَرِكَةٌ فِي النِّصْفِ مَعَ أَبَوَيْهِ. وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ النِّصْفَ لِلْبِنْتِ دُونَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْأَبَوَيْنِ بِمَا يَجِبُ لَهُمَا مَعَ الْوَلَدِ. وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى إِذِ الْوَقْفُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَوْتَى يَسْتَجِيبُونَ مَعَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْتَى لَا يَسْتَجِيبُونَ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ مُسْتَأْنِفًا بِهِمْ، وَأَقْبَحُ مِنْ هَذَا مَا يُحِيلُ الْمَعْنَى وَيُؤَدِّي إِلَى مَا لَا يَلِيقُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي، وَلَا يَبْعَثُ اللَّهُ، وَلِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ، وَفَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) فَالْوَقْفُ
(1/229)

عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ لَا يَجُوزُ إِلَّا اضْطِرَارًا لِانْقِطَاعِ النَّفَسِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ عَارِضٍ لَا يُمْكِنُهُ الْوَصْلُ مَعَهُ، فَهَذَا حُكْمُ الْوَقْفِ اخْتِيَارِيًّا وَاضْطِرَارِيًّا.
(وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ) فَلَا يَكُونُ إِلَّا اخْتِيَارِيًّا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْوَقْفِ تَدْعُو إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِمُسْتَقِلٍّ بِالْمَعْنَى مُوفٍ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ فِي أَقْسَامِهِ كَأَقْسَامِ الْوَقْفِ الْأَرْبَعَةِ، وَيَتَفَاوَتُ تَمَامًا وَكِفَايَةً وَحُسْنًا وَقُبْحًا بِحَسَبِ التَّمَامِ وَعَدَمِهِ وَفَسَادِ الْمَعْنَى إِحَالَتِهِ نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى وَمِنَ النَّاسِ فَإِنَّ الِابْتِدَاءَ بِالنَّاسِ قَبِيحٌ، وَيُؤْمِنُ تَامٌّ. فَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقُولُ: كَانَ الِابْتِدَاءُ بِ " يَقُولُ " أَحْسَنُ مِنَ ابْتِدَائِهِ بِمَنْ، وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى خَتَمَ اللَّهُ قَبِيحٌ وَالِابْتِدَاءُ بِاللَّهِ أَقْبَحُ، وَبِخَتَمَ كَافٍ وَالْوَقْفُ عَلَى عُزَيْرٌ ابْنُ، وَالْمَسِيحُ ابْنُ قَبِيحٌ، وَالِابْتِدَاءُ بِ ابْنِ أَقْبَحُ، وَالِابْتِدَاءُ بِ عَزِيزٌ وَالْمَسِيحُ أَقْبَحُ مِنْهُمَا. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَا وَعَدَنَا اللَّهُ ضَرُورَةً كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالْجَلَالَةِ قَبِيحًا، وَبِوَعَدَنَا أَقْبَحَ مِنْهُ، وَبِمَا أَقْبَحُ مِنْهُمَا، وَالْوَقْفُ عَلَى بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ لِلضَّرُورَةِ وَالِابْتِدَاءِ بِمَا بَعْدَهُ قَبِيحٌ. وَكَذَا بِمَا قَبْلَهُ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ حَسَنًا وَالِابْتِدَاءُ بِهِ قَبِيحًا نَحْوَ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ الْوَقْفُ عَلَيْهِ حَسَنٌ لِتَمَامِ الْكَلَامِ، وَالِابْتِدَاءُ بِهِ قَبِيحٌ لِفَسَادِ الْمَعْنَى، إِذْ يَصِيرُ تَحْذِيرًا مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ يَكُونُ الْوَقْفُ قَبِيحًا وَالِابْتِدَاءُ بِهِ جَيِّدًا نَحْوَ (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا) فَإِنَّ الْوَقْفَ عَلَى هَذَا قَبِيحٌ عِنْدَنَا لِفَصْلِهِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرِهِ، وَلِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى مَرْقَدِنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، وَالِابْتِدَاءُ بِ (هَذَا) كَافٍ أَوْ تَامٌّ ; لِأَنَّهُ وَمَا بَعْدَهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ رَدَّ بِهَا قَوْلَهُمْ.
تَنْبِيهَاتٌ
(أَوَّلُهَا) قَوْلُ الْأَئِمَّةِ: لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الْمُضَافِ دُونَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَلَا عَلَى الْفِعْلِ دُونَ الْفَاعِلِ، وَلَا عَلَى الْفَاعِلِ دُونَ الْمَفْعُولِ، وَلَا عَلَى الْمُبْتَدَأِ دُونَ الْخَبَرِ،
(1/230)

وَلَا عَلَى نَحْوِ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا، وَإِنَّ وَأَخَوَاتِهَا دُونَ أَسْمَائِهَا، وَلَا عَلَى النَّعْتِ دُونَ الْمَنْعُوتِ، وَلَا عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ دُونَ الْمَعْطُوفِ، وَلَا عَلَى الْقَسَمِ دُونَ جَوَابِهِ، وَلَا عَلَى حَرْفٍ دُونَ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرُوهُ وَبَسَطُوهُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْجَوَازَ الْأَدَائِيَّ، وَهُوَ الَّذِي يَحْسُنُ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيَرُوقُ فِي التِّلَاوَةِ، وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَلَا مَكْرُوهٌ، وَلَا مَا يُؤَثِّمُ، بَلْ أَرَادُوا بِذَلِكَ الْوَقْفَ الِاخْتِيَارِيَّ الَّذِي يُبْتَدَأُ بِمَا بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ الْبَتَّةَ، فَإِنَّهُ حَيْثُ اضْطَرَّ الْقَارِئُ إِلَى الْوَقْفِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ قَطْعِ نَفَسٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِنْ تَعْلِيمٍ، أَوِ اخْتِبَارٍ جَازَ لَهُ الْوَقْفُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَعْتَمِدُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى مَا قَبْلُ فَيَبْتَدِئُ بِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا مَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ تَحْرِيفَ الْمَعْنَى عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَخِلَافَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَجِبُ رَدْعُهُ بِحَسَبِهِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(ثَانِيهَا) لَيْسَ كُلُّ مَا يَتَعَسَّفُهُ بَعْضُ الْمُعْرِبِينَ أَوْ يَتَكَلَّفُهُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ، أَوْ يَتَأَوَّلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِمَّا يَقْتَضِي وَقْفًا وَابْتِدَاءً يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَمَّدَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ، بَلْ يَنْبَغِي تَحَرِّي الْمَعْنَى الْأَتَمِّ وَالْوَقْفِ الْأَوْجَهِ، وَذَلِكَ نَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى وَارْحَمْنَا أَنْتَ، وَالِابْتِدَاءِ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى مَعْنَى النِّدَاءِ وَنَحْوَ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ ثُمَّ الِابْتِدَاءُ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا وَنَحْوَ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ ثُمَّ الِابْتِدَاءُ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ عَلَى مَعْنَى الْقَسَمِ، وَنَحْوَ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ وَنَحْوَ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا وَيُبْتَدَأُ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَعَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَعْنَى وَاجِبٌ أَوْ لَازِمٌ، وَنَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى وَهُوَ اللَّهُ وَالِابْتِدَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ وَأَشَدُّ قُبْحًا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالِابْتِدَاءُ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَنَحْوَ الْوَقْفِ عَلَى مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مَعَ وَصْلِهِ بِقَوْلِهِ: وَيَخْتَارُ عَلَى أَنَّ: " مَا " مَوْصُولَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا
(1/231)

أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى تُسَمَّى أَيْ: عَيْنًا مُسَمَّاةً مَعْرُوفَةً، وَالِابْتِدَاءُ (سَلْ سَبِيلًا) هَذِهِ جُمْلَةٌ أَمْرِيَةٌ، أَيِ: اسْأَلْ طَرِيقًا مُوَصِّلَةً إِلَيْهَا، وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّحْرِيفِ يُبْطِلُهُ إِجْمَاعُ الْمَصَاحِفِ عَلَى أَنَّهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَى لَا رَيْبَ وَالِابْتِدَاءُ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ تَعَسُّفُ بَعْضِهِمْ، إِذْ وَقَفَ عَلَى وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ وَيَبْتَدِئَ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَيُبْقِي " يَشَاءُ " بِغَيْرِ فَاعِلٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ تَمَحُّلٌ وَتَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ يُعْرَفُ أَكْثَرُهُ بِالسِّبَاقِ وَالسِّيَاقِ.
(ثَالِثُهَا) مِنَ الْأَوْقَافِ مَا يَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ لِبَيَانِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ مَا لَوْ وَصَلَ طَرَفَاهُ لَأَوْهَمَ مَعْنًى غَيْرَ الْمُرَادِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ السَّجَاوَنْدِيُّ لَازِمٌ وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِالْوَاجِبِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْوَاجِبَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَيَجِيءُ هَذَا فِي قِسْمِ التَّامِّ وَالْكَافِي، وَرُبَّمَا يَجِيءُ فِي الْحَسَنِ.
فَمِنَ التَّامِّ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ وَالِابْتِدَاءُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَقَوْلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَلَى الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مَعَ وَصْلِهِ بِمَا قَبْلَهُ عِنْدَ الْآخَرِينَ لِمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلِهِ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ وَالِابْتِدَاءُ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ لِئَلَّا يُوهِمَ الْعَطْفَ، وَنَحْوَ قَوْلِهِ أَصْحَابُ النَّارِ وَالِابْتِدَاءُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ لِئَلَّا يُوهِمَ النَّعْتَ، وَقَوْلُهُ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَالِابْتِدَاءُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لِئَلَّا يُوهِمَ وَصْلَ " مَا " وَعَطْفَهَا.
وَمِنَ الْكَافِي الْوَقْفُ عَلَى نَحْوِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ وَالِابْتِدَاءُ يُخَادِعُونَ اللَّهَ لِئَلَّا يُوهِمَ الْوَصْفِيَّةَ حَالًا، وَنَحْوِ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالِابْتِدَاءُ (وَالَّذِين اتَّقُوا) لِئَلَّا يُوهِمَ الظَّرْفِيَّةَ بِيَسْخَرُونَ، وَنَحْوِ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ لِئَلَّا يُوهِمَ التَّبْعِيضَ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ، وَالصَّوَابُ جَعْلُهَا جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً فَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ
(1/232)

وَنَحْوِ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَالِابْتِدَاءُ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ مِنْ مَقُولِهِمْ، وَنَحْوِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَالِابْتِدَاءُ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ لِئَلَّا يُوهِمَ الْحَالِّيَّةَ، أَوِ الْوَصْفِيَّةَ، وَنَحْوِ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَالِابْتِدَاءُ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ، أَيْ: وَلَا هُمْ يَسْتَقْدِمُونَ لِئَلَّا يُوهِمَ الْعَطْفَ عَلَى جَوَابَ الشَّرْطَ، وَنَحْوِ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا وَالِابْتِدَاءُ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ لِئَلَّا يُوهِمَ الْحَالَ، وَنَحْوِ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَالِابْتِدَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لِئَلَّا يُوهِمَ الْوَصْفِيَّةَ، وَنَحْوِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ وَالِابْتِدَاءُ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ مُسْتَأْنَفًا لِئَلَّا يُوهِمَ النَّعْتَ، وَنَحْوِ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَالِابْتِدَاءُ سُبْحَانَهُ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَقَدْ مَنَعَ السَّجَاوَنْدِيُّ الْوَقْفَ دُونَهُ وَعَلَّلَهُ بِتَعْجِيلِ التَّنْزِيهِ وَأَلْزَمَ بِالْوَقْفِ عَلَى ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ لِإِيهَامِ كَوْنِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَمْ يُوصِلْ لِتَعْجِيلِ التَّنْزِيهِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَخْتَارُ الْوَقْفَ عَلَى أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا وَالِابْتِدَاءُ لَا يَسْتَوُونَ أَيْ: لَا يَسْتَوِي الْمُؤْمِنُ وَالْفَاسِقُ.
وَمِنَ الْحَسَنِ: الْوَقْفُ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى وَالِابْتِدَاءُ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ الْعَامِلَ فِيهِ أَلَمْ تَرَ وَنَحْوِ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ وَالِابْتِدَاءُ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا وَنَحْوِ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ وَالِابْتِدَاءُ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ كُلُّ ذَلِكَ أَلْزَمَ السَّجَاوَنْدِيُّ بِالْوَقْفِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ الْعَامِلَ فِي " إِذْ " الْفِعْلُ الْمُتَقَدِّمُ. وَكَذَا ذَكَرُوا الْوَقْفَ عَلَى وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَيُبْتَدَأُ وَتُسَبِّحُوهُ لِئَلَّا يُوهِمَ اشْتِرَاكَ عَوْدِ الضَّمَائِرِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي الْأَوَّلَيْنِ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمُ الْوَقْفَ عَلَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَالِابْتِدَاءُ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ قِيلَ: لِأَنَّ ضَمِيرَ عَلَيْهِ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ " وَأَيَّدَهُ " لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَنُقِلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمِنْ ذَلِكَ اخْتَارَ بَعْضَ الْوَقْفِ عَلَى وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ
(1/233)

وَالِابْتِدَاءُ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ إِشْعَارًا بِأَنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنَ الصَّادِقِينَ فِي دَعْوَاهُ.
(رَابِعُهَا) قَوْلُ أَئِمَّةِ الْوَقْفِ: لَا يُوقَفُ عَلَى كَذَا مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُبْتَدَأُ بِمَا بَعْدَهُ، إِذْ كُلَّمَا أَجَازُوا الْوَقْفَ عَلَيْهِ أَجَازُوا الِابْتِدَاءَ بِمَا بَعْدَهُ. وَقَدْ أَكْثَرَ السَّجَاوَنْدِيُّ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَبَالَغَ فِي كِتَابِهِ (لَا) وَالْمَعْنَى عِنْدَهُ لَا تَقِفْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُ يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ وَأَكْثَرُهُ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَوَهَّمَ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ مِنْ مُقَلِّدِي السَّجَاوَنْدِيِّ أَنَّ مَنْعَهُ مِنَ الْوَقْفِ عَلَى ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهِ قَبِيحٌ، أَيْ: لَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَلَا الِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنَ الْحَسَنِ يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْسُنُ الِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ فَصَارُوا إِذَا اضْطَرَّهُمُ النَّفَسُ يَتْرُكُونَ الْوَقْفَ الْحَسَنَ الْجَائِزَ وَيَتَعَمَّدُونَ الْوَقْفَ عَلَى الْقَبِيحِ الْمَمْنُوعِ، فَتَرَاهُمْ يَقُولُونَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ثُمَّ يَقُولُونَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُونَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ ثُمَّ يَبْتَدِئُونَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فَيَتْرُكُونَ الْوَقْفَ عَلَى (عَلَيْهِمْ، وَعَلَى الْمُتَّقِينَ) الْجَائِزَيْنِ قَطْعًا وَيَقِفُونَ عَلَى (غَيْرِ، وَالَّذِينَ) اللَّذَيْنِ تَعَمُّدُ الْوَقْفِ عَلَيْهِمَا قَبِيحٌ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُضَافٌ وَالثَّانِي مَوْصُولٌ وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْ تَعَمُّدِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ السَّجَاوَنْدِيِّ (لَا) فَلَيْتَ شِعْرِي، إِذْ مَنَعَ مِنَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ هَلْ أَجَازَ الْوَقْفَ عَلَى: غَيْرِ أَوِ: الَّذِينَ؟ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ السَّجَاوَنْدِيِّ بِقَوْلِهِ: (لَا) ، أَيْ: لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يُبْتَدَأَ بِمَا بَعْدَهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَافِ.
وَمِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي مَنَعَ السَّجَاوَنْدِيُّ الْوَقْفَ عَلَيْهَا، وَهُوَ مِنَ الْكَافِي الَّذِي يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ مَعَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ. قَالَ: لِأَنَّ الَّذِينَ صِفَتُهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَازُ كَوْنُهُ تَامًّا وَكَافِيًا وَحَسَنًا، وَاخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا كَوْنَهُ كَافِيًا، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَالِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ صِفَةً لِلْمُتَّقِينَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنَ الْحَسَنِ وَسَوَّغَ ذَلِكَ كَوْنُهُ رَأْسَ آيَةٍ، وَكَذَلِكَ مَنَعَ الْوَقْفَ عَلَى يُنْفِقُونَ لِلْعَطْفِ وَجَوَازُهُ كَمَا تَقَدَّمَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ
(1/234)

ذَكَرْنَا فِي (الِاهْتِدَاءِ) رِوَايَةَ أَبِي الْفَضْلِ الْخُزَاعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ صَلَّى الْغَدَاةَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبِ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ وَفِي الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ثُمَّ سَلَّمَ، وَأَيُّ مُقْتَدًى بِهِ أَعْظَمُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ تَرْجُمَانِ الْقُرْآنِ، وَمِنْ ذَلِكَ: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَنَعَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْجَزَاءِ، فَكَانَ تَأْكِيدًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَلَوْ عَكَسَ فَجَعَلَهُ مِنَ الْوَقْفِ اللَّازِمِ لَكَانَ ظَاهِرًا، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ دُعَاءً عَلَيْهِمْ بِزِيَادَةِ الْمَرَضِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُعْرِبِينَ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ الْجُمْلَةَ خَبَرٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ عَلَى هَذَا كَافِيًا لِلتَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ فَقَطْ، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَمْتَنِعُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ; وَلِذَلِكَ قَطَعَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ بِكَوْنِهِ كَافِيًا وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ مَنَعَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ لِلْعَطْفِ بَأَوْ، وَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ، قَالَ: وَمَعْنَى التَّخْيِيرِ لَا يَبْقَى مَعَ الْفَصْلِ، وَقَدْ جَعَلَهُ الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُ كَافِيًا أَوْ تَامًّا.
(قُلْتُ) : وَكَوْنُهُ كَافِيًا أَظْهَرُوا " أَوْ " هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ كَمَا قَالَ السَّجَاوَنْدِيُّ ; لِأَنَّ " أَوْ " إِنَّمَا تَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ فِي الْأَمْرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ لَا فِي الْخَبَرِ، بَلْ هِيَ لِلتَّفْصِيلِ، أَيْ: مِنَ النَّاظِرَيْنِ مَنْ يُشْبِهُهُمْ بِحَالِ ذَوِي صَيِّبٍ وَالْكَافُ مِنْ كَصَيِّبٍ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأَنَّهَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ صَيِّبٍ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ: كَأَصْحَابِ صَيِّبٍ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى مَا مَوْضِعُهُ رَفْعٌ وَهُوَ كَمَثَلِ الَّذِي، وَكَذَا قَوْلُهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَالِابْتِدَاءُ بِقَوْلِهِ: أَوْ كَظُلُمَاتٍ وَقَطَعَ الدَّانِيُّ بِأَنَّهُ تَامٌّ وَمِنْ ذَلِكَ: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ مَنَعَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ " الَّذِي " صِفَةُ الرَّبِّ تَعَالَى وَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ كَمَا ذَكَرَ بَلْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ الَّذِي وَحَسُنَ الْقَطْعُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ صِفَةُ مَدْحٍ، وَجَوَّزَ مَكِّيٌّ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارٍ أَعْنِي وَأَجَازَ أَيْضًا نَصْبَهُ مَفْعُولًا بِ " تَتَّقُونَ " وَكِلَاهُمَا بَعِيدٌ، وَمِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْفَاسِقِينَ مَنَعَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ " الَّذِينَ " صِفَتُهُمْ، وَهُوَ كَ
(1/235)

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ سَوَاءٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي وُقُوفُ السَّجَاوَنْدِيِّ فَلَا يَغْتَرُّ بِكُلِّ مَا فِيهِ، بَلْ يَتْبَعُ فِيهِ الْأَصْوَبَ وَيَخْتَارُ مِنْهُ الْأَقْرَبَ.
(خِامِسُهَا) يُغْتَفَرُ فِي طُولِ الْفَوَاصِلِ وَالْقَصَصِ وَالْجُمَلِ الْمُعْتَرِضَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي حَالَةِ جَمْعِ الْقِرَاءَاتِ وَقِرَاءَةِ التَّحْقِيقِ وَالتَّرْتِيلِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَرُبَّمَا أُجِيزَ الْوَقْفُ وَالِابْتِدَاءُ لِبَعْضِ مَا ذَكَرَ، وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُبَحْ، وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ السَّجَاوَنْدِيُّ الْمُرَخَّصَ ضَرُورَةً وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَالْأَحْسَنُ تَمْثِيلُهُ بِنَحْوِ وَالنَّبِيِّينَ وَبِنَحْوِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَبِنَحْوِ عَاهَدُوا وَنَحْوِ كُلٍّ مِنْ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ إِلَى آخِرِهِ، وَهُوَ إِلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، إِلَّا أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى آخِرِ الْفَاصِلَةِ قَبْلَهُ أَكْفَى، وَنَحْوِ كُلِّ فَوَاصِلَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ وَهُوَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَنَحْوِ فَوَاصِلِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ إِلَى جَوَابِ الْقَسَمِ عِنْدَ الْأَخْفَشِ وَالْكُوفِيِّينَ وَالزَّجَّاجِ وَهُوَ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ، وَقِيلَ: الْجَوَابُ كَمْ أَهْلَكْنَا، أَيْ: لَكُمْ وَحُذِفَتِ اللَّامُ. وَقِيلَ: الْجَوَابُ ص عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ صَدَقَ اللَّهُ، أَوْ مُحَمَّدٌ. وَقِيلَ: الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَقَدْ جَاءَكُمْ، أَوْ أَنَّهُ لَمُعْجِزٌ، أَوْ مَا الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ أَوْ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَى فَوَاصِلِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا إِلَى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ; وَلِذَلِكَ أُجِيزَ الْوَقْفُ عَلَى لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ دُونَ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَعَلَى اللَّهُ الصَّمَدُ دُونَ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَعْمُولَ " قُلْ "، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْمُحَقِّقُونَ يُقَدِّرُونَ إِعَادَةَ الْعَامِلِ، أَوْ عَامِلًا آخَرَ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فِيمَا طَالَ.
(سَادِسُهَا) كَمَا اغْتُفِرَ الْوَقْفُ لِمَا ذُكِرَ قَدْ لَا يُغْتَفَرُ، وَلَا يَحْسُنُ فِيمَا قَصُرَ مِنَ الْجُمَلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ التَّعَلُّقُ لَفْظِيًّا نَحْوَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ لِقُرْبِ الْوَقْفِ عَلَى: بِالرُّسُلِ، وَعَلَى: الْقُدُسِ، وَنَحْوَ مَالِكَ الْمُلْكِ لَمْ يَغْتَفِرُوا
(1/236)

الْقَطْعَ عَلَيْهِ لِقُرْبِهِ مِنْ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَذْكُرْ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ لِقُرْبِهِ مِنْ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَكَذَا لَمْ يَغْتَفِرْ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الْوَقْفَ عَلَى وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ لِقُرْبِهِ مِنْ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَرْضَ الْوَقْفَ عَلَى وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ لِقُرْبِهِ مِنْ بِيَدِكَ الْخَيْرُ، وَكَذَا لَمْ يَرْضَوُا الْوَقْفَ عَلَى تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَعَلَى وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِقُرْبِهِ مِنْ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَمِنْ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَقَدْ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الْجَمْعِ وَطُولِ الْمَدِّ وَزِيَادَةِ التَّحْقِيقِ وَقَصْدِ التَّعْلِيمِ فَيَلْحَقُ بِمَا قَبْلُ لِمَا ذَكَرْنَا، بَلْ قَدْ يَحْسُنُ كَمَا أَنَّهُ إِذَا عَرَضَ مَا يَقْتَضِي الْوَقْفَ مِنْ بَيَانِ مَعْنًى أَوْ تَنْبِيهٍ عَلَى خَفِيٍّ وَقَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَصُرَ، بَلْ وَلَوْ كَانَ كَلِمَةً وَاحِدَةً ابْتُدِئَ بِهَا كَمَا نَصُّوا عَلَى الْوَقْفِ عَلَى (بَلَى، وَكُلًّا) وَنَحْوِهِمَا مَعَ الِابْتِدَاءِ بِهِمَا لِقِيَامِ الْكَلِمَةِ مَقَامَ الْجُمْلَةِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
(سَابِعُهَا) رُبَّمَا يُرَاعَى فِي الْوَقْفِ الِازْدِوَاجُ فَيُوَصَلُ مَا يُوقَفُ عَلَى نَظِيرِهِ مِمَّا يُوجَدُ التَّمَامُ عَلَيْهِ وَانْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ بِمَا بَعْدَهُ لَفْظًا، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ ازْدِوَاجِهِ نَحْوَ (لَهَا مَا كَسَبَتْ مَعَ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ) وَنَحْوَ (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ مَعَ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) وَنَحْوَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ وَنَحْوَ (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ مَعَ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ مَعَ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) وَنَحْوَ (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ مَعَ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) ، وَهَذَا اخْتِيَارُ نُصَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْوَقْفِ.
(ثَامِنُهَا) قَدْ يُجِيزُونَ الْوَقْفَ عَلَى حَرْفٍ، وَيُجِيزُ آخَرُونَ الْوَقْفَ عَلَى آخَرَ وَيَكُونُ بَيْنَ الْوَقْفَيْنِ مُرَاقَبَةٌ عَلَى التَّضَادِّ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى أَحَدِهِمَا امْتَنَعَ الْوَقْفُ الْآخَرُ كَمَنْ أَجَازَ الْوَقْفَ عَلَى لَا رَيْبَ فَإِنَّهُ لَا يُجِيزُهُ عَلَى فِيهِ وَالَّذِي يُجِيزُهُ عَلَى فِيهِ لَا يُجِيزُهُ عَلَى لَا رَيْبَ وَكَالْوَقْفِ عَلَى (مَثَلًا) يُرَاقِبُ الْوَقْفَ عَلَى (مَا) مِنْ قَوْلِهِ (مَثَلًا مَا بَعُوضَةً) وَكَالْوَقْفِ عَلَى (مَا إِذَا) يُرَاقِبُ (مَثَلًا) وَكَالْوَقْفِ عَلَى وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ فَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ مُرَاقَبَةً وَكَالْوَقْفِ عَلَى وَقُودُ النَّارِ فَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
(1/237)

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مُرَاقَبَةٌ، وَكَالْوَقْفِ عَلَى مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يُرَاقِبُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى مِنَ النَّادِمِينَ يُرَاقِبُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَأَوَّلُ مَنْ نَبَّهَ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ فِي الْوَقْفِ الْإِمَامُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ أَخَذَهُ مِنَ الْمُرَاقِبَةِ فِي الْعَرُوضِ.
(تَاسِعُهَا) لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أُصُولِ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ فِي الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ لِيُعْتَمَدَ فِي قِرَاءَةِ كُلِّ مَذْهَبِهِ، فَنَافِعٌ كَانَ يُرَاعِي مَحَاسِنَ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ بِحَسَبِ الْمَعْنَى كَمَا وَرَدَ عَنْهُ النَّصُّ بِذَلِكَ، وَابْنُ كَثِيرٍ رُوِّينَا عَنْهُ نَصًّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا وَقَفْتُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ، وَعَلَى إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) لَمْ أُبَالِ بَعْدَهَا وَقَفْتُ أَمْ لَمْ أَقِفْ. وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ يَقِفُ حَيْثُ يَنْقَطِعُ نَفَسُهُ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِمَامُ الصَّالِحُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي الْوَقْفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ مُطْلَقًا، وَلَا يَتَعَمَّدُ فِي أَوْسَاطِ الْآيِ وَقْفًا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَبُو عَمْرٍو فَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَمَّدُ الْوَقْفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ وَيَقُولُ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَذَكَرَ عَنْهُ الْخُزَاعِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ حُسْنَ الِابْتِدَاءِ، وَذَكَرَ عَنْهُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ: أَنَّهُ يُرَاعِي حُسْنَ الْوَقْفِ، وَعَاصِمٌ ذَكَرَ عَنْهُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي حُسْنَ الِابْتِدَاءِ، وَذَكَرَ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ عَاصِمًا وَالْكِسَائِيَّ كَانَا يَطْلُبَانِ الْوَقْفَ مِنْ حَيْثُ يَتِمُّ الْكَلَامُ، وَحَمْزَةُ اتَّفَقَتِ الرُّوَاةُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ بَعْدَ انْقِطَاعِ النَّفَسِ، فَقِيلَ ; لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ التَّحْقِيقُ وَالْمَدُّ الطَّوِيلُ فَلَا يَبْلُغُ نَفَسُ الْقَارِئِ إِلَى وَقْفِ التَّمَامِ، وَلَا إِلَى الْكَافِي وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ كَالسُّورَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَمْ يَكُنْ يَتَعَمَّدُ وَقْفًا مُعَيَّنًا ; وَلِذَلِكَ آثَرَ وَصْلَ السُّورَةِ بِالسُّورَةِ، فَلَوْ كَانَ مِنْ أَجْلِ التَّحْقِيقِ لَآثَرَ الْقَطْعَ عَلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَالْبَاقُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ كَانُوا يُرَاعُونَ حُسْنَ الْحَالَتَيْنِ وَقْفًا وَابْتِدَاءً، وَكَذَا حَكَى عَنْهُمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْإِمَامَانِ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ وَالرَّازِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
(عَاشِرُهَا) فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْقَطْعِ وَالسَّكْتِ
(1/238)

هَذِهِ الْعِبَارَاتُ جَرَتْ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ مُرَادًا بِهَا الْوَقْفُ غَالِبًا، وَلَا يُرِيدُونَ بِهَا غَيْرَ الْوَقْفِ إِلَّا مُقَيَّدَةً، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ فَإِنَّ الْقَطْعَ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْقِرَاءَةِ رَأْسًا، فَهُوَ كَالِانْتِهَاءِ فَالْقَارِئُ بِهِ كَالْمُعْرِضِ عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَالْمُنْتَقِلُ مِنْهَا إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى سِوَى الْقِرَاءَةِ كَالَّذِي يَقْطَعُ عَلَى حِزْبٍ، أَوْ وِرْدٍ، أَوْ عُشْرٍ، أَوْ فِي رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْذِنُ بِانْقِضَاءِ الْقِرَاءَةِ وَالِانْتِقَالِ مِنْهَا إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَعَاذُ بَعْدَهُ لِلْقِرَاءَةِ الْمُسْتَأْنَفَةِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى رَأْسِ آيَةٍ ; لِأَنَّ رُءُوسَ الْآيِ فِي نَفْسِهَا مَقَاطِعُ.
(أَخْبَرَنَا) أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْفَيْرُوزَابَادِيُّ فِي آخَرِينَ مُشَافَهَةً عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ السَّعْدِيِّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَدَّادِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ حَيُّوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُنَادِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ عَنْ أَبِي سِنَانٍ هُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا افْتَتَحَ أَحَدُكُمْ آيَةً يَقْرَؤُهَا فَلَا يَقْطَعُهَا حَتَّى يُتِمَّهَا، وَأَخْبَرَتْنَا بِهِ أُمُّ مُحَمَّدِ بِنْتُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيَّةُ إِذْنًا، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ جَدِّي، عَنْ أَبِي سَعْدٍ الصَّفَّارِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّضْرَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ: إِذَا قَرَأَ أَحَدُكُمُ الْآيَةَ فَلَا يَقْطَعْهَا حَتَّى يُتِمَّهَا. قَالَ الْخُزَاعِيُّ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ بَعْضِ الْآيَةِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُتِمَّهَا فَيَرْكَعَ حِينَئِذٍ - قَالَ - فَأَمَّا جَوَازُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمُصَلِّي فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ. قُلْتُ: كَلَامُ ابْنِ الْهُذَيْلِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَدَعْوَى الْخُزَاعِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ لِغَيْرِ الْمُصَلِّي فِيهَا نَظَرٌ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَقَدْ) أَخْبَرَتْنِي بِهِ أَسْنَدَ مِنْ هَذَا الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ أُمُّ مُحَمَّدٍ سِتُّ الْعَرَبِ ابْنَةُ
(1/239)

مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - فِيمَا شَافَهَتْنِي بِهِ بِمَنْزِلِهَا مِنَ الزَّاوِيَةِ الْأَرْمَوِيَّةِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، أَخْبَرَنَا جَدِّي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ الْمَذْكُورُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا حَاضِرَةٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الصَّفَّارِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ الشَّحَّامِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّضْرَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَقْرَءُوا بَعْضَ الْآيَةِ وَيَدَعُوا بَعْضَهَا. وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ خَارِجَهَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ هَذَا تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَقَوْلُهُ كَانُوا: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَالْوَقْفُ: عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الصَّوْتِ عَلَى الْكَلِمَةِ زَمَنًا يَتَنَفَّسُ فِيهِ عَادَةً بِنِيَّةِ اسْتِئْنَافِ الْقِرَاءَةِ إِمَّا بِمَا يَلِي الْحَرْفَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، أَوْ بِمَا قَبْلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ جَوَازُهُ فِي أَقْسَامِهِ الثَّلَاثَةِ لَا بِنِيَّةِ الْإِعْرَاضِ، وَتَنْبَغِي الْبَسْمَلَةُ مَعَهُ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ كَمَا سَيَأْتِي وَيَأْتِي فِي رُءُوسِ الْآيِ وَأَوْسَاطِهَا، وَلَا يَأْتِي فِي وَسَطِ كَلِمَةٍ، وَلَا فِيمَا اتَّصَلَ رَسْمًا كَمَا سَيَأْتِي، وَلَا بُدَّ مِنَ التَّنَفُّسِ مَعَهُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ.
وَالسَّكْتُ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الصَّوْتِ زَمَنًا هُوَ دُونَ زَمَنِ الْوَقْفِ عَادَةً مِنْ غَيْرِ تَنَفُّسٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَلِفَاظُ أَئِمَّتِنَا فِي التَّأْدِيَةِ عَنْهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى طُولِ السَّكْتِ وَقِصَرِهِ فَقَالَ: أَصْحَابُ سُلَيْمٍ عَنْهُ عَنْ حَمْزَةَ فِي السَّكْتِ عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَ الْهَمْزِ: سَكْتَةٌ يَسِيرَةٌ، وَقَالَ جَعْفَرٌ الْوَزَّانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ خَلَّادٍ: لَمْ يَكُنْ يَسْكُتُ عَلَى السَّوَاكِنِ كَثِيرًا، وَقَالَ الْأُشْنَانِيُّ: سَكْتَةٌ قَصِيرَةٌ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ عَنِ الْكِسَائِيِّ: سَكَتَ سَكْتَةً مُخْتَلَسَةً مِنْ غَيْرِ إِشْبَاعٍ، وَقَالَ النَّقَّارُ عَنِ الْخَيَّاطِ: يَعْنِي الشُّمُونِيَّ عَنِ الْأَعْشَى تَسْكُتُ حَتَّى تَظُنَّ أَنَّكَ نَسِيتَ مَا بَعْدَ الْحَرْفِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ: وَقْفَةٌ يَسِيرَةٌ، وَقَالَ مَكِّيٌّ: وَقْفَةٌ خَفِيفَةٌ، وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ: وُقَيْفَةٌ، وَقَالَ أَبُو الْعِزِّ: بِسَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ سَكْتِ الْقَاضِي عَنْ رُوَيْسٍ وَقَالَ الْحَافِظُ
(1/240)

أَبُو الْعَلَاءِ: يَسْكُتُ حَمْزَةُ وَالْأَعْشَى وَابْنُ ذَكْوَانَ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَوِيِّ وَالنَّهَاوَنْدِيِّ عَنْ قُتَيْبَةَ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ نَفَسٍ وَأَتَمُّهُمْ سَكْتَةً حَمْزَةُ وَالْأَعْشَى، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ: حَمْزَةُ وَقُتَيْبَةُ يَقِفَانِ وَقْفَةً يَسِيرَةً مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ سَكْتًا مُقَلَّلًا، وَقَالَ الدَّانِيُّ: سَكْتَةٌ لَطِيفَةٌ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ أَيْضًا فِي السَّكْتِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ مِنْ جَامِعِ الْبَيَانِ قَالَ فِيهِ ابْنُ شُرَيْحٍ بِسَكْتَةٍ خَفِيفَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْفَحَّامِ: سَكْتَةٌ خَفِيفَةٌ. وَقَالَ أَبُو الْعِزِّ: مَعَ سَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُبْهِجِ: وَقْفَةٌ تُؤْذِنُ بِإِسْرَارِهَا، أَيْ: بِإِسْرَارِ الْبَسْمَلَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُهْلَةِ وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ:
وَسَكْتُهُمُ الْمُخْتَارُ دُونَ تَنَفُّسٍ
وَقَالَ أَيْضًا
وَسَكْتَةُ حَفْصٍ دُونَ قَطْعٍ لَطِيفَةٌ
. وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي ذَلِكَ بِسَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ. وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ وُقَيْفَةٌ، وَقَالَ أَبُو الْعَلَاءِ وُقَيْفَةٌ. وَقَالَ ابْنُ غَلْبُونَ بِوَقْفَةٍ خَفِيفَةٍ، وَكَذَا قَالَ الْمَهْدَوِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْفَحَّامِ: سَكْتَةٌ خَفِيفَةٌ، وَقَالَ الْقَلَانِسِيُّ: فِي سَكْتِ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ: يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا بِسَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ، وَكَذَا قَالَ الْهَمَذَانِيُّ، وَقَالَ أَبُو الْعِزِّ: وَيَقِفُ عَلَى: ص، وَ " ق "، وَ " ن " وَقْفَةً يَسِيرَةً، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي الْجَامِعِ: وَاخْتِيَارِي فِيمَنْ تَرَكَ الْفَصْلَ سِوَى حَمْزَةَ أَنْ يَسْكُتَ الْقَارِئُ عَلَى آخِرِ السُّورَةِ بِسَكْتَةٍ خَفِيفَةٍ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ شَدِيدَةٍ. فَقَدِ اجْتَمَعَتْ أَلْفَاظُهُمْ عَلَى أَنَّ السَّكْتَ زَمَنُهُ دُونَ زَمَنِ الْوَقْفِ عَادَةً وَهُمْ فِي مِقْدَارِهِ بِحَسَبِ مَذَاهِبِهِمْ فِي التَّحْقِيقِ وَالْحَدَرِ وَالتَّوَسُّطِ حَسْبَمَا تَحْكُمُ الْمُشَافَهَةُ، وَأَمَّا تَقْيِيدُهُمْ بِكَوْنِهِ دُونَ تَنَفُّسٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَيْضًا فِي الْمُرَادِ بِهِ آرَاءُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو شَامَةَ: الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِمْ دُونَ تَنَفُّسٍ إِلَى عَدَمِ الْإِطَالَةِ الْمُؤْذِنَةِ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ: قَطْعُ الصَّوْتِ زَمَانًا قَلِيلًا أَقْصَرُ مِنْ زَمَنِ إِخْرَاجِ النَّفَسِ ; لِأَنَّهُ إِنْ طَالَ صَارَ وَقْفًا يُوجِبُ الْبَسْمَلَةَ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ ابْنُ بُصْخَانَ: أَيْ دُونَ مُهْلَةٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّنَفُّسِ هُنَا إِخْرَاجَ النَّفَسِ بِدَلِيلٍ أَنَّ الْقَارِئَ إِذَا أَخْرَجَ نَفَسَهُ مَعَ السَّكْتِ بِدُونِ مُهْلَةٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّنَفُّسَ هُنَا بِمَعْنَى الْمُهْلَةِ. وَقَالَ ابْنُ جُبَارَةَ: دُونَ تَنَفُّسٍ يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا سُكُوتٌ يُقْصَدُ بِهِ الْفَصْلُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ
(1/241)

لَا السُّكُوتُ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ الْقَارِئُ التَّنَفُّسَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ سُكُوتٌ دُونَ السُّكُوتِ لِأَجْلِ التَّنَفُّسِ، أَيْ: أَقْصَرُ مِنْهُ، أَيْ: دُونَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْقِصَرِ، وَلَكِنْ يَحْتَاجُ إِذَا حُمِلَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَعْلَمَ مِقْدَارَ السُّكُوتِ لِأَجْلِ التَّنَفُّسِ حَتَّى يَجْعَلَ هَذَا دُونَهُ فِي الْقِصَرِ. قَالَ: وَيَعْلَمُ ذَلِكَ بِالْعَادَةِ وَعُرْفِ الْقُرَّاءِ.
(قُلْتُ) : الصَّوَابُ حَمْلُ دُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: دُونَ تَنَفُّسٍ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى غَيْرٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَدَاءِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ السَّكْتَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ عَدَمِ التَّنَفُّسِ سَوَاءٌ قَلَّ زَمَنُهُ أَوْ كَثُرَ، وَإِنَّ حَمْلَهُ عَلَى مَعْنًى أَقَلَّ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا صَوَابًا لِوُجُودِهِ (أَحَدُهَا) مَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّصِّ عَنِ الْأَعْشَى تَسْكُتُ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّكَ قَدْ نَسِيتَ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ زَمَنَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَمَنِ إِخْرَاجِ النَّفَسِ وَغَيْرِهِ، (وَثَانِيهَا) قَوْلُ صَاحِبِ الْمُبْهِجِ: سَكْتَةٌ تُؤْذِنُ بِإِسْرَارِهَا. أَيْ: بِإِسْرَارِ الْبَسْمَلَةِ، وَالزَّمَنُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِإِسْرَارِ الْبَسْمَلَةِ أَكْثَرُ مِنْ إِخْرَاجِ النَّفَسِ بِلَا نَظَرٍ، (ثَالِثُهَا) أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ بِمَعْنًى أَقَلَّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ كَمَا قَدَّرُوهُ بِقَوْلِهِمْ: أَقَلُّ مِنْ زَمَانِ إِخْرَاجِ النَّفَسِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ وَعَدَمُ التَّقْدِيرِ أَوْلَى، (رَابِعُهَا) أَنَّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ زَمَنَ إِخْرَاجِ النَّفَسِ، وَإِنْ قَلَّ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ زَمَنٍ قَلِيلِ السَّكْتِ وَالِاخْتِيَارُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ، (خَامِسُهَا) أَنَّ التَّنَفُّسَ عَلَى السَّاكِنِ فِي نَحْوِ: الْأَرْضُ، وَالْآخِرَةُ، وَقُرْآنٌ، وَ (مَسْئُولًا) مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا كَمَا لَا يَجُوزُ التَّنَفُّسُ عَلَى السَّاكِنِ فِي نَحْوِ: وَالْبَارِئُ، وَفُرْقَانٌ، وَ (مَسْحُورًا) ، إِذِ التَّنَفُّسُ فِي وَسَطِ الْكَلِمَةِ لَا يَجُوزُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ سُكُونٍ وَحَرَكَةٍ، أَوْ بَيْنَ حَرَكَتَيْنِ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ ابْنِ بُصْخَانَ بِأَنَّ الْقَارِئَ إِذَا أَخْرَجَ نَفَسَهُ مَعَ السَّكْتِ بِدُونِ مُهْلَةٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ مُطْلَقَ السَّكْتِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إِجْمَاعًا، إِذْ لَا يَجُوزُ التَّنَفُّسُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلِمِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ أَرَادَ السَّكْتَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ كَلَامَهُ فِيهِ، وَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَوَاخِرَ السُّورِ فِي نَفْسِهَا تَمَامٌ يَجُوزُ الْقَطْعُ عَلَيْهَا وَالْوَقْفُ. فَلَا مَحْذُورَ مِنَ التَّنَفُّسِ عَلَيْهَا
(1/242)

نَعَمْ لَا يَخْرُجُ وَجْهُ السَّكْتِ مَعَ التَّنَفُّسِ، فَلَوْ تَنَفَّسَ الْقَارِئُ آخِرَ سُورَةٍ لِصَاحِبِ السَّكْتِ، أَوْ عَلَى (عِوَجَا، وَمَرْقَدِنَا) لِحَفْصٍ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ. لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا، وَلَا وَاقِفًا، إِذِ الْوَقْفُ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّنَفُّسُ مَعَ الْمُهْلَةِ، وَالسَّكْتُ لَا يَكُونُ مَعَهُ تَنَفُّسٌ فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ أَبِي شَامَةَ، وَمَنْ تَبِعَهُ.
(خَاتِمَةٌ) الصَّحِيحُ أَنَّ السَّكْتَ مُقَيَّدٌ بِالسَّمَاعِ وَالنَّقْلِ، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِهِ لِمَعْنًى مَقْصُودٍ بِذَاتِهِ، وَذَهَبَ ابْنُ سَعْدَانَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهُ جَائِزٌ فِي رُءُوسِ الْآيِ مُطْلَقًا حَالَةَ الْوَصْلِ لِقَصْدِ الْبَيَانِ وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا صَحَّ حَمْلُ ذَلِكَ جَازَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاسْتِعَاذَةِ
وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا مِنْ وُجُوهٍ (الْأَوَّلُ) فِي صِيغَتِهَا وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
(الْأُولَى) أَنَّ الْمُخْتَارَ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) كَمَا وَرَدَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فَقَدْ حَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سِوَارٍ وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ وَغَيْرُهُمَا الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ " جَمَالُ الْقُرَّاءِ " إِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ هُوَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْحُذَّاقِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ: كَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ عِنْدُهُ جُلُوسٌ وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُهُ - لَوْ قَالَ - أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. الْحَدِيثَ لَفْظُ
(1/243)

الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْحَذَرِ مِنَ الْغَضَبِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَهَذَا لَفْظُهُ نَصًّا، وَأَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِمَعْنَاهُ. وَرُوِيَ هَذَا اللَّفْظَ مِنَ التَّعَوُّذِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنِ السُّلَمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَدْ رَوَى أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ عَنِ الْمُطَّوِّعِيِّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ. فَقَالَ لِي: قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى سَلَّامِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ قُلْ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) هَكَذَا أَخَذْتُهُ عَنْ جِبْرِيلَ عَنْ مِيكَائِيلَ عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
حَدِيثٌ غَرِيبٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (وَرُوِّينَاهُ مُسَلْسَلًا) مِنْ طَرِيقِ رَوْحٍ أَيْضًا قَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَارِفِ الزَّاهِدِ جَمَالِ الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدٍ، مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَمَّالِيِّ النَّسَائِيِّ مُشَافَهَةً فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ شَيْخِ السُّنَّةِ سَعْدِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارَزِينِيِّ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الرَّبِيعِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي الْجَيْشِ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى وَالِدِي: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى مُحْيِي الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدٍ
(1/244)

يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَوْزِيِّ أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى وَالِدِي أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْبَغْدَادِيِّ أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي الْأَنْصَارِيِّ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى هَنَّادِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّسَفِيِّ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى مَحْمُودِ بْنِ الْمُثَنَّى بْنِ الْمُغِيرَةِ. أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عِصْمَةَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السِّجْزِيِّ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَجْلَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزَّنْجَانِيِّ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَهْوَازِيِّ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْطَامٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيِّ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى سَلَّامِ بْنِ الْمُنْذِرِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ
(1/245)

مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى جِبْرِيلَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ثُمَّ قَالَ لِي: جِبْرِيلُ هَكَذَا أَخَذْتُ عَنْ مِيكَائِيلَ وَأَخَذَهَا مِيكَائِيلُ عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
(وَقَدْ أَخْبَرَنِي) بِهَذَا الْحَدِيثِ أَعْلَى مِنْ هَذَا شَيْخَايَ الْإِمَامَانِ، الْوَلِيُّ الصَّالِحُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ رَجَبٍ الْمُقْرِئُ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَالْمُقْرِئُ الْمُحَدِّثُ الْكَبِيرُ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ السُّومَرِيُّ الْبَغْدَادِيَّانِ فِيمَا شَافَهَنِي بِهِ، وَقَرَأَ عَلَى أَبِي الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحَبَشِ الْمَذْكُورِ، وَأَخْبَرَنِي بِهِ عَالِيًا جِدًّا جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ مِنْهُمْ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَزْيَدِ بْنِ أُمَيْلَةَ الْمَرَاغِيُّ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ، وَرَوَى الْخُزَاعِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ الْمُنْتَهَى بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
(الثَّانِيَةُ) دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى هَذَا اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ مُشْكِلَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ فَقَدْ وَرَدَ تَغْيِيرُ هَذَا اللَّفْظِ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَالنَّقْصُ مِنْهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَنُبَيِّنُ صَوَابَهُ (وَأَمَّا أَعُوذُ) فَقَدْ نُقِلَ عَنْ حَمْزَةَ فِيهِ، أَسْتَعِيذُ، وَنَسْتَعِيذُ، وَاسْتَعَذْتُ، وَلَا يَصِحُّ، وَقَدِ اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: لِمُطَابَقَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ: عُذْتُ بِفُلَانٍ وَاسْتَعَذْتُ بِهِ، أَيْ: لَجَأْتُ إِلَيْهِ، مَرْدُودٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ اللِّسَانِ، بَلْ لَا يَجْزِي ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا لَا يَجْزِي: أَتَعَوَّذُ، وَلَا تَعَوَّذْتُ، وَذَلِكَ لِنُكْتَةٍ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ أَبُو أُمَامَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ النَّقَّاشِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ (اللَّاحِقُ السَّابِقُ وَالنَّاطِقُ الصَّادِقُ) فِي التَّفْسِيرِ فَقَالَ: بَيَانُ الْحِكْمَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا
(1/246)

لَمْ تَدْخُلِ السِّينُ وَالتَّاءُ فِي فِعْلِ الْمُسْتَعِيذِ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ فَقَدْ قِيلَ لَهُ: اسْتَعِذْ، بَلْ لَا يُقَالُ إِلَّا أَعُوذُ دُونَ أَسْتَعِيذُ وَأَتَعَوَّذُ وَاسْتَعَذْتُ وَتَعَوَّذْتُ، وَذَلِكَ أَنَّ السِّينَ وَالتَّاءَ شَأْنُهُمَا مِنْهُ أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الطَّلَبِ فَوَرَدَتَا إِيذَانًا بِطَلَبِ التَّعَوُّذِ فَمَعْنَى اسْتَعَذْتُ بِاللَّهِ أَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُعِيذَكَ. فَامْتِثَالُ الْأَمْرِ هُوَ أَنْ يَقُولَ، أَعُوذُ بِاللَّهِ ; لِأَنَّ قَائِلَهُ مُتَعَوِّذٌ، أَوْ مُسْتَعِيذٌ قَدْ عَاذَ وَالْتَجَأَ وَالْقَائِلُ أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ لَيْسَ بِعَائِذٍ، إِنَّمَا، وَهُوَ طَالِبٌ الْعِيَاذَ كَمَا تَقُولُ أَسْتَخِيرُ، أَيْ: أَطْلُبُ خِيرَتَهُ، وَأَسْتَقِيلُهُ أَيْ: أَطْلُبُ إِقَالَتَهُ وَأَسْتَغْفِرُهُ وَأَسْتَقِيلُهُ، أَيْ: أَطْلُبُ مَغْفِرَتَهُ ; فِي فِعْلِ الْأَمْرِ إِيذَانًا بِطَلَبِ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْمُعَاذِيَةِ، فَإِذَا قَالَ الْمَأْمُورُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، فَقَدِ امْتَثَلَ مَا طُلِبَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ طُلِبَ مِنْهُ نَفْسُ الِاعْتِصَامِ وَالِالْتِجَاءِ وَفَرْقٌ بَيْنَ الِاعْتِصَامِ وَبَيْنَ طَلَبِ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْمُسْتَعِيذُ هَارِبًا مُلْتَجِأً مُعْتَصِمًا بِاللَّهِ أَتَى بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى طَلَبِ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ. قَالَ: وَالْحِكْمَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا امْتَثَلَ الْمُسْتَغْفِرُ الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ لَهَا: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَنَّهُ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ الَّتِي لَا تَتَأَتَّى إِلَّا مِنْهُ بِخِلَافِ الْعِيَاذِ وَاللُّجْأِ وَالِاعْتِصَامِ فَامْتَثَلَ الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَيْ: أَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي، انْتَهَى. وَلِلَّهِ دَرُّهُ مَا أَلْطَفَهُ وَأَحْسَنَهُ، فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، ثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضِّحَاكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يَا مُحَمَّدُ اسْتَعِذْ، قَالَ: أَسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ؟ قُلْتُ: مَا أَعْظَمَهُ مُسَاعِدًا لِمَنْ قَالَ بِهِ لَوْ صَحَّ فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفِدَاءِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ - رَحْمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ إِيرَادِهِ: وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ. قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِيُعْرَفَ، فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفًا وَانْقِطَاعًا. قُلْتُ: وَمَعَ ضَعْفِهِ وَانْقِطَاعِهِ وَكَوْنِهِ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، فَإِنَّ الْحَافِظَ أَبَا عَمْرٍو الدَّانِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَوَاهُ عَلَى الصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَوْقٍ أَيْضًا عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ
(1/247)

الِاسْتِعَاذَةَ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ثُمَّ قَالَ: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وَالْقَصْدُ أَنَّ الَّذِي تَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّعَوُّذِ لِلْقِرَاءَةِ وَلِسَائِرِ تَعَوُّذَاتِهِ مِنْ رِوَايَاتٍ لَا تُحْصَى كَثْرَةً ذَكَرْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ لَفْظُ: أَعُوذُ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَعَلَّمَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ: " وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ "، وَقَالَ عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ "، وَعَنْ مَرْيَمَ - عَلَيْهَا السَّلَامُ - " أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ " وَفِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قُلْنَا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. قُلْنَا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. قُلْنَا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ فَلَمْ يَقُولُوا فِي شَيْءٍ مِنْ جَوَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ، وَلَا تَعَوَّذْنَا عَلَى طِبْقِ اللَّفْظِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ كَمَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ، وَلَا اسْتَعَذْتُ عَلَى طِبْقِ اللَّفْظِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ يَعْدِلُونَ عَنِ اللَّفْظِ الْمُطَابِقِ الْأَوَّلِ الْمُخْتَارِ إِلَى غَيْرِهِ، بَلْ كَانُوا هُمْ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ وَأَقْرَبَ إِلَى الصَّوَابِ وَأَعْرَفَ بِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى، كَيْفَ وَقَدْ عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ يُسْتَعَاذُ فَقَالَ: إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَلَا أَصْرَحَ مِنْ ذَلِكَ.
(وَأَمَّا بِاللَّهِ) فَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَرَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ عَنِ ابْنِ وَاصِلٍ وَغَيْرُهُ عَنْ حَمْزَةَ، وَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ عَنْهُمَا نَظَرٌ. (وَأَمَّا الرَّجِيمُ) فَقَدْ ذَكَرَ
(1/248)

الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ عَنْ شِبْلِ بْنِ حُمَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ الْقَادِرِ مِنَ الشَّيْطَانِ الْغَادِرِ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ أَبِي السَّمَّاكِ " أَعُوذُ بِاللَّهِ الْقَوِيِّ مِنَ الشَّيْطَانِ الْغَوِيِّ " وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ (وَأَمَّا تَغْيِيرُهُمَا) بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَنَحْوِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ أَنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَةَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِمَا مَعْنَاهُ، وَقَالَ: مُرْسَلٌ. يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَلْقَ مُعَاذًا ; لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ سَنَةِ عِشْرِينَ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِذَا خَرَجَ أَحَدُكُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهَذَا لَفْظُهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الرَّجِيمِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ: اللَّهُمَّ أَعِذْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ تَعَوَّذَ فِي الْمَكْتُوبَةِ رَافِعًا صَوْتَهُ: رَبَّنَا إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (وَأَمَّا الزِّيَادَةُ) فَقَدْ وَرَدَتْ بِأَلِفَاظٍ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى (الْأَوَّلُ) " أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " نَصَّ عَلَيْهَا الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَقَالَ إِنَّ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَالشَّامِ وَرَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ أَدَّاهُ عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَعَنِ الرِّفَاعِيِّ عَنْ سُلَيْمٍ وَكِلَاهُمَا عَنْ حَمْزَةَ وَنَصًّا عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، وَرَوَاهُ الْخُزَاعِيُّ عَنْ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ وَرْشٍ أَدَاءً.
(قُلْتُ) : وَقَرَأْتُ، أَنَا بِهِ فِي اخْتِيَارِ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ، وَرِوَايَةُ حَفْصٍ مِنْ طَرِيقِ هُبَيْرَةَ. وَقَدْ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَأَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ أَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ
(1/249)

عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. (الثَّانِي) : (أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ذَكَرَهُ الدَّانِيُّ أَيْضًا فِي جَامِعِهِ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ وَسَائِرِ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ إِنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ مِنْهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَحَكَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي سَوْقِ الْعَرُوسِ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ أَيْضًا، وَعَنْ قُنْبُلٍ وَالزَّيْنَبِيِّ وَرَوَاهُ الْأَهْوَازِيُّ عَنْ الْمِصْرِيِّينَ عَنْ وَرْشٍ، وَقَالَ عَلَى ذَلِكَ وَجَدْتُ أَهْلَ الشَّامِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَقْرَأْ بِهَا عَلَيْهِمْ مِنْ طَرِيقِ الْأَدَاءِ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَخْتَارُونَهُ وَرَوَاهُ أَدَاءً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ فِي اخْتِيَارِهِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي بَحْرِيَّةَ وَابْنِ مَنَاذِرَ وَحَكَاهُ الْخُزَاعِيُّ عَنِ الزَّيْنَبِيِّ عَنْ قُنْبُلٍ وَرَوَاهُ أَبُو الْعِزِّ أَدَاءً عَنْ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ وَرْشٍ وَرَوَاهُ الْهُذَلِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الزَّيْنَبِيِّ.
(الثَّالِثُ) : (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) رَوَاهُ الْأَهْوَازِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَذَكَرَهُ أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ وَالْمَغْرِبِ وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْهُذَلِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَشَيْبَةَ وَنَافِعٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ وَرْشٍ، وَحَكَاهُ الْخُزَاعِيُّ وَأَبُو الْكَرَمِ الشَّهْرُزُورِيُّ عَنْ رِجَالِهِمَا عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ فِي أَحَدِ وُجُوهِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَالثَّوْرِيِّ (وَقَرَأْتُ أَنَا) بِهِ فِي قِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ الشَّنَبُوذِيِّ عَنْهُ أُدْغِمَتِ الْهَاءُ فِي الْهَاءِ. (الرَّابِعُ) : (أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) رَوَاهُ الْخُزَاعِيُّ عَنْ هُبَيْرَةَ عَنْ حَفْصٍ قَالَ: وَكَذَا فِي حِفْظِي عَنِ ابْنِ الشَّارِبِ عَنِ الزَّيْنَبِيِّ عَنْ قُنْبُلٍ، وَذَكَرَهُ الْهُذَلِيُّ عَنْ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ وَرْشٍ. (الْخَامِسُ) : (أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) رَوَاهُ الْهُذَلِيُّ عَنِ الزَّيْنَبِيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
(1/250)

(السَّادِسُ) : (أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ذَكَرَهُ الْأَهْوَازِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ (وَقَرَأْتُ بِهِ) فِي قِرَاءَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. (السَّابِعُ) : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَأَسْتَفْتِحُ اللَّهَ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ. رَوَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْخَبَّازِيُّ، عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرٍ الْخُوَارَزْمِيِّ، عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ خَلَفٍ، عَنْ حَمْزَةَ (الثَّامِنُ) - أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الدُّخُولِ إِلَى الْمَسْجِدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: إِذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَوَرَدَتْ بِأَلْفَاظٍ تَتَعَلَّقُ بِشَتْمِ الشَّيْطَانِ نَحْوُ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ وَالرِّجْسِ النَّجِسِ) ، كَمَا رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابَيِ الدُّعَاءِ لِأَبِي الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ السُّنِّيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.) وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَوَرَدَتْ أَيْضًا بِأَلْفَاظٍ تَتَعَلَّقُ بِمَا يُسْتَعَاذُ مِنْهُ، فَفِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا. وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَهَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ.
وَفَسَّرُوهُ فَقَالُوا: هَمْزُهُ الْجُنُونُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ.
وَأَمَّا النَّقْصُ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَئِمَّتِنَا، وَكَلَامُ الشَّاطِبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقْتَضِي عَدَمَهُ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ؛ لِمَا وَرَدَ، فَقَدْ نَصَّ الْحُلْوَانِيُّ فِي جَامِعِهِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَلَيْسَ لِلِاسْتِعَاذَةِ حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَيْهِ. مَنْ شَاءَ زَادَ، وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ، أَيْ: بِحَسَبِ الرِّوَايَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ) مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الرَّجِيمِ، وَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُهُ، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ " اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ " مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الرَّجِيمِ.
(1/251)

فَهَذَا الَّذِي أَعْلَمُهُ وَرَدَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْدَلَ عَمَّا صَحَّ مِنْهَا حَسْبَمَا ذَكَرْنَاهُ مُبَيَّنًا، وَلَا يُعْدَلُ عَمَّا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، فَإِنَّمَا نَحْنُ مُتَّبِعُونَ لَا مُبْتَدِعُونَ. قَالَ الْجَعْبَرِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الشَّاطِبِيِّ:
وَإِنْ تَزِدْ لِرَبِّكَ تَنْزِيهًا فَلَسْتَ مُجَهَّلًا
. هَذِهِ الزِّيَادَةُ وَإِنْ أَطْلَقَهَا وَخَصَّهَا فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِالرِّوَايَةِ، وَعَامَّةٌ فِي غَيْرِ التَّنْزِيهِ.
فِي حُكْمِ الْجَهْرِ بِهَا وَالْإِخْفَاءِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ
(الْأُولَى) أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ هُوَ الْجَهْرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّا نَذْكُرُهُ وَفِي كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْقِرَاءَةِ كَمَا نَذْكُرُهُ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي جَامِعِهِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْجَهْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ قَارِئٍ بِعَرْضٍ، أَوْ دَرْسٍ، أَوْ تَلْقِينٍ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ نَافِعٍ وَحَمْزَةَ، ثُمَّ رَوَى عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِيِّ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ اسْتِعَاذَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيَجْهَرُونَ بِهَا أَمْ يُخْفُونَهَا؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَجْهَرُ، وَلَا نُخْفِي، مَا كُنَّا نَسْتَعِيذُ أَلْبَتَّةَ. وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ كَانَ يُخْفِي الِاسْتِعَاذَةَ وَيَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ عِنْدَ افْتِتَاحِ السُّوَرِ وَرُءُوسِ الْآيَاتِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، قَالَ خَلَفٌ: كُنَّا نَقْرَأُ عَلَى سُلَيْمٍ فَنُخْفِي التَّعَوُّذَ، وَنَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي " الْحَمْدُ " خَاصَّةً، وَنُخْفِي التَّعَوُّذَ وَالْبَسْمَلَةَ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ نَجْهَرُ بِرُءُوسِ أَثْمِنَتِهَا، وَكَانُوا يَقْرَءُونَ عَلَى حَمْزَةَ فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ، قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: وَقَرَأْتُ عَلَى خَلَّادٍ؛ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ. قُلْتُ: صَحَّ إِخْفَاءُ التَّعَوُّذِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسَيَّبِيِّ عَنْ نَافِعٍ، وَانْفَرَدَ بِهِ الْوَلِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ نَافِعٍ، وَكَذَلِكَ الْأَهْوَازِيُّ عَنْ يُونُسَ، عَنْ وَرْشٍ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُقِ كِتَابِنَا عَنْ حَمْزَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا إِخْفَاؤُهُ، وَحَيْثُ قَرَأَ الْقَارِئُ مُطْلَقًا - أَيْ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا - وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ
(1/252)

رِوَايَتَيْ خَلَفٍ وَخَلَّادٍ سَوَاءً. وَكَذَا رَوَى الْخُزَاعِيُّ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ خَلَفٍ وَخَلَّادٍ. وَكَذَا ذَكَرَ الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ وَهِيَ رِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَرْبِيٍّ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ. الثَّانِي: الْجَهْرُ بِالتَّعَوُّذِ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ، وَإِخْفَاؤُهُ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْهِجِ " عَنْ خَلَفٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، وَفِي اخْتِيَارِهِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ لَاحِقٍ التَّمِيمِيِّ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُنَادِي، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ خَلَفٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، ثُمَّ يُخْفِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَقَرَأْتُ عَلَى خَلَّادٍ فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيَّ، وَقَالَ لِي: كَانَ سُلَيْمٌ يَجْهَرُ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَلَا يُنْكِرُ عَلَى مَنْ جَهَرَ وَلَا عَلَى مَنْ أَخْفَى، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفْرَاوِيُّ فِي " الْإِعْلَانِ ": وَاخْتُلِفَ عَنْهُ - يَعْنِي عَنْ حَمْزَةَ - أَنَّهُ كَانَ يُخْفِيهَا عِنْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَكَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ، أَوْ يَسْتَثْنِي فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَيَجْهَرُ بِالتَّعَوُّذِ عِنْدَهَا، فَرُوِيَ عَنْهُ الْوَجْهَانِ جَمِيعًا. انْتَهَى. وَقَدِ انْفَرَدَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ قَالُونَ بِإِخْفَائِهَا فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ.
(الثَّانِيَةُ) أَطْلَقُوا اخْتِيَارَ الْجَهْرِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مُطْلَقًا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ، وَقَدْ قَيَّدَهُ الْإِمَامُ أَبُو شَامَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِحَضْرَةِ مَنْ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: لِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّعَوُّذِ إِظْهَارٌ لِشَعَائِرِ الْقِرَاءَةِ، كَالْجَهْرِ بِالتَّلْبِيَةِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّ السَّامِعَ يُنْصِتُ لِلْقِرَاءَةِ مِنْ أَوَّلِهَا لَا يَفُوتُهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِذَا أَخْفَى التَّعَوُّذَ لَمْ يَعْلَمِ السَّامِعُ بِالْقِرَاءَةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ فَاتَهُ مِنَ الْمَقْرُوءِ شَيْءٌ. وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَفِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْمُخْتَارَ فِي الصَّلَاةِ الْإِخْفَاءُ ; لِأَنَّ الْمَأْمُومَ مُنْصِتٌ مِنْ أَوَّلِ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إِذَا تَعَوَّذَ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي يُسِرُّ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ أَسَرَّ بِالتَّعَوُّذِ، فَإِنْ تَعَوَّذَ فِي الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَهَلْ يَجْهَرُ؟ فِيهِ خِلَافٌ؛ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يُسِرُّ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَسْتَوِي الْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ، وَهُوَ نَصُّهُ
(1/253)

فِي الْأُمِّ، وَالثَّانِي يُسَنُّ الْجَهْرُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَجْهَرُ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ إِمَامُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَصَاحِبُهُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يُسِرُّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
(قُلْتُ) : حَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَقَالَ: أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالسِّرِّ وَلَا تَرْجِيحَ، وَالثَّانِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْجَهْرُ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْإِسْرَارُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ. وَمِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الْإِخْفَاءُ إِذَا قَرَأَ خَالِيًا، سَوَاءٌ قَرَأَ جَهْرًا أَوْ سِرًّا، وَمِنْهَا إِذَا قَرَأَ سِرًّا فَإِنَّهُ يُسِرُّ أَيْضًا، وَمِنْهَا إِذَا قَرَأَ فِي الدَّوْرِ وَلَمْ يَكُنْ فِي قِرَاءَتِهِ مُبْتَدِئًا يُسِرُّ بِالتَّعَوُّذِ؛ لِتَتَّصِلَ الْقِرَاءَةُ وَلَا يَتَخَلَّلَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ اسْتُحِبَّ الْجَهْرُ هُوَ الْإِنْصَاتُ فَقَطْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ.
(الثَّالِثَةُ) اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالْإِخْفَاءِ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ هُوَ الْكِتْمَانُ وَعَلَيْهِ حَمَلَ كَلَامَ الشَّاطِبِيِّ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ، فَعَلَى هَذَا يَكْفِي فِيهِ الذِّكْرُ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْمُرَادُ بِهِ الْإِسْرَارُ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْجَعْبَرِيُّ كَلَامَ الشَّاطِبِيِّ، فَلَا يَكْفِي فِيهِ التَّلَفُّظُ وَإِسْمَاعُ نَفْسِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ; لِأَنَّ نُصُوصَ الْمُتَقَدِّمِينَ كُلَّهَا عَلَى جَعْلِهِ ضِدًّا لِلْجَهْرِ وَكَوْنُهُ ضِدًّا لِلْجَهْرِ يَقْتَضِي الْإِسْرَارَ بِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَأَمَّا قَوْلُ) ابْنِ الْمُسَيَّبِيِّ مَا كُنَّا نَجْهَرُ، وَلَا نُخْفِي، مَا كُنَّا نَسْتَعِيذُ أَلْبَتَّةَ - فَمُرَادُهُ التَّرْكُ رَأْسًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا سَيَأْتِي.
الثَّالِثُ فِي مَحِلِّهَا
وَهُوَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ إِجْمَاعًا، وَلَا يَصِحُّ قَوْلٌ بِخِلَافِهِ، عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ، وَإِنَّمَا آفَةُ الْعِلْمِ التَّقْلِيدُ، قَدْ نُسِبَ إِلَى حَمْزَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(1/254)

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَابْنِ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، 55 وَذُكِرَ أَنَّهُ مَذْهَبُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ وَجَمَاعَتِهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْآيَةِ وَهُوَ: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ. وَحُكِيَ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ الِاسْتِعَاذَةُ قَبْلُ وَبَعْدُ. ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ فِي هَذَا عَمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ، وَلَا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ لَهُمْ، أَمَّا حَمْزَةُ وَأَبُو حَاتِمٍ فَالَّذِي ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ، فَقَالَ فِي كَامِلِهِ: قَالَ حَمْزَةُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ قَلُوقَا: إِنَّمَا يُتَعَوَّذُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ.
(قُلْتُ:) أَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ قَلُوقَا، عَنْ حَمْزَةَ فَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ فِي الْكَامِلِ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهَا، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ حَمْزَةَ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالْحَافِظِينَ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَأَبِي الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيِّ وَأَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَغَيْرِهِمْ - لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ عَنْهُ، وَلَا عَرَّجُوا عَلَيْهِ، وَأَمَّا أَبُو حَاتِمٍ فَإِنَّ الَّذِينَ ذَكَرُوا رِوَايَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ كَابْنِ سَوَّارٍ وَابْنِ مِهْرَانَ وَأَبِي مَعْشَرٍ الطَّبَرِيِّ وَالْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيِّ، وَغَيْرِهِمْ - لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا، وَلَا حَكَوْهُ، وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَالَّذِي نُقِلَ عَنْهُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ رَافِعًا صَوْتَهُ (رَبَّنَا إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فِي الْمَكْتُوبَةِ إِذَا فَرَغَ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ; لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ هُوَ الْأَسْلَمِيُّ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ وَالْحَدِيثِ عَلَى ضَعْفِهِ وَلَمْ يُوَثِّقْهُ سِوَى الشَّافِعِيِّ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ قَدَرِيًّا رَافِضِيًّا مَأْبُونًا كُلُّ بَلَاءٍ فِيهِ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ الْكُوفِيُّ ضَعِيفٌ وَاهٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، بَلْ يَدُلُّ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ إِذَا فَرَغَ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ، أَيْ لِلسُّورَةِ الْأُخْرَى، وَذَلِكَ وَاضِحٌ. فَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ هُوَ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْجَهْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ، وَأَمَّا ابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ فَلَا يَصِحُّ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَكَفَى فِي الرَّدِّ وَالشَّنَاعَةِ عَلَى قَائِلِهِ، وَأَمَّا دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ، فَهَذِهِ كُتُبُهُمْ مَوْجُودَةٌ
(1/255)

لَا تُعَدُّ كَثْرَةً، لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَنَصَّ ابْنُ حَزْمٍ إِمَامُ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى التَّعَوُّذِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ (وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ) بِظَاهِرِ الْآيَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ هِيَ جَارِيَةٌ عَلَى أَصْلِ لِسَانِ الْعَرَبِ وَعُرْفِهِ، وَتَقْدِيرُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ فَاسْتَعِذْ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَكَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَعِنْدِي أَنَّ الْأَحْسَنَ فِي تَقْدِيرِهَا: إِذَا ابْتَدَأْتَ وَشَرَعْتَ، كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ. أَيْ: أَخَذَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِهِ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ صَلَّاهَا بِالْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ. فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الِابْتِدَاءُ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ الِانْتِهَاءُ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَتِ الِاسْتِعَاذَةُ لَهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ الْفَمِ مِمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَتَطْيِيبٌ لَهُ، وَتَهَيُّؤٌ لِتِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهِيَ الْتِجَاءٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاعْتِصَامٌ بِجَنَابِهِ مِنْ خَلَلٍ يَطْرَأُ عَلَيْهِ، أَوْ خَطَأٍ يَحْصُلُ مِنْهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا وَإِقْرَارٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ، وَاعْتِرَافٌ لِلْعَبْدِ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ هَذَا الْعَدُوِّ الْبَاطِنِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ وَمَنْعِهِ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ، فَهُوَ لَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً، وَلَا يُدَارَى بِإِحْسَانٍ، وَلَا يَقْبَلُ رِشْوَةً، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ جَمِيلٌ، بِخِلَافِ الْعَدُوِّ الظَّاهِرِ مِنْ جِنْسِ الْإِنْسَانِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيُ الثَّلَاثُ مِنَ الْقُرْآنِ الَّتِي أَرْشَدَ فِيهَا إِلَى رَدِّ الْعَدُوِّ الْإِنْسَانِيِّ، فَقَالَ تَعَالَى فِي الْأَعْرَافِ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَدُوِّ الْإِنْسَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ الْآيَةَ، وَقَالَ فِي " الْمُؤْمِنُونَ " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ثُمَّ قَالَ: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ الْآيَةَ، وَقَالَ فِي فُصِّلَتِ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ الْآيَاتِ، وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ أَحْسَنُ الِاكْتِفَاءِ وَأَمْلَحُ الِاقْتِفَاءِ:
(1/256)

شَيْطَانُنَا الْمُغْوِي عَدُوٌّ فَاعْتَصِمْ ... بِاللَّهِ مِنْهُ وَالْتَجِي وَتَعَوَّذِ
وَعَدُوُّكَ الْإِنْسِيُّ دَارِ وِدَادَهُ ... تَمْلِكْهُ وَادْفَعْ بِالَّتِي فَإِذَا الَّذِي
(الرَّابِعُ) فِي الْوَقْفِ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ وَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ مِنْ مُؤَلِّفِي الْكُتُبِ، وَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ وَالِابْتِدَاءُ بِمَا بَعْدَهَا بَسْمَلَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا، وَيَجُوزُ وَصْلُهُ بِمَا بَعْدَهَا، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الدَّانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْأَوْلَى وَصْلُهَا بِالْبَسْمَلَةِ ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ " الِاكْتِفَاءُ ": الْوَقْفُ عَلَى آخِرِ التَّعَوُّذِ تَامٌّ، وَعَلَى آخِرِ الْبَسْمَلَةِ أَتَمُّ. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ، وَرَجَّحَ الْوَقْفَ لِمَنْ مَذْهَبُهُ التَّرْتِيلُ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ " الْإِقْنَاعُ ": لَكَ أَنْ تَصِلَهَا - أَيِ: الِاسْتِعَاذَةَ - بِالتَّسْمِيَةِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَتَمُّ وَلَكَ أَنْ تَسْكُتَ عَلَيْهَا، وَلَا تَصِلَهَا بِالتَّسْمِيَةِ، وَذَلِكَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّرْتِيلِ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُسَمِّ - يَعْنِي مَعَ الِاسْتِعَاذَةِ - فَالْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنْ يَسْكُتَ عَلَيْهَا، وَلَا يَصِلَهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَجُوزُ وَصْلُهَا. قُلْتُ: هَذَا أَحْسَنُ مَا يُقَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمُرَادُهُ بِالسَّكْتِ الْوَقْفُ؛ لِإِطْلَاقِهِ وَلِقَوْلِهِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ. وَكَذَلِكَ نَظَمَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو حَيَّانَ فِي قَصِيدَتِهِ حَيْثُ قَالَ:
وَقِفْ بَعْدُ أَوْ صِلَا
. وَعَلَى الْوَصْلِ لَوِ الْتَقَى مَعَ الْمِيمِ مِثْلُهَا نَحْوُ: (الرَّحِيمِ مَا نَنْسَخْ) - أَدْغَمَ لِمَنْ مَذْهَبُهُ الْإِدْغَامُ، كَمَا يَجِبُ حَذْفُ هَمْزَةِ الْوَصْلِ فِي نَحْوِ: (الرَّحِيمِ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) وَنَحْوِ: (الرَّحِيمِ الْقَارِعَةُ) . وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَصَبَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يُخْفِي الْمِيمَ مِنَ الرَّحِيمِ عِنْدَ بَاءِ بِسْمِ اللَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شَيْطَا، وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ سِوَى وَصْلِ الِاسْتِعَاذَةِ بِالْبَسْمَلَةِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْبَسْمَلَةِ.
(الْخَامِسُ) فِي حُكْمِ الِاسْتِعَاذَةِ اسْتِحْبَابًا وَوُجُوبًا
وَهِيَ مَسْأَلَةٌ لَا تَعَلُّقَ لِلْقِرَاءَاتِ بِهَا، وَلَكِنْ لَمَّا ذَكَرَهَا شُرَّاحُ الشَّاطِبِيَّةِ لَمْ يَخْلُ كِتَابُنَا مِنْ ذِكْرِهَا؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَوَائِدِ. وَقَدْ تَكَفَّلَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ وَالْفُقَهَاءِ بِالْكَلَامِ فِيهَا، وَنُشِيرُ إِلَى مُلَخَّصِ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ مَسَائِلَ (الْأُولَى) ذَهَبَ الْجُمْهُورُ
(1/257)

إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ حَالٍ: فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ، وَذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُ إِلَى وُجُوبِهَا حَمْلًا لِلْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ، حَتَّى أَبْطَلُوا صَلَاةَ مَنْ لَمْ يَسْتَعِذْ. وَقَدْ جَنَحَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَحَكَاهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ وَالْأَمْرُ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، وَبِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّهَا تَدْرَأُ شَرَّ الشَّيْطَانِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ أَحْوَطُ، وَهُوَ أَحَدُ مَسَالِكِ الْوُجُوبِ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا تَعَوَّذَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمُرِهِ فَقَدْ كَفَى فِي إِسْقَاطِ الْوُجُوبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ أُمَّتِهِ، حَكَى هَذَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ شَيْخُنَا الْإِمَامُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَفْسِيرِهِ.
(الثَّانِيَةُ) الِاسْتِعَاذَةُ فِي الصَّلَاةِ لِلْقِرَاءَةِ لَا لِلصَّلَاةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ لِلصَّلَاةِ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَوَّذُ الْمَأْمُومُ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ، وَيَتَعَوَّذُ فِي الْعِيدَيْنِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ. ثُمَّ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ لِلْقِرَاءَةِ فَقَطْ، فَهَلْ قِرَاءَةُ الصَّلَاةِ قِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَكْفِي الِاسْتِعَاذَةُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ، أَوْ قِرَاءَةُ كُلِّ رَكْعَةٍ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا فَلَا يَكْفِي؟ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْأَرْجَحُ الْأَوَّلُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ وَلَمْ يَسْكُتْ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلِ الْقِرَاءَتَيْنِ أَجْنَبِيٌّ، بَلْ تَخَلَّلَهَا ذِكْرٌ، فَهِيَ كَالْقِرَاءَةِ الْوَاحِدَةِ حَمْدٌ لِلَّهِ، أَوْ تَسْبِيحٌ، أَوْ تَهْلِيلٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَرَجَّحَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ الثَّانِيَ، وَأَمَّا الْإِمَامُ مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُسْتَعَاذُ إِلَّا فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلٌ يُعْرَفُ لِمَنْ قَبْلَهُ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِـ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَرَأَى أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ التَّعَوُّذِ، فَأَمَّا قِيَامُ رَمَضَانَ
(1/258)

فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْأَغْلَبَ عَلَيْهِ جَانِبُ الْقِرَاءَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثَةُ) إِذَا قَرَأَ جَمَاعَةٌ جُمْلَةً هَلْ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ الِاسْتِعَاذَةُ، أَوْ تَكْفِي اسْتِعَاذَةُ بَعْضِهِمْ؟ لَمْ أَجِدْ فِيهَا نَصًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَيْنًا عَلَى كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ بِالْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، وَالظَّاهِرُ الِاسْتِعَاذَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ اعْتِصَامُ الْقَارِئِ وَالْتِجَاؤُهُ بِاللَّهِ تَعَالَى عَنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَكُونُ تَعَوُّذٌ وَاحِدٌ كَافِيًا عَنْ آخَرَ كَمَا اخْتَرْنَاهُ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الْأَكْلِ، وَذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَنِ الْكِفَايَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعَةُ) إِذَا قَطَعَ الْقَارِئُ الْقِرَاءَةَ لِعَارِضٍ مِنْ سُؤَالٍ، أَوْ كَلَامٍ يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَةِ لَمْ يُعِدِ الِاسْتِعَاذَةَ، وَبِخِلَافِ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ أَجْنَبِيًّا، وَلَوْ رَدًّا لِلسَّلَامِ، فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الِاسْتِعَاذَةَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَطْعُ إِعْرَاضًا عَنِ الْقِرَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: يَسْتَعِيذُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.

بَابُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْبَسْمَلَةِ
وَالْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي فُصُولٍ
(الْأَوَّلُ) بَيْنَ السُّورَتَيْنِ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِالْبَسْمَلَةِ وَبِغَيْرِهَا وَفِي الْوَصْلِ بَيْنَهُمَا، فَفَصَلَ بِالْبَسْمَلَةِ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ إِلَّا بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةٌ ابْنُ كَثِيرٍ، وَعَاصِمٌ، وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَقَالُونُ الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ وَرْشٍ، وَوَصَلَ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ حَمْزَةُ، وَاخْتُلِفَ عَنْ خَلَفٍ فِي اخْتِيَارِهِ بَيْنَ الْوَصْلِ وَالسَّكْتِ، فَنَصَّ لَهُ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى الْوَصْلِ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْمُسْتَنِيرِ "، " وَالْمُبْهِجِ "، وَ " كِفَايَةِ " سِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ، وَنَصَّ لَهُ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ عَلَى السَّكْتِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْآخِذِينَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ كَابْنِ الْكَدِّيِّ، وَابْنِ الْكَالِّ، وَابْنِ زُرَيْقٍ الْحَدَّادِ،، وَأَبِي الْحَسَنِ الدِّيوَانِيِّ، وَابْنِ مُؤْمِنٍ صَاحِبِ الْكَنْزِ، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا عَنِ الْبَاقِينَ، وَهُمْ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ،
(1/259)

وَوَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ بَيْنَ الْوَصْلِ وَالسَّكْتِ وَالْبَسْمَلَةِ. فَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَقَطَعَ لَهُ بِالْوَصْلِ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ "، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ لِلدَّانِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ شَيْخُهُ الْفَارِسِيُّ، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ، وَهُوَ طَرِيقُ أَبِي إِسْحَاقَ الطَّبَرِيِّ فِي الْمُسْتَنِيرِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْكَافِي، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الشَّاطِبِيَّةِ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي،، وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْهِدَايَةِ، وَبِهِ قَطَعَ فِي غَايَةِ الِاخْتِصَارِ لِغَيْرِ السُّوسِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْحَضْرَمِيُّ فِي " الْمُفِيدِ " لِلدُّورِيِّ عَنْهُ، وَقَطَعَ لَهُ بِالسَّكْتِ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَ " التَّبْصِرَةِ " وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَ " تَلْخِيصِ أَبِي مَعْشَرٍ " وَالْإِرْشَادِ لِابْنِ غَلْبُونَ وَالتَّذْكِرَةِ "، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْمُسْتَنِيرِ " وَ " الرَّوْضَةِ " وَسَائِرِ كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ لِغَيْرِ ابْنِ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ، وَفِي " الْكَافِي " أَيْضًا، وَقَالَ: إِنَّهُ أُخِذَ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الدَّانِيُّ، وَقَرَأَ بِهِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَأَبِي الْفَتْحِ وَابْنِ خَاقَانَ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ التَّيْسِيرِ بِسِوَاهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ فِي الشَّاطِبِيَّةِ وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى الْفَارِسِيِّ لِلدُّورِيِّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي غَايَةِ " الِاخْتِصَارِ " لِلدُّورِيِّ أَيْضًا، وَقَطَعَ لَهُ بِالْبَسْمَلَةِ صَاحِبُ " الْهَادِي " وَصَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ " الْكَافِي "، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ، وَهُوَ الَّذِي فِي غَايَةِ الِاخْتِصَارِ لِلسُّوسِيِّ، وَقَالَ الْخُزَاعِيُّ، وَالْأَهْوَازِيُّ وَمَكِّيٌّ وَابْنُ سُفْيَانَ وَالْهُذَلِيُّ: وَالتَّسْمِيَةُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَأَمَّا ابْنُ عَامِرٍ فَقَطَعَ لَهُ بِالْوَصْلِ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ "، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " الْكَافِي " " وَالشَّاطِبِيَّةِ " وَقَطَعَ لَهُ بِالسَّكْتِ صَاحِبَا " التَّلْخِيصِ " وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَابْنَا غَلْبُونَ، وَاخْتِيَارُ الدَّانِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الْيَسِيرِ بِسِوَاهُ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ " وَقَطَعَ لَهُ بِالْبَسْمَلَةِ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ، وَجَمِيعُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ " الْكَافِي "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى الْفَارِسِيِّ وَأَبِي الْفَتْحِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْمَالِكِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ " سِوَاهُ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْكَامِلِ، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَقَطَعَ لَهُ بِالْوَصْلِ صَاحِبُ " غَايَةِ الِاخْتِصَارِ "، وَقَطَعَ لَهُ بِالسَّكْتِ صَاحِبُ " الْمُسْتَنِيرِ " وَ " الْإِرْشَادِ " وَ " الْكِفَايَةِ "
(1/260)

وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْبَسْمَلَةِ صَاحِبُ التَّذْكِرَةِ، وَالدَّانِيُّ وَابْنُ الْفَحَّامِ وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْكَامِلِ "، وَأَمَّا وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ فَقَطَعَ لَهُ بِالْوَصْلِ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " الْحَضْرَمِيُّ وَصَاحِبُ " الْمُفِيدِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ " الْكَافِي "، وَأَحَدُ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَقَطَعَ لَهُ بِالسَّكْتِ ابْنَا غَلْبُونَ، وَابْنُ بَلِّيمَةَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّيْسِيرِ "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى جَمِيعِ شُيُوخِهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " الشَّاطِبِيَّةِ " وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّبْصِرَةِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الطَّيِّبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْكَامِلِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ لَهُ غَيْرَهُ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْبَسْمَلَةِ صَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي عَدِيٍّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ " الْكَافِي "، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ أَبُو غَانِمٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْأُذْفُوِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الْأَزْرَقِ.

(الثَّانِي) أَنَّ الْآخِذِينَ بِالْوَصْلِ لِمَنْ ذَكَرَ مِنْ حَمْزَةَ وَأَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ عَامِرٍ، أَوْ يَعْقُوبَ، أَوْ وَرْشٍ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لَهُمُ السَّكْتَ بَيْنَ (الْمُدَّثِّرُ، وَلَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ - وَبَيْنَ - الِانْفِطَارِ وَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - وَبَيْنَ وَالْفَجْرِ، وَلَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ - وَبَيْنَ وَالْعَصْرِ، وَوَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ) كَصَاحِبِ " الْهِدَايَةِ " وَابْنَيْ غَلْبُونَ، وَصَاحِبِ " الْمُبْهِجِ " وَصَاحِبِ " التَّبْصِرَةِ "، وَصَاحِبِ " الْإِرْشَادِ "، وَصَاحِبِ " الْمُفِيدِ "، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَبُو مَعْشَرٍ فِي " جَامِعِهِ " وَصَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " وَصَاحِبُ " التَّيْسِيرِ "، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الشَّاطِبِيُّ وَنَقَلَ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ فِي غَيْرِ (وَالْعَصْرِ، وَالْهُمَزَةِ) ، وَكَذَا اخْتَارَهُ ابْنُ شَيْطَا صَاحِبُ " التَّذْكَارِ "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَكَذَا الْآخِذُونَ بِالسَّكْتِ لِمَنْ ذَكَرَ مِنْ أَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبَ، وَوَرْشٍ، اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لَهُمُ الْبَسْمَلَةَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْمَوَاضِعِ كَابْنَيْ غَلْبُونَ، وَصَاحِبِ " الْهِدَايَةِ "، وَمَكِّيٍّ، وَصَاحِبِ " التَّبْصِرَةِ "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَخَلَفِ بْنِ خَاقَانَ، وَإِنَّمَا اخْتَارُوا ذَلِكَ لِبَشَاعَةِ وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ إِذَا قِيلَ: (أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ لَا) أَوِ: (ادْخُلِي جَنَّتِي لَا) أَوْ: (لِلَّهِ وَيْلٌ) أَوْ: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَيْلٌ) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، فَفَصَلُوا بِالْبَسْمَلَةِ لِلسَّاكِتِ، وَبِالسَّكْتِ لِلْوَاصِلِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْبَسْمَلَةُ لَهُ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ
(1/261)

عَنْهُ النَّصُّ بِعَدَمِ الْبَسْمَلَةِ، فَلَوْ بَسْمَلُوا لَصَادَمُوا النَّصَّ بِالِاخْتِيَارِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَابْنِ سُفْيَانَ صَاحِبِ " الْهَادِي "، وَأَبِي الطَّاهِرِ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ " وَشَيْخِهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيِّ صَاحِبِ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
تَنْبِيهَاتٌ
(أَوَّلُهَا) تَخْصِيصُ السَّكْتِ وَالْبَسْمَلَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ مُفَرَّعٌ عَلَى الْوَصْلِ وَالسَّكْتِ مُطْلَقًا. فَمَنْ خَصَّهَا بِالسَّكْتِ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ فِي غَيْرِهَا الْوَصْلُ، وَمَنْ خَصَّهَا بِالْبَسْمَلَةِ فَمَذْهَبُهُ فِي غَيْرِهَا السَّكْتُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْوِي الْبَسْمَلَةَ لِأَصْحَابِ الْوَصْلِ كَمَا تَوَهَّمَهُ الْمُنْتَجَبُ، وَابْنُ بُصْخَانَ، فَافْهَمْ ذَلِكَ فَقَدْ أَحْسَنَ الْجَعْبَرِيُّ فِي فَهْمِهِ مَا شَاءَ وَأَجَادَ الصَّوَابَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ بِإِضَافَتِهِ إِلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ مَوْضِعًا خَامِسًا، وَهُوَ الْبَسْمَلَةُ بَيْنَ الْأَحْقَافِ وَالْقِتَالِ عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ أَبُو الْكَرَمِ، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ صَاحِبُ " التَّذْكِرَةِ " بِاخْتِيَارِ الْوَصْلِ لِمَنْ سَكَتَ مِنْ أَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ عَامِرٍ، وَوَرْشٍ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ وَهِيَ: الْأَنْفَالُ بِبَرَاءَةَ، وَالْأَحْقَافُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا، وَاقْتَرَبَتْ بِالرَّحْمَنِ، وَالْوَاقِعَةُ بِالْحَدِيدِ، وَالْفِيلُ بِـ " لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ". قَالَ الْحَسَنُ: ذَلِكَ بِمُشَاكَلَةِ آخِرِ السُّورَةِ لِأَوَّلِ الَّتِي تَلِيهَا.
(ثَانِيهَا) أَنَّهُ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ السَّكْتِ، وَأَنَّ الْمُشْتَرَطَ فِيهِ يَكُونُ مِنْ دُونِ تَنَفُّسٍ، وَأَنَّ كَلَامَ أَئِمَّتِنَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ طُولُ زَمَنِهِ وَقِصَرُهُ، وَحِكَايَةُ قَوْلِ سِبْطِ الْخَيَّاطِ:
إِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ طُولِ زَمَنِ السَّكْتِ بِقَدْرِ الْبَسْمَلَةِ، وَقَدْ قَالَ أَيْضًا فِي " كِفَايَتِهِ " مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَرُوِيَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو إِسْرَارُهَا، أَيْ: إِسْرَارُ الْبَسْمَلَةِ. قُلْتُ: وَالَّذِي قَرَأْتُ بِهِ وَآخُذُ: السَّكْتُ عَنْ جَمِيعِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ السَّكْتُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ سَكْتًا يَسِيرًا مِنْ دُونِ تَنَفُّسٍ قَدْرَ السَّكْتِ
(1/262)

لِأَجْلِ الْهَمْزِ، عَنْ حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ حَتَّى أَنِّي أَخْرَجْتُ وَجْهَ حَمْزَةَ مَعَ وَجْهِ وَرْشٍ بَيْنَ سُورَتَيْ (وَالضُّحَى، وَأَلَمْ نَشْرَحْ) عَلَى جَمِيعِ مَنْ قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ مِنْ شُيُوخِي، وَهُوَ الصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) أَنَّ كُلًّا مِنَ الْفَاصِلِينَ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْوَاصِلِينَ وَالسَّاكِتِينَ إِذَا ابْتَدَأَ سُورَةً مِنَ السُّوَرِ بَسْمَلَ بِلَا خِلَافٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، إِلَّا إِذَا ابْتَدَأَ (بَرَاءَةٌ) كَمَا سَيَأْتِي، سَوَاءٌ كَانَ الِابْتِدَاءُ عَنْ وَقْفٍ أَمْ قَطْعٍ، أَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ فَصَلَ بِهَا فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ أَلْغَاهَا فَلِلتَّبَرُّكِ وَالتَّيَمُّنِ، وَلِمُوَافَقَةِ خَطِّ الْمُصْحَفِ ; لِأَنَّهَا عِنْدَ مَنْ أَلْغَاهَا إِنَّمَا كُتِبَتْ لِأَوَّلِ السُّورَةِ تَبَرُّكًا، وَهُوَ لَمْ يُلْغِهَا فِي حَالَةِ الْوَصْلِ إِلَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْتَدِئْ، فَلَمَّا ابْتَدَأَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَا؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ الْمُصْحَفَ وَصْلًا وَوَقْفًا، فَيَخْرُجُ عَنِ الْإِجْمَاعِ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَهَمَزَاتِ الْوَصْلِ تُحْذَفُ وَصْلًا وَتُثْبَتُ ابْتِدَاءً ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِي إِثْبَاتِ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ سَوَاءٌ وُصِلَتْ بِسُورَةِ النَّاسِ قَبْلَهَا أَوِ ابْتُدِئَ بِهَا لِأَنَّهَا وَلَوْ وُصِلَتْ لَفْظًا فَإِنَّهَا مُبْتَدَأٌ بِهَا حُكْمًا ; وَلِذَلِكَ كَانَ الْوَاصِلُ هُنَا حَالًّا مُرْتَحِلًا، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْخَرَقِيُّ عَنِ ابْنِ سَيْفٍ، عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ أَنَّهُ تَرَكَ الْبَسْمَلَةَ أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ فَالْخَرَقِيُّ هُوَ شَيْخُ الْأَهْوَازِيِّ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْأَهْوَازِيِّ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ وَرْشٍ، بَلِ الْمُتَوَاتِرُ عَنْهُ خِلَافُهُ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي كِتَابِهِ " الْمُوجَزُ ": اعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ مَشْيَخَةِ الْمِصْرِيِّينَ رَوَوْا أَدَاءً عَنْ أَسْلَافِهِمْ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ وَرْشٍ أَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ الْبَسْمَلَةَ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ إِلَّا فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ يُبَسْمِلُ فِي أَوَّلِهَا لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْقُرْآنِ، فَلَيْسَ قَبْلَهَا سُورَةٌ يُوصَلُ آخِرُهَا بِهَا. هَكَذَا قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ خَاقَانَ، وَابْنِ غَلْبُونَ، وَفَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ - وَحَكَوْا ذَلِكَ - عَنْ قِرَاءَتِهِمْ مُتَّصِلًا، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْكَافِي بِعَدَمِ الْبَسْمَلَةِ لِحَمْزَةَ فِي ابْتِدَاءِ السُّوَرِ سِوَى الْفَاتِحَةِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَدُهُ أَبُو الْحَسَنِ شُرَيْحٌ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ مِنْ أَنَّهُ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ لِحَمْزَةَ بِوَصْلِ السُّورَةِ
(1/263)

بِالسُّورَةِ لَا يَلْتَزِمُ بِالْوَصْلِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ آخِرُ السُّورَةِ عِنْدَهُ كَآخِرِ آيَةٍ، وَأَوَّلُ السُّورَةِ الْأُخْرَى كَأَوَّلِ آيَةٍ أُخْرَى، فَكَمَا لَا يَلْتَزِمُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ وَصْلَ الْآيَاتِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ كَذَا لَا يَلْتَزِمُ لَهُ وَصْلَ السُّورَةِ حَتْمًا، بَلْ إِنْ وَصَلَ فَحَسَنٌ وَإِنْ تَرَكَ فَحَسَنٌ.
(قُلْتُ) : حُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ: الْقُرْآنُ عِنْدِي كَسُورَةٍ وَاحِدَةٍ. فَإِذَا قَرَأْتُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَجْزَأَنِي، وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كَلَامَ حَمْزَةَ يُحْمَلُ عَلَى حَالَةِ الْوَصْلِ لَا الِابْتِدَاءِ؛ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(الرَّابِعُ) لَا خِلَافَ فِي حَذْفِ الْبَسْمَلَةِ بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةَ، عَنْ كُلِّ مَنْ بَسْمَلَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ بِبَرَاءَةَ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَمِمَّنْ حَكَى بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ، وَابْنُ الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ، وَمَكِّيٌّ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُوجَدُ نَصٌّ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِهَا. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ: إِنَّهُ الْقِيَاسُ، قَالَ: لِأَنَّ إِسْقَاطَهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَنَّ بَرَاءَةَ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْطَعُوا بِأَنَّهَا سُورَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا دُونَ الْأَنْفَالِ، فَإِنْ كَانَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ فَذَاكَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نُسَمِّي لِلتَّبَرُّكِ، وَإِنْ كَانَ إِسْقَاطُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُقْطَعْ بِأَنَّهَا سُورَةٌ وَحْدَهَا، فَالتَّسْمِيَةُ فِي أَوَائِلِ الْأَجْزَاءِ جَائِزَةٌ. وَقَدْ عُلِمَ الْغَرَضُ بِإِسْقَاطِهَا، فَلَا مَانِعَ مِنَ التَّسْمِيَةِ.
(قُلْتُ) : لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يُمْنَعُ بِظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ: فَأَمَّا بَرَاءَةٌ فَالْقُرَّاءُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى تَرْكِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنْفَالِ بِالْبَسْمَلَةِ. وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِهَا حَالَ الِابْتِدَاءِ بِهَا سِوَى مَنْ رَأَى الْبَسْمَلَةَ فِي حَالِ الِابْتِدَاءِ بِأَوْسَاطِ السُّوَرِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْتَدَأَ بِهَا مِنْ أَوَّلِ بَرَاءَةَ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا وَالْأَنْفَالَ سُورَةً وَاحِدَةً، وَلَا يُبْتَدَأُ بِهَا فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ عِلَّةَ تَرْكِهَا فِي أَوَّلِهَا أَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ بْنِ شَيْطَا: وَلَوْ أَنَّ قَارِئًا ابْتَدَأَ قِرَاءَتَهُ مِنْ أَوَّلِ التَّوْبَةِ فَاسْتَعَاذَ وَوَصَلَ الِاسْتِعَاذَةَ بِالتَّسْمِيَةِ مُتَبَرِّكًا بِهَا، ثُمَّ تَلَا السُّورَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،
(1/264)

كَمَا يَجُوزُ لَهُ إِذَا ابْتَدَأَ مِنْ بَعْضِ سُورَةٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمَحْذُورُ أَنْ يَصِلَ آخِرَ الْأَنْفَالِ بِأَوَّلِ بَرَاءَةَ، ثُمَّ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِالْبَسْمَلَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَضَلَالٌ وَخَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَمُخَالِفٌ لِلْمُصْحَفِ.
(قُلْتُ) : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَهَا أَنَّهُ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَمُخَالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، وَلَا تُصَادَمُ النُّصُوصُ بِالْآرَاءِ، وَمَا رَوَاهُ الْأَهْوَازِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْإِيضَاحُ "، عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَهَا فَلَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الِابْتِدَاعِ.

(الْخَامِسُ) يَجُوزُ فِي الِابْتِدَاءِ بِأَوْسَاطِ السُّوَرِ مُطْلَقًا سِوَى (بَرَاءَةَ) الْبَسْمَلَةُ وَعَدَمُهَا لِكُلٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ تَخَيُّرًا.
وَعَلَى اخْتِيَارِ الْبَسْمَلَةِ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَعَلَى اخْتِيَارِ عَدَمِهَا جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ وَأَهْلُ الْأَنْدَلُسِ، قَالَ ابْنُ شَيْطَا عَلَى أَنَّنِي قَرَأْتُ عَلَى جَمِيعِ شُيُوخِنَا فِي كُلِّ الْقِرَاءَاتِ عَنْ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ الْفَاضِلِينَ بِالتَّسْمِيَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وَالتَّارِكِينَ لَهَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِعَاذَةِ مَوْصُولَةً بِالتَّسْمِيَةِ مَجْهُورًا بِهِمَا، سَوَاءٌ كَانَ الْمَبْدُوءُ بِهِ أَوَّلَ سُورَةٍ، أَوْ بَعْضَ سُورَةٍ، قَالَ: وَلَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَرَأَ عَلَى شُيُوخِهِ إِلَّا كَذَلِكَ. انْتَهَى، وَهُوَ نَصٌّ فِي وَصْلِ الِاسْتِعَاذَةِ بِالْبَسْمَلَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي " الْجَامِعِ ": وَبِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ ابْتَدَأْتُ رُءُوسَ الْأَجْزَاءِ عَلَى شُيُوخِيَ الَّذِينَ قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ فِي مَذَاهِبِ الْكُلِّ، وَهُوَ الَّذِي أَخْتَارُ، وَلَا أَمْنَعُ مِنَ الْبَسْمَلَةِ، وَقَالَ مَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ: فَإِذَا ابْتَدَأَ الْقَارِئُ بِغَيْرِ أَوَّلِ سُورَةٍ عَوَّذَ فَقَطْ، هَذِهِ عَادَةُ الْقُرَّاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَبِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ قَرَأْتُ، وَقَالَ ابْنُ الْفَحَّامِ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ - يَعْنِي ابْنَ نَفِيسٍ - أَوَّلَ حِزْبِي مِنْ وَسَطِ سُورَةٍ، فَبَسْمَلْتُ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ وَأَتْبَعْتُ ذَلِكَ: هَلْ آخُذُ ذَلِكَ عَنْهُ عَلَى طَرِيقِ الرِّوَايَةِ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتَ التَّبَرُّكَ، ثُمَّ مَنَعَنِي بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ تَقُولَ رِوَايَةً.
- قَالَ - وَقَرَأْتُ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، فَقَالَ: مَا أَمْنَعُ، وَأَمَّا قَرَأْتُ بِهَذَا فَلَا. انْتَهَى، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي مَنْعِهِ رِوَايَةً، وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَبِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ ابْتَدَأْتُ رُءُوسَ الْأَجْزَاءِ عَلَى شُيُوخِيَ الَّذِينَ قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ فِي مَذْهَبِ الْكُلِّ، وَهُوَ الَّذِي
(1/265)

أَخْتَارُ، وَلَا أَمْنَعُ مِنَ التَّسْمِيَةِ.
(قُلْتُ) : وَأَطْلَقَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَمِنْهُمْ مِنْ ذَكَرَ الْبَسْمَلَةَ وَعَدَمَهَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ التَّفْصِيلُ، فَيَأْتِي بِالْبَسْمَلَةِ عَمَّنْ فَصَلَ بِهَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ كَابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَيَتْرُكُهَا عَمَّنْ لَمْ يَفْصِلْ بِهَا كَحَمْزَةَ وَخَلَفٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ سِبْطِ الْخَيَّاطِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيِّ بْنِ الْبَاذِشِ يُتْبِعُونَ وَسَطَ السُّورَةِ بِأَوَّلِهَا، وَقَدْ كَانَ الشَّاطِبِيُّ يَأْمُرُ بِالْبَسْمَلَةِ بَعْدَ الِاسْتِعَاذَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَقَوْلِهِ: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَنَحْوِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَشَاعَةِ، وَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ أَبُو الْجُودِ غِيَاثُ بْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مَكِّيٍّ فِي غَيْرِ " التَّبْصِرَةِ ".
(قُلْتُ) : وَيَنْبَغِي قِيَاسًا أَنْ يُنْهَى عَنِ الْبَسْمَلَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، وَقَوْلِهِ: لَعَنَهُ اللَّهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِلْبَشَاعَةِ أَيْضًا.

(السَّادِسُ) الِابْتِدَاءُ بِالْآيِ وَسَطَ بَرَاءَةَ قُلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِلنَّصِّ عَلَيْهَا، وَلَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا لِأَحَدٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ التَّخْيِيرُ فِيهَا، وَعَلَى جَوَازِ الْبَسْمَلَةِ فِيهَا نَصَّ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ " جَمَالُ الْقُرَّاءِ " حَيْثُ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلَافٍ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَفِي نَظَائِرِهَا مِنَ الْآيِ، وَإِلَى مَنْعِهَا جَنَحَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجَعْبَرِيُّ، فَقَالَ رَادًّا عَلَى السَّخَاوِيِّ: إِنْ كَانَ نَقْلًا فَمُسَلَّمٌ، وَإِلَّا فَرَدٌّ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَقْرِيعٌ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ وَتَصَادُمٌ لِتَعْلِيلِهِ. قُلْتُ: وَكِلَاهُمَا يُحْتَمَلُ، الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَرْكِ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوْسَاطٍ غَيْرِ بَرَاءَةَ لَا إِشْكَالَ فِي تَرْكِهَا عِنْدَهُ فِي وَسَطِ بَرَاءَةَ، وَكَذَا لَا إِشْكَالَ فِي تَرْكِهَا فِيهَا عِنْدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّفْضِيلِ، إِذِ الْبَسْمَلَةُ عِنْدَهُمْ فِي وَسَطِ السُّورَةِ تَبَعٌ لِأَوَّلِهَا، وَلَا تَجُوزُ الْبَسْمَلَةُ أَوَّلُهَا فَكَذَلِكَ وَسَطُهَا، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْبَسْمَلَةِ فِي الْأَجْزَاءِ مُطْلَقًا، فَإِنِ اعْتَبَرَ بَقَاءَ أَثَرِ الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا حُذِفَتِ الْبَسْمَلَةُ مِنْ أَوَّلِهَا وَهِيَ نُزُولُهَا بِالسَّيْفِ كَالشَّاطِبِيِّ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ لَمْ يُبَسْمِلْ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْ بَقَاءَ أَثَرِهَا، أَوْ لَمْ يَرَهَا عِلَّةً بَسْمَلَ بِلَا نَظَرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1/266)

(السَّابِعُ) إِذَا فَصَلَ بِالْبَسْمَلَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ أَمْكَنَ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَوْلَاهَا قَطْعُهَا عَنِ الْمَاضِيَةِ وَوَصْلُهَا بِالْآتِيَةِ، وَالثَّانِي وَصْلُهَا بِالْمَاضِيَةِ وَبِالْآتِيَةِ، وَالثَّالِثُ قَطْعُهَا عَنِ الْمَاضِيَةِ وَعَنِ الْآتِيَةِ، وَهُوَ مِمَّا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْأَدَاءِ فِي جَوَازِهِ إِلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ مَكِّيٌّ، فَإِنَّهُ نَصَّ فِي " التَّبْصِرَةِ " عَلَى جَوَازِ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَمَنْعِ الرَّابِعِ، وَسَكَتَ عَنْ هَذَا الثَّالِثِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا، وَقَالَ فِي " الْكَشْفِ " مَا نَصُّهُ: إِنَّهُ أَتَى بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى إِرَادَةِ التَّبَرُّكِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ وَإِثْبَاتِهَا لِلِافْتِتَاحِ فِي الْمُصْحَفِ، فَهِيَ لِلِابْتِدَاءِ بِالسُّورَةِ، فَلَا يُوصَفُ عَلَى التَّسْمِيَةِ دُونَ أَنْ يُوصَلَ بِأَوَّلِ السُّورَةِ. انْتَهَى، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي اقْتِضَاءِ مَنْعِ الْوَجْهَيْنِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ. وَهَذَا مِنْ أَفْرَادِهِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ التَّكْبِيرِ آخِرَ الْكِتَابِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالرَّابِعُ وَصْلُهَا بِالْمَاضِيَةِ وَقَطْعُهَا عَنِ الْآتِيَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ لِأَوَائِلِ السُّوَرِ لَا لِأَوَاخِرِهَا، قَالَ: صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ ": وَالْقَطْعُ عَلَيْهَا إِذَا وُصِلَتْ بِأَوَاخِرِ السُّوَرِ غَيْرُ جَائِزٍ.
تَنْبِيهَاتٌ
(أَوَّلُهَا) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَطْعِ الْمَذْكُورِ هُوَ الْوَقْفُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، قَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَاخْتِيَارِي فِي مَذْهَبِ مَنْ فَصَّلَ أَنْ يَقِفَ الْقَارِئُ عَلَى آخِرِ السُّورَةِ وَيَقْطَعَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالتَّسْمِيَةِ مَوْصُولَةً بِأَوَّلِ السُّورَةِ الْأُخْرَى. انْتَهَى، وَذَلِكَ أَوْضَحُ. وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْجَعْبَرِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ظَنَّ أَنَّهُ السَّكْتُ الْمَعْرُوفُ، فَقَالَ فِي قَوْلِ الشَّاطِبِيِّ: " فَلَا تَقِفَنَّ "، وَلَوْ قَالَ: فَلَا تَسْكُتَنَّ لَكَانَ أَسَدَّ. وَذَلِكَ وَهْمٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أَحَدٌ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ السَّخَاوِيِّ حَيْثُ قَالَ: فَإِذَا لَمْ يَصِلْهَا بِآخِرِ سُورَةٍ جَازَ أَنْ يَسْكُتَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَتَأَمَّلْهُ، وَلَوْ تَأَمَّلْهُ لَعَلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ بِالسَّكْتِ الْوَقْفُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ: اخْتَارَ الْأَئِمَّةُ لِمَنْ يَفْصِلُ بِالتَّسْمِيَةِ أَنْ يَقِفَ الْقَارِئُ عَلَى أَوَاخِرِ السُّوَرِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالتَّسْمِيَةِ.
(1/267)

(ثَانِيهَا) تَجُوزُ الْأَوْجُهُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْبَسْمَلَةِ مَعَ الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الْوَصْلِ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالْآيَةِ، وَمَنْ قَطَعَهَا عَنْ الِاسْتِعَاذَةِ وَالْآيَةِ، وَمَنْ قَطَعَهَا عَنِ الِاسْتِعَاذَةِ وَوَصَلَهَا بِالْآيَةِ، وَمَنْ عَكَسَهُ كَمَا تَقَدَّمَ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ، وَإِلَى قَوْلِ ابْنِ شَيْطَا فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ قَرِيبًا فِي قَطْعِهِ بِوَصْلِ الْجَمِيعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَقَالَ ابْنُ الْبَاذِشِ: إِنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْجَمِيعِ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّرْتِيلِ.
(ثَالِثُهَا) إِنَّ هَذِهِ الْأَوْجُهَ وَنَحْوَهَا الْوَارِدَةَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، إِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهَا مَعْرِفَةُ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِكُلٍّ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى وَجْهِ ذِكْرِ الْخُلْفِ، فَبِأَيِّ وَجْهٍ قُرِئَ مِنْهَا جَازَ، وَلَا احْتِيَاجَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إِذَا قُصِدَ اسْتِيعَابُ الْأَوْجُهِ حَالَةَ الْجَمْعِ وَالْإِفْرَادِ. وَكَذَلِكَ سَبِيلُ مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنَ الْوَقْفِ بِالسُّكُونِ وَبِالرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ، وَكَالْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَقْفًا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَرْفَ مَدٍّ أَوْ لِينٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا إِلَّا بِالْأَصَحِّ الْأَقْوَى، وَيَجْعَلُ الْبَاقِي مَأْذُونًا فِيهِ، وَبَعْضٌ لَا يَلْتَزِمُ شَيْئًا، بَلْ يَتْرُكُ الْقَارِئَ يَقْرَأُ مَا شَاءَ مِنْهَا، إِذْ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَرَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَيَقْرَأُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعٍ وَبِآخَرَ فِي غَيْرِهِ؛ لِيَجْمَعَ الْجَمِيعَ الْمُشَافَهَةُ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا يَرَى الْجَمْعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَوَّلِ مَوْضِعٍ وَرَدَتْ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ مَا عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَامِ وَالتَّعْلِيمِ وَشُمُولِ الرِّوَايَةِ، أَمَّا مَنْ يَأْخُذُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَلَا يَعْتَمِدُهُ إِلَّا مُتَكَلِّفٌ غَيْرُ عَارِفٍ بِحَقِيقَةِ أَوْجُهِ الْخِلَافِ، وَإِنَّمَا سَاغَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَوْجُهِ فِي نَحْوِ التَّسْهِيلِ فِي وَقْفِ حَمْزَةَ لِتَدْرِيبِ الْقَارِئِ الْمُبْتَدِئِ وَرِيَاضَتِهِ عَلَى الْأَوْجُهِ الْغَرِيبَةِ لِيَجْرِيَ لِسَانُهُ وَيَعْتَادَ التَّلَفُّظَ بِهَا بِلَا كُلْفَةٍ، فَيَكُونُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ ; فَلِذَلِكَ لَا يُكَلَّفُ الْعَارِفُ بِجَمْعِهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، بَلْ هُوَ بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ جُلَّةِ مَشْيَخَةِ الْأَنْدَلُسِ - حَمَاهَا اللَّهُ - أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ
(1/268)

فِي وَجْهَيِ الْإِسْكَانِ وَالصِّلَةِ مِنْ مِيمِ الْجَمْعِ لِقَالُونَ إِلَّا بِوَجْهٍ وَاحِدٍ مُعْتَمِدِينَ ظَاهِرَ قَوْلَيِ الشَّاطِبِيِّ وَقَالُونَ بِتَخْيِيرِهِ جَلَا، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ.
(رَابِعُهَا) يَجُوزُ بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةَ إِذَا لَمْ يَقْطَعْ عَلَى آخِرِ الْأَنْفَالِ كُلٌّ مِنَ الْوَصْلِ وَالسَّكْتِ وَالْوَقْفِ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ. أَمَّا الْوَصْلُ لَهُمْ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ جَائِزًا مَعَ وُجُودِ الْبَسْمَلَةِ، فَجَوَازُهُ مَعَ عَدَمِهَا أَوْلَى عَنِ الْفَاصِلِينَ وَالْوَاصِلِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ لَمْ يَفْصِلْ، وَهُوَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ يَصِلُ أَظْهَرُ، وَأَمَّا السَّكْتُ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِ السَّكْتِ، وَأَمَّا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْفَاصِلِينَ وَالْوَاصِلِينَ فَمَنْ نَصَّ عَلَيْهِ لَهُمْ وَلِسَائِرِ الْقُرَّاءِ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ، فَقَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةَ لِإِجْمَاعِ الْمَصَاحِفِ عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ بَيْنَهُمَا. فَأَمَّا السَّكْتُ بَيْنَهُمَا فَقَدْ قَرَأْتُ بِهِ لِجَمَاعَتِهِمْ، وَلَيْسَ هُوَ مَنْصُوصًا، وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ فِي رَوْضَتِهِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْحَمَّامِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِسَكْتَةٍ بَيْنَهُمَا لِحَمْزَةَ وَحْدَهُ. فَقَالَ: وَكَانَ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ وَالْأَعْمَشُ يَصِلُونَ السُّورَةَ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ الْحَمَّامِيُّ، عَنْ حَمْزَةَ أَنَّهُ سَكَتَ بَيْنَ الْأَنْفَالِ وَالتَّوْبَةِ، وَعَلَيْهِ أُعَوِّلُ. انْتَهَى، وَإِذَا أُخِذَ بِالسَّكْتِ عَنْ حَمْزَةَ فَالْأَخْذُ عَنْ غَيْرِهِ أَحْرَى. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْمُحَقِّقُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَصَّاعِ فِي كِتَابِهِ " الِاسْتِبْصَارُ فِي الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ ": وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِ الْأَنْفَالِ بِالتَّوْبَةِ فَبَعْضُهُمْ يَرَى وَصْلَهُمَا، وَيَتَبَيَّنُ الْإِعْرَابَ وَبَعْضُهُمْ يَرَى السَّكْتَ بَيْنَهُمَا. انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَإِذَا قُرِئَ بِالسَّكْتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَلَا يَتَأَتَّى وَجْهُ إِسْرَارِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى مَذْهَبِ سِبْطِ الْخَيَّاطِ الْمُتَقَدِّمِ، إِذْ لَا بَسْمَلَةَ بَيْنَهُمَا يَسْكُتُ بِقَدْرِهَا، فَاعْلَمْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْوَقْفُ فَهُوَ الْأَقْيَسُ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّرْتِيلِ، وَهُوَ اخْتِيَارِي فِي مَذْهَبِ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ أَوَاخِرَ السُّوَرِ مِنْ أَتَمِ التَّمَامِ. وَإِنَّمَا عُدِلَ عَنْهُ فِي مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يَفْصِلْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى آخَرِ السُّوَرِ لَلَزِمَتِ الْبَسْمَلَةُ أَوَائِلَ السُّوَرِ، وَمِنْ أَجْلِ الِابْتِدَاءِ. وَإِنْ لَمْ يُؤْتَ بِهَا خُولِفَ الرَّسْمُ فِي الْحَالَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّازِمُ هُنَا مُنْتَفٍ وَالْمُقْتَضَى لِلْوَقْفِ قَائِمٌ، فَمِنْ ثَمَّ اخْتَرْنَا الْوَقْفَ، وَلَا نَمْنَعُ غَيْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1/269)

(خَامِسُهَا) مَا ذُكِرَ مِنَ الْخِلَافِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ هُوَ عَامٌّ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا مُرَتَّبَتَيْنِ، أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبَتَيْنِ، فَلَوْ وَصَلَ آخِرَ الْفَاتِحَةِ مُبْتَدِئًا بِآلِ عِمْرَانَ، أَوْ آخَرَ آلِ عِمْرَانَ بِالْأَنْعَامِ - جَازَتِ الْبَسْمَلَةُ وَعَدَمُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ وُصِلَتِ التَّوْبَةُ بِآخِرِ سُورَةٍ سِوَى الْأَنْفَالِ فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ وُصِلَتْ بِالْأَنْفَالِ، أَمَّا لَوْ وُصِلَتِ السُّورَةُ بِأَوَّلِهَا كَأَنْ كُرِّرَتْ مَثَلًا كَمَا تُكَرَّرُ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ نَصًّا، وَالَّذِي يَظْهَرُ الْبَسْمَلَةُ قَطْعًا؛ فَإِنَّ السُّورَةَ وَالْحَالَةَ هَذِهِ مُبْتَدِئَةٌ كَمَا لَوْ وُصِلَتِ النَّاسُ بِالْفَاتِحَةِ، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْجَعْبَرِيُّ عُمُومُ الْحُكْمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ فِي مَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا آيَةً، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَلَى مَذَاهِبِ الْقُرَّاءِ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ إِجْرَاءُ أَحْوَالِ الْوَصْلِ فِي آخِرِ السُّورَةِ الْمُوصَلِ طَرَفَاهَا مِنْ إِعْرَابٍ وَتَنْوِينٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(الثَّامِنُ) فِي حُكْمِهَا، وَهَلْ هِيَ آيَةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ فِيهِ أَمْ لَا؟ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، وَبُسِطَ الْقَوْلُ فِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا تَعَلُّقَ لِلْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا جَرَتْ عَادَةُ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِلتَّعَرُّضِ لِذَلِكَ لَمْ نُخْلِ كِتَابَنَا مِنْهُ؛ لِتَعْرِفَ مَذَاهِبَ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَرُوِيَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ (الثَّانِي) أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَمِنْ أَوَّلِ سُورَةٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَنُسِبَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ. (الثَّالِثُ) أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، بَعْضُ آيَةٍ مِنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ. (الرَّابِعُ) أَنَّهَا آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لَا مِنْهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ، وَحَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ (الْخَامِسُ) أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ وَلَا بَعْضِ آيَةٍ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَلَا مِنْ أَوَّلِ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا كُتِبَتْ لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَذَلِكَ مَعَ
(1/270)

إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ، وَأَنَّ بَعْضَهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ.
(قُلْتُ) : وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَرْجِعُ إِلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ كِلَيْهُمَا صَحِيحٌ، وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَقٌّ، فَيَكُونُ الِاخْتِلَافُ فِيهِمَا كَاخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ. قَالَ السَّخَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَيْهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، وَعَاصِمًا، وَالْكِسَائِيَّ يَعْتَقِدُونَهَا آيَةً مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَوَافَقَهُمْ حَمْزَةُ عَلَى الْفَاتِحَةِ خَاصَّةً. قَالَ: وَأَبُو عَمْرٍو، وَقَالُونُ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ لَا يَعْتَقِدُونَهَا آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ. انْتَهَى. وَيُحْتَاجُ إِلَى تَعَقُّبٍ، فَلَوْ قَالَ: يَعْتَقِدُونَهَا مِنَ الْقُرْآنِ أَوَّلَ كُلِّ سُورَةٍ لِيَعُمَّ كَوْنَهَا آيَةً مِنْهَا أَوْ فِيهَا، أَوْ بَعْضَ آيَةٍ - لَكَانَ أَسَدَّ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ عَدَّهَا آيَةً مِنْ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى الْفَاتِحَةِ نَصًّا، وَقَوْلُهُ: إِنَّ قَالُونَ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ لَا يَعْتَقِدُونَهَا آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ قَدْ صَحَّ نَصًّا أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمُسَيَّبِيَّ أَوْثَقَ أَصْحَابِ نَافِعٍ وَأَجَلَّهُمْ، قَالَ: سَأَلْتُ نَافِعًا، عَنْ قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَأَمَرَنِي بِهَا، وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ السَّبْعِ الْمَثَانِي، وَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا. رَوَى ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ شَيْخِهِ مُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنِ الْمُسَيَّبِيِّ قَالَ: كُنَّا نَقْرَأُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَوَّلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَبَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الْعَرْضِ وَالصَّلَاةِ، هَكَذَا كَانَ مَذْهَبُ الْقُرَّاءِ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
(قُلْتُ) : وَحَكَى أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ نَافِعًا عَنِ الْبَسْمَلَةِ فَقَالَ: السُّنَّةُ الْجَهْرُ بِهَا، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ وَقَالَ: كُلُّ عِلْمٍ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ.

ذِكْرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي سُورَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ
اخْتَلَفُوا فِي (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَالْكِسَائِيُّ، وَيَعْقُوبُ، وَخَلَفٌ بِالْأَلِفِ مَدًّا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ أَلْفٍ قَصْرًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي: الصِّرَاطِ، وَصِرَاطٍ. فَرَوَاهُ رُوَيْسٌ حَيْثُ وَقَعَ وَكَيْفَ أَتَى بِالسِّينِ، وَاخْتُلِفَ، عَنْ قُنْبُلٍ، فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالسِّينِ كَذَلِكَ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَهِيَ رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ قُنْبُلٍ، وَرِوَايَةُ
(1/271)

الْحُلْوَانِيِّ عَنِ الْقَوَّاسِ، وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ شَنَبُوذَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الرُّوَاةِ، عَنْ قُنْبُلٍ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ إِلَّا حَمْزَةَ فَرَوَى عَنْهُ خَلَفٌ بِإِشْمَامِ الصَّادِ الزَّايَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ خَلَّادٍ فِي إِشْمَامِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، أَوْ حَرْفَيِ الْفَاتِحَةِ خَاصَّةً، أَوِ الْمَعْرُوفِ بِاللَّامِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، أَوْ لَا إِشْمَامَ فِي الْحَرْفِ الْأَوَّلِ حَسَبَ مَا فِي " التَّيْسِيرِ " " وَالشَّاطِبِيَّةِ "، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ، وَصَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْخُنَيْسِيِّ، عَنْ خَلَّادٍ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْإِشْمَامِ فِي حَرْفَيِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " وَالطَّرَسُوسِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَاذَانَ عَنْهُ، وَصَاحِبُ " الْمُسْتَنِيرِ " مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْبَخْتَرِيِّ، عَنِ الْوَزَّانِ عَنْهُ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو الْعِزِّ الْأَهْوَازِيُّ عَنِ الْوَزَّانِ أَيْضًا، وَهِيَ طَرِيقُ ابْنِ حَامِدٍ، عَنِ الصَّوَّافِ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْإِشْمَامِ فِي الْمَعْرُوفِ بِاللَّامِ خَاصَّةً هُنَا وَفِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهِيَ طَرِيقُ بَكَّارٍ عَنِ الْوَزَّانِ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَلَى الْفَارِسِيِّ وَالْمَالِكِيِّ، وَهُوَ الَّذِي فِي رَوْضَةِ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ، وَطَرِيقُ ابْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنِ الصَّوَّافِ عَنِ الْوَزَّانِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الدُّورِيِّ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَقَطَعَ لَهُ بِعَدَمِ الْإِشْمَامِ فِي الْجَمِيعِ صَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَجُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَهِيَ طَرِيقُ ابْنِ الْهَيْثَمِ وَالطَّلْحِيِّ، وَرِوَايَةُ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ خَلَّادٍ، وَانْفَرَدَ ابْنُ عُبَيْدٍ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الصَّوَّافِ عَلَى الْوَزَّانِ عَنْهُ بِالْإِشْمَامِ فِي الْمُعَرَّفِ وَالْمُنَكَّرِ كَرِوَايَةِ خَلَفٍ، عَنْ حَمْزَةَ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُبْهِجِ " عَنِ ابْنِ الْهَيْثَمِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي ضَمِّ الْهَاءِ وَكَسْرِهَا مِنْ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ يَاءٍ سَاكِنَةٍ نَحْوُ: عَلَيْهِمْ وَإِلَيْهِمْ وَلَدَيْهِمْ، وَعَلَيْهِمَا وَإِلَيْهِمَا وَفِيهِمَا، وَعَلَيْهِنَّ وَإِلَيْهِنَّ وَفِيهِنَّ، وَأَبِيهِمْ وَصَيَاصِيهِمْ وَبِجَنَّتَيْهِمْ وَتَرْمِيهِمْ وَوَمَا نُرِيهِمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَشِبْهُ ذَلِكَ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ جَمِيعَ ذَلِكَ بِضَمِّ الْهَاءِ، وَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي: عَلَيْهِمْ وَإِلَيْهِمْ وَلَدَيْهِمْ فَقَطْ، فَإِنْ سَقَطَتْ مِنْهُ الْيَاءُ لِعِلَّةٍ جَزَمَ، أَوْ بِنَاءً نَحْوُ: وَإِنْ يَأْتِهِمْ، وَيُخْزِهِمْ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ، فَاسْتَفْتِهِمْ، فَآتِهِمْ، فَإِنَّ رُوَيْسًا يَضُمُّ الْهَاءَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَنْفَالِ، فَإِنَّ كَسْرَهَا
(1/272)

بِلَا خِلَافٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فِي الْحِجْرِ، وَيُغْنِهِمُ اللَّهُ فِي النُّورِ، وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ، وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ وَكِلَاهُمَا فِي غَافِرٍ، فَكَسَرَ الْهَاءَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ عَنِ النُّحَاسِ.
وَكَذَلِكَ رَوَى الْهُذَلِيُّ عَنِ الْحَمَّامِيِّ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَكَذَا نَصَّ الْأَهْوَازِيُّ، وَقَالَ الْهُذَلِيُّ: هَكَذَا أُخِذَ عَلَيْنَا فِي التِّلَاوَةِ وَلَمْ نَجِدْهُ فِي الْأَصْلِ مَكْتُوبًا، زَادَ ابْنُ خَيْرُونَ عَنْهُ كَسْرَ الرَّابِعَةِ وَهِيَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ وَضَمَّ الْهَاءَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْجُمْهُورُ، عَنْ رُوَيْسٍ، وَانْفَرَدَ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الْهَاءِ فِي (بِبَغْيِهِمْ) فِي الْأَنْعَامِ، وَ (حُلِيِّهُمْ) فِي الْأَعْرَافِ، وَلَمْ يَرْوِ ذَلِكَ غَيْرُهُ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ الْهَاءِ مِنْ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَبِذَلِكَ، قَرَأَ الْبَاقُونَ فِي جَمِيعِ الْبَابِ
وَاخْتَلَفُوا فِي صِلَةِ مِيمِ الْجَمْعِ بِوَاوٍ وَإِسْكَانِهَا، وَإِذَا وَقَعَتْ قَبْلَ مُحَرَّكٍ نَحْوُ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ فَضَمَّ الْمِيمَ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَوَصَلَهَا بِوَاوٍ فِي اللَّفْظِ وَصْلًا ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَاخْتُلِفَ، عَنْ قَالُونَ، فَقَطَعَ لَهُ بِالْإِسْكَانِ صَاحِبُ " الْكَافِي "، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْعُنْوَانِ "، وَكَذَا قَطَعَ فِي " الْهِدَايَةِ " مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " الْإِرْشَادِ " غَيْرَهُ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَعَلَى أَبِي الْفَتْحِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَصَاحِبِ " التَّجْرِيدِ " عَنِ ابْنِ نَفِيسٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَعَلَيْهِ، وَعَلَى الْفَارِسِيِّ وَالْمَالِكِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ، وَقَرَأَ الْهُذَلِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَبِالصِّلَةِ قَطَعَ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " لِلْحُلْوَانِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ الْحَسَنِ، وَعَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَطَرِيقِ الْجَمَّالِ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الْهُذَلِيُّ، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ عَنْ قَالُونَ بْنِ بَلِّيمَةَ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَنَصَّ عَلَى الْخِلَافِ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَأَطْلَقَ التَّخْيِيرَ لَهُ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَكَذَا جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ الْعِرَاقِيِّينَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ
(1/273)

وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنِ الْهَاشِمِيِّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ بِعَدَمِ الصِّلَةِ مُطْلَقًا كَيْفَ وَقَعَتْ، إِلَّا أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ هَمْزِ قَطْعٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ النَّقْلِ، وَوَافَقَ وَرْشًا عَلَى الصِّلَةِ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ مِيمِ الْجَمْعِ هَمْزَةُ قَطْعٍ نَحْوُ (عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ) (مَعَكُمْ إِنَّمَا) (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ) وَالْبَاقُونَ بِإِسْكَانِ الْمِيمِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى إِسْكَانِهَا وَقْفًا، وَاخْتَلَفُوا فِي كَسْرِ مِيمِ الْجَمْعِ وَضَمِّهَا وَضَمِّ مَا قَبْلَهَا وَكَسْرِهِ إِذَا كَانَ بَعْدَ الْمِيمِ سَاكِنٌ، وَكَانَ قَبْلَهَا هَاءٌ وَقَبْلَهَا كَسْرَةٌ، أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ نَحْوُ: قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ، وَبِهِمُ الْأَسْبَابُ، وَيُغْنِيَهُمُ اللَّهُ، وَيُرِيهِمُ اللَّهُ، وَعَلَيْهِمُ الْقِتَالُ، وَمِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي، فَكَسَرَ الْمِيمَ وَالْهَاءَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَبُو عَمْرٍو وَضَمَّ الْمِيمَ وَكَسَرَ الْهَاءِ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَضَمَّ الْمِيمَ وَالْهَاءَ جَمِيعًا حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ، وَأَتْبَعَ يَعْقُوبُ الْمِيمَ الْهَاءَ عَلَى أَصْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ، فَضَمَّهَا حَيْثُ ضَمَّ الْهَاءَ وَكَسَرَهَا حَيْثُ كَسَرَهَا، فَيَضُمُّ نَحْوَ (يُرِيهِمُ اللَّهُ) ، (عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ) ؛ لِوُجُودِ ضَمَّةِ الْهَاءِ، وَبِكَسْرِ نَحْوِ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ؛ لِوُجُودِ الْكَسْرَةِ، وَرُوَيْسٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَحْوِ يُغْنِهِمُ اللَّهُ.
هَذَا حُكْمُ الْوَصْلِ، وَأَمَّا حُكْمُ الْوَقْفِ فَكُلُّهُمْ عَلَى إِسْكَانِ الْمِيمِ، وَهِيَ فِي الْهَاءِ عَلَى أُصُولِهِمْ، فَحَمْزَةُ يَضُمُّ نَحْوَ: عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ وَإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ وَيَعْقُوبُ يَضُمُّ ذَلِكَ، وَيَضُمُّ فِي نَحْوِ يُرِيهِمُ اللَّهُ وَلَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَرُوَيْسٌ فِي نَحْوِ: يُغْنِهِمُ اللَّهُ عَلَى أَصْلِهِ بِالْوَجْهَيْنِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى ضَمِّ الْمِيمِ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا ضَمٌّ، سَوَاءٌ كَانَ هَاءً أَمْ كَافًا أَمْ تَاءً نَحْوَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ، وَعَنْهُمُ ابْتِغَاءَ، وَعَلَيْكُمُ الْقِتَالُ، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِذَا وَقَفُوا سَكَّنُوا الْمِيمَ.

بَابُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ
الْإِدْغَامُ هُوَ اللَّفْظُ بِحَرْفَيْنِ حَرْفًا كَالثَّانِي مُشَدَّدًا وَيَنْقَسِمُ إِلَى كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ.
(فَالْكَبِيرُ) مَا كَانَ الْأَوَّلُ مِنَ الْحَرْفَيْنِ فِيهِ مُتَحَرِّكًا، سَوَاءٌ أَكَانَا مِثْلَيْنِ أَمْ جِنْسَيْنِ أَمْ مُتَقَارِبَيْنِ، وَسُمِّيَ كَبِيرًا لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، إِذِ الْحَرَكَةُ أَكْثَرُ مِنَ السُّكُونِ. وَقِيلَ:
(1/274)

لِتَأْثِيرِهِ فِي إِسْكَانِ الْمُتَحَرِّكِ قَبْلَ إِدْغَامِهِ. وَقِيلَ: لِمَا فِيهِ مِنَ الصُّعُوبَةِ. وَقِيلَ: لِشُمُولِهِ نَوْعَيِ الْمِثْلَيْنِ وَالْجِنْسَيْنِ وَالْمُتَقَارِبَيْنِ.
(وَالصَّغِيرُ) هُوَ الَّذِي يَكُونُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا سَاكِنًا وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابِ وَقْفِ حَمْزَةَ وَهِشَامٍ عَلَى الْهَمْزِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْقَسِمُ إِلَى جَائِزٍ وَوَاجِبٍ وَمُمْتَنِعٍ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحُرُوفِ فِي فَصْلِ التَّجْوِيدِ، وَسَيَأْتِي تَتِمَّتُهُ فِي آخِرِ بَابِ الْإِدْغَامِ الصَّغِيرِ وَالْكَلَامِ عِنْدَ الْقُرَّاءِ عَلَى الْجَائِزِ وَمِنْهُمَا بِشَرْطِهِ عَمَّنْ وَرَدَ.
وَيَنْحَصِرُ الْكَلَامُ عَلَى الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ فِي فَصْلَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي رُوَاتِهِ، وَالثَّانِي فِي أَحْكَامِهِ. فَأَمَّا رُوَاتُهُ فَالْمَشْهُورُ بِهِ وَالْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ وَالْمُخْتَصُّ بِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْعَشَرَةِ هُوَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَلَيْسَ بِمُنْفَرِدٍ بِهِ، بَلْ قَدْ وَرَدَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَابْنِ مُحَيْصِنٍ، وَالْأَعْمَشِ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وَعِيسَى بْنِ عُمَرَ، وَمَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ، وَمَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ السَّدُوسِيِّ، وَيَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَوَجْهُهُ طَلَبُ التَّخْفِيفِ. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: الْإِدْغَامُ كَلَامُ الْعَرَبِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهَا، وَلَا يُحْسِنُونَ غَيْرَهُ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
وَتَذَكَّرْ رَبُّ الْخَوَرْنَقِ إِذْ فَكَّـ ... ـرَ يَوْمًا وَلِلْهُدَى تَفْكِيرُ
قَوْلُهُ: " تَذَكَّرَ " فِعْلٌ مَاضٍ، وَ " رَبُّ " فَاعِلُهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ:
عَشِيَّةْ تَمَنَّى أَنْ تَكُونَ حَمَامَةً ... بِمَكَّةَ يُؤْوِيكَ السِّتَارُ الْمُحَرَّمُ
ثُمَّ إِنَّ لِمُؤَلِّفِي الْكُتُبِ وَمِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ فِي ذِكْرِهِ طُرُقًا؛ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَلْبَتَّةَ كَمَا فَعَلَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ، وَابْنُ مُجَاهِدٍ فِي سَبْعَتِهِ، وَمَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَالطَّلَمَنْكِيُّ فِي رَوْضَتِهِ، وَابْنُ سُفْيَانَ فِي هَادِيهِ، وَابْنُ شُرَيْحٍ فِي كَافِيهِ، وَالْمَهْدَوِيُّ فِي هِدَايَتِهِ، وَأَبُو الطَّاهِرِ فِي عُنْوَانِهِ، وَأَبُو الطَّيِّبِ بْنُ غَلْبُونَ وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ فِي إِرْشَادَيْهِمَا، وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي مُوجَزِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ كَابْنِ الْكِنْدِيِّ، وَابْنِ زُرَيْقٍ، وَالْكَمَالِ، وَالدِّيوَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِكَمَالِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ وَهُمُ
(1/275)

الْجُمْهُورُ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ عَنِ الدُّورِيِّ وَالسُّوسِيِّ مَعًا كَأَبِي مَعْشَرٍ الطَّبَرِيِّ فِي تَلْخِيصِهِ، وَالصَّفْرَاوِيِّ فِي إِعْلَانِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ بِهِ السُّوسِيَّ وَحْدَهُ كَصَاحِبِ " التَّيْسِيرِ "، وَشَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ طَاهِرِ بْنِ غَلْبُونَ، وَالشَّاطِبِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ عَنِ السُّوسِيِّ، وَلَا الدُّورِيِّ، بَلْ ذَكَرَهُ عَنْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ الْيَزِيدِيِّ وَشُجَاعٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو كَصَاحِبِ " التَّجْرِيدِ " وَالْمَالِكِيِّ صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِحَسَبِ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ مَرْوِيًّا، وَصَحَّ لَدَيْهِمْ مُسْنَدًا، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرَ الْإِدْغَامَ وَرَوَاهُ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ مَعَهُ إِبْدَالَ الْهَمْزِ السَّاكِنِ كَمَا ذَكَرَ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْإِدْغَامَ إِبْدَالَهُ مَعَ الْإِظْهَارِ، فَثَبَتَ حِينَئِذٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مَعَ الْإِدْغَامِ وَعَدَمِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ (الْأُولَى) الْإِظْهَارُ مَعَ الْإِبْدَالِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِكَمَالِهِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عَنِ السُّوسِيِّ فِي " التَّجْرِيدِ " " وَالتَّذْكَارِ " وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّيْسِيرِ " الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي أَسَانِيدِهِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ وَفِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ مَكِّيٌّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " وَ " الْكَافِي "، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَذْكُرِ الْإِدْغَامَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو سِوَاهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو الْعِزِّ فِي إِرْشَادِهِ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ خَصَّ ذَلِكَ بِالسُّوسِيِّ كَصَاحِبِ " الْعُنْوَانِ " وَ " الْكَافِي " وَبَعْضَهُمْ عَمَّ أَبَا عَمْرٍو كَمَكِّيٍّ وَأَبِي الْعِزِّ فِي إِرْشَادِهِ (الثَّانِيَةُ) الْإِدْغَامُ مَعَ الْإِبْدَالِ، وَهُوَ الَّذِي فِي جَمِيعِ كُتُبِ أَصْحَابِ الْإِدْغَامِ مِنْ رِوَايَتَيِ الدُّورِيِّ، وَالسُّوسِيِّ جَمِيعًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ عَنْهُمَا جَمِيعًا الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ تِلَاوَةً، وَهُوَ الَّذِي عَنِ السُّوسِيِّ فِي " التَّذْكِرَةِ " لِابْنِ غَلْبُونَ وَ " الشَّاطِبِيَّةِ " وَمُفْرَدَاتِ الدَّانِيِّ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عَنْهُ فِي " التَّيْسِيرِ " وَ " التَّذْكَارُ "، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ الْيَوْمَ فِي الْأَمْصَارِ مِنْ طَرِيقِ " الشَّاطِبِيَّةِ " " وَالتَّيْسِيرِ "، وَإِنَّمَا تَبِعُوا فِي ذَلِكَ الشَّاطِبِيَّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ السَّخَاوِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الْإِدْغَامِ مَنْ شَرْحِهِ: وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ - يَعْنِي الشَّاطِبِيَّ - يُقْرِئُ بِالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ السُّوسِيِّ ; لِأَنَّهُ كَذَلِكَ قَرَأَ. وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ: وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يُقْرِئُ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْمَاهِرَ النِّحْرِيرَ الَّذِي عَرَفَ وُجُوهَ الْقِرَاءَاتِ وَلُغَاتِ الْعَرَبِ (الثَّالِثَةُ) الْإِظْهَارُ مَعَ
(1/276)

الْهَمْزِ، وَهُوَ الْأَصْلُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَالثَّابِتُ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عَنِ السُّوسِيِّ فِي " التَّجْرِيدِ " وَلِلدُّورِيِّ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْإِدْغَامَ كَالْمَهْدَوِيِّ، وَمَكِّيٍّ، وَابْنِ شُرَيْحٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّيْسِيرِ " عَنِ الدُّورِيِّ مِنْ قِرَاءَةِ الدَّانِيِّ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيِّ وَبَقِيَتْ طَرِيقٌ رَابِعَةٌ، وَهِيَ الْإِدْغَامُ مَعَ الْهَمْزِ مَمْنُوعٌ مِنْهَا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ، لَمْ يُجِزْهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَدِ انْفَرَدَ بِذِكْرِهَا الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ، فَقَالَ: وَرُبَّمَا هُمِزَ وَأُدْغِمَ الْمُتَحَرِّكُ، هَكَذَا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ هَاشِمٍ، عَلَى الْأَنْطَاكِيِّ، عَلَى ابْنِ بُدْهُنٍ، عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ عَلَى أَبِي الزَّعْرَاءِ عَلَى الدُّورِيِّ.
(قُلْتُ) : كَذَا ذَكَرَهُ الْهُذَلِيُّ، وَهُوَ وَهْمٌ عَنْهُ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ الْمَذْكُورِ، عَنْ هَذَا الْأَنْطَاكِيِّ ; لِأَنَّ ابْنَ هَاشِمٍ الْمَذْكُورَ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ الْمِصْرِيُّ يُعْرَفُ بِتَاجِ الْأَئِمَّةِ، أُسْتَاذٌ مَشْهُورٌ ضَابِطٌ، قَرَأَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، كَالْأُسْتَاذِ أَبِي عَمْرٍو الطَّلَمَنْكِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْفَحَّامِ، وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ مَا حَكَاهُ الْهُذَلِيُّ، وَلَا ذَكَرَهُ أَلْبَتَّةَ. وَشَيْخُهُ الْأَنْطَاكِيُّ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ أُسْتَاذٌ مَاهِرٌ حَافِظٌ، أَخَذَ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ: كَأَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَمُوسَى بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُعَدَّلِ الشَّرِيفِ صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْقَزْوِينِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْهُ، وَشَيْخُهُ ابْنُ بُدْهُنٍ هُوَ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغْدَادِيُّ إِمَامٌ مُتْقِنٌ مَشْهُورٌ، أَحْذَقُ أَصْحَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، أَخَذَ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي الطَّيِّبِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ غَلْبُونَ، وَابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ طَاهِرٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَيْسِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْهُ، وَشَيْخُهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ شَيْخُ الصَّنْعَةِ وَإِمَامُ السَّبْعَةِ، نَقَلَ عَنْهُ خَلْقٌ لَا يُحْصَوْنَ، وَلَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَغْرَبَ الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ الْوَاسِطِيُّ حَيْثُ قَالَ: أَقْرَأَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْيَسْعَ الْأَنْطَاكِيُّ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَجْرَمٍ الْأَنْطَاكِيِّ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ مَعَ الْهَمْزِ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يُقْرِئْنَا أَحَدٌ مِنْ شُيُوخِنَا بِالْإِدْغَامِ مَعَ الْهَمْزِ إِلَّا هَذَا
(1/277)

الشَّيْخُ.
(قُلْتُ) : وَلَا يُتَابَعُ أَيْضًا هَذَا الشَّيْخُ وَلَا الرَّاوِي عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى خِلَافِهِ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ: وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَأْخُذُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِالْهَمْزِ وَبِإِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكَاتِ، وَلَا أَعْرِفُ لِذَلِكَ رَاوِيًا عَنْهُ. انْتَهَى. نَاهِيكَ بِهَذَا مِنَ الْأَهْوَازِيِّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ فِيمَا نَعْلَمُ مِثْلَمَا قَرَأَ، وَقَدْ حَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ، عَنْ شَيْخِهِ شُرَيْحِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ الْهَمْزَ مَعَ الْإِدْغَامِ، فَقَالَ فِي بَابِ الْإِدْغَامِ مِنْ إِقْنَاعِهِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ كَلَامَ الْأَهْوَازِيِّ الْمَذْكُورَ: وَالنَّاسُ عَلَى مَا ذَكَرَ الْأَهْوَازِيُّ، إِلَّا أَنَّ شُرَيْحَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَجَازَ لِيَ الْإِدْغَامَ مَعَ الْهَمْزِ، قَالَ: وَمَا سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ.
(قُلْتُ) : وَقَدْ قَصَدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّغْرِيبَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ مُعْتَمِدًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْهُذَلِيُّ، فَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُقْرِئُنَا عَنْهُ بِذَلِكَ، وَأَخَذَ عَلَيَّ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَنَدِيِّ بِذَلِكَ عِنْدَمَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ بِالْمُبْهِجِ مُتَمَسِّكًا بِمَا فِيهِ مِنَ الْعِبَارَةِ الْمُحْتَمَلَةِ، حَيْثُ قَالَ فِي بَابِ الْإِدْغَامِ: إِنَّهُ قَرَأَ مِنْ رِوَايَةِ السُّوسِيِّ بِالْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ وَبِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ، بَلِ الصَّوَابُ الرُّجُوعُ إِلَى مَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ وَنُصُوصُ أَصْحَابِهِ هُوَ الصَّحِيحُ، فَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ إِذَا أَدْرَجَ الْقِرَاءَةَ، أَوْ أَدْغَمَ لَمْ يَهْمِزْ كُلَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ ; فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ لَهُ الْقَصْرُ أَيْضًا حَالَةَ الْإِدْغَامِ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا أَحْكَامُ الْإِدْغَامِ) فَإِنَّ لَهُ شَرْطًا وَسَبَبًا وَمَانِعًا. فَشَرْطُهُ فِي الْمُدْغَمِ أَنْ يَلْتَقِيَ الْحَرْفَانِ خَطًّا لَا لَفْظًا، لِيَدْخُلَ نَحْوُ إِنَّهُ هُوَ وَيَخْرُجَ نَحْوُ أَنَا نَذِيرٌ وَفِي الْمُدْغَمِ فِيهِ كَوْنُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَرْفٍ إِنْ كَانَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَدْخُلَ نَحْوُ خَلَقَكُمْ وَيَخْرُجَ نَحْوُ يَرْزُقُكُمْ وَسَبَبُهُ التَّمَاثُلُ وَالتَّجَانُسُ وَالتَّقَارُبُ، قِيلَ: وَالتَّشَارُكُ وَالتَّلَاصُقُ وَالتَّكَافُؤُ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالتَّمَاثُلِ وَالتَّقَارُبِ. فَالتَّمَاثُلُ أَنْ يَتَّفِقَا مَخْرَجًا وَصِفَةً كَالْبَاءِ فِي الْبَاءِ، وَالتَّاءِ فِي التَّاءِ، وَسَائِرِ الْمُتَمَاثِلِينَ، وَالتَّجَانُسُ أَنْ يَتَّفِقَا مَخْرَجًا وَيَخْتَلِفَا صِفَةً كَالذَّالِ فِي الثَّاءِ، وَالثَّاءِ فِي الظَّاءِ، وَالتَّاءِ فِي الدَّالِ، وَالتَّقَارُبُ أَنْ يَتَقَارَبَا مَخْرَجًا، أَوْ صِفَةً، أَوْ مَخْرَجًا وَصِفَةً كَمَا سَيَأْتِي،
(1/278)

وَمَوَانِعُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةٌ: كَوْنُ الْأَوَّلِ تَاءَ ضَمِيرٍ، أَوْ مُشَدَّدًا، أَوْ مُنَوَّنًا. أَمَّا تَاءُ الضَّمِيرِ فَسَوَاءٌ كَانَ مُتَكَلِّمًا أَوْ مُخَاطَبًا نَحْوُ كُنْتُ تُرَابًا أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ خَلَقْتَ طِينًا جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، وَأَمَّا الْمُشَدَّدُ فَنَحْوُ رَبِّ بِمَا، مَسَّ سَقَرَ، فَتَمَّ مِيقَاتُ، الْحَقُّ كَمَنْ، أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا، وَهَمَّ بِهَا وَلَيْسَ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ مِنْ بَابِ الْإِدْغَامِ ; فَلِذَلِكَ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا الْمُنَوَّنُ فَنَحْوُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا، فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ، شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ، رَجُلٌ رَشِيدٌ، لَذِكْرٌ لَكَ، كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ الْجَعْبَرِيُّ، وَتَقَدَّمَهُ إِلَى ذَلِكَ الْهُذَلِيُّ،.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ: الْجَزْمُ، قِيلَ: وَقِلَّةُ الْحُرُوفِ وَتَوَالِي الْإِعْلَالِ وَمَصِيرُهُ إِلَى حَرْفِ مَدٍّ، وَاخْتُصَّ بَعْضُ الْمُتَقَارِبَيْنِ بِخِفَّةِ الْفَتْحَةِ، أَوْ بِسُكُونِ مَا قَبْلَهُ، أَوْ بِهِمَا كِلَيْهِمَا، أَوْ بِفَقْدِ الْمُجَاوِرِ، أَوْ عَدَمِ التَّكَرُّرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا تَكَافَأَ فِي الْمَنْزِلَةِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُتَقَارِبَةِ فَإِدْغَامُهُ جَائِزٌ، وَمَا زَادَ صَوْتُهُ فَإِدْغَامُهُ مُمْتَنِعٌ؛ لِلْإِخْلَالِ الَّذِي يَلْحَقُهُ، وَإِدْغَامُ الْأَنْقَصِ صَوْتًا فِي الْأَزْيَدِ جَائِزٌ مُخْتَارٌ لِخُرُوجِهِ مِنْ حَالِ الضَّعْفِ إِلَى حَالِ الْقُوَّةِ.
فَأَمَّا الْجَزْمُ فَوَرَدَ فِي الْمُتَمَاثِلَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ، يَخْلُ لَكُمْ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا، وَفِي الْمُتَجَانِسَيْنِ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُلْحِقَ بِهِ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى لِقُوَّةِ الْكَسْرَةِ، وَفِي الْمُتَقَارِبَيْنِ فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً فَأَكْثَرُهُمْ عَلَى الِاعْتِدَادِ بِهِ مَانِعًا مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَأَصْحَابِهِ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ شَنَبُوذَ وَأَبِي بَكْرٍ الدَّاجُونِيِّ، وَالْمَشْهُورُ الِاعْتِدَادُ بِهِ فِي الْمُتَقَارِبَيْنِ وَإِجْرَاءُ الْوَجْهَيْنِ فِي غَيْرِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَفْتُوحًا بَعْدَ سَاكِنٍ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي يُؤْتَ سَعَةً ضَعِيفًا، وَفِي غَيْرِهِ قَوِيًّا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ مُفَصَّلًا.
فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ وَالسَّبَبُ وَارْتَفَعَ الْمَانِعُ جَازَ الْإِدْغَامُ، فَإِنْ كَانَا مِثْلَيْنِ أُسْكِنَ الْأَوَّلُ وَأُدْغِمَ، وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مِثْلَيْنِ قُلِبَ كَالثَّانِي وَأُسْكِنَ، ثُمَّ أُدْغِمَ وَارْتَفَعَ اللِّسَانُ عَنْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَا فَصْلٍ بِحَرَكَةٍ، وَلَا رَوْمٍ
(1/279)

وَلَيْسَ بِإِدْخَالِ حَرْفٍ بِحَرْفٍ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْحَرْفَيْنِ مَلْفُوظٌ بِهِمَا كَمَا وَصَفْنَا طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ، وَلَمْ يُدْغَمْ مِنَ الْمِثْلَيْنِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنَاسِكَكُمْ فِي الْبَقَرَةِ وَمَا سَلَكَكُمْ فِي الْمُدَّثِّرِ، وَأُظْهِرَ مَا عَدَاهُمَا نَحْوُ: جِبَاهُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ، وَأَتُحَاجُّونَنَا، وَبِشِرْكِكُمْ وَشِبْهُهُ، إِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَلْيُعْلَمُ أَنَّ مِنَ الْحُرُوفِ الْأَلِفَ وَالْهَمْزَةَ لَا يُدْغَمَانِ، وَلَا يُدْغَمُ فِيهِمَا، وَمِنْهَا خَمْسَةُ أَحْرُفٍ لَمْ تَلْقَ مِثْلَهَا، وَلَا جِنْسَهَا، وَلَا مُقَارِبَهَا، فَيُدْغَمُ فِيهَا، وَهِيَ: الْخَاءُ، وَالزَّايُ، وَالصَّادُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ، وَمِنْهَا سِتَّةُ أَحْرُفٍ لَقِيَتْ مِثْلَهَا وَلَمْ تَلْقَ جِنْسَهَا، وَلَا مُقَارِبَهَا وَهِيَ: الْعَيْنُ، وَالْغَيْنُ، وَالْفَاءُ، وَالْهَاءُ، وَالْوَاوُ، وَالْيَاءُ - وَمِنْهَا خَمْسَةٌ لَقِيَتْ مُجَانِسَهَا، أَوْ مُقَارِبَهَا وَلَمْ تَلْقَ مِثْلَهَا وَهِيَ: الْجِيمُ، وَالشِّينُ، وَالدَّالُ، وَالذَّالُ، وَالضَّادُ، وَبَقِيَ مِنَ الْحُرُوفِ أَحَدَ عَشَرَ حَرْفًا لَقِيَتْ مِثْلَهَا، أَوْ مُقَارِبَهَا، أَوْ مُجَانَسَهَا وَهِيَ: الْبَاءُ، وَالتَّاءُ، وَالثَّاءُ، وَالْحَاءُ، وَالرَّاءُ، وَالسِّينُ، وَالْقَافُ، وَالْكَافُ، وَاللَّامُ، وَالْمِيمُ، وَالنُّونُ، فَجُمْلَةُ اللَّاقِي مِثْلَهُ مُتَحَرِّكًا سَبْعَةَ عَشَرَ، وَجُمْلَةُ اللَّاقِي مُجَانِسَهُ أَوْ مُقَارِبَهُ سِتَّةَ عَشَرَ حَرْفًا. تَفْصِيلُ السَّبْعَةَ عَشَرَ اللَّاقِيَةَ مِثْلَهَا.
" فَالْبَاءُ "، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ، الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، وَجُمْلَةُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ سَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ حَرْفًا عِنْدَ مَنْ يُبَسْمِلُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، أَوْ عِنْدَ مَنْ بَسْمَلَ إِذَا لَمْ يَصِلْ آخِرَ السُّورَةِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَهِيَ عِنْدَهُ إِذَا وَصَلَ تِسْعَةً وَخَمْسُونَ حَرْفًا لِزِيَادَةِ آخِرِ الرَّعْدِ وَإِبْرَاهِيمَ.
" وَالتَّاءُ "، نَحْوُ: (الْمَوْتُ تَحْسَبُونَهُمَا) ، وَنَحْوُ: (الشَّوْكَةِ تَكُونُ) ، مِمَّا يَنْقَلِبُ فِي الْوَقْفِ هَاءً، وَجُمْلَةُ الْجَمِيعِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا.
" وَالثَّاءُ "، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ: حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ فِي الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ، وَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ فِي الْمَائِدَةِ.
" وَالْحَاءُ "، فِي مَوْضِعَيْنِ: النِّكَاحِ حَتَّى، وَلَا أَبْرَحُ حَتَّى فِي الْكَهْفِ.
" وَالرَّاءُ " نَحْوُ شَهْرُ رَمَضَانَ، الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَجُمْلَتُهُ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا.
" وَالسِّينُ " النَّاسَ سُكَارَى، لِلنَّاسِ سَوَاءً كِلَاهُمَا فِي الْحَجِّ الشَّمْسَ سِرَاجًا فِي نُوحٍ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ لَا غَيْرَ.
" وَالْعَيْنُ " يَشْفَعُ عِنْدَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَرْفًا.
" وَالْغَيْنُ "، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ
(1/280)

مَوْضِعٌ وَاحِدٌ لَا غَيْرَ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ لِحَذْفِ لَامِهِ بِالْجَزْمِ، فَرَوَى إِدْغَامَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْجَوْهَرِيُّ، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ، وَمُحَمَّدٍ الْكَاتِبِ، وَابْنِ أَبِي مُرَّةَ النَّقَّاشِ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِمْ بِالْإِدْغَامِ وَجْهًا وَاحِدًا الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَأَبُو الْعِزِّ، وَابْنُ الْفَحَّامِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ. وَرَوَى إِظْهَارَهُ سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ بِالْإِظْهَارِ ابْنُ شَيْطَا وَأَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَرَوَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَبُو بَكْرٍ الشَّذَائِيُّ، وَنَصَّ عَلَيْهِمَا أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَابْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيِّ، وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ وَغَيْرُهُمْ.
(قُلْتُ) : وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ فِيهِ فِيمَا هُوَ مِثْلُهُ مِمَّا يَأْتِي مِنَ الْمَجْزُومِ.
" وَالْفَاءُ " نَحْوُ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ، وَجُمْلَتُهُ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا.
" وَالْقَافُ " خَمْسَةُ مَوَاضِعَ، الرِّزْقِ قُلْ، أَفَاقَ قَالَ، يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ، الْغَرَقُ قَالَ، طَرَائِقَ قِدَدًا.
" وَالْكَافُ " نَحْوُ رَبَّكَ كَثِيرًا، إِنَّكِ كُنْتِ وَجُمْلَتُهُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي يَكُ كَاذِبًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي يَبْتَغِ غَيْرَ وَأَظْهَرَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ لِكَوْنِ النُّونِ قَبْلَهَا مُخْفَاةً عِنْدَهَا فَلَوْ أَخْفَاهَا عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ كَمَا سَيَأْتِي لَوَالَى بَيْنَ إِخْفَائَيْنِ. وَلَوْ أَدْغَمَهُمَا لَوَالَى بَيْنَ إِعْلَالَيْنِ، وَانْفَرَدَ الْخُزَاعِيُّ عَنِ الشَّذَائِيِّ عَنِ ابْنِ شَنَبُوذَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنِ الدُّورِيِّ بِإِدْغَامِهِ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنِ الدُّورِيِّ سِوَاهُ، وَلَا نَعْلَمُهُ وَرَدَ عَنِ السُّوسِيِّ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ، عَنْ مَدْيَنَ، عَنْ أَصْحَابِهِ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو، قَالَ الدَّانِيُّ: وَالْأَخْذُ وَالْعَمَلُ بِخِلَافِهِ.
" وَاللَّامُ " نَحْوُ لَا قِبَلَ لَهُمْ، جَعَلَ لَكَ وَجُمْلَتُهُ مِائَتَانِ وَعِشْرُونَ حَرْفًا، وَاخْتُلِفَ مِنْهَا عَنْهُ فِي يَخْلُ لَكُمْ، وَآلَ لُوطٍ أَمَّا يَحِلُّ فَهُوَ مِنَ الْمَجْزُومِ وَتَقَدَّمَ، وَأَمَّا آلَ لُوطٍ فَأَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ، مِنْهَا فِي الْحِجْرِ مَوْضِعَانِ وَوَاحِدٌ فِي النَّمْلِ، وَآخَرُ فِي الْقَمَرِ، فَرَوَى إِدْغَامَهُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ شَيْطَا عَنِ الْحَمَّامِيِّ وَابْنِ الْعَلَّافِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ فَرَحٍ عَنِ الدُّورِيِّ، وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ وَبِذَلِكَ قَرَأَ الدَّانِيُّ. وَكَذَا رَوَاهُ شُجَاعٌ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَمَدْيَنَ، وَالْحُسَيْنِ بْنِ شَرِيكٍ الْآدَمِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِمَا، وَالْحَسَنُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَلَّافُ عَنِ الدُّورِيِّ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ،
(1/281)

كُلُّهُمْ عَنِ الْيَزِيدِيِّ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنِ وَافِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كِلَاهُمَا، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَرَوَى إِظْهَارَهُ سَائِرُ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَرَوَاهُ، عَنْ عِصْمَةَ وَمُعَاذٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو نَصًّا، وَاخْتَلَفَ الْمُظْهِرُونَ فِي مَانِعِ إِدْغَامِهِ؛ فَرَوَى ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ عِصْمَةَ بْنِ عُرْوَةَ الْفُقَيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: لَا أُدْغِمُهَا لِقِلَّةِ حُرُوفِهَا، وَرَدَّ الدَّانِيُّ هَذَا الْمَانِعَ بِإِدْغَامِ لَكَ كَيْدًا إِجْمَاعًا، إِذْ هُوَ أَقَلُّ حُرُوفًا مِنْ " آلَ " فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَى وَزْنِ قَالَ لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ رَسْمُهَا بِحَرْفَيْنِ اخْتِصَارًا. قَالَ الدَّانِيُّ: وَإِذَا صَحَّ الْإِظْهَارُ فِيهِ بِالنَّصِّ وَلَا أَعْلَمُهُ مِنْ طَرِيقِ الْيَزِيدِيِّ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ اعْتِلَالِ عَيْنِهِ بِالْبَدَلِ إِذَا كَانَتْ هَاءً عَلَى قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ وَالْأَصْلُ " أَهْلُ "، وَوَاوًا عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ وَالْأَصْلُ " أَوْلُ "، فَأُبْدِلَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً لِقُرْبِ مَخْرَجِهَا، وَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْمُعْتَلِّ الَّذِي يُؤَثِّرُ الْإِظْهَارُ فِيهِ لِلتَّغْيِيرِ الَّذِي لَحِقَهُ لَا لِقِلَّةِ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ.
(قُلْتُ) : وَلَعَلَّ أَبَا عَمْرٍو أَرَادَ بِقَوْلِهِ: لِقِلَّةِ حُرُوفِهَا، أَيْ: لِقِلَّةِ دَوْرِهَا فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّ قِلَّةَ الدَّوْرِ وَكَثْرَتَهُ مُعْتَبَرٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُتَقَارِبَيْنِ.
عَلَى أَنَّ أَبَا عَمْرٍو مِنَ الْبَصْرِيِّينَ وَلَعَلَّهُ أَيْضًا رَاعَى كَثْرَةَ الِاعْتِلَالِ وَقِلَّةَ الْحُرُوفِ مَعَ اتِّبَاعِ الرِّوَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
" وَالْمِيمُ " نَحْوُ (الرَّحِيمِ مَلِكِ) ، آدَمُ مِنْ رَبِّهِ وَجُمْلَتُهُ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا.
" وَالنُّونُ " نَحْوُ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ، وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَجُمْلَتُهُ سَبْعُونَ حَرْفًا.
" وَالْوَاوُ " نَحْوُ هُوَ وَالَّذِينَ، هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ مِمَّا قَبْلَ الْوَاوِ فِيهِ مَضْمُومٌ، وَجَمْلَتُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ حَرْفًا، وَنَحْوُ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ وَالْعَفْوَ وَأْمُرْ مِمَّا قَبْلَهَا سَاكِنٌ وَجُمْلَتُهُ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ تَتِمَّةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَرْفًا.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَا قَبْلَ الْوَاوِ مَضْمُومٌ، فَرَوَى إِدْغَامَهُ ابْنُ فَرَحٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ إِلَّا الْعَطَّارَ وَابْنَ شَيْطَا عَنِ الْحَمَّامِي، عَنْ زَيْدٍ عَنْهُ. وَكَذَا أَبُو الزَّعْرَاءِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَيْطَا عَنِ ابْنِ الْعَلَّافِ، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَابْنِ جَرِيرٍ عَنِ السُّوسِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ بَشَّارٍ عَنِ الدُّورِيِّ، وَابْنِ رُومِيٍّ وَابْنِ جُبَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ وَطَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ شَنَبُوذَ وَالْجِلَّةِ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ.
(1/282)

وَرَوَى إِظْهَارَهُ سَائِرُ الْبَغْدَادِيِّينَ سِوَى مَنْ ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَانِعِ الْإِدْغَامِ، فَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجِلِ أَنَّ الْوَاوَ تُسَكَّنُ لِلْإِدْغَامِ فَتَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ الَّتِي هِيَ حَرْفُ مَدٍّ وَلِينٍ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: آمَنُوا وَعَمِلُوا مِمَّا لَا يُدْغَمُ إِجْمَاعًا مِنْ أَجْلِ الْمَدِّ، وَرَدَّ الْمُحَقِّقُونَ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ إِدْغَامِ نَحْوِ نُودِيَ يَامُوسَى وَأَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ مَعَ أَنَّ تَسْكِينَهَا لِلْإِدْغَامِ عَارِضٌ. وَقِيلَ: لِقِلَّةِ حُرُوفِهِ، وَرُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ، وَالصَّحِيحُ اعْتِبَارُ الْمَانِعَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَا ضَعِيفَيْنِ، فَإِنَّ الضَّعِيفَ إِذَا اجْتَمَعَ إِلَى ضَعِيفٍ أَكْسَبَهُ قُوَّةً، وَقَدْ قِيلَ: وَضَعِيفَانِ يَغْلِبَانِ قَوِيًّا. عَلَى أَنَّ الدَّانِيَّ قَالَ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ ": وَبِالْوَجْهَيْنِ قَرَأْتُ ذَلِكَ، وَاخْتَارَ الْإِدْغَامَ لِاطِّرَادِهِ وَجَرْيِهِ عَلَى قِيَاسِ نَظَائِرِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ سُكِّنَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ وَسَوَاءٌ كَانَ هَاءً أَوْ غَيْرَهَا فَلَا خَوْفَ فِي إِدْغَامِ الْوَاوِ فِي مِثْلِهَا، وَذَلِكَ نَحْوُ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ وَخُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى مَا قَبْلَ الْوَاوِ فِيهِ سَاكِنٌ وَسَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْهَاءِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَجْلِ مَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْإِظْهَارِ فِي فَهُوَ وَلِيُّهُمُ فِي الْأَنْعَامِ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ فِي النَّحْلِ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ فِي الشُّورَى. فَلَا يُعْتَدُّ بِهَذَا الْخِلَافِ لِضَعْفِ حُجَّتِهِ وَانْفِرَادِ رِوَايَتِهِ عَنِ الْجَادَّةِ، فَإِنَّ الَّذِي ذُكِرَ فِي هُوَ الْمَضْمُومُ الْهَاءِ مَفْقُودٌ هُنَا، وَإِنْ قِيلَ بِتَوَالِي الْإِعْلَالِ فَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي نَحْوِ: فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ إِدْغَامِهِ فَلَا فَرْقَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ: قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: إِدْغَامُهُنَّ قِيَاسُ مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو ; لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْوَاوِ مِنْهُنَّ سَاكِنٌ كَمَا هُوَ فِي خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ وَمِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ قَالَ: وَأَقْرَأَنَا ابْنُ حَبَشٍ عَنْهُ بِالْإِظْهَارِ، وَوَقَعَ فِي تَجْرِيدِ ابْنِ الْفَحَّامِ أَنَّ شَيْخَهُ عَبْدَ الْبَاقِي رَوَى فِيهِنَّ الْإِظْهَارَ وَصَوَابُهُ أَنَّ عَبْدَ الْبَاقِي يَرْوِي إِدْغَامَهُنَّ، وَأَنَّ شَيْخَهُ الْفَارِسِيَّ يَرْوِي إِظْهَارَهُنَّ فَسَبَقَ الْقَلَمُ سَهْوًا، وَالسَّهْوُ قَدْ يَكُونُ فِي الْخَطِّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي اللَّفْظِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْحِفْظِ، وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ وَبَيْنَ الْعَفْوَ وَأْمُرْ وَبَيْنَ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ ; إِذْ لَا يَصِحُّ نَصٌّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو
(1/283)

وَأَصْحَابِهِ بِخِلَافِهِ، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ سَعْدَانَ عَنِ الْيَزِيدِيِّ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
" وَالْهَاءُ " نَحْوُ فِيهِ هُدًى. جَاوَزَهُ هُوَ. لِعِبَادَتِهِ هَلْ وَتُحْذَفُ الصِّلَةُ وَتُدْغَمُ لِلِالْتِقَاءِ خَطًّا؛ وَلِأَنَّ الصِّلَةَ عِبَارَةٌ عَنْ إِشْبَاعِ حَرَكَةِ الْهَاءِ تَقْوِيَةً لَهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا اسْتِقْلَالٌ، وَلِهَذَا تُحْذَفُ لِلسَّاكِنِ ; فَلِذَلِكَ لَمَّ يُعْتَدَّ بِهَا. وَقَدْ حَكَى الدَّانِيُّ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَارُ تَرْكَ الْإِدْغَامِ فِي هَذَا الضَّرْبِ وَيَقُولُ: إِنَّ شَرْطَ الْإِدْغَامِ أَنْ تَسْقُطَ لَهُ الْحَرَكَةُ مِنَ الْحَرْفِ الْأَوَّلِ لَا غَيْرَ، وَإِدْغَامُ: جَاوَزَهُ هُوَ وَنَظَائِرُهُ يُوجِبُ سُقُوطَ الْوَاوِ الَّتِي بَيْنَ الْهَائَيْنِ وَإِسْقَاطَ حَرَكَةِ الْهَاءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ الْإِدْغَامِ. قَالَ: وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى مَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ ذَلِكَ.
(قُلْتُ) : مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ إِدْغَامِهِ أَيْضًا أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَالصَّوَابُ إِدْغَامُهُ. فَقَدَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْبَلْخِيُّ إِدْغَامَهُ نَصًّا عَنِ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي قَوْلِهِ: إِلَهَهُ هَوَاهُ وَرَوَاهُ الْعَبَّاسُ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ أَيْضًا، عَنْ أَبِي عَمْرٍو إِدْغَامَ " إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ "، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَصٌّ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَجُمْلَةُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ حَرْفًا، انْفَرَدَ الْكَارَزِينِيُّ بِإِظْهَارِ جَاوَزَهُ هُوَ دُونَ سَائِرِ الْبَابِ. ذَكَرَ أَنَّهُ قَرَأَهُ عَلَى أَصْحَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ بِالْإِظْهَارِ. حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ سِبْطُ الْخَيَّاطِ.
(قُلْتُ) : وَالصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ إِدْغَامِ الْبَابِ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
" وَالْيَاءُ " ثَمَانِيَةُ مَوَاضِعَ يَأْتِيَ يَوْمٌ فِي الْبَقَرَةِ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالرُّومِ، وَالشُّورَى وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ وَنُودِيَ يَامُوسَى، فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الدَّانِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ، وَنَصَّ لَهُ عَلَى إِظْهَارِهِ وَجْهًا وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِهِ فِي إِبْدَالِهَا يَاءً سَاكِنَةً وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَالصَّفْرَاوِيُّ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَقِيَاسُ ذَلِكَ إِظْهَارُهَا لِلْبَزِّيِّ أَيْضًا وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، بَلْ جَعَلُوهُ مِنَ الْإِدْغَامِ الصَّغِيرِ، وَأَوْجَبُوا إِدْغَامَهُ فِي مَذْهَبِ مَنْ سَكَّنَ الْيَاءَ مُبْدَلَةً وَصَوَّبَهُ أَبُو شَامَةَ فَقَالَ: الصَّوَابُ
(1/284)

أَنْ يُقَالَ لَا مَدْخَلَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي هَذَا الْبَابِ بِنَفْيٍ، أَوْ إِثْبَاتٍ، فَإِنَّ الْيَاءَ سَاكِنَةٌ وَبَابَ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ مُخْتَصٌّ بِإِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكِ، وَإِنَّمَا مَوْضِعُ ذِكْرِ هَذِهِ قَوْلُهُ: وَمَا أَوَّلُ الْمِثْلَيْنِ فِيهِ مُسَكَّنٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِدْغَامِهِ. قَالَ: وَعِنْدَ ذَلِكَ يَجِبُ إِدْغَامُهُ لِسُكُونِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَهُ حَرْفُ مَدٍّ فَالْتِقَاءُ السَّاكِنَيْنِ عَلَى حَدِّهِمَا. انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَكُلٌّ مِنْ وِجْهَتَيِ الْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ مَأْخُوذٌ بِهِ وَبِهِمَا قَرَأْتُ عَلَى أَصْحَابِ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ قِرَاءَتِهِمْ بِذَلِكَ عَلَيْهِ فَوَجْهُ الْإِظْهَارِ تَوَالِي الْإِعْلَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ اللَّايْ كَمَا قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكُوفِيُّونَ، فَحُذِفَتِ الْيَاءُ لِتَطَرُّفِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، كَمَا قَرَأَ نَافِعٌ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ وَرْشٍ وَابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ قُنْبُلٍ وَغَيْرِهِ وَيَعْقُوبُ، ثُمَّ خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ لِثِقَلِهَا وَحَشْوِهَا، فَأُبْدِلَتْ يَاءً سَاكِنَةً عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ فَحَصَلَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ إِعْلَالَانِ، فَلَمْ تَكُنْ لِتُعَلَّ ثَالِثًا بِالْإِدْغَامِ. الثَّانِي أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْيَاءِ الْهَمْزَةُ فَإِبْدَالُهَا وَتَسْكِينُهَا عَارِضٌ وَلَمْ يُعْتَدَّ بِالْعَارِضِ فِيهَا فَعُومِلَتِ الْهَمْزَةُ وَهِيَ مُبْدَلَةٌ مُعَامَلَتُهَا وَهِيَ مُحَقَّقَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهَا فِي النِّيَّةِ، وَالْمُرَادُ وَالتَّقْدِيرُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تُدْغَمْ (وَوَجْهُ) الْإِدْغَامِ ظَاهِرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ سَبَبَ الْإِدْغَامِ قَوِيٌّ بِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، وَسَبْقِ أَحَدِهِمَا بِالسُّكُونِ فَحَسَنٌ الِاعْتِدَادُ بِالْعَارِضِ لِذَلِكَ، وَذَلِكَ أَصْلٌ مُطَّرِدٌ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مُنْخَرِمٍ، أَلَا تَرَى إِلَى إِدْغَامِ رُؤْيَايَ فِي مَذْهَبِ أَبِي جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ وَكَيْفَ عُومِلَتِ الْهَمْزَةُ الْمُبْدَلَةُ وَاوًا مُعَامَلَةَ الْأَصْلِيَّةِ، وَفُعِلَ بِهَا كَمَا فُعِلَ فِي مَقْضِيًّا وَوَلِيًّا فَأُبْدِلَتْ يَاءً مِنْ أَجْلِ الْيَاءِ بَعْدَهَا وَأُدْغِمَتْ فِيهَا (الثَّانِي) أَنَّ اللَّايْ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ لُغَةٌ ثَابِتَةٌ فِي اللَّائِي، قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: هِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ الْإِدْغَامُ عَلَى حَدِّهِ بِلَا نَظَرٍ، وَيَكُونُ مِنَ الْإِدْغَامِ الصَّغِيرِ. وَإِنَّمَا أُظْهِرَتْ فِي قِرَاءَةِ الْكُوفِيِّينَ وَابْنِ عَامِرٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا وَقَعَتْ حَرْفَ مَدٍّ فَامْتَنَعَ إِدْغَامُهَا لِذَلِكَ، فَجُمْلَةُ الْحُرُوفِ الْمُدْغَمَةِ فِي مِثْلِهَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ مُجَاهِدٍ بِمَا فِيهِ مِنَ الْحَرْفَيْنِ اللَّذَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ سَبْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَرْفًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1/285)

وَهُمَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ كَلِمَةٍ، وَالثَّانِي مِنْ كَلِمَتَيْنِ. أَمَّا مَا هُوَ مِنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُدْغَمْ إِلَّا الْقَافُ فِي الْكَافِ إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَ الْقَافِ، وَكَانَ بَعْدَ الْكَافِ مِيمُ جَمْعٍ نَحْوُ خَلَقَكُمْ، رَزَقَكُمُ، صَدَقَكُمُ وَاثَقَكُمْ، سَبَقَكُمْ وَلَا مَاضِيَ غَيْرُهُنَّ، وَنَحْوُ يَخْلُقُكُمْ، يَرْزُقُكُمْ، فَنُغْرِقَكُمْ وَلَا مُضَارِعَ غَيْرُهُنَّ " وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا، فَإِنْ سُكِّنَ مَا قَبْلَ الْقَافِ، أَوْ لَمْ يَأْتِ بَعْدَ الْكَافِ مِيمُ جَمْعٍ نَحْوُ مِيثَاقَكُمْ، مَا خَلْقُكُمْ، بِوَرِقِكُمْ، صَدِيقِكُمْ، خَلَقَكَ، نَرْزُقُكَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِظْهَارِهِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا كَانَ بَعْدَهَا نُونُ جَمْعٍ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ وَاحِدَةٍ طَلَّقَكُنَّ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ. فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْإِظْهَارِ عَامَّةُ أَصْحَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ عَنِ الدُّورِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةُ عَامَّةِ الْعِرَاقِيِّينَ عَنِ السُّوسِيِّ وَرِوَايَةُ مَدْيَنَ، عَنْ أَصْحَابِهِ قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: أَلْزَمَ الْيَزِيدِيُّ أَبَا عَمْرٍو إِدْغَامَ طَلَّقَكُنَّ فَإِلْزَامُهُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُدْغِمْهُ، وَرَوَاهُ بِالْإِدْغَامِ ابْنُ فَرَحٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ النَّقَّاشُ وَالْجَلَّاءُ وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْجَوْهَرِيِّ وَابْنِ شَيْطَا، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ بَشَّارٍ عَنِ الدُّورِيِّ وَالْكَارَزِينِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ السُّوسِيِّ، وَالْخُزَاعِيِّ، عَنِ ابْنِ حَبَشٍ، عَنِ السُّوسِيِّ وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ، عَنْ أَصْحَابِهِمْ وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ، عَنْ شُجَاعٍ، قَالَ الدَّانِيُّ: وَبِالْوَجْهَيْنِ قَرَأْتُهُ أَنَا وَأَخْتَارُ الْإِدْغَامِ ; لِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي الْكَلِمَةِ ثِقَلَانِ: ثِقَلُ الْجَمْعِ، وَثِقَلُ التَّأْنِيثِ. فَوَجَبَ أَنْ يُخَفَّفَ بِالْإِدْغَامِ عَلَى أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ الْفَضْلِ قَدْ رَوَى الْإِدْغَامَ فِي ذَلِكَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو نَصًّا. انْتَهَى. وَعَلَى إِطْلَاقِ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا مَنْ عَلِمْنَاهُ مِنَ الْقُرَّاءِ بِالْأَمْصَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) مَا هُوَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ، فَإِنَّ الْمُدْغَمَ فِي مُجَانَسَةٍ أَوْ مُقَارَبَةٍ سِتَّةَ عَشَرَ حَرْفًا، وَهِيَ: الْبَاءُ، وَالتَّاءُ، وَالثَّاءُ، وَالْجِيمُ، وَالْحَاءُ، وَالدَّالُ، وَالذَّالُ، وَالرَّاءُ، وَالسِّينُ، وَالشِّينُ، وَالضَّادُ، وَالْقَافُ، وَالْكَافُ، وَاللَّامُ، وَالْمِيمُ، وَالنُّونُ. وَقَدْ
(1/286)

جُمِعَتْ فِي كَلِمِ (رَضِّ سَنَشُدُّ حُجَّتَكَ بِذُلِّ قُثَمَ) فَكَانَ يُدْغِمُ هَذِهِ السِّتَّةَ عَشَرَ فِيمَا جَانَسَهَا، أَوْ قَارَبَهَا إِلَّا الْمِيمَ إِذَا تَقَدَّمَتِ الْيَاءَ، فَإِنَّهُ يَحْذِفُ حَرَكَتَهَا فَقَطْ، وَيُخْفِيهَا وَيُدْغِمُ مَا عَدَاهَا مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنَ الْمَوَانِعِ الثَّلَاثَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ مَانِعٌ اخْتُصَّ بِبَعْضِهَا، أَوْ مَانِعٌ اخْتُلِفَ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا.
" فَالْبَاءُ " تُدْغَمُ فِي الْمِيمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ فَقَطْ، وَذَلِكَ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ؛ مَوْضِعٌ فِي آلِ عِمْرَانَ، وَمَوْضِعَانِ فِي الْمَائِدَةِ، وَمَوْضِعٌ فِي الْعَنْكَبُوتِ، وَمَوْضِعٌ فِي الْفَتْحِ. وَإِنَّمَا اخْتُصَّتْ بِالْإِدْغَامِ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ مُوَافَقَةً لِمَا جَاوَرَهَا وَهُوَ يَرْحَمُ مَنْ وَيَغْفِرُ لِمَنْ أَمَّا قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا فَطُرِدَ الْإِدْغَامُ لِذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ أُظْهِرَ مَا عَدَا ذَلِكَ نَحْوُ: ضُرِبَ مَثَلٌ. سَنَكْتُبُ مَا. لِفَقْدِ الْمُجَاوِرِ، وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ قَالَ الْيَزِيدِيُّ، إِنَّمَا أُدْغِمَ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَجْلِ كَسْرَةِ الذَّالِ وَرَدَّ الدَّانِيُّ هَذِهِ الْعِلَّةَ بِنَحْوِ وَكُذِّبَ مُوسَى وَيَضْرِبَ مَثَلًا. قِيلَ: إِنَّمَا أَرَادَ الْيَزِيدِيُّ إِذَا انْضَمَّتِ الْبَاءُ بَعْدَ كَسْرَةٍ، وَرَدَّهُ أَيْضًا الدَّانِيُّ بِإِدْغَامِهِ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ.
(قُلْتُ) : وَالْعِلَّةُ الْجَيِّدَةُ فِيهِ مَعَ صِحَّةِ النَّقْلِ وَوُجُودِ الْمُجَاوِرِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْآدَمِيَّ رَوَى عَنِ ابْنِ سَعْدَانَ، عَنِ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ أَدْغَمَ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ فِي الْمَائِدَةِ، وَالْبَاءُ فِي ذَلِكَ مَفْتُوحَةٌ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ أَجْلِ مُجَاوَرَةِ بَعْدِ ظُلْمِهِ الْمُدْغَمَةِ فِي مَذْهَبِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَعَ إِدْغَامِهِ حَرْفَ الْمَائِدَةِ أَظْهَرَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ فِي هُودٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
" وَالتَّاءُ " تُدْغَمُ فِي عَشَرَةِ أَحْرُفٍ، وَهِيَ: الثَّاءُ، وَالْجِيمُ، وَالذَّالُ، وَالزَّايُ، وَالسِّينُ، وَالصَّادُ، وَالضَّادُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ. فَالثَّاءُ نَحْوُ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ وَجُمْلَتُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ حَرْفًا، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ: فِي الزَّكَاةَ ثُمَّ وَالتَّوْرَاةَ ثُمَّ لِمَانِعِ كَوْنِهِمَا مِنَ الْمَفْتُوحِ بَعْدَ سَاكِنٍ، فَرَوَى إِدْغَامَهُمَا لِلتَّقَارُبِ ابْنُ حَبَشٍ مِنْ طَرِيقِ الدُّورِيِّ وَالسُّوسِيِّ وَبِذَلِكَ، قَرَأَ الدَّانِيُّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ وَهِيَ رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ رُومِيٍّ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَرِوَايَةُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنِ الدُّورِيِّ وَمَدْيَنَ وَالْآدَمِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِمَا وَرِوَايَةُ الشَّذَائِيِّ عَنِ الشُّونِيزِيِّ
(1/287)

وَأَبُو اللَّيْثِ، كِلَاهُمَا عَنْ شُجَاعٍ. وَرَوَى أَصْحَابُ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ الْإِظْهَارَ لِخِفَّةِ الْفَتْحَةِ بَعْدَ السُّكُونِ. وَهِيَ رِوَايَةُ أَوْلَادِ الْيَزِيدِيِّ عَنْهُ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَانْفَرَدَ ابْنُ شَنَبُوذَ بِإِدْغَامِ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ فِي الْإِنْسَانِ، وَهُوَ مِنْ تَاءِ الْمُضْمَرِ، وَكَذَا رَوَى أَبُو زَيْدٍ، عَنْ شُجَاعٍ وَالْخُزَاعِيُّ، عَنِ الشَّذَائِيِّ، عَنْ شُجَاعٍ. وَعَنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الدُّورِيِّ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو وَأُصُولِهِ وَالْمَأْخُوذُ بِهِ هُوَ الْإِظْهَارُ حِفْظًا لِلْأُصُولِ وَرَعْيًا لِلنُّصُوصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْجِيمِ نَحْوُ: الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ وَجُمْلَتُهُ سَبْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، وَفِي الذَّالِ نَحْوُ: السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ وَجُمْلَتُهُ تِسْعَةُ أَحْرُفٍ، وَاخْتُلِفَ فِي وَآتِ ذَا الْقُرْبَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِكَوْنِهِمَا مِنَ الْمَجْزُومِ، أَوْ مِمَّا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَجْزُومِ، فَكَانَ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَأَصْحَابُهُ وَابْنُ الْمُنَادِي وَكَثِيرٌ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ يَأْخُذُونَهُ بِالْإِظْهَارِ مِنْ أَجْلِ النَّقْصِ وَقِلَّةِ الْحُرُوفِ. وَكَانَ ابْنُ شَنَبُوذَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو بَكْرٍ الدَّاجُونِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ يَأْخُذُونَهُ بِالْإِدْغَامِ لِلتَّقَارُبِ وَقُوَّةِ الْكَسْرِ، وَبِالْوَجْهَيْنِ قَرَأَ الدَّانِيُّ وَبِهِمَا أَخَذَ الشَّاطِبِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُقْرِئِينَ، وَفِي الزَّايِ فِي ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا. فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا. إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا وَفِي السِّينِ نَحْوُ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ، وَالسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ وَجُمْلَتُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، وَفِي الشِّينِ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ: السَّاعَةِ شَيْءٌ، بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ مَوْضِعَانِ وَاخْتُلِفَ فِي جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا فِي كهيعص فَرَوَاهُ بِالْإِظْهَارِ، وَرَوَاهُ بِالْإِدْغَامِ لِقُوَّةِ الْكَسْرَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ مَدْيَنَ، عَنْ أَصْحَابِهِ، وَبِالْوَجْهَيْنِ قَرَأَ الدَّانِيُّ وَابْنُ الْفَحَّامِ الصَّقَلِّيُّ، وَبِهِمَا أَخَذَ الشَّاطِبِيُّ وَسَائِرُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَفِي الصَّادِ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا وَفِي الضَّادِ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، وَفِي الطَّاءِ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى وَالْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ، وَاخْتُلِفَ فِي وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ، وَمِنْ أَجْلِ الْجَزْمِ، فَرَوَاهُ بِالْإِدْغَامِ مَنْ رَوَى إِدْغَامَ الْمَجْزُومِ مِنَ الْمِثْلَيْنِ، وَأَظْهَرَ مَنْ أَظْهَرَ سَائِرَ الْمَجْزُومَاتِ، إِلَّا أَنَّ الْإِدْغَامَ قَوِيٌ هُنَا مِنْ أَجْلِ التَّجَانُسِ وَقُوَّةِ الْكَسْرِ
(1/288)

وَالطَّاءِ، وَرَوَاهُ الدَّانِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأَدَاءِ بِالْوَجْهَيْنِ.
قَالَ الْخُزَاعِيُّ: سَمِعْتُ الشَّذَائِيَّ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ مُجَاهِدٍ يَأْخُذُ بِالْإِدْغَامِ قَدِيمًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِظْهَارِ، وَبِهِ قَرَأْتُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ سَوَّارٍ: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْعَطَّارُ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الطَّبَرِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْوَلِيُّ، ثَنَا ابْنُ فَرَحٍ، عَنِ الدُّورِيِّ، عَنِ الْيَزِيدِيِّ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ مُدْغَمٌ فِيمَا قَرَأْتُ بِهِ عَلَيْهِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ بِإِظْهَارِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ مِنْ أَجْلِ خِفَّةِ الْفَتْحَةِ وَسُكُونِ مَا قَبْلُ، وَأَدْغَمَهُ سَائِرُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ أَجْلِ التَّجَانُسِ وَقُوَّةِ الطَّاءِ. وَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي النِّسَاءِ: بَيَّتَ طَائِفَةٌ فَإِنَّهُ يُدْغِمُ التَّاءَ فِي الطَّاءِ فِي الْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ جَمِيعًا، وَأَجْمَعَ مَنْ رَوَى الْإِظْهَارَ عَنْهُ عَلَى إِدْغَامِهِ. قَالَ الدَّانِيُّ: وَلَمْ يُدْغِمْ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُتَحَرِّكَةِ إِذَا قُرِئَ بِالْإِظْهَارِ غَيْرُهُ. انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِنَ السَّوَاكِنِ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَيَّاهُ وَتَبَيَّاهُ، إِذَا تَعَمَّدَهُ فَتَكُونُ التَّاءُ عَلَى هَذَا لِلتَّأْنِيثِ مِثْلُ (وَدَّتْ طَائِفَةٌ) وَأَنْشَدُوا:
بَاتَتْ تَبَيَّا حَوْضَهَا عُكُوفَا ... مِثْلَ الصُّفُوفِ لَاقَتِ الصُّفُوفَا
يَصِفُ إِبِلًا اعْتَمَدَتْ حَوْضَهَا لِتَشْرَبَ الْمَاءَ، وَالْعُكُوفُ الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ، وَفِي الظَّاءِ فِي مَوْضِعَيْنِ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي فِي النِّسَاءِ وَالنَّحْلِ، وَالثَّاءُ تُدْغَمُ فِي خَمْسَةِ أَحْرُفٍ، هِيَ: التَّاءُ، وَالذَّالُ، وَالسِّينُ، وَالشِّينُ، وَالصَّادُ. فَفِي التَّاءِ فِي مَوْضِعَيْنِ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ وَالْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَفِي الذَّالِ حَرْفٌ وَاحِدٌ " الْحَرْثُ ذَلِكَ "، وَفِي السِّينِ فِي أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ. حَيْثُ سَكَنْتُمْ. الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ. مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا وَفِي الشِّينِ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ: حَيْثُ شِئْتُمَا. حَيْثُ شِئْتُمْ فِي الْبَقَرَةِ وَالْأَعْرَافِ ثَلَاثِ شُعَبٍ وَفِي الضَّادِ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ حَدِيثُ ضَيْفِ وَالْجِيمُ تُدْغَمُ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي الشِّينِ أَخْرَجَ شَطْأَهُ وَفِي التَّاءِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَأَظْهَرُهُ ابْنُ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ عَنِ الدُّورِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنِ الدُّورِيِّ وَمَدْيَنُ، عَنْ أَصْحَابِهِ،
(1/289)

وَابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الْيَزِيدِيِّ،، وَابْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَالْخُزَاعِيُّ، عَنْ شُجَاعٍ، وَأَدْغَمَهُ سَائِرُ أَصْحَابِ الْإِدْغَامِ، وَهُوَ الَّذِي قَرَأَ بِهِ الدَّانِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ.
(قُلْتُ) : وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا سِبْطُ الْخَيَّاطِ وَرَوَاهُمَا جَمِيعًا الشَّذَائِيُّ وَقَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ مُدْغَمًا وَمُظْهَرًا. قَالَ: وَقَدْ كَانَ قَدِيمًا يَأْخُذُهُ مُدْغَمًا. انْتَهَى، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ طَرَفِنَا فِي إِدْغَامِ الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ، وَإِظْهَارِ وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا، وَمُخْرَجَ صِدْقٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. نَعَمْ، قَالَ الدَّانِيُّ: وَإِدْغَامُ الْجِيمِ فِي التَّاءِ قَبِيحٌ لِتَبَاعُدِ مَا بَيْنَهُمَا فِي الْمَخْرَجِ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِكَوْنِهِمَا مِنْ مَخْرَجِ السِّينِ، وَالشِّينُ لِتَفَشِّيهَا تَتَّصِلُ بِمَخْرَجِ التَّاءِ، فَأَجْرَى لَهَا حُكْمَهَا وَأُدْغِمَتْ فِي التَّاءِ لِذَلِكَ. قَالَ: وَجَاءَ بِذَلِكَ نَصًّا عَنِ الْيَزِيدِيِّ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا عَنْهُ: كَانَ يُدْغِمُ الْجِيمَ فِي التَّاءِ، وَالتَّاءَ فِي الْجِيمِ. " وَالْحَاءُ " تُدْغَمُ فِي الْعَيْنِ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ فَقَطْ؛ لِطُولِ الْكَلِمَةِ وَتَكْرَارِ الْحَاءِ ; وَلِذَلِكَ يَظْهَرُ فِيمَا عَدَاهُ نَحْوُ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ، وَالْمَسِيحُ عِيسَى، وَالرِّيحَ عَاصِفَةً، وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ، وَقَدْ رَوَى إِدْغَامَ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ مَنْصُوصًا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ.
(قُلْتُ) : وَهُوَ مِمَّا وَرَدَ الْخِلَافُ، عَنْ أَصْحَابِ الْإِدْغَامِ، فَرَوَى إِدْغَامَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمِيعُ طُرُقِ ابْنِ فَرَحٍ عَنِ الدُّورِيِّ وَابْنِ جَرِيرٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ عَنِ السُّوسِيِّ وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ، عَنْ أَصْحَابِ الْإِدْغَامِ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ. وَرَوَى إِظْهَارَهُ جَمِيعُ الْعِرَاقِيِّينَ، عَنْ جَمِيعِ طُرُقِ أَبِي الزَّعْرَاءِ عَنِ الدُّورِيِّ، وَمِنْ جَمِيعِ طُرُقِ السُّوسِيِّ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ مَأْخُوذٌ بِهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مُجَاهِدٍ سَمِعْتُ أَبَا الزَّعْرَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ الدُّورِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْيَزِيدِيَّ يَقُولُ: مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُدْغِمُ الْحَاءَ فِي الْعَيْنِ نَحْوُ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو لَا يَرَى ذَلِكَ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَرَى ذَلِكَ قِيَاسًا، بَلْ يَقْصُرُهُ عَلَى السَّمَاعِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْإِدْغَامِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو نَفْسِهِ مِنْ رِوَايَةِ شُجَاعٍ وَعَبَّاسٍ، وَأَبِي زَيْدٍ، وَعَنِ الْيَزِيدِيِّ
(1/290)

مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ وَمَدْيَنَ الْآدَمِيِّ. وَقَدْ رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنِ الدُّورِيِّ إِدْغَامَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ، وَالْمَسِيحُ عِيسَى، وَالرِّيحَ عَاصِفَةً وَرَوَاهُ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، عَنْ شُجَاعٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ فِي: لَا جُنَاحَ، وَ " الْمَسِيحُ "، وَالْإِظْهَارُ هُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَيُقَوِّيهِ وَيُعَضِّدُهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى إِظْهَارِ الْحَاءِ السَّاكِنَةِ الَّتِي إِدْغَامُهَا آكَدُ مِنَ الْمُتَحَرِّكَةِ فِي قَوْلِهِ: " فَاصْفَحْ عَنْهُمْ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِدْغَامَ الْحَاءِ فِي الْعَيْنِ لَيْسَ بِقِيَاسٍ، بَلْ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالدَّالُ تُدْغَمُ فِي عَشَرَةِ أَحْرُفٍ: التَّاءُ، وَالثَّاءُ، وَالْجِيمُ، وَالذَّالُ، وَالزَّايُ، وَالسِّينُ، وَالشِّينُ، وَالصَّادُ، وَالضَّادُ، وَالظَّاءُ بِأَيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَتِ الدَّالُ إِلَّا إِذَا فُتِحَتْ وَقَبْلَهَا سَاكِنٌ فَإِنَّهَا لَا تُدْغَمُ إِلَّا فِي التَّاءِ. فَإِنَّهَا تُدْغَمُ فِيهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ لِلتَّجَانُسِ، فَفِي التَّاءِ خَمْسَةُ مَوَاضِعَ الْمَسَاجِدِ تِلْكَ. مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ. كَادَ يَزِيغُ. بَعْدَ تَوْكِيدِهَا تَكَادُ تَمَيَّزُ وَفِي الثَّاءِ مَوْضِعَانِ يُرِيدُ ثَوَابَ. لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ وَفِي الْجِيمِ مَوْضِعَانِ: دَاوُدُ جَالُوتَ. دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً، وَقَدْ رُوِيَ إِظْهَارُ هَذَا الْحَرْفِ عَنِ الدُّورِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَعَنِ السُّوسِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْخُزَاعِيِّ مِنْ أَجْلِ اجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ هُوَ فِي الْإِخْفَاءِ وَالْإِدْغَامِ مِنْ كَوْنِ السَّاكِنِ قَبْلَهُ حَرْفًا صَحِيحًا كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ آخِرَ الْبَابِ. إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ ابْنُ شَنَبُوذَ وَابْنُ الْمُنَادِي وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ وَبِهِ نَأْخُذُ وَلَهُ نَخْتَارُ لِقُوَّةِ الْكَسْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الذَّالِ نَحْوُ: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ، وَجُمْلَتُهُ سِتَّةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَفِي الزَّايِ مَوْضِعَانِ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَكَادُ زَيْتُهَا، وَفِي السِّينِ أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ: فِي الْأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ، كَيْدُ سَاحِرٍ، عَدَدَ سِنِينَ، يَكَادُ سَنَا وَلَمْ يَذْكُرِ الدَّانِيُّ كَيْدُ سَاحِرٍ بَلْ تَرَكَهُ سَهْوًا. قَالَ: وَيُدْغَمُ الدَّالُ فِي السِّينِ بَعْدَ السَّاكِنِ فِي مَوْضِعَيْنِ: وَشَهِدَ شَاهِدٌ فِي الْحَرْفَيْنِ مِنْ يُوسُفَ وَالْأَحْقَافِ، وَفِي الصَّادِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ
(1/291)

نَفْقِدُ صُوَاعَ، فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، وَوَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ، مَقْعَدِ صِدْقٍ، وَفِي الضَّادِ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ: " مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ " فِي يُونُسَ وَ " حم السَّجْدَةِ " وَ " مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ " فِي الرُّومِ، وَفِي الظَّاءِ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ يُرِيدُ ظُلْمًا فِي آلِ عِمْرَانَ وَغَافِرٍ وَمِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ فِي الْمَائِدَةِ، " وَالذَّالُ " تُدْغَمُ فِي السِّينِ فِي قَوْلِهِ: " فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ " فِي مَوْضِعَيِ الْكَهْفِ وَفِي الصَّادِ مَوْضِعٌ فِي قَوْلِهِ: " مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً " وَالرَّاءَ تُدْغَمُ إِذَا تَحَرَّكَتْ فِي اللَّامِ بِأَيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَتْ هِيَ نَحْوُ أَطْهَرُ لَكُمْ، لِيَغْفِرَ لَكَ فَإِنْ سُكِّنَ مَا قَبْلَهَا وَتَحَرَّكَتْ هِيَ بِضَمَّةٍ أَوْ كَسْرَةٍ أُدْغِمَ مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ نَحْوُ: " الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ "، وَالنَّهَارِ لِآيَاتٍ، وَجُمْلَةُ الْمُدْغَمِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ حَرْفًا، وَأَجْمَعُوا عَلَى إِظْهَارِهَا إِذَا فُتِحَتْ وَسُكِّنَ مَا قَبْلَهَا نَحْوُ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا، وَالْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا، وَالْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ، إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ إِلَّا مَا رُوِيَ، عَنْ شُجَاعٍ وَمَدْيَنَ مِنْ إِدْغَامِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا إِذَا سُكِّنَتْ فِي الْإِدْغَامِ الصَّغِيرِ، وَالسِّينُ تُدْغَمُ فِي الزَّايِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، قَوْلُهُ: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ لَا غَيْرَ، وَفِي الشِّينِ قَوْلُهُ: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ. فَرَوَى إِظْهَارَهُ ابْنُ حَبَشٍ، عَنْ أَصْحَابِهِ فِي رِوَايَتَيِ الدُّورِيِّ وَالسُّوسِيِّ وَابْنُ شَيْطَا، عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ فِي رِوَايَةِ الدُّورِيِّ وَالْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ، عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ الدُّورِيِّ وَالْقَاسِمُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْهُ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَأَبِي اللَّيْثِ، عَنْ شُجَاعٍ، وَابْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبَّاسٍ، وَأَدْغَمَهَا سَائِرُ الْمُدْغِمِينَ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ قَالَ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَدَاءِ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَعَنْ شُجَاعٍ. وَكَانَ ابْنُ مُجَاهِدٍ يُخَيِّرُ فِيهَا يَقُولُ: إِنْ شِئْتَ أَدْغَمْتَهَا، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهَا. وَقَالَ الشَّذَائِيُّ: أَخَذَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ أَوَّلًا بِالْإِظْهَارِ وَآخِرًا بِالْإِدْغَامِ، وَأَطْلَقَ الشَّاطِبِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِيهَا الْخِلَافَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى إِظْهَارِ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا لِخِفَّةِ الْفَتْحَةِ بَعْدَ السُّكُونِ، وَالشِّينُ تُدْغَمُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ: إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا لَا غَيْرَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَرَوَى إِدْغَامَهُ مَنْصُوصًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ شَيْطَا مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، عَنِ الدُّورِيِّ وَالنَّهْرَوَانِيِّ عَنِ ابْنِ فَرَحٍ عَنِ الدُّورِيِّ،، وَأَبِي الْحَسَنِ الثَّغْرِيِّ، عَنِ السُّوسِيِّ وَالدُّورِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ مَنْ طُرُقِ
(1/292)

الْيَزِيدِيِّ وَشُجَاعٍ، وَرَوَى إِظْهَارَهُ سَائِرُ أَصْحَابِ الْإِدْغَامِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَبِهِ قَرَأَ الشَّذَائِيُّ، عَنْ سَائِرِ أَصْحَابِ أَبِي عَمْرٍو، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَجْلِ زِيَادَةِ الشِّينِ بِالتَّفَشِّي.
(قُلْتُ) : وَلَا يُمْنَعُ الْإِدْغَامُ مِنْ أَجْلِ صَفِيرِ السِّينِ، فَحَصَلَ التَّكَافُؤُ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، قَرَأْتُ بِهِمَا وَبِهِمَا آخُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. " وَالضَّادُ " تُدْغَمُ فِي الشِّينِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ: لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ، فِي النُّورِ حَسْبٌ، لَا غَيْرَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَرَوَى إِدْغَامَهُ مَنْصُوصًا أَبُو شُعَيْبٍ السُّوسِيُّ، عَنِ الْيَزِيدِيِّ. قَالَ الدَّانِيُّ: وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ.
(قُلْتُ) : يَعْنِي مَنْصُوصًا، وَإِلَّا فَرَوَى إِدْغَامَهُ أَدَاءً ابْنُ شَيْطَا، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنِ الدُّورِيِّ وَابْنِ سَوَّارٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِ ابْنِ فَرَحٍ سِوَى الْحَمَّامِيِّ، وَرَوَاهُ أَيْضًا شُجَاعٌ وَالْآدَمِيُّ، عَنْ صَاحِبَيْهِ، وَبَكْرَانُ، عَنْ صَاحِبَيْهِ وَالزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ وَالْفَحَّامُ، عَنْ عَبَّاسٍ، وَرَوَى إِظْهَارَهُ سَائِرُ رُوَاةِ الْإِدْغَامِ، وَقَالَ الدَّانِيُّ: وَبِالْإِدْغَامِ قَرَأْتُ، وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يُمَكِّنُ مِنْ إِدْغَامِهَا إِلَّا حَاذِقًا قَالَ: وَقِيَاسُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي النَّحْلِ: وَالْأَرْضِ شَيْئًا. وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْأَدَاءِ فِي إِظْهَارِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا الْجَمْعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ مَعَ الْإِعْلَامِ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَيْسَتْ بِالْقِيَاسِ دُونَ الْأَثَرِ.
(قُلْتُ) : يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْفَرْقِ: إِنَّ الْإِدْغَامَ لَمَّا كَانَ الْقَارِئُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّحَفُّظِ فِي التَّلَفُّظِ بِهَا مِنْ ظُهُورِ تَكْرَارِهَا، وَأَمَّا الْأَرْضَ شَقًّا فَلِخِفَّةِ الْفَتْحَةِ بَعْدَ السُّكُونِ عَلَى أَنَّهُ قَدِ انْفَرَدَ الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ عَنِ ابْنِ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ بِإِدْغَامِهِ، وَتَابَعَهُ الْآدَمِيُّ، عَنْ صَاحِبَيْهِ، فَخَالَفَا سَائِرَ الرُّوَاةِ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
" وَالْقَافُ " تُدْغَمُ فِي الْكَافِ إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا نَحْوُ " يُنْفِقُ كَيْفَ " وَجُمْلَتُهُ أَحَدَ عَشَرَ حَرْفًا. فَإِنْ سُكِّنَ مَا قَبْلَهَا تُدْغَمُ نَحْوُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي. " وَالْكَافُ " تُدْغَمُ إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا فِي الْقَافِ نَحْوُ وَنُقَدِّسُ لَكَ. قَالَ: وَجَمْلَتُهُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا، فَإِنْ سُكِّنَ مَا قَبْلَهَا لَمْ يُدْغَمْ نَحْوُ إِلَيْكَ قَالَ. يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ. وَتَرَكُوكَ قَائِمًا. " وَاللَّامُ " تُدْغَمُ إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا فِي الرَّاءِ بِأَيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَتْ هِيَ، نَحْوُ رُسُلُ رَبِّكَ، كَمَثَلِ رِيحٍ، أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
(1/293)

وَجُمْلَتُهُ أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ حَرْفًا، كَجُمْلَةِ الرَّاءِ فِي اللَّامِ سَوَاءً. فَإِنْ سُكِّنَ مَا قَبْلَهَا أَدْغَمَهَا - مَضْمُومَةً كَانَتْ أَوْمَكْسُورَةً - نَحْوُ يَقُولُ رَبَّنَا، سَبِيلِ رَبِّكَ فَإِنِ انْفَتَحَتْ بَعْدَ السَّاكِنِ لَمْ تُدْغَمْ نَحْوُ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ إِلَّا لَامَ " قَالَ "، فَإِنَّهَا تُدْغَمُ حَيْثُ وَقَعَتْ ; لِكَثْرَةِ دَوْرِهَا نَحْوُ قَالَ رَبِّ، قَالَ رَبُّكُمْ، وَقَالَ رَجُلٌ، قَالَ رَجُلَانِ. " وَالْمِيمُ " تُسَكَّنُ عِنْدَ الْبَاءِ إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا تَخْفِيفًا لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ، فَتُخْفَى إِذْ ذَاكَ بِغُنَّةٍ نَحْوُ: يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، مَرْيَمَ بُهْتَانًا وَجُمْلَتُهُ ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ حَرْفًا. فَإِنْ سُكِّنَ مَا قَبْلَهَا أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ. إِلَّا مَا رَوَاهُ الْقَصَبَانِيُّ، عَنْ شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنَ الْإِخْفَاءِ بَعْدَ حَرْفِ الْمَدِّ أَوِ اللِّينِ نَحْوُ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ، الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ كِتَابِنَا. وَقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ عَنْ هَذَا الْإِخْفَاءِ بِالْإِدْغَامِ، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْتُهُ، وَفِي ذَلِكَ كَلَامٌ لَا يَسَعُ هَذَا الْمَوْضِعَ بَسْطُهُ، فَنَذْكُرُهُ فِي غَيْرِهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
" وَالنُّونُ " تُدْغَمُ إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا فِي الرَّاءِ وَاللَّامِ، فَفِي الرَّاءِ فِي خَمْسَةِ أَحْرُفٍ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ، خَزَائِنَ رَحْمَةِ فِي الْإِسْرَاءِ وَ " ص " خَزَائِنُ رَبِّكَ فِي الطُّورِ، فَإِنْ سُكِّنَ مَا قَبْلَهَا أُظْهِرَتْ بِغَيْرِ خُلْفٍ نَحْوُ: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ وَفِي اللَّامِ نَحْوُ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ، تَبَيَّنَ لَهُ، زُيِّنَ لِلَّذِينَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ حَرْفًا، فَإِنْ سُكِّنَ مَا قَبْلَهَا لَمْ تُدْغَمْ إِلَّا فِي كَلِمَةِ نَحْنُ حَيْثُ وَقَعَتْ وَجُمْلَتُهُ عَشَرَةُ مَوَاضِعَ، فِي الْبَقَرَةِ أَرْبَعَةٌ: " وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " حَرْفَانِ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ، وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ وَفِي آلِ عِمْرَانَ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَفِي الْأَعْرَافِ فَمَا نَحْنُ لَكَ وَفِي يُونُسَ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا وَفِي هُودٍ وَمَا نَحْنُ لَكَ وَفِي الْمُؤْمِنُونَ وَمَا نَحْنُ لَهُ وَفِي الْعَنْكَبُوتِ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ رَوَى ذَلِكَ مَنْصُوصًا أَصْحَابُ الْيَزِيدِيِّ عَنْهُ سِوَى ابْنِ جُبَيْرٍ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ بِالْإِدْغَامِ، فَقِيلَ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ، وَيُرَدُّ عَلَى ذَلِكَ " أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ " فَإِنَّهُ مُظْهَرٌ، وَقَالَ الدَّانِيُّ: لِلُزُومِ حَرَكَتِهَا وَامْتِنَاعِهَا مِنَ الِانْتِقَالِ مِنَ الضَّمِّ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَ مَا عَدَاهَا ذَلِكَ.
(قُلْتُ) : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لِتَكْرَارِ النُّونِ فِيهَا
(1/294)

وَكَثْرَةُ دَوْرِهَا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا (هَذِهِ) رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَقَدِ انْفَرَدَ الْكَارَزِينِيُّ عَنِ السُّوسِيِّ، بِإِظْهَارِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لِكَوْنِ مَا قَبْلَ النُّونِ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْخُزَاعِيُّ عَنِ ابْنِ حَبَشٍ، عَنْ شُجَاعٍ، وَعَنِ السُّوسِيِّ، وَرَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، كَمَا انْفَرَدَ مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، عَنْ شُجَاعٍ بِإِدْغَامِ مَا قَبْلَهُ سَاكِنٌ مِنْ ذَلِكَ نَحْوُ مُسْلِمَيْنِ لَكَ، وَمَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ سِوَى أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَأَظْهَرَهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَالْمَأْخُوذُ بِهِ مِنْ طُرُقِ كِتَابِنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ شَيْطَا: فَجَمِيعُ بَابِ الْمُتَقَارِبَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ وَكَلِمَتَيْنِ وَخَمْسِمِائَةِ حَرْفٍ وَسِتَّةٍ وَأَرْبَعُونَ حَرْفًا. قَالَ: فَتَكَامَلَ جَمِيعُ مَا فِي بَابِ الْمِثْلَيْنِ وَالْمُتَقَارِبَيْنِ أَلْفَ حَرْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسٌ وَتِسْعُونَ حَرْفًا، وَقَالَ الدَّانِيُّ: وَقَدْ حَصَّلْنَا جَمِيعَ مَا أَدْغَمَهُ أَبُو عَمْرٍو مِنَ الْحُرُوفِ الْمُتَحَرِّكَةِ، فَوَجَدْنَاهُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ مُجَاهِدٍ أَلْفَ حَرْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ حَرْفًا. قَالَ: وَعَلَى مَا أُقْرِينَاهُ أَلْفُ حَرْفٍ وَثَلَاثُمِائَةِ حَرْفٍ وَخَمْسَةُ أَحْرُفٍ، قَالَ: جَمِيعُ مَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْأَدَاءِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا.
(قُلْتُ) : كَذَا قَالَ فِي " التَّيْسِيرِ " وَ " جَامِعِ الْبَيَانِ " وَغَيْرِهِمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ مُجَاهِدٍ أَلْفُ حَرْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَسَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ حَرْفًا ; لِأَنَّ الَّذِي أَظْهَرُهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ، لَا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ. وَهِيَ عِشْرُونَ مِنَ الْمِثْلَيْنِ يَبْتَغِ غَيْرَ، وَيَخْلُ لَكُمْ، وَيَكُ كَاذِبًا، وَآلَ لُوطٍ أَرْبَعَةٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَمِنَ الْمُتَقَارِبَيْنَ ثَمَانِيَةٌ الزَّكَاةَ ثُمَّ، وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ، وَآتِ ذَا الْقُرْبَى، وَالرَّأْسُ شَيْبًا، وَجِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، وَالتَّوْرَاةَ ثُمَّ، وَطَلَّقَكُنَّ وَأَنْ يُقَالُ: وَجَمِيعُ مَا أَدْغَمَهُ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِ ابْنِ مُجَاهِدٍ إِذَا وَصَلَ السُّورَةَ بِالسُّورَةِ أَلْفُ حَرْفٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ لِدُخُولِ آخِرِ الْقَدْرِ بِـ " لَمْ يَكُنْ "، وَعَلَى رِوَايَةِ مَنْ بَسْمَلَ إِذَا وَصَلَ آخِرَ السُّورَةِ بِالْبَسْمَلَةِ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةُ أَحْرُفٍ لِدُخُولِ آخِرِ الرَّعْدِ بِأَوَّلِ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَآخِرِ إِبْرَاهِيمَ بِأَوَّلِ الْحِجْرِ، وَعَلَى رِوَايَةِ مَنْ فَصَلَ بِالسَّكْتِ وَلَمْ يُبَسْمِلْ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ، كَذَا حَقَّقَ وَحَرَّرَ مَنْ
(1/295)

أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ، فَلِيَعْتَبِرْ سُورَةً سُورَةً، وَلْيَجْمَعْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ وَاللَّائِي يَئِسْنَ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
اعْلَمْ أَنَّهُ وَرَدَ النَّصُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ أَصْحَابِ الْيَزِيدِيِّ عَنْهُ، وَعَنْ شُجَاعٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَدْغَمَ الْحَرْفَ الْأَوَّلَ فِي مِثْلِهِ، أَوْ مُقَارِبِهِ، وَسَوَاءٌ سُكِّنَ مَا قَبْلَ الْأَوَّلِ، أَوْ تَحَرَّكَ إِذَا كَانَ مَرْفُوعًا أَوْ مَجْرُورًا - أَشَارَ إِلَى حَرَكَتِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ. فَحَمَلَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَلَى الرَّوْمِ، فَقَالَ: كَانَ أَبُو عَمْرٍو يُشِمُّ الْحَرْفَ الْأَوَّلَ الْمُدْغَمَ إِعْرَابُهُ فِي الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ، وَلَا يُشِمُّ فِي النَّصْبِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَعْلِهِ إِيَّاهُ رَوْمًا، وَتَسْمِيَةُ الرَّوْمِ إِشْمَامًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَحَمَلَهُ أَبُو الْفَرَجِ الشَّنَبُوذِيُّ عَلَى أَنَّهُ الْإِشْمَامُ فَقَالَ: الْإِشَارَةُ إِلَى الرَّفْعِ فِي الْمُدْغَمِ مَرْئِيَّةٌ لَا مَسْمُوعَةٌ وَإِلَى الْخَفْضِ مُضْمَرَةٌ فِي النَّفْسِ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ وَلَا مَسْمُوعَةٍ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَعْلِهِ إِيَّاهُ إِشْمَامًا عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ جَمِيعًا، فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: وَالْإِشَارَةُ عِنْدَنَا تَكُونُ رَوْمًا وَإِشْمَامًا، وَالرَّوْمُ آكِدٌ فِي الْبَيَانِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْحَرَكَةِ ; لِأَنَّهُ يَقْرَعُ السَّمْعَ، غَيْرَ أَنَّ الْإِدْغَامَ الصَّحِيحَ وَالتَّشْدِيدَ التَّامَّ يَمْتَنِعَانِ مَعَهُ، وَيَصِحَّانِ مَعَ الْإِشْمَامِ ; لِأَنَّهُ إِعْمَالُ الْعُضْوِ وَتَهْيِئَتُهُ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ خَارِجٍ إِلَى اللَّفْظِ فَلَا يَقْرَعُ السَّمْعَ، وَيَمْتَنِعُ فِي الْمَخْفُوضِ لِبُعْدِ ذَلِكَ الْعُضْوِ مِنْ مَخْرَجِ الْخَفْضِ، فَإِنْ كَانَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مَنْصُوبًا لَمْ يُشِرْ إِلَى حَرَكَتِهِ لِخِفَّتِهِ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى مَعْنَى الْإِشَارَةِ ; لِأَنَّهُ أَعَمُّ فِي اللَّفْظِ وَأَصْوَبُ فِي الْعِبَارَةِ وَتَشْهَدُ لَهُ الْقِرَاءَتَانِ الصَّحِيحَتَانِ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِمَا عَنِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي (تَأْمَنَّا) فِي سُورَةِ يُوسُفَ، وَهُوَ مِنَ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ كَمَا سَيَأْتِي. فَإِنَّهُمَا بِعَيْنِهِمَا هُمَا الْمُشَارُ إِلَيْهِمَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَفِي إِدْغَامِ أَبِي عَمْرٍو.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ الْحَرْفَ الْمُسَكَّنَ لِلْإِدْغَامِ يُشْبِهُ الْمُسَكَّنَ لِلْوَقْفِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ سُكُونَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَارِضٌ لَهُ ; وَلِذَلِكَ أُجْرِيَ فِيهِ الْمَدُّ وَضِدُّهُ الْجَارِيَانِ فِي سُكُونِ الْوَقْفِ
(1/296)

كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. نَعَمْ، يَمْتَنِعُ الْإِدْغَامُ الصَّحِيحُ مَعَ الرَّوْمِ دُونَ الْإِشْمَامِ، إِذْ هُوَ هُنَا عِبَارَةٌ عَنِ الْإِخْفَاءِ وَالنُّطْقِ بِبَعْضِ الْحَرَكَةِ، فَيَكُونُ مَذْهَبًا آخَرَ غَيْرَ الْإِدْغَامِ، وَغَيْرَ الْإِظْهَارِ كَمَا هُوَ فِي تَأْمَنَّا فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا أُجْرِيَ الْحَرْفُ السَّاكِنُ لِلْإِدْغَامِ مَجْرَى الْمُسَكَّنِ لِلْوَقْفِ فِي الرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ وَالْمَدِّ وَضِدِّهِ فَهَلَّا أُجْرِيَ فِيهِ تَرْكُ الرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ وَيَكُونُ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْإِدْغَامِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْوَقْفِ؟
(قُلْتُ) : وَمَنْ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَصْلُ الْمَقْرُوءُ بِهِ وَالْمَأْخُوذُ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ كُلِّ مَا نَعْلَمُهُ مِنَ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِ التَّحْقِيقِ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَدَاءِ بَيْنَ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا هِيَ رِوَايَةُ ابْنِ جَرِيرٍ، عَنِ السُّوسِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَصَّاعِ، وَعَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، عَنْ شُجَاعٍ وَغَيْرِهِ، وَبَيْنَ مَنْ ذَكَرَهُ مَعَ الرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ كَالْأُسْتَاذِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْبَاذِشِ، وَمَنْ تَبِعَهُ وَنَحَا نَحْوَهُ، وَبَيْنَ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى أَصْلِ الْإِدْغَامِ وَلَمْ يُعَوِّلْ عَلَى الرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ وَلَا ذَكَرَهُمَا أَلْبَتَّةَ: كَأَبِي الْقَاسِمِ الْهُذَلِيِّ وَالْحَافِظِ أَبِي الْعَلَاءِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَبَيْنَ مَنْ ذَكَرَهُمَا نَصًّا، وَلَمْ يَمْتَنِعْ غَيْرُهُمَا كَمَا فَعَلَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُمْهُورِ، مَعَ أَنَّ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْنَا عَنْهُمْ أَدَاءً هُوَ الْأَخْذُ بَالْأَصْلِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَحَدٍ مِمَّنْ أَخَذْنَا عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ خِلَافًا فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعَوِّلْ مِنْهُمْ عَلَى الرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ إِلَّا حَاذِقٌ قَصَدَ الْبَيَانَ وَالتَّعْلِيمَ، وَعَلَى تَرْكِ الرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ سَائِرُ رُوَاةِ الْإِدْغَامِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَهُوَ الَّذِي لَا يُوجَدُ نَصٌّ عَنْهُمْ بِخِلَافِهِ، ثُمَّ إِنَّ الْآخِذِينَ بِالْإِشَارَةِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْمِيمِ عِنْدَ مِثْلِهَا وَعِنْدَ الْبَاءِ، وَعَلَى اسْتِثْنَاءِ مِثْلِهَا وَعِنْدَ الْمِيمِ. قَالُوا: لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَتَعَذَّرُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ انْطِبَاقِ الشَّفَتَيْنِ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا إِنَّمَا يَتَّجِهُ إِذَا قِيلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِشَارَةِ الْإِشْمَامُ، إِذَا تَعَذَّرَ الْإِشَارَةُ بِالشَّفَةِ وَالْبَاءُ وَالْمِيمُ مِنْ حُرُوفِ الشَّفَةِ، وَالْإِشَارَةُ غَيْرُ النُّطْقِ بِالْحَرْفِ، فَيَتَعَذَّرُ فِعْلُهُمَا مَعًا فِي الْإِدْغَامِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَصْلٌ، وَلَا يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ ; لِأَنَّ الْإِشْمَامَ فِيهِ ضَمُّ الشَّفَتَيْنِ بَعْدَ سُكُونِ الْحَرْفِ، وَلَا يَقَعَانِ مَعًا، وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِثْنَاءِ الْفَاءِ فِي الْفَاءِ فَاسْتَثْنَاهَا
(1/297)

أَيْضًا غَيْرُ وَاحِدٍ كَأَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ فِي " الْمُسْتَنِيرِ "، وَأَبِي الْعِزِّ " الْقَلَانِسِيِّ " فِي " الْكِفَايَةِ " وَابْنِ الْفَحَّامِ وَغَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ مَخْرَجَهَا مِنْ مَخْرَجِ الْمِيمِ وَالْبَاءِ، فَلَا فَرْقَ، وَمِثَالُ ذَلِكَ يَعْلَمُ مَا. أَعْلَمُ بِمَا. نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا. يُعَذِّبُ مَنْ. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ وَانْفَرَدَ أَبُو الْكَرَمِ فِي " الْمِصْبَاحِ " فِي الْإِشَارَةِ بِمَذْهَبٍ آخَرَ، فَذَكَرَ: إِنْ جَاوَرَتْ ضَمَّةً، أَوْ وَاوًا مَدِّيَّةً نَحْوُ يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، فَاعْبُدُوهُ هَذَا مَا لَمْ يُشِرْ إِلَى بَيَانِ حَرَكَةِ الْإِدْغَامِ، وَإِنْ لَمْ تُجَاوِرْ نَحْوُ يَشْفَعُ عِنْدَهُ، يُنْفِقُ كَيْفَ، كَيْدُ سَاحِرٍ، وَنَحْنُ لَهُ إِشَارَةً إِلَى الْحَرَكَةِ بِالرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ، وَكَأَنَّهُ نَقَلَ ذَلِكَ مِنَ الْوَقْفِ، وَحَكَى ابْنُ سَوَّارٍ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْعَطَّارِ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِالْإِشَارَةِ فِي الْمِيمِ عِنْدَ الْمِيمِ، وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ يُخِلُّ بِذَلِكَ، وَقَالَ: هَكَذَا قَرَأْتُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ قَرَأْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِدْغَامِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِشَارَةِ الرَّوْمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) لَا يَخْلُو مَا قَبْلَ الْحَرْفِ الْمُدْغَمِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُحَرَّكًا، أَوْ سَاكِنًا، فَإِنْ كَانَ مُحَرَّكًا فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَلًّا، أَوْ صَحِيحًا، فَإِنْ كَانَ مُعْتَلًّا، فَإِنَّ الْإِدْغَامَ مَعَهُ مُمْكِنٌ حَسَنٌ لِامْتِدَادِ الصَّوْتِ بِهِ، وَيَجُوزُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَهِيَ الْمَدُّ الْمُتَوَسِّطُ، وَالْقَصْرُ، كَجَوَازِهَا فِي الْوَقْفِ، إِذْ كَانَ حُكْمُ الْمُسَكَّنِ لِلْإِدْغَامِ كَالْمُسَكَّنِ لِلْوَقْفِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمَذَانِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجَعْبَرِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا نَعْلَمُ لَهُ نَصًّا بِخِلَافِهِ، وَذَلِكَ نَحْوُ (الرَّحِيمِ مَلِكِ) ، قَالَ لَهُمُ، يَقُولُ رَبَّنَا، وَكَذَا لَوِ انْفَتَحَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ نَحْوُ قَوْمُ مُوسَى، كَيْفَ فَعَلَ وَالْمَدُّ أَرْجَحُ مِنَ الْقَصْرِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيِّ، وَلَوْ قِيلَ بِاخْتِيَارِ الْمَدِّ فِي حَرْفِ الْمَدِّ وَالتَّوَسُّطِ فِي حَرْفِ اللِّينِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ؛ لِمَا يَأْتِي فِي بَابِ الْمَدِّ إِنْ كَانَ السَّاكِنُ حَرْفًا صَحِيحًا
(1/298)

فَإِنَّ الْإِدْغَامَ الصَّحِيحَ مَعَهُ يَعْسُرُ؛ لِكَوْنِهِ جَمِيعًا بَيْنَ سَاكِنَيْنَ أَوَّلُهُمَا لَيْسَ بِحَرْفِ عِلَّةٍ، فَكَانَ الْآخِذُونَ فِيهِ بِالْإِدْغَامِ الصَّحِيحِ قَلِيلِينَ، بَلْ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى الْإِخْفَاءِ، وَهُوَ الرَّوْمُ الْمُتَقَدِّمُ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاخْتِلَاسِ، وَحَمَلُوا مَا وَقَعَ مِنْ عِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِالْإِدْغَامِ عَلَى الْمَجَازِ، وَذَلِكَ نَحْوُ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَالرُّعْبَ بِمَا، وَالْعِلْمِ مَا لَكَ، وَالْمَهْدِ صَبِيًّا، وَمِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَالْعَفْوَ وَأْمُرْ، وَزَادَتْهُ هَذِهِ (قُلْتُ) وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ صَحِيحٌ مَأْخُوذٌ بِهِ، وَالْإِدْغَامُ الصَّحِيحُ هُوَ الثَّابِتُ عِنْدَ قُدَمَاءِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَالنُّصُوصُ مُجْتَمِعَةٌ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَتِمَّةُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ (نِعِمَّا) إِذِ السُّكُونُ فِيهَا كَالسُّكُونِ فِيهِنَّ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ هَذَا النَّوْعَ مِنْهُ بِالْإِظْهَارِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدِ الرَّوْمَ فَقَدْ أَبْعَدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) كُلُّ مَنْ أَدْغَمَ الرَّاءَ فِي مِثْلِهَا، أَوْ فِي اللَّامِ أَبْقَى إِمَالَةَ الْأَلِفِ قَبْلَهَا نَحْوُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا، وَالنَّهَارِ الْآيَاتِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِدْغَامَ عَارِضٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاعْتِدَادِ. وَرَوَى ابْنُ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ فَتْحَ ذَلِكَ حَالَةَ الْإِدْغَامِ اعْتِدَادًا بِالْعَارِضِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ بِحَقِّهِ فِي بَابِ الْإِمَالَةِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقِ.
(الثَّالِثُ) أَجْمَعَ رُوَاةُ الْإِدْغَامِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، عَلَى إِدْغَامِ الْقَافِ فِي الْكَافِ إِدْغَامًا كَامِلًا يُذْهِبُ مَعَهُ صِفَةَ الِاسْتِعْلَاءِ وَلَفْظَهَا، لَيْسَ بَيْنَ أَئِمَّتِنَا فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَبِهِ وَرَدَ الْأَدَاءُ وَصَحَّ النَّقْلُ، وَبِهِ قَرَأْنَا وَبِهِ نَأْخُذُ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَالَفَ مَنْ خَالَفَ فِي أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَرَوْا إِدْغَامَ أَبِي عَمْرٍو، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى إِدْغَامِ النُّونِ فِي اللَّامِ وَالرَّاءِ إِدْغَامًا خَالِصًا كَامِلًا مِنْ غَيْرِ غُنَّةِ مَنْ رَوَى الْغُنَّةَ عَنْهُ فِي النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ عِنْدَ اللَّامِ وَالرَّاءِ وَمَنْ لَمْ يَرْوِهَا، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُ مَنْ رَوَى الْغُنَّةَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ أَحْكَامِ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ
(1/299)

قَدْ حَرَّرْنَاهُ مُسْتَوْفًى مُسْتَقْصًى بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنِّهِ (وَهَا نَحْنُ) نُتْبِعُهُ بِأَحْرُفٍ تَتَعَلَّقُ بِالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ. مِنْهَا مَا وَافَقَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهَا أَبَا عَمْرٍو، وَمِنْهَا مَا انْفَرَدَ بِهَا عَنْهُ، نَذْكُرُهَا مُسْتَوْفَاةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَوَافَقَهُ حَمْزَةُ عَلَى إِدْغَامِ التَّاءِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ غَيْرِ إِشَارَةٍ: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا، وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا وَاخْتُلِفَ عَنْ خَلَّادٍ عَنْهُ فِي: فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَرَوَاهُمَا بِالْإِدْغَامِ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ، عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ الْوَزَّانِ، عَنْ خَلَّادٍ وَأَبُو الْفَتْحِ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَيْهِ، وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْبَخْتَرِيِّ، عَنِ الْوَزَّانِ، عَنْ خَلَّادٍ إِدْغَامَ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا فَقَطْ. وَرَوَى سَائِرُ الرُّوَاةِ، عَنْ خَلَّادٍ إِظْهَارَهُمَا، وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَانْفَرَدَ ابْنُ خَيْرُونٍ عَنْهُ بِإِدْغَامِ: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا وَوَافَقَهُ يَعْقُوبُ عَلَى إِدْغَامِ الْبَاءِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ فِي النِّسَاءِ، وَاخْتَصَّ دُونَهُ بِإِدْغَامِ التَّاءِ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ تَتَمَارَى مِنْ قَوْلِهِ: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى مِنْ سُورَةِ النَّجْمِ، وَوَافَقَهُ رُوَيْسٌ عَلَى إِدْغَامِ أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ بِلَا خِلَافٍ مِنْهَا الْكَافُ، فِي الْكَافِ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ وَهِيَ: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ فِي سُورَةِ " طه "، وَالرَّابِعُ الْبَاءُ فِي سُورَةِ " الْمُؤْمِنُونَ " فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ وَاخْتَصَّ عَنْهُ بِإِدْغَامِ التَّاءِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي سُورَةِ سَبَأٍ: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا وَزَادَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ إِدْغَامَ اثْنَيْ عَشَرَ حَرْفًا، وَهِيَ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ فِي الْبَقَرَةِ وَجَعَلَ لَكُمْ جَمِيعُ مَا فِي النَّحْلِ وَهِيَ ثَمَانِيَةُ مَوَاضِعَ، وَلَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا فِي النَّمْلِ (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) وَهُمَا الْأَخِيرَانِ مِنْ سُورَةِ النَّجْمِ، فَأَدْغَمَهَا أَبُو الْقَاسِمِ النَّخَّاسُ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَكَذَلِكَ الْجَوْهَرِيُّ كِلَاهُمَا عَنِ التَّمَّارِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِي " الْمُسْتَنِيرِ " وَ " الْإِرْشَادِ " وَ " الْمُبْهِجِ " وَ " التَّذْكِرَةِ " وَالدَّانِيُّ وَابْنُ الْفَحَّامِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأَدَاءِ، عَنْ رُوَيْسٍ سِوَاهُ، وَكَذَا فِي " الرَّوْضَةِ " غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي جَعْلِ التَّخْيِيرِ عَنِ الْحَمَّامِيِّ، وَذَكَرَهَا الْهُذَلِيُّ مِنْ طَرِيقِ
(1/300)

الْحَمَّامِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، رَوَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ مِقْسَمٍ كِلَاهُمَا عَنِ التَّمَّارِ عَنْهُ بِالْإِظْهَارِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ أَيْضًا فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا وَهِيَ ثَلَاثَةٌ فِي الْبَقَرَةِ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ، وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ، وَبَعْدَهَا نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّ الَّذِينَ وَفِي الْأَعْرَافِ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَفِي الْكَهْفِ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَفِي مَرْيَمَ فَتَمَثَّلَ لَهَا، وَفِي طه: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي، وَفِي النَّمْلِ: وَأَنْزَلَ لَكُمْ، وَكَذَلِكَ فِي الزُّمَرِ، وَفِي الرُّومِ: كَذَلِكَ كَانُوا، وَفِي الشُّورَى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَفِي النَّجْمِ: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَهُمَا الْحَرْفَانِ الْأَوَّلَانِ، وَفِي الِانْفِطَارِ: رَكَّبَكَ كَلَّا فَرَوَى أَبُو الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ، عَنِ الْقَاضِي أَبِي الْعَلَاءِ إِدْغَامَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْمُبْهِجِ "، عَنْ رُوَيْسٍ.
رَوَى صَاحِبُ " الْإِرْشَادِ " عَنِ الْقَاضِي أَيْضًا إِدْغَامَ " الْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ " وَرَوَاهُ أَيْضًا فِي " الْكِفَايَةِ " عَنِ الْكَارَزِينِيِّ، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّذْكِرَةِ " وَ " الْمِصْبَاحِ " وَ " التَّلْخِيصِ "، عَنْ رُوَيْسٍ. وَرَوَى النَّخَّاسُ فِي الْإِرْشَادَيْنِ وَ " الْمِصْبَاحِ " وَ " غَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ " إِدْغَامَ " نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ " وَاسْتَثْنَى ذَلِكَ الْكَارَزِينِيُّ فِي " الْكِفَايَةِ " عَنِ النَّخَّاسِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَذَكَرَهُ فِي " الْإِرْشَادِ " لِلْقَاضِي، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " الرَّوْضَةِ "، عَنْ رُوَيْسٍ فِي إِدْغَامِهَا خِلَافًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْحَمَّامِيُّ فِي " الْكَامِلِ "، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " الْمُسْتَنِيرِ " عَنْ رُوَيْسٍ سِوَاهُ. وَرَوَى النَّخَّاسُ، عَنْ طَرِيقِ الْكَارَزِينِيِّ إِدْغَامَ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَذَكَرَهُ فِي " الْكَامِلِ " عَنِ الْحَمَّامِيِّ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْمِصْبَاحِ " وَ " الرَّوْضَةِ " وَ " الْمُسْتَنِيرِ "، عَنْ رُوَيْسٍ. وَرَوَى الْكَارَزِينِيُّ عَنِ النَّخَّاسِ إِدْغَامَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَكَذَا هُوَ فِي " الْمُبْهِجِ " وَ " الْكِفَايَةِ " وَمُفْرَدَةِ ابْنِ الْفَحَّامِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّذْكِرَةِ سِوَاهُ.
وَرَوَى أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَابْنُ الْفَحَّامِ إِدْغَامَ فَتَمَثَّلَ لَهَا، وَلِتُصْنَعَ عَلَى الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّذْكِرَةِ " وَ " الْمُبْهِجِ ". وَرَوَى طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ وَابْنُ الْفَحَّامِ إِدْغَامَ أَنْزَلَ لَكُمْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْمُبْهِجِ "، وَفِي " الْكِفَايَةِ " عَنِ الْكَارَزِينِيِّ. وَرَوَى الْأَهْوَازِيُّ، وَعَبْدُ الْبَارِي إِدْغَامَ كَذَلِكَ كَانُوا، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّذْكِرَةِ " وَ " الْمُبْهِجِ "، وَرَوَى صَاحِبُ
(1/301)

" الْمُبْهِجِ " إِدْغَامَ جَعَلَ لَكُمُ فِي الشُّورَى، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّذْكِرَةِ "، وَرَوَاهُ فِي " الْكِفَايَةِ " عَنِ الْكَارَزِينِيِّ، وَرَوَى إِدْغَامَ الْمَوْضِعَيْنِ إِنَّهُ هُوَ الْأَوَّلَيْنِ مِنَ النَّجْمِ أَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ عَنِ النَّخَّاسِ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْإِرْشَادَيْنِ وَ " الْمُسْتَنِيرِ " وَ " الرَّوْضَةِ "، وَرَوَى الْأَهْوَازِيُّ إِدْغَامَ رَكَّبَكَ كَلَّا، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْمُبْهِجِ ". وَرَوَى الْبَاقُونَ عَنْ رُوَيْسٍ إِظْهَارَ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَالْوَجْهَانِ عَنْهُ صَحِيحَانِ، وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ عَنِ الْكَارَزِينِيِّ إِدْغَامَ جَعَلَ لَكُمُ جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا. مِنْهَا الثَّمَانِيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي النَّحْلِ، وَحَرْفُ الشُّورَى، وَسَبْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا سِوَى ذَلِكَ، وَهِيَ فِي الْبَقَرَةِ حَرْفُ: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ، وَفِي الْأَنْعَامِ جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ، وَفِي يُونُسَ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ، وَفِي الْإِسْرَاءِ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا، وَفِي طه جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ، وَفِي الْفُرْقَانِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ، وَفِي الْقَصَصِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ، وَفِي السَّجْدَةِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ، وَفِي يس جَعَلَ لَكُمْ مِنْ، وَفِي غَافِرٍ ثَلَاثَةٌ، وَفِي الزُّخْرُفِ ثَلَاثَةٌ، وَفِي الْمُلْكِ حَرْفَانِ، وَفِي نُوحٍ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا، وَرَوَى أَبُو عَلِيٍّ فِي رَوْضَتِهِ، وَابْنُ الْفَحَّامِ أَيْضًا التَّخْيِيرَ فِيهَا عَنِ الْحَمَّامِيِّ، أَيْ فِي غَيْرِ التِّسْعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوَّلًا، وَإِلَّا فَلَا خِلَافَ عَنْهُ فِي التِّسْعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَكَذَا رَوَى الْأَهْوَازِيُّ، عَنْ رُوَيْسٍ إِدْغَامَ " جَعَلَ لَكُمْ " مُطْلَقًا يَعْنِي فِي السِّتَّةِ وَالْعِشْرِينَ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْفَحَّامِ، وَانْفَرَدَ الْأَهْوَازِيُّ بِإِدْغَامِ الْبَاءِ فِي الْبَاءِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، عَنْ رُوَيْسٍ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: " وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا " وَانْفَرَدَ عَبْدُ الْبَارِي فِي إِدْغَامِ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ فِي الْبَقَرَةِ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا فِي الْأَنْعَامِ، وَانْفَرَدَ الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ عَنْهُ أَيْضًا بِإِدْغَامِ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فِي الْحَجِّ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ جَمِيعِ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَجَاوَزَهُ هُوَ، وَانْفَرَدَ ابْنُ الْعَلَّافِ بِإِدْغَامِ " وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا " فِي الْحَجِّ، وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْمِصْبَاحِ "، عَنْ رُوَيْسٍ وَرَوْحٍ وَغَيْرِهِمَا وَجَمِيعِ رُوَاةِ يَعْقُوبَ إِدْغَامَ كُلِّ مَا أَدْغَمَهُ أَبُو عَمْرٍو مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، أَيْ: مِنَ الْمِثْلَيْنِ وَالْمُتَقَارِبَيْنِ، وَذَكَرَهُ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو حَيَّانَ فِي كِتَابِهِ الْمَطْلُوبِ
(1/302)

فِي قِرَاءَةِ يَعْقُوبَ، وَبِهِ قَرَأْنَا عَلَى أَصْحَابِنَا عَنْهُ، وَرُبَّمَا أَخَذْنَا عَنْهُ بِهِ، وَحَكَاهُ الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ، وَاسْتَشْهَدَ بِهِ لِلْإِدْغَامِ مَعَ تَحْقِيقِ الْهَمْزِ.
(قُلْتُ) : هُوَ رِوَايَةُ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ رَوْحٍ وَرُوَيْسٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ، عَنْ يَعْقُوبَ. (تَنْبِيهٌ) إِذَا ابْتُدِئَ لِيَعْقُوبَ بِقَوْلِهِ: تَتَمَارَى الْمُتَقَدِّمَةُ، وَلِرُوَيْسٍ بِقَوْلِهِ: تَتَفَكَّرُوا ابْتُدِئَ بِالتَّاءَيْنِ جَمِيعًا مُظْهَرَتَيْنِ لِمُوَافَقَةِ الرَّسْمِ وَالْأَصْلِ، فَإِنَّ الْإِدْغَامَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي الْوَصْلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الِابْتِدَاءِ بِتَاءَاتِ الْبَزِّيِّ الْآتِيَةِ فِي الْبَقَرَةِ، فَإِنَّهَا مَرْسُومَةٌ بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ، فَكَانَ الِابْتِدَاءُ كَذَلِكَ مُوَافَقَةً لِلرَّسْمِ، فَلَفْظُ الْجَمِيعِ فِي الْوَصْلِ وَاحِدٌ، وَالِابْتِدَاءُ مُخْتَلِفٌ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَقِيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ.
(الْأَوَّلُ) : بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فِي النِّسَاءِ أَدْغَمَ التَّاءَ مِنْهُ فِي الطَّاءِ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ، وَلَيْسَ إِدْغَامُهُ لِأَبِي عَمْرٍو كَإِدْغَامِ بَاقِي الْبَابِ، بَلْ كُلُّ أَصْحَابِ أَبِي عَمْرٍو مُجْمِعُونَ عَلَى إِدْغَامِهِ مَنْ أَدْغَمَ مِنْهُمُ الْإِدْغَامَ الْكَبِيرَ، وَمَنْ أَظْهَرَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الدَّانِيُّ: وَلَمْ يُدْغِمْ أَبُو عَمْرٍو مِنَ الْحُرُوفِ الْمُتَحَرِّكَةِ إِذَا قَرَأَ بِالْإِظْهَارِ سِوَاهُ. انْتَهَى، كَمَا ذَكَرْنَا فِي التَّاءِ مِنَ الْمُتَقَارِبَيْنِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ بَعْضَهُمْ جَعْلَهُ عِنْدَهُ مِنَ السَّوَاكِنِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ الْكَبِيرِ.
(الثَّانِي) أَتَعِدَانِنِي فِي الْأَحْقَافِ أَدْغَمَ النُّونَ هِشَامٌ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ، وَحَكَاهَا أَبُو حَاتِمٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَرَوَاهَا مَحْبُوبٌ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَسَلَّامٌ وَمَحْبُوبٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ، وَكُلُّهُمْ كَسَرَ النُّونَ الْأُولَى.
(الثَّالِثُ) : أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فِي النَّمْلِ أَدْغَمَ النُّونَ فِي النُّونِ حَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ، وَهِيَ بِنُونَيْنِ فِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَابِهَا فِي الزَّوَائِدِ، وَلَا خِلَافَ عَمَّنْ أَدْغَمَهَا فِي مَدِّ الْأَلِفِ وَالْوَاوِ لِلسَّاكِنَيْنِ.
(الرَّابِعُ) : قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِي الْكَهْفِ، فَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِإِظْهَارِ النُّونَيْنِ، وَكَذَا فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِدْغَامِ وَهِيَ فِي مَصَاحِفِهِمْ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ.
(الْخَامِسُ) : لَكَ لَا تَأْمَنَّا فِي يُوسُفَ، أَجْمَعُوا عَلَى إِدْغَامِهِ مَحْضًا مِنْ غَيْرِ إِشَارَةٍ، بَلْ يُلْفَظُ بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً مُشَدَّدَةً، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِشَارَةِ وَاخْتَلَفُوا فِيهَا،
(1/303)

فَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهَا رَوْمًا، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ إِخْفَاءً، وَلَا يَتِمُّ مَعَهَا الْإِدْغَامُ الصَّحِيحُ كَمَا قَدَّمْنَا فِي إِدْغَامِ أَبِي عَمْرٍو، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهَا إِشْمَامًا، فَيُشِيرُ إِلَى ضَمِّ النُّونِ بَعْدَ الْإِدْغَامِ، فَيَصِحُّ مَعَهُ حِينَئِذٍ الْإِدْغَامُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الشَّاطِبِيُّ، وَقَالَ الدَّانِيُّ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْقُرَّاءِ النَّحْوِيِّينَ، قَالَ: وَهُوَ الَّذِي أَخْتَارُهُ وَأَقُولُ بِهِ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيِّ وَأَبِي حَاتِمٍ النَّحْوِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ التَّائِبِ وَأَبِي طَاهِرِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَشْتَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْجِلَّةِ، وَبِهِ وَرَدَ النَّصُّ، عَنْ نَافِعٍ مِنْ طَرِيقِ وَرْشٍ، انْتَهَى.
وَبِالْقَوْلِ الثَّانِي قَطَعَ سَائِرُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ مُؤَلِّفِي الْكُتُبِ، وَحَكَاهُ أَيْضًا الشَّاطِبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ اخْتِيَارِي؛ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ نَصًّا يَقْتَضِي خِلَافَهُ وَلِأَنَّهُ الْأَقْرَبُ إِلَى حَقِيقَةِ الْإِدْغَامِ وَأَصْرَحُ فِي اتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَبِهِ وَرَدَ نَصُّ الْأَصْبَهَانِيِّ وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ قَالُونَ بِالْإِدْغَامِ الْمَحْضِ كَقِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي عَوْنٍ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِ، عَنْ قَالُونَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ هَاءِ الْكِنَايَةِ
وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ هَاءِ الضَّمِيرِ الَّتِي يُكَنَّى بِهَا الْمُفْرَدُ الْمُذَكَّرُ الْغَائِبُ وَهِيَ تَأْتِي عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ قَبْلَ مُتَحَرِّكٍ، وَالثَّانِي قَبْلَ سَاكِنٍ، فَالَّتِي قَبْلَ مُتَحَرِّكٍ إِنْ تَقَدَّمَهَا مُتَحَرِّكٌ وَهُوَ فَتْحٌ أَوْ ضَمٌّ فَالْأَصْلُ أَنْ تُوصَلَ بِوَاوٍ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ نَحْوُ إِنَّهُ هُوَ، إِنَّهُ أَنَا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَحَرِّكُ قَبْلَهَا كَسْرًا فَالْأَصْلُ أَنْ تُوصَلَ بِيَاءٍ عَنِ الْجَمِيعِ نَحْوُ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا، فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ، وَقَوْمِهِ إِنَّنِي، وَإِنْ تَقَدَّمَهَا سَاكِنٌ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي صِلَتِهَا وَعَدَمِ صِلَتِهَا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَأَمَّا الَّتِي قَبْلَ سَاكِنٍ، فَإِنْ تَقَدَّمَهَا كَسْرَةٌ أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ، فَالْأَصْلُ أَنْ تُكْسَرَ هَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ صِلَةٍ عَنِ الْجَمِيعِ نَحْوُ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، وَمِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ، وَبِهِ اللَّهُ، وَ (عَلَيْهِ اللَّهَ) ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
(1/304)

وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ، وَإِنْ تَقَدَّمَهَا فَتْحٌ أَوْ ضَمٌّ أَوْ سَاكِنٌ غَيْرُ الْيَاءِ فَالْأَصْلُ ضَمُّهُ مِنْ غَيْرِ صِلَةٍ عَنْ كُلِّ الْقُرَّاءِ نَحْوُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ، وَلَهُ الْمُلْكُ، تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ، يَعْلَمْهُ اللَّهُ، تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ.
وَقَدْ خَرَجَ مَوَاضِعُ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ، نَذْكُرُهَا مُسْتَوْفَاةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ نُبَيِّنَ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْهَاءِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ كُلِّ سَاكِنٍ قَبْلَ مُتَحَرِّكٍ، فَنَقُولُ: لَا يَخْلُو السَّاكِنُ قَبْلَ الْهَاءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ يَاءً، أَوْ غَيْرَهَا، فَإِنْ كَانَ يَاءً، فَإِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَصِلُ الْهَاءَ بِيَاءٍ فِي الْوَصْلِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ يَاءٍ وَصَلَهَا ابْنُ كَثِيرٍ أَيْضًا بِوَاوٍ، وَذَلِكَ نَحْوُ فِيهِ هُدًى، وَعَلَيْهِ آيَةٌ، وَمِنْهُ آيَاتٌ، وَاجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى وَالْبَاقُونَ يَكْسِرُونَهَا بَعْدَ الْيَاءِ، وَيَضُمُّونَهَا بَعْدَ غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ صِلَةٍ، إِلَّا أَنَّ حَفْصًا يَضُمُّهَا فِي مَوْضِعَيْنِ: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ فِي الْكَهْفِ، وَعَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فِي الْفَتْحِ، وَافَقَهُ حَفْصٌ عَلَى الصِّلَةِ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِيهِ مُهَانًا فِي الْفُرْقَانِ.
وَأَمَّا مَا خَرَجَ مِنَ الْمُتَحَرِّكِ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَبْلَ مُتَحَرِّكٍ وَعِدَّتُهُ اثْنَا عَشَرَ حَرْفًا فِي عِشْرِينَ مَوْضِعًا: يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وَلَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ فِي آلِ عِمْرَانَ وَنُؤْتِهِ مِنْهَا فِي آلِ عِمْرَانَ وَالشُّورَى وَنُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ فِي النِّسَاءِ، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا فِي طه، (وَيَتَّقِهِ) فِي النُّورِ، وَ (فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ) فِي النَّمْلِ، وَيَرْضَهُ لَكُمْ فِي الزُّمَرِ، وَ (أَنْ لَمْ يَرَهُ) فِي الْبَلَدِ، وَخَيْرًا يَرَهُ فِي الزَّلْزَلَةِ، وَ (أَرْجِهِ) فِي الْأَعْرَافِ وَالشُّعَرَاءِ، وَبِيَدِهِ فِي مَوْضِعَيِ الْبَقَرَةِ، وَحَرْفِ الْمُؤْمِنُونَ وَيس، وَتُرْزَقَانِهِ فِي يُوسُفَ.
فَسَكَّنَ الْهَاءَ مِنْ (يُؤَدِّهْ) ، وَ (نُؤْتِهْ) ، وَ (نُوَلِّهْ) ، وَ (نُصْلِهْ) أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَهِشَامٍ، فَأَسْكَنَهَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَبُو الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرَّازِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِمَا عَنْ أَصْحَابِهِمَا، عَنْ عِيسَى بْنِ وَرْدَانَ، وَكَذَلِكَ رَوَى الْهَاشِمِيُّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ، وَأَسْكَنَهَا عَنْ هِشَامٍ الدَّاجُونِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ.
وَكَسَرَ الْهَاءَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ صِلَةٍ يَعْقُوبُ وَقَالُونُ وَأَبُو جَعْفَرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْعَلَّافِ وَابْنِ مِهْرَانَ وَالْخَبَّازِيِّ وَالْوَرَّاقِ وَهِبَةِ اللَّهِ عَنْ أَصْحَابِهِمْ، عَنِ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَمِنْ طَرِيقِ الدُّورِيِّ عَنِ ابْنِ
(1/305)

جَمَّازٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ سَوَّارٍ، عَنِ الْهَاشِمِيِّ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، فَرَوَى عَنْهُ كَذَلِكَ بِالْقَصْرِ ابْنُ عَبْدَانَ وَابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَمَّالِ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّامَرِّيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " التَّيْسِيرِ " سِوَاهُ، وَرَوَى النَّقَّاشُ وَأَحْمَدُ الرَّازِيُّ، وَابْنُ شَنَبُوذَ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِمْ عَنِ الْجَمَّالِ بِإِشْبَاعِ كَسْرَةِ الْهَاءِ فِي الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ سَائِرُ الْمُؤَلِّفِينَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ سِوَاهُ.
(قُلْتُ) : وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، ذَكَرَهُمَا الشَّاطِبِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الصُّورِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، فَرَوَى الْخَمْسَةُ عَنِ الْمُطَّوِّعِيِّ عَنْهُ بِالِاخْتِلَاسِ، وَكَذَا رَوَى زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ أَبِي الْعِزِّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَبَّابُ كِلَاهُمَا عَنِ الرَّمْلِيِّ، عَنِ الصُّورِيِّ، وَبِذَلِكَ قَطَعَ لَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَصَاحِبُ " الْإِرْشَادِ "، فِيمَا رَوَاهُ عَنْ غَيْرِ زَيْدٍ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ " الْمَنْهَجِ " عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ مِنْ طَرِيقِ الدَّاجُونِيِّ سِوَاهُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الثَّعْلَبِيِّ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَرَوَى عَنْهُ زَيْدٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعِزِّ وَغَيْرِهِ بِالْإِشْبَاعِ. وَكَذَا رَوَى الْأَخْفَشُ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ لِابْنِ ذَكْوَانَ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، فَيَكُونُ لِأَبِي جَعْفَرٍ وَجْهَانِ، وَهُمَا الْإِسْكَانُ وَالِاخْتِلَاسُ، وَلِابْنِ ذَكْوَانَ وَجْهَانِ، وَهُمَا الصِّلَةُ وَالِاخْتِلَاسُ، وَلِهِشَامٍ الثَّلَاثَةُ: الْإِسْكَانُ وَالِاخْتِلَاسُ وَالصِّلَةُ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الشَّذَائِيُّ عَنِ ابْنِ بُويَانَ، عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، عَنْ قَالُونَ، فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ، عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَكَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِي فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ، إِلَّا أَنَّ حَفْصًا سَكَّنَ الْهَاءَ مَعَ مَنْ أَسْكَنَ، فَيَكُونُ عَاصِمٌ بِكَمَالِهِ يُسَكِّنُهَا، وَكَذَا سَكَّنَهَا الْحَنْبَلِيُّ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ وَرْدَانَ مَعَ مَنْ أَسْكَنَهَا عَنْهُ، فَيَكُونُ عَلَى إِسْكَانِهَا النَّهْرَوَانِيُّ، وَابْنُ هَارُونَ، وَالْحَنْبَلِيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَيَكُونُ عَلَى قَصْرِهَا عَنْهُ ابْنُ الْعَلَّافِ، وَابْنُ مِهْرَانَ وَالْحَمَّامِيُّ، وَكَذَا رَوَى الْأَهْوَازِيُّ عَنْهُ.
وَسَكَّنَ الْهَاءَ مِنْ (يَتَّقِهْ) أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ،.
وَاخْتُلِفَ، عَنْ هِشَامٍ، وَخَلَّادٍ، وَابْنِ وَرْدَانَ، فَأَمَّا هِشَامٌ فَالْخِلَافُ عَنْهُ كَالْخِلَافِ فِي الْخَمْسَةِ الْأَحْرُفِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَوْجُهِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا خَلَّادٌ فَنَصَّ عَلَى الْإِسْكَانِ لَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ
(1/306)

مِهْرَانَ وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ فِي كِفَايَتِهِ، وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَصَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " وَ " الرَّوْضَةِ "، وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ الَّذِي قَرَأَ بِهِ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ، وَبِهِ قَرَأَ ابْنُ الْفَحَّامِ عَلَى الْفَارِسِيِّ، وَالْمَالِكِيِّ عَنِ الْحَمَّامِيِّ، إِلَّا أَنَّ سِبْطًا الْخَيَّاطَ ذَكَرَ الْإِسْكَانَ، عَنْ حَمْزَةَ بِكَمَالِهِ، وَهُوَ سَهْوٌ، فَقَدْ نَصَّ شَيْخُهُ الشَّرِيفُ أَبُو الْفَضْلِ عَلَى الْإِسْكَانِ لِخَلَّادٍ وَحْدَهُ، وَنَصَّ لَهُ عَلَى الصِّلَةِ صَاحِبَا " التَّلْخِيصِ " وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " وَ " الْهِدَايَةِ " وَ " الْكَافِي " وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَسَائِرُ الْمَغَارِبَةِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَنَصَّ لَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ "، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ، وَأَمَّا ابْنُ وَرْدَانَ فَرَوَى عَنْهُ الْإِسْكَانَ النَّهْرَوَانِيُّ، وَابْنُ هَارُونَ الرَّازِيُّ، وَهِبَةُ اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِشْبَاعَ ابْنُ مِهْرَانَ وَابْنُ الْعَلَّافِ، وَالْوَرَّاقُ، وَرَوَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا الْخَبَّازِيُّ، وَكَسَرَ الْهَاءَ مِنْ غَيْرِ إِشْبَاعٍ يَعْقُوبُ وَقَالُونُ وَحَفْصٌ، إِلَّا أَنَّ حَفْصًا يُسَكِّنُ الْهَاءَ قَبْلَهَا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى كَسْرِ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ إِشْبَاعٍ هِشَامٌ فِي أَحَدِ أَوْجُهِهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ وَابْنِ جَمَّازٍ، فَأَمَّا ابْنُ ذَكْوَانَ فَالْخِلَافُ عَنْهُ كَالْخِلَافِ فِي الْخَمْسَةِ الْأَحْرُفِ الْمُتَقَدَّمَةِ، وَأَمَّا ابْنُ جَمَّازٍ فَرَوَى عَنْهُ الدُّورِيُّ وَالْهَاشِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْجَمَّالِ قَصْرَ الْهَاءِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْهُذَلِيُّ عَنْهُ سِوَاهُ. وَرَوَى عَنْهُ الْهَاشِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ رَزِينٍ إِشْبَاعَ كَسْرَةِ الْهَاءِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ لَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَصَّاعِ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ سَوَّارٍ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ سِوَاهُ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَانْفَرَدَ الشَّذَائِيُّ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، عَنْ قَالُونَ بِذَلِكَ، كَانْفِرَادِهِ فِي الْخَمْسَةِ الْأَحْرُفِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنْ خَلَّادٍ وَابْنِ وَرْدَانَ وَجْهَانِ: الْإِسْكَانُ وَالْإِشْبَاعُ، وَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنِ ابْنِ ذَكْوَانَ وَابْنِ جَمَّازٍ وَجْهَانِ: الْقَصْرُ وَالْإِشْبَاعُ، وَيَكُونُ لِهِشَامٍ كُلٌّ مِنَ الثَّلَاثَةِ.
وَسَكَّنَ الْهَاءَ مِنْ يَرْضَهُ السُّوسِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الدُّورِيِّ، وَهِشَامٍ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ جَمَّازٍ، فَأَمَّا الدُّورِيُّ فَرَوَى عَنْهُ الْإِسْكَانَ أَبُو الزَّعْرَاءِ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَدَّلِ وَابْنُ فَرَحٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّوِّعِيِّ، عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ شَاذَانَ الْقَطَّانِ وَأَبِي الْحَسَنِ الْحَمَّامِيِّ، عَنْ
(1/307)

زَيْدِ بْنِ فَرَحٍ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " سِوَاهُ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ فَرَحٍ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْوِيدِ " عَلَى الْفَارِسِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْقَاسِمِ وَالْعَلَّافِ، وَعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاغِدِيِّ، كِلَاهُمَا عَنِ الدُّورِيِّ. وَرَوَى عَنْهُ الصِّلَةَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَزَيْدُ بْنُ أَبِي بِلَالٍ عَنِ ابْنِ فَرَحٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْقَطَّانِ وَالْحَمَّامِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى مَنْ قَرَأَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزَّعْرَاءِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ فِي " الْهِدَايَةِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَسَائِرُ الْمِصْرِيِّينَ مِنَ الْمَغَارِبَةِ عَنِ الدُّورِيِّ سِوَاهُ، وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ " التَّيْسِيرِ "، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْوِيدِ " عَلَى ابْنِ نَفِيسٍ وَعَبْدِ الْبَاقِي، وَأَمَّا هِشَامٌ فَرَوَى عَنْهُ الْإِسْكَانَ صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ، وَظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ، وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ.
وَقَدْ كَشَفْتُهُ مِنْ " جَامِعِ الْبَيَانِ " فَوَجَدْتُهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ، عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ خَلِيعٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَلَيْسَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ طُرُقِ " التَّيْسِيرِ " وَلَا " الشَّاطِبِيَّةِ ". وَقَدْ قَالَ الدَّانِيُّ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ رِوَايَةَ الْإِسْكَانِ عَنْ هِشَامٍ فَلَمْ أَجِدْهَا فِي غَيْرِ مَا ذَكَرْتُ سِوَى مَا رَوَاهُ الْهُذَلِيُّ، عَنْ زَيْدٍ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيِّ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَمَا رَوَاهُ الْأَهْوَازِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَذَكَرَهُ فِي مُفْرَدِهِ ابْنُ عَامِرٍ، عَنِ الْأَخْفَشِ، وَعَنْ هِبَةِ اللَّهِ، وَالدَّاجُونِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْكَرَمِ فِي هَاءِ الْكِنَايَةِ مِنَ " الْمِصْبَاحِ "، عَنِ الْأَخْفَشِ، عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ فِي الزُّمَرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ طُرُقِنَا، وَفِي ثُبُوتِهِ عَنِ الدَّاجُونِيِّ عِنْدِي نَظَرٌ، وَلَوْلَا شُهْرَتُهُ، عَنْ هِشَامٍ وَصِحَّتُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمْ نَذْكُرْهُ. وَرَوَى الِاخْتِلَاسَ سَائِرُ الرُّوَاةِ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ فِي سَائِرِ مُؤَلَّفَاتِهِمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ) فَرَوَى عَنْهُ الْإِسْكَانَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْدُونَ، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّجْرِيدِ "، عَنْ يَحْيَى بِكَمَالِهِ.
(1/308)

وَكَذَا رَوَى ابْنُ خَيْرُونَ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ. وَرَوَى عَنْهُ الِاخْتِلَاسَ الْعَلِيمِيُّ، وَابْنُ آدَمَ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ سِوَى ابْنِ خَيْرُونَ، عَنْهُ، وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ ". وَأَمَّا ابْنُ جَمَّازٍ فَسَكَّنَ الْهَاءَ عَنْهُ الْهَاشِمِيُّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْأُشْنَانِيِّ، وَهُوَ نَصُّ صَاحِبِ " الْكَامِلِ "، وَوَصَلَهَا بِوَاوٍ الدُّورِيُّ عَنْهُ، وَالْأُشْنَانِيُّ عَنِ الْهَاشِمِيِّ، وَاخْتَلَسَ ضَمَّةَ الْهَاءِ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ، وَيَعْقُوبُ، وَحَفْصٌ، وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ وَابْنِ وَرْدَانَ، وَهِشَامٍ وَأَبِي بَكْرٍ، فَأَمَّا ابْنُ ذَكْوَانَ فَرَوَى عَنْهُ الِاخْتِلَاسَ الصُّورِيُّ وَالنَّقَّاشُ، عَنِ الْأَخْفَشِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الدَّانِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْفَحَّامِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ فِي " الْمُبْهِجِ " عَنْهُ سِوَاهُ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْإِرْشَادَيْنِ وَ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَسَائِرِ كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْأَخْرَمِ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِشْبَاعَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْأَخْرَمِ، عَنِ الْأَخْفَشِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ سِوَى " الْمُبْهِجِ "، وَكَذَلِكَ رَوَى الدَّانِيُّ وَابْنُ الْفَحَّامِ الصَّقَلِّيُّ عَنْهُ مِنْ سَائِرِ طُرُقِهِمَا، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ " التَّذْكِرَةِ "، وَابْنُ مِهْرَانَ وَابْنُ سُفْيَانَ، وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ "، وَسَائِرُ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ عَنْهُ سِوَاهُ، فَأَمَّا ابْنُ وَرْدَانَ فَرَوَى عَنْهُ الِاخْتِلَاسَ ابْنُ الْعَلَّافِ وَابْنُ مِهْرَانَ وَالْخَبَّازِيُّ، وَالْوَرَّاقُ، عَنْ أَصْحَابِهِمْ، عَنْهُ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَهْوَازِيِّ، وَالرَّهَاوِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِمَا، عَنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِشْبَاعَ ابْنُ هَارُونَ الرَّازِيُّ وَهِبَةُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَالنَّهْرَوَانِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِمْ، عَنْهُ، (وَأَمَّا هِشَامٌ) ، وَأَبُو بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ عَنْهُمَا، وَأَشْبَعَ ضَمَّةَ الْهَاءِ فِيهِمَا الْبَاقُونَ، وَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الدُّورِيِّ، وَابْنِ جَمَّازٍ، وَابْنِ ذَكْوَانَ، وَابْنِ وَرْدَانَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ لِكُلٍّ مَنَ الدُّورِيِّ، وَابْنِ جَمَّازٍ وَجْهَانِ: الْإِسْكَانُ وَالْإِشْبَاعُ، وَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنْ هِشَامٍ وَأَبِي بَكْرٍ وَجْهَانِ: الْإِسْكَانُ وَالِاخْتِلَاسُ، وَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَابْنِ وَرْدَانَ وَجْهَانِ: الِاخْتِلَاسُ وَالْإِشْبَاعُ.
وَاخْتُلِفَ عَنِ السُّوسِيِّ فِي إِسْكَانِ هَاءِ (يَأْتِهِ) فَرَوَى الدَّانِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ عَنْهُ إِسْكَانَهَا، وَكَذَلِكَ ابْنَا غَلْبُونَ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ " الْكَافِي " وَالتَّلْخِيصِ " وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَالشَّاطِبِيُّ، وَسَائِرُ الْمَغَارِبَةِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ سَوَّارٍ، وَابْنُ مِهْرَانَ، وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ
(1/309)

وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْإِرْشَادَيْنِ وَ " الْعُنْوَانِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "، وَ " الْكَامِلِ "، سَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَنَصَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ عَنْهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ فِي هِدَايَتِهِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ قَالُونَ وَابْنِ وَرْدَانَ، وَرُوَيْسٍ فِي اخْتِلَاسِهَا، فَأَمَّا قَالُونُ فَرَوَى عَنْهُ الِاخْتِلَاسَ وَجْهًا وَاحِدًا صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَأَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ، وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ، وَهِيَ طَرِيقُ صَالِحِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَطَرِيقُ ابْنِ مِهْرَانَ، وَابْنِ الْعَلَّافِ وَالشَّذَائِيِّ، عَنِ ابْنِ بُويَانَ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ السَّامَرِّيِّ وَالنَّقَّاشِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِشْبَاعَ وَجْهًا وَاحِدًا صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْكَامِلِ " مِنْ جَمِيعِ طُرُقِنَا، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " عَنِ الْحُلْوَانِيِّ سِوَاهُ، وَهِيَ طَرِيقُ إِبْرَاهِيمَ الطَّبَرِيِّ، وَغُلَامِ الْهَرَّاسِ، عَنْ أَبِي بُويَانَ، وَطَرِيقُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ عَنْهُ صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ "، وَالشَّاطِبِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا، وَأَمَّا ابْنُ وَرْدَانَ فَرَوَى الِاخْتِلَاسَ عَنْهُ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْعَلَّافِ، وَالْوَرَّاقُ، وَابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ أَصْحَابِهِمْ، عَنِ الْفَضْلِ، وَبِهِ قَرَأَ الْخَبَّازِيُّ عَلَى زَيْدٍ فِي الْخَتْمَةِ الْأُولَى، وَرَوَى عَنْهُ الْإِشْبَاعَ النَّهْرَوَانِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَابْنُ هَارُونَ الرَّازِيُّ كَذَلِكَ، وَانْفَرَدَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْخَبَّازِيُّ فِي قِرَاءَتِهِ عَلَى زَيْدٍ فِي الْخَتْمَةِ الثَّانِيَةِ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ، وَأَمَّا رُوَيْسٌ، فَرَوَى الِاخْتِلَاسَ عَنْهُ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً، لَا نَعْرِفُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَرَوَى الصِّلَةَ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ، وَالدَّانِيُّ مِنْ طَرِيقَيْهِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ فِيمَا أَحْسَبُ، وَسَائِرُ الْمَغَارِبَةِ، وَبِذَلِكَ، قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَوَرْشٌ وَالدُّورِيُّ وَابْنُ جَمَّازٍ وَرَوْحٌ، وَقَدِ انْفَرَدَ مِهْرَانُ، عَنْ رَوْحٍ بِالِاخْتِلَاسِ، فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ، فَيَكُونُ لِلسُّوسِيِّ وَجْهَانِ، وَهُمَا الْإِسْكَانُ وَالْإِشْبَاعُ، وَلِكُلٍّ مِنْ قَالُونَ، وَابْنِ وَرْدَانَ، وَرُوَيْسٍ وَجْهَانِ، وَهُمَا الِاخْتِلَاسُ وَالْإِشْبَاعُ.
وَسَكَّنَ الْهَاءَ مِنْ (يَرَهُ) فِي " الْبَلَدِ " الدَّاجُونِيُّ، عَنْ هِشَامٍ. وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ، عَنِ
(1/310)

ابْنِ عَبْدَانَ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِي اخْتِلَاسِهِ عَنْ يَعْقُوبَ وَابْنِ وَرْدَانَ: فَأَمَّا يَعْقُوبُ فَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِيهِ عَنْ رُوَيْسٍ عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَرَوَى هِبَةُ اللَّهِ عَنِ الْمُعَدَّلِ، عَنْ رَوْحٍ اخْتِلَاسَهُمَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ عَنْ يَعْقُوبَ، وَرَوَى الْجُمْهُورُ عَنْهُ الْإِشْبَاعَ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، قَرَأْنَا بِهِمَا وَبِهِمَا نَأْخُذُ، وَأَمَّا ابْنُ وَرْدَانَ فَرَوَى عَنْهُ الِاخْتِلَاسَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ طُرُقِهِ، وَابْنُ الْعَلَّافِ عَنِ ابْنِ شَبِيبٍ وَابْنُ هَارُونَ الرَّازِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْفَضْلِ، كُلُّهُمْ عَنْ أَصْحَابِهِمْ عَنْهُ، وَبِهِ قَرَأَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْخَبَّازِيُّ عَلَى زَيْدٍ فِي الْخَتْمَةِ الثَّانِيَةِ، وَرَوَى عَنْهُ الصِّلَةَ النَّهْرَوَانِيُّ، وَالْوَرَّاقُ، وَابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ أَصْحَابِهِمْ، وَبِهِ قَرَأَ الْخَبَّازِيُّ فِي الْأُولَى، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَسَكَّنَ الْهَاءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ " إِذَا زُلْزِلَتْ " هِشَامٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ إِلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ الْكَارَزِينِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْهِجِ " أَنَّهُ أَشْبَعَهَا، وَاخْتَلَفَ عَنْهُ ابْنُ وَرْدَانَ، فَرَوَى عَنْهُ النَّهْرَوَانِيُّ الْإِسْكَانَ فِيهِمَا، وَرَوَى عَنْهُ الْإِشْبَاعَ ابْنُ مِهْرَانَ، وَالْوَرَّاقُ، وَالْخَبَّازِيُّ فِيمَا قَرَأَهُ فِي الْخَتْمَةِ الْأُولَى. وَرَوَى عَنْهُ الِاخْتِلَاسَ بَاقِي أَصْحَابِهِ، فَيَكُونُ لَهُ فِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا عَنْ يَعْقُوبَ فَرَوَى عَنْهُ الِاخْتِلَاسَ فِيهِمَا أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ وَأَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَذَلِكَ قِيَاسُ مَذْهَبِهِ. وَرَوَى الصِّلَةَ عَنْهُ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي مُبْهِجِهِ، وَأَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ، مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِمَا، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ وَغَيْرُهُمْ. وَرَوَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بِالْخِلَافِ، عَنْ رُوَيْسٍ فَقَطْ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ، وَخَصَّ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ وَغَيْرُهُمَا رَوْحًا بِالِاخْتِلَاسِ، وَرُوَيْسًا بِالصِّلَةِ، وَكِلَّا الْوَجْهَيْنِ صَحِيحٌ عَنْ يَعْقُوبَ.
وَقَرَأَ (أَرْجِئْهُ) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبُ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَرَوَى عَنْهُ كَذَلِكَ أَبُو حَمْدُونَ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ. وَكَذَلِكَ رَوَى نِفْطَوَيْهِ، عَنِ الصَّرِيفِينِيِّ، عَنْ يَحْيَى فِيمَا قَالَهُ سِبْطُ الْخَيَّاطِ، وَانْفَرَدَ الشَّذَائِيُّ بِذَلِكَ، عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ. وَضَمَّ الْهَاءَ مِنْ غَيْرِ صِلَةٍ أَبُو عَمْرٍو، وَيَعْقُوبُ وَالدَّاجُونِيُّ، عَنْ هِشَامٍ وَأَبُو حَمْدُونَ، وَنِفْطَوَيْهِ، عَنِ الصَّرِيفِينِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ
(1/311)

الشَّذَائِيُّ، عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَضَمَّهَا مَعَ الصِّلَةِ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْحُلْوَانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، وَأَسْكَنَهَا حَمْزَةُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي حَمْدُونَ وَنِفْطَوَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَسَرَ الْهَاءَ الْبَاقُونَ، وَاخْتَلَسَهَا مِنْهُمْ قَالُونُ، وَهِبَةُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَابْنُ هَارُونَ الرَّازِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ وَابْنِ ذَكْوَانَ، إِلَّا أَنَّهُ بِالْهَمْزَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَانْفَرَدَ عَنْهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْخَبَّازِيُّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْهُذَلِيُّ بِالْإِشْبَاعِ - يَعْنِي مَعَ الْهَمْزِ - وَأَحْسَبُهُ وَهْمًا؛ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَرَأَ بِهِ، وَالْبَاقُونَ مِنْهُمْ بِالْإِشْبَاعِ، وَهُمُ الْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ، وَوَرْشٌ وَابْنُ جَمَّازٍ وَابْنُ وَرْدَانَ مِنْ بَاقِي طُرُقِهِ، فَيَكُونُ فِيهِ سِتُّ قِرَاءَاتٍ سِوَى انْفِرَادِ الْخَبَّازِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ وَاخْتَلَسَ كَسْرَ الْهَاءِ مِنْ (بِيَدِهِ) فِي الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ رُوَيْسٌ، وَأَشْبَعَهَا الْبَاقُونَ. وَاخْتُلِفَ، عَنْ قَالُونَ وَابْنِ وَرْدَانَ فِي اخْتِلَاسِ كَسْرَةِ الْهَاءِ مِنْ (تُرْزَقَانِهِ) فَأَمَّا قَالُونُ فَرَوَى عَنْهُ الِاخْتِلَاسَ أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ فِي كِفَايَتِهِ، وَأَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ، وَغَيْرُهُمَا، عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَرَوَاهُ فِي " الْمُسْتَنِيرِ "، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْعَطَّارِ مِنْ طَرِيقِ الْفَرْضِيِّ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَالطَّبَرِيِّ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَرَوَاهُ فِي " الْمُبْهِجِ " مِنْ طَرِيقِ الشَّذَائِيِّ، عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَرَوَاهُ فِي التَّجْرِيدِ، عَنْ قَالُونَ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ، يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَالْحُلْوَانِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ الصِّلَةَ سَائِرُ الرُّوَاةِ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ تَذْكُرِ الْمَغَارِبَةُ سِوَاهُ. وَأَمَّا ابْنُ وَرْدَانَ فَرَوَى عَنْهُ الِاخْتِلَاسَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الرَّازِيُّ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ فِي إِرْشَادَيْهِ، وَرَوَى عَنْهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ الْإِشْبَاعَ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَبَقِيَ مِنَ الْمُتَحَرِّكِ الَّذِي قَبْلَهُ مُتَحَرِّكٌ حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ " ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ " وَانْفَرَدَ أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ عَنِ الْفَرْضِيِّ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، عَنْ قَالُونَ فِيمَا حَكَاهُ الْهَمْدَانِيُّ عَنْهُ بِاخْتِلَاسِ ضَمَّةِ الْهَاءِ - يَعْنِي حَالَةَ الْوَصْلِ بِالْبَسْمَلَةِ - إِذْ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ سَوَّارٍ عَنِ الْفَرْضِيِّ، وَسَائِرُ الرُّوَاةِ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ عَلَى الصِّلَةِ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ.
وَأَمَّا مَا خَرَجَ مِمَّا قَبْلُهُ مُتَحَرِّكٌ، وَهُوَ قَبْلُ سَاكِنٍ، فَحَرْفَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَهُوَ يَأْتِيكُمْ بِهِ. انْظُرْ كَيْفَ فِي الْأَنْعَامِ وَلِأَهْلِهِ امْكُثُوا فِي طه وَالْقَصَصِ
(1/312)

فَضَمَّ الْهَاءَ مِنْ بِهِ انْظُرُوا الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ وَرْشٍ وَكَسَرَهَا الْبَاقُونَ، وَضَمَّ الْهَاءَ مِنْ (لِأَهْلِهِ امْكُثُوا) حَمْزَةُ، وَكَسَرَهَا الْبَاقُونَ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا قَبْلُهُ سَاكِنٌ وَهُوَ قَبْلَ سَاكِنٍ، فَحَرْفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ (عَنْهُ تَّلَهَّى) فِي رِوَايَةِ الْبَزِّيِّ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ مِنْ تَلَهَّى فَإِنَّهُ يُثْبِتُهُ وَاوَ الصِّلَةِ بَعْدَ الْهَاءِ قَبْلَ التَّاءِ، وَكَذَلِكَ يُمَدُّ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْمَدِّ مُبَيَّنًا، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.

بَابُ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ
وَالْمَدُّ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ زِيَادَةِ مَطٍّ فِي حَرْفِ الْمَدِّ عَلَى الْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَقُومُ ذَاتُ حَرْفِ الْمَدِّ دُونَهُ.
وَالْقَصْرُ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَإِبْقَاءِ الْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ عَلَى حَالِهِ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ حُرُوفِ الْمَدِّ وَهِيَ الْحُرُوفُ الْجَوْفِيَّةُ " الْأَلِفُ "، وَلَا تَكُونُ إِلَّا سَاكِنَةً، وَلَا يَكُونُ قَبْلَهَا إِلَّا مَفْتُوحٌ " وَالْوَاوُ " السَّاكِنَةُ الْمَضْمُومُ مَا قَبْلَهَا " وَالْيَاءُ " السَّاكِنَةُ الْمَكْسُورُ مَا قَبْلَهَا، وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِسَبَبٍ.
(وَالسَّبَبُ) إِمَّا لَفْظِيٌّ، وَإِمَّا مَعْنَوِيٌّ (فَاللَّفْظِيُّ) إِمَّا هَمْزَةٌ وَإِمَّا سَاكِنٌ (أَمَّا الْهَمْزَةُ) ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قَبْلُ نَحْوُ آدَمَ، وَرَأَى، وَ (إِيمَانٍ) ، وَخَاطِئِينَ، وَأُوتِيَ، وَالْمَوْءُودَةُ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بَعْدُ، وَهِيَ فِي ذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ مَعَهَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُسَمَّى مُتَّصِلًا (وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ آخِرَ كَلِمَةٍ، وَالْهَمْزَةُ أَوَّلَ كَلِمَةٍ أُخْرَى، وَيُسَمَّى مُنْفَصِلًا. فَمَا كَانَ الْهَمْزُ فِيهِ مُتَقَدِّمًا سَيُفْرَدُ بِالْكَلَامِ بَعْدُ. الْمُتَّصِلُ نَحْوُ أُولَئِكَ، أَوْلِيَاءَ، يَشَاءَ اللَّهُ، وَ " السُّوأَى "، وَمِنْ سُوءٍ، وَلَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَيُضِيءُ، وَسِيئَتْ وَنَحْوُ بُيُوتَ النَّبِيءِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ هَمَزَ، وَالْمُنْفَصِلُ نَحْوُ بِمَا أُنْزِلَ، يَاأَيُّهَا، قَالُوا آمَنَّا، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَنَحْوُ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ، لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ، إِذَا زُلْزِلَتِ عِنْدَ مَنْ وَصَلَ الْمِيمَ، أَوْ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَبِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ، وَنَحْوُ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَ الْيَاءَ، وَسَوَاءٌ كَانَ حَرْفُ الْمَدِّ ثَابِتًا رَسْمًا، أَمْ سَاقِطًا مِنْهُ ثَابِتًا لَفْظًا كَمَا مَثَّلْنَا بِهِ، وَوَجْهُ الْمَدِّ لِأَجْلِ الْهَمْزَةِ أَنَّ
(1/313)

حَرْفَ الْمَدِّ خَفِيٌّ، وَالْهَمْزُ صَعْبٌ، فَزِيدَ فِي الْخَفِيِّ لِيُتَمَكَّنَ مِنَ النُّطْقِ بِالصَّعْبِ، وَأَمَّا السَّاكِنُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَارِضًا، وَهُوَ فِي قِسْمَيْهِ إِمَّا مُدْغَمٌ، أَوْ غَيْرُ مُدْغَمٍ، فَالسَّاكِنُ اللَّازِمُ الْمُدْغَمُ نَحْوُ: الضَّالِّينَ، دَابَّةٍ، آلذَّكَرَيْنِ عِنْدَ مَنْ أَبْدَلَ (وَاللَّذَانِّ) ، وَ (هَذَانِّ) عِنْدَ مَنْ شَدَّدَ، وَتَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ، وَ (أَتَعِدَانِّي) عِنْدَ مَنْ أَدْغَمَ، وَنَحْوُ (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) عِنْدَ حَمْزَةَ، وَنَحْوُ (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) عِنْدَ مَنْ أَدْغَمَ، عَنْ خَلَّادٍ، وَنَحْوُ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ رُوَيْسٍ، وَنَحْوُ وَالْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ عِنْدَ مَنْ أَدْغَمَهُ عَنْ رُوَيْسٍ، وَنَحْوُ وَ (لَا تَّيَمَّمُوا) ، (وَلَا تَّعَاوَنُوا) ، وَ (عَنْهُ تَّلَهَّى) ، وَ (كُنْتُمْ تَّمَنَّوْنَ) ، وَ (فَظَلْتُمْ تَّفَكَّهُونَ) عِنْدَ الْبَزِّيِّ، وَالسَّاكِنُ الْعَارِضُ الْمُدْغَمُ نَحْوُ (قَالَ لَهُمْ) ، (قَالَ رَبُّكُمْ) ، (يَقُولُ لَهُ) ، (فِيهِ هُدًى) ، وَ (يُرِيدُ ظُلْمًا) ، (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ) ، (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) عِنْدَ أَبِي عَمْرٍو إِذَا أَدْغَمَ، وَالسَّاكِنُ اللَّازِمُ غَيْرُ الْمُدْغَمِ نَحْوُ (لَامٌ. مِيمٌ. صَادٌ. نُونٌ) مِنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ نَحْوُ (وَمَحْيَايْ) فِي قِرَاءَةِ مَنْ سَكَّنَ الْيَاءَ، وَنَحْوُ (اللَّايْ) فِي قِرَاءَةِ مَنْ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ يَاءً سَاكِنَةً، وَنَحْوُ (آنْذَرْتَهُمْ، آشْفَقْتُمْ) عِنْدَ مَنْ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ أَلِفًا، وَنَحْوَ (هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ) ، وَ (جَا أَمْرُنَا) عِنْدَ مَنْ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ الْمَفْتُوحَةَ أَلِفًا وَالْمَكْسُورَةَ يَاءً، وَالسَّاكِنُ الْعَارِضُ غَيْرُ الْمُدْغَمِ نَحْوُ (الرَّحْمَنُ) ، وَ (الْمِهَادُ) ، وَ (الْعِبَادِ) ، وَ (الدِّينِ) ، وَ (نَسْتَعِينُ) ، وَ (يُوقِنُونَ) ، وَ (لَكَفُورٌ) وَنَحْوُ (بِيرٍ) ، وَ (الذِّيبُ) ، وَ (الضَّانِ) عِنْدَ مَنْ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ، وَذَلِكَ حَالَةُ الْوَقْفِ بِالسُّكُونِ، أَوْ بِالْإِشْمَامِ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ، وَوَجْهُ الْمَدِّ السَّاكِنِ الْمُتَمَكِّنِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَكَأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ حَرَكَةٍ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْأَئِمَّةُ عَلَى مَدِّ نَوْعَيِ الْمُتَّصِلِ وَذِي السَّاكِنِ اللَّازِمِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ أَهْلِ الْأَدَاءِ، أَوْ آرَاءُ بَعْضِهِمْ فِي قَدْرِ ذَلِكَ الْمَدِّ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا وَلَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَصْرُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَدِّ النَّوْعَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَهُمَا الْمُنْفَصِلُ وَذُو السَّاكِنِ الْعَارِضِ وَفِي قَصْرِهِمَا، وَالْقَائِلُونَ بِمَدِّهَا اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قَدْرِ ذَلِكَ الْمَدِّ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ. فَأَمَّا الْمُتَّصِلُ فَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَغَارِبَةِ عَلَى مَدِّهِ قَدْرًا وَاحِدًا
(1/314)

مُشْبَعًا مِنْ غَيْرِ إِفْحَاشٍ وَلَا خُرُوجٍ عَنْ مِنْهَاجِ الْعَرَبِيَّةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ شَيْطَا، وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، حَتَّى بَالَغَ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيِّ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ رَادًّا عَلَى أَبِي نَصْرٍ الْعِرَاقِيِّ، حَيْثُ ذَكَرَ تَفَاوُتَ الْمَرَاتِبِ فِي مَدِّهِ، فَقَالَ مَا نَصُّهُ: وَقَدْ ذَكَرَ الْعِرَاقِيُّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي مَدِّ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ كَالِاخْتِلَافِ فِي مَدِّ كَلِمَتَيْنِ، قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا لِغَيْرِهِ، وَطَالَمَا مَارَسْتُ الْكُتُبَ وَالْعُلَمَاءَ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَجْعَلُ مَدَّ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَدِّ الْكَلِمَتَيْنِ إِلَّا الْعِرَاقِيَّ، بَلْ فَصَلُوا بَيْنَهُمَا. انْتَهَى.
وَلَمَّا وَقَفَ أَبُو شَامَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى كَلَامِ الْهُذَلِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ظَنَّ أَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ فِي الْمُتَّصِلِ قَصْرًا، فَقَالَ فِي شَرْحِهِ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَى فِيهِ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ فِي كَلِمَتَيْنِ، ثُمَّ نَقَلَ ذَلِكَ، عَنْ حِكَايَةِ الْهُذَلِيِّ عَنِ الْعِرَاقِيِّ. وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقْصِدْهُ الْهُذَلِيُّ وَلَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْعِرَاقِيُّ التَّفَاوُتَ فِي مَدِّهِ فَقَطْ، وَقَدْ رَأَيْتُ كَلَامَهُ فِي كِتَابِهِ " الْإِشَارَةُ فِي الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ " وَكَلَامَ ابْنِهِ عَبْدِ الْحَمِيدِ فِي مُخْتَصَرِهَا " الْبِشَارَةُ " فَرَأَيْتُهُ ذَكَرَ مَرَاتِبَ الْمَدِّ فِي الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ ثَلَاثَةً: طُولِيٌّ، وَوَسَطِيٌّ، وَدُونَ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَا هُوَ مِنْ كَلِمَةٍ فَيُمَدُّ وَمَا هُوَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَيُقْصَرُ، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحِجَازِ غَيْرَ وَرْشٍ وَسَهْلٍ وَيَعْقُوبَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَهَذَا نَصٌّ فِيمَا قُلْنَاهُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعْتَقَدَ أَنَّ قَصْرَ الْمُتَّصِلِ جَائِزٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُهُ فَلَمْ أَجِدْهُ فِي قِرَاءَةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا شَاذَّةٍ، بَلْ رَأَيْتُ النَّصَّ بِمَدِّهِ؛ وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّالِحِيُّ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ وَشَافَهَنِي بِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْمَقْدِسِيِّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ الْكَرَّانِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَنَا مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّايِغُ الْمَكِّيُّ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُقْرِئُ رَجُلًا، فَقَرَأَ الرَّجُلُ: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ
(1/315)

مُرْسَلَةً، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا هَكَذَا أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كَيْفَ أَقْرَأَكَهَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: أَقْرَأَنِيهَا " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ " فَمَدُّوهَا.
هَذَا حَدِيثٌ جَلِيلٌ حُجَّةٌ وَنَصٌّ فِي هَذَا الْبَابِ، رِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ، وَذَهَبَ الْآخَرُونَ مَعَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ آنِفًا إِلَى تَفَاضُلِ مَرَاتِبِ الْمَدِّ فِيهِ كَتَفَاضُلِهَا عِنْدَهُمْ فِي الْمُنْفَصِلِ، وَاخْتَلَفُوا عَلَى كَمْ مَرْتَبَةٍ هُوَ؟ فَذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ، وَالْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ بَلِّيمَةَ وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ، وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهَا أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: إِشْبَاعٌ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ دُونَهُ، ثُمَّ دُونَهُ، وَلَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ إِلَّا الْقَصْرُ، وَهُوَ تَرْكُ الْمَدِّ الْعَرَضِيِّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّيْسِيرِ أَنَّ بَيْنَهُمَا مَرْتَبَةً أُخْرَى، وَأَقْرَأَنِي بِذَلِكَ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَمَلًا بِظَاهِرِ لَفْظِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، بَلْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ طُرُقِهِ إِلَّا بِأَرْبَعِ مَرَاتِبَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ " فِي غَيْرِهِ، فَقَالَ فِي الْمُفْرَدَاتِ مِنْ تَأْلِيفِهِ: إِنَّهُ قَرَأَ لِلسُّوسِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ بِقَصْرِ الْمُنْفَصِلِ وَبِمَدٍّ مُتَوَسِّطٍ فِي الْمُتَّصِلِ، وَإِنَّهُ قَرَأَ عَنِ الدُّورِيِّ وَقَالُونَ عَلَى جَمِيعِ شُيُوخِهِ بِمَدٍّ مُتَوَسِّطٍ فِي الْمُتَّصِلِ، لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَنْهُمَا فِي الْمُنْفَصِلِ، وَلِذَا ذَكَرَهُ فِي جَامِعِهِ وَزَادَ فِي الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ جَمِيعًا مَرْتَبَةً خَامِسَةً، هِيَ أَطْوَلُ مِنَ الْأُولَى لِمَنْ سَكَتَ عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَ الْهَمْزَةِ، وَذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ طَرِيقِ الشَّمُونِيِّ، عَنِ الْأَعْشَى، عَنْهُ، وَمِنْ رِوَايَةِ حَفْصٍ طَرِيقِ الْأُشْنَانِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْهُ، وَمِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ خَلَّادٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَمِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إِذَا مَدُّوا الْمَدَّ الْمُشْبَعَ عَلَى قَدْرِ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى يُرِيدُونَ التَّمْكِينَ الَّذِي هُوَ قَدْرُ السَّكْتِ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ تَجْرِي لِكُلِّ مَنْ رَوَى السَّكْتَ عَلَى الْمَدِّ، وَأَشْبَعَ الْمَدَّ كَمَا سَيَأْتِي، وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ فِي الْبَسِيطِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ وَأَبُو نَصْرٍ الْعِرَاقِيُّ، وَابْنُهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ وَأَبُو الْفَخْرِ الْجَاجَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ مَرَاتِبَهُ ثَلَاثَةٌ: وُسْطَى، وَفَوْقَهَا،
(1/316)

وَدُونَهَا. فَأَسْقَطُوا الْمَرْتَبَةَ الْعُلْيَا حَتَّى قَدَّرَهُ ابْنُ مِهْرَانَ بِأَلِفَيْنِ، ثُمَّ بِثَلَاثَةٍ، ثُمَّ بِأَرْبَعَةٍ. وَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ وَأَبُو الْقَاسِمِ الطَّرَسُّوسِيُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ بْنُ خَلَفٍ إِلَى أَنَّهُ عَلَى مَرْتَبَتَيْنِ: طُولَى، وَوُسْطَى، فَأَسْقَطُوا الدُّنْيَا وَمَا فَوْقَ الْوُسْطَى، وَسَيَأْتِي تَعْيِينُ قَدْرِ الْمَرْتَبَةِ فِي الْمُنْفَصِلِ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ خَلَفٍ، عَنْ سُلَيْمٍ قَالَ: أَطْوَلُ الْمَدِّ عِنْدَ حَمْزَةَ الْمَفْتُوحُ نَحْوُ (تِلْقَاءَ أَصْحَابِ) ، وَ (جَاءَ أَحَدَهُمْ) ، وَ (يَا أَيُّهَا) قَالَ: وَالْمَدُّ الَّذِي دُونَ ذَلِكَ (خَائِفِينَ) ، وَ (الْمَلَائِكَةُ) . (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) قَالَ: وَأَقْصَرُ الْمَدِّ (أُولَئِكَ) وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، بَلِ الْمَأْخُوذُ بِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ خِلَافُهُ؛ إِذِ النَّظَرُ يَرُدُّهُ، وَالْقِيَاسُ يَأْبَاهُ، وَالنَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ يُخَالِفُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ (أُولَئِكَ) وَ (خَائِفِينَ) فَإِنَّ الْهَمْزَةَ فِيهَا بَعْدَ الْأَلِفِ مَكْسُورَةٌ.
وَأَمَّا الْمَدُّ لِلسَّاكِنِ اللَّازِمِ فِي قِسْمَيْهِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا الْمَدُّ اللَّازِمُ إِمَّا عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفٍ مُضَافٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ يَلْزَمُ فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: مَدُّ الْعَدْلِ ; لِأَنَّهُ يَعْدِلُ حَرَكَةً. فَإِنَّ الْقُرَّاءَ يُجْمِعُونَ عَلَى مَدِّهِ مُشْبَعًا قَدْرًا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ، لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا سَلَفًا وَلَا خَلَفًا، إِلَّا مَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْفَخْرِ حَامِدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسْنَوَيْهِ الْجَاجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ " حِلْيَةُ الْقُرَّاءِ " نَصًّا، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مِهْرَانَ حَيْثُ قَالَ: وَالْقُرَّاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي مِقْدَارِهِ، فَالْمُحَقِّقُونَ يَمُدُّونَ عَلَى قَدْرِ أَرْبَعِ أَلِفَاتٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُدُّ عَلَى قَدْرِ ثَلَاثِ أَلِفَاتٍ، وَالْحَادِرُونَ يَمُدُّونَ عَلَيْهِ قَدْرَ أَلِفَيْنِ، إِحْدَاهُمَا الْأَلِفُ الَّتِي بَعْدَ الْمُحَرَّكِ وَالثَّانِيَةُ الْمَدَّةُ الَّتِي أُدْخِلَتْ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ لِتَعْدِلَ، ثُمَّ قَالَ الْجَاجَانِيُّ: وَعَلَيْهِ - يَعْنِي وَعَلَى الْمَرْتَبَةِ الدُّنْيَا - قَوْلُ أَبِي مُزَاحِمٍ الْخَاقَانِيِّ فِي قَصِيدَتِهِ:
وَإِنْ حَرْفُ مَدٍّ كَانَ مِنْ قَبْلِ مُدْغَمٍ ... كَآخِرِ مَا فِي الْحَمْدِ فَامْدُدْهُ وَاسْتَجْرِ
مَدَدْتَ لِأَنَّ السَّاكِنَيْنِ تَلَاقَيَا ... فَصَارَ كَتَحْرِيكِ كَذَا قَالَ ذُو الْخَبَرِ
(قُلْتُ) : وَظَاهِرُ عِبَارَةِ صَاحِبِ " التَّجْرِيدِ " أَيْضًا أَنَّ الْمَرَاتِبَ تَتَفَاوَتُ كَتَفَاوُتِهَا
(1/317)

فِي الْمُتَّصِلِ، وَفَحْوَى كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ بَلِّيمَةَ فِي تَلْخِيصِهِ تُعْطِيهِ، وَالْآخِذُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِالْأَمْصَارِ عَلَى خِلَافِهِ. نَعَمْ، اخْتَلَفَتْ آرَاءُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي تَعْيِينِ هَذَا الْقَدْرِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَالْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ الْإِشْبَاعُ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى إِطْلَاقِ تَمْكِينِ الْمَدِّ فِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ دُونَ مَا مُدَّ لِلْهَمْزِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ بِقَوْلِهِ:
وَالْمَدُّ مِنْ قَبْلِ الْمُسَكَّنِ دُونَ مَا ... قَدْ مُدَّ لِلْهَمَزَاتِ بِاسْتِيقَانِ
يَعْنِي أَنَّهُ دُونَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَفَوْقَ التَّوَسُّطِ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَرِيبٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي تَفَاضُلِ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ إِلَى أَنَّ مَدَّ الْمُدْغَمِ مِنْهُ أَشْبَعُ تَمْكِينًا مِنَ الْمُظْهَرِ مِنْ أَجْلِ الْإِدْغَامِ، لِاتِّصَالِ الصَّوْتِ فِيهِ وَانْقِطَاعِهِ فِي الْمُظْهَرِ، فَعَلَى هَذَا يُزَادُ إِشْبَاعُ لَامٍ عَلَى إِشْبَاعِ مِيمٍ مِنْ أَجْلِ الْإِدْغَامِ، وَكَذَلِكَ (دَابَّةٍ) بِالنِّسْبَةِ إِلَى (مَحْيَايْ) عِنْدَ مَنْ أَسْكَنَ، وَيَنْقُصُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ (صَادْ ذِكْرُ، وَسِينْ مِيمْ نُونْ وَالْقَلَمِ) عِنْدَ مَنْ أَظْهَرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ أَدْغَمَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ، ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ. وَمَذْهَبُ ابْنِ مُجَاهِدٍ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الشَّذَائِيُّ، وَمَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ، وَقَبِلَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَجَوَّدَهُ، وَقَالَ: بِهِ كَانَ يَقُولُ شَيْخُنَا الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ، يَعْنِي الْأَنْطَاكِيَّ، وَقَالَ: وَإِيَّاهُ كَانَ يَخْتَارُ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْمَدَّ فِي غَيْرِ الْمُدْغَمِ فَوْقَ الْمُدْغَمِ، وَقَالَ ; لِأَنَّ الْمُدْغَمَ يَتَحَصَّنُ وَيَقْوَى بِالْحَرْفِ الْمُدْغَمِ فِيهِ بِحَرَكَتِهِ. فَكَأَنَّ الْحَرَكَةَ فِي الْمُدْغَمِ فِيهِ حَاصِلَةٌ فِي الْمُدْغَمِ، فَقَوِيَ بِتِلْكَ الْحَرَكَةِ وَإِنْ كَانَ الْإِدْغَامُ يُخْفِي الْحَرْفَ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَدِّ الْمُدْغِمِ وَالْمُظْهِرِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ إِذِ الْمُوجِبُ لِلْمَدِّ هُوَ الْتِقَاءُ السَّاكِنَيْنِ، وَالْتِقَاؤُهُمَا مَوْجُودٌ، فَلَا مَعْنًى لِلتَّفْصِيلِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْعِرَاقِيِّينَ قَاطِبَةً، وَلَا يُعْرَفُ نَصٌّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ مُؤَلِّفِيهِمْ بِاخْتِيَارِ خِلَافِهِ، قَالَ الدَّانِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا، وَبِهِ قَرَأْتُ عَلَى أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ، قَالَ: وَإِلَيْهِ كَانَ
(1/318)

يَذْهَبُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ - يَعْنِي الْأُذْفُوِيَّ، وَعَلِيُّ بْنُ بِشْرٍ - يَعْنِي الْأَنْطَاكِيَّ - نَزِيلُ الْأَنْدَلُسِ.
وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: مَدُّ الْبَسْطِ ; لِأَنَّهُ يَبْسُطُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ، وَيُقَالُ: مَدُّ الْفَصْلِ ; لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ، وَيُقَالُ لَهُ: الِاعْتِبَارُ؛ لِاعْتِبَارِ الْكَلِمَتَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ، وَيُقَالُ: مَدُّ حَرْفٍ لِحَرْفٍ، أَيْ: مَدُّ كَلِمَةٍ لِكَلِمَةٍ، يُقَالُ: الْمَدُّ الْجَائِزُ مِنْ أَجْلِ الْخِلَافِ فِي مَدِّهِ وَقِصَرِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ فِي مِقْدَارِ مَدِّهِ اخْتِلَافًا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ وَلَا يَصِحُّ جَمْعُهُ. فَقَلَّ مَنْ ذَكَرَ مَرْتَبَةً لِقَارِئٍ إِلَّا وَذَكَرَ غَيْرَهُ لِذَلِكَ الْقَارِئِ مَا فَوْقَهَا أَوْ مَا دُونَهَا، وَهَا أَنَا أَذْكُرُ مَا جَنَحُوا إِلَيْهِ، وَأُثْبِتُ مَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ مِنْ ذَلِكَ. فَأَمَّا ابْنُ مُجَاهِدٍ، وَالطَّرَسُوسِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ بْنُ خَلَفٍ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ كَأَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ فَارِسٍ، وَابْنِ خَيْرُونَ، وَغَيْرِهِمْ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مِنْ سِوَى الْقَصْرِ غَيْرَ مَرْتَبَتَيْنِ، طُولَى وَوُسْطَى، وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ الصَّقَلِّيُّ مَرَاتِبَ غَيْرَ الْقَصْرِ، وَهِيَ الْمُتَوَسِّطُ، وَفَوْقَهُ قَلِيلًا، وَفَوْقَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَيْنَ التَّوَسُّطِ وَالْقَصْرِ، وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ " أَنَّهَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ، إِلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ الْعُلْيَا، فَذَكَرَ مَا فَوْقَ الْقَصْرِ وَفَوْقَهُ، وَهُوَ التَّوَسُّطُ وَفَوْقَهُ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ مِهْرَانَ، وَالْعِرَاقِيُّ، وَابْنُهُ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ شَيْطَا، وَلَكِنَّهُ أَسْقَطَ مَا دُونَ الْعُلْيَا، فَذَكَرَ الْقَصْرَ، وَفَوْقَهُ التَّوَسُّطُ وَالطُّولَى، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ ذَكَرَ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ سِوَى الْقَصْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهَا، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي تَيْسِيرِهِ، وَمَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ، وَصَاحِبُ " الْكَافِي "، وَ " الْهَادِي " وَ " الْهِدَايَةِ " وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَأَكْثَرُ الْمَغَارِبَةِ، وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي مُبْهَجِهِ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْمَالِكِيُّ فِي رَوْضَتِهِ، وَبَعْضُ الْمَشَارِقَةِ - أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ: مَا فَوْقَ الْقَصْرِ، وَفَوْقَهُ وَهُوَ التَّوَسُّطُ، وَفَوْقَهُ، وَالْإِشْبَاعُ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْقَصْرَ الْمَحْضَ كَمَا فَعَلَ صَاحِبُهُ الْهُذَلِيُّ كَمَا سَيَأْتِي، وَذَكَرَهَا الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " خَمْسَ مَرَاتِبَ سِوَى الْقَصْرِ، فَزَادَ مَرْتَبَةً سَادِسَةً فَوْقَ الطُّولَى الَّتِي ذَكَرَهَا فِي " التَّيْسِيرِ ". وَكَذَا ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ
(1/319)

الْهَمْدَانِيُّ فِي غَايَتِهِ وَتَبِعَهُمَا فِي ذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ، وَزَادَ مَرْتَبَةً سَابِعَةً، وَهِيَ إِفْرَاطٌ وَقَدْرُهَا سِتُّ أَلِفَاتٍ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ، عَنْ وَرْشٍ وَعَزَا ذَلِكَ إِلَى ابْنِ نَفِيسٍ، وَابْنِ سُفْيَانَ وَابْنِ غَلْبُونَ، وَالْحَدَّادِ - يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَمْرٍو - وَقَدْ وَهِمَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَصْرَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَاتَّفَقَ هُوَ وَأَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ عَلَى ذَلِكَ وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَصْرُ الْمُنْفَصِلِ أَلْبَتَّةَ، وَأَنَّهُ عِنْدَهُمَا كَالْمُتَّصِلِ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَزَادَ أَبُو الْأَهْوَازِيِّ مَرْتَبَةً ثَامِنَةً دُونَ الْقَصْرِ وَهِيَ الْبَتْرُ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ وَالْهَاشِمِيِّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْقَوَّاسِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي جَمِيعِ مَا كَانَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ، قَالَ: وَالْبَتْرُ هُوَ حَذْفُ الْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ مِنْ سَائِرِهِنَّ. قَالَ: وَاسْتَثْنَى الْحُلْوَانِيُّ عَنِ الْقَوَّاسِ الْأَلِفَ وَمَدَّهَا مَدًّا وَسَطًا فِي ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ لَا غَيْرَ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا آدَمُ) حَيْثُ كَانَ، وَ (يَا أُخْتَ هَارُونَ) وَ (يَا أَيُّهَا) حَيْثُ كَانَ، وَبَاقِي الْبَابِ بِالْبَتْرِ.
(قُلْتُ) : اسْتِثْنَاءُ الْحُلْوَانِيِّ هَذِهِ الْكَلِمَ لَيْسَ لِكَوْنِهَا مُنْفَصِلَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَ الْحُلْوَانِيُّ يَتَوَهَّمُ أَنَّهَا مِنَ الْمُتَّصِلِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهَا اتَّصَلَتْ رَسْمًا، فَمَثَّلَ فِي جَامِعِهِ الْمُتَّصِلَ بِـ (السَّمَاءِ) ، وَ (مَاءً) ، وَ (نِدَاءً) ، وَ (يَا أُخْتَ) ، وَ (يَا أَيُّهَا) ، وَ (يَا آدَمُ) قَالَ الدَّانِيُّ: وَقَدْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ.
(قُلْتُ) : وَلَيْسَ الْبَتْرُ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْأَهْوَازِيُّ فَقَطْ، حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْقَوَّاسِ، عَنِ الْخُزَاعِيِّ عَنِ الْهَاشِمِيِّ عَنْهُ، وَعَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ قُنْبُلٍ، عَنِ ابْنِ شَنَبُوذَ، عَنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ الدَّانِيُّ: وَهَكَذَا مَكْرُوهٌ قَبِيحٌ، لَا عَمَلَ عَلَيْهِ، وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ؛ إِذْ هُوَ لَحْنٌ لَا يَجُوزُ بِوَجْهٍ وَلَا تَحِلُّ الْقِرَاءَةُ بِهِ. قَالَ: وَلَعَلَّهُم أَرَادُوا حَذْفَ الزِّيَادَةِ لِحَرْفِ الْمَدِّ وَإِسْقَاطَهَا، فَعَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِحَذْفِ حَرْفِ الْمَدِّ وَإِسْقَاطِهِ مَجَازًا.
(قَلْتُ) : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا حَذْفَ الزِّيَادَةِ كَمَا قَالَ الدَّانِيُّ: قَوْلُ الْحُلْوَانِيِّ فِيمَا رَوَاهُ الْأَهْوَازِيُّ، عَنْهُ، عَنِ الْقَوَّاسِ حَيْثُ اسْتَثْنَى الْكَلِمَ الثَّلَاثَ وَمَدَّهَا مَدًّا وَسَطًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَا أَنَا أَذْكُرُ كُلًّا مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ عَلَى التَّعْيِينِ وَمَذَاهِبَ أَهْلِ الْأَدَاءِ فِيهَا لِكُلٍّ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ وَرُوَاتِهِمْ، مُنَبِّهًا عَلَى الْأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَذْكُرُ النُّصُوصَ لِيَأْخُذَ الْمُتْقِنُ بِمَا هُوَ أَقْرَبُ، وَيَرْجِعَ عَنِ التَّقْلِيدِ إِلَى الْأَصْوَبِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(1/320)

(فَالْمَرْتَبَةُ الْأُولَى) قَصْرُ الْمُنْفَصِلِ، وَهِيَ حَذْفُ الْمَدِّ الْعَرَضِيِّ، وَإِبْقَاءُ ذَاتِ حَرْفِ الْمَدِّ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَذَلِكَ هُوَ الْقَصْرُ الْمَحْضُ، وَهِيَ لِأَبِي جَعْفَرٍ وَابْنِ كَثِيرٍ بِكَمَالِهَا مِنْ جَمِيعِ مَا عَلِمْنَاهُ وَرُوِّينَاهُ مِنَ الْكُتُبِ وَالطُّرُقِ، حَسْبَمَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُنَا سِوَى تَلْخِيصِ أَبِي مَعْشَرٍ، وَكَامِلٍ الْهُذَلِيِّ، فَإِنَّ عِبَارَتَهُمَا تَقْتَضِي الزِّيَادَةَ لَهُ عَلَى الْقَصْرِ الْمَحْضِ، كَمَا سَيَأْتِي نَصُّهُمَا، وَاخْتُلِفَ، عَنْ قَالُونَ وَالْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ وَرْشٍ، وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَتَيْهِ، وَعَنْ يَعْقُوبَ، وَعَنْ هِشَامٍ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ. وَعَنْ حَفْصٍ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الصَّبَّاحِ، أَمَّا قَالُونُ فَقَطَعَ لَهُ بِالْقَصْرِ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو الْعِزِّ فِي إِرْشَادَيْهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَكَذَلِكَ ابْنُ فَارِسٍ فِي جَامِعِهِ، وَالْأَهْوَازِيُّ فِي وَجِيزِهِ، وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي مُبْهِجِهِ مِنْ طَرِيقَيْهِ، وَابْنُ خَيْرُونَ فِي كِفَايَتِهِ، وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ. وَكَذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّرَسُوسِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ بْنُ خَلَفٍ، وَبَعْضُ الْمَغَارِبَةِ، وَقَطَعَ لَهُ بِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ ابْنُ الْفَحَّامِ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، وَ " مَكِّيٌّ " صَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْمَهْدَوِيُّ " صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ "، وَابْنُ بَلِّيمَةَ فِي تَلْخِيصِهِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِينَ كَابْنَيْ غَلْبُونَ وَالصَّفْرَاوِيُّ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّيْسِيرِ " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَأَمَّا الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ وَرْشٍ فَقَطَعَ لَهُ بِالْقَصْرِ أَكْثَرُ الْمُؤَلِّفِينَ مِنَ الْمَشَارِقَةِ وَالْمَغَارِبَةِ، كَابْنِ مُجَاهِدٍ، وَابْنِ مِهْرَانَ، وَابْنِ سَوَّارٍ وَصَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَأَبِي الْعِزِّ وَابْنِ فَارِسٍ، وَسِبْطِ الْخَيَّاطِ وَالدَّانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْإِعْلَانِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا تَخْيِيرًا بَعْدَ ذِكْرِهِ الْقَصْرَ، وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَقَطَعَ لَهُ بِالْقَصْرِ مِنْ رِوَايَتَيْهِ ابْنُ مِهْرَانَ، وَابْنُ سَوَّارٍ وَابْنُ فَارِسٍ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو الْعِزِّ، وَابْنُ خَيْرُونَ، وَالْأَهْوَازِيُّ، وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ "، وَشَيْخُهُ، وَالْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ ابْنِ مُجَاهِدٍ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ، وَفِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ أَيْضًا، وَفِي " التَّجْرِيدِ " وَ " الْمُبْهِجِ " وَ " التَّذْكَارِ "، إِلَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِوَجْهِ الْإِدْغَامِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ شَيْطَا، وَالْقَصَّاعُ فِي طُرُقِ التَّجْرِيدِ وَغَيْرُهُمْ
(1/321)

وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا نَعْلَمُ نَصًّا بِخِلَافِهِ، وَهُوَ الَّذِي نَقْرَأُ بِهِ وَنَأْخُذُ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْقَصْرِ مِنْ رِوَايَةِ السُّوسِيِّ فَقَطِ ابْنُ سُفْيَانَ وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَالْمَهْدَوِيُّ، وَمَكِّيٌّ، وَصَاحِبَا " التَّيْسِيرِ " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَابْنُ بَلِّيمَةَ، وَسَائِرُ الْمَغَارِبَةِ. وَكَذَا ابْنَا غَلْبُونَ، وَالْفُرَاوِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلدُّورِيِّ فِي " الْكَافِي " وَ " الْإِعْلَانِ " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ " وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَقَطَعَ لَهُ بِالْقَصْرِ ابْنُ سَوَّارٍ، وَالْمَالِكِيُّ وَابْنُ خَيْرُونَ وَأَبُو الْعِزِّ، وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَكَذَلِكَ الْأَهْوَازِيُّ وَابْنَا غَلْبُونَ، وَصَاحِبَا " التَّجْرِيدِ " فِي مُفْرَدَتِهِ، وَكَذَلِكَ الدَّانِيُّ، وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَأَمَّا هِشَامٌ فَقَطَعَ لَهُ بِالْقَصْرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ، وَقَطَعَ لَهُ بِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ ابْنُ خَيْرُونَ، وَابْنُ سَوَّارٍ، وَالْأَهْوَازِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ مِنْ سَائِرِ طُرُقِهِ، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ مِهْرَانَ لِهِشَامٍ بِكَمَالِهِ، وَكَذَلِكَ فِي " الْوَجِيزِ "، وَأَمَّا حَفْصٌ فَقَطَعَ لَهُ بِالْقَصْرِ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَرْعَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ فَارِسٍ فِي جَامِعِهِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ " الْمُسْتَنِيرِ " مِنْ طَرِيقِ الْحَمَّامِيِّ، عَنِ الْوَلِيِّ، عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو الْعِزِّ مِنْ طَرِيقِ الْفِيلِ، عَنْهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ الْفِيلِ.
(وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ) فَوْقَ الْقَصْرِ قَلِيلًا، وَقُدِّرَتْ بِأَلِفَيْنِ، وَبَعْضُهُمْ بِأَلِفٍ وَنِصْفٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْهُذَلِيِّ، وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ شَيْطَا بِزِيَادَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ، وَسَبْطُ الْخَيَّاطِ بِزِيَادَةٍ أَدْنَى وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ بِالتَّمْكِينِ مِنْ غَيْرِ إِشْبَاعٍ، ثُمَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ فِي الْمُتَّصِلِ لِأَصْحَابِ قَصْرِ الْمُنْفَصِلِ مِثْلِ الدُّورِيِّ، وَالسُّوسِيِّ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ مَرَاتِبَ الْمُتَّصِلِ أَرْبَعًا كَصَاحِبِ " التَّيْسِيرِ " وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَ " تَلْخِيصِ " الْعِبَارَاتِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ فِي الْمُنْفَصِلِ عِنْدَ صَاحِبِ " التَّيْسِيرِ " لِأَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ، وَذَلِكَ قَرَأْتُهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَأَبِي الْقَاسِمِ الْفَارِسِيِّ وَلِقَالُونَ بِخِلَافٍ عَنْهُ فِيهِ، وَبِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ قَرَأَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَهِيَ فِي " الْهَادِي " وَ " الْهِدَايَةِ " وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ " وَعَامَّةِ كُتُبِ وَالِدِ الْمَغَارِبَةِ لَقَالُونَ، وَرُوِيَ بِلَا خِلَافٍ
(1/322)

وَكَذَا فِي " الْكَافِي "، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَقَرَأْتُ لَهَا بِالْقَصْرِ وَهِيَ فِي " الْمُبْهِجِ " لِيَعْقُوبَ، وَهِشَامٍ وَحَفْصٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرٍو، وَلِأَبِي عَمْرٍو إِذَا أَظْهَرَ، وَفِي " التَّذْكَارِ " لِنَافِعٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَالْحُلْوَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ وَالْحَمَّامِيِّ، عَنِ الْوَلِيِّ، عَنْ حَفْصٍ وَلِأَبِي عَمْرٍو إِذَا ظَهَرَ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " لِخَلَفٍ، وَفِي اخْتِيَارِهِ، وَلِلْكِسَائِيِّ سِوَى قُتَيْبَةَ، وَفِي " غَايَةِ " أَبِي الْعَلَاءِ لِأَبِي جَعْفَرٍ وَنَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَيَعْقُوبَ، وَالْحُلْوَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، وَالْوَلِيِّ، عَنْ حَفْصٍ، وَفِي " تَلْخِيصِ الطَّبَرِيِّ " لِابْنِ كَثِيرٍ، وَلِنَافِعٍ غَيْرِ وَرْشٍ وَلِلْحُلْوَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، وَلِأَبِي عَمْرٍو وَيَعْقُوبَ، وَفِي " الْكَامِلِ " لَقَالُونَ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَأَبِي نَشِيطٍ، وَلِلسُّوسِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَلِلْحُلْوَانِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ - يَعْنِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ - وَلِلْقَوَّاسِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ - يَعْنِي قُنْبُلًا وَأَصْحَابَهُ.
(وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ) فَوْقَهَا قَلِيلًا، وَهِيَ التَّوَسُّطُ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَقُدِّرَتْ بِثَلَاثِ أَلِفَاتٍ وَقَدَّرَهَا الْهُذَلِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَلِفَيْنِ وَنِصْفٍ، وَنَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّيْرَائِيِّ الذَّرَّاعِ قَدْرَ أَلِفَيْنِ. وَهُوَ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّ الَّتِي قَبْلَهَا قَدْرُ أَلِفٍ وَنِصْفٍ، ثُمَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ فِي " التَّيْسِيرِ " وَ " التَّذْكِرَةِ " وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ " لِابْنِ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيِّ فِي الضَّرْبَيْنِ، وَكَذَا فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " سِوَى قُتَيْبَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ. وَهِيَ عِنْدَ ابْنِ مُجَاهِدٍ لِلْبَاقِينَ سِوَى حَمْزَةَ وَالْأَعْمَشِ، وَسِوَى مَنْ قَصَرَ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَبِي عَمْرٍو مِنْ جِهَةِ الْأَدَاءِ، وَكَذَلِكَ هِيَ لِلْبَاقِينَ سِوَى حَمْزَةَ وَوَرْشٍ، أَيْ: مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ الْمَدَّ فِي الضَّرْبَيْنِ مَرْتَبَتَيْنِ: طُولَى وَوُسْطَى، كَصَاحِبِ " الْعُنْوَانِ " وَشَيْخِهِ الطَّرَسُوسِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّاطِبِيِّ. وَكَذَلِكَ هِيَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي الْمُتَّصِلِ لِمَنْ قَصَرَ الْمُنْفَصِلَ، وَهِيَ فِيهِمَا عِنْدَ صَاحِبِ " التَّجْرِيدِ " لِلْكِسَائِيِّ، وَلِعَاصِمٍ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، وَلِابْنِ عَامِرٍ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ وَلِأَبِي نَشِيطٍ، عَنْ قَالُونَ، وَلِلْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ وَرْشٍ، وَلِأَبِي عَمْرٍو بِكَمَالِهِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ وَالْمَالِكِيِّ، يَعْنِي مِنْ رِوَايَةِ الْإِظْهَارِ، وَهِيَ فِي الْمُنْفَصِلِ عِنْدَ صَاحِبِ " الْمُبْهِجِ " لِلْكُوفِيِّينَ سِوَى حَمْزَةَ، وَسِوَى عَمْرٍو، عَنْ حَفْصٍ، وَلِابْنِ عَامِرٍ سِوَى هِشَامٍ، وَعِنْدَ صَاحِبِ
(1/323)

" الْمُسْتَنِيرِ " لِلْعَبْسِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، وَلِعَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْهُ، وَلِسَائِرِ مَنْ يَقْصُرُهُ سِوَى حَمْزَةَ غَيْرَ مَنْ تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَغَيْرَ الْأَعْشَى وَقُتَيْبَةَ وَالْحَمَّامِيِّ، عَنِ النَّقَاشِ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ. وَكَذَا فِي جَامِعِ ابْنِ فَارِسٍ سِوَى حَمْزَةَ وَالْأَعْشَى، وَكَذَا عِنْدَ ابْنِ خَيْرُونَ سِوَى حَمْزَةَ وَالْأَعْشَى وَالْمِصْرِيِّينَ، عَنْ وَرْشٍ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " لِعَاصِمٍ سِوَى الْأَعْشَى، وَلِقُتَيْبَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَالْمِصْرِيِّينَ، عَنْ وَرْشٍ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " لِعَاصِمٍ سِوَى الْأَعْشَى، وَلِقُتَيْبَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَفِي " الْوَجِيزِ " لِلْكِسَائِيِّ وَابْنِ ذَكْوَانَ، وَفِي إِرْشَادِ أَبِي الْعِزِّ لِمَنْ يَمُدُّ الْمُنْفَصِلَ سِوَى حَمْزَةَ وَالْأَخْفَشِ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَهِيَ فِي " الْكَامِلِ " لِابْنِ عَامِرٍ، وَلِلْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ وَرْشٍ وَلِبَقِيَّةِ أَصْحَابِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَلِلدُّورِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَلِحَفْصٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ عَمْرٍو، وَلِبَاقِي أَصْحَابِ ابْنِ كَثِيرٍ يَعْنِي الْبَزِّيَّ، وَغَيْرِهِ فِي " مَبْسُوطِ " ابْنِ مِهْرَانَ، لِسَائِرِ الْقُرَّاءِ غَيْرَ وَرْشٍ، وَحَمْزَةَ، وَالْأَعْشَى، وَفِي " رَوْضَةِ " أَبِي عَلِيٍّ، لِعَاصِمٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأَعْشَى.
(وَالْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ) فَوْقَهَا قَلِيلًا وَقُدِّرَتْ بِأَرْبَعِ أَلِفَاتٍ عِنْدَ بَعْضِ مَنْ قَدَّرَ الثَّالِثَةِ بِثَلَاثٍ، وَبَعْضُهُمْ بِثَلَاثٍ وَنِصْفٍ، وَقَالَ الْهُذَلِيُّ: مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَلِفَاتٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ، أَيْ: عِنْدَ مَنْ قَدَّرَ الثَّالِثَةَ بِأَلِفَيْنِ وَنِصْفٍ، ثُمَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ فِي الضَّرْبَيْنِ لِعَاصِمٍ عِنْدَ صَاحِبِ " التَّيْسِيرِ " وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَابْنِ بَلِّيمَةَ، وَكَذَا فِي " التَّجْرِيدِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، وَلِابْنِ عَامِرٍ أَيْضًا مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ سِوَى النَّقَّاشِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَهِيَ فِي الْمُنْفَصِلِ لِعَاصِمٍ أَيْضًا عِنْدَ صَاحِبِ " الْوَجِيزِ " وَ " الْكِفَايَةِ الْكُبْرَى " وَ " الْهَادِي "، وَ " الْهِدَايَةِ " وَ " الْكَافِي " وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَعِنْدَ ابْنِ خَيْرُونَ لِعَاصِمٍ، وَلِحَمْزَةَ مِنْ طَرِيقِ الرَّزَّازِ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ خَلَفٍ، عَنْهُ، وَفِي غَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ لِحَمْزَةَ وَحْدَهُ، وَفِي تَلْخِيصِ أَبِي مَعْشَرٍ لِوَرْشٍ وَحْدَهُ، وَفِي " الْكَامِلِ " لِأَبِي بَكْرٍ، وَلِحَفْصٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدٍ، وَالْأَخْفَشِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَلِلدُّورِيِّ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَفِي مَبْسُوطِ ابْنِ مِهْرَانَ لِلْأَعْشَى، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي رَوْضَةِ
(1/324)

أَبِي عَلِيٍّ الْمَالِكِيِّ لِابْنِ عَامِرٍ فَقَطْ، وَلَمْ يَكُنْ طَرِيقُ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ فِيهَا، بَلِ الدَّاجُونِيِّ فَقَطْ.
(وَالْمَرْتَبَةُ الْخَامِسَةُ) فَوْقَهَا قَلِيلًا، وَقُدِّرَتْ بِخَمْسِ أَلِفَاتٍ، وَبِأَرْبَعٍ وَنِصْفٍ، وَبِأَرْبَعٍ بِحَسْبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَقْدِيرِ مَا قَبْلَهَا، وَهِيَ فِي الضَّرْبَيْنِ لِحَمْزَةَ وَلِوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ عِنْدَ صَاحِبِ " التَّيْسِيرِ " وَ " التَّذْكِرَةِ " وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَ " الْعُنْوَانِ " وَشَيْخِهِ، وَغَيْرِهِمْ، وَفِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " لِحَمْزَةَ مِنْ رِوَايَةِ خَلَّادٍ وَوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ، وَفِي " التَّجْرِيدِ " لِحَمْزَةَ وَوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ وَيُونُسَ، وَلِهِشَامٍ مِنْ طَرِيقِ النَّقَّاشِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَهِيَ قِرَاءَتُهُ عَلَى الْفَارِسِيِّ، انْفَرَدَ بِذَلِكَ عَنْهُ فِي " الرَّوْضَةِ " لِأَبِي عَلِيٍّ لِحَمْزَةَ وَالْأَعْشَى فَقَطْ، وَهِيَ فِي الْمُنْفَصِلِ عِنْدَ صَاحِبِ " الْمُبْهِجِ " لِحَمْزَةَ وَحْدَهُ، وَفِي " الْمُسْتَنِيرِ " لِحَمْزَةَ سِوَى الْعَبْسِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ سَلْمٍ، عَنْ سُلَيْمٍ عَنْهُ، وَلِقُتَيْبَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَلِلْأَعْشَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: وَكَذَلِكَ ذَكَرَ شُيُوخُنَا عَنِ الْحَمَّامِيِّ، عَنِ النَّقَّاشِ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " لِحَمْزَةَ وَالْأَعْشَى، وَكَذَا فِي جَامِعِ ابْنِ فَارِسٍ، وَفِي إِرْشَادِ أَبِي الْعِزِّ لِحَمْزَةَ وَالْأَخْفَشِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَفِي كِفَايَتِهِ لِحَمْزَةَ، وَالْأَعْشَى، وَقُتَيْبَةَ وَالْحَمَّامِيِّ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ - يَعْنِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ - وَفِي كِتَابَيِ ابْنِ خَيْرُونَ لِحَمْزَةَ وَالْأَعْشَى وَقُتَيْبَةَ وَالْمِصْرِيِّينَ، عَنْ وَرْشٍ، وَفِي غَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ لِلْأَعْشَى وَحْدَهُ، وَفِي تَلْخِيصِ أَبِي مَعْشَرٍ لِحَمْزَةَ وَحْدَهُ. وَكَذَا فِي مَبْسُوطِ ابْنِ مِهْرَانَ، وَفِي " الْوَجِيزِ " لِحَمْزَةَ وَوَرْشٍ، وَفِي " التَّذْكَارِ " لِحَمْزَةَ وَالْأَعْشَى وَقُتَيْبَةَ وَالْحَمَّامِيِّ، عَنِ النَّقَّاشِ، عَنِ الْأَخْفَشِ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَفِي " الْكَامِلِ " لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ لِحَمْزَةَ فِي الْمَرْتَبَةِ الْآتِيَةِ، وَهُمْ مَنْ لَمْ يَسْكُتْ عَنْهُ، وَلِلْأَعْشَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَلِقُتَيْبَةَ غَيْرَ النُّهَاوَنْدِيِّ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ فِي الْمُتَّصِلِ لِلْجَمَاعَةِ كُلِّهِمْ، عَنْ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ تَفَاوُتًا، وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُمْ تَفْضِيلُ مَدِّ الْمُنْفَصِلِ، إِذْ لَا مَرْتَبَةَ فَوْقَ هَذِهِ لِغَيْرِ أَصْحَابِ السَّكْتِ فِي الْمَشْهُورِ وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَكَذَا يَكُونُ لَهُمْ أَجْمَعِينَ فِي الْمَدِّ اللَّازِمِ لِلَّازِمِ الْمَذْكُورِ، إِذْ سَبَبُهُ أَقْوَى بِالْإِجْمَاعِ.
(1/325)

(مَرْتَبَةٌ سَادِسَةٌ) فَوْقَ ذَلِكَ قَدَّرَهَا الْهُذَلِيُّ بِخَمْسِ أَلِفَاتٍ، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ غَلْبُونَ، وَقِيلَ بِأَقَلَّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهِيَ فِي " الْكَامِلِ " لِلْهُذَلِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ لِرَجَاءٍ وَابْنِ قَلُوقَا، وَابْنِ رَزِينٍ، وَخَلَفٍ، مِنْ طَرِيقِ إِدْرِيسَ وَالْمَحَفِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ السَّكْتِ عَنْهُ وَلِلشَّمُونِيِّ عَنِ الْأَعْشَى غَيْرِ ابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَلِلزَّنْدِ وَلِأُبَيٍّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَلِوَرْشٍ غَيْرِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْهُ، وَغَيْرِ مَنْ يَأْتِي فِي الْمَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ أَيْضًا فِي غَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ لِقُتَيْبَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَفِي مَبْسُوطِ ابْنِ مِهْرَانَ لِوَرْشٍ، وَهِيَ أَيْضًا فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " لِحَمْزَةَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ خَلَّادٍ وَلِأَبِي بَكْرٍ مِنْ رِوَايَةِ الشَّمُونِيِّ، عَنِ الْأَعْشَى، عَنْهُ وَلِحَفْصٍ فِي رِوَايَةِ الْأُشْنَانِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْهُ، وَلِلْكِسَائِيِّ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَسْكُتُونَ عَلَى السَّاكِنِ، بَلِ الْهَمْزَةُ فَهُمْ لِذَلِكَ أَشَدُّ تَحْقِيقًا وَأَبْلَغُ تَمْكِينًا.
(قُلْتُ) : وَقَدْ خَلَفَ هَذَا الْقَوْلَ فِي " التَّيْسِيرِ " وَمُفْرَدَاتِهِ فَجَعَلَ مَدَّ حَمْزَةَ فِي رِوَايَةِ خَلَفٍ وَخَلَّادٍ وَسَائِرِ رُوَاتِهِ وَاحِدًا، وَالصَّوَابُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ، إِنَّمَا تَتَأَتَّى لِأَصْحَابِ السَّكْتِ مُطْلَقًا، فَإِنَّ مَنْ يَسْكُتُ عَلَى حَرُوفِ الْمَدِّ قَبْلَ الْهَمْزِ كَمَا يَسْكُتُ عَلَى السَّاكِنِ غَيْرِهِ قَبْلَ الْهَمْزِ - لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ زِيَادَةِ قَدْرَ السَّكْتِ بَعْدَ الْمَدِّ، فَمَنْ أَلْحَقَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِالْمَدِّ زَادَ مَرْتَبَةً عَلَى الْمَرْتَبَةِ الْخَامِسَةِ، وَمَنْ لَمْ يُلْحِقْهَا بِالْمَدِّ لَمْ يَتَجَاوَزِ الْمَرْتَبَةَ الْخَامِسَةَ، وَمَنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ عَدَلَ عَنِ الْأَصْوَبِ وَالْأَقْوَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَرْتَبَةٌ سَابِعَةٌ) فَوْقَ ذَلِكَ وَهِيَ الْإِفْرَاطُ قَدَّرَهَا الْهُذَلِيُّ بِسِتِّ أَلِفَاتِ، وَذَكَرَهَا فِي كَامِلِهِ لِوَرْشٍ فِيمَا رَوَاهُ الْحَدَّادُ، وَابْنُ نَفِيسٍ،، وَابْنُ سُفْيَانَ وَابْنُ غَلْبُونَ، وَقَدْ وُهِمَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَانْفَرَدَ بِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، وَشَذَّ عَنْ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ، فَالْأَدَاءُ عَنْهُمْ مُسْتَفِيضٌ، وَنُصُوصُهُمْ صَرِيحَةٌ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الْمَرْتَبَةَ الْخَامِسَةَ، وَكُلُّهُمْ سَوَّى بَيْنَ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ وَبَيْنَ حَمْزَةَ، وَسَيَأْتِي حِكَايَةُ نُصُوصِهِمْ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ فِي تَقْدِيرِ الْمَرَاتِبِ بِالْأَلِفَاتِ لَا تَحْقِيقَ وَرَاءَهُ،
(1/326)

بَلْ يَرْجِعُ إِلَى أَنْ يَكُونَ لَفْظِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْتَبَةَ الدُّنْيَا وَهِيَ الْقَصْرُ، إِذَا زِيدَ عَلَيْهَا أَدْنَى زِيَادَةٍ صَارَتْ ثَانِيَةً، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْقُصْوَى، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ بِعَيْنِهَا إِنْ قُدِّرَتْ بِأَلِفٍ أَوْ بِنِصْفِ أَلِفٍ هِيَ وَاحِدَةٌ، فَالْمُقَدَّرُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، وَالْمُحَقَّقُ إِنَّمَا هُوَ الزِّيَادَةُ، وَهَذَا مِمَّا تَحْكُمُهُ الْمُشَافَهَةُ، وَتُوَضِّحُهُ الْحِكَايَةُ، وَيُبَيِّنُهُ الِاخْتِبَارُ، وَيَكْشِفُهُ الْحُسْنُ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَهَذَا كُلُّهُ جَارٍ عَلَى طِبَاعِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ فِي تَفْكِيكِ الْحُرُوفِ، وَتَلْخِيصِ السَّوَاكِنِ، وَتَحْقِيقِ الْقِرَاءَةِ، وَحَدْرِهَا، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مَذْهَبٌ يُسْرِفُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ إِسْرَافًا يَخْرُجُ عَنِ الْمُتَعَارَفِ فِي اللُّغَةِ وَالْمُتَعَالَمِ فِي الْقِرَاءَةِ، بَلْ ذَلِكَ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمُشَافَهَةُ تُوَضِّحُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ وَالْحِكَايَةُ تُبَيِّنُ كَيْفِيَّتَهُ.
(قُلْتُ) : وَرُبَّمَا بَالَغَ الْأُسْتَاذُ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ فِي التَّحْقِيقِ وَالتَّجْوِيدِ وَالْمَدِّ وَالتَّفْكِيكِ؛ لِيَأْتِيَ بِالْقَدْرِ الْجَائِزِ الْمَقْصُودِ، كَمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ الدَّقَّاقُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ أَبِي الْفَضْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضْلٍ الْوَاسِطِيِّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ الصُّوفِيِّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَطَّارُ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَاطِرْقَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُقْرِي الْجُرْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الشَّذَائِيُّ، ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ شَنَبُوذَ إِمْلَاءً، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ، ثَنَا أَبُو حَمْدُونَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمٌ قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ يَقُولُ: إِنَّمَا أَزِيدُ عَلَى الْغُلَامِ فِي الْمَدِّ لِيَأْتِيَ بِالْمَعْنَى، انْتَهَى. وَرُوِّينَا، عَنْ حَمْزَةَ أَيْضًا أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ يَمُدُّ، فَقَالَ لَهُ حَمْزَةُ: لَا تَفْعَلْ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَا كَانَ فَوْقَ الْبَيَاضِ فَهُوَ بَرَصٌ، وَمَا كَانَ فَوْقَ الْجُعُودَةِ فَهُوَ قَطِطٌ، وَمَا كَانَ فَوْقَ الْقِرَاءَةِ فَلَيْسَ بِقِرَاءَةٍ.
(قُلْتُ) : فَالْأَوَّلُ لَمَّا لَمْ يُوَفِّ الْحَقَّ زَادَ عَلَيْهِ لِيُوَفِّيَهُ (وَالثَّانِي) لَمَّا زَادَ عَلَى الْحَقِّ لِيَهْدِيَهُ، فَلَا يَكُونُ تَفْرِيطٌ وَلَا إِفْرَاطٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا رَوَى الدُّورِيُّ، عَنْ سُلَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الثَّوْرِيُّ لِحَمْزَةَ، وَهُوَ يُقْرِئُ: يَا أَبَا عِمَارَةَ مَا هَذَا الْهَمْزُ وَالْقَطْعُ وَالشِّدَّةُ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذِهِ رِيَاضَةٌ لِلْمُتَعَلِّمِ، وَهَا نَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ نُصُوصِ الْأَئِمَّةِ مَا حَضَرْنَا كَمَا وَعَدْنَا. فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ
(1/327)

فِي " التَّذْكِرَةِ " إِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، وَأَبَا شُعَيْبٍ وَقَالُونَ، سِوَى أَبِي نَشِيطٍ وَيَعْقُوبَ - يَمُدُّونَ أَحْرُفَ الْمَدِّ إِذَا كُنَّ مَعَ الْهَمْزَةِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مَدًّا وَسَطًا، وَيَتْرُكُونَ مَدَّهَا زِيَادَةً عَلَى مَا فِيهِنَّ مِنَ الْمَدِّ وَاللِّينِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْهَمْزَةِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ: وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَأَبُو نَشِيطٍ، عَنْ قَالُونَ، وَالدُّورِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِمَدِّ حَرْفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ إِذَا وَقَعَتْ قَبْلَ الْهَمْزِ فِي هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ مَدًّا وَاحِدًا مُشْبَعًا غَيْرَ أَنَّهُمْ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْمَدِّ، فَأَشْبَعُهُمْ مَدًّا وَرْشٌ وَحَمْزَةُ، ثُمَّ عَاصِمٌ دُونَ مَدِّهَا قَلِيلًا، ثُمَّ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ دُونَ مَدِّهِ قَلِيلًا، ثُمَّ أَبُو نَشِيطٍ عَنْ قَالُونَ، وَالدُّورِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو دُونَ مَدِّهِمَا قَلِيلًا، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي التَّيْسِيرِ: إِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وَقَالُونَ - بِخِلَافٍ عَنْهُ - وَأَبَا شُعَيْبٍ وَغَيْرَهُ عَنِ الْيَزِيدِيِّ يَقْصُرُونَ حَرْفَ الْمَدِّ، فَلَا يَزِيدُونَهُ تَمْكِينًا عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْمَدِّ الَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِهِ، وَمَثَّلَ الْمُنْفَصِلَ ثُمَّ قَالَ: وَالْبَاقُونَ يُطَوِّلُونَ حَرْفَ الْمَدِّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً، وَأَطْوَلُهُمْ مَدًّا فِي الضَّرْبَيْنِ جَمِيعًا وَرْشٌ وَحَمْزَةُ، وَدُونَهُمَا عَاصِمٌ، وَدُونَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ، وَدُونَهُمَا أَبُو عَمْرٍو مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَقَالُونُ مِنْ طَرِيقٍ أَبِي نَشِيطٍ بِخِلَافٍ عَنْهُ، وَقَالَ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ": وَأَشْبَعُ الْقِرَاءَةِ مَدًّا وَأَزْيَدُهُمْ تَمْكِينًا فِي الضَّرْبَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ حَمْزَةُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ خَلَّادٍ وَأَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَةِ الشَّمُونِيِّ عَنِ الْأَعْشَى، عَنْهُ، وَحَفْصٌ فِي رِوَايَةِ الْأُشْنَانِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْهُ، قَالَ: وَدُونَهُمْ فِي الْإِشْبَاعِ وَالتَّمْكِينِ حَمْزَةُ فِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ وَنَافِعٌ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ، وَدُونَهُمَا عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ الشَّمُونِيِّ عَنِ الْأَعْشَى، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُشْنَانِيِّ، عَنْ حَفْصٍ، وَدُونَهُ الْكِسَائِيُّ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ وَابْنِ عَامِرٍ، وَدُونَهُمَا أَبُو عَمْرٍو مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَسَائِرِ الْبَغْدَادِيِّينَ، وَنَافِعٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نَشِيطٍ عَنْ قَالُونَ. قَالَ: وَدُونَهُمَا ابْنُ كَثِيرٍ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى التَّمَيُّزِ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ وَمِنْ كَلِمَتَيْنِ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ فِي التَّبْصِرَةِ: إِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وَأَبَا عَمْرٍو فِي رِوَايَةِ الْعِرَاقِيِّينَ - يَعْنِي السُّوسِيَّ وَالْحُلْوَانِيَّ - عَنْ قَالُونَ يَقْصُرُونَ الْمُنْفَصِلَ، وَأَبَا نَشِيطٍ، عَنْ قَالُونَ
(1/328)

وَأَبَا عَمْرٍو فِي رِوَايَةِ الْعِرَاقِيِّينَ - يَعْنِي الدُّورِيَّ - بِالْمَدِّ مَدًّا مُتَمَكِّنًا، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَامِرٍ، وَالْكِسَائِيُّ غَيْرَ أَنَّهُمَا أَزْيَدُ قَلِيلًا وَمِثْلُهُمَا عَاصِمٌ غَيْرَ أَنَّهُ أَزْيَدُ قَلِيلًا، وَمِثْلُهُ وَرْشٌ وَحَمْزَةُ غَيْرَ أَنَّهُمَا أَمْكَنُ قَلِيلًا. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ فِي " الْهِدَايَةِ " وَأَطْوَلُهُمْ - يَعْنِي فِي الْمُنْفَصِلِ حَمْزَةُ وَوَرْشٌ، ثُمَّ عَاصِمٌ، ثُمَّ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ، ثُمَّ أَبُو نَشِيطٍ وَالدُّورِيُّ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، ثُمَّ الْبَاقُونَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ فِي " الْكَافِي " عَنِ الْمُنْفَصِلِ: فَوَرْشٌ وَحَمْزَةُ أَطْوَلُهُمْ مَدًّا، وَعَاصِمٌ دُونَهُمَا، وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ دُونَهُ، وَقَالُونُ وَالدُّورِيُّ عَنِ الْيَزِيدِيِّ دُونَهُمَا، وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو شُعَيْبٍ أَقَلُّهُمْ مَدًّا، وَقَدْ قَرَأْتُ لَقَالُونَ وَالدُّورِيِّ عَنِ الْيَزِيدِيِّ كَابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي شُعَيْبٍ قَالَ: وَإِنَّمَا يُشْبَعُ الْمَدُّ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ إِذَا جَاءَ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، أَوْ حَرْفٌ سَاكِنٌ مُدْغَمٌ، أَوْ غَيْرُ مُدْغَمٍ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ فِي " الْوَجِيزِ " إِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وَأَبَا عَمْرٍو، وَيَعْقُوبَ، وَقَالُونَ، وَهِشَامًا لَا يَمُدُّونَ الْمُنْفَصِلَ، وَإِنَّ أَطْوَلَهُمْ مَدًّا حَمْزَةُ وَوَرْشٌ، وَإِنَّ عَاصِمًا أَلْطَفُ مَدًّا، وَإِنَّ الْكِسَائِيَّ وَابْنَ ذَكْوَانَ أَلْطَفُ مِنْهُ مَدًّا، قَالَ: فَإِذَا كَانَ حَرْفُ الْمَدِّ مَعَ الْهَمْزَةِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْمَعُوا عَلَى مَدِّهِ زِيَادَةً، وَيَتَفَاضَلُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَذَاهِبِهِمْ فِي التَّجْوِيدِ وَالتَّحْقِيقِ. انْتَهَى.
وَهَذَا يَقْتَضِي التَّفَاوُتَ أَيْضًا فِي الْمُتَّصِلِ كَالْجَمَاعَةِ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ فِي " التَّجْرِيدِ " إِنَّ حَمْزَةَ وَالنَّقَّاشَ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ وَيُونُسَ وَالْأَزْرَقَ، عَنْ وَرْشٍ يَمُدُّونَ الضَّرْبَيْنِ مَدًّا مُشْبَعًا تَامًّا، وَيَلِيهِمْ عَبْدُ الْبَاقِي، عَنْ عَاصِمٍ، وَالْفَارِسِيُّ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ سِوَى النَّقَّاشِ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، وَيَلِيهِمُ الْكِسَائِيُّ وَعَبْدُ الْبَاقِي عَنِ ابْنِ عَامِرٍ وَأَبُو نَشِيطٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ وَرْشٍ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيُّ، يَعْنِي مِنْ طُرُقِ الْإِظْهَارِ، وَالْبَاقُونَ وَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْقَاضِي وَالْحُلْوَانِيُّ، عَنْ قَالُونَ وَأَبُو عَمْرٍو يَعْنِي مِنْ طُرُقِ الْإِدْغَامِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي وَابْنِ نَفِيسٍ، عَنْ أَصْحَابِهِمْ عَنْهُ مِثْلُهُمْ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَمُدُّونَ حَرْفًا لِحَرْفٍ، وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي " التَّلْخِيصِ ": إِنَّ حِجَازِيًّا غَيْرَ وَرْشٍ وَالْحُلْوَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ يَتْرُكُونَ الْمَدَّ حَرْفًا لِحَرْفٍ وَيُمَكِّنُونَ
(1/329)

تَمْكِينًا. وَإِنَّ عَاصِمًا وَالْكِسَائِيَّ وَابْنَ عَامِرٍ إِلَّا الْحُلْوَانِيَّ يَمُدُّونَ وَسَطًا فَوْقَ الْأَوْلَى قَلِيلًا. وَإِنَّ حَمْزَةَ وَوَرْشًا يَمُدَّانِ مَدًّا تَامًّا، وَإِنَّ حَمْزَةَ أَطْوَلُ مَدًّا. انْتَهَى.
وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْقَصْرِ الْمَحْضِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ فِي " الْإِقْنَاعِ ": وَأَطْوَلُ الْقُرَّاءِ مَدًّا فِي الضَّرْبَيْنِ وَرْشٌ وَحَمْزَةُ، وَمَدُّهُمَا مُتَقَارِبٌ، قَالَ: وَيَلِيهِمَا عَاصِمٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ مَدٍّ، وَقَطْعٍ، وَقِرَاءَةٍ شَدِيدَةٍ، وَيَلِيهِ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ، قَالَ: وَعَلَى مَا قَرَأْتُ بِهِ لِلْحُلْوَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ مِنْ تَرْكِ مَدِّ حَرْفٍ لِحَرْفٍ يَكُونُ ابْنُ عَامِرٍ دُونَ مَدِّ الْكِسَائِيِّ وَيَلِيهِمَا أَبُو عَمْرٍو مِنْ طَرِيقَيِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَقَالُونَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْفَرْضِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى التَّقْرِيبِ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ، وَقَالَ ابْنُ شَيْطَا: إِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَأْتِي بِحَرْفِ الْمَدِّ فِي الْمُنْفَصِلِ عَلَى صِيغَتِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَإِنَّ مَدَنِيًّا وَالْحُلْوَانِيَّ لِهِشَامٍ وَالْحَمَّامِيَّ عَنِ الْوَلِيِّ، عَنْ حَفْصٍ يَأْتُونَ فِي ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ، وَأَبُو عُمَرَ وَلَهُ مَذْهَبَانِ أَحَدُهُمَا كَابْنِ كَثِيرٍ يَخُصُّ بِهِ الْإِدْغَامَ، وَالثَّانِي كَنَافِعٍ وَمَنْ تَابَعَهُ بَلْ أَتَمُّ مِنْهُ يَخُصُّ بِهِ الْإِظْهَارَ، قَالَ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَبِهِ أَقْرَأَ ابْنُ مُجَاهِدٍ أَصْحَابَهُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَالْبَاقُونَ بِمَدٍّ مُشْبَعٍ غَيْرِ فَاحِشٍ وَلَا مُجَاوِزٍ لِلْحَدِّ، وَأَتَمُّهُمْ مَدًّا حَمْزَةُ، وَالْأَعْشَى وَقُتَيْبَةُ وَالْحَمَّامِيُّ، عَنِ النَّقَّاشِ، عَنِ الْأَخْفَشِ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَبَاقِيهِمْ يَتَقَارَبُونَ فِيهِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا قَصْرَ فِي الْمُنْفَصِلِ لِغَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فِي " الْغَايَةِ " بَعْدَ ذِكْرِهِ الْمُنْفَصِلَ وَتَمْثِيلِهِ: فَقَرَأَ بِتَمْكِينِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ حِجَازِيٍّ، وَالْحُلْوَانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، وَالْوَلِيُّ، عَنْ حَفْصٍ وَأَقْصَرُهُمْ مَدًّا مَكِّيٌّ، ثُمَّ قَالَ الْبَاقُونَ بِالْمَدِّ الْمُسْتَوْفَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَعَ التَّمْكِينِ، وَأَطْوَلُهُمْ مَدًّا حَمْزَةُ، ثُمَّ الْأَعْشَى، ثُمَّ قُتَيْبَةُ، قَالَ: وَأَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى إِتْمَامِ الْمَدِّ وَإِشْبَاعِهِ، فِيمَا كَانَ حَرْفُ الْمَدِّ وَالْهَمْزَةِ بَعْدَهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا أَيْضًا صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي " الْمُبْهِجِ " بَعْدَ ذِكْرِهِ الْمُنْفَصِلَ، فَكَانَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ يُمَكِّنَانِ هَذِهِ الْحُرُوفَ تَمْكِينًا يَسِيرًا سَهْلًا، قَالَ: وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَقْصُرَانِهَا قَصْرًا مَحْضًا، يَعْنِي أَنَّهُمَا يَنْطِقَانِ بِأَحْرُفِ الْمَدِّ
(1/330)

فِي هَذَا الْفَصْلِ عَلَى صُورَتِهِنَّ فِي الْخَطِّ. وَكَانَ نَافِعٌ إِلَّا أَبَا سُلَيْمَانَ وَأَبَا مَرْوَانَ جَمِيعًا، عَنْ قَالُونَ وَهِشَامٍ وَحَفْصٍ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الصَّبَّاحِ وَيَعْقُوبُ يَمُدُّونَهَا مَدًّا مُتَوَسِّطًا، فَيُنَفِّسُونَ مَدَّهَا تَنْفِيسًا.
قَالَ: وَكَانَ لِأَبِي عَمْرٍو فِي مَدِّهِنَّ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا الْقَصْرُ عَلَى نَحْوِ قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ إِذَا أَدْغَمَ الْمُتَحَرِّكَاتِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّذَائِيُّ، وَأَمَّا الْمُطَّوِّعِيُّ فَمَا عَرَفْتُ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو نَصًّا، وَالَّذِي قَرَأْتُ بِهِ عَلَى شَيْخِنَا الشَّرِيفِ بِالْمَدِّ الْحَسَنِ كَنَافِعٍ وَمُتَابِعِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَّا الشَّنَبُوذِيَّ عَنِ الْأَعْمَشِ وَعَمْرِو بْنِ الصَّبَّاحِ وَابْنِ عَامِرٍ إِلَّا هِشَامًا وَأَبُو سُلَيْمَانَ وَأَبُو مَرْوَانَ، عَنْ قَالُونَ يَمُدُّونَ مَدًّا تَامًّا حَسَنًا مُشْبَعًا مِنْ غَيْرِ فُحْشٍ فِيهِ، وَكَانَ أَتَمُّهُمْ مَدًّا وَأَزْيَدُهُمْ فِيهِ حَدًّا وَتَمَطِّيًا حَمْزَةَ، وَيُقَارِبُهُ قُتَيْبَةُ وَيُدَانِيهِمَا ابْنُ عَامِرٍ غَيْرَ هِشَامٍ. ثُمَّ قَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى تَمْكِينِ هَذِهِ الْحُرُوفِ التَّمْكِينَ الْوَافِيَ، وَأَنْ يُمَدَّ الْمَدُّ الشَّافِي بِشَرْطِ أَنْ يَصْحَبَهَا مَعَهَا فِي الْكَلِمَةِ هَمْزَةٌ، أَوْ مُدْغَمٌ.
وَقَالَ فِي كِفَايَتِهِ: اخْتَلَفُوا فِي الْمَدِّ وَالْقَصْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ - يَعْنِي فِي الْمُنْفَصِلِ - فَكَانَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ يَمُدُّونَ هَذَا النَّوْعَ مَدًّا حَسَنًا تَامًّا، وَالْبَاقُونَ يُمَكِّنُونَ هَذَا النَّوْعَ تَمْكِينًا سَهْلًا، إِلَّا أَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ أَقْصَرُهُمْ تَمْكِينًا، فَإِنِ اتَّفَقَ حَرْفُ الْمَدِّ وَالْهَمْزِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَجْمَعُوا عَلَى مَدِّ حَرْفِ الْمَدِّ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَيَتَفَاوَتُ تَقْدِيرُ الْمَدِّ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَالْمُشَافَهَةُ تُبَيِّنُ ذَلِكَ. انْتَهَى.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي التَّفَاوُتِ فِي الْمُتَّصِلِ، وَقَالَ أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ فِي إِرْشَادِهِ عَنِ الْمُنْفَصِلِ: كَانَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ يُمَكِّنُونَ هَذِهِ الْحُرُوفَ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ، وَالْبَاقُونَ بِالْمَدِّ، إِلَّا أَنَّ حَمْزَةَ وَالْأَخْفَشَ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ أَطْوَلُهُمْ مَدًّا، وَقَالَ فِي كِفَايَتِهِ: قَرَأَ الْوَلِيُّ، عَنْ حَفْصٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ، وَابْنِ عَبْدَانَ، عَنْ هِشَامٍ بِتَمْكِينِ حُرُوفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ - يَعْنِي الْمُنْفَصِلَ وَمِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنَّ حَمْزَةَ وَالْأَعْشَى أَطْوَلُهُمْ مَدًّا، وَقُتَيْبَةُ أَطْوَلُ أَصْحَابِ الْكِسَائِيِّ مَدًّا، وَكَذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ - يَعْنِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ. ثُمَّ قَالَ الْآخَرُونَ بِالْمَدِّ الْمُتَوَسِّطِ، وَأَطْوَلُهُمْ مَدًّا عَاصِمٌ. انْتَهَى. وَهُوَ صَرِيحٌ بِتَطْوِيلِ مَدِّ عَاصِمٍ عَلَى الْآخَرِينَ، خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ فِي " الْإِرْشَادِ "، وَقَالَ أَبُو طَاهِرِ
(1/331)

بْنُ سَوَّارٍ فِي " الْمُسْتَنِيرِ " عَنِ الْمُنْفَصِلِ: إِنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ غَيْرَ الْأَزْرَقِ وَأَبِي الْأَزْهَرِ، عَنْ وَرْشٍ، وَالْحُلْوَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ، وَالْوَلِيِّ عَنْ حَفْصٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَمَّامِيِّ، وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ يُمَكِّنُونَ الْحَرْفَ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ، وَقَالَ: وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُولَ اللَّفْظَ بِهِ كَاللَّفْظِ بِهِنَّ عِنْدَ لِقَائِهِنَّ سَائِرَ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ. وَحَمْزَةُ غَيْرَ الْعَبْسِيِّ وَعَلِيُّ بْنُ سَلْمٍ، وَالْأَعْشَى وَقُتَيْبَةُ يَمُدُّونَ مَدًّا مُشْبَعًا مِنْ غَيْرِ تَمْطِيطٍ وَلَا إِفْرَاطٍ كَانَ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَشْيَاخُنَا، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْحَمَّامِيِّ فِي رِوَايَةِ النَّقَاشِ، عَنِ الْأَخْفَشِ الْبَاقُونَ بِالتَّمْكِينِ وَالْمَدِّ دُونَ مَدِّ حَمْزَةَ وَمُوَافِقِيهِ، قَالَ: وَأَحْسَنُ الْمَدِّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ هَمْزَةٍ أَوْ إِدْغَامٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (حَادَّ اللَّهَ) ، (وَلَا الضَّالِّينَ) ، (طَائِعِينَ) ، (وَالْقَائِمِينَ) ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ وَالْهَمْزَةُ فِي كَلِمَةٍ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْمَدِّ وَالتَّمْكِينِ. انْتَهَى. وَيُفْهَمُ مِنْهُ الْخِلَافُ فِيمَا كَانَ السَّاكِنُ فِي كَلِمَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ فَارِسٍ فِي " الْجَامِعِ ": إِنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالْوَلِيَّ، عَنْ حَفْصٍ وَقُتَيْبَةَ - يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ - لَا يَمُدُّونَ حَرْفًا لِحَرْفٍ. ثُمَّ قَالَ الْبَاقُونَ بِإِشْبَاعِ الْمَدِّ، وَأَطْوَلُهُمْ مَدًّا حَمْزَةُ وَالْأَعْشَى، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْمَالِكِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ ": فَكَانَ أَطْوَلُ الْجَمَاعَةِ مَدًّا حَمْزَةَ وَالْأَعْشَى وَابْنُ عَامِرٍ دُونَهُمَا، وَعَاصِمٌ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأَعْشَى دُونَهُ، وَالْكِسَائِيُّ دُونَهُ غَيْرُ أَنَّ قُتَيْبَةَ أَطْوَلُ أَصْحَابِ الْكِسَائِيِّ مَدًّا. انْتَهَى. وَإِنَّمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْمُنْفَصِلِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مِهْرَانَ فِي الْغَايَةِ (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) مَدُّ حَرْفٍ لِحَرْفٍ كُوفِيٍّ وَوَرْشٌ وَابْنُ ذَكْوَانَ. انْتَهَى. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ فِي " الْمَبْسُوطِ " عَنِ الْمُنْفَصِلِ: أَبُو جَعْفَرٍ، وَنَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ لَا يَمُدُّونَ حَرْفًا لِحَرْفٍ. قَالَ: وَأَمَّا عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَابْنُ عَامِرٍ، وَنَافِعٌ بِرِوَايَةِ وَرْشٍ فَإِنَّهُمْ يَمُدُّونَ ذَلِكَ، وَوَرْشٌ أَطْوَلُهُمْ مَدًّا، ثُمَّ حَمْزَةُ، ثُمَّ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ الْأَعْشَى. الْبَاقُونَ يَمُدُّونَ مَدًّا وَسَطًا لَا إِفْرَاطَ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ عَنِ الْمُتَّصِلِ: وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مَدِّ الْكَلِمَةِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمَدَّةُ وَالْهَمْزَةُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّطُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي مَدِّ الْكَلِمَتَيْنِ. انْتَهَى. وَهُوَ نَصٌّ فِي
(1/332)

تَفَاوُتِ الْمُتَّصِلِ، وَفِي اتِّفَاقِ هِشَامٍ وَابْنِ ذَكْوَانَ، وَوَرْشٍ مِنْ طَرِيقَيْهِ عَلَى مَدِّ الْمُنْفَصِلِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلَفٍ فِي " الْعُنْوَانِ ": إِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وَقَالُونَ وَأَبَا عَمْرٍو يَتْرُكُ الزِّيَادَةَ فِي الْمُنْفَصِلِ وَيَمُدُّ الْمُتَّصِلَ زِيَادَةً مُشْبَعَةً، وَإِنَّ الْبَاقِينَ بِالْمَدِّ الْمُشْبَعِ بِالضَّرْبَيْنِ، وَأَطْوَلُهُمْ مَدًّا وَرْشٌ وَحَمْزَةُ، كَذَا ذَكَرَ فِي " الِاكْتِفَاءِ "، وَكَذَا نَصَّ شَيْخُهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيُّ فِي " الْمُجْتَبَى ": (فَهَذَا مَا حَضَرَنِي مِنْ نُصُوصِهِمْ) وَلَا يَخْفَى مَا فِيهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ الشَّدِيدِ فِي تَفَاوُتِ الْمَرَاتِبِ، وَإِنَّهُ مَا مِنْ مَرْتَبَةٍ ذُكِرَتْ لِشَخْصٍ مِنَ الْقُرَّاءِ إِلَّا وَذُكِرَ لَهُ مَا يَلِيهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ قُرْبِ كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِمَّا يَلِيهَا، وَإِنَّ مِثْلَ هَذَا التَّفَاوُتِ لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ، وَالْمُنْضَبِطُ مِنْ ذَلِكَ غَالِبًا هُوَ الْقَصْرُ الْمَحْضُ وَالْمَدُّ الْمُشْبَعُ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ عُرْفًا، وَالتَّوَسُّطُ بَيْنَ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ تَجْرِي فِي الْمُنْفَصِلِ، وَيَجْرِي مِنْهَا فِي الْمُتَّصِلِ الِاثْنَانِ الْأَخِيرَانِ، وَهُمَا الْإِشْبَاعُ وَالتَّوَسُّطُ، يَسْتَوِي فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَيَشْتَرِكُ فِي ضَبْطِهِ غَالِبِيَّتُهُمْ، وَتَحْكُمُ الْمُشَافَهَةُ حَقِيقَتَهُ، وَيُبَيِّنُ الْأَدَاءُ كَيْفِيَّتَهُ، وَلَا يَكَادُ تَخْفَى مَعْرِفَتُهُ عَلَى أَحَدٍ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ وَأَبُو الْقَاسِمِ الطَّرَسُوسِيُّ، وَصَاحِبُهُ أَبُو الطَّاهِرِ بْنُ خَلَفٍ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِي قَصِيدَتِهِ فِي الضَّرْبَيْنِ تَفَاوُتًا، وَلَا نَبَّهَ عَلَيْهِ، بَلْ جَعَلَ ذَلِكَ مِمَّا تَحْكُمُهُ الْمُشَافَهَةُ فِي الْأَدَاءِ، وَبِهِ أَيْضًا كَانَ يَأْخُذُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْجُودِ غِيَاثُ بْنُ فَارِسٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ الْمُحَقِّقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَصَّاعِ الدِّمَشْقِيِّ، وَقَالَ: هَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ، وَلَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ غَيْرُهُ.
(قُلْتُ) : وَهُوَ الَّذِي أَمِيلُ إِلَيْهِ وَآخُذُ بِهِ غَالِبًا وَأُعَوِّلُ عَلَيْهِ، فَآخُذُ فِي الْمُنْفَصِلِ بِالْقَصْرِ الْمَحْضِ لِابْنِ كَثِيرٍ وَابْنِ جَعْفَرٍ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَنْهُمَا؛ عَمَلًا بِالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ وَالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَلِقَالُونَ بِالْخِلَافِ مِنْ طَرِيقَيْهِ، وَكَذَلِكَ لِيَعْقُوبَ مِنْ رِوَايَتَيْهِ جَمِيعًا بَيْنَ الطُّرُقِ، وَلِأَبِي عَمْرٍو إِذَا أَدْغَمَ الْإِدْغَامَ الْكَبِيرَ عَمَلًا بِنُصُوصِ مَنْ تَقَدَّمَ، وَأَجْرَى الْخِلَافَ عَنْهُ مَعَ الْإِظْهَارِ لِثُبُوتِهِ نَصًّا وَأَدَاءً
(1/333)

وَكَذَلِكَ أَخَذَ بِالْخِلَافِ، عَنْ حَفْصٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا أَخَذَ بِالْخِلَافِ عَنْ هِشَامٍ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ جَمِيعًا بَيْنَ طَرِيِقَيِ الْمَشَارِقَةِ وَالْمَغَارِبَةِ اعْتِمَادًا عَلَى ثُبُوتِ الْقَصْرِ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِيِّينَ قَاطِبَةً، وَأَمَّا الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ وَرْشٍ فَإِنِّي آخُذُ لَهُ بِالْخِلَافِ لَقَالُونَ؛ لِثُبُوتِ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَنْهُ نَصًّا كَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْرُ أَشْهَرَ عَنْهُ، إِلَّا أَنَّ مِنْ عَادَتِنَا الْجَمْعُ بَيْنَ مَا ثَبَتَ وَصَحَّ مَنْ طُرُقِنَا، لَا نَتَخَطَّاهُ وَلَا نَخْلِطُهُ بِسِوَاهُ، ثُمَّ إِنِّي آخُذُ فِي الضَّرْبَيْنِ بِالْمَدِّ الْمُشْبَعِ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ لِحَمْزَةَ وَوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ عَلَى السَّوَاءِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ مِنْ طَرِيقِ الْأَخْفَشِ عَنْهُ كَمَا قَدَّمْنَا مِنْ مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَآخُذُ لَهُ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا وَمِنْ غَيْرِهَا، وَلِسَائِرِ الْقُرَّاءِ مِمَّنْ مَدَّ الْمُنْفَصِلَ بِالتَّوَسُّطِ فِي الْمَرْتَبَتَيْنِ، وَبِهِ آخُذُ أَيْضًا فِي الْمُتَّصِلِ لِأَصْحَابِ الْقَصْرِ قَاطِبَةً. وَهَذَا الَّذِي أَجْنَحُ إِلَيْهِ وَأَعْتَمِدُ غَالِبًا عَلَيْهِ، مَعَ أَنِّي لَا أَمْنَعُ الْأَخْذَ بِتَفَاوُتِ الْمَرَاتِبِ وَلَا أَرُدُّهُ، كَيْفَ وَقَدْ قَرَأْتُ بِهِ عَلَى عَامَّةِ شُيُوخِي، وَصَحَّ عِنْدِي نَصًّا وَأَدَاءً عَمَّنْ قَدَّمْتُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَإِذَا أَخَذْتُ بِهِ كَانَ الْقَصْرُ فِي الْمُنْفَصِلِ لِمَنْ ذَكَرْتُهُ عَنْهُ كَابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِ الْخِلَافِ كَقَالُونَ وَأَبِي عَمْرٍو، وَمَنْ تَبِعَهُمَا، ثُمَّ فَوْقَ الْقَصْرِ قَلِيلًا فِي الْمُتَّصِلِ لِمَنْ قَصَرَ الْمُنْفَصِلَ، وَفِي الضَّرْبَيْنِ لِأَصْحَابِ الْخِلَافِ فِيهِ. ثُمَّ فَوْقَهَا قَلِيلًا لِلْكِسَائِيِّ وَخَلَفٍ وَلِابْنِ عَامِرٍ سِوَى مَنْ قَدَّمْنَا عَنْهُ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، ثُمَّ فَوْقَهَا قَلِيلًا لِعَاصِمٍ. ثُمَّ فَوْقَهَا قَلِيلًا لِحَمْزَةَ وَوَرْشٍ وَالْأَخْفَشِ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَلَيْسَ عِنْدِي فَوْقَ هَذِهِ مَرْتَبَةٌ إِلَّا لِمَنْ يَسْكُتُ عَلَى الْمَدِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي هَذَا إِذَا أَخَذْتَ بِالتَّفَاوُتِ بِالضَّرْبَيْنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الدَّانِيِّ وَغَيْرِهِ، أَمَّا إِذَا أَخَذْتَ بِالتَّفَاوُتِ فِي الْمُنْفَصِلِ فَقَطْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَنْ ذَكَرْتُ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ مَرَاتِبَهُ عِنْدِي فِي الْمُنْفَصِلِ كَمَا ذَكَرْتُ آنِفًا، وَيَكُونُ الْمُتَّصِلُ بِالْإِشْبَاعِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ لَا أَمْنَعُ التَّفَاوُتَ فِي الْمَدِّ اللَّازِمِ عَلَى مَا قَدَّمْتُ، إِلَّا أَنِّي أَخْتَارُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَدِ انْفَرَدَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ فِي " التَّجْرِيدِ "
(1/334)

عَنِ الْفَارِسِيِّ، عَنِ الشَّرِيفِ الزَّيْدِيِّ، عَنِ النَّقَّاشِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ بِإِشْبَاعِ الْمَدِّ فِي الضَّرْبَيْنِ، فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) مَنْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ تَفَاوُتِ الْمُتَّصِلِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ فِيهِ الْإِشْبَاعُ كَأَعْلَى مَرَاتِبِ الْمُنْفَصِلِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ مِنْهُ تَفْضِيلُ الْمُنْفَصِلِ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ، فَيُعْلَمُ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْمَدَّ لِلسَّاكِنِ اللَّازِمِ هُوَ الْإِشْبَاعُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا الْمَدُّ لِلسَّاكِنِ الْعَارِضِ) وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الْجَائِزُ وَالْعَارِضُ، فَإِنَّ لِأَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ فِيهِ ثَلَاثَ مَذَاهِبٍ: (الْأَوَّلُ) الْإِشْبَاعُ كَاللَّازِمِ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ اعْتِدَادًا بِالْعَارِضِ. قَالَ الدَّانِيُّ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْقُدَمَاءِ مِنْ مَشْيَخَةِ الْمِصْرِيِّينَ، قَالَ: وَبِذَلِكَ كُنْتُ أَقِفُ عَلَى الْخَافِقَانِيِّ يَعْنِي خَلَفَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيَّ.
(قُلْتُ) : وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّاطِبِيِّ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " الْكَافِي "، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ لِأَصْحَابِ التَّحْقِيقِ كَحَمْزَةَ وَوَرْشٍ وَالْأَخْفَشِ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ عَاصِمٍ وَغَيْرِهِ (الثَّانِي) التَّوَسُّطُ لِمُرَاعَاةِ اجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ وَمُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ عَارِضًا. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الشَّذَائِيِّ، وَالْأَهْوَازِيِّ وَابْنِ شَيْطَا وَالشَّاطِبِيِّ أَيْضًا، وَالدَّانِيِّ، قَالَ: وَبِذَلِكَ كُنْتُ أَقِفُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَأَبِي الْفَتْحِ وَأَبِي الْقَاسِمِ - يَعْنِي عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ خُوَاسْتِيِّ الْفَارِسِيَّ، قَالَ: وَبِهِ حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ شَاكِرٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ - يَعْنِي الشَّذَائِيَّ، قَالَ: وَهُوَ اخْتِيَارُهُ. قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ.
(قُلْتُ) : هُوَ الَّذِي فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ لِأَصْحَابِ التَّوَسُّطِ وَتَدْوِيرِ الْقِرَاءَةِ كَالْكِسَائِيِّ وَخَلَفٍ فِي اخْتِيَارِهِ، وَابْنِ عَامِرٍ فِي مَشْهُورِ طُرُقِهِ، وَعَاصِمٍ فِي عَامَّةِ رِوَايَاتِهِ (الثَّالِثُ) الْقَصْرُ ; لِأَنَّ السُّكُونَ عَارِضٌ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْوَقْفِ نَحْوُ: (الْقَدْرِ) (وَالْفَجْرِ) . وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْحُصْرِيِّ، قَالَ فِي قَصِيدَتِهِ:
وَإِنْ يَتَطَرَّقْ عِنْدَ وَقْفِكَ سَاكِنٌ ... فَقِفْ دُونَ مَدٍّ ذَاكَ رَأْيِي بِلَا فَخْرِ
(1/335)

فَجَمْعُكَ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ يَجُوزُ إِنْ ... وَقَفْتَ وَهَذَا مِنْ كَلَامِهِمُ الْحُرِّ
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي إِسْحَاقَ الْجَعْبَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي " الْكَافِي ". وَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ الْأَهْوَازِيُّ وَقَالَ: رَأَيْتُ مِنَ الشُّيُوخِ مَنْ يَكْرَهُ الْمَدَّ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا طَالَبْتَهُ فِي اللَّفْظِ قَالَ فِي الْوَقْفِ بِأَدْنَى تَمْكِينٍ مِنَ اللَّفْظِ، بِخِلَافِ مَا يُعَبَّرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَرْفُضْهُ الشَّاطِبِيُّ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ لِأَصْحَابِ الْحَدْرِ وَالتَّخْفِيفِ مِمَّنْ قَصَرَ الْمُنْفَصِلَ كَأَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي عَمْرٍو، وَيَعْقُوبَ، وَقَالُونَ. قَالَ الدَّانِيُّ: وَكُنْتُ أَرَى أَبَا عَلِيٍّ شَيْخَنَا يَأْخُذُ بِهِ فِي مَذَاهِبِهِمْ، وَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ.
(قُلْتُ) : الصَّحِيحُ جَوَازُ كُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ؛ لِعُمُومِ قَاعِدَةِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ وَعَدَمِهِ عَنِ الْجَمِيعِ إِلَّا عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَ تَفَاوُتَ الْمَرَاتِبِ فِي اللَّازِمِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ لِكُلِّ ذِي مَرْتَبَةٍ فِي اللَّازِمِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةُ وَمَا دُونَهَا؛ لِلْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَلَا يَجُوزُ مَا فَوْقَهَا بِحَالٍ كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ آخِرَ الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ بَيْنَ عُرُوضِ سُكُونِ الْوَقْفِ وَبَيْنَ عُرُوضِ سُكُونِ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ لِأَبِي عَمْرٍو، فَأَجْرَى الثَّلَاثَةَ لَهُ فِي الْوَقْفِ، وَخَصَّ الْإِدْغَامَ بِالْمَدِّ وَأَلْحَقَهُ بِاللَّازِمِ كَمَا فَعَلَ أَبُو شَامَةَ فِي بَابِ الْمَدِّ، وَالصَّوَابُ أَنَّ سُكُونَ إِدْغَامِ أَبِي عَمْرٍو عَارِضٌ كَالسُّكُونِ فِي الْوَقْفِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ إِجْرَاءُ أَحْكَامِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ مِنَ الْإِسْكَانِ وَالرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْجَعْبَرِيُّ: وَلِأَبِي عَمْرٍو فِي الْإِدْغَامِ إِذَا كَانَ قَبْلَهُ حَرْفُ مَدٍّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْقَصْرُ وَالتَّوَسُّطُ وَالْمَدُّ كَالْوَقْفِ، ثُمَّ مِثْلُهُ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهَا أَبُو الْعَلَاءِ. قَالَ: وَالْمَفْهُومُ مِنْ عِبَارَةِ النَّاظِمِ - يَعْنِي الشَّاطِبِيَّ - فِي بَابِ الْمَدِّ.
(قُلْتُ) : أَمَّا مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْعَلَاءِ فَتَقَدَّمَ آخِرَ بَابِ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ، وَأَمَّا الشَّاطِبِيُّ فَنَصُّهُ عَلَى كَوْنِ الْإِدْغَامِ عَارِضًا، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَدُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الشَّاطِبِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي كُلِّ سَاكِنٍ الْوَقْفَ قَصْرًا، بَلْ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ، وَهُمَا الطُّولُ وَالتَّوَسُّطُ، كَمَا نَصَّ السَّخَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ أَخْبَرُ بِكَلَامِ شَيْخِهِ وَمُرَادِهِ، وَهُوَ الصَّوَابُ فِي شَرْحِ كَلَامِهِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَفِي عَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ مِنَ الطُّولِ وَالتَّوَسُّطِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
(1/336)

وَالطُّولُ فَضْلًا. وَلَوْ أَرَادَ الْقَصْرَ لَقَالَ: وَالْمَدُّ فَضْلٌ. فَمُقْتَضَى اخْتِيَارِ الشَّاطِبِيِّ عَدَمُ الْقَصْرِ فِي سُكُونِ الْوَقْفِ، فَكَذَلِكَ سُكُونُ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ عِنْدَهُ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ مَنْ رَوَى الْإِشَارَةَ فِي الْإِدْغَامِ ; وَلِذَلِكَ كَانَ (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) لِحَمْزَةَ مُلْحَقًا بِاللَّازِمِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَمْثِلَتِنَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِيهِ إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي (دَابَّةٍ) وَ (الْحَاقَّةُ) ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ فِي الرَّوْمِ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ. فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ (أَتُمِدُّونَنِي) لَهُ وَلِيَعْقُوبَ كَمَا لَا فَرْقَ لَهُمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ (لَامْ) مِنْ (الم) ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ إِدْغَامِ (أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ) وَنَحْوِهِ لِرُوَيْسٍ، وَ (أَتَعِدَانِّي) لِهِشَامٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ (أَتَأْمُرُونِّي) وَتَاءَاتِ الْبَزِّيِّ وَغَيْرِهِ. أَمَّا أَبُو عَمْرٍو، فَإِنَّ مَنْ رَوَى الْإِشَارَةَ عَنْهُ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ كَصَاحِبِ " التَّيْسِيرِ " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ " وَالْجُمْهُورِ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَقْفِ، وَمَهْمَا كَانَ مَذْهَبُهُ فِي الْوَقْفِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِدْغَامِ، إِنْ مَدًّا فَمَدٌّ، وَإِنَّ قَصْرًا فَقَصْرٌ، وَكَذَاكَ لَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ نَصَّ عَلَى الْمَدِّ فِي الْإِدْغَامِ إِلَّا وَيَرَى الْمَدَّ فِي الْوَقْفِ كَأَبِي الْعِزِّ، وَسِبْطِ الْخَيَّاطِ وَأَبِي الْفَضْلِ الرَّازِيِّ، وَالْجَاجَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ ذَكَرَ الْمَدَّ فِي الْإِدْغَامِ وَهُوَ يَرَى الْقَصْرَ فِي الْوَقْفِ، وَأَمَّا مَنْ يَرَى الْإِشَارَةَ فِي الْإِدْغَامِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُلْحِقَهُ بِاللَّازِمِ؛ لِجَرْيِهِ مَجْرَاهُ لَفْظًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذَا جَائِزٌ وَذَاكَ وَاجِبٌ، فَأَلْحَقَهُ بِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَرَى التَّفَاوُتَ فِي مَرَاتِبِ اللَّازِمِ كَابْنِ مِهْرَانَ وَصَاحِبِ " التَّجْرِيدِ " أَخَذَ لَهُ فِيهِ بِمَرْتَبَتِهِ فِي اللَّازِمِ، وَهُوَ الدُّنْيَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّفَاوُتَ فِيهِ كَالْهُذَلِيِّ أَخَذَ لَهُ بِالْعُلْيَا؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ ; وَلِذَلِكَ نَصَّ الْهُذَلِيُّ فِي الْإِدْغَامِ عَلَى الْمَدِّ فَقَطْ، وَلَمْ يُلْحِقْهُ بِاللَّازِمِ، بَلْ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْوَقْفِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْأَوْجُهُ فِي ذَلِكَ أَوْجُهُ اخْتِيَارٍ لَا أَوْجُهُ اخْتِلَافٍ، فَبِأَيِّ وَجْهٍ قَرَأَ أَجْزَأَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(قُلْتُ) : وَالِاخْتِيَارُ هُوَ الْأَوَّلُ أَخْذًا بِالْمَشْهُورِ، وَعَمَلًا بِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ طَرْدًا لِلْقِيَاسِ وَمُوَافَقَةً لِأَكْثَرِ النَّاسِ.
(فَإِنْ قِيلَ) لِمَ ثَبَتَ حَرْفُ الْمَدِّ مِنَ الصِّلَةِ وَغَيْرِهَا مَعَ لِقَائِهِ السَّاكِنَ الْمُدْغَمَ فِي
(1/337)

تَاءَاتِ الْبَزِّيِّ وَغَيْرِهَا حَتَّى احْتِيجَ فِي ذَلِكَ إِلَى زِيَادَةِ الْمَدِّ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَهَلَّا حُذِفَ حَرْفُ الْمَدِّ فِي نَحْوِ (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ) ، وَ (يَعْلَمْهُ اللَّهُ) ، (وَلَا الَّذِينَ) .
(فَالْجَوَابُ) أَنَّ الْإِدْغَامَ فِي ذَلِكَ طَارِئٌ عَلَى حَرْفِ الْمَدِّ، فَلَمْ يُحْذَفْ لِأَجْلِهِ، فَهُوَ مِثْلُ إِدْغَامِ (دَابَّةٍ) وَ (الصَّاخَّةُ) فَلَمْ يُحْذَفْ حَرْفُ الْمَدِّ خَوْفًا مِنَ الْإِجْحَافِ بِاجْتِمَاعِ إِدْغَامٍ طَارِئٍ وَحَذْفٍ، وَأَمَّا إِدْغَامُ اللَّامِ فِي (الَّذِينَ) وَ (الدَّارُ) وَنَحْوِهِ فَأَصْلٌ لَازِمٌ، وَلَيْسَ بِطَارِئٍ عَلَى حَرْفِ الْمَدِّ، فَإِنَّهُ كَذَلِكَ أَبَدًا - كَانَ قَبْلَهُ حَرْفُ مَدٍّ أَوَ لَمْ يَكُنْ، فَحَذْفُ حَرْفِ الْمَدِّ لِلسَّاكِنِ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ فَلَمْ يَقْرَأْ (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ) كَمَا لَمْ يَثْبُتْ حَرْفُ الْمَدِّ فِي نَحْوِ (قَالُوا اطَّيَّرْنَا) ، وَ (ادْخُلَا النَّارَ) وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الدَّانِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ": وَإِذَا وَقَعَ قَبْلَ التَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ حَرْفُ مَدٍّ وَلِينٍ - أَلِفٌ أَوْ وَاوٌ - نَحْوُ (" وَلَا تَيَمَّمُوا "، وَ " عَنْهُ تَلَهَّى ") وَشِبْهُهُمَا أُثْبِتَ فِي اللَّفْظِ؛ لِكَوْنِ التَّشْدِيدِ عَارِضًا، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فِي حَذْفِهِ، وَزِيدَ فِي تَمْكِينِهِ لِيَتَمَيَّزَ بِذَلِكَ السَّاكِنَانِ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ وَلَا يَلْتَقِيَا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي (اثْنَا عَشَرَ) فِي قِرَاءَةِ مَنْ سَكَّنَ الْعَيْنَ. نَصَّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ فِي " الْجَامِعِ ".
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِيهِ حَرْفُ الْمَدِّ بَعْدَ الْهَمْزِ نَحْوُ مَا مَثَّلْنَا بِهِ أَوَّلًا، فَإِنَّ لِوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ مَذْهَبًا اخْتَصَّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْهَمْزَةُ فِي ذَلِكَ ثَابِتَةً عِنْدَهُ، أَوْ مُغَيَّرَةً فِي مَذْهَبِهِ، فَالثَّابِتَةُ نَحْوُ (آمَنُوا) وَ (نَأَى) ، وَ (سَوْآتُ) ، وَ (اتِيَا) ، وَ (لِإِيلَافِ) ، وَ (دُعَائِي) ، وَ (الْمُسْتَهْزِئِينَ) ، (وَالنَّبِيئِينَ) ، (وَآتُوا) ، وَ (يَئُوسًا) ، وَ (النَّبِيئُونَ) وَالْمُغَيَّرَةُ لَهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ (أَأَمِنْتُمْ) فِي الْأَعْرَافِ وَطه وَالشُّعَرَاءِ وَ (أَآلِهَتُنَا، جَاءَ آلَ) فِي الْحِجْرِ. (جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ) فِي الْقَمَرِ. أَوْ بِالْبَدَلِ، وَهُوَ (هَؤُلَاءِ آلِهَةً) فِي الْأَنْبِيَاءِ. وَ (مِنَ السَّمَاءِ آيَةً) فِي الشُّعَرَاءِ أَوْ بِالنَّقْلِ نَحْوُ (الْآخِرَةُ، الْآنَ جِئْتَ، الْإِيمَانَ الْأُولَى، مَنْ آمَنَ بَنِي آدَمَ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ قُلْ إِي وَرَبِّي قَدْ أُوتِيتَ) وَشِبْهُ ذَلِكَ
(1/338)

فَإِنَّ وَرْشًا مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ مَدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْأَدَاءِ فِي ذَلِكَ، فَرَوَى الْمَدَّ فِي جَمِيعِ الْبَابِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ صَاحِبُ " الْهَادِي "، وَأَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ صَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ "، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ صَاحِبُ " الْكَافِي "، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ "، وَأَبُو الطَّاهِرِ بْنُ خَلَفٍ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ "، وَأَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الْحُصْرِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَلِّيمَةَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَأَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ، وَخَلَفُ بْنُ خَاقَانَ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ زِيَادَةَ الْمَدِّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَذَهَبَ الْهُذَلِيُّ فِيمَا رَوَاهُ، عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَمْرٍو إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَاشِدٍ الْحَدَّادِ إِلَى الْإِشْبَاعِ الْمُفْرِطِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ عَنْهُ فِي الْمَدِّ الْمُنْفَصِلِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ الْقَرَوِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ - يَعْنِي الْخَبَّازِيَّ - عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيِّ يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يُوسُفَ أَحَدَ أَصْحَابِ ابْنِ هِلَالٍ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ مَنْ ذَكَرْنَا إِلَى أَنَّهُ الْإِشْبَاعُ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ، وَسَوَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْهَمْزَةِ، وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ عِبَارَةِ " التَّبْصِرَةِ " " وَالتَّجْرِيدِ "، وَذَهَبَ الدَّانِيُّ، وَالْأَهْوَازِيُّ، وَابْنُ بَلِّيمَةَ وَأَبُو عَلِيٍّ الْهَرَّاسُ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَدِيٍّ إِلَى التَّوَسُّطِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ بَلِّيمَةَ، وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ أَنَّ مَكِّيًّا ذَكَرَ كُلًّا مِنَ الْإِشْبَاعِ وَالتَّوَسُّطِ، وَذَكَرَ السَّخَاوِيُّ عَنْهُ الْإِشْبَاعَ فَقَطْ.
(قُلْتُ) : وَقَفْتُ لَهُ عَلَى مُؤَلَّفٍ انْتَصَرَ فِيهِ لِلْمَدِّ فِي ذَلِكَ وَرَدَّ عَلَى مَنْ رَدَّهُ، أَحْسَنَ فِي ذَلِكَ وَبَالَغَ فِيهِ، وَعِبَارَتُهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " تَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَبِالْإِشْبَاعِ قَرَأْتُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَذَهَبَ إِلَى الْقَصْرِ فِيهِ أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ، وَرَدَّ فِي تَذْكِرَتِهِ عَلَى مَنْ رَوَى الْمَدَّ وَأَخَذَ بِهِ، وَغَلَّطَ أَصْحَابَهُ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا ابْنُ بَلِّيمَةَ فِي تَلْخِيصِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّاطِبِيِّ حَسْبَ مَا نَقَلَهُ أَبُو شَامَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ السَّخَاوِيِّ، عَنْهُ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَمَا قَالَ بِهِ ابْنُ غَلْبُونَ هُوَ الْحَقُّ. انْتَهَى. وَهُوَ اخْتِيَارُ مَكِّيٍّ فِيمَا
(1/339)

حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَدِ اخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجَعْبَرِيُّ، وَأَثْبَتَ الثَّلَاثَةَ جَمِيعًا أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفْرَاوِيُّ فِي إِعْلَانِهِ، وَالشَّاطِبِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ، وَضَعَّفَ الْمَدَّ الطَّوِيلَ، وَأَلْحَقَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ شَاعَ وَذَاعَ وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اتَّفَقَ أَصْحَابُ الْمَدَنِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ، عَنْ وَرْشٍ عَلَى اسْتِثْنَاءِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَصْلَيْنِ مُطَّرِدَيْنِ، فَالْكَلِمَةُ (يُؤَاخِذُ) كَيْفَ وَقَعَتْ نَحْوَ: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ، لَا تُؤَاخِذْنَا، وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ) . نَصَّ عَلَى اسْتِثْنَائِهَا الْمَهْدَوِيُّ، وَابْنُ سُفْيَانَ، وَمَكِّيٌّ وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَكُلُّ مَنْ صَرَّحَ بِمَدِّ الْمُغَيَّرِ بِالْبَدَلِ، وَكَوْنُ صَاحِبِ " التَّيْسِيرِ " لَمْ يَذْكُرْهُ فِي " التَّيْسِيرِ "، فَإِنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِهِ فِي غَيْرِهِ. وَكَأَنَّ الشَّاطِبِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ظَنَّ بِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي " التَّيْسِيرِ " أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمَمْدُودِ لِوَرْشٍ بِمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ، فَقَالَ: وَبَعْضُهُمْ: يُوَاخِذُكُمْ، أَيْ: وَبَعْضُ رُوَاةِ الْمَدِّ قَصَرَ " يُوَاخِذُ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْمَدِّ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ " يُؤَاخِذُ " فَلَا خِلَافَ فِي قَصْرِهِ. قَالَ الدَّانِيُّ فِي إِيجَازِهِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْأَدَاءِ عَلَى تَرْكِ زِيَادَةِ التَّمْكِينِ لِلْأَلْفِ فِي قَوْلِهِ: (لَا يُوَاخِذُكُمْ) ، وَ (لَا تُوَاخِذْنَا) ، وَ (لَوْ يُوَاخِذُ) حَيْثُ وَقَعَ. قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنْ " وَاخَذْتُ " غَيْرُ مَهْمُوزٍ، وَقَالَ فِي " الْمُفْرَدَاتِ ": وَكُلُّهُمْ لَمْ يَزِدْ فِي تَمْكِينِ الْأَلِفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ) وَبَابِهِ. وَكَذَلِكَ اسْتَثْنَاهَا فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " وَلَمْ يَحْكِ فِيهَا خِلَافًا، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَصَّاعِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الزِّيَادَةِ لِلْأَلْفِ فِي " يُوَاخِذُ " حَيْثُ وَقَعَ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الدَّانِيُّ وَمَكِّيٌّ وَابْنُ سُفْيَانَ وَابْنُ شُرَيْحٍ.
(قُلْتُ) : وَعَدَمُ اسْتِثْنَائِهِ فِي " التَّيْسِيرِ " إِمَّا لِكَوْنِهِ مِنْ: (وَاخَذَ) كَمَا ذَكَرَهُ فِي " الْإِيجَازِ " فَهُوَ غَيْرُ مَمْدُودٍ، أَوْ مِنْ أَجْلِ لُزُومِ الْبَدَلِ لَهُ فَهُوَ كَلُزُومِ النَّقْلِ فِي " تَرَى " فَلَا حَاجَةَ إِلَى اسْتِثْنَائِهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى نُصُوصِهِ فِي غَيْرِ " التَّيْسِيرِ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْأَصْلَانِ الْمُطَّرِدَانِ فَأَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْهَمْزِ سَاكِنٌ صَحِيحٌ، وَكِلَاهُمَا مِنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ (الْقُرْآنُ، وَ " الظَّمْآنُ "، وَ " مَسْئُولًا "، وَ " مَذْؤُمًا "،
(1/340)

وَ " مَسْئُولُونَ ") وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لِأَمْنِ إِخْفَاءٍ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: لِتَوَهُّمِ النَّقْلِ، فَكَأَنَّ الْهَمْزَةَ مُعَرَّضَةٌ لِلْحَذْفِ.
(قُلْتُ) : ظَهَرَ لِي فِي عِلَّةِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَحْذُوفَةٌ رَسْمًا تُرِكَ زِيَادَةُ الْمَدِّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى ذَلِكَ، وَهَذِهِ هِيَ الْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ فِي اسْتِثْنَاءِ " إِسْرَائِيلَ " عِنْدَ مَنِ اسْتَثْنَاهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَلَوْ كَانَ السَّاكِنُ قَبْلَ الْهَمْزِ حَرْفَ مَدٍّ أَوْ حَرْفَ لِينٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَثَلِنَا فَهُمْ عَنْهُ فِيهِ عَلَى أُصُولِهِمُ الْمَذْكُورَةِ. وَانْفَرَدَ صَاحِبُ " الْكَافِي " فَلَمْ يَمُدَّ الْوَاوَ بَعْدَ الْهَمْزَةِ فِي " الْمَوْءُودَةِ " فَخَالَفَ سَائِرَ أَهْلِ الْأَدَاءِ الرَّاوِينَ مَدَّ هَذَا الْبَابِ عَنِ الْأَزْرَقِ، وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ بَعْدَ الْهَمْزَةِ مُبْدَلَةً مِنَ التَّنْوِينِ فِي الْوَقْفِ نَحْوُ (دُعَاءً، وَنِدَاءً، وَهُزُؤًا، وَمَلْجَأً) لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ، فَكَانَ ثُبُوتُهَا عَارِضًا، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ رُوَاةُ الْمَدِّ، عَنْ وَرْشٍ فِي ثَلَاثِ كَلِمٍ وَأَصْلٍ مُطَّرِدٍ.
(فَالْأُولَى) مِنَ الْكَلِمِ (إِسْرَائِيلَ) حَيْثُ وَقَعَتْ. نَصَّ عَلَى اسْتِثْنَائِهَا أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ فَلَمْ يَحْكِ فِيهَا خِلَافًا، وَوَجَّهَ بِطُولِ الْكَلِمَةِ وَكَثْرَةِ دَوْرِهَا وَثِقَلِهَا بِالْعُجْمَةِ، مَعَ أَنَّهَا أَكْثَرُ مَا تَجِيءُ مَعَ كَلِمَةِ (بَنِي) فَتَجْتَمِعُ ثَلَاثُ مَدَّاتٍ فَاسْتَثْنَى مَدَّ الْيَاءِ تَخْفِيفًا، وَنَصَّ عَلَى تَخْفِيفِهَا ابْنُ سُفْيَانَ وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ خَلَفٍ وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ مَكِّيٍّ، وَالْأَهْوَازِيِّ وَالْخُزَاعِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْفَحَّامِ وَأَبِي الْحَسَنِ الْحُصْرِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَثْنُوهَا.
(وَالثَّانِيَةُ) (آلْآنَ) الْمُسْتَفْهَمُ بِهَا فِي حَرْفَيْ يُونُسَ (آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) أَعْنِي الْمَدَّ بَعْدَ اللَّامِ، فَنَصَّ عَلَى اسْتِثْنَائِهَا ابْنُ سُفْيَانَ وَالْمَهْدَوِيُّ وَابْنُ شُرَيْحٍ وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا مَكِّيٌّ فِي كُتُبِهِ، وَلَا الدَّانِيُّ فِي تَيْسِيرِهِ، وَاسْتَثْنَاهَا فِي " الْجَامِعِ "، وَنَصَّ فِي غَيْرِهِمَا بِخِلَافٍ فِيهَا، فَقَالَ فِي " الْإِيجَازِ " وَ " الْمُفْرَدَاتِ ": إِنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ لَمْ يَزِدْ فِي تَمْكِينِهَا، وَأَجْرَى الْخِلَافَ فِيهَا الشَّاطِبِيُّ.
(وَالثَّالِثَةُ) (عَادًا الْأُولَى) فِي سُورَةِ النَّجْمِ، لَمْ يَسْتَثْنِهَا صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ " فِيهِ، وَاسْتَثْنَاهَا فِي جَامِعِهِ، وَنَصَّ عَلَى الْخِلَافِ فِي غَيْرِهِمَا كَحَرْفَيْ (آلْآنَ) فِي يُونُسَ.
(1/341)

وَنَصَّ عَلَى اسْتِثْنَائِهَا مَكِّيٌّ وَابْنُ سُفْيَانَ وَالْمَهْدَوِيُّ وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَأَمَّا صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ "، وَصَاحِبُ " الْكَامِلِ "، وَالْأَهْوَازِيُّ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَابْنُ بَلِّيمَةَ فَلَمْ يَذْكُرُوا: (آلْآنَ، وَلَا عَادًا الْأُولَى) بَلْ وَلَا نَصُّوا عَلَى الْهَمْزِ الْمُغَيَّرِ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا تَعَرَّضُوا لَهُ بِمِثَالٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْهَمْزَ الْمُحَقَّقَ وَمَثَّلُوا بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُمَدًّا عَلَى الْقَاعِدَةِ الْآتِيَةِ آخِرَ الْبَابِ لِدُخُولِهِ فِي الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، إِذْ تَخْفِيفُ الْهَمْزِ بِالتَّلْيِينِ أَوِ الْبَدَلِ أَوِ النَّقْلِ عَارِضٌ، وَالْعَارِضُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْقَاعِدَةِ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَمْدُودٍ لِعَدَمِ وُجُودِ هَمْزٍ مُحَقَّقٍ فِي اللَّفْظِ، وَالِاحْتِمَالَانِ مَعْمُولٌ بِهِمَا عِنْدَهُمْ كَمَا تَمَهَّدَ فِي الْقَاعِدَةِ الْآتِيَةِ غَيْرَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ عِنْدِي أَقْوَى فِي مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَلَمْ يُمَثِّلُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا اسْتَثْنَوْا مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى وَلَا مِمَّا أُجْمِعَ عَلَى اسْتِثْنَائِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ذَكَرَ الْقَصْرَ فِيمَا أَجْمَعَ عَلَى مَدِّهِ مِنَ الْمُتَّصِلِ إِذَا وَقَعَ قَبْلَ الْهَمْزِ الْمُغَيَّرِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَأَمَّا صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى الْمَدِّ فِي الْمُغَيَّرِ بِالنَّقْلِ فِي آخِرِ بَابِ النَّقْلِ، فَقَالَ: وَكَانَ وَرْشٌ إِذَا نَقَلَ حَرَكَةَ الْهَمْزِ الَّتِي بَعْدَهَا حَرْفُ مَدٍّ إِلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا أَبْقَى الْمَدَّ عَلَى حَالِهِ قَبْلَ النَّقْلِ. انْتَهَى، وَقِيَاسُ ذَلِكَ الْمُغَيَّرِ بِغَيْرِ النَّقْلِ، بَلْ هُوَ أَحْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ الدَّانِيُّ فِي " التَّيْسِيرِ " وَفِي سَائِرِ كُتُبِهِ لَمْ يَنُصَّ إِلَّا عَلَى الْمُغَيَّرِ بِنَقْلٍ أَوْ بَدَلٍ، فَقَالَ: سَوَاءٌ كَانَتْ مُحَقَّقَةً، أَيِ الْهَمْزَةُ، أَوْ أُلْقِيَ حَرَكَتُهَا عَلَى سَاكِنٍ قَبْلَهَا، أَوْ أُبْدِلَتْ. ثُمَّ مَثَّلَ بِالنَّوْعَيْنِ فَلَمْ يَنُصَّ عَلَى الْمُسَهَّلِ بَيْنَ بَيْنَ، وَلَا مَثَّلَ بِهِ، وَلَا تَعَرَّضَ أَلْبَتَّةَ إِلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ ذِكْرَ هَذَا النَّوْعِ ; لِأَنَّهُ لَا يَرَى زِيَادَةَ التَّمْكِينِ فِيهِ، إِذْ لَوْ جَازَتْ زِيَادَةُ تَمْكِينِهِ لَكَانَ كَالْجَمْعِ بَيْنَ أَرْبَعِ أَلِفَاتٍ، وَهِيَ الْهَمْزَةُ الْمُحَقَّقَةُ وَالْمُسَهَّلَةُ بَيْنَ بَيْنَ، وَالْأَلِفُ، فَلَوْ مَدَّهَا لَكَانَتْ كَأَنَّهَا أَلِفَانِ، فَيَجْتَمِعُ أَرْبَعُ أَلِفَاتٍ، وَبِهَذَا عَلَّلَ تَرْكَ إِدْخَالِ الْأَلِفِ بَيْنِ الْهَمْزَتَيْنِ، فَيَجْتَمِعُ أَرْبَعُ أَلِفَاتٍ، وَبِهَذَا عَلَّلَ تَرْكَ إِدْخَالِ الْأَلِفِ بَيْنِ الْهَمْزَتَيْنِ فِي ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ.
فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَذَكَرَهُ مَعَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ (فَيُمْكِنُ) أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ
(1/342)

غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَثْنَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا قَدَّرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَى التَّمْكِينِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ الْمُحَقَّقَةِ وَالْمُغَيَّرَةِ بِالنَّقْلِ أَوْ بِالْبَدَلِ خَاصَّةً، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِمَّا بَعْدَ الْهَمْزَةِ الْمُحَقَّقَةِ، فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ، فَلَوْ نَصَّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ مَا بَعْدَ الْهَمْزَةِ الْمُغَيَّرَةِ بَيْنَ بَيْنَ لَكَانَ اسْتِثْنَاءً مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، فَلَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ، وَاسْتِثْنَاؤُهُ مَا بَعْدَ الْهَمْزَةِ الْمُجْتَلَبَةِ لِلِابْتِدَاءِ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مُحَقَّقَةٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَلِمْنَاهُ مِنْ صَاحِبِ " الْهِدَايَةِ " وَ " الْكَافِي " وَ " التَّبْصِرَةِ " وَغَيْرِهِمْ لَمْ يُمَثِّلُوا بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، إِلَّا أَنَّ إِطْلَاقَهُمُ التَّسْهِيلَ قَدْ يَرْجِعُ إِدْخَالَ نَوْعٍ بَيْنَ بَيْنَ، وَإِنْ لَمْ يُمَثِّلُوا بِهِ، وَالْجُمْلَةُ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ مُتَقَدِّمِي أَئِمَّتِنَا نَصَّ فِيهِ بِشَيْءٍ. نَعَمْ عِبَارَةُ الشَّاطِبِيِّ صَرِيحَةٌ بِدُخُولِهِ ; وَلِذَلِكَ مَثَّلَ بِهِ شُرَّاحُ كَلَامِهِ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّ أَدَاءً، وَبِهِ يُؤْخَذُ، عَلَى أَنِّي لَا أَمْنَعُ إِجْرَاءَ الْخِلَافِ فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ عَمَلًا بِظَوَاهِرِ عِبَارَاتِ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) إِجْرَاءُ الْوَجْهَيْنِ مِنَ الْمَدِّ وَضِدِّهِ مِنَ الْمُغَيَّرِ بِالنَّقْلِ، إِنَّمَا يَتَأَتَّى حَالَةَ الْوَصْلِ. أَمَّا حَالَةُ الِابْتِدَاءِ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ لَامِ التَّعْرِيفِ فَإِنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِالْعَارِضِ، فَالْوَجْهَانِ فِي نَحْوِ (الْآخِرَةُ) ، (الْإِيمَانِ) ، (الْمَوْلَى) جَارِيَانِ، وَإِنِ اعْتُدَّ بِالْعَارِضِ فَالْقَصْرُ لَيْسَ إِلَّا نَحْوُ (الْآخِرَةُ) ، (الْإِيمَانِ) ، (الْمَوْلَى) لِقُوَّةِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ فِي ذَلِكَ، وَلِعَدَمِ تَصَادُمِ الْأَصْلَيْنِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنْ أَئِمَّتِنَا. قَالَ مَكِّيٌّ فِي " الْكَشْفِ ": إِنَّ وَرْشًا لَا يَمُدُّ (الْأُولَى) ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ مَدُّ حَرْفِ الْمَدِّ بَعْدَ الْهَمْزِ الْمُغَيَّرِ ; لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ هَمْزًا مُغَيَّرًا إِلَّا أَنَّهُ قَدِ اعْتَدَّ بِحَرَكَةِ اللَّامِ، فَكَأَنْ لَا هَمْزَ فِي الْكَلِمَةِ، فَلَا مَدَّ. انْتَهَى، وَأَمَّا الْأَصْلُ الْمُطَّرِدُ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ فَهُوَ حَرْفُ الْمَدِّ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ هَمْزَةِ الْوَصْلِ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ نَحْوُ (ايْتِ بِقُرْآنٍ. ايْتُونِي اوْتُمِنَ ايْذَنْ لِي) فَنَصَّ عَلَى اسْتِثْنَائِهِ وَتَرْكِ الزِّيَادَةِ فِي مَدِّهِ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ، وَأَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ، وَالشَّاطِبِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَنَصَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْمَدِّ، وَتَرَكَهُ ابْنُ سُفْيَانَ وَابْنُ شُرَيْحٍ وَمَكِّيٌّ، وَقَالَ فِي " التَّبْصِرَةِ ": وَكَلَا الْوَجْهَيْنِ حَسَنٌ، وَتَرْكُ الْمَدِّ أَقْيَسُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمَهْدَوِيُّ وَلَا ابْنُ الْفَحَّامِ وَلَا ابْنُ بَلِّيمَةَ وَلَا
(1/343)

صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ "، وَلَا الْأَهْوَازِيُّ، فَيُحْتَمَلُ مَدُّهُ؛ لِدُخُولِهِ فِي الْقَاعِدَةِ، وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ التَّمْثِيلِ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ تَرْكُ الْمَدِّ. وَأَنْ يَكُونُوا اسْتَغْنَوْا عَنْ ذَلِكَ بِمَا مَثَّلُوهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْأَوْلَى، فَوَجْهُ الْمَدِّ وُجُودُ حَرْفِ مَدٍّ بَعْدَ هَمْزَةٍ مُحَقَّقَةٍ لَفْظًا، وَإِنْ عَرَضَتِ ابْتِدَاءً، وَوَجْهُ الْقَصْرِ كَوْنُ هَمْزَةِ الْوَصْلِ عَارِضَةً وَالِابْتِدَاءُ بِهَا عَارِضٌ، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِالْعَارِضِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا نَحْوُ (رَأَى الْقَمَرَ، وَرَأَى الشَّمْسَ، وَتَرَاءَى الْجَمْعَانِ) فِي الْوَقْفِ فَإِنَّهُمْ فِيهِ عَلَى أُصُولِهِمُ الْمَذْكُورَةِ مِنَ الْإِشْبَاعِ وَالتَّوَسُّطِ وَالْقَصْرِ ; لِأَنَّ الْأَلِفَ مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ، وَذَهَابُهَا وَصْلًا عَارِضٌ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَهَذَا مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا (مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ) فِي يُوسُفَ (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا) فِي نُوحٍ حَالَةَ الْوَقْفِ (وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا) فِي إِبْرَاهِيمَ حَالَةَ الْوَصْلِ، فَكَذَلِكَ هُمْ فِيهَا عَلَى أُصُولِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ، عَنْ وَرْشٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي حَرْفِ الْمَدِّ مِنَ الْأُولَيَيْنِ الْإِسْكَانُ، وَالْفَتْحُ فِيهَا عَارِضٌ مِنْ أَجْلِ الْهَمْزَةِ، وَكَذَلِكَ حَذْفُ حَرْفِ الْمَدِّ فِي الثَّالِثَةِ عَارِضٌ حَالَةَ الْوَصْلِ اتِّبَاعًا لِلرَّسْمِ، وَالْأَصْلُ إِثْبَاتُهَا فَجَرَتْ فِيهَا مَذَاهِبُهُمْ عَلَى الْأَصْلِ، وَلَمْ يُعْتَدَّ فِيهَا بِالْعَارِضِ، وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ (مِنْ وَرَاءِ) فِي الْحَالَيْنِ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ أَجِدْ فِيهِ نَصًّا لِأَحَدٍ، بَلْ قُلْتُهُ قِيَاسًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَكَذَلِكَ أَخَذْتُهُ أَدَاءً عَنِ الشُّيُوخِ فِي (دُعَاءً) فِي إِبْرَاهِيمَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْمَلَ بِخِلَافِهِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا السَّبَبُ الْمَعْنَوِيُّ فَهُوَ قَصْدُ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّفْيِ، وَهُوَ سَبَبٌ قَوِيٌّ مَقْصُورٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَإِنْ كَانَ أَضْعَفَ مِنَ السَّبَبِ اللَّفْظِيِّ عِنْدَ الْقُرَّاءِ، وَمِنْهُ مَدُّ التَّعْظِيمِ فِي نَحْوِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ، (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) ، وَهُوَ قَدْ وَرَدَ عَنْ أَصْحَابِ الْقَصْرِ فِي الْمُنْفَصِلِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ، وَابْنُ مِهْرَانَ، وَالْجَاجَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَرَأْتُ بِهِ مِنْ طَرِيقِهِمْ، وَأَخْتَارُهُ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: مَدُّ الْمُبَالَغَةِ. قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ فِي " كِتَابِ الْمَدَّاتِ " لَهُ: إِنَّمَا سُمِّيَ مَدَّ الْمُبَالَغَةِ ; لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي نَفْيِ
(1/344)

إِلَهِيَّةِ سِوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، قَالَ: وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهَا تُمَدُّ عِنْدَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الِاسْتِغَاثَةِ، وَعِنْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي نَفْيِ شَيْءٍ، وَيَمُدُّونَ مَا لَا أَصْلَ لَهُ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ. قَالَ: وَالَّذِي لَهُ أَصْلٌ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(قُلْتُ) : يُشِيرُ إِلَى كَوْنِهِ اجْتَمَعَ سَبَبَانِ، وَهُمَا الْمُبَالَغَةُ وَوُجُودُ الْهَمْزَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالَّذِي قَالَهُ فِي ذَلِكَ جَيِّدٌ ظَاهِرٌ. وَقَدِ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ مَدَّ الصَّوْتِ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِشْعَارًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَبِغَيْرِهِ. قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي " الْأَذْكَارِ ": وَلِهَذَا كَانَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ اسْتِحْبَابَ مَدِّ الذَّاكِرِ قَوْلَهُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لِمَا وَرَدَ مِنَ التَّدَبُّرِ. قَالَ: وَأَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْخَلَفِ فِي مَدِّ هَذَا مَشْهُورَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
(قُلْتُ) : رَوَيْنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ مَرْفُوعَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: مَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ أَسْكَنَهُ اللَّهُ دَارَ الْجَلَالِ - دَارًا سَمَّى بِهَا نَفْسَهُ فَقَالَ: ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ - وَرَزَقَهُ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِهِ. وَالْآخَرُ عَنْ أَنَسٍ: مَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَمَدَّهَا هَدَمَتْ لَهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ ذَنْبٍ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفَانِ، وَلَكِنَّهُمَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ. وَقَدْ وَرَدَ مَدُّ الْمُبَالَغَةِ لِلنَّفْيِ فِي (لَا) الَّتِي لِلتَّبْرِئَةِ فِي نَحْوِ (لَا رَيْبَ فِيهِ) ، (لَا شِيَةَ فِيهَا) ، (لَا مَرَدَّ لَهُ) ، (لَا جَرَمَ) ، عَنْ حَمْزَةَ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لَهُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ فِي " الْمُسْتَنِيرِ " وَنَصَّ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي " الْمُبْهِجِ " مِنْ رِوَايَةِ خَلَفٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدَانَ، عَنْ سُلَيْمٍ، وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ: قَرَأْتُ بِهِ أَدَاءً مِنْ طَرِيقِ خَلَفٍ، وَابْنِ سَعْدَانَ، وَخَلَّادٍ، وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَرُوَيْمِ بْنِ يَزِيدَ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمْزَةَ.
(قُلْتُ) وَقَدْرُ الْمَدِّ فِي ذَلِكَ فِيمَا قَرَأْنَا بِهِ وَسَطٌ لَا يَبْلُغُ الْإِشْبَاعَ، وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَصَّاعِ، وَذَلِكَ لِضَعْفِ سَبَبِهِ عَنْ سَبَبِ الْهَمْزِ، وَقَرَأْتُ بِالْمَدِّ أَيْضًا فِي (لَا رَيْبَ) فَقَطْ مِنْ كِتَابِ " الْكِفَايَةِ فِي الْقِرَاءَاتِ السِّتِّ " لِحَفْصٍ مِنْ طَرِيقِ هُبَيْرَةَ عَنْهُ.
(هَذَا) مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَدِّ فِي حُرُوفِ الْمَدِّ مُسْتَوْفًى، إِذْ لَا يَجُوزُ زِيَادَةٌ فِي حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْمَدِّ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَدِ انْفَرَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ فِي " الْكَافِي " بِمَدِّ مَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْنِ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ. فَحَكَى عَنْ رِوَايَةِ
(1/345)

أَهْلِ الْمَغْرِبِ، عَنْ وَرْشٍ أَنَّهُ كَانَ يَمُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَاسْتَثْنَى الرَّاءَ مِنْ (الر، وَالمر) وَالطَّاءَ وَالْهَاءَ مِنْ: (طه) .
(قُلْتُ) : وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى وُجُودِ الْهَمْزِ مُقَدَّرًا بِحَسْبِ الْأَصْلِ، وَذَلِكَ شَاذٌّ لَا نَأْخُذُ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِلْحَاقِ حَرْفَيِ اللِّينِ بِهِمَا وَهُمَا الْيَاءُ وَالْوَاوُ الْمَفْتُوحُ مَا قَبْلَهُمَا، فَوَرَدَتْ زِيَادَةُ الْمَدِّ فِيهِمَا بِسَبَبَيِ الْهَمْزِ وَالسُّكُونِ إِذَا كَانَا قَوِيَّيْنِ. وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ شَرْطُ الْمَدِّ فِيهِمَا مَعَ ضَعْفِهِ بِتَغْيِيرِ حَرَكَةِ مَا قَبْلَهُ ; لِأَنَّ فِيهِمَا شَيْئًا مِنَ الْخَفَاءِ وَشَيْئًا مِنَ الْمَدِّ، وَإِنْ كَانَا أَنْقَصَ فِي الرُّتْبَةِ مِمَّا فِي حُرُوفِ الْمَدِّ ; وَلِذَلِكَ جَازَ الْإِدْغَامُ فِي نَحْوِ (كَيْفَ فَعَلَ) بِلَا عُسْرٍ، وَلَمْ يَنْقُلِ الْحَرَكَةَ إِلَيْهِمَا فِي الْوَقْفِ فِي نَحْوِ زَيْدٍ وَعَوْفٍ مَنْ نَقَلَ فِي نَحْوِ بَكْرٍ وَعَمْرٍو، وَتَعَاقَبَا مَعَ حُرُوفِ الْمَدِّ فِي الشِّعْرِ قَبْلَ حَرْفِ الرَّوِيِّ فِي نَحْوِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
تُصَفِّقُهَا الرِّيَاحُ إِذَا جَرَيْنَا
مَعَ قَوْلِهِ:
مَخَارِيقُ بِأَيْدِي اللَّاعِبِينَا
وَقَالُوا فِي تَصْغِيرِ مِدَقٍّ وَأَصَمٍّ: مُدَيْقٍ وَأُصَيْمٍ، فَجَمَعُوا بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ، وَأَجْرَوْهُمَا مَجْرَى حُرُوفِ الْمَدِّ ; فَلِذَلِكَ حُمِلَا عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَا دُونَهَا فِي الرُّتْبَةِ لِقُرْبِهِمَا مِنْهَا، وَسَوَّغَ زِيَادَةَ الْمَدِّ فِيهِمَا سَبَبِيَّةُ الْهَمْزِ، وَقُوَّةِ اتِّصَالِهِ بِهِمَا فِي كَلِمَةٍ، وَقُوَّةِ سَبَبَيَّةِ السُّكُونِ، أَمَّا الْهَمْزُ فَإِنَّهُ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ حَرْفَيِ اللِّينِ مُتَّصِلًا مِنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ نَحْوُ (شَيْءٍ) كَيْفَ وَقَعَ
(وَكَهَيْئَةٍ، وَسَوْءَةٍ، وَالسُّوءِ) فَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ فِي إِشْبَاعِ الْمَدِّ فِي ذَلِكَ، وَتَوَسُّطِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَذَهَبَ إِلَى الْإِشْبَاعِ فِيهِ الْمَهْدَوِيُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ الْحُصْرِيِّ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " الْهَادِي " وَ " الْكَافِي " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَمُحْتَمَلٌ فِي " التَّجْرِيدِ "، وَذَهَبَ إِلَى التَّوَسُّطِ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ وَأَبُو عُمَرَ، وَالدَّانِيُّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ خَلَفِ بْنِ خَاقَانَ، وَأَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " الْكَافِي " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَظَاهِرُ " التَّجْرِيدِ "، وَذَكَرَهُ أَيْضًا الْحُصْرِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ مَعَ اخْتِيَارِهِ الْإِشْبَاعَ فَقَالَ:
وَفِي مَدِّ عَيْنٍ ثُمَّ شَيْءٍ وَسَوْأَةٍ ... خِلَافٌ جَرَى بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي مِصْرِ
فَقَالَ أُنَاسٌ مَدُّهُ مُتَوَسِّطٌ ... وَقَالَ أُنَاسٌ مُفْرِطٌ وَبِهِ أَقْرِي
(1/346)

وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِثْنَاءِ كَلِمَتَيْنِ مِنْ ذَلِكَ وَهُمَا (مَوْئِلًا) ، وَ " الْمَوْءُودَةُ " فَلَمْ يَزِدْ أَحَدٌ فِيهِمَا تَمْكِينًا عَلَى مَا فِيهِمَا مِنَ الصِّيغَةِ، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " بَعْدَ اسْتِثْنَاءِ (مَوْئِلًا) فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنِ الْأَزْرَقِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَمْكِينِ وَاوِ (سَوْآتِ) مِنْ (سَوْآتِهِمَا) ، وَ (سَوْآتِكُمْ) فَنَصَّ عَلَى اسْتِثْنَائِهَا الْمَهْدَوِيُّ فِي " الْهِدَايَةِ "، وَابْنُ سُفْيَانَ فِي " الْهَادِي "، وَابْنُ شُرَيْحٍ فِي " الْكَافِي "، وَأَبُو مُحَمَّدٍ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَالْجُمْهُورُ، وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي " التَّيْسِيرِ " وَلَا فِي سَائِرِ كُتُبِهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْأَهْوَازِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ، وَنَصَّ عَلَى الْخِلَافِ فِيهَا أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ عَلَى الْمَدِّ الْمُتَوَسِّطِ وَالْقَصْرِ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى الْإِشْبَاعَ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَثْنِي (سَوْآتٍ) فَعَلَى هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِيهَا لِوَرْشٍ سِوَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، وَهِيَ قَصْرُ الْوَاوِ مَعَ الثَّلَاثَةِ فِي الْهَمْزَةِ طَرِيقُ مَنْ قَدَّمْنَا، وَالرَّابِعُ التَّوَسُّطُ فِيهَا طَرِيقُ الدَّانِيِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَدْ نَظَمْتُ ذَلِكَ فِي بَيْتٍ وَهُوَ:
وَسَوْآتُ قَصْرُ الْوَاوِ وَالْهَمْزِ ثُلِّثَا ... وَوَسْطُهُمَا فَالْكُلُّ أَرْبَعَةٌ نَادِرُ
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى زِيَادَةِ الْمَدِّ فِي (شَيْءٍ) فَقَطْ كَيْفَ أَتَى مَرْفُوعًا، أَوْ مَنْصُوبًا، أَوْ مَخْفُوضًا، وَقَصْرُ سَائِرِ الْبَابِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ طَاهِرِ بْنِ غَلْبُونَ وَأَبِي الطَّاهِرِ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَأَبِي الْقَاسِمِ الطَّرَسُوسِيِّ وَأَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ بَلِّيمَةَ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ "، وَأَبِي الْفَضْلِ الْخُزَاعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي قَدْرِ هَذَا الْمَدِّ، فَابْنُ بَلِّيمَةَ وَالْخُزَاعِيُّ وَابْنُ غَلْبُونَ يَرَوْنَ أَنَّهُ التَّوَسُّطُ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَيْهِ، وَالطَّرَسُوسِيُّ، وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " يَرَيَانِ أَنَّهُ الْإِشْبَاعُ، وَبِهِ قَرَأْتُ مِنْ طَرِيقِهِمَا، وَاخْتَلَفَ أَيْضًا بَعْضُ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ فِي مَدِّ (شَيْءٍ) كَيْفَ أَتَى عَنْ حَمْزَةَ، فَذَهَبَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ غَلْبُونَ وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ "، وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ بَلِّيمَةَ، وَغَيْرُهُمْ إِلَى مَدِّهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ فِي " التَّذْكِرَةِ "، وَذَهَبَ الْآخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ السَّكْتُ دُونَ الْمَدِّ. وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَ الدَّانِيُّ كَلَامَ ابْنِ غَلْبُونَ، وَبِهِ قَرَأَ عَلَيْهِ، وَبِهِ أَخَذْنَا أَيْضًا، وَقَالَ فِي " الْكَافِي ": إِنَّهُ قَرَأَ الْوَجْهَيْنِ - يَعْنِي مِنَ الْمَدِّ وَالسَّكْتِ - وَهُمَا
(1/347)

أَيْضًا فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَالْمُرَادُ بِالْمَدِّ عِنْدَ مَنْ رَوَاهُ مِنْ هَؤُلَاءِ هُوَ التَّوَسُّطُ، وَبِهِ قَرَأْتُ مِنْ طَرِيقِ مَنْ رَوَى الْمَدَّ، وَلَمْ يَرَوِهِ عَنْهُ إِلَّا مَنْ رَوَى السَّكْتَ فِي غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا وَقَعَ الْهَمْزُ بِعَدَدِ حَرْفِ اللِّينِ مُنْفَصِلًا، فَأَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الزِّيَادَةِ نَحْوُ (خَلَوْا إِلَى، وَابْنَيْ آدَمَ) وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَا هَمْزَ بَعْدُهُ نَحْوُ (عَيْنًا، وَهَوْنًا) لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ لِمَا سَنَذْكُرُهُ إِلَّا مَا جَاءَ مِنْ نَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزِ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا السُّكُونُ فَهُوَ عَلَى أَقْسَامِ الْمَدِّ أَيْضًا، لَازِمٌ وَعَارِضٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُشَدَّدٌ وَغَيْرُ مُشَدَّدٍ. فَاللَّازِمُ غَيْرُ الْمُشَدَّدِ حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ (ع) مِنْ فَاتِحَةِ مَرْيَمَ وَالشُّورَى، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْأَدَاءِ فِي إِشْبَاعِهَا فِي تَوَسُّطِهَا، وَفِي قَصْرِهَا لِكُلٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهَا مَجْرَى حَرْفِ الْمَدِّ، فَأَشْبَعَ مَدَّهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الْأَنْطَاكِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْأُذْفُوِيِّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ وَأَبِي الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيِّ، وَحَكَاهُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ بَعْضِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَقَالَ: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ مَنْ رَوَى عَنْ وَرْشٍ الْمَدَّ فِي (شَيْءٍ، وَالسُّوءَ) وَشِبْهِهِمَا، ذَكَرَهُ فِي " الْهِدَايَةِ "، عَنْ وَرْشٍ وَحْدَهُ - يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، وَكَذَا كَانَ يَأْخُذُ ابْنُ سُفْيَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ بِالتَّوَسُّطِ نَظَرًا لِفَتْحِ مَا قَبْلُ، وَرِعَايَةً لِلْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الطَّيِّبِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ غَلْبُونَ، وَابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ طَاهِرِ بْنِ غَلْبُونَ وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَنْطَاكِيِّ وَأَبِي الطَّاهِرِ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَأَبِي الْفَتْحِ بْنِ شَيْطَا وَأَبِي عَلِيٍّ صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قِيَاسُ مَنْ رَوَى عَنْ وَرْشٍ التَّوَسُّطَ فِي (شَيْءٍ) وَبَابِهِ، وَهُوَ الْأَقْيَسُ لِغَيْرِهِ وَالْأَظْهَرُ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَ " حِرْزِ الْأَمَانِيِّ "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي كِفَايَةِ أَبِي الْعِزِّ الْقَلَانِسِيِّ عَنِ الْجَمِيعِ، وَفِي " الْكَافِي " عَنْ وَرْشٍ وَحْدَهُ بِخِلَافٍ، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ مُخْتَارَانِ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ، وَالْمَغَارِبَةِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، وَأَخَذَ بِطَرِيقِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهَا مَجْرَى الْحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ فَلَمْ يَزِدْ فِي تَمْكِينِهَا عَلَى مَا فِيهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ،
(1/348)

وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ وَأَبِي الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيِّ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ أَبِي الْعِزِّ الْقَلَانِسِيِّ، وَاخْتِيَارُ مُتَأَخِّرِي الْعِرَاقِيِّينَ قَاطِبَةً، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْهَادِي " وَ " الْكَافِي " لِغَيْرِ وَرْشٍ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِيهِ لِوَرْشٍ، وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مَدَّهَا إِلَّا وَرْشًا بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ.
(قُلْتُ) : الْقَصْرُ فِي (عَيْنٍ) ، عَنْ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ مِمَّ انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ شُرَيْحٍ، وَهُوَ مِمَّا يُنَافِي أُصُولَهُ إِلَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى مَدَّ حَرْفِ اللِّينِ قَبْلَ الْهَمْزِ ; لِأَنَّ سَبَبَ السُّكُونِ أَقْوَى مِنْ سَبَبِ الْهَمْزِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاللَّازِمُ الْمُشَدَّدُ فِي حَرْفَيْنِ (هَاتَينِّ) فِي الْقَصَصِ (وَاللَّذَينِّ) فِي فُصِّلَتْ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ فَيَجْرِي لَهُ فِيهِمَا الثَّلَاثَةُ الْأَوْجُهِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ تَقَدَّمَ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَدَّ فِيهِمَا كَالْمَدِّ فِي (الضَّالِّينَ، وَهَذَانِ) الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ فِي بَابِ الْمَدِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ " التَّيْسِيرِ " وَنَصَّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ " جَامِعِ الْبَيَانِ " عَلَى الْإِشْبَاعِ فِي (هَذَانِ) وَالتَّمْكِينِ فِيهِمَا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّوَسُّطِ وَلَمْ يَذْكُرْ سَائِرُ الْمُؤَلِّفِينَ فِيهِمَا إِشْبَاعًا وَلَا تَوَسُّطًا ; فَلِذَلِكَ كَانَ الْقَصْرُ فِيهِمَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا السَّاكِنُ الْعَارِضُ غَيْرُ الْمُشَدَّدِ فَنَحْوُ (اللَّيْلِ، وَالْمَيْلِ، وَالْمَيِّتِ، وَالْحُسْنَيَيْنِ، وَالْخَوْفِ، وَالْمَوْتِ، وَالطَّوْلِ) حَالَةَ الْوَقْفِ بِالْإِسْكَانِ، أَوْ بِالْإِشْمَامِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ، فَقَدْ حَكَى فِيهِ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَئِمَّةِ الْأَدَاءِ الثَّلَاثَةَ مَذَاهِبَ، وَهِيَ الْإِشْبَاعُ وَالتَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ، وَهِيَ أَيْضًا لِوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ فِي غَيْرِ مَا الْهَمْزَةُ فِيهِ مُتَطَرِّفَةٌ نَحْوُ (شَيْءٍ، وَالسُّوءَ) فَإِنَّ الْقَصْرَ يَمْتَنِعُ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْإِشْبَاعُ فِيهِ مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ بِشْرٍ، وَبَعْضِ مَنْ يَأْخُذُ بِالتَّحْقِيقِ وَإِشْبَاعِ التَّمْطِيطِ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ وَأَضْرَابِهِمْ، وَالتَّوَسُّطُ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ، وَاخْتِيَارُ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ، وَبِهِ كَانَ يُقْرِئُ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَصَّاعِ، عَنِ الْكَمَالِ الضَّرِيرِ، عَنْهُ. قَالَ الدَّانِيُّ: الْمَدُّ فِي حَالِ التَّمْكِينِ التَّوَسُّطُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَبِهِ قَرَأْتُ، وَالْقَصْرُ هُوَ مَذْهَبُ الْحُذَّاقِ كَأَبِي بَكْرٍ الشَّذَائِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ دَاوُدَ النَّقَّارِ وَأَبِي الْفَتْحِ ابْنِ شَيْطَا وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْمَالِكِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَكْثَرُهُمْ
(1/349)

حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ كَانَ يُقْرِئُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْجُودِ الْمِصْرِيِّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَصَّاعِ، عَنِ الْكَمَالِ الضَّرِيرِ، عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ أَجْمَعِينَ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ جَمِيعًا الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ.
(قُلْتُ) : وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَوْجُهَ لَا تَسُوغُ إِلَّا لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْإِشْبَاعِ فِي حُرُوفِ الْمَدِّ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَصْرِ فِيهَا لَا يَجُوزُ لَهُ إِلَّا الْقَصْرُ فَقَطْ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّوَسُّطِ فِيهَا لَا يَسُوغُ لَهُ هُنَا إِلَّا التَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ - اعْتَدَّ بِالْعَارِضِ أَوْ لَمْ يَعْتَدَّ - وَلَا يَسُوغُ لَهُ هُنَا إِشْبَاعٌ ; فَلِذَلِكَ كَانَ الْأَخْذُ بِهِ فِي هَذَا النَّوْعِ قَلِيلًا وَالْعَارِضُ الْمُشَدَّدُ نَحْوُ (اللَّيْلَ لِبَاسًا. كَيْفَ فَعَلَ. اللَّيْلُ رَأَى. بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ) عِنْدَ أَبِي عَمْرٍو فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَوْجَهُ سَائِغَةٌ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي الْعَارِضِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَصْرِ، وَمِمَّنْ نَقَلَ فِيهِ الْمَدَّ وَالتَّوَسُّطَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَصَّاعِ.

فَصْلٌ (فِي قَوَاعِدِ فِي هَذَا الْبَابِ مُهِمَّةٍ)
تَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ الْمَدِّ حَرْفُهُ، وَأَنَّ سَبَبَهُ مُوجِبُهُ.
(فَالشَّرْطُ) قَدْ يَكُونُ لَازِمًا فَيَلْزَمُ فِي كُلِّ حَالٍ نَحْوُ: (أُولَئِكَ، وَقَالُوا آمَنَّا، وَالْحَاقَّةُ) أَوْ يَرِدُ عَلَى الْأَصْلِ نَحْوُ: (وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، بِهِ إِلَيْكُمْ) . وَقَدْ يَكُونُ عَارِضًا فَيَأْتِي فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ نَحْوُ (مَلْجَأً) حَالَةَ الْوَقْفِ، أَوْ يَجِيءُ عَلَى غَيْرِ الْأَصْلِ نَحْوُ (أَأَنْتُمْ) عِنْدَ مَنْ فَصَلَ، وَنَحْوُ (أَأَلِدُ، أَأَمِنْتُمْ مَنْ، وَمِنَ السَّمَاءِ إِلَى) عِنْدَ مَنْ أَبْدَلَ الثَّانِيَةَ، وَقَدْ يَكُونُ ثَابِتًا فَلَا يَتَغَيَّرُ عَنْ حَالَةِ السُّكُونِ، وَقَدْ يَكُونُ مُغَيَّرًا نَحْوُ (يُضِيءُ) ، وَ (سُوءَ) فِي وَقْفِ حَمْزَةَ وَهِشَامٍ، وَقَدْ يَكُونُ قَوِيًّا فَتَكُونُ حَرَكَةُ مَا قَبْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَقَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيُخَالِفُ حَرَكَةَ مَا قَبْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ. وَكَذَلِكَ السَّبَبُ قَدْ يَكُونُ لَازِمًا نَحْوُ (أَتُحَاجُّونِّي)
(1/350)

وَ (إِسْرَائِيلَ) ، وَقَدْ يَكُونُ عَارِضًا نَحْوُ (وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ) حَالَةَ الْإِدْغَامِ وَالْوَقْفِ وَ (اؤْتُمِنَ) حَالَةَ الِابْتِدَاءِ. وَقَدْ يَكُونُ مُغَيَّرًا نَحْوُ (الم اللَّهُ حَالَةَ الْوَصْلِ) وَ (هَؤُلَاءِ إِنْ) حَالَةَ الْوَصْلِ عِنْدَ الْبَزِّيِّ وَأَبِي عَمْرٍو وَحَالَةَ الْوَقْفِ عِنْدَ حَمْزَةَ، وَقَدْ يَكُونُ قَوِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا، وَالْقُوَّةُ وَالضَّعْفُ فِي السَّبَبِ يَتَفَاضَلُ، فَأَقْوَاهُ مَا كَانَ لَفْظِيًّا، ثُمَّ أَقْوَى اللَّفْظِيِّ مَا كَانَ سَاكِنًا أَوْ مُتَّصِلًا وَأَقْوَى السَّاكِنِ مَا كَانَ لَازِمًا، وَأَضْعَفُهُ مَا كَانَ عَارِضًا. وَقَدْ يَتَفَاضَلُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لُزُومًا وَعُرُوضًا، فَأَقْوَاهُ مَا كَانَ مُدْغَمًا كَمَا تَقَدَّمَ وَيَتْلُو السَّاكِنَ الْعَارِضَ مَا كَانَ مُنْفَصِلًا، وَيَتْلُوهُ مَا تَقَدَّمَ الْهَمْزُ فِيهِ عَلَى حَرْفِ الْمَدِّ، وَهُوَ أَضْعَفُهَا. وَإِنَّمَا قُلْنَا: اللَّفْظِيُّ أَقْوَى مِنَ الْمَعْنَوِيِّ؛ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَيْهِ، وَكَانَ السَّاكِنُ أَقْوَى مِنَ الْهَمْزِ ; لِأَنَّ الْمَدَّ فِيهِ يَقُومُ مَقَامَ الْحَرَكَةِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ النُّطْقِ بِالسَّاكِنِ بِحَقِّهِ إِلَّا بِالْمَدِّ ; وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى مَدِّهِ قَدْرًا وَاحِدًا، وَكَانَ أَقْوَى مِنَ الْمُتَّصِلِ لِذَلِكَ، وَكَانَ الْمُتَّصِلُ أَقْوَى مِنَ الْمُنْفَصِلِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى مَدِّهِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ، وَلِاخْتِلَافِهِمْ فِي مَدِّ الْمُنْفَصِلِ وَقَصْرِهِ وَكَانَ الْمُنْفَصِلُ أَقْوَى مِمَّا تَقَدَّمَ فِيهِ الْهَمْزُ لِإِجْمَاعِ مَنِ اخْتَلَفَ فِي الْمَدِّ بَعْدَ الْهَمْزِ عَلَى مَدِّ الْمُنْفَصِلِ، فَمَتَى اجْتَمَعَ الشَّرْطُ وَالسَّبَبُ مَعَ اللُّزُومِ وَالْقُوَّةِ لَزِمَ الْمَدُّ وَوَجَبَ إِجْمَاعًا، وَمَتَى تَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا أَوِ اجْتَمَعَا ضَعِيفَيْنِ، أَوْ غُيِّرَ الشَّرْطُ أَوْ عَرَضَ وَلَمْ يَقْوَ السَّبَبُ - امْتَنَعَ الْمَدُّ إِجْمَاعًا، وَمَتَى ضَعُفَ أَحَدُهُمَا، أَوْ عَرَضَ السَّبَبُ، أَوْ غُيِّرَ - جَازَ الْمَدُّ وَعَدَمُهُ عَلَى خِلَافٍ بَيْنِهِمْ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي مُفَصَّلًا، وَمَتَى اجْتَمَعَ سَبَبَانِ عُمِلَ بِأَقْوَاهُمَا، وَأُلْغِيَ أَضْعَفُهُمَا إِجْمَاعًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْجَعْبَرِيِّ: إِنَّ الْقَوِيَّ يَنْسَخُ حُكْمَ الضَّعِيفِ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ مَسَائِلُ:
(الْأُولَى) : لَا يَجُوزُ مَدُّ نَحْوِ (خَلَوْا إِلَى، وَابْنَيْ آدَمَ) كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ لِضَعْفِ الشَّرْطِ بِاخْتِلَافِ حَرَكَةِ مَا قَبْلَهُ وَالسَّبَبُ بِالِانْفِصَالِ، وَيَجُوزُ مَدُّ نَحْوِ (سَوْءَةَ، وَهَيْئَةٌ) لِوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِقُوَّةِ السَّبَبِ بِالِاتِّصَالِ كَمَا يَجُوزُ مَدُّ " عَيْنٍ " وَ " هَذَيْنِ " فِي الْحَالَيْنِ وَنَحْوِ: الْمَوْتِ، وَاللَّيْلِ وَقْفًا لِقُوَّةِ السَّبَبِ بِالسُّكُونِ.
(الثَّانِيَةُ) : لَا يَجُوزُ الْمَدُّ فِي وَقْفِ
(1/351)

حَمْزَةَ وَهِشَامٍ عَلَى نَحْوِ (وَتَذُوقُوا السُّوءَ، وَحَتَّى تَفِيءَ) حَالَةَ النَّقْلِ إِنْ وُقِفَ بِالسُّكُونِ؛ لِتَغَيُّرِ حَرْفِ الْمَدِّ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ إِنَّهُ إِذْ ذَاكَ حَرْفُ مَدٍّ قَبْلَ هَمْزٍ مُغَيَّرٍ ; لِأَنَّ الْهَمْزَ لَمَّا زَالَ حُرِّكَ حَرْفُ الْمَدِّ، ثُمَّ سَكَنَ حَرْفُ الْمَدِّ لِلْوَقْفِ، وَأَمَّا قَوْلُ السَّخَاوِيِّ: وَتَقِفُ عَلَى (الْمُسِيءُ) بِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْيَاءِ وَحَذْفِ الْهَمْزَةِ، ثُمَّ تُسْكِنُ الْيَاءَ لِلْوَقْفِ وَلَا يَسْقُطُ الْمَدُّ ; لِأَنَّ الْيَاءَ وَإِنْ زَالَ سُكُونُهَا فَقَدْ عَادَ إِلَيْهَا - فَإِنْ أَرَادَ الْمَدَّ الَّذِي كَانَ قَبْلَ النَّقْلِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي إِسْقَاطِهِ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَدَّ الَّذِي هُوَ الصِّفَةُ اللَّازِمَةُ قَدْ عَادَ إِلَى الْيَاءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ حَالَةَ حَرَكَتِهَا بِالنَّقْلِ فَمُسَلَّمٌ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِثْلَ (هُوَ وَهِيَ) فِي الْوَقْفِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ: (وَهُوَ بِكُلِّ، وَهِيَ تَجْرِي) ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي (لِيَسُوءُوا) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثَةُ) : لَا يَجُوزُ عَنْ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ مَدُّ نَحْوِ (أَأَلِدُ، أَأَمِنْتُمْ مَنْ، وَ " جَاءَ أَجَلُهُمْ "، وَ " السَّمَاءِ إِلَى "، وَ " أَوْلِيَاءَ أُولَئِكَ ") حَالَةَ إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ حَرْفَ مَدٍّ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ مَدُّ نَحْوِ (آمَنُوا، وَإِيمَانٌ) وَأُوتِيَ لِعُرُوضِ حَرْفِ الْمَدِّ بِالْإِبْدَالِ، وَضِعْفِ السَّبَبِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى الشَّرْطِ، وَقِيلَ: لِلتَّكَافُؤِ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْدَالَهُ عَلَى غَيْرِ الْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْمَدُّ أَيْضًا غَيْرُ الْأَصْلِ، فَكَافَأَ الْقَصْرَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فَلَمْ يُمَدَّ، وَيَرِدُ عَلَى هَذَا طَرْدًا نَحْوُ (مَلْجَأً) فَإِنَّ إِبْدَالَ أَلِفِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَقَصْرِهِ إِجْمَاعٌ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ عَكْسًا نَحْوُ (أَأَنْذَرْتَهُمْ، وَجَاءَ أَمْرُنَا) فَإِنَّ إِبْدَالَ أَلِفِهِ عَلَى غَيْرِ الْأَصْلِ وَمَدِّهِ إِجْمَاعٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَنْعَ مَدِّهِ مِنْ ضَعْفِ سَبَبِهِ لِيَدْخُلَ نَحْوُ (مَلْجَأً) لِضَعْفِ السَّبَبِ، وَيَخْرُجُ نَحْوُ (أَأَنْذَرْتَهُمْ) لِقُوَّتِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي نَحْوِ (أَأَنْتُمْ، وَأَيُّنَا، وَأَأُنْزِلَ) فِي مَذْهَبِ مَنْ أَدْخَلَ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ أَلِفًا مِنَ الْأَلِفِ فِيهَا مُفَخَّمَةٌ جِيءَ بِهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ لِثِقَلِ اجْتِمَاعِهِمَا، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الِاعْتِدَادِ بِهَا؛ لِقُوَّةِ سَبَبِيَّةِ الْهَمْزِ، وَوُقُوعِهِ بَعْدَ حَرْفِ الْمَدِّ مِنْ كَلِمَةٍ، فَصَارَ مِنْ بَابِ الْمُتَّصِلِ، وَإِنْ كَانَتْ عَارِضَةً كَمَا اعْتَدَّ بِهَا مَنْ أَبْدَلَ وَمَدَّ لِسَبَبِيَّةِ السُّكُونِ
(1/352)

وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْكَافِي " فَقَالَ فِي بَابِ الْمَدِّ: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ هِشَامًا إِذَا اسْتَفْهَمَ وَأَدْخَلَ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ أَلِفًا يَمُدُّ الْأَلِفَ الَّتِي قَبْلَ الْهَمْزَةِ، قِيلَ: إِنَّمَا يَمُدُّ مِنْ أَجْلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ، فَهُوَ كَـ (خَائِفِينَ) وَنَحْوِهِ (وَقَالَ) فِي بَابِ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ: إِنَّ قَالُونَ وَأَبَا عَمْرٍو وَهِشَامًا يُدْخِلُونَ بَيْنَهُمَا أَلِفًا فَيَمُدُّونَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ " التَّيْسِيرِ " فِي مَسْأَلَةِ (هَاأَنْتُمْ) حَيْثُ قَالَ: وَمَنْ جَعَلَهَا - يَعْنِي الْهَاءَ - مُبْدَلَةً وَكَانَ مِمَّنْ يَفْصِلُ بِالْأَلِفِ زَادَ فِي التَّمْكِينِ سَوَاءٌ حَقَّقَ الْهَمْزَةَ أَوْ لَيَّنَهَا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا عِنْدَ ذِكْرِهَا فِي بَابِ الْهَمْزَةِ الْمُفْرَدَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْمُحَقِّقُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّدَادِ الْمَالِقِيُّ فِي شَرْحِ " التَّيْسِيرِ " مِنْ بَابِ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ، عِنْدَ قَوْلِهِ: وَقَالُونُ وَهِشَامٌ وَأَبُو عَمْرٍو يُدْخِلُونَهَا - أَيِ الْأَلِفَ - قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ الْمَدُّ بَيْنَ الْمُحَقَّقَةِ وَاللَّيِّنَةِ، إِلَّا أَنَّ مَدَّ هِشَامٍ أَطْوَلُ، وَمَدَّ السُّوسِيِّ أَقْصَرُ، وَمَدَّ قَالُونَ وَالدُّورِيِّ أَوْسَطُ، وَكُلُّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَدِّ الْمُتَّصِلِ. (قُلْتُ) : إِنَّمَا جَعَلَ مَدَّ السُّوسِيِّ أَقْصَرَ ; لِأَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى ظَاهِرِ كَلَامِ " التَّيْسِيرِ " مِنْ جَعْلِ مَرَاتِبِ الْمُتَّصِلِ خَمْسَةً، وَالدُّنْيَا مِنْهَا لِمَنْ قَصَرَ الْمُنْفَصِلَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَبِزِيَادَةِ الْمَدِّ قَرَأْتُ مِنْ طَرِيقِ " الْكَافِي " فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَذِهِ الْأَلِفِ؛ لِعَرْضِهَا وَلِضَعْفِ سَبَبِيَّةِ الْهَمْزِ عِنْدَ السُّكُونِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ كَافَّةً وَجُمْهُورِ الْمِصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ، وَعَامَّةِ أَهْلِ الْأَدَاءِ. وَحَكَى بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو الْفَخْرِ حَامِدُ بْنُ حَسْنَوَيْهِ الْجَاجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ " حِلْيَةُ الْقُرَّاءِ " عِنْدَ ذِكْرِهِ أَقْسَامَ الْمَدِّ: أَمَّا مَدُّ الْحَجْزِ، فَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: (أَأَنْذَرْتَهُمْ، وَأَؤُنَبِّئُكُمْ، وَ " أَإِذَا) وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَدَّ الْحَجْزِ ; لِأَنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ حَاجِزًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَثْقِلُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ، فَتُدْخِلُ بَيْنَهُمَا مَدَّةً تَكُونُ حَاجِزَةً بَيْنَهُمَا لِإِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى، قَالَ: وَمِقْدَارُهُ أَلِفٌ تَامَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ
(1/353)

الْحَجْزَ يَحْصُلُ بِهَذَا الْقَدْرِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الزِّيَادَةِ. انْتَهَى، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ; لِأَنَّ الْمَدَّ إِنَّمَا جِيءَ بِهِ زِيَادَةً عَلَى حَرْفِ الْمَدِّ الثَّابِتِ؛ بَيَانًا لَهُ وَخَوْفًا مِنْ سُقُوطِهِ لِخَفَائِهِ، وَاسْتِعَانَةً عَلَى النُّطْقِ بِالْهَمْزِ بَعْدَهُ لِصُعُوبَتِهِ، وَإِنَّمَا جِيءَ بِهَذِهِ الْأَلِفِ زَائِدَةً بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ؛ فَصْلًا بَيْنَهُمَا وَاسْتِعَانَةً عَلَى الْإِتْيَانِ بِالثَّانِيَةِ، فَزِيَادَتُهَا هُنَا كَزِيَادَةِ الْمَدِّ فِي حَرْفِ الْمَدِّ، ثُمَّ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ أُخْرَى، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى بِالْقِيَاسِ وَالْأَدَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعَةُ) يَجُوزُ الْمَدُّ وَعَدَمُهُ لِعُرُوضِ السَّبَبِ، وَيَقْوَى بِحَسَبِ قُوَّتِهِ، وَيَضْعُفُ بِحَسَبَ ضَعْفِهِ، فَالْمَدُّ فِي نَحْوِ: نَسْتَعِينُ، وَيُؤْمِنُونَ، وَقْفًا عِنْدَ مَنِ اعْتَدَّ بِسُكُونِهِ أَقْوَى مِنْهُ فِي نَحْوِ (إِيذَنْ، وَأُؤْتُمِنَ) ابْتِدَاءً عِنْدَ مَنِ اعْتَدَّ بِهَمْزَةٍ؛ لِضَعْفِ سَبَبِ تَقَدُّمِ الْهَمْزِ عَنْ سُكُونِ الْوَقْفِ ; وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَصَحُّ إِجْرَاءَ الثَّلَاثَةِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ ثَمَّ جَرَتِ الثَّلَاثَةُ فِي الْوَقْفِ عَلَى (ايْتِ) حَالَةَ الِابْتِدَاءِ؛ لِقُوَّةِ سَبَبِ السُّكُونِ عَلَى سَبَبِ الْهَمْزِ الْمُتَقَدِّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسَةُ) يَجُوزُ الْمَدُّ وَعَدَمُهُ إِذَا غُيِّرَ سَبَبُ الْمَدِّ عَنْ صِفَتِهِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا كَانَ الْمَدُّ، سَوَاءٌ كَانَ السَّبَبُ هَمْزًا أَوْ سُكُونًا، وَسَوَاءٌ كَانَ تَغْيِيرُ الْهَمْزِ بَيْنَ بَيْنَ، أَوْ بِالْإِبْدَالِ، أَوْ بِالنَّقْلِ، أَوْ بِالْحَذْفِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ كَلِمَتَيْنِ وَوَقْفِ حَمْزَةَ وَهِشَامٍ وَقِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَالْمَدُّ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ الَّذِي آلَ إِلَيْهِ اللَّفْظُ وَاسْتِصْحَابُ حَالِهِ فِيمَا كَانَ أَوَّلًا وَتَنْزِيلُ السَّبَبِ الْمُغَيَّرِ كَالثَّابِتِ وَالْمَعْدُومِ - كَالْمَلْفُوظِ وَالْقَصْرِ اعْتِدَادًا بِمَا عَرَضَ لَهُ مِنَ التَّغَيُّرِ وَالِاعْتِبَارِ بِمَا صَارَ إِلَيْهِ اللَّفْظُ. وَالْمَذْهَبَانِ قَوِيَّانِ، وَالنَّظَرَانِ صَحِيحَانِ مَشْهُورَانِ مَعْمُولٌ بِهِمَا نَصًّا وَأَدَاءً، قَرَأْتُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَالْأَوَّلُ أَرَجَحُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ، وَابْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي الْعِزِّ الْقَلَانِسِيِّ، وَالشَّاطِبِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ مَنْ مَدَّ عَامَلَ الْأَصْلَ، وَمَنْ قَصَرَ عَامَلَ اللَّفْظَ، وَمُعَامَلَةُ الْأَصْلِ أَوْجَهُ وَأَقْيَسُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْجَعْبَرِيِّ، وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ فِيمَا ذَهَبَ بِالتَّغَيُّرِ اعْتِبَاطًا: هُوَ الثَّانِي، وَفِيمَا بَقِيَ
(1/354)

لَهُ أَثَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ: هُوَ الْأَوَّلُ؛ تَرْجِيحًا لِلْمَوْجُودِ عَلَى الْمَعْدُومِ. فَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْرٍ الدَّاجُونِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَصْحَابِهِ، عَنْ نَافِعٍ فِي الْهَمْزَتَيْنِ الْمُتَّفِقَتَيْنِ نَحْوُ (السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ) قَالَ: يَهْمِزُونَ وَلَا يُطَوِّلُونَ (السَّمَاءِ) وَلَا يَهْمِزُونَهَا، وَهَذَا نَصٌّ مِنْهُ عَلَى الْقَصْرِ مِنْ أَجْلِ الْحَذْفِ، وَهُوَ عَيْنُ مَا قُلْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، تَرْجِيحُ الْمَدِّ عَلَى الْقَصْرِ لِأَبِي جَعْفَرٍ فِي قِرَاءَتِهِ (إِسْرَايِيلَ) وَنَحْوِهِ بِالتَّلْيِينِ؛ لِوُجُودِ أَثَرِ الْهَمْزَةِ، وَمَنْعِ الْمَدِّ فِي (شُرَكَايَ) وَنَحْوِهِ فِي رِوَايَةِ مَنْ حَذَفَ الْهَمْزَةَ عَنِ الْبَزِّيِّ لِذَهَابِ الْهَمْزَةِ، وَقَدْ يُعَارِضُ اسْتِصْحَابَ الْحُكْمِ مَانِعٌ آخَرُ، فَيَتَرَجَّحُ الِاعْتِدَادُ بِالْعَارِضِ، أَوْ يَمْتَنِعُ أَلْبَتَّةَ ; وَلِذَلِكَ يَسْتَثْنِي جَمَاعَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَعْتَدَّ بِالْعَارِضِ لِوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ (آلْآنَ) فِي مَوْضِعَيْ يُونُسَ لِعَارِضٍ غَلَبَهُ التَّخْفِيفُ بِالنَّقْلِ ; وَلِذَلِكَ خَصَّ نَافِعٌ نَقْلَهَا مِنْ أَجْلِ تَوَالِي الْهَمَزَاتِ، فَأَشْبَهَتِ اللَّازِمَ، وَقِيلَ: لِثِقَلِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَدَّيْنِ، فَلَمْ يَعْتَدَّ بِالثَّانِيَةِ لِحُصُولِ الثِّقَلِ بِهَا، وَاسْتَثْنَى الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ (عَادًا الْأُولَى) لِغَلَبَةِ التَّغْيِيرِ، وَتَنْزِيلِهِ بِالْإِدْغَامِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِثْنَاءِ (يُوَاخِذُ) ؛ لِلُزُومِ الْبَدَلِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي الِابْتِدَاءِ بِنَحْوِ (الْإِيمَانِ، الْمَوْلَى، آلْآنَ) سِوَى الْقَصْرِ لِغَلَبَةِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَجُوزُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ إِلَّا الْمَدُّ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحُكْمِ، أَوِ الْقَصْرُ عَلَى الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ، وَلَا يَجُوزُ التَّوَسُّطُ إِلَّا بِرِوَايَةٍ، وَلَا نَعْلَمُهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ عُرُوضِ الْمُوجِبِ وَتَغْيِيرِهِ وَاضِحٌ سَيَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ الْعَاشِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فُرُوعٌ:
(الْأَوَّلُ) إِذَا قُرِئَ لِأَبِي عَمْرٍو وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى نَحْوِ (هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) بِحَذْفِ إِحْدَى الْهَمْزَتَيْنِ فِي وَجْهِ قَصْرِ الْمُنْفَصِلِ وَقُدِّرَ حَذْفُ الْأُولَى فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، فَالْقَصْرُ فِيهَا لِانْفِصَالِهِ مَعَ وَجْهَيِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ فِي (أُولَاءِ إِنْ كُنْتُمْ) لِعُرُوضِ الْحَذْفِ وَلِلِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ، فَإِذَا قُرِئَ فِي وَجْهِ الْمَدِّ الْمُنْفَصِلِ فَالْمَدُّ فِي (هَا) مَعَ الْمَدِّ فِي (أُولَاءِ إِنْ) وَجْهًا وَاحِدًا، وَلَا يَجُوزُ الْمَدُّ فِي (هَا) مَعَ قَصْرِ (أُولَاءِ إِنْ) ; لِأَنَّ (أُولَاءِ) لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُقَدَّرَ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا، فَإِنْ قُدِّرَ مُنْفَصِلًا مُدَّ مَعَ مَدِّ (هَا) أَوْ قُصِرَ مَعَ قَصْرِهَا، وَإِنْ قُدِّرَ مُتَّصِلًا
(1/355)

مُدَّ مَعَ قَصْرِ (هَا) فَلَا وَجْهَ حِينَئِذٍ لِمَدِّ (هَا) الْمُتَّفَقِ عَلَى انْفِصَالِهِ وَقَصْرِ (أُولَاءِ) الْمُخْتَلَفِ فِي اتِّصَالِهِ، وَيَكُونُ جَمِيعُ مَا فِيهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ فَحَسْبُ.
(الثَّانِي) إِذَا قُرِئَ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ لَقَالُونَ وَمَنْ وَافَقَهُ بِتَسْهِيلِ الْأُولَى - فَالْأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الْمَذْكُورَةُ جَائِزَةٌ، فَمَعَ قَصْرِ (هَا) الْمَدِّ وَالْقَصْرِ فِي (أُولَاءِ) وَمَعَ مَدِّ (هَا) كَذَلِكَ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ إِلَّا اعْتِدَادًا بِالْعَارِضِ، إِلَّا أَنَّ الْمَدَّ فِي (هَا) مَعَ الْقَصْرِ فِي (أُولَاءِ) يَضْعُفُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ سَبَبَ الِاتِّصَالِ - وَلَوْ تَغَيَّرَ - أَقْوَى مِنَ الِانْفِصَالِ؛ لِإِجْمَاعِ مَنْ رَأَى قَصْرَ الْمُنْفَصِلِ عَلَى جَوَازِ مَدِّ الْمُتَّصِلِ، وَإِنْ غُيِّرَ سَبَبُهُ دُونَ الْعَكْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) إِذَا قُرِئَ (هَانْتُمْ هَؤُلَاءِ) لِأَبِي عَمْرٍو وَقَالُونَ، وَقُدِّرَ أَنَّ (هَا) فِي (هَانْتُمْ) لِلتَّنْبِيهِ، فَمَنْ مَدَّ الْمُنْفَصِلَ عَنْهُمَا جَازَ لَهُ فِي " هَانْتُمْ " وَجْهَانِ؛ لِتَغَيُّرِ الْهَمْزِ، وَمَنْ قَصَرَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إِلَّا الْقَصْرُ فِيهِمَا، وَلَا يَجُوزُ مَدُّ (هَا) مِنْ " هَانْتُمْ " وَقَصْرُ (هَا) مِنْ (هَؤُلَاءِ) إِذْ لَا وَجْهَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ.
(الرَّابِعُ) إِذَا قُرِئَ لِحَمْزَةَ وَهِشَامٍ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ نَحْوُ (هُمُ السُّفَهَاءُ، وَمِنَ السَّمَاءِ) وَقْفًا فِي وَجْهِ الرَّوْمِ جَازَ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَإِذَا قُرِئَ بِالْبَدَلِ وَقُدِّرَ حَذْفُ الْمُبْدَلِ فَالْمَدُّ عَلَى الْمَرْجُوحِ وَالْقَصْرُ عَلَى الْأَرْجَحِ مِنْ أَجْلِ الْحَذْفِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ فِي نَحْوِ (هَؤُلَاءِ) إِذَا وُقِفَ عَلَيْهَا بِالرَّوْمِ لِحَمْزَةَ، وَسُهِّلَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى لِتَوَسُّطِهَا بَعْدَ الْأَلِفِ جَازَ فِي الْأَلِفَيْنِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ مَعًا لِتَغَيُّرِ الْهَمْزَتَيْنِ بَعْدَ حَرْفَيِ الْمَدِّ، وَلَا يَجُوزُ مَدُّ أَحَدِهِمَا وَقَصْرُ الْآخَرِ مِنْ أَجْلِ التَّرْكِيبِ، وَإِنْ وَقَفَ بِالْبَدَلِ وَقُدِّرَ الْحَذْفُ كَمَا تَقَدَّمَ جَازَ فِي أَلِفِ (هَا) الْوَجْهَانِ مَعَ قَصْرِ أَلِفِ (أُولَاءِ) عَلَى الْأَرْجَحِ؛ لِبَقَاءِ أَثَرِ التَّغَيُّرِ فِي الْأُولَى وَذَهَابِهِ إِلَى الثَّانِيَةِ، وَجَازَ مَدُّهُمَا وَقَصْرُهُمَا كَمَا جَازَ فِي وَجْهِ الرَّوْمِ عَلَى وَجْهِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا بَقِيَ أَثَرُهُ وَذَهَبَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بِحَقِّهِ فِي بَابِ وَقْفِ حَمْزَةَ وَهِشَامٍ عَلَى الْهَمْزِ.
(الْخَامِسُ) لَوْ وُقِفَ عَلَى زَكَرِيَّا لِهِشَامٍ فِي وَجْهِ التَّخْفِيفِ جَازَ حَالَةَ الْبَدَلِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ جَرْيًا عَلَى الْقَاعِدَةِ، فَلَوْ وُقِفَ عَلَيْهِ لِحَمْزَةَ لَمْ يَجُزْ لَهُ سِوَى الْقَصْرِ؛ لِلُزُومِ التَّخْفِيفِ لُغَةً ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِوَرْشٍ فِي نَحْوِ (تَرَى) سِوَى الْقَصْرِ.
(السَّادِسُ)
(1/356)

لَا يَمْتَنِعُ بِعُمُومِ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ إِجْرَاءُ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ فِي حَرْفِ الْمَدِّ بَعْدَ الْهَمْزِ الْمُغَيَّرِ فِي مَذْهَبِ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، بَلِ الْقَصْرُ ظَاهِرُ عِبَارَةِ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ " وَ " الْكَامِلِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْوَجِيزِ " ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَثْنِ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَا أَجْمَعَ عَلَى اسْتِثْنَائِهِ مِنْ ذَلِكَ نَحْوُ (يُؤَاخِذُ) وَلَا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ (آلْآنَ، وَعَادًا الْأُولَى) وَلَا مَثَّلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُغَيَّرِ وَلَا تَعَرَّضُوا لَهُ، وَلَمْ يَنُصُّوا إِلَّا عَلَى الْهَمْزِ الْمُحَقَّقِ، وَلَا مَثَّلُوا إِلَّا بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا صَرِيحٌ، أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ، وَلَهُ وَجْهٌ قَوِيٌّ، وَهُوَ ضَعْفُ سَبَبِ الْمَدِّ بِالتَّقَدُّمِ وَضَعْفُهُ بِالتَّغَيُّرِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي نَحْوِ (مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) فَمَنْ لَمْ يَعْتَدَّ بِالْعَارِضِ فِي (الْآخِرِ) سَاوَى بَيْنَ " آمَنَّا " وَبَيْنَ " الْآخِرِ " مَدًّا وَتَوَسُّطًا وَقَصْرًا، وَمَنِ اعْتَدَّ بِهِ مَدًّا تَوَسَّطَ فِي (آمَنَّا) وَقَصَرَ فِي " الْآخِرِ "، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ فِي الْبَابِ كُلِّهِ سِوَى مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَبِهِ قَرَأْتُ وَبِهِ آخُذُ، وَلَا أَمْنَعُ الِاعْتِدَادَ بِالْعَارِضِ خُصُوصًا مَنْ طُرُقِ مَنْ ذَكَرْتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّابِعُ) (آلْآنَ) فِي مَوْضِعَيْ يُونُسَ إِذَا قُرِئَ لِنَافِعٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَجْهُ إِبْدَالِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ أَلِفًا، وَنَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ اللَّامِ إِلَيْهَا - جَازَ لَهُمَا فِي هَذِهِ الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ الْمَدُّ بِاعْتِبَارِ اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْمَدِّ لِلسَّاكِنِ وَالْقَصْرُ بِاعْتِبَارِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنْ وُقِفَ لَهُمَا عَلَيْهَا جَازَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْأَلِفِ الَّتِي بَعْدَ اللَّامِ مَا يَجُوزُ لِكَوْنِ الْوَقْفِ، وَهُوَ الْمَدُّ وَالتَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ يَجُوزُ أَيْضًا لِحَمْزَةَ فِي حَالِ وَقْفِهِ بِالنَّقْلِ. وَأَمَّا وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ فَلَهُ حُكْمٌ آخَرُ مِنْ حَيْثُ وُقُوعِ كُلٍّ مِنَ الْأَلِفَيْنِ بَعْدَ الْهَمْزِ، إِلَّا أَنَّ الْهَمْزَةَ الْأُولَى مُحَقَّقَةٌ، وَالثَّانِيَةَ مُغَيَّرَةٌ بِالنَّقْلِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِبْدَالِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهَا الْأَلِفُ الْأُولَى وَفِي تَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى إِبْدَالَهَا لَازِمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ جَائِزًا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى تَسْهِيلَهَا لَازِمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ جَائِزًا، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ الْبَدَلِ يَلْتَحِقُ بِبَابِ الْمَدِّ الْوَاقِعِ بَعْدَ هَمْزٍ، وَيَصِيرُ حُكْمُهَا حُكْمَ (آمَنَ) فَيَجْرِي فِيهَا لِلْأَزْرَقِ الْمَدُّ وَالتَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ، وَعَلَى
(1/357)

الْقَوْلِ الْآخَرِ بِجَوَازِ الْبَدَلِ يَلْتَحِقُ بَابَ (آنْذَرْتَهُمْ، وَآلِدُ) لِلْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ، فَيَجْرِي فِيهَا حُكْمُ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ، فَيُقْصَرُ مِثْلُ (أَأَلِدُ) وَعَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهِ فَيُمَدُّ كَـ (آنْذَرْتَهُمْ) وَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ (آمَنَ) وَشِبْهِهِ، فَذَلِكَ لَا يَجْرِي فِيهَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَوَسُطٌ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ فِي الْأَلِفِ الْأُخْرَى، فَإِذَا قُرِئَ بِالْمَدِّ فِي الْأُولَى جَازَ فِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ الْمَدُّ وَالتَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ، فَالْمَدُّ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ فِيهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ لُزُومِ الْبَدَلِ فِي الْأُولَى، وَعَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِهِ فِيهَا إِنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِالْعَارِضِ. وَهَذَا فِي " التَّبْصِرَةِ " لِمَكِّيٍّ وَفِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَيُحْتَمَلُ لِصَاحِبِ " التَّجْرِيدِ "، وَالتَّوَسُّطُ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ مَدِّ الْأُولَى بِهَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُوَ فِي " التَّيْسِيرِ " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَالْقَصْرُ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ الْأُولَى، وَعَلَى تَقْدِيرِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ فِي الثَّانِيَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ لُزُومِ الْبَدَلِ فِي الْأُولَى، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ فِيهَا لِتَصَادُمِ الْمَذْهَبَيْنِ، وَهَذَا الْوَجْهُ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْكَافِي " وَفِي " الشَّاطِبِيَّةِ " أَيْضًا، وَيُحْتَمَلُ لِصَاحِبِ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَ " التَّجْرِيدِ " وَ " الْوَجِيزِ "، وَإِذَا قُرِئَ بِالتَّوَسُّطِ فِي الْأُولَى جَازَ فِي الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ، وَهُمَا التَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ، وَيَمْتَنِعُ الْمَدُّ فِيهَا مِنْ أَجْلِ التَّرْكِيبِ، فَتَوَسُّطُ الْأُولَى عَلَى تَقْدِيرِ لُزُومِ الْبَدَلِ، وَتَوَسُّطُ الثَّانِيَةِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ فِيهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ طَرِيقُ أَبِي الْقَاسِمِ خَلَفِ بْنِ خَاقَانَ، وَهُوَ أَيْضًا فِي " التَّيْسِيرِ "، وَيَخْرُجُ مِنَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَيَظْهَرُ مِنْ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ " وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَصْرُ الثَّانِيَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ فِيهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ لُزُومِ الْبَدَلِ فِي الْأُولَى، وَهُوَ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَيَخْرُجُ مِنَ الشَّاطِبِيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ مِنْ تَلْخِيصِ ابْنِ بَلِّيمَةَ وَ " الْوَجِيزِ ". وَإِذَا قُرِئَ بِقَصْرِ الْأُولَى جَازَ فِي الثَّانِيَةِ الْقَصْرُ لَيْسَ إِلَّا ; لِأَنَّ قَصْرَ الْأُولَى إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ لُزُومِ الْبَدَلِ فَيَكُونُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يَرَ الْمَدَّ بَعْدَ الْهَمْزِ كَطَاهِرِ بْنِ غَلْبُونَ فَعَدَمُ جَوَازِهِ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِ الْبَدَلِ وَالِاعْتِدَادِ مَعَهُ بِالْعَارِضِ كَظَاهِرِ مَا يَخْرُجُ مِنَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاعْتِدَادُ بِالْعَارِضِ فِي الثَّانِيَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى
(1/358)

فَيَمْتَنِعُ إِذًا مَعَ قَصْرِ الْأُولَى مَدُّ الثَّانِيَةِ وَتَوَسُّطُهَا، فَخُذْ تَحْرِيرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِجَمِيعِ أَوْجُهِهَا، وَطُرُقِهَا، وَتَقْدِيرَاتِهَا، وَمَا يَجُوزُ وَمَا يَمْتَنِعُ، فَلَسْتَ تَرَاهُ فِي غَيْرِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ، وَلِي فِيهَا إِمْلَاءٌ قَدِيمٌ لَمْ أَبْلُغْ فِيهِ هَذَا التَّحْقِيقَ، وَلِغَيْرِي عَلَيْهَا أَيْضًا كَلَامٌ مُفْرَدٌ بِهَا، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْتُ هُنَا، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، وَقَدْ نَظَمْتُ هَذِهِ الْأَوْجَهَ الَّتِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَبْدَلَ، فَقُلْتُ:
لِلْأَزْرَقِ فِي الْآنَ سِتَّةُ أَوْجُهٍ ... عَلَى وَجْهِ إِبْدَالٍ لَدَى وَصْلِهِ تَجْرِي
فَمُدَّ وَثَلِّثْ ثَانِيًا ثُمَّ وَسِّطَنْ ... بِهِ وَبِقَصْرٍ ثُمَّ بِالْقَصْرِ مَعَ قَصْرِ
وَقَوْلِي لَدَى وَصْلِهِ قَيْدٌ لِيُعْلَمَ أَنَّ وَقْفَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ الْمُمْتَنَعَةَ حَالَةَ الْوَصْلِ تَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ نَقَلَ فِي حَالَةِ الْوَقْفِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلِي عَلَى وَجْهِ إِبْدَالٍ لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ السِّتَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ إِبْدَالِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ أَلِفًا، أَمَّا عَلَى وَجْهِ تَسْهِيلِهَا فَيَظْهَرُ لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فِي الْأَلِفِ الثَّانِيَةِ.
(الْمَدُّ) وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّاطِبِيِّ وَكَلَامِ الْهُذَيْلِ، وَيَحْتَمِلُهُ كِتَابُ " الْعُنْوَانِ ".
(وَالتَّوَسُّطُ) طَرِيقُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ، وَهُوَ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّاطِبِيِّ أَيْضًا.
(وَالْقَصْرُ) وَهُوَ غَرِيبٌ فِي طَرِيقِ الْأَزْرَقِ ; لِأَنَّ أَبَا الْحَسَنِ طَاهِرَ بْنَ غَلْبُونَ وَابْنَ بَلِّيمَةَ اللَّذَيْنِ رَوَيَا عَنْهُ الْقَصْرَ فِي بَابِ " آمَنَ " مَذْهَبُهُمَا فِي هَمْزَةِ الْوَصْلِ الْإِبْدَالُ لَا التَّسْهِيلُ، وَلَكِنَّهُ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّاطِبِيِّ مُخَرَّجٌ مِنِ اخْتِيَارِهِ، وَيَحْتَمِلُ احْتِمَالًا قَوِيًّا فِي " الْعُنْوَانِ "، نَعَمْ هُوَ طَرِيقُ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ وَرْشٍ، وَهُوَ أَيْضًا لَقَالُونَ وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّامِنُ) إِذَا قُرِئَ (الم) بِالْوَصْلِ جَازَ لِكُلٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ فِي الْيَاءِ مِنْ (مِيمِ) الْمَدُّ، وَالْقَصْرُ بِاعْتِبَارِ اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْمَدِّ وَالِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِوَرْشٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عَنِ النَّقْلِ فِي (الم، أَحَسِبَ) الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ بِالْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى تَرْكِ الْمَدِّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَّاسُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ خَيْرُونَ الْقَيْرَوَانِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِمَا، عَنْ وَرْشٍ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: وَالْوَجْهَانِ جَيِّدَانِ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَيْضًا أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ
(1/359)

الْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ فِي " التَّذْكِرَةِ ": وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَسَنٌ غَيْرَ أَنِّي بِغَيْرِ مَدٍّ قَرَأْتُ فِيهِمَا، وَبِهِ آخُذُ.
(قُلْتُ) : إِنَّمَا رُجِّحَ الْقَصْرُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ السَّاكِنَ ذَهَبَ بِالْحَرَكَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْفَاسِيِّ: وَلَوْ أُخِذَ بِالتَّوَسُّطِ فِي ذَلِكَ مُرَاعَاةً لِجَانِبَيِ اللَّفْظِ وَالْحُكْمِ لَكَانَ وَجْهًا - فَإِنَّهُ تَفَقُّهٌ وَقِيَاسٌ لَا يُسَاعِدُهُ نَقْلٌ، وَسَيَأْتِي عِلَّةُ مَنْعِهِ وَالْفَرْقُ فِي التَّنْبِيهِ الْعَاشِرِ قَرِيبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّاسِعُ) إِذَا قُرِئَ لِوَرْشٍ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْمُتَّفِقَتَيْنِ فِي كَلِمَتَيْنِ حَرْفَ مَدٍّ وَحُرِّكَ مَا بَعْدَ الْحَرْفِ الْمُبْدَلِ بِحَرَكَةٍ عَارِضَةٍ وَصْلًا، إِمَّا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ نَحْوُ (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) أَوْ بِإِلْقَاءِ الْحَرَكَةِ نَحْوُ (عَلَى الْبِغَا إِنْ أَرَدْنَ) ، وَلِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ جَازَ الْقَصْرُ إِنِ اعْتُدَّ بِحَرَكَةِ الثَّانِي، فَيَصِيرُ مِثْلَ (فِي السَّمَا إِلَهٌ) ، وَجَازَ الْمَدُّ إِنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا فَيَصِيرُ مِثْلَ (هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ) ، وَذَلِكَ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ.
(الْعَاشِرُ) تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَسُّطُ فِيمَا تَغَيَّرَ سَبَبُ الْمَدِّ فِيهِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَجُوزُ فِيمَا تَغَيَّرَ سَبَبُ الْقَصْرِ نَحْوُ (نَسْتَعِينُ) . فِي الْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ فِيهِمَا وَعَدَمِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَدَّ فِي الْأَوَّلِ هُوَ الْأَصْلُ، ثُمَّ عَرَضَ التَّغْيِيرُ فِي السَّبَبِ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يُعْتَدُّ بِالْعَارِضِ فَمُدَّ عَلَى الْأَصْلِ، وَحَيْثُ اعْتُدَّ بِالْعَارِضِ قُصِرَ إِذَا كَانَ الْقَصْرُ ضِدًّا لِلْمَدِّ، وَالْقَصْرُ لَا يَتَفَاوَتُ، وَأَمَّا الْقَصْرُ فِي الثَّانِي فَإِنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ عَدَمًا لِلِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ، فَهُوَ كَالْمَدِّ فِي الْأَوَّلِ، ثُمَّ عَرَضَ سَبَبُ الْمَدِّ، وَحَيْثُ اعْتُدَّ بِالْعَارِضِ مُدَّ، وَإِنْ كَانَ ضِدًّا لِلْقَصْرِ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَفَاوَتُ طُولًا وَتَوَسُّطًا، فَأَمْكَنَ التَّفَاوُتُ فِيهِ، وَاطَّرَدَتْ فِي ذَلِكَ الْقَاعِدَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) فِي الْعَمَلِ بِأَقْوَى السَّبَبَيْنِ، وَفِيهِ فُرُوعٌ:
(الْأَوَّلُ) إِذَا قُرِئَ نَحْوُ قَوْلِهِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، وَ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ، وَ (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) لِحَمْزَةَ فِي مَذْهَبِ مَنْ رَوَى الْمَدَّ لِلْمُبَالَغَةِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي ذَلِكَ السَّبَبُ
(1/360)

اللَّفْظِيُّ وَالْمَعْنَوِيُّ، وَاللَّفْظِيُّ أَقْوَى كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَمُدُّ لَهُ فِيهِ مَدًّا مُشْبَعًا عَلَى أَصْلِهِ فِي الْمَدِّ لِأَجْلِ الْهَمْزَةِ، كَمَا يَمُدُّ (بِمَا أُنْزِلَ) وَيُلْغَى الْمَعْنَوِيُّ فَلَا يَقْرَأُ فِيهِ بِالتَّوَسُّطِ لَهُ كَمَا لَا يَقْرَأُ (لَا رَيْبَ فِيهِ) وَ (لَا جَرَمَ) وَ (لَا عِوَجَ) وَشِبْهُهُ؛ إِعْمَالًا لِلْأَقْوَى وَإِلْغَاءً لِلْأَضْعَفِ.
(الثَّانِي) إِذَا وَقَفْتَ عَلَى نَحْوِ (يَشَاءُ) وَ (تَفِيءَ) وَ (السُّوءَ) بِالسُّكُونِ، لَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا لِلْوَقْفِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ التَّوَسُّطُ وِفْقًا لِمَنْ مَذْهَبُهُ الْإِشْبَاعُ وَصْلًا، بَلْ يَجُوزُ عَكْسُهُ، وَهُوَ الْإِشْبَاعُ وِفْقًا لِمَنْ مَذْهَبُهُ التَّوَسُّطُ وَصْلًا إِعْمَالًا لِلسَّبَبِ الْأَصْلِيِّ دُونَ السَّبَبِ الْعَارِضِ، فَلَوْ وَقَفَ الْقَارِئُ لِأَبِي عَمْرٍو مَثَلًا عَلَى (السَّمَاءِ) بِالسُّكُونِ، فَإِنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِالْعَارِضِ كَانَ مِثْلُهُ فِي حَالَةِ الْوَصْلِ، وَيَكُونُ كَمَنْ وَقَفَ لَهُ عَلَى (الْكِتَابُ، وَالْحِسَابِ) بِالْقَصْرِ حَالَةَ السُّكُونِ، وَإِنِ اعْتُدَّ بِالْعَارِضِ زِيدَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْإِشْبَاعِ، وَيَكُونُ كَمَنْ وَقَفَ بِزِيَادَةِ الْمَدِّ فِي الْكِتَابِ وَالْحِسَابِ، وَلَوْ وَقَفَ مَثَلًا عَلَيْهِ لِوَرْشٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ غَيْرُ الْإِشْبَاعِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ مَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ تَوَسُّطٍ أَوْ قَصْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ سُكُونِ الْوَقْفِ ; لِأَنَّ سَبَبَ الْمَدِّ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَمْ يَعْرِضْ حَالَةَ الْوَقْفِ، بَلِ ازْدَادَ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِهِ بِسُكُونِ الْوَقْفِ، وَلَمْ يَجُزْ لِوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ فِي الْوَقْفِ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا الْمَدُّ وَالتَّوَسُّطُ، وَيَمْتَنِعُ لَهُ الْقَصْرُ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) إِذَا وُقِفَ لِوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ عَلَى نَحْوِ (يَسْتَهْزِئُونَ، وَمُتَّكِئِينَ، وَالْمَآبِ) فَمَنْ رَوَى عَنْهُ الْمَدَّ وَصْلًا وَقَفَ كَذَلِكَ، سَوَاءٌ اعْتَدَّ بِالْعَارِضِ، أَوْ لَمْ يَعْتَدَّ، وَمَنْ رَوَى التَّوَسُّطَ وَصْلًا وَقَفَ بِهِ إِنْ لَمْ يَعْتَدَّ بِالْعَارِضِ، وَبِالْمَدِّ إِنِ اعْتَدَّ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَنْ رَوَى الْقَصْرَ كَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ وَأَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ بَلِّيمَةَ وَقَفَ كَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَعْتَدَّ بِالْعَارِضِ وَبِالتَّوَسُّطِ، أَوِ الْإِشْبَاعِ إِنِ اعْتَدَّ بِهِ، وَتَقَدَّمَ.
(الرَّابِعُ) إِذَا قُرِئَ لَهُ أَيْضًا نَحْوُ (رَأَى أَيْدِيَهُمْ، وَجَاءُوا أَبَاهُمْ، وَالسُّوءَى
(1/361)

أَنْ كَذَّبُوا) وَصْلًا مَدَّ وَجْهًا وَاحِدًا مُشْبَعًا عَمَلًا بِأَقْوَى السَّبَبَيْنِ، وَهُوَ الْمَدُّ لِأَجْلِ الْهَمْزِ بَعْدَ حَرْفِ الْمَدِّ فِي (أَيْدِيَهُمْ، وَأَبَاهُمْ، وَأَنْ كَذَّبُوا) فَإِنْ وَقَفَ عَلَى (رَأَى، وَجَاءُوا، وَالسُّوءَى) جَازَتِ الثَّلَاثَةُ الْأَوْجُهِ بِسَبَبِ تَقَدُّمِ الْهَمْزِ عَلَى حَرْفِ الْمَدِّ، وَذَهَابِ سَبَبِيَّةِ الْهَمْزِ بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي نَحْوِ (بُرَآءُ، وَآمِّينَ الْبَيْتَ) إِلَّا الْإِشْبَاعُ وَجْهًا وَاحِدًا فِي الْحَالَيْنِ؛ تَغْلِيبًا لِأَقْوَى السَّبَبَيْنِ، وَهُوَ الْهَمْزُ وَالسُّكُونُ، وَأُلْغِيَ الْأَضْعَفُ، وَهُوَ تَقَدُّمُ الْهَمْزِ عَلَيْهِ.
(الْخَامِسُ) إِذَا وَقَفَ عَلَى الْمُشَدَّدِ بِالسُّكُونِ نَحْوُ (صَوَافَّ، وَدَوَابٌّ، وَتُبَشِّرُونَ) عِنْدَ مَنْ شَدَّدَ النُّونَ. وَكَذَلِكَ (الَّذَانِ، وَالَّذَيْنِ، وَهَاتَيْنِ) فَمُقْتَضَى إِطْلَاقِهِمْ لَا فَرْقَ فِي قَدْرِ هَذَا الْمَدِّ وَقْفًا وَوَصْلًا، وَلَوْ قِيلَ بِزِيَادَتِهِ فِي الْوَقْفِ عَلَى قَدْرِهِ فِي الْوَصْلِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، فَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِزِيَادَةِ مَا شُدِّدَ عَلَى غَيْرِ الْمُشَدَّدِ، وَزَادُوا مَدَّ (لام) مِنْ (الم) عَلَى مَدِّ (ميم) مِنْ أَجْلِ التَّشْدِيدِ، فَهَذَا أَوْلَى لِاجْتِمَاعِ ثَلَاثَةِ سِوَاكِنَ. وَقَدْ ذَهَبَ الدَّانِيُّ إِلَى الْوَقْفِ بِالتَّخْفِيفِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَجْلِ اجْتِمَاعِ هَذِهِ السِّوَاكِنِ مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهَا أَلِفًا، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَلِفِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرَهُ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ فِي آخِرِ بَابِ الْوَقْفِ.

بَابٌ فِي الْهَمْزَتَيْنِ الْمُجْتَمِعَتَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ
وَتَأْتِي الْأُولَى مِنْهُمَا هَمْزَةً زَائِدَةً لِلِاسْتِفْهَامِ وَلِغَيْرِهِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا مُتَحَرِّكَةً، وَلَا تَكُونُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ إِلَّا مَفْتُوحَةً، وَتَأْتِي الثَّانِيَةُ مِنْهَا مُتَحَرِّكَةً وَسَاكِنَةً، فَالْمُتَحَرِّكَةُ هَمْزَةُ قَطْعٍ وَهَمْزَةُ وَصْلٍ. فَأَمَّا هَمْزَةُ الْقَطْعِ الْمُتَحَرِّكَةُ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ فَتَأْتِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَفْتُوحَةً، وَمَكْسُورَةً، وَمَضْمُومَةً. فَالْمَفْتُوحَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، ضَرْبٌ اتَّفَقُوا عَلَى قِرَاءَتِهِ بِالِاسْتِفْهَامِ، وَضَرْبٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ يَأْتِي بَعْدَهُ سَاكِنٌ وَمُتَحَرِّكٌ. فَالسَّاكِنُ يَكُونُ صَحِيحًا وَحَرْفَ مَدٍّ.
(1/362)

أَمَّا الَّذِي بَعْدَ سَاكِنٍ صَحِيحٍ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَهُوَ عَشْرُ كَلِمٍ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَهِيَ (أَأَنْذَرْتَهُمْ) فِي الْبَقَرَةِ وَيس (وَأَأَنْتُمْ) فِي الْبَقَرَةِ وَالْفُرْقَانِ، وَأَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ فِي الْوَاقِعَةِ، وَمَوْضِعٌ فِي النَّازِعَاتِ وَ (أَأَسْلَمْتُمْ) فِي آلِ عِمْرَانَ وَ (أَأَقْرَرْتُمْ) فِيهَا أَيْضًا، وَ (أَأَنْتَ) فِي الْمَائِدَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَ (أَأَرْبَابٌ) فِي يُوسُفَ، وَ (أَأَسْجُدُ) فِي الْإِسْرَاءِ، وَ (أَأَشْكُرُ) فِي النَّمْلِ، وَ (أَأَتَّخِذُ) فِي يس، وَ (أَأَشْفَقْتُمْ) فِي الْمُجَادَلَةِ. فَاخْتَلَفُوا فِي تَخْفِيفِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا وَتَحْقِيقِهَا، وَإِدْخَالِ أَلِفٍ بَيْنَهُمَا. فَسَهَّلَهَا بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْأَلِفِ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَقَالُونُ، وَرُوَيْسٌ، وَالْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ وَرْشٍ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الْأَزْرَقِ عَنْهُ، وَعَنْ هِشَامٍ. أَمَّا الْأَزْرَقُ فَأَبْدَلَهَا عَنْهُ أَلِفًا خَالِصَةً صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ "، وَابْنُ سُفْيَانَ وَالْمَهْدَوِيُّ وَمَكِّيٌّ وَابْنُ الْفَحَّامِ وَابْنُ الْبَاذِشِ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الدَّانِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ، وَسَهَّلَهَا عَنْهُ بَيْنَ بَيْنَ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " وَشَيْخُهُ الطَّرَسُوسِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ بَلِّيمَةَ وَأَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ابْنُ شُرَيْحٍ، وَالشَّاطِبِيُّ، وَالصَّفْرَاوِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. فَعَلَى قَوْلِ رُوَاةِ الْبَدَلِ يُمَدُّ مُشْبَعًا؛ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا هِشَامٌ فَرَوَى عَنْهُ الْحُلْوَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ تَسْهِيلَهَا بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْعُنْوَانِ "، وَ " الْمُجْتَبَى "، وَ " الْقَاصِدِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَ " رَوْضَةِ الْمُعَدَّلِ "، وَكِفَايَةِ أَبِي الْعِزِّ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَيْضًا عَنِ الْحُلْوَانِيِّ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْإِرْشَادِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ " لِابْنِ غَلْبُونَ، وَ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " الْمُبْهِجِ "، وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ وَ " التَّجْرِيدِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَخْفَشِ، عَنْ هِشَامٍ. وَرَوَى الْحُلْوَانِيُّ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَمَّالِ تَحْقِيقَهَا، وَهُوَ الَّذِي فِي تَلْخِيصِ أَبِي مَعْشَرٍ، وَرَوْضَةِ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ، وَ " التَّجْرِيدِ "، وَسَبْعَةِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَكَذَلِكَ رَوَى الدَّاجُونِيُّ مِنْ مَشْهُورِ طُرُقِهِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ هِشَامٍ، وَهِيَ رِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَهُمُ الْكُوفِيُّونَ، وَرَوْحٌ، وَابْنُ ذَكْوَانَ، إِلَّا أَنَّ الصُّورِيَّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ عَنْهُ سَهَّلَ الثَّانِيَةَ مِنْ (أَأَسْجُدُ) فِي الْإِسْرَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ
(1/363)

فِي ذَلِكَ " الْمُبْهِجُ "، وَانْفَرَدَ فِي " التَّجْرِيدِ " بِتَسْهِيلِهَا لِهِشَامٍ بِكَمَالِهِ، أَيْ: مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَالدَّاجُونِيِّ، وَبِتَحْقِيقِهَا لِابْنِ ذَكْوَانَ بِكَمَالِهِ، أَيْ: مِنْ طَرِيقِ الْأَخْفَشِ وَالصُّورِيِّ، فَخَالَفَ سَائِرَ الْمُؤَلِّفِينَ، وَوَافَقَهُ فِي " الرَّوْضَةِ "، عَنْ هِشَامٍ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ الدَّاجُونِيِّ، وَانْفَرَدَ هِبَةُ اللَّهِ الْمُفَسِّرُ عَنِ الدَّاجُونِيِّ بِتَسْهِيلِ (أَأَنْذَرْتَهُمْ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنِ ابْنِ عَبْدَانَ بِتَحْقِيقِ الْبَابِ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفَصَلَ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ بِأَلِفٍ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَقَالُونُ، وَاخْتُلِفَ، عَنْ هِشَامٍ، فَرَوَى عَنْهُ الْحُلْوَانِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ الْفَصْلَ كَذَلِكَ. وَرَوَى الدَّاجُونِيُّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ بِغَيْرِ فَصْلٍ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ مِمَّنْ حَقَّقَ الثَّانِيَةَ أَوْ سَهَّلَهَا، وَانْفَرَدَ هِبَةُ اللَّهِ الْمُفَسِّرُ، عَنِ الدَّاجُونِيِّ، عَنْ هِشَامٍ بِالْفَصْلِ كَرِوَايَةِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْهُ، وَانْفَرَدَ بِهِ الدَّاجُونِيُّ عَنْ هِشَامٍ فِي: (أَأَسْجُدُ) ، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ بِهِ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ غَلْبُونَ، وَالْخُزَاعِيُّ عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ، قَالَ ابْنُ الْبَاذِشِ: وَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ.
(قُلْتُ) : وَأَحْسَبُهُ وَهْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَقِيَ حَرْفٌ وَاحِدٌ يُلْحَقُ بِهَذَا الْبَابِ فِي قِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهُوَ (أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ) فِي يس، يَقْرَؤُهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ فِي التَّسْهِيلِ وَإِدْخَالِ أَلِفٍ بَيْنَهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الَّذِي بَعْدَهُ مُتَحَرِّكٌ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ فِيهِ فَهُوَ حَرْفَانِ أَحَدُهُمَا (أَأَلِدُ) فِي هُودٍ، وَالْآخَرُ (أَأَمِنْتُمْ) فِي الْمُلْكِ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، وَإِبْدَالِهَا، وَتَحْقِيقِهَا، وَإِدْخَالِ الْأَلِفِ بَيْنَهُمَا عَلَى أُصُولِهِمُ الْمُتَقَدِّمَةِ، إِلَّا أَنَّ رُوَاةَ الْإِبْدَالِ عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ لَمْ يَمُدُّوا عَلَى الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ، وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْمَدِّ مِنْ أَجْلِ عَدَمِ السَّبَبِ، كَمَا تَقَدَّمَ مُبَيَّنًا فِي بَابِ الْمَدِّ. وَخَالَفَ قُنْبُلٌ فِي حَرْفِ الْمُلْكِ أَصْلَهُ، فَأَبْدَلَ الْهَمْزَةَ الْأُولَى مِنْهَا وَاوًا؛ لِضَمِّ رَاءِ (النُّشُورُ) قَبْلَهَا، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ فَسَهَّلَهَا عَنْهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَلَى أَصْلِهِ، وَحَقَّقَهَا ابْنُ شَنَبُوذَ، هَذَا فِي حَالَةِ الْوَصْلِ، وَأَمَّا إِذَا ابْتَدَأَ، فَإِنَّهُ يُحَقِّقُ الْأُولَى وَيُسَهِّلُ الثَّانِيَةَ عَلَى أَصْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الَّذِي بَعْدَهُ حَرْفُ مَدٍّ فَمَوْضِعٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ (أَآلِهَتُنَا) فِي الزُّخْرُفِ، فَاخْتُلِفَ فِي تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ
(1/364)

مِنْهُ وَفِي تَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ، فَقَرَأَ بِتَحْقِيقِهَا الْكُوفِيُّونَ وَرَوْحٌ، وَسَهَّلَهَا الْبَاقُونَ، وَلَمْ يُدْخِلْ أَحَدٌ بَيْنَهَا أَلِفًا؛ لِئَلَّا يَصِيرَ اللَّفْظُ فِي تَقْدِيرِ أَرْبَعِ أَلِفَاتٍ: الْأُولَى هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ، وَالثَّانِيَةُ الْأَلِفُ الْفَاصِلَةُ، وَالثَّالِثَةُ هَمْزَةُ الْقَطْعِ، وَالرَّابِعَةُ الْمُبْدَلَةُ مِنَ الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ، وَذَلِكَ إِفْرَاطٌ فِي التَّطْوِيلِ، وَخُرُوجٌ عَنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَكَذَلِكَ لَمْ يُبْدِ أَحَدٌ مِمَّنْ رَوَى إِبْدَالَ الثَّانِيَةِ فِي نَحْوِ (أَأَنْذَرْتَهُمْ) عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ، بَلِ اتَّفَقَ أَصْحَابُ الْأَزْرَقِ قَاطِبَةً عَلَى تَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ؛ لِمَا يَلْزَمُ مِنِ الْتِبَاسِ الِاسْتِفْهَامِ بِالْخَبَرِ بِاجْتِمَاعِ الْأَلِفَيْنِ وَحَذْفِ إِحْدَاهُمَا. قَالَ ابْنُ الْبَاذِشِ فِي " الْإِقْنَاعِ ": وَمَنْ أَخَذَ لِوَرْشٍ فِي: أَأَنْذَرْتَهُمْ بِالْبَدَلِ لَمْ يَأْخُذْ هُنَا إِلَّا بَيْنَ بَيْنَ.
(قُلْتُ) : وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الدَّانِيُّ وَأَبُو سُفْيَانَ وَالْمَهْدَوِيُّ وَابْنُ شُرَيْحٍ وَمَكِّيٌّ وَابْنُ الْفَحَّامِ وَغَيْرُهُمْ فِيهَا سِوَى بَيْنَ بَيْنَ، وَذَكَرَ الدَّانِيُّ فِي غَيْرِ " التَّيْسِيرِ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْأُذْفَوِيَّ ذَكَرَ الْبَدَلَ فِيهَا وَفِيمَا كَانَ مِثْلَهَا عَنْ وَرْشٍ فِي كِتَابِهِ " الِاسْتِغْنَاءُ " عَلَى أَصْلِهِ فِي نَحْوِ (أَأَنْذَرْتَهُمْ) ، وَشِبْهِهِ. قَالَ الْأُذْفَوِيُّ: لَمْ يَمُدَّهَا هُنَا لِاجْتِمَاعِ الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنْ هَمْزَةِ الْقَطْعِ مَعَ الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ؛ لِئَلَّا يَلْتَقِيَ سَاكِنَانِ. قَالَ: وَيُشْبِعُ الْمَدَّ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ أَنَّ مَخْرَجَهَا مَخْرَجُ الِاسْتِفْهَامِ دُونَ الْخَبَرِ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ وَخَالَفَ فِيهِ سَائِرَ النَّاسِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ قِيَاسًا وَرِوَايَةً وَمُصَادِمٌ لِمَذْهَبِ وَرْشٍ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَدُّ مِنْ أَجْلِ الِاسْتِفْهَامِ فَلِمَ نَرَاهُ يُجِيزُ الْمَدَّ فِي نَحْوِ (آمَنَ الرَّسُولُ) وَيُخْرِجُهُ بِذَلِكَ عَنِ الْخَبَرِ إِلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ بَعْضَ شُرَّاحِ " الشَّاطِبِيَّةِ " يُجِيزُ ذَلِكَ، وَيُجِيزُ فِيهِ أَيْضًا الثَّلَاثَةَ الْأَوْجَهِ الَّتِي فِي نَحْوِ (أَئِفْكًا آلِهَةً) فَلَيْتَ شِعْرِي مَاذَا يَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي (أَأَمِنْتُمْ) فِي الثَّلَاثَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَالضَّرْبُ الثَّانِي) الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَرِ يَأْتِي بَعْدَ هَمْزَةِ الْقَطْعِ فِيهِ سَاكِنٌ صَحِيحٌ وَحَرْفُ مَدٍّ، وَلَمْ يَقَعْ بَعْدَهُ مُتَحَرِّكٌ، فَالَّذِي بَعْدَهُ سَاكِنٌ صَحِيحٌ أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ.
(أَوَّلُهَا) (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ) فِي آلِ عِمْرَانَ، فَكُلُّهُمْ قَرَأَهُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ
(1/365)

عَلَى الْخَبَرِ إِلَّا ابْنَ كَثِيرٍ، فَإِنَّهُ قَرَأَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ فِي تَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِأَلِفٍ.
(ثَانِيهَا) (أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) فِي فُصِّلَتْ، رَوَاهُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْخَبَرِ قُنْبُلٌ وَهِشَامٌ وَرُوَيْسٌ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُمْ. أَمَّا قُنْبُلٌ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْخَبَرِ ابْنُ مُجَاهِدٍ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَذَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ طَلْحَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّاهِدُ، وَالشَّذَائِيُّ وَالْمُطَّوِّعِيُّ وَالشَّنَبُوذِيُّ وَابْنُ أَبِي بِلَالٍ وَبَ‍كَّارٌ مِنْ طَرِيقِ النَّهْرَوَانِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ قُنْبُلٍ، وَرَوَاهُ عَنْهُ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ ابْنُ شَنَبُوذَ وَالسَّامَرِّيُّ، عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا هِشَامٌ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْخَبَرِ الْحُلْوَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ، وَهُوَ طَرِيقُ صَاحِبِ " التَّجْرِيدِ "، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَمَّالِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ صَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " عَنِ الدَّاجُونِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، وَرَوَاهُ عَنْهُ بِالِاسْتِفْهَامِ الْجَمَّالُ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ " التَّجْرِيدِ "، وَكَذَلِكَ الدَّاجُونِيُّ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ " الْمُبْهِجِ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا رُوَيْسٌ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْخَبَرِ أَبُو بَكْرٍ التَّمَّارُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطَّيِّبِ الْبَغْدَادِيِّ، وَرَوَاهُ عَنْهُ بِالِاسْتِفْهَامِ مِنْ طَرِيقِ النَّخَّاسِ، وَابْنِ مِقْسَمٍ، وَالْجَوْهَرِيِّ، وَكَذَلِكَ الْبَاقُونَ، وَحَقَّقَ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ مِنْهَا حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَرَوْحٌ، وَانْفَرَدَ هِبَةُ اللَّهِ الْمُفَسِّرُ بِذَلِكَ عَنِ الدَّاجُونِيِّ. وَالْبَاقُونَ مِمَّنْ قَرَأَ بِالِاسْتِفْهَامِ بِالتَّسْهِيلِ وَهُمْ عَلَى أُصُولِهِمُ الْمَذْكُورَةِ مِنَ الْبَدَلِ، وَبَيْنَ بَيْنَ، وَإِدْخَالِ الْأَلِفِ وَعَدَمِهِ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ ذَكْوَانَ نَصَّ لَهُ جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ عَلَى إِدْخَالِ الْأَلِفِ فِيهَا بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي (أَنْ كَانَ) .
(ثَالِثُهَا) أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ، قَرَأَهُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْخَبَرِ نَافِعٌ،، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْكُوفِيُّونَ، وَالْبَاقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ، وَهُمْ عَلَى أُصُولِهِمُ الْمَذْكُورَةِ مِنَ التَّسْهِيلِ وَالتَّحْقِيقِ وَالْفَصْلِ وَعَدَمِهِ، إِلَّا أَنَّ الدَّاجُونِيَّ عَنْ هِشَامٍ مِنْ طَرِيقِ النَّهْرَوَانِيِّ يُسَهِّلُ الثَّانِيَةَ وَلَا يَفْصِلُ، وَالْمُفَسِّرُ يُحَقِّقُ وَيَفْصِلُ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ أَنَّ الصُّورِيَّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ يُخَيِّرُ بَيْنَ تَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ
(1/366)

مَعًا بِلَا فَصْلٍ وَبَيْنَ تَحْقِيقِ الْأُولَى وَتَلْيِينِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْفَصْلِ.
(رَابِعُهَا) (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ) فِي سُورَةِ " ن ". فَقَرَأَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْخَبَرِ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ، وَحَفْصٌ، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَهُمُ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ وَأَبُو بَكْرٍ، وَحَقَّقَ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْهُمْ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ، وَرَوْحٌ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ الْمُفَسِّرُ عَنِ الدَّاجُونِيِّ عَلَى أَصْلِهِ فِي ذَلِكَ وَفِي الْفَصْلِ، وَحَقَّقَ الْأُولَى وَسَهَّلَ الثَّانِيَةَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَرُوَيْسٌ، وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِأَلِفٍ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْحُلْوَانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَفِي حَرْفِ فُصِّلَتْ، فَنَصَّ لَهُ عَلَى الْفَصْلِ فِيهِمَا أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ، وَابْنُ شُرَيْحٍ وَابْنُ سُفْيَانَ وَالْمَهْدَوِيُّ وَأَبُو الطَّيِّبِ بْنُ غَلْبُونَ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ عَنِ ابْنِ الْأَخْرَمِ وَالصُّورِيِّ، وَرَدَّ ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فَقَالَ فِي " التَّيْسِيرِ ": لَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ، وَلَا صَحِيحٍ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ ذَكْوَانَ لَمَّا لَمْ يَفْصِلْ بِهَذِهِ الْأَلِفِ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ فِي حَالِ تَحْقِيقِهِمَا مَعَ ثِقَلِ اجْتِمَاعِهِمَا عُلِمَ أَنَّ فَصْلَهُ بِهَا بَيْنَهُمَا فِي حَالِ تَسْهِيلِهِ إِحْدَاهُمَا مَعَ خِفَّةِ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي مَذْهَبِهِ، عَلَى أَنَّ الْأَخْفَشَ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ عَنْهُ بِتَحْقِيقِ الْأُولَى وَتَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فَصْلًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَاتَّضَحَ مَا قُلْنَاهُ. قَالَ: وَهَذَا مِنَ الْأَشْيَاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي لَا يُمَيِّزُهَا وَلَا يَعْرِفُ حَقَائِقَهَا إِلَّا الْمُطَّلِعُونَ بِمَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ، الْمُخْتَصُّونَ بِالْفَهْمِ الْفَائِقِ وَالدِّرَايَةِ الْكَامِلَةِ. انْتَهَى. وَبَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي جَامِعِهِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ فِي " الْإِقْنَاعِ ": فَأَمَّا ابْنُ ذَكْوَانَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي الْأَخْذِ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ - يَعْنِي الدَّانِيَّ - يَأْخُذُ لَهُ بِغَيْرِ فَصْلٍ كَابْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَى لَنَا أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنِ الْمِلَنْجِيِّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ. وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَيْسُ - يَعْنِي ابْنَ عِيسُونَ الْأَنْدَلُسِيَّ صَاحِبَ ابْنِ أَشْتَةَ - قَالَ: وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ عُلَمَاءُ بِتَأْوِيلِ نُصُوصِ مَنْ تَقَدَّمَ، حُفَّاظٌ. وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَأْخُذُ لَهُ بِالْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِأَلِفٍ، وَعَلَى ذَلِكَ أَبُو الطَّيِّبِ وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ الَّذِي تُعْطِيهِ نُصُوصُ الْأَئِمَّةِ
(1/367)

مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَالنَّقَّاشِ، وَابْنِ شَنَبُوذَ، وَابْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَبِي الطَّيِّبِ التَّائِبِ وَأَبِي طَاهِرِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ وَابْنِ أَشْتَةَ وَالشَّذَائِيِّ وَأَبِي الْفَضْلِ الْخُزَاعِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَأَبِي عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيِّ، وَجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ مُتَقَدِّمٍ وَمُتَأَخِّرٍ، قَالُوا كُلُّهُمْ بِهَمْزَةٍ وَمَدَّةٍ.
(قُلْتُ) : وَلَيْسَ نَصُّ مَنْ يَقُولُ بِهَمْزِهِ وَمَدِّهِ يُعْطِي الْفَصْلَ أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَظَرَ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ مُتَقَدِّمِهِمْ وَمُتَأَخَّرِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلَّا بَيْنَ بَيْنَ لَيْسَ إِلَّا، فَقَوْلُ الدَّانِيِّ أَقْرَبُ إِلَى النَّصِّ وَأَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ.
" نَعَمْ " قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَبِيبٍ صَاحِبِ الْأَخْفَشِ أَقْرَبُ إِلَى قَوْلِ مَكِّيٍّ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ قَرَأَ أَأَعْجَمِيٌّ بِمَدَّةٍ مُطَوَّلَةٍ كَمَا قَالَ: ذُو الرُّمَّةِ:
أَأَنْ تَوَهَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً
قَالَ: فَقَالَ: أَإِنْ بِهَمْزَةٍ طَوِيلَةٍ. انْتَهَى.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ مَكِّيٌّ وَلَا يَمْنَعُ مَا قَالَهُ الدَّانِيُّ، لِأَنَّ الْوَزْنَ يَقُومُ بِهِمَا، وَكُلُّهُمْ يَنْشُدُهُ بِالتَّسْهِيلِ وَيَسْتَدِلُّ لَهُ بِهِ، وَالْوَزْنُ لَا يَقُومُ بِالْبَدَلِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى تَرْكِ الْفَصْلِ لِابْنِ ذَكْوَانَ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْتُ مِمَّنْ هُوَ أَعْرَفُ بِدَلَائِلِ النُّصُوصِ كَابْنِ شَيْطَا، وَابْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي الْعِزِّ وَأَبِي عَلِيٍّ الْمَالِكِيِّ وَابْنِ الْفَحَّامِ، وَالصَّقَلِّيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ قَرَأْتُ لَهُ بِكُلٍّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الَّذِي بَعْدَهُ حَرْفُ مَدٍّ وَاخْتُلِفَ فِيهِ اسْتِفْهَامًا وَخَبَرًا فَكَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَهِيَ (أَآمَنْتُمْ) فِي الْأَعْرَافِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالَ فِرْعَوْنُ أَآمَنْتُمْ بِهِ) وَفِي طه وَالشُّعَرَاءِ (قَالَ أَآمَنْتُمْ لَهُ) فَقَرَأَ الثَّلَاثَةُ بِالْإِخْبَارِ: حَفْصٌ وَرُوَيْسٌ وَالْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ وَرْشٍ: وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ الْخُزَاعِيُّ، عَنِ الشَّذَائِيِّ، عَنِ النَّخَّاسِ، عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ، فَخَالَفَ سَائِرُ الرُّوَاةِ وَالطُّرُقِ عَنِ الْأَزْرَقِ، وَاخْتُلِفَ، عَنْ قُنْبُلٍ فِي حَرْفِ طه، فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْإِخْبَارِ ابْنُ مُجَاهِدٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ شَنَبُوذَ بِالِاسْتِفْهَامِ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ الثَّلَاثَةُ. وَحَقَّقَ فِي الثَّانِيَةِ الثَّلَاثَةُ مِنْهُمْ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَرَ وْحٌ، وَاخْتُلِفَ، عَنْ هِشَامٍ، فَرَوَاهَا عَنْهُ الدَّاجُونِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّذَائِيِّ، وَرَوَاهَا عَنْهُ الْحُلْوَانِيُّ وَالدَّاجُونِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدٍ بَيْنَ بَيْنَ،
(1/368)

وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ وَهُمْ: أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ وَقَالُونُ وَوَرْشٌ، مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، وَالْبَزِّيِّ وَابْنِ ذَكْوَانَ، وَأَمَّا قُنْبُلٌ فَإِنَّهُ وَافَقَهُمْ عَلَى التَّسْهِيلِ فِي الشُّعَرَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي طه مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَنَبُوذَ، وَأَبْدَلَ بِكَلَامِهِ الْهَمْزَةَ الْأُولَى مِنَ الْأَعْرَافِ بَعْدَ ضَمِّهِ نُونَ " فِرْعَوْنَ " وَاوًا خَالِصَةً حَالَةَ الْوَصْلِ، كَمَا فَعَلَ فِي (النُّشُورُ وَأَأَمِنْتُمْ) وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ، فَسَهَّلَهَا عَنْهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ، وَحَقَّقَهَا مَفْتُوحَةً ابْنُ شَنَبُوذَ، فَإِذَا ابْتَدَأَ حَقَّقَ الْهَمْزَةَ الْأُولَى وَسَهَّلَ الثَّانِيَةَ بَيْنَ بَيْنَ، مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَلَمْ يُدْخِلْ أَحَدٌ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ فِي وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَلِفًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي (أَآلِهَتُنَا) ، وَكَذَلِكَ لَمْ يُبْدِلِ الثَّانِيَةَ أَلِفًا عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي (أَآلِهَتُنَا) إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ; وَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ فِي " التَّيْسِيرِ " لِوَرْشٍ سِوَى التَّسْهِيلِ، وَأَجْرَاهُ مَجْرَى قَالُونَ وَأَبِي عَمْرٍو، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُسَهِّلِينَ، وَأَمَّا مَا حَكَاهُ فِي " الْإِيجَازِ " وَغَيْرِهِ مِنْ إِبْدَالِ الثَّانِيَةِ لِوَرْشٍ فَهُوَ وَجْهٌ قَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ أَبْدَلَهَا فِي (أَأَنْذَرْتَهُمْ) وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِمَا بَيَّنَاهُ فِي (أَآلِهَتُنَا) فِيمَا تَقَدَّمَ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِهِمْ، حَيْثُ رَأَى بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ وَرْشٍ يَقْرَءُونَهَا بِالْخَبَرِ، وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ، ثُمَّ حُذِفَتْ إِحْدَى الْأَلِفَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ رِوَايَةُ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ وَرْشٍ، وَرِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ وَيُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى وَأَبِي الْأَزْهَرِ، كُلُّهُمْ عَنْ وَرْشٍ يَقْرَءُونَهَا بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْخَبَرِ كَحَفْصٍ، فَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ يَرْوِي الْمَدَّ لِمَا بَعْدَ الْهَمْزِ يَمُدُّ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مِثْلَ (آمَنُوا وَعَمِلُوا) لَا أَنَّهُ بِالِاسْتِفْهَامِ وَأَبْدَلَ وَحَذَفَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذَا جَمِيعُ أَنْوَاعِ هَمْزَةِ الْقَطْعِ وَأَحْكَامِهَا مَفْتُوحَةً مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ اتِّفَاقًا وَاخْتِلَافًا.
وَأَمَّا الْهَمْزَةُ الْمَكْسُورَةُ فَتَأْتِي أَيْضًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بِالِاسْتِفْهَامِ وَمُخْتَلَفًا فِيهِ، فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ سَبْعُ كَلِمٍ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَهِيَ (أَيِنَّكُمْ) فِي الْأَنْعَامِ وَالنَّمْلِ وَفُصِّلَتْ وَ (أَيِنَّ لَنَا لَأَجْرًا) فِي الشُّعَرَاءِ وَ (أَإِلَهٌ) فِي خَمْسَةِ
(1/369)

مَوَاضِعَ: النَّمْلُ وَ (أَيِنَّا لَتَارِكُوا، وَأَيِنَّكَ لَمِنَ، وَأَيِفْكًا) ثَلَاثَتُهَا فِي الصَّافَّاتِ وَ (أَيِذَا مِتْنَا) فِي ق.
وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا وَتَحْقِيقِهَا وَإِدْخَالِ أَلِفٍ بَيْنَهُمَا، فَسَهَّلَهَا بَيْنَ بَيْنَ - أَيْ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ - نَافِعٌ، 55 وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَرُوَيْسٌ، وَحَقَّقَهَا الْكُوفِيُّونَ، وَابْنُ عَامِرٍ وَرَوْحٌ، وَاخْتُلِفَ عَنْ رُوَيْسٍ فِي حَرْفِ الْأَنْعَامِ، وَعَنْ هِشَامٍ فِي حَرْفِ فُصِّلَتْ، أَمَّا حَرْفُ الْأَنْعَامِ وَهُوَ (أَيِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونِ) فَرَوَى أَبُو الطَّيِّبِ، عَنْ رُوَيْسٍ تَحْقِيقَهُ خِلَافًا لِأَصْلِهِ، وَنَصَّ أَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ عَلَى التَّخْيِيرِ فِيهِ لَهُ بَيْنَ التَّسْهِيلِ وَالتَّحْقِيقِ: وَأَمَّا حَرْفُ فُصِّلَتْ وَهُوَ (أَيِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ) فَجُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ عَنْ هِشَامٍ عَلَى التَّسْهِيلِ خِلَافًا لِأَصْلِهِ، وَمِمَّنْ نَصَّ لَهُ عَلَى التَّسْهِيلِ وَجْهًا وَاحِدًا صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَابْنَا غَلْبُونَ، وَصَاحِبُ " الْمُبْهِجِ "، وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ "، وَكُلُّ مَنْ رَوَى تَسْهِيلَهُ فَصَلَ بِأَلِفٍ قَبْلَهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ عَنْهُ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ وَجْهًا وَاحِدًا عَلَى أَصْلِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْهُ فِيهِ تَسْهِيلًا ابْنُ شَيْطَا وَابْنُ سَوَّارٍ وَابْنُ فَارِسٍ وَأَبُو الْعِزِّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ، وَابْنُ الْفَحَّامِ وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَنَصَّ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ خَاصَّةً أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَالصَّفْرَاوِيُّ، وَمِنْ قَبْلِهِمَا الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ". وَفَصَلَ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ بِأَلِفٍ فِي جَمِيعِ الْبَابِ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ وَقَالُونُ، وَاخْتُلِفَ عَنْ هِشَامٍ، فَرَوَى عَنْهُ الْفَصْلَ فِي الْجَمِيعِ الْحُلْوَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ، مِنْ طَرِيقِ صَاحِبِ " التَّيْسِيرِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعِزِّ صَاحِبِ " الْكِفَايَةِ "، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَمَّالِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّجْرِيدِ " عَنْهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ كَابْنِ سَوَّارٍ وَابْنِ فَارِسٍ وَأَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ، وَابْنِ شَيْطَا وَغَيْرِهِمْ. وَهِيَ طَرِيقُ الشَّذَائِيِّ عَنِ الدَّاجُونِيِّ كَمَا هُوَ فِي " الْمُبْهِجِ "، وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ نَصَّ الدَّانِيُّ عَنِ الدَّاجُونِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَالدَّاجُونِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ ". وَرَوَى عَنْهُ الْقَصْرَ - وَهُوَ
(1/370)

تَرْكُ الْفَصْلِ فِي الْبَابِ كُلِّهِ - الدَّاجُونِيُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، كَصَاحِبِ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " التَّذْكَارِ "، وَ " الْجَامِعِ "، وَ " الرَّوْضَةِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "، وَ " الْكِفَايَةِ الْكُبْرَى "، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدٍ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْمُبْهِجِ " مِنْ طَرِيقِ الْجَمَّالِ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَذَهَبَ آخَرُونَ عَنْ هِشَامٍ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَفَصَلُوا بِالْأَلِفِ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ وَتَرَكُوا الْفَصْلَ فِي الْآخَرِ، فَفَصَلُوا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَهِيَ (أَيِنَّ لَنَا) فِي الشُّعَرَاءِ وَ (أَيِنَّكَ، وَأَيِفْكًا) فِي الصَّافَّاتِ وَ (أَيِنَّكُمْ) فِي فُصِّلَتْ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْعُنْوَانِ "، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا فَصَلُوا فِيهِ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي. وَمِمَّا يَلْحَقُ بِهَذَا الْبَابِ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِفْهَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْعَنْكَبُوتِ: (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ) وَفِي الْوَاقِعَةِ: (أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ) فِي يس. أَجْمَعُوا عَلَى قِرَاءَتِهِ بِالِاسْتِفْهَامِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ، قَرَأَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ، فَيُلْحَقُ بِضَرْبِ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْبَاقُونَ يَكْسِرُونَهَا، فَيُلْحَقُ عِنْدَهُمْ بِهَذَا الضَّرْبِ، وَهُمْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَحْرُفِ عَلَى أُصُولِهِمُ الْمَذْكُورَةِ تَحْقِيقًا وَتَسْهِيلًا وَفَصْلًا، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَ التَّفْصِيلِ عَنْ هِشَامٍ يَفْصِلُونَ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ فِي حَرْفَيِ الْعَنْكَبُوتِ وَالْوَاقِعَةِ، وَلَا يَفْصِلُونَ فِي حَرْفِ يس، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَالضَّرْبُ الثَّانِي) الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَرِ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مُفْرَدٌ تَجِيءُ الْهَمْزَتَانِ فِيهِ وَلَيْسَ بَعْدَهَا مِثْلُهُمَا، وَقِسْمٌ مُكَرَّرٌ تَجِيءُ الْهَمْزَتَانِ وَبَعْدَهُمَا مِثْلُهُمَا.
فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ: (أَيِنَّكُمْ لَتَأْتُونِ الرِّجَالَ، أَيِنَّ لَنَا لَأَجْرًا) وَكِلَاهُمَا فِي الْأَعْرَافِ (أَيِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ) فِي يُوسُفَ (أَيِذَا مَا مِتُّ) فِي مَرْيَمَ (أَيِّنَا لَمُغْرَمُونَ) فِي الْوَاقِعَةِ، أَمَّا (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونِ) فِي الْأَعْرَافِ، فَقَرَأَهُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْخَبَرِ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَحَفْصٌ، وَالْبَاقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَهُمْ عَلَى
(1/371)

أُصُولِهِمُ الْمَذْكُورَةِ تَسْهِيلًا وَتَحْقِيقًا وَفَصْلًا، وَأَمَّا (أَيِنَّ لَنَا لَأَجْرًا) فَقَرَأَهُ عَلَى الْخَبَرِ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَحَفْصٌ، وَالْبَاقُونَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَهُمْ عَلَى أُصُولِهِمْ، وَهُمَا مِنَ الْمَوَاضِعِ السَّبْعَةِ اللَّاتِي يُفَصِّلُ فِيهَا عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ أَصْحَابُ التَّفْصِيلِ، وَأَمَّا (أَيِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ) فَقَرَأَهُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْخَبَرِ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَالْبَاقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَهُمْ عَلَى أُصُولِهِمْ، وَأَمَّا (أَيِذَا مَا مِتُّ) فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، فَرَوَاهُ عَنْهُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْخَبَرِ الصُّورِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ غَيْرَ الشَّذَائِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ طَرِيقِهِ، وَابْنُ الْأَخْرَمِ عَنِ الْأَخْفَشِ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَ " الْكَافِي "، وَابْنُ غَلْبُونَ، وَجُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ وَأَبِي الْحَسَنِ طَاهِرٍ، وَرَوَاهُ عَنْهُ النَّقَّاشُ، عَنِ الْأَخْفَشِ عَنْهُ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، وَالْمِصْرِيِّينَ، وَالشَّامِيِّينَ، وَالْعِرَاقِيِّينَ، وَالشَّذَائِيُّ عَنِ الصُّورِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّجْرِيدِ "، وَ " الْمُبْهِجِ "، وَ " الْكَامِلِ "، وَغَايَةِ ابْنِ مِهْرَانَ، وَالْوَجْهَانِ جَمِيعًا عَنْهُ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَ " ظَاهِرِ التَّيْسِيرِ "، وَنَصَّ عَلَيْهِمَا فِي " الْمُفْرَدَاتِ "، وَ " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَبِالِاسْتِفْهَامِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيِّ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَهُمْ عَلَى أُصُولِهِمْ تَحْقِيقًا وَتَسْهِيلًا وَفَصْلًا. وَهَذَا الْحَرْفُ تَتِمَّةُ السَّبْعَةِ الَّتِي يُفَصِّلُ فِيهَا لِهِشَامٍ عَنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ أَصْحَابُ التَّفْصِيلِ، وَأَمَّا (أَيِنَّا لَمُغْرَمُونَ) فَرَوَاهُ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ أَبُو بَكْرٍ، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِهَمْزَةٍ عَلَى الْخَبَرِ.
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي) وَهُوَ الْمُكَرَّرُ مِنَ الِاسْتِفْهَامَيْنِ نَحْوُ (أَيِذَا، أَيِنَّا) وَجُمْلَتُهُ أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا مِنْ تِسْعِ سُوَرٍ فِي الرَّعْدِ (أَيِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) وَفِي الْإِسْرَاءِ مَوْضِعَانِ (أَيِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَيِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) وَفِي الْمُؤْمِنِينَ (أَيِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَيِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) وَفِي النَّمْلِ (أَيِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَيِنَّا لَمُخْرَجُونَ) وَفِي الْعَنْكَبُوتِ (أَيِنَّكُمْ لَتَأْتُونِ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ أَيِنَّكُمْ لَتَأْتُونِ الرِّجَالَ)
(1/372)

وَفِي " الم السَّجْدَةِ " (أَيِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَيِنَّا لَفِي) وَفِي الصَّافَّاتِ مَوْضِعَانِ، الْأَوَّلُ (أَيِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَيِنَّا لَمَدِينُونَ) وَفِي الْوَاقِعَةِ (أَيِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَيِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) وَفِي النَّازِعَاتِ (أَيِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أَيِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً) فَتَصِيرُ بِحُكْمِ التَّكْرِيرِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَرْفًا. فَاخْتَلَفُوا فِي الْإِخْبَارِ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا، وَالِاسْتِفْهَامِ فِي الثَّانِي، وَعَكْسِهِ، وَالِاسْتِفْهَامِ فِيهِمَا، فَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالْإِخْبَارِ فِي الْأَوَّلِ وَالِاسْتِفْهَامِ فِي الثَّانِي مِنْ مَوْضِعِ الرَّعْدِ، وَمَوْضِعَيِ الْإِسْرَاءِ، وَفِي الْمُؤْمِنُونَ، وَالسَّجْدَةِ، وَالثَّانِي مِنَ الصَّافَّاتِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ السِّتَّةِ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي الْأَوَّلِ، وَالْإِخْبَارِ فِي الثَّانِي، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ فِيهِمَا، وَأَمَّا مَوْضِعُ النَّمْلِ، فَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالْإِخْبَارِ فِي الْأَوَّلِ وَالِاسْتِفْهَامِ فِي الثَّانِي، وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي الْأَوَّلِ وَالْإِخْبَارِ فِي الثَّانِي مَعَ زِيَادَةِ نُونٍ فِيهِ، فَيَقُولَانِ (أَيِنَّا لَمُخْرَجُونَ) ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ فِيهِمَا، وَانْفَرَدَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي " الْمُبْهِجِ " عَنِ الْكَارَزِينِيِّ عَنِ النَّخَّاسِ، عَنْ رُوَيْسٍ بِالْإِخْبَارِ فِي الْأَوَّلِ وَالِاسْتِفْهَامِ فِي الثَّانِي كَقِرَاءَةِ نَافِعٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ، فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْ رُوَيْسٍ، وَأَمَّا مَوْضِعُ الْعَنْكَبُوتِ فَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ بِالْإِخْبَارِ فِي الْأَوَّلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ، وَهُمْ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ، وَأَجْمَعُوا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ فِي الثَّانِي، وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّافَّاتِ فَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ بِالْإِخْبَارِ فِي الْأَوَّلِ وَالِاسْتِفْهَامِ فِي الثَّانِي، وَقَرَأَهُ نَافِعٌ، وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي الْأَوَّلِ وَالْإِخْبَارِ فِي الثَّانِي، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ فِيهِمَا، وَأَمَّا مَوْضِعُ الْوَاقِعَةِ فَقَرَأَهُ أَيْضًا نَافِعٌ، وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي الْأَوَّلِ وَالْإِخْبَارِ فِي الثَّانِي، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ فِيهِمَا، فَلَا خِلَافَ عَنْهُمْ فِي الِاسْتِفْهَامِ فِي الْأَوَّلِ، وَأَمَّا مَوْضِعُ النَّازِعَاتِ فَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ بِالْإِخْبَارِ فِي الْأَوَّلِ
(1/373)

وَالِاسْتِفْهَامِ فِي الثَّانِي، وَقَرَأَهُ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْكِسَائِيُّ، وَيَعْقُوبُ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي الْأَوَّلِ وَالْإِخْبَارِ فِي الثَّانِي، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ فِيهِمَا. وَكُلُّ مَنِ اسْتَفْهَمَ فِي حَرْفٍ مِنْ هَذِهِ الِاثْنَيْنِ وَالْعِشْرِينَ، فَإِنَّهُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ التَّحْقِيقِ وَالتَّسْهِيلِ وَإِدْخَالِ الْأَلِفِ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ الطُّرُقِ عَنْ هِشَامٍ عَلَى الْفَصْلِ بِالْأَلِفِ فِي هَذَا الْبَابِ أَعْنِي الِاسْتِفْهَامَيْنِ، وَبِذَلِكَ قَطَعَ لَهُ صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَسَائِرُ الْمَغَارِبَةِ وَأَكْثَرُ الْمَشَارِقَةِ، كَابْنِ شَيْطَا وَابْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي الْعِزِّ، وَالْهَمْدَانِيِّ، وَغَيْرُهُمْ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى إِجْرَاءِ الْخِلَافِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ فِي سَائِرِ هَذَا الضَّرْبِ، مِنْهُمُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ وَأَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ، وَالصَّفْرَاوِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الظَّاهِرُ قِيَاسًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْهَمْزَةُ الْمَضْمُومَةُ فَلَمْ تَأْتِ إِلَّا بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَأَتَتْ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَوَاحِدٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. فَالْمَوَاضِعُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فِي آلِ عِمْرَانَ (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ) وَفِي ص: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) ، وَفِي الْقَمَرِ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ فَسَهَّلَ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ فِيهَا نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَرُوَيْسٌ، وَحَقَّقَهَا الْبَاقُونَ، وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِأَلِفٍ أَبُو جَعْفَرٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَقَالُونَ وَهِشَامٍ، أَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَرَوَى عَنْهُ الْفَصْلَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَقَوَّاهُ بِالْقِيَاسِ وَبِنُصُوصِ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي شُعَيْبٍ وَأَبِي حَمْدُونَ وَأَبِي خَلَّادٍ وَأَبِي الْفَتْحِ الْمَوْصِلِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ، وَغَيْرِهِمْ، حَيْثُ قَالُوا عَنِ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: إِنَّهُ كَانَ يَهْمِزُ بِالِاسْتِفْهَامِ هَمْزَةً وَاحِدَةً مَمْدُودَةً، قَالُوا: وَلِذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ بِكُلِّ هَمْزَتَيْنِ الْتَقَتَا فَيُصَيِّرُهُمَا وَاحِدَةً، وَيَمُدُّ إِحْدَاهُمَا مِثْلَ: (أَيِذَا) ، وَأَإِلَهٌ، وَ (أَيِنَّكُمْ) ، وَأَنْتُمْ وَشِبْهِهِ، وَقَالَ الدَّانِيُّ: فَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَمُدَّ إِذَا دَخَلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى هَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ إِذَا لَمْ يَسْتَثْنُوا ذَلِكَ، وَجَعَلُوا الْمَدَّ سَائِغًا فِي الِاسْتِفْهَامِ كُلِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِجُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي التَّمْثِيلِ فَالْقِيَاسُ فِيهِ جَارٍ، وَالْمَدُّ فِيهِ مُطَّرِدٌ. انْتَهَى. وَقَدْ نَصَّ عَلَى الْفَصْلِ لِلدُّورِيِّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ فَرَحٍ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفْرَاوِيُّ،
(1/374)

وَلِلسُّوسِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ حَبَشٍ، ابْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو الْعِزِّ، وَصَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَالْوَجْهَانِ لِلسُّوسِيِّ أَيْضًا فِي " الْكَافِي " وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَقَطَعَ بِهِ لِلسُّوسِيِّ ابْنُ بَلِّيمَةَ وَأَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، وَرَوَى الْقَصْرَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو جُمْهُورُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " التَّيْسِيرِ " غَيْرَهُ، وَذَكَرَ عَنْهُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ وَأَبُو الْكَرَمِ الشَّهْرَزُورِيُّ وَالصَّفْرَاوِيُّ أَيْضًا، وَأَمَّا قَالُونُ فَرَوَى عَنْهُ الْمَدَّ مِنْ طَرِيقَيْ أَبِي نَشِيطٍ، وَالْحُلْوَانِيِّ وَأَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَعَنْ أَبِي نَشِيطٍ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ، وَقَطَعَ بِهِ لَهُ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ بِلَطِيفِ الْإِشَارَاتِ "، وَرَوَاهُ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ عَنْهُ صَاحِبُ " التَّذْكِرَةِ "، وَأَبُو عَلِيٍّ الْمَالِكِيُّ، وَابْنُ سَوَّارٍ وَالْقَلَانِسِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ وَأَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، وَالْهُذَلِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي " الْمُبْهِجِ "، وَأَمَّا فِي " الْكِفَايَةِ " فَقَطَعَ بِهِ لِلْحَلْوَانِيِّ فَقَطْ، وَالْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ عَلَى الْفَصْلِ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى الْفَارِسِيِّ وَالْمَالِكِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ الْقَصْرَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ فِي تَجْرِيدِهِ، مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ فَارِسٍ قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ سِوَى الْقَصْرِ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ أَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ، وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي الْجَامِعِ، وَبِهِ قَرَأَ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَكَذَا رَوَى عَنْ قَالُونَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَالشَّحَّامُ فِيمَا ذَكَرَهُ الدَّانِيُّ وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " عَنْ قَالُونَ - يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ - وَأَمَّا هِشَامٌ فَالْخِلَافُ عَنْهُ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
(أَحَدُهَا) التَّحْقِيقُ مَعَ الْمَدِّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيِ " التَّيْسِيرِ "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ - يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ - عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَفِي كِفَايَةِ أَبِي الْعِزِّ أَيْضًا، وَكَذَا فِي كَامِلِ الْهُذَلِيِّ، وَفِي " التَّجْرِيدِ " مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَمَّالِ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ سَوَّارٍ وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، لِلْحَلْوَانِيِّ، عَنْهُ.
(ثَانِيهَا) التَّحْقِيقُ مَعَ الْقَصْرِ فِي الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيِ " الْكَافِي "، وَهُوَ الَّذِي
(1/375)

قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الدَّاجُونِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ هِشَامٍ، كَأَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ، وَصَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَابْنِ الْفَحَّامِ صَاحِبِ " التَّجْرِيدِ "، وَأَبِي الْعِزِّ الْقَلَانِسِيِّ وَأَبِي الْعَلَاءِ الْهَمَذَانِيِّ، وَسِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَغَيْرِهِمْ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ.
(ثَالِثُهَا) التَّفْصِيلُ. فَفِي الْحَرْفِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي فِي آلِ عِمْرَانَ بِالْقَصْرِ وَالتَّحْقِيقِ، وَفِي الْحَرْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَهُمَا (اللَّذَانِ) فِي ص وَالْقَمَرِ بِالْمَدِّ وَالتَّسْهِيلِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " التَّيْسِيرِ "، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَبِهِ قَطَعَ فِي " التَّذْكِرَةِ "، وَكَذَلِكَ فِي " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَ " الْعُنْوَانِ "، وَجُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ. وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " الْكَافِي "، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَوْجُهِ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَانْفَرَدَ الدَّانِيُّ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ أَيْضًا بِوَجْهٍ رَابِعٍ، وَهُوَ تَسْهِيلُ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْمَدِّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَانْفَرَدَ أَيْضًا الْكَارَزِينِيُّ عَنِ الشَّنَبُوذِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْجَمَّالِ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ أَيْضًا بِالْمَدِّ مَعَ التَّحْقِيقِ فِي آلِ عِمْرَانَ وَالْقَمَرِ، وَبِالْقَصْرِ مَعَ التَّحْقِيقِ فِي ص، فَيَصِيرُ لَهُ الْخِلَافُ فِي الثَّلَاثَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَهُوَ (أَأُشْهِدُوا خَلْقَهُمْ) فِي الزُّخْرُفِ، فَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِهَمْزَتَيْنِ: الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَضْمُومَةٌ، مَعَ إِسْكَانِ الشِّينِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي سُورَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسَهَّلَا الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ بَيْنَ بَيْنَ عَلَى أَصْلِهِمَا، وَفَصَلَ بَيْنِهِمَا بِأَلِفٍ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى أَصْلِهِ، وَاخْتُلِفَ، عَنْ قَالُونَ أَيْضًا، فَرَوَاهُ بِالْمَدِّ مِمَّنْ رَوَى الْمَدَّ فِي أَخَوَاتِهِ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَقَطَعَ بِهِ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي " الْمُبْهِجِ " لِأَبِي نَشِيطٍ، وَكَذَلِكَ الْهُذَلِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو الْعِزِّ وَابْنُ سَوَّارٍ لِلْحُلْوَانِيِّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْحَمَّامِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ الْقَصْرَ كُلُّ مَنْ رَوَى عَنْهُ الْقَصْرَ فِي أَخَوَاتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " غَايَةِ الِاخْتِصَارِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَأَكْثَرُ الْمُؤَلِّفِينَ سِوَاهُ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَهُوَ فِي " الْمُبْهِجِ "، وَ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَغَيْرِهَا، عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَقَطَعَ بِهِ سِبْطُ الْخَيَّاطِ
(1/376)

فِي " كِفَايَتِهِ " مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَالْوَجْهَانِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي نَشِيطٍ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَغَيْرِهَا. فَهَذِهِ ضُرُوبُ هَمْزَةِ الْقَطْعِ وَأَقْسَامُهَا وَأَحْكَامُهَا.
وَأَمَّا هَمْزَةُ الْوَصْلِ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ فَتَأْتِي عَلَى قِسْمَيْنِ: مَفْتُوحَةٌ وَمَكْسُورَةٌ. فَالْمَفْتُوحَةُ أَيْضًا عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ اتَّفَقُوا عَلَى قِرَاءَتِهِ بِالِاسْتِفْهَامِ، وَضَرْبٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ آلذَّكَرَيْنِ فِي مَوْضِعَيِ الْأَنْعَامِ آلْآنَ وَقَدْ فِي مَوْضِعَيِ يُونُسَ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ فِي يُونُسَ آللَّهُ خَيْرٌ فِي النَّمْلِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ حَذْفِهَا وَإِثْبَاتِهَا مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ فَرْقًا بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَرِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ تَحْقِيقِهَا لِكَوْنِهَا هَمْزَةَ وَصْلٍ، وَهَمْزَةُ الْوَصْلِ لَا تَثْبُتُ إِلَّا ابْتِدَاءً، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَلْيِينِهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: تُبْدَلُ أَلِفًا خَالِصَةً. وَجَعَلُوا الْإِبْدَالَ لَازِمًا لَهَا كَمَا يَلْزَمُ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ إِذَا وَجَبَ تَخْفِيفُهَا فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ. قَالَ الدَّانِيُّ: هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ. وَهُوَ قِيَاسُ مَا رَوَاهُ الْمِصْرِيُّونَ أَدَاءً، عَنْ وَرْشٍ، عَنْ نَافِعٍ، يَعْنِي فِي نَحْوِ أَأَنْذَرْتَهُمْ وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ، وَبِهِ قَرَأْنَا مِنْ طَرِيقِ " التَّذْكِرَةِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "، وَ " الرَّوْضَةِ "، وَ " الْمُسْتَنِيرِ " وَ " التَّذْكَارِ "، وَالْإِرْشَادَيْنِ، وَالْغَايَتَيْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جُلَّةِ الْمَغَارِبَةِ وَالْمَشَارِقَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَقَالَ آخَرُونَ: تُسَهَّلُ بَيْنَ بَيْنَ؛ لِثُبُوتِهَا فِي حَالِ الْوَصْلِ وَتَعَذُّرِ حَذْفِهَا فِيهِ، فَهِيَ كَالْهَمْزَةِ اللَّازِمَةِ، وَلَيْسَ إِلَى تَخْفِيفِهَا سَبِيلٌ، فَوَجَبَ أَنْ تُسَهَّلَ بَيْنَ بَيْنَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْهَمَزَاتِ الْمُتَحَرِّكَاتُ بِالْفَتْحِ إِذَا وَلِيَتْهُنَّ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ. قَالَ الدَّانِيُّ فِي " الْجَامِعِ ": وَالْقَوْلَانِ جَيِّدَانِ. وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْأَوْجَهُ فِي تَسْهِيلِ هَذِهِ الْهَمْزَةِ، قَالَ: لِقِيَامِهَا فِي الشِّعْرِ مَقَامَ الْمُتَحَرِّكَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مُبْدَلَةً لَقَامَتْ فِيهِ مَقَامَ السَّاكِنِ الْمَحْضِ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَانْكَسَرَ هَذَا الْبَيْتُ:
أَأَلْحَقُّ أَنَّ دَارَ الرَّبَابِ تَبَاعَدَتْ ... أَوِ انْبَتَّ حَبْلٌ أَنَّ قَلْبَكَ طَائِرُ
(1/377)

(قُلْتُ) : وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى شَيْخِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ خَلَفٍ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ " وَشَيْخِهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيِّ صَاحِبِ " الْمُجْتَبَى "، وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي " التَّيْسِيرِ " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَأَجْمَعَ مَنْ أَجَازَ تَسْهِيلَهَا عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِدْخَالُ أَلِفٍ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا يَجُوزُ فِي هَمْزَةِ الْقَطْعِ؛ لِضَعْفِهَا عَنْ هَمْزَةِ الْقَطْعِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ حَرْفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ (بِهِ أَالسِّحْرُ) فِي يُونُسَ، فَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالِاسْتِفْهَامِ، فَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا الْوَجْهَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ مِنَ الْبَدَلِ وَالتَّسْهِيلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلِمِ الثَّلَاثِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمَا الْفَصْلُ فِيهِ بِالْأَلِفِ كَمَا يَجُوزُ فِيهَا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ عَلَى الْخَبَرِ، فَتَسْقُطُ وَصْلًا، وَتُحْذَفُ يَاءُ الصِّلَةِ فِي الْهَاءِ قَبْلَهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
وَأَمَّا هَمْزَةُ الْوَصْلِ الْمَكْسُورَةُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّهَا تُحْذَفُ فِي الدَّرْجِ بَعْدَهَا مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الِالْتِبَاسِ، وَيُؤْتَى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَحْدَهَا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا عَلَى اخْتِلَافٍ فِي بَعْضِهَا يَأْتِي مُسْتَوْفًى فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَهَذِهِ أَقْسَامُ الْهَمْزَتَيْنِ؛ الْأُولَى مِنْهُمَا هَمْزَةُ اسْتِفْهَامٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْأُولَى لِغَيْرِ اسْتِفْهَامٍ فَإِنَّ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا تَكُونُ مُتَحَرِّكَةً وَسَاكِنَةً، فَالْمُتَحَرِّكَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْكَسْرِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ أَئِمَّةَ " فِي التَّوْبَةِ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ وَفِي الْأَنْبِيَاءِ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَفِي الْقَصَصِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَفِيهَا وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَفِي السَّجْدَةِ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً فَحَقَّقَ الْهَمْزَتَيْنِ جَمِيعًا فِي الْخَمْسَةِ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَرَوْحٌ. وَسَهَّلَ الثَّانِيَةَ فِيهَا الْبَاقُونَ، وَهُمْ: نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَرُوَيْسٌ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ رَوْحٍ بِتَسْهِيلِهَا مَعَ مَنْ سَهَّلَ، فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُمْ فِي كَيْفِيَّةِ تَسْهِيلِهَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى أَنَّهَا تُجْعَلُ بَيْنَ بَيْنَ كَمَا هِيَ فِي سَائِرِ بَابِ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ، وَبِهَذَا وَرَدَ النَّصُّ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ أَصْحَابِ وَرْشٍ، فَإِنَّهُ
(1/378)

قَالَ: أَئِمَّةَ بِنَبْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَبَعْدَهَا إِشْمَامُ الْيَاءِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ نَصَّ طَاهِرُ بْنُ سَوَّارٍ، وَالْهُذَلِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ وَابْنُ الْفَحَّامِ الصَّقَلِّيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَأَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ، وَابْنُ سُفْيَانَ وَأَبُو الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ، وَمَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ " التَّيْسِيرِ " وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَغَيْرِهِمَا بِيَاءٍ مُخْتَلَسَةِ الْكَسْرَةِ، وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ مِهْرَانَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ. وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهَا تُجْعَلُ يَاءً خَالِصَةً، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ فِي كَافِيهِ، وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ فِي إِرْشَادِهِ، وَسَائِرُ الْوَاسِطِيِّينَ، وَبِهِ قَرَأْتُ مِنْ طَرِيقِهِمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مُؤْمِنٍ فِي كَنْزِهِ: إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُحَقِّقِينَ يَجْعَلُونَهَا يَاءً خَالِصَةً، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ، وَالدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَالشَّاطِبِيُّ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ مَذْهَبُ النُّحَاةِ.
(قُلْتُ) : وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ أَيْضًا فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْيَاءِ أَيْضًا وَكَيْفِيَّةِ تَسْهِيلِهَا. فَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ فِي بَابِ شَوَاذِّ الْهَمْزِ مِنْ كِتَابِ الْخَصَائِصِ لَهُ: وَمِنْ شَاذِّ الْهَمْزِ عِنْدَنَا قِرَاءَةُ الْكِسَائِيِّ أَئِمَّةَ بِالتَّحْقِيقِ فِيهَا، فَالْهَمْزَتَانِ لَا تَلْتَقِيَانِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَا عَيْنَيْنِ نَحْوُ (سَالَ) وَسَارَ وَجَارٌ فَأَمَّا الْتِقَاؤُهُمَا عَلَى التَّحْقِيقِ مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَضَعِيفٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ لَحْنًا، ثُمَّ قَالَ: لَكِنِ الْتِقَاؤُهُمَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرَ عَيْنَيْنِ لَحْنٌ، إِلَّا مَا شَذَّ مِمَّا حَكَيْنَاهُ فِي خَطَّاءٍ وَبَابِهِ.
(قُلْتُ) : وَلَمَّا ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ التَّحْقِيقَ قَالَ: وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ التَّحْقِيقَ فِي آدَمَ وَآخَرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَكَذَا يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَئِمَّةَ.
(قُلْتُ) : يُشِيرُ إِلَى أَنَّ أَصْلَهَا أَأْيِمَةٌ عَلَى وَزْنِ أَفْعِلَةٍ جَمْعُ إِمَامٍ، فَنَقَلَ حَرَكَةَ الْمِيمِ إِلَى الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ قَبْلَهَا مِنْ أَجْلِ الْإِدْغَامِ؛ لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، فَكَانَ الْأَصْلُ الْإِبْدَالَ مِنْ أَجْلِ السُّكُونِ ; وَلِذَلِكَ نَصَّ أَكْثَرُ النُّحَاةِ عَلَى إِبْدَالِ الْيَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْمُفَصَّلِ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَوَجْهُهُ النَّظَرُ إِلَى أَصْلِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ السُّكُونُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِبْدَالَ مُطْلَقًا. قَالَ: وَتَعَيَّنَتِ الْيَاءُ لِانْكِسَارِهَا الْآنَ، فَأُبْدِلَتْ يَاءً مَكْسُورَةً، وَمَنَعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ تَسْهِيلَهَا بَيْنَ بَيْنَ، قَالُوا: لِأَنَّهَا تَكُونُ بِذَلِكَ فِي حُكْمِ
(1/379)

الْهَمْزَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ جَاءٍ جَائِيٌّ فَقَلَبُوا الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ يَاءً مَحْضَةً؛ لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ إِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ خَالَفَ النُّحَاةَ فِي ذَلِكَ وَاخْتَارَ تَسْهِيلَهَا بَيْنَ بَيْنَ عَمَلًا بِقَوْلِ مَنْ حَقَّقَهَا كَذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، فَقَالَ فِي " الْكَشَّافِ " مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ عِنْدَ ذِكْرِ " أَئِمَّةً ": فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ لَفْظُ أَئِمَّةٍ؟
(قُلْتُ) : هَمْزَةٌ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ، أَيْ: بَيْنَ مَخْرَجِ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ، قَالَ: وَتَحْقِيقُ الْهَمْزَتَيْنِ قِرَاءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِمَقْبُولَةٍ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، قَالَ: وَأَمَّا التَّصْرِيحُ بِالْيَاءِ فَلَيْسَ بِقِرَاءَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ، وَمَنْ صَرَّحَ بِهِ فَهُوَ لَاحِنٌ مُحَرِّفٌ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا مُبَالَغَةٌ مِنْهُ، وَالصَّحِيحُ ثُبُوتُ كُلِّ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي التَّحْقِيقَ وَبَيْنَ بَيْنَ وَالْيَاءَ الْمَحْضَةَ عَنِ الْعَرَبِ، وَصِحَّتُهُ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَمَّنْ تَقَدَّمَ، وَلِكُلٍّ وَجْهٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ سَائِغٌ قَبُولُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِدْخَالِ الْأَلِفِ فَصْلًا بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَنْ حَقَّقَ مِنْهُمْ وَمَنْ سَهَّلَ. فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِإِدْخَالِ الْأَلِفِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَصْلِهِ فِي بَابِ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ، هَذَا مَعَ تَسْهِيلِهِ الثَّانِيَةَ، وَافَقَهُ وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَلَى ذَلِكَ فِي الثَّانِي مِنَ الْقَصَصِ وَفِي السَّجْدَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَانْفَرَدَ النَّهْرَوَانِيُّ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْهُ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَلِيٍّ الْعَطَّارِ بِالْفَصْلِ فِي الْأَنْبِيَاءِ، فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَانْفَرَدَ أَيْضًا ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْهُ، فَلَمْ يُدْخِلْ أَلِفًا بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ بِمَوْضِعٍ، فَخَالَفَ فِيهِ سَائِرَ الْمُؤَلِّفِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ هِشَامٍ، فَرَوَى عَنْهُ الْمَدَّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ وَغَيْرِهِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ أَبُو الْعِزِّ، وَقَطَعَ بِهِ لِلْحَلْوَانِيِّ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ كَابْنِ سَوَّارٍ، وَابْنِ شَيْطَا وَابْنِ فَارِسٍ وَغَيْرِهِمْ وَقَطَعَ بِهِ لِهِشَامٍ مَنْ طُرُقِهِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَفِي " التَّيْسِيرِ " قِرَاءَتُهُ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ - يَعْنِي عَنْ غَيْرِ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ - وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ فَلَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْقَصْرِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا وَقَعَ لَهُ فِيهِ خَلْطُ طَرِيقٍ بِطَرِيقٍ، وَفِي " التَّجْرِيدِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ الْجَمَّالِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ
(1/380)

سَائِرِ الْبَابِ، فَيَكُونُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّذَائِيِّ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ وَالدَّاجُونِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَرَوَى الْقَصْرَ ابْنُ سُفْيَانَ وَالْمَهْدَوِيُّ وَابْنُ شُرَيْحٍ وَابْنَا غَلْبُونَ، وَمَكِّيٌّ، وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ "، وَجُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَعَلَى أَبِي الْفَتْحِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ، وَفِي " التَّجْرِيدِ " مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْجَمَّالِ، وَهُوَ فِي " الْمُبْهِجِ " مِنْ طُرُقِهِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو جَعْفَرٍ بِإِدْخَالِ الْأَلِفِ بَيْنَ الْهَمْزَةِ الْمُحَقَّقَةِ وَالْمُسَهَّلَةِ فِي (أَئِمَّةً) بَلْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو. فَنَافِعٌ، عَنْ رِوَايَةِ الْمُسَيَّبِيِّ وَإِسْمَاعِيلَ جَمِيعًا عَنْهُ، وَأَبُو عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدَانَ، عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، فَكُلُّ مَنْ فَصَلَ بِالْأَلِفِ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِنَّمَا يَفْصِلُ بِهَا فِي حَالِ تَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ، وَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بِهَا فِي حَالِ إِبْدَالِهَا الْيَاءَ الْمَحْضَةَ ; لِأَنَّ الْفَصْلَ إِنَّمَا سَاغَ تَشْبِيهًا لَهَا بِ (أَيِنَّا) ، (أَيِذَا) وَسَائِرِ الْبَابِ، وَذَلِكَ الشَّبَهُ، إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَالَةِ التَّحْقِيقِ أَوِ التَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ، أَمَّا حَالَةُ الْإِبْدَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَصْلًا وَقِيَاسًا، وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ نَصٌّ عَمَّنْ يُعْتَبَرُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ. قَالَ الدَّانِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ مَنْ يُسَهِّلُهَا بَيْنَ بَيْنَ: وَلَا تَكُونُ يَاءً مَحْضَةَ الْكَسْرَةِ فِي مَذْهَبِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْفَصْلَ بِالْأَلِفِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْهَمْزَةِ الْمُحَقَّقَةِ فِي نِيَّةِ هَمْزَةٍ مُحَقَّقَةٍ بِذَلِكَ. قَالَ: وَإِنَّمَا تَحَقَّقَ إِبْدَالُهَا يَاءً مَحْضَةَ الْكَسْرَةِ فِي مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يَرَ التَّحْقِيقَ وَلَا الْفَصْلَ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ النَّحْوِيِّينَ الْبَصْرِيِّينَ. قَالَ: فَأَمَّا مَنْ يَرَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ بَيْنَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. انْتَهَى. وَأَمَّا الْهَمْزَةُ السَّاكِنَةُ بَعْدَ الْمُتَحَرِّكَةِ لِغَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا - أَعْنِي الْمُتَحَرِّكَةَ - تَكُونُ مَفْتُوحَةً وَمَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً نَحْوُ (آسَى وَآتِي وَآمَنَ وَآدَمَ وَآزَرَ، وَأُوتِيَ، وَأُوتِيتُمْ، وَأُوذُوا، وَاؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ، وَإِيمَانٌ، وَإِيلَافِ، وَإِيتِ بِقُرْآنٍ) فَإِنَّ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا تُبْدَلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حَرْفَ مَدٍّ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا، فَتُبْدَلُ أَلِفًا بَعْدَ الْمَفْتُوحَةِ، وَوَاوًا بَعْدَ الْمَضْمُومَةِ، وَيَاءً بَعْدَ الْمَكْسُورَةِ، إِبْدَالًا لَازِمًا وَاجِبًا لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ، لَيْسَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1/381)

بَابٌ فِي الْهَمْزَتَيْنِ الْمُجْتَمِعَتَيْنِ مِنْ كَلِمَتَيْنِ
وَتَأْتِي عَلَى ضَرْبَانِ: مُتَّفِقَتَيْنِ وَمُخْتَلِفَتَيْنِ.
(فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ) الْمُتَّفِقَتَانِ. وَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُتَّفِقَتَانِ بِالْكَسْرِ، وَمُتَّفِقَتَانِ بِالْفَتْحِ، وَمُتَّفِقَتَانِ بِالضَّمِّ. أَمَّا الْمُتَّفِقَتَانِ كَسْرًا فَعَلَى قِسْمَيْنِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمُخْتَلَفٌ عَلَيْهِ. فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ لَفْظًا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا. فِي الْبَقَرَةِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ وَفِي النِّسَاءِ (مِنَ النِّسَا إِلَّا) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي هُودٍ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ وَفِي يُوسُفَ (بِالسُّو إِلَّا) وَفِي الْإِسْرَاءِ وَص: (هَؤُلَا إِلَّا) وَفِي النُّورِ (عَلَى الْبِغَا إِنْ) وَفِي الشُّعَرَاءِ (مِنَ السَّمَا إِنْ كُنْتَ) وَفِي السَّجْدَةِ (مِنَ السَّمَا إِلَى) وَفِي الْأَحْزَابِ (مِنَ النِّسَا إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) وَفِيهَا: (وَلَا أَبْنَا إِخْوَانِهِنَّ) وَفِي سَبَأٍ (مِنَ السَّمَا إِنْ) وَفِيهَا (هَؤُلَا إِيَّاكُمْ) وَفِي الزُّخْرُفِ (فِي السَّمَا إِلَهٌ) ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ (لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ، وَ " بُيُوتَ النَّبِيِّ ") إِلَّا فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ، وَ (مِنَ الشُّهْدَا أَنْ تَضِلَّ) فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وَأَمَّا الْمُتَّفِقَتَانِ فَتْحًا، فَفِي سِتَّةَ عَشَرَ لَفْظًا فِي تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ مَوْضِعًا فِي النِّسَاءِ (السُّفَهَا أَمْوَالَكُمْ) وَفِيهَا وَفِي الْمَائِدَةِ (جَا أَحَدٌ مِنْكُمْ) وَفِي الْأَنْعَامِ (جَا أَحَدَكُمْ) وَفِي الْأَعْرَافِ (تِلْقَا أَصْحَابِ النَّارِ) وَفِيهَا وَفِي يُونُسَ وَهُودٍ وَالنَّحْلِ وَفَاطِرٍ (جَا أَجَلُهُمْ) وَفِي هُودٍ خَمْسَةِ مَوَاضِعَ وَمَوْضِعَيِ " الْمُؤْمِنِينَ " (جَا أَمْرُنَا) وَفِي الْحِجْرِ (وَجَا أَهْلُ) وَفِيهَا وَفِي الْقَمَرِ (جَا آلَ) وَفِي الْحَجِّ (السَّمَا أَنْ تَقَعَ) وَفِي " الْمُؤْمِنِينَ " (جَا أَحَدَهُمْ) وَفِي الْفُرْقَانِ (شَا أَنْ يَتَّخِذَ) وَفِي الْأَحْزَابِ (شَا أَوْ يَتُوبَ) وَفِي غَافِرٍ وَالْحَدِيدِ (جَا أَمْرُ اللَّهِ) وَفِي الْقِتَالِ (جَا أَشْرَاطُهَا) وَفِي الْمُنَافِقِينَ (جَا أَجَلُهَا) وَفِي عَبَسَ (شَا أَنْشَرَهُ) ، وَأَمَّا الْمُتَّفِقَتَانِ ضَمًّا فَمَوْضِعٌ وَاحِدٌ (أَوْلِيَا أُولَئِكَ) فِي الْأَحْقَافِ، فَاخْتَلَفُوا فِي إِسْقَاطِ إِحْدَى الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ ذَلِكَ وَتَخْفِيفِهَا وَتَحْقِيقِهَا. فَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِإِسْقَاطِ الْهَمْزَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا فِي
(1/382)

الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ شَنَبُوذَ، عَنْ قُنْبُلٍ مِنْ أَكْثَرِ طُرُقِهِ، وَأَبُو الطَّيِّبِ، عَنْ رُوَيْسٍ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ الشَّنَبُوذِيُّ، عَنِ النَّقَّاشِ، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْهُ، فَوَهِمَ فِي ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ رِوَايَةُ السَّامَرِّيِّ عَنِ ابْنِ فَرَحٍ، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَوَّارٍ، لِذَلِكَ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمَفْتُوحَتَيْنِ خَاصَّةً قَالُونُ، وَالْبَزِّيُّ، وَسَهَّلَا الْأُولَى مِنَ الْمَكْسُورَتَيْنِ، وَمِنَ الْمَضْمُومَتَيْنِ بَيْنَ بَيْنَ مَعَ تَحْقِيقِ الثَّانِيَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُمَا فِي بِالسُّوءِ إِلَّا، وَلِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ، وَبُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَمَّا بِالسُّوءِ إِلَّا فَأَبْدَلَ الْهَمْزَةَ الْأُولَى مِنْهُمَا وَاوًا وَأَدْغَمَ الْوَاوَ الَّتِي قَبْلَهَا فِيهَا الْجُمْهُورُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ، عَنْ قَالُونَ وَالْبَزِّيِّ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ رِوَايَةً مَعَ صِحَّتِهِ فِي الْقِيَاسِ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي مُفْرَدَاتِهِ: هَذَا الَّذِي لَا يَجُوزُ فِي التَّسْهِيلِ غَيْرُهُ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَتِ الْوَاوُ زَائِدَةً كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ وَقْفِ حَمْزَةَ، وَإِنَّمَا الْأَصْلُ فِي تَسْهِيلِ هَذِهِ الْهَمْزَةِ هُوَ النَّقْلُ؛ لِوُقُوعِ الْوَاوِ قَبْلَهَا أَصْلِيَّةً عَيْنَ الْفِعْلِ، كَمَا سَيَأْتِي. قَالَ مَكِّيٌّ فِي " التَّبْصِرَةِ ": وَالْأَحْسَنُ الْجَارِي عَلَى الْأُصُولِ إِلْغَاءُ الْحَرَكَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ - يَعْنِي عَنْ قَالُونَ.
(قُلْتُ) : قَدْ قَرَأْتُ بِهِ عَنْهُ، وَعَنِ الْبَزِّيِّ مِنْ طَرِيقِ الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعَ قُوَّتِهِ قِيَاسًا ضَعِيفٌ رِوَايَةً، وَذَكَرَهُ أَبُو حَيَّانَ، وَقَرَأْنَا بِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ عَنْهُ، وَسَهَّلَ الْهَمْزَةَ الْأُولَى مِنْهُمَا بَيْنَ بَيْنَ؛ طَرْدًا لِلْبَابِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَذَكَرَهُ مَكِّيٌّ أَيْضًا، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الشَّاطِبِيَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " عَنْهُمَا. وَذَكَرَ عَنْهُمَا كُلًّا مِنَ الْوَجْهَيْنِ ابْنُ بَلِّيمَةَ، وَأَمَّا (لِلنَّبِيءِ) ، وَ (النَّبِيءُ) فَظَاهِرُ عِبَارَةِ أَبِي الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ أَنْ تُجْعَلَ الْهَمْزَةُ فِيهِمَا بَيْنَ بَيْنَ فِي مَذْهَبِ قَالُونَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْيَاءِ سَاكِنَةً قَبْلَهَا، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَلِفًا لَمَا امْتَنَعَ جَعْلُهَا بَيْنَ بَيْنَ بَعْدَهَا لُغَةً.
(قُلْتُ) : وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، وَالصَّحِيحُ قِيَاسًا وَرِوَايَةً مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْأَئِمَّةِ قَاطِبَةً، وَهُوَ الْإِدْغَامُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا نَأْخُذُ بِغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدِ انْفَرَدَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ عَنِ الْفَرْضِيِّ، عَنِ ابْنِ بُويَانَ، عَنْ
(1/383)

قَالُونَ بِإِسْقَاطِ الْأُولَى مِنَ الْمَضْمُومَتَيْنِ كَمَا يُسْقِطُهَا فِي الْمَفْتُوحَتَيْنِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ بُويَانَ بِإِسْقَاطِ الْأُولَى مِنَ الْمُتَّفِقَتَيْنِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْفَرَدَ الدَّانِيُّ، عَنْ أَبِي الْفَتْحِ، مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ قَالُونَ بِتَحْقِيقِ الْأُولَى وَتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ مِنِ الْمَضْمُومَتَيْنِ وَالْمَكْسُورَتَيْنِ وَبِذَلِكَ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَرُوَيْسٌ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي الطَّيِّبِ وَالْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ وَرْشٍ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَاخْتُلِفَ، عَنْ قُنْبُلٍ وَالْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ، أَمَّا قُنْبُلٌ فَرَوَى عَنْهُ الْجُمْهُورُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُجَاهِدٍ جَعْلَ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ فِيهَا بَيْنَ بَيْنَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَلَا صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ " فِي تَسْهِيلِهَا غَيْرَهُ. وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَوَّارٍ عَنْهُ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَنَبُوذَ. وَرَوَى عَنْهُ عَامَّةُ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ، وَإِبْدَالُهَا حَرْفَ مَدٍّ خَالِصٍ فَتُبْدَلُ فِي حَالَةِ الْكَسْرِ يَاءً خَالِصَةً سَاكِنَةً، وَحَالَةِ الْفَتْحِ أَلِفًا خَالِصَةً، وَحَالَةِ الضَّمِّ وَاوًا خَالِصَةً سَاكِنَةً، وَهُوَ الَّذِي قُطِعَ بِهِ فِي " الْهَادِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ شَنَبُوذَ إِسْقَاطَ الْأُولَى فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ سَوَّارٍ: قَالَ: شَيْخُنَا أَبُو تَغْلِبَ: قَالَ ابْنُ شَنَبُوذَ: إِذَا لَمْ تُحَقَّقِ الْهَمْزَتَيْنِ فَاقْرَأْ كَيْفَ شِئْتَ. قَالَ ابْنُ سَوَّارٍ: فَيَصِيرُ لَهُ - يَعْنِي لِابْنِ شَنَبُوذَ - ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ، أَحَدُهَا: كَأَبِي عَمْرٍو وَمُوَافِقِيهِ، وَالثَّانِي: كَالْبَزِّيِّ وَمُوَافِقِيهِ، وَالثَّالِثُ: كَأَبِي جَعْفَرٍ وَمُوَافِقِيهِ.
(قُلْتُ) : وَقَدْ ذَكَرَ الدَّانِيُّ أَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ حَكَى هَذَا الْوَجْهَ عَنْ قُنْبُلٍ. ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ أَقْرَأْ بِهِ، وَلَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ يَأْخُذُ فِي مَذْهَبِهِ. انْتَهَى. وَأَمَّا الْأَزْرَقُ فَرَوَى عَنْهُ إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ حُرُوفَ مَدٍّ كَوَجْهِ قُنْبُلٍ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْمِصْرِيِّينَ، وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، كَابْنِ سُفْيَانَ، وَالْمَهْدَوِيِّ، وَابْنِ الْفَحَّامِ الصَّقَلِّيِّ، وَكَذَا فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَقَالَا: إِنَّهُ الْأَحْسَنُ لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الدَّانِيُّ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَذَكَرَهُ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ الَّذِي رَوَاهُ الْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ أَدَاءً. ثُمَّ قَالَ: وَالْبَدَلُ عَلَى غَيْرِ
(1/384)