Advertisement

تاريخ_العقاقير_والعلاج


تاريخ_العقاقير_والعلاج
نبذة عن تاريخ مصر


دراسة تاريخ الصيدلة – سمعة مصر الطبية – مراجع دراسة تاريخ الصيدلة
(?) نبذة عن تاريخ مصر

العصر الحجري: (أ) القديم. (ب) المتوسط. (?) الحديث (????ق.م).
عصر ما قبل الأسرات????–????ق.معصر الدولة القديمة????–????ق.معصر الفوضى الأول????–????ق.معصر الدولة المتوسطة????–????ق.م (الأسرات ??، ??)عصر الفوضى الثاني????–????ق.م (الهكسوس)عصر الدولة الحديثة????–????ق.م–???عصر الفرس???–???ق.معصر اليونان???ق.م–??ب.معصر الرومان??ب.م–???ب.معصر العرب???ب.م–…
قبل أن نبدأ الكلام عن تاريخ الدواء والعقاقير والصيدلة في مصر القديمة، أرى لزامًا أن أذكر هنا لمحة موجزة عن تاريخ مصر القديمة والأحداث التي مرَّت بها، والتي غيَّرت كثيرًا أو قليلًا من حضارتها العلمية والأدبية.
فقد نشأت في مصر منذ عصور ما قبل التاريخ، أيْ منذ أكثر من عشرة آلاف عام، حضاراتٌ كثيرة انتشرت في رقعة الوادي، واستوطنت مناطق خاصة، وكان لها مميزات عُرِفت بها. وهذه الحضارات أمكن دراستها من مخلفاتها، وأمكن معرفتها ومدى علاقتها ببعضها، وأهم هذه الحضارات هي التي ظهرت في العصر الحجري الحديث، وهي: حضارة البداري وتاسا ومرمرة بني سلامة، وحلوان والمعادي والفيوم.
وقد عثرنا على آثار هذه الحضارات في مقابرهم التي وضعوا فيها كلَّ ما يهمهم أن يجدوه في العالم الثاني، طبقًا لتقاليدهم الدينية، من غذاء وعقار وزينة. وقد عثرنا في مقابر ما قبل التاريخ على بذور زيت الخروع، وآثار مركبات الحديد والنحاس، والزجاج، وبعض النباتات الطبية كالصبار. كما عثرنا على أوانيهم على بعض الرسوم التي تميز بعض النباتات كالصبار.
ثم عصر الدولة القديمة ويشمل الأسرات من الأولى إلى السادسة، ويبدأ منذ عام ????ق.م عندما اعتلى مينا عرش الوادي ووحَّدَ القطرين. ويُعتبَر هذا العصر عصر اندفاع حضاري، وصلت فيه مصر إلى أقصى ما تصبو إليه دولة، حتى إنه يُنسَب إلى أحد ملوك الأسرة الأولى وضعُ ما يزيد عن أربعين مؤلفًا في الطب والعلاج، من بينها بعض المؤلفات عن العقاقير والدواء.
وبعدها دخلت مصر في عهد انحلال وفوضى بين عامَيْ ????–????ق.م عندما تمزقت وحدة الوادي، فغمرتها ناحية من الانحلال الاجتماعي والأدبي والعلمي، وفقدت الكثير من مميزات حضارتها، وأصبحت الدولة عبارة عن إقطاعات وإمارات صغيرة مستقلة أو شبه ذلك، تتقاتل وتتطاحن.
ثم استردت مصر هيبتها وبدأ عصر الدولة الوسطى عام ????ق.م عندما استتب الأمن في البلاد، وقامت فيها نهضة إصلاحية علمية وعمرانية.
وفي نهاية الدولة المتوسطة دخلت مصر في عصر الغزو الآسيوي أو الهكسوس أو الرعاة، ويبدأ عام ????ق.م–????ق.م (؟) تلاشت فيه كل معالم الحضارة المصرية ومميزاتها، واختلطت بكثير من حضارات الشرق، ودخلت عليها عناصر جديدة.
وظهر في مصر بطل من أبطال التحرير هو الملك أحمس رأس الدولة الحديثة، فحرَّرَ البلاد وطرد الهكسوس، وتولى الملك بين عامَيْ ????–????ق.م، ثم تولَّى من بعده ملوك اهتموا كثيرًا بجميع مرافق الحياة حتى يُعَدَّ عصرُ الدولة الحديثة هو عصر النهضة العلمية في مصر. وفي هذه الفترة دُوِّنت أغلب البرديات الطبية والمراجع الأخرى، وبلغت الإمبراطورية المصرية من أقصى بلاد النوبة جنوبًا إلى أقصى منعرج الفرات شمالًا.
وفي هذا العصر حملت جيوشُ مصر المظفرة خلال هروبها مع بلدان الشرق الكثيرَ من عوامل الحضارة، والكثيرَ من العقاقير والنباتات، والتي كانت تَرِدُ إليها أحيانًا في الجباية والهدايا، والتي لا زال بعضها يحمل الاسم السامي الشرفي حتى الآن.
كما اهتم الملوك باستجلاب الكثير من العقاقير والنباتات، فأرسلوا البعثات والأساطيل إلى الخارج وخاصةً بلاد بونت، وهي الصومال والحبشة؛ لإحضار العقاقير والنباتات الطبية والعطور … وحاولوا زراعة الكثير من النباتات الغريبة وأقلمتها للطبيعة المصرية، إذ توجد الكثير من الصور التي تدلنا على ذلك.
وقد أرسلت الملكة حتشبسوت بعثتها المشهورة التي أحضرت الكثير من العقاقير والنباتات والمر واللبان … إلخ.
كما أرسل الوزير رخمي رع البعثات التي أحضرت الكثير من النباتات الطبية.
ودخل الفرس مصر بين عام ???–???ق.م.
ثم فتحها الإسكندر الأكبر عام ???ق.م فدخلت في حكم الرومان، وتولى ملكها حكَّام يونانيون هم البطالسة، اعتبروا أنفسهم مصريين واستقلوا بحكم البلاد، ولقَّبوا أنفسهم بالألقاب الفرعونية.
وفي هذا العصر حاولت الحضارة المصرية الفرعونية أن تهضم حضارة اليونان العظيمة، وأن تُخرِج حضارةً خاصةً لها طابع خاص.
ودخلت مصر في حكم الإمبراطورية الرومانية عام ??ب.م.
ثم فتحها العرب عام ???ب.م.
ولكلٍّ من العصرين مميزات حضارية خاصة أثَّرَتْ عواملها في تاريخ العلم في مصر.
(?) دراسة تاريخ الصيدلة

(?-?) سبق الدول الأجنبية في دراسة هذا العلم

رغم ذلك التراث العلمي الخالد الذي يُعتبَر مادة هامة في مصر لدراسة تاريخ الصيدلة، إلا أن مصر صاحبة هذا التراث العظيم كانت في مؤخرة الدول التي اهتمت بدراسة تاريخ الصيدلة … حيث سبقتها في ذلك كثير من دول أوروبا وأمريكا التي أنشأت لهذه الدراسة برامجَ خاصة في كلياتها، ودراسات عملية خاصة، كما أنشأ بعضُها معاهدَ خاصة لدراسة تاريخ الصيدلة.
(?-?) عدم اهتمام رجال الآثار

تراث مصر عريق متشعب، وقد كشفنا ولا زلنا نتوقع الكشف عن كثير من معالم الحضارة التي لا زالت مطمورة في تربة الوادي.
ومما يُؤسَف له أن اهتمام رجال الآثار والحفائر كان ولا زال متجهًا إلى الناحية المعمارية والأثرية والتاريخية التي توسعوا في دراستها، وأهملوا كل الإهمال الناحيةَ العلمية والطبية، فأجادوا دراسة تطور العمارة والبناء والنقش والفن، وتسلسل التاريخ المصري القديم، وتفقهوا في اللغة المصرية والكتابة الهيروغليفية وحقَّقوا أصولها.
كل هذا ولم يتجه اهتمامهم — اللهم إلا نفر قليل منهم — إلى دراسة النواحي العلمية والحياة الخاصة من طب وصيدلة وكيمياء. وظلت هذه النواحي مغمورة لم تَلْقَ من عناية الباحثين ما هي خليقة به، رغم المادة الدسمة للدراسة من بقايا أثرية طبية ونباتية، وبقايا غرف التحنيط ومواده، وآثار التعدين في مناجم مصر المحلية الكثيرة، وبقايا الأغذية والصناعات التي كانت متداولة في تلك الأزمان.
وقد لاحظت المؤسسة العلمية الدولية للثقافة «اليونسكو» هذا النقص وخاصةً في مصر، فوجَّهت نظر الجهات الرسمية إلى وجوب الاهتمام بدراسة آثار مصر من هذه الناحية في كتابٍ دوريٍّ أرسلته إلى الجامعات المصرية.
(?-?) برنامج الدراسة

وسيكون برنامج الدراسة باللغة العربية؛ تفاديًا للعقبات التي قد تنتج من المصطلحات العلمية الأثرية. كما سيكون البرنامج مبسَّطًا سائغًا على ما أعتقد، تجمع فيه بين العلم والتاريخ.
ولما كانت هذه الدراسة جديدة على كلية الصيدلة المصرية، فقد توخيت في وضع برنامجها أن يكون مبسطًا ما أمكن إلى ذلك سبيلًا، وأن يكون مختصرًا كل الاختصار دون إخلالٍ بالمعنى والوقائع، وأن يكون جامعًا ما وسعني جهدي أن أجمع فيه من تاريخ هذا الفن في مختلف العصور والأقطار.
فسندرس تاريخ الصيدلة في مصر القديمة، وما مرت به من أدوار، وعلاقتها بالدول الشرقية الشقيقة، وكيف أثرت فيها وتأثَّرت بها، ثم تاريخها أيام اليونان والرومان، وكيف انتقلت إلى قلب أوروبا، والدور الهام الذي قام به العرب في ذلك.
وستشرح هنا قصة الدواء، وقصة الصيدلي، وقصة الدساتير الدوائية والمدارس الطبية والتخصص في المهنة الطبية، وقصة بعض الأدوية الهامة وكيف تطورت، وأين نشأت وتأقلمت في مصر أو في غيرها، وقصة أبطال الصيدلة في الشرق العربي عامةً ومصر خاصةً.
(?-?) فوائد هذا العلم

(?) الكشف عن تاريخ ناحية علمية يفخر بها الشرق عامةً ومصر خاصةً؛ إذ هي القُطْر الذي يُعتبَر سيدًا وقائدًا ومعلمًا للنهضة الطبية وعلم الدواء والصيدلة في العالم. والتاريخ ولا شك هو العلم الذي يربط حضارة الماضي بحضارة المستقبل والحاضر، وهو الذي يوجِّه نشاط الأمم ذوات المجد القديم إلى البعث والحياة.
(?) تبصير العالم بما كانت عليه مصر من رقيٍّ وحضارة، وما لعبته من دور هامٍّ في خدمة البشرية في العلوم الطبية.
(?) دراسة حياة العقاقير المختلفة ومعرفة الخطوات التي سار فيها كل عقار إلى أن وصل إلى ما وصل إليه، وكيف تطوَّرَ استعماله واستخلاص مواده الفعالة، وبذلك يكون عندنا سجل كامل لجميع أنواع العقاقير وتطورها، وطريقة البحث فيها.وقد يهدينا هذا إلى الكشف عن نواحٍ جديدةٍ في دراسة بعض العقاقير، أو إلى آفاق واسعة أخرى في محيط الصيدلة، مثل الكشف عن الفيتامينات وغيرها.
(?) معرفة مدى علاقة علوم الصيدلة بغيرها من العلوم الأخرى وكيف تداخلت، كالسحر والفلك والعقائد الدينية.
(?) دراسة تاريخ الأمراض، وصناعة الدواء، وأنواع المستحضرات.
(?) سمعة مصر الطبية والدوائية

(?) أقوال المؤرخين هيرودوت وهوميروس وبليين وبدج.
(?) استدعاء رجال الطب والدواء.
(?) أقوال التوراة.
(?) اسم مصر.
(?) قصة بعض العقاقير كالفيتامينات، والعلاج باللحم، ومضادات الحيوية.
(?) سمعة مصر الطبية

كان لمصر سمعة عريضة واسعة من الناحية الطبية الدوائية، وقد طبقت هذه السمعة الآفاق، واستعانت الدول الأجنبية المجاورة بعلماء مصر في قديم الأزمان، وحاولوا أن يجدوا بين أدويتهم شفاء لأوجاعهم، وراحة لأجسامهم.
وقد كان الاسم الهيروغليفي لمصر هو Kmt التي يقول علماء اللغة أحيانًا أنها الأصل في لفظة كيمياء العربية نسبةً إلى ما اشتهرت به مصر في هذا الفن. والواقع أن قصة الدواء والعلاج في مصر وقصة الكيمياء فيها هي مفخرة الأجيال؛ إذ تكشف عن حضارة وصلت الذروة، وعن علم وصل القمة. وقد تكشف لنا قصة دواء من العقاقير الفرعونية عن مجد غابر تليد، وقد توحي هذه القصة إلى العلم والعلماء بكشفٍ جديدٍ قد يغيِّر معالم العلاج؛ فقد استعملوا الكبد مثلًا لعلاج الإعشاء (عدم الإبصار بالليل)، وسجَّلوا ذلك في تذاكرهم الطبية، وتوراثت الأجيال المتتابعة هذا العلاج الذي أدَّى البحث فيه والكشف عن أسبابه وعلاجه بهذا النوع بالذات؛ إلى الكشف عن فيتامين أ A وهو العامل الفعَّال في الكبد؛ إذ يُعتبَر الكبد من أقوى المصادر وأغناها لهذا الفيتامين، وهو أحدث العلاجات لهذا المرض. وهذه السمعة العريضة الواسعة — كما ذكرت — سجَّلتها الكتب المنزلية، وتداوَلَ الكلام عنها كبارُ المؤرخين. وكلنا يعلم كما ورد في الكتب السماوية عن موسى أنه تعلم بكل حكمة المصريين.
كما ورد في التوراة: «يا عذراء بنت مصر باطلًا تكثرين العقاقير … لا رفادة لك.»
وقد أثَّرت الحضارة الطبية الدوائية المصرية على جميع حضارات العالم المختلفة في جميع عصورها، حتى إن وارن داوسون Warren R. Dawson يقول إن الألفاظ والتعبيرات المصرية القديمة ظهرت واضحة، وأثَّرت كثيرًا في مجموعات هيبوقراط، وجالن، وديستوريدس. ويقول هيرودوت: «إن المدارس الطبية في مصر القديمة كانت في منتهى الشهرة والسمعة الطبية، كما أن رجال الطب الذين تخصصوا في مختلف فروعه كان لهم صيتٌ ذائعٌ واسعٌ، وأن الملوك والأمراء وعظماء الرجال في الممالك المجاورة كانوا يستدعونهم لعلاجهم.» ويقول هيرميروس في الأوديسا: «إن رجال المهن الطبية في مصر كانوا على أعلى درجة من الذكاء لم يصل إلى مثيلها شعبٌ من البشر.» ويقول غيرهم من المؤرخين إن مصر استعملت الكثير من العقاقير وتعاطت الطب والصيدلة في دقة وعناية وتعقُّل، وكان التخصص في المهن الطبية قائمًا منذ أقدم العصور.
ويقول بدج إن مصر مهد الصيدلة، وفيها نشأ العشاب الأول.
(?) مصادر تاريخ الصيدلة

(?) بردياتهم الطبية، وهي مستنداتهم المكتوبة على صفحات البردي، والتي تُعتبَر الكتب المصرية القديمة في الطب والصيدلة وصناعة الدواء، ويبلغ عددها حوالي عشر برديات أهمها:بردية أدوين سُمِّيَتِ الجراحةعام ????ق.مبردية إيورسعام ????–????ق.مبردية هيرستعام ????ق.مبردين برلين رقم ????عام ????ق.مبردية برلين رقم ????عام ????–????ق.مبردية كاهون لأمراض النساءعام ????–????ق.مبردية كاهون للطب البيطريعام ????ق.مبردية جاردنر للنساء والولادةعام ????ق.مبردية لندن للطب والسحرعام ????ق.مبردية ليدن اليونانيةفي أوائل القرن الأول الميلاديبردية شاسيناه القبطيةبين القرنين التاسع والعاشر الميلادي

(?) البرديات غير الطبية، وقد جاء فيها بعض أسماء العقاقير، وطريقة استعمالها.
(?) المخلفات الأثرية من نباتات وحيوانات وعقاقير ومستحضرات مختلفة مما قد تجده في مقابرهم.
(?) صورهم ونقوشهم.
(?) التحنيط.
(?) آثار الدول المجاورة الخاصة بعلم العقاقير، والتي اصطبغت بالطابع الفرعوني.
(?) مراجع تاريخ الصيدلة

(?) أقوال المؤرخين القدماء مثل:هيرودويش عام ???ق.م.وديودور وبثوفراست عام ???ق.م، وقد عرَّفَ بثوفراست بابَ علم النبات.وسيرابيون الإسكندري عام ???ق.م.وسترابو عام ??ب.م.وبليني عام ??ب.م.وجالن عام ???ب.م، وهو مَن نُسِب إليه اسم المستحضرات Galenicals.
(?) ما جاء في الكتب المنزلة والتوراة عن علوم المصريين وتقدمهم، وما استعملوه من عقاقير.
(?) الأبحاث والمراجع الحديثة في تاريخ العلوم والطب عند قدماء المصريين التي قام بها كثير من العلماء، وأهمهم: لوكاس، وألبيرت سميث، ووارن داوسدن، وبريستد، وولترن ويدج، ودري، وشاسيناه، وجورجي صبحي، وماكس وايرهوف، وكيمو.
(1) Albert Newsberger: The Technical Sciences of the Ancients 1930.
(2) Budge: The Divine origin of the Herbalist.
(3) Breasted: The Edwin Simith Surgical Papyrus 1940.
(4) Charles H. Lawall: The Four Thousand years of Phamacy.
(5) E. Chassinat: Un Papyrus Medical Copte.
(6) W/ R/ Dawson.
(7) Efbell: The Papyrus Ebus 1937.
(8) Eliot Smith: Egyption Mumies.
(9) Geo-Sobhy Bey: Lectures in the History of Medicine.
(10) Geo-Sobhy Bey: Lectures in The Book of simple druge.
(11) L. Keimer: Die Garten Pflanzen im Alten Aegypten 1924.
(12) Wreszinshi: All Medical Papyrus.
(13) Law: die Flora due Juden, 5 Vols. 1924.
(14) Luxas: Ancient Egyption Materials & Industries 1948.
(15) P. E. Newberry: The ancient Botany.
(16) Parting ton: Origins & Development of applied Chemistry.
(17) Robert T. Gunther: The Greek Hetbal of Disscarides.
(18) Schwein fusth: De La flora Pharmanique 1882.
(19) Victot Loret: Les Végétaux Antiques.
(20) Wooten: Chronieles of Pharmacy, 2 Vols.
(21) A. Castigloni: A history of Medicine 1947.
(22) S. Gabra: Drugs of Ancient Egypt. 1951.

منشأ مهنة الصيدلة


العشاب – العطار – الصيدلي – التخصص في المهن الطبية
(?) العشاب والعطار الصيدلي

لا بد وأن تكون صناعة الدواء ملازِمة لظهور الإنسان على البسيطة، ولا بد وأن الإنسان الأول حين كان هائمًا مع الوحوش يبحث عن الغذاء بين النبات والحيوان لاحَظَ بعض خواص ما كان يصادفه أو يستعمله بتأثيره عليه. ولا بد وأنه كان يعلِّم ابنه بما أوحت إليه الطبيعة، وهكذا توارثت الأجيال مشاهدات السلف.
والإنسان أول نشأته زراعي، ولا بد أنه قد لاحَظَ بعض خواص ما قد رزقه الله من النباتات التي كان يأكلها بتأثيرها عليه، فأحَبَّ ما كان منها سائغًا، وأعرض عن ما غض منها، وكان تأثيره عنيفًا غير مرغوب فيه. وهكذا اختار له من بين النباتات مجموعةً كان يتداوى بها في شكل يعبر عنه اليوم أنه بدائي خشن، ولكنه كان يتناسب على كل حال وطبيعة ما حولهم.
ومن هنا نشأ العشاب الأول Herbalist ونشأت صناعة العقاقير النباتية، واعتقد العشابون الأوائل في بلاد الشرق في Sumer وبابلونيا وسوريا ومصر أن هذه المهنة مقدَّسة، أنشأها الآلهة الذين علَّموا الإنسان ما لم يعلم من الخواص الشفائية للماء والأعشاب والنباتات والزيوت، وأن هؤلاء الآلهة أنفسهم قد تعاطوا المهنة قبل أن يُخلَق البشر. ومن هنا خلال آلاف السنين نشأت العقيدة المقدسة عن صناعة الطب والدواء على مر العصور المتتالية.
وظلَّ البشر يتوارثون تلك الصنعة المقدسة آلاف السنين، يحفظونها خلفًا عن سلفٍ دون كتابة.
وعندما تعلَّمَ الإنسان الأول فنونَ الكتابة بدأ العشابون يكتبون علومهم على لوحات من الطين كما حصل في بابل بالخط بالمسماري، ويكتبونها على شرائح البردي كما حصل في مصر، وكانت هذه المعلومات المكتوبة هي الخطوة الأولى لوضع Herbals المجموعات النباتية، ولا شك أن دساتير الأدوية الحالية تحوي الكثير من تراث هذه Herbals? المجموعات النباتية الشرقية التي كانت في الغالب تحوي الوصفات التي امتزج فيها السحر بالدواء. ورغم هذا فقد ثبت على مر العصور أن هذه المدونات القديمة، وهؤلاء العشابون كانوا على معرفة حقة بخواص بعض العقاقير، ولو أنها كانت معرفة بدائية. وعلى أي حال فعلومهم الطبية الفطرية هذه تُعتبَر اللبنة الأولى في أساس البناء الطبي الحديث. وقد كان فضلُ العشاب الأول المصري كبيرًا في تأثيره على الحضارة اليونانية، والتي أنتجها فيما بعدُ ديستوريدس وجالن، والتي تُرجِمت بجميع لغات أوروبا اللاتينية والإيطالية والألمانية والفرنسية والأسبانية والأنجلوسكسونية.
وتدلنا جميع المستندات التاريخية التي عثرنا عليها من حضارات البلاد الشرقية القديمة مثل الصين والهند وبابل؛ على أن العشاب الأول كان من بين الآلهة، وأن هؤلاء الآلهة العشابين هم الذين أوحَوا للبشر بما في علمهم.
وكان البشر يعتقدون أن الأعشاب الطبية ما هي إلا رسالات عن الآلهة، وأن عصاراتها كذلك، وأن بعض العقاقير النباتية الشافية كانت تحوي بعض ما في روح الآلهة.
ومن الآلهة انتقلت تلك المعلومات القيِّمة عن كثير من العقاقير إلى الكهنة بحكم وظائفهم الدينية، وكانت لهم حكمة عالية تحدَّث عنها التوراة عند الكلام عن موسى فقال: «وتعلم بحكمة المصريين.» ومع مضي الزمن، وفي ظل تلك الأسرار الخفية المقدسة التي كان الكهنة يعالجون بها المرضى اكتسبوا صناعة السحر والفلك والكيمياء لما بين هذه جميعًا من علاقة وثيقة.
وظلت صناعة العشاب تتطور مع دورات الزمن، ونشأت عن هذه المهنة صناعة العطارة التي احترفها العطار، والتي جاء ذكرها كثيرًا في التوراة.
والعطَّار في القاموس هو بائع العِطْر، وقد تُرجِم الأصل العبري لهذه الكلمة وهو Rakach إلى اليونانية Apothecary، وحفظت جميع اللغات الأجنبية هذا الاسم حتى الآن، وترجمته هذه اللغات بمعنى صانع العطور أو العطَّار، ثم أُطلِق مجازًا فيما بعدُ على الصيدلي؛ لأن كلمة صيدلي أصبحت أهم وأعم وأحدث. وكلمة Apothecary أصلها من المحزن Apotheca وهي كلمة يونانية. ويُرجِع الكثير من المؤرخين أن صنعة العطارة التي وردت كثيرًا في التوراة قد أخذها الإسرائيليون عن مصر أيام وجودهم بها، كما أخذوا غيرها من العلوم والفنون الأخرى. ولا زال في صعيد مصر من أعمال مديرية أسيوط يوجد بلد اسمه أبو تيج يحمل هذا الاسم Apotheca، وقد كان هذا البلد مخزنًا عامًّا أيام الرومان. وقد جاء في سِفْر الخروج إصحاح ?? ما يأتي: «وأنت تأخذ لك أفخر الأطياب مرًّا قاطرًا خمسمائة شاقل، وقرفة عطرة نصف ذلك مائتين وخمسين، وقصب الذيرة مائتين وخمسين، وسليمة خمسمائة شاقل بشاقل القوس، ومن زيت الزيتون هينًا، ونصفه دهنًا مقدسًا للمسحة عطر عطارة صنعة العطار.» After the Art of Apothecary. وظلت صنعة العطار من أرقى المهن المتداولة، وكانت تعبر عن صناعة الصيدلة، وظلت كذلك حتى الآن في فرنسا حيث صدر فرمان عام ???? يحدد طبقات الشعب، ومنها Apothecarie. وأما الصيدلية، فهي كلمة عربية أعم منها إلى المراد بها، وهي في القاموس بيع العطر والأدوية، وصيدلان: بلد أو موضع، والنسبة صيدلاني وصدناني وصندلاني، وهو بياع العطر والعقاقير والأدوية، والمشهور في بائع العطر: العطَّار، وبائع الأدوية: الأجزائي نسبةً إلى أجزاء، وعقاقير من عقار وعقر، والعقار: هو النبات الذي يعقر الإبل في الصحراء أيْ يسمها وعينها، ومنها أُطلِق لفظ عقار على النبات السام، وعمَّمه العرب على النباتات ذات الفائدة الطبية، وأقرباذين لفظة فارسية جاءت من «كربدن» وهو دستور الأدوية، ومعنى أقرباذين: هو فن تركيب الدواء.
وجاء في قاموس آخر أن الصيدلة هي بيع العطور والأدوية، والصندلاني هو بائع الصندل، والصيدلاني هو بائع الأدوية، والأعطار والأجزائي من جزء.
خلال هذا التسلسل رأينا كيف تطوَّرت صناعة الصيدلة في الأزمان القديمة من العشاب إلى العطار إلى الصيدلي. وكلمة Pharmacy الإفرنجية التي معناها الصيدلة أصلها يوناني قديم، يرجع بها العهد إلى العصور اليونانية أيام أبقراط وهومير، فقد استعملوا كلمة Pharmakan للدلالة على عقار أو دواء أو سم، وهي كلمة من أصل لغوي معناه يخلط أو يمزج، وكلمة Pharmakeia التي تُرجِمت فيما بعدُ بالصيدلي Pharmrcist، وكلمة Pharmaka بمعنى العقار السام أو الشافي. وفي عصر النهضة الإسكندرية في مصر أيام الرومان ظهرت مصطلحات طبية صيدلية لا زالت مستعملة حتى الآن: العقاقير Medicina = Drugs.
دواء أو سم Medicamentus = Medicine or Poison.
مخزن دواء Apotheca = Warehouse for drugs.
ولا شك أن دول الشرق العريقة تتنافس في أيها أقدم في هذه المعلومات الدوائية، وأيها كان عنده أقدم الآلهة العشابين، ويقول بعض المؤرخين إن إمبراطور الصين هوانج تي الذي حكم حوالي ???? قبل الميلاد، والإمبراطور شين نونج حوالي عام ????ق.م قد وضَعَا مصنفًا في الأعشاب الصينية أو ما يشبه دستور الأدوية.
ومع ذلك فقد أثنى كتاب اليونان على مهارة العشاب المصري القديم، ومما لا شك فيه أن العشاب المصري القديم في عصور ما قبل التاريخ وعصور ما قبل الأسرات، ومن بعدها عصور الأسرات؛ كان على علم ودراية بالأعشاب المصرية الطبية، بدليل ما وجدناه وعرفناه من عقاقيرهم النباتية التي وردت في بردياتهم، والتي لا شك أنها لا تظهر فجأةً وطفرة واحدة، وإنما موروثة عن الأسلاف، فقد رأينا صور بعض النباتات الطبية على أوانيهم الفخارية مثل نبات الصبار.
والآلهة المصرية القديمة التي اشتهرت بمعرفتها لخواص الأعشاب هي ولا شك نتيجة صدى الماضي البعيد الذي يرى في آذان الشعب المصري القديم ومخيلته حتى خلق هذه الناحية المقدسة.
ولا بد أن هذه الآلهة كانت تحكم الأرض منذ أزمان سحيقة جدًّا، وظل الشعب يتداول تقديرها والرفع من مكانتها حتى وصلت إلى تلك المكانة المقدسة، وأن العقل المصري القديم لم يخلق هذه الآلهة خلقًا وبدعًا وطفرةً، بل قد توارثها عن الأجيال التي مرت فيها من مرتبة الإنسان إلى مرتبة الألوهية، ويغلب على الظن أن أغلب الآلهة التي خلقها الفكر البشري كان ملوكًا في أزمان سحيقة جدًّا.
ومن أهم الآلهة العشابين في مصر القديمة هم: أوزوريس، وإيزيس، وتحوت، وأنوبيس وإيمحتب، ورع، وحاتحور، وخنسو، وسخمت، وغيرهم، وسنذكرهم بالتفصيل فيما بعدُ.
(?) التخصُّص في المهن الطبية لدى الفراعنة

لم تكن العلوم الطبية الفرعونية تؤخذ ارتجالًا بل علمًا ووراثةً، وكان هناك مدارس خاصة لتعليم الحرف الطبية المختلفة؛ إذ إنه لدينا الأدلة القوية التي تجعلنا نعتقد أنه كان بمصر منذ أكثر من ???? عام مدرسة للعشابين من علماء الطب.
وقد تخرج من هذه المدارس الطبية رجال أخصائيون في مختلف علوم الطب، فكان منهم الأطباء الجراحون، وأطباء الجيش، والأطباء البيطريون، وأطباء الأسنان، والأطباء الروحيون، والأطباء المحنطون، والأطباء العشابون وهم الصيادلة، وهذا يثبت أن التخصُّصَ كان قائمًا أيام الفراعنة.? وذكر ديودور العقلي? أن أطباء الجيش كانوا يعملون بدون أجر أثناءه، وأما أطباء الشعب فقد كانوا يتقاضون أجورهم منه، وذكر زوسيموس? حوالي عام ???ب.م أن الكاهن الأعظم يمكن مقارنته بالطبيب الذي أخذ علمه من الكتب، ويمكن أن نسمي هذا بالطبيب العام، وقد أمكن التمييز بينه وبين الطبيب الساحر. وذكر بليني? الأطباء الذين يقومون بعملية التحنيط، ووضعهم بين الأطباء الكهنة. ويقول بدج? إن أقدم هؤلاء جميعًا هم الأطباء العشابون أو الصيادلة الأوائل، وهم الذين كانوا يعرفون خواص العقاقير النباتية وفوائدها الطبية والعلاجية، وهم الذين وضعوا أصول الصيدلة القديمة وبرعوا فيها. وكان هناك طبقات ممتازة من الأطباء أيام الفراعنة، وهم أطباء القصور الملكية، وجاء ذكر هذه الطائفة لأول مرة في التاريخ المصري القديم أيام الملك نفر إير كارع من الأسرة الخامسة، بينما الملك يفتش بعض الأعمال وفي معيته وزير الأشغال بتاح واش، إذ جُرِح الوزير خلال هذه الرحلة الملكية، فدعا الملك رجال الطب، وأمر أن تُحضَر خزانة العقاقير والبرديات الطبية، وقام كبير الأطباء الملكيين بفحص الوزير … إلخ.
وقد كشف الأستاذ يونكر مقبرة «إيري» في الجيزة، وقد كان طبيبًا للقصور الملكية في الدولة القديمة، وكان رئيسًا للأطباء ووزيرًا للصحة، وكان فوق ذلك أخصائيًّا في أمراض العيون، والطبيب الرمدي للقصور الملكية.? كل هذه المستندات تثبت أن التخصص كان موجودًا في مهنة الطب عند قدماء المصريين، وكان بينهم: (?) أطباء: (أ) أطباء الجيش.(ب) أطباء القصور الملكية.(جـ) أطباء الشعب.
(?) الأطباء الجراحون.
(?) أطباء الرمد.
(?) أطباء الأسنان.
(?) الأطباء البيطرون.
(?) أطباء التحنيط.
(?) الأطباء العشابون أو الصيادلة.
وكان لهذه الفئات أسماء هيروغليفية خاصة تميِّزها، وقد جاء في وصفه في بردية إيبرس? ما ترجمته: إذا وجدت أن الأمعاء ساخنة ووجدت مقاومة في فتحه المريء في المعدة Cardia، يمكنك أن تشخِّص المرض بأنه حالة كبد، ويمكنك أن تحضر له الدواء العشبي السري الذي يُصنَع بواسطة «السنو»، وهو العشاب أو الصيدلي. وفي هذه التذكرة يخاطب صاحبُ البردية وكاتبها الطبيبَ الذي يفحص المريض ويشخِّص الدواء ويقول له أن يترك تحضير الدواء للطبيب المختص بالتحضير، وكأنه في هذه الحالة يوجد شخصان مهمان للقيام بالعلاج في هذه الوصفة: (?) الطبيب الذي يعالج.
(?) والطبيب الذي يحضِّر الدواءَ العشبي وهو الصيدلي.
نص التذكرة.
? Sir E. A. Wallis Budge: The Divine origin of the craft of the Herba Herbalist.? Herodotus II. 8, Maspero, Dawn 216. Eaman, Ranké 409, Sarton, Isis 1931, XV. 359.? Diodorus Siculus I. 82, II. 223, III. 226.? Berthelot, Collection des Anciens Alchim istes Grecs.? Pliny VII. 56, XIX. 5.? Budge, Hérbalist 1928, 12.? H. Junker: “Die Stele des Hafarztes Iry”. Breasted: The Edwin Smith Surgical Papyrus, Vol. I, P Xill.? Ebers 36, 7–10.
المدارس الطبية في مصر القديمة


المنزل – المعبد – أون – منف – طيبة – سايس القديمة – سايس – إسكندرية – الأديرة – «صا»، ???ق.م
(?) نشأة المدرسة عين شمس ميت رهينة

إيمحتب: عرف المصري القديم خواص بعض العقاقير بينما كان ينتقي طعامه من بين الحيوان والنبات، واهتدى بملاحظته الدقيقة إلى تأثيرها الطبي، وتعلَّمَ الابن عن أبيه في المنزل تلك الخواص، وأجاد صناعة الدواء وراثةً، وأصبحت سرًّا يتوارثه الآباء عن الأجداد، والأبناء عن الآباء، حتى أصبحت تلك الصناعة في العصور القديمة قاصرة على بعض الأسر التي اشتهرت فيما بعدُ بعلومها الطبية، وكان المنزل هو المدرسة الأولى التي تعلَّمَ فيها الإنسان صناعة الدواء وصناعة الطب.
ولما بدأ الإنسان يدوِّن علومه على أوراق البردي، كتب تلك المعلومات الدوائية، وعدَّدَ أسماء بعض العقاقير وفوائدها، ووضع تلك اللوحات في المعبد حيث كان يحج إليه المرضى يتداوون من أمراضهم، وأصبح المعبد فيما بعدُ هو قبلة المرضى، والمدرسة التي ينهل منها طالبو العلم، واحتكر الكهنة تلك الصناعة، وأسبغوا عليها مسحة من القداسة والرهبة.
وقد كان قدماء المصريين — كما ذكرنا — على قسطٍ وافرٍ فيما بعدُ من الحضارة، وكانوا على سعةٍ من العلم في كل مرافقها.
وكان من المؤكد تحت هذه الظروف الحضارية أن تكون لهم مدارس خاصة يرسلون إليها أبناءهم في سنٍّ مبكرةٍ (Bressted: A History of Egypt 1946, p. 88–100). يتعلمون فيها الكتابة والدين والحساب والهندسة والعلوم الطبية.
وقد كانت أون أو هيليوبوليس منذ الدولة القديمة مركز الثقافة والتعليم، وكانت مدرستها محج الطلبة يقدمون إليها من الشمال ومن الجنوب، يقصدونها لينالوا العلم، ويتلقنوا فنونه، وفي مدرسة أون تلقَّى المصريون أول ما عرف العالم عن الطب والعقاقير وصناعة الدواء.
وقد وضع الملك أتويتس بن الملك مينا من الأسرة الأولى مجموعةً من كتب الطب، ومن بينها كتابٌ خاصٌّ بالعقاقير.
من هذا نقطع بأن العلوم الطبية الفرعونية لم تُؤخَذ ارتجالًا بل علمًا ووراثةً، وكان هناك مدارس خاصة لتعلم الحرف الطبية المختلفة؛ إذ إنه لدينا الأدلة القوية التي تجعلنا نعتقد أنه كان بمصر منذ أكثر من ???? عام ق.م مدرسة رسمية للعشابين (Budge: Herbslist 26). رغم أننا لم نعثر على كتاب واحد من كتبهم النظرية التي كانوا يدرسونها في ذلك الوقت. وكان من أهم المدارس في مصر القديمة مدرسة منف «ميت رهينة» التي كان من أبنائها وأساتذتها إيمحتب الذي عبد فيما بعدُ في نفس المدينة في معبده بها، وقد أصبح هذا المعبد فيما بعدُ مدرسة للطب أخرجت لمصر القديمة الكثير من الأخصائيين.
وقد أصبحت المدارس الطبية فيما بعدُ ذات شأن عظيم، وكانوا يسمونها بيت الحياة  House of life، لا يدخلها إلا علية القوم وأبناء الأطباء. وأصبحت طيبة … العاصمة فيما بعدُ مركزَ الحضارة ومدينة العلم، وأصبحت دراسة المهن الطبية في يد الكهنة عندما قويت سلطة آمون وعبادته، وأصبحت المدارس الطبية بين جدران المعابد، وكان الراغبون في دراسة هذه العلوم الطبية في بيت الحياة عليهم أن يؤدوا امتحانًا عسيرًا لقبولهم ليحصلوا أولًا شهادة أولية في اللاهوت، وكان هذا يستغرق منهم ما لا يقل عن عامين، على أن يعدَّ الطالب نفسه خلالها أيضًا للدراسات الطبية العملية. وكانت طيبة في الدولة الحديثة معقل عبادة آمون، وأصبحت مدارس الحياة من مستلزمات تلك المعابد. وكان طلاب العلوم الطبية يتلقون علومهم على أيدي كهنة برعوا فيها، وعلى أيدي أطباء تخصَّصوا في فنونها، وخصوصًا أطباء القصور الملكية، كلٌّ في فرع تخصُّصه، وكانت الدراسة الطبية — كما نعلمه من برديات بعض رجال الطب — عنيفة قاسية، طويلة المدة، يجب أن يتعلم فيها الإنسان العقاقير، وأسماء الأعشاب وخواصها، وأنسب المواعيد لزراعتها وجنيها، وصناعة المنقوعات والخلاصات منها، ومختلف أصناف الأدوية.
وكان الأطباء يتلقون دروسًا في الطب وفروعه المختلفة المعروفة في ذلك الوقت، وكان بعض الطلاب يضيقون بهذه العلوم فيتخلفون عن الركب.
كما أنشئت في العصور الفرعونية المتأخرة مدرسة طبية شهيرة كان لها سمعتها، وكان لها رجالها في «سايس» أو صا … ظلت هذه المدرسة الطبية أول منزل للحياة حمل مشعل العلم فترة طويلة من الزمن حتى ضاعت معالمها مع اضمحلال مصر، ثم جددت هذه المدرسة في العصر الفارسي.
ويوجد في الفاتيكان تمثال أوزاهور ريزلت Ugahor Resent الذي كان رئيسًا لكهنة الإلهة نيت Neith في مدينة سايس أيام الملك داريوس الفارسي في أوائل حكم الفرس في مصر، نُقِشت على قاعدة هذا التمثال كتابات في غاية الأهمية من ناحية المدارس الطبية، إذ يقول الكاهن فيها ما نصه: لقد أمرني صاحب الجلالة الملك داريوس وهو في عيلام Elam أن أحضر إلى مصر لأشيد له «صالة منزل الحياة»، والمنزل (المستشفى) بعد تهدمهما، وقد نفَّذْتُ رغبة الملك، وأنشأت المنزلين، وأحضرت لهما الطلبة من علية القوم، وأوكلت شئونهما إلى أقل الرجال، وقد أمرني مولاي أن أقدِّم لهم كل التسهيلات والآلات والكتب كما كانت الحالة في العصر السابق، وقد صنع جلالته ذلك لأنه عرف قيمة العلم، وأراد أن ينقذ شعبه من الأمراض. وهذا تقريبًا أول مستند صريح واضح رسمي يدلنا على تاريخ المدارس الطبية منذ ???ق.م، كما يدلنا هذا المستند على أن هذه المدارس كانت قائمة قبل ذلك العصر بكثير، وأنها تهدَّمت تحت ظروف خاصة، وأن هذه المدرسة الطبية في سايس لم تنشأ في عهد الملك داريوس، بل جدَّدها وأقامها على أنقاض المدرسة الفرعونية القديمة، أعادها إلى مكانها وما كانت عليه.
بعد ذلك بما يقرب من قرنين انتقلت الحضارة الطبية العلمية إلى مدينة الإسكندرية في عام ???ق.م، ظلت مدينة الإسكندرية الشهيرة ردحًا طويلًا من الزمن تحمل لواء العلم والعرفان، ومركزًا هامًّا للثقافة الطبية وعلوم الدواء ما يقرب من أربعة قرون.
وبرز من مدرسة الإسكندرية كثير من العلماء الذين برعوا في مختلف أنواع العلم، وظل علماء الإسكندرية حتى انتهى عهد البطالمة عهد النهضة في العصر الروماني، وقد ظهر علماء منهم: (?) Cornelius Celsus، ذلك العالم الماهر الذي وضع تذكرته المشهورة لمنع تلف الأسنان، والتي تحتوي على بذور الخشخاش، والفلفل الأسود، وسلفات النحاس معجونة بالجلبانوم، كما استعمل حقنًا شرجيةً من ماء البحر، واللبخات من بذور الكتان والحلبة.
(?) وسرابيون الإسكندري، وهو الذي درس العقاقير المصرية القديمة، وخاصة الكريهة unpleasant، وهو الذي قدَّمها إلى العصور المتتابعة حتى ظلت مستعملة إلى القرن الثامن عشر، وظهرت وصفاتها في أوروبا.
(?) وكان ديموقريطس Demoeritus عام ???ب.م أول مَن ألقى نظرة على تركيب الذرة، وكان من قبله إيكيورس Epicurus وهو الذي أنشأ هذه النظرية، وتفلسف فيها بين عامَيْ ???–???ب.م.
(?) وانتقلت حضارة الإسكندرية إلى اليونان، وظهرت مؤلفات جالن الشهيرة، وابتداءً من القرن الرابع الميلادي انتقلت تلك الحضارة الطبية من مدرسة الإسكندرية في آخِر أيامها إلى الأديرة القبطية التي انتشرت حول عاصمة البلاد في ذلك الوقت، وأصبح الرهبان والكهنة هم ورثة ذلك التراث العلمي الخالد الذي خلقته الحضارة الفرعونية. وكان بعض الآباء الرهبان يطوفون في الأديرة المختلفة يعالجون المرضى فيها بما تعلَّموه من خواص العقاقير.
وقد عثرنا على بردية قبطية يرجع تاريخها إلى ما بين القرنين التاسع والعاشر للميلاد، ترجمها العلامة شاسيناه، أغلبها تذاكر دوائية لطب العيون، ويظهر على أكثر أجزائها بالدراسة المقارنة أنها موروثة عن حضارة الفراعنة المختلطة بحضارة اليونان؛ إذ فيها الطابع الفرعوني وطابع الحضارة اليونانية، كما حوت بعض الألفاظ العربية من بدء الفتح الإسلامي لمصر.
بعد ذلك دخلت مصر في دور طويل من عدم الاستقرار لم يصلنا من تاريخه شيءٌ يُذكَر.
(?) المدرسة الحديثة

في ?? ديسمبر سنة ???? ميلادية أصدر محمد علي مرسومًا بتعيين كلوت بك رئيسًا للمساعدة الطبية الجهادية في الجيش المصري، ولما رأى كلوت بك أن الجيش المصري وعدده ???? جندي في ذلك الحين في حالة صحية غير مرضية، ووجد أنه من الصعب أن يحضر له الصيادلة والأطباء من الخارج لجهلهم بالعربية، فكَّرَ في إنشاء مستشفى في ثكنة قديمة من ثكنات الجيش في أبي زعبل، وأراد إصلاحها، ولكن رأى أنها متداعية للسقوط، فاستصدر أمرًا بهدمها وتأسيس مستشفى مكانها يسع بين ??? إلى ???? مريض، واستحضر لهم حوالي ??? صيدليًّا وطبيبًا وضابطًا ومساعدًا جلبهم من إيطاليا وفرنسا. وغرس وسط هذا المستشفى حديقة غنَّاء كانت ذات فائدة عظيمة للطلبة؛ إذ كان فيها أكبر عدد ممكن مما تنبت الأرض من عقاقير ونباتات طبية.
وقد فكَّرَ كلوت بك بعد إنشاء هذا المستشفى في إعداد مدرسة طبية للأطباء والصيادلة والأطباء البيطريين حتى تكفي حاجة الجيش، وعرض هذه الفكرة على مساعده في ذلك الوقت عثمان فشجَّعَه على تنفيذها، وصدر الأمر الأميري بذلك عام ???? رغم مقاومة المشايخ وضباط الجيش وعامة الشعب. وأُسِّست المدرسة في ذلك العام في أبي زعبل، وعُيِّن كلوت بك ناظرًا لها، فاختار أساتذتها من فطاحل الأوروبيين في ذلك الوقت، واختار لها الكثير من الكتب الفرنسية، وترجم منها إلى العربية ?? كتابًا نقَّحَ جميعها الشيخ محمد الهراوي.
وفي عام ???? نُقِل فرع الصيدلة من مدرسة الطب في أبي زعبل إلى القلعة.
وفي عام ???? وجد كلوت بك أن مدرستي الطب والصيدلة لا يفيان بالحاجة، ولا يتمشيان مع حالة البلاد، ففكَّرَ في إنشاء مدرسة أكبر اتساعًا وأكثر استعدادًا في جزيرة الروضة، وسعى لذلك سعيًا حثيثًا، ولكن لم يتحقق مأربه.
وفي عام ???? نقل المدرسة والمستشفى من أبي زعبل إلى القصر الذي بناه عام ????م أحمدُ ابن العيني الفارسي الأعظم، وحفيد أحد سلاطين مصر، وقد أُزِيلت تكية ابن العيني، وأنشِئَ محلها مدرسة الصيدلة الحديثة.
وفي عام ???? بلغ عدد طلبة المدرسة ??? طالب طب، وخمسين طالب صيدلة.
وفي عام ???? بلغ عدد طلبة المدرسة ??? طالب طب، و?? طالب صيدلة، وكان عدد الأطباء والصيادلة خلال المدة التي حكمها محمد علي ???? متخصص. وأُقفِلت المدرسة أيام سعيد، ثم أعاد فتحها في سبتمبر ???? ميلادية.
وفي ? أبريل سنة ????م احتفل بامتحان الطلبة بعد إعادة فتح المدرسة احتفالًا رسميًّا، وكان بين الطلبة الذين تقدموا للامتحان ??? طالبًا بمدرسة الصيدلة، وكان المحدد لمدة الدراسة بالصيدلة خمس سنوات.
وقد ظهر في هذه الفترة الكثير من مؤلفات الصيدلة العربية، كما برز كثير من الأسماء اللامعة في الصيدلة في ذلك الوقت أهمهم:
الدكتور أحمد الرشيدي، مصطفى المجدلي، صالح علي، إبراهيم الوديني، إبراهيم المازني، إبراهيم معطفي، علي مراد، أحمد راتب، إبراهيم ماجد.
وفي عام ???? صدر أمر بإنشاء شهادة الدراسة الثانوية، وجعلت هذه شرطًا للالتحاق بالمدرسة الطبية ومدرسة الصيدلة. وتقرر أن تكون مدة الدارسة بها ? سنوات، وظلت مدرسة الصيدلة في مكانها في مستشفى قصر العيني حيث أُنشِئت الكلية الجديدة.
وفي عام ????-???? صدر المرسوم بجعلها كلية مستقلة، وتعيين أول عميد للصيدلة في مصر وهو شيخ الصيادلة وأستاذ الجيل الدكتور إبراهيم رجب فهمي.
كما صدر المرسوم بإنشاء مبنى جديد لمدرسة الصيدلة في مدينة الإسكندرية التي يرأسها الدكتور محمد محمد مطاوع، وهو أول رئيس لهذه المدرسة في الإسكندرية التي ستصبح كلية في القريب العاجل.
(?) إنشاء مدرسة مساعدي الصيادلة

في عام ???? في عهد دنكلار رئيس الصيادلة أعلن في الجريدة الرسمية عن حاجة المدرسة الطبية إلى فئة تقوم لمساعدة الصيادلة في أعمالهم، على شرط أن يكونوا من موظفي الأجزخانات، فتقدَّمَ منهم حوالي??? طالب لا يحملون أي شهادات، ونجح منهم مائة وعشرون مُنِحوا شهادات تخوِّل لهم الحصول على تصريح تعاطي مهنة مساعد صيدلي بالقُطْر المصري من مصلحة الصحة، وكانت هذه أول دفعة لا تحمل شهادات وبدون دراسة مكتفية فقط بالمدة التمرينية.
وفي عام ???? بناءً على رغبة الصيدلي الدكتور جبرائيل بحري الأستاذ بالمدرسة في ذلك الحين، فُتِح فرعٌ خاصٌّ بأمر دكريتوه الخديوي عباس لدراسة مساعدة الصيادلة بدون تحديد شروط للقبول في المدرسة، وجعلت مدة الدراسة أربع سنوات منها ثلاث سنوات تمرين بالأجزخانات وسنة واحدة للدراسة العلمية، وكان يشترط في الطالب معرفة إحدى اللغات الأجنبية.
وفي عام ???? لما ازداد عدد مساعدي الصيادلة، أصدر وزير المعارف قرارًا بجعل شرط الالتحاق بالمدرسة الحصول على شهادة الدراسة الثانوية قسم أول (كفاءة).
وفي عام ???? أصدر علي ماهر وزير المعارف أمرًا وزاريًّا بقفل المدرسة؛ إذ قد رأى أن لا داعي لوجود فئتين مختلفتين من طبقة واحدة علمية، إذ قد يوجب هذا تنافرًا بين أفراد المهنة ويقف حجر عثرة في سبيل تقدمها.
وفي عام ????-???? صدر قرار وزاري بإنشاء أو بإعادة فتح مدرسة مساعدي الصيادلة رغم مقاومة الكثير من كبار رجال الصيادلة في مصر، وجعل شرط القبول فيها الحصول على شهادة التوجيهية القسم العلمي، ومدة الدراسة بها سنة كاملة.

الدساتير الطبية – البرديات المصرية القديمة – الدساتير الحديثة


(?) كشف الكتابة وأوراق البردي عند قدماء المصريين

قبل أن نبدأ الكلام عن البرديات الطبية يجب أن نعرف على أي مادة كتب قدماء المصريين علومهم وأحداثهم، وكيف كتبوا وبأي لغة.
لقد كان قدماء المصريين أول مَن اخترع الكتابة للتعبير عن أفكارهم، ولهم الفضل الأول على العالم أجمع في الكشف عن طريقة خطية للتفاهم وتدوينها على مواد مختلفة، وأهم هذه المواد هي حسب الترتيب التاريخي تقريبًا: العظم.
الطين: وقد وُجِد كثير من صحائف الطين المكتوبة يرجع تاريخها إلى الأسرة ??.
الطين المحروق: منذ الأسرة ?? بالخط المسماري ولوحات تل العمارنة.
الجلد: محفوظ بعض صحائفه بالمتحف البريطاني والمتحف المصري.
الكتان: استعمل في مختلف العصور.
المعادن: وأهمها البرونز.
الحجر: وقد استعمل في الكتابة في المعابد والمقابر والتوابيت.
الخشب: كذلك.
البردي: وكان هذا أهم صحفهم للكتابة، وكان كشف أوراق البردي أهم كشف في تاريخ الكتابة؛ إذ إنه الحلقة الأولى للكشف عن الورق.
وقد كان لهم لغة عالية رفيعة، لها نحوها وصرفها، ولها أسماؤها وأفعالها وضمائرها وصفاتها، وقد بلغت هذه اللغة القمة من حيث الفقه والنحو، ووضع كثير من العلماء لها مؤلفات ذات قيمة علمية مثل جاردنر، كما وضع لها علماء الألمان معجمًا في عشرة مجلدات كبيرة، حواها قاموس برلين العظيم W. B.، ولم يضع هؤلاء العلماء كتاباتهم أو مؤلفاتهم عن الهيروغليفية إلا بعد أن كشفت البعثة الفرنسية التي أحضرها معه نابليون أيام حملته على مصر عن حجر رشيد عام ????، وقد كشف بوسرد أحد قواد الحملة عندما كان يحفر أساس بيتٍ قرب رشيد، وكان هذا الحجر كبيرًا أسود اللون وهو محفوظ الآن في المتحف البريطاني، وقد وُجِدت على هذا الحجر كتابة ظلَّتْ غامضة فترة من الزمن حتى حاوَلَ لأول مرة حلَّ رموزها العالمُ الفرنسي شمبليون. ويوجد على الحجر ثلاث أنواع من الكتابة المختلفة تحت بعضها، عبارة عن أمر ملكي صدر أيام بطليموس الثاني؛ الكتابة العليا بالهيروغليفية، والوسطى بالديموتيقية (كتابة الكهنة)، أو كتابة العامة، والثالثة أو السفلى باليونانية القديمة.
وبعد محاولات عنيفة جبَّارة أمكن العلماء أن يعرفوا أن هذه الكتابة هي ثلاث تراجم مختلفة بثلاث كتابات لأمر ملكي واحد صدر أيام بطليموس الثاني عام ???ق.م، وبمقارنة هذه التراجم الثلاث كشفوا المفتاح الأول للكتابة الهيروغليفية.
وتُعتبَر الكتابة الهيروغليفية من أقوى الحجج على حضارة مصر الطبية؛ إذ إن أجزاء جسم الإنسان وجسم الحيوان التي استعملها الخطاطون الهيروغليفيون تدل على أن المصري أجاد التشريح إلى حدٍّ بعيدٍ، ومن أروع الحقائق أن الأجزاء المستعملة للإشارة عن الأعضاء الداخلية جميعها أجزاء أجسام للحيوانات الثديية، وليست للإنسان كما يقول بذلك علماء التشريح، وهذا يقطع بأن الفراعنة قد أجادوا تشريح الحيوان قبل الإنسان بزمانٍ بعيدٍ جدًّا، وأن التشريح البشري والجراحة البشرية ظهَرَا متأخرين؛ وذلك لتقديس الجسم البشري.
أما صناعة العقاقير ومعرفة خواص النباتات فهي أقدم بكثير من صناعة التشريح والجراحة، وتبعًا لذلك تكون الصيدلة أقدم المهن الطبية، ويكون متعاطي هذه الصناعة الطبية في العصور السحيقة عشابًا كما ذكرنا قبل أن يكون طبيبًا وجرَّاحًا.?(?) كيف صنع المصريون أوراق البردي (Cyperus Papyrus: F. Cyperaceae)

نبات البردي من عائلة الحلفاء، وكان هذا النبات ينمو في مناقع الدلتا ثم حج بحكم الظروف الجوية والطبيعية إلى جنوب السودان والحبشة. وقد استعمل قدماء المصريين نبات البردي في أغراض كثيرة ذكر هيرودوتس بعضها، وكذلك ثيوفراست وبليني، ولكن أهمها صناعة شرائح الورق للكتابة. وسُمِّيت بالعربية قراطيس البردي أو البرديات، وهذه أول محاولة للإنسان لصناعة الورق.
وقد اشتُقَّتْ من كلمة بابيروس Papyrus التي أطلقت لتسمية النبات الكلمات الإفرنجية الدالة على اسم الورق وهي Paper & Papier. ويتفاوت طول نبات البردي الحديث بين ?–?? أقدام عدا القمة المزهرة والجذر، وقطر الساق ??? بوصة، والقطاع العرضي من الساق مثلث الشكل، ويتكون من قشرة ولب داخلي هو الذي استُعمِل لصناعة البردي.
وقد وصف بليني طريقةَ صناعة ورق البردي كما يأتي:
أما الساق فيُشَقُّ شرائح طويلة رقيقة، وكانت هذه الشرائح تُوضَع بجوار بعضها على مائدة كبيرة في وضع طولي ثم تُوضَع فوقها شرائح أخرى عرضية، وتندى بماء النيل، وتُضغط فوق بعضها، وتُجفف في الشمس.
وقد ناقش مول Molle? طريقة صناعة الورق، وقال إن قدماء المصريين كانوا ينزعون القشرة الخارجية للساق، ويستعملونها في صناعة الحبال، أما اللب فكانوا يشقونه شرائح ويضعونها فوق بعضها متقاطعة وبينها مادة لاصقة، ثم يدقونها ويضغطونها ويتركونها حتى تجف، ثم يستعملون هذه الشرائح الطويلة للكتابة عليها. ولا يمكننا على وجه التحقيق إثبات تاريخ العصر الذي استُعمِلت فيه أوراق البردي، ولكن يوجد في متحف القاهرة قطع صغيرة من ملفات البردي يرجع تاريخها إلى الأسرة الخامسة، كما وُجِد في مقبرة حماكا? من الأسرة الأولى ملف من البردي لم يُستعمَل. وقد كانت كل أجزاء النبات ذات فائدة اقتصادية لمصر في ذلك الوقت؛ فكانت الجذور تُستعمَل وقودًا، وكانت السيقان تُستعمَل في صناعة القوارب الصغيرة، كما يذكر هيرودوتس أنهم كانوا يجمعون الأغصان الصغيرة ويطبخونها. ويقولون إن البردي الذي ينمو الآن في جزيرة صقلية كثير الشبه بالبردي المصري القديم. وأطول ورقة بردية هي بردية هاريس Harris المحفوظة بالمتحف البريطاني، ويبلغ طولها ??? قدمًا. وكانت هذه الأوراق البردية تلف على شكل أسطواني وتُربط في الوسط، وأصبح لها في الكتابة الهيروغليفية رمزًا خاصًّا للدلالة عليها يشير إلى ملف أسطواني في وسطه عقدة.
وكان من أهم أدوات الكتابة الحبرُ، يصنعه قدماء المصريين أقراصًا جافةً تشبه أقراص الألوان الحديثة، وقد تميز من ألوان الحبر ألوان كثيرة أهمها الأحمر والأسود، وكان اللون الأحمر أو الحبر الأحمر عبارة عن مركبات الحديد، واللون الأسود أو الحبر الأسود عبارة عن الكربون. وكانت أقلام الكتابة تُصنع في الأزمان القديمة من نبات الأسل، وهو من عائلة السمار، وكان ينمو كثيرًا في مصر، كما استُعمِلت أقلام من الغاب في العصور الرومانية. وقد رمزوا إلى كلمة يكتب الهيروغليفية بالرمز الآتي، وهو عبارة عن أسطوانة لحفظ الألوان، وكيس لألوان الحبر، ولوحة حجرية لإذابة الحبر عليها.
(?) البرديات الطبية

(?) بردية إيبرس The Ebers Papyrus: أطول وأشهر المستندات التاريخية الطبية، وُجِدت عام ???? في حالة جيدة نوعًا، اشتراها العالم إيبرس عام ????م وسُمِّيت باسمه، محفوظة الآن في جامعة ليبزج، تحوي على كثير من التذاكر الطبية وبعض التعاويذ السحرية. يُظن أن هذا المستند الطبي المصري القديم قد كُتِب في بداية الأسرة ??، يكاد يكون من المقطوع به أنها نُسِخت من مخطوط قديم، طبع جورج إيبرس عنها مجلدين عام ????، تعرضت هذه البردية لدراسة كثير من العلماء بعد إيبرس وهم: H. Grebow & J. Lieblein.W. R. Dayson & H. Schqefor & H. Liwing.وفي عام ???? طبع فرشنكسكي ترجمة هيروغليفية قيمة لهذه البردية، وقد حاول جواشيم عام ???? ترجمة هذه البردية وطبعها في كتابٍ خاصٍّ، ولكنه في الواقع لا يفي بالغرض المطلوب. ثم ترجمتها فيها بعدُ إييل ترجمة أحسن من الأولى.كُتِبت هذه البردية أصلًا باللغة الهيراطيقية وكانت واضحة تمام الوضوح، وكانت رءوس الموضوعات وما شابهها مكتوبة بالحبر الأحمر.طول البردية ????? مترًا، النصوص موزَّعة على ??? أعمدة، كل منها بين ?? و?? سطرًا، وقد ترك الكاتب عند وضع النمر الرقمين ?? و??، وفي ظهر البردية كتب تقويمًا (نتيجة) مصحوبًا باسم ملك، وأمكن من دراسة هذا التقويم أن تحدد تاريخ كتابتها بأنه عام ???? قبل الميلاد.والبردية وجدها فلاح مصري في مدينة الأقصر مدفونة في بعض كفان الموميات وموضوعة في خزانة من المعدن، وهي عبارة عن ملف واحد من البردي، ومن أحسن أنواع القراطيس البردية صناعةً. تحوي البردية مجموعة كبيرة من الوصفات لكثير من الأمراض، لا زالت هذه البردية مجالًا واسعًا للبحث العلمي مما قد يستغرق عشرات السنين.
(?) بردية هيرست: وُجِدت هذه البردية في دير البلاص من صعيد مصر عام ???? ميلادية، وهي محفوظة الآن في متحف كاليفورنيا، وكانت الطبقات الخارجية من هذا الملف البردي متكسرة بالية، وأما الطبقات الداخلية فكانت في حالة جيدة، ويرجع تاريخ هذه البردية إلى ما بعد بردية إيبرس، كما يظهر من كتابتها أن تاريخها يرجع إلى السنة التاسعة لحكم الملك أمنيوفيس الأول.وقد لاحظ بورخارد أوجه شبه كثيرة بين هذا القرطاس وقرطاس برلين، كما قام بدراسته كثير من العلماء مثل: بورخارد، وشيفر، وريزنر، ولاحظوا ما يأتي: (أ) تشابه في وصفات قرطاس هيرست وإيبرس.(ب) بعض الوصفات ذُكرت حرفيًّا في الاثنتين.(جـ) وجود بعض وصفات متكررة في كلٍّ منهما، وقد عثرَتْ على هذا القرطاس بعثةُ هيرست سنة ????.
(?) بردية أدون سميث الجراحية The Edwin Smith Surgical Papyrus: محفوظة في الجمعية التاريخية بنيويورك، نقلها وترجمها وعلَّق عليها العلَّامة برستد، أغلبها لعلاج الحالات الجراحية، كما تحوي بعض التعاويذ السحرية. كشف لنا هذا المستند عن مدى ما وصل إليه العقل البشري الجبَّار؛ إذ قد بدأ يتطلَّع إلى خفايا الجسم الإنساني، كما يرينا مدى ما وصل إليه قدماء المصريين من ترتيبٍ في دراسة الحالات الجراحية بوصفها والكشف عليها وتشخيصها، ووصف الدواء وطريقة صناعته، وطريقة استعماله.
(?) بردية شستر بيتي رقم ????? بالمتحف البريطاني The Chester Beathy Papyrus: يرجع تاريخها إلى الأسرة ??، تحوي الكثير من الوصفات لعلاج المستقيم والشرج، وبها كثير من التعاويذ الشعبية، محفوظة بالمتحف البريطاني.
(?) بردية برلين رقم ???? The Berlin Medical Papyrus: محفوظة في متحف برلين، تشبه في كثيرٍ برديةَ إيبرس وهيرست.
(?) بردية كاهون Kahûn Papyrus: ووُجِدت في اللاهون من أعمال مديرية الفيوم عام ???? ميلادية، تُعتبَر أقدم بردية طبية يرجع تاريخها إلى عصر الدولة المتوسطة بين الأسرتين ?? و??، وهي بردية خاصة بأمراض النساء، وفيها كثير من الوصفات التي تشبه ما جاء في بردية إيبرس وأدون سميث، مما يدل على أن هاتين البرديتين قد أخذتا الكثيرَ من البرديات السابقة لهما في العصور التاريخية، كما تحوي هذه البردية على كثير من الوصفات الطبية السحرية.
(?) بردية لندن رقم ????? The London Medical Papyrus: كُتِبت في غير عناية، يرجع تاريخها إلى نهاية الأسرة ??، وهي بردية طبية سحرية.
(?) برديات شستر بيتي رقم ??، ??، ??: وهي محفوظة بالمتحف البريطاني تحت رقم ?????، ?????، ?????.وبردية شستر بيتي رقم ?? أي الأولى، كل ما جاء فيها عن وصفات للتقوية الجنسية، وأما البرديتان ?? و?? فهما للطب والسحر.
(?) بردية لندن الديموتيقية The London Demotic P.: كُتبت بالخط الديموتيقي من القرن الثالث بعد الميلاد، وتحتوي على مجموعة لا بأس بها من المعلومات الطبية القديمة.
(??) بردية جولنشيف Gol enishchef Papyrus: يرجع تاريخها إلى العصر اليوناني حوالي القرن الثالث للميلاد، وهي لطب أمراض النساء.
(??) بردية قطاوي Cattawi Papyrus: بردية جراحية يونانية يرجع تاريخها إلى العصر اليوناني، حوالي القرن الثالث للميلاد.
(??) البرديات القبطية: وهي برديات أو أجزاء من كتب على البارشيما وُجِدت في أماكن مختلفة من مصر، بها كثير من الوصفات الطبية، وهي تعطينا فكرة عما وصل إليه الطب في العصور القبطية الثلاثة، وهي: العصر القبطي اليوناني، والعصر القبطي المسيحي، والعصر القبطي العربي، كُتِب جميعها باللغة القبطية، وأهم هذه البرديات أو المخطوطات هي: (أ) بردية المشايخ: وهي من أهم المراجع في علوم العقاقير والعلاج في العصور القبطية، وجدها فلاح في جرجا كان يجمع السباخ بالقرب من بلدة مشايخ، داخل إناء من الفخار واشتراها بوريان، وأهداها للمعهد الفرنسي بالقاهرة سنة ????. طول البردية ???? مترًا، وعرضها ??سم، مجموع سطورها ??? سطرًا، بها ??? تذكرة. جميع المقارنات تدل على أنها كُتِبت بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. البردية في مجموعها تشبه في كثير البرديات الفرعونية، فوق أنها حوت الكثير مما تأثَّرت به من الحضارة اليونانية، كما تأثَّرت أيضًا بالحضارة العربية، فاستعملت الكثير من أسماء الأدوية العربية. ترجمها العلَّامة أميل شاسيناه وعلَّق عليها.(ب) ورقة زويجه الطبية: وهي من مجموعة الأوراق الطبية المحفوظة في الفاتيكان، وتتكون من ورقتين من البارشيما يتكونان من أربع صفحات، وتحتوي على ?? تذكرة لأمراض الجلد، وهي جزء من كتاب يحتوي على ??? صفحة، وعلى ???? تذكرة، مكتوب باللغة القبطية الصعيدية، ويقول في إحدى تذاكره أنه مترجم عن الورقة الطبية التي كانت محفوظة في مكتبة إيمحتب بمنف، ويمتاز هذا الكتاب بظهور تأثير المسيحية فيه تأثيرًا واضحًا؛ إذ قد تغيَّرت أسماء الآلهة المصرية في التمائم والتعاويذ بأسماء الملائكة المسيحية.
(??) برديات أخرى: وهناك كثير من البرديات الأخرى الطبية الموزعة في متاحف باريس ولندن وتورين وبرلين وبودابست والفاتيكان، التي قد تلقي ضوءًا كثيرًا على بعض العادات والتقاليد العلاجية، وعلى كثير من أنواع الطب الشعبي الذي لا زال مستعملًا في مصر حتى الآن بنفس وصفاته، وفي قلب أوروبا أيضًا.
ويمكننا عمل مقارنة بين هذه البرديات نوجزها في الجدول المبيَّن ? ، وخلال دراسة هذه البرديات دراسة دقيقة يمكننا أن نخرج بالنتائج الآتية: أولًا: أن هذه البرديات الطبية الدوائية التي وُجِدت وكُتِبت في مختلف العصور هي عبارة عن مستندات أو مراجع دوائية طبية شبه رسمية، أو تكاد تكون رسمية منقولة عن مراجع أخرى سابقة كما تنص بذلك جميع البرديات، أو قد تكون منقولة مع بعض التعديل.ويتضح من النصوص التي تدلنا على أنها نُقِلت من مستندات أقدم منها، أن هذه المراجع أو البرديات قد اتخذت صفة رسمية تعليمية أجبرت المصريين القدماء على تدوينها، حتى تضع أسسًا ثقافيةً ثابتة لمهنتَي الطب والصيدلة بمختلف فروعهما. كما أُضِيف إلى بعض هذه البرديات ملاحق خاصة كما حدث في بردية أيدون سميث.
اسم البرديةتاريخ كتابتهاعدد أعمدتهاعدد سطورهاعدد تذاكرهاكيف وصلتناأين هي الآنالسحركاهون لأمراض النساء????–????ق.م??????وجدها بيتري عام ???? في مدينة اللاهون?خالية من السحركاهون للطب البيطري????–????ق.م???وجدها بيتري عام ???? في مدينة اللاهون?خالية من السحرجاردنر????ق.م???????أدوين سميث????ق.م?????????وجدت في طيبة واشتراها إدوين سميث من الأقصر عام ????، وأهدتها كريمته عام ????م بالجمعية التاريخية بنيويورك لها ملحق سحري ?????إيبرس????–????ق.م??????????وجدت في طيبة واشتراها إيبرسجامعة ليبزجقليل من التمائمهيرست????ق.م بعضها تألف??–????????? + س تعويذةوجدت في دير البلاص عام ????م واشتراها ريزنر عام ????جامعة كاليفورنيا?برلين رقم ????????ق.م????? تعويذة + ? تذاكرأهدتها مدام وستكار عام ????ممتحف برلينملآنة بالسحربرلين رقم ????عصر رمسيس الثاني ????–????ق.م????????وجدت في سقارةمتحف برلين?لندن رقم ?????بين الأسرتين ??–?? (؟)??????قدمت إلى متحف لندن من المعهد الملكي عام ????متحف لندن?أوكسيرنكوس يونانيةفي أوائل القرن الأول الميلاديقطع??وجدت في أوكسيرنكسوسمتحف لندن?شاسيناه القبطيةبين القرنين العاشر والتاسع الميلاديين?????وجدت في بلدة المشايخمعهد المتحف الفرنسي للآثار بالقاهرة?
ويمكن اعتبار هذه البرديات أنها هي دساتير الأدوية في تلك العصور أو كما نسميها نحن الفرماكوبيات Pharmacopeia.
ثانيًا: بعض هذه البرديات دوائي خالص كإيبرس، وبضعها دوائي جراحي كأيدون سميث، وبعضها علاجي سحري كبرلين.
ثالثًا: بعض هذه البرديات رُتِّب ترتيبًا دقيقًا رائعًا؛ إذ تذكر البردية في كل وصفة: نوع المرض.طريقة الفحص.التشخيص.وصف العلاج.طريقة التحضير.طريقة تعاطي الدواء.ونظرة واحدة إلى أي حالة من حالات أيدون سميث الجراحية ترينا روعة هذا الترتيب، ودقة هذا العلم عندهم.
رابعًا: أن هذه البرديات قد حوت مجموعة من العقاقير النباتية والحيوانية والمعدنية، وأن نسبة العقاقير النباتية فيها مرتفعة إلى ??/??.
خامسًا: أن الكثير من العقاقير النباتية التي ذكرت في هذه البرديات يحتاج إلى دراسة طويلة لتحقيقه، ومعرفة اسمه وأصله، وذلك لعدة أسباب: (?) صعوبة هذا البحث الدقيق الشائك إذا لم تتوفر للمشتغل به ثقافةٌ مزدوجة بأن يجمع بين الثقافة الطبية العلمية والثقافة الأثرية العلمية.(?) أن هذه البرديات ملآنة بالأسماء والمصطلحات الغريبة التي تحتاج إلى جهد عنيف لتحقيقها؛ إذ إن كثيرًا من النباتات الطبية قد اختفى من مصر بمرور الزمن، وقد تكون هذه العقاقير مما استجلبه المصريون من الأقطار الأخرى، وقد تكون من النباتات المصرية التي نبتت في ظروف جغرافية مناسبة ثم اختفت أو انتقلت إلى مناطق أخرى باختفاء أو انتقال تلك الظروف الجوية من مصر، ومن أكبر الأدلة على ذلك نبات البردي الذي كان يكسو مناقع الدلتا، ثم أصبح الآن يكسو مناقع أواسط أفريقيا.
سادسًا: تجد في بعض البرديات بعض العقاقير غير المصرية، والواقع أن المصريين لم يكتفوا بما نبت في أرضهم بل حاول بعض الملوك والأمراء استجلاب الكثير من النباتات الطبية وغير الطبية وأقلمتها في مصر، وقد أرسلت الملكة حتشبسوت بعثتها المعروفة التي أحضرت فيما أحضرت المر واللبان. ويمكننا أن نحقق ذلك في مقبرة رخمي رع الذي كان الوزير الأول للملك تحتمس الثالث وخلفه أمنحتب الثاني خلال عشرين عامًا بين ????–???? قبل الميلاد؛ إذ نجد في هذه المقبرة صورة لاثنين من سكان بلاد بونت يحملون بين الهدايا شجرة اقتلعوها من أرضها وأعدوها للنقل والزراعة.هذه البرديات الطبية جميعها تراث خالد رائع يدلنا على ما وصل إليه قدماء المصريين من مجدٍ في حضارتهم الطبية في عصور سحيقة القدم، بينما كان أجداد الغرب يتعاقبون بأذنابهم في فروع الشجر. هذه الحظوة الطبية الخالدة ترينا نوعًا رائعًا من التخصص في تعاطي المهنة وفي الكتابة الطبية، كم ترينا تقدمًا كبيرًا في علوم الجراحة عندهم، وقد كان بفضل هذه الحضارة الطبية التي دونتها بردياتهم وبقيت مع الزمن الخالدة. كان لها الفضل في أن تقف بها من جاورها من الأقطار ثم ساحلت منها عبر شواطئ البحر الأبيض حتى توغلت في قلب أوروبا الوسطى تشبه في كثيرٍ الوصفات المصرية القديمة، هذه البرديات جميعها تشهد فضل مصر والمصريين على العالم أجمع.
(?) الدساتير العربية

ويُعتبَر طب أبوقراط وطب اليونان عمومًا هو المورد الذي نهج منه العرب بعد أن تُرجِم للعبرية، فأخذوا عن اليونان الكثير من علم الدواء وصناعة العطارة، ويرجع إليهم الفضل في معرفة الراوند، والسنامكي، والمن، والكافور، والمسك، وجوز الطيب، وهم أول من قطر ماء الورد، وقد ظهر في أيام العرب كثير من الكتب الدوائية التي شاعت شيوعًا كبيرًا حتى أصبحت كدساتير طبية، وأهمها: (?) مؤلفات ابن سينا: وضعها الحسين بن عبد الله بن سينا في القرن الحادي عشر للميلاد.
(?) مفردات ابن البيطار.
(?) كرابادن: وهو اسم دستور طبي وضعه صابر بن سهل رئيس المدرسة الطبية في بغداد بأمرٍ من الخليفة هارون الرشيد الذي سنَّ قانونًا لتعاطي مهنة الصيدلة، وآخَر بأسماء العقاقير والأدوية وأثمانها.
(?) خواص الرازي.
(?) الدساتير الحديثة

وسار العالم على هذا النحو يتخبط بين هذه الدساتير الطبية الكثيرة العدد حتى القرن الرابع عشر للميلاد، وقد بدأت كل دولة تفكِّر تفكيرًا جديًّا في وضع دستور طبي جامع يستعمل في جميع أنحائها بأمر من حكومتها وتحت سلطانها.
وظهر كثير منها لم يُكتَب له البقاء، فدالت وتلتها غيرها، وهكذا حتى القرن التاسع عشر الميلادي حين ظهرت عدة دساتير في كثير من أقطار العالم، بلغ مجموعها ?? دستورًا، وهي: الدستور البريطاني عام ????.
الدستور البرتغالي عام ????.
دستور شيلي عام ????.
كووانيا ????.
دستور رومانيا عام ????.
دستور المكسيك سنة ????.
دستور نيوزيلاند عام ????.
دستور إسبانيا ????.
دستور أستراليا عام ????.
دستور الدانمارك ????.
دستور سويسرا عام ????.
دستور فرنسا ????.
وهذه أول دساتير رسمية ظهرت في العالم، وجاء القرن العشرين فشهدت الست سنوات الأخيرة من بين عامَيْ ???? و???? همةً ونشاطًا كبيرين في مراجعة وتجديد الدساتير الدوائية، فقد جُدِّدَ منها ثمانية هي: الدستور الإيطالي سنة ????.
الدستور الأسباني سنة ????.
الدستور الدانماركي ????.
الدستور السويسري ????.
الدستور البلجيكي سنة ????.
الدستورالإنجليزي ????.
الدستور اليوغسلافي ????.
الدستور الهنغاري سنة ????.
وقد كان إصدار دستور دولي أمنية عالمية تحققت في السنوات الأخيرة، فصدر دستور الأدوية الدولي عام ???? محققًا لرغبات جميع الشعوب والأمم، وموحدًا للمصطلحات العلمية، ومما يشرف مصر أنه كان من بين أعضاء اللجنة الدولية الدائمة لوضع دستور الأدوية الدولي الأستاذ الدكتور إبراهيم رجب فهمي.
كما كان إصدار دستور مصري رغبة ملحة تراود جميع نفوس الأطباء والصيادلة، وقد شُكِّلت لجنة تحضيرية في عام ???? لوضع أسس هذا الدستور.
وقد عملت بجد ونشاط حتى صدرت الطبعة الأولى منه عام ????.
? Wilkinson III, 474, Dawson: Migcian & Leach 90.? Molle: In Memoire sur Le Papyrus ét la fabrication du papier chez les Anciens 1850.? W. B. Emery: The tomb of Hemaka 1938, p. 14.
آلهة الطب والصيدلة عند قدماء المصريين


الطب والروحية والسحر جميعها ظلت متلازمة كأنها علم واحد في جميع مراحل التاريخ المصري القديم.
وإن تلك القوى الغامضة التي كانت شفاء للإنسان والتي أوحت إلى رجال الطب علومهم، كانت موضع رهبة المصريين وتقديسهم؛ مما دعاهم أن يوجهوا كل شيء تقريبًا في الدواء والطب إلى أرواح الآلهة، ومما دعاهم أن يعتقدوا أن الآلهة هم أول مَن تعاطى صناعة الطب والدواء، وفوق ذلك فقد حاول المصري القديم الذي تعاطى صناعة الطب والدواء أن يحفظ نفسه بهالة كبيرة من الغموض والرهبة والتقديس. ومن هنا كان لهذه الثقافة الطبية الفرعونية مكان مقدس بين عقائدهم الدينية، حتى إن صدى الماضي ظل يرن في وجدانهم من هذه الناحية رنينًا قدسيًّا خرجوا منه بأن الآلهة هم أول مَن احترف هذه المهنة المقدسة، ومن هنا كثرت آلهة الطب في العصور الفرعونية وبعدها، نذكر منها:
(?) أوزوريس Osiris

كان أوزوريس إله الخصب في إحدى صوره القديمة، وكان مشهورًا بمعرفته خواص النباتات، وكان مرجعًا من مراجع الزراعة، وهو الذي خلق القمح والشعير في مصر، وعلَّمَ الناس زراعة الكروم، وأول مَن صنع الخمر الجيد العتيق، وكان يعلِّم الموتى في العالم الآخر صناعة النبات الحق، وكان هذا النبات إحدى أشكال الإله أوزيريس، وكان أتباعه يأكلون ليعيشوا عليه. وهو ابن السماء والأرض، وزوج إيزيس وأخوها، وله أسطورة جميلة بين الأساطير الفرعونية، وأسطورة إيزيس وأوزوريس كتب عنها بلوتارخ “Plutarch, De Iside et Osiride” xii–xx، وقد كانت لديه معلومات طريفة عن هذا الموضوع. ومن أهم مصادر البردي عن هذه القصة واحدة من مجموعة المستر «شستر بيتي» التي اشتراها عام ????، والتي عثر عليها في دير المدينة الواقع في الجهة الغربية من النيل بالأقصر، ويرجع تاريخها إلى الأسرة العشرين والحادية والعشرين، أي منذ عهد الرعامسة، وقد أهدى شستر بيتي هذه المجموعة من أوراق البردي إلى المتحف البريطاني وسُمِّيت باسمه، وقد قام السير ألن جاردنر بترجمتها ونشرها في كتابٍ خاصٍّ، ومن بين هذه المجموعة قصة إيزيس وأوزوريس أو قصة الصراع بين حور وست.
وقد كان هذا الصراع عنيفًا على عرش مصر، وكان أوزوريس وديعًا كريمًا، وكان ست قويًّا شريرًا، وكانت إيزيس تحب أوزوريس وتحنو عليه، وتضعه من قلبها مكانًا قدسيًّا، كل هذه العوامل دعت ست أن يقاتل أخاه أوزوريس، وأن يلقي بأشلائه في ماء النيل، وقد بحثت إيزيس حتى جمعت هذه الأشلاء جميعها عدا عضو التذكر الذي ابتلعه السمك، ووضعت هذه الأشلاء واحدة واحدة مكانها، ورفعت صوتها إلى السماء، وتساقطت منها الدموع، ودبت الحياة في أوصال حبيبها أوزوريس، ولكنها حياة لم تسمح له أن يستمر في هذه الدنيا، بل عاش في عالم الآخرة يحكم بين المرحومين.
ويُعتبَر أوزوريس رب الخصب والعشاب الأول الذي علم الناس خواص النباتات والزراعة وزراعة الكروم، وصنع من الكروم الخمر، وهو في هذه الناحية ونوح صنوان؛ إذ جاء عن نوح في التوراة: «وابتدأ نوح يكون فلاحًا، وغرس كرمًا، وشرب من الخمر فسكر …»
(?) إيزيس Isis

وكانت إيزيس أقرب الآلهة إلى أوزوريس؛ إذ هي أخته التوءم وزوجته، وكان علمها بالأعشاب والنباتات عظيمًا، وهي التي جاء عنها في بردية إيبرس ما ترجمته: أطلب إليك يا إزيس أن تهبني الشفاء كما شفيت حورس من كل جراحه التي أطبه بها أخوه ست …? وفي نفس البردية نجد وصفة لآلام الرأس كتبتها إيزيس للإله رع،? وكذلك وصفة أخرى صنعتها إيزيس لآلام الثدي، وأنها قد أوحت إلى كاهنها في قفط بكتابٍ في الطب.? ويقول ديودور العقلي? أن إيزيس عندما كانت تحكم في الأرض كشفت الكثير من العقاقير وأقامت زوجها وابنها حورس من الأموات بطبها الخالد، وأنها لا زالت ترعى الرجال في نومهم. وقد عُبِدت إيزيس في مصر مع زوجها وأخيها أوزوريس على أنهما أول من اخترع الطب والدواء في العالم، وقد ظلت هذه الفكرة حتى أيام جالن إذ نسب إليها بعض الوصفات كما رأينا تمامًا في بردية إيبرس، مما يقطع أن جالن قد أخذ الكثير عن قدماء المصريين.
وكان ابنها حورس معروفًا عند اليونان بالإله Apolle الذي يُنسَب إليه الكشف عن جميع العلوم الطبية حوالي عام ????ق.م، والذي يقول عنه اليونان أنه مخترع الطب والصيدلة والموسيقى والشعر والحب. وقد ذكر هوميروس في كتابه الخامس من الإلياذة كيف شفي مارس من جروحه على يد إيولر، ثم جاء بعده ابنه أسكليبياس الشهير الذي أُنشِئت له المعابد الدينية التي أصبحت محجة علماء الصيدلة في العصر القديم. (?) تحوت Thoth

بعد أن وضعت إيزيس ابنها البكر حورس تركته مرغمة بعض الزمن في مناقع الدلتا، فأرسل ست إله الشر عقربًا لدغت الطفل الإلهي فمرض حتى الموت، ولما رجعت إيزيس ووجدت ابنها حورس على هذه الحال ضرعت إلى رع الذي سمع إليها، وأوقف قارب اللانهاية الذي يسبح فيه، وأرسل إليها تحوت ليساعدها على شفاء الصبي.
ويعد بعض المؤرخين تحوت المصري، الذي يعرفه الإغريق باسم «هيرمس» ويرمزون له بالزنبق، أنه أول مَن اخترع الصيدلة والطب، ويغالون أنه وضع ستة مؤلفات في أبواب مختلفة استعملها قدماء المصريين في جميع مرافق الحياة، وكان من بين هذه المؤلفات كتاب ضخم خاصٌّ بالصيدلة، وينسبون إليه اختراع الكيمياء والكتابة والزراعة.
وقد كتب المؤرخ العظيم «جاميليكس» الكثير عن معتقدات المصريين، وقال إن قساوستهم كانوا ينسبون إلى تحوت اثنين وأربعين مؤلفًا، منها ستة على التوالي للتشريح والأمراض الباطنية وأمارض النساء والجراحة والصيدلة.
وقد كان تحوت رب الأشمونين بجوار مدينة ملوي، وقد رمزوا له بالطائر أبو قردان لأنه دائم البحث عن غذائه ينقب عنه في باطن الأرض، وقد رسموه كثيرًا في جسم إنسان ورأس إيبس.
(?) أنوبيس Anubis

هو إله الموتى وحارس الجبانة ورب التحنيط، وكان تقديسه شائعًا في جميع أنحاء مصر، وكان أهم مراكز هذه العبادة مدينة ليكوبوليس وهي أسيوط حاليًّا، وكان له منطقة عبادة أخرى في الدلتا في مدينة ليكوبوليس الشمال.
ويُعتقَد أنه ابن أوزوريس ونفتيس، وأنه ابتلع والده أوزوريس، وكان الحيوان المقدس لهذا الإله هو الذئب، ولذلك رسموه دائمًا على شكل آدمي له رأس الذئب. وكان المصريون القدماء يعتبرونه إله العقاقير أو رب العقاقير بين الآلهة Apothecary of the Gods، والحارس على بيت الدواء وغرفة التحنيط Keeper of the House of Medicine & chamber of Embalement. ومما يدل على هذا ما جاء في مقدمة بردية إيبرس، كما ذكرت من أنها قد وُجِدت تحت قرص أنوبيس في مدينة ليتوبوليس، وأن هذا الكتاب قد سُلِّم إلى سمتي خامس ملوك الأسرة الأولى.
(?) الإله خنوم

عُبِد أولًا في صورة كبش، وعُبِد لأمر واضح هو قدرته على الخصب والإنتاج، ونجد أنه قد تطور واتخذ صفة أخرى وهي صفة الخالق، حتى صوره المصريون في بني حسن على هيئة آدمي له رأس كبش، أي إنه ذلك الإله الذي عُبِد أولًا على صورة حيوان لم يبقَ من حيوانيته الأولى سوى الرأس. ثم اتخذوا له إله الفخار يديرها ليخرج منها الخلائق من الطين، ولذلك سُمِّي «الفخراني»، ونرى ذلك واضحًا في الدير البحري. وقد أصبح هذا الإله فيما بعدُ طبيبًا وموَلِّدًا يهرع إليه الحوامل من النساء ليستعنَّ به، واتخذ له زوجًا على صورة ضفدعة. وكان يُعتبَر طبيب الحوامل في منطقة بني حسن، وعُبِد في فيلة على أنه حارس منابع النيل.
(?) سخمت

زوجة الإله بتاح وأم الإله نفرتوم، وعُبِدت في منف، ورمز إليها المصريون باللبؤة (أنثى السباع)، واعتبرت ربة السطوة والجبروت. وأُطلِق عليها اسم الجراحة، وكان إذا نزل طاعون نسبوه إلى سخمت لقوتها، وكان الأطباء الجراحون يُنسبون إلى سخمت ويُعتبَرن كهنة لها، ولدينا نصٌّ في بردية إيبرس يذكر ثلاثة أنواع من الأطباء بينهم الطبقة المعروفة باسم «سخمت واب»، أي كاهن هذه الإلهة أو الطبيب الجراح.
(?) إيمحتب Imhetep

لم تجد بين مَن وصلوا إلى درجة التقديس من البشر أو مما خلقه الفكر الفرعوني مَن عاصَرَ جميع أزمنة التاريخ المصري القديم رغم تيارات السياسة والدين فيها مَن ظلَّ محتفظًا بمكانته مثل إيمحتب.
وأول ما ظهر إيمحتب المصري الخالد على مسرح التاريخ وزيرًا وطبيبًا للملك زوسر في الأسرة الثالثة في بلدة «عنخ تاوي»، أي مدينة حياة القطرين.
وُلِد البطل المصري الخالد إيمحتب منذ ما ينيف عن ????ق.م في اليوم السادس عشر من الشهر الثالث من فصل الحصاد. وكان أبوه كانوفر مهندسًا بارعًا مشهورًا، وأمه ردو عنخ من أكرم الفضائل، وتربى هذا الطفل اللامع الذكي تربية سمحت له أن يصل إلى أعلى المراتب في الدولة، فقد أشبع رغبة مليك البلاد وشعبها بعقليته الرائعة وذكائه الفارط الفذ، ليس في الطب فحسب بل في مختلف نواحي العلوم حتى شغل مناصب الدولة الآتية: (?) منصب الوزير الأول.
(?) منصب وزير الأشغال.
(?) رئيس الكهنة.
(?) الساحر الأعظم.
(?) رئيس الكتبة.
(?) الطبيب الأعظم ورجل الدواء الأول.
(?) رئيس القضاء.
(?) حامل أختام الملك.
(?) الفلكي الأعظم.
(??) المشرف الأول لخيرات السماء وأرض النيل، أو رئيس مخازن الملك.
من بين هذه الألقاب جميعًا لم يحمل التاريخ ذلك التقديس الرهيب إلا عن طريق العلاج والطب والصناعة الطبية التي أسبغت عليه مرتبة الألوهية، وأصبح في فترة من التاريخ المصري أحد ثالوث طيبة، فهو ابن بتاح وسخمت، وقد امتدت عبادته حتى أقصى بلاد النوبة، وقد وصلت أيضًا إلى أقصى ما يصل إليه التقديس، وأقصى ما تصل إليه العبادات أيام البطالسة، حتى إننا عثرنا في معابدهم على كثيرٍ من الرسوم التي تشير إلى ذلك.
وقد شيدت له المعابد في أنحاء القطر التي كان أهمها معبد ممفيس، الذي أصبح فيما بعدُ مدرسة للدواء والطب والسحر.
? Pap. Ebers Plate I.? Pap. Ebers Plate XLVII.? Maspero, Dawn 224.? Diodorus Siculus I, 25.
آلهة الطب والصيدلة في العصر اليوناني


عندما دخل الإسكندر الأكبر مصر وحكم من بعدُ البطالسةُ وكوَّنوا دولة مصرية قوية، حاوَلَ اليونانيون والمصريون أن يخلطوا بين الآلهة الإغريق والآلهة المصريين، وأن يهضموا هذا الخليط ليخرجوا منه صورًا موحدة تتناسب مع طبائع الاثنين، وتتمشى مع العقائد والتقاليد الدينية السائدة في تلك الأزمان، وأمكن للفكر المصري اليوناني في ذلك الوقت أن يعبد آلهة يرى فيها الاثنان وحدةً وتضامنًا.
ومن بين هذه الآلهة من قدسه المصريون واليونانيون للطب والصيدلة، أهمها:
(?) الإله هرمس

هو إله اليونان الذي شابه تحوت المصري، وكانوا يشيرون إليه بالزنبق، وكانوا يسمونه سكرتير أورويس وصديقه الحميم، ويقول Eusebius المؤرخ إن هرمس هو موسى. وكانوا يعتقدون أنه مؤلف ? كتب مقدسة، وكان أحد هذه الكتب خاصٌّ بالصيدلة. ويقول Jamblicus الذي أرَّخ حكم الإمبراطور جوليان، إن الكهنة المصريين قد حقَّقوا ?? مؤلفًا للإلهة هرمس. وقد نشأت أسطورة هرمس في القرن الأول الميلادي في إسكندرية. (?) أبولو Opollo (شبيه حورس)

هو ابن جيوبتر ولاتونا، وكانت عبادته متحدة مع الشمس، وسهامه لا زال الناس يتحدثون عنها، وكان إله الطب والصيدلة كما كان مخترع الموسيقى والشعر، ويقول اليونان إن أبولو تلقَّى أول تجاربه العلاجية في مصر، وقد كتب عنه هومير في الجزء الخامس من الإلياذة، وإنه شفى جراح Diomed التي أصابه بها مارس إله الحرب. (?) أسكليياس Aesculapius

هو ابن أبولو وكورونيس، وهو أكثر علاقة بالطب والدواء من والده، وتلقى علومه على يد شيرون، ويقولون إنه عاش حوالي عام ????ق.م، ويقولون إنه هو جدعون الذي ذُكِر في التوراة. وقد ترك بعده أبناء ثلاثة وأربع شقيقات، وقد تعاطى أبناؤه صناعة الدواء.
وقد أصبحت معابد أسكليياس مستشفيات لجميع الأمراض يؤمها الكثير، ويخرجون منها بقوة وعافية، وكان بين أدويتهم الشائعة في ذلك الوقت المغليات والمنقوعات واللبخ والحمامات.
وأصبح كهنة أسكليياس هم رجال الدواء في ذلك الوقت وكان لهم مركز عظيم ممتاز، ونهجوا نهج قدماء المصريين والأشوريين والبابليين في تعليق لوحات الأدوية في معابدهم.
وأول الصيادلة الذين يتغنى بهم الإغريق هو الإله Prametheus الذي قال عنه شعراؤهم إنه علَّم الناس كيف يحضِّرون الدواء. ومن أظرف أساطيرهم أن Melampus هو الذي أدخل نبات الخربق Helebore لأنه لاحَظَ تأثيره على الغنم عندما كان يرعاها، وهو الذي وصف صدأ الحديد في النبيذ الذي يشبه نبيذ الحديد. ويقولون إن نساء الأرجوس قد أُصِبن بجنون جعلهن يهربن إلى الحقول عراة، وكان بينهن ثلاث أخوات لبروتس الملك، فشفاهن ميلامبوس بلبن الماعز بعد إطعامه بهذه النبات Hellabore. ويُعتبَر شيرون الإغريقي سيد الصيادلة؛ إذ لقَّبه بذلك هوميرس في الإلياذة، وكان اسمه Chiron the centaur، وينسبون إليه نبات القنطريون أو الوطب Centaurium. وكان Morpheus الذي قال عنه شعراء الرومان إنه ابن أورنيس وزراء إله النوم Samnus، وقد اشتق مورفيدس اسمه من Morpheus التي تعني شكل Form or shape لمقدرته على التشكل والظهور في الأحلام. ويرمزون لهذا الإله بنبات الخشخاش في يده، ومن اسمه يعتقدون أن النوم إلا لمن يلمسه مورفيوس بثمرة الخشخاش.
وكان فيثاغورس الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد موضع كثير من أساطيرهم، فكانوا يقولون إنه يروِّض الوحوش بكلمة واحدة، وإنه زار جهنم. وكما كان عالمًا رياضيًّا كان صيدليًّا ماهرًا، فهو أول مَن اخترع بصل العنصل، وله وصفة مشهورة مكونة من: السوسن أو عرق الطبيب Orris.
جنتيانا Gentian.
جنزبيل Cinger.
فلفل أسود Black pepper.
عسل كمية كافية Honey q. s..

الصيدلة والعقائد


منذ أن عرف الإنسان خواص العقاقير، وبدأ يستعملها للعلاج، اختلطت نظرته الدوائية فيها بما تناوله من مبادئ الفلسفة والعقائد والدين والسحر، حتى أصبح لا يُذكَر دواء ولا يُستعمَل إلا ومُزِج بينه وبين هذه العقائد والمبادئ الفلسفية.
(?) الصيدلة والفلسفة

طغت الروح الفلسفية في عصور الحضارة الأولى للإنسان على كل ما حولها، وخصوصًا في بلاد اليونان والرومان مهد الفلسفة، ومن بعدها العرب الذين أخذوا عنهم هذه العلوم حتى اختلطت علومهم بالدين والطب وعلم الدواء والفلك وسائر العلوم الأخرى.
وكان الفلاسفة العشابون — أي الصيادلة القدماء — يفسرون تأثير النبات تفسيرًا فلسفيًّا بحتًا ممتزجًا بالروح الدينية والسحر، وكانت لهم طرق خاصة لصنع أدويتهم، وبذلك اختلطت العقائد الصيدلية بالمبادئ الفلسفية، واتصلت اتصالًا وثيقًا، وظلت كذلك حوالي ثمانية قرون. منذ ظهور الحضارة اليونانية في العالم، ظهر في خلالها كثير من هؤلاء العلماء الذين وصفوا النبات والأدوية بالشعر والفلسفة، وأدخلوا هذه العقاقير في قصصهم ورواياتهم، أمثال: أرسطو، وهوميروس، وسقراط، وفيثاغورث، وكانوا نباتيين حتى في طعامهم. ومن بعدهم ابن سينا الذي كتب أرجوزته الطبية بالشعر، وغيره من علماء العرب.
(?) الصيدلة والسحر

لزم السحر والصيدلة والطب وَضْع العقاقير في جميع عصور التاريخ حتى الآن في الطب الشعبي، وكان لصيادلة قدماء المصريين الكهنة تعاويذ يَتْلُونها ساعةَ صنع الدواء أو إعطائه، وكان للرومان واليونان أحجبة منها ما يُلبس، ومنها ما يُكتب على أشياء مختلفة، ومنها ما يُشرَب منقوعة. وقد دلَّنا تاريخ الفراعنة على أن الكثير من حليهم التي وُجِدت في قبورهم، وأن كثيرًا من النباتات التي استعملها اليونان والرومان؛ كانت لها رموز سحرية شفائية، كما أن هناك كلمات وألفاظًا لها تأثير سحري شفائي عندهم. وظلت الحال كذلك حتى في قلب أوروبا وإنجلترا إلى القرن السابع عشر.
وكان لبعض السحرة أدوية خاصة مثل: الحبوب والسفوف والأشربة، زعموا أنها مرسلة لهم من زعماء الجن.
ومما يُروَى عن كاترين ديمسيس أنها اعتادت لبس قطعة من جلد طفل كتعويذة ضد الأمراض، وأن اللورد بيرون قدَّمَ للبرنس ميترنيخ تعويذة بهذا الشكل، اقتدى بها كثير من علماء أوروبا وعظمائها في ذلك الحين.
(?) الصيدلة والعقائد الكيماوية (النظريات والمبادئ الكيماوية الأولى)

اختلطت الصيدلة بالكيمياء لما بينهما من وثيق الرابطة منذ أقدم الأزمان، وامتزجت دراسة الدواء والعقاقير بالمبادئ والنظريات الكيماوية التي اخترعها العلماء لدراسة المواد المختلفة، وأهمها: النظرية الأولى: ومخترعها شانج شي أحد علماء الصين منذ حوالي ? آلاف عام، ثم اعتنقها بعدُ Empedocles، وهي النظرية القديمة التي استمرت حتى القرن الثامن عشر، وتقول بأن التراب والهواء والماء والنار هي أصل جميع الكائنات والمواد، وإليها تُنسَب طبيعته، وعلى هذا الأساس يمكن العلاج، ومن هنا نشأت النظرية السحرية العلاجية القائلة بأن هذا تجمُّع هوائي أو مائي أو ناري أو ترابي.
النظرية الثانية: ومخترعها باراسيلسوس Paracelsus، وهو يقول إن أصل كل مادة مكوَّن من كبريت وملح وزئبق، وليس بالمعنى الحديث الذي نفهمه لطبيعة هذه المواد، ولتفسير نظريته نقول إنه إذا أحضرت — مثلًا — نباتًا أخضر تصعد منه جسم مائي هو الزئبق، ثم مادة زيتية سهلة الاحتراق هي الكبريت، وتبقى الرماد وهو الملح؛ فالبيضة مثلًا مكوَّنة من الزلال وهو الزئبق، والصفار وهو الكبريت، والقشر وهو الملح. ومن ذلك فالجسم والمادة والمر والفن هي الملح، والروح والشكل والحلو والطبيعة هي الكبريت، والخيال والفكرة والذكاء والحامض هي الزئبق.
النظرية الثالثة: اخترعها جورج أرنست ستاهل الذي وُلِد في آنسباخ عام ????، وتوفي في برلين عام ????، ويقول إن كل مادة يمكن إرجاعها إلى أصل مائي أو أرضي.
(?) الصيدلة وفلسفة؛ تشابه الشكل والألوان

ظهرت نظرية تشابه أعضاء جسم الإنسان بأعضاء كثيرة من النباتات، واستنتج العلماء من ذلك أن النباتات التي تشبه أعضاء مخصوصة تفيد في شفائها، مثلًا: الجوز لشفاء أوجاع الرأس، بذور السكران أو البنج لشفاء الفك والأسنان لتشابهما بالأسنان، والليمون للقلب، والجنزبيل للبطن، وورق التين لليد … إلخ. وكانوا يضعون بعض أعضاء الحيوان والإنسان لعلاج هذا العضو، فمثلًا: المخ لعلاج المخ، والكلى لعلاج أمراض الكلى، والكبد لعلاج أمراض الكبد، وغير ذلك.
وكانوا يعنون بتأثير الألوان في معالجة المرضى، فكانوا يعتقدون أن لكل لون تأثيرًا خاصًّا على نوعٍ من الأمراض، وقد تطورت هذه النظرية علميًّا إلى أن وصلت إلى الدراسات العلمية الحديثة في ألوان الطيف الشمسي وتأثيرها في العلاج، وأصبح لكل مادة في الوجود طيف مميز لها، ويقول بعض العلماء الآن بأن مختلف الأمراض هي نوع من نقص تشبُّع الأجسام بمختلف الإشعاعات اللونية. وقد كان اللون الأحمر في العصور القديمة من أحسن الألوان التي يلبسها المرضى بالحصبى والجدري، وقد قال المستر جون جاردسون الطبيب الخاص للملك إدوارد الثاني ما نصه: عندما كنت أرى ابن الملك مريضًا بالحصبى كنت أبذل كل جهدي لأجعل كل شيء في فرشه أو حوله أحمر اللون.
(?) الصيدلة والفلك

وكانوا قديمًا يعتقدون أن المعادن المختلفة تحت تأثير نجوم مختلفة، وكان لهذا الاعتقاد أو هذه النظرية تأثير فعال في استعمال هذه المعادن في الصيدلة، فمثلًا: كانوا يعتقدون أن الشمس هي الحاكم المسيطر على القلب، وبما أن الذهب هو معدن الشمس فلا بد وأن يكون الذهب مقويًّا للقلب، وكذلك القمر والفضة للرأس، والمريخ والحديد للقوة، وعلى هذا الاعتبار كان لعلم الفلك تأثير كبير في علم الصيدلة والدواء مدة طويلة، وظل سائرًا معه جنبًا إلى جنب إلى أمد قريب، ولا زال العرافون في الطب الشعبي الحديث ينسبون المرضى إلى نجم زحل أو المريخ أو غيرهما من الكواكب، ويعالجونهم على هذا الأساس.

التحنيط


(?) التحنيط والدين

في مصر مهد الحضارة الأولى، وأم المدنيات أجمع عثر علماء الآثار على حضارات عديدة عريقة في القدم قبل العصر التاريخي بآلاف السنين، ومنها ما يرجع إلى العصور الحجرية، وهذه الحضارات قد استوطن أهلوها مناطق خاصة على جانبي وادي النيل، وأهمها حضارة تاسا، والبداري، ومرمرة، والفيوم، وحلوان، والمعادي، وكان لهذه الحضارات صلة لا بأس بها ببعض الحضارات الأخرى التي نشأت فيما جاورها من البلدان.
وكان لهذه الحضارات البدائية المختلفة نوعٌ لا بأس به من العقائد الروحية والحياة الأخرى والخلود يتجلى أكثر ما يكون في مخلفاتهم الجنائزية في مقابرهم البسيطة، وفي دفن أجساد موتاهم في أوضاع خاصة، ومحاولة المحافظة عليها، وما نُثِر هنا وهناك في تلك المقابر من الأواني الخزفية التي قد يحوي بعضُها بعضَ الحبوب والمأكولات، وما عليها من رسوم وما حول الجثة من الأسلحة الحجرية التي قد يستعملها الميت لحماية جسمه من الأرواح التي تحوم حول المقبرة، وما يوجد من عظام بعض الحيوانات المنتشرة في تلك الأزمان كقرش البحر، ووضع هذه العظام في أوضاع يلمس منها التقديس. ليس هذا فحسب، بل وجد في مقابر الأفراد بعض التمائم والتماثيل البدائية التي لا بد وأن يكون وجودها لعقيدة متأصلة في عقلية هؤلاء المصريين أصحاب هذه الحضارات الأولى خاصًّا بخلود الروح ورجوعها.
ومن أقوى الأدلة على تأصل العقيدة الدينية الروحية في عصور ما قبل التاريخ؛ تلك الأساطير والقصص الدينية التي شاعت شيوعًا عظيمًا في عصور الأسرات، وفي تاريخ مصر المجيد؛ تلك الأساطير الخالدة مثل قصة إيزيس وأوزوريس لا بد وأنها لم تظهر فجأة، ولم تطفر طفرة واحدة بين معالم التاريخ، وإنما لا بد وأنها صادرة من أعماق الزمن السحيق، يردِّدها صدى الماضي في عقول هذا الشعب الجبار، ويتداولها العامة والخاصة في أحاديثهم، وإذا بها بين عصر وعصر قد أصبحت من صميم معتقداتهم الدينية، واحتلت مكانة لا بأس بها بين أنواع عبادتهم وديانتهم. فقصة إيزيس وأوزريس، وقصة الإله خنوم الفخراني، وقصة رع، وقصة رتق السماء عن الأرض بواسطة الإله شو … كل هذه القصص فيها دين وروحية وعقيدة أثَّرت في حياة المصريين، وفي طريقة دفن موتاهم حتى لا تفنى أجسادهم، وكانت محاولات أولى للتحنيط في عصور ما قبل التاريخ سنذكرها بعدُ.
وتطورت تلك العقائد الدينية في عصور الأسرات حتى أصبحت قلوب هذا الشعب العظيم عامرة بالإيمان القوي بوجود قوة خارقة للطبيعة، ووجود إله واحد هو مصدر هذه القوة، وهو الذي يهب من روحه التي تملأ الكون حياة للبشر، وهو الذي علَّم كل هؤلاء جميعًا مظاهر المدنية الفرعونية المختلفة. ومن أكبر آلهة قدماء المصرين الإله بتاح الذي عُبِد منذ الأسرة الأولى، وقد جاء في بعض الأناشيد له أنه «إله الآلهة، وأب الآباء، ومصدر الحياة … الذي خلق الشمس والقمر … وهو الخالق الذي أبدع نفسه … وهو مصدر العدل الدائم.» وتعدَّدت الآلهة المصرية، وكانوا يعتقدون أن أرواحهم لا بد وأن تلتقي في عالم الأبدية بأرواح الموتى، فكانوا يخاطبون الميت: «أن اذهب إلى أبيك في السماء، واحكم معه على عرش أوزيريس إله الموتى.»
من هذه الفكرة في خلود الروح نشأت فكرة التحنيط، وهي محاولة إبقاء الشخصية، وأن يخلقوا من جسد الميت أوزوريسًا إذ كان يعتقد المصريون القدماء أن هذه الأرواح المنطلقة جميعها خالدة في عرض أوزوريس، وكانوا يطلقون عليها أيضًا بعد الموت «أوزوريس».
وكان الجسم الإنساني في معتقد الفراعنة يتكون من ذلك الهيكل المادي القابل للفناء، والذي تفنَّنَ علماؤهم في طريقة حفظه وتحنيطه لدرجةٍ وصلت حد الإعجاز حتى على علماء العصر الحديث، ومن عنصرين روحيين هما «الكا والبا»: فالكا: هي الجزء الأثيري من الجسم، وهي التي تلازم الجسم في المقبرة، وهي كاملة الشبه به، أي إنها نسخة من صاحبها، ولكنها منطلقة شفافة، ومن هنا تقدَّمت صناعة التحنيط تقدُّمًا ملحوظًا حتى يحتفظ الجسم بشكله الأصلي عندما تلازمه الكا جزؤه الثاني. وفي مناظر ولادة الملكة حتشبسوت في معبد الدير البحري، نرى صورتين طبق الأصل أحدهما الطفلة الملكية، والثانية هي الكا. وكانوا يضعون تماثيل خاصة للكا يحفظونها في سراديب مقفلة إلا من فتحة صغيرة، يرفع من خلالها البخور، وترجع إليها الكا إذا ما فني الجسد.ولم تكن هذه الكا من مستلزمات البشر فقط، بل كان لكل مخلوق نبات أو حيوان أو جماد خاصٌّ به «الكا».ويقول ديودور: «إن المصريين كانوا يسمون مساكنهم في الدنيا منازل ضيافة نسبةً إلى تلك الحياة القصيرة، وكانوا يسمون المقابر بالمنازل الأبدية»؛ ولذلك فقد اهتموا بمقابرهم اهتمامًا عظيمًا، وكان من أبرز وأروع مظاهر حضارتهم تطور معمار المقابر مع تطور الفكرة الروحية بالخلود اللانهائي وبقاء الشخصية، وتقدُّم التحنيط. وقد تطورت المقبرة من مجرد حفرة في باطن الوادي تغطيها الرمال، إلى غرفة مبطنة بالأحجار، إلى بناءٍ هرميٍّ متعدد الغرف وحوله سور عظيم، وعلى جانبَيْ تلك المقبرة الهرمية مركبان تسبح فيهما الروح كما تسبح الشمس، وبجوار ذلك الهرم معبد جنائزي للملك المتوفى لعبادته. وتطورت تلك المقابر إلى أن أصبحت مؤسسات ضخمة إما من البقاء أو منحوتة في الصخر الطبيعي، وقد غطيت جميع جدرانها بمناظر الحياة الدنيا في منتهى الروعة والجمال، وكدست غرفها بجميع مستلزمات الحياة من مأكل ومشرب وملبس وأثاث، كل هذا من أجل ذلك الجسد الذي أصبح مثل أوزوريس، ومن أجل الكا.
وأما البا: فهي ذلك الجزء الحي الذي يترك الجسد عند الوفاة محلقًا إلى الآلهة، ولكنها لا تمكث في السماء أبدًا، بل قد ينتابها الحنين إلى ذلك الجسد المحفوظ في المقبرة (المومياء) فتنزل من أعالي السماء إليها؛ ولذلك جعلوا في المقابر كوة صغيرة تنفذ منها البا إلى المقبرة كلما هفها الشوق. وكانوا يرمزون لهذه البا في مقابرهم ورسومهم بطائر له رأس إنسان وقابض في يده على علامة الحياة، وكانوا يرمزون له أحيانًا أخرى بطائر هابط من السماء إلى كوة المقبرة، أو يرمزون له بطائر وقد حطَّ مسدل الجناحين فوق المومياء.
وكانوا يعتقدون أن الإنسان بعد الوفاة قد أصبح مثل الإله أوزوريس، ويجب أن يعنى أهله بجسده كما عنيت إيزيس بجسد أوزوريس، وكانوا يبالغون في محاولة التحنيط وبقاء الشخصية الأوزيرية، وقد جاء في نصوص الأهرام في إحدى المقطوعات التي كان يتلوها الكاهن المختص بالملك بعد وفاته ما ترجمته: يا أوناس لم تذهب إلى السماء ميتًا، وإنما ذهبت إليه حيًّا، لتجلس على عرش أوزوريس وصولجانك في يدك.
وهذه محاولة صغيرة لشرح الفكرة الدينية، وعلاقتها بالتحنيط، وشرح الأسباب التي دعت إلى التحنيط وتقدُّمه، والتي يمكن أن نلخصها في أربعة عوامل هامة: (?) محاولة حفظ الأجسام من التلف.
(?) محاولة حفظ الشخصية بعد الموت.
(?) خلق هيئة تشبه أوزوريس بعد التحنيط.
(?) خلود الروح.
(?) مومياء Mumia وMummy

وقد أُطلِق هذا الاسم على الأجسام التي حفظها المصريون بالتحنيط، وأصل هذه الكلمة يوناني، وقد وصف ديستوريدس? فوائد مادة اسمها … بأنها مادة قارية تنبثق من الأرض في بعض الأمكنة، وهذه المادة هي القار المعدني «الأسفلت» Bitumen. وقد أُطلِقت كلمة مومياء فيما بعدُ مجازًا على الأجسام المحنطة لما يعتريها من سواد يشبه أحيانًا سواد القار المعدني، ولِما داخَلَ الأفكار من أن هذا السواد الذي يعتري هذه الجثث المحنطة إنما لأنها قد غُمِست في القار المعدني. وأصبح فيما بعدُ كلُّ جسم محنط اسمه مومياء، وهذه المومياء قد لعبت دورًا هامًّا في الطب في العصور اليونانية والرومانية وما بعدها، وكان الفرس يستعملون المومياء كدواء عام Penacae للأوجاع النفسية، وقد كتب أحد الفرس في القرن العاشر للميلاد يصف الترتيبات المعقدة للحصول على هذه المادة النفيسة. وقد وصف عبد اللطيف? العالمُ العربي في القرن الثاني الميلادي المومياءَ على أنها مادة قارية، كما أنها عُرِفت بمعناها الحديث. واستعملت هذه الكلمة فيما بعدُ بوجهٍ عامٍّ للدلالة على الأجسام المحنطة، وربما كان انتشار هذا التعبير مرجعه استعمال البطالسة للمواد القارية في التحنيط، حتى إنهم كانوا يعتقدون أن قطع الأجسام المحنطة كانت لها نفس الفوائد الطبية مثل Bitumen، واستعملت قطع الموتى المحنطة في الطب باسم مومياء زمنًا طويلًا، لا زالت بقاياه منتشرة في ريف مصر حتى الآن. وقد استعمل طبيب يهودي إسكندري عام ????م المومياء لأول مرة كدواء، ومنها انتشرت فيما بعدُ. وقد جمع Pette-grew الكثير من وصفات كتاب أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر عن فوائد المومياء كعقارٍ هامٍّ يدل على انتشارها في غرب أوروبا. وقد عرف Lord Bacon فوائدها وقال إنها ذُكِرت في كثير من فارماكوبيات ذلك العصر. وأول مَن ثار على استعمال المومياء كعقار هو Ambroisé Pasé عام ????م؛ إذ سماها العقار البغيض. ويقول Cayon إن اختفاء المومياء من عالم العقاقير لم يكن لما وُجِّه إليها من انتقادات طبية، وإنما كان سببه التجار اليهود الذين احترفوا بيع الأجسام المحنطة المغشوشة المزورة.? وعلى أي حال فقد وقف استعمال المومياء كعقار، وتوقف الكتَّاب بعد ذلك عن تدوينها في مؤلفاتهم الطبية.
ثم ظهرت كلمة مومياء ثانية في عالم التأليف عندما اهتم العلماء في العصور الحديثة بدراسة المصرولوجيا، وما يتعلق بها؛ إذ لا يوجد شيء تميَّزت به مصر تمييزًا صريحًا كالتحنيط والمومياء. وأول مَن كتب في العصر الحديث عن المومياء والتحنيط هو توماس بينجرو عام ????، وقد كان من كبار جراحي لندن.
فتح هذا الجراح البابَ أمام العلماء لبحث هذا الموضوع، فتوالت الأبحاث خلال المائة عام الأخيرة، واشتهر في هذا الموضوع كذلك كثير من العلماء أهمهم: رويتر وروفر وإليوت اسميث ووارن داوسون ولوكاس، والأخير له مؤلفات كثيرة وأبحاث قيمة في هذا الموضوع، وليبتر من أبطال النهضة الأخيرة في البحث عن الحضارة العلمية عند قدماء المصريين.
ومما يُؤسَف له أن اهتمام بعثات الحفائر ورجالها كان موجَّهًا توجيهًا تاريخيًّا أثريًّا معماريًّا فقط، ولم يشركوا معهم رجالًا من المختصين في مختلف العلوم والفنون، مما أضاع علينا الكثير من إنتاجٍ علميٍّ فرعونيٍّ.
وقد استعمل الإفرنج كلمة Embalm لدلالة على عملية التحنيط، وهي مأخوذة من أصل لاتيني معناه in Balsamum التي تعني حفظ الأشياء في البلسم. ومن هذا أمكننا أن نفهم المصدر اللغوي لكلمتَيْ مومياء وEmbalm؛ استعمال المومياء في الدواء، واهتمام علماء العصر الحديث بدراستها. (?) طرق التحنيط والمراجع?

عندما ندرس جميع الاحتمالات الممكنة لحفظ الأجسام ومنعها من التلف، وعندما نحاول أن نفسر عملية التحنيط تفسيرًا علميًّا، لا بد وأن نلمَّ عامةً بجميع الطرق الممكنة لحفظ الجسم، وهي: (?) حفظ الأجسام في أجواء باردة أو ثلاجات، وهذه الطريقة غير معروفة طبعًا عند قدماء المصريين.
(?) حقن مواد مطهرة أو معقمة في الأوعية الدموية، ومنها إلى جميع أجزاء الجسم وأنسجته، وهذه أيضًا كانت غير معروفة.
(?) تجفيف الجسم عامًا، وحفظه في معزل عن الرطوبة، وهذه الفكرة هي الأساس العلمي للتحنيط عند قدماء المصريين.ولا يخفى أن الجسم يحتوي على ??? من وزنه ماء، وليس من السهل تجفيف هذه النسبة تمامًا، وكل ما هنالك من طرق التجفيف إما حرارة الشمس الطبيعية، وإما حرارة متولدة من الوقود، وإما المواد الكيماوية المجففة التي تمتص الماء.ويظن رويز? أن بعض الجثث المصرية قد جُفِّفت بفعل الحرارة الصناعية المتولدة من الوقود خلال جهازٍ خاصٍّ لم نكشف عنه بعدُ، ويقول إن كمية كبيرة من الحرارة تلزم لتجفيف الأجسام بعد استخراجها من محاليل الأملاح كالنطرون؛ ولذلك يظن أنها ذات مصدر صناعي.ويقول فيفان إنه? يمكن الحكم على الموميات من مجرد مظهرها أنها جففت تحت نار هادئة، وقد بنى استنتاجه هذا على ما علق بجدران المقابر من الدخان، ولكن هذا لا يقوم دليلًا قاطعًا لصحة هذا التعليل؛ إذ إن النار كانت توقد داخل المقابر والمعابد لكثير من الظروف. وهذه الطريقة للتجفيف التي يقترحها رويز وفيفان لم يذكرها هيرودوتس، ولم يذكرها ديودور ولا أي مرجع آخَر.
(?) تجفيف الأجسام بالمواد الكيماوية الرخصية مثل الجير الحي وملح الطعام والنطرون، وسنتكلم عنها عند الكلام على مواد التحنيط.
هذه هي جميع الطرق المحتملة للتحنيط، وسنرى فيما بعدُ كيف يمكن أن نصل إلى نتائج قيمة بدارسة المراجع الخاصة بهذا الموضوع التي أهمها: (?) أقوال المؤرخين القدماء، وعلى رأسهم هيرودوتس وديودور.
(?) البرديات المصرية القديمة والنصوص الخاصة بذلك.
(?) المخلفات المصرية القديمة من موميات وآثار أخرى في المقابر والمعابد.
(?) الدارسات العلمية الحديثة لهذه المخلفات.
(?) عصور ما قبل التاريخ

في تلك العصور السحيقة في القدم لم يحاول الإنسان الأول أن يحفظ الجسم صناعيًّا؛ إذ إن الطبيعة كانت تقوم بنفسها بحفظ الأجسام المطمورة في الرمال، فكانوا يدفنون جثث موتاهم ملفوفة في الكتان أو الجلد أو الحصير في مقابر بسيطة جدًّا عبارة عن حفر بيضاوية أو مستديرة قريبة من سطح الأرض، وتلعب الطبيعة دورها بعد ذلك في المحافظة على هذه الأجسام وتجفيفها بعوامل الحرارة الجوية وجفاف الطقس، وتمنع تحلل الأنسجة البشرية. وهذه الظاهرة قد عرفها المصريون في عصور ما قبل التاريخ، وحاول الفراعنة في عصور الأسرات تقليدها كيماويًّا معمليًّا بعد أن تطورت المقبرة، وبعد أن دعت ظروف المدنية إلى ذلك. وقد عثر المنقبون على آلاف من جثث المصريين في عصور ما قبل التاريخ، ولكن العلماء لم يجدوا في واحدة منها أي آثار لمحاولة التحنيط والمحافظة الصناعية، أو لأي مادة حافظة في جميع الأجسام التي وُجِدت في شكل مضغوط.
وقد قام الدكتور شمدت? بكثير من الأبحاث الكيماوية، وخصَّص كثيرًا من وقته وبحثه لدراسة موميات هذا العصر فلم يجد أي أثر لأي مادة من مواد التحنيط. وقد جفت عضلات الجسم جفافًا تامًّا حتى خلط كثير من العلماء بينها وبين الراتنج لأول وهلة، وقد وجد داخل الجماجم قطعًا من مادة متفحمة دلَّ مظهرها الخارجي على أنها راتنجات أو قار معدني، ولكن البحث الكيماوي والتشريحي لهذه البقايا أثبتا أنها من بقايا المخ? البشري. وظلت هذه الطريقة شائعة بين المصريين حتى مطلع عصر الأسرات فيما قبل الأسرة الرابعة، فقد كانت بعض الجثث تشبه في كثير أو قليل موميات عصور ما قبل التاريخ، مع محاولات علمية صناعية طفيفة سنذكرها بالتفصيل.
(?) النصوص المصرية القديمة الخاصة بالتحنيط

رغم أعمال الحفائر الكثيرة، ورغم ما عثر عليه رجالها من آثار ومخلفات ونصوص مصرية قديمة، فإن النصوص الخاصة بالتحنيط لا زالت قليلة لا تشبع رغبة الباحث في هذا الموضوع، وأهمها ما جاء في نصوص الأهرام والتوابيت وكتاب الموتى، وهذه كلها تحوي الكثير عن الطقوس الجنائزية والغسل وحرق البخور … وسأذكر فيما يلي بالتفصيل لبعض النصوص الأخرى الهامة:
(?-?) بردية بولاق رقم ? المحفوظة بالمتحف المصري? وبردية اللوفر رقم ??????

وكلاهما من عصر متأخر روماني ومتشابهان، ويظن أنهما نسخة طبق الأصل، أو أن كاتبهما واحد ومكتوبتان بالهيراطيقية، ولكن لسوء الحظ أنهما غير كاملتين. وهي عبارة عن كتابين لطقوس التحنيط تحتوي كل منهما على بعض التعليمات العملية، وبعض الصلوات والتمائم، ويعتبران بين كتب الدين أكثر منه بين كتب التحنيط.
على أي حال، ما بقي منهما يعطينا فكرة عن دهن وتحنيط الرأس والظهر واليدين والذراعين والقدمين، وسنلخص هنا ما يهمنا عن عملية التحنيط فقط دون العقائد: تعليمات للحفظ لدهن رأس الجثة ببخور اللبان Frankincense.
تعليمات لدهن الجسم من الرأس إلى القدم بدهانٍ خاصٍّ يشبه المستعمل عند عملية فتح الفم.
تعليمات لحفظ محتويات الجسم الداخلية في أوانٍ جنائزية أربعة تُمثِّل أولاد حورس الأربعة.
تعليمات لدهن الظهر بدهانٍ خاصٍّ اسمه «مرهت».
تعليمات لدهن الظهر أيضًا وملء الجمجمة بالعقاقير.
تغطية الأظافر بالذهب ولف الإصبع بالكتان.
وصف لاحتفالات أنوبيس إله الجبانة وحارس بيت الدواء.
تعليمات لدهن الرأس ولفها مع مواصفات تفصيلية لشكل اللفائف والفم والذقن والشدقين والرقبة.
تثبيت هذه اللفائف بلفائف أخرى عرض قيراطين مشبعة «بزيت ثخين»، وهذا هو بلا شك تلك العجائن الراتنجية التي نراها على الموميات.
تعلميات أخرى لدهن الرأس باللبان والدهن وبعض التوابل.
تعليمات لدهن ولف الأيدي بدهانٍ خاصٍّ مكون من:زهر العامو?Amu Flowerراتنج قفط?Resin of Ceptosنترون?Natron

(?-?) بردية رند Rhind Papyri??

برديتان وجدهما A. H. Rhind في مقبرة طبية من عصر الأسرة ??، وكانت المقبرة ملآنة بموميات البطالسة، وكل من البرديتين مكتوبة بالهيراطيقي والديموطيقي، وفيهما جزءٌ خاصٌّ بالتحنيط، وقد جاء فيها: تخرج سيدًا من غرفة العمليات (التحنيط)، ويعمل لك ?? احتفالًا خلال ?? يومًا.
وكان الميت يقضي ?? يومًا مقسمة على ?? عضوًا هي:? فتحات في الرأس.? أولاد حورس (الأحشاء).? القدمين.? الذراعين.? الصدر.? الظهر.
وتدل البردية بعد ذلك على أن الميت يخرج بعد ذلك من قاعة التحنيط بعد فتح البطن وإخلاء الأحشاء والمخ، ويعقد له ? احتفالات في ?? يومًا، وبعدها يُوضَع الجسم في الجبانة حيث يعقد له ? احتفالات أخرى تنتهي في اليوم السبعين، وهنا تأمر إيزيس بالدفن.
ويغلى ??? أوزان من الدهن للتحنيط.
ويدهن أحد الكهنة الجسم بالبلسم.
ويلف كاهن آخر الأربطة حول الجسم.
ويملأ المحنط الجمجمة بالعقاقير ويلفها بالكتان.
(?-?) لوحة دهوت The Stela of Dhout

كتب عنها جاردنر?? جاء فيها: أن الدفن الطيب يحدث في سلام، والسبعين يومًا تنقضي في تحنيطك. وقد وُجِدت هذه اللوحة في إحدى مقابر طيبة رقم ???، ويرجع تاريخها إلى عصر الملكة حتشبسوت، كما وُجِدت نفس النصوص في مقبرة أنتف بطيبة رقم ??? من عصر تحوتمس الثالث. (?-?) لوحة المتحف البريطاني رقم ?????

وقد كتب عنها شارب وبرج، وهي لأحد كهنة عصر البطالسة، يقول فيها إن التحنيط الجيد لا يتم إلا بعد سبعين يومًا.
(?-?) Story of Statue Ramuas??

كتب عنها جريفث في قصص كبار كهنة منف، وهي قصة ديموطيقية ذكر فيها أن مدة التحنيط ?? يومًا، وأن فرعون يسمح له بدخول المنزل الجميل الطيب في ?? يومًا، واللف في ?? يومًا، وإتمام المومياء في ?? يومًا، بعدها ينام في الراحة الأبدية.
(?-?) مخطوط أنمحر Inscription of Anemher

طبعة بروجش وترجمة جريفث، وجاء فيه: أن التحنيط يتم في ?? يومًا، وأن اللف يتم حتى اليوم ??، وأن الوضع في التابوت والطقوس الخاصة بين ??–??، وأن الدفن في اليوم ??. ومنه يتضح أن كل هذه الإجراءات كانت تتم حسب ما هو مكتوب، أي تبعًا لقانونٍ خاصٍّ، أو كما ترجمها جريفث That that comes in writing، ولكن هذا المكتوب لم نعثر عليه حتى الآن، ولعل الزمن يُوفِّق رجال الحفائر للعثور عليه. (?-?) Bologna Stela No. 1042??

وفيها ينص على أن أحد الأفراد قد دُفِن بعد تحنيط ?? يومًا، وقد دفنه ابنه الأكبر كاهن هراب (والثمانون يومًا تُعَدُّ شاذة لم يأتِ ذكرها في غير هذه البردية).
(?-?) شقافة فلورنسا Florence Ostracan 20616??

وفيها يقول إن الملك قد وهبه الأواني الأربعة الجنائزية والتابوت، وفيها بعض الإشارة إلى المواد المستعملة في التحنيط.
(?-?) بردية ليدن Papyrus Leiden 344??

أهم ما جاء فيها الإشارة إلى زيت السيدار (السرو)، وأهميته في عملية التحنيط، وأنه كان يستعمل في تحنيط الأشراف.
(?-??) مقابر سانفر وآمون أم هب في طيبة

أهم ما جاء فيها استعمال الدهن في التحنيط.
(?-??) بردية المتحف البريطاني رقم ?????

ويرجع تاريخها إلى العام ?? من حكم بطليموس فيلادلفوس ومكتوبة بالديموطيقي، وهي عبارة عن تعهدٍ رسميٍّ بين أحد كهنة التحنيط وبين أحد الأشخاص لتحنيط ابنه. وقد جاء فيها تعهد من الزبون أن يحضر للمحنط النطرون والأربطة وكل ما يحتاجه، وتعهَّدَ المحنط أن يتم العملية حسب المواصفات وأصول الصنعة في ?? يومًا. وقد جاء في آخِرها شرطٌ جزائيٌّ.
(?-??) بردية يونية

يرجع تاريخها إلى القرن الثاني أو الثالث الميلادي، جاء فيها أن من بين مستلزمات التحنيط:
آنية فخار، دهان أحمر، شمع، مر، دهن، ملابس كتان، قناع، زيت السيدار، عقار الكتار، زيت طيب، شريط لمبة، نبيذ، شبير، خميرة، كلب أدبين خبز، مخروط صنوبر.
وأُجريت عملية حسابية لجميع هذه التكاليف بما يوازي ??? درهمًا.
(?-??) بردية أمهرست:??

ويرجع تاريخها إلى نهاية القرن الأول الميلادي طبعها جريفيل وهنت، وجاء فيها استعمال زيت السيدار، وزيت الزيتون والكتان.
(?) البقايا الأثرية والمخلفات

من أهم مصادر هذه الدراسة تلك الآثار والبقايا المبعثرة هنا وهناك والموميات التي عثر عليها رجال الحفائر، والتي يرجع تاريخها إلى جميع عصور التاريخ المصري المختلفة، ومما يُؤسَف له أن رجال الآثار لم يلتفتوا إلى كثير من هذه المخلفات ولم يعيروها عناية علمية؛ مما أضاع علينا كثيرًا من التراث العلمي. وسأذكر هنا حادثة على سبيل المثال لا الحصر: إذ قد عثر رجال الحفائر على دكان محنط في معبد الدير البحري، فقد وجده الحفارون أثناء إتمام عملية الكشف عن المعبد، وقد وجد هذا الدكان مطمورًا بين رمال المعبد، ومن المحزن أن رجال الآثار لم يهتموا به إلا من الناحية الأثرية، وكل ما جاء في تقريرهم عنه?? عند تنظيف السرداب الشمالي للمعبد: وجدنا أن حوائط من الطوب قد أُقِيمت بين الأعمدة مكونة شكل غرف صغيرة أمكننا أن نجد بين بقاياها برديات، وبعض أوانٍ تحتوي على النطرون، وأمكننا أن نؤكد أن هذه الغرف كانت مقر رجال التحنيط الذين كانوا يسكنون أيضًا في المنحدر الخارجي للمعبد. وفي العام الثاني للبعثة أمكننا أن نجد أقوى الأدلة على صناعة التحنيط؛ إذ وجدنا فوق حوائط الممر كثيرًا من الأواني الكبيرة مملوءًا بالقش، وبعضها بأكياس من النطرون والملح، وبين هذه الأواني وجدنا تابوتًا جميل الدهان وعليه نقوش دلَّتْ على أنه قد صُنِع للكاهن نامنخت آمون كاهن مفتو في الأسرة ??؛ إذ إنه من دمٍ ملكيٍّ، وجدُّه الأول الملك أوسركون الأول من الأسرة ??، ولما فُتِح التابوت لم يوجد به المومياء، ولكن بعض مئاتٍ من أكياس النطرون الصغيرة.
وقد ظهر في أحد الرسوم المصرية القديمة أن الميت قد وُضِع فوق آنية كبيرة تشبه الحوض، ويظن بلاكمان?? أنها إناء تتعفن فيه سوائل الجسم بعد استخراجه من محاليل الملح أو النطرون. وقد وجدنا في جبانة طيبة أكوامًا من الآنية ملآنة بقطع من القماش والملح، قال عنها وتلوك إنها فضلات رجل التحنيط بعد عملياته. وقد وُجِدت غرفة من غرف التحنيط في مقبرة إيبي?? بها أقمشة وملح وزيوت عطرية ونشارة خشب، وعدد كبير من الأواني ومنصة (طاولة) من الخشب طولها ? أقدام وبوصة، وعرضها أربعة أقدام وبوصتان ونصف، وتشبه تمامًا موائد التشريح الحديثة. وقد كانت مومياء الفراعنة مصدرًا هامًّا من مصادر البحث العلمي، وسنوجز الكلام عنها هنا حسب ترتيبها التاريخي:
(?-?) الأسرة الأولى

لقد كانت بعض موميات الأسرة الأولى كثيرة الشبه بعصور ما قبل التاريخ والأسرات، ولكن لدينا ما يثبت أن المصريين قد حاولوا التحنيط المعملي في عصر هذه الأسرة، فقد اكتشف دي مورجان?? في نقادة، وأبتري?? في أبيدوس، وريزنر?? في نجع الدير؛ مقابرَ كثيرة من عصر هذه الأسرة بين محتوياتها عظام ذراع رجل مفصولة عن جسده، ومزينة بكثير من الأساور، وملفوفة في الكتان، مما يدل على محاولة التحنيط المعملي في مطلع الأسرات. (?-?) الأسرة الثانية

وقد كشف كوبيل أثناء حفائره في سقارة بعض بقايا الإنسان ترينا قطعًا محاولة التحنيط المعملي في هذه الأسرة، وبين بقايا هذه المقابر جسم امرأة يتراوح عمرها حوالي ?? عامًا موضوعة في تابوت من الخشب، وملفوفة تمامًا في طبقات معقدة من أشرطة الكتان التي تزيد عن ?? طبقة غير ما تلف منها، وهذه عبارة عن ?? طبقات من نسيج رقيق، ثم ? طبقات من نسيج خشن نوعًا، ويلاصق الجسم تمامًا قطع متآكلة من نسيج خشن. وكانت كل ساق ملفوفة بمفردها والجسم في وضع مضغوط، وبين اللفائف والجسم كثير من نسيج الكتان المتآكل، والطبقات الوسطى منها محتفظة بنسيجها، وتغطي الجسم تمامًا إلا من فتحة قد شُقَّت في هذه اللفائف تمثِّل فتحة الشفرين الكبيرين Rima pudendi، وهذه واقعة هامة سندرس مثيل لها عند الرجال في عصر الأسرتين الرابعة والخامسة، وهي ترينا مدى اهتمام المصريين وتقديرهم لأعضاء التناسل. والأنسجة المتآكلة الملاصقة للجسم قد تكون دليل تخميني قوي على أن المصريين قد وضعوا بين الجسم واللفائف بعض المواد الحافظة مثل النطرون الخام كمادة من مواد التحنيط.
(?-?) الأسرة الثالثة

وبينما كان بيتري يجري حفائره عام ???? في ميدوم، عثر على مومياء رائعة فائقة أهداها إلى متحف كلية الجرَّاحين بلندن?? حيث اختبرها حديثًا إليوت سميث وداوسون، وكان الجسم ملفوفًا في كميات كبيرة من أشرطة الكتان، وكانت الطبقات الأولى من هذه الأشرطة مشبعة بالراتنج Resin، وقد ضغط المحنط هذه المجموعة من اللفائف إلى شكل شبيه بالجسم الإنساني تقريبًا، وقد أظهر تقاطيع الوجه بالدهان فوق اللفائف المضغوطة، فأوضح الأعين والرموش والحواجب والشارب، وهذه اللفائف المضغوطة المشبعة بالراتنج تكون طبقة صعبة جافة حول الجسم، وهي أول محاولة لصناعة الكارتوناج وشبيه الإنسان. وقد صاغ المحنط أعضاء التناسل في إحكامٍ دقيقٍ رائعٍ يطابق الطبيعة تمامًا حتى يصعب على الإنسان أن يميز أنها غير طبيعية، كما تدل المومياء على أنهم كانوا يمارسون عملية الختان. وكان جسم المومياء ممدودًا تمامًا، وفراغ الجسم مملوءًا بالكتان المشبع بالراتنج. ويظن بعض علماء الآثار اعتمادًا على بعض القرائن الأثرية أنها من الأسرة الخامسة. على أي حال فهي مَثَلٌ قيِّمٌ من أمثلة التحنيط في الدولة القديمة، واستعمال المواد الكيماوية، ومحاولة تشبيه الجسم.
وقد عثر الأستاذ ريزنر في حفائر منطقة الهرم على مومياء تشبه في كثيرٍ المومياءَ السابقة، وقد ظهر فيها تمامًا فتحة التحنيط حيث قد مُلِئ فراغها بقطعة من الراتنج كبيرة.?? وقد عثر الأستاذ يونكر أيضًا في نفس المنطقة على جثث ملفوفة في أربطة كتانية راتنجية.??(?-?) الأسرات الرابعة والخامسة والسادسة

وقد وجد فيز في الهرم الثالث مومياء يرجع تاريخها إلى عصر الأسرة الرابعة، ملفوفة بالأكفان ومشبعة بالراتنج، وذلك عام ????، وقد كتب بيتري عام ????-???? مومياء من عصر الأسرة الخامسة، وكتب عنها ما يأتي: الجسم ممدود على ظهره، والرأس للشمال ومتجهة إلى الركن الشمالي الغربي، وقد صيغت أعضاء التناسل من الكتان والراتنج، ووُضِعت في مكانها الطبيعي، وقد لف الجسم جميعه في الكتان، وجلد المومياء وعضلاتها قوية، ليس هناك ما يدل على محاولة التحنيط ولو أنه من المؤكد أنهم حاولوا تجفيف الجسم.
ويوجد في متحف القاهرة مومياء يقولون إنها للملك مرنرع من الأسرة السادسة وُجِدت في هرمه في سقارة، وقد اختلف العلماء في تاريخها، فيقول ماسبرو?? إنها للملك مرنرع، ويقول بريستد?? إنه بناءً على طريقة التحنيط لا يمكن أن تدل على أنها قبل الأسرة ?? (؟). على أي حال، يمكننا أن نعتبر أن فترة الدولة القديمة عصر محاولات علمية معملية وتجارب خاصة بالتحنيط، أو بتعبير أصح: هو العصر الأول لعلوم التحنيط، وقد تميَّزَ بالخواص الآتية: (?) محاولة التحنيط العلمي المعملي.
(?) لف أعضاء الجسم بأنسجة الكتان.
(?) كثرة استعمال المواد الراتنجية، واستعمالها كمادة لاصقة.
(?) استعمال النطرون.
(?) ظهور قطع التحنيط في الجسم.
(?) الاهتمام بإبراز أعضاء التناسل في شكل طبيعي.
(?) ظهور المحاولات الأولى لصناعة شبيه الجسم من الكتان والراتنج المضغوط، وتوضيح أجزاء الوجه بالألوان.
(?-?) الدولة الوسطى ????ق.م–????ق.م

انتهت الدولة القديمة بآخِر ملوك الأسرة السادسة، ودخلت مصر في عصر من الفوضى والنزاع الداخلي، وانقسمت البلاد إلى إقطاعيات يتنازع أمراؤها سلطةَ البلاد، ولم يترك لنا هذا العصر من المخلفات والبقايا الأثرية ما يستحق الذكر من هذه الناحية.
وتحررت البلاد واستقر الأمر فيها لملوك الدولة الوسطى. وعثر الأستاذ نافيل عام ????-???? في حفائره بالدير البحري بجوار المعبد على مجموعة من مقابر أميرات الأسرة ??، ولو أن هذه المقابر جميعها قد امتدت إليها يد اللصوص، إلا أنها تهمنا من حيث دراسة التحنيط. وجميع الموميات التي وُجِدت في هذه المقابر قد اختطفتها متاحفُ العالم دون أن يُكتَب عنها أيُّ تقرير.
ولكن واحدة من هذه الموميات قد تفتتت في المتحف البريطاني، وكُتِب عنها التقرير التالي: «المومياء لامرأة متكسرة الجمجمة ضاع منها الفك الأسفل، بقي منها ساقان وذراع واحد … توجد في الجمجمة تغيرات مرضية، وهي انتفاخ في عظام الرأس في الجانبين مما يدل على حالة التهاب قبل الوفاة … الأقدام والأيدي في منتهى الرقة … أظافر اليدين مخضبة بالحناء بعناية …»
وقد عثرت البعثة الأمريكية أيضًا على بعض الموميات لأميرات من هذا العصر، ويقول إليوت سميث:?? إنه لم يجد قطع البطن للتحنيط في كثيرٍ من الحالات. ويقول: «إن التحنيط قد تم بطريقة مماثلة بطريقة هيرودوتس التي سأذكرها بعدُ … وبعض المواد الراتنجية كانت تحقن إلى الأمعاء عن طريق الشرج … وعلى بعض الموميات وشم.» وقد عثر كوبيل في حفائر سقارة عام ????-???? على مومياوين من الدولة الوسطى، ويهمنا من التقرير الذي كُتِب عنها أن الوجه كان فوقه غطاء من الكارتوناج، وقد صُبِغ شعر المومياء المستعار باللون الأخضر، والوجه بالأصفر، والشارب والذقن بالأخضر، وكان الجسم مغمورًا في كميات من نسيج الكتان، وملفوفًا في طبقات من الأشرطة، وكل من الذراعين ملفوف بمفرده وموضوعان على الصدر في شكل متقاطع، وكل فراغ الجسم مملوء بحزم من الكتان عليها قشرة من الراتنج، وقطع التحنيط موجود في الجانب الأيسر، وقد أجريت للميت عملية الختان، والطبقات الخارجية من اللفائف مغطاة بطبقة حمراء من الراتنج، والطبقات الداخلية سوداء متفحمة ومغطاة ببعض بللورات ملحية، والوجه مغطى بطبقة سميكة من الراتنج، وفي الأنف بعض كميات من هذه الراتنجات، وفراغات العين محشوة بالكتان، وللوجه شارب يميل إلى الحمرة، وذقن عمرها أسبوعان، وشعر قصير على الرأس بنفس اللون.?? وقد وجدت في اللشت في عام ???? مومياء من الأسرة ?? تدل على أن الأمعاء قد أخليت منها عن طريق قطع التحنيط، وفراغ الجسم محشو بنشارة الخشب المخلوط بالراتنج وكرات من الكتان، ولم تكن هناك محاولة لإخلاء المخ أو حشو الفم أو الأنف، وعلى الأعين قليل من الراتنج، وقد لُفَّت الأمعاء ووُضِعت في أوانٍ جنائزيةٍ مملوءة بالراتنج المنصهر.?? وقد كشف بيتري في ريفا عن مومياوين من الأسرة ?? محفوظتين في متحف منشستر تعطينا فكرة طبية عن التحنيط في الدولة الوسطى: أولًا: أظافر اليدين والقدمين ملفوفة تمامًا لتقي تلفهما وانفصالهما أثناء عملية النقع، وهذه الطريقة أصبحت متبعة فيما بعدُ في عصر الدولة الحديثة.
ثانيًا: الجسم خالٍ من الأمعاء الداخلية.
ثالثًا: مُلِئ فراغ الجسم والصدر بالكتان.
رابعًا: لم تحدث محاولات لإخلاء المخ.
فوق ما ذُكِر يمكنننا أن نلاحظ أن هذا العصر قد امتاز بالخواص الآتية: خامسًا: استعمال الحناء.
سادسًا: حقن المواد الراتنجية من الشرج.
سابعًا: صباغة الشعر المستعار.
ثامنًا: وجود بعض البللورات الملحية مما يدل على استعمال النطرون أو الملح.
تاسعًا: استعمال الراتنج كمادة لاصقة، واستعماله كمسحوق مخلوط بنشارة الخشب لحشو فراغ الجسم.
(?-?) عصر الهكسوس ????–????ق.م

عصر الهكسوس هو عصر الفوضى الثاني في تاريخ مصر القديم، اختلطت فيه بعض العادات المصرية بعادات كثيرة من الشعوب الشرقية المجاورة.
وقد عثر بيتري في القرنة على بعض موميات من هذا العصر، وقرَّرَ أنها ترجع إلى عصر الأسرة ??. إحدى هذه الموميات كُتِب عنها التقرير التالي: الجسم داخل جميع اللفائف، الأيدي والأرجل ملفوفة على انفراد … تَلِف جميع نسيج الكتان المستعمل من تأثير الحشرات … تفكَّكَ الجسم من تأثير التلف … العظام أصبحت في غير موضعها الطبيعي، وُضِع في فراغ الجسم كميات من أنسجة الكتان جفت وأخذت شكل هذه الأجزاء … حولَ العظامِ ترابٌ رمادي.
والمومياء الثانية هي للملك سقن رع آخِر ملوك الأسرة السابعة عشرة، وهو بطل من أبطال التاريخ المصري، وقد خر صريعًا في ميدان القتال، والجثة في حالة غير جيدة، كل ما تبقى منها هيكل متفانٍ داخل جلد رقيق ناعم ذي رائحة عطرية قوية، ويشبه الجلد مومياء العصر القبطي، وقد أجرى الدكتور شمدت بعض التجارب الكيماوية على هذه المومياء وقال: (?) لم يجد فيها كلورور الصوديوم بنسبة أعلى مما في الجسم العادي.
(?) رائحة عطرية نتيجة نثر بعض التوابل على الجسم.
(?) ليس هناك محاولة لوضع الجسم في الوضع الجنائزي المعتاد.
ويظن ماسبيرو أن الجثة قد أُخِذت بسرعة من الميدان، ولم تتم عليها عملية التحنيط حسب أصول الصنعة في المعامل الخاصة بذلك، بل حاولوا تحنيطها في مكان قريب من ميدان القتال.
ويقول الدكتور فويه أن الملك قد خر صريعًا في ميدان القتال، وأُرسِلت جثته إلى طيبة للتحنيط، وقد أخذ وصول الجثة إلى هناك وقتًا طويلًا لحقها أثناءه بعض التلف، وأصبحت في حالة لا تسمح بإجراء عملية التحنيط حسب الصناعة.
وقد وُجِدت فتحة كبيرة لإخلاء الأحشاء، وليس هناك ما يدل على محاولة لإخلاء المخ، كما وُجِدت في عظام الجمجمة جروح تدل على أن الملك قد لاقى حتفه من هجوم شخصين عليه من الخلف أو وهو في حالة نوم؛ أحد القطعين ناتج عن بلطة، والثاني عن حربة، ولم يوجد في باقي الجسم أي آثار أخرى لجروحٍ مما يدل على أن القتل كان غدرًا، وقد كُتِب عن هذه المومياء تقرير جراحي شرعي في كتاب المومياء الملكية.?? والتحنيط في هذا العصر لا يعطينا فكرة ثابتة ولا قاعدة متبعة، اللهم إلا استعمال التوابل لتعطير الجسم.
(?-?) الدولة الحديثة ????–????ق.م

منذ بدء الدولة الحديثة وأصبحت عملية إخلاء المخ قاعدة كما ذكر هيرودوتس.
واستعملت عجائن الراتنج بكثرة لتحفظ للجسم كيانه عند جفافه.
واستعملت الحمامات الملحية كمحلول النطرون.
وخلال عملية النقع تنقشر بشرة الجلد حاملة معها جميع زغب الجسم.
ولم تسقط الأظافر لاتخاذ احتياطات خاصة بتغطية الأظافر بشرائح معدنية أو لفها بأربطة وخيوط.
ويدل بقاء شعر فروة الرأس على أنها لم تُغمَس في المحاليل الملحية. وسنذكر هنا أهم الأمثلة على مومياء الدولة الحديثة:
مومياء أحمس الأول

محرر مصر، وملك النهضة في الدولة الحديثة. المومياء تغطيها طبقة قوية تشبه الدرع من عجينة الراتنج، وقد استعملت الراتنج بإسراف حتى إن شعر الرأس قد تلبَّدَ واختفى قطع التحنيط، وقد أُخرِج المخ بطريقة غير عادية تخالف ما ذكره هيرودوتس، وما لُوحِظ في كثير من الموميات بأن تُوضَع آلة في فتحة الأنف وتضغط بسرعة وقوة حتى تنفذ من عظام المصفاوي Etmoid Bone، وخلال هذه الفتحة التي تنفذ يخرجون المخ، ويحشون الفراغ بشرائح من الكتان مشبعة بالراتنج، وكانت هذه إحدى طريقتين في الدولة الحديثة. أما في حالة الملك أحمس الأول فقد لُوحِظ أن: (?) الفقرة العنقية العليا Atlas Vertebra المتصلة مباشرة بالعظم المؤخري والحاملة للرأس غير موجودة.
(?) الجزء السطحي من الفقرة الثانية والعظم المؤخري للجمجمة مغطى بطبقة سميكة من الراتنج.
وهذا يعطينا فكرة عن طريقة إخلاء المخ بعملية جراحية في مؤخرة الرقبة تُستأصَل فيها الفقرة العليا، ويتم إخراج المخ خلال الفتحة الكبرى Foramen Magnum، وتُحشَى الجمجمة بالكتان المشبع بالراتنج، وهذه محاولة جراحية فريدة في نوعها تدلنا على تقدُّم الجراحة أولًا، وعلى التجارب الخاصة بالتحنيط. مومياء مربية نفرتاري

وُجِدت في حفائر الدير البحري، وهي مومياء مربية الملكة نفرتاري زوجة أحمس الأول، وتدل على أنها كانت في شبابها سيدة جميلة رقيقة لها شعر غزير ذو طابع خاص في التسريح، وكل الجسم منثور عليه مخلوط من أنواع الراتنج والرمل أمكن مشاهدة قطع التحنيط.
وقد لُوحِظ في مومياء تحوتمس الثاني أن فتحات الأذن قد وُضِع فيها كور صغيرة من الراتنج. ولُوحِظ أن مومياء تحوتمس الثالث قد أتلفها اللصوص، ولكن كهنة الأسرة ?? حاولوا معالجتها لإصلاحها، ووضعوا حولها لتقويتها أربع جبائر Splints. ولُوحِظ في جثة أمنيوفيس الثالث أنها قد حُشِيت بين جلد الأرجل والذراعين والرقبة وبين اللحم بكمية من الراتنج، حتى إنه عند جفافها يلتصق بها الجسم، ويحفظ رونقه ولا ينكمش، وأصبحت هذه العملية شائعة في الأسرة ??.
ولُوحِظ في مومياء رمسيس الثاني أنه قد عُمِل له عملية إخصاء قبل التحنيط مباشَرةً، بدليل ما وُجِد على الجرح من الراتنج، وأن الجسم قد نُثِر عليه كثير من الملح، وأن هناك فتحة في مؤخرة الجمجمة، وهذه قد وُجِدت أيضًا في موميات سيتي الثاني ورمسيس الرابع والخامس والسادس، ويقول ماسبيرو عن هذه الفتحة: إن المحنط قد عملها لتنصرف منها الأرواح الشريرة.
ومن أغرب ما لُوحِظ في مومياء سيبتاح أن فراغ الجسم قد مُلِئ بالشيبة Parmelia Furfuracaes بدل نسيج الكتان، وكذلك في مومياء رمسيس الرابع، مما يدل على أنه في نهاية الأسرة التاسعة عشرة وبداية الأسرة ?? قد أجرى المختصون في التحنيط عدة تجارب على المواد المستعملة على الجسم، وقوة امتصاصها، ومدى صلاحيتها لمنع الجسم من الفناء. ويمكن تلخيص هذه المواد كالترتيب الآتي: كتان.
كتان مشبع بالراتنج.
نشارة مخلوطة بالراتنج، ورمل مخلوط بالراتنج.
شيبة.
وقد حُفِظت مومياء رمسيس الرابع في طبقة سميكة من عجينة الراتنج التي غطتها جميعًا ما عدا الرأس، ووضع بصل صغير مكان الأعين. وتدل جثة رمسيس الخامس على أنه كان يقاسي عدة أمراض أهمها: آثار الجدري في وجهه، وفتق أربي أو رفقي، وقرحة في خن الورك.
وتُعتبَر صناعة التحنيط في عصر الأسرة ?? أعجب ما وصل إليه الفن وأعمقه؛ إذ قد حاول المحنطُ فوق حفظِ الجسم حفظَ الشكل للمومياء ما أمكن بإحدى طريقتين: (?) وضع مواد خارج لفائف المومياء.
(?) حشو تحت الجلد.
وتدلنا الدراسة الدقيقة لموميات الأسرة ?? على أن المحاولة لم تكن لتحنيط الجسم وحفظه فحسب، وإنما لتجعل من المومياء صورة تمثالية مثالية. وكان الجسم يُدهَن بمخلوط الصمغ والأهرة الصفراء، وتُوضَع له عيون صناعية. وأصبحت أجزاء الجسم التي كانت تُوضَع في أوانٍ جنائزية تُوضَع الآن ملفوفة في فراغ الجسم حتى لا ينقصه شيء، ثم مُلِئت فجوات الجسم بالنشارة.
وقد مُلِئت رقبة الملكة ما كارع من الأسرة ?? بمخلوط من الدهن والنطرون عن طريق قطع التحنيط، وقد وجدت بجوارها جثة طفلة حديثة الولادة، وثدي الملكة متضخم، مما يدل على أنها كانت في حالة رضاع، وأنها توفيت بعد الوضع مباشَرةً، ربما بحمى النفاس. ولُوحِظ في هذه الأسرة أنها كانت تعمل بعض القطوع الجراحية في أنحاء الجسم المختلفة لتُحشَى تحت الجلد بالمواد الحافظة.
ويُعتبَر عصر الدولة الحديثة عصر النهضة المصرية في جميع نواحيها، وقد ظهر ذلك أيضًا في عملية التحنيط التي تميَّزت بالخصائص الآتية: (?) المحاولات الجراحية الهامة كالفتحة في مؤخرة الرقبة، وعملية الفقرة العليا، وقطوع الحشو في أنحاء الجسم.
(?) شيوع عملية إخلاء المخ.
(?) التجارب العلمية على مواد الحشو، وقوة امتصاصها ونفعها.
(?) فتحة مؤخرة الجمجمة لطرد الأرواح.
(?) الإسراف في استعمال الراتنج.
(?) استعمال الأملاح.
(?) استعمال الصمغ والأهرة.
(?) الاهتمام بالمظهر الخارجي اهتمامًا كبيرًا.
(?-?) عصر البطالسة ???–??ب.م

يمتاز عصر البطالسة بالدقة الفائقة في صناعة غطاء الكارتوناج الخارجي ونقوشه، وكثرة استعمال الراتنجات ومادة القار المعدني؛ ولذلك كثيرًا ما تبدو الموميات سوداء لامعة.
وتبدو البشرة دائمًا غير موجودة من الإفراط في استعمال محاليل المواد الملحية والكاوية، وكانوا يجمعون البشرة التي تنقشر ويضعونها في لفافة واحدة.
وقد مُلِئت فراغات الجسم بالكتان والطمي والراتنج والشمع، وقد وجدت مواد راتنجية داخل الجمجمة بعد إخلائها من المخ، ولم توجد آثار لهذه المواد في فتحات الأنف؛ مما يدل على احتمال استعمال قمع خاص لذلك. وقد لُوحِظ أن جثث السيدات تالفة؛ مما يدل على أنها لم تُرسَل للتحنيط مباشرةً بعد الموت، بل بعد بضعة أيام من ذلك التاريخ، وقد أشار هيرودوتس?? إلى هذا فقال: إن السيدات الجميلات لا يُرسَلن بعد الوفاة مباشرة للتحنيط، بل يتركن ? أو ? أيام؛ وذلك حتى لا يتمكن المحنط من أن يسيء استعمال جثة السيدة الجميلة؛ لأنهم يقولون إنه قد حدث أن أساء أحد المحنطين استعمال جثة سيدة جميلة، وأبلغ عنه أحد رجاله. وأحيانًا لا تحوي المومياء جثة كاملة بل بعض العظام المبعثرة، وفي عام ???? زار السير ألكسندر سمبسون أستاذ الولادة في جامعة أدنبرة كلية للطب المصرية، وطلب فك إحدى الموميات، ولحسن الحظ وجد أن المومياء التي فكها لفتاة في السادسة عشرة من عمرها، وفي الشهر السادس من الحمل، وقد قُتِلت عمدًا، وكُسِر ذراعها بعد القتل مباشَرةً، وربما كان هذا لأنها حملت سفاحًا كما دلَّ على آثار القتل العمد الجروحُ التي ظهرت في جسمها، وقد لُفَّ جسمها دون تحنيط ولا عناية.
(?-?) العصر المسيحي

ولما دخلت المسيحية مصر، واعتنق أهلوها جميعًا هذا الدين، وأصبحت مصر مركزًا هامًّا من مراكز الدين المسيحي ونشر الحضارة المسيحية؛ تأثرت عاداتها طبعًا بما جاء في الإنجيل من أصول وقواعد. وطبيعي أن تتأثر طريقة التحنيط وحفظ الأجسام في العصر المسيحي بما جاء في الإنجيل عن دفن المسيح؛ إذ جاء في إنجيل متى إصحاح ?? والعدد ??: «فأخذ يوسف الجسد ولفَّه بكتان نقي.» وجاء في إنجيل لوقا إصحاح ?? والعدد ??: «وأنزله ولفه بكتان ووضعه في قبر منحوت.» وجاء في إنجيل يوحنا إصحاح ?? والعدد ??: «وأخذا جسد يسوع ولفَّاه بأكفان مع الأطياب كما لليهود عادة أن يكفنوا.» طبيعي جدًّا أن تتأثر عادة التحنيط بتقاليد هذا الدين الجديد، وما جاء فيه عن صاحب هذه الرسالة المسيحية، وأن تتطور عملية التحنيط من عملية تشريحية جراحية كيماوية إلى عملية مبسطة جدًّا، وهي مجرد لف الجسم في الكتان مع نثر بعض الأطياب. وكانوا يلبسون الرجال أحسن ما عندهم من ملابس، ويلبسون السيدات فستانًا طويلًا أبيض، وينثرون حول الجسم مسحوق الملح وبعض المساحيق العطرية بكميات كبيرة. وبهذا حُفِظت جثث العصر القبطي في حالة جيدة أمكن تشريحها ومعرفة الكثير عن غذائهم مما تبقَّى من فضلات في أمعائهم. وظلت عادة التحنيط تتلاشى رويدًا رويدًا حتى لم يبقَ لها أثر بعد بضعة قرون من ظهور المسيحية، وأصبحت فيما بعدُ رمزًا خاصًّا من رموز الفرعونية.
? Dioscoridee: De Materia Medica Book I, Cop. 100.? Abd-Al-Latif: de Sacy p. 200.? Wiedmann, Mumie Als Heilmuttel, in the zeitschrift furhinische und Westfalia the Volkakund, 1906, p. 1–38.? (a) Pettigrew: History of Egyptian Mummies, London 1834.
(b) Lonis Reuttes: L’Embaumement, Paris 1612.
(c) Elliot Smith: “Royal Mummies”.
(d) Elliot Smith & W. Daweon: Eummies.? P. C. Rouyer: Notice Surc Les embaumemens des Anciens Egyptiens. Description de L’Egpte Antiquites Mémoires I, 1808, pp. 209, 212.? Yeivin: Deverpool Annals XII, 1926, p. 15.? Schmidt: “Chimische und Biologische Unter Suchungen Von Agyptischen Mumien Material” iu the Zeit fur Allgemeine Physiologie, Band VII, 1907, p. 362–392.? Journ. Anatomy & Physiology Vol. 36, 1902, 375.? Mariette: Les papyrus Egyptiens du Wusée du Boulaq, Paris, 1871, T. 1.?? Deveria: Cataloge des Manscrite Egyptiens du Louvre, Paris, 1881. Maspero: Memoire sur quelque Papyrus du Louvre, Paris, 1878, pp. 14–104 and 2 Plates.?? (a) Rhind: Thebes, its tombs & thier tenants, p. 77.
(b) Neitherchift: Facsimiles of two papyri found in a tomb of thebes, 1863.
(c) Brugsch: A. H. Rhind’s lwei Billingue Papyrus, Leipzig 1658.
(d) Dr. Mollar: Die Beiden Tatau papyri Rhind, Leipzig 1913.?? Gardiner: The Tomb of Amenemhét p. 56.?? (a) Sharpe: Egyptian Inscription Vol. I, P. 1 XLVIII.
(b) Budge: Guide to Egyptian Galleries (Sculpture) Brit. Mus. p. 266 (1909).?? Griffith: Stories of the High Priests of Memphis p. 29.?? Piehl: Inscriptions Hiéroglyphiques II, p. XXXVI Text, Part 1, p. 43.?? Golenischeff: Rec. de Trav. Vol. III, 3 ff.?? Gardiner: The admonitions of an Egyptian Sage 32.?? Grenfell & Humd: Amherst Papyri, P. 150, No. 125.?? Naville: Deir El Bahari, Pt. II, p. 6.?? Recuieil de Traveux: t. 39, p. 55. P.1 III.?? The Egyptian Expidition MCM XXI–MCM XXII, Part II, of the Bulletin of the Metropolitan Muaeum of Art, New York, December, 1922, p. 34.?? De Morgan: Recherches Sur Les Orgines d’Egypte.?? Petrie: Royal Tombs of the Earliest Dynasties, 2 Vol. Eg. Exp. Fund.?? Risner: early Dynastic Cemetries of Naga-ed-Der, 2 Vols., 1908-9.?? Dundee: report, British association 1912, p. 161.?? Museum of Fine Arts bulletin, Boston V. S. A, Vol. xi, No. 66, November 1613, p. 58.?? Journal of Egyptian Archeology, Vol. I, p. 252.?? Maspero: Guide Du Visiteur ed IV, p. 309.?? Breasted: History of Egypt, 2nd ed. 1919, Fig. 77.?? Elliot Smith: Ancient Egyptian Mummies, p. 79.?? Elliot Smith in Quibell: Excavations at sqqara 1906,6-7, Cairo, 1908, pp. 13-14.?? M. A. Murray and others: The tomb of two brothers, Manchester 1910, pp. 31.?? The Royal Mummies pp. 4–6.?? (a) Herodotus Book II, C, IXXXIX.
(b) Corey’s Translation et Delm 1872, p. 127.
المراجع التاريخية


(?) أقوال هيرودتس

كتب هيرودتس تاريخه عن مصر، وأصبح حجة بين المراجع التي تساعد على كشف كثير من الغموض في تاريخ مصر. وقد عاش هذا المؤرخ العظيم اليوناني الذي أُطلِق عليه «أبو التاريخ» بين عامَيْ ???–???ق.م، وزار مصر أيام السطوة اليونانية عندما أوشكت العادات الفرعونية أن تختفي، وكتب الكثير عن تاريخ المصريين وعاداتهم بناءً على مشاهداته في ربوع الوادي. ولم يكن من السهل أن يلم تمامًا بكل ما يحيط بالتحنيط؛ إذ كان من الأسرار المقدسة، ولم يكن من السهل أن يشاهدها بعينيه، وإنما كل ما كتبه عنها منقول ومسموع.
يقول هيرودوتس: وكانت طريقة المصريين في الحزن والدفن كالآتي: عندما يموت شخص ذو مكانة ممتازة في العائلة تلطخ جميع نساء المنزل أيديهن ووجوههن بالطين، ويتركن المنازل مطوفات بالمدينة يشققن الجيوب ويلطمن الخدود، ويصحبهن في هذا الطواف الجنائزي أقاربهن، وكذلك كان الرجال يلطمون الخدود ويشقون الجيوب.
وبعد ذلك يرافق أهلُ الميت الجثةَ إلى التحنيط الذي كان يقوم به طبقة خاصة أتقنته، وكان رجال التحنيط يعرضون على أهل الميت بعض النماذج الخشبية للجثث المحنطة ليختاروا إحدى الطرق الثلاث التي كانت مستعملة للتحنيط: الأولى: وبعد الاتفاق ينصرف أهل الميت، ويبدأ المحنط عمله كما يأتي: (?) يُخرِج ما يمكن من أجزاء المخ خلال فتحات الأنف بواسطة خطاف حديدي، ويُخرِج الباقي ببعض العقاقير التي يصبها خلال الأنف.(?) يعمل فتحة في جانب الخصر بقطعة حادة مدببة من الحجر الأثيوبي، ويُخرِج منها الأحشاء.(?) يقوم بعملية تنظيف الجسم بالنبيذ.(?) يطهره بأنواع البخور.(?) يملأ فراغ الجسم بمسحوق المر والقرفة وبعض أنواع العطور والتوابل، ثم يخيطون الفتحة ثانية.(?) يغمسون الجثة في محلول النطرون لمدة ?? يومًا، وغير مصرح بوضعها في النطرون أكثر من ذلك.(?) بعد انقضاء سبعين يومًا يُخرِجون الجسم من النطرون ويغسلونه، ويلفونه في شرائح من نسيج الكتان المشبع بالصمغ الذي استعمله المصريون بدل الغراء.(?) بعد ذلك يأخذ أهل الميت جثته ويضعونها في تابوت جميل من الخشب.
وأما الطريقة الثانية: فيقول هيرودوتس إنها أرخص تكاليفَ: (?) يحقنون فراغ الجسم الداخلي بزيت السيدار خلال فتحة الشرج، ويسدونها حتى لا يرتد الزيت.(?) يغمسون الجثة في النطرون كالسابق.(?) يدعون الزيت يخرج من الشرج في اليوم السبعين ومعه جميع الأحشاء الداخلية التي أذابها، ثم يُرجِعون الجثة لأصحابها دون لفها.
وأما الطريقة الثالثة: وهي أرخصها: ينقعون فيها الجثة كما هي في النطرون لمدة سبعين يومًا، ثم يخرجونها لأصحابها.
وإن ما ذكره هيرودوتس عن التقاليد الجنائزية فهو صحيح يثبته تلك الرسوم الموجودة على بعض مقابرهم مثل مقابر سقارة،? وتلك العادات التي لا زال المصريون يحتفظون بها حتى الآن. وما قاله هيرودوتس عن المحنطين أنهم طبقة خاصة فهو صحيح أيضًا، وكان المحنط في العصور الفرعونية يُسمَّى … ويرمزون له بأنوبيس، ويقول بلاكمان إنهم فئة خاصة أصبحت في العصور اليونانية الرومانية نوعين لزيادة التخصص: (?) المحنط الجراح الكيماوي Tapa 6XI6 Tal.
(?) المحنط للتكفين واللف Tapaxelltal.
وعملية تفريغ المخ أثبتها قطعًا ما ذكرناه آنفًا من فحص بعض الموميات، وكذلك فتح الجانب لإخلاء الأحشاء وقد نجدها مخيطة. وعملية ملء الجسم بالعطور والتوابل اختلف فيها العلماء، وبعضهم مَن ظن أن هيرودوتس قد أخطأ في هذا، ولكن لوكاس? أثبت أن هذه العملية قد تحدث قبل وضع الجثة في النطرون حتى يتخلل محلول العطور أنسجة الجسم، ويُكسِبها رائحة عطرية. وقد ذكر هيرودوتس خطأ أن الجثة تُنقَع في النطرون لمدة?? يومًا، مع أن بعض المستندات البردية والنصوص تقول إن هذه العملية تستغرق نصف هذه المدة فقط، وأن عملية التحنيط جميعها واللف وجميع الطقوس حتى الدفن تستغرق ?? يومًا.
(?) أقوال ديودور

عاش ديودور العقلي في القرن الأول قبل الميلاد، وكتب موسوعته القيمة في التاريخ، وجاء بين فصولها ما ذكره عن التحنيط أنه: عندما يموت منهم واحد يضع أقاربه وأصدقاؤه الطين على رءوسهم ويطوفون بالمدينة نادبين حتى وقت الدفن، وفي الوقت نفسه يمتنعون عن الاغتسال والخمور وكل متع الحياة؛ زيادةً في الحزن، حتى الملابس الجديدة لا يضعونها على أجسامهم. وكان لديهم ثلاث طرق للدفن، ويقوم بهذه العملية رجال أخصائيون ورثوا المهنة عن آبائهم، يتَّفِقون مع أصحاب الميت على كل شيء، ويتسلمون الجثة لإتمام العملية: (?) يطرح المختص الذي يسمونه «الكاتب» Scribe الجثةَ، ويضع علامةً على الجانب الأيسر للقَطْع.
(?) ويأتي مَن يسمونه القاطع، ويأخذ قطعة الحجر الأثيوبي، ويشق به الجانب الأيسر حسب القانون، ويولي هاربًا ويتبعه الحاضرون رجمًا بالأحجار وسبًّا ليتحمل تبعة عمله على رأسه.
(?) وهنا يأتي عمل المحنط، فيضع يده في القَطْع ويُخرِج جميع الأحشاء ما عدا الكليتين والقلب، ويقوم آخَر بغسل الأمعاء وتنظيفها بالنبيذ.
(?) بعد غسل الجسم يعالجونه بزيت السيدار وأشياء أخرى لمدةٍ قد تتجاوز ?? يومًا، وبعد ذلك بالمر والقرفة والتوابل التي لا تحفظ الجسم فحسب بل تُكسِبه رائحة عطرية، ثم يسلِّمونه لأهله محنَّطًا محتفظًا بجميع مظاهر الحياة حتى رموش العين والحواجب.
ومن هنا نلمس الفرق واضحًا بين ما ذكره ديودور وما ذكره قبله هيرودوتس بحوالي أربعة قرون. وقد ذكر ديودور تكاليف عمليات التحنيط المختلفة مما يدل على وجود أجر ثابت لكل عملية.
(?) الطقوس الجنائزية

لما كانت المومياء هي قطب الرحى في الحفلات الجنائزية، وهي الضيف الأعظم وساكن المقبرة الأول، وجب أن نعرف شيئًا عن الطقوس التي يقوم بها المحنط، وكيفية لف الجثة بالأكفان.
وكان المفروض أولًا أن هذه الطقوس الجنائزية لا تُمارَس إلا للملوك، وكان نتيجة للديموقراطية? المصرية الأولى في عصر الدولة القديمة أن يباح اتِّبَاعها للنبلاء وكبار موظفي الدولة، وانتشرت مع الزمن إلى عامة الشعب. ولذلك عند وفاة الملك وتحنيطه، وحسب عقائدهم الدينية والجنائزية يصبح الملك أو المتوفى كأنه الإله أوزوريس، ويجب أن يمر في جميع الأدوار التي مرَّ بها الإله أوزوريس بعد معركته القاتلة مع أخيه ست. وقد وصلت العقائد الجنائزية أقصى ما تصل إليه في عصر الدولة الحديثة؛ ولذلك سنأخذ لنا مثلًا أحد نبلاء ذلك العصر كما جاء مدوَّنًا في مقبرة أمنحات? في طيبة، وما رُسِم في هذه المقبرة عن الأدوار الجنائزية الهامة. تدل الرسوم الجنائزية جميعها والنصوص الخاصة على أن المدة بين يوم الوفاة وانتهاء جميع الطقوس الخاصة بالدفن هي ?? يومًا، تُسلَّم خلالها الجثةُ إلى رجل التحنيط، ويسلِّمها هو في نهاية هذه المدة مومياء تامة ملفوفة بالأكفان مستعدة لاتخاذ جميع الإجراءات الخاصة بالدفن، وقد كان دكان رجل التحنيط يُسمَّى «منزل التطهير للدار الباقية»، وهو المحل الخاص الذي كانت تُمارَس فيه سلسلة من الطقوس خلال لف الجثة بالأكفان، ووضع التمائم الخاصة في أماكنها.
وخلال هذه الحفلات الطقسية كانت تُصَبُّ سكائب الخمور? ويُحرَق البخور، وقد درس بلاكمان عادة البخور والسكائب وقال أنها تمنح الجسم الرطوبة والحرارة اللتين فقدهما خلال عملية التحنيط، وكانت هي نفس الطريقة التي يُولَد بها إله الشمس يوميًّا، والتي يتجدَّد بها الإله أوزوريس في حيويته، وكما تجمعت أجزاء أوزوريس إذ قد ورد في نص جنائزي: «فَلْتجمع لك عظمك …» ويمكن تلخيص هذه الطقوس الجنائزية فيما يأتي: (?) الموكب الجنائزي من المنزل إلى المقبرة محمولًا على جرارات، ومتبوعًا بالنادبات والنساء.
(?) طقوس «فتح الفم» داخل المقبرة، وهي نصوص خاصة دينية يتلونها على الميت داخل المقبرة حتى تُعَدَّ للحياة الثانية، وهي تقاليد قديمة يرجع أصلها إلى نصوص الأهرام.
(?) حفلات جنائزية بعد الدفن يقوم فيها الأهل والأصدقاء بالموسيقى والرقص والغناء.
(?) إنزال المومياء إلى غرفة الدفن الخاصة في حفل جنائزي رائع يدشنها فيه الكاهن المختص الذي يمثِّل أنوبيس إله الجبانة.
وكانت نتيجة ممارسة هذه الطقوس الجنائزية والعادات الخاصة بالدفن أن ارتقت وتقدَّمت صناعة العمارة وصناعة التوابيت الخشبية؛ إذ تقدَّمت أثناء الأسرتين الثالثة والرابعة، ورُسِمت عليها بعض النقوش لتعطي فكرة تقريبية عن منزل الحياة الدنيا ومنزل الحياة الآخرة، ويُظن أن بعض التوابيت كانت تُصنَع على شكل المومياء، ومن أشهر هذه التوابيت ذلك الخاص بالملك منقرع أحد ملوك الأسرة الرابعة الذي شيَّد الهرم الثالث، والذي نقله الإنجليز إلى متحف لندن عام ????، ومحفوظ تحت رقم ????.
وكانت بعض التوابيت تحوي الكثير من النقوش والكتابات، وكانت رأس الميت تُوضَع ناحية الشمال تحت النقوش بجوار رسم العينين كما كانتا للميت، ليطلَّ منهما إلى الحياة، وكانت تُكتَب على جانبَيْ غطاء التابوت بعض نصوص كتاب الموتى وبعض النصوص الجنائزية.
وكانت نتيجة الاحتفاظ بهذه التوابيت أن تمكَّنَ علماء العصر الحديث من دراسة أنواع الأخشاب المصرية وغير المصرية التي صُنِعت منها، وبالتالي أمكن معرفة بعض الأشجار المستعملة من خشب السيدار والسنط والجميز … إلخ.
وأصبح لون التابوت في الدولة الحديثة أسودَ نُقِش عليه باللون الأصفر، وكان مكان الوجه يُدهَن باللون الأحمر عند الرجال، واللون الأصفر للسيدات.
(?) تحنيط الحيوان

لعبت الحيوانات دورًا خطيرًا هامًّا في معتقدات قدماء المصريين، ليس هنا مجال البحث فيه، مما دعاهم إلى حفظ أجسامها وتحنيطها، والعناية بتكفينها، وكان لكل منطقة حيوان مقدَّس، وكان لكلٍّ منها مدافن خاصة.
وكانوا يختارون أصناف الحيوان للعبادة بطريقة خاصة دلَّتْ عليها مستنداتهم، وما كتبه المؤرخون عنها، وقد قال هيرودوتس? — مثلًا — في انتخاب العجل آبيس: هو ابن البقرة التي لا تلد بعده، ويقول المصريون أن نارًا مقدَّسةً تسقط من السماء على هذه البقرة فتحمل بآبيس، وهذا الفحل يتميز في رأسه بعلامة بيضاء مثلثة الشكل، وعلى ظهره شكل نسر، وفي ذيله شعور مزدوجة من مخرج واحد، وتحت لسانه خنفساء.
وجميع التماثيل النحاسية لهذا العجل تدل على صدق ما ذكره هيرودوتس.
وقد كان لهذه الحيوانات جبانات خاصة في جميع بلدان القُطْر، ففي أبيدورس جبانة الطائر آبيس وكذلك في تونا الجبل، وللكلاب في أبيدروس أيضًا، وفي مدينة لوباست للقط، وكانت جبانة العجل في منف معروفة بالسرابيوم. وأغلب هذه الحيوانات المحنطة التي عثر عليها المنقبون يرجع تاريخها إلى العصر اليوناني الروماني، وكانت عملية التحنيط الفعلية غير مهذبة؛ إذ كانوا يضعون أجزاء وأجسام الحيوانات في النطرون دون أي محاولة لحفظ كيان أشكالها، وكانت غايتهم متجهة أكثر إلى المظهر الخارجي حتى تشبه المومياءُ في النهاية بعد تحنيطها الشكلَ الطبيعي للحيوان.
وكانت اللفائف حول الحيوان كثيرة تأخذ شكلًا هندسيًّا جميلًا، وكانت تُوضَع مومياء الحيوانات في توابيت خاصة فخارية أو خشبية أو برونزية أو جرافيتية كما هو الحال في العجل آبيس.
وبعد فحص كثير من الموميات وُجِد أن بعض الحيوانات كانت تُدفَن في التربة دون عنايةٍ إلى أن تتآكل أنسجة الجسم ما عدا العظام التي يستخرجونها، ويعتنون بلفها، ومظهرها الخارجي.
وقد أدَّتْ عملية تحنيط الحيوان عند قدماء المصريين خدمةً جليلة لعلوم الحيوان؛ إذ كشفت لنا عن فصائل مختلفة كانت تعيش في مصر في الأزمان السحيقة، وأمكن دراستها علميًّا وتمييز أنواعها والتطورات التي نشأت بها، ومكانتها من العقائد المصرية.
وقد عثرنا على أنواع كثيرة من الحيوانات المحنطة المحفوظة في مختلف متاحف أوروبا وأمريكا، والمتحف المصري، ومتحف فؤاد الأول الزراعي بالدقي، بينها الغزلان وابن آوى والقط والكلب والقرد والتمساح والسمك والثعبان والسحلية والضفدع والجرذان والعجول وطائر أبيس والصقر. وقد اهتم كثير من العلماء بهذه الدراسة، وعلى رأسهم العلامة الأستاذ كلير وجاياروداس.? وكانت عجينة الراتنج تغطي في كثير من الأحيان موميات بعض الحيوانات، وكان جسم الطيور في الغالب يُغمَس في مصهور من الراتنج والقار المعدني ثم يلف، وقد أخذت قطاعًا عرضيًّا في مومياء حورس بعد فك الأكفان، وتبيَّن منه أن جسم الحيوان مشبع بالراتنج وأنه قد أُجرِيت عليه عملية التحنيط كما هي؛ إذ تحتفظ في القطاع بالأجنحة والأحشاء وجميع أجزاء الجسم، وقد أَجريْتُ بعض التجارب على تحنيط بعض الطيور كما هي بمخلوط من منصهر بعض الراتنجات والقار المعدني، فأعطتني تجارب حسنة، ولا تزال هذه الحيوانات محتفظة بكيانها حتى الآن منذ ? سنوات. وإذا فككنا إحدى هذه الموميات عرفنا مدى اهتمام المصريين بذلك، وقد أجريت البحث على مومياء من حفائر تونا الجبل محفوظة ضمن مجموعة في متحف الآثار المصرية، وكان طول المومياء ??سم وعرضها ??سم، وفيما يلي شرح وافٍ لهذه المومياء: (?) اللفافة السطحية عبارة عن رباط من نسيج الكتان عرضه ?سم مثني منه نصف سم، والرباط مكون من ثلاث قطع طولها بالترتيب ???، ??، ?? أيْ إن مجموع طولها جميعًا ???سم، هذا عدا بعض قطع صغيرة مربعة ضلعها ??سم تقريبًا وضعت بين اللفائف، وكانت مشبعة بالراتنج، ويظهر أن الغرض منها تقوية الأربطة وإعطاء المومياء بعض الخصائص المميزة للحيوان، وهذه اللفائف مربوطة جيدًا برباط معقود من الخلف.
(?) يلي ذلك قطعة كتان مستطيلة تقريبًا غير منتظمة الشكل طولها ??سم وعرضها ??سم، وهي تغطي الرأس وتطوقها بحيث تحفظ للرأس شكله الطبيعي.
(?) لفائف عرضية ملفوفة عرضيًّا يتافوت عرضها بين ?–??سم، وهي عبارة عن ? قطع مجموع طولها حوالي ? أمتار وُجِدت موصولة ببعضها بخياطة دقيقة، وملفوفة تحت الأربطة الطولية.
(?) طبقات من النسيج بعضها فوق بعض موضوعة على الجسم حتى ترفعه إلى مستوى الرأس. ثم بعد ذلك بعض اللفائف الطولية والعرضية متقاطعة.
تكشف المومياء عن جثة كلب صغير طولها ??سم ممدودة أرجلها الخلفية إلى الوراء، وعرضها ?سم، وطول الرأس ?سم وعرضها ?سم، والجثة متآكلة وملآنة بالحشرات وقد تفتَّتت العظام، ولكن الرأس قد احتفظ بشكله الجميل وشعره الذهبي، واحتفظ الجسم بالجلد والشعر والأظافر، ودلَّ الفحص على أنها مومياء كلب صغير لا يتجاوز سنه ثلاثة شهور، وقد اشترك في الفحص طبيب بيطري والأستاذ محمد عبد التواب الحتة.
ونسيج اللفائف دقيق يحتوي كل ?سم على ?? خيوط. وقد أجريت بعض التجارب على أجزاء هذه المومياء، وكانت النتائج كالآتي: (?) نسيج اللفائف ?? × ?? خيوط في كل سم?.
(?) المومياء لكلب وكان المظنون أنها لقرد، وبذلك يظن أنه كان للكلاب مدافن خاصة في تونا الجبل.
(?) أمكن اختبار كلورور الصوديوم وكربونات الصوديوم مما يدل على أن النطرون قد استُعمِل في تحنيطه.
(?) أمكن اختبار مركبات الكروم (الكرومات الصفراء) التي يُظَن أنها استُعمِلت في صباغة الأقمشة، وهذه أول مرة يُشَار فيها إلى الكروم، وهذه النقطة تحتاج إلى تحقيق أكثر.
? Bessing: Denkamaber Aegsculptur, p. l. XVIII B-Capart: Rue de Tombeaux l. LXXI.? Lucas Journal of Egypt. Arch. p. 119.? Breasted: Development of Religion & Thought in Acient Egypt.? Nina de Garis Davis: The Theban Tombs serie the Tomb of Amenehet No. 82.? (a) Zeit schift Fur Agyptische Sprache t. 50 H.
(b) Journal of Egyptian Archeology pp. 118–124 T.? Herodotus III, 28.? Gillared et Daressy: La Faune Modfiée de L’Antique Egypte dans “Service de Antiquités d’Egypte, Catalogue general des Antiquites Egyptjene du Mussée de Caire” 1905.
المواد المستعملة في التحنيط


دراسة هذا الموضوع حديثة العهد لم يصل العلماء في بعضها إلى نتائج حاسمة، وهو موضوع طريف يحسن الاهتمام به ودراسته معمليًّا حتى يمكننا أن نعرف الكثير عن علوم قدماء المصريين، ومدى تقدُّمهم في الكيمياء، والمواد التي استعملوها، ومواطن استخراجها وغير ذلك. وسنلخص هنا ما وصلت إليه الدراسة العلمية على هذه المواد:
(?) الجير الحي

يقول جرانفيل:? إن الجير الحي قد استُعمِل كوسيلة لتجفيف الأجسام، وأنه قد أمكن اختباره في بعض الموميات بنسبة قليلة، ولكن هذا لا يقوم دليلًا قاطعًا على أن المصريين قد استعملوه؛ إذ ربما تكون آثار الجير التي اختبرها جرانفيل مصدرها النطرون الخام المصري الذي استُعمِل دائمًا في التحنيط. وقد كشف الدكتور بول هاش كربونات الجير بنسبة ???? في مومياء من الأسرة ??، وقال بأن المصريين قد استعملوه على هيئة الجير الحي، وأثنى على نتائجه الدكتور مرجريت موري. ولكن لوكاس وهو حجة في هذا الموضوع، يقول إنه ليس هناك من النتائج الكيماوية القاطعة ما يمكن أخذه لإثبات أنهم استعملوا الجير، بل النتائج التي أمكن استخلاصها من الموميات مصدرها أغلب ما يكون هو النطرون.
(?) الملح أو كلورور الصوديوم

ومن المقطوع به أن الملح قد استُعمِل منذ أقدم العصور في تحضير الأسماك المحفوظة المملحة، وكان استعماله في هذه الحالة كحافظ وعامل مجفف، والمعروف أن الملح لم يُستعمَل كما هو في التحنيط قبل العصر القبطي، وكل الآثار التي أمكن اختبارها في الموميات من كلورور الصوديوم مصدرها النطرون.
ومع ذلك فإن شمدت? يؤكِّد أن الملح هو الذي استُعمِل وليس النطرون، ويؤكد إليوت سميث في أنه لا شك أن الأجسام والأحشاء كانت تُنقَع في محلول الملح المركز، ويقول إليوت سميث ووارن داوسون إن الملح قد استُعمِل كمادة هامة في التحنيط في جميع العصور، ويؤكِّد داوسن أيضًا أن حمَّامات الملح الخام هي التي استُعمِلت وليس النطرون. ولكن لوكاس يقول العكس؛ إذ قد حلَّل عينات كثيرة من النطرون الحديث والنطرون القديم الخام ووجد أن نسبة الملح فيها بين ??–??. ويمكن تلخيص الحقائق الخاصة بكلورور الصوديوم فيما يلي: (?) في مومياء من الأسرة ?? كشف هاس أن نسبة الملح هي ???? وفي مومياء أخرى بنسبة ????، ويعلل لوكاس ذلك باختلاف أنواع النطرون ومصدره.
(?) وُجِد على جلد كتفي مومياء توت عنخ آمون بعض بللورات من الملح، وبعض مجموعات هذه البللورات داخل التابوت الذهبي عند نهاية الرأس،? وهذه الكميات قليلة جدًّا لا تقطع باستعمال الملح، ولا تقطع بأنها ناتجة عن استعمال النطرون أيضًا، بل هي ناتجة من الماء المستعمل للغسل، وربما ناتجة عن بعض المياه المقدسة المستعملة، أو من مياه الآبار التي كانت في المعابد.
(?) ويقول إليوت سميث إن مومياء منفتاح من الأسرة ?? مغطاة بطبقة من الملح، وكان لوكاس قد اختبر هذه الجثة كيماويًّا ولم يجد إلا كميات قليلة من الملح، وربما كانت من النطرون.
(?) اختبر شمدت جثة من الأسرة ?? ووجد أن كمية الملح فيها لا تزيد عن النسبة الموجودة في جسم الإنسان.
(?) في بعض عينات الراتنج التي حللها لوكاس وجد أنها تحتوي على آثار من الملح ربما كانت ناتجة عن ماء الغسل.
(?) في موميات العصر القبطي ارتفعت نسبة الملح بدرجة قد تكون دليلًا على استعماله في التحنيط، وإنما كأحد مركبات النطرون الخام.
(?) النطرون

مركب ملحي استعمله المصريون القدماء بكثرة، وجاء ذكره في كثير من نصوصهم وبردياتهم، وقد استخرجوه من وادي النطرون، وهذه المادة تحتوي كيماويًّا وبنسب متفاوتة على: كربونات وبيكربونات الصوديوم، وكلورور الصوديوم، وسلفات الصوديوم، وماء، ومواد غير قابلة للذوبان، كما هو مبين في الجدول الآتي:
نتائج تحاليل بعض عينات النطرون.
التركيب الكيماويعينات من وادي النطرونعينات من المقابررقم ?رقم ?رقم ?رقم ?رقم ?رقم ?رقم ?رقم ??????????????????????????كربونات الصوديوم???????????????????????????بيكربونات الصوديوم???????????????????????????كلورور الصوديوم?????????????????????????كبريتات الصوديوم??????????????????????????ماء?????????????????????????مواد غير قابلة للذوبان??????????????????
وقد عثرنا على النطرون في مخلفات قدماء المصريين في الحالات الآتية: (?) في أوانٍ مختلفة في المقابر من عصور مختلفة، وفي آنية من بين ?? في مقبرة من الأسرة ?? مخلوط من النطرون والنشارة.
(?) في آنية من الأسرة ?? مخلوط من الراتنج والنطرون والنشارة.
(?) في آنية من مقبرة توت عنخ آمون.
(?) في مقابر الأسرة ??.
(?) في مقابر الأسرة ?? في المسيوم.
(?) في أكياس في مقابر الأسرة ??.
(?) مدفون في حفر في بعض المقابر مع بعض فضلات التحنيط.
(?) في عينة من آنية من حفائر تونا الجبل، وقد قُمْت بتحليلها، وهي مخلوط من الرمل والنطرون.
(?) في أكياس في مقبرة توت عنخ آمون.
(??) وجد نافيل? في مقابر الدير البحري أوانٍ تحتوي على النطرون.
(??) وجد وتلوك في مقابر طيبة من الأسرة ?? بعض ترابيزات وأدوات التحنيط الخشبية، ووجدها مغطاة بطبقة من بقايا مواد التحنيط ثبت بالتحليل أنها تحتوي على النطرون والراتنج.
(??) وُجِدت قطع من النطرون بعضها يشبه الكرات في جثة مومياء من الدولة القديمة في فراغ الصدر.
(??) اللفائف من الأسرتين ?? و?? مشبعة بالنطرون.?
(??) مخلوط مع مواد دهنية على بعض الموميات مثل: مومياء تحوتمس الثالث، ومرنبتاح.
(??) وجد برانتون? على شكل محلول في إناء جنائزي من المرمر في مقبرة من الأسرة ?? في اللاهون، وقد حللها لوكاس.
(??) وجده ريزنر في مقابر الأسرة الرابعة? على شكل محلول أيضًا، وهذا مما يدل على أن النطرون لم يُستعمَل جافًّا فقط بل استُعمِل أحيانًا على شكل محلول، وقد حلَّلَ لوكاس هذه المحاليل ووجد أنها تحتوي على ?? من النطرون.
ويمكن القول إن النطرون قد استُعمِل في التحنيط منذ الأسرة الرابعة حتى القرن الخامس قبل الميلاد كما يقول هيرودوتس، وقد كان السبب في أفضلية النطرون على الملح في التحنيط أنه كان من أهم مواد التطهير عند قدماء المصريين كما ذُكِر ذلك في نصوص الأهرام، وأنه سهل الحصول عليه، وأنه من المواد المستعملة للتنظيف لما لاحظوه من قوة التصبين لما يحتويه من الكربونات والبيكربونات.
(?-?) كيف استعملوا النطرون؟

اختلف العلماء ورجال الآثار على الطريقة التي استُعمِل فيها النطرون أثناء عملية التحنيط، وخصوصًا بعد أن عثرنا على النطرون في هيئة مسحوق وفي محلول كما ذكرنا.
وكان هناك رأيان يناصر كلًّا منهما نخبةٌ من العلماء لهم مكانتهم وأبحاثهم في هذا الموضوع: الرأي الأول: هو استعمال النطرون.
والرأي الثاني: استعمال النطرون الخام الجاف.
وقد اشتغل على هذه الموضوع Pettigrew ووارن داوسون، وإليوت سميث، وراول ولكنسون، وسير روفر، ولوكاس، وغيرهم، ومنهم مَن ناصَرَ نظرية استعمال النطرون، ومنهم مَن ناصَرَ الثانية. وفي الحق أن هذا الموضوع لا يزال في حاجة شديدة إلى دراسة عملية منظمة لا يمكن أن تتوفر لإنسان إلا في كلية الطب المصرية، وبمساعدة المسئولين فيها، وعلى جثث الأطفال حديثي الولادة أو الأجسام التي تجرى عليها تجارب التشريح، وأرجو أن يُوفَّق رجال كلية الطب إلى العمل على إخراج هذه الدارسة والبحث إلى حيز الفعل.
واهتم كثير من العلماء بما جاء من هيرودتس وديودور في هذا الموضوع، فقد استعمل هذان المؤرخان كلمة Tapikeilougl اليونانية التي هي فعل، ومعناها أصلًا في اللغة اليونانية «حفظ السمك بالملح»، وخصَّصَ هذان المؤرخان تلك الكلمة التي تبعتها Nitpw التي معناها النطرون، فكان هيرودوتس وديودور قد استعملا هنا الكلمة الأولى مجازًا فقط لتحنيط الأجسام البشرية، ثم خصَّصَاها بعد ذلك بالنطرون بدل الملح؛ إذ لو تركاها وحدها لفُهِم منها أن عملية تحنيط الأجسام البشرية تشبه تمامًا عملية حفظ الأسماك بما في ذلك المادة المستعملة. ولما كنَّا نعرف جميعًا أن المصريين قد حفظوا الأسماك والبطارخ، وتفنَّنوا في ذلك كما تدلنا رسومهم الكثيرة، وأنهم حفظوا هذه الأسماك بالملح الجاف وبنفس الطريقة التي يستعملها المصريون الآن لتحضير الملوحة والفسيخ والسردين … وعلى هذا القياس يقصد هيرودوتس وديودور أن تحنيط الأجسام البشرية بالنطرون الجاف.
وكذلك استعمل أتينايوس Athenaeus — وهو مواطن مصري من نوقراطيس عاش في القرن الثاني ق.م — نفسَ الكلمة اليونانية لتمليح الأسماك. وقد أخذ لوكاس هذا الموضوع أخْذَ عالم مقتدر، وأجرى عليه أبحاثًا معملية مستعملًا في ذلك الطيور وأفراخها بعد أن انتزع ريشها، وأجرى تجاربه هذه على محلول النطرون المختلف النِّسَب، ومسحوق النطرون الخام، وكان يغمر هذه الطيور في محلوله لمدة ?? يومًا، وكانت النتائج حسنة جدًّا في حالة استعمال مسحوق النطرون، كما أمكنه أن يعطينا النتائج الآتية: (?) رغم المدة الطويلة التي مكثتها أجسام الطيور في النطرون لم يمكنه اختباره في أنسجتها أو أمكن اختباره بنسبة ضئيلة جدًّا؛ وذلك لما يحتويه الجسم وما يتولد منه من أحماض حيوانية ودهنية تتفاعل مع مركبات النطرون.
(?) أن كلورور الصوديوم أمكن اختباره في أنسجتها بنسبة تعطينا فكرة على أنه ناتج من استعمال النطرون.
(?) أن السطح الخارجي للأجسام المحفوظة في محاليل النطرون أصبحت مخاطية لزجة يصعب مسكها حتى بعد غسلها، وأن البشرة الخارجية قد تآكلت، وهذا يخالف ما لدينا من مستندات مصرية قديمة بأن البشرة يحتفظ بها المصريون بعد قشرها ولفها.
(?) أن الأجسام المحفوظة في مسحوق النطرون أحسن مظهرًا وحالًا من الأجسام المحفوظة في محاليله.
ومن ذلك يرجح لوكاس استعمال مسحوق النطرون ولا يقطع بذلك، والموضوع كما ذكرت قيِّم شيق ويحتاج إلى دراسة معملية منظمة.
(?) شمع العسل

واستعمل الشمع في عملية التحنيط لتغطية الآذان والأعين والأنف والفم، وقطع التحنيط، وإجمالًا في جميع فتحات الجسم، وخصوصًا التناسلية عند المرأة.
وقد اشترك لوكاس ودري في الكشف عنه عند فحص مومياء سيدة وجدها ونلوك في حفائر الدير البحري من الأسرة الحادية عشرة.
(?) القطران أو القار النباتي أو الزفت النباتي

قد عرف اليونان القطران أيام ثيوفراست في القرن الرابع ق.م وأيام ديستوريدس في القرن الأول ب.م، وعند الرومان أيام بليني في القرن الأول بعد الميلاد، وقد سماه بالزفت السائل.
وقد وجد رويتر? القطران من أيام قدماء المصريين في حالتين: إحداهما فوق مومياء أبيس، والثانية مختلطًا مع مادة راتنجية في آنية جنائزية. وقد حقَّقَ روفر? عينة من زفت خشب السيدار من الأسرة ??، ولكن لوكاس قرَّرَ أيضًا بعد تحليلها أنها زفت نباتي من العائلة الصنوبرية. وكذلك قد حلَّلَ لوكاس عينات كثيرة من محتويات الجماجم وبقايا الموميات من عصور البطالسة ووجد بها القطران. وجميع أنواع الزفت النباتي التي أمكن تحقيقها مصدرها العائلة الصنوبرية مما قد يقوم دليلًا على استيراده من الخارج؛ لأن نباتات هذه العائلة لم تكن تنمو بمصر.
(?) التوابل أو المساحيق العطرية

قد أشار إليها هيرودوت وديودور، ولكن لم يقم كثير يتحقق أنواعها التي استُعمِلت مع أن لوكاس قد حقق بعضًا منها مثل: القرفة والسليخة، وهذه الأخيرة قد أُشِير إليها في التوراة، واستعملها اليهود بعد خروجهم من مصر بين وصفاتهم المقدسة.
ونوعَا القرفة وهما القرفة الدار الصيني وقرفة سيلان من عائلة واحدة، وأول ما أُشِير إليهما وخصوصًا الدار الصيني في بردية هاريس من الأسرة ??، والقرفة عامةً من الأسرة الثامنة عشرة والأسرة التاسعة عشرة حيث ذُكِر أنها استجلبت من بلاد بونت.
وقد عُرِف النوعان جيدًا أيام اليونان، وذكرهما هيرودت وثيوفراست وديستوريدس وبليني، وذكر الأخير أن نبات القرفة ينمو في بلاد أثيوبيا، ولم نعرف من مستندات قدماء المصريين كيف استعملوا القرفة، ولكن من الدراسة المقارنة، ومما جاء عنهما في التوراة عند اليهود يمكن أن يعطينا فكرة عن استعمالها كمواد للتطهير أو للبخور، كما ذكر هيرودوت وديودور أن القرفة قد استُعمِلت في التحنيط.
وهذا الموضوع أيضًا ناحية تحتاج إلى دراسة علمية ميكروسكوبية لتجلو ما غمض عنه؛ إذ كل ما جاء عن علماء المصرولوجيا هو ما قاله أسبورن?? على أن مومياء من الأسرة ?? كانت مغطاة بطبقة من التوابل، ربما تكون من القرفة، وما قاله بتجرو: إن فراغ جسم المومياء كان ملآنًا بالتوابل بينها القرفة. (?) الزفت المعدني؛ الأسفلت؛ القار المعدني

من دراسة ما جاء عن تاريخ التحنيط يمكننا أن نقطع أن الزفت المعدني قد استعمله قدماء المصريين في التحنيط، فقد ذكر ديودور وسترابو عند الكلام عن البحر الميت أن الزفت المتحصل منه يستعمله المصريون في التحنيط، ولو أن ديودور لم يذكره تفصيلًا عند الكلام عن التحنيط، ولكن لوكاس يقول إن القار المعدني لم يُستعمَل في التحنيط قبل العصور اليونانية الرومانية، وكذلك روفر،?? والأدلة على ذلك: أولًا: حلَّلَ رويتر ? عينات من موميات مصرية قديمة وجد فيها الزفت المعدني، وهذه الموميات يرجع تاريخ واحدة منها إلى عصر الأسرة ??؛ واثنين لم يمكن معرفة عمرهما، وواحدة من مومياء إيبيس، وواحدة من مومياء طائر مجهول العصر، وواحدة من آنية فخارية. والأولى — كما ذكرنا — من عصر متأخر، واستند في نتائجه جميعها على الاختبارات الكيماوية.
ثانيًا: اختبر سبيلمان بعض العينات تحت تأثير الأشعة فوق البنفسجية، وهذه هي أحدث الطرق لاختبار القار المعدني، وكذلك اختبرها بطريقة التحليل الطيفي Spectroscopy، وهي أحدث الطرق لاختبار الراتنجات. ورغم أن النتائج التي حصل عليها لم تكن قاطعة تمامًا من حيث التحليل الطيفي إذ وجد أن المواد تحت الاختبار تشغل مكانًا بين الزفت والراتنج، ثم أعاد تحليلها فوجد أنها تعطينا أطيافًا لعناصر الفلناديوم والنيكل والملوبيديوم، وهذه جميعها يحتويها القار المعدني ولا تحتويها الراتنجات.
ثالثًا: بعض نتائج لوكاس إيجابية لهذه المادة.
رابعًا: يوجد في متحف معهد الآثار المصرية قطعتان وُجِدتا في حفائر تونا الجبل يملآن فراغ جماجم بشرية، وقد أخذَتْ كلٌّ منهما شكلَ المخ البشري تمامًا وتقاطيع الجمجمة من الداخل. وقد قمتُ باختبار واحدة منهما، وهي قارية اللون من الداخل، رمادية بنية من الظاهر، ويُعتبَر شكلها من الخارج تحفة تشريحية أو هي نموذج للمخ.واللون الرمادي البني الظاهري ناتج من التصاق بعض الأغشية المخية والأنسجة التي تبقَّت داخل الجمجمة بعد إخلائها يثبت ذلك الرائحة الحيوانية المتميزة عند حرق جزء منها.ومادة الحشو جميعها متماسكة كتلة واحدة غير سهلة الكسر. لا تذوب في الماء، قليلة الذوبان في الكحل، أكثر ذوبانًا في الأثير، سريعة الذوبان في الكلوروفورم، مكونة فوق سطح المحلول غشاءً شبيهًا بالدهني.وعندما تنصهر المادة يتصاعد منها أبخرة سمراء تتكثف على جدران الأنبوبة على شكل مادة زيتية، ورائحة هذه الأبخرة كريهةٌ نوعًا، وتشبه كثيرًا رائحة الأسفلت تحت هذه الظروف. والأبخرة المتصاعدة تلتهب في لهب مدخن، وبالتسخين على طرف سكين تسيل أولًا ثم تحترق في لهب أسود ذي رائحة أسفلتية تمامًا، تاركًا بقايا متفحمة. وقطرت جزءًا من المادة مع استلام الأبخرة المتصاعدة منها وتكثيفها داخل أنبوبة اختبار تحتوي ماءً مقطرًا، وحللْتُ المحلول الناتج فلم أجد به أيَّ مادة من عناصر القار النباتي.وبتسخين المادة مع حامض الكبرتيك المركَّز، واختبار الأبخرة المتصاعدة، أمكن اختبار حامض الكبريتوز، أي إنه يحتوي كبريتًا. واستخلصتُ هذه المادة بالكلوروفورم، ثم أضفتُ إليها الماءَ وفصلتُ الطبقةَ الكلورفورمية وبخَّرت الكلوروفورم، فحصلتُ على مادة تشبه تمامًا مادةَ الأسفلت في خواصها الطبيعية وفي طراوتها بحيث لا يمكن تمييزها عنها، وهي تحتفظ بطراوة الأسفلت زمنًا طويلًا رغم استخلاصها من مادة جافة سهلة السحق.ويُظَنُّ أن عوامل الطبيعة والزمن هي التي أكسبَتِ المادةَ — نتيجةَ تفاعلاتٍ كيماوية — تلك الطبيعةَ الجافةَ التي نلمسها في ذلك الحشو. وبما أن هاتين القطعتين يرجع تاريخهما إلى عهد البطالسة، وبما أن العلماء والمؤرخين قد أجمعوا على أن القار المعدني استُعمِل في هذا العصر، وبمساعدة الاختبارات الكيماوية السابقة يمكن أن نقطع أن هذه المادة من القار المعدني.
(?) الزيوت الصنوبرية

العلاقة الوثيقة بين مصر والأقطار الشقيقة منذ أقدم الأزمان تقطع بوجود صلات تجارية بينها، ومن التجارة أخشاب الصنوبر ومنتجاتها. وقد ورد عن هيرودوت وديودور استعمال زيت السيدار Cedar Oil في التحنيط، ويقول بعض العلماء إنه من المحتمل أن يكون ما ذكره هيرودوت ليس هو زيت السيدار، وإنما هو أحد حاصلات الأشجار الصنوبرية، وهذا الموضوع يحتاج إلى بحثٍ علميٍّ مرتَّبٍ طويلٍ لتجربة زيوت العائلة الصنوبرية في التحنيط كما ورد. (?) الحناء Lausenia Alba, Lausenia Inermis

استُعمِلت الحناء في عصور التاريخ كثيرًا، وقد استعمل المصريون أوراقَها وزهورها في مستحضرات الزينة والعطور، وفي صباغة الشعر والأيدي والأقدام، وهذه أقدم فكرة للمانيكور، وقد وجدنا كثيرًا من الموميات اصطبغت أيديها وأرجلها بلون الحناء الأحمر، وأرجو أن تتاح لي الفرصة لأكتب لكم عن الحناء؛ فهو موضوع تاريخي طريف.
(??) العرعر Juneperous Specios

أول ما عثر على حبة من هذا النبات من عصور ما قبل التاريخ،?? وعثر شيباريللي?? على ثمار هذا النبات في مقابر الأسرة ??. وحقَّقَ لوكاس كثيرًا منها في مقابر توت عنخ آمون حيث وُجِدت أربع سلال ملآنة بها، اثنان منها ثمارها أكبر حجمًا من الأخرى، وذكر للوريه?? بعض عينات منها في مقابر طيبة. وحقَّقَ نيوبري كثيرًا من عينات هذا النبات Twigs علقت بها حباتها من مومياء تمساح عثر عليها بيتري في هوارة. وقد وجد إليوت سميث في حفائر النوبة من العصر الخامس بعد الميلاد أن الموميات محشوَّة بكمية كبيرة من مخلوط الملح وثمار العرعر، وكذلك أن مومياء قبطية من ذلك العصر في نجع الدير محشوَّة بهذا المخلوط أيضًا. ويقول ونلوك إنه وجد في مقبرة في طيبة من العصر القبطي أن الجسم قد طُرِح فوق مخلوط من الملح، وقد نُثِرت ثمار العرعر بين الساقين وعلى الجسم، ويوجد في المتحف ثمار وبذور العرعر من الأسرة ?? من الدير البحري، وربما كان استعمل هذه الثمار لعاملَيْن: (?) أنها ضمن مواد التحنيط اللازمة للرائحة والتقطير.
(?) أنها لعبت دورًا في العقائد الجنائزية.
ويقول لوكاس أن زيت السيدار الذي ورد ذكره ربما كان من ثمار هذا النبات بنقعها أو استخلاصها.
وهذا النبات لا ينمو في مصر الآن، ولكن لوجود ثماره بكثرة في الموميات يظن بعضُ العلماء أنه قد استُجلِبَ إلى مصر، وتأقلم فيها فترةً من الزمن.
(??) الشيبة Parmelia furfuraceae

هي من فصيلة الحزاز، وقد وُجِدت موميات كثيرة محشوَّة بهذا النبات، وموضوعها يحتاج إلى دراسة علمية كبيرة.
(??) نبيذ النخيل

المصريون أول مَن اكتشف الاختمار الكحولي، رغم أنه ذُكِر أيامَ نوح — عليه السلام — وأنه أول مَن صنع الخمر. وقد حضَّرَ المصريون الجعةَ والنبيذ من ثمار النخيل، ويقول هيرودوت وديودور أنهم استعملوا هذا النبيذ في غسيل الأحشاء أيضًا، وهذا وضع معقول ومقبول. ولكن لسوء الحظ أننا لا يمكن أن نختبر آثار الكحول في مومياتٍ مضى عليها آلاف السنين. ومن المعقول أيضًا أن النبيذ قد استُعمِل كسِواغٍ لإذابة بعض المواد المستعملة في التحنيط مثل الراتنجات التي وُجِدت بعضُ اللفائف مشبَّعَة بها.
(??) الراتنجات Resigns

موضوع الراتنجات عند قدماء المصريين كبيرٌ هامٌّ يحتاج إلى محاضرات كثيرة؛ إذ قد استُعمِلت هذه المواد في أغراضٍ كثيرةٍ أهمها: (?) التحنيط.
(?) بعض الحلي صنع المصريون حباتها من الراتنج.
(?) استُعمِلَ كدهان Varnish.
(?) استُعمِلَ كمادة لاصقة وفي لفائف، وهذه أوحت إلى استعمال الراتنجات في طب العظام والجراحة، وضعوا منها حديثًا مستحضرًا اسمه ماستيوسول Mastisol، وتركيبه كالآتي:مستكة???فلفونيا???زيت تربنتينا??زيت بذر الكتان?بنزول نقي???

وسنقصر الكلام هنا عن الراتنجات التي استُعمِلت في التحنيط.
ولم يدرس العلماء هذه المادة إلا منذ عهدٍ قريبٍ جدًّا، وأهم المراجع في هذا الباب ما كتبه لوريه وفلورنس?? بلندن، وتحاليل الدكتور لويس رويتر،?? وتحاليل هولمز?? التي نُشِرت في مجلة الصيدلة البريطانية عام ????، ثم أبحاث لوكاس?? الخاصة. وقد قال فلورنس إن الراتنجات المستعملة من مصدرٍ صنوبري، وقال رويتر إنه وجد الميعة Styrax وAleppo Resin والمستكة Mastic وراتنج السيدار بين بعض الراتنجات. وفي بعض تجاربه الأخرى وجد بعض الراتنجات الصمغية مثل: بلسم مكا Mecca Balsam، والمر، والصبر، وراتنج Pisticia Terebeithus، وراتنج السيدار، وقد أرسل لي حضرة الأستذ عبد الرءوف طنطاوي مدير قسم الزراعة القديمة بالمتحف الزراعي عينةً من الراتنج ثبت أنها المستكة. (??) ماذا أفاد العالم من التحنيط

(?) كشف لنا عن معلوماتهم الكيماوية والنباتية، وبعض المواد المستعملة في التحنيط، ولو أن هذا الموضوع لم يكتمل علميًّا حتى الآن.
(?) كشف لنا عن مدى تقدُّمهم في الجراحة والطب.
(?) كشف لنا عن كثيرٍ من أمراضهم.
(?) كشف لنا عن بعض عقائدهم الدينية والجنائزية.
(?) كشف لنا عن بعض أنواع الجرائم.
(?) كشف لنا عن بعض أنواع الأغذية عندهم.
(?) مدى تأثير الحضارات المختلفة على عقائد المصريين.
وبالإجمال فهو موضوع يمس جميع نواحي النشاط العلمي والعقائدي والاجتماعي عند قدماء المصريين، أرجو أن يُوفَّق العلم الحديث لإتمام بحثه.
(??) مراجع أخرى

Lucas: Ancient Egyptian Materials & Industries.Sir Armond Euffer: (1) Food in Egypt, in Mem. de L’Inst. D’Egypte–1 (1919).
(2) The use of natron and salt by the Ancient Egyptians.
(3) Histological Studies in Egyptian Mummies “Mem. Inst. Egyptian VI” 1911.
(4) Studies in Palaeoathology of Egypt.
L. Reutter: (1) De l’embaumoment avant et apres Jesus Christ 1912.
(2) De La momie ou mumia, in Bull dcs Sciences Pharmacologique, Paris.
(3) Analyse d’une Masse resineuse Egyptienne avant servia l’embaumement d’animaux sacres … etc. in Sphinx, 1913.
Elliot Smith: Royal Mummies.W. Osburn: Account of an Egyptian Mummy, Presented to the Leeds Philosophical and Literary Society 1828.? Petegerw: A history of Egyptian Mummies p. 62.? W. A. Schmidt: Uber Mumien Fetts Auren Chemikerc Zietung 1908, No. 65.? D. E. Derry: Appendix I, The Tomb of Tut Ankh Amun. Howards Carter, II, p. 152.? E. Naville: The Temple of Dier El Bahri II, 1896, p. 16.? Laucas: Preservative Material used by the Ancient Egyptians in Embalming, pp. 13.? Brunton: Lahum I, 1920, p. 20.? Reizner: Bull. Museum of Fine Arts, Boston XXVI, 1928, p. 81.? L. Reuter: De L’embaumeusent Avont et Apres Jesus Christ, pp. 56.? Lucas: Ancient Egyptian Materials h. 362.?? W. Oeburn: An account of an Egyptian Mummy, Presented to the Museum of the Leeds Philosophical & Literary Society 1828, p. 6.?? M. A. Ruffer: Histological studies on Egyptian Mummies in Mam de L’inst Egyptian, VI Fssc. 111, 1911, p. 9.?? G. Brnton: Mostagadda p. 91.?? E. Schiaparelli: La tomba della Architetto Cha, p. 164, p. 149.?? V. Laret: La flora Pharaonique 2nd Ed. p. 41.?? Lortet & Gaillard: La faume Mammifieé de L’ancien Egypte I, 1905, pp. 319–21.?? Lucas: Ancient Egyptian Meterial & Industries 3rd ed. 49 p. 349.?? E. M. Holmes: Pharmaceutical Journal. XIX (1888-9) pp. 387–9.?? Lucas: Preservatives Materials used by the Ancient Egyptian in Embalming 1911.
العقاقير عند قدماء المصريين


المرض أقدم من الإنسان، وأعرق عمرًا على ظهر الأرض، وقد عرفته الحيوانات المتحجرة التي تكشف لنا هياكلها عن بعض أمراض العظام، وتدلنا الصور والنقوش الفطرية البدائية التي يرجع تاريخها إلى عصور ما قبل التاريخ، والتي عثرنا عليها في مساكنهم الكهفية على أنهم حاولوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا طردَ الأمراض من أجسامهم، وطردَ الأرواح الشريرة التي سبَّبت الأمراض؛ ومن هنا نشأت تلك الناحية العظيمة التي اشتهرت بها مصر، والتي اشتهر بها رجالها، وهي السحر، وجاء ذكرها في الكتاب المقدس وغيره من الكتب المنزلة. وقد كان الإنسان الأول يقبل للعلاج على رجل توفرت فيه بعض الشروط الخاصة ليتطبَّب عنده، كأن يكون هذا الرجل خارق القوة، أو مشوَّه الشكل، أو واسع الحكمة، أو تنتابه بعض الحالات العصبية، أو يقع في غيبوبة، أو اعتاد الوحدة والعزلة، وغير ذلك من المميزات التي كان الناس يرون فيها ميزةً وشذوذًا أو خرقًا للطبيعة؛ فهو يتميز عن غيره بملبسه أو غذائه أو عائلته أو أفكاره. وقد تطوَّرَ هذا الاختيار الشاذُّ إلى تقديس، فأصبح الكهنة هم رجال الطب والصيدلة في عصور مصر القديمة، وأصبحت المعابد هي مدارس الطب يحجُّ إليها شعوب العالم.
ولقد قدَّرَ الإنسان الأول أن الصحة والمرض هما في قتال دائم بين عوامل الخير والشر، وقد يكون هذا التقدير فيه شيء قليل أو كثير من الصحة إذا ما اعترفنا بما جاءت به الأديان المختلفة، أو إذا اعتبرنا أن عوامل الميكروبات والأمراض إنما هي عوامل الشر أو شبه الشر. وقد جاء في بعض النصوص المصرية القديمة أن الأرواح الشريرة تسكن الجسم البشري، وتعيش على غذائه، ويمكن طردها بتلاوة بعض التمائم أو دهن جسم المريض بزيت السرو أو العرعر أو المر، وهذه الأنواع المقدسة من العقاقير تدخل جسم المريض وتحميه من الأوجاع، ولدينا بعض البرديات السحرية المصرية القديمة التي تُعتبَر مرجعًا هامًّا لهذه الدارسة، وقد توارثت الأجيال المتتالية هذه الناحية الروحية السحرية في العلاج، وانتشرت هذه في صناعة الدواء، ويقول ووتون في ذلك: إن هذه العقائد لم تكن واضحةً في بردية إيبرس أكثر من وضوحها في أي كتابٍ بريطاني للوصفات الطبية منذ ثلاثة قرون.
وتقول بردية إيبرس إن أرواح Spirits العقاقير تدخل جسم المريض وتحميه من الأمراض وتطردها. وقد تطوَّرت هذه المعلومات مع عجلة الزمن وتطوُّر الفكر البشري، وازداد ميل الإنسان إلى الناحية المادية وصقلها العقل البشري أيضًا، وحاول أن يأخذ مما حوله من ملموسات ومحسوسات كلَّ ما أمكنه أن يستفيد منه، ويستعين به على مقاومة الداء والمرض من نبات أو حيوان أو معدن، يحدوه في ذلك ملاحظة دقيقة، وأمل طموح، وعلم يزداد ويتطور مع تقديم المدنية، فدوَّنَ مئاتِ الأسماء من العقاقير النباتية والحيوانية والمعدنية، وفوائدها وطرق استعمالها.
(?) العقاقير النباتية

وقد استعمل قدماء المصريين الكثيرَ من العقاقير النباتية التي بلغت خمسة أسداس مجموع ما استعملوه من مختلف العقاقير، وقد كان وصفها لمرضاهم بحسب ما أوحت به ملاحظتهم العلمية الدقيقة التي امتزجَتْ بها أحيانًا في بعض العقاقير الفكرةُ الشعبية والأسطورةُ العقائدية الدينية.
وقد كان بعض عقاقيرهم النباتية مصرية صميمة، وبعضها غريب استُجلِب إلى مصر وتأقلم بطبيعتها، وقد عرف العلماء الكثير من النباتات، وحقَّقوا أسماءها الهيروغليفية، ولا يزال البعض غير معروف حتى الآن يحتاج إلى دراسة وبحث دقيق، وكل عقار من هذه يصلح الآن لِأَنْ يكون رسالة قائمة بذاتها.
وقد وجدنا جذورَ نبات الخروع منذ العصور التي كانت ما قبل التاريخ، وعرف المصريون خواصَّه الشفائية، واستعملوه في جميع الأمراض، وأفردت له بردية إيبرس فصلًا خاصًّا به، واستعملوا هذه البذورَ كمُلَيِّن يمضغونها مع الجعة كما هدتهم ملاحظتهم الدقيقة. وقد أثبت العلم الحديث أن زيت الخروع الذي تحويه البذور سريع الذوبان في المواد الكحولية، كما أن الكحول يرسب المواد السامة، ومن هذا تظهر فائدة استعمال الجعة مع زيت الخروع.
كما استعملوه لأمراض قشرة الرأس، ولعلاج سقوط الشعر، وكدهان لحالات كثيرة، إلى غير ذلك مما جاء ذكره في البرديات الطبية.
وكان لنبات الخس مكانةٌ دينية خاصة، وعلاقةٌ وثيقة بالإله مين إله الخصب والتناسل، وقد تداول المصريون القدماء الأساطيرَ الكثيرة عن علاقته بغدة الإخصاب، حتى لا يوجد رسمٌ للإله مين إلا وفي يده الخس، أو يُقدَّم له الخس قربانًا. وقد أثبت علماء العقاقير والفارمكولوجي، وعلى رأسهم جادوم وشانج بين عامَيْ ???? و????، أن الخص يحتوي على فيتامين E، وأن هذا الفيتامين مهم جدًّا في حالات العقم والضعف الجنسي، وأن هناك علاقة وثيقة بين هذا الفيتامين وبين هرمونات التناسل عند الذكر والأنثى. كما عرف المصريون نبات الخشخاش بنوعَيْه: الخشخاش الأحمر وأبو النوم، ووُجِدت صوره على مقابرهم، وفي رسومهم وُضِعت حليهم على شكل علبة أبو النوم، واستُعمِل هذان الصنفان كداوء مسكن لكثير من الأمراض، وظل استعماله مستمرًّا في العصور اليونانية والرومانية في مصر حتى العصور الأخيرة من القرن الثامن عشر. وتدلنا بعض البرديات القبطية التي أهمها بردية زينون وبردية المشايخ التي ترجمها إميل شاسيناه وعلَّقَ عليها؛ على أن هذا النبات — وهو أبو النوم — كان له قيمة اقتصادية في العصور اليونانية وما بعدها، وأنهم استخلصوا منه تلك المادة الفعَّالة الخَطِرة وهي الأفيون الذي استُعمِل في كثير من وصفاتهم الطبية، وخاصةً تلك الوصفات الكثيرة التي ذكرتها بردية المشايخ لعلاج أمراض العيون وأمراض النساء. وقد اشتهرت بعض المناطق المصرية بزراعة نبات الخشخاش وتجارة الأفيون، كما ذكر ذلك بعضُ علماء العرب مثل: عبد اللطيف، وابن البيطار.
ولما توسَّعَ المصريون في حروبهم في بدء الدولة الحديثة، دخل فيما دخل من النبات مع الجيش المصري المظفر نباتُ الرمان، الذي ما زال يحمل اسمه القديم، سواء الاسم المصري الفرعوني أو الأسماء السامية، فجميعها متشابهة، وقد استعمل المصريون قشورَ الرومان كمادة قابضة لعلاج الحروق والجروح وأمراض النساء، كما استعملوا هذه القشورَ أيضًا وجذورَ النبات لطرد الديدان، وقد أثبت العلماء في القرن الثامن عشر أن هذا النبات يحتوي على مادة البليترين، وهي من أهم المواد الطاردة للديدان.
وكان من أقدم النباتات التي عرفتها مصر، والتي لعبت دورًا كبيرًا في عقائدهم الدينية وفي علاجاتهم؛ نبات الجميز Ficus Sycamorus، فقد استُعمِلت أجزاء هذا النبات في وصفاتهم الطبية، كما استعملوا عصارة النبات اللبنية في كثير من تذاكرهم الطبية للأمراض الجلدية، وخاصةً مرض البسورا التي يسمونها بالعربية الصدفية؛ إذ كانوا يخلطون تلك العصارة اللبنية ببعض المواد الكيماوية، وخاصةً بعض مركبات الحديد التي أهمها الأخرى الحمراء، والأخرى الصفراء على شكل مرهم. وقد دلَّتِ التجارب العلمية وبعض الأبحاث الكيماوية التي قمتُ بها على احتواء مادة العصارة اللبنية بالجميز على مادة مطاطة تشبه الكلوديوم، وهي في استعمالها تكوِّن غشاءً واقيًا للمناطق أو الأجزاء المريضة.
فوق هذا فقد استعملوا منتجات أشجار السنط كالقرض في الدباغة وصناعة الجلود، وفي الطب كدواءٍ قابض لأمراض النساء، واستعملوا الصمغ كثيرًا، ولا زال يحمل اسمه المصري القديم في اللغة الإفرنجية.
وعرفوا الحلبة، وأفردَتْ لها برديةُ أدوين سميث فصلًا خاصًّا لإعادة الشباب، واستخلصوا زيتها واستعملوه لمراهم إزالة تجعدات الوجه عند السيدات. وعرفوا غير ذلك من العقاقير النباتية: الحناء، والخلة، والشيبة، والخمائر، والفطريات، وأنواع الراتنجات المختلفة كاللبان والمستكة وبخور اللبان، وأنواع العطور المختلفة، إلى غير ذلك.
(?) العقاقير الحيوانية

إن الرغبة في استعمال المنتجات الحيوانية، والانتفاع بكثير من أعضاء الحيوان المختلفة في التداوي؛ ليست وليدة هذا العصر الحديث، بل كانت شائعةً بين البشر منذ بدء الخليقة، ولكن بصورة بشعة أحيانًا أَدْعَى وأقرب ما تكون من الوحشية، كاستعمالهم أعضاء الإنسان مثلًا.
ومع ظهور هذا الطب الفطري لم يخلُ العلاج القديم أيضًا من عقاقير حيوانية أثبت العلمُ الحديث أنها ذات فائدة قيِّمة، وأن نفعها الطبي عظيم وفعَّال، وأنهم إنما استعملوها عن ملاحظة علمية دقيقة، كاستعمالهم الكبد والمرارة والشمع وأنواع الدهن، وقد استعمل قدماء المصريين أنواعًا كثيرة من الدهنيات، وأنواعًا كثيرة من العقاقير الحيوانية التي منها المقبول وغير المقبول.
وقد وصفَتِ البرديات الفرعونية الكبدَ نيِّئًا وجافًّا ومشويًّا ومسحوقًا، ووصفته بالفم، وللاستعمال الظاهر كقطرة جافة أو مرهم للعيون، والواقع الذي نلمسه من دراستنا لتذاكرهم الطبية يجعلنا نقطع بأن المصريين قد وصلوا القمةَ من ناحية الملاحظة العلمية الدقيقة، وأنهم لمسوا أن الكبد مفيد لعلاج العيون، وعلاج حالات الإجهاض، وهذا يطابق تمامًا ما يقول به العلم الحديث، كما لاحظوا أن درجة الحرارة المرتفعة لا تفسد المفعول الطبي للكبد؛ فهو يظل رغم ذلك فعَّالًا كعلاجٍ قويٍّ.
والواقع أن الطب الحديث يقول إن بعض الأمراض التي ذُكِرت في المراجع القديمة عن الصين والعرب ومصر يرجع سببها إلى نقصٍ في الفيتامين A، فإذا أطعمنا الأطفال غذاء لا يحتوي كمية كافية من هذا الفيتامين، فإن نموه يقف ويصاب بالإعشاء الليلي (عدم الإبصار بالليل)، ولذلك يمكن معالجة هذه الحالات بالكبد النيِّئ أو المطبوخ، أو زيت كبد الحوت، ووُجِد أن الكبد أغنى المصادر للفيتامين A إذ تحتوي المائة جرام من كبد الثور على ????? وحدة من فيتامين A، وتحتوي المائة جرام من كبد الخنزير على ???? وحدة دولية، ويقول جادوم إن عدم الإبصار بالليل من أهم الظواهر الدولية لنقص الفيتامين أ في الغذاء. ولا يفوتنا أن نذكر أن علاج الإجهاض بالكبد لم يستعمله المصريون اعتباطًا، ولكن عن علم وملاحظة، وبين الدورة النسائية وتكوين البويضات والأغشية المهبلية، كما أثبت ذلك أليفانس ويشوب عام ????.
وبذلك يكون المصريون اكتشفوا الفيتامينات، وعرفوا فوائدها في تلك الأزمان السحيقة، وإن لم يطلقوا عليها تلك الأسماء الحديثة.
واستعمل المصريون الدهن والشحم الحيواني بشكلٍ واسعٍ وعامٍّ كوسيلة لعلاج البشرة ووقايتها من عوامل الطبيعة المختلفة، ولتطرية الجسم وتغذية الجلد؛ باستعماله دهانًا عامًّا بين طبقات الشعب، إما بمفرده أو بتركيبٍ خاصٍّ من تركيبات الزينة.
وخلال عصور التاريخ المختلفة نجد أن دهن الأجسام ومسحها بالشحم والدهون والمراهم قد اتخذ تقليدًا دينيًّا له خطؤه، وكان الأموات يُمسَحون بنوعٍ ثمينٍ من الدهان، كما ذكر ذلك تيودور؛ إذ إنه بعد تحنيط الأجسام وقبل لفها بالأكفان تُدهَن بنوع من الدهان مكوَّن من راتنجات عطرية وبعض الزيوت والشحوم التي أهمها الشحم المغلي وشحم الثور.
ومن أشهر المستحضرات الدهنية التي استعملها قدماء المصريين ذلك المخلوط الجنائزي Cone Funeraire, Funeral Cone وقد كان من أسهل الطرق لمسح الجسم ودهنه، وصور مقابرهم عامرة برسوم هذا المخلوط؛ إذ يضعه النساء والرجال على السواء فوق رءوسهم مربوطًا بشبكة مخروطية مصنوعة في الغالب — كما تدل الرسوم — من نوع من النبات، وهي تشبه السلة في نسيجها، وفي هذا القفص المخروطي يُوضَع نوع خاص من الدهان المعطر غالبًا بحيث يلمس الرأس، وينصهر تدريجيًّا ويسيل من قمة الرأس إلى الرقبة فالكتفين كما يتبين ذلك من رسومهم. وقد استعمل المصريون ثلاثة أنواع من اللحم الحي لإيقاف النزيف، واللحم النيِّئ واللحم المتعفن؛ إذ كانوا يتركون اللحم معرَّضًا للجو حتى تنمو عليه الفطريات، ثم يجففونه ويعطونه منقوعًا كدواءٍ لمَن يحس بمرض الصدر، وهذه الظاهرة تشبه في كثير تلك الظاهرة التي لاحظها العلَّامة فيلمنج عندما ترك شوربة اللحم في الجو، فنما عليها نوعٌ من النبت قضى على الميكروبات السبحية، ومن هنا كانت النقطة الأولى للكشف عن البنسلين وجميع أنواع المضادات الحيوية. وقد اختلط العلاج بالعقاقير الحيوانية بالفكرة الشعبية، فاستعملوا دم الحيوانات المختلفة والحشرات — وخاصةً الوطواط — لإيقاف نمو الشعر أو لمنع نموه.
(?) العقاقير المعدنية

وإذا ما تصفحنا القراطيس الطبية، وأحصينا ما فيها من عقاقير، وجدنا أن العقاقير المعدنية قد احتلت المكانة الثانية في دساتيرهم الدوائية، رغم أنها في المكانة الأولى من حيث تاريخ استعمالها؛ إذ يرجع تاريخ أغلبها إلى عصور ما قبل التاريخ.
والعقاقير المعدنية التي استعملها قدماء المصريين عبارة عن خامات معادن موجودة في الطبيعة بشكلها الفطري، فهي غالبًا ذات ألوان متباينة جذَّابة، قد ألفتَتْ أنظارَ القدماء في الطبيعة، فمنها ما هو أخضر برَّاق جذَّاب قد رمزوا بخضرته إلى خضرة وادي النيل مثل الملاخيت، وهو أحد أملاح النحاس، ومنها ما هو أصفر جذَّاب استعملوه في ألوانهم وفنونهم ورسومهم مثل مركبات الحديد الصفراء المسماة بالأهرة الصفراء، ومنها ما هو أحمر جذَّاب مثل الزنجفر أو كبريتور الزئبق، ويقول نيوبرجر إنه ظهر في عالم الفن حوالي القرن السادس قبل الميلاد في مصر «الزنجفر» وقد استعمله الإغريق، ويقول عنه جايسبريدس إن النقاشين استعملوه في رسوم المعابد والمباني الفخمة، وهناك اللون الأحمر الشائع الذي استعمله قدماء المصريين، وهو المغرة الحمراء.
كل هذه الألوان الجذَّابة ألفتَتْ نظرَ الفنان المصري قبل أن تلفت قريحةَ رجل الدواء والعقاقير، فكان استعمالها في الفن أسبق من استعمالها في الطب والدواء.
(?-?) خامات النحاس ومركباته

إن ألوان خامات النحاس اللامعة الجذابة من خضراء وحمراء وصفراء قد ألفتَتْ أنظارَ الإنسان الأول قبل غيرها من خامات المعادان الأخرى، وخاصةً خامات الحديد؛ ولذلك فقد عُرِف النحاس قبل غيره من المعادن، ويعتبر أنه أول المعادن وأقدمها ظهورًا في مصر؛ إذ يرجع تاريخ ما وُجِد منه في مقابر عصور ما قبل التاريخ إلى الفترة ?? من التاريخ التتابعي، ويرجع تاريخ ظهور الذهب والفضة والرصاص إلى عصور متأخرة عن ذلك، أي حوالي فترة ?? من التاريخ التتابعي لعصور ما قبل التاريخ.
وأول ما عُثِر عليه من بقايا النحاس في حفائر البداري، التي يظنون أن هذه البقايا النحاسية إنما استجلبها المصريون في تلك العصور السحيقة في القِدَم من الشمال أو من سينا مع بعض أحجار الزبرجد والفيروز، وتدلنا كتلُ النحاس المعدني التي عُثِر عليها في قاو (من أعمال مديرية أسيوط) أن المصريين الذين أنشئوا الحضارة القاوية قد استخلصوا معدنَ النحاس من خاماته الطبيعية.
ولم يصل العلماء بعدُ إلى الطريقة التي توصَّلَ بها رجال حضارة قاو إلى استخلاص المعدن من خاماته، ولكن ريزنر وسميث يظنان أن المصري في عصور ما قبل التاريخ قد كشف هذا عن طريق المصادفة البحتة حوالي عام ????ق.م، ويظنان أن هذه الطريقة التي أوصلتهم إلى هذه المصادفة العلمية هي احتراق بعض خامات النحاس أو بعض مستحضرات الزينة التي تحتوي على هذه الخامات، فانفصلت منه كتل صغيرة صفراء أسفنجية، أمكن طرقها وإعدادها إلى شرائح وآلات.
وأهم ما عُثِر عليه من بقايا النحاس وخاماته هي: (?) ما عُثِر عليه في مقابر عصور ما قبل التاريخ في البلاص ونقاوة.
(?) ما عُثِر عليه في مقابر ما قبل التاريخ وعصور الأسرة الأولى في طرخان من أوانٍ وآلات.
(?) ما عُثِر عليه في حفائر قاو والبداري ما بين الأسرة الرابعة والأسرة الحادية عشرة.
(?) ما عُثِر عليه في حفائر بلاد النوبة منذ عصور ما قبل التاريخ.
خامات النحاس أو النحاس في الطبيعة: (?) النحاس الطبيعي Native Copper: وهو عبارة عن أكسيد النحاس الأحمر.
(?) أكسيد النحاس الأسود CuO.
(?) كبريتور النحاس الأسود CnSS, Chalcolite.
(?) الأزوريت Azurite: وهو عباة عن كربونات النحاس القاعدي أزرق اللون جميله، يوجد غالبًا في سيناء والصحراء الشرقية، وهو مادة ناتجة عن تأكسد كبريتور النحاس تحت تأثير عوامل الزمن والطبيعة؛ ولذلك فهو يوجد غالبًا في الطبقات القريبة من سطح الأرض.
(?) سيلكات النحاس ويُسمَّى Chrusocolla: وهو عبارة عن قطع زرقاء توجد بمناجم سينا.
(?) الملاخيت Malachite: وهو كربونات النحاس القاعدي، وهو أهم خامات النحاس وأكثرها في مصر وأقدمها استعمالًا، ويوجد في مناجم سينا في طبقات قريبة جدًّا من سطح الأرض قد تكون ظاهرة للعيان، ولذلك فلا يحتاج الحصول عليها إلى مجهود كبير في التعدين، وقد كان الملاخيت ذائع الاستعمال في جميع عصور التاريخ المصري منذ حضارة تاسا والبداري، وكان أهم استعمال له في علاج أمراض العيون، وصناعة الكحل، وعلاج القروح، وغير ذلك من الفوائد.
كما استُعمِلت مركبات النحاس الأخرى المختلفة في كثير من الأغراض الطبية التي ذُكِرت في بردياتهم الدوائية.
(?-?) الحديد وخاماته ومركباته

وخامات الحديد موجودة بكثرة في مصر منذ عصور ما قبل التاريخ، وأهمها هو الهيماتيت الذي يحتوي على نسبة مرتفعة جدًّا من أكاسيد الحديديك Fe O3 وهو يُستعمَل غالبًا للحصول على معدن الحديد، ويوجد في الطبيعة على ألوان مختلفة تختلف بنسبة وجود الأكسيد في الخام مختلطًا ببعض عناصر التربة؛ فيوجد منه الأسود والبني والأحمر والأصفر، وهذان الصنفان الأخيران هما ما يُطلَق عليهما غالبًا اسم الأخرا. وأما الهيماتيت الأحمر المعروف بالمغرة الحمراء، فقد استُعمِل في عصور ما قبل التاريخ في صناعة الخرز والتمائم، ومراود الكحل، وبعض أدوات الزينة، ومع أن الهيماتيت قد وُجِد بكثرة في مصر، ومع أنه قد استُخرِج من الصحراء الشرقية، واستُعمِل في عصور الرومان المتأخرة لصناعة الحديد، إلا أنه من غير المقطوع به معرفة مصدره في عصور التاريخ الأولى.
ولكن ديسقوريدس يقول إنه استُخرِج من مناجم مصر، وأهم مناجمه فعلًا في صحراء مصر الشرقية، وفي سينا وفي صحراء مصر الغربية.
وقد امتاز عصر من عصور ما قبل التاريخ باستعمال الحديد وآلات الحديد المصنوعة من النيازك، وقد بدأ العصر الحديدي في اليونان أيام هرموروس.
وقد وُجِدت بعض عينات من الخرز الأسطواني الشكل من الحديد منذ عصور ما قبل التاريخ، كما عثر مستر هل في سنة ???? في حجر من أحجار هرم خوفو على قطعة من الحديد على شكل رباط، كما عثر مسبرو على معول من الحديد من الأسرة السادسة، وعثر غيرهم من العلماء على كثير من البقايا الحديدية.
وخامات الحديد — كما ذكرنا — موجودة بكثرة في صحراء مصر الشرقية وفي سينا، وقد استعملها المصري القديم في الطب والألوان، ومن أهم مركبات الحديد أو خامات الحديد التي استعملها قدماء المصريين هي: (?) الأخرا الصفراء: وسماها ابن البيطار أرتكين، كما سُمِّيت بتراب الحديد أو طين الحديد، وهي إذا أُحرِقت تكوَّنت الأخرا الحمراء، واستُعمِلت في كثير من الأمراض الجلدية.
(?) الأخرا الحمراء: وقد استُعمِلت في علاج الأمراض الجلدية وفي الألوان.
(?-?) الجبس

ومما لا شك فيه أن المصريين قد استعملوا الجبس وعرفوه، واستعملوه في أغراض كثيرة مختلفة، ولكنه ليس من المعروف تحديد العصر الذي بُدِئ في استعماله، وإن كان من المقطوع به أنه استُعمِل في عصور ما قبل التاريخ؛ إذ وُجِد في حفائر المعادي كمية كبيرة من الفخار الأحمر استُعمِل في إصلاح بعض كسورها بمادة بيضاء وُجِد بالتحليل الكيماوي أنها مادة الجبس، ويحدِّد لوكاس مناطق المحاجر التي استغلها المصريون للحصول على الجبس بأنها محاجر غربي الإسكندرية والفيوم، وبعض محاجر البحر الأحمر. وأهم استعمالات الجبس: (?) مادة لاصقة.
(?) مادة لتخفيف الألوان.
(?) صناعة الأواني.
(?) تحضير الملاط.
(?) لصق أغطية الأواني الفخارية.
(?) تحضير الرءوس الاحتياطية.
(?) في صناعة الجبائر التي استُعمِلت في حالات كسور العظام.
هذه عجالة قصيرة تعطينا فكرة بسيطة جدًّا على ما وصل إليه قدماء المصريين في فن العقاقير وصناعة الدواء.
وقبل أن ننهي هذا الموضوع يجب أن نشير إلى ما وصل إليه فنُّهم في صناعة المستحضرات الدوائية: كالحبوب والأقراص، واللبخات والغيارات، والمنقوعات والمغليات، والحقن الشرجية والمستخلصات الكحولية، والمراهم والدهانات، والزيوت المركبة والكريمات، والقطرات والكحل والششم والعجائن والأبخرة … إلخ، مما وصفوها وصفًا تامًّا في بردياتهم الدوائية، ووصفوا طريقة تحضيرها وتشكيلها، وشروط صناعتها وصباغتها.

الصيدلة في الأقطار الشرقية


(?) في الصين

كان لمعتقدات الصين أهمية عظمى في تسمية النباتات الطبية، ويقول الصينيون إن شنج هانج الذي عاصَرَ مينا الفرعوني تعلَّمَ فن الصيدلة وطرق تحضير المغلي والمنقوع.
وأهم مراجعهم في هذا الباب هو ذلك الدستور الصيني القديم الذي يسمونه بانتساو، أو المجموعة النباتية الكبرى، وهو يحوي أربعين مجلدًا لأعظم علماء الصيدلة فيما قبل التاريخ، وهو يذكر ???? مادة، ويسرد خواصها العلاجية والكيمائية، ويعتبرونه كنزَ المواد الطبية عندهم، ولا زال الصينيون يستعملون دهن الأوز الذي دلَّتِ التجارب العلمية على أنه أسرع الدهون امتصاصًا.
ومن بين آلهة الصين الاثنين وسبعين: ?? للأدوية، وهذا يدلُّكَ على مبلغ اهتمامهم بالعقاقير والعلاج في تلك الأزمنة السحيقة، وكذلك خصصوا من بين جهنماتهم المائة والخمسين جهنمًا كاملةً للصيادلة وأخرى للأطباء، وقد برع علماؤهم في علوم السموم، واكتشفوا الكثير منها.
(?) في أثيوبيا

عرف الأثيوبيون كثيرًا من العقاقير، وقد قال عنهم سترابو عام ???ق.م إنهم عرفوا في تلك الأرض السعيدة القرفةَ والمرَّ واللبانَ وزيتَ الزيتون والبخورَ، وكثيرًا من الرتنجات، ومن أشهر نباتاتهم المستعملة كغذاء ومكيف ودواء هو البن الذي منه اكتُشِفت مادة الكفايين.
(?) في بابل وآشور

كان لبابل وآشور في ذلك العلم قواعد وأصول، كما كان لهم مكانة خاصة في التخصص في الطب، وكان لهم مكتبات تحوي أهم مراجع هذا الفن قبل الميلاد بحوالي ???? سنة، وقد جاء في التوراة الكثير عن نباتاتهم وأطبائهم.
(?) في الهند

كان علم العقاقير في يد الكهنة من البراهمة، وقد تكلَّمَ أبوقراط كثيرًا عن ذلك، وقد وُجِد كتاب هندي قديم اسمه رجيفيد ينوه عن خصائص الأعشاب، ويذكر أسماءَ كثيرٍ منها مما استُورِد من الأقطار المجاورة كما يذكر بعض الدعوات والتعاويذ التي تُتلَى للكثير من الأمراض.
(?) في فارس

بلغ علم الصيدلة والعقاقير أوج عظمته في القرن الرابع قبل الميلاد، وقد ذُكِرت أصوله الأولية في كتابهم المقدَّس المسمَّى زندافستا، وقالوا إن أفريمان إله الشر أطلق جميع الأمراض، وسلَّطها على الناس، فتصدَّى له في ذلك أرموزد إله الخير، وعلَّم الناسَ جميع الأدوية والعقاقير الضرورية لحفظ أجسامهم.
(?) في اليابان

يزعم اليابانيون في كتبهم أنه كان لديهم حدائق طبية قبل الميلاد بحوالي ???? عام، ويزيد اليابانيون أن الإمبراطور العظيم هوانج تي وضع لهم كتابًا عامًّا في الطب، وآخَر في العقاقير، حوالي ???? قبل الميلاد.
(?) عند الهنود الحمر

تعلَّمَ المكتشفون الأوروبيون من قبائل الهنود بأمريكا وقبائل الإنكا وغيرها من الهنود الحمر؛ الكثيرَ من خواص النباتات والعقاقير التي لم تكن معروفةً حتى عصر خريستوف كلومب، وكان كل قبائل الهنود الحمر تستعمل هذه العقاقير في علاج أمراضهم، مثل: الكوكا، والكينا، والجلبا، واللوبيليا، والجولتاريا، والهيدراستس، وغيرها.

الصيدلة عند العرب


(?) في الجاهلية

كانت معرفة العرب الصيدلية في الجاهلية محدودة كما قد قال ابن خلدون في مقدمته المشهورة. وللبادية من أهل العمران طبٌّ يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارَثٌ عن مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصحُّ منه البعض إلا أنه ليس على قانونٍ طبيعيٍّ، ولا على موافقة المزاج، وكان عند الجاهلية كثير من هؤلاء العلماء كالحارث ابن كلدة، وخزيم من بني تميم.
(?) في الإسلام

في القرن السادس للميلاد شُغِل العرب في بدء الإسلام فترةً من الزمن بالفتوحات، ووقفت حركة العلم، وظلوا كذلك حتى وضعت حروب الفتح الإسلامي أوزارها، ولما استقر العرب بالبلاد التي انبعثت منها المدنيات القديمة كسوريا ومصر وفارس والهند، وتولَّى الخلافة رجال مستنيرون كالرشيد والمأمون، واستتبَّ الأمن في أنحاء الدولة وعمَّها الرخاءُ، وتوجَّهت الهمم لاستطلاع علوم القدماء، ومتابعة أبحاثهم العملية المختلفة؛ رجاء الوصول إلى كشفِ ما يحيط بهم من أسرار الطبيعة وعجائبها، واستخدام ما قد يُتاح لهم من القوانين العلمية في ترقية أحوالهم المعيشية.
فنقلوا عن الهند وفارس واليونان والرومان، وقد ساعدهم على ذلك رجال الطائفة السريانية، وعلماء القبط واليهود الذين هاجروا من مصر وما جاورها إلى تلك البلدان فرارًا من ظلم الرومان.
وأهم العلوم التي أخذها العرب عن هذه الطرق وضربوا فيها بسهمٍ وافرٍ هي: علوم الطب والكيمياء والصيدلة، فاكتشفوا خواصَّ القلويات والأحماض، وابتدعوا مركبات جديدة.
ونبع من العرب علماء ظهروا في العصور الذهبية لدولتهم المتتابعة، وتفرغوا للعلم «الأقربازين»، وطارت لهم شهرة واسعة، واخترعوا كثيرًا من المركبات والمواد الكيميائية، فهم أول مَن عرفوا الكحول، والشراب، وحامض الكبريتيك، وأكسيد الزئبق، وحجر جهنم، والأنتيمون، والبورق، وروح النوشادر، والسليماني.
وأدخلوا كثيرًا من العقاقير النباتية التي كان يجهلها علماء الإغريق كالراوند والتمر هندي وخيار شمبر والسنامكي والكافور والجلبا، وعرفوا الكثيرَ من الأنواع الطيبة الذكية كجوز الطيب والمسك والقرنفل. وهم أول مَن اخترع السواغات لإذابة الأصول الفعَّالة للأدوية، سواء أكانت معدنية أم نباتية أم حيوانية، واخترعوا أجهزةً للتصعيد والتقطير والتسامي والخلط والمزج.
وقد شهد علماء الإفرنج أن العرب هم أول مَن أوصل فن الصيدلة إلى الصورة العصرية الحاضرة المنظمة، وأول مَن أنشأ حوانيتَ خاصةً بها، ووضعوا قانونًا أقربازينيًّا أُثبِتَتْ فيه جميع المركبات الصيدلانية، عزَّزته الحكومة بسلطتها، وسارت عليه صيدلياتهم. وقد طغت الروح الأقربازينية النباتية والكيمائية حتى على علماء الطب في ذلك العصر.
وقد قال A. C. Wooton مؤلف كتاب معضلات الصيدلة عن العرب في ذلك الوقت ما نصه: والعرب هم الذين رفعوا الصيدلة إلى مقامها الجديرة به.
وقد عاصَرَ النبي ? علماء مخضرمون هم في الحقيقة البقية الباقية من علماء الجاهلية، ذاعت شهرتهم في ذلك الوقت في علم الدواء، وأهمهم: الحرث ابن كلدة: من الطائف، جاب البلاد وتعلَّمَ علمَ الدواء بفارس، وقد عاصَرَ أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا — رضي الله عنهم — وله كتاب المحاورة في الطب، بينه وبين كسرى أنوشروان.
النضر بن الحرث: ابن خالة النبي ? وهو ابن الحرث، ورث العلم عن أبيه وجاب البلدان. ثم ابن أرمثة التميمي وابن بحر الكناني … وكان يعاصر النبي في ذلك الوقت قسيس في الإسكندرية يُدعَى آرون جمع من بين مؤلفات الإغريق حوالي ?? كتابًا، ترجمها إلى السريانية أحدُ اليهود، ثم تُرجِمت إلى العربية حوالي عام ???م.
(?) عصر الخلفاء ???–???م

ثم جاء عصر الخلفاء الراشدين فتابعوا السير في طريق التوسُّع العمراني ومواصلة الفتوحات الإسلامية.
وكان عصر سيدنا عمر بن الخطاب أزهى عصور الخلفاء علمًا، وذلك بعد أن فتح عمرو بن العاص مصرَ واستولى على مدينة الإسكندرية، تلك التي قادت العالم يومًا ما بعلمها وعلمائها. وقد عثرت في دار الكتب المصرية على كتاب (بخط يد) اسمه: «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، تمَّتْ كتابته عام ?????، ومؤلفه موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم خليفة بن يونس، جاء فيه ما يأتي:
قال المختار الحسن بن بطلان: إن الإسكندرانيين الذين ترجموا كتب جالينوس كانوا سبعة، وهم: إصطفن، وجاسيوس، وتادريوس، وأكلاوس، وأنقيلاوس، وأقلاديوس، ويحيى النحوي …» قيل إن أنقيلاوس كان المقدَّم على سائر الإسكندريين، وإنه هو الذي رتَّبَ الكتب الستة عشر لجالنيوس، وكانوا يقرءونها على الترتيب، وكانوا يجتمعون في كل يوم على قراءة شيء منها وتفهُّمه.
وكان يحيى النحوي أسقفًا، ثم ترك المسيحية أيام عمرو بن العاص وخدم الإسلام.
(?) العصر الأموي ???–???م

وفي أواخر ذلك العصر فتح العرب بلاد الأندلس وكوَّنوا بها دولة عظيمة في العلم والحضارة كما سنذكره بعدُ، وقد نقل ابن وحشة الكلداني عام ???م كتابًا في السموم، وكتابًا آخَر في الزراعة حاويًا لكثير من الفصول الأقربازينية. ثم ظهر في أواخر هذا العصر جابر بن حيان عام ???م، وهو أبو الكيمياء عن العرب. وترجم خالد بن يزيد في أوائل القرن الثاني للهجرة كتابًا في الكيمياء عن مدرسة الإسكندرية.
(?) عصر الدولة العباسية ???–????م

بلغ العرب أيام الدولة العباسية أوج عظمتهم العلمية، وبذُّوا العالمَ أجمع في علوم الصيدلة؛ الكيمياء والعقاقير، وظلوا كذلك مركز الحضارة الفكرية والعلمية ردحًا كبيرًا من الزمن حوالي خمسة قرون، جمعوا ما كان متفرقًا من العلم فأسَّسوه، وبنوا عليه أبحاثهم، وخلفوا للعالم تراثًا عظيمًا في علم الصيدلة يذكرهم به علماء الإفرنج حتى الآن بكل إجلال وثناء.
وفي عام ???م أُنشِئت مدينة بغداد العظيمة على ضفاف الفرات، وفي عام ???م تولَّى هارون الرشيد خلافة الأمة الإسلامية فقادها إلى ما فيه عظمتها الخالدة، وأصبح عصره هو العصر الذهبي لجميع دول الإسلام.
شيَّدَ المدارس والكليات وأنشأ جامعة بغداد الشهيرة، وأسَّسَ المكاتب الحاوية لمؤلفات اليونان والرومان، وأقدَمَ العرب إقدامًا شَرِهًا على نهل معالم الطب والصيدلة والكيمياء، وأخذ العرب من علماء القبط واليهود والسريان هذه العلوم مما حفظوه عن أجدادهم، وظهر بينهم صيادلة فطاحل نبغوا في فنون العقاقير والأدوية، وكانوا ينعمون كغيرهم من العلماء بالهبات السخية التي يهبها لهم الرشيد، ولما توغَّلَ الرشيد في آسيا الوسطى عثر على كنز ثمين من علوم اليونان، فحُمِلت الكتب إلى بغداد وتُرجِمت برعايته.
ومن مشاهير علماء الصيدلة والعقاقير في ذلك الوقت آل يختيشوع، وهم من علماء السريان، وقد خدم عميدهم جورجي الخليفةَ المنصور، ثم خدم ابنه من بعده جبريلُ بن يختيشوع الخليفةَ هارون الرشيد، وأوكل إليه أمر إدارة المدرسة الطبية في ذلك الوقت؛ لِمَا امتاز به من مهارة في الطب. ثم جاء بعد ذلك يختيشوع بن جبريل، ثم جبريل بن عبد الله بن يختيشوع عيسى المعروف بأبي قريش؛ قال إسحاق بن الرهاوي في كتاب أدب الطبيب: عن عيسى بن ماسة قال: أخبرني أبو حنا ابن ماسويه، أن أبا قريش كان صيدلانيًّا بارعًا يجلس على موضعٍ نحو باب الخليفة، وله وصفات كثيرة، وهو أول مَن اخترع المكمدات، ووصفته في ذلك هي:
دهن بنفسج، ماء ورد، خلٌّ أحمر، ثلج.
تُمزَج ويُعمَل منها مكمدات، ولا زال استعمال المكمدات من الخل والكولونيا والثلج مستعملًا حتى الآن.
وقد أسَّس هارون الرشيد المستشفيات والصيدليات العامة في مدينة بغداد، وأرسل عام ???م إلى شرلمان هدايا كثيرة منها البلاسم والمراهم والأدوية والعقاقير المختلفة، ثم أصدر أمره بعد ذلك إلى صابر بن سهل في وضع دستور للأدوية والمادة الطبية سمَّاه كرابادن التي جاءت منها كلمة أقربازين وهي فارسية، ووضع قانونًا لمراقبة أصناف الأدوية وأثمانها مراقبةً شديدة.
وكان ابن سهل عالمًا صيدليًّا فاضلًا درَسَ جميعَ الأدوية المفردة وتركيبها، وتقدَّمَ عند المتوكل وعند مَن تولَّى بعده من الخلفاء، وتوفي أيام المهتدي عام ???م، وقد حوى مؤلَّفُه كربادن سبعة عشر بابًا كانت المرجع الوحيد في ذلك الوقت في جميع مستشفيات الحكومة والصيدليات.
وجاء بعده تلميذه ابن ماسويه بن حنا بعد أن رافقه حوالي ?? عامًا، ثم اشتغل صيدليًّا للمستشفى من بعده.
ثم جاء يوحنا بن ماسيويه الصيدلي البارع الذي ألَّف كتابَ البرهان والبصيرة، وكتاب الأدوية المسهلة، وكان من أنصار السنامكي والجلبا. ثم ميخائيل بن ماسويه، وغيرهم من آل ماسويه. وجاء عصر الخليفة المأمون ???–???م الذي كان مولعًا بالعلوم والفلسفة، وكان عصره من أرقى عصور العلم، ظهر فيه جهابذة في كل باب؛ فنبغ في الصيدلة والعقاقير آل حنين وعميدهم حنين بن إسحاق الذي أحضره المأمون وكان فتًى صغيرَ السن وأمره بنقل ما يقدر عليه من كتب اليونان والرومان والفرس، وإصلاح ما ينقله غيره، فامتثل لأمر مولاه ومال إلى دراسة الأدوية والعقاقير، وعرَّب كتاب إقليدس، وأضاف إليه كثيرًا من المواد والعقاقير، ثم جاء إسحاق بن حنين وهو الذي قال:
أنا ابن الذين استودع الطب فيهموسُمِّيَ به طفلًا وكهلًا ويافعًا وله كتاب الأدوية المفردة، وكتاب الأدوية الموجودة بكل مكان، وكتاب الأدوية المسهلة، وكتاب صنعة العلاج بالحديد، ثم ظهر حبيش بن الأعسم وهو ابن أخت حنين.
وقد كان المأمون يرسل البعوث للبحث والتنقيب في الكنائس والأديرة عما خلَّفه العلماء من العلوم، وذهب بعضهم إلى القسطنطينية والهند وفارس، وجلبوا معهم خير نفائس العلم، ومن الصيادلة المعاصرين في ذلك الوقت يعقوب بن إسحاق الكندي صاحب كتاب الترفق بالعطر، أو في كيفيات العطر والتعميدات، وقد افتتحه بصناعة المسك والعنبر، ثم تقطير المياه مثل ماء الورد والصند وغيره، ويوجد من هذا الكتاب في دار الكتب نسخة فوتوغرافية من أجمل ما يمكن.
ومن أشهر علماء العرب في الصيدلة والعقاقير في ذلك العصر هو الشيخ أبو بكر محمد بن زكريا الرازي، وهو رئيس مستشفى بغداد، وُلِد عام ???م، وتوفي عام ???م، وألَّف كتاب الحاوي في ?? مجلدًا، وطُبِع في مدينة البندقية عام ????م. ووضع كتابَ الجامع وذكر فيه الوهج الأصفر والأحمر والبورق، واستعمل الكحول لإذابة عدة مستحضرات أقرباذينية، وكان يستعمل في تراكيبه الحديدَ والكبريت والنحاس والزرنيخ والزئبق والأنتيمون والخارصين، وذكر ماء الحياة وقصد به النبيذ. وقد هَوِي الكيمياءَ إلى حد الجنون، ومن أظرف ما يُروَى عنه أنه ألَّف كتابه في إثبات صناعة الكيمياء للمنصور، وقصده به في بغداد فدفع له الكتابَ، فأعجبه وشكره عليه وأعطاه ألف دينار.
(?-?) ابن سينا

هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا البخاري، وُلِد في بخارى عام ???م، وأجاد القرآن وهو في سن الثانية عشرة، واتصل بالأمير نوح بن نصر الساماني صاحب خراسان لمرضٍ اعتراه، فما دخله مكتبته، ولم يكن لها نظير، فقرأ الكثير من علماء الأقدمين، واتفَقَ أن احترقت المكتبة بعد مدة فلم يستفد بها أحد سواه، ولم يُكمِل ثمانية عشر عامًا حتى أكمل تحصيل علومه، وتدرَّج في مراتب الدولة حتى وصل إلى مرتبة وزير، وسُجِن وفرَّ من سجنه، فآواه صيدليٌّ من أصدقائه في حمدان وأخذ عنه الكثير، وتوفي سجينًا بهمذان.
وقد ذكر كثيرًا من المواد الأقرباذينية، ووصف الكافور، واعتبر السليماني أقوى السموم، وعرف ? مركبات للحديد، وكان له اعتقاد عظيم في الذهب والفضة والأحجار الكريمة لشفاء الأمراض المستعصية، وقد قال عنه Wooton: «وربما كان هو الذي أدخل عملية التفصيص والتذهيب على صناعة الحبوب.» ويقول العلماء إن الطب كان معدومًا فأوجده أبقراط، وميتًا فأحياه جالينوس، ومتفرقًا فجمعه الرازي، وناقصًا فكمَّله ابن سينا.
(?) عصر الأندلس ???–????م

في عام ??? غزا العرب بلاد الأندلس، واتخذوا عاصمتهم العربية هناك مدينة قرطبة العلم والحضارة في ذلك الوقت، وخرج منها علماء كانوا حلقةَ الاتصال بين حضارة الشرق والغرب، وظلت بلاد الأندلس تحمل لواء العلم وخصوصًا فن العقاقير، فظهر أبو القاسم الزهراوي صاحب كتاب التصريف، وطُبِعت ترجمته باللاتينية في أكسفورد عام ????م.
ثم بنو زهر الذين أشبهوا في قرطبة بني بختيشوع في بغداد، وأهمهم أبو بكر محمد بن مروان، ثم عبد الملك أبو مروان بن زهر المسمَّى «أفينزوار» الذي كان له غرامٌ خاصٌّ بالصيدلة، وله مؤلفات عديدة منها كتاب السموم والترياق.
ثم العالم المحقق أبو علي يحيى بن عيسى بن جزلة صاحب كتاب المنهاج، الذي رتَّبه على الحروف الأبجدية وجمع فيه أسماءَ الحشائش والعقاقير … وكان نصرانيًّا ثم أسلَمَ على يدي ابن الوليد، وقد قيل عنه إنه كان يأتي معارفه، ويحمل إليهم الأشربة والأدوية بدون مقابل، وتوفي عام ????م.
ثم أبو الصلت أمية بن عبد العزيز أبي الطب الأندلسي المتوفى عام ????م، وصاحب كتاب الأدوية المفردة. وابن رشد وهو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد المالكي، وُلِد في قرطبة عام ????م، وقرَّبه المهدي يوسف ورقَّاه أسمى المراتب، وقد أخذ علمه عن علماء الإغريق والإسكندرية، وشرح أرجوزة ابن سينا، ومن مؤلفاته كتاب: «كليات ابن رشد»، وأصل مؤلفاته غير موجودة في العربية، وأكثرها مترجم إلى اللاتينية، وقلب الدهر له ظهر المجن، فعيبت عليه أراؤه التي جاهَرَ بها، وصُودِرت أمواله، وأُرغِم على الإقرار علانيةً بالعدول عن آرائه.
(?-?) ابن البيطار

هو ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد الأندلسي النباتي نزيل القاهرة، ومصنِّف كتاب الأدوية المفردة، وكان حجة انتهت إليه معرفة النباتات وتحقيقها ووصفها وأسمائها وأماكنها، ولا يُجارَى في ذلك. سافر إلى بلاد اليونان والرومان. وقال الموفق بن أصيبعة: «وشاهدتُ كثيرًا من النباتات في أماكنها بظاهر بدمشق، وقرأت عليه تفسيره ولا سيما أدوية دايستوريدس، فكنتُ آخذ من غزارة علمه ودرايته شيئًا كثيرًا، وكان لا يذكر دواءً إلا ويعيِّن في أي مكان هو من كتاب دايستوريدس وجالينيوس.»
وكان في خدمة الملك الكامل، وكان يعتمد عليه في صناعة الأدوية المفردة والحشائش، وجعله مقرَّبًا عنده، وعُيِّن بمصر رئيسًا للعشابين، وأهم مؤلفاته هو: مفردات ابن البيطار. وتوفي في دمشق عام ???? ميلادية.

الصيدلة الحديثة


(?) في القرن الثامن عشر

بدأت في ذلك العصر شوكة الصيادلة في الازدياد وتواردت عليهم الأرباح، ولم يكتفوا بأثمان التذاكر وتحضيرها، بل اخترعوا الأدوية المختلفة للكثير من الأمراض، وبلغ دخل بعض الأشخاص ما يقرب من ??? إلى ??? جنيه شهريًّا، واشتد النزاع بين الأطباء والصيادلة في إنجلترا لطغيان الطائفة الثانية على الأولى، وقُدِّمت شكوى ضد صيدلي يُدعَى «وليم روز» بأنه وصف دواء لجزار مريض، وعُرِضت هذه القضية في مجلس اللوردات وأخذت دورًا هامًّا من المناقشات الحادة، وأخيرًا صدر الحكم في جانب الصيادلة، واعتُرِف بهم رسميًّا أنهم من العائلة الطبية Medical Practioners. وقد سبقت ألمانيا جميع دول أوروبا في هذا الباب، وكانت صيدلياتهم في غاية الأناقة والترتيب وحسن الذوق. وصدر في ذلك القرن عدد من الدساتير الطبية يبلغ عددها ?? دستورًا، صدر أولها عام ???? وآخِرها عام ????م. (?) في القرن التاسع عشر

وهو عصر جميع النهضات العلمية، وصلت فيه الصيدلة أوج عظمتها، ويمتاز هذا القرن بثالوثه المقدس الذي أحدث التطور الهائل في علوم الصيدلة والكيمياء الحديثة والطب والعلاج وكشف الجرائم، وغيرها: أولًا: اكتشاف أشباه القلويات Alkalolds في الثلث الأول من القرن التاسع عشر.
ثانيًا: اكتشاف المنومات والمخدرات Anaesthetics في الثلث الثاني.
ثالثًا: اكتشاف كثير من المواد الكيماوية العضوية الصناعية Synthetic organie compounds في الثلث الأخير.
ويمكن أن نشير إلى هذا الثالوث بالرسم الآتي:
?أشباه القلويات?المخدرات والمنوماتالصيدلةالمواد العضوية المركبة كيميائيًّا
(?-?) أشباه القلويات

ومن دواعي الفخر لهذه المهنة الشريفة أن يكون جل المكتشفين لأشباه القلويات من الصيادلة النابهين؛ فقد كانت أبحاث الثلاثة صيادلة S. Seguin, S. Serturner, Desorne في الثلث الأول من هذا القرن عن الأفيون ومواده الفعالة فاتحةً طيبة لاكتشاف هذه الفصيلة من المواد الكيماوية. وكان Desone صيدليًّا فرنسيًّا أجرى الكثير من الأبحاث عن الأفيون، حتى ظن عام ????م أنه توصَّل إلى اكتشاف مادته الفعالة التي ثبت فيما بعدُ أنها الناركوتين، ولذلك سُمِّيت Desone’s salt. وكان Seguin صيدليًّا، وقد كان ماهرًا أجرى أبحاثه عن الأفيون من عام ???? حتى ????، وأجرى أبحاثًا أخرى كثيرة عن خشب الكينا، ولكنه وقع في خطأ عظيم إذ قال إن مادته الفعالة هي هيجيلاتينية. وكان يعاصر هذين الفرنسيين صيدليٌّ آخَر يُدعَى: Fredrich Welhelm adam Serturner، طبع نبذة صغيرة في عام ???? أذاع فيها اكتشافه حمضًا عضويًّا، سُمِّي فيما بعدُ حمضَ الميكونيك، ثم طبع نبذة أخيرة عام ???? فيها اكتشاف المادة الفعالة للأفيون، وسماها في ذلك الحين Morphium، وكافأه المجمع العلمي الفرنسي بمبلغ ???? فرنك؛ لأنه فتح بابًا جديدًا للاكتشاف الطبي باستخلاصه المورفين ومعرفة خواصه. وكان Joseph Pelletier أنبغ صيدليٍّ بحَّاثة ظهَرَ في هذا القرن بعد Scheelc، وهو ابن صيدليٍّ باريسيٍّ أجرى أبحاثه مع صيدليٍّ آخَر هو Geventou، واكتشف مادة الكينين عام ????، وكافأه المجمع العلمي الفرنسي بمبلغ ????? فرنك، وفي عام ???? استخلص Vauqeelin مادة الدفنين، وفي عام ???? اكتشف Gavenuatou & Pelleteir مادة الأستركنين والبروسين. وفي عام ???? اكتشف Robiquet الكوديين. وفي عام ???? اكتشف Winckler الكينيدين. وتتابع منذ ذلك الوقت اكتشاف أشباه القلويات ودراستها وطُرُق استخلاصها وتقديرها، وتغلغلت في أعماق الطب حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من هذه المهنة، وفرعًا هامًّا من أفرع الكيمياء الحديثة.
(?-?) المخدرات والمنومات

وتاريخها قديمٌ جدًّا، فقد ذكر هوميروس المفعولَ المخدر لنباتٍ مصريٍّ قديمٍ سمَّاه Nepenthe، ويظن أنه نبات الخشخاش، ووصف خواصه العلاجية لشفاء بعض الآلام وتسكينها، وقد ذكر هيرودوتس استعمال أبخرة نوع من القنب للتخدير، وفي القرن الثالث أعطى Hoa Thoa العالمُ الصيني أحدَ مرضاه مستحضرًا قنبيًّا فخدَّره، وأجرى له عملية جراحية. وقد استعمل الهنود والصينيون الأفيونَ منذ قديم الزمان بتدخينه، واستعمله قدماء المصريين بتعاطيه بالفم، وذكره ابن سينا وابن البيطار. وفي عام ???? اكتشف سير همفري ديفي الكيماوي فِعْلَ أكسيد الأزوتوز أو الغاز المضحك، ووصف فعله المخدر على نفسه نتيجة استنشاقه في أثناء تجاربه الكيماوية، وقرَّر إمكان استعماله في الطب.
وفي عام ???? أثبت فراداي الكيماوي أن مفعول الأثير هو كمفعول أكسيد الأزوتوز، وبقيت نتائج أبحاث فراداي نظرية فقط يلقيها الأساتذة لطلبتهم في الجامعات، وفي ???? كان فتح جديد في عالم الطب إذ استعمل جيمس سمبسون الأثيرَ كمخدرٍ عامٍّ في حالات الولادة، ووجد أن آلام الوضع تخف دون تأثير على انقباضات الرحم أو ضرر بالجنين، وفي العام نفسه استعمل الكلوروفورم بدل الأثير بناءً على نصيحة الكيماوي والدي Waldi. (?-?) المواد العضوية المركبة كيماويًّا

وكان أول مَن ميَّزَ بين المواد الكيماوية والعضوية وغير العضوية هو لافوازييه، الكيماوي الذي أجهد نفسه كثيرًا في هذا الباب.
وكان Scheele أول مَن صنع مادة عضوية محاكية النبات والحيوان في ذلك العام (????)، فقد صنع حمض الأكساليك بتفاعل السكر مع حمض الأزوتيك، وفي عام ???? حضَّر Dobereiner حمض النمليك بأكسدة حمض الطرطريك، وفي عام ???? حضر Wohler أستاذ الكيمياء في برلين سيانات النوشادر وسيانات الفضة، ووجد أن خواص هذه المادة الجديدة تخالف أملاح النوشادر الأخرى، وتشبه كثيرًا المواد العضوية، وقد انضمَّ إليه Leibig في أبحاثه، وتمكَّنَا فيما بعدُ من اكتشاف C7H5O Benzoil Radical، وعرف مركباته وأملاحه مع الكلورين واليرومين واليود. وُلِد وهيلر في فرانكفورت عام ???? ومات عام ????، ومن أهم أبحاثه هو تحضير البولينا صناعيًّا. وفي عام ???? اكتشف C. F. Gerhardt أحد تلاميذ Leibig طريقةَ تقسيم المواد العضوية إلى فصائل متشابهة سُمِّيت Homologous Series، ولا يزال القرن العشرون يُذكَر بكثير من المواد العضوية التي تُظهِرها أبحاث العلماء، ومحاولة تقليد النبات والحيوان في عناصره وعمله الطبيعي، وليس غريبًا أن يكون بين ما تستعمله الفارماكوبيات المختلفة ما لا يقل عن ??? مادة عضوية صناعية، وقد قمتُ بنفسي بإحصائها، وأهمها ما يقرب من عشرين حامضًا عضويًّا مثل: الجاويك والكافوريك والنووايك وغيرها، واليرميدون والأنتيبيرين وأملاحه، وأملاح الفضة كالإرجيرول والبروتارجول، وبعض أملاح البزموت والبروميورال والبروموفورم، وبعض أملاح الجير وأهمها الجليسروفوسفات والبنين وأملاحه والكريوزوت والهرويين والبيبازيزين والسلفارسان ???، والنيوسلفرسان ???، والجليكول وأملاحه واليودوفورم والمثيلين الأزرق، وغيرها.
تراجم بعض أبطال الصيدلة


(?) ديسقوريدس Dioscorides

يظنون أنه عاصَرَ كليوباترا حوالي عام ??ق.م، وقد خصَّصَ مؤلفاته العظيمة في المادة الطبية لإيزيس وأسكليبياس، وهو من سليسيا، وقد كرَّس وقته ودراسته في ملاحظة النباتات والمواد الدوائية.
(?) جالن Galen

قلما يضاهيه كاتب في كثرة مؤلفاته التي ظلت حوالي ???? عام مرجعًا لعظماء الصيدلة والطب في عصورها القديمة والحديثة.
وُلِد في مدينة برجاموس في آسيا الصغرى عام ???م ومات عام ???م، وكان والده مهندسًا محظوظًا في حياته، وبينما يدرس الشاب جالينوس الفلسفة إذ رأى الوالد حلمًا غيَّرَ مجرى حياة الابن من الفلسفة إلى علم التداوي؛ ولذلك نرى في مؤلفاته الفلسفة والعلم كأنهما مزيج واحد.
تجوَّل في كثير من البلدان مما أكسبه خبرة زائدة وعلمًا فائقًا في كثير من النباتات وخواصها الطبية، ثم رجع إلى بلدته وعُيِّنَ أستاذًا في مدرسة Gladiators في نفس المدينة في التاسع والعشرين من عمره. ثم ذهب إلى روما في الثالث والثلاثين، وتعرَّفَ بالإمبراطور وكثير من الشخصيات البارزة، ويقولون إنه كان لجالن في روما صيدلية خاصة في منزله في شارع «أكرا»، وكانت تحوي نفائس مؤلفاته، وكان الأطباء يحضرون في هذه الصيدلية لاستشارته ومعرفة رأيه الخاص في بعض العقاقير، وكانت تُسمَّى في ذلك الوقت Apotheca. (?) Aetuis

عاش في القرن الخامس للميلاد، وكان له غواية خاصة في التفنُّن في صنع اللزقات، فوصف الكثير منها وطريقة عملها، وقد كان متدينًا إلى حدٍّ كبيرٍ حتى إنه كان يقول أثناء تحضير الدواء: «يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب أعطِ هذا الدواء قوةً من عندك.» وقد جهَّزَ قطرة كان يبيع الزجاجة الواحدة منها بما يوازي ??? جنيه مصري، وكان يسمِّي أدويته في ذلك الوقت Antidotus. (?) سيرابيون الكبير

عاش في الإسكندرية حوالي عام ??? قبل الميلاد، وكان يعتقد أن أساس العلوم الطبية الدوائية الملاحظةُ والتشابه بين الدواء وأعضاء الإنسان، وأغلب معارفه منقولة عن قدماء المصريين.
(?) سيرابيون الصغير

عالمٌ عربيٌّ عاش في أواخر القرن العاشر، ووضع مؤلفاته الكثيرة للمادة الطبية التي ظلت مستعملة حوالي خمسة قرون.
(?) موسى الصغير

عاش في القاهرة عام ????م، وهو معاصر لابن سينا، وطُبِع مؤلَّفه Receptorium antidotorium بمختلف اللغات أكثر من سبعين مرة، ومن داعي الفخر لمصر أن يكون أكثر من نصف أول فارماكوبيا في لندن مأخوذًا عن هذا المؤلف المصري بالنص. (?) نيقولا ميربسس Nicolas Myrpsus

عاش في القرن الثالث عشر، ووضع مؤلفه الضخم الجامع الذي يحوي ???? تذكرة طبية، وظلَّ مرجعًا لجميع علماء الطب حتى عصور قريبة، وطُبِعت ترجمة هذا الكتاب في نورمبرج عام ????، ومن أهم تركيباته تلك الوصفة التي حضَّرَها للبابا نيقولا، وسمَّاها Sel Purgaterius وهي: ملح نوشادر? درهممحمودة? درهمبذور خشخاش? درهمعرق طيب أو سوسن? درهمفلفل?? قمحةجوز ضوير?? قمحةبصل عنصل? قمحةبلحة واحدة?
تُسحَق وتُستعمَل كمسهِّل عظيم الفائدة.
(?) رايموندللي Raymund Lully

وُلِد في بالما من جزيرة ماجوركا عام ????، وتزوَّج في سن الثانية والعشرين، وأنجَبَ ولدين وبنتًا، ولكن كانت حياته المنزلية على شيءٍ من الشقاق، فعاش عيشة التبذُّل، ووقع في غرام سيدة متزوجة اسمها «إمبروسيادي كاستيلو»، وكانت مريضة بالسرطان في ثديها، فأرته إيَّاه حتى تصدَّه عن حبها، فلم يزده ذلك إلا شغفًا بها وبدراسة علم الدواء، وكَرِه العالم وصعد إلى الجبل فبنى بيديه كوخًا جعل منه مسكنًا وصيدليةً ومعمل أبحاث. تجوَّلَ في كثير من البلدان كباريس وروما والبندقية وفلسطين، وتلقَّى في نابولي الكثيرَ عن أرنولوفيلانوفا.
وتوفي عام ????، ولا زال قبره محجَّ كثيرٍ من العلماء في كنيسة سان فرنسيسكو في بالما، وأهم ما أوجده في عالم الصيدلة هو Aqua Vitae أي الكحول بتقطيره من النبيذ، واكتشاف طريقة تركيزه بواسطة كربونات البوتاس. (?) باسيل فالنتين Basil Valentine

وُلِد عام ???? وقد كتب في مؤلفاته الكثيرَ عن الأنتيمون واستعماله في الطب، وكذلك الذهب والزئبق، وشرح طريقةً لصهر الحديد مع الأنتيمون.
(??) باراسلسس Philipus Aureolus Theoprastus Bombast

سويسري المولد، منحدر من عائلة بومباست العريقة، وُلِد عام ????م وتلقَّى أول علومه في جامعة باسيل، وتوجَّهَ إلى وارزبورج ليتلقى في معمل Tristhimius العلوم الكيماوية، فتشبَّع بروحه وجهد نفسه للكشف عن إكسير الحياة، وقد كان طموحًا أن يختلس من الطبيعة أسرارها، وأن يعرف معميات الأدوية، وقد طاف كثيرًا من أقطار أوروبا، وشفى ما يقرب من ?? أميرًا. (??) فان هلموت Van Helmot

وُلِد في بروسيل عام ????، وتوفي عام ????، هَوِي الكيمياءَ ودرس فيها كثيرًا، وأنشأ له معملًا خاصًّا في Vilvorde، وجهد نفسه كغيره من العلماء لكشف حجر الفلاسفة وإكسير الحياة، وله أبحاث هامة على الخميرة، واكتشف ثاني أكسيد الكربون، وبحث في كثير من الغازات وعرف كُنْهَها، وقد كان العلماء قبله يعتقدون أن هذه الغازات والأبخرة ما هي إلا الأرواح الساكنة في المواد التي تنتجها، وقد تمكَّنَ من الحصول على ثاني أكسيد الكربون من الجير والبوتاس والفحم المحترق وبعض المياه المعدنية، ولاحظ أنه لا يحترق ولا يساعد على الاحتراق، وأنه يميت الحيوان، وسمَّاه Gas Sylvestre. (??) جلوبير Glaubre

هو جون رودلف جلوبير، وُلِد في كارلستادت في ألمانيا عام ????م، وهو من زعماء الصيدلة الذين يحق أن يُفخَر بهم.
كان في صغره مريضًا بداء المعدة فشُفِي منه بعد جهدٍ عظيمٍ بتعاطيه بعض المياه المعدنية، وقد دعاه ذلك إلى أن كرَّسَ الكثير من وقته لمعرفة السر في هذا الماء السحري، فأجرى أبحاثه العديدة التي كان أول بشائرها اكتشاف كبريتات الصوديوم الذي سمَّاه الملح المدهش، وسُمِّي بعده ملح جلوبير، وكان ذلك وهو في سن العشرين.
وقد حضَّر النوشادر من العظام، وحضَّرَ منها كبريتات النوشادر بتفاعلها مع حمض الكبريتيك الذي سمَّاه روح الأملاح، واكتشف طريقةً لتحضير كبريتات النحاس، وكان يستفيد من اكتشافاته إذ كان يبيعها لبعض المصانع الكيماوية، وقد اتخذت بعض مصانع ألمانيا رسمَ رأسه ماركة مسجلة لمصنوعاتها.
(??) جولارد Gaulards

هو توماس جولارد، وُلِد في مونبليه، وهو مكتشف محلول تحت خلات الرصاص القوي الذي سُمِّي باسمه، وحضَّرَه بغلي أكسيد الرصاص Letharge مع خل النبيذ مدة ساعة، ثم ترك المغلي يبرد، ثم تصفية السائل الرائق للاستعمال. وقد حضَّرَ كثيرًا من شمعات الرصاص، وحضَّرَ معها اللزقات المختلفة، ومرهم خلات الرصاص، ولكن من مخلوط خلات الرصاص وشمعات الرصاص.
(??) شيل Scheele

هو كارل ولهلم شيل سابع أولاد أحد تجار ستار سند، وُلِد في ? ديسمبر عام ????، وكان ذا ذكاء مفرط، حاد الذاكرة، حاضر البديهة، أجرى الآلاف من التجارب، ولكنه لم ينسَ يومًا نتيجة إحداها. وقد ذكر عنه صديقه الصيدلي Retsius ومدير متحف Sund أنه اشترى من الكتب أكثر ما يمكن بما اقتصده من مصروفه الخاص، وكان يقرأ هذه الكتب مرة أو مرتين، وبذلك يذكر ما يهمه ذكراه منه، ولا ينساه أبد الدهر. ذهب إلى صيدليةٍ في جوتنبرج، وكان يشتغل بها أخوه، وبقي بهذه الصيدلية حتى باعها صاحبها عام ????، فذهب منها إلى صيدلية أخرى في سالمو، وبعد ? سنوات أصبح رئيسًا لمساعدي المستر شارنبرج بمدينة استكهولم، وأصبح أخيرًا مديرَ صيدليةٍ في Koping تملكها أرملة، ثم اشتراها عام ???? بعد أن أنقذها من ديونها. وفي آخِر أيامه لازَمَه الروماتزم ونوبات عصبية حادة، وتزوَّجَ من الأرملة السابقة عام ???? وله من العمر ?? عامًا، وتوفي بعد زواجه منها بيومين. وقد قام في حياته بكثيرٍ من الأبحاث الجليلة أهمها: أولًا: أبحاث كثيرة عن Cream of tartar، توصَّلَ في نهايتها إلى الحصول على حامض الطرطريك، وكتب في ذلك رسالةً طُبِعت فيما بعدُ.
ثانيًا: أبحاث على Flour Spar، وحصل منها على حامض الفلوريك.
ثالثًا: أبحاث على أكسيد المنجنيز الأسود التي توصَّلَ خلالها عام ???? إلى اكتشاف الأكسجين والكلور وماء الباريتا، وقاده ذلك إلى أبحاثه الكثيرة القيمة عن النار والهواء، وتوصَّلَ منها إلى أن الهواء مكوَّن من صنفين من الغاز أحدهما وهو غاز النار Fire air، وهو يشبه تمامًا ما حصل عليه من أكسيد المنجنيز، ثم غاز آخَر غير فعال، وطبع كتابه الغاز والهواء عام ????، وكان اكتشافه لغاز الأكسجين سابقًا لبريستلي.
رابعًا: اكتشافه طريقة تحضير الزئبق الحلو.
خامسًا: اكتشافه حمض النمليك والماليك والأوكساليك والليمونيك والعفصيك والمثلين الأزرق.
(??) جديان ديلا Gidean Delainer

وُلِد في ريمز عام ????، وكان الصيدلي الخاص للملكة أنا ملكةِ الدانمرك، وقد كان نصير الصيادلة للقضاء على الدخلاء، وقد لعب دورًا هامًّا في ترقية المهنة في القارة الأوروبية، وكان له مركزٌ خاصٌّ بين رجال الدولة، وسمَّى نفسه Pharmacopoeius. توفي عن ?? عامًا أدَّى فيها للمهنة جليل الخدمات التي قد تكون السبب الذي وصل بها إلى مركزها السامي، وقد جنى من هذه المهنة ?? ألف جنيه بمعدل ألف جنيه للعام من سني حياته. (??) لويس نيقولا

هو ناظر مدرسة الصيدلة في باريس عام ????–????، وكان أستاذًا في مدرسة المناجم، ثم تولى بنفسه إدارة صيدلية في باريس. وقد اكتشف الكروميوم والجلوسينيوم وكثيرًا من المواد الحيوانية، وأجرى أبحاثًا عديدة على البلادونا والكينا، وعرف الذهب، وقد وضع ما يزيد عن ??? مذكرة علمية.
(??) أنتوان أوغسطين Ontoine Augustine Pormentier

وُلِد في مونبليه عام ????، وتوفي عام ????، وشغل وظيفة صيدلي في الجيش الفرنسي، وأسره الألمان عدة مرات كان خلالها يتغذى على البطاطس التي كانت غذاء الحيوان فقط في ذلك الوقت. وفي عام ???? نال الجائزة التي قدَّمتها الأكاديمية الفرنسية لمَن يقوم بأجلِّ عمل لإفراج الأزمة والمجاعة في ذلك الحين، وذلك بنجاحه في زراعة البطاطس في الأرض الفرنسية.
وقد منحته الحكومة قطعة أرض أجرى فيها أبحاثه عن البطاطس فأفلح فيها، وعمَّت زراعته جميع الأقطار الفرنسية، واستُعمِل كغذاءٍ هامٍّ.
وقد عمل باقة لأول زهرات ظهرت لهذا النبات، وقدَّمها إلى لويس السادس عشر الذي زيَّنَ بها صدره اعترافًا بجميل ذلك الصيدلي العظيم.
(??) أنطوان جيروم Ontoine Gerome Balard

وُلِد في مونبليه عام ????، وحصل منها على دبلوم الصيدلة، وتوفي عام ????، وفي خلال دراسته قام بأبحاث كثيرة على مياه بعض المستنقعات، وتوصَّلَ إلى اكتشاف البروم، وكافأته على ذلك الجمعية الملكية بلندن، ومنحته ميدليتها الذهبية، وأصبح أستاذ الكيمياء في مونبليه.
وقد توصَّلَ بعد مجهود عشرين عامًا إلى طريقة تحضير البوتاس من ماء المستنقعات، وسجَّلَ هذه الطريقة.
(??) يوسف بليير Joseph Pelletier

وهو صيدليٌّ ابن صيدليٍّ ماهرٍ في صناعته، حاز شهرةً واسعةً، ومن أهم أبحاثه اكتشاف الكينين، وكوفئ على ذلك بمبلغ ????? فرنك.
(??) بيير يوسف Piere Joseph Macquer

وُلِد في فرنسا عام ????، وتوفي عام ???? من عائلة سكتلندية عريقة، حصل على ماجستير في الصيدلة ثم دبلوم في الطب، وقد قصر أبحاثه على الكوالين والمانيزيا والزرنيخ والمعادن النفيسة.
(??) بيير فرانسوا Pierre Francceis Rouelle

وُلِد عام ????، وتوفي عام ????، وكان يملك صيدلية في باريس، وهناك ألقى عدة محاضرات خاصة استمعها لافوازييه الكيماوي المشهور، وقد كان يندمج في محاضراته اندماجًا كليًّا ينسيه نفسه حتى يرمي ببرنيطته وملابسه، ويجذب أنظار سامعيه، وقد عُيِّن صيدليًّا خاصًّا للملك، وأهم نتائجه للأبحاث التي قام بها تقسيمُه الأملاحَ إلى حامضية وقلوية ومتعادلة.
(??) موسى كراس Moes Charas

وُلِد عام ???? وتوفي عام ????، وهو صيدليٌّ فرنسيٌّ له أبحاث خاصة في الترياق، وعلم السموم والثعابين، وقد استدعاه ملك إسبانيا لاستشارته في مرض خطير، ومن أهم أعماله أنه وضع أول فارماكوبيا تُرجِمت إلى أغلب لغات العالم حتى الصينية.

الصيدلة عند اليونان والرومان


وتنقسم دراسة الصيدلة خلال هذا العصر إلى أربعة أقسام: أولًا: عصر إسكليباس من عام ???ق.م إلى عام ???ق.م.
ثانيًا: عصر هيبوقراط من عام ???ق.م إلى العام ???ق.م.
ثالثًا: ما بين هيبوقراط وجالن أو العصر السكندري أو السير أبيوني من عام ??? إلى ???ق.م.
رابعًا: العصر الروماني أو الجاليني، وذلك حتى ميلاد سيدنا محمد ? عام ???م.
وكانت الروح العلمية الغالبة في بلاد اليونان هي الفلسفة، وكانت الفلسفة تطغى على كل شيء أمامها، وفلاسفة الإغريق كشكول علوم أو هم علماء فلك وطب وصيدلة ودين وأخلاق في وقت واحد. وكان للفسلفة اتصال وثيق بالصيدلة والطب كما ذكرنا سابقًا، وكان العصر الهوميري قبل الميلاد بحوالي ???? عام، فامتاز بالروح القصصية الشعرية ممزوجة بالتاريخ والفلسفة والطب، وتكلَّمَ عن شيرون سيد الصيدلة في إلياذته.
ثم جاء Thales في القرن السادس قبل الميلاد، وهو أبو الفلك، وكان أول سبعة رجال مشهورين في ذلك الوقت، وتبعه فيثاغورس، وكان تلاميذه يزورون مرضاهم في منازلهم. ثم Xenophanes وEmpedocles الذي اخترع نظرية أصل المادة، ثم اسكليباس الشهير عام ???ق.م، ثم هيرودوتس عام ???ق.م. ثم مضت بعد ذلك فترة هدوء تخبَّطَ فيها علم الصيدلة والأقرباذين بين السحر والشعوذة، وكانت فيها معابدُ اسكليباس ملاجئَ المرضى، وأصبح كهنة اسكليباس الأطباء والصيادلة ذا مركز عظيم، ونهجوا نهج قدماء المصريين والأشوريين والبابليين في تعليق لوحات الأدوية في معابدهم.
وقد اهتم علماء الإغريق في هذه الفترة بعلاج الجروح، ولدغ الثعبان، والأمراض الوبائية، وقد أكَّدت أقوال «بلاتو وبلوطارخ وينيدر» هذه الحقائق.
وقد كانت معابد اسكليباس مستشفيات لجميع الأمراض، يؤمها الكثير، ويخرجون منها بقوة الإله معافين. كان بين أدويتهم الشائعة في ذلك الوقت المغليات والمنقوعات واللبخ والحمامات.
ويرتفع تاريخ الصيدلة والعقاقير فجأةً في عصر هيبوقراط الزاهر؛ إذ أُنشِئت منذ ذلك الوقت المدارسُ لتلقي هذه العلوم عن نوابغ علماء العصر الفلاسفة، وفد أنشأ بعضهم من ماله الخاص المستشفيات والصيدليات العامة للمداولة.
وقد قال عنه Littré إن مؤلفات هيبوقراط هي حجر الأساس في علوم الصيدلة والطب، وأن العلاقات الوثيقة في تلك الأيام بين مصر واليونان من جهةٍ، ومصر وبلاد العجم والهند من جهة أخرى أوجدت تبادلًا في الآراء العلمية، وأدخلت كثيرًا من النباتات الشرقية بين عقاقير اليونان. وقد جمع Leclere من بين مؤلفات هيبوقراط ما يقرب من ??? عقار، منها: العصارات والأنبذة والثمار والدهنيات وكثير غيرها. وكانت هذه الأدوية ومركباتها التي اخترعها هيبوقراط هي دستور الإغريق الدوائي في ذلك الحين.
وُلِد هيبوقراط عام ???ق.م في مدينة كوس من أبوين إغريقيين عريقين، فأبوه هيرقليدس من سلاسة اسكليباس، وأمه فيناريتا من سلالة هرقل، وجميع أجداده من الكهنة الذين مارسوا مهنة العلاج. وقد عمر ??? أعوام ترك للعالم بعدها آثارًا علمية قيِّمة، ووضع الحجر الأساسي للأنظمة الحديثة في دراسة الصيدلة. كان فليسوفًا عظيمًا وطبيبًا ماهرًا وصيدليًّا بارعًا، وقد قال نفسه: «إننا نعرف طبيعة الأدوية البسيطة والمركبة، ونعمل منها وصفات ومستحضرات مختلفة بطرق عديدة وأشكال متباينة، ونجمع النباتات الطبية في مواعيد مختلفة، فمنها ما يُجمع مبكرًا، ومنها ما يُجمع متأخرًا، وما يُجفَّف وما يُحمَّص وما يُطبَخ، ونصنع منها الأبخرة واللبخ والغراغر واللبوسات والشموعات والقطرات والأقراص، وجميع المستحضرات.»
وقد كان هيبوقراط من أنصار الحقن الشرجية والملينات النباتية، ثم ظهر عام ???ق.م العالمُ Democritus مخترع نظرية المادة والذرة، وبعده تلميذه ليكيبس أو الفليسوف الضاحك، ثم جاء الفليسوف سقراط عام???ق.م، ومات مسمومًا بجرعة من الثوكران Hemlock، ثم ظهر بعده تلميذه «بلاتو» عام ???ق.م، ثم العالم الفليسوف أرسطو تلميذ بلاتو الذي وُلِد في عام ???ق.م وتعلَّم علم الدواء، وخلف أرسطو مؤلفات كثيرة في الفلك والكيمياء والنباتات الطبية وعلم الحيوان، ويذكر بعض المؤرخين أنه أصبح يومًا ما أخصائيًّا لبيع الأدوية Mere Seller of druge، وهو يُعتبَر أول صيدليٍّ متخصِّص، وقد تعلَّمَ هذا الفن عن أبيه «نيكوماكوس»، وأصبح يومًا أستاذ الإسكندر الأكبر، وتتلمذ عليه ثيوفداستس بين عامَيْ ???–???ق.م، وأهم ما أخذه عنه علم النبات حتى توسَّعَ فيه، ولُقِّبَ بأبي علم النبات  Father of Botany. وجاء الإسكندر الأكبر فأسَّسَ في مصر مدينة الإسكندرية العظيمة التي أصبحت أيام بطليموس الأول المركز الفكري وكعبة العلم، يحجُّ إليها العلماء من مختلف طبقاتهم من جميع أنحاء المعمورة، فقد أسَّس فيها عام ???ق.م مدرسة الإسكندرية ومكتبتها الشهيرتين. وجلب لها خيرة العلماء من بلاد الإغريق، وأنشأ فيها معاهد التعليم ومعامل الأبحاث، وظلت كذلك دائرة معارف العالم حتى عصر بطليموس الثالث عام ???ق.م، وساعد رواج التجارة العظيم بين الأقطار الشرقية — وخصوصًا بين دولة البطالسة في ذلك الحين وجميع أقطار أفريقيا وآسيا — على معرفة كثيرٍ من الأعشاب والعقاقير النباتية.
وقد ظهر في عصر عظمة الإسكندرية العلمية سيرابيون عام ???ق.م، فأدخل في علم الصيدلة كثيرًا من الأدوية الحيوانية غير المقبولة مثل مخ الجمل، وبراز التمساح، وقلب الغزال، ودم السلحفاة، وخصى الخنازير البرية، وظلت جميعها مستعمَلة حتى القرن الثامن عشر للميلاد.
وأنشئ بعد ذلك العصر الكثير من المدارس الطبية التي قسَّمت برامجها إلى تشريع وعقاقير، وظلت كذلك حتى جاء هيراقليدس الذي نبذ التشريح بتاتًا، وركَّزَ العلوم الطبية على أساس علمي واحد وهو معرفة العقاقير المختلفة وخواصها وتأثيرها، وهو أساس علم الصيدلة الحديث، وهو أول مَن استعمل الأفيون لتسكين الآلام، ومن أشهر وصفاته التي استعملها في حالات الكوليرا هي:
بذور الحشيش? درهميانسون? درهم تُعيَّن وتُقسَّم إلى ?? حبةأفيون??? درهم
وحوالي عام ??? قبل الميلاد اكتشف منيقراطس اللزقةَ المعروفة باسم Dicylon، وصنعها من كثير من العصارات والزيوت والرصاص. وفي عام ??ق.م درس Mithridates ملك بنطس علم السموم، واكتشف الترياكا المعروفة باسمه، والتي سنأتي على ذكرها فيما بعدُ، وحوالي ذلك التاريخ أيضًا اكتشف ديمقراطس مسحوقًا للأسنان ذاع استعماله بين الأهلين، وانتشر كثير من استعمال المروخات وغيرها. وعند ابتداء العصر الروماني كثرت الأسماء والمترادفات، وأوجدت ارتباكًا عظيمًا لا يُستهان به، ولم تكن الأدوية والعقاقير تُعطَى لشفاء الأمراض فقط، بل لحرقة الحب ولوعة المحبين أيضًا. وذكر Celsus عام ?? بعد الميلاد أن ابتداء تمييز أفرع طبية منفصلة انفصالًا كليًّا ظهر في مدينة الإسكندرية قبل الميلاد بحوالي ??? عام، وقد ميز من هذه العلوم الطبية ثلاثة أنواع: أولها: علم الأغذية Dietetics.
ثانيها: الجراحة.
ثالثها: الصيدلة، وسمَّاها بالاسم اللاتيني وهو Medicamentarius.
وظل العالم بعد ميلاد المسيح — عليه السلام — مشغولًا بالتعاليم المسيحية الدينية الجديدة زمنًا تغيَّرَ فيه مجرى التيار العلمي قليلًا من الفلسفة والعلم إلى الدين، وظلَّ كذلك فترة وجيزة من الزمن عدَّها العلماء فترةَ انتقالٍ استجمع العالم فيها قواه، وطبع بطابع جديد، حتى ظهر في القرن الثاني للميلاد العالِمُ جالن الذي وُلِد في اليونان عام ??? ميلادية، وكان صيدليًّا بارعًا، ومرجعًا من مراجعها العظام، وإليه تُنسَب المستحضرات النباتية حتى الآن؛ إذ يقولون Galenicals، وقد استعمل أبخرة الزرنيخ في علاج كثير من الأمراض، وهو مكتشف Cold cream، وتركيبه لم يتغيَّر حتى الآن، وقلَّمَا يضاهيه عالِم في كثرة مؤلفاته التي ظلت حوالي ???? عام مرجعًا لعلماء الصيدلة والطب، ومن دواعي الفخر لمصر أن يكون جالينوس قد تلقَّى علومه الأخيرة في الإسكندرية، وقد اكتسب خبرته من تجواله في كثير من البلدان، وكان أستاذًا في مدرسة جلادياتورز في السنة التاسعة والعشرين من عمره. وظهر قبل جالن في القرن الأول للميلاد العالم ديسقوريدس، واضِع أول مادة طبية منظمة في العالَم في كتابه العظيم الذي ظهر في سلسيا عام ??ب.م، وكان صيدليَّ الجيش الروماني أثناء سفره إلى اليونان وإيطاليا وآسيا الوسطى، وعاصَرَه من العلماء الصيادلة النابغين Pliny & Celsus الذي مات مختنقًا بغازات بركان فيزوف. وقد ذكر جالن تلك القصيدة العصماء لاندروماكس في وصف الترياق، فقد كان هذا صيدليًّا شاعرًا. وإذا ما عرجنا بشعراء الصيدلة فلا ننسى سيرفليدس وThemesia الذي نظم القصائد الكثيرة في وصفات الشعر. وفي القرن السادس للميلاد استعمل Alexander de Trollas اللحلاح للنقرس، والحديد لفقر الدم، والراوند لضعف الكبد والدوسنطاريا، وكان نابغة عصره في علم الدواء، وله في كثير من العقاقير آراء خاصة. أيتيوس Aetius عاش في القرن الخامس للميلاد، وكانت له غواية خاصة في صنع اللزقات، فوصف الكثير منها، وذكر طريقة عملها.
الصيدلة في الكتاب المقدس


يُعَدُّ الكتاب من أهم المراجع العلمية وأدقها خصوصًا التوراة؛ إذ قال عنه علماء الإفرنج إنه يجب على مَن يرغب التعمُّق في دراسته أن يكون مُلِمًّا وعلى درايةٍ تامة بعلوم التاريخ الطبيعي والفلك وخواص العقاقير.
وليس غريبًا إذا علم الإنسان أنه جاء في الكتاب ذكر ما لا يقل عن ??? عقار استعملها قدماء بني إسرائيل في وصفاتهم الطبية، وروائحهم العطرية، وزيوتهم المقدسة، ولم يأتِ ذكر الطب والأطباء كثيرًا في الكتاب المقدس؛ لأن الكهنة لم يتعاطوا هذه المهنة كقدماء المصريين، غير أن الكتاب ذكر لنا في سِفْر أخبار الأيام الثاني إصحاح ?? وجودَ طائفتين مختلفتين من أصحاب المهن الطبية في ذلك الوقت، يبرهن على ذلك أنه كان لكلٍّ منها صناعة مستقلة بذاتها لا يتعداها، هما الطب والصيدلة.
وكان الصيادلة الأولون نباتيين عشَّابين بحكم فطرتهم، وطبيعة الأرض التي أقاموا بها، فلم يعرفوا غير ما هو نباتي من العقاقير التي تحققوا من صلاحيتها وتأثيرها بالملاحظة. وأول هؤلاء سيدنا نوح؛ إذ يقول الكتاب في سِفْر التكوين إصحاح ?: «فبدأ نوح يكون فلاحًا، وغرس كرمًا، وشرب من الخمر، فسكر وتعرَّى داخل خيامه، فلما استيقظ من خمره علم ما فعل به ابنه.» وبديهي من ذلك أن نوح عرف الخمر، وعرف مفعولها المسكر والمخدر، بل خبر نفسه كل أدوارها.
وتقدَّم هؤلاء الصيادلة العشَّابون شيئًا فشيئًا، وشغل الكثير منهم نفسه ووقته في صناعة العطور والتفنُّن في تحضيرها، وكان للعطور في الأزمان القديمة مركزٌ خاصٌّ ممتازٌ؛ فمنها ما كان يُحضَّر للزينة للملوك والملكات كما جاء في سِفْر إستير، ومنها ما كان يُحضَّر للبخور والمسحة كما جاء في سِفْر التكوين. وبذلك كوَّنت صناعة الأطياب فرعًا هامًّا من فروع دراسة العقاقير، وغلبت تلك الروح في الصيادلة القدماء حتى أُطلِق عليهم لفظة عطَّار، وترجمهتا بالإفرنجية Apothecary التي ترجمتها الصحيحة: صاحب مخزن العقاقير، وظلت الكلمة حتى القرن الثامن عشر مستعمَلة للدلالة على الصيدلي. وأما كلمة صيدلي فهي أحدث من عطار، وينسبها العرب إلى الصندل ذلك النوع من العطور الذي كان شائعًا عند العرب، ومنها جاءت كلمة صيدلي وصندلي. وقد فرَّقَ الكتاب المقدس — كما قلنا — بين الطبيب والصيدلي في سِفْر أخبار الأيام الثاني؛ إذ يقول عن آسا الملك ابن أبيا بن رحبعام بن سيدنا سليمان: «ومرض آسا في السنة التاسعة والثلاثين من ملكه في رحيله حتى اشتد مرضه، وفي مرضه أيضًا لم يطلب الرب بل الأطباء، ثم اضطجع آسا مع آبائه ومات في السنة الحادية والأربعين لملكه، فدفنوه في قبوره التي شيَّدها لنفسه في مدينة داود، وأضجعوه في سريرٍ مملوءٍ أطيابًا وأصنافًا عطرة حسب صناعة العطارة.»
ويرجح كثير من علماء الدين والمؤرخين والصيادلة كما يبرهن الكتاب نفسه أن الإسرائليين أخذوا صناعة الصيدلة والعطارة عن الفراعنة أيام وجودهم بمصر، كما أخذوا غيرها من العلوم والفنون، وفي ذلك يقول الكتاب: «وتعلم بحكمة المصريين.»
وقد دلنا الكتاب عن شهرة قدماء المصريين الذائعة الصيت في صناعة العقاقير، وأنهم كانوا أئمة هذا العلم يستعملونه بكثرة ودراية، وفي ذلك جاءت الآية في سِفْر إرميا إصحاح ?? عدد ??: «اصعدي إلى جلعاد، وخذي بلسانًا يا عذراء بنت مصر، باطلًا تكثرين العقاقير لا رفادة لك».
ولقد ورد عن الصيدلة أو صناعة العقاقير والعطارة في الكتاب آيات كثيرة غير ذلك دلَّتْ على ما كان للصيدلة من مركزٍ سامٍ ورفعةٍ علميةٍ، وما كان يحيطهم من التقدير والإجلال؛ إذ كلَّمَ الرب موسى في سِفْر الخروج إصحاح ?? قائلًا: «وأنت تأخذ لك أفخر الأطياب مرًّا قاطرًا خمسمائة شاقل، وقرفة عطرة نصف ذلك مائتين وخمسين، وقصب الزريرة مائتين وخمسين، وسليخة خمسمائة شاقل بشاقل القدس، ومن زيت الزيتون هينًا، وتصنعه دهنًا مقدَّسًا للمسحة عطر عطارة صنعة العطار.»
وفي هذه الآية يعلِّم الله موسى تلك الوصفةَ الطبية المقدسة لزيت المسحة مُبيَّنة بها مقادير كأحسن التذاكر الطبية الحديثة، ويأمره أن لا يحيد فيها عن طريقة العطار وأصول الصنعة، أو ما يسمونه في العلم الحديث Seeordum Artem، وأن يتبع هذه الطريقة بحذافيرها، وذلك دليلٌ قويٌّ على أن هذه الصنعة كانت غاية في الرقي في ذلك العصر، أي منذ حوالي ???? سنة تقريبًا. وقال الرب لموسى خذ لك أظفارًا وميعةً وقنةً عطرةً ولبانًا تكون أجزاءً متساويةً، فتصنعها بخورًا عطرًا صنعة العطار.
وكذلك في سِفْر نحميا الإصحاح ? والعدد ?: «وبجانبه رمم حنانيا من العطارين»، وظل زيت المسحة عادة متوارثة من أقدم العصور في تدشين أعظم الملوك، وأبرز الأمثلة على ذلك زيت المسحة الذي يستعمله الإنجليز لدهن ملوكهم عند توليتهم العرش.
وعلى ذلك الاعتبار نرى كثيرًا من أنبياء ذلك الزمان صيادلة عالمين بخواص كثيرٍ من العقاقير النباتية، وكانوا يصفونها في كثير من الأحيان فتشفي المرضى بقوة إيمانهم، وبالسر الإلهي الموكل إليهم، كما جاء في سِفْر الملوك الثاني: «فقال إشعياء: خذوا قرص تين، فأخذوها ووضعوها على الدبل فبرئ.»
ومَن يدري فقد يكشف البحث الحديث عن بعض أسرار طبهم وعقاقيرهم. وقد وصلت الصيدلة في العصر المسيحي في مصر مركزًا ممتازًا، يدلُّك على ذلك قرطاس زويجا الذي عثر عليه علماء الآثار، والذي يُعَدُّ دستور الأدوية عندهم في ذلك الوقت، وهو مكتوب باللغة القبطية الصعيدية، وترجمه شاسينا، وأغلب عقاقيرهم مما كان متداولًا عند قدماء المصريين، غير أنهم استبدلوا في تعاويذهم الطبية أسماء إيزيس ورع وآمون بجبرائيل وروفائيل وميخائيل.
واسمع إلى الكتاب المقدس كيف يجيد تشخيص الأمراض، وخاصةً الجلدية منها في سِفْر اللاويين إصحاحات ??، ??، ?? إذ يقول: «وكلَّمَ الرب موسى وهارون قائلًا: إذا كان إنسان في جلد جسده ناتئ أو قوباء تصير في جلد جسده ضربة، يؤتى به إلى هارون الكاهن أو أحد بنيه الكهنة، فإن رأى الكاهن الضربة في جلد الجسد، وفي الضربة شعر قد ابيضَّ، ومنظر الضربة أعمق من جلد جسده، فهي ضربة برص. ولكن إذا كانت الضربة لمعة بيضاء في جلد جسده، ولم يكن منظرها أعمق من الجلد، ولم يبيضَّ شعرها؛ يحجز الكاهن المضروب سبعة أيام، فإن رأى الكاهن في اليوم السابع وإذا في عينه الضربة قد وقفت ولم تمتد الضربة في الجلد، يحجزه سبعة أيام ثانية، فإن رأى في اليوم السابع وإذا الضربة كامدة اللون ولم تمتد من الجلد، يحكم الكاهن الضربة أنها حزاز. وإذا كان رجل أو امرأة فيه ضربة في الرأس أو الذقن، ورأى الكاهن الضربة وإذا منظرها أعمق من الجلد وفيها شعر أشقر دقيق، يحكم الكاهن بنجاسته أنه قرع …» وهكذا يضع الكتاب منذ آلاف السنين تشخيصًا دقيقًا للبرص والحزاز والقرع.
وأود أن أذكر القليل من تلك العقاقير التي ذُكِرت في الكتاب وفوائدها:
(?) قصب الذريرة Acorus Calamus

نبات كالغاب والقصب ينمو في الولايات المتحدة وألمانيا وإنجلترا وروسيا والهند، وأعطر أصنافه هو الهندي، ويُستعمَل من هذا النبات أجزاء السيقان المدادة التي تُسمَّى بالريزومات، ويُجمَع في فصل الخريف، ويحتوي على ???? إلى ???? من زيتٍ عطريٍّ، ومادة راتنجية، وأخرى قابضة.
ويُستعمَل في الطب طاردًا للأرياح ومنعشًا مرًّا مقويًا في جرعات تتفاوت إلى ? جرامات، واستُعمِل كثيرًا في التوراة للتعطير والبخور، وقد ورد ذكره في سِفْر الخروج ونشيد الإنشاد الإصحاح الرابع، العدد ??؛ إذ يقول: «ناردين وكركم قصب الذريرة وقرفة من كل عود اللبان مر وعود من كل أنفس الأطياب.»
(?) البلسان أو بلسم جلعاد Balsamo-Dendron Jileadense

وهو الراتنج أو المادة الصمغية المتحصلة من هذا النبات، وهو شجيرة تنمو في شرق الأردن ومدينة جلعاد، وكانت تُستعمًل في التكوين طبيًّا؛ إذ جاء في إصحاح ?? أنه كان بين الهدايا التي أرسلها يعقوب إلى ابنه يوسف في مصر: «خذوا من أفخر جَنْي الأرض في أوعيتكم، وأنزلوا للرجل هدية قليلًا من البلسان، وقليلًا من العسل، ولادنًا وفستقًا ولوزًا.»
وفي إصحاح ?? عدد ??: «ونظروا إذا قافلة إسماعيليين مقبلة من جلعاد، وجمالهم حاملة كثيرًا وبلسانًا ولاذناد، ذاهبين لينزلوا بها أرض مصر.»
وفي إرميا إصحاح ?? عدد ??: «اصعدي إلى جلعاد وخذي بلسانًا يا عذراء بنت مصر، باطلًا تكثرين العقاقير ولا رفادة لك.» وفي إصحاح ?? عدد ?: «سقطت بابل بغتةً وتحطمت ولولوا عليها، خذوا بلسانًا لجرحها لعلها تشفى.»
ويحتوي هذا البلسان على زيتٍ عطريٍّ بنسبة ???? وكذلك راتنج وحمض العفصيك، وتُستعمَل كمقوٍّ وطاردٍ للبلغم وقابضٍ للجروح.
(?) الأفسنتيين Yaruous artmiaia

وهو من الفصيلة المركبة، ومن أنواع الشيح، وهو نبات شجيري ينمو في الولايات المتحدة وأوروبا وشمال أفريقيا، وتحتوي أوراقه — وهي المستعملة طبيًّا — على زيت عطريٍّ بنسبة ???? وراتنجات ومواد مرة، وهو سامٌّ ويُستعمَل بجرعات صغيرة، مقوٍّ ومنشِّط وطارد للديدان ومجهض، وقد ورد ذِكْر ذلك كثيرًا في سِفْر إرميا إصحاح ??: ??: «ها أنا أطعمهم أفسنتينًا، وأسقيهم ماء العلقم. أيحرث عليه البقر، حتى حوانم الحق سمًّا وثمر البر أفسنتينا.»
(?) الحشيشة الزوفاء Hyssop or Capparis spinosa

وهي حشيشة لا يزيد طولها عن ??سم، تنمو في آسيا الوسطى وشواطئ البحر الأبيض، ومن النباتات التي موطنها مصر، وخواصها عطرية ومقوية وطاردة للأرياح ومسكنة.
وهو نباتٌ سامٌّ، وهو الآن موضع أبحاث كثيرٍ من العلماء لاكتشاف جميع خواصه العلاجية وموارده الفعالة، وكان يُستعمَل أيام اليهود للرش والتطهير.
وذكرت في سِفْر الخروج إصحاح ?? عدد ?? يقول: «خذوا باقة زوفاء واغمسوها في الدم الذي في الطست …» وكذلك في سِفْر اللاويين إصحاح ??.
وفي سِفْر الملوك الأول إصحاح ? عدد ?? إذ يقول عن سليمان إنه تكلَّم عن الأشجار من الأرز النابت في لبنان إلى الزوفاء النابت في الحائط، ومن هذا نرى أن سليمان كان عالمًا نباتيًّا عظيمًا.
ومن المزمور الحادي والخمسين لسيدنا داود يقول: «طهِّرني بالزوفاء فأطهر، اغسلني فأبيضَّ أكثر من الثلج.» وترجم الإنجليز كلمة Purge التي معناها أعطني مسهلًا. وجاء في يوحنا إصحاح ??: ??: «وكان إناءً موضوعًا مملوءًا خلًّا، وإسفنجية من الخل وضعوها على زوفا …» وفي متى ??: ??.
(?) المقل Bedellium

وهو راتنج صمغي ناتج عن أصناف النبات المسماه … وهو يشبه المر في منظره، ويباع قطعًا مثل المستكة ولكنه أحمر اللون طعمه يشبه طعم الفلفل، وينمو في أفريقيا والهند وبلاد العرب والنوبة، وهو من أقدم النباتات التي ذُكِرت في التوراة أيام آدم إذ يقول: «ذهب تلك الأرض جيد، هناك المقل وحجر الجزع …» تكوين ?: ??، وفي سِفْر العدد إصحاح: «وأما المن فكان كبذر الكسرة، ومنظره كمنظر المقل.»
(?) المر Myrrh

وهو من نفس فصيلة المقل، وينمو في شمال أفريقيا وبلاد الصومال واليمن، ويُستعمَل كدواء مَعِديٍّ منشِّط، وفاتح للشهية ومسهل، ولغسيل الأسنان، وكان يُستعمَل في التوراة في دهن المسحة ودفن الموتى، وجاء ذكره في إنجيل متى إصحاح ??: ??: «أعطوه خلًّا ممزوجًا بمرارة ليشرب، فلمَّا ذاق لم يرد أن يشرب.» وفي مرقص إصحاح ??: ??.
(?) بخور اللبان

وهو المادة الصمغية العطرية المتخلفة على النبات المسمَّى Pinus بعد إفراز العصير المسمى بالبلسم، ويُستعمَل للبخور، وجاء ذكره في: سِفْر الخروج إصحاح ?? عدد ??.
سِفْر التثنية إصحاح ?? عدد ??.
سِفْر أرميا إصحاح ?? عدد ??.
سِفْر أرميا إصحاح ? عدد ??.
سِفْر أرميا إصحاح ?? عدد ?.
سِفْر أرميا إصحاح ?? عدد ??.
سِفْر أشعياء إصحاح ?? عدد ??.
سِفْر أشعياء إصحاح ?? عدد ?.
سِفْر أشعياء إصحاح ?? عدد ?.
(?) الزيتون

وتُعتبَر شجرة الزيتون شجرة مقدسة رمز السلام، وعنوان المحبة والإخاء، وأول ما جاء ذكرها أيام سيدنا نوح في سِفْر التكوين، واستُعمِل زيته في دهن المسحة.
(?) الناردين Spikerardi

وهو زيت من فصيلة اللاوندة، ويُستخرَج من زيت الناردين الفاخر، وكان الناردين من أحسن العطور وأكثرها شيوعًا وأغلاها ثمنًا لرائحته الزكية، وقد ذُكِر عدة مرات في نشيد الإنشاد إصحاح ? عدد ?? إذ يقول: «جاءت امرأة ومعها قارورة طيب ناردين خالص كثير الثمن، فكسرت القارورة وسكبته على رأسه.»
(??) الصبر Aloe

جاء ذكره في سِفْر العدد إصحاح ?? عدد ?، وسِفْر مزامير إصحاح ?? عدد ?، وسِفْر أمثال إصحاح ? عدد ??.
وقد جاء غير ذلك ذكر كثير من العقاقير مثل: القرفة العطرة، والحناء، والسليخة، والعود، والشبة، والتعطينة، والخردل، والكمون، واليانسون، والنعناع، والسيدار، والزعفران، وقشر الرمان، وجميعها تُستعمَل في الطب.
ووفق هذا وقبل كل هذا، فقد كان المسيح له المجد أكبر أطباء الروح والمعالج الأعظم؛ فقد شفى الأعمى والأكمه والأبرص وأقام الموتى.
وكان لوقا البشير من كبار أطباء عصره كما ينصُّ بذلك الكتاب.

الصيدلة في القرن العشرين


وما إن أقبَلَ مستهلُّ القرن العشرين حتى استهوى العلماء والأطباء والصيادلة البحث العلمي في مختلف أنواع العقاقير، وظهر منها ما غيَّرَ مجرى العلاج الطبي وما له من خطره العلمي، ونال المكتشفون منهم جوائز عالمية كجائزة نوبل.
وقد امتاز هذا العصر وخصوصًا النصف الأول من هذا القرن بالكشف عن عقاقير هامة في مقدمتها: (?) مضادات الحيوية Anti-biotics.
(?) الهرمونات Hormones.
(?) الفيتامينات Vitamines.
(?) مركبات السلفا Sulph compounds.
(?) مضادات الحيوية

إن ما يحدث بين الكائنات الدنيا الميكروسكوبية من تنازع البقاء أكثرُ ممَّا يحدث بين الكائنات العليا من أنواع النبات والحيوان؛ فهناك قتالٌ مستمرٌّ، وهناك كائنات تقضي على أخرى، وحياة تفني حياة …
باستور وجوبرت ????
إن الأفراد التي تتكون منها أية مجموعة من الكائنات، سواء أكانت من البشر أو من المخلوقات الحية الأخرى؛ إنما هي دائمة الانفصال والتأثُّر بالبيئة، وأكثر من هذا فإن الكائنات الحية المجاورة والأعضاء والخلايا إنما هي من أهم عناصر هذه البيئة.
وكثير من الأعضاء والخلايا المتشابهة أو المختلفة لا يمكنها أن تتواجد في حيِّز محدود ما لم تؤثِّر وتتأثَّر بما جاورها. وهذه الحقيقة الهامة أساسية في دراسة النمو والتطور، وعلاقة هذه الكائنات ومدى تأثيرها على غيرها، ومدى انفعالها بغيرها، وهذه الحقيقة أو القاعدة العلمية تنطبق جميعَ الانطباق على أعضاء الجسم الواحد أو على الأجسام المختلفة، والمجموعات الحيوانية والنباتية المتباينة.
كما أن هذه النظرية أيضًا — نظرية التأثير والانفعال — يمكن تطبيقها أيضًا على الكائنات الميكروسكوبية، ومدى صحتها في الحياة العملية المحلية، ومدى مقدرتها الشفائية من المتاعب والأمراض في الإنسان والحيوان والنبات، هذا هو موضوع البحث الجديد والميدان الذي تُدرس في مضادات الحيوية.
وكلمة مضاد للحيوية Antibiotic حسب اشتقاقها اللاتيني تعني بأوسع معانيها: كل عامل أو مؤثِّر بالحيوية، وكلمة Antibiosis استعملها لأول مرة فيلمين عام ???? عندما كتب: «إن الأسد الذي يثب على فريسته، والثعبان الذي ينفث سمه في ضحيته قبل التهامها؛ لا يمكن اعتبارهما طفيليات Parasites؛ فليس هناك التباس في أن أحدهما يقضي على حياة الآخَر ليحيا هو، فأحدهما مجاهد كدود والآخَر مستسلم جامد، وكلاهما على طرفَيْ نقيض، والعلاقة بينهما في منتهى البساطة يمكن تسميتها تضاد الحيوية Antibiosis، والعنصر الغالب يُسمَّى Antibiotie. من هنا أمكن التفريق بين الطفيليات ومضادات الحياة.» ولكن في الصيدلة والطب، فإن كلمة مضاد الحيوية إنما تعني في حدودها الضيقة أيَّ مادة يفرزها أيُّ كائن ميكروسكوبي تقضي على الحياة أو تعيق نشاطها، أو توقفه في أي كائن ميكروسكوبي آخَر، حتى ولو كانت هذه المادة التي يفرزها الكائن الميكروسكوبي موجودة بنسبة ضعيفة، ومن هنا يمكن استبعاد المواد القاتلة للبكتريا المشتقة من النبات والحيوانات العليا.
وفي بعض الحالات أمكن استخلاص هذه المواد المضادة للحيوية من الكائنات الميكروسكوبية نفسها، أو من السوائل التي تعيش فيها، وأمكن تنقيتها وتحقيقها كيماويًّا، ولكن في حالات كثيرة أخرى أمكن تحضير خلاصات خام، ولم يمكن فصل موادها الفعالة.
وقد عُرِفت هذه المواد منذ أزمان بعيدة عن طريق تأثيرها فقط، فقد عرفها الصينيون منذ ???? عام؛ إذ أمكنهم معرفة الخواص الشفائية للغشاء الطفيلي الذي ينمو على نبات الفول الصويا عندما عالجوا الجمرة والدمامل وما أشبه ذلك.
وقدماء المصريين، أولئك الذين حملوا مشعل الحضارة، قد استعملوا العفنَ الذي ينمو على اللحوم لعلاج الربو والأمراض الصدرية في تذكرة مشهورة وردت في بردية إيبرس، تتكون من: أربعة مقادير من الحنظل، وأربعة مقادير من الحموت، وأربعة من البصل، وخمسة مقادير من اللحم المتعفن، وأربعة من دهن الأرز، ومقدارين من الحبة الحمراء … تُغلَى جميعها على النار وتُصفى وتُشرَب لمدة أربعة أيام.
ومن قرأ تاريخ حياة البنسلين يرى أن العالم فيليمنج عام ???? عندما كان يستنبت نوعًا من الميكروب العنقودي على مزرعة من الأجسار في طبق من الزجاج، تلوَّثت المزرعة بنبت فطري دخيل تسرَّبَ إليها من الجو المكشوف، وكتب في مذكراته أن هذا النبت الفطري الذي أخذ ينمو إلى جوار الميكروبات العنقودية قد أثَّرَ فيها، وجعلها تتحلَّل وتتلاشى من حوله.
وتبيَّنَ من الفحص الميكروسكوبي أن هذا النبت الذي دخل المزرعة هو نوع من الفطريات المعروفة باسم «البنسليوم» أو الرمامة، وهو بعض أنواع العفن التي تنمو على البقايا العضوية، ثم زرع فليمنج بعد ذلك هذا النبت الفطري على أنواع من مرق اللحم فوجده يتكاثر بشكل خيوط خضراء متشابكة كخيوط اللبد، ورشَّحَ السائل بعد ذلك فوجده يقتل الميكروبات السبحية والعنقودية وميكروب الالتهاب الرئوي والسيلان وغيرها، ووجد أن هذا المرشح لا يفقد مفعوله الشافي قبل أربعة عشر يومًا في درجة الحرارة العادية، ولا يفقد مفعوله بالغلي. أليس هذا المرشح بعينه هو ما استعمله قدماء المصريين بغلي اللحم المتعفِّن وتصفيته، واستعماله لشفاء أمراض الصدر! لله درك أيها الشعب العريق.
منذ تلك العصور البعيدة التي لاحَظَ الفراعنةُ فيها وأهلُ الصين تأثيرَ هذه الكائنات الدقيقة، قد أُهمِل استعمالها كعلاجات شافية، ومصدر لأدوية نافعة في علاج الأمراض الميكروبية، حتى النصف الأخير من القرن التاسع عشر.
ولا يثير هذا الإهمال دهشتنا إذا علمنا أن علم البكتريولوجيا قد ظهر إلى عالم الوجود في منتصف القرن التاسع عشر بعد تلك الجهودات العلمية الجبَّارة التي بذلها العالِم الخالد باستور ومعاوِنوه.
وفي الواقع فإن باستور وجوبرت عام ???? أمكنهما أن يحقِّقا أن الكائنات الميكروسكوبية لها إمكانيات إكلينيكية كعوامل علاجية في كثير من الأمراض، وهذه حقيقة طبية هامة.
وقد لاحظنا أن ميكروب الجمرة الخبيثة Bacillus Anthracis ينمو بسرعة فائقة عندما يُزرَع في بول معقم في درجة مناسبة من الحموضة، ولكن هذه الميكروبات تتوقف عن النمو إذا دخل مزرعة الجمرة الخبيثة أيُّ نوع من بكتريا الهواء العادية. ودوَّنَا في مذكراتهما بعد ذلك: «من المدهش أن هذه الظاهرة يمكن ملاحظتها أيضًا في جسم الإنسان، مما يهدينا إلى تلك النتائج المدهشة … إن ميكروب الجمرة الخبيثة ممكن إدخاله بكثرة في جسم الحيوان بحيث لا تظهر عليه أعراض المرض، وبحيث يكون السائل الملوَّث الذي أُدخِل إلى جسم الحيوان محتويًا أيضًا على بعض البكتريا مختلطة مع ميكروب الجمرة الخبيثة، وهذه الحقائق تشير إلى درجة كبيرة بآمال كبار علم العلاج.» وبعد بضع سنوات وصَفَ تاندل عام ???? في مقاله عن المادة الطافية من الهواء: أن المحاليل الرائقة تتعكر بنمو بكتريا الهواء، ولكنها تروق وتصفى مرة أخرى عندما يُزرع بعض أنواع فطر البنسليوم على سطح السائل. وفي عام ???? افترض كورنل وببس وجود مواد كيماوية معطلة تسبِّب ظاهرةَ إيقاف مفعول الكائنات الميكروبية، ويتوقف على نسبة تركيزها قتل أو تحلُّل هذه الميكروبات. هذه الكيماويات نسمِّيها الآن مضادات الحيوية.
والفوائد الطبية لمضادات الحيوية تتمثَّل واضحة في تلك الظواهر الدائمة في التربة والمجاري البرازية والماء، وفي كثيرٍ من الظواهر الطبيعية المألوفة للميكروبات. وخلال السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أمكَنَ اختبار كثير من مضادات الحيوية طبيًّا، وكان أول المجهودات الأولية عام ???? حينما ظهرت في نظرية «استبدال العلاج» Replacement Theory التي تعني تطعيم المصاب بالميكروبات المرضية بأنواع من البكتريا غير المرضية التي ثبت عمليًّا أنها مضادة للميكروبات خارج الجسم، وقد استُعمِلت هذه الطريقة بنجاح محدود في علاج السل والدفتريا والجمرة الخبيثة والكوليرا والطاعون، وغيرها. وتنقحت هذه الطريقة بعد ذلك عام ???? باستعمال خلاصات خام لهذه الكائنات المضادة للميكروبات المرضية، وفي هذه الحالات أمكن تجربة خلاصات الفطريات وأنواع البكتريا أيضًا لاختبار مدى نمو الميكروبات المرضية. وفي عام ???? أمكن تحضير خلاصة من ميكروبات الصديد الأزرق المسمَّى Ps. Pipcyamea وسُمِّيت هذه الخلاصة بيكوينيز بشكل تجاري، واستُعمِلت بكثرة في ألمانيا. وكان اتجاه رجال الصيدلة والطب نحو طريقة أفضل في تحضير هذه الخلاصات أو العصارات الخام، وكانت آمالهم طامحة إلى الحصول على مواد كيماوية نقية من هذه الكائنات أو العصارات يمكن استعمالها ضد الميكروبات المرضية، وقد استمرت جهود الصيادلة والأطباء والبيولوجيين والكيماويين والمهندسين في أبحاث مضنية دائبة حتى أمكنهم تحضير مضادات الحيوية بشكل بللوري نقي، وفي كل هذه المجهودات — التي كُلِّلت بالنجاح — كانت ترشدهم إلى الطريق تلك الملاحظةُ العلمية الهامة التي لفتَتْ نظرَ فليمنج عام ????، والدراساتُ المنظَّمة التي قام بها رجال المدرسة الإنجليزية على إفرازات أنواع الفطريات، وخاصةً العفن Penicillia. وفي السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية لم يكن هناك من الكيماويات العلاجية ضد الأمراض البكترية غير أنواع السلفا التي لم تكن خلوًّا من المساوئ عند كثير من المرضى بالحساسية، وفوق ذلك فإن هناك كثيرًا من أنواع البكتريا التي لا تتأثر بالسلفا، كما أنه قد تتوالد أنواع من البكتريا محصنة نفسها ضد أنواع السلفا. ولذلك اتجهت الأنظار إلى البحث عن مواد جديدة مضادة للبكتريا لا تكون فيها هذه المساوئ، وتمتاز بفوائد أخرى. وهنا تضافرت جهود بريطانيا والولايات المتحدة متفقتين على وضع جميع التسهيلات اللازمة، وتجنيد جميع الكفاءات العلمية لهذه الأبحاث، ووضع نظام ثابت مشترك للأبحاث العلمية على مضادات الحيوية.
وكان نتيجة هذه المجهودات المعملية المتضافرة أن خرج البنسلين من أبحاث المعمل الضيقة إلى عالم الصناعة الصيدلية الواسعة، واحتلَّ مكانه الممتاز بين العقاقير التي تكاد تكون سرية المفعول.
قبل مستهل الأبحاث المضنية المرتبة عن البنسلين، كانت أبحاث دوبو سنة ???? عن مضادات البكتريا التي أمكن تحقيقها في مزارع البكتريا الباشيلي القصيرة B. Brevis من أكبر العوامل التي أيقظت فضولَ العلماء عن مضادات الحيوية كعوامل كيماوية علاجية قوية. وقد استخلص دوبو مادةَ تيروتريسيين Thyrothricin التي ثبت أنها قوية التأثير على عديدٍ من الميكروبات المرضية التي لم تتأثَّر بالمواد الكيماوية العلاجية، ولكن من سوء الطالع أن وُجِدت هذه المادة الأخيرة سامةٌ جدًّا مما حدَّ من استعمال هذه المادة، وكانت هذه النتيجة باعثةً على نشاط البحث عن مواد أقل ضررًا. وفي عام ???? اكتشف واكسمان ومساعدوه مصدرًا لمضادات الحيوية في الفطر الشعاعي Actenomycetes، وهو نوع من الفطر الطفيلي يُعتبَر وسطًا بين البكتريا والفطر، وتطوَّرت الأبحاث بسرعةٍ وعُنْفٍ حتى استُخلِص الإستربتوميسين، وحتى توصَّل العلماء إلى تحضير كميات منه وتصديرها إلى الأسواق الطبية. ومنذ هذه اللحظات الحاسمة، احتلت مضادات الحيوية مكانةً ممتازة في الصناعة الصيدلية والعلوم الأقرباذينية، وقد قُدِّرت الكميات التي أنتجتها الولايات المتحدة عام ???? من البنسلين والإستربتوميسين بحوالي نصف العقاقير النباتية المحضرة، ومن المستحضرات المضادة للحيوية القيِّمة التي أمكن تحضيرها: الأورميسين، والباسبتراسين، والكلوروميسين، ولا يزال الكثير من هذه المواد تحت البحث العلمي الطبي. ومن المواد التي تبشِّر بالخير في استعمالها السوبتيلين والبولي مكسين، ويُقدَّر ما اكتُشِف من هذه المواد بما ينيف عن المائة، والكثير منها قد أمكن تحقيقه كيماويًّا، ولو أن القليل منها هو ما أمكن استعماله طبيًّا حتى الآن.
(?-?) علاقة المقايضة والمبادلة بين الكائنات

الكائنات الحية لا يمكن أن تعيش طويلًا دون أن تتأثَّر وتؤثِّر فيما جاورها من الكائنات الأخرى، فهي تبادل بعضها النفع كما هي الحال بين الألجي أو الضريع وبين الفطريات، ومثل هذه العلاقة تُسمَّى حياةَ الألفة: (Symbiotic) Sym = Together + Bios = Life. وقد يعيش كائن على حساب كائن آخَر مثل أنواع ندوة النبات وفطر الصدأ المرضي للنبات، وكذلك أنواع الفطريات التي تعيش طفيلية على الإنسان والحيوان، وفي هذه الحالة تُسمَّى تلك الحياة بالحياة الطفيلية فيكون أحدهما طفيليًّا والآخَر عائلًا، وفي حالات أخرى قد يمنع أحدهما نموَ الآخَر دون أي فائدة مباشِرة يجنيها، اللهم إلا أنه قد يكون في ذلك ما يساعد على إيجاد عوامل وبيئة حيوية له، وهذا النوع من الحياة يُسمَّى حياة المعاكسة أو المقاومة Antagonism، وهذا هو الباب الذي يدخل منه علم مضادات الحيوية. (?-?) كشف مضادات الحيوية من كائنات التربة

في التربة أسرار كثيرة، وفيها معين لا ينضب من مضادات الحيوية. وفي العصور الماضية كان الاعتقاد الشائع أن التربة مصدر قوي دائم لأنواع كثيرة من الميكروبات المرضية، وكان الرأي السائد أن الميكروبات التي يُعدَى بعدها الإنسان والحيوان تتسرب خلال التربة إلى مجاري المياه ومنابع الشرب فتلوِّثها.
ولكن خلال القرن التاسع عشر عندما أخذ علم البكتربولوجيا يزدهر، أخذ رسل هذا العلم يدرسون التربة، ويختبرون محتوياتها، ويبحثون عن تلك الميكروبات المرضية التي ذكرها الأولون، وبعد أن أضناهم البحث وصلوا إلى تلك النتيجة العلمية الهامة، وهي أن الميكروبات المرضية لا يمكنها أن تعيش طويلًا في التربة الطبيعية العادية.
وعندما توصَّلوا إلى هذه الحقيقة العلمية، بدأ تفكيرهم يتجه إلى أن التربة قد تكون عاملًا مرشحًا للميكروبات، أو أن هذه الميكروبات المرضية لا تتمكن من الحياة لما تحتاجه من مقومات طبيعية وكيماوية كالرطوبة ودرجة الحرارة والتغذية وغيرها.
وبعد ذلك بقليل توصَّلت أبحاث العلماء إلى أن هذه الميكروبات المرضية يمكنها أن تنمو وتزدهر في وسط من التربة المعقمة، وأن هذا الوسط يلائم نموَّها وتكاثُرَها أكثر من التربة العادية غير المعقمة، ومن هذه النقطة أمكنهم أن يصلوا إلى فرضٍ علميٍّ، وهو أن الكائنات المجهرية التي تحويها التربة غير المعقمة هي التي تقف عائقًا في سبيل الميكروبات المرضية التي تتلوث بها.
وإذا استثنينا ميكروبات الجمرة الخبيثة والتيتانوس أو الكزاز والغنغرينا أو الأوكال والتيفود، فإن أغلب ما عداها لا يستطيع العيش أكثر من بضعة أيام في التربة العادية؛ إما لأنها لا تجد فيها غذاءها الكافي، أو لأنها لا تستطيع التغلُّب على ميكروبات التربة، أو لأنها لا تنسجم معها في وسط واحد.
وهناك افتراض على شحذ همة دوبو للبحث المستمر، وهو أن فناء الميكروبات المرضية من التربة قد يتسبَّب عن تكوين مواد مضادة للحيوية بواسطة ميكروبات أخرى تتعارض معها، وأن الكائنات غير المرضية قد تنشط في حالة وجود الميكروبات المرضية، ومن هنا بدأ دوبو يضيف إلى التربة كميات من مزارع صناعية ميكروبية ليحصل مقابل ذلك من التربة على كميات أوفر من مضادات الحيوية، وكان نتيجة هذا أن حصل في عام ???? على مادة الجراميسدين، وهي مادة مضادة للحيوية تنتجها الكائنات الطبيعية الموجودة في التربة «العصيات القصيرة Bacillus Brevis»، وكانت هذه المادة شديدة التأثُّر على كثيرٍ من الميكروبات الإيجابية، ومن هنا ثبت علميًّا أن التربة رغم أنها مستودع كبير للأمراض إلا أنها قد تكون أيضًا مصدرًا هامًّا للمواد العلاجية الكيماوية المضادة. ومن المجموعات العديدة التي كشفها العلماء من مضادات الحيوية أمكنهم التعرُّف على عشر مواد فعالة منها، وأمكنهم وصفها علميًّا، ومن بين هذه المواد العشر كان الإستربتوميسين واحدًا منها، ومع أن الكثير من الكائنات المجهرية تعطينا مظاهر مضادة للحيوية، إلا أن القليل منها يمكن الاستفادة منه من حيث القيمة الصيدلية الطبية.
وهناك اثنان آخَران من مضادات الحيوية التي اكتُشِفت حديثًا قد احتلَّا مكانًا ممتازًا من الناحية العلاجية والصناعية، وهما الأوروميسين والكلورميستين. ثم تتابع الكشف عن بعض مضادات الحيوية، التي بينها البوليكسين Polymexin الذي يؤثِّر على البكتريا الإيجابية، والسوبتلين Subotilin الذي يظهر أنه مضاد لحيوية ميكروبات السل، وبعض العناصر الأخرى المستخلصة من الكائنات المجهرية، والتي ثبت أنها تؤثِّر في نمو الخلايا السرطانية. (?-?) أهمية مزارع الانتشار والنمو

يتوقف مدى العلاقة وقوتها بين أفراد المجتمع أيًّا كان إلى حدٍّ كبيرٍ على حقول زراعتها، ويمكن تعريف مزرعة الانتشار بأنها الدائرة التي يمكن لقوتين أو أكثر فيها أن تُحدِثَا تأثيرًا، والتي فيها تتواجد تركيزات متدرجة لهذه العوامل.
وهذه القوى المنتشرة في المزارع، والتي يحدث بينها الصراع قد ترجع إلى عوامل كيميائية طبيعية، كما هي الحال في مزارع الكائنات المجهرية وبعض النباتات، وفي هذه الحالة تكون مسئولة عن مقاييس محكمة بطرق طبيعية كيميائية. وقد تكون هذه القوى غير ملموسة، ولكنها حقيقة لها تأثيرها الفعَّال كالعوامل الاقتصادية والنفسية والروحية، وهذه هي الحالات التي يصعب إيجاد مقاييس ثابتة لها يمكن تمييزها.
(?-?) تركيز ثريشولد Threshold concentration

الاستجابة في جميع الوظائف الحيوية تتوقف على التغييرات الطبيعية والكيميائية التي تحدث في الأوساط التي تعيش فيها، فإن التغيرات التي تحدث في الأوساط المعيشية لا تُحدِث تغييرات ظاهرة في حياة الكائنات حتى تصل درجة تركيز ثريشولد إلى حدٍّ خاصٍّ، ويتضح هذا جليًّا عند استعمال أطباق تعقيم البنسلين.
وفي التقدير البيولوجي للبنسلين تُملَأ أطباق بتري Petri بالآجار المغذى، ثم تُطعم بدرجة رقيقة من البكتريا، وتكون عادة من الميكروب العنقودي الذهبي Staphy lococcus Aureus، ثم تُثبت أسطوانة زجاجية أو معدنية قطرها ? ملليمترات عمودية على سطح الآجار بحيث لا يسمح طرفها الملاصق بالتسرب، ثم تُملَأ هذه الأسطوانة بالمحلول المراد اختباره والمحتوي على المادة المضادة للحيوية، ثم تُوضَع الأطباق في مفرخات تحت درجة حرارة ?? لوقتٍ محدود. وبعد مدة حضانة مناسبة نجد حول كل أسطوانة منطقة نظيفة لا تنمو فيها الميكروبات العنقودية Zone of Inhibition حيث ينعدم وجود البكتريا بفعل مضاد الحيوية، وتتوقف مساحة هذه المنطقة على نسبة تركيز السائل الموجود داخل الأسطوانة، ويحدد هذه المنطقة التي تنعدم فيها الميكروبات منطقة ضيقة جدًّا تتزاحم فيها البكتريا، وهي تشبه منطقة الاحتشاد للقتال، وخارج هذه المنطقة المزدحمة منطقة يكون فيها النمو طبيعيًّا. ويجب أن تكون هذه التجارب الاختبارية تحت ظروف واحدة من نسبة المزرعة وكثافتها، وطريقة التهوية، ودرجة الحرارة، ولكن عاملًا واحدًا هو الذي يختلف، وهو نسبة تركيز محلول المضاد للحيوية. (?-?) التركيز المناسب Optimal concentration

لُوحِظ في التجارب الاختبارية في المعمل أن درجة إيقاف نمو الميكروبات أو قتلها بمحلول البنسلين لا تتوقف دائمًا على نسبة تركيز المحلول، وقد أُجرِيت عدة تجارب عام ???? لُوحِظ فيها أن البكتريا قد يتوقف نموها أو تموت في محاليل مخففة أكثر منها في المحاليل المركزة من البنسلين، وهذه ظاهرة طريفة سنعود إلى دراستها فيما بعدُ.
وتُسمَّى درجة التركيز التي فيها يموت أكبر عدد من البكتريا بدرجة التركيز المناسبة، ويكون أي محلول تنقص أو تزيد نسبته عن هذه الدرجة ضعيفَ التأثير.
(?) الهرمونات

اعتقد الإنسان منذ أقدم الأزمان أن أعضاء جسم الإنسان المختلفة والحيوان لها تأثير طبي يكاد يكون مفعوله كالسحر، كما كانوا يعتقدون أن في استطاعة الإنسان أن يقوي شخصيته في النواحي الضعيفة منها بتعاطي أعضاء جسم الإنسان أو الحيوان؛ فكان الجندي يعتقد أنه إذا أكل قلب عدوه زاد جرأةً، واشتدَّ شجاعةً وإقدامًا، وقد حدث هذا للاسكتلنديين في حروبهم عام ???? ميلادية. وكان الإنسان يعالج اليد باليد، والمخ بالمخ، والكلى بالكلى وهكذا، كما كانوا يعتقدون أن الأمراض العضوية هي نتيجة نقص في هذه الأعضاء؛ ولذلك كانوا يعالجونها بالأعضاء الحيوانية المختلفة، وقد ورد الكثير من أمثال هذه الوصفات في برديات قدماء المصريين، ودساتير الصين والهند.
وقد وُصِفت الخصية لعلاج ضعف الرجولة، كما وصف ديسقوريدس خصيةَ الديك لزيادة القوة الجنسية عند الرجال، ووصف أطباء العرب الخصيةَ كذلك للضعف الجنسي.
وقد تطوَّر العلاج بالأعضاء الحيوانية تطورًا كبيرًا في العصور الوسطى خرج عن حد المألوف والمقبول، وقامت ضده ثورة العلماء في القرن الثامن عشر.
وقد عرف قدماء المصريين أن إفرازات الجسم تحوي عناصر مميزة لهذه الأجسام في كل حالة من حالاتها، حتى إنهم تذكَّروا في تذكرة مشهورة لهم للتحقُّق من نوع الحمل إذا كان ذكرًا أم أنثى … استعمال بول الحامل. وقد تطوَّرت معرفة الإنسان لتلك العناصر المميزة بتوسعه في دراسة الغدد الصماء وموادها الفعالة، وقد استهوى هذا البحث العلماء في القرن التاسع عشر، أو بالأحرى في النصف الأخير منه، وفي بداية القرن العشرين.
ففي عام ???? كشف برثولد Berthold أن تطعيم ذكور الدواجن بخصية الديك يسبِّب نمو عرف الديك نموًّا ملحوظًا، ثم في عام ???? سيطرت على عقل شارل برامن سيكوارد فكرة البحث عن أسباب الشيخوخة، وعلاقة الخصيتين بشباب الذكور ونشاطهم، فجمع الكلاب الهزيلة وحقنها تحت الجلد بخلاصةٍ حضَّرها من خصية الخنازير الشابة، ولم يلاحظ بين اثني عشر كلبًا أيَّ أثر ملحوظ إلا في كلبٍ واحد بدأت عليه علامات الحيوية والنشاط. ثم أجرى تجاربه بعد ذلك عام ???? على الأرانب العجوزة، وكانت النتيجة تبشِّر بالخير؛ إذ ظهر على هذه الحيوانات تقدُّمٌ كبير. ومنذ ذلك التاريخ سيطرت على أفكار العلماء والجماهير فكرةُ استعمال الخصى للتقوية الجنسية، وتقدَّمَ البحث الطبي وكُشِفت الخصائص التشريحية للغدد الصماء كالدرقية والبنكرياس والمبيض والخصية والطحال، وتتابعت آلاف التجارب.
وفي عام ???? صنع الطبيب الإنجليزي جورج أوليفر دواءً قدَّمه إلى العلَّامة إدورد شيفر الأستاذ بجامعة لندن، وقال في تقديمه إنه إذا أُعطِي منه مقدار ضئيل لشخص ما، تنقلب حالته رأسًا على عقب فيتولاه الخوف الشديد، ويصفرُّ لونه، ويسرع نبضه، وينهمر عرقه، ثم يشعر برعدة يعقبها ارتفاع في الضغط … وكانت هذه المادة هي خلاصة غدة فوق الكلى، ولم يأتِ عام ???? عند نهايته إلا وكانت مادة الأدرنالين قد عُرِفت، وكانت أول هرمون عرفه العالم وحضَّره الكيماويون صناعيًّا في أنابيب الاختبار، وقد أمكن تحضيره من متخلفات قار الفحم. وكلمة هرمون تعني باليونانية الشيءَ المنبِّه أو الحافز.
وفي عام ???? أثبت موتيزشيف أن الخنازير (غينيا) تموت إذا استؤصلت غدتها الدرقية، وأثبت بعد ذلك أنه يستطيع إنقاذها من الموت إذا طعَّمها بهذه الغدة بعد استئصالها، وأمكنه أن يقرِّر أن هذه الغدة تفرز أو تقوم في الجسم بدور أساسي.
وفي عام ???? أجرى جوزيف فون فريج وأوسكار منكوفسكي تجاربهما على غدة البنكرياس، فأدَّى إلى الكشف عن مادة الإنسولين على يد الطبيب فريدريك بان تنج عام ????، ولم يأتِ مستهلُّ القرن العشرين إلا وكانت الهرمونات قد احتلت المكانة الأولى بين أبحاث العلماء والكيماويين.
ففي عام ???? أمكن ستنياخ Steinqch أن يمنع أو يوقف تغيرات العقم عند المرأة؛ بتطعيمها بخلاصة المبايض، وفي عام ???? أمكن أدلر Adler أن يزيد نمو الرحم باستعمال خلاصة المبايض، وفي عام ???? كشف فرانك أن السائل الفصيصي للمبايض يحتوي على هرمون، وفي عام ???? أعلَنَ ألن أنديزي لأول مرة على العالم مكان التقدير الكمي للهرمون النسائي. وفي عام ???? أمكن أشيم Ascheim وزندك Zondek الكشف عن الهرمونات النسائية في بول الحوامل. وفي عام ???? أمكن فنك Funk وهارو Harrow الحصول على الهرمون الذكري من بول الرجال. وفي نفس العام أعلن كوخ إمكان التقدير الكمي الفسيولوجي للهرمون المذكر، وأمكن دويزي Doisy في نفس العام استخلاص مادة بلورية من بول الحوامل وهي الإسترون. وفي نهاية عام ???? أمكن بوتنندت Butenandt استخلاص هذا الهرمون ومعرفة التركيب الكيماوي له، كما استخلص في عام ???? الهرمون المذكر مبلورًا وسمَّاه Androsterone. واستمرت أبحاث العلماء تتابع في الكشف عن مختلف الهرمونات الجنسية، ومحاولة معرفة تأثيراتها على الدورات الجنسية عند الرجل والأنثى، وعلى مظاهر الشيخوخة عندهما، حتى توصلوا في آخر الأمر إلى تقديرها وتحضيرها في المعمل، ومعرفة الأمراض التي تتسبَّب عنها أو عن نقص وجودها، وعلى العلاقة بين هذه الهرمونات وبين الدورة الحيوية في الإنسان.
وتطوَّرَ البحث بهم إلى معرفة وظائف الغدد الصماء جميعها، وتحضير مختلف المستحضرات التي تحل محل هذه الهرمونات.
(?) الفيتامينات

وقصة الفيتامينات قصة قديمة يرجع بها التاريخ إلى أيام قدماء المصريين حين لاحظوا ظهور بعض الأعراض المرضية على الإنسان، التي يمكن شفاؤها بنوعٍ خاصٍّ من الغذاء. وقد جاء في بردياتهم الكثيرة عن تاريخ الفيتامينات، وعن تأثير بعض أنواع الغذاء لشفاء أمراض خاصة، ولو أنهم لم يذكروا أسماءها، ولكنهم أعطوا الفكرة الأولى عن وجود عناصر فعَّالة في هذه الأغذية أو النباتات يمكنها شفاء بعض الأمراض.
وقد جاء في أغلب بردياتهم الطبية ما يثبت أنهم وصفوا الكبد لعلاج مرض الإعشاء بالليل Night Blindnesf، سواء وصفوا هذا الكبد نيِّئًا أو مطبوخًا أو مجففًا أو مسحوقًا، وقد أثبتت الأبحاث الأخيرة في القرن العشرين أن الكبد هو أغنى المصادر الغذائية بالفيتامين أ A، وأن هذا الفيتامين هو العلاج الوحيد لهذا المرض. وفي عام ???? أثبت هوبكنز أن إطعام الفئران بكميات من اللبن يزيد نموها، كما أثبت ديفز عام ???? أن اللبن يحتوي على عنصرين فعَّالين ضروريين للنمو، أحدهما يوجد في الزبدة وسمَّاه: (أ) الذائب في الدهن.
(ب) الذائب في الماء.
ومن هذا بدأ استعمال الحروف الأبجدية في تسمية هذه العناصر الفعالة التي أخذت فيما بعدُ أسماءً مختلفة حسب تركيبها الكيماوي، عند الكشف عن تركيبها الكيماوي وشكلها الجزيئي.
ولا يمكن إرجاع الفضل إلا لذويه، فجميع مَن تضامنوا في الكشف عن عناصر المواد الفعالة في الأغذية (الفيتامينات) يرجع إليهم الفضل. فالإنسان الأول الذي لاحظ تأثير بعض الأغذية في النمو وعلى الأمراض هو صاحب فضلٍ في الكشف عنها، والكيماوي الذي استخلصها من هذه المواد والأغذية هو صاحب فضل أيضًا، والذي درس تركيبها وحدَّد شكلها هو صاحب فضل أيضًا، والذي صنعها في المعمل من مواد كيماوية هو صاحب فضلٍ، ما في ذلك شك.
وقد لاحظ قدماء المصريين ما في الحلبة من فوائد صحية جزيلة، فكتبوا فصلًا ملحقًا ببردية أدون سميث استخلصوا فيه زيت الحلبة واستعملوه لإعادة الشباب، وفي مرهم لإزالة تجعدات الوجه، كما أضافوا دقيق الحلبة إلى الدقيق العادي ليزيد من قوته الغذائية، ويمنع بعض الأمراض التي تتسبَّب من أكل الخبز العادي، مثل البلاجرا الذي ينتج عن نقص حامض النيكوتينيك. كما وصفوا نبات الخص للضعف الجنسي، وكان هو النبات المفضَّل عند الإله مين إله التناسل، حتى لا نجد صورةً أو نقشًا لهذا الإله إلا وفي يده الخص، أو يُقدَّم له الخص قربانًا، وقد أثبتت الأبحاث الأخيرة التي أُجرِيت على الفئران في القرن العشرين وجود الفيتامين د E بكميات وافرة في هذا النبات، كما ثبت علاقته الوثيقة بالدورة الجنسية عند الذكر والأنثى. وقد لوحظ أن البحَّارة الذي يجوبون البحار، ويطعمون على الأغذية المحفوظة يُصَابون بمرض الاسقربوط Scurvy، ولُوحِظ أن هذا المرض ناتج عن نقصٍ في التغذية بعد التجارب التي أجراها لند Lind عام ???? عندما أخذ اثني عشر مريضًا بالاسقربوط، أطعمهم على أنواع مختلفة من الغذاء مختلفة التركيب والكميات، وكانت هذه الأغذية التي استعملها في تجاربه تحتوي على حامض الكبريتيك والخل وماء البحر والبرتقال والليمون، وبعض المشهيات كالثوم والخردل والمر والتمر هندي … إلخ، فلاحظ شفاء المرضى الذين يطعمون بالبرتقال والليمون في ظرف أسبوع واحد شفاءً تامًّا، مع بقاء الآخرين بأعراض أمراضهم رغم إطعامهم بالأغذية المذكورة، ومن هنا لاحظ أن البرتقال والليمون يحتويان على عناصر فعَّالة يتسبَّب من نقصها في التغذية ظهور ذلك المرض. وأمكن القطع بتلك الحقيقة بعد أبحاث هولست Holst عام ???? على خنازير غينيا. وفي عام ???? أمكن زنت جورجي Szent Gyorgi استخلاص مادة الفيتامين ج من خلاصة غدة فوق الكلى وعصير البرتقال، وسماه Hexuronic acid نسبةً إلى خاصته المختزلة، وأمكن التحقُّق من طبيعته وتأثيره، وتسميته بفيتامين ج عام ???? بعد أبحاث تلمانز زنت جورجي وكنج. وأمكن بعد ذلك بالتجارب العلمية إثبات أن مرض الاسقربوط يتسبَّب في الإنسان والقردة وخنازير غينيا عن نقص هذا الفيتامين، أما الحيوانات الأخرى كالكلاب والفئران فلا تمرض من نقصه؛ لأن جسمها يقوم بعملية بناء هذا الفيتامين.
وفي عام ???? لاحظ تاكاكي أن مرض بري بري المتفشي في الأسطول الياباني يمكن شفاؤه بإضافة الخضروات إلى اللحم وإلى أغذيته. وفي عام ???? كان إجكمان Eejkman يجري أبحاثه على مرض البري بري في جاوا، ولاحظ أن الطيور والدواجن إذا أطعمت على الأرز المصقول الأبيض الذي انتُزِع منه القشرة والجنين يحدث لها شلل في بعض أعضائها، يمكن شفاؤه إذا أطعمت بالأرز غير المقشور، ومن هنا أمكن أن يستنتج أن شفاء هذه الدواجن كان نتيجة لمادة تحويها قشور الأرز وأجنته، وتتابعت أبحاثه بعد ذلك على هذا العنصر الذي سُمِّي فيما بعدُ بالثياسين أو فيتامين ب? الذي أمكن استخلاصه عام ???? بعد أبحاث جنش ودونات. وفي عام ???? أمكن ر. ر. وليامز بعد أبحاث مضنية دامت خمسة وعشرين عامًا في أمريكا؛ الكشفُ عن تركيبه الكيماوي، وبعد ذلك أُجرِيت أبحاث كثيرة على فيتامين ب المركب إذ أمكن وضع الخميرة في درجة حرارة عالية تتلف فيتامين ب?، ولا تتلف العناصر الأخرى التي أمكن التحقُّق من تأثيرها بكثيرٍ من التجارب على الفئران والكلاب، وأمكن فيما بعدُ معرفة أنها تحتوي على فيتامين ب? الذي أمكن فصله إلى ربوقلافين وحامض النيكوتينيك، وهذا الأخير أمكن تحقيق وجوده عام ???? في الخميرة، وأمكن تحقيق تأثيره كفيتامين عام ????، ومن الأمراض الشائعة التي تسبَّبت عن نقص حامض النيكوتينيك من الطبقات الفقيرة في مصر خاصةً هو مرض البلاجرا الذي يتفشَّى بشكل ذريع بين الفلاحين الذي يأكلون خبز دقيق الذرة، وبذلك يضاف إلى هذا الدقيق كمية من دقيق الحلبة الغني بحامض النيكوتينيك. وقد عُرِف مرض لين العظام منذ أقدم العصور، ولدينا بعض الصور الفرعونية التي ترينا أعراض هذا المرض، وكانت هناك محاولات كثيرة لأنواع مختلفة من الأغذية لشفاء هذا المرض، حتى جاء عام ???? حين أمكن ميلانبي Mellanby إصابة بعض الكلاب بمرض لين العظام وشفاؤها بعد ذلك بإطعامها بزيت كبد الحوت، ثم أُجرِيت التجارب بعد ذلك التي أمكنت الشفاء بتعريضها للأشعة فوق البنفسجية، وهاتان الملاحظتان ألفتت أنظار العلماء إلى العلاقة بين الغذاء والأشعة فوق البنفسجية والعنصر الفعَّال في زيت السمك؛ مما دعاهم إلى تعريض بعض الأغذية إلى الأشعة فوق البنفسجية، ثم إطعام المرضى بها، ولشد ما كانت دهشتهم عندما زالت أمراض لين العظام. ومن هنا أمكن معرفة العلاقة الوثيقة بين فيتامين د D وقوة الإشعاع فوق البنفسجية. هذه قصة موجزة للفيتامينات يطول الوقت لو سردنا تفصيلها. (?) مركبات السلفا

اشترك هنريك مورلين الكيماوي وجرار دوماك الباثولجي في أبحاث مضنية منذ عام ???? على أنواع الأصباغ المختلفة، وتأثيرها على الميكروبات المختلفة بمساعدة متش وكلار حتى تمكنوا جميعًا في عام ???? من الكشف عن مكرب كيماوي يقضي على الميكروبات السبحية، وقدَّمَه هؤلاء إلى الدكتور شرويس لإجراء أبحاث عليه، وقد شاءت المصادفة الحسنة أن يُستشَار هذا الطبيب لعلاج طفل لم يتجاوز العام من عمره أُصِيب إصابة قوية بالميكروبات العنقودية، وفكَّرَ شرويس تفكيرًا سليمًا عندما جال بخاطره ذلك التشابُهُ الكبير بين الميكروبات العنقودية والسبحية، وأحذ من ذلك الدواء الجديد الذي صُنِع على شكل أقراص حمراء داكنة، وأعطى الطفل نصف قرص منها، ولم تمضِ ساعتان حتى اصطبغ جسم الطفل بلون قرمزي، وفي المساء أعاد الطبيب الجرعة، وما إن جاء الصباح حتى كانت حالة الطفل قد هدأت، وحرارته قد انخفضت، فكاد يطير من الفرح، واستمرَّ في علاجه يوالي جرعات الدواء حتى شُفِي الطفل تمامًا، وكان ذلك الدواء هو أول مركبات السلفا المسمى بالبرونتوزيل الأحمر الذي قاتَلَ في ميدان الأمراض قتالًا عنيفًا ضد الميكروبات المختلفة. وفي عام ???? كتب رومان التقارير الطويلة عن تلك الصبغة الحمراء التي سُمِّيت بالبرونتوزيل، والتي نال بسببها جائزة نوبل في عام ????. كان ابن الرئيس روزفلت يقاسي سكرات الموت في مستشفى بوسطن من إصابته بالميكروبات السبحية، وعندما وصلته تلك الأقراص الحمراء أمَرَ الأطباءُ بإعطائها له، فكانت سببًا في شفائه.
واستمرت الأبحاث الكيماوية على مادة البرونتوزيل، ففصلتها قسمين؛ وجدوا أن القسم الفعال منها هو بارامينوبنزين سلفوناميد الذي سموه فيما بعدُ سلفانيلاميد الذي قضى فيما بعدُ على استعمال البرونتوزيل، وتتابعت الأبحاث بعد ذلك حيث كشفوا عام ???? في المعامل البريطانية عن مركب السلفابريدين الذي سُمِّي بأسماء كثيرة منها ???، والداجنان، الذي لعب دورًا كبيرًا في شفاء أمراض الالتهاب الرئوي، والمسالك البولية، والحمى الشوكية.
وأخذ العلماء يتنافسون بألعابهم الكيماوية في تحضير مركبات مختلفة من السلفا، كل منها يؤثر تأثيرًا خاصًّا على نوع من الميكروبات، فكشفوا عن سلفاثيازول وسلفاديازين وسلفاميرازين وسلفاميزاثين وسلفاجواندين وسلفاسوكسدين، وغيرها من المركبات التي خدمت الإنسانية في علاج كثير من الأمراض الوبائية الخطيرة.
وكانت آخِر الأبحاث الهامة على مركبات السلفا تلك التي قامت بها معامل هوكست وغيرها من المعامل، إذ بينما كان الكيماويون فيها يحاولون الحصول على مركبات من السلفا أقل ضررًا وأكثر نفعًا، إذ تمكَّنوا من الحصول على مركب من السلفا تسبَّب عنه نقص كميات السكر الموجودة في الجسم، مما قادهم إلى التفكير في أن هذه المركبات قد تكون ذات فائدة في علاج مرضى السكر، وفعلًا قد تُوِّجتْ أبحاثهم بنجاح كبير، وثبت أن هذا المركب له من المفعول ما يشبه تأثير الأنسولين، ويمكن تعاطيه بالفم على شكل أقراص، وقد سُمِّي هذا المستحضر Bz55، كما سمَّتْه معاملُ هوكست بالإنفنول Envenol.