Advertisement

النشر في القراءات العشر 003



الكتاب: النشر في القراءات العشر
المؤلف : شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، محمد بن محمد بن يوسف (المتوفى : 833 هـ)
المحقق : علي محمد الضباع (المتوفى 1380 هـ)
الناشر : المطبعة التجارية الكبرى [تصوير دار الكتاب العلمية]
عدد الأجزاء : 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] قِيَاسٍ، وَرَوَى عَنْهُ تَسْهِيلَهَا بَيْنَ بَيْنَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَقْسَامِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، كَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ بَلِّيمَةَ وَأَبِي الطَّاهِرِ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ فِي " التَّيْسِيرِ " غَيْرَهُ، وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ، وَابْنُ شُرَيْحٍ وَالشَّاطِبِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا عَنْهُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَهُمَا (هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ، وَ " الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ ") فَرَوَى عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ رُوَاةِ التَّسْهِيلِ جَعْلَ الثَّانِيَةِ فِيهَا يَاءً مَكْسُورَةً، وَذَكَرَ فِي " التَّيْسِيرِ " أَنَّهُ قَرَأَ بِهِ عَلَى ابْنِ خَاقَانَ، عَنْهُ، وَإِنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ فِي الْأَدَاءِ، وَقَالَ فِي " الْجَامِعِ ": إِنَّ الْخَاقَانِيَّ، وَأَبَا الْفَتْحِ وَأَبَا الْحَسَنِ اسْتَثْنَوْهَا، فَجَعَلُوا الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا يَاءً مَكْسُورَةً مَحْضَةَ الْكَسْرَةِ، قَالَ: وَبِذَلِكَ كَانَ يَأْخُذُ فِيهِمَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ هِلَالٍ وَأَبُو غَانِمِ بْنُ حَمْدَانَ وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ أُسَامَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ النَّخَّاسُ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ أَدَاءً، قَالَ: وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ سَيْفٍ عَنْهُ إِجْرَاءَهُمَا كَسَائِرِ نَظَائِرِهِمَا، وَقَدْ قَرَأْتُ بِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَبِي الْفَتْحِ وَأَبِي الْحَسَنِ، وَأَكْثَرُ مَشْيَخَةِ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى الْأَوَّلِ.
(قُلْتُ) : فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ بِالْوَجْهَيْنِ عَلَى كُلٍّ مِنْ أَبِي الْفَتْحِ وَأَبِي الْحَسَنِ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِغَيْرِ إِبْدَالِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ عَلَى ابْنِ خَاقَانَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِمَا الْوَجْهَيْنِ - أَعْنِي التَّسْهِيلَ وَالْيَاءَ الْمَكْسُورَةَ - أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ بَلِّيمَةَ فِي تَلْخِيصِهِ، وَابْنُ غَلْبُونَ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَالَ: إِنَّ الْأَشْهَرَ التَّسْهِيلُ، عَلَى أَنَّ عِبَارَةَ " جَامِعِ الْبَيَانِ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُشْكِلَةٌ، وَانْفَرَدَ خَلَفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَاقَانَ الْخَاقَانِيُّ فِيمَا رَوَاهُ الدَّانِيُّ عَنْهُ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْأَزْرَقِ بِجَعْلِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْمَضْمُومَتَيْنِ وَاوًا مَضْمُومَةً خَفِيفَةَ الضَّمَّةِ، قَالَ الدَّانِيُّ: كَجَعْلِهِ إِيَّاهَا يَاءً خَفِيفَةَ الْكَسْرَةِ فِي هَؤُلَاءِ إِنْ، وَالْبِغَاءِ إِنْ قَالَ: وَرَأَيْتُ أَبَا غَانِمٍ وَأَصْحَابَهُ قَدْ نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ عَنْ وَرْشٍ، وَتَرْجَمُوا عَنْهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ، ثُمَّ حَكَى مِثَالَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَّاسِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ وَرْشٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلَّذِي رَوَاهُ لِي خَلَفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَصْحَابِهِ، وَأَقْرَأَنِي بِهِ عَنْهُمْ، قَالَ: وَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسِ التَّلْيِينِ.
(قُلْتُ) : وَالْعَمَلُ عَلَى غَيْرِ هَذَا عِنْدَ سَائِرِ أَهْلِ الْأَدَاءِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي " التَّيْسِيرِ " مَعَ إِسْنَادِهِ رِوَايَةَ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خَاقَانَ، وَاللَّهُ
(1/385)

أَعْلَمُ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ فِي الْمَضْمُومَتَيْنِ وَسَائِرِ الْمَكْسُورَتَيْنِ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي " الْمُبْهِجِ " عَنِ الشَّذَائِيِّ، عَنِ ابْنِ بُويَانَ فِي رِوَايَةِ قَالُونَ، وَتَرْجَمَ عَنْ ذَلِكَ بِكَسْرَةٍ خَفِيفَةٍ وَبِضَمَّةٍ خَفِيفَةٍ، وَلَوْ لَمْ يُغَايِرْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ لِقِيلَ: إِنَّهُ يُرِيدُ التَّسْهِيلَ. وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا رَوَى عَنْهُ الْبَدَلَ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ، وَهُمُ ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَرَوْحٌ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ جَمِيعًا فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ رَوْحٍ بِتَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا كَأَبِي جَعْفَرٍ وَمُوَافِقِيهِ، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ عَنْهُ ابْنُ أَشْتَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَوَّارٍ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَفْتُوحَيْنِ وَهُوَ شَاءَ أَنْشَرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الضَّرْبُ الثَّانِي) الْمُخْتَلِفَتَانِ، وَوَقَعَ مِنْهُمَا فِي الْقُرْآنِ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَكَانَتِ الْقِسْمَةُ تَقْتَضِي سِتَّةً:
(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَفْتُوحَةٌ وَمَضْمُومَةٌ، وَهُوَ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ.
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مَفْتُوحَةٌ وَمَكْسُورَةٌ، وَوَرَدَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَهِيَ (شُهَدَاءَ إِذْ) فِي الْبَقَرَةِ وَالْأَنْعَامِ (وَالْبَغْضَاءَ إِلَى) فِي مَوْضِعَيِ الْمَائِدَةِ، وَفِيهَا: (عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ) ، (وَأَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا) فِي التَّوْبَةِ، وَفِيهَا (إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ) ، وَ (شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ) فِي يُونُسَ وَ (الْفَحْشَاءَ إِنَّهُ) فِي يُوسُفَ، وَفِيهَا وَجَاءَ إِخْوَةُ وَ (أَوْلِيَاءَ إِنَّا) فِي الْكَهْفِ. وَ (الدُّعَاءَ إِذَا مَا) فِي الْأَنْبِيَاءِ (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ) فِي الشُّعَرَاءِ، وَ (الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا) بِالنَّمْلِ وَالرُّومِ وَ (الْمَاءَ إِلَى) فِي السَّجْدَةِ، وَ (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى) فِي الْحُجُرَاتِ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مَوْضِعَانِ، وَهُمَا (زَكَرِيَّاءَ إِذْ) فِي مَرْيَمَ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَخَلَفٍ، وَحَفْصٍ.
(وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَضْمُومَةٌ وَمَفْتُوحَةٌ، وَوَقَعَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفًا فِيهِ، فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَهِيَ (السُّفَهَاءُ أَلَا) فِي الْبَقَرَةِ (نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ) فِي الْأَعْرَافِ
(1/386)

وَفِيهَا (تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا) ، وَ (سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) فِي التَّوْبَةِ، (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) فِي هُودٍ، وَ (الْمَلَأُ أَفْتُونِي) فِي مَوْضِعَيْ يُوسُفَ وَالنَّمْلِ، وَ (يَشَاءُ أَلَمْ تَرَ) فِي إِبْرَاهِيمَ، (الْمَلَأُ أَيُّكُمْ) فِي النَّمْلِ، وَ (جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ) فِي فُصِّلَتْ، وَ (وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا) فِي الِامْتِحَانِ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مَوْضِعَانِ، وَهُمَا (النَّبِيءُ أَوْلَى) ، وَ (إِنْ أَرَادَ النَّبِيءُ أَنْ) فِي الْأَحْزَابِ عَلَى قِرَاءَةِ نَافِعٍ.
(وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ) مَكْسُورَةٌ وَمَفْتُوحَةٌ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَهِيَ: مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ فِي الْبَقَرَةِ، وَ (هَؤُلَاءِ أَهْدَى) فِي النِّسَاءِ، وَلَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ فِي الْأَعْرَافِ وَهَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا، وَمِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا كِلَاهُمَا فِيهَا أَيْضًا، وَمِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا فِي الْأَنْفَالِ، وَ (مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ) فِي مَوْضِعَيْ يُوسُفَ، وَ (هَؤُلَاءِ آلِهَةً) فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَ (هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ) فِي الْفُرْقَانِ، وَ (مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ) فِيهَا، وَ (مِنَ السَّمَاءِ آيَةً) فِي الشُّعَرَاءِ، وَأَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ فِي الْأَحْزَابِ، وَ (فِي السَّمَاءِ أَنْ) فِي مَوْضِعَيِ الْمُلْكِ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ (مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ) فِي غَيْرِ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَكْسُورَتَيْنِ.
(وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ) مَضْمُومَةٌ وَمَكْسُورَةٌ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ مَوْضِعًا، وَهُوَ (يَشَاءُ إِلَى) فِي مَوْضِعَيِ الْبَقَرَةِ، وَيُونُسَ، وَالْحَجِّ، وَالنُّورِ، (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا) فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا، وَ (مَا يَشَاءُ إِذَا) فِي آلِ عِمْرَانَ (يَشَاءُ إِنَّ) فِيهَا، وَفِي النُّورِ، وَفَاطِرٍ، وَ (مَنْ يَشَاءُ إِنَّ) فِي الْأَنْعَامِ، وَ (السُّوءُ إِنْ) فِي الْأَعْرَافِ، وَ (نَشَاءُ إِنَّكَ) فِي هُودٍ، وَ (يَشَاءُ إِنَّهُ) فِي يُوسُفَ وَمَوْضِعَيِ الشُّورَى، وَ (مَا يَشَاءُ إِلَى) فِي الْحَجِّ، وَ (شُهَدَاءُ إِلَّا) فِي النُّورِ، وَ (يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي) فِي النَّمْلِ، وَ (الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ) فِي فَاطِرٍ، وَ (الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ) فِيهَا وَ (السَّيِّئُ إِلَّا) فِيهَا أَيْضًا، وَ (يَشَاءُ إِنَاثًا) فِي الشُّورَى.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ سِتَّةُ مَوَاضِعَ (أَوَّلُهَا) (يَا ذَكَرِيَّاءُ إِنَّا) فِي مَرْيَمَ فِي غَيْرِ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَخَلَفٍ، وَحَفْصٍ، وَبَاقِيهَا (يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ، وَيَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِنَّا أَحْلَلْنَا) فِي الْأَحْزَابِ،
(1/387)

وَ (يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِذَا جَاءَكَ) فِي الِامْتِحَانِ، وَ (يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِذَا) فِي الطَّلَاقِ، وَ (النَّبِيءُ إِلَى) فِي التَّحْرِيمِ، وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ.
(قِسْمٌ سَادِسٌ) وَهُوَ كَوْنُ الْأُولَى مَكْسُورَةً وَالثَّانِيَةِ مَضْمُومَةً، عَكْسُ الْخَامِسِ، لَمْ يَرِدْ لَفْظُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ مَعْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَصَصِ (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً) وَالْمَعْنَى: وَجَدَ عَلَى الْمَاءِ أُمَّةً، فَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ وَرُوَيْسٌ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ الْأُولَى وَتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ، وَتَسْهِيلُهَا عِنْدَهُمْ أَنْ تُجْعَلَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بَيْنَ بَيْنَ، وَتُبْدَلَ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَاوًا مَحْضَةً، وَفِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ يَاءً كَذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي كَيْفِيَّةِ تَسْهِيلِ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا تُبْدَلُ وَاوًا خَالِصَةً مَكْسُورَةً، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْقُرَّاءِ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ قَدِيمًا، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْكِفَايَةِ " لِأَبِي الْعِزِّ، قَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَدَاءِ، قَالَ: وَكَذَا حَكَى أَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: وَكَذَا حَكَى أَبُو بَكْرٍ الشَّذَائِيُّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى غَيْرِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: وَبِذَلِكَ قَرَأْتُ أَنَا عَلَى أَكْثَرِ شُيُوخِي، وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: وَبِذَلِكَ قَرَأْتُ عَلَى عَامَّةِ شُيُوخِي الْفَارِسِيِّ، وَالْخَاقَانِيِّ، وَابْنِ غَلْبُونَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا تُجْعَلُ بَيْنَ بَيْنَ، أَيِ الْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَئِمَّةِ النَّحْوِ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ، وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْقُرَّاءِ حَدِيثًا، وَحَكَاهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ نَصًّا عَنِ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَرَوَاهُ الشَّذَائِيُّ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى شَيْخِهِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ عَنْ شُيُوخِهِ، وَقَالَ الدَّانِيُّ: إِنَّهُ الْأَوْجَهُ فِي الْقِيَاسِ، وَإِنَّ الْأَوَّلَ آثَرُ فِي النَّقْلِ.
(قُلْتُ) : وَبِالتَّسْهِيلِ قَطَعَ مَكِّيٌّ، وَالْمَهْدَوِيُّ، وَابْنُ سُفْيَانَ، وَصَاحِبُ " الْعُنْوَانِ "، وَأَكْثَرُ مُؤَلِّفِي الْكُتُبِ، كَصَاحِبِ " الرَّوْضَةِ " وَ " الْمُبْهِجِ "، وَالْغَايَتَيْنِ، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَنَصَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّذْكِرَةِ "، وَ " التَّيْسِيرِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَصَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " فِي آخِرِ فَاطِرٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَرَأَ بِالتَّسْهِيلِ عَلَى الْفَارِسِيِّ وَعَبْدِ الْبَاقِي. وَقَدْ أَبْعَدَ وَأَغْرَبَ ابْنُ شُرَيْحٍ فِي
(1/388)

كَافِيهِ، حَيْثُ حَكَى تَسْهِيلَهَا كَالْوَاوِ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ نَقْلًا وَإِمْكَانِهِ لَفْظًا، فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ تَحْوِيلِ كَسْرِ الْهَمْزَةِ ضَمَّةً، أَوْ تَكَلُّفِ إِشْمَامِهَا الضَّمَّ، وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَهُمُ ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ، وَرَوْحٌ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ جَمِيعًا فِي الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ رَوْحٍ بِالتَّسْهِيلِ مِثْلَ رُوَيْسٍ وَالْجَمَاعَةِ.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) اخْتَلَفَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَاءِ فِي تَعْيِينِ إِحْدَى الْهَمْزَتَيْنِ الَّتِي أَسْقَطَهَا أَبُو عَمْرٍو وَمَنْ وَافَقَهُ، فَذَهَبَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ غَلْبُونَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، وَأَبُو الْحَسَنِ الْحَمَّامِيُّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو الْعِزِّ إِلَى أَنَّ السَّاقِطَةَ هِيَ الثَّانِيَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ النُّحَاةِ، وَذَهَبَ سَائِرُ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى أَنَّهَا الْأُولَى. وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْمِثْلَيْنِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْمَدِّ قَبْلُ. فَمَنْ قَالَ بِإِسْقَاطِ الْأُولَى كَانَ الْمَدُّ عِنْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُنْفَصِلِ، وَمَنْ قَالَ بِإِسْقَاطِ الثَّانِيَةِ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَّصِلِ.
(وَالثَّانِي) إِذَا أُبْدِلَتِ الثَّانِيَةُ مِنَ الْمُتَّفِقَتَيْنِ حَرْفَ مَدٍّ فِي مَذْهَبِ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَزْرَقِ وَقُنْبُلٍ وَقَعَ بَعْدَهُ سَاكِنٌ - زِيدَ فِي مَدِّ حَرْفِ الْمَدِّ الْمُبْدَلِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ سَاكِنٌ لَمْ يَزِدْ عَلَى مِقْدَارِ حَرْفِ الْمَدِّ السَّاكِنِ نَحْوُ هَؤُلَا إِنْ كُنْتُمْ، (جَا أَمْرُنَا) وَغَيْرُ السَّاكِنِ نَحْوُ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ، جَاءَ أَحَدَهُمُ، أَولِيَاءُ أُولَئِكَ، وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ.
(الثَّالِثُ) إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ مِنَ الْمَفْتُوحَتَيْنِ أَلِفٌ فِي مَذْهَبِ الْمُبْدِلِينَ أَيْضًا، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ جَاءَ آلَ لُوطٍ، وَجَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ فَهَلْ تُبْدَلُ الثَّانِيَةُ فِيهِمَا كَسَائِرِ الْبَابِ أَمْ تُسَهَّلُ مِنْ أَجْلِ الْأَلِفِ بَعْدَهَا؟ قَالَ الدَّانِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُبْدِلُهَا فِيهِمَا ; لِأَنَّ بَعْدَهَا أَلِفًا فَيَجْتَمِعُ أَلِفَانِ وَاجْتِمَاعُهُمَا مُتَعَذِّرٌ،
(1/389)

فَوَجَبَ لِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَ بَيْنَ لَا غَيْرَ ; لِأَنَّ هَمْزَةَ بَيْنَ بَيْنَ فِي رُتْبَةِ الْمُتَحَرِّكَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُبْدِلُهَا فِيهِمَا كَسَائِرِ الْبَابِ، ثُمَّ فِيهَا بَعْدَ الْبَدَلِ وَجْهَانِ: أَنْ تُحْذَفَ لِلسَّاكِنَيْنِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا تُحْذَفَ وَيُزَادَ فِي الْمَدِّ، فَتَفْصِلُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ، وَتَمْنَعُ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا. انْتَهَى. وَهُوَ جَيِّدٌ، وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْحَذْفِ الزِّيَادَةَ فِي الْمَدِّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَوَى الْمَدَّ عَنِ الْأَزْرَقِ لِوُقُوعِ حَرْفِ الْمَدِّ بَعْدَ هَمْزٍ ثَابِتٍ، فَحَكَى فِيهِ الْمَدَّ وَالتَّوَسُّطَ وَالْقَصْرَ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إِنَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي تَخْفِيفِ إِحْدَى الْهَمْزَتَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ، إِنَّمَا هُوَ فِي حَالَةِ الْوَصْلِ، فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى الْكَلِمَةِ الْأُولَى أَوْ بَدَأْتَ بِالثَّانِيَةِ حَقَّقْتَ الْهَمْزَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ، إِلَّا مَا يَأْتِي فِي وَقْفِ حَمْزَةَ وَهِشَامٍ فِي بَابِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

بَابٌ فِي الْهَمْزِ الْمُفْرَدِ
وَهُوَ يَأْتِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: سَاكِنٌ، وَمُتَحَرِّكٌ، وَيَقَعُ فَاءً مِنَ الْفِعْلِ وَعَيْنًا وَلَامًا.
(فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ) السَّاكِنُ، وَيَأْتِي بِاعْتِبَارِ حَرَكَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَضْمُومٌ مَا قَبْلَهُ نَحْوُ (يُؤْمِنُونَ، وَرُؤْيَا، وَمُؤْتَفِكَةُ، وَلُؤْلُؤٌ، وَيَسُؤْكُمْ، وَيَقُولُ ائْذَنْ لِي) وَمَكْسُورٌ نَحْوُ (بِئْسَ، وَجِئْتَ، وَشِئْتَ، وَرُوحًا، وَنَبِّئْ، وَالَّذِي ائْتُمِنَ) وَمَفْتُوحٌ نَحْوُ (فَأَتُوهُنَّ، فَأْذَنُوا، وَآتَوْا، وَأْمُرْ أَهْلَكَ، وَمَأْوَى، وَاقْرَأْ، وَإِنْ يَشَأْ، وَالْهُدَى ائْتِنَا) فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ جَمِيعَ ذَلِكَ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ فِيهِ حَرْفَ مَدٍّ بِحَسَبِ حَرَكَةِ مَا قَبْلَهُ إِنْ كَانَتْ ضَمَّةً فَوَاوٌ، أَوْ كَسْرَةً فَيَاءٌ، أَوْ فَتْحَةً فَأَلِفٌ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ كَلِمَتَيْنِ، وَهُمَا أَنْبِئْهُمْ فِي الْبَقَرَةِ وَنَبِّئْهُمْ فِي الْحِجْرِ وَالْقَمَرِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ نَبِّئْنَا فِي يُوسُفَ. فَرَوَى عَنْهُ تَحْقِيقَهَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ مِنْ رِوَايَتَيِ ابْنِ وَرْدَانَ وَابْنِ جَمَّازٍ جَمِيعًا. وَرَوَى الْهُذَلِيُّ إِبْدَالَهَا مِنْ طَرِيقِ
(1/390)

الْهَاشِمِيِّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، وَرَوَى تَحْقِيقَهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَكَذَا أَبُو الْعِزِّ مِنْ طَرِيقِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنْهُ، وَإِبْدَالُهَا عَنْهُ مِنْ سَائِرِ طُرُقِهِ، وَقَطَعَ لَهُ بِالتَّحْقِيقِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَأَطْبَقَ الْخِلَافَ عَنْهُ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ، وَأَجْمَعَ الرُّوَاةُ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ وَاوًا فِي (رُؤْيَا، وَالرُّؤْيَا) وَمَا جَاءَ مِنْهُ يَقْلِبُ الْوَاوَ يَاءً، وَيُدْغِمُ الْيَاءَ فِي الْيَاءِ الَّتِي بَعْدَهَا مُعَامَلَةً لِلْعَارِضِ مُعَامَلَةَ الْأَصْلِيِّ، وَإِذَا أَبْدَلَ (تُؤْوِي وَتُؤْوِيهِ) جَمَعَ بَيْنَ الْوَاوَيْنِ مُظْهِرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى رِئْيًا وَافَقَهُ وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَلَى الْإِبْدَالِ فِي الْبَابِ كُلِّهِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ وَخَمْسَةَ أَفْعَالٍ، فَالْأَسْمَاءُ (الْبَأْسِ وَالْبَأْسَاءِ، اللُّؤْلُؤُ وَلُؤْلُؤٌ) حَيْثُ وَقَعَ (وَرِئْيًا) فِي مَرْيَمَ وَ (الْكَأْسُ وَالرَّأْسُ) حَيْثُ وَقَعَا، وَالْأَفْعَالُ: جِئْتُ وَمَا جَاءَ مِنْهُ، نَحْوُ (أَجِئْتَنَا، وَجِئْنَاهُمْ، وَجِئْتُمُونَا، وَنَبِّئْ) وَمَا جَاءَ مِنْ لَفْظِهِ نَحْوُ (أَنْبِئْهُمْ، وَنَبِّئْهُمْ، وَنَبِّئْ عِبَادِي، وَنَبَّأْتُكُمَا، وَأَمْ لَمْ يُنَبَّأْ) وَقَرَأْتُ، وَمَا جَاءَ مِنْهُ نَحْوُ (قَرَأْنَاهُ، وَاقْرَأْ، وَهَيِّئْ، وَيُهَيِّئْ، وَتُؤْوِي، وَتُؤْوِيهِ) وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى اسْتِثْنَائِهِ نَصًّا وَأَدَاءً، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ فَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا سِوَى (ذَرَأْنَا وَتَبَرَّأْنَا) بِخِلَافٍ، فَوَهِمَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْهُذَلِيُّ حَيْثُ لَمْ يَسْتَثْنِ الْأَفْعَالَ، وَانْفَرَدَ الصَّفْرَاوِيُّ بِاسْتِثْنَاءِ (يَشَا، وَيَسُوهُمْ، وَرُويَا) فَحَكَى فِيهَا خِلَافًا، وَأَظُنُّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَبِي مَعْشَرٍ الطَّبَرِيِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا فَهِمَ، إِذْ قَدْ نَصَّ أَبُو مَعْشَرٍ عَلَى إِبْدَالِهَا وَبَابِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَالْهَمْزُ أَظْهَرُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَتَحَقَّقَ فِيهَا سِوَى الْإِبْدَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، فَإِنَّهُ يُبْدِلُ الْهَمْزَةَ إِذَا وَقَعَتْ فَاءً مِنَ الْفِعْلِ نَحْوُ (يُومِنُونَ، وَيَالَمُونَ، وَيَاخُذُ، وَمُومِنٌ، وَلِقَانَا ايْتِ، وَالْمُوتَفِكَاتُ) وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا مُطَّرِدًا، وَهُوَ مَا جَاءَ مِنْ بَابِ الْإِيوَاءِ نَحْوُ (تُؤْوِي إِلَيْكَ، وَالَّتِي تُؤْوِيهِ، وَالْمَأْوَى، وَمَأْوِيكُمْ، وَفَأْوُوا) وَلَمْ يُبْدِلْ مِمَّا وَقَعَ عَيْنًا مِنَ الْفِعْلِ سِوَى (بِيسَ) كَيْفَ أَتَى وَ (الْبِيرُ، وَالذِّيبُ) وَحَقَّقَ مَا عَدَا ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي إِبْدَالِ الْهَمْزِ السَّاكِنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مُبَيَّنًا فِي أَوَّلِ بَابِ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ، وَنُشِيرُ هُنَا إِلَى زِيَادَةٍ تَتَعَيَّنُ مَعْرِفَتُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّانِيَّ قَالَ
(1/391)

فِي " التَّيْسِيرِ ": اعْلَمْ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ إِذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ أَدْرَجَ الْقِرَاءَةَ، أَوْ قَرَأَ بِالْإِدْغَامِ لَمْ يَهْمِزْ كُلَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ. انْتَهَى. فَخَصَّ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ بِمَا إِذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ أَدْرَجَ الْقِرَاءَةَ، أَوْ قَرَأَ بِالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ، وَقَيَّدَهُ مَكِّيٌّ وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَالْمَهْدَوِيُّ، وَابْنُ سُفْيَانَ بِمَا إِذَا أَدْرَجَ الْقِرَاءَةَ، أَوْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ": اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الْيَزِيدِيِّ عَنْهُ فِي الْحَالِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُ تَرْكَ الْهَمْزِ فِيهَا، فَحَكَى أَبُو عَمْرٍو، وَعَامِرٌ الْمَوْصِلِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْيَزِيدِيُّونَ عَنْهُ، أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ إِذَا قَرَأَ فَأَدْرَجَ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَهْمِزْ مَا كَانَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَجْزُومَةً، ثُمَّ قَالَ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُسْرِعْ فِي قِرَاءَتِهِ وَاسْتَعْمَلَ التَّحْقِيقَ هَمَزَ. قَالَ: وَحَكَى أَبُو شُعَيْبٍ عَنْهُ، أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ إِذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَهْمِزْ، ثُمَّ قَالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ - سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَ الْحَدْرَ أَوِ التَّحْقِيقَ - هَمَزَ.
قَالَ: وَحَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَإِبْرَاهِيمُ فِي رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ وَأَبُو حَمْدُونٍ وَأَبُو خَلَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الدُّورِيِّ، أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ إِذَا قَرَأَ لَمْ يَهْمِزْ، ثُمَّ قَالَ: فَدَلَّ قَوْلُهُمْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَهْمِزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَفِي حَدْرٍ أَوْ تَحْقِيقٍ. انْتَهَى.
وَالْمَقْصُودُ بِالْإِدْرَاجِ هُوَ الْإِسْرَاعُ، وَهُوَ ضِدُّ التَّحْقِيقِ، لَا كَمَا فَهِمَهُ مَنْ لَا فَهْمَ لَهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ الْوَصْلُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْوَقْفِ، وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو إِنَّمَا يُبْدِلُ الْهَمْزَ فِي الْوَصْلِ فَإِذَا وَقَفَ حَقَّقَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ يُتَّبَعُ وَلَا قِيَاسٌ يُسْتَمَعُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ: وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَلَهُ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا التَّحْقِيقُ مَعَ الْإِظْهَارِ وَالتَّخْفِيفُ مَعَ الْإِدْغَامِ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَالثَّانِي التَّخْفِيفُ مَعَ الْإِظْهَارِ وَجْهٌ وَاحِدٌ. انْتَهَى. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ التَّحْقِيقِ مَعَ الْإِدْغَامِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لِأَبِي عَمْرٍو كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ أَجْمَعُوا عَمَّنْ رَوَى الْبَدَلَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو عَلَى اسْتِثْنَاءِ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً فِي خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ مَوْضِعًا تَنْحَصِرُ فِي خَمْسِ مَعَانٍ:
(الْأَوَّلُ) الْجَزْمُ وَيَأْتِي فِي سِتَّةِ أَلْفَاظٍ، وَهِيَ (يَشَاءُ) فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ
(1/392)

فِي النِّسَاءِ مَوْضِعٌ، وَفِي الْأَنْعَامِ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ، وَفِي إِبْرَاهِيمَ مَوْضِعٌ، وَفِي سُبْحَانَ مَوْضِعَانِ، وَفِي فَاطِرٍ مَوْضِعٌ، وَفِي الشُّورَى مَوْضِعَانِ، وَنَشَاءُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الشُّعَرَاءِ وَسَبَأٍ وَيس (وَتَسُؤْ) فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي آلِ عِمْرَانَ، وَالْمَائِدَةِ، وَالتَّوْبَةِ (وَنَنْسَاهَا) فِي الْبَقَرَةِ (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ) فِي الْكَهْفِ (وَأَمْ لَمْ يُنَبَّأْ) فِي النَّجْمِ.
(وَالثَّانِي الْأَمْرُ) وَهُوَ الْبِنَاءُ لَهُ، وَيَأْتِي فِي سِتَّةِ أَلْفَاظٍ أَيْضًا، وَهِيَ (أَنْبِئْهُمْ) فِي الْبَقَرَةِ وَ (أَرْجِهْ) فِي الْأَعْرَافِ وَالشُّعَرَاءِ، وَ (نَبِّئْنَا) فِي يُوسُفَ، وَ (نَبِّئْ عِبَادِي) فِي الْحِجْرِ، (وَنَبِّئْهُمْ) فِيهَا أَيْضًا وَفِي الْقَمَرِ، وَ (اقْرَأْ) فِي سُبْحَانَ وَمَوْضِعَيِ الْعَلَقِ (وَهَيِّئْ لَنَا) فِي الْكَهْفِ.
(الثَّالِثُ) الثِّقَلُ، وَهُوَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ أَتَتْ فِي مَوْضِعَيْنِ (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ) فِي الْأَحْزَابِ (وَتُؤْوِيهِ) فِي الْمَعَارِجِ ; لِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ هَمْزُهُ لَاجْتَمَعَ وَاوَانِ، وَاجْتِمَاعُهُمَا أَثْقَلُ مِنَ الْهَمْزِ.
(الرَّابِعُ) الِاشْتِبَاهُ، وَهُوَ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ (وَرِئْيًا) فِي مَرْيَمَ ; لِأَنَّهُ بِالْهَمْزِ مِنَ الرُّوَاءِ، وَهُوَ الْمَنْظَرُ الْحَسَنُ، فَلَوْ تُرِكَ هَمْزُهُ لَاشْتَبَهَ بِرِيِّ الشَّارِبِ، وَهُوَ امْتِلَاؤُهُ، وَانْفَرَدَ عَبْدُ الْبَاقِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ السَّامَرِّيِّ، عَنِ السُّوسِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ فِيهَا يَاءً، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْيَاءَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِدْغَامٍ، كَأَحَدِ وَجْهَيْ حَمْزَةَ فِي الْوَقْفِ، كَمَا سَيَأْتِي، وَقِيَاسُ ذَلِكَ (تُؤْوِي، وَتُؤْوِيهِ) وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ شَيْئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) الْخُرُوجُ مِنْ لُغَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَهُوَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فِي مَوْضِعَيْنِ (مُؤْصَدَةٌ) فِي الْبَلَدِ، وَالْهُمَزَةِ ; لِأَنَّهُ بِالْهَمْزِ مِنْ آصَدْتُ، أَيْ: أَطْبَقْتُ، فَلَوْ تُرِكَ لَخَرَجَ إِلَى لُغَةِ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ مِنْ أَرْصَدْتُ، وَانْفَرَدَ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْيَزِيدِيِّ فِيمَا رَوَاهُ الدَّانِيُّ وَابْنُ الْفَحَّامِ الصَّقَلِّيُّ، عَنْ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَكَذَا أَبُو الصَّقْرِ الدَّوْرَقِيُّ، عَنْ زَيْدٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مِهْرَانَ عَنْهُ بِعَدَمِ اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الدُّورِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ فَرَحٍ، فَخَالَفَا سَائِرَ النَّاسِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَانْفَرَدَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ مِنْ (بَارِئِكُمْ) فِي حَرْفَيِ الْبَقَرَةِ بِإِحَالَةِ قِرَاءَتِهَا بِالسُّكُونِ لِأَبِي عَمْرٍو مُلْحِقًا ذَلِكَ بِالْهَمْزِ السَّاكِنِ الْمُبْدَلِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ; لِأَنَّ إِسْكَانَ هَذِهِ الْهَمْزَةِ عَارِضٌ
(1/393)

تَخْفِيفًا، فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ. وَإِذَا كَانَ السَّاكِنُ اللَّازِمُ حَالَةَ الْجَزْمِ وَالْبِنَاءِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، فَهَذَا أَوْلَى وَأَيْضًا، فَلَوِ اعْتُدَّ بِسُكُونِهَا وَأُجْرِيَتْ مَجْرَى اللَّازِمِ كَانَ إِبْدَالُهَا مُخَالِفًا أَصْلَ أَبِي عَمْرٍو، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُشْتَبَهُ بِأَنْ يَكُونَ مِنَ الْبَرَا وَهُوَ التُّرَابُ، وَهُوَ فَقَدْ هَمَزَ " مُؤْصَدَةٌ " وَلَمْ يُخَفِّفْهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَعَ أَصَالَةِ السُّكُونِ فِيهَا، فَإِنَّ الْهَمْزَ فِي هَذَا أَوْلَى، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَقِيَ أَحْرُفٌ وَافَقَهُمْ بَعْضُ الْقُرَّاءِ عَلَى إِبْدَالِهَا، وَخَالَفَ آخَرُونَ فَهَمَزُوهَا، وَهِيَ (الذِّئْبُ) فِي مَوْضِعَيْ يُوسُفَ وَ (اللُّؤْلُؤُ، وَلُؤْلُؤٌ) مُعَرَّفًا وَمُنَكَّرًا (وَالْمُؤْتَفِكَةَ، وَالْمُؤْتَفِكَاتِ) حَيْثُ وَقَعَا (وَرِئْيًا) فِي مَرْيَمَ، وَ (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) فِي الْكَهْفِ وَالْأَنْبِيَاءِ (وَضِيزَى) فِي النَّجْمِ، وَ (مُؤْصَدَةٌ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، أَمَّا (الذِّئْبُ) فَوَافَقَهُمْ عَلَى إِبْدَالِهِ وَرْشٌ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ، وَأَمَّا (اللُّؤْلُؤُ، وَلُؤْلُؤٌ) فَوَافَقَهُمْ عَلَى إِبْدَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَأَمَّا (وَالْمُؤْتَفِكَةَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ) فَاخْتُلِفَ فِيهِمَا عَنْ قَالُونَ. فَرَوَى أَبُو نَشِيطٍ فِيمَا قَطَعَ بِهِ ابْنُ سَوَّارٍ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ، وَغَيْرُهُمْ إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ مِنْهُمَا، وَكَذَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْجَمَّالِ وَغَيْرِهِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَهُوَ طَرِيقُ الطَّبَرِيِّ وَالْعَلَوِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِمَا، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَكَذَا رَوَى الشَّحَّامُ عَنْ قَالُونَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ لَهُ الدَّانِيُّ فِي " الْمُفْرَدَاتِ "، وَقَالَ فِي " الْجَامِعِ ": وَبِذَلِكَ قَرَأْتُ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي حَمَّادٍ وَابْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَغَيْرِهِمَا، وَبِذَلِكَ آخُذُ.
قَالَ: وَقَالَ لِي أَبُو الْفَتْحِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ - يَعْنِي بِالْهَمْزِ - قَالَ الدَّانِيُّ: وَهُوَ وَهْمٌ ; لِأَنَّ الْحُلْوَانِيَّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ بِغَيْرِ هَمْزٍ. انْتَهَى.
وَرَوَى الْجُمْهُورُ، عَنْ قَالُونَ بِالْهَمْزِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْمَغَارِبَةُ وَالْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ سِوَاهُ، وَالْوَجْهَانِ عَنْهُ صَحِيحَانِ، بِهِمَا قَرَأْتُ وَبِهِمَا آخُذُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا (وَرِئْيًا) فَقَرَأَهُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ أَبُو جَعْفَرٍ، وَقَالُونُ وَابْنُ ذَكْوَانَ، وَانْفَرَدَ هِبَةُ اللَّهِ الْمُفَسِّرُ، عَنْ زَيْدٍ، عَنِ الدَّاجُونِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ هِشَامٍ بِذَلِكَ، وَرَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْهُ بِالْهَمْزِ وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَأَمَّا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
(1/394)

فَقَرَأَهُمَا عَاصِمٌ بِالْهَمْزِ، وَقَرَأَهُمَا الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَأَمَّا (ضِيزَى) فَقَرَأَهُ بِالْهَمْزِ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَأَمَّا (مُؤْصَدَةٌ) فَقَرَأَهُ بِالْهَمْزِ أَبُو عَمْرٍو، وَيَعْقُوبُ وَحَمْزَةُ وَخَلَفٌ وَحَفْصٌ، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ.

(وَالضَّرْبُ الثَّانِي) الْمُتَحَرِّكُ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ مُتَحَرِّكٌ قَبْلَهُ مُتَحَرِّكٌ، وَمُتَحَرِّكٌ قَبْلَهُ سَاكِنٌ، أَمَّا الْمُتَحَرِّكُ الْمُتَحَرِّكُ مَا قَبْلَهُ فَاخْتَلَفُوا فِي تَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ مِنْهُ فِي سَبْعَةِ أَحْوَالٍ.
(الْأَوَّلُ) أَنْ تَكُونَ مَفْتُوحَةً وَقَبْلَهَا مَضْمُومٌ، فَإِنَّ كَانَتْ فَاءً مِنَ الْفِعْلِ فَاتَّفَقَ أَبُو جَعْفَرٍ وَوَرْشٌ عَلَى إِبْدَالِهَا وَاوًا نَحْوُ (يُوَدِّهِ، وَيُوَاخِذُ، وَيُوَلِّفُ، وَمُوَجَّلًا، وَمُوَذِّنٌ، وَالْمُوَلَّفَةِ) وَاخْتَلَفَ ابْنُ وَرْدَانَ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ (يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ) فِي آلِ عِمْرَانَ، فَرَوَى ابْنُ شَبِيبٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْعَلَّافِ وَغَيْرِهِ، وَابْنِ هَارُونَ مِنْ طَرِيقِ الشَّطَوِيِّ وَغَيْرِهِ، كِلَاهُمَا عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ تَحْقِيقَ الْهَمْزَةِ فِيهِ. وَكَذَا رَوَى الرَّهَاوِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْفَضْلِ، وَكَأَنَّهُ رَاعَى فِيهِ وُقُوعَ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَ الْوَاوِ، فَيَجْتَمِعُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ مِنْ حُرُوفِ الْعِلَّةِ، وَرَوَى سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْهُ الْإِبْدَالَ طَرْدًا لِلْبَابِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ جَمَّازٍ، وَاخْتَلَفَ أَيْضًا عَنْ وَرْشٍ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ (مُؤَذِّنٌ) فِي الْأَعْرَافِ وَيُوسُفَ. فَرَوَى عَنْهُ الْأَصْبَهَانِيُّ تَحْقِيقَ الْهَمْزَةِ فِيهِ، وَكَأَنَّهُ رَاعَى مُنَاسَبَةَ لَفْظِ (فَأَذَّنَ) وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ مَقْصُودَةٌ عِنْدَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحُرُوفِ، وَرَوَى عَنْهُ الْأَزْرَقُ الْإِبْدَالَ عَلَى أَصْلِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا مِنَ الْفِعْلِ، فَإِنَّ الْأَصْبَهَانِيَّ عَنْ وَرْشٍ اخْتَصَّ بِإِبْدَالِهَا فِي حَرْفٍ، وَهُوَ (الْفُوَادَ، وَفُوَادُ) وَهُوَ فِي هُودٍ، وَسُبْحَانَ، وَالْفُرْقَانِ، وَالْقَصَصِ، وَالنَّجْمِ. وَإِنْ كَانَتْ لَامًا مِنَ الْفِعْلِ، فَإِنَّ حَفْصًا اخْتَصَّ بِإِبْدَالِهَا فِي (هُزُوًا) ، وَهُوَ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ، فِي الْبَقَرَةِ مَوْضِعَانِ (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا، وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) وَفِي الْمَائِدَةِ مَوْضِعَانِ (لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا، وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا) وَفِي الْكَهْفِ مَوْضِعَانِ (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا
(1/395)

وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) وَفِي الْأَنْبِيَاءِ (إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا) ، وَكَذَا فِي الْفُرْقَانِ، وَفِي لُقْمَانَ (اتَّخَذَهَا هُزُوًا، وَاتَّخَذَهَا هُزُوًا) فِي الْجَاثِيَةِ، وَفِي (كُفُّوا) ، وَهُوَ فِي الْإِخْلَاصِ.
(الثَّانِي) أَنْ تَكُونَ مَفْتُوحَةً وَقَبْلَهَا مَكْسُورٌ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يُبْدِلُهَا يَاءً فِي (رِئَاءَ النَّاسِ) ، وَهُوَ فِي الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَنْفَالِ، وَفِي (خَاسِئًا) فِي الْمُلْكِ، وَفِي (نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) فِي الْمُزَّمِّلِ، وَفِي (شَانِئَكَ) ، وَهُوَ فِي الْكَوْثَرِ، وَفِي (اسْتُهْزِئَ) ، وَهُوَ فِي الْأَنْعَامِ وَالرَّعْدِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَفِي (قُرِئَ) ، وَهُوَ فِي الْأَعْرَافِ وَالِانْشِقَاقِ، وَفِي (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) ، وَهُوَ فِي النَّحْلِ وَالْعَنْكَبُوتِ، وَفِي (لَيُبَطِّئَنَّ) ، وَهُوَ فِي النِّسَاءِ، وَفِي (مُلِئَتْ) ، وَهُوَ فِي الْجِنِّ، وَكَذَلِكَ (يُبْدِلُهَا) فِي (خَاطِئَةٍ، وَالْخَاطِئَةُ، وَمِئَةَ، وَفِئَةٍ) وَتَثْنِيَتُهُمَا، وَانْفَرَدَ الشَّطَوِيُّ عَنِ ابْنِ هَارُونَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْعَلَّافِ، عَنْ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ شَبِيبٍ، فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْ زَيْدٍ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فِي (مَوْطِيًا) فَقَطَعَ لَهُ بِالْإِبْدَالِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَكَذَلِكَ الْهُذَلِيُّ مِنْ رِوَايَتَيِ ابْنِ وَرْدَانَ وَابْنِ جَمَّازٍ جَمِيعًا، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا هَمْزَةٌ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَبُو الْعِزِّ وَلَا ابْنُ سَوَّارٍ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا إِبْدَالًا، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، بِهِمَا قَرَأْتُ، وَبِهِمَا آخُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَافَقَهُ الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ وَرْشٍ فِي (خَاسِيًا) ، وَ (نَاشِيَةَ) وَ (مُلِيَتْ) وَزَادَ فَأَبْدَلَ (فَبِأَيِّ) حَيْثُ وَقَعَ مَسْبُوقًا بِالْفَاءِ نَحْوُ (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ) ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِيمَا تَجَرَّدَ عَنِ الْفَاءِ نَحْوُ (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) فَرَوَى الْحَمَّامِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ وَالْمُطَّوِّعِيِّ كِلَاهُمَا عَنْهُ إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ فِيهَا، وَبِهِ قَطَعَ فِي " الْكَامِلِ " وَ " التَّجْرِيدُ "، وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " أَنَّهُ قَرَأَ لَهُ بِالْوَجْهَيْنِ فِي (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) عَلَى شَيْخِهِ الشَّرِيفِ، وَرَوَى التَّحْقِيقَ، عَنْ سَائِرِ الرُّوَاةِ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْفَرَدَ أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ بِالْإِبْدَالِ فِي (شَانِيكَ) وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ فِي " الْكَامِلِ " بِالْإِبْدَالِ فِي (لَنُبَوِّيَنَّهُمْ)
(1/396)

وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِبْدَالًا فِي هَذَا الْحَالِ، فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ، وَاخْتَصَّ الْأَزْرَقُ عَنْ وَرْشٍ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً فِي (لِئَلَّا) فِي الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَدِيدِ.
(الثَّالِثُ) أَنْ تَكُونَ مَضْمُومَةً بَعْدَ كَسْرٍ وَبَعْدَهَا وَاوٌ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَحْذِفُ الْهَمْزَةَ وَيَضُمُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ أَجْلِ الْوَاوِ نَحْوُ (مُسْتَهْزُونَ، وَالصَّابُونَ، وَمُتَّكُونَ، وَمَالُونَ، وَلِيُوَاطُوا، وَيُطْفُوا، وَقُلِ اسْتَهْزُوا) وَمَا أَتَى مِنْ ذَلِكَ، وَوَافَقَهُ نَافِعٌ عَلَى (الصَّابُونَ) ، وَهُوَ فِي الْمَائِدَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ (الْمُنْشِئُونَ) فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْهَمْزِ ابْنُ الْعَلَّافِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، وَالنَّهْرَوَانِيُّ مِنْ طَرِيقَيِ الْإِرْشَادِ وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ وَالْحَنْبَلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكِفَايَةِ، وَبِهِ قَطَعَ لَهُ الْأَهْوَازِيُّ، وَبِذَلِكَ قَطَعَ أَبُو الْعِزِّ فِي " الْإِرْشَادِ " مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ هِبَةِ اللَّهِ، وَهُوَ بِخِلَافِ مَا قَالَ فِي " الْكِفَايَةِ "، وَبِالْحَذْفِ قَطَعَ ابْنُ مِهْرَانَ وَالْهُذَلِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَنَصَّ لَهُ عَلَى الْخِلَافِ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ، وَالْوَجْهَانِ عَنْهُ صَحِيحَانِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ فِي حَذْفِهِ. وَقَدْ خَصَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْأَلْفَاظَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ (نَبِّيُونِي وَأَنْبِيُونِي، وَيَتَّكِيُونَ، وَيَسْتَنْبُونَكَ) وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعِزِّ وَالْهُذَلِيِّ الْعُمُومُ، عَلَى أَنَّ الْأَهْوَازِيَّ وَغَيْرَهُ نَصَّ عَلَيْهَا، وَلَا يَظْهَرُ فَرْقٌ سِوَى الرِّوَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) أَنْ تَكُونَ مَضْمُومَةً بَعْدَ فَتْحٍ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَحْذِفُهَا فِي (وَلَا يَطُونَ، وَلَمْ تَطُوهَا، وَأَنْ تَطُوهُمْ) وَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ بِتَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ فِي (رَءُوفٌ) حَيْثُ وَقَعَ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بِتَسْهِيلِ (تَبَوَّءُوا الدَّارَ) كَذَلِكَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَهْوَازِيِّ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ.
(الْخَامِسُ) أَنْ تَكُونَ مَكْسُورَةً بَعْدَ كَسْرٍ بَعْدَهَا، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَحْذِفُ الْهَمْزَةَ فِي (مُتَّكِئِينَ، وَالصَّابِئِينَ وَالْخَاطِئِينَ وَخَاطِئِينَ وَالْمُسْتَهْزِئِينَ) حَيْثُ وَقَعَتْ، وَوَافَقَهُ نَافِعٌ فِي (الصَّابِينَ) ، وَهُوَ فِي الْبَقَرَةِ وَالْحَجِّ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِحَذْفِهَا فِي (خَاسِئِينَ) أَيْضًا.
(السَّادِسُ) أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةً بَعْدَ فَتْحٍ، فَاتَّفَقَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ عَلَى تَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ نَحْوُ (أَرَأَيْتَكُمْ، وَأَرَأَيْتُمْ، وَأَرَأَيْتَ، وَأَفَرَأَيْتُمْ) حَيْثُ وَقَعَ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الْأَزْرَقِ
(1/397)

عَنْ وَرْشٍ فِي كَيْفِيَّةِ تَسْهِيلِهَا، فَرَوَى عَنْهُ بَعْضُهُمْ إِبْدَالَهَا أَلِفًا خَالِصَةً، وَإِذَا أَبْدَلَهَا مَدَّ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ مَدًّا مُشْبَعًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ بَابِ الْمَدِّ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَعِنْدَ الدَّانِيِّ فِي غَيْرِ " التَّيْسِيرِ "، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ " التَّنْبِيهُ ": إِنَّهُ قَرَأَ بِالْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ مَكِّيٌّ: وَقَدْ قِيلَ عَنْ وَرْشٍ إِنَّهُ يُبْدِلُهَا أَلِفًا، وَهُوَ أَحْرَى فِي الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ النَّقْلَ وَالْمُشَافَهَةَ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَدِّ عَنْهُ، وَتَمْكِينُ الْمَدِّ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْبَدَلِ، وَجَعْلُهَا بَيْنَ بَيْنَ أَقْيَسُ عَلَى أُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ، قَالَ: وَحُسْنُ جَوَازِ الْبَدَلِ فِي الْهَمْزَةِ وَبَعْدَهَا سَاكِنٌ أَنَّ الْأَوَّلَ حَرْفُ مَدٍّ وَلِينٍ. فَالْمَدُّ الَّذِي يَحْدُثُ مَعَ السُّكُونِ يَقُومُ مَقَامَ حَرَكَةٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى النُّطْقِ بِالسَّاكِنِ. انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ غَلِطَ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ: لَيْسَ غَلَطًا عَلَيْهِ، بَلْ هِيَ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ عَنْهُ، فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ الْقَاسِمَ بْنَ سَلَّامٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَوَى أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ، وَنَافِعًا، وَغَيْرَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُسْقِطُونَ الْهَمْزَةَ غَيْرَ أَنَّهُمْ يَدَعُونَ الْأَلِفَ خَلَفًا مِنْهَا، فَهَذَا يَشْهَدُ بِالْبَدَلِ. وَهُوَ مَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ، حَكَاهُ قُطْرُبٌ وَغَيْرُهُ.
(قُلْتُ) : وَالْبَدَلُ فِي قِيَاسِ الْبَدَلِ فِي (أَأَنْذَرْتَهُمْ) وَبَابِهِ، إِلَّا أَنَّ بَيْنَ بَيْنَ فِي هَذَا أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ وَاخْتَصَّ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ وَرْشٍ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ فِي (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ) وَفِي (أَفَأَمِنَ) وَهُوَ (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ، أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا، أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ) وَلَا سَادِسَ لَهَا، وَلِذَا سَهَّلَهَا فِي (أَفَأَنْتَ، أَفَأَنْتُمْ) وَكَذَلِكَ سَهَّلَ الثَّانِيَةَ مِنْ (لَأَمْلَأَنَّ) وَوَقَعَتْ فِي الْأَعْرَافِ، وَهُودٍ، وَالسَّجْدَةِ، وَص، وَكَذَلِكَ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ " كَأَنَّ " كَيْفَ أَتَتْ، مُشَدَّدَةً أَمْ مُخَفَّفَةً نَحْوُ (كَأَنَّهُمْ، كَأَنَّكَ، وَكَأَنَّمَا، وَكَأَنَّهُ، وَكَأَنَّهُنَّ، وَوَيْكَأَنَّهُ، وَكَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنْ لَمْ تَغْنَ، وَكَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) وَكَذَلِكَ فِي الْهَمْزَةِ فِي (تَأَذَّنَ) فِي الْأَعْرَافِ خَاصَّةً، وَكَذَلِكَ الْهَمْزَةُ مِنْ: (وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) فِي يُونُسَ وَ (اطْمَأَنَّ بِهِ) فِي الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ الْهَمْزَةُ مِنْ (رَأَى) فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ (رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، وَرَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) فِي يُوسُفَ
(1/398)

وَ (رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ، وَرَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً) فِي النَّمْلِ، وَ (رَآهَا تَهْتَزُّ) فِي الْقَصَصِ خَاصَّةً، وَ (رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ) فِي الْمُنَافِقِينَ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي (تَأَذَّنَ) فِي إِبْرَاهِيمَ. فَرَوَى صَاحِبُ " الْمُسْتَنِيرِ " وَصَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، وَغَيْرُهُمَا تَحْقِيقَ الْهَمْزَةِ فِيهِ، وَرَوَى الْهُذَلِيُّ، وَالْحَافِظُ، وَأَبُو الْعَلَاءِ، وَغَيْرُهُمَا تَسْهِيلَهَا، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي الْعِزِّ فِي " الْكِفَايَةِ "، فَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْهُ التَّحْقِيقُ، وَفِي بَعْضِهَا التَّسْهِيلُ، وَنَصَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَبُو مُحَمَّدٍ فِي " الْمُبْهِجِ "، وَانْفَرَدَ النَّهْرَوَانِيُّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو الْعِزِّ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَالْجَمَاعَةُ عَنْهُ بِالتَّحْقِيقِ فِي (اطْمَأَنَّ بِهِ) فِي الْحَجِّ، وَانْفَرَدَ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو الْعِزِّ، وَابْنُ سَوَّارٍ بِالتَّحْقِيقِ فِي (رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ) فِي النَّمْلِ وَ (رَآهَا تَهْتَزُّ) فِي الْقَصَصِ وَ (رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ) فِي الْمُنَافِقِينَ، وَانْفَرَدَ السِّبْطُ فِي " الْمُبْهِجِ " بِالْوَجْهَيْنِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَفِي (رَأَيْتُهُمْ لِي) فِي يُوسُفَ (وَرَآهُ مُسْتَقِرًّا) وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنْهُ بِإِطْلَاقِ تَسْهِيلِ (رَاتْهُ، وَرَاهَا) وَمَا يُشْبِهُهُ، فَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ تَسْهِيلُ (رَأَيْتَ، وَرَآهُ) وَمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ. وَهُوَ خِلَافُ مَا رَوَاهُ سَائِرُ النَّاسِ مِنَ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ. نَعَمْ، أَطْلَقَ ذَلِكَ كَذَلِكَ نَصًّا الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيِّ عَنْهُ، وَلَيْسَ مِنْ طُرُقِنَا، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ رِوَايَتَيْهِ بِتَسْهِيلِ (تَاخَّرَ) ، وَهُوَ فِي الْبَقَرَةِ وَالْفَتْحِ (أَوْ يَتَاخَّرُ) فِي الْمُدَّثِّرِ، فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ بِتَسْهِيلِ (تَاذَّنَ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الْبَزِّيِّ فِي تَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ مِنْ (لَاعْنَتَكُمْ) فِي الْبَقَرَةِ، فَرَوَى الْجُمْهُورُ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْهُ التَّسْهِيلَ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ مِنْ طَرِيقَيْهِ. وَرَوَى صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَنْهُ التَّحْقِيقَ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْحُبَابِ عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ سِوَاهُ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنِ الْبَزِّيِّ، وَاخْتَصَّ أَبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ فِي (مُتَّكَأً) فِي يُوسُفَ، فَيَصِيرُ مِثْلُ: مُتَّقَى.
(السَّابِعُ) أَنْ تَكُونَ مَكْسُورَةً بَعْدَ فَتْحٍ. فَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ فِي (تَطْمِينُّ، وَبِيسَ) حَيْثُ وَقَعَ، وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ. وَأَمَّا الْمُتَحَرِّكُ
(1/399)

السَّاكِنُ مَا قَبْلَهُ فَلَا يَخْلُو السَّاكِنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَلِفًا، أَوْ يَاءً، أَوْ زَايًا. فَإِنْ كَانَ أَلِفًا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي (اسْرَايِلَ وَكَايِّنْ) فِي قِرَاءَةِ الْمَدِّ (وَهَانْتُمْ وَاللَّايِ) وَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الْأَلِفِ مِنْ (كَهَيَّةِ الطَّايِرِ، فَيَكُونُ طَايِرًا) مِنْ مَوْضِعَيْ آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةِ خَاصَّةً، وَسَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَى التَّحْقِيقِ فِيهَا وَفِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (اسْرَايِلَ وَكَايِّنْ) حَيْثُ وَقَعَا فَسَهَّلَ الْهَمْزَةَ فِيهِمَا أَبُو جَعْفَرٍ، وَحَقَّقَهَا الْبَاقُونَ، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي (كَايِّنْ) فِي مَوْضِعِهِ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ فِي (كَأَيِّنْ) فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْفَرَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْعَطَّارُ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ فِي مَوْضِعِ الْعَنْكَبُوتِ مَعَ إِدْخَالِ الْأَلِفِ قَبْلَهَا كَأَبِي جَعْفَرٍ سَوَاءً، وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ وَعَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (هَانْتُمْ) فِي مَوْضِعَيْ آلِ عِمْرَانَ، وَفِي النِّسَاءِ، وَالْقِتَالِ، فَاخْتَلَفُوا فِي تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ فِيهَا وَفِي تَسْهِيلِهَا وَفِي حَذْفِ الْأَلِفِ مِنْهَا، فَقَرَأَ نَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقَيْهِ، فَوَرَدَ عَنِ الْأَزْرَقِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
(الْأَوَّلُ) حَذْفُ الْأَلِفِ، فَيَأْتِي بِهَمْزَةٍ مُسَهَّلَةٍ بَعْدَ الْهَاءِ مِثْلُ (هَعَنْتُمْ) ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ فِي " التَّيْسِيرِ " غَيْرَهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الشَّاطِبِيَّةِ وَالْإِعْلَانِ.
(الثَّانِي) إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ أَلِفًا مَحْضَةً، فَتَجْتَمِعُ مَعَ النُّونِ وَهِيَ سَاكِنَةٌ، فَيُمَدُّ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي فِي " الْهَادِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " الشَّاطِبِيَّةِ " وَ " الْإِعْلَانِ ".
(الثَّالِثُ) إِثْبَاتُ الْأَلِفِ كَقِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَقَالُونَ، إِلَّا أَنَّهُ مُشْبَعًا عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْعُنْوَانِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ، وَوَرَدَ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ وَجْهَانِ.
(أَحَدُهُمَا) حَذْفُ الْأَلِفِ كَالْوَجْهِ الْأَوَّلِ عَنِ الْأَزْرَقِ، وَهُوَ طَرِيقُ الْمُطَّوِّعِيِّ عَنْهُ، وَطَرِيقُ الْحَمَّامِيِّ مِنْ جُمْهُورِ طُرُقِهِ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْهُ.
(وَالثَّانِي) إِثْبَاتُهَا كَقَالُونَ، وَمَنْ مَعَهُ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ النَّهْرَوَانِيُّ مِنْ طُرُقِهِ، عَنْ
(1/400)

هِبَةِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ رَوَى صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، عَنِ الْفَارِسِيِّ، عَنِ الْحَمَّامِيِّ، عَنْهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ مِهْرَانَ وَغَيْرُهُ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ أَيْضًا، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الْأَلِفِ وَهُمُ: ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْكُوفِيُّونَ، وَيَعْقُوبُ، وَانْفَرَدَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ وَمَنْ تَبِعَهُ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ، عَنْ رُوَيْسٍ، فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ قُنْبُلٍ، فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ حَذْفَ الْأَلِفِ، فَتَصِيرُ مِثْلَ (سَالْتُمْ) ، وَهُوَ كَالْوَجْهِ الْأَوَّلِ عَنْ وَرْشٍ، إِلَّا أَنَّهُ بِالتَّحْقِيقِ، وَكَذَا رَوَى نَظِيفٌ، وَابْنُ بُويَانَ وَابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ الصَّبَّاحِ، كُلُّهُمْ عَنْ قُنْبُلٍ، وَوَافَقَ قُنْبُلًا عَلَى ذَلِكَ عَنِ الْقَوَّاسِ أَحْمَدِ بْنِ يَزِيدَ الْحُلْوَانِيِّ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ فِي " " التَّذْكِرَةِ " "، وَ " الْعُنْوَانِ "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْإِرْشَادِ "، عَنْ قُنْبُلٍ سِوَاهُ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ شَنَبُوذَ إِثْبَاتَهَا كَرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ، وَكَذَا رَوَى الزَّيْنَبِيُّ، وَابْنُ بَقَرَةَ وَأَبُو رَبِيعَةَ، وَإِسْحَاقُ الْخُزَاعِيُّ وَصِهْرُ الْأَمِيرِ، وَالْيَقْطِينِيُّ وَالْبَلْخِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، عَنْ قُنْبُلٍ، رَوَاهُ بَكَّارٌ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مِهْرَانَ غَيْرَهُ، وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الزَّيْنَبِيِّ أَنَّهُ رَدَّ الْحَذْفَ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَرَأَ عَلَى قُنْبُلٍ بِمَدٍّ تَامٍّ، وَكَذَا قَرَأَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْقَوَّاسِ، وَأَصْحَابِ الْبَزِّيِّ وَابْنِ فُلَيْحٍ. وَهِمَ ابْنُ مُجَاهِدٍ فِي رِوَايَةِ الْحَذْفِ، وَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ: وَلَوْ جَازَ فِي (هَا أَنْتُمْ، هَانْتُمْ) مِثْلُ (هَعَنْتُمْ) لَجَازَ فِي (هَاذَا) هَذَا، فَيَصِيرُ حَرْفًا بِمَعْنًى آخَرَ.
(قُلْتُ) : وَفِيمَا قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ نَظَرٌ، وَحَذْفُ الْأَلِفِ فِي (هَانْتُمْ) فَقَدْ صَحَّ مِنْ رِوَايَةِ وَرْشٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَمِنْ رِوَايَةِ مَنْ ذَكَرْنَا، عَنْ قُنْبُلٍ، وَعَنْ شَيْخِهِ الْقَوَّاسِ، وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَمْدُونَ، وَإِبْرَاهِيمَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيِ الْيَزِيدِيِّ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ شُجَاعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَزَادَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْيَزِيدِيُّ، عَنْ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: عَلَى مَعْنَى (أَانْتُمْ) فَصُيِّرَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً، وَزَادَ أَبُو حَمْدُونَ عَنِ الْيَزِيدِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إِنَّمَا هِيَ (آنْتُمْ) مَمْدُودَةً، فَجَعَلُوا مَكَانَ الْهَمْزَةِ هَاءً، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ هَذَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. فَقَدْ رَوَاهُ
(1/401)

عَنِ الْعَرَبِ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ وَقَالَا: الْأَصْلُ (أَأَنْتُمْ) فَأَبْدَلَ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ " هَا "؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَخْرَجِهَا، وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ، وَهُمْ حُجَّةُ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ جَازَ فِي (هَانْتُمْ) مِثْلُ (هَعَنْتُمْ) لَجَازَ فِي (هَاذَا) هَذَا - فَكِلَاهُمَا جَائِزٌ مَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَتَى صَوَاحِبُهَا فَقُلْنَ هَذَا الَّذِي ... مَنَحَ الْمَوَدَّةَ غَيْرَنَا وَجَفَانَا
أَنْشَدَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَقَالَ: يُرِيدُ إِذَا الَّذِي، فَأَبْدَلَ الْهَمْزَةَ هَاءً.
(قُلْتُ) : وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ وَلَا يَتَعَيَّنُ، بَلْ يَجُوزُ أَنَّ الْأَصْلَ (هَا) فِي (هَاذَا) لِلتَّنْبِيهِ، فَحُذِفَتْ أَلِفُهَا كَمَا حُذِفَتْ أَلِفُ (هَا) التَّنْبِيهِ نَحْوُ (أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) وَقْفًا، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ أَشْكَلِ حُرُوفِ الِاخْتِلَافِ وَأَغْمَضِهَا وَأَدَقِّهَا، وَتَحْقِيقُ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الرُّوَاةُ عَنِ الْأَئِمَّةِ فِيهَا حَالَ تَحْقِيقِ هَمْزَتِهَا وَتَسْهِيلِهَا لَا يَتَحَصَّلُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الْهَاءِ الَّتِي فِي أَوَّلِهَا؛ أَهِيَ لِلتَّنْبِيهِ أَمْ مُبْدَلَةٍ مِنْ هَمْزَةٍ؟ فَبِحَسَبِ مَا يُسْتَقَرُّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ يُقْضَى لِلْمَدِّ وَالْقَصْرِ بَعْدَهَا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْهَاءَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو، وَقَالُونَ، وَهِشَامٍ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّنْبِيهِ، وَأَنْ تَكُونُ مُبْدَلَةً مِنْ هَمْزَةٍ، وَعَلَى مَذْهَبِ قُنْبُلٍ وَوَرْشٍ لَا تَكُونُ إِلَّا مُبْدَلَةً لَا غَيْرَ، قَالَ: وَعَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَزِّيِّ وَابْنِ ذَكْوَانَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلتَّنْبِيهِ فَمَنْ جَعَلَهَا لِلتَّنْبِيهِ، وَمَيَّزَ بَيْنَ الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ فِي حُرُوفِ الْمَدِّ لَمْ يَزِدْ فِي تَمْكِينِ الْأَلِفِ سَوَاءٌ حَقَّقَ الْهَمْزَةَ أَوْ سَهَّلَهَا. وَمَنْ جَعَلَهَا مُبْدَلَةً، وَكَانَ مِمَّنْ يَفْصِلُ بِالْأَلِفِ زَادَ فِي التَّمْكِينِ سَوَاءٌ أَيْضًا حَقَّقَ الْهَمْزَةَ أَوْ لَيَّنَهَا. انْتَهَى. وَقَدْ تَبِعَهُ فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَزَادَ عَلَيْهِ احْتِمَالَ وَجْهَيِ الْإِبْدَالِ وَالتَّنْبِيهِ، عَنْ كُلٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَزَادَ أَيْضًا قَوْلَهُ: (وَذُو) الْبَدَلِ الْوَجْهَانِ عَنْهُ مُسَهَّلًا، وَقَدِ اخْتَلَفَ شُرَّاحُ كَلَامِهِ فِي مَعْنَاهُ وَلَا شَكَّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ بِذِي الْبَدَلِ مَنْ جَعَلَ الْهَاءَ مُبْدَلَةً مِنْ هَمْزَةٍ، وَالْأَلِفَ لِلْفَصْلِ ; لِأَنَّ الْأَلِفَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَدْ تَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَّصِلَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ حَقَّقَ
(1/402)

هَمْزَةَ (أَنْتُمْ) فَلَا خِلَافَ عَنْهُ فِي الْمَدِّ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالسَّمَاءِ وَالْمَاءِ، وَمَنْ سَهَّلَ لَهُ الْمَدَّ وَالْقَصْرَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ حَرْفَ مَدٍّ قَبْلَ هَمْزٍ مُغَيَّرٍ، فَيَصِيرُ لِلْكَلَامِ فَائِدَةٌ، وَيَكُونُ قَدْ تَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ شُرَيْحٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِذِي الْبَدَلِ " وَرْشًا " ; لِأَنَّ الْهَمْزَةَ فِي (هَا أَنْتُمْ) لَا يُبْدِلُهَا أَلِفًا إِلَّا وَرْشٌ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ، يَعْنِي أَنَّ عَنْهُ الْمَدَّ وَالْقَصْرَ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُخَفَّفًا بِالْبَدَلِ وَالتَّسْهِيلِ، إِذَا أَبْدَلَ مَدَّ وَإِذَا سَهَّلَ قَصَرَ، وَلَيْسَ تَحْتَ هَذَا التَّأْوِيلِ فَائِدَةٌ، وَتَعَسُّفُهُ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَأَكْثَرُ مَا ذُكِرَ فِي وَجْهَيْ كَوْنِهَا مُبْدَلَةً مِنْ هَمْزَةٍ أَوْ هَاءِ تَنْبِيهٍ تَمَحُّلٌ وَتَعَسُّفٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ كَوْنِهَا مُبْدَلَةً، أَوْ غَيْرَ مُبْدَلَةٍ، وَلَوْلَا مَا صَحَّ عِنْدَنَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ نَصَّ عَلَى إِبْدَالِ الْهَاءِ مِنَ الْهَمْزَةِ لَمْ نَصِرْ إِلَيْهِ، وَلَمْ نَجْعَلْهُ مُحْتَمَلًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ ; لِأَنَّ الْبَدَلَ مَسْمُوعٌ فِي كَلِمَاتٍ، فَلَا يَنْقَاسُ، وَلَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ فِي هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلِمَ يَجِئْ فِي نَحْوِ: أَتَضْرِبُ زَيْدًا " هَتَضْرِبُ زَيْدًا "، وَمَا أَنْشَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْبَيْتِ الْمُتَقَدِّمَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَاءَ تَنْبِيهٍ وَقُصِرَتْ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ يَكُونُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْهَاءِ الْمُبْدَلَةِ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَهَمْزَةِ (أَنْتُمْ) لَا يُنَاسِبُ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا فَصَلَ التَّوْجِيهَ لِاسْتِقْبَالِ اجْتِمَاعِ الْهَمْزَتَيْنِ، وَقَدْ زَالَ هُنَا بِإِبْدَالِ الْأُولَى هَاءً، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ حَذَفُوا الْهَمْزَةَ فِي نَحْوِ (ارِيقُهُ) وَأَصِلُهُ (أَأُرِيقُهُ) لِاجْتِمَاعِ الْهَمْزَتَيْنِ، فَلَمَّا أَبْدَلُوهَا هَاءً لَمْ يَحْذِفُوهَا، بَلْ قَالُوا: أُهْرِيقُهُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: أُجْرِيَ الْبَدَلُ فِي الْفَصْلِ مَجْرَى الْمُبْدَلِ، وَفِيهِ مَا فِيهِ، وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ احْتِمَالَهُ، وَإِنَّمَا نَمْنَعُ قَوْلَهُمْ: إِنَّ الْهَاءَ لَا تَكُونُ فِي مَذْهَبِ وَرْشٍ وَقُنْبُلٍ إِلَّا مُبْدَلَةً مِنْ هَمْزَةٍ لَا غَيْرَ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُمَا إِثْبَاتُ الْأَلِفِ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ مِنْ مَذْهَبِهِمَا الْفَصْلُ فِي الْهَمْزَتَيْنِ الْمُجْتَمِعَتَيْنِ، فَكَيْفَ هُنَا؟ وَكَذَلِكَ نَمْنَعُ احْتِمَالَ الْوَجْهَيْنِ عَنْ كُلٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ؛ فَإِنَّهُ مُصَادِمٌ لِلْأُصُولِ وَمُخَالِفٌ لِلْأَدَاءِ، وَالَّذِي يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ: إِنَّ قَصْدَ ذِكْرِهِ أَنَّ الْهَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَذْهَبِ ابْنِ عَامِرٍ، وَالْكُوفِيِّينَ وَيَعْقُوبَ وَالْبَزِّيِّ إِلَّا لِلتَّنْبِيهِ، وَنَمْنَعُ كَوْنَهَا مُبْدَلَةً فِي مَذْهَبِ هِشَامٍ أَلْبَتَّةَ ; لِأَنَّهُ قَدْ
(1/403)

صَحَّ عَنْهُ (أَأَنْذَرْتَهُمْ) وَبَابُهُ الْفَصْلُ وَعَدَمُهُ، فَلَوْ كَانَتْ فِي (هَا أَنْتُمْ) كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، فَهِيَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ بَابِ الْمُنْفَصِلِ بِلَا شَكٍّ، فَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ الْمَدِّ فِيهَا عَنِ الْبَزِّيِّ وَلَا عِنْدَ مَنْ رَوَى الْقَصْرَ، عَنْ يَعْقُوبَ، وَحَفْصٍ وَهِشَامٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَذْهَبِ الْبَاقِينَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ يَقْوَى الْبَدَلُ فِي مَذْهَبِ وَرْشٍ، وَقُنْبُلٍ وَأَبِي عَمْرٍو؛ لِثُبُوتِ الْحَذْفِ عِنْدَهُمْ وَيَضْعُفُ فِي مَذْهَبِ قَالُونَ وَأَبِي جَعْفَرٍ لِعَدَمِ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ لِلتَّنْبِيهِ وَأَثْبَتَ الْأَلِفَ وَقَصَرَ الْمُنْفَصِلَ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا فِي الْأَلِفِ مِنَ الْمَدِّ. وَإِنْ مَدَّهُ جَازَ لَهُ الْمَدُّ عَلَى الْأَصْلِ بِقَدْرِ مَرْتَبَتِهِ، وَالْقَصْرُ اعْتِدَادًا بِالْعَارِضِ مِنْ أَجْلِ تَغْيِيرِ الْهَمْزَةِ بِالتَّسْهِيلِ، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مُبْدَلَةً وَأَثْبَتَ الْأَلِفَ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْمَدِّ سَوَاءٌ قَصَرَ الْمُفَصَّلَ، أَوْ مَدَّهُ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَنَا لِعُرُوضِ حَرْفِ الْمَدِّ كَمَا قَدَّمْنَا، وَقَدْ يُزَادُ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْمَدِّ وَتُنْزَلُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْمُتَّصِلِ مِنْ مَذْهَبِ مَنْ أَلْحَقَهُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (اللَّائِي) فَهُوَ فِي الْأَحْزَابِ، وَالْمُجَادَلَةِ، وَمَوْضِعَيِ الطَّلَاقِ. فَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكُوفِيُّونَ بِإِثْبَاتِ يَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِحَذْفِهَا وَهُمْ: نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ، وَاخْتُلِفَ عَنْ هَؤُلَاءِ فِي تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ وَتَسْهِيلِهَا وَإِبْدَالِهَا، فَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَقَالُونُ وَقُنْبُلٌ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَوَرْشٌ بِتَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَالْبَزِّيِّ فَقَطَعَ لَهَا الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً بِالتَّسْهِيلِ كَذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " الْغَايَتَيْنِ "، وَالْمُبْهِجِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "، وَ " الرَّوْضَةِ "، وَقَطَعَ لَهُمَا الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً سَاكِنَةً، وَهُوَ الَّذِي فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَ " الْعُنْوَانِ "، فَيَجْتَمِعُ سَاكِنَانِ فَيُمَدُّ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: هِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وَالْوَجْهَانِ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، ذَكَرَهُمَا الدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، فَالْأَوَّلُ وَهُوَ التَّسْهِيلُ قَرَأَ بِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ فِي قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو، وَرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ، وَالْإِبْدَالُ قَرَأَ بِهِ عَلَى
(1/404)

أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيِّ، وَانْفَرَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْعَطَّارُ، عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ وَرْشٍ فِي الْأَحْزَابِ مِثْلَ قَالُونَ، وَفِي الْمُجَادَلَةِ كَابْنِ عَامِرٍ، وَفِي الطَّلَاقِ كَالْأَزْرَقِ، فَخَالَفَ فِي ذَلِكَ سَائِرَ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا كَانَ السَّاكِنُ قَبْلَ الْهَمْزَةِ يَاءً فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فِي النَّسِيءُ وَفِي (بَرِيءٌ) وَجَمْعِهِ (وَهَنِيئًا وَمَرِيئًا وَكَهَيْئَةِ وَيَيْأَسِ) وَمَا جَاءَ مِنْ لَفْظِهِ فَأَمَّا (النَّسِيءُ) ، وَهُوَ فِي التَّوْبَةُ، فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَوَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ مِنْهَا يَاءً وَإِدْغَامِ الْيَاءِ الَّتِي قَبْلَهَا فِيهَا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ بِذَلِكَ فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (بَرِيءٌ وَبَرِيئُونَ) حَيْثُ وَقَعَ (وَهَنِيئًا وَمَرِيئًا) ، وَهُوَ فِي النِّسَاءِ فَاخْتُلِفَ فِيهَا، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، فَرَوَى هِبَةُ اللَّهِ مِنْ طُرُقِهِ وَالْهُذَلِيُّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ شَبِيبٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِالْإِدْغَامِ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ رَوَى الْهَاشِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْجَوْهَرِيِّ وَالْمَغَازِلِيِّ وَالدُّورِيِّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، وَرَوَى بَاقِي أَصْحَابُ أَبِي جَعْفَرٍ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ ذَلِكَ بِالْهَمْزِ، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ، وَأَمَّا (كَهَيْئَةِ) وَهُوَ فِي آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةِ، فَرَوَاهُ ابْنُ هَارُونَ مِنْ طُرُقِهِ، وَالْهُذَلِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ كَذَلِكَ بِالْإِدْغَامِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الدُّورِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، وَرَوَاهُ الْبَاقُونَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بِالْهَمْزِ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ سَوَّارٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِمَدِّ الْيَاءِ مَدًّا مُتَوَسِّطًا، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (يَيْأَسِ) وَهُوَ فِي يُوسُفَ (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ، وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) وَفِي الرَّعْدِ (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ) اخْتُلِفَ فِيهَا عَنِ الْبَزِّيِّ، فَرَوَى عَنْهُ أَبُو رَبِيعَةَ مِنْ عَامَّةِ طُرُقِهِ بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ إِلَى مَوْضِعِ الْيَاءِ وَتَأْخِيرِ الْيَاءِ إِلَى مَوْضِعِ الْهَمْزَةِ، فَتَصِيرُ (تَايَسُوا) ثُمَّ تُبْدَلُ الْهَمْزَةُ أَلِفًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّهَبِيِّ، وَابْنِ بَقَرَةَ، وَغَيْرِهِ، عَنِ الْبَزِّيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ خُوَاسْتِي الْفَارِسِيِّ، عَنِ النَّقَّاشِ، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْحُبَابِ بِالْهَمْزِ كَالْجَمَاعَةِ، وَهِيَ رِوَايَةُ سَائِرِ الرُّوَاةِ عَنِ الْبَزِّيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ
(1/405)

عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَأَبِي الْفَتْحِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْمَهْدَوِيُّ وَسَائِرُ الْمَغَارِبَةِ عَنِ الْبَزِّيِّ سِوَاهُ، وَانْفَرَدَ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِالْقَلْبِ وَالْإِبْدَالِ فِي الْخَمْسَةِ كَرِوَايَةِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ قَبْلَ الْهَمْزِ زَايًا فَهُوَ حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ: جُزْءٌ فِي الْبَقَرَةِ (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) وَفِي الْحِجْرِ (جُزْءٌ مَقْسُومٌ) وَفِي الزُّخْرُفِ (مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا) وَلَا رَابِعَ لَهَا، فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ عَلَى أَنَّهُ حَذَفَ الْهَمْزَةَ بِنَقْلِ حَرَكَتِهَا إِلَى الزَّايِ تَخْفِيفًا، ثُمَّ ضَعَّفَ الزَّايَ كَالْوَقْفِ عَلَى (فَرَجٍ) عِنْدَ مَنْ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ السَّوَاكِنِ قَبْلَ الْهَمْزِ، فَإِنَّ لَهُ بَابًا يَخْتَصُّ بِتَحْقِيقِهِ يَأْتِي بَعْدَ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَقِيَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ كَلِمَاتٌ: اخْتَلَفُوا فِي الْهَمْزِ فِيهَا وَعَدَمِهِ عَلَى غَيْرِ قَصْدِ التَّخْفِيفِ، وَهِيَ (النَّبِيُّ) وَبَابُهُ وَ (يُضَاهُونَ، وَمُرْجَوْنَ، وَتُرْجِي، وَضِيَا، وَبَادِيَ، وَالْبَرِيَّةِ) فَأَمَّا (النَّبِيُّ) وَمَا جَاءَ مِنْهُ (النَّبِيُّونَ، وَالنَّبِيِّينَ، وَالْأَنْبِيَاءَ، وَالنُّبُوَّةَ) حَيْثُ وَقَعَ، فَقَرَأَ نَافِعٌ بِالْهَمْزِ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْتِقَاءِ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمَ.
وَأَمَّا (يُضَاهُونَ) وَهُوَ فِي التَّوْبَةِ (يُضَاهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَقَرَأَ عَاصِمٌ بِالْهَمْزِ فَيَنْضَمُّ مِنْ أَجْلِ وُقُوعِ الْوَاوِ بَعْدَهَا، وَتَنْكَسِرُ الْهَاءُ قَبْلَهَا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَيَضُمُّ الْهَاءَ قَبْلُ مِنْ أَجْلِ الْوَاوِ، وَأَمَّا (مُرْجَوْنَ) وَهِيَ فِي التَّوْبَةِ أَيْضًا (مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ) وَ (تُرْجِي) وَهُوَ فِي الْأَحْزَابِ (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) فَقَرَأَهُمَا بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبُ وَأَبُو بَكْرٍ، وَقَرَأَهُمَا الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَأَمَّا (ضِيَاءً) وَهُوَ فِي يُونُسَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْقَصَصِ، فَرَوَاهُ قُنْبُلٌ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الضَّادِ فِي الثَّلَاثَةِ، وَزَعَمَ ابْنُ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ غَلِطَ مَعَ اعْتِرَافِهِ أَنَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ عَلَى قُنْبُلٍ، وَخَالَفَ النَّاسَ ابْنُ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ، فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْهَمْزِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَوَافَقَ قُنْبُلًا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحُلْوَانِيُّ، فَرَوَاهُ كَذَلِكَ عَنِ الْقَوَّاسِ شَيْخِ قُنْبُلٍ، وَهُوَ عَلَى الْقَلْبِ، قُدِّمَتْ فِيهِ اللَّامُ عَلَى الْعَيْنِ كَمَا قِيلَ فِي (عَاتٍ) عَتَا، وَقَرَأَ
(1/406)

الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَأَمَّا (بَادِيَ) وَهُوَ فِي هُودَ (بَادِيَ الرَّأْيِ) فَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الدَّالِّ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَأَمَّا (الْبَرِيَّةِ) وَهُوَ فِي " لَمْ يَكُنْ " (شَرُّ الْبَرِيَّةِ) ، وَ (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) فَقَرَأَهُمَا نَافِعٌ وَابْنُ ذَكْوَانَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الْيَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ مُشَدَّدَةَ الْيَاءِ فِي الْحَرْفَيْنِ.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) إِذَا لَقِيَتِ الْهَمْزَةُ السَّاكِنَةُ سَاكِنًا فَحُرِّكَتْ لِأَجْلِهِ كَقَوْلِهِ فِي الْأَنْعَامِ: (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ) وَفِي الشُّورَى (فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ) خُفِّفَتْ فِي مَذْهَبِ مَنْ يُبْدِلُهَا وَلَمْ تُبْدَلْ لِحَرَكَتِهَا. فَإِنْ فُصِلَتْ مِنْ ذَلِكَ السَّاكِنِ بِالْوَقْفِ عَلَيْهَا دُونَهُ أُبْدِلَتْ لِسُكُونِهَا، وَذَلِكَ فِي مَذْهَبِ أَبِي جَعْفَرٍ وَوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ".
(الثَّانِي) الْهَمْزَةُ الْمُتَطَرِّفَةُ الْمُتَحَرِّكَةُ فِي الْوَصْلِ نَحْوُ (تَشَاءُ، وَيَسْتَهْزِئُ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ) إِذَا سَكَنَتْ فِي الْوَقْفِ فَهِيَ مُحَقَّقَةٌ فِي مَذْهَبِ مَنْ يُبْدِلُ الْهَمْزَةَ السَّاكِنَةَ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ. قَالَ الْحَافِظُ فِي جَامِعِهِ: وَقَدْ كَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَرَى تَرْكَ الْهَمْزَةِ فِي الْوَقْفِ فِي هُودٍ عَلَى (بَادِئَ) لِأَنَّ الْهَمْزَةَ فِي ذَلِكَ تُسَكَّنُ لِلْوَقْفِ. قَالَ: وَذَلِكَ خَطَأٌ فِي مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا إِيقَاعُ الْإِشْكَالِ بِمَا لَا يُهْمَزُ، إِذْ هُوَ عِنْدَهُ مِنَ الِابْتِدَاءِ الَّذِي أَصْلُهُ الْهَمْزُ لَا مِنَ الظُّهُورِ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَلْزَمُ فِي نَحْوِ (قُرِئَ، وَاسْتُهْزِئَ) وَشِبْهُهُمَا بِعَيْنِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنْ مَذْهَبِهِ فِيهِ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا يُؤَيِّدُ وَيُصَحِّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ إِبْدَالِ هَمْزَةِ (بَارِئِكُمْ) حَالَةَ إِسْكَانِهَا تَخْفِيفًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) (هَانْتُمْ) إِذَا قِيلَ فِيهَا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ " هَا " فِيهَا لِلتَّنْبِيهِ دَخَلَتْ عَلَى أَنْتُمْ، فَهِيَ بِاتِّصَالِهَا رَسْمًا كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، كَمَا هِيَ فِي (هَذَا وَهَؤُلَاءِ) لَا يَجُوزُ فَصْلُهَا مِنْهَا وَلَا الْوُقُوفُ عَلَيْهَا دُونَهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الدَّانِيِّ فِي جَامِعِهِ خِلَافَ
(1/407)

ذَلِكَ، فَقَالَ: بَعْدَ ذِكْرِهِ وَجْهَ كَوْنِهَا لِلتَّنْبِيهِ مَا نَصُّهُ: الْأَصْلُ " هَاأَنْتُمْ "، " هَا " دَخَلَتْ عَلَى " أَنْتُمْ " كَمَا دَخَلَتْ عَلَى أُولَاءِ فِي قَوْلِهِ (هَؤُلَاءِ) فَهِيَ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ كَلِمَتَانِ مُنْفَصِلَتَانِ يُسْكَتُ عَلَى إِحْدَاهُمَا وَيُبْتَدَأُ بِالثَّانِيَةِ. انْتَهَى. وَهُوَ مُشْكِلٌ سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ الْوَقْفِ عَلَى مَرْسُومِ الْخَطِّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(الرَّابِعُ) إِذَا قُصِدَ الْوَقْفُ عَلَى (اللَّايْ) فِي مَذْهَبِ مَنْ يُسَهِّلُ الْهَمْزَةَ بَيْنَ بَيْنَ إِنْ وَقَفَ بِالرَّوْمِ وَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ. وَإِنْ وَقَفَ بِالسُّكُونِ وَقَفَ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَى (أَأَنْتَ، وَأَرَأَيْتَ) عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَوَى الْبَدَلَ عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ وَرْشٍ، فَإِنَّهُ يُوقِفُ عَلَيْهِ بِتَسْهِيلٍ بَيْنَ بَيْنَ عَكْسِ مَا تَقَدَّمَ فِي (اللَّايْ) وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ اجْتِمَاعِ ثَلَاثِ سَوَاكِنَ ظَوَاهِرٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْوَقْفِ عَلَى الْمُشَدَّدِ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ بَابِ الْوَقْفِ عَلَى أَوَاخِرِ الْكَلِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ نَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا
وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ تَخْفِيفِ الْهَمْزِ الْمُفْرَدِ لُغَةً لِبَعْضِ الْعَرَبِ، اخْتَصَّ بِرِوَايَتِهِ وَرْشٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ آخِرَ كَلِمَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ حَرْفِ مَدٍّ، وَأَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ أَوَّلَ الْكَلِمَةِ الْأُخْرَى، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ السَّاكِنُ تَنْوِينًا، أَوْ لَامَ تَعْرِيفٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيَتَحَرَّكُ ذَلِكَ السَّاكِنُ بِحَرَكَةِ الْهَمْزَةِ، وَتَسْقُطُ هِيَ مِنَ اللَّفْظِ؛ لِسُكُونِهَا وَتَقْدِيرِ سُكُونِهَا، وَذَلِكَ نَحْوُ (وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ، وَخَبِيرٍ أَنْ لَا تَعْبُدُوا، وَبِعَادٍ إِرَمَ، وَلِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ، وَحَامِيَةً أَلْهَاكُمُ) وَنَحْوُ (الْآخِرَةُ، وَالْآخِرِ، وَالْأَرْضِ، وَالْأَسْمَاءَ، وَالْإِنْسَانُ، وَالْإِيمَانِ، وَالْأُولَى، وَالْأُخْرَى، وَالْأُنْثَى) وَنَحْوُ (مَنْ آمَنَ، وَمَنْ إِلَهٌ، وَمِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَمَنْ أُوتِيَ، وَلَقَدْ آتَيْنَا، وَالم أَحَسِبَ النَّاسُ، وَفَحَدِّثْ أَلَمْ نَشْرَحْ، وَخَلَوْا إِلَى، وَابْنَيْ آدَمَ) وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَإِنَّ
(1/408)

كَانَ السَّاكِنُ حَرْفَ مَدٍّ تَرَكَهُ عَلَى أَصْلِهِ الْمُقَرَّرِ فِي بَابِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ نَحْوُ (يَايُّهَا، وَانَّا انْ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ، وَقَالُوا آمَنَّا) وَاخْتُلِفَ، عَنْ وَرْشٍ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّاكِنِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي الْحَاقَّةِ (كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ) فَرَوَى الْجُمْهُورُ عَنْهُ إِسْكَانَ الْهَاءِ وَتَحْقِيقَ الْهَمْزَةِ عَلَى مُرَادِ الْقَطْعِ وَالِاسْتِئْنَافِ مِنْ أَجْلِ إِنْهَاءِ هَاءِ السَّكْتِ، وَهَذَا الَّذِي قَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " التَّيْسِيرِ " غَيْرَهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَرَأَ بِالتَّحْقِيقِ مِنْ طَرِيقَيْهِ عَلَى الْخَاقَانِيِّ وَأَبِي الْفَتْحِ، وَابْنِ غَلْبُونَ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، عَنِ ابْنِ نَفِيسٍ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْهُ، وَعَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ ابْنِ عِرَاكٍ، عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ أَيْضًا بِغَيْرٍ خُلْفٍ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرَوَى النَّقْلَ فِيهِ كَسَائِرِ الْبَابِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَبِهِ قَطَعَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِ الْعِرَاقِيِّينَ لَهُ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْأَزْرَقِ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ أَبِيهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هِلَالٍ عَنْهُ. وَأَشَارَ إِلَى ضَعْفِهِ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَقَالَ مَكِّيٌّ: أَخَذَ قَوْمٌ بِتَرْكِ النَّقْلِ فِي هَذَا، وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ وَأَقْوَى، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ فِي هِدَايَتِهِ وَعَنْهُ (كِتَابِيَهْ إِنِّي) النَّقْلُ وَالتَّحْقِيقُ، فَسَوَّى بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ.
(قُلْتُ) : وَتَرْكُ النَّقْلِ فِيهِ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، وَالْأَصَحُّ لَدَيْنَا، وَالْأَقْوَى فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْهَاءَ هَاءُ سَكْتٍ، وَحُكْمُهَا السُّكُونُ، فَلَا تُحَرَّكُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ قُبْحٍ، وَأَيْضًا فَلَا تُثْبَتُ إِلَّا فِي الْوَقْفِ، فَإِذَا خُولِفَ الْأَصْلُ فَأُثْبِتَتْ فِي الْوَصْلِ إِجْرَاءً لَهُ مَجْرَى الْوَقْفِ لِأَجْلِ إِثْبَاتِهَا فِي رَسْمِ الْمُصْحَفِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَالَفَ الْأَصْلُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ تَحْرِيكُهَا، فَيَجْتَمِعُ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ مُخَالَفَتَانِ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ الْهَاشِمِيِّ، عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ بِالنَّقْلِ كَمَذْهَبِ وَرْشٍ فِيمَا يُنْقَلُ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعُمَرِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَوَافَقَهُ عَلَى النَّقْلِ فِي (مِنِ اسْتَبْرَقٍ) فَقَطْ فِي الرَّحْمَنِ رُوَيْسٌ وَوَافَقَهُ عَلَى (آلْآنَ) فِي مَوْضِعَيْ يُونُسَ وَهُمَا
(1/409)

(آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ) قَالُونُ وَابْنُ وَرْدَانَ، وَانْفَرَدَ الْحَمَّامِيُّ عَنِ النَّقَّاشِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْجَمَّالِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ قَالُونَ بِالتَّحْقِيقِ فِيهَا كَالْجَمَاعَةِ، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ لِحِكَايَتِهِ فِي وَجْهٍ لِأَبِي نَشِيطٍ، وَقَدْ خَالَفَا فِي ذَلِكَ جَمِيعَ أَصْحَابِ قَالُونَ وَجَمِيعَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَانْفَرَدَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْعَلَّافِ أَيْضًا، عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِالتَّحْقِيقِ فِي الْحَرْفَيْنِ، فَخَالَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ فِي (آلْآنَ) فِي بَاقِي الْقُرْآنِ فَرَوَى النَّهْرَوَانِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَابْنُ هَارُونَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ هِبَةِ اللَّهِ، وَغَيْرُهُمَا النَّقْلَ فِيهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَهْوَازِيِّ، وَالرَّهَاوِيِّ، وَغَيْرِهِمَا عَنْهُ، وَرَوَاهُ هِبَةُ اللَّهِ، وَابْنُ مِهْرَانَ وَالْوَرَّاقُ وَابْنُ الْعَلَّافِ، عَنْ أَصْحَابِهِمْ، عَنْهُ، بِالتَّحْقِيقِ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنْهُ، نَصَّ عَلَيْهِمَا لَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْهَاشِمِيُّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ النَّقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاتَّفَقَ وَرْشٌ وَقَالُونُ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ فِي: (عَادًا الْأُولَى) فِي النَّجْمِ عَلَى نَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَ اللَّامِ وَإِدْغَامِ التَّنْوِينِ قَبْلَهَا فِي حَالَةِ الْوَصْلِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَاخْتُلِفَ عَنْ قَالُونَ فِي هَمْزِ الْوَاوِ الَّتِي بَعْدَ اللَّامِ، فَرَوَى عَنْهُ هَمْزَهَا جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الدَّانِيُّ عَنْهُ وَلَا ابْنُ مِهْرَانَ وَلَا الْهُذَلِيُّ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ سِوَاهُ، وَبِهِ قَطَعَ فِي " الْهَادِي " وَ " الْهِدَايَةِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " وَ " الْكَافِي " وَ " التَّذْكِرَةِ " وَ " التَّلْخِيصِ " وَ " الْعُنْوَانِ " وَغَيْرِهَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَغَيْرِهِ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى ابْنِ نَفِيسٍ وَعَبْدِ الْبَاقِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَرَوَاهُ عَنْهُ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ لَهُ ابْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو الْعِزِّ وَأَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي مُؤَلَّفَاتِهِ، وَرَوَى عَنْهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ أَهْلُ الْعِرَاقِ قَاطِبَةً مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ كَصَاحِبِ " التَّذْكَارِ "، وَ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَ " الْإِرْشَادِ " وَ " غَايَةِ الِاخْتِصَارِ "، وَ " الْمُبْهِجِ "، وَ " الْكِفَايَةِ " فِي السِّتِّ وَالْمِصْبَاحِ وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، غَيْرَ أَنَّ الْهَمْزَ أَشْهَرُ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَعَدَمَهُ أَشْهَرُ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَلَيْسَ الْهَمْزُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ
(1/410)

قَالُونُ كَمَا ظَنَّ مَنْ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى الرِّوَايَاتِ وَمَشْهُورِ الطُّرُقِ وَالْقِرَاءَاتِ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ وَابْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَافِعٍ وَابْنِ ذَكْوَانَ وَابْنِ سَعْدَانَ، عَنِ الْمُسَيَّبِيِّ، عَنْهُ. وَانْفَرَدَ بِهِ الْحَنْبَلِيُّ، عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْ أَصْحَابِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَاخْتُلِفَ فِي تَوْجِيهِ الْهَمْزِ، فَقِيلَ وَجْهُهُ ضَمَّةُ اللَّامِ قَبْلَهَا، فَهُمِزَتْ لِمُجَاوَرَةِ الضَّمِّ كَمَا هُمِزَتْ فِي: سُؤْقٍ وَيُؤْقِنُ، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ.
أَحَبُّ الْمُؤْقِدِينَ إِلَيَّ مُوسَى
ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ فِي الْحُجَّةِ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: الْأَصْلُ فِي الْوَاوِ الْهَمْزُ، وَأُبْدِلَتْ لِسُكُونِهِ بَعْدَ هَمْزٍ مَضْمُومٍ وَاوًا كَـ " أُوتِيَ "، فَلَمَّا حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى بَعْدَ النَّقْلِ زَالَ اجْتِمَاعُ الْهَمْزَتَيْنِ، فَرَجَعَتْ لَكَ الْهَمْزَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ لَهُ: قَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُنْتَحِلِينَ لِمَذْهَبِ الْقُرَّاءِ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِقِرَاءَةِ قَالُونَ بِحِيلَةٍ وَجَهْلِ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ أُولَى وَزْنُهَا فُعْلَى؛ لِأَنَّهَا تَأْنِيثُ أَوَّلٍ، كَمَا أَنَّ أُخَرَ تَأْنِيثُ أُخْرَى، هَذَا فِي قَوْلِ مَنْ لَمْ يَهْمِزِ الْوَاوَ فَمَعْنَاهَا عَلَى هَذَا الْمُتَقَدِّمَةُ ; لِأَنَّ أَوَّلَ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمُهُ، فَأَمَّا فِي قَوْلِ قَالُونَ فَهِيَ عِنْدِي مُشْتَقَّةٌ مِنْ (وَأَلَ) . أَيْ: لَجَا، وَيُقَالُ: نَجَا. فَالْمَعْنَى أَنَّهَا نَجَتْ بِالسَّبْقِ لِغَيْرِهَا، فَهَذَا وَجْهٌ بَيِّنٌ مِنَ اللُّغَةِ وَالْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَبْيَنَ فَلَيْسَ سَبِيلُ ذَلِكَ أَنْ يُدْفَعَ وَيُطْلَقَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ ; لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ إِنَّمَا تَأْخُذُ بِالْأَثْبَتِ عِنْدَهَا فِي الْأَثَرِ دُونَ الْقِيَاسِ إِذَا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ سُنَّةً. فَالْأَصْلُ فِيهَا عَلَى قَوْلِهِ: (وُءْلَى) بِوَاوٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً لِانْضِمَامِهِمَا كَمَا أُبْدِلَتْ فِي: أُقِّتَتْ، وَهِيَ مِنَ الْوَقْتِ، فَاجْتَمَعَتْ هَمْزَتَانِ: الثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ، وَالْعَرَبُ لَا تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَأُبْدِلَتِ الثَّانِيَةُ وَاوًا لِسُكُونِهَا وَانْضِمَامِ مَا قَبْلَهَا، كَمَا أُبْدِلَتْ فِي يُومِنُ وَيُوتَى وَشِبْهِهِمَا، ثُمَّ أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلتَّعْرِيفِ، فَقِيلَ: " الْأُولَى " بِلَامٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ، فَلَمَّا أَتَى التَّنْوِينُ قَبْلَ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ (عَادًا) الْتَقَى سَاكِنَانِ، فَأُلْقِيَتْ حِينَئِذٍ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ وَحَرَّكْتَهَا بِهَا لِئَلَّا يَلْتَقِيَ سَاكِنَانِ.
(1/411)

وَلَوْ كَسَرْتَ التَّنْوِينَ وَلَمْ تُدْغِمْهُ لَكَانَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنْ هَذَا وَجْهُ الرِّوَايَةِ، فَلَمَّا عَدِمَتِ الْمَضْمُومَةُ وَهِيَ الْمُوجِبَةُ لِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ وَاوًا لَفْظًا رَدَّ قَالُونُ تِلْكَ الْهَمْزَةَ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِإِبْدَالِهَا. فَعَامَلَ اللَّفْظَ. قَالَ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ (لِقَاءَنَا، ايْتِ، وَقَالَ ايْتُونِي) وَشِبْهُهُ مِمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَلِفُ الْوَصْلِ عَلَى الْهَمْزَةِ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَصَلْتَ حَقَّقْتَ الْهَمْزَةَ لِعَدَمِ وُجُودِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ابْتَدَأْتَ كَسَرْتَ أَلِفَ الْوَصْلِ، وَأَبْدَلْتَ الْهَمْزَةَ، فَكَذَلِكَ هُنَا. فَعَلَهُ قَالُونَ وَقَالَ: أَصْلُ (أُولَى) عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ " وُولَى " بِوَاوَيْنِ - تَأْنِيثُ أَوَّلٍ - قُلِبَتِ الْوَاوُ الْأُولَى هَمْزَةً وُجُوبًا حَمْلًا عَلَى جَمْعِهِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ (وُءْلَى) بِوَاوٍ وَهَمْزَةٍ مِنْ وَأَلَ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً عَلَى حَدِّ (وُجُوهٍ) فَاجْتَمَعَ هَمْزَتَانِ، فَأُبْدِلَتِ الثَّانِيَةُ وَاوًا عَلَى حَدِّ (أُوتِيَ) انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا تَكُونُ (الْأُولَى) فِي الْقِرَاءَتَيْنِ بِمَعْنًى، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْكُوفِيُّونَ بِكَسْرِ التَّنْوِينِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا. هَذَا حُكْمُ الْوَصْلِ، وَأَمَّا حُكْمُ الِابْتِدَاءِ فَيَجُوزُ فِي مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو، وَيَعْقُوبَ، وَقَالُونَ إِذَا لَمْ يَهْمِزِ الْوَاوَ،، وَأَبِي جَعْفَرٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْهَاشِمِيِّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، وَمِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْحَنْبَلِيِّ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
(أَحَدُهَا) الْأُولَى بِإِثْبَاتِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ اللَّامِ بَعْدَهَا، وَهَذَا الَّذِي لَمْ يَنُصَّ ابْنُ سَوَّارٍ عَلَى سِوَاهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ عِبَارَةِ أَكْثَرِ الْمُؤَلِّفِينَ غَيْرُهُ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ، وَكِفَايَةِ أَبِي الْعِزِّ، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَغَيْرِهَا، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّبْصِرَةِ " وَ " التَّجْرِيدِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْمُبْهِجِ "، وَ " الْكِفَايَةِ ".
(الثَّانِي) (لُولَى) بِضَمِّ اللَّامِ وَحَذْفِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ قَبْلَهَا اكْتِفَاءً عَنْهَا بِتِلْكَ الْحَرَكَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ ثَانِي الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَالتَّيْسِيرِ، وَ " التَّذْكِرَةِ " وَ " الْغَايَةِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " الْكَافِي "، وَ " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْمُبْهِجِ "، وَكِفَايَتِهِ، وَغَيْرِهَا، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ جَائِزَانِ فِي ذَلِكَ، وَشِبْهُهُ فِي مَذْهَبِ وَرْشٍ وَطَرِيقِ الْهَاشِمِيِّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ كَمَا سَيَأْتِي.
(الثَّالِثُ) (الْأُولَى) تُرَدُّ الْكَلِمَةُ إِلَى أَصْلِهَا فَتَأْتِي بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ
(1/412)

وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ "، وَ " الْغَايَةِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَ " الْإِعْلَانِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " التَّجْرِيدِ "،. قَالَ مَكِّيٌّ: وَهُوَ أَحْسَنُ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ: وَهَذَا أَجْوَدُ الْوُجُوهِ، وَقَالَ فِي " التَّيْسِيرِ ": وَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ الْوُجُوهِ وَأَقْيَسُهَا؛ لِمَا بَيَّنْتُهُ مِنَ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ " التَّمْهِيدِ "، وَقَالَ فِي " التَّمْهِيدِ ": وَهَذَا الْوَجْهُ عِنْدِي أَوْجَهُ الثَّلَاثَةِ، وَأَلْيَقُ وَأَقْيَسُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي دَعَتْ إِلَى مُنَاقَضَةِ الْأَصْلِ فِي الْوَصْلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - خَاصَّةً مَعَ صِحَّةِ الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ - هِيَ التَّنْوِينُ فِي كَلِمَةِ " عَادٍ " لِسُكُونِهِ وَسُكُونِ لَامِ الْمَعْرِفَةِ بَعْدُ، فَحَرَّكَ اللَّامَ حِينَئِذٍ بِحَرَكَةِ الْهَمْزَةِ؛ لِئَلَّا يَلْتَقِيَ سَاكِنَانِ وَيَتَمَكَّنَ إِدْغَامُ التَّنْوِينِ فِيهَا إِيثَارًا لِلْمَرْوِيِّ عَنِ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَالْتِقَاءُ السَّاكِنَيْنِ وَالْإِدْغَامُ فِي الِابْتِدَاءِ مَعْدُومٌ بِافْتِرَاقِ الْكَلِمَتَيْنِ حِينَئِذٍ بِالْوَقْفِ عَلَى إِحْدَاهُمَا وَالِابْتِدَاءِ بِالثَّانِيَةِ، فَلَمَّا زَالَتِ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا فِي الِابْتِدَاءِ - وَجَبَ رَدُّ الْهَمْزِ لِيُوَافِقَ بِذَلِكَ - يَعْنِي أَصْلَ مَذْهَبِهِمْ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ. انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الِابْتِدَاءِ بِهَا لِقَالُونَ فِي وَجْهِ هَمْزِ الْوَاوِ، وَلِلْحَنْبَلِيِّ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهِ (أَحَدُهَا) (الُاؤْلَى) بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ اللَّامِ وَهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ عَلَى الْوَاوِ (ثَانِيهَا) (لُولَى) بِضَمِّ اللَّامِ وَحَذْفِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَهَمْزَةِ الْوَاوِ (ثَالِثُهَا) (الْأُولَى) كَوَجْهِ أَبِي عَمْرٍو الثَّالِثِ. وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ هِيَ أَيْضًا فِي الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ " الْكَافِي " لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الثَّالِثَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَذَكَرَهُ لِقَالُونَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الثَّانِي لِقَالُونَ صَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ "، وَذَكَرَ لَهُ الثَّالِثَ بِصِيغَةِ التَّضْعِيفِ، فَقَالَ: وَقِيلَ إِنَّهُ يُبْتَدَأُ لِقَالُونَ بِالْقَطْعِ وَهَمْزَةٍ كَالْجَمَاعَةِ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ أَبِي الْعَلَاءِ الْحَافِظِ جَوَازُ الثَّالِثِ عَنْ وَرْشٍ أَيْضًا، وَهُوَ سَهْوٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ السَّاكِنُ وَالْهَمْزُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُنْقَلُ إِلَيْهِ إِلَّا فِي كَلِمَاتٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ (رِدْءًا، وَمِلْءُ، وَالْقُرْآنِ، وَاسْأَلِ) أَمَّا (رِدْءًا) مِنْ قَوْلِهِ:
(1/413)

(رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) فِي الْقَصَصِ فَقَرَأَهُ بِالنَّقْلِ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ، إِلَّا أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَبْدَلَ مِنَ التَّنْوِينِ أَلِفًا فِي الْحَالَيْنِ، وَوَافَقَهُ نَافِعٌ فِي الْوَقْفِ، وَأَمَّا (مِلْءُ) مِنْ قَوْلِهِ: (مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا) فِي آلِ عِمْرَانَ. فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ وَالْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ وَرْشٍ، فَرَوَاهُ بِالنَّقْلِ النَّهْرَوَانِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَبِهِ قَطَعَ لِابْنِ وَرْدَانَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَرَوَاهُ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ أَبُو الْعِزِّ فِي " الْإِرْشَادِ "، وَ " الْكِفَايَةِ "، وَابْنُ سَوَّارٍ، فِي " الْمُسْتَنِيرِ "، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعُمَرِيِّ عَنْهُ، وَرَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنِ ابْنِ وَرْدَانَ بِغَيْرِ نَقْلٍ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنْهُ، وَقَطَعَ لِلْأَصْبَهَانِيِّ فِيهِ بِالنَّقْلِ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي نَصْرِ بْنِ مَسْرُورٍ وَأَبِي الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِمَا، عَنْهُ، وَهُوَ نَصُّ ابْنِ سَوَّارٍ، عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ، عَنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ نَصًّا، عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَرَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْهُ بِغَيْرِ نَقْلٍ، وَالْوَجْهَانِ عَنْهُ صَحِيحَانِ، قَرَأْتُ بِهِمَا جَمِيعًا عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ وَرْدَانَ، وَبِهِمَا آخُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقُرْآنُ وَمَا جَاءَ مِنْهُ نَحْوُ (قُرْآنَ الْفَجْرِ، وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ، فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) فَقَرَأَ بِالنَّقْلِ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَمَّا (وَاسْأَلِ) وَمَا جَاءَ مِنْ لَفْظِهِ نَحْوُ (وَاسْأَلُوا اللَّهَ) ، (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) (فَاسْأَلِ الَّذِينَ) (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) (فَاسْأَلُوهُنَّ) إِذَا كَانَ فِعْلُ أَمْرٍ وَقَبْلَ السِّينِ وَاوًا أَوْ فَاءً. فَقَرَأَهُ بِالنَّقْلِ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعَ بِغَيْرِ نَقْلٍ.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) لَامُ التَّعْرِيفُ وَإِنِ اشْتَدَّ اتِّصَالُهَا بِمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَكُتِبَتْ مَعَهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّهَا مَعَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ الَّذِي يُنْقَلُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُوجِبِ اتِّصَالُهَا خَطًّا أَنْ تَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ مِنْ نَفْسِ الْبِنْيَةِ ; لِأَنَّهَا إِذَا أَسْقَطْتَهَا لَمْ يَخْتَلَّ مَعْنَى الْكَلِمَةِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِزَوَالِهَا الْمَعْنَى الَّذِي دَخَلَتْ بِسَبَبِهِ خَاصَّةً وَهُوَ التَّعْرِيفُ، وَنَظِيرُ هَذَا النَّقْلِ إِلَى هَذِهِ اللَّامِ إِبْقَاءً لِحُكْمِ الِانْفِصَالِ عَلَيْهَا - وَإِنِ اتَّصَلَتْ
(1/414)

خَطًّا - سَكْتُ حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ عَلَيْهَا إِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا هَمْزٌ، كَمَا يَسْكُتُونَ عَلَى السَّوَاكِنِ الْمُنْفَصِلَةِ حَسْبَمَا يَجِيءُ فِي الْبَابِ الْآتِي (فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ) فَاعْلَمْ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ هِيَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنْ حُرُوفِ التَّهَجِّي، وَهُوَ اللَّامُ وَحْدَهَا، وَبِهَا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ، وَإِنَّمَا الْأَلِفُ قَبْلَهَا أَلِفُ وَصْلٍ؛ وَلِهَذَا تَسْقُطُ فِي الدَّرَجِ، فَهِيَ إِذًا بِمَنْزِلَةِ بَاءِ الْجَرِّ وَكَافِ التَّشْبِيهِ مِمَّا هُوَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ؛ وَلِهَذَا كُتِبَتْ مَوْصُولَةً فِي الْخَطِّ بِمَا بَعْدَهَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ أَدَاةَ التَّعْرِيفِ هِيَ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَأَنَّ الْهَمْزَةَ تُحْذَفُ فِي الدَّرَجِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الْخَلِيلِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ: مِنْهَا ثُبُوتُهَا مَعَ تَحْرِيكِ اللَّامِ حَالَةَ النَّقْلِ نَحْوُ (الَحْمَرُ، الَرْضُ) وَأَنَّهَا تُبْدَلُ أَوْ تُسَهَّلُ بَيْنَ بَيْنَ مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ نَحْوَ (آلذَّكَرَيْنِ) ، وَأَنَّهَا تُقْطَعُ فِي الِاسْمِ الْعَظِيمِ فِي النِّدَاءِ نَحْوَ (يَا أَللَّهُ) وَلَيْسَ هَذَا مَحَلَّ ذِكْرِ ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ، وَالْقَصْدُ ذِكْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَاتِ مِنْ ذَلِكَ.
وَهُوَ التَّنْبِيهُ (الثَّانِي) فَنَقُولُ: إِذَا نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إِلَى لَامِ التَّعْرِيفِ فِي نَحْوِ (الْأَرْضِ، الْآخِرَةُ، الْآنَ، الْإِيمَانِ، الْأُولَى، الْأَبْرَارِ) وَقُصِدَ الِابْتِدَاءُ عَلَى مَذْهَبِ النَّاقِلِ، فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ " أَلْ "، أَوِ اللَّامَ فَقَطْ؛ فَإِنْ جُعِلَتْ " أَلْ " ابْتَدَأَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَبَعْدَهَا اللَّامُ الْمُحَرَّكَةُ بِحَرَكَةِ هَمْزَةِ الْقَطْعِ، فَتَقُولُ: (الَرْضُ، الَاخِرَةُ، الِايمَانُ، الَبْرَارُ) لَيْسَ إِلَّا، وَإِنْ جُعِلَتِ اللَّامُ فَقَطْ فَإِمَّا أَنْ يُعْتَدَّ بِالْعَارِضِ - وَهُوَ حَرَكَةُ اللَّامِ بَعْدَ النَّقْلِ - أَوْ لَا يُعْتَدَّ بِذَلِكَ وَيُعْتَبَرَ الْأَصْلُ. فَإِذَا اعْتَدَدْنَا بِالْعَارِضِ حَذَفْنَا هَمْزَةَ الْوَصْلِ، وَقُلْنَا: (لَرْضُ، لَاخِرَةُ، لِيمَانُ، لَانَ، لَبْرَارُ) لَيْسَ إِلَّا، وَإِنْ لَمْ نَعْتَدَّ بِالْعَارِضِ وَاعْتَبَرْنَا الْأَصْلَ جَعَلْنَا هَمْزَةَ الْوَصْلِ عَلَى حَالِهَا وَقُلْنَا (الَرْضُ، الَاخِرَةُ) كَمَا قُلْنَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ " أَلْ "، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ جَائِزَانِ فِي كُلِّ مَا يُنْقَلُ إِلَيْهِ مِنْ لَامَاتِ التَّعْرِيفِ لِكُلِّ مَنْ يَنْقُلُ ; وَلِذَلِكَ جَازَ لِنَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَأَبِي جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبَ فِي (الْأُولَى) مِنْ (عَادًا الْأُولَى) كَمَا تَقَدَّمَ وَجَازَ فِي (الَانَ) لِابْنِ وَرْدَانَ فِي وَجْهِ النَّقْلِ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ مُطْلَقًا الْحَافِظَانِ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَأَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ
(1/415)

وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ بَلِّيمَةَ وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْبَاذِشِ وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَبِهِمَا قَرَأْنَا لِوَرْشٍ وَغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ، وَبِهِمَا نَأْخُذُ لَهُ وَلِلْهَاشِمِيِّ، عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، مِنْ طَرِيقِ الْهُذَلِيِّ، وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: بِئْسَ الِاسْمُ فَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ: وَإِذَا ابْتَدَأْتَ (الِاسْمَ) فَالَّتِي بَعْدَ اللَّامِ عَلَى حَذْفِهَا لِلْكُلِّ، وَالَّتِي قَبْلَهَا فَقِيَاسُهَا جَوَازُ الْإِثْبَاتِ وَالْحَذْفِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِرُجْحَانِ الْعَارِضِ الدَّائِمِ عَلَى الْعَارِضِ الْمُفَارِقِ، وَلَكِنِّي سَأَلْتُ بَعْضَ شُيُوخِي فَقَالَ: الِابْتِدَاءُ بِالْهَمْزِ وَعَلَيْهِ الرَّسْمُ. انْتَهَى.
(قُلْتُ) : الْوَجْهَانِ جَائِزَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّعْرِيفِ، وَالْأَوْلَى الْهَمْزُ فِي الْوَصْلِ وَالنَّقْلِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِعَارِضٍ دَائِمٍ وَلَا مُفَارِقٍ، بَلِ الرِّوَايَةُ وَهِيَ بِالْأَصْلِ الْأَصْلُ، وَكَذَلِكَ رُسِمَتْ. نَعَمْ، الْحَذْفُ جَائِزٌ وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ حَذْفَهَا مِنَ (الْأُولَى) فِي النَّجْمِ أَوْلَى لِلْحَذْفِ لَسَاغَ، وَلَكِنْ فِي الرِّوَايَةِ تَفْصِيلٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَبْلَ لَامِ التَّعْرِيفِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهَا حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمَدِّ، أَوْ سَاكِنٌ غَيْرُهُنَّ لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُ حَرْفِ الْمَدِّ، وَلَا رَدُّ سُكُونِ السَّاكِنِ مَعَ تَحْرِيكِ اللَّامِ ; لِأَنَّ التَّحْرِيكَ فِي ذَلِكَ عَارِضٌ، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَقُدِّرَ السُّكُونُ؛ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ، وَلِذَلِكَ حُذِفَ حَرْفُ الْمَدِّ، وَحُرِّكَ السَّاكِنُ حَالَةَ الْوَصْلِ، وَذَلِكَ نَحْوُ (وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ) ، وَ (سِيرَتَهَا الْأُولَى) ، وَ (إِذَا الَارْضُ) ، وَ (أُولِي الْأَمْرِ) ، وَ (فِي الَانْعَامِ) ، وَ (يُحْيِي الَارْضَ) ، وَ (قَالُوا الَانَ) ، وَ (أَنْكِحُوا الَايَامَى) ، وَ (أَنْ تُؤَدُّوا الَامَانَاتِ) وَنَحْوُ (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الَانَ) ، وَ (بَلِ الِانْسَانُ) ، (وَأَلَمْ نُهْلِكِ الَاوَّلِينَ) ، وَ (عَنِ الَاخِرَةِ) ، وَ (مِنَ الَارْضِ) ، وَ (مِنَ الُاولَى) ، وَ (أَشْرَقَتِ الَارْضُ) ، وَ (فَلْيَنْظُرِ الِانْسَانُ) وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ صِلَةً، أَوْ مِيمَ جَمْعٍ نَحْوُ (وَبِدَارِهِ الَارْضَ) ، وَ (لَا تُدْرِكُهُ الَابْصَارُ) ، وَ (هَذِهِ الَانْهَارُ) ، وَ (هَذِهِ الَانْعَامُ) ، (وَيُلْهِهِمُ الَامَلُ) ، (وَأَنْتُمُ الَاعْلَوْنَ) وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، كَالْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ وَأَبِي الْحَسَنِ السَّخَاوِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي اللُّغَةِ وَعِنْدَ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ
(1/416)

الْوَجْهَانِ: الِاعْتِدَادُ بِحَرَكَةِ النَّقْلِ وَعَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهَا، وَأَجْرَوْا عَلَى كُلِّ وَجْهٍ مَا يَقْتَضِي مِنَ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يَخُصُّوا بِذَلِكَ وَصْلًا وَلَا ابْتِدَاءً، وَلَا دُخُولَ هَمْزَةٍ وَلَا عَدَمَ دُخُولِهَا، بَلْ قَالُوا: إِنِ اعْتَدَدْنَا بِالْعَارِضِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى حَذْفِ حَرْفٍ مِنْ (فِي الَارْضِ) وَلَا إِلَى تَحْرِيكِ النُّونِ (مِنْ لَانَ) وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ ثَعْلَبٌ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الْفَرَّاءِ:
لَقَدْ كُنْتَ تُخْفِي حَبَّ سَمْرَاءَ خِيفَةً ... فَبُحْ لَانَ مِنْهَا بِالَّذِي أَنْتَ بَائِحُ
وَعَلَى ذَلِكَ قَرَأْنَا لِابْنِ مُحَيْصِنٍ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ لَهِلَّةِ) ، وَ (عَنْ لَانْفَالِ) ، وَ (مِنْ لَاثِمِينَ) وَشِبْهَهُ بِالْإِسْكَانِ فِي النُّونِ وَإِدْغَامِهَا، وَهُوَ وَجْهُ قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَمَنْ مَعَهُ (عَادًا لُولَى) فِي النَّجْمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَمَّا رَأَى أَبُو شَامَةَ إِطْلَاقَ النُّحَاةِ وَوَقَفَ عَلَى تَقْيِيدِ الْقُرَّاءِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ، فَتَوَسَّطَ وَقَالَ مَا نَصُّهُ: جَمِيعُ مَا نَقَلَ فِيهِ وَرْشٌ الْحَرَكَةَ إِلَى لَامِ الْمَعْرِفَةِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ غَيْرَ (عَادًا لُولَى) هُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا ظَهَرَتْ فِيهِ أَمَارَةُ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْعَارِضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الَارْضِ زِينَةً) (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ) (وَيَدْعُ الِانْسَانُ) (قَالُوا الَانَ) ، (أَزِفَتِ الَازِفَةُ) وَنَحْوِ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ بَعْدَ نَقْلِ الْحَرَكَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَمْ يَرُدَّ حُرُوفَ الْمَدِّ الَّتِي حُذِفَتْ لِأَجْلِ سُكُونِ اللَّامِ، وَلَمْ تُسَكَّنْ تَاءُ التَّأْنِيثِ الَّتِي كُسِرَتْ لِسُكُونِ (لَازِفَةُ) فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مَا اعْتَدَّ بِالْحَرَكَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، فَيَنْبَغِي إِذَا ابْتَدَأَ الْقَارِئُ لَهُ فِيهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ ; لِأَنَّ اللَّامَ، وَإِنْ تَحَرَّكَتْ فَكَأَنَّهَا بَعْدُ سَاكِنَةٌ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَمَارَةٌ نَحْوُ (وَقَالَ الِانْسَانُ مَا لَهَا) فَإِذَا ابْتَدَأَ الْقَارِئُ لِوَرْشٍ هُنَا اتَّجَهَ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ. انْتَهَى.
وَهُوَ حَسَنٌ لَوْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْجَعْبَرِيُّ فَقَالَ: وَهَذَا فِيهِ عُدُولٌ عَنِ النَّقْلِ إِلَى النَّظَرِ، وَفِيهِ حَظْرٌ.
(قُلْتُ) : صِحَّةُ الرِّوَايَةِ بِالْوَجْهَيْنِ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بِنَصِّ مَنْ يُحْتَجُّ بِنَقْلِهِ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ اعْتَدَّ بِالْعَارِضِ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الْوَصْلِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا رِوَايَةً مَعَ الْجَوَازِ فِيهِمَا لُغَةً؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الْمَدِّ لِلسَّاكِنِ وَالْحَرَكَةِ لِأَجْلِهِ فِي الْوَصْلِ سَابِقٌ لِلنَّقْلِ، وَالنَّقْلُ طَارِئٌ عَلَيْهِ،
(1/417)

فَأُبْقِيَ عَلَى حَالِهِ لِطَرَآنِ النَّقْلِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعْتَدَّ فِيهِ بِالْحَرَكَةِ، وَأَمَّا حَالَةُ الِابْتِدَاءِ، فَإِنَّ النَّقْلَ سَابِقٌ لِلِابْتِدَاءِ، وَالِابْتِدَاءُ طَارِئٌ عَلَيْهِ، فَحَسُنَ الِاعْتِدَادُ فِيهِ، أَلَا تَرَاهُ لَمَّا قَصَدَ الِابْتِدَاءَ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ فِيهَا إِلَى اللَّامِ لَمْ تَكُنِ اللَّامُ إِلَّا مُحَرَّكَةً، وَنَظِيرُ ذَلِكَ حَذْفُهُمْ حَرْفَ الْمَدِّ مِنْ نَحْوِ (وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ وَأَفِي اللَّهِ شَكٌّ) وَإِثْبَاتُهُمْ لَهُ فِي (وَلَا تَوَلَّوْا، وَكُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ) لِطَرَآنِ الْإِدْغَامِ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَذَلِكَ وَاضِحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) مِيمُ الْجَمْعِ، أَمَّا لِوَرْشٍ فَوَاضِحٌ ; لِأَنَّ مَذْهَبَهُ عِنْدَ الْهَمْزَةِ صِلَتُهَا بِوَاوٍ، فَلَمْ تَقَعِ الْهَمْزَةُ بَعْدَهَا فِي مَذْهَبِهِ إِلَّا بَعْدَ حَرْفِ مَدٍّ مِنْ أَجْلِ الصِّلَةِ، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْهَاشِمِيِّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ، فَإِنَّ الْهُذَلِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ عَدَمُ الصِّلَةِ مُطْلَقًا، وَمُقْتَضَى هَذَا الْإِطْلَاقِ عَدَمُ صِلَتِهَا عِنْدَ الْهَمْزَةِ، وَنَصَّ أَيْضًا عَلَى النَّقْلِ مُطْلَقًا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ النَّقْلُ إِلَى مِيمِ الْجَمْعِ. وَهَذَا مِنَ الْمُشْكَلِ تَحْقِيقُهُ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمَ لَهُ نَصًّا فِي مِيمِ الْجَمْعِ بِخُصُوصِيَّتِهَا بِشَيْءٍ، فَأَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَالَّذِي أُعَوِّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَدَمُ النَّقْلِ فِيهَا بِخُصُوصِيَّتِهَا وَالْأَخْذُ فِيهَا بِالصِّلَةِ، وَحُجَّتِي فِي ذَلِكَ أَنِّي لَمَّا لَمْ أَجِدْ لَهُ فِيهَا نَصًّا رَجَعْتُ إِلَى أُصُولِهِ وَمَذَاهِبِ أَصْحَابِهِ، وَمَنِ اشْتَرَكَ مَعَهُ عَلَى الْأَخْذِ بِتِلْكَ الْقِرَاءَةِ، وَوَافَقَهُ عَلَى النَّقْلِ فِي الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيُّ أَحَدُ الرُّوَاةِ الْمَشْهُورِينَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ، فَوَجَدْتُهُ يَرْوِي النَّقْلَ نَصًّا وَأَدَاءً، وَخَصَّ مِيمَ الْجَمْعِ بِالصِّلَةِ لَيْسَ إِلَّا. وَكَذَلِكَ وَرْشٌ وَغَيْرُهُ مِنْ رُوَاةِ النَّقْلِ عَنْ نَافِعٍ، كُلُّهُمْ لَمْ يَقْرَأْ فِي مِيم الْجَمْعِ بِغَيْرِ صِلَةٍ، وَوَجَدْتُ نَصَّ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ صَرِيحًا فِي عَدَمِ جَوَازِ النَّقْلِ فِي مِيمِ الْجَمْعِ. فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى عَدَمِ النَّقْلِ فِيهَا، وَحَسُنَ الْمَصِيرُ إِلَى الصِّلَةِ دُونَ عَدَمِهَا جَمْعًا بَيْنَ النَّصِّ لِمَنْعِ النَّقْلِ فِيهَا وَبَيْنَ الْقِيَاسِ فِي الْأَخْذِ بِالصِّلَةِ فِيهَا دُونَ الْإِسْكَانِ، وَذَلِكَ أَنِّي لَمَّا لَمْ أَرَ أَحَدًا نَقَلَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَلَا عَنْ نَافِعٍ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَصْحَابِ أَبِي جَعْفَرٍ النَّقْلَ فِي غَيْرِ مِيمِ الْجَمْعِ وَخَصَّصَهَا بِالْإِسْكَانِ، كَمَا أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ نَصَّ عَلَى النَّقْلِ فِيهَا، وَحَمَلَ رِوَايَةَ الرَّاوِي عَلَى مَنْ شَارَكَهُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ، أَوْ وَافَقَهُ فِي أَصْلِ تِلْكَ الْقِرَاءَةِ أَصْلٌ مُعْتَمَدٌ عَلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ
(1/418)

التَّشْكِيكِ وَالْإِشْكَالِ، فَقَدِ اعْتَمَدَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - لَمَّا لَمْ يَجِدُوا نَصًّا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُجِزْ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ فِي (أَأَعْجَمِيٌّ، وَأَأِنْ كَانَ) لِابْنِ ذَكْوَانَ سِوَى الْفَصْلِ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ. قَالَ مَكِّيٌّ عِنْدَ ذِكْرِهِمَا فِي " التَّبْصِرَةِ ": لَكِنَّ ابْنَ ذَكْوَانَ لَمْ نَجِدْ لَهُ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ أَمْرُهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ هِشَامٌ فِي (أَيِنَّكُمْ وَأَنْذَرْتَهُمْ) وَنَحْوِهِ (فَيَكُونُ) مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو وَقَالُونَ، وَحَمْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ الرَّاوِي مَعَهُ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ. انْتَهَى. وَأَمَّا مَذْهَبُ حَمْزَةَ فِي الْوَقْفِ فَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ رَأَيْتُ النَّصَّ عَلَى الْهَاشِمِيِّ الْمَذْكُورِ لِأَبِي الْكَرَمِ الشَّهْرَزُورِيِّ وَأَبِي مَنْصُورِ بْنِ خَيْرُونَ بِصِلَةِ مِيمِ الْجَمْعِ لِلْهَاشِمِيِّ عِنْدَ هَمْزَةِ الْقَطْعِ، فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ، وَاتَّضَحَ مَا حَاوَلْنَاهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَقَفْتُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ " كِفَايَةِ الْمُنْتَهِي وَنِهَايَةِ الْمُبْتَدِي " لِلْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي ذَرٍّ أَسْعَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بُنْدَارٍ الْيَزْدِيِّ صَاحِبِ الشَّهْرَزُورِيِّ وَابْنِ خَيْرُونَ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَمَدِينَ، وَأَهْلِ الْأَدَاءِ الْمُحَقِّقِينَ.

بَابُ السَّكْتِ عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَ الْهَمْزِ وَغَيْرِهِ
تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى السَّكْتِ أَوَّلَ الْكِتَابِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْوَقْفِ، وَالْكَلَامُ هُنَا عَلَى مَا يُسْكَتُ عَلَيْهِ. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّكْتُ إِلَّا عَلَى سَاكِنٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّكْتُ عَلَى كُلِّ سَاكِنٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُعْلَمَ أَقْسَامُ السَّاكِنِ لِيُعْرَفَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ السَّكْتُ مِمَّا لَا يَجُوزُ، فَالسَّاكِنُ الَّذِي يَجُوزُ السَّكْتُ عَلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ فَيُسْكَتُ عَلَيْهِ لِبَيَانِ الْهَمْزَةِ وَتَحْقِيقِهِ، أَوْ لَا يَكُونُ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ، وَإِنَّمَا يُسْكَتُ عَلَيْهِ لِمَعْنًى غَيْرِ ذَلِكَ.
(فَالسَّاكِنُ) الَّذِي يُسْكَتُ عَلَيْهِ لِبَيَانِ الْهَمْزِ خَوْفًا مِنْ خَفَائِهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا فَيَكُونُ آخِرَ كَلِمَةٍ وَالْهَمْزُ أَوَّلَ كَلِمَةٍ أُخْرَى، أَوْ يَكُونَ مُتَّصِلًا فَيَكُونُ هُوَ وَالْهَمْزُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَرْفَ مَدٍّ، أَوْ غَيْرَ حَرْفِ مَدٍّ (فَمِثَالُ الْمُنْفَصِلِ) بِغَيْرِ حَرْفِ الْمَدِّ: (مَنْ آمَنَ، خَلَوْا إِلَى، ابْنَيْ آدَمَ،
(1/419)

جَدِيدٍ افْتَرَى، عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ، فَحَدِّثْ أَلَمْ نَشْرَحْ، حَامِيَةً أَلْهَاكُمُ) وَمِنْ ذَلِكَ نَحْوُ (الَارْضِ، وَالَاخِرَةَ، وَالِايْمَانَ، وَالُاولَى) وَمَا كَانَ بِلَامِ الْمَعْرِفَةِ وَإِنِ اتَّصَلَ خَطًّا عَلَى الْأَصَحِّ (وَمِثَالُهُ) بِحَرْفِ الْمَدِّ (بِمَا أُنْزِلَ، قَالُوا آمَنَّا، فِي آذَانِهِمْ) وَنَحْوُ (يَاأَيُّهَا، يَاأُولِي، وَهَؤُلَاءِ) مِمَّا كَانَ مَعَ حَرْفِ النِّدَاءِ وَالتَّنْبِيهِ وَإِنِ اتَّصَلَ فِي الرَّسْمِ أَيْضًا (وَمِثَالُ الْمُتَّصِلِ) بِغَيْرِ حَرْفِ مَدٍّ (الْقُرْآنُ، وَالظَّمْآنُ، وَشَيْءٌ، وَشَيْئًا، وَمَسْئُولًا، وَبَيْنَ الْمَرْءِ، وَالْخَبْءَ، وَدِفْءٌ) (وَمِثَالُهُ) بِحَرْفِ الْمَدِّ (أُولَئِكَ، وَإِسْرَائِيلَ، وَالسَّمَاءَ بِنَاءً، وَجَاءُوا، وَيُضِيءُ، وَقُرُوءٍ، وَهَنِيئًا، وَمَرِيئًا، وَمِنْ سُوءٍ) فَوَرَدَ السَّكْتُ عَلَى ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، وَجَاءَ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ عَنْ حَمْزَةَ، وَابْنِ ذَكْوَانَ، وَحَفْصٍ، وَرُوَيْسٍ، وَإِدْرِيسَ. فَأَمَّا حَمْزَةُ فَهُوَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ بِهِ عِنَايَةً، وَاخْتَلَفَتِ الطُّرُقُ فِيهِ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. فَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ السَّكْتَ عَنْهُ، وَمِنْ رِوَايَتَيْ خَلَفٍ وَخَلَّادٍ فِي لَامِ التَّعْرِيفِ حَيْثُ أَتَتْ وَ (شَيْءٌ) كَيْفَ وَقَعَتْ، أَيْ: مَرْفُوعًا أَوْ مَجْرُورًا أَوْ مَنْصُوبًا. وَهَذَا مَذْهَبُ صَاحِبِ " الْكَافِي "، وَأَبِي الْحَسَنِ طَاهِرِ بْنِ غَلْبُونَ مِنْ طَرِيقِ الدَّانِيِّ، وَمَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الْمُنْعِمِ، وَأَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ بَلِّيمَةَ، وَأَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ فِي " التَّيْسِيرِ " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَبِهِ ذَكَرَ الدَّانِيُّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، إِلَّا أَنَّ رِوَايَتَيْهِ فِي " التَّذْكِرَةِ "، وَإِرْشَادِ أَبِي الطِّيبِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ، وَتَلْخِيصِ ابْنِ بَلِّيمَةَ - هُوَ الْمَدُّ فِي شَيْءٍ مَعَ السَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ حَسْبُ لَا غَيْرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ": وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ فِي رِوَايَتَيْهِ بِالسَّكْتِ عَلَى لَامِ الْمَعْرِفَةِ خَاصَّةً لِكَثْرَةِ دَوْرِهَا، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ مُجَاهِدٍ فِي كِتَابِهِ، عَنْ حَمْزَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ خِلَافًا. انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ غَلْبُونَ يُخَالِفُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي " التَّيْسِيرِ "، فَإِنَّهُ نَصَّ فِيهِ - أَيِ السَّكْتِ - عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ، وَبِهِ قَرَأَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بِالسَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ، وَ (شَيْءٍ وَشَيْئًا) حَيْثُ وَقَعَا لَا غَيْرَ، وَقَالَ فِي " الْجَامِعِ ": إِنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ بِالسَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ خَاصَّةً، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَقَطَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنَ الْكِتَابِ فَيُوَافِقُ " التَّيْسِيرَ "، أَوْ يَكُونَ مَعَ
(1/420)

الْمَدِّ عَلَى شَيْءٍ فَيُوَافِقُ " التَّذْكِرَةَ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَةِ خَلَفٍ فَقَطْ، وَهُوَ طَرِيقُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ وَشَيْخِهِ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ غَلْبُونَ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أَيْضًا مَدَّ (شَيْءٍ) أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى آخَرُونَ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَتَيْهِ مَعَ السَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ وَ (شَيْءٍ) السَّكْتَ عَلَى السَّاكِنِ الْمُنْفَصِلِ مُطْلَقًا غَيْرَ حَرْفِ الْمَدِّ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ خَلَفٍ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَشَيْخِهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيِّ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْفَحَّامِ فِي تَجْرِيدِهِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَحَدُ الطَّرِيقَيْنِ فِي " الْكَامِلِ "، إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ " الْعُنْوَانِ " ذَكَرَ مَدَّ (شَيْءٍ) كَمَا قَدَّمْنَا. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْمَذْهَبَ، عَنْ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَةِ خَلَفٍ حَسْبُ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَطَرِيقُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ صَاحِبِ " الْكَافِي "، وَهُوَ الَّذِي فِي " الشَّاطِبِيَّةِ " وَ " التَّيْسِيرِ " مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْفَتْحِ الْمَذْكُورِ فِي " التَّجْرِيدِ "، مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي الْخُرَاسَانِيِّ وَأَبِي أَحْمَدَ، إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ " الْكَافِي " حَكَى الْمَدَّ فِي (شَيْءٍ) فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَذَكَرَ عَنْ خَلَّادٍ السَّكْتَ فِيهِ وَفِي لَامِ التَّعْرِيفِ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَرَوَى آخَرُونَ عَنْ حَمْزَةَ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ السَّكْتَ مُطْلَقًا، أَيْ: عَلَى الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ جَمْعًا مَا لَمْ يَكُنْ حَرْفَ مَدٍّ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ صَاحِبِ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مِهْرَانَ صَاحِبِ " الْغَايَةِ "، وَأَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَأَبِي الْعِزِّ الْقَلَانِسِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَجُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَقَالَ أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ: إِنَّهُ اخْتِيَارُهُمْ، وَهُوَ مَذْكُورٌ أَيْضًا فِي " الْكَامِلِ "، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ خَلْفٍ، عَنْ حَمْزَةَ. وَرَوَى آخَرُونَ السَّكْتَ عَنْ حَمْزَةَ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى حَرْفِ الْمَدِّ أَيْضًا، وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ بِذَلِكَ الْمُنْفَصِلَ وَسَوَّى بَيْنَ حَرْفِ الْمَدِّ وَغَيْرِهِ مَعَ السَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ وَ (شَيْءٍ) . وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَافِظِ أَبِي الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيِّ صَاحِبِ " غَايَةِ الِاخْتِصَارِ " وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى
(1/421)

عَبْدِ الْبَاقِي فِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فِي الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الشَّذَائِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ عَلَى الشَّرِيفِ أَبِي الْفَضْلِ، عَنِ الْكَارَزِينِيِّ، عَنْهُ، وَهُوَ فِي " الْكَامِلِ " أَيْضًا.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى تَرْكِ السَّكْتِ عَنْ خَلَّادٍ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ، وَشَيْخِهِ أَبِي الطَّيِّبِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ " مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَحَدُ طُرُقِ " الْكَامِلِ "، وَهِيَ طَرِيقُ أَبِي عَلِيٍّ الْعَطَّارِ، عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ الْوَزَّانِ، عَنْ خَلَّادٍ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ بَابِ الْوَقْفِ لِحَمْزَةَ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى عَدَمِ السَّكْتِ مُطْلَقًا عَنْ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَتَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيِّ صَاحِبِ " الْهِدَايَةِ "، وَشَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ صَاحِبِ " الْهَادِي "، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ غَيْرَهُ فِي غَايَتِهِ سِوَاهُ. فَهَذَا الَّذِي عَلِمْتُهُ وَرَدَ عَنْ حَمْزَةَ فِي ذَلِكَ مِنَ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ قَرَأْتُ مِنْ طَرِيقِ مَنْ ذَكَرْتُ، وَاخْتِيَارِي عَنْهُ السَّكْتَ فِي غَيْرِ حَرْفِ الْمَدِّ جَمْعًا بَيْنَ النَّصِّ وَالْأَدَاءِ وَالْقِيَاسِ، فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ خَلَفٍ وَخَلَّادٍ وَغَيْرِهِمَا، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، قَالَ: إِذَا مَدَدْتَ الْحَرْفَ فَالْمَدُّ يُجْزِي مِنَ السَّكْتِ قَبْلَ الْهَمْزَةِ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا مَدَّ، ثُمَّ أَتَى بِالْهَمْزِ بَعْدَ الْمَدِّ لَا يَقِفُ قَبْلَ الْهَمْزِ. انْتَهَى. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَمْزَةُ مِنْ أَنَّ الْمَدَّ يُجْزِي مِنَ السَّكْتِ مَعْنًى حَسَنٌ لَطِيفٌ دَالٌّ عَلَى وُفُورِ مَعْرِفَتِهِ وَنَفَاذِ بَصِيرَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ زِيَادَةَ التَّمْكِينِ لِحَرْفِ الْمَدِّ مَعَ الْهَمْزَةِ إِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لَهَا؛ لِخَفَائِهَا وَبُعْدِ مَخْرَجِهَا، فَيَقْوَى بِهِ عَلَى النُّطْقِ بِهَا مُحَقَّقَةً، وَكَذَا السُّكُوتُ عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا إِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لَهَا أَيْضًا. فَإِذَا بَيَّنْتَ بِزِيَادَةِ التَّمْكِينِ لِحَرْفِ الْمَدِّ قَبْلَهَا لَمْ تَحْتَجْ أَنْ تُبَيِّنَ بِالسَّكْتِ عَلَيْهِ، وَكَفَى الْمَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَغْنَى عَنْهُ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاضِحٌ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ الْيَوْمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا ابْنُ ذَكْوَانَ فَرَوَى عَنْهُ السَّكْتَ وَعَدَمَهُ صَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " مِنْ جَمِيعِ طَرْقِهِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ وَكَلِمَتَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ حَرْفَ مَدٍّ، فَقَالَ: قَرَأْتُ لِابْنِ ذَكْوَانَ
(1/422)

بِالْوَقْفِ وَبِالْإِدْرَاجِ عَلَى شَيْخِنَا الشَّرِيفِ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا فِي الْخِلَافِ بَيْنَ أَصْحَابِ ابْنِ عَامِرٍ. وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ السَّكْتَ صَاحِبُ " الْإِرْشَادِ "، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْعَلَوِيِّ، عَنِ النَّقَّاشِ، عَنِ الْأَخْفَشِ، إِلَّا أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا الْعَلَاءِ خَصَّهُ بِالْمُنْفَصِلِ وَلَامِ التَّعْرِيفِ وَ (شَيْءٍ) وَجَعَلَهُ دُونَ سَكْتِ حَمْزَةَ، فَخَالَفَ أَبَا الْعِزِّ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِهَذَا الطَّرِيقِ إِلَّا عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْهُذَلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْجَنْبِيِّ عَنِ ابْنِ الْأَخْرَمِ عَنِ الْأَخْفَشِ، وَخَصَّهُ بِالْكَلِمَتَيْنِ وَالسَّكْتِ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ كُلِّهَا مَعَ التَّوَسُّطِ إِلَّا مِنَ " الْإِرْشَادِ "، فَإِنَّهُ مَعَ الْمَدِّ الطَّوِيلِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَالْجُمْهُورُ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ مِنْ سَائِرِ الطُّرُقِ عَلَى عَدَمِ السَّكْتِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا حَفْصٌ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الْأُشْنَانِيِّ فِي السَّكْتِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الصَّبَاحِ عَنْهُ، فَرَوَى عَنْهُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ السَّكْتَ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَرَوَى أَبُو عَلِيٍّ الْمَالِكِيُّ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ " الرَّوْضَةِ "، عَنِ الْحَمَّامِيِّ عَنْهُ السَّكْتَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ غَيْرَ الْمَدِّ، وَلَمْ يُذْكَرْ خِلَافًا عَنِ الْأُشْنَانِيِّ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، عَنِ الْفَارِسِيِّ، عَنِ الْحَمَّامِيِّ، عَنْهُ السَّكْتَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ وَلَامِ التَّعْرِيفِ وَ (شَيْءٍ) لَا غَيْرَ. وَرَوَى عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ السَّامَرِّيِّ، عَنِ الْأُشْنَانِيِّ السَّكْتَ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى الْمَمْدُودِ يَعْنِي الْمُنْفَصِلَ، فَانْفَرَدَ بِالْمَمْدُودِ عَنْهُ، وَلَيْسَ مِنْ طَرِيقِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَقَرَأْتُ أَيْضًا عَلَى أَبِي الْفَتْحِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْأُشْنَانِيِّ بِغَيْرِ سَكْتٍ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْهَاشِمِيِّ، عَنِ الْأُشْنَانِيِّ، قَالَ: وَبِالسَّكْتِ آخُذُ فِي رِوَايَتَيْهِ ; لِأَنَّ أَبَا الطَّاهِرِ بْنَ أَبِي هَاشِمٍ رَوَاهُ عَنْهُ تِلَاوَةً، وَهُوَ مِنَ الْإِتْقَانِ وَالضَّبْطِ وَالصِّدْقِ وَوُفُورِ الْمَعْرِفَةِ وَالْحِذْقِ بِمَوْضِعٍ لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ، فَمَنْ خَالَفَهُ عَنِ الْأُشْنَانِيِّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ.
(قُلْتُ) : وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الدَّانِيُّ فِي أَبِي طَاهِرٍ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ لَمْ يَرْوُوا عَنْهُ السَّكْتَ تِلَاوَةً أَيْضًا كَالنَّهْرَوَانِيِّ،
(1/423)

وَابْنِ الْعَلَّافِ، وَالْمَصَاحِفِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُمْ أَيْضًا مِنَ الْإِتْقَانِ وَالضَّبْطِ وَالْحِذْقِ وَالصِّدْقِ بِمَحِلٍّ لَا يُجْهَلُ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا تِلَاوَةً عَنْهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْحَمَّامِيِّ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ الْحَمَّامِيِّ لَمْ يَرْوُوهُ عَنْهُ مِثْلُ أَبِي الْفَضْلِ الرَّازِيِّ، وَأَبِي الْفَتْحِ بْنِ شَيْطَا، وَأَبِي عَلِيٍّ غُلَامِ الْهَرَّاسِ، وَهُمْ مِنْ أَضْبَطِ أَصْحَابِهِ وَأَحْذَقِهِمْ. فَظَهَرَ وَوَضَحَ أَنَّ الْإِدْرَاجَ - وَهُوَ عَدَمُ السَّكْتِ - عَنِ الْأُشْنَانِيِّ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِكُلٍّ مِنَ السَّكْتِ وَالْإِدْرَاجِ قَرَأْتُ مِنْ طَرِيقِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ، وَأَمَّا إِدْرِيسُ عَنْ خَلَفٍ فَاخْتُلِفَ عَنْهُ، فَرَوَى الشَّطِّيُّ وَابْنُ بُويَانَ السَّكْتَ عَنْهُ فِي الْمُنْفَصِلِ وَمَا كَانَ فِي حُكْمِهِ وَ (شَيْءٍ) خُصُوصًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْكِفَايَةِ فِي الْقِرَاءَاتِ السِّتِّ "، وَ " غَايَةِ الِاخْتِصَارِ "، وَ " الْكَامِلِ "، وَانْفَرَدَ بِهِ عَنْ خَلَفٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَرَوَى عَنْهُ الْمُطَّوِّعِيُّ السَّكْتَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ وَكَلِمَتَيْنِ عُمُومًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْهِجِ "، وَانْفَرَدَ الْهَمْدَانِيُّ عَنِ الشَّطِّيِّ فِيمَا لَمْ يَكُنِ السَّاكِنُ وَاوًا وَلَا يَاءً، يَعْنِي مِثْلَ (خَلَوْا إِلَى، وَابْنَيْ آدَمَ) وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا اسْتَثْنَاهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّاكِنَيْنِ سِوَاهُ وَلَا عَمِلَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكُلُّهُمْ عَنْهُ بِغَيْرِ سَكْتٍ فِي الْمَمْدُودِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا رُوَيْسٌ فَانْفَرَدَ عَنْهُ أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْقَاضِي أَبِي الْعَلَاءِ الْقَاضِي، عَنِ النَّخَّاسِ، عَنِ التَّمَّارِ، عَنْهُ بِالسَّكْتِ اللَّطِيفِ دُونَ سَكْتِ حَمْزَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ وَكَلِمَتَيْنِ فِي غَيْرِ الْمَمْدُودِ حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْكِفَايَةِ "، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " السَّكْتُ عَلَى الْمَمْدُودِ الْمُنْفَصِلِ، وَلَمَّا قَرَأْتُ عَلَى الْأُسْتَاذِ أَبِي الْمَعَالِي بْنِ اللَّبَّانِ أَوْقَفْتُهُ عَلَى كَلَامِ " الْإِرْشَادِ " فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لَمْ نَقْرَأْ بِهِ وَلَا يَجُوزُ. ثُمَّ رَأَيْتُ نُصُوصَ الْوَاسِطِيِّينَ أَصْحَابِ أَبِي الْعِزِّ وَأَصْحَابِهِمْ عَلَى مَا نَصَّ فِي " الْكِفَايَةِ "، وَأَخْبَرَنِي بِهِ ابْنُ اللَّبَّانِ وَغَيْرُهُ تِلَاوَةً، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الَّذِي يَسْكُتُ عَلَيْهِ لِغَيْرِ قَصْدِ تَحْقِيقِ الْهَمْزِ فَأَصْلٌ مُطَّرِدٌ وَأَرْبَعُ كَلِمَاتٍ، فَالْأَصْلُ الْمُطَّرِدُ حُرُوفُ الْهِجَاءِ الْوَارِدَةُ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ نَحْوُ (الم، الر، كهيعص، طه، طسم، طس، ص، ن) فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالسَّكْتِ عَلَى كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا، وَيَلْزَمُ
(1/424)

مِنْ سَكْتِهِ إِظْهَارُ الْمُدْغَمِ مِنْهَا وَالْمَخْفِيِّ وَقَطْعِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ بَعْدَهَا لِيُبَيَّنَ بِهَذَا السَّكْتِ أَنَّ الْحُرُوفَ كُلَّهَا لَيْسَتْ لِلْمَعَانِي كَالْأَدَوَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ، بَلْ هِيَ مَفْصُولَةٌ، وَإِنِ اتَّصَلَ رَسْمًا وَلَيْسَتْ بِمُؤْتَلِفَةٍ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ، وَأُورِدَتْ مُفْرَدَةً مِنْ غَيْرِ عَامِلٍ وَلَا عَطْفٍ، فَسُكِّنَتْ كَأَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ إِذَا وَرَدَتْ مِنْ غَيْرِ عَامِلٍ وَلَا عَطْفٍ، فَنَقُولُ: وَاحِدْ اثْنَيْنْ ثَلَاثَةْ أَرْبَعَةْ. . . هَكَذَا، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنِ ابْنِ جَمَّازٍ بِوَصْلِ هَمْزَةِ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فِي أَوَّلِ آلِ عِمْرَانَ تَتْمِيمٍ (الم) كَالْجَمَاعَةِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ بِعَدَمِ ذِكْرِ السَّكْتِ لِأَبِي جَعْفَرٍ فِي الْحُرُوفِ كُلِّهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ عَدَمَ السَّكْتِ فِي السِّينِ مِنْ (طس تِلْكَ) وَالصَّحِيحُ السَّكْتُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَى الْحُرُوفِ كُلِّهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا؛ وِفَاقًا لِإِجْمَاعِ الثِّقَاةِ النَّاقِلِينَ ذَلِكَ عَنْهُ نَصًّا وَأَدَاءً، وَبِهِ قَرَأْتُ وَبِهِ آخُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْكَلِمَاتُ الْأَرْبَعُ فَهِيَ (عِوَجَا) أَوَّلَ الْكَهْفِ وَ (مَرْقَدِنَا) فِي يس، وَ (مَنْ رَاقٍ) فِي الْقِيَامَةِ، وَ (بَلْ رَانَ) فِي التَّطْفِيفِ، فَاخْتُلِفَ عَنْ حَفْصٍ فِي السَّكْتِ عَلَيْهَا وَالْإِدْرَاجِ، فَرَوَى جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقَيْ عُبَيْدٍ وَعَمْرٍو السَّكْتَ عَلَى الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنَ التَّنْوِينِ فِي (عِوَجًا) ثُمَّ يَقُولُ (قَيِّمًا) وَكَذَلِكَ عَلَى الْأَلِفِ مِنْ (مَرْقَدِنَا) ثُمَّ يَقُولُ (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) وَكَذَلِكَ عَلَى النُّونِ مِنْ (مَنْ) ثُمَّ يَقُولُ (رَاقٍ) وَكَذَلِكَ عَلَى اللَّامِ مِنْ (بَلْ) ثُمَّ يَقُولُ (رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) وَهَذَا الَّذِي فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " التَّيْسِيرِ "، وَ " الْهَادِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " التَّلْخِيصِ " وَ " التَّذْكِرَةِ " وَغَيْرِهَا. وَرَوَى الْإِدْرَاجَ فِي الْأَرْبَعَةِ كَالْبَاقِينَ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ حَفْصٍ وَغَيْرِهِ، وَرَوَى عَنْهُ كُلًّا مِنَ الْوَجْهَيْنِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ فِي تَجْرِيدِهِ، فَرَوَى السَّكْتَ فِي (عِوَجَا وَمَرْقَدِنَا) عَنْ عَمْرِو بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْهُ. وَرَوَى الْإِدْرَاجَ كَالْجَمَاعَةِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الصَّبَاحِ عَنْهُ. وَرَوَى السَّكْتَ فِي (مَنْ رَاقٍ وَبَلْ رَانَ) مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ، عَنْ عَمْرٍو، وَمِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ عُبَيْدٍ فَقَطْ،
(1/425)

وَرَوَى الْإِدْرَاجَ كَالْجَمَاعَةِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى ابْنِ نَفِيسٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدٍ وَالْمَالِكِيِّ مِنْ طَرِيقَيْ عَمْرٍو وَعُبَيْدٍ جَمِيعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاتَّفَقَ صَاحِبُ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " الْمُبْهِجِ "، وَ " الْإِرْشَادِ " عَلَى الْإِدْرَاجِ فِي (عِوَجَا وَمَرْقَدِنَا) كَالْجَمَاعَةِ، وَعَلَى السَّكْتِ فِي الْقِيَامَةِ فَقَطْ، وَعَلَى الْإِظْهَارِ مِنْ غَيْرِ سَكْتٍ فِي التَّطْفِيفِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِظْهَارِ السَّكْتُ. فَإِنَّ صَاحِبَ " الْإِرْشَادِ " صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي كِفَايَتِهِ، وَصَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْكِفَايَةِ " لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُ، وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ السَّكْتَ فِي " عِوَجَا " فَقَطْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ شَيْئًا. بَلْ ذَكَرَ الْإِظْهَارَ فِي (مَنْ رَاقٍ، وَبَلْ رَانَ) .
(قُلْتُ) : فَثَبَتَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْخِلَافُ، عَنْ حَفْصٍ مِنْ طَرِيقَيْهِ، وَصَحَّ الْوَجْهَانِ مِنَ السَّكْتِ وَالْإِدْرَاجِ عَنْهُ، وَبِهِمَا عَنْهُ آخُذُ.
(وَوَجْهُ) السَّكْتِ فِي عِوَجَا قَصْدُ بَيَانِ أَنَّ قَيِّمًا بَعْدَهُ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ فِي الْإِعْرَابِ. فَيَكُونُ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ (أَنْزَلَهُ قَيِّمًا) فَيَكُونُ حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي أَنْزَلَهُ وَفِي (مَرْقَدِنَا) بَيَانٌ أَنَّ كَلَامَ الْكُفَّارِ قَدِ انْقَضَى، وَأَنَّ قَوْلَهُ: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِمْ، فَهُوَ إِمَّا مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مِنْ كَلَامِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ وَفِي (مَنْ رَاقٍ، وَبَلْ رَانَ) قَصْدُ بَيَانِ اللَّفْظِ لِيَظْهَرَ أَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ مَعَ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) إِنَّمَا يَتَأَتَّى السَّكْتُ حَالَ وَصْلِ السَّاكِنِ بِمَا بَعْدَهُ، أَمَّا إِذَا وَقَفَ عَلَى السَّاكِنِ فِيمَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ مِمَّا انْفَصَلَ خَطًّا، فَإِنَّ السَّكْتَ الْمَعْرُوفَ يَمْتَنِعُ وَيَصِيرُ الْوَقْفَ الْمَعْرُوفَ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْكَلِمَةِ الَّتِي فِيهَا الْهَمْزَةُ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا، فَإِنَّ لِحَمْزَةَ فِي ذَلِكَ مَذْهَبًا يَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي، وَأَمَّا غَيْرُ حَمْزَةَ، فَإِنْ كَانَ الْهَمْزَةُ مُتَوَسِّطًا كَـ (الْقُرْآنُ، وَالظَّمْآنُ، وَشَيْئًا، وَالْأَرْضُ) فَالسَّكْتُ أَيْضًا، إِذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَكَذَا إِنْ كَانَ مُبْتَدَأً وَوُصِلَ بِالسَّاكِنِ
(1/426)

قَبْلَهُ. وَإِنْ كَانَ مُتَطَرِّفًا وَقَفَ بِالرَّوْمِ، فَكَذَلِكَ فَإِنْ وَقَفَ بِالسُّكُونِ امْتَنَعَ السَّكْتُ مِنْ أَجْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَعَدَمِ الِاعْتِمَادِ فِي الْهَمْزِ عَلَى شَيْءٍ.
(الثَّانِي) تَقَدَّمَ أَنَّهُ إِذَا قُرِئَ بِالسَّكْتِ لِابْنِ ذَكْوَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمَدِّ الطَّوِيلِ وَمَعَ التَّوَسُّطِ لِوُرُودِ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ، فَإِنْ قُرِئَ بِهِ لِحَفْصٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْمَدِّ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْقَصْرِ ; لِأَنَّ السَّكْتَ إِنَّمَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ الْأُشْنَانِيِّ مِنْ عُبَيْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْمَدُّ، وَالْقَصْرُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ الْفِيلِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ حَفْصٍ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْإِدْرَاجُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) إِنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ، عَنْ حَمْزَةَ السَّكْتُ، أَوِ التَّحْقِيقُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ السَّكْتِ إِذَا وَقَفَ، فَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ وَالْهَمْزُ فِي الْكَلِمَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ تَخْفِيفَ الْهَمْزِ كَمَا سَيَأْتِي يَنْسَخُ السَّكْتَ وَالتَّحْقِيقَ، وَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ فِي كَلِمَةٍ وَالْهَمْزُ فِي أَوَّلِ كَلِمَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الَّذِي مَذْهَبُهُ تَخْفِيفُ الْمُنْفَصِلِ كَمَا سَيَأْتِي يَنْسَخُ تَخْفِيفَهُ سَكْتُهُ وَعَدَمُهُ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ التَّخْفِيفُ كَمَا سَيَأْتِي ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ فِي نَحْوِ (الْأَرْضُ، وَالْإِنْسَانُ) سِوَى وَجْهَيْنِ، وَهُمَا: النَّقْلُ وَالسَّكْتُ ; لِأَنَّ السَّاكِتِينَ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ وَصْلًا مِنْهُمْ مَنْ يَنْقُلُ وَقَفًا كَأَبِي الْفَتْحِ عَنْ خَلَفٍ، وَالْجُمْهُورِ عَنْ حَمْزَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَنْقُلُ مِنْ أَجْلِ تَقْدِيرِ انْفِصَالِهِ، فَيُقِرُّهُ عَلَى حَالِهِ كَمَا لَوْ وَصَلَ كَابْنَيْ غَلْبُونَ، وَأَبِي الطَّاهِرِ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَمَكِّيٍّ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْكُتْ عَلَيْهِ كَالْمَهْدَوِيِّ وَابْنِ سُفْيَانَ، عَنْ حَمْزَةَ، وَكَأَبِي الْفَتْحِ، عَنْ خَلَّادٍ فَإِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى النَّقْلِ وَقْفًا لَيْسَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَيَجِيءُ فِي نَحْوِ (قَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ آمَنَ، وَقُلْ أُوحِيَ) الثَّلَاثَةُ الْأَوْجُهِ - أَعْنِي السَّكْتَ وَعَدَمَهُ وَالنَّقْلَ ; وَلِذَلِكَ تَجِيءُ الثَّلَاثَةُ فِي نَحْوِ (قَالُوا آمَنَّا، وَفِي أَنْفُسِكُمْ، وَمَا أَنْزَلَ) وَأَمَّا (يَاأَيُّهَا، وَهَؤُلَاءِ) فَلَا يَجِيءُ فِيهِ سِوَى وَجْهَيِ التَّحْقِيقِ وَالتَّخْفِيفِ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ سَكْتٌ ; لِأَنَّ رُوَاةَ السَّكْتِ فِيهِ مُجْمِعُونَ عَلَى تَحْقِيقِهِ وَقْفًا. فَامْتَنَعَ السَّكْتُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) لَا يَجُوزُ مَدُّ شَيْءٍ لِحَمْزَةَ حَيْثُ قُرِئَ بِهِ إِلَّا مَعَ السَّكْتِ إِمَّا عَلَى لَامِ
(1/427)

التَّعْرِيفِ فَقَطْ، أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَدِّ الْمُنْفَصِلِ، وَظَاهِرُ " التَّبْصِرَةِ " الْمَدُّ عَلَى (شَيْءٍ) لِخَلَّادٍ مَعَ عَدَمِ السَّكْتِ الْمُطْلَقِ حَيْثُ قَالَ: وَذَكَرَ أَبُو الطِّيبِ مَدَّ (شَيْءٍ) فِي رِوَايَتَيْهِ، وَبِهِ آخُذُ. انْتَهَى، وَلَمْ يَتَقَدَّمِ السَّكْتُ إِلَّا لِخَلَفٍ وَحْدَهُ فِي غَيْرِ (شَيْءٍ) فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَذْهَبُ أَبِي الطِّيبِ الْمَدَّ عَنْ خَلَّادٍ فِي (شَيْءٍ) مَعَ عَدَمِ السَّكْتِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ أَبَا الطِّيبِ الْمَذْكُورَ هُوَ ابْنُ غَلْبُونَ صَاحِبُ كِتَابِ " الْإِرْشَادِ "، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي كِتَابِهِ مَدَّ (شَيْءٍ) لِحَمْزَةَ مَعَ السَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَدَّ (شَيْءٍ) قَائِمٌ مَقَامَ السَّكْتِ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ وَجْهِ السَّكْتِ، وَكَذَا قَرَأْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ الْوَقْفِ عَلَى الْهَمْزِ
وَهُوَ بَابٌ مُشْكَلٌ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ تَحْقِيقِ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَحْكَامِ رَسْمِ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَتَمْيِيزِ الرِّوَايَةِ، وَإِتْقَانِ الدِّرَايَةِ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو شَامَةَ: هَذَا الْبَابُ مِنْ أَصْعَبِ الْأَبْوَابِ نَظْمًا وَنَثْرًا فِي تَمْهِيدِ قَوَاعِدِهِ، وَفَهْمِ مَقَاصِدِهِ. قَالَ: وَلِكَثْرَةِ تَشَعُّبِهِ أَفْرَدَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ الْمُقْرِئُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَصْنِيفًا حَسَنًا جَامِعًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَوَجَدَ أَكْثَرَهُمْ لَا يَقُومُونَ بِهِ حَسَبَ الْوَاجِبِ فِيهِ إِلَّا الْحَرْفَ بَعْدَ الْحَرْفِ.
(قُلْتُ) : وَأَفْرَدَهُ أَيْضًا بِالتَّأْلِيفِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ، وَأَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ بَصْخَانَ، وَالْجَعْبَرِيِّ، وَابْنِ جُبَارَةَ، وَغَيْرِهِمْ، وَوَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ فِيهِ أَوْهَامٌ سَنَقِفُ عَلَيْهَا، وَلَمَّا كَانَ الْهَمْزُ أَثْقَلَ الْحُرُوفِ نُطْقًا وَأَبْعَدُهَا مَخْرَجًا تَنَوَّعَ الْعَرَبُ فِي تَخْفِيفِهِ بِأَنْوَاعِ التَّخْفِيفِ كَالنَّقْلِ، وَالْبَدَلِ، وَبَيْنَ بَيْنَ، وَالْإِدْغَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ أَكْثَرَهُمْ لَهُ تَخْفِيفًا ; وَلِذَلِكَ أَكْثَرُ مَا يَرِدُ تَخْفِيفُهُ مِنْ طُرُقِهِمْ كَابْنِ كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، وَكَنَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ وَرْشٍ وَغَيْرِهِ، وَكَأَبِي جَعْفَرٍ مِنْ أَكْثَرِ رِوَايَاتِهِ وَلَا سِيَّمَا رِوَايَةُ الْعُمَرِيِّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكَدْ يُحَقِّقُ هَمْزَةً وَصْلًا، وَكَابْنِ مُحَيْصِنٍ قَارِئِ أَهْلِ مَكَّةَ مَعَ ابْنِ كَثِيرٍ وَبَعْدِهِ، وَكَأَبِي عَمْرٍو، فَإِنَّ مَادَّةَ قِرَاءَتِهِ عَنْ
(1/428)

أَهْلِ الْحِجَازِ، وَكَذَلِكَ عَاصِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْشَى، عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ حَيْثُ إِنَّ رِوَايَتَهُ تَرْجِعُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَا هَمَزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا الْخُلَفَاءُ، وَإِنَّمَا الْهَمْزُ بِدْعَةٌ ابْتَدَعُوهَا مَنْ بَعْدَهُمْ. فَقَالَ أَبُو شَامَةَ الْحَافِظُ: هُوَ حَدِيثٌ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ؛ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ، فَإِنَّ مُوسَى بْنَ عُبَيْدَةَ هَذَا هُوَ الزَّيْدِيُّ، وَهُوَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ.
(قُلْتُ) : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ كَانَتْ لُغَتُهُ تَخْفِيفَ الْهَمْزِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِالْهَمْزِ إِلَّا فِي الِابْتِدَاءِ، وَالْقَصْدُ أَنَّ تَخْفِيفَ الْهَمْزِ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ وَلَا غَرِيبٍ، فَمَا أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ إِلَّا وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ تَخْفِيفُ الْهَمْزِ، إِمَّا عُمُومًا وَإِمَّا خُصُوصًا، كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ أَفْرَدَ لَهُ عُلَمَاءُ الْعَرَبِيَّةِ أَنْوَاعًا تَخُصُّهُ، وَقَسَّمُوا تَخْفِيفَهُ إِلَى وَاجِبٍ وَجَائِزٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ أَوْ غَالِبُهُ وَرَدَتْ بِهِ الْقِرَاءَةُ، وَصَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ، إِذْ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَصِحَّ فِي الْقِرَاءَةِ مَا لَا يَسُوغُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، بَلْ قَدْ يَسُوغُ فِي الْعَرَبِيَّةِ مَا لَا يَصِحُّ فِي الْقِرَاءَةِ ; لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، يَأْخُذُهَا الْآخِرُ عَنِ الْأَوَّلِ، وَمِمَّا صَحَّ فِي الْقِرَاءَةِ وَشَاعَ فِي الْعَرَبِيَّةِ الْوَقْفُ بِتَخْفِيفِ الْهَمْزِ وَإِنْ كَانَ يُحَقَّقُ فِي الْوَصْلِ ; لِأَنَّ الْوَقْفَ مَحَلُّ اسْتِرَاحَةِ الْقَارِئِ وَالْمُتَكَلِّمِ ; وَلِذَلِكَ حُذِفَتْ فِيهِ الْحَرَكَاتُ وَالتَّنْوِينُ، وَأُبْدِلَ فِيهِ تَنْوِينُ الْمَنْصُوبَاتِ، وَجَازَ فِيهِ الرَّوْمُ وَالْإِشْمَامُ وَالنَّقْلُ وَالتَّضْعِيفُ، فَكَانَ تَخْفِيفُ الْهَمْزِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَحَقَّ وَأَحْرَى. قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ وَلُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ، يُحْذَفُ الْهَمْزُ فِي السَّكْتِ - يَعْنِي الْوَقْفَ - كَمَا يُحْذَفُ الْإِعْرَابُ فَرْقًا بَيْنَ الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ. قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لُغَةُ أَكْثَرِ الْعَرَبِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْجَزَالَةِ وَالْفَصَاحَةِ تَرْكُ الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ فِي الدَّرْجِ وَالْمُتَحَرِّكَةِ عِنْدَ السَّكْتِ.
(قُلْتُ) : وَتَخْفِيفُ الْهَمْزِ فِي الْوَقْفِ مَشْهُورٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، أَفْرَدُوا لَهُ بَابًا وَأَحْكَامًا، وَاخْتَصَّ بَعْضُهُمْ فِيهِ بِمَذَاهِبَ عُرِفَتْ بِهِمْ وَنُسِبَتْ إِلَيْهِمْ كَمَا نُشِيرُ إِلَيْهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
(1/429)

وَقَدِ اخْتَصَّ حَمْزَةُ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ قِرَاءَتَهُ اشْتَمَلَتْ عَلَى شِدَّةِ التَّحْقِيقِ وَالتَّرْتِيلِ وَالْمَدِّ وَالسَّكْتِ، فَنَاسَبَ التَّسْهِيلُ فِي الْوَقْفِ ; وَلِذَلِكَ رَوَيْنَا عَنْهُ الْوَقْفَ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزِ إِذَا قَرَأَ بِالْحَدْرِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. هَذَا كُلُّهُ مَعَ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ عِنْدَهُ وَثُبُوتِ النَّقْلِ بِهِ لَدَيْهِ. فَقَدْ قَالَ فِيهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ: مَا قَرَأَ حَمْزَةُ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا بِأَثَرٍ.
(قُلْتُ) : وَقَدْ وَافَقَ حَمْزَةَ عَلَى تَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ فِي الْوَقْفِ حُمْرَانُ بْنُ أَعْيَنَ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَعْمَشُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ، وَسَلَّامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطَّوِيلُ الْبَصْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَعَلَى تَسْهِيلِ الْمُتَطَرِّفِ مِنْهُ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، عَنْ قَالُونَ فِي الْمَنْصُوبِ الْمُنَوَّنِ، وَسَأُبَيِّنُ أَقْسَامَ الْهَمْزِ فِي ذَلِكَ، وَأُوَضِّحُهُ، وَأُقَرِّبُهُ، وَأَكْشِفُهُ، وَأُهَذِّبُهُ، وَأُحَرِّرُهُ، وَأُرَتِّبُهُ، لِيَكُونَ عُمْدَةً لِلْمُبْتَدِئِينَ، وَتَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
(فَأَقُولُ) الْهَمْزُ يَنْقَسِمُ إِلَى سَاكِنٍ وَمُتَحَرِّكٍ. فَالسَّاكِنُ يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَطَرِّفٍ، وَهُوَ مَا يَنْقَطِعُ الصَّوْتُ عَلَيْهِ، وَإِلَى مُتَوَسِّطٍ، وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، أَمَّا السَّاكِنُ الْمُتَطَرِّفُ فَيَنْقَسِمُ إِلَى لَازِمٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِي حَالَيْهِ، وَعَارِضٍ يُسَكَّنُ وَقْفًا، وَيَتَحَرَّكُ بِالْأَصَالَةِ وَصْلًا، فَالسَّاكِنُ اللَّازِمُ يَأْتِي قَبْلَهُ مَفْتُوحٌ مِثْلَ (اقْرَأْ) وَمَكْسُورٌ مِثْلَ (نَبِّئْ) وَلَمْ يَأْتِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَهُ مَضْمُومٌ، وَمِثَالُهُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ (لَمْ يَسُؤْ) وَالسَّاكِنُ الْعَارِضُ يَأْتِي قَبْلَهُ الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ، فَمِثَالُهُ وَقَبْلَهُ الضَّمُّ (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ، إِنِ امْرُؤٌ) وَمِثَالُهُ وَقَبْلَهُ الْكَسْرُ (مِنْ شَاطِئِ، وَيُبْدِئُ، وَقُرِئَ) وَمِثَالُهُ وَقَبْلَهُ الْفَتْحُ (بَدَأَ، وَقَالَ الْمَلَأُ. وَعَنِ النَّبَإِ) وَأَمَّا السَّاكِنُ الْمُتَوَسِّطُ فَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: مُتَوَسِّطٌ بِنَفْسِهِ وَمُتَوَسِّطٌ بِغَيْرِهِ. فَالْمُتَوَسِّطُ بِنَفْسِهِ يَكُونُ قَبْلَهُ ضَمٌّ نَحْوُ (المؤتفكة، وَيُؤْمِنَّ) وَكَسْرٌ نَحْوُ (بِئْرٍ، وَنَبِّئْنَا) وَمَفَتْوحٌ نَحْوُ (كَأْسٍ، وَتَأْكُلْ) وَالْمُتَوَسِّطُ بِغَيْرِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مُتَوَسِّطٌ بِحَرْفٍ، وَمُتَوَسِّطٌ بِكَلِمَةٍ. فَالْمُتَوَسِّطُ بِحَرْفٍ يَكُونُ قَبْلَهُ فَتْحٌ نَحْوُ (فَأْوُوا، وَآتُوا) وَلَمْ يَقَعْ قَبْلَهُ ضَمٌّ وَلَا كَسْرٌ، وَالْمُتَوَسِّطُ بِكَلِمَةٍ يَكُونُ قَبْلَهُ ضَمٌّ نَحْوُ (قَالُوا ايتِنَا، وَالْمَلِكُ ايتُونِي) وَكَسْرٌ نَحْوُ (الَّذِي اؤْتُمِنَ،
(1/430)

وَالْأَرْضِ ايتِنَا) وَفَتْحٌ نَحْوُ (الْهُدَى ايتِنَا، وَقَالَ ايتُونِي) فَهَذِهِ أَنْوَاعُ الْهَمْزِ السَّاكِنِ، وَتَخْفِيفُهُ أَنْ يُبْدَلَ بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهُ، إِنْ كَانَ قَبْلَهُ ضَمٌّ أُبْدِلَ وَاوًا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ كَسْرٌ أُبْدِلَ يَاءً، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَتْحٌ أُبْدِلُ أَلِفًا، وَكَذَلِكَ يَقِفُ حَمْزَةُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا شَذَّ فِيهِ ابْنُ سُفْيَانَ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ كَالْمَهْدَوِيِّ، وَابْنِ شُرَيْحٍ، وَابْنِ الْبَاذِشِ مِنْ تَحْقِيقِ الْمُتَوَسِّطِ بِكَلِمَةٍ لِانْفِصَالِهِ وَإِجْرَاءِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُتَوَسِّطِ بِحَرْفٍ لِاتِّصَالِهِ، كَأَنَّهُمْ أَجْرَوْهُ مَجْرَى الْمُبْتَدَأِ، وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُمْ وَخُرُوجٌ عَنِ الصَّوَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْهَمَزَاتِ وَإِنْ كُنَّ أَوَائِلَ الْكَلِمَاتِ فَإِنَّهُنَّ غَيْرُ مُبْتَدَآتٍ؛ لِأَنَّهُنَّ لَا يُمْكِنُ ثُبُوتُهُنَّ سَوَاكِنَ إِلَّا مُتَّصِلَاتٍ بِمَا قَبْلَهُنَّ ; فَلِهَذَا حُكِمَ لَهُنَّ بِكَوْنِهِنَّ مُتَوَسِّطَاتٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي (فَأْوُوا، وَأْمُرْ، وَقَالَ ايتُونِي) كَالدَّالِّ فِي (فَادْعُ) وَالسِّينِ فِي (فَاسْتَقِمْ) وَالرَّاءِ فِي (قَالَ ارْجِعْ) فَكَمَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ: إِنَّ الدَّالَ وَالسِّينَ وَالرَّاءَ فِي ذَلِكَ مُبْتَدَآتٌ وَلَا جَارِيَاتٌ مَجْرَى الْمُبْتَدَآتِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْهَمَزَاتُ، وَإِنْ وَقَعْنَ فَاءً مِنَ الْفِعْلِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ فَاءٍ تَكُونُ مُبْتَدَأَةً، أَوْ جَارِيَةً مَجْرَى الْمُبْتَدَأِ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ مَذْهَبُهُ تَخْفِيفَ الْهَمْزِ السَّاكِنِ الْمُتَوَسِّطِ غَيْرَ حَمْزَةَ كَأَبِي عَمْرٍو، وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَوَرْشٍ فَإِنَّهُمْ خَفَّفُوا ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ خُلْفٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، بَلْ أَجْرَوْهُ مَجْرَى يُؤْتَى وَيُؤْمِنُ وَيَأْلَمُونَ، فَأَبْدَلُوهُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ ابْنَ الْبَاذِشِ نَسَبَ تَحْقِيقَ هَذَا الْقِسْمِ لِأَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ وَأَبِيهِ وَابْنِ سَهْلٍ، وَالَّذِي رَأَيْتُهُ نَصًّا فِي " التَّذْكِرَةِ "، هُوَ الْإِبْدَالُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَاخْتَلَفَ) أَئِمَّتُنَا فِي تَغْيِيرِ حَرَكَةِ الْهَاءِ مَعَ إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ: (أَنْبِئْهُمْ) فِي الْبَقَرَةِ وَ (نَبِّئْهُمْ) فِي الْحِجْرِ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَرْوِي كَسْرَهَا لِأَجْلِ الْيَاءِ كَمَا كُسِرَ لِأَجْلِهَا فِي نَحْوِ (فِيهِمْ، وَيُؤْتِيهِمْ) فَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي الطِّيبِ ابْنِ غَلْبُونَ، وَابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ. وَكَانَ آخَرُونَ يَقْرَؤُنَهَا عَلَى ضَمَّتِهَا ; لِأَنَّ الْيَاءَ عَارِضَةٌ، أَوْ لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي التَّخْفِيفِ فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنُ مِهْرَانَ، وَمَكِّيٌّ، وَالْمَهْدَوِيِّ، وَابْنُ سُفْيَانَ، وَالْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ: كِلَا الْوَجْهَيْنِ
(1/431)

حَسَنٌ. وَقَالَ صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ ": وَهُمَا صَحِيحَانِ. وَقَالَ فِي " الْكَافِي ": الضَّمُّ أَحْسَنُ.
(قُلْتُ) : وَالضَّمُّ هُوَ الْقِيَاسُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُوصًا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ صَاحِبُ سُلَيْمٍ، وَإِذَا كَانَ حَمْزَةُ ضَمَّ هَاءَ (عَلَيْهِمْ، وَإِلَيْهِمْ، وَلَدَيْهِمْ) مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْيَاءَ قَبْلَهَا مُبْدَلَةٌ مَنْ أَلِفٍ، فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهَا الضَّمَّ: فَضَمُّ هَذِهِ الْهَاءَ أَوْلَى وَآصَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَأَمَّا الْهَمْزُ الْمُتَحَرِّكُ) فَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
مُتَحَرِّكٌ قَبْلَهُ سَاكِنٌ، وَمُتَحَرِّكٌ قَبْلَهُ مُتَحَرِّكٌ. وَكُلٌّ مِنْهَا يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَطَرِّفٌ وَمُتَوَسِّطٌ. فَالْمُتَطَرِّفُ السَّاكِنُ مَا قَبْلَهُ لَا يَخْلُو ذَلِكَ السَّاكِنُ قَبْلَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَلِفًا، أَوْ يَاءً، أَوْ وَاوًا، أَوْ زَائِدَتَيْنِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ أَلِفًا، فَإِنَّهُ يَأْتِي بَعْدَهُ كُلٌّ مِنَ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ نَحْوُ (جَاءَ، وَعَنْ أَشْيَاءَ، وَالسُّفَهَاءُ، وَمِنْهُ الْمَاءُ، وَمِنَ السَّمَاءِ، وَمِنَ الْمَاءِ، وَعَلَى سَوَاءٍ، وَعَلَى اسْتِحْيَاءٍ، وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) وَكَيْفِيَّةُ تَسْهِيلِ هَذَا الْقِسْمِ أَنْ يُسَكَّنَ أَيْضًا لِلْوَقْفِ، ثُمَّ يُبْدَلَ أَلِفًا مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ، وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْهَمْزَ لَمَّا سُكِّنَ لِلْوَقْفِ لَمْ تَعُدِ الْأَلِفُ حَاجِزًا، فَقُلِبَتِ الْهَمْزَةُ مِنْ ذَلِكَ أَلِفًا لِسُكُونِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَهَلْ تَبْقَى تِلْكَ الْأَلِفُ، أَوْ تُحْذَفُ لِلسَّاكِنِ؟ سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا بَيَانُ حُكْمِ الْوَقْفِ بِالرَّوْمِ، وَاتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَغَيْرِهِ فِي آخِرِ الْبَابِ. وَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ قَبْلَ الْهَمْزِ يَاءً، أَوْ وَاوًا زَائِدَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْيَاءِ إِلَّا فِي (النَّسِيءُ) وَ (بَرِيءٌ) وَوَزْنُهُمَا " فَعِيلٌ "، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْوَاوِ إِلَّا فِي (قُرُوءٍ) وَوَزْنُهُ " فُعُولٌ " وَتَسْهِيلُهُ أَنْ يُبْدَلَ الْهَمْزُ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْحَرْفِ الزَّائِدِ وَيُدْغَمَ الْحَرْفُ فِيهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ السَّاكِنُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْحُرُوفِ فَتَسْهِيلُهُ أَنْ تُنْقَلَ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إِلَى ذَلِكَ السَّاكِنِ وَيُحَرِّكُهَا بِهَا، ثُمَّ تُحْذَفُ هِيَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ النَّقْلِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ السَّاكِنُ صَحِيحًا، أَوْ يَاءً، أَوْ وَاوًا أَصْلِيَّيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَا حَرْفَيْ مَدٍّ أَوْ حَرْفَيْ لِينٍ بِأَيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَتِ الْهَمْزَةُ، فَالسَّاكِنُ الصَّحِيحُ وَرَدَ مِنْهُ فِي الْقُرْآنِ سَبْعَةُ مَوَاضِعَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ الْهَمْزَةُ فِيهَا مَضْمُومَةٌ وَهِيَ (دِفْءٌ، وَمِلْءُ، وَيَنْظُرُ الْمَرْءُ، وَلِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ) وَمِنْهَا مَوْضِعَانِ الْهَمْزَةُ فِيهِمَا مَكْسُورَةٌ، وَهُمَا (بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ،
(1/432)

وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) وَمَوْضِعٌ وَاحِدٌ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَفْتُوحَةٌ وَهُوَ (يُخْرِجُ الْخَبْءَ) وَمِثَالُ الْيَاءِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ حَرْفُ الْمَدِّ (الْمُسِيءُ، وَجِيءَ، وَسِيءَ، وَيُضِيءُ) وَمِثَالُهَا وَهِيَ حَرْفُ لِينٍ (شَيْءٌ) لَا غَيْرَ نَحْوُ (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ) وَمِثَالُ الْوَاوِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ حَرْفُ مَدٍّ (لَتَنُوءُ، وَأَنْ تَبُوءَ، وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، وَلِيَسُوءُوا) أَوَّلَ سُبْحَانَ عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَمَنْ مَعَهُ، وَمِثَالُهَا حَرْفُ لِينٍ (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ، لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ) وَالْمُتَطَرِّفُ الْمُتَحَرِّكُ الْمُتَحَرِّكُ مَا قَبْلَهُ هُوَ السَّاكِنُ الْعَارِضُ الْمُتَطَرِّفُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ تَسْهِيلِهِ سَاكِنًا، وَسَيَأْتِي حُكْمُ تَسْهِيلِهِ بِالرَّوْمِ وَاتِّبَاعِ الرَّسْمِ آخِرَ الْبَابِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَأَمَّا الْهَمْزُ الْمُتَوَسِّطُ) الْمُتَحَرِّكُ السَّاكِنُ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ:
مُتَوَسِّطٌ بِنَفْسِهِ، وَمُتَوَسِّطٌ بِغَيْرِهِ. فَالْمُتَوَسِّطُ بِنَفْسِهِ لَا يَخْلُو ذَلِكَ السَّاكِنُ قَبْلَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَلِفًا أَوْ يَاءً زَائِدَةً، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ مِنْهُ وَاوٌ زَائِدَةٌ. فَإِنْ كَانَ أَلِفًا فَتَسْهِيلُهُ بَيْنَ بَيْنَ، أَيْ: بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَحَرَكَتِهِ بِأَيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَ نَحْوُ: (شُرَكَاوُنَا، وَجَاوُا، وَأَوْلِيَاوُهُ، وَأُولَيِكَ، وَخَايِفِينَ، وَالْمَلَايِكَةُ، وَجَانَا، وَدُعَاءً وَنِدَاءً) وَإِنْ كَانَ يَاءً زَائِدَةً أُبْدِلَ وَأُدْغِمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُتَطَرِّفِ، وَذَلِكَ نَحْوُ (خَطِيَّةً، وَخَطِيَّاتِكُمْ، وَهَنِيًّا، وَمَرِيًّا، وَبَرِيُّونَ) وَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ أَيْضًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ يَاءً أَوْ وَاوًا أَصْلِيَّيْنِ، حَرْفَ مَدٍّ، أَوْ حَرْفَ لِينٍ، فَتَسْهِيلُهُ بِالنَّقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُتَطَرِّفِ سَوَاءً. فَمِثَالُ السَّاكِنِ الصَّحِيحِ مَعَ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ: (مَسْئُولًا، وَمَذْؤُمًا) وَمَعَ الْمَكْسُورَةِ (الْأَفْئِدَةِ) لَا غَيْرَ، وَمَعَ الْمَفْتُوحَةِ (الْقُرْآنُ، وَالظَّمْآنُ، وَشَطْأَهُ، وَتَجْأَرُونَ، وَهُزُؤًا، وَكُفُؤًا) عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ (النَّشْأَةَ، وَجُزْءٌ) وَمِثَالُ الْيَاءِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ حَرْفُ مَدٍّ (سِيئَتْ) لَا غَيْرَ، وَمِثَالُهَا حَرْفُ لِينٍ (كَهَيْئَةِ، وَاسْتَيْئَسَ، وَأَخَوَاتِهِ، وَشَيْئًا) حَيْثُ وَقَعَ (وَييئس الذين) وَمِثَالُ الْوَاوِ وَهِيَ حَرْفُ مَدٍّ (السوأى) لَا غَيْرَ، وَمِثَالُهَا وَهِيَ حَرْفُ لِينٍ (سَوْأَةَ أَخِيهِ، وَسَوْآتِكُمْ، وَسَوْآتِهِمَا، وَمَوْئِلًا، وَالْمَوْءُودَةُ)
(1/433)

لَا غَيْرَ، وَالْمُتَوَسِّطُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمُتَحَرِّكِ السَّاكِنِ مَا قَبْلَهُ لَا يَخْلُو ذَلِكَ السَّاكِنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ رَسْمًا، أَوْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، فَالْمُتَّصِلُ يَكُونُ أَلِفًا وَغَيْرَ أَلِفٍ. فَالْأَلِفُ تَكُونُ فِي مَوْضِعَيْنِ: يَاءُ النِّدَاءِ، وَهَاءُ التَّنْبِيهِ، نَحْوُ: (يَاآدَمُ، يَاأُولِي، يَاأَيُّهَا) كَيْفَ وَقَعَ (وَهَا أَنْتُمْ، وَهَؤُلَاءِ) وَغَيْرَ الْأَلِفِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ لَامُ التَّعْرِيفِ حَيْثُ وَقَعَ نَحْوُ (الَارْضِ، وَالَاخِرَةَ، وَالُاولَى، وَالُاخْرَى، وَالِانْسَانَ، وَالِاحْسَانِ) فَإِنَّهَا تُسَهَّلُ مَعَ الْأَلِفِ بَيْنَ بَيْنَ، وَمَعَ لَامِ التَّعْرِيفِ بِالنَّقْلِ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَعَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً، وَأَكْثَرُ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَرَأَ عَلَيْهِ الدَّانِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَاخْتِيَارِي، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى شَيْخِهِ الْفَارِسِيِّ، وَرَوَاهُ مَنْصُوصًا عَنْ حَمْزَةَ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْمُتَوَسِّطِ بِزَائِدٍ، وَهُوَ مَا انْفَصَلَ حُكْمًا وَاتَّصَلَ رَسْمًا مِمَّا سَيَأْتِي فِي أَقْسَامِهِ. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى الْوَقْفِ بِالتَّحْقِيقِ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَإِجْرَائِهِ مَجْرَى الْمُبْتَدَأِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَأَبِيهِ أَبِي الطِّيبِ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ، وَاخْتِيَارُ صَالِحِ بْنِ إِدْرِيسَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَوَرَدَ مَنْصُوصًا أَيْضًا عَنْ حَمْزَةَ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي. وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْهِدَايَةِ "، وَ " التَّلْخِيصِ "، وَاخْتَارَ فِي " الْهِدَايَةِ " فِي مِثْلِ (هَا أَنْتُمْ، وَيَاأَيُّهَا) التَّحْقِيقَ لِتَقْدِيرِ الِانْفِصَالِ، وَفِي غَيْرِهِ التَّخْفِيفَ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ انْفِصَالِهِ، وَقَالَ فِي " الْكَافِي ": التَّسْهِيلُ أَحْسَنُ إِلَّا فِي مِثْلِ (هَا أَنْتُمْ، وَيَاأَيُّهَا) .
(قُلْتُ) : كَأَنَّهُمَا لَحَظَا انْفِصَالَ الْمَدِّ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَّصِلٌ رَسْمًا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُتَوَسِّطِ بِزَائِدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمُنْفَصِلُ رَسْمًا مِنَ الْهَمْزِ الْمُتَحَرِّكِ السَّاكِنِ مَا قَبْلَهُ فَلَا يَخْلُو أَيْضًا ذَلِكَ السَّاكِنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، أَوْ حَرْفَ عِلَّةٍ، فَالصَّحِيحُ نَحْوُ (مَنْ آمَنَ، قَدْ أَفْلَحَ، قُلْ إِنِّي، عَذَابٌ أَلِيمٌ، يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأَدَاءِ فِي تَسْهِيلِ هَذَا النَّوْعِ وَتَحْقِيقِهِ، فَرَوَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ حَمْزَةَ تَسْهِيلَهُ
(1/434)

بِالنَّقْلِ، وَأَلْحَقُوهُ بِمَا هُوَ مِنْ كَلِمَةٍ، وَرَوَاهُ مَنْصُوصًا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ رِجَالِهِ الْكُوفِيِّينَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَأَبِي الْعِزِّ الْقَلَانِسِيِّ فِي إِرْشَادِهِ، وَأَبِي الْقَاسِمِ الْهُذَلِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَذَكَرَهُ أَيْضًا ابْنُ شُرَيْحٍ فِي كَافِيهِ، وَبِهِ قَرَأَ عَلَى صَاحِبِ " الرَّوْضَةِ "، وَهَؤُلَاءِ خَصُّوا بِالتَّسْهِيلِ مِنَ الْمُنْفَصِلِ هَذَا النَّوْعَ وَحْدَهُ، وَإِلَّا فَمَنْ عَمَّمَ تَسْهِيلَ جَمْعِ الْمُنْفَصِلِ مُتَحَرِّكًا وَسَاكِنًا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ، فَإِنَّهُ يُسَهِّلُ هَذَا الْقِسْمَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا. وَرَوَى الْآخَرُونَ تَحْقِيقَهُ مِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً، وَجَاءَ أَيْضًا مَنْصُوصًا عَنْ حَمْزَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَاصِلٍ، عَنْ خَلَفٍ، وَعَنِ ابْنِ سَعْدَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ الشَّامِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ قَاطِبَةً، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُجَوِّزْ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ غَيْرَهُ، وَمَذْهَبُ شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَأَبِي الْحَسَنِ طَاهِرِ بْنِ غَلْبُونَ، وَأَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ، وَسَائِرِ مَنْ حَقَّقَ الْمُتَّصِلَ خَطًا مِنَ الْمُنْفَصِلِ، بَلْ هُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَقَدْ غَلِطَ مَنْ نَسَبَ تَسْهِيلَهُ إِلَى أَبِي الْفَتْحِ مِمَّنْ شَرَحَ قَصِيدَةَ الشَّاطِبِيِّ وَظَنَّ أَنَّ تَسْهِيلَهُ مِنْ زِيَادَاتِ الشَّاطِبِيِّ عَلَى " التَّيْسِيرِ " لَا عَلَى طُرُقِ " التَّيْسِيرِ ". فَإِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ هَذَا مِمَّا زَادَ الشَّاطِبِيُّ عَلَى " التَّيْسِيرِ "، وَعَلَى طُرُقِ الدَّانِيِّ، فَإِنَّ الدَّانِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي سَائِرِ مُؤَلَّفَاتِهِ فِي هَذَا النَّوْعِ سِوَى التَّحْقِيقِ، وَأَجْرَاهُ مَجْرَى سَائِرِ الْهَمَزَاتِ الْمُبْتَدَآتِ، وَقَالَ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ": وَمَا رَوَاهُ خَلَفٌ وَابْنُ سَعْدَانَ نَصًّا، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَتَابَعَهُمَا عَلَيْهِ سَائِرُ الرُّوَاةِ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ تَحْقِيقِ الْهَمَزَاتِ الْمُبْتَدَآتِ مَعَ السَّوَاكِنِ وَغَيْرِهَا وَصْلًا وَوَقْفًا فَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَالْمَأْخُوذُ بِهِ.
(قُلْتُ) : وَالْوَجْهَانِ مِنَ النَّقْلِ وَالتَّحْقِيقِ صَحِيحَانِ مَعْمُولٌ بِهِمَا، وَبِهِمَا قَرَأْتُ، وَبِهِمَا آخُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ حَرْفَ عِلَّةٍ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَرْفَ لِينٍ أَوْ حَرْفَ مَدٍّ، فَإِنْ كَانَ حَرْفَ لِينٍ نَحْوُ (خَلَوْا إِلَى، وَابْنَيْ آدَمَ) فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِالنَّوْعِ قَبْلَهُ، وَهُوَ السَّاكِنُ الصَّحِيحُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابَيِ النَّقْلِ
(1/435)

وَالسَّكْتِ.
فَمَنْ رَوَى نَقْلَ ذَلِكَ عَنْ حَمْزَةَ رَوَى هَذَا أَيْضًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا. وَحَكَى ابْنُ سَوَّارٍ، وَأَبُو الْعَلَاءِ الْهَمَذَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَجْهَيْنِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ. أَحَدُهُمَا: النَّقْلُ كَمَا ذَكَرْنَا. قَالُوا: وَالْآخَرُ أَنْ يُقْلَبَ حَرْفَ لِينٍ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا، وَيُدْغَمَ الْأَوَّلُ فِي الثَّانِي، قَالُوا: فَيَصِيرُ حَرْفَ لِينٍ مُشَدَّدًا.
(قُلْتُ) : وَالصَّحِيحُ الثَّابِتُ رِوَايَةً فِي هَذَا النَّوْعِ هُوَ النَّقْلُ لَيْسَ إِلَّا، وَهُوَ الَّذِي لَمْ أَقْرَأْ بِغَيْرِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ شُيُوخِي، وَلَا آخُذُ بِسِوَاهُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَإِذَا كَانَ حَرْفَ مَدٍّ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَلِفًا أَوْ غَيْرَهَا. فَإِنْ كَانَ أَلِفًا نَحْوُ (بِمَا أَنْزَلَ، لَنَا إِلَّا، وَاسْتَوَى إِلَى) فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ سَهَّلَ هَذَا الْهَمْزَ بَعْدَ السَّاكِنِ الصَّحِيحِ بِالنَّقْلِ سَهَّلَ الْهَمْزَةَ فِي هَذَا النَّوْعِ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ هَاشِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مِقْسَمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مِهْرَانَ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ، وَالْمُطَّوِّعِيِّ، وَأَبِي الْفَتْحِ بْنِ شَيْطَا، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ، فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَبِهِ قَرَأْنَا مِنْ طَرِيقِهِمْ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي كِفَايَةِ أَبِي الْعِزِّ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ غَيْرَهُ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " عَلَى شَيْخِهِ الشَّرِيفِ، عَنِ الْكَارَزِينِيِّ، عَنِ الْمُطَّوِّعِيِّ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ شَيْطَا: وَالَّتِي تَقَعُ أَوَّلًا تُخَفَّفُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بِاتِّصَالِهَا بِمَا قَبْلَهَا فِي حُكْمِ الْمُتَوَسِّطَةِ. وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، قَالَ: وَبِهِ قَرَأْتُ. قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: وَعَلَى هَذَا - يَعْنِي تَسْهِيلَ الْمُبْتَدَأَةِ حَالَةَ وَصْلِهَا بِالْكَلِمَةِ قَبْلَهَا - يَدُلُّ كَلَامُ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِقْسَمٍ وَيَقُولُ بِتَرْكِهَا كَيْفَ مَا وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَيْهَا إِلَّا إِذَا ابْتَدَأَ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، وَلَا يَجِدُ السَّبِيلَ إِلَى تَرْكِهَا. انْتَهَى. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى التَّحْقِيقِ فِي هَذَا النَّوْعِ وَفِي كُلِّ مَا وَقَعَ الْهَمْزُ فِيهِ مُحَرَّكًا مُنْفَصِلًا، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَهُ سَاكِنٌ أَوْ مُحَرَّكٌ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ الْمُؤَلِّفِينَ سِوَاهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ رِوَايَةً، وَبِهِ قَرَأَ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ عَلَى ابْنِ شَيْطَا، وَكَذَلِكَ قَرَأَ صَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " عَلَى شَيْخِهِ الشَّرِيفِ الْعَبَّاسِيِّ، عَنِ الْكَارَزِينِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّذَائِيِّ، وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ جَمِيعِ مَنْ عَدَّهُ مِنْ أَصْحَابِ حَمْزَةَ - الْهَمْزَ فِي الْوَقْفِ إِذَا كَانَتِ الْهَمْزَةُ
(1/436)

فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ. وَكَذَا رَوَى الدَّانِيُّ، عَنْ جَمِيعِ شُيُوخِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، فَإِذَا كَانَ غَيْرَ أَلِفٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ يَاءً أَوْ وَاوًا، فَإِنَّ مَنْ سَهَّلَ الْقِسْمَ قَبْلَهَا مَعَ الْأَلِفِ أَجْرَى التَّسْهِيلَ مَعَهَا بِالنَّقْلِ وَالْإِدْغَامِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَتِ الْيَاءُ وَالْوَاوُ فِي ذَلِكَ مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ نَحْوُ (تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ، وَأَدْعُو إِلَى) ضَمِيرًا، أَوْ زَائِدًا نَحْوُ (تَارِكُوا آلِهَتِنَا، ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ، قَالُوا آمَنَّا، نَفْسِي إِنْ) وَبِمُقْتَضَى إِطْلَاقِهِمْ يَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي الزَّائِدِ لِلصِّلَةِ نَحْوُ (بِهِ أَحَدًا، وَأَمْرُهُ إِلَى، وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي فِيهِ الْإِدْغَامَ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْفَرَدَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ بِإِطْلَاقِ تَخْفِيفِ هَذَا الْقَسْمِ مَعَ قِسْمِ الْأَلِفِ قَبْلَهُ كَتَخْفِيفِهِ بَعْدَ الْحَرَكَةِ، كَأَنَّهُ يُلْغِي حُرُوفَ الْمَدِّ وَيُقَدِّرُ أَنَّ الْهَمْزَةَ وَقَعَتْ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ، فَتُخَفَّفُ بِحَسَبِ مَا قَبْلَهَا عَلَى الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ عِنْدَ الْقُرَّاءِ وَلَا عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالَّذِي قَرَأْتُ بِهِ فِي وَجْهِ التَّسْهِيلِ هُوَ مَا قَدَّمْتُ لَكَ، وَلَكِنِّي آخُذُ فِي الْيَاءِ وَالْوَاوِ بِالنَّقْلِ، إِلَّا فِيمَا كَانَ زَائِدًا صَرِيحًا لِمُجَرَّدِ الْمَدِّ وَالصِّلَةِ فَبِالْإِدْغَامِ، وَذَلِكَ كَانَ اخْتِيَارَ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّائِغِ الْمِصْرِيِّ، وَكَانَ إِمَامَ زَمَانِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالْقِرَاءَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(وَأَمَّا الْهَمْزُ الْمُتَوَسِّطُ) الْمُتَحَرِّكُ الْمُتَحَرِّكُ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِغَيْرِهِ (فَالْمُتَوَسِّطُ بِنَفْسِهِ) لَا تَخْلُو هَمْزَتُهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَفْتُوحَةً، أَوْ مَكْسُورَةً، أَوْ مَضْمُومَةً، وَلَا تَخْلُو الْحَرَكَةُ قَبْلَهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ ضَمًّا، أَوْ كَسْرًا، أَوْ فَتْحًا، فَتَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ تِسْعُ صُوَرٍ.
(الْأُولَى) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (مُؤَجَّلًا، وَيُؤَخَّرُ، وَفُؤَادُ، وَسُؤَالِ، وَلُؤْلُؤًا) .
(الثَّانِيَةُ) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (مِئَةَ، وَنَاشِئَةَ، وَنُنْشِئَكُمْ، وَسَيِّئَاتِ، وَلَيُبَطِّئَنَّ، وَشَيْئًا، وَخَاطِئَةٍ) .
(الثَّالِثَةُ) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (شَنَآنُ، وَسَأَلَهُمْ، وَمَآرِبُ، وَمَآبٍ، وَرَأَيْتَ، وَتَبُوءَ، وَنَأَى، وَمَلْجَأً، وَخَطَأً) .
(الرَّابِعَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (كَمَا سُئِلَ، وَسُئِلُوا) .
(الْخَامِسَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (إِلَى بَارِئِكُمْ، وَخَاسِئِينَ، وَمُتَّكِئِينَ) .
(السَّادِسَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (يَئِسَ، وَتَطْمَئِنَّ، وَجَبْرَئِلَ) .
(السَّابِعَةُ)
(1/437)

مَضْمُومَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (بِرُءُوسِكُمْ، وَكَأَنَّهُ رُءُوسُ) .
(الثَّامِنَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (لِيُطْفِئُوا، وَأَنْبِئُونِي، وَمستهزءون، وَسَيِّئُهُ) .
(التَّاسِعَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (رَءُوفٌ، وَيَدْرَءُونَ، وَيَكْلَؤُكُمْ، وَنَقْرَؤُهُ، وَتَؤُزُّهُمْ) .
فَتُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى - وَهِيَ الْمَفْتُوحَةُ بَعْدَ ضَمٍّ - بِإِبْدَالِهَا وَاوًا، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ - وَهِيَ الْمَفْتُوحَةُ بَعْدَ كَسْرٍ - بِإِبْدَالِهَا يَاءً، وَتَسْهِيلِهَا فِي الصُّوَرِ السَّبْعِ الْبَاقِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، أَيْ: بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَمَا مِنْهُ حَرَكَتُهَا عَلَى أَصْلِ التَّسْهِيلِ، وَحَكَى أَبُو الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ فِي الْمَفْتُوحَةِ بَعْدَ فَتْحٍ إِبْدَالَهَا أَلِفًا، وَعَزَاهُ إِلَى الْمَالِكِيِّ، وَالْعَلَوِيِّ، وَابْنِ نَفِيسٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا مَكِّيٌّ وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِالْمُطَّرِدِ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِسَمَاعٍ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ تَسْهِيلَ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَ كَسْرٍ وَالْمَكْسُورَةِ بَعْدَ ضَمٍّ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا، وَالْمُتَوَسِّطُ بِغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ، وَهُوَ الْمُتَحَرِّكُ الْمُتَحَرِّكُ مَا قَبْلَهُ، لَا يَخْلُو أَيْضًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، أَوْ رَسْمًا. فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا رَسْمًا بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي دَخَلَ عَلَيْهِ كَحُرُوفِ الْعَطْفِ، وَحُرُوفِ الْجَرِّ، وَلَامِ الِابْتِدَاءِ، وَهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عِنْدَهُمْ بِالْمُتَوَسِّطِ بِزَائِدٍ، فَإِنَّ الْهَمْزَةَ تَأْتِي فِيهِ مَفْتُوحَةً وَمَكْسُورَةً وَمَضْمُومَةً، وَيَأْتِي قَبْلَ كُلِّ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ كَسْرٌ وَفَتْحٌ، فَيَصِيرُ سِتَّ صُوَرٍ:
(الْأُولَى) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (بِأَنَّهُ، بِأَنَّهُمْ، بِأَنَّكُمُ، بِأَيِّ، فَبِأَيِّ، وَلِأَبَوَيْهِ، لِأَهَبَ، فَلِأَنْفُسِكُمْ، لِآدَمَ) .
(الثَّانِيَةُ) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (فَأَذَّنَ، أَفَأَمِنَ، أَفَأَمِنْتُمْ، كَأَنَّهُ، كَأَنَّهُنَّ، كَأَيِّ، كَأَمْثَالِ، فَسَأَكْتُبُهَا، أَأَنْذَرْتَهُمْ، سَأَصْرِفُ) .
(الثَّالِثَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (لَبِإِمَامٍ، بِإِيمَانٍ، بِإِحْسَانٍ، لِإِيلَافِ) .
(الرَّابِعَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (فَإِنَّهُمْ، فَإِنَّهُ، فَإِمَّا، وَإِمَّا، أَئِذَا، أَئِنَّا) .
(الْخَامِسَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ) .
(السَّادِسَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (وَأُوحِيَ، وَأُوتِينَا، وَأُتِيَتْ، أَؤُلْقِيَ، فَأُوَارِيَ) فَتَسْهِيلُ هَذَا الْقِسْمِ كَالْقِسْمِ قَبْلَهُ يُبْدَلُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْمَفْتُوحَةُ بَعْدَ الْكَسْرِ يَاءً وَيُسَهَّلُ
(1/438)

بَيْنَ بَيْنَ فِي الصُّوَرِ الْخَمْسِ الْبَاقِيَةِ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَنْ حَمْزَةَ فِي تَسْهِيلِهِ كَالِاخْتِلَافِ فِي تَسْهِيلِ الْمُتَوَسِّطِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمُتَحَرِّكِ بَعْدَ السَّاكِنِ مِمَّا اتَّصَلَ رَسْمًا نَحْوُ (يَاأَيُّهَا، وَالْأَرْضِ) فَسَهَّلَهُ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَقَّقَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَسِّطُ بِغَيْرِهِ مُنْفَصِلًا رَسْمًا، فَإِنَّهُ يَأْتِي مَفْتُوحًا، وَمَكْسُورًا، وَمَضْمُومًا، وَبِحَسَبِ اتِّصَالِهِمَا قَبْلَهُ يَأْتِي بَعْدَ ضَمٍّ وَكَسْرٍ وَفَتْحٍ، فَيَصِيرُ مِنْهُ كَالْمُتَوَسِّطِ بِنَفْسِهِ تِسْعُ صُوَرٍ.
(الْأُولَى) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (مِنْهُ آيَاتٌ، يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا، السُّفَهَاءُ أَلَا) .
(الثَّانِيَةُ) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فِيهِ آيَاتٌ، أَعُوذُ بِاللَّهِ، هَؤُلَاءِ أَهْدَى) .
(الثَّالِثَةُ) مَفْتُوحَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ، إِنَّ أَبَانَا، قَالَ أَبُوهُمْ، جَاءَ أَجَلُهُمْ) .
(الرَّابِعَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ، النَّبِيُّ إِنَّا، مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا، نَشَاءُ إِلَى) .
(الْخَامِسَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ، يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ، مِنَ النُّورِ إِلَى، هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ) .
(السَّادِسَةُ) مَكْسُورَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (غَيْرَ إِخْرَاجٍ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ إِنِّي، إِنَّهُ، تَفِيءَ إِلَى) .
(السَّابِعَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ ضَمٍّ نَحْوُ (الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، كُلُّ أُولَئِكَ، وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ، أَولِيَاءُ أُولَئِكَ) .
(الثَّامِنَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ نَحْوُ (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، فِي الْأَرْضِ أُمَمًا، فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ، عَلَيْهِ أُمَّةً) .
(التَّاسِعَةُ) مَضْمُومَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ نَحْوُ (كَانَ أُمَّةً، هُنَّ أُمُّ، مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ، جَاءَ أُمَّةً) فَسَهَّلَ أَيْضًا هَذَا الْقِسْمَ مَنْ سَهَّلَ الْهَمْزَ الْمُتَوَسِّطَ الْمُنْفَصِلَ الْوَاقِعَ بَعْدَ حُرُوفِ الْمَدِّ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَتَسْهِيلُهُ كَتَسْهِيلِ الْمُتَوَسِّطِ بِنَفْسِهِ مِنَ الْمُتَحَرِّكِ: يُبْدِلُ الْمَفْتُوحَةُ مِنْهُ بَعْدَ الضَّمِّ وَاوًا وَبَعْدَ الْكَسْرِ يَاءً، وَيُسَهِّلُ بَيْنَ بَيْنَ فِي السُّوَرِ السَّبْعِ الْبَاقِيَةِ سَوَاءً (فَهَذَا) جَمِيعُ أَقْسَامِ الْهَمْزِ سَاكِنَةً وَمُتَحَرِّكَةً وَمُتَوَسِّطَةً وَمُتَطَرِّفَةً، وَأَنْوَاعُ تَسْهِيلِهِ الْقِيَاسِيِّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ النَّحْوِيِّينَ وَالْقُرَّاءِ، وَقَدِ انْفَرَدَ بَعْضُ النُّحَاةِ بِنَوْعٍ مِنَ التَّخْفِيفِ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ بَعْضُ الْقُرَّاءِ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ بِنَوْعٍ مِنَ التَّخْفِيفِ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ بَعْضُ النُّحَاةِ، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ، وَشَذَّ بَعْضٌ مِنْ
(1/439)

الْفَرِيقَيْنِ بِشَيْءٍ مِنَ التَّخْفِيفِ لَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ مُبَيِّنًا لِلصَّوَابِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ.
(فَمِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ النُّحَاةِ إِجْرَاءُ الْيَاءِ وَالْوَاوِ الْأَصْلِيَّتَيْنِ مَجْرَى الزَّائِدَتَيْنِ فَأَبْدَلُوا الْهَمْزَةَ بَعْدَهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا، وَأَدْغَمُوهُمَا فِي الْمُبْدَلِ مِنْ قِسْمَيِ الْمُتَطَرِّفِ وَالْمُتَوَسِّطِ الْمُتَّصِلِ. حَكَى سَمَاعَ ذَلِكَ مِنَ الْعَرَبِ يُونُسُ وَالْكِسَائِيُّ، وَحَكَاهُ أَيْضًا سِيبَوَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقِسْهُ، فَخَصَّهُ بِالسَّمَاعِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مُطَّرِدًا، وَوَافَقَ عَلَى الْإِبْدَالِ وَالْإِدْغَامِ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَجَاءَ أَيْضًا مَنْصُوصًا عَنْ حَمْزَةَ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ، وَذَكَرَهُ فِي " التَّيْسِيرِ " وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا أَبُو مُحَمَّدٍ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ فِي " الْكَافِي "، وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَغَيْرُهُمْ وَخَصَّهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ بَلِّيمَةَ (بِشَيْءٍ، وَهَيْئَةِ، وَمَوْئِلًا) فَقَطْ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ مُطَّرِدًا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالنُّحَاةِ سِوَى النَّقْلِ كَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَأَبِيهِ أَبِي الطَّيِّبِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيِّ وَأَبِي الطَّاهِرِ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَشَيْخِهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْفَحَّامِ، وَالْجُمْهُورِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُطَّرِدُ إِجْمَاعًا، وَانْفَرَدَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فَخَصَّ جَوَازَ الْإِدْغَامِ مِنْ ذَلِكَ بِحَرْفِ اللِّينِ وَلَمْ يُجِزْهُ بِحَرْفِ الْمَدِّ، وَكَأَنَّهُ لَاحَظَ كَوْنَهُ حَرْفَ مَدٍّ لَا يَجُوزُ إِدْغَامُهُ وَهَذَا لَا يُخَلِّصُهُ فِيمَا إِذَا كَانَ حَرْفُ الْمَدِّ زَائِدًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ إِدْغَامُهُ قَوْلًا وَاحِدًا نَحْوُ (هَنِيئًا، وَقُرُوءٍ) (وَالْجَوَابُ) عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْإِدْغَامَ فِيهِ تَقْدِيرِيٌّ، فَإِنَّا لَمَّا لَفَظْنَا بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ وَوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ تَخْفِيفًا لِلْهَمْزِ قَدَّرْنَا إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ بَعْدَ حَرْفِ الْمَدِّ، وَإِدْغَامَ حَرْفِ الْمَدِّ فِي الْهَمْزِ، وَنَظِيرُ هَذَا إِدْغَامُ أَبِي عَمْرٍو (نُودِيَ يَامُوسَى، هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) فَإِنَّ النُّطْقَ فِيهِ بِيَاءٍ وَوَاوٍ مُشَدَّدَتَيْنِ وَكَوْنُنَا سَكَّنَّا الْيَاءَ وَالْوَاوَ حَتَّى صَارَا حَرْفَيْ مَدٍّ، ثُمَّ أَدْغَمْنَاهُمَا فِيمَا بَعْدَهُمَا - تَقْدِيرِيٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ بَعْضُ النُّحَاةِ الْإِبْدَالَ وَالْإِدْغَامَ فِي الْمُنْفَصِلِ نَحْوُ (فِي أَنْفُسِكُمْ وَقَالُوا آمَنَّا) وَحَكَاهُ أَبُو عَمْرٍو فِي (الْفَرْخِ) ، عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ، وَوَافَقَ
(1/440)

عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مِنَ الْقُرَّاءِ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو الْفَتْحِ بْنُ شَيْطَا، وَأَجَازَ نُحَاةُ الْكُوفِيِّينَ أَنْ تَقَعَ هَمْزَةُ بَيْنَ بَيْنَ بَعْدَ كُلِّ سَاكِنٍ كَمَا تَقَعُ بَعْدَ الْمُتَحَرِّكِ، ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو حَيَّانَ فِي " الِارْتِشَافِ "، وَقَالَ هَذَا مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْعَرَبِ. انْتَهَى. وَانْفَرَدَ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ مِنَ الْقُرَّاءِ بِالْمُوَافَقَةِ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ الْهَمْزُ فِيهِ بَعْدَ حَرْفِ مَدٍّ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَوَسِّطًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَأَجْرَى الْوَاوَ وَالْيَاءَ مَجْرَى الْأَلِفِ، وَسَوَّى بَيْنَ الْأَلِفِ وَغَيْرِهَا مِنْ حَيْثُ اشْتِرَاكِهِنَّ فِي الْمَدِّ.
(قُلْتُ) : وَذَلِكَ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا عَدَلُوا إِلَى بَيْنَ بَيْنَ بَعْدَ الْأَلِفِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا النَّقْلُ وَلَا الْإِدْغَامُ بِخِلَافِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا عَمْرٍو الدَّانِيَّ حَكَى ذَلِكَ فِي (مَوْئِلًا، وَالْمَوْءُودَةُ) وَقَالَ: إِنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ فِي (مَوْئِلًا) مِنْ أَجْلِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ عِنْدَ مَنْ يَأْخُذُ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجَازَ بَعْضُ النُّحَاةِ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ النَّقْلِ بَعْدَ الْيَاءِ وَالْوَاوِ إِذَا كَانَا حَرْفَيْ مَدٍّ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ، فَيَقُولُونَ فِي نَحْوِ (تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ، وَأَدْعُو إِلَى، تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ، وَأَدْعُو إِلَى) وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى هَذَا التَّخْفِيفِ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَأَجَازَ النُّحَاةُ النَّقْلَ بَعْدَ السَّاكِنِ الصَّحِيحِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مِيمِ جَمْعٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَمْ يُوَافِقْهُ الْقُرَّاءُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَجَازُوا فِي غَيْرِ مِيمِ الْجَمْعِ نَحْوُ (قَدْ أَفْلَحَ، وَقُلْ إِنِّي) لَا فِي نَحْوِ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، ذَلِكُمْ إِصْرِي) فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ لَا خِلَافَ فِي تَحْقِيقِ مِثْلِ هَذَا فِي الْوَقْفِ عِنْدَنَا. انْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَرَأْنَاهُ بِهِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزِ النَّقْلُ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ مِيمَ الْجَمْعِ أَصْلُهَا الضَّمُّ، فَلَوْ حُرِّكَتْ بِالنَّقْلِ لَتَغَيَّرَتْ، عَنْ حَرَكَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ فِيمَا مَثَّلْنَا بِهِ ; وَلِذَلِكَ آثَرَ مِنْ مَذْهَبِهِ النَّقْلَ صِلَتُهَا عِنْدَ الْهَمْزِ لِتَعُودَ إِلَى أَصْلِهَا وَلَا تُحَرَّكَ بِغَيْرِ حَرَكَتِهَا عَلَى مَا فَعَلَ وَرْشٌ وَغَيْرُهُ، عَلَى أَنَّ ابْنَ مِهْرَانَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ فِي وَقْفِ حَمْزَةَ فِيهَا مَذَاهِبَ.
(أَحَدُهَا) نَقْلُ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَيْهَا مُطْلَقًا، فَتُضَمُّ فِي نَحْوِ (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ) وَتُفْتَحُ فِي نَحْوِ (أَنْتُمْ أَعْلَمُ) وَتُكْسَرُ فِي نَحْوِ (إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ) .
(الثَّانِي) أَنَّهَا تُضَمُّ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَتِ الْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةً أَوْ مَكْسُورَةً حَذَرًا مِنْ تَحَرُّكِ
(1/441)

الْمِيمِ بِغَيْرِ حَرَكَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا لَا يُمْكِنُ فِي نَحْوِ (عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا، زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) ; لِأَنَّ الْأَلِفَ وَالْيَاءَ حِينَئِذٍ لَا يَقَعَانِ بَعْدَ ضَمَّةٍ.
(الثَّالِثُ) يُنْقَلُ فِي الضَّمِّ وَالْكَسْرِ دُونَ الْفَتْحِ لِئَلَّا تَشْتَبِهَ بِالتَّثْنِيَةِ، وَأَجَازَ بَعْضُ النُّحَاةِ فِي السَّاكِنِ الصَّحِيحِ قَبْلَ الْهَمْزِ الْمُتَطَرِّفِ إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ بِمِثْلِ حَرَكَةِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ السَّاكِنِ حَالَةَ الْوَقْفِ، وَذَلِكَ نَحْوُ (يُخْرِجُ الْخَبْءَ، وَيَنْظُرُ الْمَرْءُ، وَدِفْءٌ، وَجُزْءٌ) فَيَقُولُونَ: هَذَا الْخِبَاءُ، وَرَأَيْتُ الْخِبَاءَ، وَمَرَرْتُ بِالْخِبَاءِ، وَهَذَا الدَّفِيءُ، وَرَأَيْتُ الدَّفِيءَ، وَمَرَرْتُ بِالدَّفِيءِ، وَهَذَا الْجُزُوءُ، وَرَأَيْتُ الْجُزُوءَ، وَمَرَرْتُ بِالْجُزُوءِ - عَلَى سَبِيلِ الِاتْبَاعِ، وَهَذَا مَسْمُوعٌ مُطَّرِدٌ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى هَذَا أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ إِلَّا الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، فَإِنَّهُ حَكَى وَجْهًا آخَرَ فِي (الْخَبْءَ) تُبْدَلُ الْهَمْزَةُ أَلِفًا بَعْدَ النَّقْلِ، فَخَصَّهُ بِالْمَفْتُوحَةِ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ فِي نَحْوِ هَذَا أَيْضًا النَّقْلَ إِلَى الْحَرْفِ فَقَطْ، فَيَقُولُ: هَذَا الْخَبْؤُ وَالدِّفْؤُ وَالْجُزْؤُ، وَرَأَيْتُ الْخَبْأَ وَالدَّفْأَ وَالْجُزْأَ، وَمَرَرْتُ بِالْخَبِيءِ وَالدَّفِيءِ وَالْجَزِيءِ. ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي تَسْهِيلِهِ مُطَّرِدًا، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَأَجَازَ النُّحَاةُ فِي (كَمْأَةٍ - كُمَاةٍ) بِالنَّقْلِ فَقَطْ وَالْإِبْدَالِ، وَهُوَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ شَاذٌّ مُطَّرِدٌ، وَحَكَاهُ سِيبَوَيْهِ، وَقَالَ هُوَ قَلِيلٌ، وَقَاسَ عَلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ، فَيُجِيزُونَ (يَسْأَلُونَ وَيَجْأَرُونَ وَالنَّشْأَةَ) وَحَرَكَةُ السَّاكِنِ بِالْفَتْحِ فِي ذَلِكَ هِيَ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ أَلِفًا. وَقِيلَ: أَبْدَلُوا الْهَمْزَةَ أَلِفًا، فَلَزِمَ انْفِتَاحُ مَا قَبْلَهَا، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ إِلَّا أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، فَذَكَرَهُ وَجْهًا آخَرَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي (النَّشْأَةِ) فَقَطْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا كُتِبَتْ بِالْأَلِفِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ عَلَى حَسَبِ إِبْدَالِهَا فِي الْفِعْلِ. وَرَوَى الْفَرَّاءُ وَأَبُو زَيْدٍ ذَلِكَ عَنِ الْعَرَبِ. فَمَنْ أَبْدَلَ مِنْهُمُ الْهَمْزَةَ فِي الْفِعْلِ قَالَ: (اسْتَهْزَيْتُ) مِثْلَ: اسْتَقْصَيْتُ، وَاتَّكَيْتُ، مِثْلَ اكْتَرَيْتُ (وَأَطْفَيْتُ مِثْلَ أَوْصَيْتُ) وَتَقُولُ مِنْ ذَلِكَ: هَؤُلَاءِ مُسْتَهْزُونَ مِثْلَ مُسْتَقْضُونَ، وَيَسْتَهْزُونَ مِثْلَ يَسْتَقْضُونَ، وَالْمُتَّكُونَ مِثْلَ مُكْتَرُونَ، وَيُطْفُونَ مِثْلَ يُوصُونَ، وَيَطَوْنَ مِثْلَ
(1/442)

يَرَوْنَ. فَيَبْنُونَ الْكَلِمَةَ عَلَى فِعْلِهَا، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ ضَمُّ مَا قَبْلَ الْوَاوِ لِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَضْمُومًا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الضَّمَّةُ ضَمَّةَ نَقْلٍ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ نَقْلُ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَى الْمُتَحَرِّكِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ الزُّجَاجُ: أَمَّا (يَسْتَهْزُونَ) فَعَلَى لُغَةِ مَنْ يُبْدِلُ مِنَ الْهَمْزَةِ يَاءً فِي الْأَصْلِ، فَيَقُولُونَ فِي (اسْتَهْزَأَ: اسْتَهْزَيْتُ) فَيَجِبُ عَلَى اسْتَهْزَيْتُ (يَسْتَهْزُونَ) وَكَذَا الْقَوْلُ فِي (مُسْتَهْزِينَ، وَخَاسِيِينَ، وَخَاطِيِينَ) وَهُوَ عِنْدَهُمْ صَحِيحٌ مُطَّرِدٌ، وَبِهِ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ قِرَاءَتَهُ وَقِرَاءَةَ نَافِعٍ: (الصَّابُونَ، وَالصَّابِينَ) . وَقَدْ وَافَقَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ، عَنْ حَمْزَةَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَجَاءَ مَنْصُوصًا عَنْهُ، فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَزَّازُ، عَنْ خَلَّادٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ (مُسْتَهْزُونَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ وَيَضُمُّ الزَّايَ. وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ شُجَاعٍ قَالَ: كَانَ حَمْزَةُ يَقِفُ (مُسْتَهْزُونَ) بِرَفْعِ الزَّايِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَكَذَلِكَ (مُتَّكُونَ وَالْخَاطُونَ وَمَالُونَ وَلِيُطُفُوا) بِغَيْرِ هَمْزٍ فِي هَذِهِ الْأَحْرُفِ كُلِّهَا، وَبِرَفْعِ الْكَافِ وَالْفَاءِ وَالزَّايِ وَالطَّاءِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ،: أَخْبَرَنَا إِدْرِيسُ، ثَنَا خَلَفٌ، ثَنَا الْكِسَائِيُّ قَالَ: وَمَنْ وَقَفَ بِغَيْرِ هَمْزٍ قَالَ: (مُسْتَهْزُونَ) بِرَفْعِ الزَّايِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وَكَذَلِكَ (لِيُطُفُوا) بِرَفْعِ الطَّاءِ، وَكَذَلِكَ (لِيُوَاطُوا) بِرَفْعِ الطَّاءِ، وَكَذَلِكَ: (يَسْتَنْبُونَكَ) بِرَفْعِ الْبَاءِ. فَمَالُونَ بِرَفْعِ اللَّامِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
(قُلْتُ) : وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ بِهَذَا الْوَجْهِ مَعَ صِحَّتِهِ فِي الْقِيَاسِ وَالْأَدَاءِ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ السَّخَاوِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَضْعِيفِ هَذَا الْوَجْهِ وَإِخْمَالِهِ، وَجَعْلِهِ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُخْمَلَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِقَوْلِ الشَّاطِبِيِّ:
وَمُسْتَهْزُونَ الْحَذْفُ فِيهِ وَنَحْوُهُ ... وَضَمٌّ وَكَسْرٌ قَبْلَ قِيلٍ وَأَخْمِلَا
فَحَمَلَ أَلِفَ أَخْمِلَا عَلَى التَّثْنِيَةِ، أَيْ أَنَّ ضَمَّ مَا قَبْلَ الْوَاوِ وَكَسْرِهِ حَالَةَ الْحَذْفِ أَخْمِلَا يَعْنِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَاسِيُّ، وَهُوَ وَهْمٌ بَيِّنٌ وَخَطَأٌ ظَاهِرٌ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ قِيلًا وَأَخْمِلًا، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْأَلِفَ مِنْ أَخْمِلَا لِلْإِطْلَاقِ، وَإِنَّ هَذَا الْوَجْهَ مَنْ أَصَحِّ الْوُجُوهِ الْمَأْخُوذِ بِهَا لِحَمْزَةَ فِي الْوَقْفِ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى صِحَّتِهِ صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ " فِي كِتَابِهِ " جَامِعِ الْبَيَانِ "، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا الْخَامِلُ الْوَجْهُ الْآخَرُ، وَهُوَ حَذْفُ الْهَمْزَةِ وَإِبْقَاءُ مَا قَبْلَ الْوَاوِ مَكْسُورًا عَلَى
(1/443)

حَالِهِ عَلَى مُرَادِ الْهَمْزِ كَمَا أَجَازَهُ بَعْضُهُمْ، وَحَكَاهُ خَلَفٌ عَنِ الْكِسَائِيِّ، قَالَ الدَّانِيُّ: وَهَذَا لَا عَمَلَ عَلَيْهِ. (قُلْتُ) : فَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّاطِبِيُّ بِالْإِخْمَالِ لَا يَصِحُّ رِوَايَةً وَلَا قِيَاسًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ النُّحَاةِ إِلَى إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَ كَسْرِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَ ضَمٍّ حَرْفًا خَالِصًا فَتُبْدَلُ فِي نَحْوِ (سَنُقْرِيكَ وَيَسْتَهْزُونَ) يَاءً، وَفِي نَحْوِ (سُئِلَ وَاللُّؤْلُؤُ) وَاوًا، وَنُسِبَ هَذَا عَلَى إِطْلَاقِهِ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْعَدَةَ الْأَخْفَشِ النَّحْوِيِّ الْبَصْرِيِّ أَكْبَرِ أَصْحَابِ سِيبَوَيْهِ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَخْفَشِ النَّحْوِيِّ الَّذِي لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ غَيْرَهُ. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ وَجُمْهُورُ النُّحَاةِ عَلَى ذَلِكَ عَنْهُ، وَالَّذِي رَأَيْتُهُ أَنَا فِي كِتَابِ " مَعَانِي الْقُرْآنِ " أَنَّهُ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْهَمْزَةُ لَامَ الْفِعْلِ نَحْوُ (سَنُقْرِيكَ، وَاللُّولُو) ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عَيْنَ الْفِعْلِ نَحْوُ (سُئِلَ) أَوْ مِنْ مُنْفَصِلٍ نَحْوُ (يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ، وَيَشَاءُ إِلَى) فَإِنَّهُ يُسَهِّلُهَا بَيْنَ بَيْنَ كَمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَالَّذِي يَحْكِيهِ عَنْهُ الْقُرَّاءُ وَالنُّحَاةُ إِطْلَاقُ الْإِبْدَالِ فِي النَّوْعَيْنِ، وَأَجَازَهُ كَذَلِكَ عَنْ حَمْزَةَ فِي الْوَقْفِ أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّاطِبِيِّ، وَوَافَقَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ عَلَى جَوَازِ الْإِبْدَالِ فِي الْمَضْمُومَةِ بَعْدَ كَسْرٍ فَقَطْ مُطْلَقًا، أَيْ: فِي الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ فَاءُ الْفِعْلِ وَلَامُهُ. وَحَكَى أَبُو الْعِزِّ ذَلِكَ فِي هَذَا النَّوْعِ خَاصَّةً عَنْ أَهْلِ وَاسِطٍ وَبَغْدَادَ وَهِيَ تَسْهِيلٌ بَيْنَ بَيْنَ، وَعَنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْبَصْرَةِ، وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو حَيَّانَ النَّحْوِيُّ عَنِ الْأَخْفَشِ الْإِبْدَالَ فِي النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَنْهُ فِي الْمَكْسُورَةِ الْمَضْمُومِ مَا قَبْلَهَا مِنْ كَلِمَةٍ أُخْرَى التَّسْهِيلُ بَيْنَ بَيْنَ، فَنَصَّ لَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فِي الْمُنْفَصِلِ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ إِلَى إِلْغَاءِ مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ فِي النَّوْعَيْنِ فِي الْوَقْفِ لِحَمْزَةَ، وَأَخَذُوا بِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ التَّسْهِيلُ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَحَرَكَتِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرٍ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَشَيْخِهِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيِّ وَأَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْفَحَّامِ صَاحِبِ " التَّجْرِيدِ "، وَأَبِي الطَّيِّبِ بْنِ غَلْبُونَ وَابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ طَاهِرٍ وَلَمْ يَرْضَ مَذْهَبَ
(1/444)

الْأَخْفَشِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَقْفِ حَمْزَةَ، وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَأَخَذُوا بِمَذْهَبِ الْأَخْفَشِ فِيمَا وَافَقَ الرَّسْمَ نَحْوُ (سَنُقْرِيكَ وَاللُّولُو) وَبِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ نَحْوُ (سِيلَ وَيَسْتَهْزُونَ) وَنَحْوُهُ لِمُوَافَقَةِ الرَّسْمِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ مِنَ التَّخْفِيفِ الرَّسْمِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَغَيْرِهِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ النُّحَاةِ إِلَى جَوَازِ إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ الْمُتَطَرِّفَةِ فِي الْوَقْفِ مِنْ جِنْسِ حَرَكَتِهَا فِي الْوَصْلِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ، أَوْ بَعْدَ سَاكِنٍ، وَحَكَوْا ذَلِكَ سَمَاعًا عَنْ غَيْرِ الْحِجَازِيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ كَتَمِيمٍ وَقَيْسٍ وَهُذَيْلٍ وَغَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ نَحْوُ (الْمَلَا) وَ (نَبَا) وَ (يَدْرُو) وَ (تَفَتَوُا) وَ (الْعُلَمَوُا) وَ (يَشَا) وَ (الْخَبْ) فَيَقُولُونَ فِي " جَا الْمَلَا، وَ " مَرَرْتُ بِالْمَلِي "، وَ " رَأَيْتُ الْمَلَا "، وَ " هَذَا نَبُو "، وَ " جِئْتُ بِنَبِي "، وَ " سَمِعْتُ نَبَا "، وَ " هَؤُلَاءِ الْعُلَمَا "، وَ " مَرَرْتُ بِالْعُلَمَاي، وَ " رَأَيْتُ الْعُلَمَا "، وَ " هَذَا الْخَبُو "، وَ " مَرَرْتُ بِالْخَبِي "، وَ " رَأَيْتُ الْخَبَا "، وَ " زَيْدٌ يَدْرَوُ "، وَ " يَفَتَوُ "، وَ " يَشَاوُ "، وَ " لَنْ يَدْرَا "، وَ " لَنْ يَفْتَا "، وَ " لَنْ يَشَا ". فَتَكُونُ الْهَمْزَةُ وَاوًا فِي الرَّفْعِ وَيَاءً فِي الْجَرِّ، أَمَّا فِي النَّصْبِ فَيَتَّفِقُ هَذَا التَّخْفِيفُ مَعَ التَّخْفِيفِ الْمُتَقَدِّمِ لَفْظًا، وَيَخْتَلِفَانِ تَقْدِيرًا، وَكَذَلِكَ يَتَّفِقُ هَذَا التَّخْفِيفُ مَعَ الْمُتَقَدِّمَ حَالَةَ الرَّفْعِ إِذَا انْضَمَّ مَا قَبْلَ الْهَمْزِ، وَحَالَةَ الْجَرِّ إِذَا انْكَسَرَ نَحْوُ (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّولُو، وَمِنْ شَاطِيِ) وَيَخْتَلِفَانِ تَقْدِيرًا، فَعَلَى التَّخْفِيفِ الْأَوَّلِ تُخَفَّفُ بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا، وَعَلَى هَذَا التَّخْفِيفِ بِحَرَكَةِ نَفْسِهَا، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي الْإِشَارَةِ بِالرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ، فَفِي تَخْفِيفِهَا بِحَرَكَةِ نَفْسِهَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ، وَفِي تَخْفِيفِهَا بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا تَمْتَنِعُ، وَلَا يُعْتَدُّ بِالْأَلِفِ الَّتِي قَبْلَ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّهَا حَاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، فَتُقَدَّرُ الْهَمْزَةُ مَعَهَا كَأَنَّهَا بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهَا، وَوَافَقَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى هَذَا التَّخْفِيفِ فِيمَا وَافَقَ رَسْمَ الْمُصْحَفِ. فَمَا رُسِمَ مِنْهُ بِالْوَاوِ وُقِفَ عَلَيْهِ بِهَا، أَوْ بِالْيَاءِ فَكَذَلِكَ، أَوْ بِالْأَلِفِ فَكَذَلِكَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَاخْتِيَارُ الْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو كَمَا أَذْكُرُهُ.
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي) الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ التَّخْفِيفُ الرَّسْمِيُّ ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ كَالْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ، وَشَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ
(1/445)

أَحْمَدَ وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَالْمُرَادُ بِالرَّسْمِ صُورَةُ مَا كُتِبَ فِي الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّ سُلَيْمًا رَوَى عَنْ حَمْزَةَ أَنَّهُ كَانَ يَتَّبِعُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْهَمْزِ خَطَّ الْمُصْحَفِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ حَمْزَةَ لَا يَأْلُو فِي وَقْفِهِ عَلَى الْكَلِمَةِ الَّتِي فِيهَا هَمْزٌ اتِّبَاعَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ الْمُجْمَعِ عَلَى اتِّبَاعِهِ. يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا خَفَّفَ الْهَمْزَ فِي الْوَقْفِ فَمَهْمَا كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْفِيفِ مُوَافِقًا لِخَطِّ الْمُصْحَفِ خَفَّفَهُ بِهِ دُونَ مَا خَالَفَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقْيَسَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الدَّانِيِّ فِي " التَّيْسِيرِ ": وَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُسَهِّلُهُ حَمْزَةُ مِنَ الْهَمَزَاتِ فَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ خَطُّ الْمُصْحَفِ دُونَ الْقِيَاسِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ - يَعْنِي بِمَا قَدَّمَهُ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ - فَإِنِ انْضَمَّتْ، أَيِ الْهَمْزَةُ، جَعَلَهَا بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ نَحْوُ قَوْلِهِ: (فَادْرُوا، وَبُوسًا، وَلَا يَوُدُهُ، وَمُسْتَهْزُونَ، وَلِيُوَاطُوا، وَيَا بْنُومٍّ) وَشِبْهُهُ مَا لَمْ تَكُنْ صُورَتُهَا يَاءً نَحْوُ (قُلْ أُونَبِّيكُمْ، وَسَنُقْرِيكَ، وَكَانَ سَيِّئُهُ) وَشِبْهُهُ فَإِنَّكَ تُبْدِلُهَا يَاءً مَضْمُومَةً اتِّبَاعًا لِمَذْهَبِ حَمْزَةَ فِي اتِّبَاعِ الْخَطِّ عِنْدَ الْوَقْفِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَخْفَشِ - أَعْنِي التَّسْهِيلَ فِي ذَلِكَ بِالْبَدَلِ - انْتَهَى. وَهُوَ غَايَةٌ مِنَ الْوُضُوحِ. مَعْنَى قَوْلِهِ: دُونَ الْقِيَاسِ - أَيِ الْمُجَرَّدِ عَنِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ كَمَا مَثَّلَ بِهِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ - كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، فَإِنَّ اتِّبَاعَ الرَّسْمِ لَا يَجُوزُ إِذَا خَالَفَ قِيَاسَ الْعَرَبِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا وَنُبَيِّنُ، وَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ مَعْرِفَةِ كِتَابَةِ الْهَمْزِ لِيُعْرَفَ مَا وَافَقَ الْقِيَاسَ فِي ذَلِكَ مِمَّا خَالَفَهُ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْهَمْزَةَ وَإِنْ كَانَ لَهَا مَخْرَجٌ يَخُصُّهَا وَلَفْظٌ تَتَمَيَّزُ بِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا صُورَةٌ تَمْتَازُ كَسَائِرِ الْحُرُوفِ، وَلِتَصَرُّفِهِمْ فِيهَا بِالتَّخْفِيفِ إِبْدَالًا، وَنَقْلًا، وَإِدْغَامًا، وَبَيْنَ بَيْنَ، كُتِبَتْ بِحَسَبِ مَا تُخَفَّفُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ تَخْفِيفُهَا أَلِفًا، أَوْ كَالْأَلِفِ كُتِبَتْ أَلِفًا، وَإِنْ كَانَ يَاءً أَوْ كَالْيَاءِ كُتِبَتْ يَاءً، وَإِنْ كَانَ وَاوًا أَوْ كَالْوَاوِ كُتِبَتْ وَاوًا، وَإِنْ كَانَ حَذْفًا يُنْقَلُ، أَوْ إِدْغَامًا، أَوْ غَيْرَهُ حُذِفَتْ مَا لَمْ تَكُنْ أَوَّلًا، فَإِنْ كَانَتْ أَوَّلًا كُتِبَتْ أَلِفًا أَبَدًا إِشْعَارًا بِحَالَةِ الِابْتِدَاءِ إِذَا كَانَتْ فِيهِ لَا يَجُوزُ تَخْفِيفُهَا بِوَجْهٍ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَالْقِيَاسُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَرَسْمِ الْمُصْحَفِ
(1/446)

وَرُبَّمَا خَرَجَتْ مَوَاضِعُ عَنِ الْقِيَاسِ الْمُطَّرِدِ لِمَعْنًى فَمِمَّا خَرَجَ مِنَ الْهَمْزِ السَّاكِنِ اللَّازِمِ فِي الْمَكْسُورِ مَا قَبْلَهُ (وَرِئْيًا) فِي سُورَةِ مَرْيَمَ حُذِفَتْ صُورَةُ هَمْزَتِهَا وَكُتِبَتْ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ، قِيلَ: اكْتِفَاءً بِالْكَسْرَةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صُوِّرَتْ لَكَانَتْ يَاءً، فَحُذِفَتْ لِذَلِكَ كَمَا حُذِفَتْ مِنْ (وَيَسْتَحْيِي وَيُحْيِي) وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، وَكُتِبَتْ (هَيِّئْ لَنَا وَيُهَيِّئْ لَكُمْ) فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ صُورَةُ الْهَمْزَةِ فِيهَا أَلِفًا؛ مِنْ أَجْلِ اجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، إِذْ لَوْ حُذِفَتْ لَحَصَلَ الْإِجْحَافُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْيَاءَ فِيهِمَا قَبْلَهَا مُشَدَّدَةٌ، نَصَّ عَلَى تَصْوِيرِهَا أَلِفًا فِيهِمَا وَفِي (وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَالْمَكْرُ السَّيِّئُ) الْغَازِي بْنُ قَيْسٍ فِي هِجَاءِ السُّنَّةِ لَهُ، أَنْكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ كِتَابَةَ ذَلِكَ بِأَلِفٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ السَّخَاوِيُّ: إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْهُ أَبُو عَمْرٍو، عَنْ يَقِينٍ، بَلْ عَنْ غَلَبَةِ ظَنٍّ وَعَدَمِ اطِّلَاعٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ فِي الْمُصْحَفِ الشَّامِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْغَازِي بْنُ قَيْسٍ.
(قُلْتُ) : وَكَذَلِكَ رَأَيْتُهَا أَنَا فِيهِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى رَسْمِ (هَيِّئْ وَيُهَيِّئْ) بِيَاءَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْمَضْمُومِ مَا قَبْلَهُ (تُووِي إِلَيْكَ، وَتُووِيهِ) حُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزَةِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صُوِّرَتْ لَكَانَتْ وَاوًا، فَيَجْتَمِعُ الْمِثْلَانِ أَيْضًا كَمَا حُذِفَتْ فِي (دَاوُدُ، وَرُوِيَ، وَيَسْتَوُونَ) لِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ حُذِفَتْ فِي (رُؤْيَاكَ، وَالرُّؤْيَا، وَرُؤْيَايَ) فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، فَلَمْ يُكْتَبْ لَهَا أَيْضًا صُورَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صُوِّرَتْ فِي ذَلِكَ لَكَانَتْ وَاوًا، وَالْوَاوُ فِي الْخَطِّ الْقَدِيمِ الَّذِي كُتِبَتْ بِهِ الْمَصَاحِفُ الْعُثْمَانِيَّةُ قَرِيبَةُ الشَّكْلِ بِالرَّاءِ، فَحُذِفَتْ لِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كُتِبَتْ عَلَى قِرَاءَةِ الْإِدْغَامِ، أَوْ لِتَشْمَلَ الْقِرَاءَتَيْنِ تَحْقِيقًا وَتَقْدِيرًا، وَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَفِي الْمَفْتُوحِ مَا قَبْلَهَا (فَادَّارَاتُمْ فِيهَا) مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ حُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزَةِ مِنْهُ. وَلَوْ صُوِّرَتْ لَكَانَتْ أَلِفًا، وَكَذَلِكَ حُذِفَتِ الْأَلِفُ الَّتِي قَبْلَهَا بَعْدَ الدَّالِ. وَإِنَّمَا حُذِفَا اخْتِصَارًا وَتَخْفِيفًا، أَوْ أَنَّهُمَا لَوْ كُتِبَا لَاجْتَمَعَتِ الْأَمْثَالُ، فَإِنَّ الْأَلِفَ الَّتِي بَعْدَ الْفَاءِ ثَابِتَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ تَنْبِيهًا عَلَيْهَا لِأَنَّهَا سَاقِطَةٌ فِي اللَّفْظِ، بِخِلَافِ الْآخِرَتَيْنِ، فَإِنَّهُمَا وَإِنْ حُذِفَتَا خَطَأً فَإِنَّ مَوْضِعَهُمَا مَعْلُومٌ، إِذْ لَا يُمْكِنُ النُّطْقُ بِالْكَلِمَةِ
(1/447)

إِلَّا بِهِمَا، وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: فِي حَذْفِهِمَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ الْخَطِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِيَقْرَأَ الْقَارِئُ بِالْإِثْبَاتِ فِي مَوْضِعِ الْحَذْفِ، وَلَا حَذْفَ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ، وَكَذَلِكَ حُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزَةِ مِنِ (امْتَلَاتِ) فِي أَكْثَرِ الْمَصَاحِفِ تَخْفِيفًا. وَكَذَلِكَ (اسْتَاجِرْهُ، وَاسْتَاجَرْتَ) فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي التَّنْزِيلِ، وَكَذَلِكَ (يَسْتَأْخِرُونَ) فِي الْغَيْبَةِ وَالْخِطَابِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ حَرْفَ الْأَعْرَافِ، وَمِمَّا خَرَجَ مِنَ الْهَمْزِ الْمُتَحَرِّكِ بَعْدَ سَاكِنٍ غَيْرِ الْأَلِفِ الْمُنْشَأَةِ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَوَاضِعِ، وَ (يَسْأَلُونَ عَنْ) فِي الْأَحْزَابِ، وَ (مَوْئِلًا) فِي الْكَهْفِ وَ (السُّوأَى) فِي الرُّومِ وَ (أَنْ تَبُوءَ) فِي الْمَائِدَةِ وَ (لِيَسُوءُوا) فِي سُبْحَانَ، فَصُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ فِي هَذِهِ الْأَحْرُفِ الْخَمْسَةِ، وَكَانَ قِيَاسُهَا الْحَذْفَ، وَأَنْ لَا تُصَوَّرَ ; لِأَنَّ قِيَاسَ تَخْفِيفِهَا النَّقْلُ وَيُلْحَقُ بِهَا (هُزُوًا) عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَخَلَفٍ وَ (كُفُؤًا) عَلَى قِرَاءَتِهِمَا وَقِرَاءَةِ يَعْقُوبَ، فَـ " النَّشْأَةَ " كُتِبَتْ بِأَلِفٍ بَعْدِ الشِّينِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِاحْتِمَالِ الْقِرَاءَتَيْنِ، فَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ مَدَّ صُورَةَ الْمَدَّةِ، وَفِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ سَكَّنَ الشِّينَ صُورَةَ الْهَمْزَةِ، وَ (يَسْأَلُونَ) اخْتَلَفَتِ الْمَصَاحِفُ فِي كِتَابَتِهَا، فَفِي بَعْضِهَا بِأَلِفٍ بَعْدِ السِّينِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْحَذْفِ فَمَا كُتِبَتْ فِيهِ بِأَلِفٍ فَهِيَ كَالنَّشْأَةِ؛ لِاحْتِمَالِ الْقِرَاءَتَيْنِ، فَإِنَّهُ قَرَأَهَا بِتَشْدِيدِ السِّينِ وَالْمَدِّ يَعْقُوبُ مِنْ رِوَايَةِ رُوَيْسٍ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَاصِمٍ الْجَحْدَرَيِّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، وَمَا كُتِبَتْ فِيهِ بِالْحَذْفِ فَإِنَّهَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ الْبَاقِينَ، وَ (مَوْئِلًا) وَأَجْمَعَ الْمَصَاحِفُ عَلَى تَصْوِيرِ الْهَمْزَةِ فِيهِ يَاءً، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ مُنَاسَبَةِ رُءُوسِ الْآيِ قَبْلُ وَبَعْدُ نَحْوُ (مَوْعِدًا وَمَصْرِفًا وَمَوْبِقًا) وَمُحَافَظَةً عَلَى لَفْظِهَا، وَ (السُّوأَى) صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا أَلِفًا بَعْدَ الْوَاوِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ هِيَ أَلِفُ التَّأْنِيثِ عَلَى مُرَادِ الْإِمَالَةِ، وَلَمَّا صُوِّرَتْ أَلِفُ التَّأْنِيثِ لِذَلِكَ يَاءً صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ قَبْلَهَا أَلِفًا؛ إِشْعَارًا بِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِأَلِفِ التَّأْنِيثِ فِي الْإِمَالَةِ، وَ (أَنْ تَبُوءَ) صُوِّرَتْ فِيهِ أَلِفًا وَلَمْ تُصَوَّرْ هَمْزَةً مُتَطَرِّفَةً بِغَيْرِ خِلَافٍ بَعْدَ سَاكِنٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَ (لِيَسُوءُوا) مِثْلُهَا فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وَمَنْ مَعَهُ، وَأَمَّا عَلَى
(1/448)

قِرَاءَةِ نَافِعٍ، وَمَنْ مَعَهُ، فَإِنَّ الْأَلِفَ فِيهَا زَائِدَةٌ؛ لِوُقُوعِهَا بَعْدَ وَاوِ الْجَمْعِ كَمَا هِيَ فِي (قَالُوا) وَشِبْهِهِ وَحَذْفُ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ تَخْفِيفًا لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الْقَاعِدَةِ وَ (هُزُوًا وَكُفُّوا) فَكُتِبَتَا عَلَى الْأَصْلِ بِضَمِّ الْعَيْنِ فَصَوِّرَتْ عَلَى الْقِيَاسِ، وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ سَكَّنَ تَخْفِيفًا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ السَّبْعَ لَمْ تُصَوَّرِ الْهَمْزَةُ فِيهَا صَرِيحًا إِلَّا فِي (مَوْئِلًا) قَطْعًا، وَفِي (أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي) فِي أَقْوَى الِاحْتِمَالَيْنِ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ (لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) فِي الْقَصَصِ مِمَّا صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ أَلِفًا مَعَ وُقُوعِهَا مُتَطَرِّفَةً بَعْدَ سَاكِنٍ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ، فَجَعَلَهَا أَيْضًا مِمَّا خَرَجَ عَنِ الْقِيَاسِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْهَمْزَةَ مِنْ (لَتَنُوءُ) مَضْمُومَةٌ، فَلَوْ صُوِّرَتْ لَكَانَتْ وَاوًا كَمَا صُوِّرَتِ الْمَكْسُورَةُ فِي (مَوْئِلًا) يَاءً كَالْمَفْتُوحَةِ، وَفِي (تَبُوءَ وَالنَّشْأَةَ وَالسُّوأَى،) وَالصَّوَابُ أَنَّ صُورَةَ الْهَمْزَةِ مِنْهَا مَحْذُوفٌ عَلَى الْقِيَاسِ، وَهَذِهِ الْأَلِفُ وَقَعَتْ زَائِدَةً كَمَا كُتِبَتْ فِي (يَعْبَؤُا) وَ (تَفَتَؤُا) وَ (لُؤْلُؤًا) وَ (إِنِ امْرُؤٌ) تَشْبِيهًا بِمَا زِيدَ بَعْدَ وَاوِ الْجَمْعِ، وَهَذَا مُحَتَّمًا أَيْضًا فِي (أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ (لَا تَايَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ) ، وَأَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَلِفَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْهَمْزِ، بَلْ تَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ رُسِمَتْ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ مِنْ رِوَايَتَيِ الْبَزِّيِّ وَابْنِ وَرْدَانَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْهَمْزِ الْمُفْرَدِ، وَالْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّهُ قُصِدَ بِزِيَادَتِهَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَبَيْنَ يَئِسَ وَيَئِسُوا، فَإِنَّهَا لَوْ رُسِمَتْ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ لَاشْتَبَهَتْ بِذَلِكَ، فَفُرِّقَ بَيْنَ ذَلِكَ بِأَلِفٍ كَمَا فُرِّقَ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ فِي مِائَةٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِنْهُ، وَلِتَحْتَمِلَ الْقِرَاءَتَيْنِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ زِيَادَةُ الْأَلِفِ فِي: (لِشَآيٍ) فِي الْكَهْفِ، أَوْ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا، وَفِي وَجِيءَ لَا مَدْخَلَ لَهَا هُنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا (الْمَؤُدَةُ) فَرُسِمَتْ بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ وَحُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزَةِ فِيهَا عَلَى الْقِيَاسِ، وَكَذَلِكَ فِي (مَسْؤُلًا) وَالْعَجَبُ مِنَ الشَّاطِبِيِّ كَيْفَ ذَكَرَ (مَسْؤُلًا) مِمَّا حُذِفَتْ مِنْهُ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ، وَكَذَلِكَ حُذِفَ أَلِفُ قُرْآنًا فِي أَوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ وَالزُّخْرُفِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ كَمَا كُتِبَتْ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ، فَمَا حُذِفَ اخْتِصَارًا لِلْعِلْمِ بِهِ فَلَيْسَ مِنْ
(1/449)

هَذَا الْبَابِ، وَكَذَلِكَ حُذِفَ فِي بَعْضِهَا مِنْ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ فِي سُبْحَانَ. وَقُرْآنًا عَرَبِيًّا فِي الزُّمَرِ، فَكُتِبَتْ: (ق. ر. ن) فَحُذِفَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَلِفَاتِ لِلتَّخْفِيفِ، وَخَرَجَ مِنَ الْهَمْزِ الْمُتَحَرِّكِ بَعْدَ الْأَلِفِ مِنَ الْمُتَوَسِّطِ أَصْلٌ مُطَّرِدٌ وَكَلِمَاتٌ مَخْصُوصَةٌ. فَالْأَصْلُ الْمُطَّرِدُ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ مِثْلَانِ فَأَكْثَرُ، وَذَلِكَ فِي الْمَفْتُوحَةِ مُطْلَقًا نَحْوُ (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ، وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ، وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ، وَدُعَاءً وَنِدَاءً، وَمَاءً، وَمَلْجَأً، وَخَطَأً) وَمِنَ الْمَضْمُومَةِ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَاوٌ نَحْوُ (جَاءُوكُمْ، وَيُرَاءُونَ) وَفِي الْمَكْسُورَةِ إِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا يَاءٌ نَحْوُ (إِسْرَائِيلَ) وَمِنْ (وَرَايْ وَشُرَكَايْ وَالَّايْ) فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمْ يُكْتَبْ لِلْهَمْزِ فِي ذَلِكَ صُورَةٌ؛ لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ صُورَتَيْنِ، وَالْكَلِمَاتُ الْمَخْصُوصَةُ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ فِي الْبَقَرَةِ، وَأَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ فِي الْأَنْعَامِ، وَفِيهَا لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَفِي الْأَحْزَابِ إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ وَفِي فُصِّلَتْ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فَكُتِبَ فِي أَكْثَرِ مَصَاحِفِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَحْذُوفَ الصُّورَةِ، وَفِي سَائِرِ الْمَصَاحِفِ ثَابِتًا. وَحَكَى ابْنُ الْمُنَادِي وَغَيْرُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ) فِي الْأَنْفَالِ مَحْذُوفٌ أَيْضًا، وَأَجْمَعَتْ الْمَصَاحِفُ عَلَى حَذْفِ أَلِفِ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْهَمْزِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا حُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزِ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمَّا حُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنَ الْمَخْفُوضِ اجْتَمَعَ الصُّورَتَانِ، فَحُذِفَتْ صُورَةُ الْهَمْزِ لِذَلِكَ، وَحُمِلَ الْمَرْفُوعُ عَلَيْهِ، وَفِي إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ لِيُنَاسِبَ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي " جَزَاؤُهُ " الثَّلَاثَةُ الْأَحْرُفِ مِنْ يُوسُفَ. فَحَكَى حَذْفَ صُورَةِ الْهَمْزَةِ فِيهَا الْغَازِي بْنُ قَيْسٍ فِي كِتَابِهِ " هِجَاءُ السُّنَّةِ "، وَرَوَاهُ الدَّانِيُّ فِي مُقْنِعِهِ عَنْ نَافِعٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ قُرْبُ شِبْهِ الْوَاوِ مِنْ صُورَةِ الزَّايِ فِي الْخَطِّ الْقَدِيمِ كَمَا فَعَلُوا فِي الرُّؤْيَا، فَحَذَفُوا صُورَةَ الْهَمْزَةِ لِشِبْهِ الْوَاوِ بِالرَّاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى رَسْمِ " تَرَاءَ " مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا تَرَاءَ الْجَمْعَانِ فِي الشُّعَرَاءِ بِأَلِفٍ وَاحِدَةٍ، وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْأَلِفِ الثَّابِتَةِ وَالْمَحْذُوفَةِ هَلِ الْأُولَى أَمِ الثَّانِيَةُ؟ فَذَهَبَ الدَّانِيُّ إِلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَةَ
(1/450)

هِيَ الْأُولَى، وَأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الثَّابِتَةُ، وَوَجَّهَ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ الْأُولَى زَائِدَةٌ، وَالثَّانِيَةَ أَصْلِيَّةٌ، وَالزَّائِدُ أَوْلَى بِالْحَذْفِ، وَالْأَصْلِيُّ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ. وَالثَّانِي أَنَّهُمَا سَاكِنَانِ، وَقِيَاسُهُ تَغْيِيرُ الْأُولَى. وَالثَّالِثُ أَنَّ الثَّانِيَةَ قَدْ أُعِلَّتْ بِالْقَلْبِ، فَلَا تُعَلُّ ثَانِيًا بِالْحَذْفِ؛ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهَا إِعْلَالَانِ. وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الْأُولَى، وَأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الْمَحْذُوفَةُ، وَاسْتَدَلُّوا بِخَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا أَنَّ الْأُولَى تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَلَيْسَتِ الثَّانِيَةُ كَذَلِكَ، فَحَذْفُهَا أَوْلَى. وَالثَّانِي أَنَّ الثَّانِيَةَ طَرَفٌ، وَالطَّرَفُ أَوْلَى بِالْحَذْفِ. وَالثَّالِثُ أَنَّ الثَّانِيَةَ حُذِفَتْ فِي الْوَصْلِ لَفْظًا، فَنَاسَبَ أَنْ تُحْذَفَ خَطًّا. وَالرَّابِعُ أَنَّ حَذْفَ إِحْدَى الْأَلِفَيْنِ إِنَّمَا سَبَبُهُ كَرَاهِيَةُ اجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، وَالِاجْتِمَاعُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالثَّانِيَةِ، فَكَانَ حَذْفُهَا أَوْلَى. وَالْخَامِسُ أَنَّ الثَّانِيَةَ لَوْ ثَبَتَتْ لَرُسِمَتْ يَاءً؛ لِأَنَّهَا قِيَاسُهَا لِكَوْنِهَا مُنْقَلِبَةً عَنْ يَاءٍ، وَأَجَابُوا عَنِ الْأُولَى بِأَنَّ الزَّائِدَ إِنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى بِالْحَذْفِ مِنَ الْأَصْلِيِّ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ لِمُجَرَّدِ التَّوَسُّعِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ لِلْأَبْنِيَةِ فَلَا. وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهَا لَمْ تُحْذَفْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، بَلْ لِلْمِثْلَيْنِ، وَأَيْضًا فَقَدْ غُيِّرَ الثَّانِي لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَثِيرًا، وَعَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّ مَحَلَّ الْقَلْبِ اللَّفْظُ، وَمَحَلَّ الْحَذْفِ الْخَطُّ، فَلَمْ يَتَعَدَّدِ الْإِعْلَالُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَخَرَجَ مِنَ الْمُتَطَرِّفِ بَعْدَ الْأَلِفِ كَلِمَاتٌ وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا مَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً، فَالْمَضْمُومَةُ مِنْهَا ثَمَانِ كَلِمَاتٍ كُتِبَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا وَاوًا بِلَا خِلَافٍ، وَهِيَ (شُرَكَاءُ) فِي الْأَنْعَامِ (أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَؤُا) ، وَفِي الشُّورَى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُا) وَنَشَاءُ فِي هُودٍ (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَؤُا) ، وَالضُّعَفَاءُ فِي إِبْرَاهِيمَ (فَقَالَ الضُّعَفَؤُا) ، وَشُفَعَاءُ فِي الرُّومِ (مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَؤُا) ، وَدُعَاءٌ فِي غَافِرٍ (وَمَا دُعَاؤُا الْكَافِرِينَ) ، وَالْبَلَاءُ فِي الصَّافَّاتِ (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَؤُا الْمُبِينُ) ، وَفِي الدُّخَانِ (بَلَؤٌا مُبِينٌ) ، وَبُرَآءُ فِي الْمُمْتَحِنَةِ (إِنَّا بُرَؤَاءُ) ، وَجَزَاءُ فِي الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمَائِدَةِ (وَذَلِكَ جَزَؤُا الظَّالِمِينَ) وَ (إِنَّمَا جَزَؤُا الَّذِينَ) ، وَفِي الشُّورَى (وَجَزَؤُا سَيِّئَةٍ) ، وَفِي الْحَشْرِ (وَذَلِكَ جَزَؤُا الظَّالِمِينَ) ، وَاخْتُلِفَ فِي أَرْبَعٍ، وَهِيَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ فِي الزُّمَرِ، وَجَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى فِي طه، وَجَزَاءً الْحُسْنَى فِي الْكَهْفِ وَفِي عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الشُّعَرَاءِ،
(1/451)

وَ (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُا) فِي فَاطِرٍ، وَفِي (أَنْبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ) فِي الْأَنْعَامِ وَالشُّعَرَاءِ. فَمَا كُتِبَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِالْوَاوِ، فَإِنَّ الْأَلِفَ قَبْلَهُ تُحْذَفُ اخْتِصَارًا، وَتُلْحَقُ بَعْدَ الْوَاوِ مِنْهُ أَلِفٌ تَشْبِيهًا بِوَاوِ يَدْعُوا، وَقَالُوا: وَمَا لَا يُكْتَبُ فِيهِ صُورَةُ الْهَمْزَةِ فَإِنَّ الْأَلِفَ فِيهِ تُثْبَتُ لِوُقُوعِهَا طَرَفًا وَالْمَكْسُورَةُ صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ يَاءً فِي أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَهِيَ (مِنْ تِلْقَايِ نَفْسِي) فِي يُونُسَ وَ (إِيتَايِ ذِي الْقُرْبَى) فِي النَّحْلِ، وَ (مِنْ آنَايِ اللَّيْلِ) فِي طه، وَ (أَوْ مِنْ وَرَايِ حِجَابٍ) فِي الشُّورَى، وَالْأَلِفُ قَبْلَهَا ثَابِتَةٌ فِيهَا، وَلَكِنْ حُذِفَتْ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ مِنْ (تِلْقَايِ نَفْسِي) ، وَ (إِيتَايِ ذِي الْقُرْبَى) قَالَ السَّخَاوِيُّ قَدْ رَأَيْتُ فِي الْمُصْحَفِ الشَّامِيِّ الْأَلِفَ مَحْذُوفَةً مِنْ (تِلْقَيِ نَفْسِي) ، وَمِنْ (ايتِي ذِي الْقُرْبَى) كَمَا كُتِبَتْ إِلَى بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَثَابِتَةٌ فِي آنَايِ اللَّيْلِ، وَوَرَايِ حِجَابٍ. انْتَهَى. وَاخْتُلِفَ فِي (بِلِقَايِ رَبِّهِمْ، وَلِقَايِ الْآخِرَةِ) الْحَرْفَيْنِ فِي الرُّومِ، فَنَصَّ الْغَازِي بْنُ قَيْسٍ عَلَى إِثْبَاتِ الْيَاءِ فِيهِمَا، وَقَالَ الدَّانِيُّ: وَمَصَاحِفُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْغَازِي بْنُ قَيْسٍ بِالْيَاءِ. وَقَالَ السَّخَاوِيُّ: وَقَدْ رَأَيْتُ الْحَرْفَ الْأَوَّلَ مِنْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَرَأَيْتُ الْحَرْفَ الثَّانِيَ " وَلِقَايِ الْآخِرَةِ " بِالْيَاءِ. وَأَمَّا اللَّايْ فَإِنَّهَا كُتِبَتْ فِي السُّوَرِ الثَّلَاثِ (إِلَى) عَلَى صُورَةِ " إِلَى الْجَارَةِ لِتَحْتَمِلَهَا الْقِرَاءَاتُ الْأَرْبَعُ. فَالْأَلِفُ حُذِفَتِ اخْتِصَارًا كَمَا حُذِفَتْ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي وَبَقِيَتْ صُورَةُ الْهَمْزَةِ عِنْدَ مَنْ حَذَفَ الْيَاءَ وَحَقَّقَ الْهَمْزَةَ، أَوْ سَهَّلَهَا بَيْنَ بَيْنَ، وَصُورَةُ الْيَاءِ عِنْدَ مَنْ أَبْدَلَهَا يَاءً سَاكِنَةً، وَأَمَّا عِنْدَ وَقْفِ حَمْزَةَ، وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ أَثْبَتَ الْهَمْزَةَ وَالْيَاءَ جَمِيعًا، فَحُذِفَتْ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ لِاجْتِمَاعِ الصُّورَتَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ صُورَةَ الْهَمْزَةِ مَحْذُوفَةٌ، وَالثَّابِتُ هُوَ الْيَاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَخَرَجَ مِنَ الْهَمْزِ الْمُتَحَرِّكِ الْمُتَطَرِّفِ الْمُتَحَرِّكِ مَا قَبْلَهُ بِالْفَتْحِ كَلِمَاتٌ وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا مَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً. فَالْمَضْمُومَةُ عَشْرَةٌ كُتِبَتِ الْهَمْزَةُ فِيهَا وَاوًا، وَهِيَ (تَفَتَوُا) فِي يُوسُفَ، وَ (يَتَفَيَّوُا) فِي النَّحْلِ، وَ (أَتَوَكَّوُا) وَ (لَا تَظْمَوُا) كِلَاهُمَا فِي طه، وَ (يَدْرَوُا عَنْهَا) فِي النُّورِ، وَ (يَعْبَوُا) فِي الْفُرْقَانِ، وَ (الْمَلَا) فِي أَوَّلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ
(1/452)

فِي قِصَّةِ نُوحٍ، وَفِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ فِي النَّمْلِ، وَهِيَ (الْمَلَوُا انِّي) (وَالْمَلَوُا فْتُوَانِي) (وَالْمَلَوُا ايُّكُمْ) وَ (يُنَشَّوُا فِي الْحِلْيَةِ) فِي الزُّخْرُفِ (وَنَبَوُ) فِي غَيْرِ حَرْفِ بَرَاءَةَ، وَهُوَ فِي إِبْرَاهِيمَ (نَبَوُا الَّذِينَ) ، وَكَذَلِكَ فِي التَّغَابُنِ، وَ (نَبَوٌا عَظِيمٌ) فِي ص، وَ (نَبَوُا الْخَصْمِ) فِيهَا، إِلَّا أَنَّهُ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ كُتِبَ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَ (يُنَبَّوُا الْإِنْسَانُ) فِي الْقِيَامَةِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ، وَزِيدَتِ الْأَلِفُ بَعْدِ الْوَاوِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ تَشْبِيهًا بِالْأَلِفِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ وَاوِ الضَّمِيرِ، وَالْمَكْسُورَةُ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ يَاءً، وَهِيَ (مِنْ نَبَايِ الْمُرْسَلِينَ) فِي الْأَنْعَامِ، إِلَّا أَنَّ الْأَلِفَ زِيدَتْ قَبْلَهَا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَلِفَ هِيَ صُورَةُ الْهَمْزَةِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّ الْيَاءَ زَائِدَةٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَوْلَى، بَلِ الصَّوَابُ. فَإِنَّ الْهَمْزَةَ الْمَضْمُومَةَ مِنْ ذَلِكَ صُوِّرَتْ وَاوًا بِالِاتِّفَاقِ، فَحَمْلُ الْمَكْسُورَةِ عَلَى نَظِيرِهَا أَصَحُّ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَلِفَ زِيدَتْ قَبْلَ الْيَاءِ رَسْمًا فِي (لِشَايٍ) مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَفِي " جِيءَ " لِغَيْرِ مُوجِبٍ فَزِيَادَتُهَا هُنَا لِمُوجِبِ الْفُتْحَةِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ أَوْلَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكُتَّابَ أَجْمَعُوا عَلَى زِيَادَةِ الْأَلِفِ فِي (مَايَةٌ) قَبْلَ الْيَاءِ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مِنْهُ، وَحَمَلَ عُلَمَاءُ الرَّسْمِ الْأَلِفَ فِي يَاءِ (يس) عَلَى ذَلِكَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ (بِيسَ) مَعَ وُجُودِ الْقِرَاءَةِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، فَحَمْلُهَا هُنَا لِلْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي وَنَبِي أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ (السَّيِّئِ) فِي مَوْضِعَيْ فَاطِرٍ وَحِكَايَةُ الْغَازِي وَغَيْرِهِ أَنَّ صُورَةَ الْهَمْزَةِ فِيهِ كُتِبَتْ أَلِفًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَإِنْكَارُ الدَّانِيِّ ذَلِكَ وَأَنَّهَا كُتِبَتْ يَاءً عَلَى الْقِيَاسِ. وَوَجْهُ رَسْمِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَضْمُومِ الْمُتَطَرِّفِ وَاوًا وَمَكْسُورِهِ يَاءً تَنْبِيهًا عَلَى وَجْهِ تَخْفِيفِهَا وِفْقًا لِذَلِكَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقِفُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَقِيلَ: تَقْوِيَةً لِلْهَمْزَةِ فِي الْخَطِّ كَمَا قُوِّيَتْ فِي اللَّفْظِ بِحَرْفِ الْمَدِّ. وَقِيلَ: اعْتِنَاءً بِبَيَانِ حَرَكَتِهَا، وَقِيلَ: إِجْرَاءً لِلْمُتَطَرِّفِ فِي مَجْرَى الْمُتَوَسِّطِ بِاعْتِبَارِ وَصْلِهِ بِمَا بَعْدَهُ، كَمَا أَجْرَوْا بَعْضَ الْهَمَزَاتِ الْمُبْتَدَآتِ لِذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِظُهُورِ فَائِدَتِهِ وَبَيَانِ ثَمَرَتِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَخَرَجَ مِنَ الْهَمْزِ الْمُتَوَسِّطِ الْمُتَحَرِّكِ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ أَصْلٌ مُطَّرِدٌ، وَهُوَ مَا وَقَعَ بَعْدَ الْهَمْزَةِ فِيهِ
(1/453)

وَاوًا أَوْ يَاءً، فَلَمْ تُرْسَمْ فِي ذَلِكَ صُورَةً، وَذَلِكَ نَحْوُ (مُسْتَهْزُونَ) وَ (صَابُونَ) وَ (مَالُونَ) وَ (يَسْتَنْبُونَكَ) وَ (لِيُطْفُو) وَ (بِرُوسِكُمْ) وَ (يَطُونَ) وَنَحْوُ (خَاسِينَ) وَ (صَابِينَ) وَ (مُتَّكِينَ) ، وَذَلِكَ إِمَّا لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَأْلُوفَةِ رَسْمًا، أَوْ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُسْقِطُ الْهَمْزَةَ رَأْسًا، أَوْ لِتَحْتَمِلَ الْقِرَاءَتَيْنِ إِثْبَاتًا وَحَذْفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ حَذَفُوهَا مِنْ (سَيَّاتِ) فِي الْجَمْعِ نَحْوُ (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيَّاتِهِمْ) ، وَ (اجْتَرَحُوا السَّيَّاتِ) لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ، وَعَرَضُوا عَنْهَا إِثْبَاتَ الْأَلِفِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسِهِمْ فِي أَلِفَاتِ جَمْعِ التَّأْنِيثِ، وَأَثْبَتُوا صُورَتَهَا فِي الْمُفْرَدِ (سَيِّئَةً) ، وَ (سَيِّئًا) وَجَمَعُوا بَيْنَ صُورَتِهَا وَأَلِفِ الْجَمْعِ فِي الْمُنْشَآتُ، وَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْهَمْزَةُ الْمَضْمُومَةُ بَعْدَ كَسْرٍ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهَا وَاوٌ نَحْوُ (وَلَا يُنَبِّيكَ) ، وَ (سَنُقْرِيكَ) فَلَمْ يُرْسَمْ عَلَى مَذْهَبِ الْجَادَّةِ بِوَاوٍ، بَلْ رُسِمَ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ بِالْيَاءِ وَرُسِمَ عَكْسَهُ سُئِلَ وَسُئِلُوا عَلَى مَذْهَبِ الْجَادَّةِ، وَلَمْ يُرْسَمْ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، وَاخْتُلِفَ مِنَ الْمَفْتُوحِ بَعْدَ الْفَتْحِ فِي (اطْمَانُّوا) ، وَفِي (لَامْلَنَّ) أَعْنِي الَّتِي قَبْلَ النُّونِ، وَفِي: (اشْمَزَّتْ) فَرُسِمَتْ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ بِالْأَلِفِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَحُذِفَتْ فِي أَكْثَرِهَا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ تَخْفِيفًا وَاخْتِصَارًا إِذَا كَانَ مَوْضِعُهَا مَعْلُومًا، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي (ارَايْتَ) وَ (ارَيْتُمْ) وَ (ارَيْتَكُمْ) فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، فَكُتِبَ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ بِالْإِثْبَاتِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْحَذْفِ، إِمَّا عَلَى الِاخْتِصَارِ أَوْ عَلَى قِرَاءَةِ الْحَذْفِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمُ الْحَذْفَ فِي سُورَةِ الدِّينِ فَقَطْ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِيهَا وَفِي (أَرَيْتُمْ) فَقَطْ، وَالصَّحِيحُ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِي الْجَمِيعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (نَأَى) فِي سُبْحَانَ وَفُصِّلَتْ فَإِنَّهُ رُسِمَ بِنُونٍ وَأَلِفٍ فَقَطْ؛ لِيَحْتَمِلَ الْقِرَاءَتَيْنِ، فَعَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَدَّمَ حَرْفَ الْمَدِّ عَلَى الْهَمْزِ ظَاهِرٌ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ قَدْ رُسِمَ الْأَلِفُ الْمُنْقَلِبَةُ أَلِفًا فَاجْتَمَعَ حِينَئِذٍ أَلِفَانِ فَحُذِفَ إِحْدَاهُمَا، وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّهَا الْمُنْقَلِبَةُ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَلِفَ الثَّابِتَةَ هِيَ صُورَةُ الْهَمْزَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَكَذَلِكَ رَأَى كُتِبَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ بِرَاءٍ وَأَلِفٍ لَا غَيْرَ، وَالْأَلِفُ فِيهِ صُورَةُ الْهَمْزَةِ كَذَلِكَ وَكُتِبَ فِي مَوْضِعَيِ النَّجْمِ وَهُمَا مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى بِأَلِفٍ بَعْدَهَا يَاءٌ عَلَى لُغَةِ الْإِمَالَةِ فَجَمَعَ
(1/454)

فِي ذَلِكَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا رَسْمُ (مِايَةٌ) وَ (مِايَتَيْنِ) وَ (مَلَايِهِ) وَ (مَلَايِهِمْ) بِالْأَلِفِ قَبْلَ الْيَاءِ، فَالْأَلِفُ فِي ذَلِكَ زَائِدَةٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالْيَاءُ فِيهِ صُورَةُ الْهَمْزَةِ قَطْعًا، وَالْعَجَبُ مِنَ الدَّانِيِّ وَالشَّاطِبِيِّ وَمَنْ قَلَّدَهُمَا كَيْفَ قَطَعُوا بِزِيَادَةِ الْيَاءِ فِي (مَلَايِهِ) وَ (مَلَايِهِمْ) فَقَالَ الدَّانِيُّ فِي مُقْنِعِهِ: وَفِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا وَ (مَلَايِهِ) وَ (مَلَايِهِمْ) حَيْثُ وَقَعَ بِزِيَادَةِ يَاءٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ، قَالَ: كَذَلِكَ رَسَمَهَا الْغَازِي بْنُ قَيْسٍ فِي كِتَابِ " هِجَاءِ السُّنَّةِ " الَّذِي رَوَاهُ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ السَّخَاوِيُّ: وَكَذَلِكَ رَأَيْتُهُ فِي الْمُصْحَفِ الشَّامِيِّ.
(قُلْتُ) : وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ، وَلَكِنَّهَا غَيْرُ زَائِدَةٍ، بَلْ هِيَ صُورَةُ الْهَمْزَةِ، وَإِنَّمَا الزَّائِدَةُ الْأَلِفُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَخَرَجَ مِنَ الْهَمْزِ الْوَاقِعِ أَوَّلًا كَلِمَاتٌ لَمْ تُصَوَّرِ الْهَمْزَةُ فِيهِ أَلِفًا كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ فِيمَا وَقَعَ أَوَّلًا، بَلْ صُوِّرَتْ بِحَسَبِ مَا تُخَفَّفُ بِهِ حَالَةَ وَصْلِهَا بِمَا قَبْلَهَا؛ إِجْرَاءً لِلْمُبْتَدَأِ فِي ذَلِكَ مَجْرَى الْمُتَوَسِّطِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى جَوَازِ التَّخْفِيفِ جَمْعًا بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، فَرُسِمَتِ الْمَضْمُومَةُ فِي (أَوُنَبِّيكُمْ) بِالْوَاوِ بَعْدَ الْأَلِفِ، وَلَمْ تُرْسَمْ فِي نَظِيرِهَا (أَأُنْزِلَ أَأُلْقِيَ) بَلْ كُتِبَا بِأَلِفٍ وَاحِدَةٍ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْبَابِ نَحْوُ (أَأَنْذَرْتَهُمْ، أَأَنْتُمْ، أَأَشْفَقْتُمْ، أَأَمِنْتُمْ مَنْ، أَأَللَّهُ أَذِنَ) وَكَذَلِكَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثُ أَلِفَاتٍ لَفْظًا نَحْوُ أَآلِهَتُنَا، وَكَذَلِكَ إِذَا أَإِنَّا إِلَّا مَوَاضِعَ كُتِبَتْ بِيَاءٍ عَلَى مُرَادِ الْوَصْلِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَرُسِمَ " هَؤُلَاءِ " بِوَاوٍ، ثُمَّ وُصِلَ بِهَا التَّنْبِيهُ بِحَذْفِ أَلِفِهِ كَمَا فُعِلَ فِي (يَأَيُّهَا) ، وَرُسِمَ (يَابْنَوُمٍّ) فِي طه بِوَاوٍ، وَوُصِلَ بِنُونِ (ابْنَ) ثُمَّ وَصِلَتْ أَلِفُ ابْنٍ بِيَاءِ النِّدَاءِ الْمَحْذُوفَةِ الْأَلِفِ، فَالْأَلِفُ الَّتِي بَعْدَ الْيَاءِ هِيَ أَلِفُ (ابْنَ) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ، نَقَلَهُ عَنِ الْمُصْحَفِ الشَّامِيِّ رُؤْيَةً، وَكَذَلِكَ رَأَيْتُهَا أَنَا فِيهِ غَيْرَ أَنَّ بِهَا أَثَرُ حَكٍّ أَظُنُّهُ وَقَعَ بَعْدَ السَّخَاوِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَهَذَا الْمُصْحَفُ) الَّذِي يَنْقُلُ عَنْهُ السَّخَاوِيُّ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِالْمُصْحَفِ الشَّامِيِّ هُوَ بِالْمَشْهَدِ الشَّرْقِي الشَّمَالِيِّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَشْهَدُ عَلِيٍّ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ مِنْ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ. وَأَخْبَرَنَا شُيُوخُنَا الْمَوْثُوقُ بِهِمْ أَنَّ هَذَا الْمُصْحَفَ كَانَ أَوَّلًا بِالْمَسْجِدِ الْمَعْرُوفِ بِالْكُوشَكِ دَاخِلَ دِمَشْقَ الَّذِي جَدَّدَ
(1/455)

عِمَارَتَهُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زِنْكِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَنَّ السَّخَاوِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ سَبَبُ مَجِيئِهِ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ مِنَ الْجَامِعِ، ثُمَّ إِنِّي أَنَا رَأَيْتُهَا كَذَلِكَ فِي الْمُصْحَفِ الْكَبِيرِ الشَّامِيِّ الْكَائِنِ بِمَقْصُورَةِ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، ثُمَّ رَأَيْتُهَا كَذَلِكَ بِالْمُصْحَفِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الْإِمَامُ، بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَهُوَ الْمَوْضُوعُ بِالْمَدْرَسَةِ الْفَاضِلِيَّةِ دَاخِلَ الْقَاهِرَةِ الْمُعِزِّيَّةِ، وَكُتِبَتِ الْهَمْزَةُ مِنْ أُمٍّ فِي (ابْنَ أُمٍّ) فِي الْأَعْرَافِ أَلِفًا مَفْصُولَةً، وَأَمَّا (هَاؤُمُ اقْرَوُا) فِي الْحَاقَّةِ فَالْهَمْزَةُ فِيهِ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَلَمْ تَكُنْ كَالْهَمْزَةِ مِنْ (هَؤُلَاءِ وَهَانْتُمْ) ; لِأَنَّ هَمْزَةَ هَاؤُمُ حَقِيقِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا تَتِمَّةُ كَلِمَةِ " هَاءَ " بِمَعْنَى خُذْ، ثُمَّ اتَّصَلَ بِهَا ضَمِيرُ الْجَمَاعَةِ الْمُتَّصِلُ وَهَؤُلَاءِ (وَهَانْتُمْ) الْهَاءُ فِيهِ لِلتَّنْبِيهِ دَخَلَتْ عَلَى أُولَاءِ، وَعَلَى أَنْتُمْ فَتُسَهَّلُ هَمْزَةُ (هَاوُمُ) بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ بَيْنَ وَيُوقَفُ (هَاوُمُ) عَلَى الْمِيمِ بِلَا نَظَرٍ، وَقَدْ مَنَعَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ الْوَقْفَ عَلَيْهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْأَصْلَ (هَاوُمُو) بِوَاوٍ، وَإِنَّمَا كُتِبَتْ عَلَى لَفْظِ الْوَصْلِ فَحُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَمَا حُذِفَتْ فِي سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ فَقَالَ: لَا يَحِينُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّكَ إِنْ وَقَفْتَ عَلَى الْأَصْلِ بِالْوَاوِ خَالَفْتَ الْخَطَّ، وَإِنْ وَقَفْتَ بِغَيْرِ وَاوٍ خَالَفْتَ الْأَصْلَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ مَعْنَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ سَهْوٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ الْمِيمَ فِي (هَاوُمُ) مِثْلُ الْمِيمِ فِي (أَنْتُمُ) الْأَصْلُ فِيهِمَا الصِّلَةُ بِالْوَاوِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَرَسْمُ الْمُصْحَفِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِحَذْفِ الْوَاوِ فِيمَا لَيْسَ بَعْدَهُ سَاكِنٌ، فَمَا بَعْدَهُ سَاكِنٌ أَوْلَى فَالْوَقْفُ عَلَى الْمِيمِ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ، وَإِذَا كَانَ الَّذِي يَصِلُ مِيمَ الْجَمْعِ بِوَاوٍ فِي الْوَصْلِ لَا يَقِفُ بِالْوَاوِ عَلَى الْأَصْلِ فَمَا الظَّنُّ بِغَيْرِهِ. وَهَذَا مِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو شَامَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرُسِمَ (لَاصَلِّبَنَّكُمْ) فِي طه وَالشُّعَرَاءِ وَفِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ بِالْوَاوِ بَعْدَ الْأَلِفِ، وَكَذَلِكَ (سَاوُرِيكُمْ) فَقَطَعَ الدَّانِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّ صُورَةَ الْهَمْزَةِ هُوَ الْأَلِفُ قَبْلَهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الزَّائِدَ فِي ذَلِكَ هُوَ الْأَلِفُ، وَأَنَّ صُورَةَ الْهَمْزَةِ هُوَ الْوَاوُ، كُتِبَتْ عَلَى مُرَادِ الْوَصْلِ تَنْبِيهًا عَلَى التَّخْفِيفِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةُ الْأَلِفِ بَعْدَ اللَّامِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ وَهُوَ (لَا اذْبَحَنَّهُ) وَ (لَا اوْضَعُوا) ، وَكَذَلِكَ إِذَا خَفَّفْنَا الْهَمْزَةَ
(1/456)

فِي ذَلِكَ فَإِنَّا نُخَفِّفُهَا بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ كَمَا أَنَّا إِذَا خَفَّفْنَاهَا فِي هَذَا نُخَفِّفُهُ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْأَلِفِ، فَدَلَّ عَلَى زِيَادَةِ الْأَلِفِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. " نَعَمْ " زِيدَتِ الْوَاوُ بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَئِمَّةِ الرَّسْمِ وَالْكِتَابَةِ فِي أُولِي لِلْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ (إِلَى) الْجَارَّةِ، وَفِي أُولَئِكَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ (إِلَيْكَ) وَاطَّرَدَتْ زِيَادَتُهَا فِي (أُولُوا) وَ (أُولَاتِ) ، وَ (أُولَاءِ) حَمْلًا عَلَى أَخَوَاتِهِ، وَهِيَ فِي (يَاأُولِي) تَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِزِيَادَتِهَا فِي نَظَائِرِهَا، وَتَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ صُورَةَ الْهَمْزَةِ كَمَا كُتِبَتْ فِي هَؤُلَاءِ، وَتَكُونُ الْأَلِفُ أَلِفَ يَاءٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِاطِّرَادِ حَذْفِ الْأَلِفِ مِنْ يَاءِ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَلَكِنْ إِذَا أَمْكَنَ الْحَمْلُ عَلَى عَدَمِ الزِّيَادَةِ بِلَا مُعَارِضٍ فَهُوَ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرُسِمَتِ الْمَكْسُورَةُ فِي: (لَيِنْ) ، (وَيَوْمَيِذٍ) ، (وَحِينَيِذٍ) يَاءً مَوْصُولَةً بِمَا قَبْلَهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً. وَكَذَلِكَ صُوِّرَتْ فِي (ايِنَّكُمْ) فِي الْأَنْعَامِ وَالنَّمْلِ، وَالثَّانِي مِنَ الْعَنْكَبُوتِ وَفُصِّلَتْ (وَأَيِنَّ لَنَا) فِي الشُّعَرَاءِ (وَأَيِنَّا لَمُخْرَجُونَ) فِي النَّمْلِ وَ (أَيِنَّا لَتَارِكُوا) فِي الصَّافَّاتِ وَ (ايِذَا مِتْنَا) فِي الْوَاقِعَةِ، وَكَذَا رُسِمَ (أَيِنْ ذُكِّرْتُمْ) فِي يس وَ (ايِفْكًا) فِي الصَّافَّاتِ فِي مَصَاحِفِ الْعِرَاقِ وَرُسِمَا فِي غَيْرِهَا بِأَلِفٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا " أَيِمَّةً " فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَهَا الشَّاطِبِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ، فَإِنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ لَيْسَتْ أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَتْ فَاءً، بَلْ هِيَ مِثْلُهَا فِي يَئِنُّ وَيَئِطُّ، وَكَذَلِكَ فِي (يَيِسَ) ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا فَرَسْمُهَا يَاءً عَلَى الْأَصْلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ الْمَفْتُوحَةُ بَعْدَ لَامِ التَّعْرِيفِ مِنْ كَلِمَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا (الْآنَ) فِي مَوْضِعَيْ يُونُسَ وَفِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ إِجْرَاءً لِلْمُبْتَدَأِ مَجْرَى الْمُتَوَسِّطَةِ، وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ لُزُومِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْأَدَاةَ، وَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي فِي سُورَةِ الْجِنِّ وَهُوَ: (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ) فَكُتِبَ فِي بَعْضِهَا بِأَلِفٍ، وَهَذِهِ الْأَلِفُ هِيَ صُورَةُ الْهَمْزَةِ، إِذِ الْأَلِفُ الَّتِي بَعْدَهَا مَحْذُوفَةٌ عَلَى الْأَصْلِ اخْتِصَارًا، وَالثَّانِيَةُ (الَايْكَةِ) فِي الشُّعَرَاءِ وَص رُسِمَتْ فِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ بِغَيْرِ أَلِفٍ بَعْدِ اللَّامِ، وَقَبْلَهَا لِاحْتِمَالِ الْقِرَاءَتَيْنِ فَهِيَ عَلَى قِرَاءَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ ظَاهِرَةٌ تَحْقِيقًا، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ
(1/457)

تَحْتَمِلُ تَقْدِيرًا عَلَى اللَّفْظِ وَمُرَادِ النَّقْلِ. وَرُسِمَ (أَفَايِنْ مَاتَ) فِي آلِ عِمْرَانَ (أَفَايِنْ مِتَّ) فِي الْأَنْبِيَاءِ بِيَاءٍ بَعْدَ الْأَلِفِ. فَقِيلَ: إِنَّ الْيَاءَ زَائِدَةٌ، وَالصَّوَابُ زِيَادَةُ الْأَلِفِ كَمَا أَذْكُرُهُ، وَرُسِمَ (بِاييدٍ، وَبِاييِّكُمْ) بِأَلِفٍ بَعْدَ الْبَاءِ وَبِيَاءَيْنِ بَعْدَهَا، فَقِيلَ: إِنَّ الْيَاءَ الْوَاحِدَةَ زَائِدَةٌ، وَلَا وَجْهَ لِزِيَادَتِهَا هُنَا، وَالصَّوَابُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْأَلِفَ هِيَ الزَّائِدَةُ كَمَا زِيدَتْ فِي مِائَةٍ وَمِائَتَيْنِ، وَالْيَاءُ بَعْدَهَا هِيَ صُورَةُ الْهَمْزَةِ كُتِبَتْ عَلَى مُرَادِ الْوَصْلِ وَتَنْزِيلًا لِلْمُبْتَدَأَةِ مَنْزِلَةَ الْمُتَوَسِّطَةِ كَغَيْرِهَا، وَأَمَّا (بِايَةٍ، وَبِايَاتِنَا) فَرُسِمَ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ بِأَلِفٍ بَعْدَ الْيَاءِ وَيَاءَيْنِ بَعْدَهَا، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى زِيَادَةِ الْيَاءِ الْوَاحِدَةِ، وَقَالَ السَّخَاوِيُّ: وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَصَاحِفِ الْعِرَاقِيَّةِ (بَاييَةٍ، وَبِاييتِنَا) بِيَاءَيْنِ بَعْدَ الْأَلِفِ، وَلَمْ أَرَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي الْمُصْحَفِ الشَّامِيِّ كَذَلِكَ بِيَاءَيْنِ، قَالَ: إِنَّمَا كُتِبَتْ ذَلِكَ عَلَى الْإِمَالَةِ، فَصُوِّرَتِ الْأَلِفُ الْمُمَالَةُ يَاءً، وَحُذِفَتِ الْأَلِفُ الَّتِي بَعْدَ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ مِنْ (بِآيَةٍ، وَبِآيَاتِنَا) كَمَا حُذِفَتْ مِنْ (آيَاتٍ) انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: حُذِفَتِ الْأَلِفُ الَّتِي بَعُدَ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ مِنْ (بِآيَةٍ) فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْيَاءِ فِي (بِآيَةٍ) أَلِفٌ، إِنَّمَا الْأَلِفُ الَّتِي بَعْدَ الْيَاءِ فِي (بِآيَاتِنَا) ، وَلَوْ قَالَ: الْأَلِفُ الَّتِي بَعْدَ الْهَمْزَةِ فِي (بِآيَةٍ) وَالْأَلِفُ الَّتِي بَعْدَ الْيَاءِ فِي (بِآيَاتِنَا) لَكَانَ ظَاهِرًا. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ فَسَبَقَ قَلَمُهُ، أَوْ لَعَلَّهُ إِنَّمَا رَأَى بِـ " آيَةٍ " الْجَمْعَ مِثْلُ (بِآيَاتِنَا) ، وَعَلَيْهِ يَصِحُّ كَلَامُهُ، وَلَكِنْ سَقَطَ مِنَ النَّاسِخِ سِنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَهَذَا) مَا عَلِمْنَاهُ خَرَجَ مِنْ رَسْمِ الْهَمْزِ عَنِ الْقِيَاسِ الْمُطَّرِدِ، وَأَكْثَرُهُ عَلَى قِيَاسٍ مَشْهُورٍ، وَغَالِبُهُ لِمَعْنًى مَقْصُودٍ، وَإِنْ لَمْ يُرَدْ ظَاهِرُهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَجْهٍ مُسْتَقِيمٍ يَعْلَمُهُ مَنْ قَدَرَ لِلسَّلَفِ قَدْرَهُمْ وَعَرَفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ فِي بَعْضِ مَا خَرَجَ عَمَّا عَرَفَهُ مِنَ الْقِيَاسِ: هُوَ عِنْدَنَا مِمَّا قَالَ فِيهِ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَرَى فِي الْمَصَاحِفِ لَحْنًا سَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: وَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَرَى عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَيْئًا فِي الْمُصْحَفِ يُخَالِفُ رَسْمَ الْكِتَابَةِ مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ فِيهَا فَيُقِرُّهُ عَلَى حَالِهِ وَيَقُولُ: إِنَّ فِي الْمُصْحَفِ لَحْنًا سَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْكِتَابَةِ مَعْنًى وَلَا فَائِدَةٌ، بَلْ كَانَتْ تَكُونُ وَبَالًا لِاشْتِغَالِ
(1/458)

الْقُلُوبِ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَعِلَّةُ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحُرُوفِ الْمَرْسُومَةِ فِي الْمُصْحَفِ عَلَى خِلَافِ مَا جَرَى بِهِ رَسْمُ الْكِتَابِ مِنَ الْهِجَاءِ - الِانْتِقَالُ مِنْ وَجْهٍ مَعْرُوفٍ مُسْتَفِيضٍ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ مِثْلِهِ فِي الْجَوَازِ وَالِاسْتِعْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْمُنْتَقَلُ عَنْهُ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا. انْتَهَى. وَالْأَثَرُ فَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ بِأَلْفَاظٍ مُضْطَرِبَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَكُلُّهَا مُنْقَطِعَةٌ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ ذَلِكَ فِي مُصْحَفٍ جُعِلَ لِلنَّاسِ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ، ثُمَّ يَتْرُكُهُ لِتُقِيمَهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ حَتَّى قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ وُلِّيتُ مِنَ الْمَصَاحِفِ مَا وَلِيَ عُثْمَانُ لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَأْمُرْ بِكِتَابَةِ مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، إِنَّمَا كُتِبَ بِأَمْرِهِ عِدَّةُ مَصَاحِفَ، وَوَجَّهَ كُلًّا مِنْهَا إِلَى مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَاذَا يَقُولُ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ فِيهَا؟ أَيَقُولُونَ: إِنَّهُ رَأَى اللَّحْنَ فِي جَمِيعِهَا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ لِتُقِيمَهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا أَمْ رَآهُ فِي بَعْضِهَا؟ فَإِنْ قَالُوا فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، فَقَدِ اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ الْبَعْضِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ أَنَّ اللَّحْنَ كَانَ فِي مُصْحَفٍ دُونَ مُصْحَفٍ، وَلَمْ تَأْتِ الْمَصَاحِفُ مُخْتَلِفَةً إِلَّا فِيمَا هُوَ مِنْ وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَحْنٍ، وَإِنْ قَالُوا: رَآهُ فِي جَمِيعِهَا لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُنَاقِضًا لِقَصْدِهِ فِي نَصْبِ إِمَامٍ يُقْتَدَى بِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا جَمْعَهُ وَكِتَابَتَهُ لَمْ يُقِيمُوا ذَلِكَ وَهُمْ سَادَاتُ الْأُمَّةِ وَعُلَمَاؤُهَا، فَكَيْفَ يُقِيمُهُ غَيْرُهُمْ.
وَإِنَّمَا قَصْدُنَا اسْتِيعَابُ مَا رُسِمَ فِي ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْهَمْزِ لِأَنَّا لَمَّا أَتَيْنَا عَلَى تَحْقِيقِهِ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ مِنْهُ مَا صَحَّ نَقْلًا وَمَا لَا يَصِحُّ تَعَيَّنَ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى رَسْمِ الْهَمْزِ لِنَذْكُرَ مَا يَصِحُّ أَيْضًا مِمَّا لَا يَصِحُّ. قَالَ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الْوَقْفَ بِالتَّخْفِيفِ الرَّسْمِيِّ: اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِمَا وَافَقَ التَّخْفِيفَ الْقِيَاسِيَّ وَلَوْ بِوَجْهٍ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ وَاصِلٍ وَأَبُو الْفَتْحِ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ، وَصَاحِبُهُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَمَكِّيٌّ وَالشَّاطِبِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ
(1/459)

إِذَا كَانَ فِي التَّخْفِيفِ الْقِيَاسِيِّ وَجْهٌ رَاجِحٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ ظَاهِرَ الرَّسْمِ، وَكَانَ الْوَجْهُ الْمُوَافِقُ ظَاهِرَهُ مَرْجُوحًا كَانَ هَذَا الْمُوَافِقُ الرَّسْمَ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا بِاعْتِبَارِ التَّخْفِيفِ الْقِيَاسِيِّ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالْوَاوِ الْمَحْضَةِ نَحْوُ (يَعْبَوُا، وَالْبَلَوُا، وَهُزُوًا، وَكُفُوًا) مِمَّا كُتِبَ بِالْوَاوِ. وَقَدْ يَكُونُ بِالْيَاءِ الْمَحْضَةِ نَحْوُ (مِنْ نَبَايِ الْمُرْسَلِينَ، وَمِنْ أَنَايِ اللَّيْلِ) مِمَّا كُتِبَ بِالْيَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْأَلِفِ نَحْوُ (النَّشْاةَ) مِمَّا كُتِبَ بِأَلِفٍ. وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ بَيْنَ نَحْوُ مَا مَثَّلْنَا بِهِ عِنْدَ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ بِالرَّوْمِ الْمُوَافِقِ لِلْمُصْحَفِ كَمَا سَيَأْتِي، وَنَحْوُ (سَنُقْرِيكَ، وَسَيِّيَةً) ، وَنَحْوُ (هَؤُلَاءِ وَأَيِنَّكُمْ) عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ، وَنَحْوُ (يَابْنَوُمٍّ، وَيَوْمَيِذٍ) ، وَنَحْوُ (السُّواى، وَمَوْيِلًا) عَلَى رَأْيٍ. وَقَدْ يَكُونُ بِالْحَذْفِ نَحْوُ: (يَسْتَهْزِوُنَ وَالْمُنْشِيُونَ، وَخَاسِيِينَ وَمُتَّكِيِينَ وَدُعَاءً وَنِدَاءً وَمَلْجَأً) وَقَدْ يَكُونُ بِالنَّقْلِ نَحْوُ (أَفْيِدَةً، وَمَسْوُلًا، وَالظَّمَانُ) وَقَدْ يَكُونُ بِالنَّقْلِ وَالْإِدْغَامِ نَحْوُ (شَيًّا، وَسُوًا) وَقَدْ يَكُونُ بِالْإِدْغَامِ نَحْوُ (رِءْيَا، وَتُؤْي) ، وَنَحْوُ (رُويَاكَ، وَالرُّويَا) عِنْدَ بَعْضِهِمْ. وَهَذَا هُوَ الرَّسْمُ الْقَوِيُّ، وَقَدْ يُقَالُ لَهُ: الصَّحِيحُ، وَقَدْ يُقَالُ: الْمُخْتَارُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ فِي كَافِيهِ: الِاخْتِيَارُ عِنْدَ الْقُرَّاءِ الْوَقْفُ لِحَمْزَةَ عَلَى الْمَهْمُوزِ بِتَسْهِيلٍ لَا يُخَالِفُ الْمُصْحَفَ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي كَيْفِيَّةِ تَسْهِيلِ مَا جَاءَ مِنَ الْهَمْزِ الْمُتَطَرِّفِ مَرْسُومًا فِي الْمُصْحَفِ عَلَى نَحْوِ حَرَكَتِهِ، كَقَوْلِهِ: (فَقَالَ الْمَلَؤُا الَّذِينَ كَفَرُوا) وَهُوَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ الثَّلَاثَةُ الْأَحْرُفِ مِنَ النَّمْلِ. وَكَذَلِكَ (تَفْتَوُا، وَنَشَوُا) ، وَمَا أَشْبَهُهُ مِمَّا صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ وَاوًا عَلَى حَرَكَتِهَا، أَوْ عَلَى مُرَادِ الْوَصْلِ، وَكَذَلِكَ: (مِنْ نَبَايِ الْمُرْسَلِينَ) وَشِبْهُهُ مِمَّا رُسِمَتْ فِيهِ يَاءً عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَسْهِيلُ الْهَمْزَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى حَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا فَتُبْدَلُ أَلِفًا سَاكِنَةً حَمْلًا عَلَى سَائِرِ نَظَائِرِهِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ صُورَتُهَا فِيهِ؛ إِذْ ذَاكَ هُوَ الْقِيَاسُ قَالَ: وَكَانَ هَذَا مَذْهَبُ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: تُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ فِي ذَلِكَ بِأَنْ تُبْدَلَ بِالْحَرْفِ الَّذِي مِنْهُ حَرَكَتُهَا مُوَافِقَةً عَلَى رَسْمِهَا، تُبْدَلُ وَاوًا سَاكِنَةً فِي قَوْلِهِ: (الْمَلَوُا) وَبَابِهِ،
(1/460)

وَتُبْدَلُ يَاءً سَاكِنَةً فِي قَوْلِهِ: (مِنْ نَبَايِ الْمُرْسَلِينَ) وَنَحْوِهِ. قَالَ: وَهَذَا كَانَ مَذْهَبَ شَيْخِنَا أَبِي الْفَتْحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ اخْتِيَارِي أَنَا، وَإِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ هُوَ الْقِيَاسَ فَإِنَّ هَذَا أَوْلَى مِنْ جِهَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَا هِشَامٍ وَخَلَفًا رَوَيَا، عَنْ حَمْزَةَ نَصًّا أَنَّهُ كَانَ يَتَّبِعُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْهَمْزَةِ خَطَّ الْمُصْحَفِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ وَقْفَهُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ بِالْوَاوِ وَبِالْيَاءِ عَلَى حَالِ رَسْمِهِ دُونَ الْأَلِفِ لِمُخَالَفَتِهِمَا إِيَّاهُ، وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ خَلَفًا قَدْ حَكَى ذَلِكَ عَنْ حَمْزَةَ مَنْصُوصًا، ثُمَّ حَكَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْكَلِمُ فِي الْمَصَاحِفِ مَرْسُومَةٌ بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ. وَمَعَ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ فَإِنَّ إِبْدَالَ الْهَمْزَةِ بِالْحَرْفِ الَّذِي مِنْهُ حَرَكَتُهَا دُونَ حَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا فِي الْوَقْفِ خَاصَّةً فِي نَحْوِ ذَلِكَ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: يَقُولُونَ فِي الْوَقْفِ: هَذَا الْكَلَوُ، فَيُبْدِلُونَ مِنَ الْهَمْزَةِ وَاوًا، وَ: مَرَرْتُ بِالْكَلَيِ، فَيُبْدِلُونَ مِنْهَا يَاءً، وَ: رَأَيْتُ الْكَلَا، فَيُبْدِلُونَ مِنْهَا أَلِفًا حِرْصًا عَلَى الْبَيَانِ. قَالَ - يَعْنِي سِيبَوَيْهِ -: وَهُمُ الَّذِينَ يُحَقِّقُونَ فِي الْوَصْلِ. قَالَ الدَّانِيُّ: فَوَاجِبٌ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ اللُّغَةِ فِي مَذْهَبِ هِشَامٍ وَحَمْزَةَ فِي الْكَلِمِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ فِي الْوَصْلِ كَالْعَرَبِ الَّذِينَ جَاءَ عَنْهُمْ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَقَالَ أَيْضًا: وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأَدَاءِ فِي إِدْغَامِ الْحَرْفِ الْمُبْدَلِ مِنَ الْهَمْزَةِ وَفِي إِظْهَارِهِ فِي قَوْلِهِ: (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ) وَ (الَّتِي تُؤْوِيهِ) ، وَفِي قَوْلِهِ: (رُوحًا) فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى إِدْغَامَهُ مُوَافَقَةً لِلْخَطِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى إِظْهَارَهُ لِكَوْنِ الْبَدَلِ عَارِضًا، فَالْهَمْزَةُ فِي التَّقْدِيرِ وَالنِّيَّةِ، وَإِدْغَامُهَا مُمْتَنِعٌ، قَالَ: وَالْمَذْهَبَانِ فِي ذَلِكَ صَحِيحَانِ، وَالْإِدْغَامُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ مَنْصُوصًا عَنْ حَمْزَةَ فِي قَوْلِهِ: (رُوحًا) لِمُوَافَقَةِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ الَّذِي جَاءَ عَنْهُ اتِّبَاعُهُ عِنْدَ الْوَقْفِ عَلَى الْهَمْزِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّمَ فِي التَّخْفِيفِ الرَّسْمِيِّ فَأَبْدَلَ الْهَمْزَةَ بِمَا صُوِّرَتْ بِهِ وَحَذَفَهَا فِيمَا حُذِفَتْ فِيهِ، فَيُبْدِلُهَا وَاوًا خَالِصَةً فِي نَحْوِ (رَوُفٌ) (أَبْنَاوُكُمْ) وَ (تَوُزُّهُمْ) ، وَ (شُرَكَاوُكُمْ) ، وَ (يُذْرَوُكُمْ) ، وَ (نِسَاوُكُمْ) ، وَ (أَحِبَّاوُهُ) ، وَ (هَوُلَاءِ) وَيُبْدِلُهَا يَاءً خَالِصَةً فِي نَحْوِ (تَايِبَاتٍ) (سَايِحَاتٍ) وَ (نِسَايِكُمْ) وَ (أَبْنَايِكُمْ) وَ (خَايِفِينَ) وَ (أُولَيِكَ) وَ (جَايِرٌ) وَ (مَوْيِلًا) وَ (لَيِنْ) وَيُبْدِلُهَا أَلِفًا خَالِصَةً فِي نَحْوِ (سَالَ) وَ (امْرَاتُهُ) وَ (سَالَهُمْ) وَ (بَدَاكُمْ)
(1/461)

وَ (اخَاهُ) وَحَذَفَهَا فِي نَحْوِ (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاهُ إِنْ أَوْلِيَاوُهُ، إِلَى أَوْلِيَايِهِمْ) ، وَيَقُولُ فِي (فَادَّارَاتُمْ: فَادَّارَتُّمْ) ، وَفِي (امْتَلَأْتِ: امْتَلَتِ) ، وَفِي (اشْمَأَزَّتْ: اشْمَازَّتْ، وَاشْمَزَّتْ) ، وَفِي (أَأَنْذَرْتَهُمْ: أَنْذَرْتَهُمْ) ، وَفِي (الْمَوْءُودَةُ: الْمَوْدَةُ) عَلَى وَزْنِ الْمَوْزَةِ (وَلَا يُبَالُونَ) وَرَدَ ذَلِكَ عَلَى قِيَاسٍ أَمْ لَا، صَحَّ ذَلِكَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَمْ لَمْ يَصِحَّ، اخْتَلَّتِ الْكَلِمَةُ أَمْ لَمْ تَخْتَلَّ، فَسَدَ الْمَعْنَى أَمْ لَمْ يَفْسُدْ، وَبَالَغَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ شُرَّاحِ قَصِيدَةِ الشَّاطِبِيِّ فِي ذَلِكَ حَتَّى أَتَى بِمَا لَا يَحِلُّ وَلَا يَسُوغُ. فَأَجَازَ فِي نَحْوِ (رَأَيْتُ، وَسَأَلْتُ: رَايْتُ وَسَالْتُ) فَجَمَعَ بَيْنَ ثَلَاثِ سَوَاكِنَ، وَلَا يُسْمَعُ هَذَا إِلَّا مِنَ اللِّسَانِ الْفَارِسِيِّ، وَأَجَازَ فِي نَحْوِ (يَجْأَرُونَ: يَجْرُونَ) (وَيُسْأَلُونَ: يَسْلُونَ) فَأَفْسَدَ الْمَعْنَى وَغَيَّرَ اللَّفْظَ، وَفِي بُرَآءُ - بُرَوُا فَغَيَّرَ الْمَعْنَى وَأَفْسَدَ اللَّفْظَ، وَأَتَى بِمَا لَا يَسُوغُ، وَرَأَيْتُ فِيمَا أَلَّفَهُ ابْنُ بَصْخَانَ فِي وَقْفِ حَمْزَةَ أَنْ قَالَ: وَمَا رُسِمَ مِنْهُ بِالْأَلِفِ وُقِفَ عَلَيْهِ بِهَا نَحْوُ (وَأَخَاهُ، بِأَنَّهُمْ) ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: (فَآتِهِمْ) عَلَى مَا فِيهِ حَتَّى رَأَيْتُهُ بِخَطِّهِ (بَانَّهُمْ) فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُقَالَ فِي الْوَقْفِ (بَانَّهُمْ) فَيَفْتَحُ الْبَاءَ الَّتِي قَبْلَ الْهَمْزَةِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْطَقَ بِالْأَلِفِ بَعْدَهَا إِلَّا بِفَتْحِهَا، ثُمَّ يَمُدُّ عَلَى الْأَلِفِ مِنْ أَجْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ نَقْلُهُ وَلَا تَثْبُتُ رِوَايَتُهُ عَنْ حَمْزَةَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا عَمَّنْ نَقَلَ عَنْهُمْ، وَيُقَالُ لَهُ: الرَّسْمِيُّ. وَقَدْ يُقَالُ لَهُ: الشَّاذُّ، وَقَدْ يُقَالُ لَهُ: الْمَتْرُوكُ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ أَشَدُّ نُكْرًا مِنْ بَعْضٍ. فَأَمَّا إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً فِي نَحْوِ (خَايِفِينَ، وَجَايِرٌ، وَأُولَيِكَ) ، وَوَاوًا فِي نَحْوِ (ابْنَاوُكُمْ، وَأَحِبَّاوُهُ) فَإِنِّي تَتَبَّعْتُهُ مِنْ كُتُبِ الْقِرَاءَاتِ وَنُصُوصِ الْأَئِمَّةِ، وَمَنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكْرَهُ وَلَا نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا صَرَّحَ بِهِ، وَلَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ، وَلَا دَلَّتْ عَلَيْهِ إِشَارَتُهُ سِوَى أَبِي بَكْرِ بْنِ مِهْرَانَ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ فِي وَقْفِ حَمْزَةَ وَجْهًا فِي نَحْوِ (تَائِبَاتٍ) بِإِبْدَالِ الْيَاءِ، وَفِي نَحْوِ (رَوُوفٌ) بِإِبْدَالِ الْوَاوِ. وَرَأَيْتُ أَبَا عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيَّ فِي كِتَابِهِ " الِاتِّضَاحُ " حَكَى هَذَا عَنْ شَيْخِهِ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ الطَّبَرِيِّ، وَقَالَ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَهُ وَلَا حَكَاهُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ لَقِيتُ غَيْرَهُ (قُلْتُ) : ثُمَّ إِنِّي رَاجَعْتُ
(1/462)

كِتَابَ الطَّبَرِيِّ، وَهُوَ " الِاسْتِبْصَارُ " فَلَمْ أَرَهُ حَكَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ سِوَى بَيْنَ بَيْنَ لَا غَيْرَ، وَالْقَصْدُ أَنَّ إِبْدَالَ الْيَاءِ وَالْوَاوِ مَحْضَتَيْنِ فِي ذَلِكَ، هُوَ مِمَّا لَمْ تُجِزْهُ الْعَرَبِيَّةُ، بَلْ نَصَّ أَئِمَّتُهَا عَلَى أَنَّهُ مِنَ اللَّحْنِ الَّذِي لَمْ يَأْتِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَإِنْ تَكَلَّمَتْ بِهِ النَّبَطُ، وَإِنَّمَا الْجَائِزُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ بَيْنَ بَيْنَ لَا غَيْرَ. وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِاتِّبَاعِ الرَّسْمِ أَيْضًا، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَمِنْهُ مَا وَرَدَ عَلَى ضَعْفٍ، وَمِنْهُ مَا لَمْ يَرِدْ بِوَجْهٍ، وَكُلُّهُ غَيْرُ جَائِزٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ مِنْ أَجْلِ عَدَمِ اجْتِمَاعِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ. فَهُوَ مِنَ الشَّاذِّ الْمَتْرُوكِ الَّذِي لَا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي النَّصُّ فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدِ لِيُعْلَمَ الْجَائِزُ مِنَ الْمُمْتَنَعِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى الْقَوْلِ بِالتَّخْفِيفِ الْقِيَاسِيِّ حَسْبَمَا وَرَدَتِ الرِّوَايَةُ بِهِ دُونَ الْعَمَلِ بِالتَّخْفِيفِ الرَّسْمِيِّ، وَهَذَا الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ سَوَّارٍ وَابْنُ شَيْطَا وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ فَارِسٍ وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ، وَأَبُوَ مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ وَأَبُو الْكَرَمِ الشَّهْرَزُورِيُّ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ خَلَفٍ، وَشَيْخُهُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّرَسُوسِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْمَالِكِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ، وَأَبُوَ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ سِوَاهُ، وَلَا عَدَلُوا إِلَى غَيْرِهِ، بَلْ ضَعَّفَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ الْقَوْلَ بِهِ، وَرَدَّ عَلَى الْآخِذِينَ بِهِ، وَرَأَى أَنَّ مَا خَالَفَ جَادَّةَ الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ وَلَا الْجُنُوحُ إِلَيْهِ إِلَّا بِرِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ، وَأَنَّهَا فِي ذَلِكَ مَعْدُومَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ يَجُوزُ الرَّوْمُ وَالْإِشْمَامُ فِيمَا لَمْ تُبْدَلِ الْهَمْزَةُ الْمُتَطَرِّفَةُ فِيهِ حَرْفَ مَدٍّ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا مَا أُلْقِيَ فِيهِ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى السَّاكِنِ نَحْوُ (دِفْءٌ، وَالْمَرْءِ، وَسُوءٍ، وَمِنْ سُوءٍ، وَشَيْءٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ) وَالثَّانِي مَا أُبْدِلَ الْهَمْزُ فِيهِ حَرْفًا وَأُدْغِمُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ نَحْوُ (شَيْءٍ، وَسُوءَ) عِنْدَ مَنْ رَوَى فِيهِ الْإِدْغَامَ، وَالثَّالِثُ مَا أَبْدِلَتْ فِيهِ الْهَمْزَةُ الْمُتَحَرِّكَةُ وَاوًا
(1/463)

أَوْ يَاءً بِحَرَكَةِ نَفْسِهَا عَلَى التَّخْفِيفِ الرَّسْمِيِّ نَحْوُ (الْمَلَوُا، وَالضُّعَفَوُا، وَمِنْ نَبَايِ، وَايتَايِ) وَالرَّابِعُ مَا أُبْدِلَتْ فِيهِ الْهَمْزَةُ الْمَكْسُورَةُ بَعْدَ الضَّمِّ وَاوًا، وَالْمَضْمُومَةُ بَعْدَ الْكَسْرِ يَاءً، وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ نَحْوُ (لُولُؤٌ، وَيَبْتَدِئُ) فَأَمَّا مَا تُبْدَلُ حَرْفَ مَدٍّ فَلَا رَوْمَ فِيهِ وَلَا إِشْمَامَ، وَهُمَا نَوْعَانِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْبَابِ، أَحَدُهُمَا: مَا تَقَعُ الْهَمْزَةُ فِيهِ سَاكِنَةً بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ، سَوَاءٌ كَانَ سُكُونُهَا لَازِمًا نَحْوُ (اقْرَا، وَنَبِّي) أَمْ عَارِضًا نَحْوُ (يَبْدَا، وَإِنِ امْرُوٌ، وَمِنْ شَاطِيِ) وَالثَّانِي: أَنْ تَقَعَ سَاكِنَةً بَعْدَ أَلِفٍ نَحْوُ (يَشَاءْ، وَمِنَ السَّمَاءْ، وَمِنْ مَاءْ) ; لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ حِينَئِذٍ سَوَاكِنُ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْحَرَكَةِ، فَهُنَّ مِثْلُهُنَّ فِي (يَخْشَى، وَيَدْعُو، وَيَرْمِي) .
(الثَّانِي) يَجُوزُ الرَّوْمُ فِي الْهَمْزَةِ الْمُتَحَرِّكَةِ الْمُتَطَرِّفَةِ إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ، أَوْ بَعْدَ أَلِفٍ إِذَا كَانَتْ مَضْمُومَةً، أَوْ مَكْسُورَةً كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ، وَذَلِكَ نَحْوُ (يَبْدَأُ، وَيُنْشِئُ، وَاللُّؤْلُؤُ، وَشَاطِئِ، وَعَنِ النَّبَإِ، وَالسَّمَاءَ، وَبُرَآءُ، وَسَوَاءٌ، وَيَشَاءُ، وَالَى السَّمَاءِ، وَمِنْ مَاءٍ) فَإِذَا رُمْتَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ فِي ذَلِكَ سَهَّلْتَهَا بَيْنَ بَيْنَ، فَتُنَزِّلُ النُّطْقَ بِبَعْضِ الْحَرَكَةِ وَهُوَ الرَّوْمُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ بِجَمِيعِهَا فَتُسَهِّلُ، وَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ وَالدَّانِيِّ، وَصَاحِبِ " التَّجْرِيدِ "، وَالشَّاطِبِيِّ وَالْحَافِظِ أَبِي الْعَلَاءِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَبَعْضِ النُّحَاةِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ جُمْهُورُهُمْ وَجَعَلُوهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ الْقُرَّاءُ. قَالُوا: لِأَنَّ سُكُونَ الْهَمْزَةِ فِي الْوَقْفِ يُوجِبُ فِيهَا الْإِبْدَالَ عَلَى الْفَتْحَةِ الَّتِي قَبْلَ الْأَلِفِ فَهِيَ تُخَفَّفُ تَخْفِيفَ السَّاكِنِ لَا تَخْفِيفَ الْمُتَحَرِّكِ، وَكَذِبٌ ضَعَّفَهُ أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ إِلَى تَرْكِ الرَّوْمِ فِي ذَلِكَ وَأَجْرَوُا الْمَضْمُومَ وَالْمَكْسُورَ فِي ذَلِكَ مَجْرَى الْمَفْتُوحِ، فَلَمْ يُجِيزُوا سِوَى الْإِبْدَالِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ وَأَبِي الطَّاهِرِ بْنِ خَلَفٍ وَأَبِي الْعِزِّ الْقَلَانِسِيِّ، وَابْنِ الْبَاذِشِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ النُّحَاةِ، وَقَدْ ضَعَّفَ هَذَا الْقَوْلَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُ وَعَدُّوهُ شَاذًّا، وَالصَّوَابُ صِحَّةُ الْوَجْهَيْنِ، فَقَدْ ذَكَرَ النَّصَّ عَلَى
(1/464)

الرَّوْمِ كَذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو، عَنْ خَلَفٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ. وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي وَقْفِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ، عَنْ خَلَفٍ قَالَ: كَانَ حَمْزَةُ يُشِمُّ الْيَاءَ فِي الْوَقْفِ مِثْلُ (مِنْ نَبَايِ الْمُرْسَلِينَ، وَتِلْقَايِ نَفْسِي) يَعْنِي فِيمَا رُسِمَ بِالْيَاءِ. وَرَوَى أَيْضًا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْكُتُ عَلَى قَوْلِهِ: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ) يَمُدُّ وَيُشِمُّ الرَّفْعَ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَقَالَ ابْنُ وَاصِلٍ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ: كَانَ حَمْزَةُ يَقِفُ عَلَى هَؤُلَاءِ بِالْمَدِّ وَالْإِشَارَةِ إِلَى الْكَسْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَيَقِفُ عَلَى (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَا) بِالْمَدِّ وَلَا يُشِيرُ إِلَى الْهَمْزَةِ. قَالَ: وَيَقِفُ عَلَى (الْبَلَاءُ وَالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءُ) بِالْمَدِّ وَالْإِشَارَةِ. قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ لَمْ تُشِرْ، وَقَالَ: فِي قَوْلِهِ: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ) قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ وَقَفْتَ عَلَى الْأَلِفِ سَاكِنَةً، وَإِنْ شِئْتَ وَقَفْتَ وَأَنْتَ تَرُومُ الضَّمَّ. وَابْنُ وَاصِلٍ هَذَا هُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ وَاصِلٍ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ الضَّابِطِينَ، رَوَى عَنْ خَلَفٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ سُلَيْمٍ، وَرَوَى عَنْهُ مِثْلُ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَابْنِ شَنَبُوذَ وَأَبِي مُزَاحِمٍ الْخَاقَانِيِّ، وَأَضْرَابِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، مَعَ أَنَّ الْإِبْدَالَ هُوَ الْقِيَاسُ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي صِحَّتِهِ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الرَّوْمِ مَعَ التَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَمَنَعَهُ أَكْثَرُ النُّحَاةِ لِمَا قَدَّمْنَا، وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ سِيبَوَيْهِ تَعَرُّضًا إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا نَصَّ فِيهَا فِي الْوَقْفِ بِشَيْءٍ، بَلْ رَأَيْتُهُ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْهَمْزَةَ تُجْعَلُ بَعْدَ الْأَلِفِ بَيْنَ بَيْنَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، أَوْ مَخْصُوصٌ بِالْوَصْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى التَّفْصِيلِ فِي ذَلِكَ، فَمَا صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ رَسْمًا وَاوًا أَوْ يَاءً وُقِفَ عَلَيْهِ بِالرَّوْمِ بَيْنَ بَيْنَ، وَمَا صُوِّرَتْ فِيهِ أَلِفًا وُقِفَ عَلَيْهِ بِالْبَدَلِ اتِّبَاعًا لِلرَّسْمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ نَصًّا، عَنْ خَلَفٍ، عَنْ حَمْزَةَ (مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) ، وَانْفَرَدَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ بَلِّيمَةَ بِالرَّوْمِ كَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ بَعْدَ الْأَلِفِ دُونَ مَا وَقَعَ فِيهِ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ، إِلَّا أَنَّهُ أَطْلَقَهُ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ
(1/465)

ضَمًّا وَفَتْحًا وَكَسْرًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَأَجَازَ الْوَجْهَيْنِ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ فِي الضَّمِّ وَالْكَسْرِ، وَوَافَقَهُ ابْنُ سَوَّارٍ فِيمَا كَانَ بَعْدَ الْأَلِفِ، وَشَذَّ بَعْضُهُمْ وَأَجَازَ الرَّوْمَ بِالتَّسْهِيلِ فِي الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ بَعْدَ الْأَلِفِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَفْتُوحِ وَغَيْرِهِ، وَحَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي جَامِعِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ قَرَأَ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَأَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ فِي تَذْكِرَتِهِ وَلَمْ يَرْضَهُ، وَحَكَى نَصًّا لِحَمْزَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) إِذَا كَانَتِ الْهَمْزَةُ سَاكِنَةً لِمُوجَبٍ فَأُبْدِلَتْ حَرْفَ مَدٍّ بَقِيَ ذَلِكَ الْحَرْفُ بِحَالِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْجَازِمُ، وَذَلِكَ نَحْوُ (نَبِّئْ وَاقْرَأْ، وَيَشَاءُ، وَيُهَيِّئْ) وَشَذَّ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ أَبُو عَلِيٍّ الْمَالِكِيُّ فَقَالَ: وَيَقِفُ عَلَى (نَبِّي عِبَادِي) بِغَيْرِ هَمْزِ، فَإِنْ طَرَحْتَ الْهَمْزَةَ وَأَثَرَهَا قُلْتَ: (نَبِّ) وَإِنْ طَرَحْتَهَا وَأَبْقَيْتَ أَثَرَهَا قُلْتَ: (نَبِّي) انْتَهَى، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ طَرْحِ أَثَرِ الْهَمْزَةِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجُوزُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْأَئِمَّةِ نَصًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إِذَا وَقَفْتَ بِالْبَدَلِ فِي الْمُتَطَرِّفِ بَعْدَ الْأَلِفِ نَحْوُ (جَاءَ، وَالسُّفَهَاءُ، وَمِنْ مَاءٍ) فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ أَلِفَانِ، فَإِمَّا أَنْ تَحْذِفَ إِحْدَاهُمَا لِلسَّاكِنَيْنِ أَوْ تُبْقِيَهُمَا ; لِأَنَّ الْوَقْفَ يَحْتَمِلُ اجْتِمَاعَ السَّاكِنَيْنِ. فَإِنْ حَذَفْتَ إِحْدَاهُمَا فَإِمَّا أَنْ تُقَدِّرَهَا الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةَ، فَإِنْ قَدَّرْتَهَا الْأُولَى فَالْقَصْرُ لَيْسَ إِلَّا لِفَقْدِ الشَّرْطِ، إِلَّا أَنَّ الْأَلِفَ تَكُونُ مُبْدَلَةً مِنْ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا مَدَّ فِيهِ كَأَلِفِ (يَأْمُرُ، وَيَأْتِيَ) وَإِنْ قَدَّرْتَهَا الثَّانِيَةَ جَازَ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ مِنْ أَجْلِ تَغَيُّرِ السَّبَبِ، فَهُوَ حَرْفُ مَدٍّ قَبْلَ هَمْزٍ مُغَيَّرٍ كَمَا تَقَدَّمَ آخِرَ بَابِ الْمَدِّ، وَإِنْ أَبْقَيْيَهُمَا مَدَدْتَ مَدًّا طَوِيلًا. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا لِمَا تَقَدَّمَ فِي سُكُونِ الْوَقْفِ، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِنَا كَالْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيِّ، وَصَاحِبِ تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ وَغَيْرِهِمْ. فَنَصَّ مَكِّيٌّ فِي " التَّبْصِرَةِ " عَلَى حَذْفِ أَحَدِ الْأَلِفَيْنِ، وَأَجَازَ الْمَدَّ عَلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ الثَّانِيَةُ وَالْقَصْرَ عَلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ الْأُولَى
(1/466)

وَرَجَّحَ الْمَدَّ. وَنَصَّ الْمَهْدَوِيُّ فِي " الْهِدَايَةِ " عَلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ الْهَمْزَةُ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِهِ جَوَازَ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى، وَاخْتَارَ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةَ، وَزَادَ فَقَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يُحْذَفَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَقْفِ فَيُمَدُّ قَدْرُ أَلِفَيْنِ، إِذِ الْجَمْعُ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ فِي الْوَقْفِ جَائِزٌ، وَقَطَعَ فِي " الْكَافِي " بِالْحَذْفِ، وَمُرَادُهُ حَذْفُ الْهَمْزَةِ ; لِأَنَّهُ قَطَعَ بِالْمَدِّ وَقَالَ: لِأَنَّ الْحَذْفَ عَارِضٌ. ثُمَّ قَالَ: وَمِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ لَا يَمُدُّ، وَقَطَعَ فِي " التَّلْخِيصِ " بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: تُبْدَلُ مِنَ الْهَمْزَةِ أَلِفًا فِي حَالِ الْوَقْفِ بِأَيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَتْ فِي الْوَصْلِ لِسُكُونِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَ الْأَلِفِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَتُمَدُّ مِنْ أَجْلِ الْأَلِفَيْنِ الْمُجْتَمِعَتَيْنِ، وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ، وَقَالَ فِي " التَّيْسِيرِ ": وَإِنْ كَانَ السَّاكِنُ أَلِفًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُبْدَلَةً، أَوْ زَائِدَةً أَبْدَلْتَ الْهَمْزَةَ بَعْدَهَا أَلِفًا بِأَيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَتْ، ثُمَّ حَذَفْتَ إِحْدَى الْأَلِفَيْنِ لِلسَّاكِنَيْنِ، وَإِنْ شِئْتَ زِدْتَ فِي الْمَدِّ وَالتَّمْكِينِ لِيَفْصِلَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَحْذِفْ، قَالَ: وَذَلِكَ الْوَجْهُ وَبِهِ وَرَدَ النَّصُّ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ طَرِيقِ خَلَفٍ وَغَيْرِهِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى أَنَّ الْمَدَّ أَرْجَحُ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ، فَذَهَبَ الدَّانِيُّ،، وَأَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ بَلِّيمَةَ، وَالْمَهْدَوِيُّ إِلَى عَدَمِ الْحَذْفِ، وَنَصَّ عَلَى التَّوَسُّطِ أَبُو شَامَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَجْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَقَاسَهُ عَلَى سُكُونِ الْوَقْفِ. وَقَدْ وَرَدَ الْقَوْلُ بِالْمَدِّ.
(قُلْتُ) : وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، هُوَ صَحِيحٌ نَصًّا وَقِيَاسًا وَإِجْمَاعًا. أَمَّا النَّصُّ فَمَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرِّفَاعِيُّ نَصًّا، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ قَالَ: إِذَا مَدَدْتَ الْحَرْفَ الْمَهْمُوزَ، ثُمَّ وَقَفْتَ فَأَخْلِفْ مَكَانَ الْهَمْزَةِ مَدَّةً، أَيْ: أَبْدِلْ مِنْهُ أَلِفًا، وَرَوَى أَيْضًا خَلَفٌ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْهُ قَالَ: تَقِفُ بِالْمَدِّ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَجَائِزٌ أَنْ تَحْذِفَ الْمُبْدَلَةَ مِنَ الْهَمْزَةِ وَتَبْقَى هِيَ، فَعَلَى هَذَا يُزَادُ فِي تَمْكِينِهَا أَيْضًا لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلَى الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَلِفَيْنِ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَهُوَ مَا أَجَازَهُ يُونُسُ فِي: اضْرِبَا زَيْدًا، عَلَى لُغَةِ تَخْفِيفِ النُّونِ، قَالَ: إِذَا وَقَفْتَ قُلْتَ: اضْرِبَا، إِلَّا أَنَّهَا تُبْدَلُ فِي الْوَقْفِ أَلِفًا فَيَجْتَمِعُ أَلِفَانِ فَيَزْدَادُ فِي الْمَدِّ كَذَلِكَ، وَرَوَى عَنْهُ كَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ النَّحَّاسِ وَحَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ.
(1/467)

(الْخَامِسُ) إِنَّمَا يَكُونُ اتِّبَاعُ الرَّسْمِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْهَمْزَةِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ، فَلَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ الَّتِي قَبْلَ الْهَمْزَةِ فِي (الْعُلَمَواءُ وَيَشَاءُ وَجَزَاءُ) ، وَلَا تَثْبُتُ الْأَلِفُ بَعْدِ الْوَاوِ بَعْدَهَا. وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ مِمَّنْ رَأَى التَّخْفِيفَ الرَّسْمِيَّ، وَكَذَلِكَ لَا تَثْبُتُ الْأَلِفُ مِنْ نَحْوِ (مِائَةٌ، وَلِشَايٍ فِي الْكَهْفِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا كُتِبَ زَائِدًا، إِذْ لَا فَرْقَ لَفْظًا بَيْنَ وُجُودِهَا وَعَدَمِهَا.
فَصْلٌ
وَانْفَرَدَ أَبُو عَلِيِّ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَطَّارُ، عَنْ رِجَالِهِ، عَنِ ابْنِ الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَزَّانِ، عَنْ خَلَّادٍ بِرِوَايَةِ الْحَدْرِ، فَلَا يَسْكُتُ وَلَا يُبَالِغُ فِي التَّحْقِيقِ، فَإِذَا وَقَفَ بِالْهَمْزِ فِي جَمِيعِ أَقْسَامِهِ كَسَائِرِ الْجَمَاعَةِ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ دُونَ سَائِرِ الرُّوَاةِ حَسْبَمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ فِي " الْمُسْتَنِيرِ "، وَالْمَعْرُوفُ عَنِ الْوَزَّانِ هُوَ تَحْقِيقُ الْهَمْزَةِ الْمُبْتَدَأَةِ دُونَ الْمُتَوَسِّطَةِ وَالْمُتَطَرِّفَةِ حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ " وَغَيْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ هِشَامٍ فِي تَسْهِيلِ الْهَمْزِ الْمُتَطَرِّفِ وَقْفًا، فَرَوَى جُمْهُورُ الشَّامِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ قَاطِبَةً عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْهُ تَسْهِيلَ الْهَمْزِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى نَحْوِ مَا يُسَهِّلُهُ حَمْزَةُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ، وَابْنِ سُفْيَانَ وَالْمَهْدَوِيِّ وَابْنَيْ غَلْبُونَ، وَمَكِّيِّ، وَابْنِ شُرَيْحٍ، وَابْنِ بَلِّيمَةَ، وَصَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَشَيْخِهِ صَاحِبِ " الْمُجْتَبَى "، وَغَيْرِهِمْ. وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ الْبَكْرَاوِيِّ، عَنْ هِشَامٍ. وَرَوَى صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ "، وَ " الرَّوْضَةِ "، وَ " الْجَامِعِ "، وَ " الْمُسْتَنِيرِ "، وَ " التَّذْكَارِ "، وَ " الْمُبْهِجِ "، وَالْإِرْشَادَيْنِ، وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ، عَنْ هِشَامٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ التَّحْقِيقَ كَسَائِرِ الْقُرَّاءِ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، بِهِمَا قَرَأْنَا وَبِهِمَا نَأْخُذُ، وَكُلُّ مَنْ رَوَى عَنْهُ التَّسْهِيلَ أَجْرَى نَحْوَ دُعَاءً وَمَاءً وَمَلْجَأً وَمَوْطِئًا مَجْرَى الْمُتَوَسِّطِ مِنْ أَجْلِ التَّنْوِينِ الْمُبْدَلِ فِي الْوَقْفِ أَلِفًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ.
(1/468)

(خَاتِمَةٌ) فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ مِنَ الْهَمْزِ، نَذْكُرُ فِيهَا مَا أَصَّلْنَاهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمَةِ
مَعَ مَا ذَكَرَهُ أَئِمَّةُ الْأَدَاءِ، مَعَ بَيَانِ الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِيُقَاسَ عَلَيْهَا نَظَائِرُهَا فَيُعْرَفُ بِهَا حُكْمُ جَمِيعِ مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ.
(فَمِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ السَّاكِنُ مِنَ الْمُتَطَرِّفِ اللَّازِمِ (مَسْأَلَةُ الْوَقْفِ عَلَى: هِيَ، وَيُهَي، وَمَكْرَ السَّيِّئِ) بِوَجْهٍ وَاحِدٍ عَلَى التَّخْفِيفِ الْقِيَاسِيِّ، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً؛ لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَحُكِيَ فِيهَا وَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ الْوَقْفُ بِأَلِفٍ عَلَى التَّخْفِيفِ الرَّسْمِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَجُوزُ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ فِي (هَيِّئْ وَيُهَيِّئْ وَنَبِّئْ وَاقْرَأْ وَنَشَاءُ) وَنَحْوِهِ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعِلَّةِ لِأَبِي عَمْرٍو، وَلَا يَصِحُّ، وَوَجْهٌ رَابِعٌ وَهُوَ حَذْفُ حَرْفِ الْمَدِّ الْمُبْدَلِ مِنَ الْهَمْزَةِ لِأَجْلِ الْجَزْمِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الرَّوْضَةِ "، وَلَا يَجُوزُ.
وَمِنَ الْعَارِضِ (مَسْأَلَةُ: إِنِ امْرُؤٌ) يَجُوزُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا عَلَى تَقْدِيرِ إِسْكَانِهَا فَتُبْدَلُ وَاوًا سَاكِنَةً، وَتَخْفِيفُهَا بِحَرَكَةِ نَفْسِهَا عَلَى مَذْهَبِ التَّمِيمِيِّينَ، فَتُبْدَلُ وَاوًا مَضْمُومَةً، فَإِنْ سُكِتَ لِلْوَقْفِ اتَّحَدَ مَعَ الْوَجْهِ قَبْلَهُ، وَيَتَّحِدُ مَعَهَا وَجْهُ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَإِنْ وُقِفَ بِالْإِشَارَةِ جَازَ الرَّوْمُ وَالْإِشْمَامُ، فَتَصِيرُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ تَسْهِيلٌ بَيْنَ بَيْنَ عَلَى تَقْدِيرِ رَوْمِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ، وَيَتَّحِدُ مَعَهُ اتِّبَاعُ الرَّسْمِ عَلَى مَذْهَبِ مَكِّيٍّ وَابْنِ شُرَيْحٍ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ) إِلَّا أَنَّ حَمْزَةَ يُبْدِلُ الْهَمْزَةَ الْأُولَى مِنْهُ وَاوًا، وَهِشَامًا يُحَقِّقُهَا، وَكَذَلِكَ تَجْرِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فِي (تَفْتَؤُ، وَاتَوَكَّؤُا) ، وَنَحْوِهِ مِمَّا رُسِمَ بِالْوَاوِ نَحْوُ (الْمَلَوُا) فِي الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ وَ (نَبَأُ) فِي غَيْرِ بَرَاءَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُزَادُ عَلَيْهَا وَجْهٌ خَامِسٌ، وَهُوَ إِبْدَالُهَا أَلِفًا؛ لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا وَسُكُونِهَا وَقْفًا عَلَى التَّخْفِيفِ الْقِيَاسِيِّ مَذْهَبِ الْحِجَازِيِّينَ وَالْجَادَّةِ، وَأَمَّا مَا رُسِمَ بِأَلِفٍ نَحْوُ (قَالَ الْمَلَأُ) فِي الْأَعْرَافِ (وَنَبَأُ الَّذِينَ) فِي بَرَاءَةَ، وَ (يَبْدَأُ) فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا إِبْدَالُهَا أَلِفًا بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا.
(1/469)

(وَالثَّانِي) بَيْنَ بَيْنَ عَلَى الرَّوْمِ، وَلَا يَجُوزُ إِبْدَالُهَا بِحَرَكَةِ نَفْسِهَا لِمُخَالَفَةِ الرَّسْمِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ ذَلِكَ (مَسْأَلَةُ: يُنْشِئُ) ، وَشِبْهُهُ مِمَّا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَضْمُومَةً بَعْدَ كَسْرٍ، قِيلَ: فِيهَا خَمْسَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً سَاكِنَةً؛ لِسُكُونِهَا وَقْفًا بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا عَلَى التَّخْفِيفِ الْقِيَاسِيِّ، وَإِبْدَالُهَا يَاءً مَضْمُومَةً عَلَى مَا نُقِلَ مِنْ مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، فَإِنْ وَقَفَ بِالسُّكُونِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَبْلَهُ لَفْظًا. وَإِنْ وَقَفَ بِالْإِشَارَةِ جَازَ الرَّوْمُ وَالْإِشْمَامُ فَتَصِيرُ ثَلَاثَةَ أَوْجَهٍ، وَالرَّابِعُ: رَوْمُ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ فَتُسَهَّلُ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ، وَخَامِسُهَا: الْوَجْهُ الْمُعْضِلُ، وَهُوَ تَسْهِيلُهَا بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ عَلَى الرَّوْمِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: (مِنْ شَاطِئِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ) ، وَنَحْوُهُ مَا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَكْسُورَةً بَعْدَ كَسْرٍ، يَجُوزُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً سَاكِنَةً بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا؛ لِسُكُونِ الْوَقْفِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَيَاءً مَكْسُورَةً بِحَرَكَةِ نَفْسِهَا عَلَى مَذْهَبِ التَّمِيمِيِّينَ، فَإِنْ وَقَفَ بِالسُّكُونِ فَهُوَ مُوَافِقٌ مَا قَبْلَهُ لَفْظًا. وَإِنْ وَقَفَ بِالْإِشَارَةِ وَقَفَ بِالرَّوْمِ يَصِيرُ وَجْهَيْنِ (وَالثَّالِثُ) تَسْهِيلٌ بَيْنَ بَيْنَ عَلَى رَوْمِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ، أَوِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ عَلَى مَذْهَبِ مَكِّيٍّ وَابْنِ شُرَيْحٍ، وَتَجِئُ هَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ فِيمَا رُسِمَ بِالْيَاءِ مِمَّا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَكْسُورَةً بَعْدَ فَتْحٍ، وَهُوَ (مِنْ نَبَاءِي الْمُرْسَلِينَ) كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُزَادُ عَلَيْهَا التَّخْفِيفُ الْقِيَاسِيُّ، وَهُوَ إِبْدَالُهَا أَلِفًا لِسُكُونِهَا وَقْفًا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، فَتَصِيرُ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ، وَأَمَّا مَا رُسِمَ بِغَيْرِ يَاءٍ نَحْوُ (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) فَلَيْسَ فِيهِ سِوَى وَجْهَيْنِ: إِبْدَالُهَا أَلِفًا عَلَى الْقِيَاسِ، وَالرَّوْمُ بِتَسْهِيلٍ بَيْنَ بَيْنَ، وَلَا يَجُوزُ إِبْدَالُهَا يَاءً عَلَى مَذْهَبِ التَّمِيمِيِّينَ لِمُخَالَفَةِ الرَّسْمِ وَالرِّوَايَةِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ الْهُذَلِيَّ أَجَازَ فِي (مِنْ مَلْجَأٍ) الْيَاءَ، فَقَالَ فِيهِ بِيَاءٍ مَكْسُورَةٍ لِلْكَسْرَةِ.
(قُلْتُ) : وَقِيَاسُ ذَلِكَ غَيْرُهُ وَلَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ) ، وَنَحْوُهُ مِمَّا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَكْسُورَةً
(1/470)

بَعْدَ ضَمٍّ، قِيلَ: فِيهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ وَاوًا سَاكِنَةً لِسُكُونِهَا وَضَمِّ مَا قَبْلَهَا عَلَى الْقِيَاسِ (وَالثَّانِي) إِبْدَالُهَا وَاوًا مَكْسُورَةً عَلَى مَا نُقِلَ مِنْ مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ. فَإِنْ وَقَفَ بِالسُّكُونِ فَهُوَ كَالْأَوَّلِ لَفْظًا فَيَتَّحِدُ. وَإِنْ وَقَفَ بِالرَّوْمِ فَيَصِيرُ وَجْهَيْنِ (وَالثَّالِثُ) التَّسْهِيلُ، وَهُوَ مَسْأَلَةُ مَا بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ وَالْجَمَاعَةِ (وَالرَّابِعُ) الْوَجْهُ الْمُعْضِلُ، وَهُوَ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ عَلَى الرَّوْمِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ الْأَخِيرَةُ فِيهِ مَضْمُومَةً نَحْوُ (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ) فَوَجْهَانِ (الْأَوَّلُ) إِبْدَالُهَا وَاوًا (وَالثَّانِي) تَسْهِيلُ الْأَخِيرَةِ بَيْنَ بَيْنَ عَلَى الرَّوْمِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ. فَإِنْ كَانَتِ الْأَخِيرَةُ مَفْتُوحَةً نَحْوُ (حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا) فَوَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ إِبْدَالُهُمَا وَاوَيْنِ، الْأُولَى سَاكِنَةٌ لِوُقُوعِهَا بَعْدَ ضَمَّةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ (بَدَأَ، وَمَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ) وَنَحْوُهُ مِمَّا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَفْتُوحَةً بَعْدَ فَتْحٍ، فَفِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ هُوَ إِبْدَالُهَا أَلِفًا، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ بَيْنَ بَيْنَ عَلَى جَوَازِ الرَّوْمُ فِي الْمَفْتُوحِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ شَاذٌّ لَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنَ السَّاكِنِ الْمُتَوَسِّطِ مَسْأَلَةُ (تُؤْي، تُؤْيهِ وَرُءْيَا) فِي مَرْيَمَ. فِيهِنَّ وَجْهَانِ صَحِيحَانِ (أَحَدُهُمَا) إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا، فَتُبْدَلُ فِي (تُوِي، وَتُوِيهِ) وَاوًا، وَفِي (رُءْيَا) يَاءً مِنْ دُونِ إِدْغَامٍ (وَالثَّانِي) الْإِبْدَالُ مَعَ الْإِدْغَامِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَرَجَّحَ الْإِظْهَارَ صَاحِبُ " الْكَافِي "، وَصَاحِبُ " التَّبْصِرَةِ " وَقَالَ: إِنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي " الْهِدَايَةِ "، " وَالْهَادِي "، وَ " تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ "، وَ " التَّجْرِيدِ " سِوَاهُ، وَرَجَّحَ الْإِدْغَامَ صَاحِبُ " التَّذْكِرَةِ " وَالدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " فَقَالَ: هُوَ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ مَنْصُوصًا عَنْ حَمْزَةَ، وَلِمُوَافَقَةِ الرَّسْمِ، وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ " الْعُنْوَانِ " سِوَاهُ، وَأَطْلَقَ صَاحِبُ " التَّيْسِيرِ " الْوَجْهَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ، وَزَادَ فِي " التَّذْكِرَةِ " فِي (رُءْيَا) ، وَجْهًا ثَالِثًا، وَهُوَ التَّحْقِيقُ مِنْ أَجْلِ تَغْيِيرِ الْمَعْنَى، وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ وَالْأَدَاءَ، وَحَكَى الْفَارِسِيُّ وَجْهًا رَابِعًا، وَهُوَ
(1/471)

الْحَذْفُ، أَيْ: حَذْفُ الْهَمْزَةِ فَيُوقَفُ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ مُخَفَّفَةٍ عَلَى اتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَلَا يَصِحُّ، بَلْ وَلَا يَحِلُّ وَاتِّبَاعُ الرَّسْمِ فَهُوَ مُتَّحِدٌ فِي الْإِدْغَامِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ.
(وَأَمَّا الرُّويَا، وَرُويَا) حَيْثُ وَقَعَ فَأَجْمَعُوا عَلَى إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ مِنْهُ وَاوًا لِسُكُونِهَا وَضَمِّ مَا قَبْلَهَا، فَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ قَلْبِ هَذِهِ الْوَاوِ يَاءً وَإِدْغَامِهَا فِي الْيَاءِ بَعْدَهَا كَقِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ، فَأَجَازَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ، وَالْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو، وَغَيْرُهُمَا، وَسَوَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِظْهَارِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ (تُؤْي، وَرُءْيَا) وَحَكَاهُ ابْنُ شُرَيْحٍ أَيْضًا وَضَعَّفَهُ، وَهُوَ إِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلرَّسْمِ، فَإِنَّ الْإِظْهَارَ أَوْلَى وَأَقْيَسُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرَ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ الْحَذْفُ عَلَى اتِّبَاعِ الرَّسْمِ عِنْدَ مَنْ ذَكَرَهُ، فَيُوقَفُ بِيَاءٍ خَفِيفَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي (رُيَّا) ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ (مَسْأَلَةُ: فَادَّارَاتُمْ) فِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ أَلِفًا لِسُكُونِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَذُكِرَ وَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ حَذْفُ الْأَلِفِ اتِّبَاعًا لِلرَّسْمِ، وَلَيْسَ فِي إِثْبَاتِ الْأَلِفِ الَّتِي قَبْلَ الرَّاءِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةِ بِالْهَمْزَةِ، وَذَكَرَ الْحَذْفَ أَيْضًا فِي (امْتَلَاتِ وَاسْتَاجَرْتَ وَيَسْتَاخِرُونَ) مِنْ أَجْلِ الرَّسْمِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ وَلَا جَائِزٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُنَّ، فَإِنَّ الْأَلِفَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا حُذِفَتِ اخْتِصَارًا لِلْعِلْمِ بِهَا كَحَذْفِهَا فِي (الصَّالِحَاتِ، وَالصَّالِحِينَ) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ قُرِئَ بِهِ لَمْ يَجُزْ لِفَسَادِ الْمَعْنَى، وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ: إِنَّ حَذْفَ الْأَلِفِ مِنْ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ الْخَطِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ - يَعْنِي عَلَى حِدَتِهِ - بَلْ وَلَا جَائِزٍ، وَلَا بُدَّ مِنَ الرُّكْنَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ: وَهُمَا الْعَرَبِيَّةُ وَصِحَّةُ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ فُقِدَا فِي ذَلِكَ فَامْتَنَعَ جَوَازُهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ (مَسْأَلَةُ: الَّذِي ايْتُمِنَ، وَالْهُدَى ايْتِنَا، وَفِرْعَوْنُ ايْتُونِي) فِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ فِيهِ بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَذُكِرَ فِيهِ وَجْهٌ ثَانٍ هُوَ التَّحْقِيقُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ سُفْيَانَ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي ذَلِكَ مُبْتَدَأَةٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ضَعْفَهُ، وَذُكِرَ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ زِيَادَةُ الْمَدِّ عَلَى حَرْفِ الْمَدِّ الْمُبْدَلِ، اسْتَنْبَطَهُ أَبُو شَامَةَ حَيْثُ قَالَ: فَإِذَا أُبْدِلَ هَذَا الْهَمْزُ حَرْفَ
(1/472)

مَدٍّ، وَكَانَ قَبْلَهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَانَ يُحْذَفُ لِأَجْلِ سُكُونِ الْهَمْزَةِ، فَلَمَّا أُبْدِلَتِ اتَّجَهَ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: عَوْدُ الْحَرْفِ الْمَحْذُوفِ لِزَوَالِ مَا اقْتَضَى حَذْفَهُ، وَهُوَ الْهَمْزَةُ السَّاكِنَةُ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ حَرْفَيْ مَدٍّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مُمْكِنٌ بِتَطْوِيلِ الْمَدِّ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَذْفُهُ لِوُجُودِ السَّاكِنِ. قَالَ: وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ هُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي قَوْلِ الشَّاطِبِيِّ:
وَيُبْدِلُهُ مَهْمَا تَطَرَّفَ مِثْلُهُ ... وَيَقْصِرُ أَوْيَمْضِي عَلَى الْمَدِّ أَطْوَلَا
قَالَ: وَيَنْبَنِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَوَازُ الْإِمَالَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلَى الْهُدَى ايْتِنَا) لِحَمْزَةَ وَلِوَرْشٍ أَيْضًا، فَإِنْ أَثْبَتْنَا الْأَلِفَ الْأَصْلِيَّةَ أَمَلْنَا، وَإِنْ حَذَفْنَا فَلَا. قَالَ: وَيَلْزَمُ مِنَ الْإِمَالَةِ إِمَالَةُ الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ، فَالِاخْتِيَارُ الْمَنْعُ.
(قُلْتُ) : وَفِيمَا قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ نَظَرٌ، وَإِذَا كَانَ الْوَجْهَانِ هُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي قَوْلِ الشَّاطِبِيِّ: وَيُبْدِلُهُ - الْبَيْتَ - فَيَلْزَمُ أَنْ يَجْرِيَ فِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَهِيَ الْمَدُّ وَالتَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ، كَمَا أَجْرَاهُمَا هُنَاكَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيزَ حَذْفَ الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ كَمَا أَجَازَهَا، ثُمَّ فَيَجِيءُ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ فِي (الَّذِي اوْتُمِنَ، وَلِقَانَا ايْتِ) ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي (الْهُدَى ايْتِنَا) سِتَّةُ أَوْجُهٍ مَعَ الْفَتْحِ وَثَلَاثَةٌ مَعَ الْإِمَالَةِ، وَيَكُونُ الْقَصْرُ مَعَ الْإِمَالَةِ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ، وَيَصِيرُ فِيهَا مَعَ التَّحْقِيقِ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ كُلِّهَا سِوَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْبَدَلُ مَعَ الْقَصْرِ وَالْفَتْحِ ; لِأَنَّ حَرْفَ الْمَدِّ أَوَّلًا حُذِفَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ قَبْلَ الْوَقْفِ بِالْبَدَلِ كَمَا حُذِفَ مِنْ (قَالُوا الْآنَ، وَفِي الْأَرْضِ، وَإِذَا الْأَرْضُ) لِلسَّاكِنَيْنِ قَبْلَ النَّقْلِ، فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ لِعُرُوضِ الْوَقْفِ بِالْبَدَلِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِعُرُوضِ النَّقْلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ هُمَا الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي قَوْلِ الشَّاطِبِيِّ: وَيُبْدِلُهُ مَهْمَا تَطَرَّفَ. . . إِلَى آخِرِهِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْبَيْتِ هُمَا الْمَدُّ وَالْقَصْرُ فِي نَحْوِ (يَشَاءُ، وَالسَّمَاءُ) حَالَةَ الْوَقْفِ بِالْبَدَلِ كَمَا ذُكِرَ فَهُمَا مِنْ بابِ: وَإِنْ حَرْفٌ مُدَّ قَبْلَ هَمْزٍ مُغَيَّرٍ، لَا مِنْ أَجْلِ أنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ مَحْذُوفًا فِي حَالَةٍ وَرُجِعَ فِي حَالَةٍ أُخْرَى، وَتَقْدِيرُ حَذْفِ إِحْدَى الْأَلِفَيْنِ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ هُوَ عَلَى الْأَصْلِ، فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا حُذِفَ مِنْ حَرْفِ الْمَدِّ لِلسَّاكِنَيْنِ
(1/473)

عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ اللَّفْظِ بِالْهَمْزِ مَعَ أَنَّ رَدَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَأَمَّا الْإِمَالَةُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ " كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْإِمَالَةِ، وَمِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الْمُتَحَرِّكُ فَمِنَ الْمُتَطَرِّفِ بَعْدَ الْأَلِفِ (مَسْأَلَةُ: أَضَاءَ، وَشَاءَ، وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وَتَرِثُوا النِّسَاءَ) وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا الْهَمْزُ فِيهِ مَفْتُوحٌ، فَفِيهِ الْبَدَلُ، وَيَجُوزُ مَعَهُ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ، وَقَدْ يَجُوزُ التَّوَسُّطُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَبَقِيَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَحَكَى فِيهِ أَيْضًا بَيْنَ بَيْنَ كَمَا ذَكَرْنَا، فَيَجِيءُ مَعَهُ الْمَدُّ وَالْقِصَرُ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَيَصِيرُ خَمْسَةً، وَتَجِيءُ هَذِهِ الْخَمْسَةُ بِلَا نَظَرٍ فِيمَا كَانَتِ الْهَمْزَةُ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ مَكْسُورَةً أَوْ مَضْمُومَةً مِمَّا لَمْ يُرْسَمْ لِلْهَمْزِ فِيهِ صُورَةٌ. فَإِنْ رُسِمَ لِلْهَمْزِ فِيهِ صُورَةٌ جَازَ فِي الْمَكْسُورِ مِنْهُ نَحْوُ (وَإِيتَايِ ذِي الْقُرْبَى، وَمِنْ آنَايِ اللَّيْلِ) إِذَا أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ يَاءً عَلَى وَجْهِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ. وَمَذْهَبُ غَيْرِ الْحِجَازِيِّينَ مَعَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أُخْرَى. وَهِيَ الْمَدُّ، وَالتَّوَسُّطُ، وَالْقَصْرُ مَعَ سُكُونِ الْيَاءِ، وَالْقَصْرُ مَعَ رَوْمِ حَرَكَتِهَا، فَتَصِيرُ تِسْعَةَ أَوْجُهٍ، وَلَكِنْ يَجِيءُ فِي (وَايتَايِ) ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَجْهًا بِاعْتِبَارِ تَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الْأَوْلَى الْمُتَوَسِّطَةِ بِزَائِدٍ وَتَحْقِيقِهَا، وَيَجِيءُ فِي (وَمِنْ آنَايِ) سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَجْهًا بِاعْتِبَارِ السَّكْتِ وَعَدَمِهِ وَالنَّقْلِ، وَجَازَ فِي الْمَضْمُومِ مِنْهُ نَحْوُ (أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَوُا، وَفِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَوُا) مَعَ تِلْكَ التِّسْعَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أُخْرَى وَهِيَ الْمَدُّ، وَالتَّوَسُّطُ، وَالْقَصْرُ، مَعَ إِشْمَامِ حَرَكَةِ الْوَاوِ، فَيَصِيرُ اثْنَا عَشَرَ وَجْهًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي (بُرَآءُ) مِنْ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ تَجْرِي فِيهَا هَذِهِ الْأَوْجُهُ الِاثْنَا عَشَرَ لِحَمْزَةَ وَلِهِشَامٍ فِي وَجْهِ تَخْفِيفِهِ الْمُتَطَرِّفِ، إِلَّا أَنَّ هِشَامًا يُحَقِّقُ الْأُولَى الْمَفْتُوحَةَ وَيُسَهِّلُهَا بَيْنَ بَيْنَ عَلَى أَصْلِهِ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ لَهُ حَذْفَهَا عَلَى وَجْهِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ، فَيَجِيءُ مَعَهُ أَوْجُهُ إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ وَاوًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّةِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ فَتَصِيرُ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ جِدًّا غَيْرُ مَرْضِيٍّ وَلَا مَأْخُوذٍ بِهِ؛ لِاخْتِلَالِ بِنْيَةِ الْكَلِمَةِ وَمَعْنَاهَا بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ صُورَةَ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةَ، إِنَّمَا حُذِفَتِ اخْتِصَارًا كَمَا حُذِفَتِ الْأَلِفُ بَعْدَهَا لَا عَلَى وَجْهِ أَنْ تَخَفَّفَ بِحَذْفِهَا، وَاخْتَارَ الْهُذَلِيُّ هَذَا الْوَجْهُ عَلَى قَلْبِ الْأُولَى أَلِفًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ
(1/474)

فَيَجْتَمِعُ أَلِفَانِ، فَتُحْذَفُ إِحْدَاهُمَا وَتُقْلَبُ الثَّانِيَةُ وَاوًا عَلَى مَذْهَبِ التَّمِيمِيِّينَ، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَأَجَازَ (بُرَوَا) بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الرَّاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ عَلَى حِكَايَةِ صُورَةِ الْخَطِّ، فَتَصِيرُ عِشْرِينَ وَجْهًا، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْوَجْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا، وَهُوَ أَشَدُّ شُذُوذًا مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِفَسَادِ الْمَعْنَى وَاخْتِلَالِ اللَّفْظِ، وَلِأَنَّ الْوَاوَ إِنَّمَا هِيَ صُورَةُ الْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ وَالْأَلِفُ بَعْدَهَا زَائِدَةٌ تَشْبِيهًا لَهَا بِوَاوِ الْجَمْعِ وَأَلِفِهِ، كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ وَأَشَدَّ مِنْهُ، وَأُنْكِرَ وَجْهٌ آخَرُ حَكَاهُ الْهُذَلِيُّ عَنِ الْأَنْطَاكِيِّ، وَهُوَ قَلْبُ الْهَمْزَتَيْنِ وَاوَيْنِ، فَيَقُولُ (بُرَوَاوُ) قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهَا سِتَّةً وَعِشْرِينَ وَجْهًا مُفَرَّعَةً عَنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: (الْأَوَّلُ) الْأَخْذُ بِالْقِيَاسِ فِي الْهَمْزَتَيْنِ، فَتُسَهَّلُ الْأُولَى وَتُبْدَلُ الثَّانِيَةُ مَعَ الثَّلَاثَةِ، أَوْ تُسَهَّلُهَا كَالْوَاوِ مَعَ الْوَجْهَيْنِ، فَهَذِهِ خَمْسَةٌ (الثَّانِي) الْأَخْذُ بِالرَّسْمِ فِيهِمَا فَتُحْذَفُ الْأَوْلَى وَتُبْدَلُ الثَّانِيَةِ وَاوًا بِالْإِسْكَانِ وَالْإِشْمَامِ مَعَ كُلٍّ مِنَ الْمَدِّ وَالتَّوَسُّطِ وَالْقَصْرِ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَوْجُهٍ (الثَّالِثُ) الْأَخْذُ بِالْقِيَاسِ فِي الْأُولَى وَبِالرَّسْمِ فِي الثَّانِيَةِ، فَتُسَهَّلُ الْأَوْلَى وَتُبْدَلُ الثَّانِيَةُ وَاوًا، وَفِيهَا الثَّمَانِيَةُ الْأَوْجُهِ (الرَّابِعُ) الْأَخْذُ بِالرَّسْمِ فِي الْأُولَى وَبِالْقِيَاسِ فِي الثَّانِيَةِ، فَتُحْذَفُ الْأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِبْدَالُ مَعَ الثَّلَاثَةِ وَالتَّسْهِيلُ مَعَ الْوَجْهَيْنِ، فَهَذِهِ خَمْسَةٌ تَتِمَّةُ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ وَجْهًا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ صُورَةَ الثَّانِيَةِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ وَجْهًا خَامِسًا عَلَى أَنَّ الْوَاوَ صُورَةُ الْأُولَى، وَالْأَلِفَ صُورَةُ الْمَضْمُومَةِ، فَأَجَازَ ثَلَاثَةً مَعَ إِبْدَالِهَا، وَوَجْهَيْنِ مَعَ تَسْهِيلِهَا، فَيَكُونُ خَمْسَةً تَتِمَّةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَجْهًا، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا سِوَى مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنَ الْمُتَطَرِّفِ بَعْدَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ السَّاكِنَتَيْنِ الزَّائِدَتَيْنِ (مَسْأَلَةُ: ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) فِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْإِدْغَامُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَجُوزُ فِيهِ أَيْضًا الْإِشَارَةُ بِالرَّوْمِ فَيَصِيرُ وَجْهَانِ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي (بَرِيءٌ، وَالنَّسِيءُ) إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِمَا وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ الْإِشْمَامُ، وَحُكِيَ فِي ذَلِكَ الْحَذْفُ عَلَى وَجْهِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ مَعَ إِجْرَاءِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَلَا يَصِحُّ، وَاتِّبَاعُ الرَّسْمِ مُتَّحِدٌ مَعَ الْإِدْغَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1/475)

وَمِنْهُ بَعْدَ السَّاكِنِ الصَّحِيحِ (مَسْأَلَةُ: يُخْرِجُ الْخَبْءَ) فِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ النَّقْلُ مَعَ إِسْكَانِ الْبَاءِ لِلْوَقْفِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُطَّرِدُ، وَجَاءَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ (الْخَبَا) بِالْأَلِفِ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَلَهُ وَجْهٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ الْإِتْبَاعُ، حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَجْرِي الْوَجْهُ (الْأَوَّلُ) وَهُوَ النَّقْلُ مَعَ الْإِسْكَانِ فِيمَا هَمْزَتُهُ مَكْسُورَةٌ وَهُوَ (بَيْنَ الْمَرْءِ) وَيَجُوزُ فِيهِ وَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ الْإِشَارَةُ بِالرَّوْمِ إِلَى كَسْرَةِ الرَّاءِ، وَتَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي (مِلْءُ، وَدِفْءٌ، وَيَنْظُرُ الْمَرْءُ) وَيَجُوزُ فِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ الْإِشْمَامُ، وَتُجْرَى الثَّلَاثَةُ فِي (جُزْءٌ) وَذُكِرَ فِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ، وَهُوَ الْإِدْغَامُ. حَكَاهُ الْهُذَلِيُّ وَلَا يَصِحُّ عَنْ حَمْزَةَ، وَلَوْ صَحَّ لَجَازَ مَعَهُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي مَعَ النَّقْلِ فَتَصِيرُ سِتَّةً.
وَمِنْ ذَلِكَ بَعْدَ السَّاكِنِ الْمُعْتَلِّ الْأَصْلِيِّ (مَسْأَلَةُ: جِيءَ وَسِيئَ، وَأَنْ تَبُوءَا) مِمَّا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَفْتُوحَةً، وَكَذَلِكَ (لِيَسُوءَ) فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَهِشَامٍ، فِيهِ وَجْهَانِ (الْأَوَّلُ) النَّقْلُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُطَّرِدُ (وَالثَّانِي) الْإِدْغَامُ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَيَجْرِي هَذَانَ الْوَجْهَانِ فِيمَا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَكْسُورَةً نَحْوُ (مِنْ سُوءٍ، وَقَوْمَ سَوْءٍ، وَمِنْ شَيْءٍ) إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ كُلِّ الْأَوْجُهِ مِنْهُمَا الْإِشَارَةُ بِالرَّوْمِ، فَيَصِيرُ فِيهَا الْأَرْبَعَةُ فِيمَا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مَضْمُومَةً نَحْوُ (يُضِيءُ وَالْمُسِيءُ وَلَتَنُوءُ وَلَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَمِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) وَيَجُوزُ وَجْهَانِ آخَرَانِ، وَهُمَا الْإِشْمَامُ مَعَ كُلٍّ مِنَ النَّقْلِ وَالْإِدْغَامِ، فَيَصِيرُ فِيهَا سِتَّةُ أَوْجُهٍ وَلَا يَصِحُّ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اتِّبَاعَ الرَّسْمِ فِي ذَلِكَ مُتَّحِدٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا أَيْضًا حَذْفُ الْهَمْزِ اعْتِبَاطًا، فَيُمَدُّ حَرْفُ الْمَدِّ وَيُقْصَرُ عَلَى وَجْهِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَرَجَحَ الْمَدُّ فِي ذَلِكَ، وَحَكَى الْهُذَلِيُّ فِيهِ عَنِ ابْنِ غَلْبُونَ بَيْنَ بَيْنَ، وَكُلُّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ بَعْدَ السَّاكِنِ إِنْ كَانَ أَلِفًا (مَسْأَلَةُ: شُرَكَاوُنَا وَجَاوُا وَأَوْلِيَاؤُهُ وَأَحِبَّاوُهُ، وَأُولَيِكَ وَإِسْرَايِلَ، وَخَايِفِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ، وَجَانَا، وَشُرَكَاوُكُمْ، وَأَوْلِيَاءَهُ،
(1/476)

وَبُرَآءُ، وَدُعَاءُ، وَنِدَاءً) وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَعُ الْهَمْزَةُ مُتَوَسِّطَةً مُتَحَرِّكَةً بَعْدَ أَلِفٍ، فَإِنَّ فِيهِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ التَّسْهِيلُ بَيْنَ بَيْنَ بِأَيِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكَتِ الْهَمْزَةُ، وَيَجُوزُ فِي الْأَلِفِ قَبْلَهَا الْمَدُّ وَالْقَصْرُ إِلْغَاءً لِلْعَارِضِ، وَاعْتِدَادًا بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ، وَذُكِرَ فِي الْمَضْمُومِ مِنْهُ وَالْمَكْسُورِ الْمَرْسُومِ فِيهِ صُورَةُ الْهَمْزَةِ وَاوًا وَيَاءً وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ إِبْدَالُهُ وَاوًا مَحْضَةً وَيَاءً مَحْضَةً عَلَى صُورَةِ الرَّسْمِ مَعَ إِجْرَاءِ وَجْهَيِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ أَيْضًا، وَهُوَ وَجْهٌ شَاذٌّ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَلَا فِي الرِّوَايَةِ وَاتِّبَاعِ الرَّسْمِ فِي ذَلِكَ، وَنَحْوِهِ بَيْنَ بَيْنَ، وَذُكِرَ أَيْضًا فِيمَا حُذِفَتْ فِيهِ صُورَةُ الْهَمْزَةِ رَسْمًا إِسْقَاطُهُ لَفْظًا، فَقِيلَ فِي نَحْوِ (أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ، وَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ: أَوْلِيَاهُمْ، وَنِسَانَا) هَكَذَا بِالْحَذْفِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ اسْمٌ مَقْصُورٌ عَلَى صُورَةِ رَسْمِهِ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ مِنَ الْمَضْمُومِ وَالْمَكْسُورِ وَفِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ مِنَ الْمَفْتُوحِ مَعَ إِجْرَاءِ وَجْهَيِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ إِلْغَاءً وَاعْتِدَادًا بِالْعَارِضِ، وَقِيلَ: فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ سِتَّةُ أَوْجُهٍ بَيْنَ بَيْنَ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَاتِّبَاعِ الرَّسْمِ عَلَى رَأْيِهِمْ بِمَحْضِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ أَيْضًا وَالْحَذْفِ مَعَهُمَا أَيْضًا، وَقِيلَ: ذَلِكَ فِي (جَزَاهُ وَأَوْلِيَاهُ) مَعَ زِيَادَةِ التَّوَسُّطِ، وَرُبَّمَا قِيلَ مَعَ ذَلِكَ بِالرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ فِي الْهَاءِ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ سِوَى وَجْهٍ بَيْنَ بَيْنَ لَا غَيْرَ كَمَا قَدَّمْنَا. وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْحَذْفُ الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ نَحْوُ (إِسْرَايِلَ، وَيُرَاوُنَ، وَجَاوُكُمْ) فَإِنَّ حَقِيقَةَ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ فِي ذَلِكَ تَمْتَنِعُ وَلَا تُمْكِنُ، فَإِنَّ الْهَمْزَةَ إِذَا حُذِفَتْ بَقِيَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ سَاكِنَتَيْنِ، وَالنُّطْقُ بِذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْجَمْعُ بَيْنَ يَاءَيْنِ وَوَاوَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ وَاوُ الْبِنْيَةِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ رِوَايَةً وَلَا يُوَافِقُ حَقِيقَةَ الرَّسْمِ عَلَى رَأْيِهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى التَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي (دُعَاءً، وَنِدَاءً، وَمَاءً، وَلَيْسُوا سَوَاءً) وَنَحْوِهِ مِمَّا وَقَعَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ مُتَوَسِّطَةً بِالتَّنْوِينِ، فَالْجُمْهُورُ فِيهِ عَلَى تَسْهِيلٍ بَيْنَ بَيْنَ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَإِجْرَاءِ وَجْهَيِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ لِتَغَيُّرِ الْهَمْزِ. وَانْفَرَدَ صَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " بِوَجْهٍ آخَرَ فِيهِ، وَهُوَ الْحَذْفُ وَأَطْلَقَهُ عَلَى حَمْزَةَ بِكَمَالِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ صَحِيحٌ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، عَنْ حَمْزَةَ فِي رِوَايَةِ الضَّبِّيِّ.
(1/477)

وَلَهُ وَجْهٌ، وَهُوَ إِجْرَاءُ الْمَنْصُوبِ مَجْرَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَجْرُورِ، وَهُوَ لُغَةٌ لِلْعَرَبِ مَعْرُوفَةٌ، فَتُبْدَلُ الْهَمْزَةُ فِيهِ أَلِفًا، ثُمَّ تُحْذَفُ لِلسَّاكِنَيْنِ، وَيَجُوزُ مَعَهُ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ، وَكَذَا التَّوَسُّطُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ هُنَا أَوْلَى مِنْهُ فِي الْمُتَطَرِّفِ ; لِأَنَّ الْأَلِفَ الْمَرْسُومَةَ هُنَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَلِفَ الْبِنْيَةِ، وَتَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ صُورَةَ الْهَمْزَةِ، وَتَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَلِفَ التَّنْوِينِ، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ أَلِفَ الْبِنْيَةِ لَا بُدَّ مِنْ أَلِفِ التَّنْوِينِ، فَيَأْتِي بِقَدْرِ أَلِفَيْنِ وَهُوَ التَّوَسُّطُ، وَعَلَى أَنْ تَكُونَ صُورَةَ الْهَمْزَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَلِفِ الْبِنْيَةِ وَأَلِفِ التَّنْوِينِ، فَيَأْتِي بِقَدْرِ ثَلَاثِ أَلِفَاتٍ، وَهُوَ الْمَدُّ الطَّوِيلُ، وَعَلَى أَنْ تَكُونَ أَلِفَ التَّنْوِينِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَلِفِ الْبِنْيَةِ، فَتَأْتِي بِقَدْرِ أَلِفَيْنِ أَيْضًا، فَلَا وَجْهَ لِلْقَصْرِ، إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ الْحَذْفُ اعْتِبَاطًا، أَوْ يُرَادَ حِكَايَةُ الصُّورَةِ، أَوْ يَجْرِي الْمَنْصُوبُ مَجْرَى غَيْرِهِ لَفْظًا، وَلَوْلَا صِحَّتُهُ رِوَايَةً لَكَانَ ضَعِيفًا، وَأَمَّا (وَأَحِبَّاوُهُ) فَفِي هَمْزَتِهِ الْأُولَى التَّحْقِيقُ وَالتَّسْهِيلُ؛ لِكَوْنِهَا مُتَوَسِّطَةً بِزَائِدٍ، وَمَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا تَسْهِيلُ الثَّانِيَةِ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ، فَتَصِيرُ أَرْبَعَةً مَعَ إِسْكَانِ الْهَاءِ، وَإِنْ أُخِذَ بِالرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ فِي الْهَاءِ عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجِيزُهُ، تَصِيرُ اثْنَا عَشَرَ، وَحُكِيَ فِيهَا إِبْدَالُ الْوَاوِ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى اتِّبَاعِ الرَّسْمِ عِنْدَهُمْ، وَذُكِرَ فِيهَا إِبْدَالُ الْأُولَى أَلِفًا عَلَى اتِّبَاعِ الرَّسْمِ أَيْضًا عَلَى رَأْيِهِمْ، فَيَصِيرُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا يَجُوزُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا تَرَاءَ مِنْ (الْتَقَى الْجَمْعَانِ) فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ، فَإِنَّ أَلِفَهَا الَّتِي بَعْدَ الْهَمْزِ تُحْذَفُ وَصْلًا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ إِجْمَاعًا، فَإِذَا وُقِفَ عَلَيْهَا ثَبَتَتْ إِجْمَاعًا، وَلَهَا حُكْمٌ فِي الْإِمَالَةِ يَأْتِي، وَاخْتَصَّ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ بِإِمَالَةِ الرَّاءِ وَصْلًا، فَإِذَا وَقَفَ حَمْزَةُ سَهَّلَ الْهَمْزَةَ بَيْنَ بَيْنَ وَأَمَالَهَا مِنْ أَجْلِ إِمَالَةِ الْأَلِفِ بَعْدَهَا وَهِيَ الْمُنْقَلِبَةُ عَنِ الْيَاءِ الَّتِي حُذِفَتْ وَصْلًا لِلسَّاكِنَيْنِ، وَهِيَ لَامُ " تَفَاعَلَ "، وَيَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ لِتَغَيُّرِ الْهَمْزِ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ وَلَا يُؤْخَذُ بِخِلَافِهِ. وَذُكِرَ فِيهَا وَجْهَانِ آخَرَانِ، أَحَدُهُمَا: حَذْفُ الْأَلِفِ الَّتِي بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَهِيَ اللَّامُ، مِنْ أَجْلِ حَذْفِهَا رَسْمًا عَلَى رَأْيِ بَعْضِهِمْ فِي اتِّبَاعِ الرَّسْمِ، فَتَصِيرُ عَلَى هَذَا مُتَطَرِّفَةً، فَتُبْدَلُ أَلِفًا لِوُقُوعِهَا بَعْدَ
(1/478)

أَلِفٍ، وَيُفْعَلُ فِيهَا مَا يُفْعَلُ فِي (جَاءَ، وَشَاءَ) فَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِمْ: ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ هِيَ الْمَدُّ وَالتَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ، وَأَجْرَوْا هِشَامًا مَجْرَاهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ إِذَا خَفَّفَ الْمُتَطَرِّفَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَهَذَا وَجْهٌ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجُوزُ لِاخْتِلَافِ لَفْظِهِ وَفَسَادِ الْمَعْنَى بِهِ، وَقَدْ تَعَلَّقَ مُجِيزُ هَذَا الْوَجْهِ بِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ مُجَاهِدٍ: كَانَ حَمْزَةُ يَقِفُ عَلَى (تَرَاءَ) يَمُدُّ مَدَّةً بَعْدَ الرَّاءِ وَيَكْسِرُ الرَّاءَ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ. انْتَهَى. وَلَمْ يَكُنْ أَرَادَ مَا قَالُوهُ وَلَا جَنَحَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْوَجْهَ الصَّحِيحَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَعَبَّرَ بِالْمَدَّةِ عَنِ التَّسْهِيلِ كَمَا هِيَ عَادَةُ الْقُرَّاءِ فِي إِطْلَاقِ عِبَارَاتِهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ حُذَّاقَ أَصْحَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ مِثْلَ الْأُسْتَاذِ الْكَبِيرِ أَبِي طَاهِرِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ وَغَيْرِهِ أَخْبَرَ بِمُرَادِهِ دُونَ مَنْ لَمْ يَرَهُ وَلَا أَخْذَ عَنْهُ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الدَّانِيُّ فِي " جَامِعِ الْبَيَانِ ": فَوَقَفَ حَمْزَةُ (تَرَاءَ) بِإِمَالَةِ فَتْحَةِ الرَّاءِ وَيَمُدُّ بَعْدَهَا مَدَّةً مُطَوَّلَةً فِي تَقْدِيرِ أَلِفَيْنِ مُمَالَتَيْنِ. الْأُولَى أُمِيلَتْ لِإِمَالَةِ فَتْحَةِ الرَّاءِ، وَالثَّانِيَةُ أُمِيلَتْ لِإِمَالَةِ فَتْحَةِ الْهَمْزَةِ الْمُسَهَّلَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِالصَّدْرِ؛ لِأَنَّهَا فِي زِنَةِ الْمُتَحَرِّكِ، وَإِنْ أُضْعِفَ الصَّوْتُ بِهَا وَلَمْ يَتِمَّ فَيَتَوَالَى فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ عَلَى مَذْهَبِهِ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ مُمَالَةٍ: الرَّاءُ الَّتِي هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ، وَالْأَلِفُ الَّتِي بَعْدَهَا الدَّاخِلَةُ لِبِنَاءِ " تَفَاعَلَ "، وَالْهَمْزَةُ الْمَجْعُولَةُ عَلَى مَذْهَبِهِ الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْفِعْلِ، وَالْأَلِفُ الَّتِي بَعْدَهَا الْمُنْقَلِبَةُ عَنِ الْيَاءِ الَّتِي هِيَ لَامُ الْفِعْلِ لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ حَكَى قَوْلَ ابْنِ مُجَاهِدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بِلَفْظَهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مَجَازٌ، وَمَا قُلْنَاهُ حَقِيقَةٌ، وَيَحْكُمُ ذَلِكَ الْمُشَافَهَةُ. انْتَهَى. وَهُوَ صَرِيحٌ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ لَمْ يُرِدْ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَأَشَارَ الدَّانِيُّ بِقَوْلِهِ: تَحْكُمُهُ الْمُشَافَهَةُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُشَكِّلُ ظَاهِرَةً، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ مُشَافَهَةِ الشُّيُوخِ وَأَلْفَاظِهِمْ لَا مِنَ الْكُتُبِ وَعِبَارَاتِهَا. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ فِي قَوْلِ ابْنِ مُجَاهِدٍ: هَذَا إِنْ كَانَ يُرِيدُ بِالْمَدِّ أَلِفَ " تَفَاعَلَ " وَإِسْقَاطَ الْعَيْنِ وَاللَّامِ، فَهَذَا الْحَذْفُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي قَلْبُ الْهَمْزَةِ يَاءً، فَتَقُولُ: (تَرَايَا) حَكَاهُ الْهُذَلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. وَقَدْ قِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ: إِنَّهُ لَمَّا قَرَّبَ فَتْحَةَ الرَّاءِ مِنَ الْكَسْرَةِ بِالْإِمَالَةِ أَعْطَاهَا حُكْمَ الْمَكْسُورِ،
(1/479)

فَأَبْدَلَ الْهَمْزَةَ الْمَفَتْوحَةَ بَعْدَهَا يَاءً، وَلَمْ يَعْتَدَّ بِالْأَلِفِ حَاجِزَةً.
(قُلْتُ) : وَلَهُ وَجْهٌ عِنْدِي هُوَ أَمْثَلُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي مِثْلِ هَذَا تُبْدَلُ يَاءً عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، وَأَنْشَدُوا عَلَيْهِ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
غَدَاتَ تَسَايَلَتْ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ ... كِنَانَةُ حَامِلِينَ لَهُمْ لِوَايَا
أَرَادَ (لِوَاءً) فَأَبْدَلَ مِنَ الْهَمْزَةِ يَاءً، وَهُوَ وَجْهٌ لَوْ صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ لَكَانَ أَوْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى (تَبَوَّا لِقَوْمِكُمَا) كَذَلِكَ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ حَفْصٍ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ عَنْ حَمْزَةَ أَيْضًا بَيْنَ بَيْنَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمِنْهُ بَعْدَ يَاءٍ زَائِدَةٍ (مَسْأَلَةُ: خَطِيَّةً، وَخَطِيَّاتِ، وَبَرِيُّونَ) فِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْإِدْغَامُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ بَيْنَ بَيْنَ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ، وَأَبُو الْعَلَاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي (هَنِيئًا مَرِيئًا) وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ الْإِدْغَامُ فِيهِمَا، كَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْإِتْبَاعُ. ذَكَرَهُ الْهُذَلِيُّ، وَحُكِيَ أَيْضًا وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ التَّخْفِيفُ كَالنَّقْلِ، كَأَنَّهُ عَلَى قَصْدِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا سِوَى الْأَوَّلِ.
وَمِنْهُ بَعْدَ يَاءٍ وَوَاوٍ أَصْلِيَّتَيْنِ (مَسْأَلَةُ: سِيئَتْ، وَالسُّوأَى) فِيهِمَا وَجْهَانِ النَّقْلُ وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُطَّرِدُ وَالْإِدْغَامُ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ إِلْحَاقًا بِالزَّائِدِ، وَحُكِيَ فِيهِمَا وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ بَيْنَ بَيْنَ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، إِلَّا أَنَّهُ فِي (السُّوأَى) أَقْرَبُ عِنْدَ مَنِ الْتَزَمَ اتِّبَاعَ الرَّسْمِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي (سَوْءَةٍ، وَسَوْآتِكُمْ، وَسَوْآتِهِمَا، وَشَيًّا) وَ (كَهَيْئَةِ، وَاسْتَايَسَ، وَيَايَسُ) وَبَابِهِ إِلَّا أَنَّهُ حُكِيَ فِي (اسْتَايَسَ) وَبَابِهِ وَجْهٌ رَابِعٌ، وَهُوَ الْأَلِفُ عَلَى الْقَلْبِ كَالْبَزِّيِّ وَمَنْ مَعَهُ، ذَكَرَهُ الْهُذَلِيُّ وَأَمَّا (مَوْئِلًا) فَفِيهِ وَجْهَانِ النَّقْلُ وَالْإِدْغَامُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَيُحْكَى فِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً مَكْسُورَةً عَلَى وَجْهِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ وَضَعْفِهِ فِي الرِّوَايَةِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى (هُزُوًا) لَا يَصِحُّ؛ لِمَا نَذْكُرُهُ. وَقَدْ عَدَّهُ الدَّانِيُّ مِنَ النَّادِرِ وَالشَّاذِّ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ، وَهُوَ بَيْنَ بَيْنَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو طَاهِرِ
(1/480)

بْنُ أَبِي هِشَامٍ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَاعِدَةِ تَسْهِيلِ هَذَا الْبَابِ عِنْدَ مَنْ رَوَاهُ، وَهُوَ أَيْضًا أَقْرَبُ إِلَى اتِّبَاعِ الرَّسْمِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَرَدَّهُ الدَّانِيُّ. وَذُكِرَ فِيهِ وَجْهٌ خَامِسٌ، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً سَاكِنَةً وَكَسْرُ الْوَاوِ قَبْلَهَا عَلَى نَقْلِ الْحَرَكَةِ وَإِبْقَاءِ الْأَثَرِ، حَكَاهُ ابْنُ الْبَاذِشِ، وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ قِيَاسًا، وَلَا يَصِحُّ رِوَايَةً، وَذُكِرَ وَجْهٌ سَادِسٌ، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ وَاوًا مِنْ غَيْرِ إِدْغَامٍ، حَكَاهُ الْهُذَلِيُّ، وَهُوَ أَضْعَفُ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَأَرْدَؤُهَا، وَأَمَّا (الْمَوْءُودَةُ) فَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ: النَّقْلُ وَالْإِدْغَامُ، إِلَّا أَنَّ الْإِدْغَامَ يَضْعُفُ هُنَا لِلثِّقَلِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ بَيْنَ بَيْنَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ وَغَيْرُهُ، وَذُكِرَ وَجْهٌ رَابِعٌ وَهُوَ الْحَذْفُ، وَاللَّفْظُ بِهَا عَلَى وَزْنِ الْمَوْزَةِ وَالْجَوْزَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِخْلَالِ بِحَذْفِ حَرْفَيْنِ، وَلَكِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلرَّسْمِ، وَرَوَاهُ مَنْصُوصًا عَنْ حَمْزَةَ أَبُو أَيُّوبَ الضَّبِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ، وَذَكَرَهُ الدَّانِيُّ، وَقَالَ: هُوَ مِنَ التَّخْفِيفِ الشَّاذِّ الَّذِي لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالسَّمَاعِ إِذَا كَانَ الْقِيَاسُ يَنْفِيهِ وَلَا يُجِيزُهُ، وَكَانَ مَنْ رَوَاهُ مِنَ الْقُرَّاءِ وَاسْتَعْمَلَهُ مِنَ الْعَرَبِ كَرِهَ النَّقْلَ وَالْبَدَلَ. أَمَّا النَّقْلُ فَلِتَحَرُّكِ الْوَاوُ فِيهِ بِالْحَرَكَةِ الَّتِي تُسْتَثْقَلُ وَهِيَ الضَّمَّةُ، وَأَمَّا الْبَدَلُ فَلِأَجْلِ التَّشْدِيدِ وَالْإِدْغَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ إِذَا خَفَّفَ هَمْزَةَ (يَسُؤكَ) قَالَ: (يَسُؤْكَ) اسْتَثْقَلَ الضَّمَّةَ عَلَى الْوَاوِ، فَحَذَفَ الْهَمْزَةَ، قَالَ: وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ يَعْنِي مِنَ الْحَذْفِ.
(قُلْتُ) : حَذْفُ الْهَمْزِ لَا كَلَامَ فِيهِ، وَالْكَلَامُ فِي حَذْفِ الْوَاوِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ الَّتِي تُجْحِفُ بِالْكَلِمَةِ وَتُغَيِّرُ الصِّيغَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُ بَعْدَ الصَّحِيحِ السَّاكِنِ
(مَسْأَلَةُ) (مَسُولًا، وَمَذُومًا، وَأَفْيِدَةً، وَالظَّمَانُ، وَالْقُرَانُ) وَنَحْوُهُ فِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ النَّقْلُ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي (شَطَاهُ، وَيَسْئَمُونَ، وَيَسْئَلُونَ، وَالنَّشْاةُ) وَحُكِيَ فِيهَا وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ أَلِفًا عَلَى تَقْدِيرِ نَقْلِ حَرَكَتِهَا فَقَطْ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهُوَ وَجْهٌ مَسْمُوعٌ، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَلَكِنَّهُ قَوِيٌّ فِي (النَّشْاةُ، وَيَسْأَلُونَ) مِنْ أَجْلِ رَسْمِهَا بِأَلِفٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَضَعِيفٌ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ أَجْلِ مُخَالَفَةِ
(1/481)

الرَّسْمِ، وَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَدَاءِ، وَأَمَّا (جُزْءًا) فَفِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ النَّقْلُ، وَحُكِيَ فِيهِ بَيْنَ بَيْنَ عَلَى ضَعْفِهِ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ هُوَ الْإِدْغَامُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي (جُزْءٌ) وَلَا يَصِحُّ، وَشَذَّ الْهُذَلِيُّ فَذَكَرَ وَجْهًا رَابِعًا، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ وَاوًا قِيَاسًا عَلَى (هُزُوًا) وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَأَمَّا (هُزُؤًا، وَكُفُؤًا) فَفِيهِمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا النَّقْلُ عَلَى الْقِيَاسِ الْمُطَّرِدِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِي الْعُنْوَانِ غَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ الْمَهْدَوِيُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَالثَّانِي إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ وَاوًا مَعَ إِسْكَانِ الزَّايِ عَلَى اتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَقَدْ رَجَّحَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ " التَّيْسِيرِ " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَطَرِيقُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَهَذَا مَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ أَصْحَابِ حَمْزَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ شَيْخِنَا أَبِي الْفَتْحِ، وَكَذَا رَوَاهُ مَنْصُوصًا خَلَفٌ، وَأَبُو هِشَامٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْهُ. انْتَهَى. وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ فَقَالَ: وَأَمَّا (هُزُوًا، وَكُفُوًا) فَالْأَحْسَنُ فِيهِمَا النَّقْلُ كَمَا نُقِلَ فِي (جُزْءًا) عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَصْلِ الْهَمْزَةِ الْمُتَحَرِّكَةِ بَعْدَ السَّاكِنِ السَّالِمِ فَيَقُولُ: (هُزًّا، وَكُفًّا) قَالَ: وَقَدْ أَخَذَ لَهُ قَوْمٌ بِالْإِبْدَالِ فِي (هُزُوًا، وَكُفُوًا) وَبِالنَّقْلِ فِي (جُزًّا) وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ (هُزُوًا، كُفُوًا) كُتِبَا بِالْوَاوِ، وَأَنَّ (جُزًّا) كُتِبَتْ بِغَيْرِ وَاوٍ فَأَرَادَ اتِّبَاعَ الْخَطِّ، قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّا لَوِ اتَّبَعْنَا الْخَطَّ فِي الْوَقْفِ لَوَقَفْنَا عَلَى (الْمَلَأِ) فِي مَوَاضِعَ بِالْوَاوِ؛ فَقُلْنَا (الْمَلَوُ) وَفِي مَوَاضِعَ بِالْأَلِفِ، فَقُلْنَا (الْمَلَا) قَالَ: وَهَذَا لَا يُرَاعَى، قَالَ: وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ (هُزُوًا، كُفُوًا) لَمْ يُكْتَبَا فِي الْمَصَاحِفِ عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، وَإِنَّمَا كُتِبَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ يَضُمُّ الزَّايَ وَالْفَاءَ ; لِأَنَّ الْهَمْزَةَ إِنَّمَا تُصَوَّرُ عَلَى مَا يَئُولُ إِلَيْهِ حُكْمُهَا فِي التَّخْفِيفِ، وَلَوْ كُتِبَا عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ لَكُتِبَا بِغَيْرِ وَاوٍ كَـ (جُزْءًا) فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ خَطِّ الْمُصْحَفِ، غَيْرَ أَنَّ الْوَقْفَ بِالْوَاوِ فِيهِمَا جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ وُرُودِ الرِّوَايَةِ بِهِ، لَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ. انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِبْدَالَ فِيهِمَا وَارِدٌ عَلَى الْقِيَاسِ، وَهُوَ تَقْدِيرُ الْإِبْدَالِ قَبْلَ الْإِسْكَانِ، ثُمَّ أُسْكِنَ لِلتَّخْفِيفِ، وَقِيلَ: عَلَى تَوَهُّمِ الضَّمِّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِيهِمَا، وَذَلِكَ أَوْضَحُ، وَأَمَّا إِلْزَامُهُ بِالْوَقْفِ عَلَى مَا كُتِبَ
(1/482)

بِالْوَاوِ مِنْ (الْمَلَوُا) وَمَا كُتِبَ بِأَلِفٍ بِحَسَبِ مَا كُتِبَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْإِلْزَامِ بِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَذْهَبِهِ لَمْ يَلْزَمْ ; لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُمَا رُسِمَا عَلَى قِرَاءَةِ الضَّمِّ فَصَحِيحٌ لَوْ تَعَذَّرَ حَمْلُ الْمَرْسُومِ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ، أَمَّا إِذَا أَمْكَنَ فَهُوَ الْمُتَعَيَّنُ. وَقَدْ أَمْكَنَ بِمَا قُلْنَا مِنْ تَقْدِيرِ الْإِبْدَالِ قَبْلَ الْإِسْكَانِ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ أَخَذَ بِهِمَا جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ، وَالْأَشْهَرُ عِنْدَ جُمْهُورِهِمُ الْإِبْدَالُ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ بَيْنَ بَيْنَ كَمَا قَدَّمْنَا وَوَجْهٌ رَابِعٌ وَهُوَ تَشْدِيدُ الزَّايِ عَلَى الْإِدْغَامِ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ، وَوَجْهٌ خَامِسٌ وَهُوَ ضَمُّ الزَّايِ وَالْفَاءِ مَعَ إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ وَاوًا اتِّبَاعًا لِلرَّسْمِ وَلُزُومًا لِلْقِيَاسِ، وَهُوَ يُقَوِّي مَا قُلْنَاهُ مِنْ وَجْهِ الْإِبْدَالِ مَعَ الْإِسْكَانِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي جَامِعِهِ، وَقَالَ: رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْآدَمِيُّ الْحَمْزِيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الضَّبِّيِّ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِذَلِكَ، قَالَ: وَالْعَمَلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. انْتَهَى.
مِنَ الْمُتَوَسِّطِ الْمُتَحَرِّكِ بَعْدَ الْمُتَحَرِّكِ الْمَفْتُوحِ بَعْدَ الْفَتْحِ مَسْأَلَةُ (سَأَلَ، وَسَأَلَهُمْ، وَمَلْجَأً، وَسَأَلْتُ، وَرَأَيْتُ، وَشَنَآنُ، وَالْمَآرِبُ) وَنَحْوُهُ، فَفِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ بَيْنَ بَيْنَ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ أَلِفًا، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي "، وَ " التَّبْصِرَةِ "، وَقَالَ: وَلَيْسَ بِالْمُطَّرِدِ، وَحَكَى ذَلِكَ أَبُو الْعِزِّ الْمَالِكِيُّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَنْ يُخَفِّفُ بِاتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْقِيَاسِ وَضَعْفِهِ رِوَايَةً، وَلَا يَصِحُّ فِي مَوَاضِعَ نَحْوُ (سَالْتُ) لِاجْتِمَاعِ ثَلَاثَةِ سَوَاكِنَ فِيهِ، وَلَمْ يَرِدْ سُكُونُ ذَلِكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ يَقْوَى فِي نَحْوِ (مَلْجَا، وَمُتَّكَا) عَلَى لُغَةِ مَنْ حَمَلَ عَلَى فِعْلِهِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى الْبَدَلِ فِيهِ الْهُذَلِيُّ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى لُغَةِ مَنْ أَجْرَى الْمَنْصُوبَ مَجْرَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَخْفُوضِ، لَكِنَّهُ لَمْ تَرِدْ بِهِ الْقِرَاءَةُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهَمْزَةِ فِيهِ أَلِفٌ نَحْوُ (الْمَآبُ، وَشَنَآنُ) وَلَكِنْ تُحْذَفُ الْأَلِفُ مِنْ أَجْلِ اجْتِمَاعِهِمَا، فَيَزْدَادُ ضَعْفًا، وَكَذَلِكَ حُكْمُ (آنَاءَ، وَرَأَى) لَا يَصِحُّ فِيهِ سِوَى بَيْنَ بَيْنَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَعَلَى الْإِبْدَالِ مَعَ ضَعْفِهِ بِقَدْرِ الْحَذْفِ، أَوِ الْإِثْبَاتِ فَيَجْتَمِعُ سَاكِنَانِ فَيَمُدُّ وَيَتَوَسَّطُ وَكُلُّهُ لَا يَصِحُّ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا فَرْقَ
(1/483)

بَيْنَ مَا كَانَ بَعْدَهُ سَاكِنٌ نَحْوُ (رَأَى الْقَمَرَ) وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْأَلِفَ فِيهِ هِيَ صُورَةُ الْهَمْزَةِ، وَالْأَلِفُ بَعْدَهَا حُذِفَتِ اخْتِصَارًا لِاجْتِمَاعِ الْمِثْلَيْنِ لَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حَذْفِهَا اخْتِصَارًا لِلتَّمَاثُلِ إِثْبَاتُهَا يَاءً فِي حَرْفِ النَّجْمِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَعَلَى أَنَّ حَذْفَهَا لَيْسَ لِلسَّاكِنَيْنِ حَذْفُهَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ سَاكِنٍ، وَتَكَلَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ مَا لَا يَصِحُّ، وَحَمَّلَ هِشَامًا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَحْمِلُ كَمَا زَعَمَ فِي (تَرَايَ) وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يَصِحُّ: (وَأَمَّا اشْمَازَّتْ، وَاطْمَانُّوا، وَأَمْلَانَّ، وَأَرَايْتَ) وَبَابُهُ فَقَدْ حُكِيَ فِيهَا وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ الْحَذْفُ عَلَى رَسْمِ بَعْضِ الْمَصَاحِفِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَحَّ فِي (أَرَايْتَ) وَبَابِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْكِسَائِيِّ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ مَا صَحَّ عَنْ قَارِئٍ يَصِحُّ عَنْ قَارِئٍ آخَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمَفْتُوحُ بَعْدَ كَسْرٍ وَبَعْدَ ضَمٍّ فَلَا إِشْكَالَ فِي إِبْدَالِ هَمْزَتِهِ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا وَجْهًا وَاحِدًا، وَمَا حُكِيَ فِيهِ مِنْ تَسْهِيلٍ بَيْنَ بَيْنَ فَلَا يَصِحُّ.
وَمِنَ الْمَضْمُومِ بَعْدَ الْفَتْحِ مَسْأَلَةُ (رَؤُفٌ، وَتَؤُزُّهُمْ) وَنَحْوُهُ فِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ بَيْنَ بَيْنَ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ وَاوٌ مَضْمُومَةٌ لِلرَّسْمِ وَلَا يَصِحُّ، وَأَمَّا نَحْوُ (يَطَؤُنَ، وَيَطَؤُهُمْ، وَيَطَؤُكُمْ) فَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ الْحَذْفُ كَقِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الْهُذَلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَنَصَّ صَاحِبُ " التَّجْرِيدِ " عَلَى الْحَذْفِ فِي (يُؤَدِّهِ) ، وَقِيَاسُهُ (يَؤُسًا) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلرَّسْمِ فَهُوَ أَرْجَحُ عِنْدَ مَنْ يَأْخُذُ بِهِ، وَقَالَ الْهُذَلِيُّ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ، وَحُكِيَ وَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ إِبْدَالُهَا وَاوًا، ذَكَرَهُ أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ، وَقَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَمِنَ الْمَضْمُومِ بَعْدَ الضَّمِّ مَسْأَلَةُ (بِرُوسِكُمْ، وَرُوسُ الشَّيَاطِينِ) فِيهِ وَجْهَانِ: بَيْنَ بَيْنَ عَلَى الْقِيَاسِ وَالثَّانِي الْحَذْفُ، وَهُوَ الْأَوْلَى عِنْدَ الْآخِذِينَ بِاتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ.
وَمِنَ الْمَضْمُومِ بَعْدَ الْكَسْرِ مَسْأَلَةُ (يُنَبِّئُكَ، وَسَيِّئَةٌ) فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا بَيْنَ بَيْنَ، أَيْ: بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ
(1/484)

وَالثَّانِي: إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْآخِذِينَ بِالتَّخْفِيفِ الرَّسْمِيِّ كَالدَّانِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ التَّسْهِيلُ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْمُعْضِلُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحُكِيَ وَجْهٌ رَابِعٌ، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ وَاوًا، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ، وَأَمَّا إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَاوٌ نَحْوُ (قُلِ اسْتَهْزِئُوا، وَيُطْفِئُوا، وَيَسْتَنْبِئُونَكَ) فَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ الْحَذْفُ مَعَ ضَمِّ مَا قَبْلَ الْوَاوِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ، وَمَنْ أَخَذَ بِاتِّبَاعِ الرَّسْمِ وَذَكَرَ فِيهِ كَسْرَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْخَامِلُ فَيَصِيرُ فِيهِ سِتَّةُ أَوْجُهٍ، الصَّحِيحُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ، وَهُوَ التَّسْهِيلُ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ، وَحَذْفُ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ، وَحَذْفُ الْهَمْزَةِ مَعَ ضَمِّ مَا قَبْلَهَا وَإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً، وَأَمَّا نَحْوُ (يَسْتَهْزُونَ، وَمَالِئُونَ، وَمُتَّكِئُونَ) مِمَّا يَجْتَمِعُ فِيهِ سَاكِنَانِ لِلْوَقْفِ فَيَجُوزُ فِي كُلِّ وَجْهٍ مِنَ الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ كُلٌّ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْأَوْجَهِ مِنَ الْمَدِّ وَالتَّوَسُّطِ وَالْقَصْرِ.
وَمِنَ الْمَكْسُورِ بَعْدَ الْفَتْحِ مَسْأَلَةُ (يَيْئَسُ، وَيَطْمَيِنُّ) ، وَنَحْوُهُ، فِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ بَيْنَ بَيْنَ، حُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ إِبْدَالُهَا يَاءً، وَلَا يَجُوزُ كَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي (جِبْرِيلَ) وَحُكِيَ فِيهِ يَاءٌ وَاحِدَةٌ مَكْسُورَةٌ اتِّبَاعًا لِلرَّسْمِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّ يَاءَ الْبِنْيَةِ لَا تُحْذَفُ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ حَذْفُ الْهَمْزَةِ عَلَى الرَّسْمِ أَيْضًا لِتَغَيُّرِ الْبِنْيَةِ بِفَتْحِ الرَّاءِ قَبْلَ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ، وَنَصَّ الْهُذَلِيُّ عَلَى إِبْدَالِ هَمْزَتِهِ يَاءً، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَكَذَلِكَ (بِعَذَابٍ بَئِيسٍ) .
وَمِنَ الْمَكْسُورِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ مَسْأَلَةُ (بَارِيكُمْ) فِيهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ بَيْنَ بَيْنَ، وَحَكَى إِبْدَالَهَا يَاءً عَلَى الرَّسْمِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ بَعْدَ هَمْزَتِهِ يَاءٌ نَحْوُ (الصَّابِئِينَ، وَالْخَاطِئِينَ، وَخَاسِئِينَ، وَمُتَّكِئِينَ) فَفِيهِ وَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ حَذْفُ الْهَمْزَةِ، حَكَاهُ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْآخِذِينَ بِاتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ، ذَكَرَهُ الْهُذَلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(1/485)

وَمِنَ الْمَكْسُورِ بَعْدَ الضَّمِّ مُسَأَلَةُ (سُئِلَ، وَسُئِلُوا) فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَالثَّانِي: إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ وَاوًا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْهُذَلِيُّ، وَالْقَلَانِسِيُّ، وَجَاءَ مَنْصُوصًا عَنْ خَالِدٍ الطَّبِيبِ.
فَهَذِهِ جُمَلٌ مِنْ مَسَائِلِ الْهَمْزِ الْمُتَوَسِّطِ بِنَفْسِهِ وَالْمُتَطَرِّفِ
أَوْضَحْنَاهَا وَشَرَحْنَاهَا إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا لِيُقَاسَ عَلَيْهَا مَا لَمْ نَذْكُرْهُ بِحَيْثُ لَمْ نَدَعْ فِي ذَلِكَ إِشْكَالًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَأَمَّا الْمُتَوَسِّطُ بِغَيْرِهِ مِنْ زَائِدٍ اتَّصَلَ بِهِ رَسْمًا وَلَفْظًا، أَوْ لَفْظًا فَقَطْ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ غَيْرِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ، وَلَكِنْ نَزِيدُهُ بَيَانًا وَإِيضَاحًا لِيَتِمَّ مَقْصُودُنَا مِنْ إِيصَالِ دَقَائِقِ هَذَا الْعِلْمِ لِكُلِّ أَحَدٍ لِيَحْصُلَ الثَّوَابُ الْمَأْمُولُ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) لَوْ وُقِفَ عَلَى نَحْوِ (الَارْضُ، وَالِايْمَانَ، وَالْآخِرَةَ وَالُاولَى، وَالْآنَ، وَالْآزِفَةُ، وَالِاسْلَامُ) وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا التَّحْقِيقُ مَعَ السَّكْتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ طَاهِرِ بْنِ غَلْبُونَ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ بَلِّيمَةَ صَاحِبِ " الْعُنْوَانِ "، وَغَيْرُهُمْ، عَنْ حَمْزَةَ بِكَمَالِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي " التَّيْسِيرِ " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَطَرِيقُ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ غَلْبُونَ وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ، عَنْ خَلَفٍ، عَنْ حَمْزَةَ.
(وَالثَّانِي) النَّقْلُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَهْدَوِيِّ، وَابْنِ شُرَيْحٍ أَيْضًا، وَالْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي " التَّيْسِيرِ "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ مِنْ غَيْرِ سَكْتٍ كَالْجَمَاعَةِ، وَلَا أَعْلَمُهُ نَصًّا فِي كِتَابٍ مِنَ الْكُتُبِ وَلَا فِي طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، عَنْ حَمْزَةَ وَلَا عَنْ أَصْحَابِ عَدَمِ السَّكْتِ عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ عَنْ حَمْزَةَ، أَوْ، عَنْ أَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهِ حَالَةَ الْوَصْلِ مُجْمِعُونَ عَلَى النَّقْلِ وَقْفًا، لَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا مَنْصُوصًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ
(1/486)

بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ يَأْخُذُ بِهِ لِخَلَّادٍ اعْتِمَادًا عَلَى بَعْضِ شُرُوحِ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) وَنَحْوُهُ يَصِحُّ فِيهِ عَشَرَةُ أَوْجُهٍ، وَهِيَ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ مِنَ النَّقْلِ وَالسَّكْتِ فِي تِلْكَ الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْهَمْزَةِ الْمُتَطَرِّفَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَهِيَ الْبَدَلُ مَعَ الْمَدِّ وَالتَّوَسُّطِ وَالْقَصْرِ، وَالرَّوْمُ بِالتَّسْهِيلِ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَيَمْتَنِعُ وَجْهُ عَدَمِ السَّكْتِ وَعَدَمِ النَّقْلِ كَمَا قَدَّمْنَا آنِفًا؛ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ رِوَايَةً.
وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ بِزَائِدٍ مَسْأَلَةُ (هَؤُلَاءِ) فَفِي الْأَوْلَى التَّحْقِيقُ وَبَيْنَ بَيْنَ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِبْدَالُ بِثَلَاثَةٍ وَالرَّوْمُ بِوَجْهَيْنِ صَارَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ، لَكِنْ يَمْتَنِعُ مِنْهُ وَجْهَانِ فِي وَجْهٍ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُمَا مَدُّ الْأُولَى وَقَصْرُ الثَّانِيَةِ وَعَكْسُهُ؛ لِتَصَادُمِ الْمَذْهَبَيْنِ، وَذُكِرَ فِي الْأَوْلَى الْإِبْدَالُ بِوَاوٍ عَلَى اتِّبَاعِ الرَّسْمِ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ، فَتُضْرَبُ فِي الْخَمْسَةِ فَتَبْلُغُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَلَا يَصِحُّ.
وَمِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ مُتَوَسِّطٌ بِزَائِدٍ وَبِغَيْرِ زَائِدٍ مَسْأَلَةُ (قُلْ اوُنَبِّيكُمْ) فِي آلِ عِمْرَانَ فِيهَا ثَلَاثُ هَمَزَاتٍ (الْأَوْلَى) بَعْدَ سَاكِنٍ صَحِيحٍ مُنْفَصِلٍ، وَهُوَ اللَّامُ وَالثَّانِيَةُ مُتَوَسِّطَةٌ بِزَائِدٍ وَهِيَ مَضْمُومَةٌ بَعْدَ فَتْحٍ (وَالثَّالِثَةُ) مُتَوَسِّطَةٌ بِنَفْسِهَا وَهِيَ مَضْمُومَةٌ بَعْدَ كَسْرٍ، فَفِي الْأُولَى التَّحْقِيقُ وَالتَّسْهِيلُ، فَإِذَا حُقِّقَتْ فَيَجِيءُ فِي السَّاكِنِ قَبْلَهَا السَّكْتُ وَعَدَمُهُ، وَإِذَا سُهِّلَتْ فَالنَّقْلُ، وَفِي الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ التَّحْقِيقُ وَالتَّسْهِيلُ، وَتَسْهِيلُهَا بَيْنَ بَيْنَ فَقَطْ، وَفِي الثَّالِثَةِ التَّسْهِيلُ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ بِيَاءٍ مَحْضَةٍ، فَيَجُوزُ فِيهَا حِينَئِذٍ عَشْرَةُ أَوْجُهٍ.
(الْأَوَّلُ) السَّكْتُ مَعَ تَحْقِيقِ الثَّانِيَةِ الْمَضْمُومَةِ مَعَ تَسْهِيلِ الثَّالِثَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَهَذَا الْوَجْهُ لِحَمْزَةَ بِكَمَالِهِ فِي " الْعُنْوَانِ "، وَلِخَلَفٍ عَنْهُ فِي " الْكَافِي "، وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " التَّيْسِيرِ "، وَطَرِيقُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ، عَنْهُ.
(الثَّانِي) مِثْلُهُ مَعَ إِبْدَالِ الثَّالِثَةِ يَاءً مَضْمُومَةً عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْحَافِظِ أَبُو الْعَلَاءِ الدَّانِيُّ فِي وَجْهِ السَّكْتِ، وَفِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " التَّيْسِيرِ " لِخَلَفٍ.
(الثَّالِثُ) عَدَمُ السَّكْتِ عَلَى اللَّامِ مَعَ تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ الْأُولَى
(1/487)

وَالثَّانِيَةِ، وَتَسْهِيلِ الثَّالِثَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ فِي " الْهِدَايَةِ "، وَ " التَّذْكِرَةِ " لِحَمْزَةَ، وَهُوَ لِخَلَّادٍ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الْكَافِي " وَ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " التَّيْسِيرِ "، وَ " تَلْخِيصِ " ابْنِ بَلِّيمَةَ (الرَّابِعُ) مِثْلُهُ مَعَ إِبْدَالِ الثَّالِثَةِ يَاءً، وَهُوَ فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " التَّيْسِيرِ " لِخَلَّادٍ، وَاخْتِيَارُ الدَّانِيِّ فِي وَجْهِ عَدَمِ السَّكْتِ.
(الْخَامِسُ) السَّكْتُ عَلَى اللَّامِ مَعَ تَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ فِي " التَّجْرِيدِ " لِحَمْزَةَ وَطَرِيقِ أَبِي الْفَتْحِ لِخَلَفٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَكَذَا فِي " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " التَّيْسِيرِ ".
(السَّادِسُ) مِثْلُهُ مَعَ إِبْدَالِ الثَّالِثَةِ يَاءً وَهُوَ اخْتِيَارُ الدَّانِيِّ فِي وَجْهِ السَّكْتِ أَيْضًا، وَفِي الشَّاطِبِيَّةِ وَالتَّيْسِيرِ لِخَلَفٍ.
(السَّابِعُ) عَدَمُ السَّكْتِ مَعَ تَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لِحَمْزَةَ وَفِي تَلْخِيصِ ابْنِ بَلِّيمَةَ وَطَرِيقِ أَبِي الْفَتْحِ لِخَلَّادٍ، وَفِيَّ " الشَّاطِبِيَّةِ "، وَ " التَّيْسِيرِ ".
(الثَّامِنُ) مِثْلُهُ مَعَ إِبْدَالِ الثَّالِثَةِ يَاءً، وَهُوَ اخْتِيَارُ الدَّانِيِّ فِي وَجْهِ عَدَمِ السَّكْتِ وَفِي " الشَّاطِبِيَّةِ " وَ " التَّيْسِيرِ ".
(التَّاسِعُ) النَّقْلُ مَعَ تَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ فِي " الرَّوْضَةِ "، وَالشَّاطِبِيَّةِ "، وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ.
(الْعَاشِرُ) مِثْلُهُ مَعَ إِبْدَالِ الثَّالِثَةِ يَاءً، وَهُوَ فِي " الْكِفَايَةِ الْكُبْرَى " وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ، وَحَكَاهُ أَبُو الْعِزِّ، عَنْ أَهْلِ وَاسِطٍ وَبَغْدَادَ، وَلَا يَصِحُّ فِيهَا غَيْرُ مَا ذَكَرْتُ. وَقَدْ أَجَازَ الْجَعْبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهَا سَبْعَةٌ وَعِشْرِينَ وَجْهًا بِاعْتِبَارِ الضَّرْبِ، فَقَالُوا فِي الْأُولَى: النَّقْلُ وَالسَّكْتُ وَعَدَمُهُ هَذِهِ ثَلَاثَةٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ التَّحْقِيقُ بَيْنَ بَيْنَ، وَالْوَاوُ اتِّبَاعًا لِلرَّسْمِ، وَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ، وَفِي الثَّالِثَةِ التَّسْهِيلُ كَالْوَاوِ وَإِبْدَالُهَا يَاءً وَتَسْهِيلُهَا كَالْيَاءِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ فَنَضْرِبُ الثَّلَاثَةَ الْأَوْلَى فِي الثَّلَاثَةِ الثَّانِيَةِ بِنِسْبَةِ التِّسْعَةِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُخْرَى بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ النَّحْوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالسَّمِينِ فِي شَرْحِهِ لِلشَّاطِبِيَّةِ وَنَقَلَهُ عَنْ صَاحِبِهِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ ابْنِ أَمِّ قَاسِمٍ حَيْثُ نَظَمَهُ فَقَالَ:
سَبْعٌ وَعِشْرُونَ وَجْهًا قُلْ لِحَمْزَةَ فِي ... قُلْ أَوُنَبِّيكُمْ يَا صَاحِ إِنْ وَقَفَا
فَالنَّقْلُ وَالسَّكْتُ فِي الْأُولَى وَتَرْكُهُمَا ... وَأَعْطِ ثَانِيَةً حُكْمًا لَهَا أُلِفَا
(1/488)

وَاوًا وَكَالْوَاوِ أَوْ حَقِّقْ وَثَالِثَةٌ ... كَالْوَاوِ أَوْ يَا وَكَالْيَا لَيْسَ فِيهِ خَفَا
وَاضْرِبْ يَبِنْ لَكَ مَا قَدَّمْتُ مُتَّضِحًا ... وَبِالْإِشَارَةِ اسْتَغْنَى وَقَدْ عُرِفَا
لَا يَصِحُّ مِنْهَا سِوَى الْعَشْرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّ التِّسْعَةَ الَّتِي مَعَ تَسْهِيلِ الْأَخِيرَةِ كَالْيَاءِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْمُعْضِلُ، لَا يَصِحُّ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِبْدَالُ الثَّانِيَةِ وَاوًا مَحْضَةً عَلَى مَا ذُكِرَ مِنِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ فِي السُّنَّةِ لَا يَجُوزُ، وَالنَّقْلُ فِي الْأُولَى مَعَ تَحْقِيقِ الثَّانِيَةِ بِالْوَجْهَيْنِ لَا يُوَافَقُ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: نَصَّ ابْنُ مِهْرَانَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُخَفَّفَ الثَّلَاثَةُ الْأَوْلَى بِالنَّقْلِ، وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ بَيْنَ بَيْنَ (وَالثَّانِي) تُخَفَّفُ الثَّالِثَةُ فَقَطْ، وَذَلِكَ عَلَى رَأَى مَنْ لَا يَرَى تَخْفِيفَ الْمُبْتَدَأَةِ وَلَا يَعْتَدُّ بِالزَّائِدِ (وَالثَّالِثُ) تَخْفِيفُ الْأَخِيرَتَيْنِ فَقَطِ اعْتِدَادًا بِالزَّائِدِ وَإِعْرَاضًا عَنِ الْمُتْبَدَأَةِ، قَالَ: وَكَانَ يَحْتَمِلُ وَجْهًا رَابِعًا، وَهُوَ تَخْفِيفُ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ دُونَ الثَّانِيَةِ لَوْلَا أَنَّ مَنْ خَفَّفَ الْأَوْلَى يَلْزَمُهُ أَنْ يُخَفِّفَ الثَّانِيَةَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهَا مُتَوَسِّطَةٌ صُورَةً، فَهِيَ أَحْرَى بِذَلِكَ مِنَ الْمُبْتَدَأَةِ. انْتَهَى. وَهُوَ الَّذِي أَرَدْنَا بِقَوْلِنَا: وَالنَّقْلُ فِي الْأُولَى مَعَ تَحْقِيقِ الثَّانِيَةِ لَا يُوَافَقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ ذَلِكَ (مَسْأَلَةُ: قُلْ أَأَنْتُمْ يَجِيءُ فِيهَا خَمْسَةُ أَوْجُهٍ) : أَحَدُهَا السَّكْتُ عَلَى اللَّامِ مَعَ تَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ (وَالثَّانِي) كَذَلِكَ مَعَ تَحْقِيقِهَا (وَالثَّالِثُ) عَدَمُ السَّكْتِ مَعَ تَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ التَّحْقِيقِ لِمَا قَدَّمَنَا، وَذَكَرَ فِيهَا ثَلَاثَةً أُخْرَى وَهِيَ السَّكْتُ وَعَدَمُهُ، وَالنَّقْلُ مَعَ إِبْدَالِ الثَّانِيَةِ أَلِفًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَحَكَى هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مَعَ حَذْفِ إِحْدَى الْهَمْزَتَيْنِ عَلَى صُورَةِ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ وَلَا يَصِحُّ سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا.
وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ بِغَيْرِهِ بَعْدَ سَاكِنٍ أَيْضًا (مَسْأَلَةُ: قَالُوا آمَنَّا) وَذُكِرَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا التَّحْقِيقُ مَعَ عَدَمِ السَّكْتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ (وَالثَّانِي) مَعَ السَّكْتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الشَّذَائِيِّ. وَذَكَرَهُ الْهُذَلِيُّ أَيْضًا، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْفَضْلِ صَاحِبِ التَّجْرِيدِ عَلَى شَيْخِهِ عَبْدِ الْبَاقِي فِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ
(1/489)

(وَالثَّالِثُ) النَّقْلُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعِرَاقِيِّينَ (وَالرَّابِعُ) الْإِدْغَامُ، وَهُوَ جَائِزٌ مِنْ طُرُقِ أَكْثَرِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ (وَالْخَامِسُ) التَّسْهِيلُ بَيْنَ بَيْنَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَتَجِيءُ هَذِهِ الْخَمْسَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) مَعَ الْخَمْسَةِ فِي الْهَمْزَةِ الْأَخِيرَةِ الْمَضْمُومَةِ فَتَبْلُغُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَجْهًا، إِلَّا أَنَّ الْإِدْغَامَ فِيهَا يُخْتَارُ عَلَى النَّقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَكْثَرُ الْقُرَّاءِ لَا يَرَوْنَ التَّسْهِيلَ بِالرَّوْمِ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَمِنْ ذَلِكَ (مَسْأَلَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وَفِيهَا بِحُكْمِ مَا ذَكَرْنَا عَشْرَةُ أَوْجُهٍ وَهِيَ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ أَوَّلًا مَعَ تَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ مَدًّا وَقَصْرًا، وَقِيلَ: فِيهَا وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً عَلَى اتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَهُوَ شَاذٌّ، فَإِنْ ضُرِبَ فِي الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ صَارَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَشَذُّ مِنْهُ حَذْفُ الْهَمْزَةِ وَاللَّفْظِ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَيَصِيرُ عِشْرِينَ وَلَا يَصِحُّ.
وَمِنْ ذَلِكَ (مَسْأَلَةُ: بِمَا أُنْزِلَ) وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الْأَوَّلُ) التَّحْقِيقُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ (وَالثَّانِي) بَيْنَ بَيْنَ طَرِيقُ أَكْثَرِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَيَجُوزُ مَعَهُ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ (وَالثَّالِثُ) السَّكْتُ مَعَ التَّحْقِيقِ لِمَنْ تَقَدَّمَ آنِفًا، وَتَجِيءُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فِي نَحْوِ: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ) مَعَ تَسْهِيلٍ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، فَتُصْبِحُ سِتَّةً لِإِخْرَاجِ الْمَدِّ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ مَعَ الْقَصْرِ، وَتَجِيءُ أَيْضًا فِي (كُلَّمَا أَضَاءَ) مَعَ ثَلَاثَةِ الْإِبْدَالِ، فَتَبْلُغُ اثْنَا عَشَرَ وَتَجِيءُ الثَّلَاثَةُ أَيْضًا مَعَ الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلَا ابْنَا) فَتَبْلُغُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا، بَلْ عِشْرِينَ، لَكِنْ يَسْقُطُ مِنْهَا وَجْهَا التَّصَادُمِ، فَتُصْبِحُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ.
وَمِنْ ذَلِكَ (مَسْأَلَةُ: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاوُا) وَفِيهِ بِاعْتِبَارِ مَا تَقَدَّمَ فِي (شُرَكَاوُ، وَفِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَوُا) أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَجْهًا وَهِيَ مَعَ السَّكْتِ عَلَى الْمِيمِ اثْنَا عَشَرَ وَجْهًا، الْمَدُّ وَالتَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ مَعَ الْإِبْدَالِ أَلِفًا، وَالْمَدُّ وَالْقَصْرُ مَعَ الرَّوْمِ، وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ مَعَ التَّخْفِيفِ الْقِيَاسِيِّ وَالسَّبْعَةِ الْبَاقِيَةِ مَعَ اتِّبَاعِ الرَّسْمِ، وَهِيَ الْمَدُّ وَالتَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ مَعَ إِسْكَانِ الْوَاوِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَعَ الْإِشْمَامِ وَالْقَصْرِ مَعَ الرَّوْمِ.
(1/490)

وَلَوْ قُرِئَ بِالنَّقْلِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَهُ لَجَاءَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أُخْرَى، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْ فَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا، أَيْ: حَالَةَ النَّقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ.
وَمِنْ ذَلِكَ (مَسْأَلَةُ يَشَاءُ إِلَى) وَنَحْوُهُ، وَفِيهِ الثَّلَاثَةُ الْجَائِزَةُ لِبَاقِي الْقِرَاءَةِ وَصْلًا وَهِيَ: التَّحْقِيقُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَبَيْنَ بَيْنَ عَلَى مَذْهَبِ أَكْثَرِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْيَاءُ الْمَحْضَةُ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِهِمْ، وَتَجْرِي هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي عَكْسِهِ فِي نَحْوِ (فِي الْأَرْضِ أُمَمًا) وَتَجِيءُ نَحْوُ (فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ) سِتَّةَ أَوْجُهٍ، وَهِيَ الثَّلَاثَةُ، وَهِيَ تَسْهِيلُ الْهَمْزَةِ نَحْوُ (فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ) سِتَّةَ أَوْجُهٍ وَهِيَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ، وَهِيَ تَسْهِيلُ الْهَمْزَةِ الْمَكْسُورَةِ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ، فَقِسْ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا وَقَعَ فِي نَظِيرِهَا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(1/491)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ الْإِدْغَامِ الصَّغِيرِ
وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا إِذَا كَانَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مِنْهُ سَاكِنًا كَمَا قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ بَابِ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ. وَيَنْقَسِمُ إِلَى جَائِزٍ، وَوَاجِبٍ، وَمُمْتَنِعٍ، كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ أَوَّلَ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
فَأَمَّا الْجَائِزُ وَهُوَ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ الْقُرَّاءِ بِذِكْرِهِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ فَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
(الْأَوَّلُ) : إِدْغَامُ حَرْفٍ مِنْ كَلِمَةٍ فِي حُرُوفٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَيَنْحَصِرُ فِي فُصُولِ: إِذْ، وَقَدْ، وَتَاءِ التَّأْنِيثِ، وَهَلْ، وَبَلْ.
(الثَّانِي) : إِدْغَامُ حَرْفٍ فِي حَرْفٍ مِنْ كَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ حَيْثُ وَقَعَ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ عِنْدَهُمْ بِحُرُوفٍ قَرُبَتْ مَخَارِجُهَا وَيَلْتَحِقُ بِهِمَا قِسْمٌ آخَرُ اخْتُلِفَ فِي بَعْضِهِ فَذَكَرَهُ جُمْهُورُ أَئِمَّتِنَا عَقِيبَ ذَلِكَ وَهُوَ الْكَلَامُ عَلَى أَحْكَامِ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ خَاصَّةً إِلَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ أُخَرُ سِوَى الْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ مِنَ الْإِخْفَاءِ وَالْقَلْبِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فَصْلٌ (ذَالُ إِذْ) اخْتَلَفُوا فِي إِدْغَامِهَا وَإِظْهَارِهَا عِنْدَ سِتَّةِ أَحْرُفٍ وَهِيَ حُرُوفُ تَجِدُ، وَالصَّفِيرِ " فَالتَّاءُ " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ، وَإِذْ تَخْلُقُ، وَإِذْ تَأَذَّنَ. إِذْ تَأْتِيهِمْ، إِذْ تُفِيضُونَ، إِذْ تَقُولُ، إِذْ تَدْعُونَ، إِذْ تَمْشِي " وَالْجِيمُ " إِذْ جَعَلَ، وَإِذْ جِئْتُمْ، وَإِذْ جَاءَ
(2/2)

" وَالدَّالُ " إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ فِي الْكَهْفِ إِذْ دَخَلُوا فِي الْحِجْرِ وَص وَالذَّارِيَاتِ، " وَالسِّينُ " إِذْ سَمِعْتُمُوهُ " وَالصَّادُ " وَإِذْ صَرَفْنَا " وَالزَّايُ " وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ، وَإِذْ زَاغَتِ فَأَدْغَمَهَا فِي الْحُرُوفِ السِّتَّةِ أَبُو عَمْرٍو وَهِشَامٌ. وَأَظْهَرَهُمَا عِنْدَهَا نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ، وَأَدْغَمَهَا فِي التَّاءِ وَالدَّالِ فَقَطْ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ، وَأَدْغَمَهَا فِي غَيْرِ الْجِيمِ الْكِسَائِيُّ وَخَلَّادٌ. وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ عَنْ خَلَّادٍ بِإِظْهَارِ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَانْفَرَدَ الْكَارَزِينِيُّ عَنْ رُوَيْسٍ بِإِدْغَامِهَا فِي التَّاءِ وَالصَّادِ. وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنْهُ بِالْإِدْغَامِ فِي الزَّايِ. وَأَبُو مَعْشَرٍ فِي الْجِيمِ. وَأَمَّا ابْنُ ذَكْوَانَ فَأَظْهَرَهَا فِي غَيْرِ الدَّالِ. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي الدَّالِ فَرَوَى عَنْهُ الْأَخْفَشُ إِدْغَامَهَا فِي الدَّالِ. وَرَوَى عَنْهُ الصُّورِيُّ إِظْهَارَهَا عِنْدَهَا أَيْضًا وَانْفَرَدَ أَبُو الْعِزِّ عَنْ زَيْدٍ عَنِ الرَّمْلِيِّ عَنْهُ بِإِدْغَامِهَا فِي إِذْ دَخَلْتَ فِي الْكَهْفِ فَقَطْ وَانْفَرَدَ هِبَةُ اللَّهِ عَنِ الْأَخْفَشِ بِإِظْهَارِهَا عِنْدَ الدَّالِ.
، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ النَّهْرَوَانِيُّ عَنِ الْأَخْفَشِ بِإِظْهَارِ إِذْ دَخَلُوا فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَإِدْغَامِهَا فِي إِذْ دَخَلْتَ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ رَوَى الْفَارِسِيُّ عَنِ الْحَمَّامِيِّ فَانْفَرَدَ بِهِ عَنْ سَائِرِ أَصْحَابِ الْحَمَّامِيِّ وَانْفَرَدَ أَبُو الْعِزِّ أَيْضًا عَنْ زَيْدٍ بِإِدْغَامِ إِذْ تَقُولُ فِي الْأَحْزَابِ. وَزَادَ فِي الْكِفَايَةِ إِذْ تُفِيضُونَ وَانْفَرَدَ الْقَبَّابُ عَنِ الرَّمْلِيِّ بِإِدْغَامِ إِذْ تَقُولُ. وَإِذْ تُفِيضُونَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ (دَالُ قَدْ) اخْتَلَفُوا فِي إِدْغَامِهَا وَإِظْهَارِهَا عِنْدَ ثَمَانِيَةِ أَحْرُفٍ وَهِيَ الذَّالُ وَالظَّاءُ. وَالضَّادُ وَالْجِيمُ، وَالشِّينُ وَحُرُوفُ الصَّفِيرِ " فَالذَّالُ " وَلَقَدْ ذَرَأْنَا " وَالظَّاءُ " فَقَدْ ظَلَمَ. لَقَدْ ظَلَمَكَ " الضَّادُ " قَدْ ضَلُّوا، وَقَدْ ضَلَّ. قَدْ ضَلَلْتُ " وَالْجِيمُ " لَقَدْ جَاءَكُمْ، وَقَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، وَقَدْ جَادَلْتَنَا " وَالشِّينُ " قَدْ شَغَفَهَا " وَالسِّينُ " قَدْ سَأَلَهَا، وَلَقَدْ سَبَقَتْ، وَقَدْ سَمِعَ. وَمَا قَدْ سَلَفَ " وَالصَّادُ " وَلَقَدْ صَرَّفْنَا، وَلَقَدْ صَدَقَ، وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ " وَالزَّايُ " وَلَقَدْ زَيَّنَّا فَأَدْغَمَهَا فِيهِنَّ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ،
(2/3)

وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَهِشَامٌ، وَاخْتُلِفَ عَنْ هِشَامٍ فِي لَقَدْ ظَلَمَكَ فِي ص. فَرَوَى الْجُمْهُورُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقَيْهِ الْإِظْهَارَ. وَهُوَ الَّذِي فِي التَّيْسِيرِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالْمُبْهِجِ، وَغَيْرِهَا. وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي فِي فَارِسَ، وَرَوَى جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَبَعْضُ الْمَغَارِبَةِ عَنْهُ الْإِدْغَامَ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُسْتَنِيرِ وَالْكِفَايَةِ الْكُبْرَى، لِأَبِي الْعِزِّ، وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَلَى الْفَارِسِيِّ وَالْمَالِكِيِّ. وَالْوَجْهَانِ جَمِيعًا فِي الْكَافِي. وَأَدْغَمَهَا ابْنُ ذَكْوَانَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَهِيَ: الذَّالُ. وَالظَّاءُ. وَالضَّادُ فَقَطْ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي الزَّايِ.
فَرَوَى الْجُمْهُورُ عَنِ الْأَخْفَشِ عَنْهُ الْإِظْهَارَ وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيِّ وَهُوَ الَّذِي فِي التَّجْرِيدِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيِّ وَهُوَ رِوَايَةُ الْعِرَاقِيِّينَ قَاطِبَةً عَنِ الْأَخْفَشِ. وَرَوَى عَنْهُ الصُّورِيُّ وَبَعْضُ الْمَغَارِبَةِ عَنِ الْأَخْفَشِ الْإِدْغَامَ وَهُوَ الَّذِي فِي الْعُنْوَانِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْكَافِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهَا. وَقَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ وَأَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ.
، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي وَابْنِ نَفِيسٍ. وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ عَنِ ابْنِ الْأَخْرَمِ.
وَانْفَرَدَ الشَّذَائِيُّ بِحِكَايَةِ التَّخْيِيرِ فِي الشِّينِ عَنِ ابْنِ الْأَخْرَمِ وَأَدْغَمَهَا وَرْشٌ فِي الضَّادِ وَالظَّاءِ فَوَافَقَ ابْنَ ذَكْوَانَ فِيهِمَا. وَأَظْهَرَهَا عِنْدَ بَاقِي الْحُرُوفِ. وَأَظْهَرَهَا الْبَاقُونَ عِنْدَ حُرُوفِهَا الثَّمَانِيَةِ وَهُمْ: ابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ وَقَالُونُ. وَانْفَرَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَارَزِينِيُّ عَنْ رُوَيْسٍ بِإِدْغَامِهَا فِي الْجِيمِ. وَانْفَرَدَ أَبُو الْكَرَمِ فِي الْمِصْبَاحِ عَنْ رَوْحٍ بِالْإِدْغَامِ فِي الضَّادِ وَالظَّاءِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
فَصْلٌ (تَاءُ التَّأْنِيثِ) اخْتَلَفُوا فِي إِدْغَامِهَا وَإِظْهَارِهَا عِنْدَ سِتَّةِ أَحْرُفٍ وَهِيَ: الثَّاءُ وَالْجِيمُ وَالظَّاءُ، وَحُرُوفُ الصَّفِيرِ (فَالثَّاءُ) بَعِدَتْ ثَمُودُ. وَكَذَّبَتْ ثَمُودُ. وَرَحُبَتْ ثُمَّ
(وَالْجِيمُ) نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ، وَجَبَتْ جُنُوبُهَا (وَالظَّاءُ) حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا
(2/4)

حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا، وَكَانَتْ ظَالِمَةً (وَالسِّينُ) أَنْبَتَتْ سَبْعَ، أَقَلَّتْ سَحَابًا، وَمَضَتْ سُنَّةُ، وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ، وَأُنْزِلَتْ سُورَةٌ، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ (وَالصَّادُ) حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِ يَعْقُوبَ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ (وَالزَّايُ) خَبَتْ زِدْنَاهُمْ فَأَدْغَمَهَا فِي الْحُرُوفِ السِّتَّةِ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ. وَأَدْغَمَهَا الْأَزْرَقُ عَنْ وَرْشٍ فِي الظَّاءِ فَقَطْ. وَأَظْهَرَهَا خَلَفٌ فِي الثَّاءِ حَسْبُ، وَأَدْغَمَهَا ابْنُ عَامِرٍ فِي الصَّادِ وَالظَّاءِ. وَأَدْغَمَهَا هِشَامٌ فِي الثَّاءِ. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي حُرُوفِ (سَجَزَ) وَهِيَ السِّينُ وَالْجِيمُ وَالزَّايُ فَأَدْغَمَهَا الدَّاجُونِيُّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبْدَانَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِيِ الْعِزِّ عَنْ شَيْخِهِ عَنِ ابْنِ نَفِيسٍ وَمِنْ طَرِيقِ الطَّرَسُوسِيِّ كِلَيْهِمَا عَنِ السَّامَرِّيِّ عَنْهُ وَبِهِ قَطَعَ لِهِشَامٍ وَحْدَهُ فِي الْعُنْوَانِ وَالتَّجْرِيدِ، وَأَظْهَرَهَا عَنْهُ الْحُلْوَانِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ إِلَّا مِنْ طَرِيقَيْ أَبِي الْعِزِّ وَالطَّرَسُوسِيِّ عَنِ ابْنِ عَبْدَانَ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ فِي لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ فَرَوَى الْجُمْهُورُ عَنْهُ إِظْهَارَهَا وَهُوَ الَّذِي فِي التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهَا. وَقَطَعَ بِالْوَجْهَيْنِ لَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَاسْتَثْنَاهَا أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِمَّنْ رَوَوُا الْإِدْغَامَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ وَأَضَافَ بَعْضُهُمْ إِلَيْهَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ فَاسْتَثْنَاهَا أَيْضًا كَصَاحِبِ الْمُسْتَنِيرِ وَالْغَايَةِ وَالتَّجْرِيدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِنَا، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ أَيْضًا بِاسْتِثْنَاءِ الْجِيمِ وَالصَّادِ فَأَظْهَرَهَا عِنْدَهُمَا وَذَلِكَ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ الْجَمَّالِ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ. وَالْمَعْرُوفُ مِنْ طَرِيقِ الْجَمَّالِ مَا قَدَّمْنَا. وَأَظْهَرَهَا ابْنُ ذَكْوَانَ عِنْدَ حُرُوفِ (سَجَزَ) الْمُتَقَدِّمَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي الثَّاءِ فَرَوَى عَنْهُ الصُّورِيُّ إِظْهَارَهَا عِنْدَهَا. وَرَوَى الْأَخْفَشُ إِدْغَامَهَا فِيهَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَدِ اضْطَرَبَتْ أَلْفَاظُ كُتُبِ أَصْحَابِنَا فِيهِ. وَقَدْ نَقَلَهُ الدَّانِيُّ عَلَى الصَّوَابِ مِنْ نُصُوصِ أَصْحَابِ ابْنِ ذَكْوَانَ وَأَصْحَابِ أَصْحَابِهِ. وَاسْتَثْنَى الصُّورِيُّ مِنَ السِّينِ أَنْبَتَتْ سَبْعَ فَقَطْ فَأَدْغَمَهَا. وَانْفَرَدَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ بِالْإِظْهَارِ عَنِ الصُّورِيِّ عِنْدَ الضَّادِ وَهُوَ وَهْمٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنْهُ بِاسْتِثْنَاءِ حَصِرَتْ، وَلَهُدِّمَتْ فَأَدْغَمَهَا وَلَا نَعْرِفُهُ
(2/5)

وَانْفَرَدَ الشَّاطِبِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ بِالْخِلَافِ فِي وَجَبَتْ جُنُوبُهَا وَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا عَنْهُ فِي إِظْهَارِهَا مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو شَامَةَ: إِنَّ الدَّانِيَّ ذَكَرَ الْإِدْغَامَ فِي غَيْرِ التَّيْسِيرِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ لِابْنِ ذَكْوَانَ وَهِشَامٍ، مَعًا (قُلْتُ) : وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ هُوَ عِنْدَ الْجِيمِ وَلَفْظُهُ: وَاخْتَلَفُوا عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فَرَوَى ابْنُ الْأَخْرَمِ وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ وَابْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَالنَّقَّاشُ وَابْنُ شَنَبُوذَ عَنِ الْأَخْفَشِ عَنْهُ الْإِظْهَارَ فِي الْحَرْفَيْنِ، وَكَذَلِكَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَرَوَى ابْنُ مُرْشِدٍ وَأَبُو طَاهِرٍ وَابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَغَيْرُهُمْ عَنِ الْأَخْفَشِ عَنْهُ نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بِالْإِظْهَارِ، وَوَجَبَتْ جُنُوبُهَا بِالْإِدْغَامِ، وَكَذَلِكَ رَوَى لِي أَبُو الْفَتْحِ عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ الْحَسَنِ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ انْتَهَى.
فَرُوَاةُ الْإِظْهَارِ هُمُ الَّذِينَ فِي الشَّاطِبِيَّةِ وَلَمْ يَذْكُرِ الدَّانِيُّ أَنَّهُ قَرَأَ بِالْإِدْغَامِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ كَمَا ذَكَرَهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ قَرَأَ بِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ حَتَّى يَكُونَ مِنْ طَرِيقِ أَصْحَابِ الْإِدْغَامِ كَابْنِ مُرْشِدٍ وَأَبِي طَاهِرٍ وَابْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَغَيْرِهِمْ فَمَاذَا يُفِيدُ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَرَأَ بِهِ مِنْ طُرُقِ كِتَابِهِ؟ عَلَى أَنِّي رَأَيْتُ نَصَّ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ فَإِذَا هُوَ الْإِدْغَامُ عَنْ هِشَامٍ فِي الْجِيمِ وَالْإِظْهَارُ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ: وَجَبَتْ جُنُوبُهَا، وَغَيْرِهِ.
وَالْبَاقُونَ بِإِظْهَارِهَا عِنْدَ الْأَحْرُفِ السِّتَّةِ وَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ وَقَالُونُ وَالْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ وَرْشٍ، وَانْفَرَدَ الْكَارَزِينِيُّ عَنْ رُوَيْسٍ فِيمَا ذَكَرَهُ السِّبْطُ وَابْنُ الْفَحَّامِ بِإِدْغَامِهَا فِي السِّينِ وَالْجِيمِ وَالظَّاءِ. وَانْفَرَدَ فِي الْمِصْبَاحِ عَنْ رَوْحٍ بِالْإِدْغَامِ فِي الظَّاءِ فَقَطْ.
فَصْلٌ (لَامُ هَلْ وَبَلْ) اخْتَلَفُوا فِي إِدْغَامِهَا وَإِظْهَارِهَا عِنْدَ ثَمَانِيَةِ أَحْرُفٍ، وَهِيَ: التَّاءُ، وَالثَّاءُ، وَالزَّايُ، وَالسِّينُ، وَالضَّادُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ، وَالنُّونُ. وَمِنْهَا خَمْسَةٌ تَخْتَصُّ بِبَلْ، وَهِيَ: الزَّايُ، وَالسِّينُ، وَالضَّادُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ. وَوَاحِدٌ يَخْتَصُّ بِهَلْ وَهُوَ
(2/6)

الثَّاءُ، وَحَرْفَانِ يَشْتَرِكَانِ فِيهِمَا مَعًا، وَهُمَا التَّاءُ وَالنُّونُ " فَالتَّاءُ " نَحْوَ هَلْ تَنْقِمُونَ، وَهَلْ تَعْلَمُ، وَبَلْ تَأْتِيهِمْ وَبَلْ تُؤْثِرُونَ " وَالثَّاءُ " نَحْوَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ " وَالزَّايُ " بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ، بَلْ زَعَمْتُمْ " وَالسِّينُ " بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ " وَالضَّادُ " بَلْ ضَلُّوا " وَالطَّاءُ " بَلْ طَبَعَ " وَالظَّاءُ " بَلْ ظَنَنْتُمْ " وَالنُّونُ " نَحْوَ بَلْ نَتَّبِعُ، وَبَلْ نَقْذِفُ، وَهَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ، وَهَلْ نُنَبِّئُكُمْ فَأَدْغَمَ اللَّامَ مِنْهُمَا فِي الْأَحْرُفِ الثَّمَانِيَةِ الْكِسَائِيُّ. وَوَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي التَّاءِ وَالثَّاءِ، وَالسِّينِ. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي بَلْ طَبَعَ فَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ عَنْهُ إِدْغَامَهَا وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ فِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ، وَكَذَا رَوَى صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيِّ عَنْ خَلَّادٍ، وَرَوَاهُ نَصًّا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، وَرَوَاهُ الْجُمْهُورُ عَنْ خَلَّادٍ بِالْإِظْهَارِ وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ وَاخْتَارَ الْإِدْغَامَ، وَقَالَ فِي التَّيْسِيرِ: وَبِهِ آخُذُ.
وَرَوَى صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنِ الْمُطَّوِّعِيِّ عَنْ خَلَفٍ بِإِدْغَامِهِ. وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْ خَلَفٍ عَنْ سُلَيْمٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى حَمْزَةَ بَلْ طَبَعَ مُدْغَمًا فَيُجِيزُهُ. وَقَالَ خَلَفٌ فِي كِتَابِهِ عَنْ سُلَيْمٍ عَنْ حَمْزَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ بِالْإِظْهَارِ فَيُجِيزُهُ وَبِالْإِدْغَامِ فَلَا يَرُدُّهُ. وَكَذَا رَوَى الدُّورِيُّ عَنْ سُلَيْمٍ، وَكَذَا رَوَى الْعَبْسِيُّ وَالْعِجْلِيُّ عَنْ حَمْزَةَ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي ثُبُوتِ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَنْ حَمْزَةَ إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ أَهْلِ الْأَدَاءِ عَنْهُ الْإِظْهَارُ. وَأَظْهَرَهَا هِشَامٌ عِنْدَ الضَّادِ وَالنُّونِ فَقَطْ وَأَدْغَمَهَا عِنْدَ السِّتَّةِ الْأَحْرُفِ الْبَاقِيَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُهُ.
وَخَصَّ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَاءِ الْإِدْغَامَ بِالْحُلْوَانِيِّ فَقَطْ كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ صَاحِبِ التَّجْرِيدِ وَأَبِي الْعِزِّ، فِي كِفَايَتِهِ. وَلَكِنْ خَالَفَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فَعَمَّمَ الْإِدْغَامَ لِهِشَامٍ مِنْ طَرِيقَيِ الْحُلْوَانِيِّ وَالدَّاجُونِيِّ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُفَنِّدْ طَرِيقَ الدَّاجُونِيِّ إِلَّا مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْعِزِّ.
وَكَذَا نَصَّ عَلَى الْإِدْغَامِ لِهِشَامٍ بِكَمَالِهِ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ فَلَمْ يَحْكِيَا عَنْهُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. وَأَمَّا سِبْطُ الْخَيَّاطِ فَنَصَّ فِي مُبْهِجِهِ عَلَى
(2/7)

الْإِدْغَامِ لِهِشَامٍ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَالدَّاجُونِيِّ فِي لَامِ هَلْ فَقَطْ. وَنَصَّ عَلَى الْإِدْغَامِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَالْأَخْفَشِ فِي لَامِ " بَلْ " وَلَعَلَّهُ سَهْوُ قَلَمٍ مِنَ الدَّاجُونِيِّ إِلَى الْأَخْفَشِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَاسْتَثْنَى جُمْهُورُ رُوَاةِ الْإِدْغَامِ عَنْ هِشَامٍ اللَّامَ مِنْ هَلْ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ فِي قَوْلِهِ: هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي الشَّاطِبِيَّةِ وَالتَّيْسِيرِ وَالْكَافِي، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهَادِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَنِيرِ، وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ. وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ فِي كِفَايَتِهِ وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا فِي الْكَامِلِ لِلدَّاجُونِيِّ وَاسْتَثْنَاهَا لِلْحُلْوَانِيِّ.
، وَرَوَى صَاحِبُ التَّجْرِيدِ إِدْغَامَهَا مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ وَإِظْهَارَهَا مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي. وَنَصَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَنِ الْحُلْوَانِيِّ فَقَطْ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ فَقَالَ: وَاخْتُلِفَ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ فِيهَا. فَرَوَى الشَّذَائِيُّ إِدْغَامَهَا. وَرَوَى غَيْرُهُ الْإِظْهَارَ قَالَ وَبِهِمَا قَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا الشَّرِيفِ انْتَهَى.
وَمُقْتَضَاهُ الْإِدْغَامُ لِلدَّاجُونِيِّ بِلَا خِلَافٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي جَامِعِهِ وَحَكَى لِي أَبُو الْفَتْحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي بِالْإِدْغَامِ كَنَظَائِرِهِ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ قَالَ، وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ الْحُلْوَانِيُّ فِي كِتَابِهِ انْتَهَى. وَهُوَ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْوَجْهَيْنِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَظْهَرَ الْبَاقُونَ اللَّامَ مِنْهُمَا عِنْدَ الْحُرُوفِ الثَّمَانِيَةِ إِلَّا أَبَا عَمْرٍو فَإِنَّهُ يُدْغِمُ اللَّامَ مِنْ هَلْ تَرَى. فِي الْمُلْكِ وَالْحَاقَّةِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

بَابُ حُرُوفٍ قَرُبَتْ مَخَارِجُهَا
وَتَنْحَصِرُ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا:
(الْأَوَّلُ) : الْبَاءُ السَّاكِنَةُ عِنْدَ الْفَاءِ وَذَلِكَ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ. فِي النِّسَاءِ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ وَفِي الرَّعْدِ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ وَفِي سُبْحَانَ قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ وَفِي طه فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ وَفِي الْحُجُرَاتِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ فَأَدْغَمَ الْبَاءَ فِي الْفَاءِ فِيهَا أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنْ هِشَامٍ وَخَلَّادٍ، فَأَمَّا هِشَامٌ فَرَوَاهَا عَنْهُ بِالْإِدْغَامِ
(2/8)

أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ. وَكَذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ سَوَّارٍ مِنْ طَرِيقِ هِبَةِ اللَّهِ الْمُفَسِّرِ عَنِ الدَّاجُونِيِّ عَنْهُ وَمِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، رَوَاهُ الْهُذَلِيُّ عَنْ هِشَامٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَلَى الْفَارِسِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ. وَبِهِ قَطَعَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الشَّذَائِيُّ عَنْ هِشَامٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَقَالَ: لَا خِلَافَ عَنْ هِشَامٍ فِي ذَلِكَ.
، وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ قَالَ لِي أَبُو الْفَتْحِ عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْ هِشَامٍ بِالْوَجْهَيْنِ انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْجُمْهُورُ عَنْ هِشَامٍ بِالْإِظْهَارِ وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْغَرْبِ قَاطِبَةً وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِي التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالْعُنْوَانِ، وَالْكَافِي، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّذْكِرَةِ، وَغَيْرِهَا سِوَاهُ وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَعَلَى الْمَالِكِيِّ وَالْفَارِسِيِّ مِنْ طَرِيقِ الدَّاجُونِيِّ. وَكَذَا رَوَى صَاحِبُ الْمُسْتَنِيرِ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ الدَّاجُونِيِّ وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَعَلَى أَبِي الْفَتْحِ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّامَرِّيِّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ قَالَ: وَبِهِ قَرَأْتُ فِي رِوَايَةِ الْحُلْوَانِيِّ وَبِهِ آخُذُ.
وَانْفَرَدَ الرَّمْلِيُّ عَنِ الصُّورِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ بِإِدْغَامِهَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُبْهِجِ وَغَايَةِ الِاخْتِصَارِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ وَأَمَّا خَلَّادٌ فَرَوَاهَا عَنْهُ بِالْإِدْغَامِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْأَدَاءِ وَعَلَى ذَلِكَ الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً كَابْنِ شُرَيْحٍ وَابْنِ سُفْيَانَ وَمَكِّيٍّ وَالْمَهْدَوِيِّ وَابْنِ غَلْبُونَ وَالْهُذَلِيِّ وَفِي الْمُسْتَنِيرِ مِنْ طَرِيقِ النَّهْرَوَانِيِّ. وَأَظْهَرَهَا عَنْهُ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ كَابْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي الْعِزِّ وَأَبِي الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيِّ وَسِبْطِ الْخَيَّاطِ. وَخَصَّ بَعْضُ الْمُدْغِمِينَ عَنْ خَلَّادٍ الْخِلَافَ بِحَرْفِ الْحُجُرَاتِ فَذَكَرَ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى التَّخْيِيرِ، كَصَاحِبِ التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَذَكَرَ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ. فَرَوَى الْإِدْغَامَ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي - يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَاذَانَ - وَالْإِظْهَارَ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ وَالْمَالِكِيِّ - يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ الْوَزَّانِ -. وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّانِيُّ فِي الْجَامِعِ قَالَ لِي
(2/9)

أَبُو الْفَتْحِ: خَيَّرَ خَلَّادٌ فِيهِ فَأَقْرَأَنِيهِ بِالْوَجْهَيْنِ. وَرَوَى فِيهِ الْإِظْهَارَ وَجْهًا وَاحِدًا صَاحِبُ الْعُنْوَانِ.
(الثَّانِي) : يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ فِي الْبَقَرَةِ أَدْغَمَ الْبَاءَ مِنْهُ فِي الْمِيمِ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ. وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَحَمْزَةَ وَقَالُونَ فَأَمَّا ابْنُ كَثِيرٍ فَقَطَعَ لَهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَالْكَافِي، وَالْعُنْوَانِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَتَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ بِالْإِدْغَامِ بِلَا خِلَافٍ، وَقَطَعَ لِقُنْبُلٍ بِالْإِدْغَامِ وَجْهًا وَاحِدًا فِي الْإِرْشَادِ وَالْمُسْتَنِيرِ، وَالْكَامِلِ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَالْهُذَلِيُّ وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ، وَقَطَعَ بِهِ لِلْبَزِّيِّ وَجْهًا وَاحِدًا فِي الْهِدَايَةِ وَالْهَادِي، وَقَطَعَ بِهِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَبِيعَةَ صَاحِبُ الْمُسْتَنِيرِ وَالْمُبْهِجِ، وَقَطَعَ بِهِ لِقُنْبُلٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُجَاهِدٍ أَبُو الْعِزِّ وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي مُبْهِجِهِ وَهُوَ طَرِيقُ ابْنِ الْحُبَابِ وَابْنِ بَنَانٍ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَقَطَعَ بِالْإِظْهَارِ لِلْبَزِّيِّ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ، وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَفِي الْكِفَايَةِ الْكُبْرَى لِلنَّقَّاشِ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ لِلْبَزِّيِّ وَلِقُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِكَمَالِهِ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ. وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ طُرُقُهُمَا هُوَ الْإِظْهَارُ وَذَلِكَ أَنَّ الدَّانِيَّ نَصَّ عَلَى الْإِظْهَارِ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ لِابْنِ كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ وَمِنْ رِوَايَةِ النَّقَّاشِ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ، هَذَا لَفْظُهُ وَهَاتَانِ الطَّرِيقَتَانِ هُمَا اللَّتَانِ فِي التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْإِدْغَامُ لِابْنِ كَثِيرٍ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي التَّيْسِيرِ لَهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ مِمَّا خَرَجَ فِيهِ عَنْ طُرُقِهِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ، وَالْوَجْهَانِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ صَحِيحَانِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا حَمْزَةُ فَرَوَى لَهُ الْإِدْغَامَ الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً وَكَثِيرٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ. وَرَوَى لَهُ الْإِظْهَارَ وَجْهًا وَاحِدًا صَاحِبُ الْعُنْوَانِ وَصَاحِبُ الْمُبْهِجِ. وَقَطَعَ لَهُ صَاحِبُ الْكَامِلِ فِي رِوَايَةِ خَلَفٍ وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ مِنْ طَرِيقِ الْوَزَّانِ. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي التَّجْرِيدِ لِخَلَّادٍ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي. وَالْخِلَافُ عَنْهُ فِي رِوَايَتَيْهِ جَمِيعًا فِي الْمُسْتَنِيرِ وَغَايَةِ ابْنِ مِهْرَانَ وَمِمَّنْ
(2/10)

نَصَّ عَلَى الْإِظْهَارِ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى عَنْ خَلَّادٍ وَابْنِ جُبَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمٍ. وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا قَالُونُ فَرَوَى عَنْهُ الْإِدْغَامَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَهُوَ رِوَايَةُ الْمَغَارِبَةِ قَاطِبَةً عَنْ قَالُونَ. وَهُوَ الَّذِي عَنْهُ فِي التَّجْرِيدِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَرَوَى عَنْهُ الْإِظْهَارَ مِنْ طَرِيقَيْهِ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ صَاحِبُ الْمُسْتَنِيرِ وَالْكِفَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْمُبْهِجِ وَالْكَامِلِ، وَالْجُمْهُورُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مِنَ الْجَازِمِينَ بِالْإِظْهَارِ وَجْهًا وَاحِدًا وَهُوَ وَرْشٌ وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي الْكَامِلِ أَنَّهُ لِخَلَفٍ فِي اخْتِيَارِهِ وَهُوَ وَهْمٌ، وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ الْمُبْهِجِ لِلْكِسَائِيِّ وَهُوَ سَهْوُ قَلَمٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(الثَّالِثُ) : ارْكَبْ مَعَنَا. فِي هُودٍ أَدْغَمَهُ أَيْضًا أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ، وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَعَاصِمٍ وَقَالُونَ وَخَلَّادٍ. فَأَمَّا ابْنُ كَثِيرٍ فَقَطَعَ لَهُ بِالْإِدْغَامِ وَجْهًا وَاحِدًا مَكِّيٌّ وَابْنُ سُفْيَانَ وَالْمَهْدَوِيُّ وَابْنُ شُرَيْحٍ وَابْنُ بَلِّيمَةَ وَصَاحِبُ الْعُنْوَانِ وَجُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ وَبَعْضُ الْمَشَارِقَةِ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْإِظْهَارِ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ مِنْ جَمِيعِ رِوَايَاتِهِ وَطُرُقِهِ سِوَى الزَّيْنَبِيِّ وَلَيْسَ فِي طُرُقِنَا. وَرَوَى عَنْهُ الْإِظْهَارَ مِنْ رِوَايَةِ الْبَزِّيِّ النَّقَّاشُ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُسْتَنِيرِ وَالْكِفَايَةِ وَالْغَايَةِ وَالتَّجْرِيدِ، وَالْإِرْشَادِ وَالرَّوْضَةِ وَالْمُبْهِجِ.
وَخَصَّ الْأَكْثَرُونَ قُنْبُلًا بِالْإِظْهَارِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَنَبُوذَ. وَالْإِدْغَامِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُجَاهِدٍ. وَهُوَ الَّذِي فِي الْكِفَايَةِ فِي السِّتِّ وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ عَنِ الْبَزِّيِّ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَالْوَجْهَانِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَتَيْهِ صَحِيحَانِ.
وَأَمَّا عَاصِمٌ فَقَطَعَ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالْإِظْهَارِ، وَالْأَكْثَرُونَ بِالْإِدْغَامِ. وَالصَّوَابُ إِظْهَارُهُ مِنْ طَرِيقِ الْعُلَيْمِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ حَفْصٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ سَوَّارٍ عَنِ الطَّبَرِيِّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْ عَمْرٍو عَنْ حَفْصٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ الْإِدْغَامَ لِغَيْرِ الْهَاشِمِيِّ عَنْ عُبَيْدٍ. وَقَدْ رَوَى الْإِظْهَارَ نَصًّا عَنْ حَفْصٍ هُبَيْرَةُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -..
وَأَمَّا قَالُونُ فَقَطَعَ لَهُ بِالْإِدْغَامِ فِي التَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ،
(2/11)

وَالْهَادِي، وَالتَّجْرِيدِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ. وَقَطَعَ لَهُ بِالْإِظْهَارِ فِي الْإِرْشَادِ وَالْكِفَايَةِ الْكُبْرَى. وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى تَخْصِيصِ الْإِدْغَامِ بِطَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَالْإِظْهَارِ بِالْحُلْوَانِيِّ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ. وَعَكَسَ ذَلِكَ فِي الْمُبْهِجِ فَجَعَلَ الْإِدْغَامَ لِلْحُلْوَانِيِّ
وَالْوَجْهَانِ عَنْ قَالُونَ صَحِيحَانِ. وَهُمَا فِي التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالْإِعْلَانِ. وَأَمَّا خَلَّادٌ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْإِظْهَارِ لَهُ وَهُوَ الَّذِي فِي الْكَافِي وَالْهَادِي، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالتَّجْرِيدِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالْعُنْوَانِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ. وَقَطَعَ لَهُ صَاحِبُ الْكَامِلِ بِالْإِدْغَامِ وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْثَمِ عَنْهُ. وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْخُنَيْسِيُّ وَعَنْبَسَةُ بْنُ النَّضْرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ كُلُّهُمْ عَنْ خَلَّادٍ وَبِهِ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ. وَالْوَجْهَانِ جَمِيعًا عَنْ خَلَّادٍ فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالْإِعْلَانِ، وَقَدْ صَحَّا نَصًّا وَأَدَاءً.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ وَهُمُ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَخَلَفٌ وَوَرْشٌ وَخَلَفٌ عَنْ حَمْزَةَ، وَرَوَى بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَاءِ الْإِظْهَارَ عَنْ يَعْقُوبَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّذْكِرَةِ وَفِي الْكَامِلِ أَيْضًا تَبَعًا لِابْنِ مِهْرَانَ. وَإِنَّمَا وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَتَيْ رُوَيْسٍ وَرَوْحٍ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَبِهِ قَرَأْتُ وَبِهِ آخُذُ.
وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ بِالْإِدْغَامِ عَنْ وَرْشٍ، يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَكَذَا أَبُو الْعَلَاءِ عَنِ الْحَمَّامِيِّ فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(الرَّابِعُ) نَخْسِفْ بِهِمُ. فِي سَبَأٍ. فَأَدْغَمَ الْفَاءَ فِي الْبَاءِ الْكِسَائِيُّ وَأَظْهَرَهَا الْبَاقُونَ.
(الْخَامِسُ) الرَّاءُ السَّاكِنَةُ عِنْدَ اللَّامِ نَحْوَ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ. وَيَنْشُرْ لَكُمْ، وَأَنِ اشْكُرْ لِي فَأَدْغَمَ الرَّاءَ فِي اللَّامِ فِي ذَلِكَ أَبُو عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ السُّوسِيِّ. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ. فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْإِدْغَامِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ فِي كَافِيهِ، وَأَبُو الْعِزِّ فِي إِرْشَادِهِ وَكِفَايَتِهِ
(2/12)

، وَأَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ وَصَاحِبُ الْمُسْتَنِيرِ وَصَاحِبُ الْمُبْهِجِ وَالْكِفَايَةِ فِي الْقِرَاءَاتِ السِّتِّ، وَرَوَاهُ بِالْإِظْهَارِ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَابْنُ بَلِّيمَةَ فِي تَلْخِيصِهِ وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ عَنِ الدُّورِيِّ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيُّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ. وَانْفَرَدَ بِالْخِلَافِ عَنِ السُّوسِيِّ.
(قُلْتُ) : وَالْخِلَافُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ. فَمَنْ أَدْغَمَ الْإِدْغَامَ الْكَبِيرَ لِأَبِي عَمْرٍو لَمْ يَخْتَلِفْ فِي إِدْغَامِ هَذَا، بَلْ أَدْغَمَهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَمَنْ رَوَى الْإِظْهَارَ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ الدُّورِيِّ. فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى إِدْغَامَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى إِظْهَارَهُ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْإِدْغَامِ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو.
وَبِالْإِدْغَامِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ قِرَاءَتِهِ بِذَلِكَ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْمُسْنَدَةُ فِي التَّيْسِيرِ ; قَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْإِدْغَامِ إِلَى الْإِظْهَارِ اخْتِيَارًا وَاسْتِحْسَانًا وَمُتَابَعَةً لِمَذْهَبِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسِتِّ سِنِينَ.
(قُلْتُ) : إِنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ فَإِنَّمَا هُوَ فِي وَجْهِ إِظْهَارِ الْكَبِيرِ. أَمَّا فِي وَجْهِ إِدْغَامِهِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَدْغَمَ الرَّاءَ الْمُتَحَرِّكَةَ فِي اللَّامِ فَإِدْغَامُهَا سَاكِنَةً أَوْلَى وَأَحْرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(السَّادِسُ) اللَّامُ السَّاكِنَةُ فِي الذَّالِ وَذَلِكَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَيْثُ وَقَعَ كَقَوْلِهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَأَدْغَمَهَا أَبُو الْحَارِثِ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَأَظْهَرَهَا الْبَاقُونَ.
(السَّابِعُ) الدَّالُ عِنْدَ الثَّاءِ وَهُوَ مَوْضِعَانِ فِي آلِ عِمْرَانَ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا، وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ فَأَدْغَمَ الدَّالَ فِي الثَّاءِ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ. وَأَظْهَرَهَا الْبَاقُونَ.
(الثَّامِنُ) الثَّاءُ فِي الذَّالِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ يَلْهَثْ ذَلِكَ فِي الْأَعْرَافِ فَأَظْهَرَ الثَّاءَ عِنْدَ الذَّالِ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَعَاصِمٌ وَهِشَامٌ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ فِيهِ. فَأَمَّا نَافِعٌ فَرَوَى إِدْغَامَهُ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ قَالُونَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ بَلِّيمَةَ وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ،
(2/13)

وَالتَّذْكِرَةِ، وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمَشَارِقَةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ سَوَّارٍ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَكَذَلِكَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَرَوَاهُ أَبُو الْعِزِّ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ، وَعَنْ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ. وَبِهِ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ عَنْ قَالُونَ وَعَلَى أَبِي الْفَتْحِ عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّامَرِّيِّ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي التَّيْسِيرِ وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْإِظْهَارِ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَبَعْضُهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَالْحُلْوَانِيِّ وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ وَهُوَ طَرِيقُ إِسْمَاعِيلَ وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي.
، وَرَوَى إِظْهَارَهُ عَنْ وَرْشٍ، جُمْهُورُ الْمَشَارِقَةِ وَالْمَغَارِبَةِ وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْإِظْهَارَ بِالْأَزْرَقِ وَبَعْضُهُمْ بِالْأَصْبَهَانِيِّ. وَرَوَى إِدْغَامَهُ عَنْ وَرْشٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ، وَرَوَاهُ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ الْهُذَلِيُّ.
وَأَمَّا ابْنُ كَثِيرٍ فَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي الْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ فَرَوَى لَهُ أَكْثَرُ الْمَغَارِبَةِ الْإِظْهَارَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ النَّقَّاشِ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ عَنِ الْبَزِّيِّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْإِمَامُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ إِلَّا مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ وَمِنْ غَيْرِ طَرِيقِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ. وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ أَيْضًا، وَعَنْ قُنْبُلٍ إِلَّا الزَّيْنَبِيَّ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ الْقَوَّاسِ. وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ فُلَيْحٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْخُزَاعِيُّ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ فَقَطْ، وَكُلُّهُمْ رَوَى الْإِدْغَامَ عَنْ سَائِرِ أَصْحَابِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَأَمَّا عَاصِمٌ فَاخْتَلَفُوا عَنْهُ أَيْضًا فَقَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ: أَقْرَأَنِيَ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ لِعَاصِمٍ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَبَا أَحْمَدَ السَّامَرِّيَّ بِالْإِظْهَارِ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بِالْإِدْغَامِ قَالَ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْوَلِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو عَنِ الْأُشْنَانِيِّ عَنْ عُبَيْدٍ عَنْ حَفْصٍ بِالْإِظْهَارِ. انْتَهَى. وَقَطَعَ لَهُ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْخَبَّازِيُّ مِنْ رِوَايَتِي أَبِي بَكْرٍ وَحَفْصٍ، وَغَيْرِهِمَا بِالْإِظْهَارِ. وَذَكَرَ
(2/14)

الْخِلَافَ عَنْ حَفْصٍ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ، وَرَوَى الْجُمْهُورُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَالْمَشَارِقَةِ عَنْ عَاصِمٍ مِنْ جَمِيعِ رِوَايَاتِهِ الْإِدْغَامَ وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ.
وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ فَالْأَكْثَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ عَلَى الْأَخْذِ لَهُ بِالْإِظْهَارِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَنَصَّ لَهُ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ عَلَى الْإِدْغَامِ وَجْهًا وَاحِدًا وَاخْتَارَهُ الْهُذَلِيُّ. وَلَمْ يَأْخُذْ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ لَهُ بِسِوَاهُ. وَأَمَّا هِشَامٌ فَرَوَى جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ عَنْهُ الْإِظْهَارَ وَأَكْثَرُ الْمَشَارِقَةِ عَلَى الْإِدْغَامِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الدَّاجُونِيِّ. وَعَلَى الْإِظْهَارِ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُبْهِجِ وَالْكَامِلِ، وَالْمُنْتَهَى وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُسْتَنِيرِ لَهُ الْإِدْغَامَ مِنْ طَرِيقِ هِبَةِ اللَّهِ الْمُفَسِّرِ عَنِ الدَّاجُونِيِّ.
(قُلْتُ) : فَقَدْ ثَبَتَ الْخِلَافُ فِي إِدْغَامِهِ وَإِظْهَارِهِ عَمَّنْ ذَكَرْتُ. وَصَحَّ الْأَخْذُ بِهِمَا جَمِيعًا عَنْهُمْ وَإِنْ كَانَ الْأَشْهَرُ عَنْ بَعْضِهِمُ الْإِدْغَامَ، وَعَنْ آخَرِينَ الْإِظْهَارَ. فَإِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ وَيَصِحُّ فِي الِاعْتِبَارِ هُوَ الْإِدْغَامُ لَوْلَا صِحَّةُ الْإِظْهَارِ عَنْهُمْ عِنْدِي لَمْ آخُذْ لَهُمْ وَلَا لِغَيْرِهِمْ بِغَيْرِ الْإِدْغَامِ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَرْفَيْنِ إِذَا كَانَا مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ وَسَكَنَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا يَجِبُ الْإِدْغَامُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ، وَلَا مَانِعَ هُنَا، فَقَدْ حَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ الْإِجْمَاعَ عَلَى إِدْغَامِهِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى إِدْغَامِ الثَّاءِ فِي الذَّالِ مِنْ قَوْلِهِ يَلْهَثْ ذَلِكَ إِلَّا النَّقَّاشَ فَإِنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ الْإِظْهَارَ فِيهِ لِابْنِ كَثِيرٍ وَعَاصِمٍ بِرِوَايَةِ حَفْصٍ وَنَافِعٍ بِرِوَايَةِ قَالُونَ. قَالَ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَذْكُرُ الْبُخَارِيُّ الْمُقْرِئُ لِابْنِ كَثِيرٍ وَحْدَهُ إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ بَيْنَ الْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ عَلَى مَا يَخْرُجُ فِي اللَّفْظِ قَالَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مُدْغَمًا قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -..
(التَّاسِعُ) الذَّالُ فِي التَّاءِ إِذَا وَقَعَ قَبْلَ الذَّالِ خَاءٌ نَحْوَ قَوْلِهِ. اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ. قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ. وَثُمَّ اتَّخَذْتُمُ. وَلَتَّخَذْتَ فَأَظْهَرَ الذَّالَ عِنْدَ التَّاءِ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ، وَاخْتُلِفَ عَنْ رُوَيْسٍ فَرَوَى الْحَمَّامِيُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ وَالْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ وَابْنُ الْعَلَّافِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَنِ النَّخَّاسِ عَنِ التَّمَّارِ عَنْهُ بِالْإِظْهَارِ. وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُسْتَنِيرِ وَالْكِفَايَةِ وَالْإِرْشَادِ وَالْجَامِعِ وَالرَّوْضَةِ، وَغَيْرِهَا. وَرَوَى
(2/15)

أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ مِقْسَمٍ كِلَاهُمَا عَنِ التَّمَّارِ عَنْهُ بِالْإِدْغَامِ. وَكَذَا رَوَى الْخَبَّازِيُّ وَالْخُزَاعِيُّ عَنِ النَّخَّاسِ عَنِ التَّمَّارِ عَنْهُ. وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ وَابْنُ مِهْرَانَ فِي غَايَتِهِ. وَرَوَى الْجَوْهَرِيُّ عَنِ التَّمَّارِ الْإِظْهَارَ فِي حَرْفِ الْكَهْفِ وَهُوَ قَوْلُهُ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا فَقَطْ، وَالْإِدْغَامَ فِي بَاقِي الْقُرْآنِ، وَكَذَا رَوَى الْكَارَزِينِيُّ عَنِ النَّخَّاسِ. وَهُوَ الَّذِي فِي التَّذْكِرَةِ وَالْمُبْهِجِ.
(الْعَاشِرُ) : الذَّالُ فِي التَّاءِ فَنَبَذْتُهَا مِنْ سُورَةِ طه: فَأَدْغَمَهَا أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ هِشَامٍ فَقَطَعَ لَهُ الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً بِالْإِظْهَارِ وَهُوَ الَّذِي فِي التَّيْسِيرِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْكَافِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالْهَادِي، وَالْعُنْوَانِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَغَيْرِهَا. وَقَطَعَ لَهُ جُمْهُورُ الْمَشَارِقَةِ بِالْإِدْغَامِ. وَهُوَ الَّذِي فِي الْكِفَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْمُسْتَنِيرِ، وَالْكَامِلِ، وَغَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ، وَغَيْرِهَا. وَرَوَاهُ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ الدَّاجُونِيِّ. وَكَذَا ذَكَرَهُ لَهُ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ. وَرَوَاهُ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ. وَالْوَجْهَانِ عَنْهُ صَحِيحَانِ. إِلَّا أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا عَمْرٍو قَرَأَ بِالْإِظْهَارِ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ. وَانْفَرَدَ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْقَبَّابِ، عَنِ الصُّورِيِّ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ بِإِدْغَامِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(الْحَادِي عَشَرَ) الذَّالُ فِي التَّاءِ فِي عُذْتُ بِرَبِّي فِي غَافِرٍ وَالدُّخَانِ فَأَدْغَمَهَا أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَخَلَفٌ، وَاخْتُلِفَ عَنْ هِشَامٍ فَقَطَعَ لَهُ بِالْإِدْغَامِ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ كَابْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي الْعِزِّ، وَالْحَافِظِ أَبِي الْعَلَاءِ وَالْهُذَلِيِّ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْإِظْهَارِ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالتَّجْرِيدِ، وَالْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً وَصَاحِبُ الْمُبْهِجِ مِنْ طَرِيقَيِ الْحُلْوَانِيِّ وَالدَّاجُونِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ.
(الثَّانِي عَشَرَ) الثَّاءُ فِي التَّاءِ فِي لَبِثْتُمْ وَلَبِثْتَ كَيْفَ جَاءَ فَأَدْغَمَهُ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ ; وَأَظْهَرَهُ الْبَاقُونَ، وَانْفَرَدَ الْكَارَزِينِيُّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْ رُوَيْسٍ بِالْإِظْهَارِ فِي حَرْفَيِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِدْغَامِ غَيْرِهِمَا
(2/16)

(الثَّالِثَ عَشَرَ) الثَّاءُ فِي التَّاءِ أَيْضًا مِنْ أُورِثْتُمُوهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنَ الْأَعْرَافِ، وَالزُّخْرُفِ ; فَأَدْغَمَهَا أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَهِشَامٌ، وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فَرَوَاهُمَا عَنْهُ الصُّورِيُّ بِالْإِدْغَامِ، وَرَوَاهُمَا الْأَخْفَشُ بِالْإِظْهَارِ ;، وَبِذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ وَانْفَرَدَ فِي الْمُبْهِجِ بِالْإِظْهَارِ عَنْ هِشَامٍ مِنْ طَرِيقِ الدَّاجُونِيِّ وَسَائِرِهِمْ لَمْ يَذْكُرْ عَنْ هِشَامٍ فِيهِمَا خِلَافًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
; وَانْفَرَدَ فِي الْكَامِلِ عَنْ خَلَفٍ بِالْإِدْغَامِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(الرَّابِعَ عَشَرَ) الدَّالُ فِي الذَّالِ مِنْ ص ذِكْرُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ مَرْيَمَ فَأَدْغَمَهَا أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ.
(الْخَامِسَ عَشَرَ) النُّونُ فِي الْوَاوِ مِنْ يس وَالْقُرْآنِ فَأَدْغَمَهَا الْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ وَهِشَامٌ، وَاخْتُلِفَ عَنْ نَافِعٍ وَعَاصِمٍ وَالْبَزِّيِّ وَابْنِ ذَكْوَانَ. فَأَمَّا نَافِعٌ فَقَطَعَ لَهُ بِالْإِدْغَامِ مِنْ رِوَايَةِ قَالُونَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ وَابْنُ سَوَّارٍ، فِي الْمُسْتَنِيرِ، وَكَذَلِكَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ وَمُبْهِجِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ، وَكَذَلِكَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِمْ إِلَّا أَنَّ أَبَا الْعِزِّ اسْتَثْنَى عَنْ هِبَةِ اللَّهِ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ. وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَلَى الْفَارِسِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ وَالْحُلْوَانِيِّ جَمِيعًا وَعَلَى ابْنِ نَفِيسٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْإِظْهَارِ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَجُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ، وَقَطَعَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ بِالْإِدْغَامِ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ. وَبِالْإِظْهَارِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ. وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ عَنْ قَالُونَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ. وَقَطَعَ لَهُ بِالْإِدْغَامِ مِنْ رِوَايَةِ وَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالْكَافِي، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالْجُمْهُورُ، وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ إِنَّهُ الصَّحِيحُ عَنْ وَرْشٍ، وَقَطَعَ بِالْإِظْهَارِ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ حَسْبَمَا قَرَأَ بِهِ عَلَى شُيُوخِهِ مِنْ طُرُقِهِمْ. وَقَطَعَ بِالْإِدْغَامِ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْبَهَانِيِّ أَبُو الْعِزِّ وَابْنُ سَوَّارٍ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ، وَالْمُبْهِجُ، وَالْأَكْثَرُونَ. وَبِالْإِظْهَارِ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ
(2/17)

بْنُ مِهْرَانَ، وَالْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنْ وَرْشٍ. وَأَمَّا الْبَزِّيُّ فَرَوَى عَنْهُ الْإِظْهَارَ أَبُو رَبِيعَةَ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِدْغَامَ ابْنُ الْحُبَابِ. وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنْهُ مِنَ الطَّرِيقَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا نَصَّ عَلَيْهِمَا الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو. وَأَمَّا ابْنُ ذَكْوَانَ فَرَوَى عَنْهُ الْإِدْغَامَ الْأَخْفَشُ. وَرَوَى عَنْهُ الْإِظْهَارَ الصُّورِيُّ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ مِنْ طَرِيقِ الصُّورِيِّ الْإِدْغَامَ أَيْضًا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، ذَكَرَهُمَا الدَّانِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ مِنَ الطَّرِيقَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ.
وَأَمَّا عَاصِمٌ فَقَطَعَ لَهُ الْجُمْهُورُ بِالْإِدْغَامِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، وَبِالْإِظْهَارِ مِنْ طَرِيقِ الْعُلَيْمِيِّ إِلَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ رَوَى الْإِظْهَارَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كَأَبِي الْعِزِّ وَأَبِي الْعَلَاءِ، وَكَذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ فِي تَجْرِيدِهِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ، وَرَوَاهُ فِي الْمُبْهِجِ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ نِفْطَوَيْهِ.
وَرُوِيَ الْإِدْغَامُ عَنِ الْعُلَيْمِيِّ فِي كِفَايَتِهِ وَمُبْهَجِهِ. وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِدْغَامَ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ الصَّبَّاحِ مِنْ طَرِيقِ زَرْعَانَ، وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّجْرِيدِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرٍو، وَرَوَى عَنْهُ الْإِظْهَارَ مِنْ طَرِيقِ الْفِيلِ. وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرٍو عَنْهُ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ عُبَيْدٍ عَنْهُ أَنَّهُ بِالْإِظْهَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ وَجْهًا وَاحِدًا وَهُمْ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ وَقُنْبُلٌ.
(السَّادِسَ عَشَرَ) النُّونُ فِي الْوَاوِ مِنْ ن وَالْقَلَمِ وَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي يس وَالْقُرْآنِ أَدْغَمَ النُّونَ فِي الْوَاوِ الْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ وَهِشَامٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ عَنْ قَالُونَ أَنَّهُ بِالْإِظْهَارِ. وَاخْتُلِفَ عَنْ وَرْشٍ وَحْدَهُ، وَعَنْ عَاصِمٍ وَالْبَزِّيِّ وَابْنِ ذَكْوَانَ. فَأَمَّا وَرْشٌ، فَقَطَعَ لَهُ بِالْإِدْغَامِ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ وَالتَّلْخِيصِ، وَالْكَامِلِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْإِظْهَارِ صَاحِبُ التَّذْكِرَةِ، وَالْعُنْوَانِ. وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ إِنَّهُ الصَّحِيحُ عَنْ وَرْشٍ، وَقَالَ فِي التَّيْسِيرِ: إِنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَدَاءِ. وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ، وَقَالَ فِي تَبْصِرَتِهِ إِنَّ الْإِدْغَامَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الطَّيِّبِ
(2/18)

يَعْنِي ابْنَ غَلْبُونَ. وَأَمَّا عَاصِمٌ وَالْبَزِّيُّ وَابْنُ ذَكْوَانَ فَالْخِلَافُ عَنْهُمْ كَالْخِلَافِ فِي يس مِنَ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا أَنَّ سِبْطَ الْخَيَّاطِ قَطَعَ فِي كِفَايَتِهِ لِأَبِي بَكْرٍ مِنْ طَرِيقِ الْعُلَيْمِيِّ بِالْإِدْغَامِ هُنَا وَالْإِظْهَارِ فِي يس وَلَمْ يُفَرِّقْ غَيْرُهُ بَيْنَهُمَا عَنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَظْهَرَ النُّونَ مِنْ ن الْبَاقُونَ وَهُمْ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَقَالُونُ وَقُنْبُلٌ.
(السَّابِعَ عَشَرَ) النُّونُ عِنْدَ الْمِيمِ مِنْ طسم أَوَّلِ الشُّعَرَاءِ وَالْقَصَصِ فَأَظْهَرَ النُّونَ عِنْدَهَا حَمْزَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ. وَالْبَاقُونَ بِالْإِدْغَامِ. وَأَبُو جَعْفَرٍ مَعَ إِظْهَارِهِ عَلَى أَصْلِهِ فِي السَّكْتِ عَلَى كُلِّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْفَوَاتِحِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ الْمُظْهِرِينَ فِي هَذِهِ الْفَوَاتِحِ مِنْ أَجْلِ مُوَافَقَتِهِمْ لَهُ فِي الْإِظْهَارِ وَإِلَّا فَمِنْ لَازِمِ السَّكْتِ الْإِظْهَارُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّنْبِيهِ لَهُ عَلَى إِظْهَارِ الْمِيمِ عِنْدَ الْمِيمِ مِنْ الم فَإِنَّهُ إِنَّمَا انْفَرَدَ بِإِظْهَارِهَا مِنْ أَجْلِ السَّكْتِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ النُّونُ الْمُخْفَاةُ مِنْ (عين صاد) أَوَّلَ مَرْيَمَ. وَالنُّونُ مِنْ طس تِلْكَ أَوَّلَ النَّمْلِ. وَالنُّونُ مِنْ عسق فَإِنَّ السَّكْتَ عَلَيْهَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِظْهَارِهَا فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إِلَى تَنْبِيهٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَمَا وَقَعَ لِأَبِي شَامَةَ مِنَ النَّصِّ عَلَى الْإِظْهَارِ فِي طس تِلْكَ لِلْجَمِيعِ فَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ، فَاعْلَمْ.
(تَنْبِيهٌ) كُلُّ حَرْفَيْنِ الْتَقَيَا أَوَّلُهُمَا سَاكِنٌ وَكَانَا مِثْلَيْنِ أَوْ جِنْسَيْنِ وَجَبَ إِدْغَامُ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا لُغَةً وَقِرَاءَةً فَالْمِثْلَانِ نَحْوَ فَاضْرِبْ بِهِ، رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ، وَقَدْ دَخَلُوا، إِذْ ذَهَبَ، وَقُلْ لَهُمْ، وَهُمْ مِنْ، عَنْ نَفْسٍ، اللَّاعِنُونَ يُدْرِكُكُمُ، يُوَجِّهْهُ وَالْجِنْسَانِ نَحْوَ قَالَتْ طَائِفَةٌ، أَثْقَلَتْ دَعَوَا، وَقَدْ تَبَيَّنَ، إِذْ ظَلَمْتُمْ، بَلْ رَانَ، هَلْ رَأَيْتُمْ، قُلْ رَبِّي مَا لَمْ يَكُنْ أَوَّلُ الْمِثْلَيْنِ حَرْفَ مَدٍّ نَحْوَ قَالُوا وَهُمْ، الَّذِي يُوَسْوِسُ أَوْ أَوَّلُ الْجِنْسَيْنِ حَرْفَ حَلْقٍ نَحْوَ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ كَمَا قَدَّمْنَا التَّنْصِيصَ عَلَيْهِ فِي فَصْلِ التَّجْوِيدِ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نَحْوِ أَحَطتُ، وَبَسَطْتَ فِي حَرْفِ الطَّاءِ وَأَمَّا أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ فِي الْمُرْسَلَاتِ فَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَا حُكِيَ فِيهِ مِنْ وَجْهِي الْإِدْغَامِ الْمَحْضِ وَتَبْقِيَةِ الِاسْتِعْلَاءِ.
وَقَدِ انْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنْ أَبِي الْفَضْلِ الرَّازِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْأَخْرَمِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ بِإِظْهَارِهِ، وَكَذَلِكَ حُكِيَ
(2/19)

عَنْ أَحْمَدَ عَنْ قَالُونَ وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ إِظْهَارُ صِفَةِ الِاسْتِعْلَاءِ وَإِلَّا فَإِنْ أَرَادُوا الْإِظْهَارَ الْمَحْضَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، عَلَى أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا عَمْرٍو الدَّانِيَّ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ إِظْهَارَ الصِّفَةِ أَيْضًا غَلَطٌ وَخَطَأٌ فَقَالَ فِي الْجَامِعِ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى إِدْغَامِ الْقَافِ فِي الْكَافِ وَقَلْبِهَا كَافًا خَالِصَةً مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ صَوْتٍ لَهَا فِي قَوْلِهِ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ قَالَ: وَرَوَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ حَبَشٍ الدَّيْنُورِيُّ أَدَاءً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ قَالُونَ مَظْهَرَةَ الْقَافِ، قَالَ وَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ قَالُونَ غَلَطٌ فِي الرِّوَايَةِ وَخَطَأٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ (قُلْتُ) : فَإِنْ حَمَلَ الدَّانِيُّ الْإِظْهَارَ مِنْ نَصِّهِمْ عَلَى إِظْهَارِ الصَّوْتِ وَجَعْلِهِ خَطَأً وَغَلَطًا فَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ وَقَوْلُهُ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ، وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ فِي مَسَائِلَ رُفِعَتْ إِلَيْهِ فَأَجَابَ فِيهَا لَا يُدْغِمُهُ إِلَّا أَبُو عَمْرٍو قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ وَهَذَا مِنْهُ غَلَطٌ كَبِيرٌ وَسَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الصَّفَّارَ يَقُولُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهَاشِمِيُّ الْمُقْرِئُ لَا يَجُوزُ إِظْهَارُهُ. وَقَالَ ابْنُ شَنَبُوذَ أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى إِدْغَامِهِ قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ، وَكَذَلِكَ قَرَأْنَا عَلَى الْمَشَايِخِ فِي جَمِيعِ الْقِرَاءَاتِ أَعْنِي بِالْإِدْغَامِ إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّقَّاشِ فَإِنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ لِنَافِعٍ وَعَاصِمٍ بِالْإِظْهَارِ وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ إِلَّا الْبُخَارِيُّ الْمُقْرِئُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ الْإِظْهَارَ عَنْ نَافِعٍ بِرِوَايَةِ وَرْشٍ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ وَقَرَأْنَاهُ بَيْنَ الْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ قَالَ وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ لِمَنْ أَرَادَ تَرْكَ الْإِدْغَامِ فَأَمَّا إِظْهَارٌ بَيِّنٌ فَقَبِيحٌ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ انْتَهَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَرَادَ بِإِظْهَارِهِ الْإِظْهَارَ الْمَحْضَ قَالَ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ إِجْمَاعًا وَأَمَّا الصِّفَةُ فَلَيْسَ بِغَلَطٍ وَلَا قَبِيحٍ، فَقَدْ صَحَّ عِنْدَنَا نَصًّا وَأَدَاءً. وَقَرَأْتُ بِهِ عَلَى بَعْضِ شُيُوخِي وَلَمْ يَذْكُرْ مَكِّيٌّ فِي الرِّعَايَةِ غَيْرَهُ وَلَهُ وَجْهٌ مِنَ الْقِيَاسِ ظَاهِرٌ إِلَّا أَنَّ الْإِدْغَامَ الْخَالِصَ أَصَحُّ رِوَايَةً، وَأَوْجَهُ قِيَاسًا بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ أَلْبَتَّةَ فِي قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو فِي وَجْهِ الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ يُدْغِمُ الْمُتَحَرِّكَ مِنْ ذَلِكَ إِدْغَامًا مَحْضًا فَإِدْغَامُ السَّاكِنِ مِنْهُ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ ابْنِ مُجَاهِدٍ فِيمَا أَجَابَ عَنْهُ مِنْ مَسَائِلِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَالِيَهْ هَلَكَ فِي سُورَةِ
(2/20)

الْحَاقَّةِ، فَقَدْ حُكِيَ فِيهِ الْإِظْهَارُ مِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ هَاءَ سَكْتٍ، كَمَا حُكِيَ عَدَمُ النَّقْلِ فِي كِتَابِيَهْ إِنِّي، وَقَالَ مَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ: يَلْزَمُ مَنْ أَلْقَى الْحَرَكَةَ فِي كِتَابِيَهْ إِنِّي أَنْ يُدْغِمَ مَالِيَهْ هَلَكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَجْرَاهَا مُجْرَى الْأَصْلِ حِينَ أَلْقَى الْحَرَكَةَ، وَقَدَّرَ ثُبُوتَهَا فِي الْوَصْلِ. قَالَ: وَبِالْإِظْهَارِ قَرَأْتُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَهُوَ الصَّوَابُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -.
قَالَ أَبُو شَامَةَ يَعْنِي بِالْإِظْهَارِ أَنْ يَقِفَ عَلَى مَالِيَهْ هَلَكَ وَقْفَةً لَطِيفَةً. وَأَمَّا إِنْ وَصَلَ فَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ الْإِدْغَامِ أَوِ التَّحْرِيكِ قَالَ وَإِنْ خَلَا اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِهِمَا كَانَ الْقَارِئُ وَاقِفًا وَهُوَ لَا يَدْرِي لِسُرْعَةِ الْوَصْلِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ وَفِي قَوْلِهِ مَالِيَهْ هَلَكَ خُلْفٌ. وَالْمُخْتَارُ فِيهِ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْهَاءَ إِنَّمَا اجْتُلِبَتْ لِلْوَقْفِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُوصَلَ، فَإِنْ وُصِلَتْ فَالِاخْتِيَارُ الْإِظْهَارُ لِأَنَّ الْهَاءَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا فِي النِّيَّةِ لِأَنَّهَا سِيقَتْ لِلْوَقْفِ. وَالثَّانِيَةُ مُنْفَصِلَةٌ مِنْهَا فَلَا إِدْغَامَ (قُلْتُ) : وَمَا قَالَهُ أَبُو شَامَةَ أَقْرَبُ إِلَى التَّحْقِيقِ، وَأَحْرَى بِالدِّرَايَةِ وَالتَّدْقِيقِ ; وَقَدْ سَبَقَ إِلَى النَّصِّ عَلَيْهِ أُسْتَاذُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ فِي جَامِعِهِ: فَمَنْ رَوَى التَّحْقِيقَ، يَعْنِي التَّحْقِيقَ فِي كِتَابِيَهْ إِنِّي لَزِمَهُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ مَالِيَهْ هَلَكَ ` وَقْفَةً لَطِيفَةً فِي حَالِ الْوَصْلِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ بِنِيَّةِ الْوَاقِفِ فَيَمْتَنِعُ بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يُدْغِمَ فِي الْهَاءِ الَّتِي بَعْدَهَا. قَالَ وَمَنْ رَوَى الْإِلْقَاءَ لَزِمَهُ أَنْ يَصِلَهَا وَيُدْغِمَهَا فِي الْهَاءِ الَّتِي بَعْدَهَا لِأَنَّهَا عِنْدَهُ كَالْحَرْفِ اللَّازِمِ الْأَصْلِيِّ انْتَهَى وَهُوَ الصَّوَابُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَشَذَّ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ فَحَكَى عَنْ قَالُونَ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَابْنِ بُويَانَ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ إِظْهَارَ تَاءِ التَّأْنِيثِ عِنْدَ الدَّالِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِظْهَارُهَا عِنْدَ الطَّاءِ ضَعِيفٌ جِدًّا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(2/21)

بَابُ أَحْكَامِ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: إِظْهَارٌ، وَإِدْغَامٌ، وَقَلْبٌ، وَإِخْفَاءٌ
وَالنُّونُ السَّاكِنَةُ تَكُونُ فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ، وَفِي وَسَطِهَا كَسَائِرِ الْحُرُوفِ السَّوَاكِنِّ. وَتَكُونُ فِي الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ.
وَأَمَّا التَّنْوِينُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا فِي آخِرِ الِاسْمِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُنْصَرِفًا مَوْصُولًا لَفْظًا غَيْرَ مُضَافٍ عَرِيًّا عَنِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَثُبُوتُهُ مَعَ هَذِهِ الشُّرُوطِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي اللَّفْظِ لَا فِي الْخَطِّ إِلَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ. حَيْثُ وَقَعَ فَإِنَّهُمْ كَتَبُوهُ بِالنُّونِ.

(أَمَّا الْإِظْهَارُ) فَإِنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ سِتَّةِ أَحْرُفٍ وَهِيَ حُرُوفُ الْحَلْقِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَهِيَ: الْهَمْزَةُ، وَالْهَاءُ، وَالْعَيْنُ، وَالْحَاءُ نَحْوَ وَيَنْأَوْنَ، مَنْ آمَنَ، كُلٌّ آمَنَ، أَنْهَارٌ، مِنْ هَادٍ، جُرُفٍ هَارٍ، أَنْعَمْتَ، مِنْ عَمَلِ، عَذَابٌ عَظِيمٌ، وَانْحَرْ، مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. وَالْحَرْفَانِ الْآخَرَانِ اخْتُلِفَ فِيهِمَا وَهُمَا: الْغَيْنُ وَالْخَاءُ. نَحْوَ فَسَيُنْغِضُونَ، مِنْ غِلٍّ، إِلَهٍ غَيْرُهُ، وَالْمُنْخَنِقَةُ، مِنْ خَيْرٍ. قَوْمٌ خَصِمُونَ فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالْإِخْفَاءِ عِنْدَهُمَا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ. وَاسْتَثْنَى بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَاءِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فَسَيُنْغِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ غَنِيًّا، وَالْمُنْخَنِقَةُ فَأَظْهَرُوا النُّونَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَرَوَى الْإِخْفَاءَ فِيهَا أَبُو الْعِزِّ فِي إِرْشَادِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَنْبَلِيِّ عَنْ هِبَةِ اللَّهِ، وَذَكَرَهُمَا فِي كِفَايَتِهِ عَنِ الشَّطَوِيِّ كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ. وَرَوَاهُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ فِي الْمُنْخَنِقَةِ خَاصَّةً مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا. وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ بَلْ أَطْلَقَ الْإِخْفَاءَ فِي الثَّلَاثَةِ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ. وَخَصَّ فِي الْكَامِلِ اسْتِثْنَاءَهَا مِنْ طَرِيقِ الْحَمَّامِيِّ فَقَطْ وَأَطْلَقَ الْإِخْفَاءَ فِيهَا مِنَ الطَّرِيقَيْنِ وَبِالْإِخْفَاءِ وَعَدَمِهِ قَرَأْنَا لِأَبِي جَعْفَرٍ مِنْ رِوَايَتَيْهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ أَشْهَرُ، وَعَدَمُهُ أَقْيَسُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
. وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ بُويَانَ
(2/22)

عَنْ أَبِي نَشِيطٍ عَنْ قَالُونَ بِالْإِخْفَاءِ أَيْضًا عِنْدَ الْغَيْنِ وَالْخَاءِ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا، وَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ. وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي جَامِعِهِ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَنَبُوذَ عَنْ أَبِي حَسَّانٍ عَنْهُ، وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُبْهِجِ وَاسْتَثْنَى إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا، وَ: فَسَيُنْغِضُونَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُسَيَّبِيِّ عَنْ نَافِعٍ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ عَنِ الْيَزِيدِيِّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَوَجْهُ الْإِخْفَاءِ عِنْدَ الْغَيْنِ وَالْخَاءِ قُرْبُهُمَا مِنْ حَرْفَيْ أَقْصَى اللِّسَانِ الْقَافِ وَالْكَافِ. وَوَجْهُ الْإِظْهَارِ بُعْدُ مَخْرَجِ حُرُوفِ الْحَلْقِ مِنْ مَخْرَجِ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ وَإِجْرَاءُ الْحُرُوفِ الْحَلْقِيَّةِ مُجْرًى وَاحِدًا.

وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي (وَهُوَ الْإِدْغَامُ) فَإِنَّهُ يَأْتِي عِنْدَ سِتَّةِ أَحْرُفٍ أَيْضًا وَهِيَ حُرُوفُ " يَرْمِلُونَ " مِنْهَا حَرْفَانِ بِلَا غُنَّةٍ وَهُمَا اللَّامُ وَالرَّاءُ نَحْوَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، مِنْ رَبِّهِمْ، ثَمَرَةٍ رِزْقًا هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ وَالْجُلَّةِ مِنْ أَئِمَّةِ التَّجْوِيدِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً وَكَثِيرٌ مِنْ غَيْرِهِمْ سِوَاهُ كَصَاحِبِ التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالْعُنْوَانِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَتَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ وَالتَّجْرِيدِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى الْإِدْغَامِ مَعَ إِبْقَاءِ الْغُنَّةِ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ كَنَافِعٍ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ عَامِرٍ، وَعَاصِمٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبَ، وَغَيْرِهِمْ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ عَامِرٍ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ فِي الْمُسْتَنِيرِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الْعَطَّارِ عَنْهُ، وَقَالَ فِيهِ: وَخَيَّرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَالُونَ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ قَالَ: وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْخَيَّاطُ عَنِ السُّوسِيِّ وَأَبِي زَيْدٍ كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الْعَطَّارِ عَنْ حَمَّادٍ وَالنَّقَّاشِ بِتَبْقِيَةِ الْغُنَّةِ أَيْضًا. وَرَوَاهُ أَبُو الْعِزِّ فِي إِرْشَادِهِ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَزَادَ فِي الْكِفَايَةِ عَنِ ابْنِ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ قَالُونَ، وَعَنْ نَظِيفٍ
(2/23)

عَنْ قُنْبُلٍ، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ وَرْدَانَ، وَعَنِ السُّوسِيِّ، وَعَنِ الْمُسَيَّبِيِّ عَنْ نَافِعٍ، وَعَنِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنِ الْيَزِيدِيِّ وَانْفَرَدَ بِتَبْقِيَةِ الْغُنَّةِ عَنِ الصُّورِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فِي الرَّاءِ خَاصَّةً وَأَطْلَقَ ابْنُ مِهْرَانَ الْوَجْهَيْنِ عَنْ غَيْرِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَحَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَخَلَفٍ، وَقَالَ: إِنَّ الصَّحِيحَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو إِظْهَارُ الْغُنَّةِ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنِ الْمُطَّوِّعِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الرَّاءِ، وَعَنِ الشَنَبُوذِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِيهِمَا بِوَجْهَيْنِ قَالَ وَقَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا الشَّرِيفِ بِالتَّبْقِيَةِ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا قَالَ: وَخَيَّرَ الْبَزِّيُّ بَيْنَ الْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا. قَالَ: وَبِالْوَجْهَيْنِ قَرَأْتُ، وَرَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ فِي الْكَامِلِ عَنْ غَيْرِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ، وَخَلَفٍ، وَهِشَامٍ، وَعَنْ غَيْرِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَعَنْ وَرْشٍ، غَيْرِ الْأَزْرَقِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ فِي الْمُنْتَهَى عَنِ ابْنِ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ، وَعَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ، وَعَنْ حَفْصٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ زَرْعَانَ، وَعَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ، وَعَنِ الصُّورِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ عَنْ قُنْبُلٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَنَبُوذَ فِي اللَّامِ خَاصَّةً، وَعَنِ الزَّيْنَبِيِّ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ عَنِ الْبَزِّيِّ، وَقُنْبُلٍ فِي اللَّامِ وَالرَّاءِ، وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ قَالُونَ، وَعَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ وَرْشٍ، وَعَنِ الشَّمُّونِيِّ عَنِ الْأَعْشَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ هِشَامٍ، وَرَوَاهُ الْأَهْوَازِيُّ فِي وَجِيزِهِ عَنْ رَوْحٍ (قُلْتُ) : وَقَدْ وَرَدَتِ الْغُنَّةُ مَعَ اللَّامِ وَالرَّاءِ عَنْ كُلٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ وَصَحَّتْ مِنْ طَرِيقِ كُتَّابِنَا نَصًّا وَأَدَاءً عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَحَفْصٍ. وَقَرَأْتُ بِهَا مِنْ رِوَايَةِ قَالُونَ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَهِشَامٍ، وَعِيسَى بْنِ وَرْدَانَ، وَرَوْحٍ، وَغَيْرِهِمْ (وَالْأَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ) الْبَاقِيَةُ مِنْ " يَرْمُلُونَ " وَهِيَ: النُّونُ وَالْمِيمُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ. وَهِيَ حُرُوفُ " يَنْمُو " تُدْغَمُ فِيهَا النُّونُ السَّاكِنَةُ وَالتَّنْوِينُ بِغُنَّةٍ نَحْوَ عَنْ نَفْسٍ، حِطَّةٌ نَغْفِرْ، مِنْ مَالٍ، مَثَلًا مَا، مِنْ وَالٍ، وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ، مَنْ يَقُولُ، وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ. وَاخْتُلِفَ مِنْهَا فِي الْوَاوِ وَالْيَاءِ فَأَدْغَمَ خَلَفٌ عَنْ حَمْزَةَ فِيهِمَا النُّونَ وَالتَّنْوِينِ بِلَا غُنَّةٍ وَاخْتُلِفَ عَنِ الدُّورِيِّ عَنِ الْكِسَائِيِّ فِي الْيَاءِ فَرَوَى أَبُو عُثْمَانَ الضَّرِيرُ الْإِدْغَامَ بِغَيْرِ غُنَّةٍ
(2/24)

كَرِوَايَةِ خَلَفٍ عَنْ حَمْزَةَ. وَرَوَى عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: تَبْقِيَةَ الْغُنَّةِ كَالْبَاقِينَ وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ لَهُ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ بِعَدَمِ الْغُنَّةِ عِنْدَ الْيَاءِ عَنْ قُنْبُلٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّطَوِيِّ عَنِ ابْنِ شَنَبُوذَ، فَخَالَفَ سَائِرَ الْمُؤَلِّفِينَ وَأَجْمَعُوا عَلَى إِظْهَارِ النُّونِ السَّاكِنَةِ عِنْدَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ إِذَا اجْتَمَعَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ نَحْوَ صِنْوَانٌ، وَقِنْوَانٌ، وَالدُّنْيَا، وَبُنْيَانٌ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ بِالْمُضَعَّفِ نَحْوَ صَوَّانٍ، وَحَيَّانٍ ; وَكَذَلِكَ أَظْهَرَهَا الْعَرَبُ مَعَ الْمِيمِ فِي الْكَلِمَةِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِمْ شَاةٌ زَنْمَاءُ، وَغَنَمٌ زَنْمٌ، وَلَمْ يَقَعْ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ رَأْيُ أَئِمَّتِنَا فِي ذِكْرِ النُّونِ مَعَ هَذِهِ الْحُرُوفِ فَكَانَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ مِمَّنْ يَذْهَبُ إِلَى عَدَمِ ذِكْرِهَا مَعَهُنَّ قَالَ فِي جَامِعِهِ، وَالْقُرَّاءُ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ يَقُولُونَ: تُدْغَمُ النُّونُ السَّاكِنَةُ وَالتَّنْوِينُ فِي سِتَّةِ أَحْرُفٍ فَيَزِيدُونَ النُّونَ نَحْوَ مِنْ نَارٍ، يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ قَالَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ جَمَعَ السِّتَّةَ الْأَحْرُفَ فِي كَلِمَةِ " يَرْمُلُونَ " قَالَ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنْهُ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا عَنْهُ فِي كِتَابِهِ (السَّبْعَةُ) أَنَّ النُّونَ السَّاكِنَةَ وَالتَّنْوِينَ يُدْغِمَانِ فِي الرَّاءِ وَاللَّامِ وَالْمِيمِ وَالْيَاءِ وَالْوَاوِ وَلَمْ يَذْكُرِ النُّونَ إِذْ لَا مَعْنَى لِذِكْرِهَا مَعَهُنَّ؛ لِأَنَّهَا إِذَا أَتَتْ سَاكِنَةً وَلَقِيَتْ مِثْلَهَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِدْغَامِهَا فِيهَا ضَرُورَةً، وَكَذَلِكَ التَّنْوِينُ كَسَائِرِ الْمِثْلَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا وَسَكَنَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ صَحَّ أَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ جَمَعَ كَلِمَةَ يَرْمُلُونَ السِّتَّةَ الْأَحْرُفَ لَكَانَ إِنَّمَا جَمَعَ مِنْهَا النُّونَ وَمَا تُدْغَمُ فِيهِ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ إِنْ أُرِيدَ بِإِدْغَامِ النُّونِ فِي غَيْرِ مِثْلِهَا فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لِذِكْرِ النُّونِ فِي حُرُوفِ الْإِدْغَامِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِإِدْغَامِهَا مُطْلَقُ مَا يُدْغَمَانِ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النُّونِ فِيهَا وَعَلَى ذَلِكَ مَشَى الدَّانِيُّ فِي تَيْسِيرِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَاخْتَلَفَ أَيْضًا رَأْيُهُمْ فِي الْغُنَّةِ الظَّاهِرَةِ حَالَةَ إِدْغَامِ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ فِي الْمِيمِ هَلْ هِيَ غُنَّةُ النُّونِ الْمُدْغَمَةِ، أَوْ غُنَّةُ الْمِيمِ الْمَقْلُوبَةِ لِلْإِدْغَامِ؟ فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ كِيسَانَ النَّحْوِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِيُّ، وَغَيْرُهُمَا وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ
(2/25)

تِلْكَ الْغُنَّةَ غُنَّةُ الْمِيمِ لَا غُنَّةُ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ لِانْقِلَابِهِمَا إِلَى لَفْظِهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الدَّانِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ ذَهَبَ بِالْقَلْبِ فَلَا فَرْقَ فِي اللَّفْظِ بِالنُّطْقِ بَيْنَ مِنْ مَنْ، وَإِنَّ مِنَ وَبَيْنَ هُمْ مِنْ، وَأَمْ مَنْ وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ إِدْغَامُ الْغُنَّةِ وَإِذْهَابُهَا عِنْدَ الْمِيمِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، إِذْ لَا يُمْكِنُ النُّطْقُ بِهِ وَلَا هُوَ فِي الْفِطْرَةِ وَلَا الطَّاقَةِ وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ، وَالنَّحْوِيِّينَ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِذَلِكَ غُنَّةَ الْمُدْغَمِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ (الْقَلْبُ) فَعِنْدَ حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهِيَ الْبَاءُ فَإِنَّ النُّونَ السَّاكِنَةَ وَالتَّنْوِينَ يُقْلَبَانِ عِنْدَهَا مِيمًا خَالِصَةً مِنْ غَيْرِ إِدْغَامٍ وَذَلِكَ نَحْوَ أَنْبِئْهُمْ، وَمِنْ بَعْدِ، وَصُمٌّ بُكْمٌ وَلَا بُدَّ مِنْ إِظْهَارِ الْغُنَّةِ مَعَ ذَلِكَ فَيَصِيرُ فِي الْحَقِيقَةِ إِخْفَاءُ الْمِيمِ الْمَقْلُوبَةِ عِنْدَ الْبَاءِ فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ فِي اللَّفْظِ بَيْنَ أَنْ بُورِكَ، وَبَيْنَ: يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي إِخْفَاءِ الْمِيمِ وَلَا فِي إِظْهَارِ الْغُنَّةِ فِي ذَلِكَ وَمَا وَقَعَ فِي كُتُبِ بَعْضِ مُتَأَخِّرِيِ الْمَغَارِبَةِ مِنْ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَوَهْمٌ، وَلَعَلَّهُ انْعَكَسَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ عِنْدَ الْبَاءِ. وَالْعَجَبُ أَنَّ شَارِحَ أُرْجُوزَةِ ابْنِ بَرِّي فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ حَكَى ذَلِكَ عَنِ الدَّانِيِّ. وَإِنَّمَا حَكَى الدَّانِيُّ ذَلِكَ فِي الْمِيمِ السَّاكِنَةِ لَا الْمَقْلُوبَةِ وَاخْتَارَ مَعَ ذَلِكَ الْإِخْفَاءَ. وَقَدْ بَسَطْنَا بَيَانَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ (الْإِخْفَاءُ) وَهُوَ عِنْدَ بَاقِي حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَجُمْلَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ حَرْفًا وَهِيَ: التَّاءُ، وَالثَّاءُ، وَالْجِيمُ، وَالدَّالُ، وَالذَّالُ، وَالزَّايُ، وَالسِّينُ، وَالشِّينُ، وَالصَّادُ، وَالضَّادُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ، وَالْفَاءُ، وَالْقَافُ، وَالْكَافُ. نَحْوَ: كُنْتُمْ، وَمَنْ تَابَ، جَنَّاتٍ تَجْرِي، وَالْأُنْثَى، مِنْ ثَمَرَةٍ، قَوْلًا ثَقِيلًا، أَنْجَيْتَنَا، إِنْ جَعَلَ، خَلْقٍ جَدِيدٍ، أَنْدَادًا، مِنْ دَابَّةٍ، وَكَأْسًا دِهَاقًا، أَأَنْذَرْتَهُمْ، مِنْ ذَهَبٍ، وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ، تَنْزِيلُ، مِنْ زَوَالٍ، صَعِيدًا زَلَقًا، وَالْإِنْسَانُ، مِنْ سُوءٍ. وَرَجُلًا سَلَمًا، فَأَنْشَرْنَا، إِنْ شَاءَ، غَفُورٌ شَكُورٌ، وَالْأَنْصَارِ، أَنْ صَدُّوكُمْ، جِمَالَةٌ صُفْرٌ، مَنْضُودٍ، مَنْ ضَلَّ، وَكُلًّا ضَرَبْنَا، الْمُقَنْطَرَةِ، مِنْ طِينٍ، صَعِيدًا طَيِّبًا،
(2/26)

يُنْظَرُونَ، مِنْ ظَهِيرٍ، ظِلًّا ظَلِيلًا، فَانْفَلَقَ، مِنْ فَضْلِهِ، خَالِدًا فِيهَا، فَانْقَلَبُوا، مِنْ قَرَارٍ، سَمِيعٌ قَرِيبٌ، الْمُنْكَرِ، مِنْ كِتَابٍ، كِتَابٌ كَرِيمٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِخْفَاءَ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا هُوَ حَالٌ بَيْنَ الْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ. قَالَ الدَّانِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ النُّونَ وَالتَّنْوِينَ لَمْ يَقْرُبَا مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ كَقُرْبِهِمَا مِنْ حُرُوفِ الْإِدْغَامِ فَيَجِبُ إِدْغَامُهُمَا فِيهِنَّ مِنْ أَجْلِ الْقُرْبِ وَلَمْ يَبْعُدَا مِنْهُنَّ كَبُعْدِهِمَا مِنْ حُرُوفِ الْإِظْهَارِ فَيَجِبُ إِظْهَارُهُمَا عِنْدَهُنَّ مِنْ أَجْلِ الْبُعْدِ فَلَمَّا عُدِمَ الْقُرْبُ الْمُوجِبُ لِلْإِدْغَامِ وَالْبُعْدُ الْمُوجِبُ لِلْإِظْهَارِ أُخْفِيَا عِنْدَهُنَّ فَصَارَا لَا مُدْغَمَيْنِ وَلَا مُظْهَرَيْنِ، إِلَّا أَنَّ إِخْفَاءَهُمَا عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِمَا مِنْهُنَّ، وَبُعْدِهِمَا عَنْهُنَّ فَمَا قَرُبَا مِنْهُ كَانَا عِنْدَهُ أَخْفَى مِمَّا بَعُدَا عِنْدَهُ قَالَ: وَالْفَرْقُ عِنْدَ الْقُرَّاءِ، وَالنَّحْوِيِّينَ بَيْنَ الْمَخْفِيِّ وَالْمُدْغَمِ أَنَّ الْمَخْفِيَّ مُخَفَّفٌ وَالْمُدْغَمَ مُشَدَّدٌ انْتَهَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) : أَنَّ مَخْرَجَ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ مَعَ حُرُوفِ الْإِخْفَاءِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الْخَيْشُومِ فَقَطْ وَلَا حَظَّ لَهُمَا مَعَهُنَّ فِي الْفَمِ لِأَنَّهُ لَا عَمَلَ لِلِّسَانِ فِيهِمَا كَعَمَلِهِ فِيهِمَا مَعَ مَا يَظْهَرَانِ عِنْدَهُ، أَوْ مَا يُدْغَمَانِ فِيهِ بِغُنَّةٍ وَحُكْمُهُمَا مَعَ الْغَيْنِ وَالْخَاءِ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ أَجْرَى الْغَيْنَ وَالْخَاءَ مَجْرَى حُرُوفِ الْفَمِ لِلتَّقَارُبِ الَّذِي بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُنَّ، فَصَارَ مَخْرَجُ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ مَعَهُمَا كَمَخْرَجِهِمَا مَعَهُنَّ، وَمَخْرَجُهُمَا عَلَى مَذْهَبِ الْبَاقِينَ الْمُظْهِرِينَ مِنْ أَصْلِ مَخْرَجِهِمَا، وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ أَجْرَوُا الْعَيْنَ وَالْخَاءَ مَجْرَى بَاقِي حُرُوفِ الْحَلْقِ لِكَوْنِهِمَا مِنْ جُمْلَتِهِنَّ دُونَ حُرُوفِ الْفَمِ.
(الثَّانِي) : الْإِدْغَامُ بِالْغُنَّةِ فِي الْوَاوِ وَالْيَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي اللَّامِ وَالرَّاءِ عِنْدَ مَنْ رَوَى ذَلِكَ هُوَ إِدْغَامٌ غَيْرُ كَامِلٍ مِنْ أَجْلِ الْغُنَّةِ الْبَاقِيَةِ مَعَهُ. وَهُوَ عِنْدَ مَنْ أَذْهَبَ الْغُنَّةَ إِدْغَامٌ كَامِلٌ. وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا إِنَّمَا هُوَ إِخْفَاءٌ، وَإِطْلَاقُ الْإِدْغَامِ
(2/27)

عَلَيْهِ مَجَازٌ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ فَقَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ إِخْفَاءٌ لَا إِدْغَامٌ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ لَهُ إِدْغَامٌ مَجَازًا. قَالَ: وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إِخْفَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُبْقِي الْغُنَّةَ وَيَمْنَعُ تَمْحِيضَ الْإِدْغَامِ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَشْدِيدٍ يَسِيرٍ فِيهِمَا. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكَابِرِ قَالُوا: الْإِخْفَاءُ مَا بَقِيَتْ مَعَهُ الْغُنَّةُ (قُلْتُ) : وَالصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ إِدْغَامٌ نَاقِصٌ مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْغُنَّةِ الْمَوْجُودَةِ مَعَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ صَوْتِ الْإِطْبَاقِ الْمَوْجُودِ مَعَ الْإِدْغَامِ فِي أَحَطتُ ; وَبَسَطْتَ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِدْغَامٌ وُجُودُ التَّشْدِيدِ فِيهِ إِذِ التَّشْدِيدُ مُمْتَنِعٌ مَعَ الْإِخْفَاءِ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو: فَمَنْ أَبْقَى غُنَّةَ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ مَعَ الْإِدْغَامِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِدْغَامًا صَحِيحًا فِي مَذْهَبِهِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ بَابِ الْإِدْغَامِ الصَّحِيحِ أَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ مِنَ الْحَرْفِ الْمُدْغَمِ أَثَرٌ إِذْ كَانَ لَفْظُهُ يَنْقَلِبُ إِلَى لَفْظِ الْمُدْغَمِ فِيهِ فَيَصِيرُ مَخْرَجُهُ مِنْ مَخْرَجِهِ بَلْ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كَالْإِخْفَاءِ الَّذِي يَمْتَنِعُ فِيهِ الْحَرْفُ مِنَ الْقَلْبِ لِظُهُورِ صَوْتِ الْمُدْغَمِ وَهُوَ الْغُنَّةُ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَدْغَمَ النُّونَ وَالتَّنْوِينَ وَلَمْ يُبْقِ غُنَّتَهُمَا قَلَبَهُمَا حَرْفًا خَالِصًا مِنْ جِنْسِ مَا يُدْغَمَانِ فِيهِ؟ فَعُدِمَتِ الْغُنَّةُ بِذَلِكَ رَأْسًا فِي مَذْهَبِهِ ; إِذْ غَيْرُ مُمْكِنٍ أَنْ تَكُونَ مُنْفَرِدَةً فِي غَيْرِ حَرْفٍ، أَوْ مُخَالِطَةً لِحَرْفٍ لَا غُنَّةَ فِيهِ لِأَنَّهَا مِمَّا تَخْتَصُّ بِهِ النُّونُ وَالْمِيمُ لَا غَيْرَ.
(الثَّالِثُ) : أَطْلَقَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْغُنَّةِ فِي اللَّامِ وَعَمَّمَ كُلَّ مَوْضِعٍ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إِذَا كَانَ مُنْفَصِلًا رَسْمًا نَحْوَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، أَنْ لَا يَقُولُوا وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مِمَّا ثَبَتَتِ النُّونُ فِيهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مُنْفَصِلًا رَسْمًا نَحْوَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ. فِي هُودٍ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ فِي الْكَهْفِ. وَنَحْوَهُ مِمَّا حُذِفَتْ مِنْهُ النُّونُ فَإِنَّهُ لَا غُنَّةَ فِيهِ لِمُخَالَفَةِ الرَّسْمِ فِي ذَلِكَ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، قَالَ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ: وَاخْتَارَ فِي مَذْهَبِ مَنْ يُبْقِي الْغُنَّةَ مَعَ الْإِدْغَامِ عِنْدَ اللَّامِ أَلَّا يُبْقِيَهَا إِذَا عُدِمَ رَسْمُ النُّونِ فِي الْخَطِّ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى مُخَالَفَتِهِ لِلَفْظِهِ بِنُونٍ لَيْسَتْ فِي الْكِتَابِ. قَالَ: وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فِي هُودٍ، وَفِي قَوْلِهِ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا
(2/28)

فِي الْكَهْفِ وَأَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ فِي الْقِيَامَةِ قَالَ: وَكَذَلِكَ أَلَّا تَعُولُوا ; أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ، أَلَّا تَطْغَوْا وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَمْ تُرْسَمْ فِيهِ النُّونُ، وَذَلِكَ عَلَى لُغَةِ مَنْ تَرَكَ الْغُنَّةَ وَلَمْ يُبْقِ لِلنُّونِ أَثَرًا قَالَ: وَجُمْلَةُ الْمَرْسُومِ ذَلِكَ بِالنُّونِ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَاتِبُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَئِمَّتِهِ عَشَرَةُ مَوَاضِعَ: أَوَّلُهَا فِي الْأَعْرَافِ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَأَنْ لَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَفِي التَّوْبَةِ أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ، وَفِي هُودٍ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَفِي الْحَجِّ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، وَفِي يس أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ، وَفِي الدُّخَانِ وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ، وَفِي الْمُمْتَحِنَةِ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَفِي ن وَالْقَلَمِ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ قَالَ: وَاخْتَلَفَتِ الْمَصَاحِفُ فِي قَوْلِهِ فِي الْأَنْبِيَاءِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ قَالَ: وَقَرَأْتُ الْبَابَ كُلَّهُ الْمَرْسُومَ مِنْهُ بِالنُّونِ وَالْمَرْسُومَ بِغَيْرِ نُونٍ بِبَيَانِ الْغُنَّةِ، وَإِلَى الْأَوَّلِ أَذْهَبُ (قُلْتُ) : وَكَذَا قَرَأْتُ أَنَا عَلَى بَعْضِ شُيُوخِي بِالْغُنَّةِ وَلَا آخُذُ بِهِ غَالِبًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ إِطْلَاقِهِمْ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَطْلَقُوا إِدْغَامَ النُّونِ بِغُنَّةٍ. وَلَا نُونَ فِي الْمُتَّصِلِ مِنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(الرَّابِعُ) إِذَا قُرِئَ بِإِظْهَارِ الْغُنَّةِ مِنَ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ فِي اللَّامِ وَالرَّاءِ لِلسُّوسِيِّ، وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فَيَنْبَغِي قِيَاسًا إِظْهَارُهَا مِنَ النُّونِ الْمُتَحَرِّكَةِ فِيهِمَا نَحْوَ نُؤْمِنَ لَكَ، زُيِّنَ لِلَّذِينَ، تَبَيَّنَ لَهُ وَنَحْوَ تَأَذَّنَ رَبُّكَ، خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذِ النُّونُ مِنْ ذَلِكَ تَسْكُنُ أَيْضًا لِلْإِدْغَامِ، وَبِعَدَمِ الْغُنَّةِ قَرَأْتُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَفِي السَّاكِنِ وَالْمُتَحَرِّكِ وَبِهِ آخُذُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقَارِئَ بِإِظْهَارِ الْغُنَّةِ إِنَّمَا يَقْرَأُ بِذَلِكَ فِي وَجْهِ الْإِظْهَارِ أَيْ حَيْثُ لَمْ يُدْغِمِ الْإِدْغَامَ الْكَبِيرَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

بَابُ مَذَاهِبِهِمْ فِي الْفَتْحِ وَالْإِمَالَةِ وَبَيْنَ اللَّفْظَيْنِ
وَالْفَتْحُ هُنَا عِبَارَةٌ عَنْ فَتْحِ الْقَارِئِ لِفِيهِ بِلَفْظِ الْحَرْفِ وَهُوَ فِيمَا بَعْدَهُ أَلِفٌ أَظْهَرُ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا التَّفْخِيمُ، وَرُبَّمَا قِيلَ لَهُ النَّصْبُ. وَيَنْقَسِمُ إِلَى فَتْحٍ شَدِيدٍ
(2/29)

وَفَتْحٍ مُتَوَسِّطٍ. فَالشَّدِيدُ هُوَ نِهَايَةُ فَتْحِ الشَّخْصِ فَمَهُ بِذَلِكَ الْحَرْفِ. وَلَا يَجُوزُ فِي الْقُرْآنِ بَلْ هُوَ مَعْدُومٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ. وَإِنَّمَا يُوجَدُ فِي لَفْظِ عَجَمِ الْفُرْسِ وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ خُرَاسَانَ. وَهُوَ الْيَوْمَ فِي أَهْلِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ أَيْضًا، وَلَمَّا جَرَتْ طِبَاعُهُمْ عَلَيْهِ فِي لُغَتِهِمُ اسْتَعْمَلُوهُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَجَرُوا عَلَيْهِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُهُمْ، وَانْتَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُمْ حَتَّى فَشَا فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الْقِرَاءَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا وَهَذَا هُوَ التَّفْخِيمُ الْمَحْضُ. وَمِمَّنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْفَتْحِ الْمَحْضِ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُوَضِّحِ قَالَ: وَالْفَتْحُ الْمُتَوَسِّطُ هُوَ مَا بَيْنَ الْفَتْحِ الشَّدِيدِ وَالْإِمَالَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ أَصْحَابُ الْفَتْحِ مِنَ الْقُرَّاءِ انْتَهَى. وَيُقَالُ لَهُ التَّرْقِيقُ، وَقَدْ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا التَّفْخِيمُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ ضِدُّ الْإِمَالَةِ

وَالْإِمَالَةُ أَنْ تَنْحُوَ بِالْفَتْحَةِ نَحْوَ الْكَسْرَةِ وَبِالْأَلِفِ نَحْوَ الْيَاءِ (كَثِيرًا وَهُوَ الْمَحْضُ. وَيُقَالُ لَهُ: الْإِضْجَاعُ، وَيُقَالُ لَهُ: الْبَطْحُ، وَرُبَّمَا قِيلَ لَهُ الْكَسْرُ أَيْضًا) وَقَلِيلًا وَهُوَبَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا التَّقْلِيلُ وَالتَّلْطِيفُ وَبَيْنَ بَيْنَ ; فَهِيَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى قِسْمَيْنِ إِمَالَةٌ شَدِيدَةٌ وَإِمَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ فِي الْقِرَاءَةِ جَارٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ. وَالْإِمَالَةُ الشَّدِيدَةُ يُجْتَنَبُ مَعَهَا الْقَلْبُ الْخَالِصُ وَالْإِشْبَاعُ الْمُبَالَغُ فِيهِ وَالْإِمَالَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الْفَتْحِ الْمُتَوَسِّطِ وَبَيْنَ الْإِمَالَةِ الشَّدِيدَةِ. قَالَ الدَّانِيُّ: وَالْإِمَالَةُ وَالْفَتْحُ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فَاشِيَتَانِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُصَحَاءِ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ. فَالْفَتْحُ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَالْإِمَالَةُ لُغَةُ عَامَّةِ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ تَمِيمٍ وَأَسْدٍ وَقَيْسٍ قَالَ: وَعُلَمَاؤُنَا مُخْتَلِفُونَ فِي أَيٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ، أَوْجَهُ وَأَوْلَى، قَالَ: وَأَخْتَارُ الْإِمَالَةَ الْوُسْطَى الَّتِي هِيَ بَيْنَ بَيْنَ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْإِمَالَةِ حَاصِلٌ بِهَا وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ أَصْلَ الْأَلِفِ الْيَاءُ، أَوِ التَّنْبِيهُ عَلَى انْقِلَابِهَا إِلَى الْيَاءِ فِي مَوْضِعٍ، أَوْ مُشَاكَلَتِهَا لِلْكَسْرِ الْمُجَاوِرِ لَهَا، أَوِ الْيَاءِ. ثُمَّ أَسْنَدَ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ قَالَ: فَالْإِمَالَةُ لَا شَكَّ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ وَمِنْ لُحُونِ
(2/30)

الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْأَلِفَ وَالْيَاءَ فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءٌ قَالَ: يَعْنِي بِالْأَلِفِ وَالْيَاءِ التَّفْخِيمَ وَالْإِمَالَةَ. وَأَخْبَرَنِي شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُقْرِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الرَّقِّيُّ الْمُقْرِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ. أَخْبَرَنَا الشِّهَابُ مُحَمَّدُ بْنُ مُزْهِرٍ الْمُقْرِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ الْمُقْرِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ دَاوُدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُلَاعِبٍ (ح) وَقَرَأْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ الْمِزِّيِّ أَنْبَأَكَ (1) عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُلَاعِبٍ حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّهْرُزُورِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَيُّوبَ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ ; حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ; حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ الضَّرِيرُ الْمُقْرِيُّ ; حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّرِيرُ الْكُوفِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ طه وَلَمْ يَكْسِرْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: طه وَكَسَرَ الطَّاءَ وَالْهَاءَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: طه وَلَمْ يَكْسِرْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: طه وَكَسَرَ الطَّاءَ وَالْهَاءَ فَقَالَ الرَّجُلُ: طه وَلَمْ يَكْسِرْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: طه وَكَسَرَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَهَكَذَا عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ مُسَلْسَلٌ بِالْقُرَّاءِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي تَارِيخِ الْقُرَّاءِ عَنْ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ بِشْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُسَاوِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ فَذَكَرَهُ. وَأَبُو عَاصِمٍ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا الْمَكْفُوفُ وَيُعْرَفُ بِالْمَسْجِدِيِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ شَيْخُهُ هُوَ الْعَزْرَمِيُّ الْكُوفِيُّ مِنْ شُيُوخِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، ذَهَبَتْ كُتُبُهُ فَكَانَ يُحَدِّثُ مَنْ حِفْظِهِ فَأَتَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَبَاقِي رِجَالُ إِسْنَادِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي كَوْنِ الْإِمَالَةِ فَرْعًا عَنِ الْفَتْحِ، أَوْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَصْلٌ بِرَأْسِهِ
__________
(1) : هكذا بالأصل
(2/31)

مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ صَحِيحَتَانِ نَزَلَ بِهِمَا الْقُرْآنُ. فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَصَالَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَعَدَمِ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْآخَرِ. وَكَذَلِكَ التَّفْخِيمُ وَالتَّرْقِيقُ وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِمَالَةً إِلَّا بِسَبَبٍ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ فَتْحٌ وَلَا تَفْخِيمٌ إِلَّا بِسَبَبٍ. قَالُوا: وَوُجُودُ السَّبَبِ لَا يَقْتَضِي الْفَرْعِيَّةَ وَلَا الْأَصَالَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ الْفَتْحَ هُوَ الْأَصْلُ وَإِنَّ الْإِمَالَةَ فَرْعٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِمَالَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عِنْدَ وُجُودِ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ فَإِنْ فُقِدَ سَبَبٌ مِنْهَا لَزِمَ الْفَتْحُ وَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْهَا جَازَ الْفَتْحُ وَالْإِمَالَةُ فَمَا مِنْ كَلِمَةٍ تُمَالُ إِلَّا وَفِي الْعَرَبِ مَنْ يَفْتَحُهَا وَلَا يُقَالُ: كُلُّ كَلِمَةٍ تُفْتَحُ فَفِي الْعَرَبِ مَنْ يُمِيلُهَا. قَالُوا: فَاسْتَدْلَلْنَا بِاطِّرَادِ الْفَتْحِ وَتَوَقُّفِ الْإِمَالَةِ عَلَى أَصَالَةِ الْفَتْحِ وَفَرْعِيَّةِ الْإِمَالَةِ. قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِمَالَةَ تُصَيِّرُ الْحَرْفَ بَيْنَ حَرْفَيْنِ بِمَعْنَى أَنَّ الْأَلِفَ الْمُمَالَةَ بَيْنَ الْأَلِفِ الْخَالِصَةِ وَالْيَاءِ. وَكَذَلِكَ الْفَتْحَةُ الْمُمَالَةُ بَيْنَ الْفَتْحَةِ الْخَالِصَةِ وَالْكَسْرَةِ، وَالْفَتْحُ يُبْقِي الْأَلِفَ وَالْفَتْحَةَ عَلَى أَصْلِهِمَا قَالُوا: فَلَزِمَ أَنَّ الْفَتْحَ هُوَ الْأَصْلُ وَالْإِمَالَةَ فَرْعٌ (قُلْتُ) : وَلِكُلٍّ مِنَ الرَّأْيَيْنِ وَجْهٌ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ التَّرْجِيحِ. فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَلْيُعْلَمْ أَنَّ لِلْإِمَالَةِ أَسْبَابًا وَوُجُوهًا وَفَائِدَةً وَمَنْ يُمِيلُ وَمَا يُمَالُ.

(فَأَسْبَابُ الْإِمَالَةِ) قَالُوا: هِيَ عَشَرَةٌ تَرْجِعُ إِلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْكَسْرَةُ. وَالثَّانِي الْيَاءُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَى مَحَلِّ الْإِمَالَةِ مِنَ الْكَلِمَةِ وَيَكُونُ مُتَأَخِّرًا وَيَكُونُ أَيْضًا مُقَدَّرًا فِي مَحَلِّ الْإِمَالَةِ، وَقَدْ تَكُونُ الْكَسْرَةُ وَالْيَاءُ غَيْرَ مَوْجُودَتَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَلَا مُقَدَّرَتَيْنِ مَحَلَّ الْإِمَالَةِ وَلَكِنَّهُمَا مِمَّا يَعْرِضُ فِي بَعْضِ تَصَارِيفِ الْكَلِمَةِ، وَقَدْ تُمَالُ الْأَلِفُ، أَوِ الْفَتْحَةُ لِأَجْلِ أَلِفٍ أُخْرَى، أَوْ فَتْحَةٍ أُخْرَى مُمَالَةٍ وَتُسَمَّى هَذِهِ إِمَالَةٌ لِأَجْلِ إِمَالَةٍ، وَقَدْ تُمَالُ الْأَلِفُ تَشْبِيهًا بِالْأَلِفِ الْمُمَالَةِ (قُلْتُ) : وَتُمَالُ أَيْضًا بِسَبَبِ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَلِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْحَرْفِ فَتَبَعِ الْأَسْبَابِ اثْنَيْ عَشَرَ سَبَبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا الْإِمَالَةُ لِأَجْلِ كَسْرَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْكَسْرَةُ
(2/32)

مُلَاصِقَةً لِلْأَلِفِ إِذْ لَا تَثْبُتُ الْأَلِفُ إِلَّا بَعْدَ فَتْحَةٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ بَيْنَ الْكَسْرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْأَلِفِ الْمُمَالَةِ فَاصِلٌ وَأَقَلُّهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ مَفْتُوحٌ نَحْوَ كِتَابٍ وَحِسَابٍ وَهَذَا الْفَاصِلُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِاعْتِبَارِ الْأَلِفِ فَأَمَّا الْفَتْحَةُ الْمُمَالَةُ فَلَا فَاصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَسْرَةِ. وَالْفَتْحَةُ مَبْدَأُ الْأَلِفِ وَمَبْدَأُ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِنْهُ فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْأَلِفِ وَالْكَسْرَةِ حَائِلٌ، وَقَدْ يَكُونُ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْأَلِفِ وَالْكَسْرَةِ حَرْفَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ، أَوَّلُهُمَا سَاكِنًا، أَوْ يَكُونَا مَفْتُوحَيْنِ وَالثَّانِي هَاءٌ نَحْوَ إِنْسَانٍ وَيَضْرِبُهَا مِنْ أَجْلِ خَفَاءِ الْهَاءِ وَكَوْنِ السَّاكِنِ حَاجِزًا غَيْرَ حَصِينٍ فَكَأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْكَسْرَةِ وَالْأَلِفِ إِلَّا حَرْفٌ وَاحِدٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَمَالَ مَرَرْتُ بِهَا كَانَتِ الْكَسْرَةُ عِنْدَ الْأَلِفِ فِي الْحُكْمِ. وَإِنْ فُصِلَتِ الْهَاءُ فِي اللَّفْظِ. وَأَمَّا إِمَالَتُهُمْ دِرْهَمَانِ فَقِيلَ مِنْ أَجْلِ الْكَسْرَةِ قَبْلُ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِالْحَرْفَيْنِ الْفَاصِلَيْنِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ الْكَسْرَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْيَاءُ الْمُتَقَدِّمَةُ، فَقَدْ تَكُونُ مُلَاصِقَةً لِلْأَلِفِ الْمُمَالَةِ نَحْوَ إِمَالَةِ: أَيَّامًا، وَالْحَيَاةَ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: السَّيَّالُ (بِفَتْحِ السِّينِ) وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الشَّجَرِ لَهُ شَوْكٌ وَهِيَ مِنَ الْعِضَاهِ، وَقَدْ يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِحَرْفٍ نَحْوَ: شَيْبَانَ. وَقَدْ يُفْصَلُ بِحَرْفَيْنِ أَحَدُهُمَا الْهَاءُ نَحْوَ: يَدِهَا. وَقَدْ يَكُونُ الْفَاصِلُ غَيْرَ ذَلِكَ نَحْوَ رَأَيْتُ يَدَنَا.
وَأَمَّا الْإِمَالَةُ مِنْ أَجْلِ الْكَسْرَةِ بَعْدَ الْأَلِفِ الْمُمَالَةِ نَحْوَ: عَابِدٍ. وَقَدْ تَكُونُ الْكَسْرَةُ عَارِضَةً نَحْوَ مِنَ النَّاسِ، وَفِي النَّارِ لِأَنَّ حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ غَيْرُ لَازِمَةٍ (وَأَمَّا الْإِمَالَةُ لِأَجْلِ الْيَاءِ بَعْدَ الْأَلِفِ الْمُمَالَةِ فَنَحْوَ: مُبَايِعٍ)
وَأَمَّا الْإِمَالَةُ لِأَجْلِ الْكَسْرَةِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الْمَحَلِّ الْمُمَالِ فَنَحْوَ: خَافَ. أَصْلُهُ: خَوِفَ بِكَسْرِ عَيْنِ الْكَلِمَةِ وَهِيَ الْوَاوُ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا
(2/33)

وَأَمَّا الْإِمَالَةُ لِأَجْلِ الْيَاءِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الْمَحَلِّ الْمُمَالِ فَنَحْوَ: يَخْشَى، وَالْهُدَى، وَأَتَى، وَالثَّرَى تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ فِي ذَلِكَ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا وَأَمَّا الْإِمَالَةُ لِأَجْلِ كَسْرَةٍ تَعْرِضُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِ الْكَلِمَةِ فَنَحْوَ: طَابَ، وَجَاءَ، وَشَاءَ، وَزَادَ. لِأَنَّ الْفَاءَ تُكْسَرُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا اتَّصَلَ بِهَا الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ وَنُونِ جَمَاعَةِ الْإِنَاثِ فَتَقُولُ: طِبْتُ، وَجِئْتُ، وَشِئْتُ، وَزِدْتُ. وَهَذَا قَوْلُ سِيِبَوَيْهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْإِمَالَةَ فِيهِ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ أَنَّ الْأَلِفَ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ وَلَكِنْ إِذَا أَطْلَقُوا الْمُنْقَلِبَ عَنْ يَاءٍ، أَوْ وَاوٍ فِي هَذَا الْبَابِ فَلَا يُرِيدُونَ إِلَّا الْمُتَطَرِّفَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْإِمَالَةُ لِأَجْلِ يَاءٍ تَعْرِضُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَنَحْوَ: تَلَا وَغَزَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَلِفَ فِيهِمَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوِ التِّلَاوَةِ وَالْغَزْوِ، وَإِنَّمَا أَمُيِلَتْ فِي لُغَةِ مَنْ أَمَالَهَا لِأَنَّكَ تَقُولُ إِذَا بَنَيْتَ الْفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ: تُلِيَ وَغُزِيَ مَعَ بَقَاءِ عِدَّةِ الْحُرُوفِ كَمَا كَانَتْ حِينَ بَنَيْتَ الْفِعْلَ لِلْفَاعِلِ وَأَمَّا الْإِمَالَةُ لِأَجْلِ الْإِمَالَةِ فَنَحْوَ إِمَالَةِ: (تَرَاءَ) أَمَالُوا الْأَلِفَ الْأُولَى مِنْ أَجْلِ إِمَالَةِ الْأَلِفِ الثَّانِيَةِ الْمُنْقَلِبَةِ عَنِ الْيَاءِ، وَقَالُوا: رَأَيْتُ عِمَادًا فَأَمَالُوا الْأَلِفَ الْمُبَدْلَةَ مِنَ التَّنْوِينِ لِأَجْلِ إِمَالَةِ الْأَلِفِ الْأُولَى الْمُمَالَةِ لِأَجْلِ الْكَسْرَةِ وَقِيلَ فِي إِمَالَةِ وَالضُّحَى وَالْقُوَى وَضُحَاهَا وَتَلَاهَا إِنَّهَا بِسَبَبِ إِمَالَةِ رُءُوسِ الْآيِ قَبْلُ، وَبَعْدُ فَكَانَتْ مِنَ الْإِمَالَةِ لِلْإِمَالَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ إِمَالَةُ قُتَيْبَةَ عَنِ الْكِسَائِيِّ الْأَلِفَ بَعْدَ النُّونِ مِنْ: إِنَّا لِلَّهِ لِإِمَالَةِ الْأَلِفِ مِنَ اللَّهِ وَلَمْ يُمِلْ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لِعَدَمِ ذَلِكَ بَعْدَهُ وَأَمَّا الْإِمَالَةُ لِأَجْلِ الشَّبَهِ فَإِمَالَةُ أَلِفِ التَّأْنِيثِ فِي نَحْوِ الْحُسْنَى وَأَلِفِ الْإِلْحَاقِ فِي نَحْوِ: أَرْطَى ; فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَأْرَطٌ لِشِبْهِ أَلِفَيْهِمَا بِأَلِفِ الْهُدَى الْمُنْقَلِبَةِ عَنِ الْيَاءِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: بِأَنَّ الْأَلِفَ تَنْقَلِبُ يَاءً فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَذَلِكَ إِذَا ثَنَّيْتَ قُلْتَ: الْحُسْنَيَانِ وَالْأَرْطَيَانِ، وَيَكُونُ الشَّبَهُ أَيْضًا بِالْمُشَبَّهِ بِالْمُنْقَلِبِ عَنِ الْيَاءِ كَإِمَالَتِهِمْ: مُوسَى وَعِيسَى، فَإِنَّهُ أُلْحِقَ بِأَلِفِ التَّأْنِيثِ الْمُشَبَّهَةِ بِأَلِفِ الْهُدَى، وَأَمَّا الْإِمَالَةُ لِأَجْلِ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَكَإِمَالَتِهِمُ الْحَجَّاجَ عَلَمًا لِكَثْرَتِهِ فِي
(2/34)

كَلَامِهِمْ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ إِمَالَةُ النَّاسِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ رَوَاهُ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي لُغَتِهِمْ لِكَثْرَةِ دَوْرِهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَلِفَ النَّاسِ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. وَأَمَّا الْإِمَالَةُ لِأَجْلِ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْحَرْفِ فَقَالَ: سِيبَوَيْهِ، وَقَالُوا: بَاءٌ وَتَاءٌ فِي حُرُوفِ الْمُعْجَمِ يَعْنِي بِالْإِمَالَةِ لِأَنَّهَا أَسْمَاءُ مَا يُلْفَظُ بِهِ فَلَيْسَتْ مِثْلَ مَا وَلَا، وَغَيْرِهَا مِنَ الْحُرُوفِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى السُّكُونِ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ. انْتَهَى. (قُلْتُ) : وَبِهَذَا السَّبَبِ أُمِيلَ مَا أُمِيلَ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي الْفَوَاتِحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَأَمَّا وُجُوهُ الْإِمَالَةِ) فَأَرْبَعَةٌ تَرْجِعُ إِلَى الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ، أَصْلُهَا اثْنَانِ وَهُمَا الْمُنَاسَبَةُ وَالْإِشْعَارُ فَأَمَّا الْمُنَاسَبَةُ فَقِسْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ فِيمَا أُمِيلَ لِسَبَبٍ مَوْجُودٍ فِي اللَّفْظِ، وَفِيمَا أُمِيلَ لِإِمَالَةِ غَيْرِهِ فَأَرَادُوا أَنْ يَكُونَ عَمَلُ اللِّسَانِ وَمُجَاوَرَةُ النُّطْقِ بِالْحَرْفِ الْمُمَالِ وَبِسَبَبِ الْإِمَالَةِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَعَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ. وَأَمَّا الْإِشْعَارُ فَثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (أَحَدُهَا) الْإِشْعَارُ بِالْأَصْلِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْأَلِفُ الْمُمَالَةُ مُنْقَلِبَةً عَنْ يَاءٍ، أَوْ عَنْ وَاوٍ مَكْسُورَةٍ (الثَّانِي) : الْإِشْعَارُ بِمَا يَعْرِضُ فِي الْكَلِمَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ ظُهُورِ كَسْرَةٍ، أَوْ يَاءٍ حَسْبَمَا تَقْتَضِيهِ التَّصَارِيفُ دُونَ الْأَصْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَزَا وَطَابَ (الثَّالِثُ) : الْإِشْعَارُ بِالشَّبَهِ الْمُشْعِرِ بِالْأَصْلِ، وَذَلِكَ كَإِمَالَةِ أَلِفِ التَّأْنِيثِ وَالْمُلْحَقِ بِهَا وَالْمُشَبَّهِ أَيْضًا.
(وَأَمَّا فَائِدَةُ الْإِمَالَةِ) فَهِيَ سُهُولَةُ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللِّسَانَ يَرْتَفِعُ بِالْفَتْحِ وَيَنْحَدِرُ بِالْإِمَالَةِ وَالِانْحِدَارُ أَخَفُّ عَلَى اللِّسَانِ مِنَ الِارْتِفَاعِ ; فَلِهَذَا أَمَالَ مَنْ أَمَالَ، وَأَمَّا مَنْ فَتَحَ فَإِنَّهُ رَاعَى كَوْنَ الْفَتْحِ أَمْتَنَ، أَوِ الْأَصْلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
إِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَإِنَّ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيَّ وَخَلَفًا أَمَالُوا كُلَّ أَلِفٍ مُنْقَلِبَةٍ عَنْ يَاءٍ حَيْثُ وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي اسْمٍ أَوْ فِعْلٍ، " فَالْأَسْمَاءُ " نَحْوَ: الْهُدَى. وَالْهَوَى، وَالْعَمَى، وَالزِّنَا، وَمَأْوَاهُ، وَمَأْوَاكُمُ، وَمَثْوَاهُ، وَمَثْوَاكُمْ وَنَحْوَ الْأَدْنَى، وَالْأَزْكَى، وَالْأَعْلَى. وَالْأَشْقَى، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَيَحْيَى " وَالْأَفْعَالُ " نَحْوُ أَتَى
(2/35)

وَأَبَى، وَسَعَى، وَيَخْشَى، وَيَرْضَى، وَفَسَوَّى، وَاجْتَبَى، وَاسْتَعْلَى وَتُعْرَفُ ذَوَاتُ الْيَاءِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَمِنَ الْأَفْعَالِ بِرَدِّ الْفِعْلِ إِلَيْكَ فَإِذَا ظَهَرَتِ الْيَاءُ فَهِيَ أَصْلُ الْأَلِفِ وَإِنْ ظَهَرَتِ الْوَاوُ فَهِيَ الْأَصْلُ أَيْضًا فَتَقُولُ فِي الْيَائِيِّ مِنَ الْأَسْمَاءِ: كَالْمَوْلَى وَالْفَتَى وَالْهُدَى وَالْهَوَى وَالْعَمَى وَالْمَأْوَى - مَوْلَيَانِ وَفَتَيَانِ وَهُدَيَانِ وَهَوَيَانِ وَعَمَيَانِ وَمَأْوَيَانِ وَفِي الْوَاوِيِّ ; مِنْهَا كَالصَّفَا وَشَفَا وَسَنَا وَأَبَا وَعَصَا - صَفَوَانِ وَشَفَوَانِ وَسَنَوَانِ، وَأَبَوَانِ وَعَصَوَانِ، وَكَذَلِكَ أَدْنَيَانِ وَأَزْكَيَانِ وَالْأَشْقَيَانِ وَالْأَعْلَيَانِ، وَتَقُولُ فِي الْيَائِيِّ مِنَ الْأَفْعَالِ فِي نَحْوِ: أَتَى وَرَمَى وَسَعَى وَعَسَى وَأَبَى وَارْتَضَى وَاشْتَرَى وَاسْتَعْلَى - أَتَيْتُ وَرَمَيْتُ وَسَعَيْتُ وَعَسَيْتُ وَأَبَيْتُ وَارْتَضَيْتُ وَاشْتَرَيْتُ وَاسْتَعْلَيْتُ. وَفِي الْوَاوِ مِنْهَا فِي نَحْوِ: دَعَا وَدَنَا وَعَفَا وَعَلَا وَبَدَا وَخَلَا - دَعَوْتُ وَدَنَوْتُ وَعَفَوْتُ وَعَلَوْتُ وَبَدَوْتُ وَخَلَوْتُ إِلَّا إِذَا زَادَ الْوَاوِيُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ يَائِيًّا وَيُعْتَبَرُ بِالْعَلَامَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَذَلِكَ كَالزِّيَادَةِ فِي الْفِعْلِ بِحُرُوفِ الْمُضَارَعَةِ وَآلَةِ التَّعْدِيَةِ، وَغَيْرِهِ نَحْوَ: تَرْضَى، وَتُدْعَى، وَتُبْلَى، وَيُدْعَى، وَيُتْلَى، وَيَزَّكَّى، وَزَكَّاهَا وَتَزَكَّى، وَنَجَّانَا، فَأَنْجَاهُ، وَإِذَا تُتْلَى، وَتَجَلَّى، فَمَنِ اعْتَدَى، فَتَعَالَى اللَّهُ، مَنِ اسْتَعْلَى وَمِنْ ذَلِكَ أَفْعَلُ فِي الْأَسْمَاءِ نَحْوَ: أَدْنَى، وَأَرْبَى، وَأَزْكَى، وَالْأَعْلَى لِأَنَّ لَفْظَ الْمَاضِي مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ تَظْهَرُ فِيهِ الْيَاءُ إِذَا رَدَدْتَ الْفِعْلَ إِلَى نَفْسِكِ نَحْوَ: زَكَّيْتُ، وَأَنْجَيْتُ، وَابْتَلَيْتُ، وَأَمَّا فِيمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ نَحْوَ: يُعَدَّى فَلِظُهُورِ الْيَاءِ فِي: دُعِيتُ، وَيُدْعَيَانِ، فَظَهَرَ أَنَّ الثُّلَاثِيَّ الْمَزِيدَ يَكُونُ اسْمًا نَحْوَ: أَدْنَى، وَفِعْلًا مَاضِيًا نَحْوَ: ابْتَلَى، وَأَنْجَى، وَمُضَارِعًا مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ نَحْوَ يَرْضَى وَلِلْمَفْعُولِ نَحْوَ: تُدْعَى. وَكَذَلِكَ يُمِيلُونَ كُلَّ أَلِفِ تَأْنِيثٍ جَاءَتْ مِنْ فَعْلَى مَفْتُوحِ الْفَاءِ، أَوْ مَضْمُومِهَا، أَوْ مَكْسُورِهَا نَحْوَ: الْمَوْتَى، وَمَرْضَى، وَالسَّلْوَى وَالتَّقْوَى، وَشَتَّى، وَطُوبَى، وَبُشْرَى، وَقُصْوَى، وَالدُّنْيَا، وَالْقُرْبَى، وَالْأُنْثَى، وَإِحْدَى، وَذِكْرَى، وَسِيمَا، وَضِيزَى، وَأَلْحَقُوا بِذَلِكَ يَحْيَى، وَمُوسَى، وَعِيسَى ; وَكَذَلِكَ يُمِيلُونَ مِنْهَا مَا كَانَ عَلَى وَزْنِ فُعَالَى مَضْمُومَ الْفَاءِ، أَوْ مَفْتُوحَهَا نَحْوَ: أُسَارَى، وَكُسَالَى، وَسُكَارَى، وَفُرَادَى، وَيَتَامَى، وَنَصَارَى، وَالْأَيَامَى
(2/36)

وَالْحَوَايَا، وَكَذَلِكَ أَمَالُوا مَا رُسِمَ فِي الْمَصَاحِفِ بِالْيَاءِ نَحْوَ: مَتَى، وَبَلَى، وَيَاأَسَفَى وَيَاوَيْلَتَى، وَيَاحَسْرَتَى، وَأَنَّى، وَهِيَ لِلِاسْتِفْهَامِ نَحْوُ أَنَّى شِئْتُمْ، أَنَّى ذَلِكَ وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ: حَتَّى وَإِلَى وَعَلَى وَلَدَى وَمَا زَكَى مِنْكُمْ فَلَمْ يُمِيلُوهُ. وَكَذَلِكَ أَمَالُوا أَيْضًا مِنَ الْوَاوِيِّ مَا كَانَ مَكْسُورَ الْأَوَّلِ، أَوْ مَضْمُومَهُ وَهُوَ الرِّبَا كَيْفَ وَقَعَ وَالضُّحَى كَيْفَ جَاءَ، وَالْقُوَى وَالْعُلَى فَقِيلَ لِأَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُثَنِّي مَا كَانَ كَذَلِكَ بِالْيَاءِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ فَيَقُولُ: رِبَيَانِ وَضُحَيَانِ، فِرَارًا مِنَ الْوَاوِ إِلَى الْيَاءِ لِأَنَّهَا أَخَفُّ حَيْثُ ثَقُلَتِ الْحَرَكَاتُ بِخِلَافِ الْمَفْتُوحِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ مَكِّيٌّ: مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ أَنْ يُثَنُّوا مَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ مَضْمُومَ الْأَوَّلِ، أَوْ مَكْسُورَهُ بِالْيَاءِ (قُلْتُ) : وَقَوَّى هَذَا السَّبَبَ سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ الْكَسْرَةُ قَبْلَ الْأَلِفِ فِي الرِّبَا وَكَوْنُ وَالضُّحَى، وَضُحَاهَا، وَالْقُوَى وَالْعُلَى رَأْسَ آيَةٍ. فَأُمِيلَ لِلتَّنَاسُبِ وَالسُّوَرُ الْمُمَالُ رُءُوسُ آيِهَا بِالْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ لِلْبِنَاءِ عَلَى نَسَقٍ هِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً وَهِيَ (طه وَالنَّجْمِ، وَسَأَلَ سَائِلٌ، وَالْقِيَامَةِ، وَالنَّازِعَاتِ، وَعَبَسَ، وَالْأَعْلَى، وَالشَّمْسِ، وَاللَّيْلِ، وَالضُّحَى، وَالْعَلَقِ) ، وَاخْتَصَّ الْكِسَائِيُّ دُونَ حَمْزَةَ وَخَلَفٍ، مِمَّا تَقَدَّمَ بِإِمَالَةِ أَحْيَاكُمْ وَفَأَحْيَا بِهِ وَأَحْيَاهَا حَيْثُ وَقَعَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْسُوقًا، أَوْ نُسِقَ بِالْفَاءِ حَسْبُ، وَبِإِمَالَةِ: خَطَايَا حَيْثُ وَقَعَ بِنَحْوِ: خَطَايَاكُمْ وَخَطَايَاهُمْ وَخَطَايَانَا وَبِإِمَالَةِ مَرْضَاةِ وَمَرْضَاتِي حَيْثُ وَقَعَ وَبِإِمَالَةِ حَقَّ تُقَاتِهِ فِي الْكَهْفِ وَآتَانِيَ الْكِتَابَ فِي مَرْيَمَ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ فِيهَا وَآتَانِيَ اللَّهُ فِي النَّمْلِ وَمَحْيَاهُمْ فِي الْجَاثِيَةِ وَدَحَاهَا فِي النَّازِعَاتِ وَتَلَاهَا وَطَحَاهَا فِي الشَّمْسِ وَسَجَى فِي وَالضُّحَى. وَاتَّفَقَ مَعَ حَمْزَةَ وَخَلَفٍ، عَلَى إِمَالَةِ وَأَحْيَى وَهُوَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ لِكَوْنِهِ مَنْسُوقًا بِالْوَاوِ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَانْفَرَدَ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ الْحَسَنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنْ خَلَفٍ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ خَلَّادٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمٍ عَنْ حَمْزَةَ بِإِجْرَاءِ يَحْيَى مُجْرَى أَحْيَا فَفَتَحَهُ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْسُوقًا بِوَاوٍ وَهُوَ:
(2/37)

وَلَا يَحْيَا فِي طه وَسَبِّحِ. وَبِذَلِكَ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى فَارِسٍ عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي الْمَذْكُورِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ، مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ فَارِسٍ عَنْ أَبِيهِ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ الْبَاقِي بْنَ الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيَّ نَصَّ بِالْفَتْحِ عَنْ خَلَفٍ قَالَ: وَبِهِ قَرَأْتُ، وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي طه وَالنَّجْمِ وَهُوَ سَهْوُ قَلَمٍ، صَوَابُهُ طه وَسَبِّحِ. فَإِنَّ حَرْفَ النَّجْمِ مَاضٍ وَهُوَ بِالْوَاوِ وَلَيْسَ لَهُ نَظِيرُ حَرْفِ طه - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
. وَاتَّفَقَ الْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ، عَلَى إِمَالَةِ (الرُّؤْيَا) الْمَعْرُوفِ بِاللَّامِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ فِي يُوسُفَ وَسُبْحَانَ وَالصَّافَّاتِ وَالْفَتْحِ إِلَّا أَنَّ مَوَاضِعَ سُبْحَانَ يُمَالُ فِي الْوَقْفِ فَقَطْ مِنْ أَجْلِ السَّاكِنِ فِي الْوَصْلِ. وَاخْتَصَّ الْكِسَائِيُّ بِإِمَالَةِ: رُؤْيَايَ وَهُوَ حَرْفَانِ فِي يُوسُفَ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي رُؤْيَاكَ فِي يُوسُفَ أَيْضًا فَأَمَالَهُ الدُّورِيُّ عَنْهُ أَيْضًا وَفَتَحَهُ أَبُو الْحَارِثِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِمَا عَنْ إِدْرِيسَ فَرَوَاهُمَا الشَّطِّيُّ عَنْهُ بِالْإِمَالَةِ وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ عَنْ إِدْرِيسَ فِي الْغَايَةِ، وَغَيْرِهَا. وَرَوَاهُمَا الْبَاقُونَ عَنْهُ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُبْهِجِ وَالْكَامِلِ، وَغَيْرِهِمَا. وَذَكَرَهُ فِي كِفَايَةِ السِّتِّ مِنْ طَرِيقِ الْقَطِيعِيِّ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
. وَاخْتَصَّ الدُّورِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْكِسَائِيِّ بِإِمَالَةِ رُؤْيَاكَ وَهُوَ فِي، أَوَّلِ يُوسُفَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُدَايَ وَهُوَ فِي الْبَقَرَةِ وَطه وَمَثْوَايَ وَهُوَ فِي يُوسُفَ أَيْضًا وَمَحْيَايَ وَهُوَ فِي آخِرِ الْأَنْعَامِ وَآذَانِهِمْ وَآذَانِنَا وَطُغْيَانِهِمْ حَيْثُ وَقَعَ وَبَارِئِكُمْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنَ الْبَقَرَةِ وَسَارِعُوا وَيُسَارِعُونَ، وَنُسَارِعُ حَيْثُ وَقَعَ وَالْجَوَارِ فِي الشُّورَى وَالرَّحْمَنِ وَكُوِّرَتْ وَكَمِشْكَاةٍ فِي النُّورِ. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي: الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ مِنْ سُورَةِ الْحَشْرِ فَرَوَى عَنْهُ إِمَالَتَهُ، وَأَجْرَاهُ مُجْرَى بَارِئِكُمْ جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ وَهُوَ الَّذِي فِي تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْعُنْوَانِ، وَالتَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ فَرَحٍ أَعْنِي عَنِ الْكِسَائِيِّ صَاحِبِ التَّجْرِيدِ وَالْإِرْشَادَيْنِ وَالْمُسْتَنِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْفَتْحِ خُصُوصًا أَبُو عُثْمَانَ الضَّرِيرُ وَهُوَ الَّذِي فِي أَكْثَرِ الْقِرَاءَاتِ وَنَصَّ عَلَى
(2/38)

اسْتِثْنَائِهِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ، وَابْنُ سَوَّارٍ، وَأَبُو الْعِزِّ، وَغَيْرُهُمْ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنِ الدُّورِيِّ. وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ: لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ عَنِ الْبَارِئِ نَصًّا، وَإِنَّمَا أَلْحَقَهُ بِالْحَرْفَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْبَقَرَةِ ابْنُ مُجَاهِدٍ قِيَاسًا عَلَيْهِمَا، سَمِعْتُ أَبَا الْفَتْحِ يَقُولُ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ أَيْضًا فِي يُوَارِي وَفَأُوَارِيَ فِي الْمَائِدَةِ وَيُوَارِي فِي الْأَعْرَافِ وَفَلَا تُمَارِ فِي الْكَهْفِ فَرَوَى عَنْهُ أَبُو عُثْمَانَ الضَّرِيرُ إِمَالَتَهَا وَهَذَا مِمَّا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الطُّرُقُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ نَصًّا وَأَدَاءً، وَرَوَى فَتْحَ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّصِيبِيُّ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِيُوَارِيَ وَفَأُوَارِيَ فِي الْمَائِدَةِ فَلَا أَعْلَمُ لَهُ وَجْهًا سِوَى أَنَّهُ تَبِعَ صَاحِبَ التَّيْسِيرِ، حَيْثُ قَالَ: وَرَوَى أَبُو الْفَارِسِ عَنْ أَبِي طَاهِرٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الضَّرِيرِ عَنْ أَبِي عُمَرَ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ أَمَالَ يُوَارِي، وَ: فَأُوَارِيَ فِي الْحَرْفَيْنِ فِي الْمَائِدَةِ، وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ قَالَ: وَبِذَلِكَ أَخَذَهُ - يَعْنِي أَبَا طَاهِرٍ - مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ، وَغَيْرُهُ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ مُجَاهِدٍ بِالْفَتْحِ انْتَهَى. وَهُوَ حِكَايَةٌ أَرَادَ بِهَا الْفَائِدَةَ عَلَى عَادَتِهِ وَإِلَّا فَأَيُّ تَعَلُّقٍ لِطَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ الضَّرِيرِ بِطَرِيقِ التَّيْسِيرِ؟ وَلَوْ أَرَادَ ذِكْرَ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ عَنِ الدُّورِيِّ لَذَكَرَهَا فِي أَسَانِيدِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ طَرِيقَ النَّصِيبِيِّ وَلَوْ ذَكَرَهَا لَاحْتَاجَ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَ خِلَافِهِ، نَحْوَ إِمَالَتِهِ الصَّادَ مِنَ النَّصَارَى وَالتَّاءِ مِنَ الْيَتَامَى، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي، وَلَذَكَرَ إِدْغَامَهُ النُّونَ السَّاكِنَةَ وَالتَّنْوِينَ فِي الْيَاءِ حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ ; ثُمَّ تَخْصِيصُ الْمَائِدَةِ دُونَ الْأَعْرَافِ هُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ الدَّانِيُّ، وَخَالَفَ فِيهِ جَمِيعَ الرُّوَاةِ. قَالَ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ بَعْدَ ذِكْرِ إِمَالَتِهِمَا عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ سَائِرُ أَصْحَابِهِ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ بُدْهُنٍ، وَغَيْرُهُ قَالَ: وَقِيَاسُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْأَعْرَافِ يُوَارِي سَوْآتِكُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو طَاهِرٍ، وَلَعَلَّهُ أَغْفَلَ ذِكْرَهُ (قُلْتُ) : لَمْ يُغْفِلْ ذِكْرَهُ بَلْ ذَكَرَهُ قَطْعًا، وَرَوَاهُ عَنْهُ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ نَصًّا وَأَدَاءً. وَلَعَلَّ ذَلِكَ سَقَطَ مِنْ كِتَابِ صَاحِبِهِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيِّ شَيْخِ الدَّانِيِّ
(2/39)

- وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
عَلَى أَنَّ الدَّانِيَّ قَالَ: بَعْدَ ذَلِكَ وَبِإِخْلَاصِ الْفَتْحِ قَرَأْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ يَعْنِي الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثَ لِلْكِسَائِيِّ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ ابْنُ مُجَاهِدٍ انْتَهَى. وَظَهَرَ أَنَّ إِمَالَةَ يُوَارِي، وَفَأُوَارِيَ فِي الْمَائِدَةِ لَيْسَتْ مِنْ طَرِيقِ التَّيْسِيرِ وَلَا الشَّاطِبِيَّةِ. وَلَا مِنْ طُرُقِ صَاحِبِ التَّيْسِيرِ، وَتَخْصِيصُ الْمَائِدَةِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ; وَانْفَرَدَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ عَنِ الْقَبَّابِ عَنِ الرَّمْلِيِّ عَنِ الصُّورِيِّ بِإِمَالَةِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ وَهِيَ يُوَارِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأُوَارِيَ وَتُمَارِ.
فَصْلٌ
وَوَافَقَهُمْ أَبُو عَمْرٍو مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ رَاءٌ بَعْدَهَا أَلِفٌ مُمَالَةٌ بِأَيِّ وَزْنٍ كَانَ نَحْوَ ذِكْرَى. وَبُشْرَى، وَأَسْرَى، وَالْقُرَى، وَالنَّصَارَى، وَأُسَارَى، وَسُكَارَى، وَفَأَرَاهُ، وَاشْتَرَى، وَوَرَأَى، وَيَرَى فَقَرَأَهُ كُلَّهُ بِالْإِمَالَةِ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي يَاءِ (بُشْرَايَ) فِي يُوسُفَ فَرَوَاهُ عَنْهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَدَاءِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ فِي التَّيْسِيرِ وَالْكَافِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّجْرِيدِ، وَغَالِبِ كُتُبِ الْمَغَارِبَةِ، وَالْمِصْرِيِّينَ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْقُلِ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً سِوَاهُ. وَرَوَاهُ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَعَلَيْهِ نَصَّ أَحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي التَّذْكِرَةِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَقَالَ فِيهَا: وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ، وَحَكَاهُ أَيْضًا صَاحِبُ تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ، وَرَوَى آخَرُونَ عَنْهُ الْإِمَالَةَ الْمَحْضَةَ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا لَهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا كَأَبِي بَكْرِ بْنِ مِهْرَانَ، وَأَبِي الْقَاسِمِ الْهُذَلِيِّ، وَذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الْأَوْجُهَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَبِهَا قَرَأْتُ، غَيْرَ أَنَّ الْفَتْحَ أَصَحُّ رِوَايَةً وَالْإِمَالَةُ أَقْيَسُ عَلَى أَصْلِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فَرَوَاهُ الصُّورِيُّ عَنْهُ كَذَلِكَ بِالْإِمَالَةِ، وَرَوَاهُ الْأَخْفَشُ بِالْفَتْحِ وَانْفَرَدَ الْكَارَزِينِيُّ عَنِ الْمُطَّوِّعِيِّ عَنِ الصُّورِيِّ بِالْفَتْحِ فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنِ الصُّورِيِّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
. وَاخْتُلِفَ عَنِ الْأَخْفَشِ فِي أَدْرِي فَقَطْ نَحْوَ أَدْرَاكَ، وَأَدْرَاكُمْ فَأَمَالَهُ عَنْهُ ابْنُ الْأَخْرَمِ، وَهُوَ الَّذِي فِي التَّذْكِرَةِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالْعُنْوَانِ، وَالْمُبْهِجِ
(2/40)

، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَفَتَحَهُ عَنْهُ النَّقَّاشُ، وَهُوَ الَّذِي فِي تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ وَالتَّجْرِيدِ، لِابْنِ الْفَحَّامِ وَالْغَايَةِ لِابْنِ مِهْرَانَ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَانْفَرَدَ الشَّذَائِيُّ بِإِمَالَتِهَا عَنِ الدَّاجُونِيِّ عَنِ ابْنِ مَامَوَيْهِ عَنْ هِشَامٍ، وَلَمْ يَرْوِهَا عَنْهُ غَيْرُهُ. وَوَافَقَ بَكْرٌ عَلَى إِمَالَةِ أَدْرَاكُمْ بِهِ فِي يُونُسَ فَقَطْ. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي غَيْرِ يُونُسَ فَرَوَى عَنْهُ الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً الْإِمَالَةَ مُطْلَقًا، وَهِيَ طَرِيقُ شُعَيْبٍ عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالْهَادِي، وَالْكَافِي، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْعُنْوَانِ، وَالتَّلْخِيصِ لِلطَّبَرِيِّ، وَغَيْرِهَا. وَرَوَى عَنْهُ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً الْفَتْحَ فِي غَيْرِ سُورَةِ يُونُسَ، وَهُوَ طَرِيقُ أَبِي حَمْدُونَ عَنْ يَحْيَى وَالْعُلَيْمِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ الَّذِي فِي التَّجْرِيدِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْإِرْشَادِ، وَالْكِفَايَتَيْنِ وَالْغَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا. وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي الْمُسْتَنِيرِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ شُعَيْبٍ وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي (بُشْرَايَ) . مِنْ يُوسُفَ فَرَوَى إِمَالَتَهُ عَنْهُ الْعُلَيْمِيُّ مِنْ أَكْثَرِ طُرُقِهِ. وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ لَهُ بِهِ فِي التَّجْرِيدِ، وَالْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْعَطَّارُ، وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ، وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ إِنَّ الْإِمَالَةَ لَهُ فِي وَجْهٍ، وَرَوَاهَا الدَّانِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ مِنْ رِوَايَةِ الْوَاسِطِيِّينَ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ الْفَتْحَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ مِنْ جُمْهُورِ طُرُقِهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي الْعِزِّ، عَنِ الْعُلَيْمِيِّ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. وَوَافَقَهُمْ حَفْصٌ عَلَى إِمَالَةِ مَجْرَاهَا فِي سُورَةِ هُودٍ، وَلَمْ يُمِلْ غَيْرَهُ وَانْفَرَدَ أَيْضًا الشَّذَائِيُّ عَنِ الدَّاجُونِيِّ عَنِ ابْنِ مَامَوَيْهِ عَنْ هِشَامٍ بِإِمَالَتِهِ، وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ ذَكْوَانَ عَلَى أَصْلِهِمَا.
وَاخْتُلِفَ عَنْ وَرْشٍ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ذَوَاتِ الرَّاءِ حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ فَرَوَاهُ الْأَزْرَقُ عَنْهُ بِالْإِمَالَةِ بَيْنَ بَيْنَ: وَرَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ بِالْفَتْحِ. وَاخْتُلِفَ عَنِ الْأَزْرَقِ فِي أَرَاكَهُمْ فِي الْأَنْفَالِ فَقَطَعَ لَهُ بِالْفَتْحِ فِيهِ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَأَبُو بَكْرٍ الْأَذْفَوِيُّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ، وَقَطَعَ بَيْنَ بَيْنَ صَاحِبُ تَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ وَالتَّيْسِيرِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَقَالَ: إِنَّهُ اخْتِيَارُ وَرْشٍ، وَإِنَّ قِرَاءَتَهُ عَلَى
(2/41)

نَافِعٍ بِالْفَتْحِ، وَكَذَلِكَ قَالَ: مَكِّيٌّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَبِالْوَجْهَيْنِ قَرَأْتُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: إِنَّهُ قَرَأَهُ بِالْفَتْحِ، قَالَ: وَبَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أَشْهَرُ عَنْهُ (قُلْتُ) : وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى ابْنِ خَاقَانَ وَابْنِ غَلْبُونَ: وَقَالَ فِي تَمْهِيدِهِ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَالَ فِي جَامِعِهِ: وَهُوَ الْقِيَاسُ. قَالَ: وَعَلَى الْفَتْحِ عَامَّةُ أَصْحَابِ ابْنِ هِلَالٍ وَأَصْحَابِ أَبِي الْحَسَنِ النَّحَّاسِ وَأَطْلَقَ لَهُ الْخِلَافَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنِ الْأَزْرَقِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ
وَوَافَقَ مَنْ أَمَالَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ عَلَى إِمَالَةِ بَعْضِ ذَوَاتِ الْيَاءِ فَخَالَفُوا أُصُولَهُمْ فِي إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَهِيَ بَلَى، رَأَى، مُزْجَاةٍ، أَتَى أَمْرُ اللَّهِ، يَلْقَاهُ، أَعْمَى، سُوًى، سُدًى، إِنَاهُ، نَأَى، رَأَى فَأَمَّا بَلَى " فَأَمَالَهُ مَعَهُمْ حَيْثُ وَقَعَ أَبُو حَمْدُونَ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. وَخَالَفَهُ شُعَيْبٌ وَالْعُلَيْمِيُّ فَفَتَحَهُ عَنْهُ. وَانْفَرَدَ بِإِمَالَتِهِ أَبُو الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيُّ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ وَرْشٍ، فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْهُ " وَأَمَّا رَأَى "، وَهُوَ فِي الْأَنْفَالِ فَوَافَقَ عَلَى إِمَالَتِهِ أَبُو بَكْرٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِ الْمَغَارِبَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ كَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ (وَأَمَّا مُزْجَاةٍ - وَهُوَ فِي يُوسُفَ - وَأَتَى أَمْرُ اللَّهِ - وَهُوَ أَوَّلُ النَّحْلِ - وَيَلْقَاهُ مَنْشُورًا - وَهُوَ فِي سُبْحَانَ -) فَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فِي إِمَالَةِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَرَوَى عَنْهُ إِمَالَةَ: مُزْجَاةٍ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ وَصَاحِبُ الْكَمَالِ عَنْ طَرِيقِ الصُّورِيِّ، وَهُوَ نَصُّ الْأَخْفَشِ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فَإِنَّهُ قَالَ: يُشِمُّ الْجِيمَ شَيْئًا مِنَ الْكَسْرِ، وَكَذَا رَوَى هِبَةُ اللَّهِ عَنْهُ وَالْإِسْكَنْدَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فَرَوَى عَنْهُ إِمَالَةَ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ وَالصُّورِيُّ، وَهِيَ رِوَايَةُ الدَّاجُونِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَأَبُو الْعِزِّ، وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْهُذَلِيُّ وَلَا ابْنُ الْفَحَّامِ فِي تَجْرِيدِهِ وَلَا
(2/42)

صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنِ الْمُطَّوِّعِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ إِمَالَةَ: يَلْقَاهُ الصُّورِيُّ عَنْ طَرِيقِ الرَّمْلِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةُ الدَّاجُونِيِّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ. وَكَذَا رَوَاهُ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَنِ النَّقَّاشِ عَنِ الْأَخْفَشِ، وَهِيَ رِوَايَةُ هِبَةِ اللَّهِ عَنِ الْأَخْفَشِ أَيْضًا وَكُلٌّ مِنَ الْفَتْحِ وَالْإِمَالَةِ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فِي الْأَحْرُفِ الثَّلَاثَةِ قَرَأْنَا بِهِ مِنَ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ، وَبِهِ نَأْخُذُ (وَأَمَّا أَعْمَى) ، وَهُوَ فِي مَوْضِعَيْ سُبْحَانَ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى فَوَافَقَ عَلَى إِمَالَتِهِمَا أَبُو بَكْرٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَوَافَقَ عَلَى إِمَالَةِ الْأَوَّلِ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ. وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ بِفَتْحِهَا عَنْ رَوْحٍ فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنْ نِفْطَوَيْهِ عَنْ يَحْيَى بِإِمَالَةِ أَعْمَى فِي مَوْضِعَيْ طه، وَهُوَ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى فَخَالَفَ النَّاسَ عَنْ يَحْيَى (وَأَمَّا سُوًى، وَهُوَ فِي طه، وَسُدًى، وَهِيَ فِي الْقِيَامَةِ) فَاخْتُلِفَ فِيهِمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَرَوَى الْمِصْرِيُّونَ، وَالْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً عَنْ شُعَيْبٍ عَنْهُ الْإِمَالَةَ فِي الْوَقْفِ مَعَ مَنْ أَمَالَ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْعِجْلِيِّ وَالْوَكِيعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ وَرِوَايَةُ ابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَعُبَيْدِ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا فِي الْوَقْفِ، وَالْوَجْهَانِ جَمِيعًا عَنْهُ صَحِيحَانِ، وَالْفَتْحُ طَرِيقُ الْعِرَاقِيِّينَ قَاطِبَةً لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
. (وَأَمَّا: إِنَاهُ) ، وَهُوَ فِي الْأَحْزَابِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ هِشَامٍ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْإِمَالَةِ مَعَ مَنْ أَمَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْمَغَارِبَةُ، وَالْمِصْرِيُّونَ، وَالشَّامِيُّونَ، وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ عَنْهُ سِوَاهُ، وَرَوَاهُ الدَّاجُونِيُّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ بِالْفَتْحِ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ لِهِشَامٍ مِنْ طَرِيقَيْهِ، وَالْوَجْهَانِ عَنْهُ صَحِيحَانِ وَبِالْإِمَالَةِ آخُذُ عَنْهُ عَنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ وَبِالْفَتْحِ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ. وَانْفَرَدَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ وَرْدَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بِإِمَالَتِهِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُسْنِدْهَا إِلَّا عَنْ أَبِي الْعِزِّ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَبُو الْعِزِّ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(وَأَمَّا نَأَى) ، وَهُوَ فِي سُبْحَانَ وَفُصِّلَتْ فَوَافَقَ عَلَى إِمَالَتِهِ فِي سُبْحَانَ فَقَطْ أَبُو بَكْرٍ، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ
(2/43)

عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ يَحْيَى عَنْهُ بِفَتْحِهِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ سَوَّارٍ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنْ أَبِي حَمْدُونَ عَنْ يَحْيَى عَنْهُ بِالْإِمَالَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَانْفَرَدَ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ فِي إِحْدَى وَجْهَيْهِ عَنِ السُّوسِيِّ بِالْإِمَالَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ. وَأَجْمَعَ الرُّوَاةُ عَنِ السُّوسِيِّ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ عَلَى الْفَتْحِ لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ لَهُ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَلَا عَوَّلَ عَلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ عَنْ أَصْحَابِ الْإِمَالَةِ فِي إِمَالَةِ النُّونِ فَأَمَالَ النُّونَ مَعَ الْهَمْزَةِ الْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ لِنَفْسِهِ، وَعَنْ حَمْزَةَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي حَرْفِ سُبْحَانَ، فَرَوَى عَنْهُ الْعُلَيْمِيُّ وَالْحَمَّامِيُّ، وَابْنُ شَاذَانَ عَنْ أَبِي حَمْدُونَ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عَنْهُ الْإِمَالَةَ فِيهِمَا، وَرَوَى سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ يَحْيَى عَنْهُ فَتَحَ النُّونِ فَيَصِيرُ لِأَبِي بَكْرٍ أَرْبَعُ طُرُقٍ أَحَدُهَا إِمَالَةُ الْهَمْزَةِ فِي سُبْحَانَ فَقَطْ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ يَحْيَى عَنْهُ. الثَّانِي إِمَالَةُ النُّونِ وَالْهَمْزَةِ جَمِيعًا فِي سُبْحَانَ أَيْضًا، وَهِيَ رِوَايَةُ الْعُلَيْمِيِّ عَنْهُ، وَأَبِي حَمْدُونَ عَنْ يَحْيَى عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَمَّامِيِّ، وَابْنِ شَاذَانَ. الثَّالِثُ إِمَالَةُ الْهَمْزَةِ فَقَطْ فِي سُبْحَانَ وَفُصِّلَتْ جَمِيعًا، وَهِيَ طَرِيقُ ابْنِ سَوَّارٍ عَنِ النَّهْرَانِيِّ عَنْ أَبِي حَمْدُونَ عَنْ يَحْيَى. الرَّابِعُ الْفَتْحُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهِيَ طَرِيقُ صَاحِبِ الْمُبْهِجِ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ يَحْيَى عَنْهُ، وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عَنْهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
" وَأَمَّا رَأَى " فَمِنْهُ مَا يَكُونُ بَعْدَهُ مُتَحَرِّكًا وَمِنْهُ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ سَاكِنًا فَالَّذِي بَعْدَهُ مُتَحَرِّكٌ يَكُونُ ظَاهِرًا وَمُضْمَرًا فَالَّذِي بَعْدَهُ ظَاهَرٌ سَبْعَةُ مَوَاضِعَ فِي الْأَنْعَامِ رَأَى كَوْكَبًا، وَفِي هُودٍ رَأَى أَيْدِيَهُمْ، وَفِي يُوسُفَ رَأَى قَمِيصَهُ، رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، وَفِي طه رَأَى نَارًا، وَفِي النَّجْمِ: مَا رَأَى، لَقَدْ رَأَى فَأَمَالَ الرَّاءَ تَبَعًا لِلْهَمْزَةِ: حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو بَكْرٍ فِي رَأَى كَوْكَبًا فِي الْأَنْعَامِ. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ فَأَمَالَ الرَّاءَ وَالْهَمْزَةَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ. وَفَتَحَهَا الْعُلَيْمِيُّ، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْكَمَالِ بِهَذَا عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بَابِشٍ عَنِ الْأَصَمِّ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ يَحْيَى. وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ بِالْفَتْحِ فِي السَّبْعَةِ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ يَحْيَى، وَعَنِ الرَّزَّازِ عَنِ الْعُلَيْمِيِّ
(2/44)

، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ عَنِ الْقَافِلَّائِيِّ عَنِ الْأَصَمِّ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ يَحْيَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِمَالَةِ الْهَمْزَةِ فَيَصِيرُ لِأَبِي بَكْرٍ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ عَنْ يَحْيَى بِإِمَالَةِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ جَمِيعًا فِي السَّبْعَةِ الْمَوَاضِعِ. الثَّانِي: رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ عَنِ الْعُلَيْمِيِّ إِمَالَتُهُمَا فِي الْأَنْعَامِ وَفَتْحُهُمَا فِي غَيْرِهَا. الثَّالِثُ فَتْحُهُمَا فِي السَّبْعَةِ طَرِيقُ الْمُبْهِجِ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ يَحْيَى، وَعَنِ الرَّزَّازِ عَنِ الْعُلَيْمِيِّ. الرَّابِعُ فَتْحُ الرَّاءِ وَإِمَالَةُ الْهَمْزَةِ طَرِيقُ صَاحِبِ الْعُنْوَانِ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ يَحْيَى، وَوَافَقَ أَيْضًا عَلَى إِمَالَةِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ جَمِيعًا فِي الْمَوَاضِعِ السَّبْعَةِ ابْنُ ذَكْوَانَ، وَانْفَرَدَ زَيْدٌ عَنِ الرَّمْلِيِّ عَنِ الصُّورِيِّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِمَالَةِ الْهَمْزَةِ فِيهَا، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنِ الصُّورِيِّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ هِشَامٍ، فَرَوَى الْجُمْهُورُ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ، وَابْنُ الْفَحَّامِ الصِّقِلِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ عَنِ الدَّاجُونِيِّ عَنْهُ، وَرَوَى الْأَكْثَرُونَ عَنِ الدَّاجُونِيِّ عَنْهُ إِمَالَتَهُمَا، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُبْهِجِ، وَكَامِلِ الْهُذَلِيِّ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ الْمُسْتَنِيرِ عَنِ الْمُفَسِّرِ عَنِ الدَّاجُونِيِّ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الدَّاجُونِيِّ، وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ فِي السَّبْعَةِ، وَمِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي فِي غَيْرِ سُورَةِ النَّجْمِ. وَالْوَجْهَانِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ عَنْ هِشَامٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ عَنْ قَالُونَ بِإِمَالَةِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الشَّذَائِيِّ عَنْهُ فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ. وَأَمَالَ أَبُو عَمْرٍو الْهَمْزَةَ فَقَطْ فِي الْمَوَاضِعِ السَّبْعَةِ، وَانْفَرَدَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ بِإِمَالَةِ الرَّاءِ أَيْضًا عَنِ السُّوسِيِّ بِخِلَافٍ عَنْهُ فَخَالَفَ فِيهِ سَائِرَ النَّاسِ مِنْ طُرُقِ كِتَابِهِ وَلَا أَعْلَمُ هَذَا الْوَجْهَ رُوِيَ عَنِ السُّوسِيِّ مِنْ طَرِيقِ الشَّاطِبِيَّةِ وَالتَّيْسِيرِ بَلْ وَلَا مِنْ طُرُقِ كِتَابِنَا أَيْضًا.
نَعَمْ رَوَاهُ عَنِ السُّوسِيِّ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْقُرَشِيِّ عَنِ السُّوسِيِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي طُرُقِنَا، وَقَوْلُ صَاحِبِ التَّيْسِيرِ: وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ مِثْلُ حَمْزَةَ، لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ مِنْ طُرُقِهِ فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِخِلَافِهِ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ فَقَالَ: إِنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فِي رِوَايَةِ
(2/45)

السُّوسِيِّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ مُوسَى بْنِ جَرِيرٍ فِيمَا لَمْ يَسْتَقْبِلْهُ سَاكِنٌ، وَفِيمَا اسْتَقْبَلَهُ بِإِمَالَةِ فَتْحَةِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ مَعًا وَأَمَّا الَّذِي بَعْدَهُ ضَمِيرٌ، وَهُوَ ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ فِي تِسْعَةِ مَوَاضِعَ رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْأَنْبِيَاءِ وَرَآهَا تَهْتَزُّ فِي النَّمْلِ وَالْقَصَصِ وَرَآهُ فِي النَّمْلِ أَيْضًا، وَفِي فَاطِرٍ وَالصَّافَّاتِ وَالنَّجْمِ وَالتَّكْوِيرِ وَالْعَلَقِ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ كَالِاخْتِلَافِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ عَنِ الْمُنْفَرِدِينَ، وَغَيْرِهِمْ إِلَّا أَنَّ الْعُلَيْمِيَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَتَحَ الرَّاءَ وَالْهَمْزَةَ جَمِيعًا مِنْهُ وَأَمَالَهُمَا يَحْيَى عَنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ عَلَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ فَأَمَالَ الرَّاءَ وَالْهَمْزَةَ جَمِيعًا عَنْهُ الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً، وَجُمْهُورُ الْمِصْرِيِّينَ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ عَنِ الْأَخْفَشِ مِنْ طَرِيقِ النَّقَّاشِ سِوَاهُ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ فَارِسٍ فِي جَامِعِهِ لِابْنِ ذَكْوَانَ مِنْ طَرِيقَيِ الْأَخْفَشِ وَالرَّمْلِيِّ وَفَتَحَهُمَا جَمِيعًا عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ طَرِيقُ ابْنِ الْأَخْرَمِ عَنِ الْأَخْفَشِ وَفَتَحَ الرَّاءَ وَأَمَالَ الْهَمْزَةَ الْجُمْهُورُ عَنِ الصُّورِيِّ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ أَبُو الْعِزِّ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ عَنْهُ سِوَاهُ وَبِالْفَتْحِ قَطَعَ أَبُو الْعِزِّ لِلْأَخْفَشِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَابْنُ مِهْرَانَ، وَسِبْطُ الْخَيَّاطِ، وَغَيْرُهُمْ وَأَمَالَ الْأَزْرَقُ عَنْ وَرْشٍ فَتْحَةَ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ جَمِيعًا مِنْ هَذِهِ التِّسْعَةِ الْأَفْعَالِ الَّتِي وَقَعَ بَعْدَهَا الضَّمِيرُ، وَمِنَ الْأَفْعَالِ السَّبْعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي لَمْ يَقَعْ بَعْدَهَا ضَمِيرٌ بَيْنَ بَيْنَ، وَأَخْلَصَ الْبَاقُونَ الْفَتْحَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَأَمَّا الَّذِي بَعْدَهُ سَاكِنٌ وَهُوَ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ، أَوَّلُهَا رَأَى الْقَمَرَ فِي الْأَنْعَامِ، وَفِيهَا رَأَى الشَّمْسَ، وَفِي النَّحْلِ رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَفِيهَا وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَفِي الْكَهْفِ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ، وَفِي الْأَحْزَابِ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ فَأَمَالَ الرَّاءَ مِنْهُ وَفَتَحَ الْهَمْزَةَ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَانْفَرَدَ الشَّاطِبِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِالْخِلَافِ فِي إِمَالَةِ الْهَمْزَةِ أَيْضًا. وَعَنِ السُّوسِيِّ بِالْخِلَافِ أَيْضًا فِي إِمَالَةِ فَتْحَةِ الرَّاءِ وَفَتْحَةِ الْهَمْزَةِ جَمِيعًا. فَأَمَّا إِمَالَةُ الْهَمْزَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّمَا رَوَاهُ خَلَفٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي جَامِعِهِ حَيْثُ سَوَّى فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا بَعْدَهُ مُتَحَرِّكٌ وَمَا بَعْدَهُ سَاكِنٌ وَنَصَّ فِي مُجَرَّدِهِ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْبَابَ كُلَّهُ بِكَسْرِ
(2/46)

الرَّاءِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْهَمْزَةَ وَكَانَ ابْنُ مُجَاهِدٍ يَأْخُذُ مِنْ طَرِيقِ خَلَفٍ عَنْ يَحْيَى بِإِمَالَتِهِمَا وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَخَالَفَهُ سَائِرُ النَّاسِ فَلَمْ يَأْخُذُوا لِأَبِي بَكْرٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ إِلَّا بِإِمَالَةِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَقَدْ صَحَّحَ أَبُو عَمْرٍو وَالدَّانِيُّ الْإِمَالَةَ فِيهِمَا يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ خَلَفٍ حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّيْسِيرِ، فَحَسِبَ الشَّاطِبِيُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ كِتَابِهِ فَحَكَى فِيهِ خِلَافًا عَنْهُ، وَالصَّوَابُ الِاقْتِصَارُ عَلَى إِمَالَةِ الرَّاءِ دُونَ الْهَمْزَةِ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِنَا، وَهِيَ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا طُرُقُ الشَّاطِبِيَّةِ، وَالتَّيْسِيرِ.
وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الطُّرُقِ فَإِنَّ إِمَالَتَهُمَا لَمْ تَصِحَّ عِنْدَنَا إِلَّا مِنْ طَرِيقِ خَلَفٍ حَسْبَمَا حَكَاهُ الدَّانِيُّ، وَابْنُ مُجَاهِدٍ فَقَطْ وَإِلَّا فَسَائِرُ مَنْ ذَكَرَ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ طَرِيقِ خَلَفٍ عَنْ يَحْيَى لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ إِمَالَةِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِسِوَى ذَلِكَ وَأَمَّا إِمَالَةُ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ عَنِ السُّوسِيِّ فَهُوَ مِمَّا قَرَأَ بِهِ الدَّانِيُّ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أَنَّهُ إِنَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ مُوسَى بْنِ جَرِيرٍ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَ إِلَى الْأَخْذِ بِهِ مِنْ طَرِيقِ الشَّاطِبِيَّةِ، وَلَا مِنْ طَرِيقِ التَّيْسِيرِ، وَلَا مِنْ طُرُقِ كِتَابِنَا سَبِيلٌ.
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنْهُ سِوَى طَرِيقِ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهِيَ طَرِيقُ أَبِي بَكْرٍ الْقُرَشِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ الرُّقِّيِّ، وَأَبِي عُثْمَانَ النَّحْوِيِّ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْقُرَشِيِّ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ فَارِسٍ عَنْ أَبِيهِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ يَعْمَلُ بِظَاهِرِ الشَّاطِبِيَّةِ يَأْخُذُ لِلسُّوسِيِّ فِي ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، وَهِيَ فَتْحُهُمَا وَإِمَالَتُهُمَا وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِمَالَةِ الْهَمْزَةِ وَبِعَكْسِهِ، وَهُوَ إِمَالَةُ الرَّاءِ وَفَتْحُ الْهَمْزَةِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا مِنْ طَرِيقِ الشَّاطِبِيَّةِ، وَالتَّيْسِيرِ سِوَى الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ طَرِيقِ مَنْ قَدَّمْنَا، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَا يَصِحُّ مِنْ طَرِيقِ السُّوسِيِّ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْدُونَ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْيَزِيدِيِّ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَمِنْ طَرِيقَيْهِمَا حَكَاهُ فِي التَّيْسِيرِ وَصَحَّحَهُ، عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَفْصٍ الْخَشَّابَ وَأَبَا الْعَبَّاسِ الرَّافِعِيَّ حَكَيَا أَيْضًا عَنِ السُّوسِيِّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَحَكَاهُ ابْنُ سَعْدُونَ،
(2/47)

وَابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَلَا نَعْلَمَهُ وَرَدَ عَنِ السُّوسِيِّ أَلْبَتَّةَ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَهَذَا حُكْمُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْقِسْمِ حَالَةَ الْوَصْلِ فَأَمَّا حَالَةُ الْوَقْفِ فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْقُرَّاءِ يَعُودُ إِلَى أَصْلِهِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ ضَمِيرٌ، وَلَا سَاكِنٌ مِنَ الْإِمَالَةِ وَالْفَتْحِ بَيْنَ وَبَيْنَ فَاعْلَمْ ذَلِكَ.
فَصْلٌ
وَأَمَالَ وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رُءُوسِ الْآيِ فِي السُّوَرِ الْإِحْدَى عَشَرَ الْمَذْكُورَةِ بَيْنَ بَيْنَ كَإِمَالَتِهِ ذَوَاتِ الرَّاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ سَوَاءً، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ نَحْوَ الضُّحَى، سَجَى، الْقُوَى، أَوْ مِنْ ذَاتِ الْيَاءِ نَحْوَ هُدًى، الْهَوَى، يَغْشَى، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْكَافِي فَفَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْيَائِيِّ فَأَمَالَهُ بَيْنَ بَيْنَ وَبَيْنَ الْوَاوِيِّ فَفَتَحَهُ. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِيمَا كَانَ مِنْ رُءُوسِ الْآيِ عَلَى لَفْظِ (هَا) ، وَذَلِكَ فِي سُورَةِ النَّازِعَاتِ وَالشَّمْسِ نَحْوَ بَنَاهَا، ضُحَاهَا، سَوَّاهَا، دَحَاهَا، مُرْسَاهَا، جَلَّاهَا سَوَاءٌ كَانَ وَاوِيًّا أَوْ يَائِيًّا فَأَخَذَ جَمَاعَةٌ فِيهَا بِالْفَتْحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ، وَابْنَيْ غَلْبُونَ، وَابْنِ شُرَيْحٍ، وَابْنِ بَلِّيمَةَ، وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى إِطْلَاقِ الْإِمَالَةِ فِيهَا بَيْنَ بَيْنَ وَأَجْرَوْهَا مُجْرَى غَيْرِهَا مِنْ رُءُوسِ الْآيِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْقَاسِمِ الطَّرَسُوسِيِّ، وَأَبِي الطَّاهِرِ بْنِ خَلَفٍ صَاحِبِ الْعُنْوَانِ، وَأَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ حَمَدٍ، وَأَبِي الْقَاسِمِ الْخَاقَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الدَّانِيُّ فِي التَّيْسِيرِ هُوَ الْفَتْحُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَوَّلَ السُّوَرِ مَعَ أَنَّ اعْتِمَادَهُ فِي التَّيْسِيرِ عَلَى قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْخَاقَانِيِّ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ، وَأَسْنَدَهَا فِي التَّيْسِيرِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَكِنَّهُ اعْتَمَدَ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَلَى قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ فَلِذَلِكَ قَطَعَ عَنْهُ بِالْفَتْحِ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَجْهًا وَاحِدًا مَعَ إِسْنَادِهِ فِيهَا الرِّوَايَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خَاقَانِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِمَالَةِ اخْتَلَفَتِ الرُّوَاةُ وَأَهْلُ الْأَدَاءِ عَنْ
(2/48)

وَرْشٍ فِي الْفَوَاصِلِ إِذَا كُنَّ عَلَى كِنَايَةِ مُؤَنَّثٍ نَحْوَ آيِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَبَعْضِ آيِ وَالنَّازِعَاتِ فَأَقْرَأَنِي ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ قِرَاءَتِهِ بِإِخْلَاصِ الْفَتْحِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْ وَرْشٍ، أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَأَقْرَأَنِيهِ أَبُو الْقَاسِمِ، وَأَبُو الْفَتْحِ عَنْ قِرَاءَتِهِمَا بِإِمَالَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَذَلِكَ قِيَاسُ رِوَايَةِ أَبِي الْأَزْهَرِ، وَأَبِي يَعْقُوبَ وَدَاوُدَ عَنْ وَرْشٍ، وَذَكَرَ فِي بَابِ مَا يَقْرَأُهُ وَرْشٍ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ ذَوَاتِ. الْيَاءِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ رَاءٌ قَبْلَ الْأَلِفِ سَوَاءٌ اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرٌ، أَوْ لَمْ يَتَّصِلْ أَنَّهُ قَرَأَهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بِإِخْلَاصِ الْفَتْحِ وَعَلَى أَبِي الْقَاسِمِ، وَأَبِي الْفَتْحِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ اللَّفْظَيْنِ وَرَجَّحَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَقَالَ: وَبِهِ آخُذُ فَاخْتَارَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ. وَالْوَجْهَانِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ عَنْ وَرْشٍ فِي ذَلِكَ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ. وَأَجْمَعَ الرُّوَاةُ مِنَ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى إِمَالَةِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ رَاءٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ذِكْرَاهَا هَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ عَنْهُ. وَقَالَ السَّخَاوِيُّ إِنَّ هَذَا الْفَصْلَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ مَا لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي إِمَالَتِهِ نَحْوَ ذِكْرَاهَا وَمَا لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي فَتْحِهِ نَحْوَ ضُحَاهَا وَشِبْهِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ، وَمَا فِيهِ الْوَجْهَانِ، وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ شُرَّاحِ الشَّاطِبِيَّةِ، وَهُوَ تَفَقُّهٌ لَا تُسَاعِدُهُ رِوَايَةٌ بَلِ الرِّوَايَةُ إِطْلَاقُ الْخِلَافِ فِي الْوَاوِيِّ وَالْيَائِيِّ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ فِي غَيْرِهِ مِنْ رُءُوسِ الْآيِ بَيْنَ الْيَائِيِّ وَالْوَاوِيِّ إِلَّا مَا قَدَّمْنَا مِنَ انْفِرَادِ الْكَافِي.
وَانْفَرَدَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَنِ الْأَزْرَقِ بِفَتْحِ جَمِيعِ رُءُوسِ الْآيِ مَا لَمْ يَكُنْ رَائِيًّا سَوَاءٌ كَانَ وَاوِيًّا، أَوْ يَائِيًّا فِيهِ " هَا "، أَوْ لَمْ يَكُنْ فَخَالَفَ جَمِيعَ الرُّوَاةِ عَنِ الْأَزْرَقِ.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا عَنِ الْأَزْرَقِ فِيمَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ رَأْسَ آيَةٍ عَلَى أَيِ وَزْنٍ كَانَ نَحْوَ: هُدًى، وَنَأَى، وَأَتَى، وَرَأَى، وَابْتَلَى، وَيَخْشَى، وَيَرْضَى، وَالْهُدَى، وَهُدَايَ، وَمَحْيَايَ، وَالزِّنَا، وَأَعْمَى، وَيَاأَسَفَى، وَخَطَايَا، وَتُقَاتِهِ، وَمَتَى. وَإِنَاهُ، وَمَثْوَى، وَمَثْوَايَ، وَالْمَأْوَى، وَالدُّنْيَا، وَمَرْضَى، وَطُوبَى، وَرُؤْيَا، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَيَحْيَى، وَالْيَتَامَى، وَكُسَالَى، وَبَلَى. وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَرَوَى عَنْهُ إِمَالَةَ ذَلِكَ
(2/49)

كُلِّهِ بَيْنَ بَيْنَ أَبُو طَاهِرٍ بْنُ خَلَفٍ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ الطَّرَسُوسِيِّ صَاحِبُ الْمُجْتَبَى، وَأَبُو الْفَتْحِ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ، وَأَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ خَاقَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الدَّانِيُّ فِي التَّيْسِيرِ وَالْمُفْرَدَاتِ، وَغَيْرِهِمَا، وَرَوَى عَنْهُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْفَتْحِ أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ غَلْبُونَ، وَأَبَوْهُ أَبُو الطِّيبِ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَصَاحِبُ الْكَافِي، وَصَاحِبُ الْهَادِي، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ بَلِّيمَةَ، وَغَيْرُهُمْ وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ لَهُ فِي ذَلِكَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَغَيْرُهُ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ وَالصَّفْرَاوِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ بِإِمَالَةِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ قَالُونَ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ بَيْنَ بَيْنَ فَخَالَفَ جَمِيعَ النَّاسِ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي كَمَا هُوَ فِي الْعُنْوَانِ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ عِبَارَةِ التَّيْسِيرِ فِي هُدَايَ فِي الْبَقَرَةِ وَطه. وَمَحْيَايَ فِي الْأَنْعَامِ. وَمَثْوَايَ فِي يُوسُفَ، الْفَتْحُ لِوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَى إِمَالَتِهَا لِلْكِسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ عَنْهُ فِي الْفَصْلِ الْمُخْتَصِّ بِهِ وَأَضَافَ إِلَيْهِ رُؤْيَاكَ نَصَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إِمَالَةِ رُؤْيَاكَ بَيْنَ بَيْنَ لِوَرْشٍ، وَأَبِي عَمْرٍو دُونَ الْبَاقِي وَقَدْ نَصَّ فِي بَاقِي كُتُبِهِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِهِ نَصًّا فِي كِتَابِ الْإِمَالَةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ خِلَافًا لِمَنْ تَعَلَّقَ بِظَاهِرِ عِبَارَتِهِ فِي التَّيْسِيرِ، وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْعُنْوَانِ فِي هُودٍ يَقْتَضِي فَتْحَ مُرْسَاهَا لِوَرْشٍ، وَكَذَا السُّوءَى فِي الرُّومِ وَالصَّوَابُ إِدْخَالُ ذَلِكَ فِي الضَّابِطِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ الْإِمَالَةِ فَيُؤْخَذُ لَهُ بَيْنَ بَيْنَ بِلَا نَظَرٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَرْضَاتِي وَمَرْضَاةِ وَمِشْكَاةٍ مَفْتُوحٌ، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ بَيْنَ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ الَّذِي قَرَأْنَا بِهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ اثْنَانِ مِنْ شُيُوخِنَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا وَاوِيَّانِ. وَأَمَّا الرِّبَا، كِلَاهُمَا، فَقَدْ أَلْحَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِنَظَائِرِهِ مِنَ الْقُوَى وَالضُّحَى فَأَمَالَهُ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ صَرِيحُ الْعُنْوَانِ وَظَاهِرُ جَامِعِ الْبَيَانِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ الَّذِي نَأْخُذُ بِهِ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الرِّبَا وَاوِيًّا وَكِلَاهُمَا وَالرِّبَا إِنَّمَا يَمِيلَانِ مِنْ أَجْلِ الْكَسْرَةِ، وَإِنَّمَا أُمِيلَ مَا أُمِيلَ مِنَ الْوَاوِيِّ
(2/50)

غَيْرُ ذَلِكَ كَالضُّحَى وَالْقُوَى مِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ رَأْسَ آيَةٍ فَأُمِيلَ لِلْمُنَاسِبَةِ وَالْمُجَاوِرَةِ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْأَدَاءِ قَاطِبَةً، وَلَا يُوجَدُ نَصُّ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِخِلَافِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَكَذَلِكَ أَجْمَعَ مَنْ رَوَى الْفَتْحَ فِي الْيَائِيِّ عَنِ الْأَزْرَقِ عَلَى إِمَالَةِ رَأَى وَبَابُهُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ سَاكِنٌ بَيْنَ بَيْنَ وَجْهًا وَاحِدًا إِلْحَاقًا لَهُ بِذَوَاتِ الرَّاءِ مِنْ أَجْلِ إِمَالَةِ الرَّاءِ قَبْلَهُ كَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(فَالْحَاصِلُ) أَنَّ غَيْرَ ذَوَاتِ الرَّاءِ لِلْأَزْرَقِ عَنْ وَرْشٍ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
(الْأَوَّلُ) : إِمَالَةُ بَيْنَ بَيْنَ مُطْلَقًا رُءُوسِ الْآيِ، وَغَيْرِهَا. كَانَ فِيهَا ضَمِيرُ تَأْنِيثٍ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرٍ صَاحِبِ الْعُنْوَانِ، وَشَيْخِهِ، وَأَبِي الْفَتْحِ، وَابْنِ خَاقَانَ.
(الثَّانِي) : الْفَتْحُ مُطْلَقًا رُءُوسَ الْآيِ، وَغَيْرَهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْفَحَّامِ صَاحِبِ التَّجْرِيدِ.
(الثَّالِثُ) : إِمَالَةٌ بَيْنَ بَيْنَ فِي رُءُوسِ الْآيِ فَقَطْ سِوَى مَا فِيهِ ضَمِيرُ تَأْنِيثٍ فَالْفَتْحُ، وَكَذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ رَأْسَ آيَةٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ وَمَكِّيٍّ، وَجُمْهُورِ الْمَغَارِبَةِ.
(الرَّابِعُ) : الْإِمَالَةُ بَيْنَ بَيْنَ مُطْلَقًا أَيِّرُءُوسِ الْآيِ، وَغَيْرِهَا. إِلَّا أَنَّ يَكُونَ رَأْسَ آيَةٍ فِيهَا ضَمِيرُ تَأْنِيثٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الدَّانِيِّ فِي التَّيْسِيرِ وَالْمُفْرَدَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ مُرَكَّبٌ مِنْ مَذْهَبَيْ شُيُوخِهِ وَبَقِيَ مَذْهَبٌ خَامِسٌ، وَهُوَ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِي الْكُلِّ رُءُوسِ الْآيِ مُطْلَقًا وَذَوَاتِ الْيَاءِ غَيْرَ (هَا) إِلَّا أَنَّ الْفَتْحَ فِي رُءُوسِ الْآيِ غَيْرَ مَا فِيهِ (هَا) قَلِيلٌ، وَهُوَ فِيمَا فِيهِ (هَا) كَثِيرٌ، وَهُوَ مَذْهَبٌ يَجْمَعُ الْمَذَاهِبَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ، وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّاطِبِيِّ، وَهُوَ الْأُولَى عِنْدِي بِحَمْلِ كَلَامِهِ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا ذَوَاتُ الرَّاءِ فَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى إِمَالَتِهَا بَيْنَ بَيْنَ وَجْهًا وَاحِدًا إِلَّا أَرَاكَهُمْ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ أَمَالَ عَنْهُ رُءُوسَ الْآيِ فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَوْنِهِ وَاوِيًّا، أَوْ يَائِيًّا، وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ مَكِّيٍّ مَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ إِمَالَةِ رُءُوسِ الْآيِ بِذَوَاتِ الْيَاءِ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَا كُتِبَ بِالْيَاءِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ
(2/51)

وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو، فَقَدْ تَقَدَّمَتْ إِمَالَتُهُ ذَوَاتَ الرَّاءِ مَحْضًا، وَكَذَلِكَ أَعْمَى، أَوَّلُ سُبْحَانَ وَرَأَى وَالِاخْتِلَافُ عَنْهُ فِي بُشْرَايَ أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ رُءُوسِ الْآيِ وَأَلِفَاتِ التَّأْنِيثِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَفِي كَلِمَاتٍ أُخْرَى نَذْكُرُهَا، فَرَوَى عَنْهُ الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً، وَجُمْهُورُ الْمِصْرِيِّينَ، وَغَيْرُهُمْ إِمَالَةَ رُءُوسِ الْآيِ مِنَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً غَيْرِ ذَوَاتِ الرَّاءِ مِنْهَا بَيْنَ بَيْنَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْمُجْتَبَى، وَالْعُنْوَانِ، وَإِرْشَادِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصَيْنِ وَغَايَةِ ابْنِ مِهْرَانَ وَتَجْرِيدِ ابْنِ الْفَحَّامِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي وَأَجْمَعُوا عَلَى إِلْحَاقِ الْوَاوِيِّ مِنْهَا بِالْيَائِيِّ لِلْمُجَاوِرَةِ إِلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ فَإِنَّهُ قَيَّدَهُ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْأَلِفُ مُنْقَلِبَةً عَنْ يَاءٍ مَعَ نَصِّهِ فِي صَدْرِ الْبَابِ عَلَى دَحَاهَا، طَحَاهَا، تَلَاهَا، سَجَى أَنَّهَا مُمَالَةٌ لِأَبِي عَمْرٍو بَيْنَ بَيْنَ فَبَقِيَ عَلَى قَوْلِهِ الضُّحَى، وَضُحًى، الْقُوَى، الْعُلَى وَالصَّوَابُ إِلْحَاقُهَا بِأَخَوَاتِهَا فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَهُمْ فِي إِلْحَاقِهَا بِهَا وَإِجْرَائِهَا مُجْرَاهَا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْيَائِيِّ مَا كُتِبَ بِالْيَاءِ كَمَا قَدَّمْنَا. وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى تَقْيِيدِ رُءُوسِ الْآيِ أَيْضًا بِالسُّوَرِ الْإِحْدَى عَشْرَةَ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا مَا انْفَرَدَ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ بِإِطْلَاقِهِ فِي جَمِيعِ رُءُوسِ الْآيِ وَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى فِي الْكَهْفِ وَمَثْوَاكُمْ فِي الْقِتَالِ فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا الْمِصْرِيِّينَ يَأْخُذُ بِذَلِكَ وَالصَّوَابُ تَقْيِيدُهُ بِمَا قَيَّدَهُ الرُّوَاةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ عَنْهُ فِي إِمَالَةِ أَلِفِ التَّأْنِيثِ مِنْ فَعْلَى كَيْفَ أَتَتْ مِمَّا لَمْ يَكُنْ رَأْسَ آيَةٍ وَلَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الرَّاءِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ إِلَى إِمَالَتِهِ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ الَّذِي فِي الشَّاطِبِيَّةِ، وَالتَّيْسِيرِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالْإِرْشَادِ وَالتَّلْخِيصَيْنِ وَالْكَافِي، وَغَايَةِ ابْنِ مِهْرَانَ وَالتَّجْرِيدِ، مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي. وَانْفَرَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ فِي الرَّوْضَةِ بِإِمَالَةِ أَلِفِ:
(2/52)

فَعْلَى مَحْضًا لِأَبِي عَمْرٍو فِي رِوَايَةِ الْإِدْغَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِنَا فَإِنَّ رُوَاةَ الْإِدْغَامِ فِي الرَّوْضَةِ لَيْسَ مِنْهُمُ الدُّورِيُّ وَالسُّوسِيُّ. وَذَهَبَ الْآخَرُونَ إِلَى الْفَتْحِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْعُنْوَانِ وَالْمُجْتَبَى وَالْهَادِي، وَالْهِدَايَةِ، إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ مُوسَى، وَعِيسَى، وَيَحْيَى الْأَسْمَاءَ الثَّلَاثَةَ فَقَطْ فَأَمَالَهَا عَنْهُ بَيْنَ بَيْنَ دُونِ غَيْرِهَا، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ بِإِمَالَتِهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَنَبُوذَ عَنْهُ إِمَالَةً مَحْضَةً وَبَيْنَ بَيْنَ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَنُصَّ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى غَيْرِهَا وَأَجْمَعَ أَصْحَابُ بَيْنَ بَيْنَ عَلَى إِلْحَاقِ اسْمِ مُوسَى. وَعِيسَى، وَيَحْيَى. بِأَلِفَاتِ التَّأْنِيثِ إِلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ صَاحِبُ الْكَافِي مِنْ فَتْحِ يَحْيَى لِلسُّوسِيِّ، وَقَالَ: مَكِّيٌّ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي يَحْيَى يَعْنِي عَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنْ طَرِيقَتِهِ قَالَ: فَذَهَبَ الشَّيْخُ يَعْنِي أَبَا الطِّيبِ بْنَ غَلْبُونَ أَنَّهُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ بِالْفَتْحِ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ (قُلْتُ) : وَأَصْلُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْيَزِيدِيِّ نَصَّ عَلَى كِتَابِهِ عَلَى مُوسَى، عِيسَى، وَلَمْ يَذْكُرْ يَحْيَى فَتَمَسَّكَ مَنْ تَمَسَّكَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَالصَّوَابُ إِلْحَاقُهَا بِأَخَوَاتِهَا، فَقَدْ نَصَّ الدَّانِيُّ فِي الْمُوَضِّحِ عَلَى أَنَّ الْقُرَّاءَ يَقُولُونَ إِنَّ يَحْيَى فَعْلَى، وَمُوسَى فُعْلَى، وَعِيسَى فِعْلَى. وَذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّحْوِيِّينَ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ قَرَأَهَا لِأَبِي عَمْرٍو بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ بِإِلْحَاقِ أَلِفِ التَّأْنِيثِ مِنْ فَعَالَى، وَفُعَالَى بِأَلِفِ فَعْلَى، فَأَمَالَهَا عَنْهُ بَيْنَ بَيْنَ مَنْ قِرَاءَتُهُ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي أَيْضًا، وَذَلِكَ مَحْكِيٌّ عَنِ السُّوسِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصٍ الْخَشَّابِ عَنْهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَبِهِ نَأْخُذُ. وَاخْتَلَفَ أَيْضًا هَؤُلَاءِ الْمُلَطِّفُونَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي سَبْعَةِ أَلْفَاظٍ، وَهِيَ بَلَى، مَتَى، عَسَى. أَنَّى الِاسْتِفْهَامِيَّةُ. يَاوَيْلَتَى، يَاحَسْرَتَى، يَاأَسَفَى فَأَمَّا بَلَى وَمَتَى، فَرَوَى إِمَالَتَهَا بَيْنَ بَيْنَ لِأَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَتَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ فِي كَافِيهِ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ فِي هِدَايَتِهِ، وَصَاحِبُ الْهَادِي.
وَأَمَّا عَسَى فَذَكَرَ إِمَالَتَهَا لَهُ كَذَلِكَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْهَادِي، وَلَكِنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا رِوَايَةَ السُّوسِيِّ مِنْ طُرُقِنَا، وَأَمَّا: أَنَّى، وَيَا وَيْلَتَى، وَيَاحَسْرَتَى، فَرَوَى إِمَالَتَهَا بَيْنَ بَيْنَ مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ عَنْهُ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَصَاحِبُ الْكَافِي
(2/53)

، وَصَاحِبُ التَّبْصِرَةِ، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَصَاحِبُ الْهَادِي وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَأَمَّا يَا أَسَفَى، فَرَوَى إِمَالَتَهُ كَذَلِكَ عَنِ الدُّورِيِّ عَنْهُ بِغَيْرِ خِلَافِ كُلٌّ مِنْ صَاحِبِ الْكَافِي، وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَصَاحِبِ الْهَادِي، وَهُوَ يَحْتَمِلُ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّاطِبِيِّ، وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ عَنْهُ فِيهَا خِلَافًا وَأَنَّهُ قَرَأَ بِفَتْحِهَا وَنَصَّ الدَّانِيُّ عَلَى فَتْحِهَا لَهُ دُونَ أَخَوَاتِهَا، وَرَوَى فَتْحَ الْأَلْفَاظِ السَّبْعَةِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَتَيْهِ سَائِرُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَالْمِصْرِيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَرَوَى جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَبَعْضُ الْمِصْرِيِّينَ فَتَحَ جَمِيعَ هَذَا الْفَصْلِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَتَيْهِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَلَمْ يُمِيلُوا عَنْهُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَوَاتِ الرَّاءِ وَأَعْمَى الْأُولَى مِنْ سُبْحَانَ وَرَأَى حَسْبُ لَا غَيْرَ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُسْتَنِيرِ لِابْنِ سَوَّارٍ، وَالْإِرْشَادِ وَالْكِفَايَةِ لِأَبِي الْعِزِّ، وَالْمُبْهِجِ وَالْكِفَايَةِ لِسِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَالْجَامِعِ لِابْنِ فَارِسٍ، وَالْكَامِلِ لِأَبِي الْقَاسِمِ الْهُذَلِيِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْكُتُبِ وَأَشَارَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ: فِي غَايَتِهِ، وَمَنْ لَمْ يُمِلْ عَنْهُ يَعْنِي عَنْ أَبِي عَمْرٍو " فَعْلَى " عَلَى اخْتِلَافِ حَرَكَةِ فَائِهَا وَأَوَاخِرِ الْآيِ فِي السُّوَرِ الْيَائِيَّاتِ وَمَا يُجَاوِرُهَا مِنَ الْوَاوِيَّاتِ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ جَمِيعَ ذَلِكَ بَيْنَ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَإِلَى الْفَتْحِ أَقْرَبُ قَالَ: وَمَنْ صَعُبَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِذَلِكَ عَدَلَ إِلَى التَّفْخِيمِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (قُلْتُ) : وَكُلٌّ مِنَ الْفَتْحِ وَبَيْنَ اللَّفْظَيْنِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ قَرَأْتُ بِهِ، وَبِهِ آخُذُ، وَقَدْ رَوَى مِنْهُمْ بَكْرُ بْنُ شَاذَانَ، وَأَبُو الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنْ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ فَرَحٍ عَنِ الدُّورِيِّ إِمَالَةَ الدُّنْيَا حَيْثُ وَقَعَتْ إِمَالَةً مَحْضَةً، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ، وَأَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ، وَأَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ صَحِيحٌ مَأْخُوذٌ بِهِ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

فَصْلٌ [في إمالة الألف التي بعدها راء متطرفة مكسورة]
اتَّفَقَ أَبُو عَمْرٍو مِنْ رِوَايَتَيْهِ وَالْكِسَائِيُّ، مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ عَلَى إِمَالَةِ كُلِّ أَلِفٍ
(2/54)

بَعْدَهَا رَاءٌ مُتَطَرِّفَةٌ مَجْرُورَةٌ سَوَاءٌ كَانَتِ الْأَلِفُ أَصْلِيَّةً أَمْ زَائِدَةً عَنْهُ نَحْوَ الدَّارُ، الْغَارِ، الْقَهَّارُ، الْغَفَّارُ، النَّهَارِ، الدِّيَارِ، الْكُفَّارَ، الْفُجَّارَ، الْإِبْكَارِ، بِدِينَارٍ، بِقِنْطَارٍ، بِمِقْدَارٍ، أَنْصَارٍ، أَوْبَارِهَا، أَشْعَارِهَا، آثَارِهِمَا، آثَارِهِمْ، أَبْصَارِهِمْ، دِيَارِهِمْ، وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، فَرَوَى الصُّورِيُّ عَنْهُ إِمَالَةَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَانْفَرَدَ عَنْهُ أَبُو الْفَتْحِ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ فِيمَا ذَكَرَهُ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ بِفَتْحِ الْأَبْصَارِ فَقَطْ نَحْوَ لِأُولِي الْأَبْصَارِ، يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ حَيْثُ وَقَعَ مِنْ لَفْظِهِ فَخَالَفَ فِيهِ سَائِرَ النَّاسِ عَنْهُ، وَرَوَى الْأَخْفَشُ عَنْهُ الْفَتْحَ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ تَعْرِفِ الْمَغَارِبَةُ سِوَاهُ، وَرَوَى الْأَزْرَقُ عَنْ وَرْشٍ، جَمِيعَ الْبَابِ بَيْنَ بَيْنَ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ عَنْ حَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْحَارِثِ إِلَّا أَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ أَبِي الْحَارِثِ لَيْسَتْ مِنْ طُرُقِنَا، وَلَا عَلَى شَرْطِنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ الْبَابَ كُلَّهُ بِالْفَتْحِ وَخَرَجَ مِنَ الْبَابِ تِسْعَةُ أَحْرُفٍ، وَهِيَ الْجَارِ فِي مَوْضِعَيِ النِّسَاءِ وَحِمَارِكَ فِي الْبَقَرَةِ وَالْحِمَارِ فِي الْجُمُعَةِ، وَالْغَارِ فِي التَّوْبَةِ، وَهَارٍ فِيهَا أَيْضًا وَالْبَوَارِ فِي إِبْرَهِيمَ، وَالْقَهَّارُ حَيْثُ وَقَعَ، وَجَبَّارِينَ فِي الْمَائِدَةِ وَالشُّعَرَاءِ، وَأَنْصَارِي فِي آلِ عِمْرَانَ وَالصَّفِّ فَخَالَفَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ فِيهَا أُصُولَهُمُ الْمَذْكُورَةَ، أَمَّا الْجَارِ فَاخْتَصَّ بِإِمَالَتِهِ الدُّورِيُّ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَفَتَحَهُ أَبُو عَمْرٍو إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ، فَرَوَى الْجُمْهُورُ عَنْهُ الْفَتْحَ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمَغَارِبَةِ وَعَامَّةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَطَرِيقُ أَبِي الزَّعْرَاءِ عَنِ الدُّورِيِّ وَالْمُطَّوِّعِيِّ عَنِ ابْنِ فَرَحٍ، وَرَوَى ابْنُ فَرَحٍ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ النَّهْرَوَانِيِّ وَبَكْرِ ابْنِ شَاذَانَ وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْفَحَّامِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِمْ، وَالْحَمَّامِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْفَارِسِيِّ وَالْمَالِكِيِّ كُلِّهِمْ عَنْ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ فَرَحٍ بِالْإِمَالَةِ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْإِرْشَادِ وَالْكِفَايَةِ وَالْمُسْتَنِيرِ، وَغَيْرِهَا. مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ لِابْنِ فَرَحٍ عَنْهُ، وَقَطَعَ الْخِلَافَ لِأَبِي عَمْرٍو فِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ، وَهِيَ رِوَايَةُ بَكْرٍ السَّرَاوِيلِيِّ عَنِ الدُّورِيِّ نَصًّا، وَلَمْ يَسْتَثْنِهِ فِي الْكَامِلِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي إِمَالَتَهُ لِأَبِي عَمْرٍو بِغَيْرِ خِلَافٍ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فَتْحُهُ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَّا مَنْ رَوَاهُ
(2/55)

عَنِ ابْنِ فَرَحٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْأَزْرَقِ عَنْ وَرْشٍ، فَرَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْهُ بَيْنَ بَيْنَ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي التَّيْسِيرِ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَى فِيهِ اخْتِلَافًا فَإِنَّهُ نَصَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ بَيْنَ بَيْنَ قَرَأَ بِهِ، وَبِهِ يَأْخُذُ، وَكَذَلِكَ قَطَعَ بِهِ فِي مُفْرَدَاتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ سِوَاهُ. وَأَمَّا فِي جَامِعِ الْبَيَانِ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَهُ بَيْنَ بَيْنَ عَلَى ابْنِ خَاقَانَ، وَكَذَلِكَ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ وَقَرَأَهُ بِالْفَتْحِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ (قُلْتُ) : وَالْفَتْحُ فِيهِ هُوَ طَرِيقُ أَبِيهِ أَبِي الطِّيبِ وَاخْتِيَارُهُ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ مَكِّيٌّ فِي التَّبْصِرَةِ: مَذْهَبُ أَبِي الطِّيبِ الْفَتْحُ، وَغَيْرِهِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ انْتَهَى. وَهُوَ يَقْتَضِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَبِهِمَا قَطَعَ فِي الشَّاطِبِيَّةِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا حِمَارِكَ، الْحِمَارِ فَاخْتُلِفَ فِيهِمَا عَنِ الْأَخْفَشِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فَرَوَاهُ عَنْهُ الْجُمْهُورُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْأَخْرَمِ بِالْإِمَالَةِ، وَرَوَاهُ آخَرُونَ مِنْ طَرِيقِ النَّقَّاشِ وَبِالْفَتْحِ قَطَعَ صَاحِبُ الْهَادِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْكَافِي، وَتَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ وَالتَّذْكِرَةِ، وَغَيْرُهُمْ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْأَخْرَمِ وَبِالْإِمَالَةِ قَطَعَ لِابْنِ ذَكْوَانَ بِكَمَالِهِ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ، مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ، وَصَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَرَأَ بِهِ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَ طَرِيقُ التَّيْسِيرِ وَعَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ، وَهِيَ رِوَايَةُ صَاحِبِ الْعُنْوَانِ عَنْهُ بِفَتْحِ حِمَارِكَ، وَإِمَالَةِ الْحِمَارِ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا غَيْرُهُ وَالْبَاقُونَ فِيهِمَا عَلَى أُصُولِهِمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا الْغَارِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الدُّورِيِّ عَنِ الْكِسَائِيِّ فَرَوَاهُ عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّصِيبِيِّ بِالْإِمَالَةِ عَلَى أَصْلِهِ، وَرَوَاهُ عَنْهُ أَبُو عُثْمَانَ الضَّرِيرُ بِالْفَتْحِ فَخَالَفَ أَصْلَهُ فِيهِ خَاصَّةً، وَانْفَرَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْعَطَّارُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ الطَّبَرِيِّ عَنِ ابْنِ بُويَانَ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ عَنْ قَالُونَ بِإِمَالَتِهِ بَيْنَ بَيْنَ، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ بِهِ عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ فَارِسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ السَّامَرِّيِّ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْهُ، وَانْفَرَدَ أَيْضًا مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي الْمَذْكُورِ فِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ
(2/56)

فِيهِ خَاصَّةً بِذَلِكَ، وَقَدْ وَافَقَ فِي ذَلِكَ صَاحِبَ الْعُنْوَانِ لَوْ لَمْ يُخَصِّصْ، وَانْفَرَدَ أَبُو الْكَرَمِ عَنِ ابْنِ خَشْنَامٍ عَنْ رَوْحٍ بِإِمَالَتِهِ فَخَالَفَ فِيهِ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْ رَوْحٍوَالْبَاقُونَ فِيهِ عَلَى أُصُولِهِمْ، وَأَمَّا هَارٍ، وَقَدْ كَانَتْ رَاؤُهُ لَامًا فَجُعِلَتْ عَيْنًا بِالْقَلْبِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَهُ: هَايِرٌ، أَوْ هَاوُرٌ، مِنْ هَارَ يَهِيرُ، أَوْ يَهُورُ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، فَقُدِّمَتِ اللَّامُ إِلَى مَوْضِعِ الْعَيْنِ وَأُخِّرَتِ الْعَيْنُ إِلَى مَوْضِعِ اللَّامِ ثُمَّ فُعِلَ بِهِ مَا فُعِلَ فِي قَاضِي فَالرَّاءُ حِينَئِذٍ لَيْسَتْ بِطَرَفٍ وَلَكِنَّهَا بِالنَّظَرِ إِلَى صُورَةِ الْكَلِمَةِ طَرَفٌ، وَكَذَا إِلَى لَفْظِهَا الْآنَ فَهِيَ بَعْدَ الْأَلِفِ مُتَطَرِّفَةٌ فَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ هُنَا وَعَلَى تَقْدِيرِ الْأَصْلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ بَيْنَهُمَا حَرْفٌ مُقَدَّرٌ فَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُشْبِهُ كَافِرًا، وَقَدِ اتَّفَقَ عَلَى إِمَالَتِهِ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْ قَالُونَ، وَابْنِ ذَكْوَانَ. فَأَمَّا قَالُونُ، فَرَوَى عَنْهُ الْفَتْحَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ ذُؤَابَةَ الْقَزَّازُ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَرَوَاهُ أَبُو الْعِزِّ، وَأَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ قَالُونَ مِنْ طَرِيقَيْهِ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِمَالَةَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بُويَانَ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ تَذْكُرِ الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً عَنْ قَالُونَ سِوَاهُ، وَقَطَعَ بِهِ الدَّانِيُّ لِلْحَلْوَانِيِّ فِي جَامِعِهِ، وَكَذَلِكَ صَاحَبُ التَّجْرِيدِ وَالْمُبْهِجِ، وَغَيْرُهُمْ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ عَنْ قَالُونَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا أَبُو عَمْرٍو الْحَافِظُ فِي مُفْرَدَاتِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا ابْنُ ذَكْوَانَ، فَرَوَى عَنْهُ الْفَتْحَ الْأَخْفَشُ مِنْ طَرِيقِ النَّقَّاشِ، وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَرَأَ بِهِ الدَّانِيُّ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِمَالَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْأَخْرَمِ، وَهِيَ طَرِيقُ الصُّورِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَبِذَلِكَ قَطَعَ لِابْنِ ذَكْوَانَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ، وَابْنُ مِهْرَانَ، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ، وَالْعُنْوَانِ، وَابْنُ شُرَيْحٍ وَمَكِّيٌّ، وَابْنُ سُفْيَانَ، وَابْنُ بَلِّيمَةَ وَالْجُمْهُورُ وَنَصَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ التَّيْسِيرِ، وَأَمَالَهُ الْأَزْرَقُ عَنْ وَرْشٍ بَيْنَ بَيْنَ وَفَتَحَهُ الْبَاقُونَ. وَانْفَرَدَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ بِفَتْحِهِ عَنْ أَبِي الْحَارِثِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى
(2/57)

عَبْدِ الْبَاقِي، وَانْفَرَدَ أَيْضًا بِإِمَالَتِهِ عَنْ خَلَفٍ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ، وَانْفَرَدَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي الْمُبْهِجِ بِوَجْهَيِ الْفَتْحِ وَالْإِمَالَةِ عَنْ حَمْزَةَ بِكَمَالِهِ، وَانْفَرَدَ أَيْضًا فِي كِفَايَتِهِ بِإِمَالَتِهِ عَنْ خَلَفٍ فِي اخْتِيَارِهِ يَعْنِي مِنْ رِوَايَةِ إِدْرِيسَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ سِوَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
، وَأَمَّا الْبَوَارِ الْقَهَّارُ فَاخْتُلِفَ فِيهِمَا عَنْ حَمْزَةَ، فَرَوَى فَتْحَهُمَا لَهُ مِنْ رِوَايَتَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً، وَهُوَ الَّذِي فِي الْإِرْشَادَيْنِ وَالْغَايَتَيْنِ وَالْمُسْتَنِيرِ، وَالْجَامِعِ وَالتِّذْكَارِ وَالْمُبْهِجِ وَالتَّجْرِيدِ، وَالْكَامِلِ، وَغَيْرِهَا. وَرَوَاهُمَا بَيْنَ بَيْنَ الْمَغَارِبَةُ عَنْ آخِرِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي فِي التَّيْسِيرِ وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَتَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَغَيْرِهَا. وَانْفَرَدَ أَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ حَمْزَةَ فِي رِوَايَتَيْهِ بِإِمَالَتِهِمَا مَحْضًا، وَكَذَا أَبُو عَلِيٍّ الْعَطَّارُ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إِدْرِيسَ عَنْ خَلَفٍ عَنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَالْبَاقُونَ عَلَى أُصُولِهِمُ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَأَمَّا جَبَّارِينَ فَاخْتَصَّ بِإِمَالَتِهِ الْكِسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ، وَانْفَرَدَ النَّهْرَوَانِيُّ عَنِ ابْنِ فَرَحٍ عَنِ الدُّورِيِّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِإِمَالَتِهِ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْأَزْرَقِ فَرَوَاهُ عَنْهُ بَيْنَ بَيْنَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ فِي كَافِيهِ، وَأَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي مُفْرَدَاتِهِ، وَهُوَ الَّذِي فِي التَّذْكِرَةِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْكَافِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّجْرِيدِ، وَالْعُنْوَانِ، وَتَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ، وَغَيْرِهَا. وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ، وَبِهِمَا قَرَأْتُ وَآخُذُ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَأَمَّا أَنْصَارِي فَاخْتَصَّ بِإِمَالَتِهِ الدُّورِيُّ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ زَيْدٌ عَنِ الصُّورِيِّ وَفَتَحَهُ الْبَاقُونَ وَالرَّاءُ فِيهِ، وَفِي جَبَّارِينَ لَيْسَتْ مَجْرُورَةً بَلْ مَكْسُورَةً فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ فِي أَنْصَارِي، وَفِي مَوْضِعِ نَصْبٍ فِي جَبَّارِينَ وَلِكَوْنِهَا مُتَطَرِّفَةً ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْبَابِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَأَمَّا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الرَّاءُ مُكَرَّرَةً مِنْ هَذَا الْبَابِ نَحْوَ الْأَبْرَارِ، الْأَشْرَارِ، قَرَارٍ فَأَمَالَهُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ، وَرَوَاهُ وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ بَيْنَ بَيْنَ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ حَمْزَةَ، وَابْنِ ذَكْوَانَ. فَأَمَّا حَمْزَةُ، فَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ الْإِمَالَةَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَتَيْهِ، وَهُوَ
(2/58)

الَّذِي فِي الْمُبْهِجِ، وَالْعُنْوَانِ، وَتَلْخِيصِ أَبِي مَعْشَرٍ وَالتَّجْرِيدِ، مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، وَبِهِ قَرَأَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي التَّيْسِيرِ، وَهُوَ مِمَّا خَرَجَ خَلَفٌ فِيهِ عَنْ طُرُقِهِ، وَذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ، وَرَوَاهُ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ خَلَفٍ، وَقَطَعُوا لِخَلَّادٍ بِالْفَتْحِ كَأَبِي الْعِزِّ، وَابْنِ سَوَّارٍ، وَالْهُذَلِيِّ وَالْهَمَدَانِيِّ، وَابْنِ مِهْرَانَ، وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ فَارِسٍ، وَأَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ، وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْفَحَّامِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ، وَرَوَى جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ وَالْمِصْرِيِّينَ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَتَيْهِ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ الَّذِي فِي التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْكَافِي، وَتَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ وَالْهَادِي، وَالتَّذْكِرَةِ، وَغَيْرِهَا. وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ. وَأَمَّا ابْنُ ذَكْوَانَ، فَرَوَى عَنْهُ الْإِمَالَةَ الصُّورِيُّ، وَرَوَى عَنْهُ الْفَتْحَ الْأَخْفَشُ، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ عَنْهُ بَيْنَ بَيْنَ فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ، وَكَذَلِكَ انْفَرَدَ بِهِ عَنْ أَبِي الْحَارِثِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ طُرُقِنَا، وَلَا مِنْ شَرْطِنَا، وَانْفَرَدَ بِهِ أَيْضًا صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنْ قَالُونَ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَهُوَ فِي الْعُنْوَانِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنِ الدَّاجُونِيِّ عَنِ ابْنِ مَامَوَيْهِ عَنْ هِشَامٍ بِالْإِمَالَةِ أَيْضًا، وَانْفَرَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْعَطَّارُ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَرْدَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فِيمَا قَرَأَ بِهِ عَلَى ابْنِ سَوَّارٍ بِإِمَالَتِهِ أَيْضًا فَخَالَفَ فِيهِ سَائِرَ الرُّوَاةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

[فصل في إمالة الألف التي هي عين من الفعل الثلاثي الماضي]
أَمَالَهَا حَمْزَةُ مِنْ عَشْرِ أَفْعَالٍ، وَهِيَ زَادَ، شَاءَ، جَاءَ، خَابَ، رَانَ، خَافَ، زَاغَ، طَابَ، ضَاقَ، حَاقَ حَيْثُ وَقَعَتْ وَكَيْفَ جَاءَتْ نَحْوَ: فَزَادَهُمُ، زَادَهُمْ، جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ، جَاءُوا أَبَاهُمْ، جَاءَتْ سَيَّارَةٌ إِلَّا زَاغَتْ فَقَطْ، وَهِيَ فِي الْأَحْزَابِ وَصَادٍ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي اسْتِثْنَائِهِ وَإِنْ كَانَتْ
(2/59)

عِبَارَةُ التَّجْرِيدِ تَقْتَضِي إِطْلَاقَهُ فَهُوَ مِمَّا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الطُّرُقُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ بِإِمَالَتِهِ عَنْ خَلَّادٍ نَصًّا، وَهِيَ رِوَايَةُ الْعَبْسِيِّ وَالْعِجْلَيِّ عَنْ حَمْزَةَ، وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ مِهْرَانَ فِي ذَلِكَ سَائِرَ الرُّوَاةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
. وَوَافَقَهُ خَلَفٌ وَابْنُ ذَكْوَانَ فِي جَاءَ، شَاءَ كَيْفَ وَقَعَا، وَوَافَقَهُ ابْنُ ذَكْوَانَ وَحْدَهُ فِي فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا، أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي بَاقِي الْقُرْآنِ، فَرَوَى فِيهِ الْفَتْحَ وَجْهًا وَاحِدًا صَاحِبُ الْعُنْوَانِ، وَابْنُ شُرَيْحٍ وَابْنُ سُفْيَانَ وَالْمَهْدَوِيُّ وَابْنُ بَلِّيمَةَ وَمَكِّيٌّ، وَصَاحِبُ التَّذْكِرَةِ وَالْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً، وَهِيَ طَرِيقُ ابْنِ الْأَخْرَمِ عَنِ الْأَخْفَشِ عَنْهُ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مِهْرَانَ غَيْرَهُ، وَرَوَى الْإِمَالَةَ أَبُو الْعِزِّ فِي كِتَابَيْهِ، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ، وَالْمُسْتَنِيرِ، وَالْمُبْهِجِ، وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهِيَ طَرِيقُ الصُّورِيِّ وَالنَّقَّاشِ عَنِ الْأَخْفَشِ، وَطَرِيقِ التَّيْسِيرِ فَإِنَّ الدَّانِيَّ قَرَأَ بِهَا عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ وَعَلَى أَبِي الْفَتْحِ أَيْضًا، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ.
وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ أَيْضًا فِي خَابَ، وَهُوَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَوْضِعَيْ طه، وَفِي وَالشَّمْسِ فَأَمَالَهُ عَنْهُ الصُّورِيُّ وَفَتَحَهُ الْأَخْفَشُ. وَاخْتُلِفَ عَنْ هِشَامٍ فِي شَاءَ، جَاءَ، زَادَ فَأَمَالَهَا الدَّاجُونِيُّ وَفَتَحَهَا الْحُلْوَانِيُّ.
وَاخْتُلِفَ عَنِ الدَّاجُونِيِّ فِي خَابَ فَأَمَالَهُ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ وَالرَّوْضَةِ وَالْمُبْهِجِ، وَابْنُ فَارِسٍ وَجَمَاعَةٌ وَفَتَحَهُ ابْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو الْعِزِّ وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَآخَرُونَ وَاتَّفَقَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ عَلَى إِمَالَةِ رَانَ، وَهُوَ فِي التَّطْفِيفِ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَفَتَحَهُ الْبَاقُونَ.

فَصَلٌ فِي إِمَالَةِ حُرُوفٍ مَخْصُوصَةٍ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ
، وَهِيَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا التَّوْرِيَةُ حَيْثُ وَقَعَتِ الْكَافِرِينَ حَيْثُ وَقَعَ بِالْيَاءِ مَجْرُورًا كَانَ، أَوْ مَنْصُوبًا النَّاسِ حَيْثُ وَقَعَ مَجْرُورًا ضِعَافًا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ آتِيكَ فِي مَوْضِعَيِ النَّمْلِ الْمِحْرَابِ كَيْفَ وَقَعَ عِمْرَانَ.
(2/60)

حَيْثُ أَتَى الْإِكْرَامِ، إِكْرَاهِهِنَّ، الْحَوَارِيِّينَ فِي الْمَائِدَةِ وَالصَّفِّ لِلشَّارِبِينَ فِي النَّحْلِ وَالصَّافَّاتِ وَالْقِتَالِ مَشَارِبُ فِي يس آنِيَةٍ فِي الْغَاشِيَةِ عَابِدُونَ عَابِدٌ فِي الْكَافِرُونَ وَالنَّصَارَى، أُسَارَى، كُسَالَى، الْيَتَامَى، سُكَارَى حَيْثُ وَقَعَ تَرَاءَ الْجَمْعَانِ فِي الشُّعَرَاءِ، فَأَمَّا (التَّوْرِيَةُ) فَأَمَالَهُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَابْنُ ذَكْوَانَ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ حَمْزَةَ وَقَالُونَ وَوَرْشٍ. فَأَمَّا حَمْزَةُ، فَرَوَى الْإِمَالَةَ الْمَحْضَةَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَتَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً وَجَمَاعَةٌ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُسْتَنِيرِ، وَالْجَامِعِ لِابْنِ فَارِسٍ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْإِرْشَادَيْنِ، وَالْكَامِلِ، وَالْغَايَتَيْنِ، وَالتَّجْرِيدِ، وَغَيْرِهَا. وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ الْحَسَنِ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِمَالَةَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي فِي التَّذْكِرَةِ وَإِرْشَادِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصَيْنِ، وَالْكَافِي، وَالتَّيْسِيرِ، وَالْعُنْوَانِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَعَلَى أَبِي الْفَتْحِ أَيْضًا عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّامَرِّيِّ. وَأَمَّا قَالُونُ، فَرَوَى عَنْهُ الْإِمَالَةَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً وَآخَرُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْكَامِلِ وَالْهَادِي، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالتَّلْخِيصَيْنِ، وَالْهِدَايَةِ، وَغَيْرِهَا. وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ وَقَرَأَ بِهِ أَيْضًا عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى السَّامَرِّيِّ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ التَّيْسِيرِ، وَرَوَى عَنْهُ الْفَتْحَ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً وَجَمَاعَةٌ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْكِفَايَتَيْنِ وَالْإِرْشَادِ وَالْغَايَتَيْنِ وَالتِّذْكَارِ وَالْمُسْتَنِيرِ، وَالْجَامِعِ، وَالْكَامِلِ، وَالتَّجْرِيدِ، وَغَيْرِهَا. وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ أَيْضًا عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ الْحَسَنِ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الَّتِي فِي التَّيْسِيرِ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا الشَّاطِبِيُّ وَالصَّفْرَاوِيُّ، وَغَيْرُهُمَا.
وَأَمَّا صَاحِبُ الْمُبْهِجِ فَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْفَتْحُ وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْإِمَالَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ طُرُقِهِ. وَأَمَّا وَرْشٌ، فَرَوَى عَنْهُ الْإِمَالَةَ الْمَحْضَةَ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَرَوَى عَنْهُ
(2/61)

بَيْنَ بَيْنَ الْأَزْرَقُ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَأَمَّا الْكَافِرِينَ فَأَمَالَهُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ وَرُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ، وَوَافَقَهُمْ رَوْحٌ فِي النَّمْلِ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ، وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فَأَمَالَهُ الصُّورِيُّ عَنْهُ وَفَتَحَهُ الْأَخْفَشُ، وَأَمَالَهُ بَيْنَ بَيْنَ وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ وَفَتَحَهُ الْبَاقُونَ، وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ عَنِ الْأَزْرَقِ عَنْ وَرْشٍ، فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ عَنْهُ. وَانْفَرَدَ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ عَنِ ابْنِ شَنَبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ بِإِمَالَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَلَا نَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا النَّاسِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ، فَرَوَى إِمَالَتَهُ أَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي فِي التَّيْسِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَسْنَدَ رِوَايَةَ الدُّورِيِّ فِيهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْفَارِسِيِّ عَنْ أَبِي طَاهِرٍ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ فِي بَابِ الْإِمَالَةِ: وَأَقْرَأَنِي الْفَارِسِيُّ عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ فِي قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو بِإِمَالَةِ فَتْحَةِ النُّونِ مِنَ النَّاسِ فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ حَيْثُ وَقَعَ، وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ رِوَايَةُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْيَزِيدِيِّ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو كَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْيَزِيدِيِّ وَأَبِي حَمْدُونَ وَابْنِ سَعْدُونَ، وَغَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ كَانَ اخْتِيَارُ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ. قَالَ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ وَاخْتِيَارِي فِي قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْعِرَاقِ الْإِمَالَةَ الْمَحْضَةَ فِي ذَلِكَ لِشُهْرَةِ مَنْ رَوَاهَا عَنِ الْيَزِيدِيِّ وَحُسْنِ اطِّلَاعِهِمْ وَوُفُورِ مَعْرِفَتِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: وَبِذَلِكَ قَرَأْتُ عَلَى الْفَارِسِيِّ عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي طَاهِرِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، وَبِهِ آخُذُ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ ابْنُ مُجَاهِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يُقْرِئُ بِإِخْلَاصِ الْفَتْحِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهُ وَاسْتِحْسَانًا فِي مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو وَتَرَكَ لِأَجْلِهِ مَا قَرَأَهُ عَلَى الْمَوْثُوقِ بِهِ مِنْ أَئِمَّتِهِ إِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَا حَرْفٍ وَتَرَكَ الْمُجْمَعَ فِيهِ عَنِ الْيَزِيدِيِّ وَمَالَ إِلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ إِمَّا لِقُوَّتِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ لِسُهُولَتِهَا عَلَى اللَّفْظِ وَلِقُرْبِهَا عَلَى الْمُتَعَلِّمِ؛ مِنْ ذَلِكَ إِظْهَارُ الرَّاءِ السَّاكِنَةِ عِنْدَ اللَّامِ، وَكَسْرُ هَاءِ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْفِعْلِ الْمَجْزُومِ مِنْ غَيْرِ صِلَةٍ، وَإِشْبَاعُ الْحَرَكَةِ فِي بَارِئِكُمْ وَيَأْمُرُكُمْ.
(2/62)

وَنَظَائِرِهِمَا، وَفَتْحُ الْهَاءِ وَالْخَاءِ فِي يَهِدِّي وَيَخِصِّمُونَ، وَإِخْلَاصُ فَتْحِ مَا كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُؤَنَّثَةِ عَلَى فِعْلَى وَفَعْلَى وَفُعْلَى فِي أَشْبَاهٍ لِذَلِكَ تَرَكَ فِيهِ رِوَايَةَ الْيَزِيدِيِّ وَاعْتَمَدَ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ كَانَ فَعَلَ فِي النَّاسِ كَذَلِكَ وَسَلَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةَ فِي إِخْلَاصِ فَتْحِهِ لَمْ يَكُنْ إِقْرَاؤُهُ بِإِخْلَاصِ الْفَتْحِ حُجَّةً يُقْطَعُ بِهَا عَلَى صِحَّتِهِ، وَلَا يُدْفَعُ بِهَا رِوَايَةُ مَنْ خَالَفَهُ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمَالَةِ النَّاسِ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ، وَلَمْ يُتْبِعْهَا خِلَافًا مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاقِلِينَ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَلَا ذَكَرَ أَنَّهُ قَرَأَ بِغَيْرِهَا كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِيمَا يُخَالِفُ قِرَاءَتُهُ رِوَايَةَ غَيْرِهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْفَتْحَ اخْتِيَارٌ مِنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْحَرْبِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّ الْإِمَالَةَ فِي النَّاسِ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَنَّهُ كَانَ يُمِيلُهُ انْتَهَى، وَرَوَاهُ الْهُذَلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ فَرَحٍ عَنِ الدُّورِيِّ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَرَوَى سَائِرُ النَّاسِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ، وَغَيْرِهِ الْفَتْحَ، وَهُوَ الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ، وَالشَّامِيُّونَ، وَالْمِصْرِيُّونَ وَالْمَغَارِبَةُ، وَلَمْ يَرْوُوهُ بِالنَّصِّ عَنْ أَحَدٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَمْرٍو إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْيَزِيدِيِّ وَسِبْطِهِ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عِنْدَنَا مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَقَرَأْنَا بِهِمَا، وَبِهِمَا نَأْخُذُ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، وَأَمَّا ضِعَافًا فَأَمَالَهُ حَمْزَةُ مِنْ رِوَايَةِ خَلَفٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْ خَلَّادٍ، فَرَوَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ بَلِّيمَةَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ إِمَالَتَهُ وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَلَكِنْ قَالَ فِي التَّيْسِيرِ: إِنَّهُ بِالْفَتْحِ يَأْخُذُ لَهُ، وَقَالَ فِي الْمُفْرَدَاتِ: إِنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ بِالْفَتْحِ، وَعَلَى أَبِي الْحَسَنِ بِالْوَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ الْفَتْحَ، وَقَالَ ابْنُ غَلْبُونَ فِي تَذْكِرَتِهِ: وَاخْتُلِفَ عَنْ خَلَّادٍ، فَرَوَى عَنْهُ الْإِمَالَةَ وَالْفَتْحَ وَأَنَا آخُذُ لَهُ بِالْوَجْهَيْنِ كَمَا قَرَأْتُ (قُلْتُ) : وَبِالْفَتْحِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا آتِيكَ فَأَمَالَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خَلَفٌ فِي اخْتِيَارِهِ عَنْ حَمْزَةَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ خَلَّادٍ أَيْضًا فِيهِمَا، فَرَوَى
(2/63)

الْإِمَالَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ فِي الْكَافِي، وَابْنُ غَلْبُونَ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَأَبُوهُ فِي إِرْشَادِهِ وَمَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ، وَابْنُ بَلِّيمَةَ فِي تَلْخِيصِهِ وَأَطْلَقَ الْإِمَالَةَ لِحَمْزَةَ بِكَمَالِهِ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الشَّاطِبِيَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي التَّيْسِيرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ يَأْخُذُ بِالْفَتْحِ.
وَقَالَ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ إِنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ، وَبِهِ قَرَأَ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ وَبِالْإِمَالَةِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ. وَالْفَتْحُ مَذْهَبُ جُمْهُورٍ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ، وَانْفَرَدَ سِبْطُ الْخَيَّاطِ فِي كِفَايَتِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَةِ إِدْرِيسَ عَنْ خَلَفٍ فِي اخْتِيَارِهِ إِمَالَةً فَخَالَفَ سَائِرَ النَّاسِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا الْمِحْرَابِ فَأَمَالَهُ ابْنُ ذَكْوَانَ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ إِذَا كَانَ مَجْرُورًا، وَذَلِكَ مَوْضِعَانِ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ فِي آلِ عِمْرَانَ وَفَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فِي مَرْيَمَ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي الْمَنْصُوبِ، وَهُوَ مَوْضِعَانِ أَيْضًا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ فِي آلِ عِمْرَانَ، وَإِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ فِي ص فَأَمَالَهُ فِيهِمَا النَّقَّاشُ عَنِ الْأَخْفَشِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا هِبَةُ اللَّهِ عَنِ الْأَخْفَشِ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدٍ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ وَفَتَحَهُ عَنْهُ الصُّورِيُّ وَابْنُ الْأَخْرَمِ عَنِ الْأَخْفَشِ وَسَائِرُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنَ الشَّامِيِّينَ، وَالْمِصْرِيِّينَ، وَالْعِرَاقِيِّينَ، وَالْمَغَارِبَةِ، وَنَصَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِابْنِ ذَكْوَانَ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالْإِعْلَانِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُسْتَنِيرِ مِنْ طَرِيقِ هِبَةِ اللَّهِ، وَفِي الْمُبْهِجِ مِنْ طَرِيقِ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ، وَفِي جَامِعِ الْبَيَانِ مِنْ رِوَايَةِ الثَّعْلَبِيِّ وَابْنِ الْمُعَلَّى وَابْنِ أَنَسٍ كُلِّهِمْ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْأَخْفَشُ فِي كِتَابِهِ الْخَاصِّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا عِمْرَانَ، وَهُوَ فِي قَوْلِهِ آلَ عِمْرَانَ، وَامْرَأَةُ عِمْرَانَ، ابْنَتَ عِمْرَانَ وَالْإِكْرَامِ وَهُوَ الْمَوْضِعَانِ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ، إِكْرَاهِهِنَّ، وَهُوَ فِي النُّورِ فَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فِيهَا، فَرَوَى بَعْضُهُمْ إِمَالَةَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَحْرُفِ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ فِي التَّجْرِيدِ غَيْرَهُ، وَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْأَخْفَشِ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ النَّقَّاشِ وَهِبَةِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَسَلَامَةِ بْنِ هَارُونَ وَابْنِ شَنَبُوذَ وَمُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ خَمْسَتُهُمْ عَنِ الْأَخْفَشِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا فِي الْعُنْوَانِ، وَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَنَبُوذَ وَسَلَامَةِ
(2/64)

ابْنِ هَارُونَ، وَذَكَرَهُ فِي التَّيْسِيرِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ، وَلَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّيْسِيرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ بِطَرِيقِ النَّقَّاشِ عَنِ الْأَخْفَشِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّيْسِيرِ، بَلْ قَرَأَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ أَبِي بَكْرِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُرْشِدٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الزَّرْزِ وَمُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُوسَى وَأَبِي طَاهِرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَعْلَبَكِّيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ شَنَبُوذَ وَأَبِي نَصْرٍ سَلَامَةَ بْنِ هَارُونَ خَمْسَتُهُمْ عَنِ الْأَخْفَشِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً مِنْ طَرِيقِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْأَخْفَشِ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنِ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَرَوَى سَائِرُ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ، وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ الْفَتْحَ، وَهُوَ الثَّابِتُ مِنْ طُرُقْنَا سِوَى مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ طَرِيقِ النَّقَّاشِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ عَنِ الْأَخْفَشِ، وَعَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ أَيْضًا، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ. وَالصَّفْرَاوِيُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا الْحَوَارِيِّينَ فَاخْتُلِفَ فِي إِمَالَتِهِ عَنِ الصُّورِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، فَرَوَى إِمَالَتَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ زَيْدُ مِنْ طَرِيقِ الْإِرْشَادِ لِأَبِي الْعِزِّ، وَكَذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ مِنْ طَرِيقِ الْقَبَّابِ، وَنَصَّ أَبُو الْعِزِّ فِي الْكِفَايَةِ عَلَى حَرْفِ الصَّفِّ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُسْتَنِيرِ وَجَامِعِ ابْنِ فَارِسٍ وَالصَّحِيحُ إِطْلَاقُ الْإِمَالَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا لِلشَّارِبِينَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فَأَمَالَهُ عَنْهُ الصُّورِيُّ وَفَتَحَهُ الْأَخْفَشُ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِمَالَتَهُ فِي الْمُبْهِجِ لِغَيْرِ الْمُطَّوِّعِيِّ عَنْهُ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا مَشَارِبُ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ هِشَامٍ وَابْنِ ذَكْوَانَ جَمِيعًا، فَرَوَى إِمَالَتَهُ عَنْ هِشَامٍ جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي فِي التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالتَّجْرِيدِ، مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، وَغَيْرِهَا. وَكَذَا رَوَاهُ الصُّورِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، وَرَوَاهُ الْأَخْفَشُ عَنْهُ بِالْفَتْحِ، وَكَذَا رَوَاهُ الدَّاجُونِيُّ عَنْ هِشَامٍ.
وَأَمَّا آنِيَةٍ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ هِشَامٍ، فَرَوَى إِمَالَتَهُ الْحُلْوَانِيُّ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، وَهُوَ الَّذِي لَمْ تَذْكُرِ الْمَغَارِبَةُ عَنْ هِشَامٍ سِوَاهُ، وَرَوَى فَتْحَهُ الدَّاجُونِيُّ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ هِشَامٍ سِوَاهُ
(2/65)

، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ بِهِ قَرَأْنَا، وَبِهِ نَأْخُذُ وَأَمَّا عَابِدُونَ - كِلَاهُمَا - وَعَابِدٌ، وَهِيَ فِي الْكَافِرُونَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ هِشَامٍ، فَرَوَى إِمَالَتَهُ الْحُلْوَانِيُّ عَنْهُ، وَرَوَى فَتْحَهُ الدَّاجُونِيُّ، وَأَمَّا الْأَلِفُ بَعْدَ الصَّادِ مِنَ النَّصَارَى، نَصَارَى، وَبَعْدَ السِّينِ مِنْ أُسَارَى، كُسَالَى، وَبَعْدَ التَّاءِ مِنَ الْيَتَامَى. وَيَتَامَى، وَبَعْدَ الْكَافِ مِنْ سُكَارَى فَاخْتُلِفَ فِيهَا عَنِ الدُّورِيِّ عَنِ الْكِسَائِيِّ فَأَمَالَهَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّرِيرُ عَنْهُ تِبَاعًا لِإِمَالَةِ أَلِفِ التَّأْنِيثِ وَمَا قَبْلَهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ عَنِ الدُّورِيِّ، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنْهُ أَيْضًا عَنِ الدُّورِيِّ بِإِمَالَتِهِ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ مِنَ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ وَأَمَالَ تَرَاءَ الْجَمْعَانِ فَأَمَالَ الرَّاءَ دُونَ الْهَمْزَةِ حَالَ الْوَصْلِ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ، وَإِذَا وَقَفَا أَمَالَا الرَّاءَ وَالْهَمْزَةَ جَمِيعًا وَمَعَهُمَا الْكِسَائِيُّ فِي الْهَمْزَةِ فَقَطْ عَلَى أَصْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَكَذَا وَرْشٌ عَلَى أَصْلِهِ فِيهَا مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ بَيْنَ بَيْنَ بِخِلَافٍ عَنْهُ فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَشَذَّ الْهُذَلِيُّ، فَرَوَى إِمَالَةَ ذَلِكَ، ذَلِكُمْ عَنِ ابْنِ شَنَبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ وَأَحْسَبُهُ غَلَطًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ فِي إِمَالَةِ أَحْرُفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ
وَهِيَ خَمْسَةٌ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ سُورَةً (أَوَّلُهَا الرَّاءُ) مِنَ الر أَوَّلَ يُونُسَ، وَهُودٍ، وَيُوسُفَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالْحِجْرِ ; وَمِنَ المر، أَوَّلَ الرَّعْدِ فَأَمَالَ الرَّاءَ مِنَ السُّوَرِ السِّتِّ أَبُو عُمَرَ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ، وَهَذَا الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ لِابْنِ عَامِرٍ بِكَمَالِهِ، وَعَلَيْهِ الْمَغَارِبَةُ، وَالْمِصْرِيُّونَ قَاطِبَةً، وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِي التَّذْكِرَةِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالْكَافِي، وَأَبُو مَعْشَرٍ فِي تَلْخِيصِهِ، وَالْهُذَلِيُّ فِي كَامِلِهِ، وَغَيْرُهُمْ عَنْهُ سِوَاهُ إِلَّا أَنَّ الْهُذَلِيَّ اسْتَثْنَى عَنْ هِشَامٍ الْفَتْحَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدَانَ يَعْنِي عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْهُ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ، وَزَادَ الْفَتْحُ أَيْضًا لَهُ مِنْ طَرِيقِ الدَّاجُونِيِّ وَتَبِعَهُ عَلَى الْفَتْحِ
(2/66)

لِلدَّاجُونِيِّ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ سَوَّارٍ وَابْنُ فَارِسٍ عَنِ الدَّاجُونِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ هِشَامٍ إِمَالَةً أَلْبَتَّةَ (قُلْتُ) : وَالصَّوَابُ عَنْ هِشَامٍ هُوَ الْإِمَالَةُ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ هِشَامٌ كَذَلِكَ فِي كِتَابِهِ أَعْنِي عَلَى الْإِمَالَةِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مَنْصُوصًا عَنِ ابْنِ عَامِرٍ بِإِسْنَادِهِ فَقَالَ: أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ النَّاصِحِ نَزِيلَ دِمَشْقَ قَالَ: (ثَنَا) أَحْمَدُ بْنُ أَنَسٍ يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ صَاحِبُ هِشَامٍ وَابْنُ ذَكْوَانَ قَالَ: (ثَنَا) هِشَامٌ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ الر مَكْسُورَةَ الرَّاءِ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو: الدَّانِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ يَعْنِي عَنْ هِشَامٍ، وَلَا يَعْرِفُ أَهْلُ الْأَدَاءِ عَنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَرَوَاهَا الْأَزْرَقُ عَنْ وَرْشٍ، بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ وَقَالُونَ وَالْعُلَيْمِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِإِمَالَةٍ بَيْنَ بَيْنَ وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ الْهُذَلِيُّ عَنِ ابْنِ بُويَانَ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ عَنْ قَالُونَ، وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ عَنْ قَالُونَ بِالْإِمَالَةِ الْمَحْضَةِ مَعَ مَنْ أَمَالَ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْكَنْزِ مِنْ حَيْثُ أَسْنَدَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِهِ. وَثَانِيهَا الْهَاءُ مِنْ فَاتِحَةِ كهيعص وَطه فَأَمَّا الْهَاءُ مِنْ كهيعص فَأَمَالَهَا أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْ قَالُونَ وَوَرْشٍ، فَأَمَّا قَالُونُ فَاتَّفَقَ الْعِرَاقِيُّونَ عَلَى الْفَتْحِ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْهَادِي، وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقِ الْمَغَارِبَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكَافِي، وَفِي التَّبْصِرَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَقَرَأَ نَافِعٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ الْفَتْحُ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَقَطَعَ لَهُ أَيْضًا بِالْفَتْحِ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ الْحَسَنِ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَشِيطٍ، وَهِيَ طَرِيقُ التَّيْسِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِيهِ فَهُوَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا عَنْ طُرُقِهِ، وَرَوَى عَنْهُ بَيْنَ بَيْنَ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالتَّلْخِيصَيْنِ، وَالْعُنْوَانِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالْكَامِلِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْكَافِي وَالتَّبْصِرَةِ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ، وَعَلَى أَبِي الْفَتْحِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ
(2/67)

الْحُلْوَانِيِّ. وَأَمَّا وَرْشٌ فَرَوَاهُ عَنْهُ الْأَصْبَهَانِيُّ بِالْفَتْحِ. وَاخْتُلِفَ عَنِ الْأَزْرَقِ فَقَطَعَ لَهُ بَيْنَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالتَّلْخِيصَيْنِ، وَالْكَافِي، وَالتَّذْكِرَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكَافِي وَالتَّبْصِرَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَقَطَعَ لَهُ بِالْفَتْحِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْهَادِي، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْكَافِي وَالتَّبْصِرَةِ، وَانْفَرَدَ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ بِبَيْنَ بَيْنَ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ وَرْشٍ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ الْعُلَيْمِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِالْفَتْحِ فَخَالَفَ فِي ذَلِكَ سَائِرَ النَّاسِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا الْهَاءُ مِنْ طه فَأَمَالَهَا أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْ وَرْشٍ، فَفَتَحَهَا عَنْهُ الْأَصْبَهَانِيُّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَنِ الْأَزْرَقِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِمَالَةِ عَنْهُ مَحْضًا، وَهُوَ الَّذِي فِي التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَتَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ، وَالْعُنْوَانِ، وَالْكَامِلِ، وَفِي التَّجْرِيدِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى ابْنِ نَفِيسٍ وَالتَّبْصِرَةِ، مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الطَّيِّبِ وَقَوَّاهُ بِالشُّهْرَةِ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكَافِي، وَلَمْ يُمِلِ الْأَزْرَقُ مَحْضًا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ سِوَى هَذَا الْحَرْفِ، وَلَمْ يَقْرَأِ الدَّانِيُّ عَلَى شُيُوخِهِ بِسِوَاهُ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْهُ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ الَّذِي فِي تَلْخِيصِ أَبِي مَعْشَرٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْكَافِي، وَفِي التَّجْرِيدِ أَيْضًا مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ شَنَبُوذَ عَنِ النَّحَّاسِ عَنِ الْأَزْرَقِ نَصًّا فَقَالَ: يُشِمُّ الْهَاءَ الْإِمَالَةَ قَلِيلًا.
وَانْفَرَدَ صَاحِبُ التَّجْرِيدِ بِإِمَالَتِهَا مَحْضًا عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنْهُ، وَعَنْ قَالُونَ بَيْنَ بَيْنَ وَتَابَعَهُ عَنْ قَالُونَ فِي ذَلِكَ أَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ، وَكَذَا أَبُو عَلِيٍّ الْعَطَّارُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الطَّبَرِيِّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ إِلَّا أَنَّهُمَا يُمِيلَانِ مَعَهَا الطَّاءَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَانْفَرَدَ فِي الْهِدَايَةِ بِالْفَتْحِ عَنِ الْأَزْرَقِ، وَهُوَ وَجْهٌ أَشَارَ إِلَيْهِ بِالضَّعْفِ فِي التَّبْصِرَةِ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ بِالْفَتْحِ عَنِ الْعُلَيْمِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَبَيْنَ بَيْنَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ سِوَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
" وَثَالِثُهَا الْيَاءُ " مِنْ كهيعص وَيس فَأَمَّا الْيَاءُ مِنْ كهيعص فَأَمَالَهَا ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ هِشَامٍ، وَبِهِ قَطَعَ لَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَابْنُ شَنَبُوذَ وَالْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو
(2/68)

مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ، وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ صَاحَبُ الْكَامِلِ، وَكَذَلِكَ صَاحَبُ الْمُبْهِجِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبَا التَّلْخِيصَيْنِ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ الَّذِي فِي التَّذْكِرَةِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْكَافِي، وَغَيْرِهَا.
وَرَوَى جَمَاعَةٌ لَهُ الْفَتْحَ كَصَاحِبِ التَّجْرِيدِ، وَالْمَهْدَوِيِّ، وَرَوَاهُ أَبُو الْعِزِّ بْنُ سَوَّارٍ وَابْنُ فَارِسٍ وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ مِنْ طَرِيقِ الدَّاجُونِيِّ، وَاخْتُلِفَ عَنْ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَتَيْهِ فَأَمَالَهَا بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مَنْ أَمَالَ الْهَاءَ كَذَلِكَ فِيمَا قَدَّمْنَا وَفَتَحَهَا عَنْهُ مَنْ فَتَحَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْهَاءِ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ فِي انْفِرَادِ الْهُذَلِيِّ عَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ وَابْنِ مِهْرَانَ عَنِ الْعُلَيْمِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَوَرَدَ عَنْهُ إِمَالَةُ الْيَاءِ مِنْ رِوَايَةِ الدُّورِيِّ طَرِيقَ ابْنِ فَرَحٍ مِنْ كِتَابِ التَّجْرِيدِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي وَغَايَةِ ابْنِ مِهْرَانَ وَأَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ وَوَرَدَتِ الْإِمَالَةُ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ السُّوسِيِّ فِي كِتَابِ التَّجْرِيدِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي ابْنِ فَارِسٍ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْقُرَشِيِّ عَنْهُ، وَفِي كِتَابِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ عَنِ السُّوسِيِّ نَصًّا، وَفِي كِتَابِ جَامِعِ الْبَيَانِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الرُّقِّيِّ وَأَبِي عِمْرَانَ بْنِ جَرِيرٍ حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ، وَقَدْ أَبْهَمَ فِي التَّيْسِيرِ وَالْمُفْرَدَاتِ حَيْثُ قَالَ عَقِبَ ذِكْرِهِ الْإِمَالَةَ: وَكَذَا قَرَأْتُ فِي رِوَايَةِ أَبِي شُعَيْبٍ عَلَى فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ قِرَاءَتِهِ فَأُوهِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ الَّتِي هِيَ طَرِيقُ التَّيْسِيرِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاطِبِيُّ، وَزَادَ وَجْهَ الْفَتْحِ فَأَطْلَقَ الْخِلَافَ عَنِ السُّوسِيِّ، وَهُوَ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الدَّانِيَّ أَسْنَدَ رِوَايَةَ أَبِي شُعَيْبٍ السُّوسِيِّ فِي التَّيْسِيرِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَرَأَ بِالْإِمَالَةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِنْ أَيِ طَرِيقٍ قَرَأَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِأَبِي شُعَيْبٍ.
وَكَانَ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُبَيِّنَهُ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الْجَامِعِ حَيْثُ قَالَ: وَبِإِمَالَةِ فَتْحَةِ الْهَاءِ وَالْيَاءِ قَرَأْتُ فِي رِوَايَةِ السُّوسِيِّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ النَّحْوِيِّ عَنْهُ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ عَنْ قِرَاءَتِهِ، وَقَالَ فِيهِ: إِنَّهُ قَرَأَ بِفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ فَارِسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي شُعَيْبٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْهُ عَنِ الْيَزِيدِيِّ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَى ذَلِكَ لَكُنَّا أَخَذْنَا مِنْ إِطْلَاقِهِ الْإِمَالَةَ لِأَبِي شُعَيْبٍ السُّوسِيِّ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ قَرَأَ بِهَا عَلَى أَبِي الْفَتْحِ
(2/69)

فَارِسٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ نَعْلَمْ إِمَالَةَ الْيَاءِ وَرَدَتْ عَنِ السُّوسِيِّ فِي غَيْرِ طَرِيقٍ مِنْ ذِكْرِنَا وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي طَرِيقِ التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، بَلْ وَلَا فِي طُرُقِ كِتَابِنَا، وَنَحْنُ لَا نَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَأَمَّا الْيَاءُ مِنْ يس فَأَمَالَهَا حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَرَوْحٌ ; هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْأَدَاءِ عَنْ حَمْزَةَ. رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ بَيْنَ بَيْنَ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْعُنْوَانِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَتَلْخِيصِ أَبِي مَعْشَرٍ الطَّبَرِيِّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْهُ، وَرَوَاهُ نَصًّا عَنْهُ كَذَلِكَ خَلَفٌ وَخَلَّادٌ وَالدُّورِيُّ وَابْنُ سَعْدَانَ وَأَبُو هِشَامٍ، وَقَدْ قَرَأْنَا بِهِ مِنْ طُرُقِ مَنْ ذَكَرْنَا.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا عَنْ نَافِعٍ فَالْجُمْهُورُ عَنْهُ عَلَى الْفَتْحِ، وَقَطَعَ لَهُ بِبَيْنَ بَيْنَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ بَلِّيمَةَ فِي تَلْخِيصِهِ، وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ خَلَفٍ فِي عُنْوَانِهِ، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ ابْنُ مُجَاهِدٍ، وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْكَامِلِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ فَيَدْخُلُ بِهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَكَذَا رَوَاهُ صَاحِبُ الْمُسْتَنِيرِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الْعَطَّارِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقٍ الطَّبَرِيِّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْ نَافِعٍ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ بِالْفَتْحِ عَنْ رَوْحٍ وَأَفْرَدَ أَبُو الْعِزِّ فِي كِفَايَتِهِ بِالْفَتْحِ عَنِ الْعُلَيْمِيِّ فَخَالَفَ سَائِرَ الرُّوَاةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(وَرَابِعُهَا) الطَّاءُ مِنْ طه، وَمِنْ طسم الشُّعَرَاءِ وَفِي الْقَصَصِ، وَمِنْ طس النَّمْلِ.
فَأَمَّا الطَّاءُ مِنْ طه فَأَمَالَهَا حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ. وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْكَامِلِ رَوَى بَيْنَ بَيْنَ فِيهَا عَنْ نَافِعٍ سِوَى الْأَصْبَهَانِيِّ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي نَشِيطٍ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَوَّارٍ، وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ الْعُلَيْمِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِالْفَتْحِ، وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا الطَّاءُ مِنْ طسم وَطس فَأَمَالَهَا أَيْضًا حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ. وَانْفَرَدَ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ عَنْ نَافِعٍ بِبَيِّنِ اللَّفْظَيْنِ، وَوَافَقَهُ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ إِلَّا أَنَّهُ عَنْ قَالُونَ لَيْسَ مِنْ طَرِيقِنَا.
(وَخَامِسُهَا) الْحَاءُ مِنْ حم فِي السَّبْعِ السُّوَرِ أَمَالَهَا مَحْضًا حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ، وَابْنُ ذَكْوَانَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَأَمَالَهَا بَيْنَ بَيْنَ وَرْشٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فَأَمَالَهَا عَنْهُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَالْكَافِي، وَالتَّبْصِرَةِ، وَالْعُنْوَانِ، وَالتَّلْخِيصَيْنِ
(2/70)

، وَالْهِدَايَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالْكَامِلِ، وَسَائِرُ الْمَغَارِبَةِ، وَبِهِ قَرَأَ فِي التَّجْرِيدِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، وَقَالَ الْهُذَلِيُّ: وَعَلَيْهِ الْحُذَّاقُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَمْرٍو، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَبِي أَحْمَدَ السَّامَرِّيِّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَعَلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْفَارِسِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ عَنْ قِرَاءَتِهِمْ مِنْ رِوَايَتَيِ الدُّورِيِّ وَالسُّوسِيِّ جَمِيعًا وَفَتَحَهَا عَنْهُ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ وَالْمُسْتَنِيرِ، وَالْإِرْشَادَيْنِ، وَالْجَامِعِ، وَابْنُ مِهْرَانَ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ عَنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ الْحَسَنِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَانْفَرَدَ أَبُو الْعِزِّ بِالْفَتْحِ عَنِ الْعُلَيْمِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. وَانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرَانَ بِالْفَتْحِ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فَخَالَفَا سَائِرَ الرُّوَاةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَقَدِ انْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بِإِمَالَةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فِي الْهَاءِ وَالْيَاءِ وَالطَّاءِ مِنْ فَاتِحَةِ مَرْيَمَ، طه، وَطسم، وَطس، وَيس مِنْ رِوَايَتَيْهِ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(فَالْحَاصِلُ) أَنَّ الْهَاءَ وَالْيَاءَ مِنْ كهيعص أَمَالَهُمَا جَمِيعًا الْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، وَكَذَا أَبُو عَمْرٍو مِنْ طَرِيقِ مَنْ ذَكَرَ عَنْهُ فِي رِوَايَتَيْهِ، وَأَمَالَهُمَا بَيْنَ بَيْنَ نَافِعُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَالَ الْهَاءَ وَفَتَحَ الْيَاءَ أَبُو عَمْرٍو فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا وَفَتَحَ الْهَاءَ، وَأَمَالَ الْيَاءَ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ وَابْنُ ذَكْوَانَ وَهِشَامٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَفَتَحَهُمَا الْبَاقُونَ وَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ وَنَافِعُ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ، وَهِشَامٌ مِنْ طَرِيقِ مَنْ ذَكَرَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ وَرْشٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَالْعُلَيْمِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ طَرِيقِ الْهُذَلِيِّ.
وَأَمَالَ الطَّاءَ وَالْهَاءَ مِنْ طه حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ. وَفَتَحَ الطَّاءَ، وَأَمَالَ الْهَاءَ أَبُو عَمْرٍو وَالْأَزْرَقُ عَنْ وَرْشٍ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ وَالْأَصْبَهَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ التَّجْرِيدِ وَفَتَحَ الطَّاءَ، وَأَمَالَ الْهَاءَ بَيْنَ بَيْنَ الْأَزْرَقُ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ، وَقَالُونُ مِنْ طَرِيقِ مَنْ ذَكَرَ عَنْهُ. وَأَمَالَ الْهَاءَ فَقَطْ بَيْنَ بَيْنَ الْأَصْبَهَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكَامِلِ وَفَتَحَهُمَا الْبَاقُونَ وَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ وَالْأَصْبَهَانِيُّ وَقَالُونُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَالْعُلَيْمِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ
(2/71)

الْهُذَلِيُّ، وَلَمْ يُمِلْ أَحَدٌ الطَّاءَ مَعَ فَتْحِ الْهَاءِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) : أَنَّهُ كُلُّ مَا يُمَالُ أَوْ يَلْطُفُ وَصْلًا فَإِنَّهُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ إِلَّا مَا كَانَ مَنْ كَلِمٍ أُمِيلَتِ الْأَلِفُ فِيهِ مِنْ أَجْلِ كَسْرَةٍ وَكَانَتِ الْكَسْرَةُ مُتَطَرِّفَةً نَحْوَ الدَّارُ، الْحِمَارِ، هَارٍ، الْأَبْرَارِ، النَّاسِ، الْمِحْرَابَ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ ذَهَبُوا إِلَى الْوَقْفِ فِي مَذْهَبِ مَنْ أَمَالَ فِي الْوَصْلِ مَحْضًا، أَوْ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بِإِخْلَاصِ الْفَتْحِ، هَذَا إِذَا وَقَفَ بِالسُّكُونِ اعْتِدَادًا مِنْهُمْ بِالْعَارِضِ إِذِ الْمُوجِبُ لِلْإِمَالَةِ حَالَةَ الْوَصْلِ هُوَ الْكَسْرُ، وَقَدْ زَالَ بِالسُّكُونِ فَوَجَبَ الْفَتْحُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الشَّذَائِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُنَادِي وَابْنِ حَبَشٍ وَابْنِ أَشْتَهْ، وَغَيْرِهِمْ وَحُكِيَ هَذَا الْمَذْهَبُ أَيْضًا عَنِ الْبَصْرِيِّينَ، وَرَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي طَيِّبَةَ عَنْ وَرْشٍ، وَعَنِ ابْنِ كَيِّسَةٍ عَنْ سُلَيْمٍ عَنْ حَمْزَةَ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ مَنْ أَمَالَ بِالْإِمَالَةِ الْخَالِصَةِ، وَفِي مَذْهَبِ مَنْ قَرَأَ بَيْنَ بَيْنَ كَذَلِكَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ كَالْوَصْلِ سَوَاءٌ إِذِ الْوَقْفُ عَارَضٌ وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يُعْتَدَّ بِالْعَارِضِ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَصْلِ كَمَا أُمِيلَ وَصْلًا لِأَجْلِ الْكَسْرَةِ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ يُمَالُ وَقْفًا.
وَإِنْ عُدِمَتِ الْكَسْرَةُ فِيهِ وَلِيُفَرِّقْ بِذَلِكَ بَيْنَ الْمُمَالِ لِعِلَّةٍ وَبَيْنَ مَا لَا يُمَالُ أَصْلًا وَلِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَالِ الْوَصْلِ كَإِعْلَامِهِمْ بِالرَّوْمِ، وَالْإِشْمَامِ حَرَكَةَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ وَاخْتِيَارُ جَمَاعَةِ الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ عَامَّةِ الْمُقْرِئِينَ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ الْمُؤَلِّفِينَ سِوَاهُ كَصَاحِبِ التَّيْسِيرِ، وَالشَّاطِبِيَّةِ، وَالتَّلْخِيصَيْنِ وَالْهَادِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالْعُنْوَانِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالْإِرْشَادَيْنِ، وَابْنِ مِهْرَانَ وَالدَّانِيِّ وَالْهُذَلِيِّ وَأَبِي الْعِزِّ،
(2/72)

، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، وَقَالَ: سَوَاءٌ رُمْتَ، أَوْ سَكَّنْتَ وَرَدَّ عَلَى مَنْ فَتَحَ حَالَةَ الْإِسْكَانِ، وَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَلَا بِالْجِيدِ لِأَنَّ الْوَقْفَ غَيْرُ لَازِمٍ وَالسُّكُونَ عَارِضٌ (قُلْتُ) : وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ صَحِيحَانِ عَنِ السُّوسِيِّ نَصًّا وَأَدَاءً، وَقَرَأْنَا بِهِمَا مِنْ رِوَايَتَيْهِ، وَقَطَعَ بِهِمَا لَهُ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ، وَغَيْرُهُ، وَقَطَعَ لَهُ بِالْفَتْحِ فَقَطِ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ فِي غَايَتِهِ، وَغَيْرِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جَرِيرٍ وَمَأْخُوذٌ بِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ حَبَشٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَنِيرِ، وَفِي التَّجْرِيدِ، وَابْنُ فَارِسٍ فِي جَامِعِهِ، وَغَيْرُهُمْ وَأَطْلَقَ أَبُو الْعَلَاءِ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِسُكُونٍ وَقَيَّدَهُ آخَرُونَ بِرُءُوسِ الْآيِ كَابْنِ سَوَّارٍ وَالصِّقِلِّيِّ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْإِمَالَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ جَعَلَ ذَلِكَ مَعَ الرَّوْمِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي، وَقَالَ: إِنَّهُ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ وَاكْتَفَى بِالْإِمَالَةِ الْيَسِيرَةِ إِشَارَةً إِلَى الْكَسْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ وَأَصْحَابِهِ وَحُكِيَ أَنَّهُ قَرَأَ بِهِ عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ وَأَبِي عُثْمَانَ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَعَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ الْيَزِيدِيِّ وَالصَّوَابُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالْإِسْكَانِ وَإِطْلَاقُهُ فِي رُءُوسِ الْآيِ، وَغَيْرِهَا. وَتَعْمِيمُ الْإِسْكَانِ بِحَالَتَيِ الْوَقْفِ وَالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ إِنَّ سُكُونَ كِلَيْهِمَا عَارِضٌ، وَذَلِكَ نَحْوَ النَّارِ رَبَّنَا، الْأَبْرَارِ رَبَّنَا، الْغَفَّارِ لَا جَرَمَ، الْفُجَّارَ لَفِي، وَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ حَبَشٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَصَّاعِ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ الْإِدْغَامِ، وَقَدْ تَتَرَجَّحُ الْإِمَالَةُ عِنْدَ مَنْ يَأْخُذُ بِالْفَتْحِ مِنْ قَوْلِهِ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِوُجُودِ الْكَسْرَةِ بَعْدَ الْأَلِفِ حَالَةَ الْإِدْغَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (قُلْتُهُ) قِيَاسًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَيُشْبِهُ إِجْرَاءُ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْإِمَالَةِ وَبَيْنَ بَيْنَ وَالْفَتْحِ لِإِسْكَانِ الْوَقْفِ إِجْرَاءَ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْمَدِّ وَالتَّوَسُّطِ وَالْقَصْرِ فِي سُكُونِ الْوَقْفِ بَعْدَ حَرْفِ الْمَدِّ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ فِي بَابِ الْمَدِّ هُوَ الِاعْتِدَادُ بِالْعَارِضِ، وَفِي الْإِمَالَةِ عَكْسُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَالَيْنِ أَنَّ الْمَدَّ مُوجِبُهُ الْإِسْكَانُ، وَقَدْ حَصَلَ فَاعْتَبَرُوا الْإِمَالَةَ مُوجِبَهَا الْكَسْرُ، وَقَدْ زَالَ فَلَمْ يُعْتَبَرْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(2/73)

(الثَّانِي) : أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الْأَلِفِ الْمُمَالِ سَاكِنٌ فَإِنَّ تِلْكَ الْأَلِفَ تَسْقُطُ لِسُكُونِهَا وَلُقِيِّ ذَلِكَ السَّاكِنِ فَحِينَئِذٍ تَذْهَبُ الْإِمَالَةُ عَلَى نَوْعَيْهَا لِأَنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ أَجْلِ وُجُودِ الْأَلِفِ لَفْظًا فَلَمَّا عُدِمَتْ فِيهِ امْتَنَعَتِ الْإِمَالَةُ بِعَدَمِهَا فَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهَا انْفَصَلَتْ مِنَ السَّاكِنِ تَنْوِينًا كَانَ، أَوْ غَيْرَ تَنْوِينٍ، وَعَادَتِ الْإِمَالَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بِعَوْدِهَا عَلَى حَسَبِ مَا تَأَصَّلَ وَتَقَرَّرَ (فَالتَّنْوِينُ) يَلْحَقُ الِاسْمَ مَرْفُوعًا، وَمَجْرُورًا، وَمَنْصُوبًا وَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِهِ فَالْمَرْفُوعُ نَحْوَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ; وَأَجَلٍ مُسَمًّى، لَا يُغْنِي مَوْلًى، هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى وَالْمَجْرُورُ نَحْوَ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، عَنْ مَوْلًى، مِنْ رِبًا، مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَالْمَنْصُوبُ نَحْوَ قُرًى ظَاهِرَةً، أَوْ كَانُوا غُزًّا، أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى، مَكَانًا سُوًى، أَنْ يُتْرَكَ سُدًى.
(وَغَيْرُ التَّنْوِينِ) لَا يَكُونُ إِلَّا مُنْفَصِلًا فِي كَلِمَةٍ أُخْرَى وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي اسْمٍ، وَفِعْلٍ. فَالِاسْمُ نَحْوَ مُوسَى الْكِتَابَ، عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، الْقَتْلَى الْحُرُّ، جَنَى الْجَنَّتَيْنِ، الرُّؤْيَا الَّتِي، ذِكْرَى الدَّارِ، الْقُرَى الَّتِي وَالْفِعْلُ نَحْوَ طَغَى الْمَاءُ، أَحْيَا النَّاسَ.
وَالْوَقْفُ بِالْإِمَالَةِ، أَوْ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِمَنْ مَذْهَبُهُ ذَلِكَ فِي النَّوْعَيْنِ هُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الثَّابِتُ نَصًّا وَأَدَاءً، وَهُوَ الَّذِي لَا يُؤْخَذُ نَصًّا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِخِلَافِهِ، بَلْ هُوَ الْمَنْصُوصُ بِهِ عَنْهُمْ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ فَأَمَّا النَّصُّ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفٌ قَالَ: سَمِعْتُ الْكِسَائِيَّ يَقِفُ عَلَى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ بِالْيَاءِ، وَكَذَلِكَ: مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، أَوْ كَانُوا غُزًّا، مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، أَجَلٍ مُسَمًّى، وَقَالَ: يَسْكُتُ أَيْضًا عَلَى سَمِعْنَا فَتًى، فِي قُرًى، أَنْ يُتْرَكَ سُدًى بِالْيَاءِ وَمِثْلُهُ حَمْزَةُ. قَالَ: خَلَفٌ وَسَمِعْتُ الْكِسَائِيَّ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ أَحْيَا النَّاسَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ أَحْيَا بِالْيَاءِ لِمَنْ كَسَرَ الْحُرُوفَ إِلَّا مَنْ يَفْتَحُ فَيَفْتَحُ مِثْلَ هَذَا.
قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِالْيَاءِ. وَكَذَا مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَكَذَا وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ، وَكَذَا طَغَى الْمَاءُ قَالَ: وَالْوَقْفُ عَلَى وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا بِالْيَاءِ.
وَرَوَى حَبِيبُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي طَيِّبَةَ عَنْ وَرْشٍ،
(2/74)

عَنْ نَافِعٍ قُرًى ظَاهِرَةً مَفْتُوحَةً فِي الْقِرَاءَةِ مَكْسُورَةً فِي الْوَقْفِ، وَكَذَلِكَ قُرًى مُحَصَّنَةٍ، سِحْرٌ مُفْتَرًى قَالَ الدَّانِيُّ: وَلَمْ يَأْتِ بِهِ عَنْ وَرْشٍ نَصًّا غَيْرُهُ. انْتَهَى.
وَمِمَّنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ وَأَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الْخَيَّاطِ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ سِوَاهُ. وَأَمَّا الْأَدَاءُ فَهُوَ الَّذِي قَرَأْنَا بِهِ عَلَى عَامَّةِ شُيُوخِنَا، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا أَخَذَ عَلَيَّ سِوَاهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى حِكَايَةِ الْفَتْحِ فِي الْمُنَوَّنِ مُطْلَقًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ عَمَّنْ أَمَالَ، وَقَرَأَ بَيْنَ بَيْنَ حَكَى ذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ فَخَّمُوا التَّنْوِينَ وَقْفًا وَرَقَّقُوا وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُهُ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ فَقَالَ: وَقَدْ فَتَحَ قَوْمٌ ذَلِكَ كُلَّهُ. (قُلْتُ) : وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا قَالَ بِهِ، وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي كَلَامِهِ، وَلَا أَعْلَمُهُ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْقِرَاءَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَذْهَبٌ نَحْوِيٌّ لَا أَدَائِيٌّ دَعَا إِلَيْهِ الْقِيَاسُ لَا الرِّوَايَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ النُّحَاةَ اخْتَلَفُوا فِي الْأَلِفِ اللَّاحِقَةِ لِلْأَسْمَاءِ الْمَقْصُورَةِ فِي الْوَقْفِ فَحُكِيَ عَنِ الْمَازِنِيِّ أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ التَّنْوِينِ سَوَاءٌ كَانَ الِاسْمُ مَرْفُوعًا، أَوْ مَنْصُوبًا، أَوْ مَجْرُورًا وَسَبَبُ هَذَا عِنْدَهُ أَنَّ التَّنْوِينَ مَتَى كَانَ بَعْدَ فَتْحَةٍ أُبْدِلَ فِي الْوَقْفِ أَلِفًا، وَلَمْ يُرَاعِ كَوْنَ الْفَتْحَةِ عَلَامَةً لِلنَّصْبِ أَوْ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وَحُكِيَ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَلِفَ لَيْسَتْ بَدَلًا مِنَ التَّنْوِينِ، وَإِنَّمَا هِيَ بَدَلٌ مِنْ لَامِ الْكَلِمَةِ لَزِمَ سُقُوطُهَا فِي الْوَصْلِ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ التَّنْوِينِ بَعْدَهَا فَلَمَّا زَالَ التَّنْوِينُ بِالْوَقْفِ عَادَتِ الْأَلِفُ وَنَسَبَ الدَّانِيُّ هَذَا الْقَوْلَ أَيْضًا إِلَى الْكُوفِيِّينَ، وَبَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَى سِيبَوَيْهِ قَالُوا: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَدَّرَ حَذْفُ الْأَلِفِ الَّتِي هِيَ مُبْدَلَةٌ مِنْ حَرْفٍ أَصْلِيٍّ وَإِثْبَاتِ الْأَلِفِ الَّتِي هِيَ مُبْدَلَةٌ مِنْ حَرْفٍ زَائِدٍ، وَهُوَ التَّنْوِينُ.
وَذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الْأَلِفَ فِيمَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَنْصُوبًا بَدَلٌ مِنَ التَّنْوِينِ، وَفِيمَا كَانَ مِنْهَا مَرْفُوعًا، أَوْ مَجْرُورًا بَدَلٌ مِنَ الْحَرْفِ الْأَصْلِيِّ اعْتِبَارًا بِالْأَسْمَاءِ الصَّحِيحَةِ الْأَوَاخِرِ إِذْ لَا تُبَدَّلُ فِيهَا الْأَلِفُ مِنَ التَّنْوِينِ إِلَّا فِي
(2/75)

النَّصْبِ خَاصَّةً وَيُنْسَبُ هَذَا الْقَوْلُ إِلَى أَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ وَبَعْضُهُمْ يَنْسُبُهُ أَيْضًا إِلَى سِيبَوَيْهِ قَالُوا: وَفَائِدَةُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى أَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ وَبَعْضُهُمْ يَنْسُبُهُ أَيْضًا إِلَى سِيبَوَيْهِ قَالُوا: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْوَقْفِ عَلَى لُغَةِ أَصْحَابِ الْإِمَالَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يُوقَفَ عَلَى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ بِالْإِمَالَةِ مُطْلَقًا عَلَى مَذْهَبِ الْكِسَائِيِّ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْفَارِسِيِّ وَأَصْحَابِهِ إِنْ كَانَ الِاسْمُ مَرْفُوعًا، أَوْ مَجْرُورًا وَأَنْ يُوقَفَ عَلَيْهَا بِالْفَتْحِ مُطْلَقًا عَلَى مَذْهَبِ الْمَازِنِيِّ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْفَارِسِيِّ إِنْ كَانَ الِاسْمُ مَنْصُوبًا لِأَنَّ الْأَلِفَ الْمُبْدَلَةَ مِنَ التَّنْوِينِ لَا تُمَالُ، وَلَمْ يُنْقَلِ الْفَتْحُ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ.
(نَعَمْ) حَكَى ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ التَّفْصِيلِ الشَّاطِبِيُّ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَتَفْخِيمُهُمْ فِي النَّصْبِ أَجْمَعُ أَشْمَلًا وَحَكَاهُ مَكِّيٌّ وَابْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَوَرْشٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَزْرَقِ فَذَكَرَا الْفَتْحَ عَنْهُمَا فِي الْمَنْصُوبِ وَالْإِمَالَةَ فِي الْمَرْفُوعِ وَالْمَجْرُورِ، وَقَالَ مَكِّيٌّ: إِنَّ الْقِيَاسَ هُوَ الْفَتْحُ لَكِنْ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ نَقْلُ الْقِرَاءَةِ وَعَدَمُ الرِّوَايَةِ وَثَبَاتُ الْيَاءِ فِي الشَّوَاذِّ، وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ وَالْأَشْهَرُ هُوَ الْفَتْحُ يَعْنِي فِي الْمَنْصُوبِ خَاصَّةً، وَلَمْ يَحْكِيَا خِلَافًا عَنْ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ فِي الْإِمَالَةِ وَقْفًا، وَأَمَّا ابْنُ الْفَحَّامِ فِي تَجْرِيدِهِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْإِمَالَةِ، بَلْ ذَكَرَ فِي بَابِ الرَّاءَاتِ بَعْدَ تَمْثِيلِهِ بِقَوْلِهِ قُرًى وَمُفْتَرًى التَّفْخِيمَ فِي الْوَصْلِ، وَأَمَّا فِي الْوَقْفِ فَقَرَأْتُ فِي الْوَقْفِ بِالتَّرْقِيقِ فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ وَفَخَّمْتُ الرَّاءَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ.
قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَحَكَى الدَّانِيُّ أَيْضًا هَذَا التَّفْصِيلَ فِي مُفْرَدَاتِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَمْرٍو فَقَالَ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي سَبَأٍ قُرًى ظَاهِرَةً فَإِنَّ الرَّاءَ تَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ: إِخْلَاصُ الْفَتْحِ، وَذَلِكَ إِذَا وَقَفْتَ عَلَى الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنَ التَّنْوِينِ دُونَ الْمُبْدَلَةِ مِنَ الْيَاءِ، وَالْإِمَالَةُ وَذَلِكَ إِذَا وَقَفْتُ عَلَى الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنَ الْيَاءِ دُونَ الْمُبْدَلَةِ مِنَ التَّنْوِينِ قَالَ: وَهَذَا الْأَوْجَهُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَبِهِ آخُذُ، وَقَالَ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ، وَأَوْجَهُ الْقَوْلَيْنِ وَأَوْلَاهُمَا بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَحْذُوفَةَ هِيَ الْمُبْدَلَةُ مِنَ التَّنْوِينِ لِجِهَاتٍ ثَلَاثٍ إِحْدَاهُنَّ انْعِقَادُ إِجْمَاعِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى رَسْمِ أَلِفَاتِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ يَاءَاتٍ فِي كُلِّ الْمَصَاحِفِ. وَالثَّانِيَةُ وُرُودُ النَّصِّ
(2/76)

عِنْدَ الْعَرَبِ وَأَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ بِإِمَالَةِ هَذِهِ الْأَلِفَاتِ فِي الْوَقْفِ، وَالثَّالِثَةُ وُقُوفُ بَعْضِ الْعَرَبِ عَلَى الْمَنْصُوبِ الْمُنَوَّنِ نَحْوَ رَأَيْتُ زَيْدًا وَضَرَبْتُ عَمْرًا وَبِغَيْرِ عِوَضٍ مِنَ التَّنْوِينِ حَكَى ذَلِكَ سَمَاعًا مِنْهُمُ الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ قَالَ: وَهَذِهِ الْجِهَاتُ كُلُّهَا تُحَقِّقُ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ مِنْ إِحْدَى الْأَلِفَيْنِ هِيَ الْأُولَى الْمُنْقَلِبَةُ عَنِ الْيَاءِ دُونَ الثَّانِيَةِ الْمُبْدَلَةِ مِنَ التَّنْوِينِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتِ الْمُبْدَلَةُ مِنْهُ لَمْ تُرْسَمْ يَاءً بِإِجْمَاعٍ، وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ لَمْ تُقْلَبْ عَنْهَا، وَلَمْ تُمَلْ فِي الْوَقْفِ أَيْضًا لِأَنَّ مَا يُوجِبُ إِمَالَتَهَا فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ، وَهُوَ الْكَسْرُ وَالْيَاءُ مَعْدُومٌ وُقُوعُهُ قَبْلَهَا، وَلِأَنَّهَا الْمَحْذُوفَةُ لَا مَحَالَةَ فِي لُغَةِ مَنْ لَمْ يُعَوِّضْ ثُمَّ قَالَ: وَالْعَمَلُ عِنْدَ الْقُرَّاءِ وَأَهَّلِ الْأَدَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ يَعْنِي الْإِمَالَةَ قَالَ: وَبِهِ أَقُولُ لِوُرُودِ النَّصِّ بِهِ وَدَلَالَةِ الْقِيَاسِ عَلَى صِحَّتِهِ انْتَهَى.
فَدَلَّ مَجْمُوعُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمُنَوَّنِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافٌ نَحْوِيٌّ لَا تَعَلُّقَ لِلْقُرَّاءِ بِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(الثَّالِثُ) : اخْتُلِفَ عَنِ السُّوسِيِّ فِي إِمَالَةِ فَتْحَةِ الرَّاءِ الَّتِي تَذْهَبُ الْأَلِفُ الْمُمَالَةُ بَعْدَهَا لِسَاكِنٍ مُنْفَصِلٍ حَالَةَ الْوَصْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، وَسَيَرَى اللَّهُ، تَرَى النَّاسَ، يَرَى الَّذِينَ، النَّصَارَى الْمَسِيحُ، الْقُرَى الَّتِي، ذِكْرَى الدَّارِ، فَرَوَى عَنْهُ أَبُو عِمْرَانَ بْنُ جَرِيرٍ الْإِمَالَةُ وَصْلًا، وَهِيَ رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ الرُّقِّيِّ وَأَبِي عُثْمَانَ النَّحْوِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْقُرَشِيِّ كُلُّهُمْ عَنِ السُّوسِيِّ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ الْيَزِيدِيِّ وَأَبُو حَمْدُونَ وَأَحْمَدُ بْنُ وَاصِلٍ كُلُّهُمْ عَنِ الْيَزِيدِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ وَأَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَبِهِ قَطَعَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ لِلسُّوسِيِّ فِي التَّيْسِيرِ، وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قِرَاءَتُهُ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ جَرِيرٍ قَالَ الدَّانِيُّ: وَاخْتَارَ الْإِمَالَةَ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِهَا نَصًّا وَأَدَاءً عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ أَبُو الْعَبَّاسِ مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَدِيبُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ الْخَشَّابُ وَهُمَا مِنْ جُلَّةِ النَّاقِلِينَ عَنْهُ فَهْمًا وَمَعْرِفَةً قَالَ: وَقَدْ جَاءَ بِالْإِمَالَةِ فِي ذَلِكَ نَصًّا عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ انْتَهَى.
وَقَطَعَ بِهِ أَيْضًا لِلسُّوسِيِّ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ
(2/77)

فِي كَامِلِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِمْرَانَ، وَطَرِيقِ ابْنِ غَلْبُونَ يَعْنِي عَبْدَ الْمُنْعِمِ، وَهِيَ تَرْجِعُ أَيْضًا إِلَى أَبِي عِمْرَانَ وَمِمَّنْ قَطَعَ بِالْإِمَالَةِ لِلسُّوسِيِّ أَيْضًا أَبُو مَعْشَرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ صَاحِبُ الْمُفِيدِ، وَصَاحِبُ التَّجْرِيدِ، مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ فَارِسٍ مُطْلَقًا، وَمِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى ابْنِ نَفِيسٍ فِي نَرَى اللَّهَ، وَسَيَرَى اللَّهُ خَاصَّةً، وَعَلَى النَّصَارَى الْمَسِيحُ فَقَطْ مِنْ قِرَاءَةِ ابْنِ نَفِيسٍ عَلَى أَبِي أَحْمَدَ، وَرَوَى ابْنُ جُمْهُورٍ، وَغَيْرُهُ عَنِ السُّوسِيِّ الْفَتْحَ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ الْمُؤَلِّفِينَ عَنِ السُّوسِيِّ سِوَاهُ كَصَاحِبِ التَّبْصِرَةِ، وَالتَّذْكِرَةِ، وَالْهَادِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالْكَافِي، وَالْغَايَتَيْنِ، وَالْإِرْشَادَيْنِ وَالْكِفَايَةِ، وَالْجَامِعِ وَالرَّوْضَةِ، وَالتِّذْكَارِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ. وَإِنَّمَا اشْتُهِرَ الْفَتْحُ عَنِ السُّوسِيِّ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ كَانَ يَخْتَارُ الْفَتْحَ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ، كَذَا رَوَاهُ عَنْهُ فَارِسُ بْنُ أَحْمَدَ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ الدَّانِيُّ، وَالْوَجْهَانِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ عَنْهُ، ذَكَرَهُمَا لَهُ الشَّاطِبِيُّ وَالصَّفْرَاوِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى تَرْقِيقِ اللَّامِ مِنَ اسْمِ اللَّهِ بَعْدَ هَذِهِ الرَّاءِ الْمُمَالَةِ فِي بَابِ اللَّامَاتِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
(الرَّابِعُ) إِنَّمَا يُسَوِّغُ إِمَالَةَ الرَّاءِ وُجُودُ الْأَلِفِ بَعْدَهَا فَتُمَالُ مِنْ أَجْلِ إِمَالَةِ الْأَلِفِ فَإِذَا وَصَلْتَ حَذَفْتَ الْأَلِفَ لِلسَّاكِنِ وَبَقِيَتِ الرَّاءُ إِمَالَةً عَلَى حَالِهَا فَلَوْ حَذَفْتَ تِلْكَ الْأَلِفَ أَصَالَةً لَمْ تَجُزْ إِمَالَةُ تِلْكَ الرَّاءِ، وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ، أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ لِعَدَمِ وُجُودِ الْأَلِفِ بَعْدَ الرَّاءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا حُذِفَتْ لِلْجَزْمِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَمَالَ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ، رَاءَ تَرَاءَ الْجَمْعَانِ وَصْلًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَالَ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ وَأَبُو بَكْرٍ رَاءَ رَأَى الْقَمَرَ وَنَحْوَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ وَرَدَ عَنِ السُّوسِيِّ مِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِنَّمَا خُصَّتِ الرَّاءُ بِالْإِمَالَةِ دُونَ بَاقِي الْحُرُوفِ كَالسِّينِ مِنْ مُوسَى الْكِتَابَ وَاللَّامِ مِنَ الْقَتْلَى الْحُرُّ وَالنُّونِ مِنْ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ مِنْ أَجْلِ ثِقَلِ الرَّاءِ وَقُوَّتِهَا بِالتَّكْرِيرِ تَخْصِيصُهَا مِنْ بَيْنِ الْحُرُوفِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِالتَّفْخِيمِ فَلِذَلِكَ عُدَّتْ مِنْ حُرُوفِ الْإِمَالَةِ وَسَاغَتْ إِمَالَتُهَا لِذَلِكَ وَالْعِلَّةُ
(2/78)

فِي إِمَالَتِهَا مِنْ نَحْوِ يَرَى الَّذِينَ دُونَ قُرًى وَمُفْتَرًى كَوْنُ السَّاكِنِ فِي الْأَوَّلِ مُنْفَصِلًا، وَالْوَصْلِ عَارِضًا فَكَانَتِ الْإِمَالَةُ مَوْجُودَةً قَبْلَ مَجِيءِ السَّاكِنِ الْمُوجِبِ لِلْحَذْفِ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ، وَإِثْبَاتُهُ عَارِضٌ فَعُومِلَ كُلٌّ بِأَصْلِهِ وَقِيلَ مِنْ أَجْلِ تَقْدِيرِ كَوْنِ الْأَلِفِ بَدَلًا مِنَ التَّنْوِينِ فَامْتَنَعَ لِذَلِكَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
(الْخَامِسُ) إِذَا وَقَفَ عَلَى كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ، فِي الْكَهْفِ الْهُدَى ائْتِنَا فِي الْأَنْعَامِ تَتْرَى فِي الْمُؤْمِنُونَ أَمَّا كِلْتَا فَالْوَقْفُ عَلَيْهَا لِأَصْحَابِ الْإِمَالَةِ يُبْنَى عَلَى مَعْرِفَةِ أَلِفِهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِيهَا فَذَكَرَ الدَّانِيُّ فِي الْمُوَضَّحِ، وَجَامِعِ الْبَيَانِ أَنَّ الْكُوفِيِّينَ قَالُوا: هِيَ أَلِفُ تَثْنِيَةٍ. وَوَاحِدُ كِلْتَا، كِلْتَ، وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ هِيَ أَلِفُ تَأْنِيثٍ وَوَزْنُ كِلْتَا فِعْلَى - كَإِحْدَى. وَسِيمَا - وَالتَّاءُ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ وَالْأَصْلُ كَلِوَى قَالَ: فِعْلَى الْأَوَّلُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا بِالْإِمَالَةِ لِأَصْحَابِ الْإِمَالَةِ، وَلَا بِبَيْنَ بَيْنَ لِمَنْ مَذْهَبُهُ ذَلِكَ، وَعَلَى الثَّانِي يُوقَفُ بِذَلِكَ فِي مَذْهَبِ مَنْ لَهُ ذَلِكَ قَالَ: وَالْقُرَّاءُ وَأَهْلُ الْأَدَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ.
(قُلْتُ) : نَصَّ عَلَى إِمَالَتِهَا لِأَصْحَابِ الْإِمَالَةِ الْعِرَاقِيُّونَ قَاطِبَةً كَأَبِي الْعِزِّ وَابْنِ سَوَّارٍ وَابْنِ فَارِسٍ وَسِبْطِ الْخَيَّاطِ، وَغَيْرِهِمْ، وَنَصَّ عَلَى الْفَتْحِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ، وَغَيْرُهُ، وَقَالَ مَكِّيٌّ: يُوقَفُ لِحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ بِالْفَتْحِ لِأَنَّهَا أَلِفُ تَثْنِيَةٍ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، وَلِأَبِي عَمْرٍو بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِأَنَّهَا أَلِفُ تَأْنِيثٍ انْتَهَى. وَالْوَجْهَانِ جَيِّدَانِ وَلَكِنِّي إِلَى الْفَتْحِ أَجْنَحُ، فَقَدْ جَاءَ بِهِ مَنْصُوصًا عَنِ الْكِسَائِيِّ سَوْرَةُ بْنُ الْمُبَارَكِ فَقَالَ: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ بِالْأَلِفِ يَعْنِي بِالْفَتْحِ فِي الْوَقْفِ.
وَأَمَّا إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا عَلَى مَذْهَبِ حَمْزَةَ فِي إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ فِي الْوَقْفِ أَلِفًا قَالَ: الدَّانِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ الْفَتْحَ وَالْإِمَالَةَ فَالْفَتْحُ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ الْمَوْجُودَةَ فِي اللَّفْظِ بَعْدَ فَتْحَةِ الدَّالِ هِيَ الْمُبْدَلَةُ مِنَ الْهَمْزَةِ دُونَ أَلِفِ الْهُدَى وَالْإِمَالَةُ عَلَى أَنَّهَا أَلِفُ الْهُدَى دُونَ الْمُبْدَلَةِ مِنَ الْهَمْزَةِ قَالَ: وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَقِيسُ لِأَنَّ أَلِفَ الْهُدَى قَدْ كَانَتْ ذَهَبَتْ مَعَ تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ فِي حَالِ الْوَصْلِ فَكَذَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعَ الْمُبْدَلِ مِنْهَا لِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ
(2/79)

وَالتَّخْفِيفُ عَارِضٌ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَةُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي شَامَةَ فِي، أَوَاخِرِ بَابِ وَقْفِ حَمْزَةَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ الدَّانِيِّ فِي ذَلِكَ وَالْحُكْمُ فِي وَجْهِ الْإِمَالَةِ لِلْأَزْرَقِ عَنْ وَرْشٍ كَذَلِكَ وَالصَّحِيحُ الْمَأْخُوذُ بِهِ عَنْهُمَا هُوَ الْفَتْحُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَأَمَّا تَتْرَى عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَوَّنَ فَيَحْتَمِلُ أَيْضًا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ التَّنْوِينِ فَتُجْرَى عَلَى الرَّاءِ قَبْلَهَا وُجُوهُ الْإِعْرَابِ الثَّلَاثَةُ رَفْعًا، وَنَصْبًا وَجْرًا، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ لِلْإِلْحَاقِ أُلْحِقَتْ بِجَعْفَرٍ نَحْوَ: أَرْطَى، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَجُوزُ إِمَالَتُهَا فِي الْوَقْفِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَمْرٍو كَمَا لَا تَجُوزُ إِمَالَةُ أَلِفِ التَّنْوِينِ نَحْوَ أَشَدَّ ذِكْرًا، مِنْ دُونِهَا سِتْرًا. وَيَوْمَئِذٍ زُرْقًا، عِوَجًا وَلَا أَمْتًا، وَعَلَى الثَّانِي تَجُوزُ إِمَالَتُهَا عَلَى مَذْهَبِهِ لِأَنَّهَا كَالْأَصْلِيَّةِ الْمُنْقَلِبَةِ عَنِ الْيَاءِ. قَالَ الدَّانِيُّ وَالْقُرَّاءُ وَأَهْلُ الْأَدَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَرَأْتُ، وَبِهِ آخُذُ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَأَبِي طَاهِرِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ وَسَائِرِ الْمُتَصَدِّرِينَ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّاطِبِيِّ أَنَّهَا لِلْإِلْحَاقِ، وَنُصُوصُ أَكْثَرِ أَئِمَّتِنَا تَقْتَضِي فَتْحَهَا لِأَبِي عَمْرٍو وَإِنْ كَانَتْ لِلْإِلْحَاقِ مِنْ أَجْلِ رَسْمِهَا بِالْأَلِفِ، فَقَدْ شَرَطَ مَكِّيٌّ وَابْنُ بَلِّيمَةَ، وَصَاحِبُ الْعُنْوَانِ، وَغَيْرُهُمْ فِي إِمَالَةِ ذَوَاتِ الرَّاءِ لَهُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ مَرْسُومَةً يَاءً، وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلَّا إِخْرَاجَ تَتْرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(السَّادِسُ) رُءُوسُ الْآيِ الْمُمَالَةِ فِي الْإِحْدَى عَشَرَ سُورَةً مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْمُمِيلِ مِنَ الْعَادِّينَ وَالْأَعْدَادُ الْمَشْهُورَةُ فِي ذَلِكَ سِتَّةٌ، وَهِيَ الْمَدَنِيُّ الْأَوَّلُ وَالْمَدَنِيُّ الْأَخِيرُ، وَالْمَكِّيُّ، وَالْبَصَرِيُّ، وَالشَّامِيُّ، وَالْكُوفِيُّ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ السُّوَرِ لِتَعْرِفَ مَذَاهِبَ الْقُرَّاءِ فِيهَا وَالْمُحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ عَدَدُ الْمَدَنِيِّ الْأَخِيرُ لِأَنَّهُ عَدَدُ نَافِعٍ وَأَصْحَابِهِ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ قِرَاءَةِ أَصْحَابِهِ الْمُمِيلِينَ رُءُوسَ الْآيِ، وَعَدَدُ الْبَصْرِيِّ لِيُعْرَفَ بِهِ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو فِي رِوَايَةِ الْإِمَالَةِ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ فِي هَذِهِ السُّوَرِ خَمْسُ آيَاتٍ، وَهِيَ قَوْلُهُ فِي طه مِنِّي هُدًى، زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَدَّهُمَا الْمَدَنِيَّانِ، وَالْمَكِّيُّ، وَالْبَصَرِيُّ
(2/80)

وَالشَّامِيُّ. وَلَمْ يَعُدُّهُمَا الْكُوفِيُّ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فِي النَّجْمِ وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَدَّهَا كُلُّهُمْ إِلَّا الشَّامِيَّ وَقَوْلُهُ فِي النَّازِعَاتِ فَأَمَّا مَنْ طَغَى عَدَّهَا الْبَصَرِيُّ، وَالشَّامِيُّ، وَالْكُوفِيُّ، وَلَمْ يَعُدَّهَا الْمَدَنِيَّانِ، وَلَا الْمَكِّيُّ. وَقَوْلُهُ فِي الْعَلَقِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَدَّهَا كُلُّهُمْ إِلَّا الشَّامِيَّ. فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي طه وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى فَلَمْ يَعُدَّهَا أَحَدٌ إِلَّا الشَّامِيُّ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِلَهُ مُوسَى فَلَمْ يَعُدَّهَا أَحَدٌ إِلَّا الْمَدَنِيُّ الْأَوَّلُ، وَالْمَكِّيُّ وَقَوْلُهُ فِي النَّجْمِ عَنْ مَنْ تَوَلَّى لَمْ يَعُدَّهَا أَحَدٌ إِلَّا الشَّامِيُّ فَلِذَلِكَ لَمْ نَذْكُرْهَا إِذْ لَيْسَتْ مَعْدُودَةً فِي الْمَدَنِيِّ الْأَخِيرِ، وَلَا فِي الْبَصْرِيِّ إِذَا عُلِمَ هَذَا فَلْيُعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي طه لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ. فَأَلْقَاهَا، عَصَى آدَمُ، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ، حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَوْلُهُ فِي النَّجْمِ إِذْ يَغْشَى، عَمَّنْ تَوَلَّى، أَعْطَى قَلِيلًا، ثُمَّ يُجْزَاهُ. أَغْنَى. فَغَشَّاهَا وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فِي الْقِيَامَةِ أَوْلَى لَكَ، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ وَقَوْلُهُ فِي اللَّيْلِ مَنْ أَعْطَى. لَا يَصْلَاهَا فَإِنَّ أَبَا عَمْرٍو يَفْتَحُ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْمُمِيلِينَ لَهُ رُءُوسَ الْآيِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَأْسِ آيَةٍ مَا عَدَا مُوسَى عِنْدَ مَنْ أَمَالَهُ عِنْدَ مَنْ أَمَالَهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَقْرَؤُهُ عَلَى أَصْلِهِ بَيْنَ بَيْنَ وَالْأَزْرَقُ عَنْ وَرْشٍ يَفْتَحُ جَمِيعَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وَأَبِيهِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ وَمَكِّيٍّ، وَصَاحِبِ الْكَافِي، وَصَاحِبِ الْهَادِي، وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَابْنِ بَلِّيمَةَ، وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَأْسِ آيَةٍ وَيَقْرَأُ جَمِيعَهُ بَيْنَ بَيْنَ مِنْ طَرِيقِ التَّيْسِيرِ، وَالْعُنْوَانِ، وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَفَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ خَاقَانِ لِكَوْنِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَكَذَلِكَ فَأَمَّا مَنْ طَغَى فِي النَّازِعَاتِ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ بِالْيَاءِ وَيَتَرَجَّحُ لَهُ عِنْدَ مَنْ أَمَالَ الْفَتْحَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَصْلَاهَا فِي وَاللَّيْلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ اللَّامَاتِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(السَّابِعُ) إِذَا وَصَلَ نَحْوَ النَّصَارَى الْمَسِيحُ، يَتَامَى النِّسَاءِ لِأَبِي عُثْمَانَ الضَّرِيرِ عَنِ الدُّورِيِّ عَنِ الْكِسَائِيِّ فَيَجِبُ فَتْحُ الصَّادِ مِنَ النَّصَارَى وَالتَّاءِ مِنْ يَتَامَى مِنْ أَجْلِ فَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ بَعْدَ الْأَلِفِ وَصْلًا فَإِذَا وَقَفَ عَلَيْهِمَا لَهُ
(2/81)

أُمِيلَتِ الصَّادُ وَالتَّاءُ مَعَ الْأَلِفِ بَعْدَهُمَا مِنْ أَجْلِ إِمَالَةِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ مَعَ الْأَلِفِ بَعْدَهُمَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

بَابُ إِمَالَةِ هَاءِ التَّأْنِيثِ وَمَا قَبْلَهَا فِي الْوَقْفِ
وَهِيَ الْهَاءُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْوَصْلِ تَاءً آخِرَ الِاسْمِ نَحْوَ: نِعْمَةٍ وَرَحْمَةٍ فَتُبْدَلُ فِي الْوَقْفِ هَاءً، وَقَدْ أَمَالَهَا بَعْضُ الْعَرَبِ كَمَا أَمَالُوا الْأَلِفَ. وَقِيلَ لِلْكِسَائِيِّ إِنَّكَ تُمِيلُ مَا قَبْلَ هَاءِ التَّأْنِيثِ فَقَالَ: هَذَا طِبَاعُ الْعَرَبِيَّةِ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ الْإِمَالَةَ هُنَا لُغَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِيهِمْ إِلَى الْآنِ وَهُمْ بَقِيَّةُ أَبْنَاءِ الْعَرَبِ يَقُولُونَ أَخَذْتُهُ أَخْذَةً وَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً. قَالَ: وَحَكَى نَحْوَ ذَلِكَ عَنْهُمُ الْأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ.
(قُلْتُ) : وَالْإِمَالَةُ فِي هَاءِ التَّأْنِيثِ وَمَا شَابَهَهَا مِنْ نَحْوِ هُمَزَةٍ، لُمَزَةٍ، خَلِيفَةً، بَصِيرَةٍ هِيَ لُغَةُ النَّاسِ الْيَوْمَ وَالْجَارِيَةُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ شَرْقًا وَغَرْبًا وَشَامًا وَمِصْرًا لَا يُحْسِنُونَ غَيْرَهَا، وَلَا يَنْطِقُونَ بِسِوَاهَا يَرَوْنَ ذَلِكَ أَخَفَّ عَلَى لِسَانِهِمْ وَأَسْهَلَ فِي طِبَاعِهِمْ، وَقَدْ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ عَنِ الْعَرَبِ ثُمَّ قَالَ: شَبَّهَ الْهَاءَ بِالْأَلِفِ فَأَمَالَ مَا قَبْلَهَا كَمَا يُمِيلُ مَا قَبْلَ الْأَلِفِ انْتَهَى، وَقَدِ اخْتَصَّ بِإِمَالَتِهَا الْكِسَائِيُّ فِي حُرُوفٍ مَخْصُوصَةٍ بِشُرُوطٍ مَعْرُوفَةٍ بِاتِّفَاقٍ وَاخْتِلَافٍ وَتَأْتِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ مُبَيَّنًا فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ الْمُتَّفَقُ عَلَى إِمَالَتِهِ قَبْلَ هَاءِ التَّأْنِيثِ وَمَا أَشْبَهَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ حَرْفًا يَجْمَعُهَا قَوْلُكُ: فَجَثَتْ زَيْنَبُ لِذَوْدِ شَمْسٍ " فَالْفَاءُ " وَرَدَ فِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ اسْمًا نَحْوَ خَلِيفَةً، رَأْفَةٌ، الْخَطْفَةَ، خِيفَةً " وَالْجِيمُ " فِي ثَمَانِيَةِ أَسْمَاءٍ، وَهِيَ وَلِيجَةً، حَاجَةً، بَهْجَةٍ، لُجَّةً، نَعْجَةً، حُجَّةٌ، دَرَجَةٌ، زُجَاجَةٍ " وَالثَّاءُ " فِي أَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ، وَهِيَ ثَلَاثَةِ، وَرَثَةِ، خَبِيثَةٍ، مَبْثُوثَةٌ " وَالتَّاءُ " فِي أَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ أَيْضًا الْمَيْتَةَ، بَغْتَةً، الْمَوْتَةَ، سِتَّةِ " وَالزَّايُ " فِي سِتَّةِ أَسْمَاءٍ أَعَزُّ، الْعِزَّةُ، بَارِزَةً، بِمَفَازَةٍ، هُمَزَةٍ، لُمَزَةٍ " وَالْيَاءُ " وَرَدَتْ فِي أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ اسْمًا نَحْوَ
(2/82)

شِيَةَ، دِيَةٌ، حَيَّةٌ، خَشْيَةِ، زَانِيَةً " وَالنُّونُ " فِي سَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ اسْمًا نَحْوَ: سِنَةٌ، سَنَةٍ، الْجَنَّةَ، الْجَنَّةِ، لَعْنَةُ، زَيْتُونَةٍ " وَالْبَاءُ " فِي ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ اسْمًا نَحْوَ حَبَّةٍ، التَّوْبَةُ، الْكَعْبَةَ، وَشَيْبَةً، الْإِرْبَةِ، غَيَابَةِ " وَاللَّامُ " فِي خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ اسْمًا نَحْوَ لَيْلَةً، غَفْلَةٍ، عَيْلَةً، النَّخْلَةِ، ثُلَّةٌ، الضَّلَالَةِ " وَالذَّالُ " فِي اسْمَيْنِ لَذَّةٍ، وَالْمَوْقُوذَةُ " وَالْوَاوُ " فِي سَبْعَةَ عَشَرَ اسْمًا نَحْوَ: قَسْوَةً، وَالْمَرْوَةَ، نَجْوَى، أُسْوَةٌ " وَالدَّالُ " فِي ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ اسْمًا نَحْوَ: بَلْدَةً، جَلْدَةٍ، عِدَّةَ، قِرَدَةً، أَفْئِدَةُ " وَالشِّينُ " فِي أَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ الْبَطْشَةَ فَاحِشَةً، عِيشَةٍ، مَعِيشَةً " وَالْمِيمُ " فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ اسْمًا نَحْوَ رَحْمَةَ، نِعْمَةَ، أُمَّةً، قَائِمَةٌ، الطَّامَّةُ " وَالسِّينُ " فِي ثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ، وَهِيَ خَمْسَةٌ، وَالْخَامِسَةُ، الْمُقَدَّسَةَ.
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي) الَّذِي يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالْفَتْحِ، وَذَلِكَ إِنْ كَانَ قَبْلَ الْهَاءِ حَرْفٌ مِنْ عَشَرَةِ أَحْرُفٍ، وَهِيَ (حَاعٌ) وَأَحْرُفُ الِاسْتِعْلَاءِ السَّبْعَةِ (قِظْ خُصَّ ضَغْطٍ) إِلَّا أَنَّ الْفَتْحَ عِنْدَ الْأَلِفِ إِجْمَاعٌ، وَعِنْدَ التِّسْعَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَى الْمُخْتَارِ " فَالْحَاءُ " وَرَدَتْ فِي سَبْعَةِ أَسْمَاءٍ، وَهِيَ صَيْحَةً، نَفْحَةٌ، لَوَّاحَةٌ، وَالنَّطِيحَةُ، أَشِحَّةً، أَجْنِحَةٍ، مُفَتَّحَةً " وَالْأَلِفُ " وَرَدَتْ فِي سِتَّةِ أَسْمَاءٍ، وَهِيَ الصَّلَاةَ، الزَّكَاةَ الْحَيَاةِ ; النَّجَاةِ، بِالْغَدَاةِ، وَمَنَاةَ وَيُلْحَقُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ ذَاتُ مِنْ ذَاتَ بَهْجَةٍ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِ الْوَقْفِ عَلَى مَرْسُومِ الْخَطِّ هَيْهَاتَ اللَّاتَ فِي النَّجْمِ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ فِي ص.
وَأَمَّا التَّوْرَاةَ، تُقَاةً، مَرْضَاةِ، مُزْجَاةٍ، كَمِشْكَاةٍ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، بَلْ مِنَ الْبَابِ قَبْلَهُ تُمَالُ أَلِفُهُ وَصْلًا وَوَقْفًا كَمَا تَقَدَّمَ وَسَيَأْتِي إِيضَاحُهُ آخِرَ الْبَابِ " وَالْعَيْنُ " وَرَدَتْ فِي ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ اسْمًا نَحْوَ سَبْعَةٌ، صَنْعَةَ. طَاعَةٌ، السَّاعَةُ " وَالْقَافُ " فِي تِسْعَةَ عَشَرَ اسْمًا نَحْوَ: طَاقَةَ، نَاقَةُ، الصَّعْقَةُ، الصَّاعِقَةُ، الْحَاقَّةُ " وَالظَّاءُ " فِي ثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ: وَهِيَ غِلْظَةً، مَوْعِظَةٌ، حَفَظَةً " وَالْخَاءُ " فِي اسْمَيْنِ وَهُمَا الصَّاخَّةُ، نَفْخَةٌ " وَالصَّادُ " فِي سِتَّةِ
(2/83)

أَسْمَاءٍ، وَهِيَ خَالِصَةً شَاخِصَةٌ، خَصَاصَةٌ، خَاصَّةً، مَخْمَصَةٍ، غُصَّةٍ " وَالضَّادُ " فِي تِسْعَةِ أَسْمَاءٍ رَوْضَةٍ، قَبْضَةً، فَضَّةٍ، عُرْضَةً، فَرِيضَةً، بَعُوضَةً، خَافِضَةٌ دَاحِضَةٌ، مَقْبُوضَةٌ " وَالْغَيْنُ " فِي أَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ صِبْغَةَ، وَمُضْغَةً، وَبَازِغَةً، وَبَالِغَةٌ " وَالطَّاءُ " فِي ثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ، وَهِيَ بَسْطَةً، وَحِطَّةٌ، لَمُحِيطَةٌ.
(وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) الَّذِي فِيهِ التَّفْصِيلُ فَيُمَالُ فِي حَالٍ وَيُفْتَحُ فِي أُخْرَى آخِرًا، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ قَبْلَ الْهَاءِ حَرْفٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ، وَهِيَ (أَكَهَرَ) فَمَتَى كَانَ قَبْلَ حَرْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ يَاءٌ سَاكِنَةٌ، أَوْ كَسْرَةٌ أُمِيلَتْ وَإِلَّا فُتِحَتْ، هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا سَيَأْتِي فَإِنْ فَصَلَ بَيْنَ الْكَسْرَةِ وَالْهَاءِ سَاكِنٌ لَمْ يَمْنَعِ الْإِمَالَةَ ; فَالْهَمْزَةُ وَرَدَتْ فِي أَحَدَ عَشَرَ اسْمًا مِنْهَا اسْمَانِ بَعْدَ الْيَاءِ وَهُمَا: (كَهَيْئَةِ، وَخَطِيئَةً) ، وَخَمْسَةٌ بَعْدَ الْكَسْرَةِ، وَهِيَ: (مِئَةَ، وَفِئَةٍ، وَنَاشِئَةَ، وَسَيِّئَةً، وَخَاطِئَةٍ) ، وَأَرْبَعَةٌ سِوَى ذَلِكَ هِيَ: (النَّشْأَةَ، وَسَوْأَةَ، وَامْرَأَةً، وَبَرَاءَةٌ) ، " وَالْكَافُ " وَرَدَتْ أَيْضًا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ اسْمًا ; وَاحِدٌ بَعْدَ الْيَاءِ، وَهُوَ (الْأَيْكَةِ) ، وَأَرْبَعَةٌ بَعْدَ الْكَسْرَةِ، وَهِيَ (ضَاحِكَةٌ، وَمُشْرِكَةٍ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْمُؤْتَفِكَةَ) وَسِتَّةٌ سِوَى مَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ (بَكَّةَ، وَدَكَّةً، وَالشَّوْكَةِ، وَالتَّهْلُكَةِ، وَمُبَارَكَةٍ) وَالْهَاءُ وَرَدَتْ فِي أَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ اثْنَانِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ الْمُتَّصِلَةِ، وَهِيَ (آلِهَةٌ، وَفَاكِهَةً) وَوَاحِدٌ بَعْدَ الْمُنْفَصِلَةِ، وَهُوَ (وِجْهَةٌ) وَالْآخَرُ بَعْدَ الْأَلِفِ، وَهُوَ (سَفَاهَةٌ) " وَالرَّاءُ " وَرَدَتْ فِي ثَمَانِيَةٍ وَثَمَانِينَ اسْمًا سِتَّةٌ بَعْدَ الْيَاءِ، وَهِيَ (كَبِيرَةً، وَكَثِيرَةً، وَصَغِيرَةً، وَالظَّهِيرَةِ، وَبَحِيرَةٍ، وَبَصِيرَةٍ) وَثَلَاثُونَ بَعْدَ الْكَسْرَةِ الْمُتَّصِلَةِ، أَوِ الْمَفْصُولَةِ بِالسَّاكِنِ نَحْوَ (الْآخِرَةُ، وَفَنَظِرَةٌ، وَحَاضِرَةً، وَكَافِرَةٌ، وَالْمَغْفِرَةِ، وَعِبْرَةٌ، وَسِدْرَةِ، وَفِطْرَةَ، وَمِرَّةٍ) ، وَفِي اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ سِوَى مَا تَقَدَّمَ نَحْوَ: (جَهْرَةً، وَحَسْرَةً، وَكَرَّةً، وَالْعُمْرَةَ، وَالْحِجَارَةُ، وَسَفَرَةٍ، وَبَرَرَةٍ، وَمَيْسَرَةٍ، مَعَرَّةٌ) .
(إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ) فَاعْلَمْ أَنَّ الْكِسَائِيَّ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنْهُ عَلَى الْإِمَالَةِ عِنْدَ الْحُرُوفِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ، وَهِيَ الَّتِي فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا، (وَاتَّفَقُوا) عَلَى الْفَتْحِ عِنْدَ الْأَلِفِ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي وَاتَّفَقَ جُمْهُورُهُمْ عَلَى الْفَتْحِ عِنْدَ التِّسْعَةِ الْبَاقِيَةِ مِنَ الْقِسْمِ
(2/84)

الثَّانِي، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْأَحْرُفِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ يَاءٍ سَاكِنَةٍ، أَوْ كَسْرَةٍ مُتَّصِلَةٍ، أَوْ مَفْصُولَةٍ بِسَاكِنٍ، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ وَجُلَّةُ أَهْلِ الْأَدَاءِ وَعَمَلُ جَمَاعَةِ الْقُرَّاءِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَابْنِ أَبِي الشَّفَقِ وَالنَّقَّاشِ وَابْنِ الْمُنَادِي، وَأَبِي طَاهِرِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ الشَّذَائِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ وَأَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيِّ وَابْنِ سُفْيَانَ وَابْنِ شُرَيْحٍ وَابْنِ مِهْرَانَ وَابْنِ فَارِسٍ وَأَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ وَابْنِ شَيْطٍ وَابْنِ سَوَّارٍ وَابْنِ الْفَحَّامِ الصِّقِلِّيِّ، وَصَاحِبِ الْعُنْوَانِ، وَالْحَافِظِ أَبِي الْعَلَاءِ وَأَبِي الْعِزِّ وَأَبِي عَلِيٍّ الْبَيْطَارِ وَأَبِي إِسْحَاقٍ الطَّبَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ وَإِيَّاهُ أَخْتَارُ، وَبِهِ قَرَأَ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، عَلَى شَيْخِهِ ابْنِ غَلْبُونَ، وَهُوَ اخْتِيَارُهُ، وَاخْتِيَارُ أَبِي الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيِّ، وَأَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَدِ اسْتَثْنَى جَمَاعَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ: فِطْرَةَ وَهِيَ فِي الرَّوْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِسَائِيَّ يَقِفُ عَلَيْهِ بِالْهَاءِ عَلَى أَصْلِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِيمَا كُتِبَ بِالتَّاءِ، وَاعْتَدُّوا بِالْفَاصِلِ بَيْنَ الْكَسْرَةِ وَالْهَاءِ وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا، وَذَلِكَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ حَرْفَ اسْتِعْلَاءٍ وَإِطْبَاقٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ وَالشَّذَائِيِّ وَأَبِي الْفَتْحِ بْنِ شَيْطٍ وَابْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ وَأَبِي الْعَلَاءِ الْحَافِظِ، وَصَاحِبِ التَّجْرِيدِ، وَابْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ فَارِسٍ، وَذَهَبَ سَائِرُ الْقُرَّاءِ إِلَى الْإِمَالَةِ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ سَاكِنٍ قَوِيٍّ وَضَعِيفٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ التَّيْسِيرِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَصَاحِبُ الْعُنْوَانِ، وَابْنُ غَلْبُونَ وَابْنُ سُفْيَانَ وَالْمَهْدَوِيُّ وَالشَّاطِبِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي غَيْرِ التَّيْسِيرِ، وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ الْخِلَافَ فِيهَا عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ وَشَيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عَبْدِ الْبَاقِي، وَرَوَى عَنْهُ فَقَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ السِّيرَافِيَّ عَنْ هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو طَاهِرٍ فَقَالَ: لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْهَاءَ طَرَفٌ وَالْإِعْرَابُ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْحَرْفُ الْمُسْتَعْلَى، وَلَا غَيْرُهُ، قَالَ: وَفِي الْقُرْآنِ: أَعْطَى، وَاتَّقَى، وَيَرْضَى لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْإِمَالَةِ فِيهِ، وَفِي شِبْهِهِ فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى الْإِمَالَةِ لِقُوَّةِ الْإِمَالَةِ فِي الْأَطْرَافِ فِي مَوْضِعِ التَّغْيِيرِ
(2/85)

كَانَتِ الْهَاءُ فِي الْوَقْفِ بِمَثَابَةِ الْأَلِفِ إِذَا عُدِمَتِ الْأَلِفُ نَحْوَ مَكَّةَ وَفِطْرَةَ انْتَهَى. وَالْوَجْهَانِ جَيِّدَانِ صَحِيحَانِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ إِلَى إِجْرَاءِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ مُجْرَى الْأَحْرُفِ الْعَشَرَةِ الَّتِي هِيَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فَلَمْ يُمِيلُوا عِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمَا مِنْ أَحْرُفِ الْحَلْقِ أَيْضًا فَكَانَ لَهُمَا حُكْمُ أَخَوَاتِهِمَا، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ فَارِسٍ وَأَبِي طَاهِرِ بْنِ سَوَّارٍ وَأَبِي الْعِزِّ الْقَلَانِسِيِّ وَأَبِي الْفَتْحِ ابْنِ شَيْطٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْفَحَّامِ وَأَبِي الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ إِلَّا أَنَّ الْهَمْدَانِيَّ مِنْهُمْ قَطَعَ بِإِمَالَةِ الْهَاءِ إِذَا كَانَتْ بَعْدَ كَسْرَةٍ مُتَّصِلَةٍ نَحْوَ: فَاكِهَةٌ. وَبِالْفَتْحِ إِذَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا سَاكِنٌ نَحْوَ وَجْهَهُ، وَهَذَا ظَاهِرُ عِبَارَةِ صَاحِبِ الْعُنْوَانِ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَلِبَعْضِ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَالْمَغَارِبَةِ اخْتِلَافٌ فِي أَحْرُفِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ فِي الْأَرْبَعَةِ فَظَاهِرُ عِبَارَةِ التَّبْصِرَةِ إِطْلَاقُ الْإِمَالَةِ عِنْدَهَا، وَحَكَاهُ أَيْضًا فِي الْكَافِي، وَحَكَى مَكِّيٌّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الطَّيِّبِ الْإِمَالَةَ إِذَا وَقَعَ قَبْلَ الْهَمْزَةِ سَاكِنٌ كُسِرَ مَا قَبْلَهُ، أَوْ لَمْ يُكْسَرْ، وَكَذَا عِنْدَ ابْنِ بَلِّيمَةَ، وَأَطْلَقَ الْإِمَالَةَ عِنْدَ الْكَافِي بِغَيْرِ شَرْطٍ وَاعْتَبَرَ مَا قَبْلَ الثَّلَاثَةِ الْأَخَرَ، وَكَذَا مَذْهَبُ صَاحِبِ الْعُنْوَانِ فِي الْهَمْزَةِ يُمِيلُهَا إِذَا كَانَ قَبْلَهَا سَاكِنٌ وَاسْتَثْنَى مِنَ السَّاكِنِ الْأَلِفَ نَحْوَ بَرَاءَةٌ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَبِهِ الْأَخْذُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى إِطْلَاقِ الْإِمَالَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الْحُرُوفِ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا شَيْئًا سِوَى الْأَلِفِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَجْرَوْا حُرُوفَ الْحَلْقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَالْحَنَكِ مُجْرَى بَاقِي الْحُرُوفِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهَا، وَلَا اشْتَرَطُوا فِيهَا شَرْطًا، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَابْنِ شَنَبُوذَ وَابْنِ مِقْسَمٍ وَأَبِي مُزَاحِمٍ الْخَاقَانِيِّ وَأَبِي الْفَتْحِ فَارِسِ بْنِ أَحْمَدَ، وَشَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ عَبْدِ الْبَاقِي الْخُرَاسَانِيِّ، وَبِهِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ الْمَذْكُورِ، وَبِهِ قَالَ السِّيرَافِيُّ وَثَعْلَبُ وَالْفِرَاءُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى الْإِمَالَةِ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَتَيْهِ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْهُ كَمَا رَوَوْهُ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ فِي الْكَامِلِ، وَلَمْ يَحْكِ عَنْهُ فِيهِ خِلَافًا، بَلْ جَعَلَهُ، وَالْكِسَائِيُّ، سَوَاءً، وَرَوَاهُ أَيْضًا أَبُو الْعِزِّ الْقَلَانِسِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ، وَغَيْرُهُمْ
(2/86)

مِنْ طَرِيقِ النَّهْرَوَانِيِّ إِلَّا أَنَّ ابْنَ سَوَّارٍ خَصَّ بِهِ رِوَايَةَ خَلَفٍ وَأَبِي حَمْدُونَ عَنْ سُلَيْمٍ، وَلَمْ يَخُصَّ غَيْرَهُ عَنْ حَمْزَةَ فِي ذَلِكَ رِوَايَةً، بَلْ أَطْلَقُوا الْإِمَالَةَ لِحَمْزَةَ مِنْ جَمِيعِ رِوَايَةِ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو مُزَاحِمٍ الْخَاقَانِيُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ إِدْرِيسَ عَنْ خَلَفٍ، وَحَكَى ذَلِكَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ رِوَايَتِي خَلَفٍ وَخَلَّادٍ، وَانْفَرَدَ الْهُذَلِيُّ بِالْإِمَالَةِ أَيْضًا عَنْ خَلَفٍ فِي اخْتِيَارِهِ، وَعَنِ الدَّاجُونِيِّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ، وَعَنِ النَّخَّاسِ عَنِ الْأَزْرَقِ عَنْ وَرْشٍ، وَغَيْرِهِمْ إِمَالَةً مَحْضَةً، وَعَنْ بَاقِي أَصْحَابِ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَأَبِي جَعْفَرٍ، بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَلِمَا حَكَى الدَّانِيُّ عَنِ ابْنِ شَنَبُوذَ عَنْ أَصْحَابِهِ فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو إِمَالَةَ هَاءِ التَّأْنِيثِ قَالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: وَلَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ شَنَبُوذَ عَنْ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَأَنَّهَا بَيْنَ بَيْنَ وَلَيْسَتْ بِخَالِصَةٍ.
(قُلْتُ) : وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ هُوَ الْفَتْحُ عَنْ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ إِلَّا فِي قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ وَمَا ذُكِرَ عَنْ حَمْزَةَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) : قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ إِنَّمَا أُمِيلَتِ الْهَاءُ تَشْبِيهًا لَهَا بِالْأَلِفِ مُرَادُهُ أَلِفُ التَّأْنِيثِ خَاصَّةً لَا الْأَلِفُ الْمُنْقَلِبَةُ عَنِ الْيَاءِ وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ هَذِهِ الْهَاءِ، وَأَلِفِ التَّأْنِيثِ أَنَّهُمَا زَائِدَتَانِ، وَأَنَّهُمَا لِلتَّأْنِيثِ، وَأَنَّهُمَا سَاكِنَتَانِ، وَأَنَّهُمَا مَفْتُوحٌ مَا قَبْلَهُمَا، وَأَنَّهُمَا مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، أَوْ قَرِيبًا الْمَخْرَجِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا، وَأَنَّهُمَا حَرْفَانِ خَفِيَّانِ قَدْ يَحْتَاجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُبَيَّنَ بِغَيْرِهِ، كَمَا بَيَّنُوا أَلِفَ النُّدْبَةِ فِي الْوَقْفِ بِالْهَاءِ بَعْدَهُ فِي نَحْوِ: وَازَيْدَاهُ.
وَبَيَّنُوا هَاءَ الْإِضْمَارِ بِالْوَاوِ وَالْيَاءِ نَحْوَ: ضَرَبَهُ زَيْدٌ، وَمَرَّ بِهِ عَمْرٌو. كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ، فَقَدِ اشْتَمَلَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى، أَوْجُهٍ مِنَ الشَّبَهِ الْخَاصِّ بِالْأَلِفِ وَالْهَاءِ اللَّذَيْنِ
(2/87)

لِلتَّأْنِيثِ، وَعَلَى، أَوْجُهٍ مِنَ الشَّبَهِ الْعَامِّ بَيْنَ الْهَاءِ وَالْأَلِفِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ التَّأْنِيثِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ اتِّفَاقُ الْأَلِفِ وَالْهَاءِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَزَادَتْ هَذِهِ الْهَاءُ الَّتِي لِلتَّأْنِيثِ عَلَى الْخُصُوصِ اتِّفَاقَهَا مَعَ أَلِفِ التَّأْنِيثِ عَلَى الْخُصُوصِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنَى التَّأْنِيثِ، وَكَانَتْ أَلِفُ التَّأْنِيثِ تُمَالُ لِشَبَهِهَا بِالْأَلِفِ الْمُنْقَلِبَةِ عَنِ الْيَاءِ أَمَالُوا هَذِهِ الْهَاءَ حَمْلًا عَلَى أَلِفِ التَّأْنِيثِ الْمُشَبَّهَةِ فِي الْإِمَالَةِ بِالْأَلِفِ الْمُنْقَلِبَةِ عَنِ الْيَاءِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ.
(الثَّانِي) : اخْتَلَفُوا فِي هَاءِ التَّأْنِيثِ هَلْ هِيَ مُمَالَةٌ مَعَ مَا قَبْلَهَا، أَوْ أَنَّ الْمُمَالَ هُوَ مَا قَبْلَهَا وَأَنَّهَا نَفْسَهَا لَيْسَتْ مُمَالَةً فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمَهْدَوِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الثَّانِي، وَهُوَ مَذْهَبُ مَكِّيٍّ، وَالْحَافِظِ أَبِي الْعَلَاءِ وَأَبِي الْعِزِّ وَابْنِ الْفَحَّامِ وَأَبِي الطَّاهِرِ بْنِ خَلَفٍ وَأَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الْخَيَّاطِ وَابْنِ سَوَّارٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى الْقِيَاسِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ حَيْثُ قَالَ: شِبْهُ الْهَاءِ بِالْأَلِفِ يَعْنِي فِي الْإِمَالَةِ وَالثَّانِي أَظْهَرُ فِي اللَّفْظِ، وَأَبْيَنُ فِي الصُّورَةِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ خِلَافٌ فَبِاعْتِبَارِ حَدِّ الْإِمَالَةِ وَأَنَّهُ تَقْرِيبُ الْفَتْحَةِ مِنَ الْكَسْرَةِ وَالْأَلِفِ مِنَ الْيَاءِ فَإِنَّ هَذِهِ الْهَاءَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى تَقْرِيبُهَا مِنَ الْيَاءِ، وَلَا فَتْحَةَ فِيهَا فَتُقَرَّبُ مِنَ الْكَسْرَةِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُخَالِفُ فِيهِ الدَّانِيُّ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ.
وَبِاعْتِبَارِ أَنَّ الْهَاءَ إِذَا أُمِيلَتْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَصْحَبَهَا فِي صَوْتِهَا حَالٌ مِنَ الضَّعْفِ خَفِيٌّ يُخَالِفُ حَالَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا مُمَالٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَالُ مِنْ جِنْسِ التَّقْرِيبِ إِلَى الْيَاءِ فَيُسَمَّى ذَلِكَ الْمِقْدَارُ إِمَالَةً، وَهَذَا مِمَّا لَا يُخَالِفُ فِيهِ مَكِّيٌّ، وَمَنْ قَالَ: بِقَوْلِهِ فَعَادَ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيًّا إِذْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، بِلَفْظٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(الثَّالِثُ) : هَاءُ السَّكْتِ نَحْوَ كِتَابِيَهْ وَحِسَابِيَهْ، وَمَالِيَهْ. وَيَتَسَنَّهْ، لَا تَدْخُلُهَا الْإِمَالَةُ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ إِمَالَتِهَا كَسْرَ مَا قَبْلَهَا، وَهِيَ إِنَّمَا أُتِيَ بِهَا بَيَانًا لِلْفَتْحَةِ قَبْلَهَا فَفِي إِمَالَتِهَا مُخَالَفَةٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اجْتُلِبَتْ. وَقَالَ الْهُذَلِيُّ:
(2/88)

الْإِمَالَةُ فِيهَا بَشِعَةٌ، وَقَدْ أَجَازَهَا الْخَاقَانِيُّ وَثَعْلَبٌ.
وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي كِتَابِ الْإِمَالَةِ وَالنَّصُّ عَنِ الْكِسَائِيِّ، وَالسَّمَاعُ مِنَ الْعَرَبِ إِنَّمَا وَرَدَ فِي هَاءِ التَّأْنِيثِ خَاصَّةً قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ مِنْهُمْ أَبُو مُزَاحِمٍ الْخَاقَانِيُّ كَانُوا يُجْرُونَهَا مُجْرَى هَاءِ التَّأْنِيثِ فِي الْإِمَالَةِ وَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ مُجَاهِدٍ فَأَنْكَرَهُ أَشَدَّ النَّكِيرِ، وَقَالَ: فِيهِ أَبْلَغَ قَوْلٍ، وَهُوَ خَطَأٌ بَيِّنٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(الرَّابِعُ) الْهَاءُ الْأَصْلِيَّةُ نَحْوَ (وَلَمَّا تَوَجَّهَ) لَا يَجُوزُ إِمَالَتُهَا وَإِنْ كَانَتِ الْإِمَالَةُ تَقَعُ فِي الْأَلِفِ الْأَصْلِيَّةِ لِأَنَّ الْأَلِفَ أُمِيلَتْ مِنْ حَيْثُ إِنَّ أَصْلَهَا الْيَاءُ وَالْهَاءُ لَا أَصْلَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَلِذَلِكَ لَا تَقَعُ الْإِمَالَةُ فِي هَاءِ الضَّمِيرِ نَحْوَ يَسَّرَهُ، وَفَأَقْبَرَهُ، وَأَنْشَرَهُ لِيَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَاءِ التَّأْنِيثِ، وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا الْهَاءُ مِنْ هَذِهِ فَإِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِمَالَةٍ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا مَكْسُورٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
(الْخَامِسُ) لَا تَجُوزُ الْإِمَالَةُ فِي نَحْوِ: الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ. وَبَابُهُ مِمَّا قَبْلَهُ أَلِفٌ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلِفَ لَوْ أُمِيلَتْ لَزِمَ إِمَالَةُ مَا قَبْلَهَا، وَلَمْ يُمْكِنِ الِاقْتِصَارُ عَلَى إِمَالَةِ الْأَلِفِ مَعَ الْهَاءِ دُونَ إِمَالَةِ مَا قَبْلَ الْأَلِفِ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى إِمَالَةِ الْهَاءِ وَالْحَرْفِ الَّذِي قَبْلَهَا فَقَطْ، فَلِهَذَا أُمِيلَتِ الْأَلِفُ فِي نَحْوِ: التَّوْرَاةُ، وَمُزْجَاةٍ. وَبَابُهُ مِمَّا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْيَاءِ لَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لِلتَّأْنِيثِ.
قَالَ الدَّانِيُّ فِي مُفْرَدَاتِهِ: إِنَّ الْأَلِفَ وَمَا قَبْلَهَا هُوَ الْمُمَالُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَا الْهَاءُ، وَمَا قَبْلَهَا إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمَا جَازَتِ الْإِمَالَةُ فِيهَا فِي حَالِ الْوَصْلِ لِانْقِلَابِ الْهَاءِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْأَلِفِ فِيهِ تَاءً. وَقَالَ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ إِنَّ مَنْ أَمَالَ ذَلِكَ لَمْ يَقْصِدْ إِمَالَةَ الْهَاءِ، بَلْ قَصَدَ إِمَالَةَ الْأَلِفِ وَمَا قَبْلَهَا وَلِذَلِكَ سَاغَ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِنَّ فِي حَالِ الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ جَمِيعًا، وَلَوْ قَصَدَ إِمَالَةَ الْهَاءِ لَامْتَنَعَ ذَلِكَ فِيهَا لِوُقُوعِ الْأَلِفِ قَبْلَهَا كَامْتِنَاعِهِ فِي: الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَشَبَهِهِمَا.
قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ لَطِيفٌ غَامِضٌ انْتَهَى. وَيَلْزَمُ عَلَى مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ أَصْحَابِهِ أَنْ يُقَالَ: الْقَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ فِي صَوْتِ الْهَاءِ مِنَ التَّكَيُّفِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ إِمَالَةً بَعْدَ
(2/89)